وليد العرفي جاء في تعليق على ما كتبته عن الشاعر عبد الإله الياسري الآتي: "الشاعر عبد الإله الياسري يستحق أن يكتب عنه من قبل نقاد الأدب الكبار

ومبادرة الأستاذ وليد العرفي بالكتابة عنه يشكر عليها

فقد قرأت له مقالات نقدية عن قصائد بعض الشعراء الذين نشروا في المثقف

لكنّ أهم وأشهر الشعراء لم يتطرق إلى قصائدهم

ما هو السبب ّ

وهو يعرف جيدا من أعنيهم .

هم في الحقيقة في غنى عن أن يكتب عنهم

لأنّ أشعارهم أعلى وأسمق قامة من أيّ ناقد "

وتوضيحاً لما ورد بين مقبوسين أشير إلى أنني أتفق معه في استحقاق الشاعر الياسري للنقد، وأنا ما كتبت إلا لقناعتي بذلك، وما كنت أنتظر الشكر، لأنني أنطلق في نقدي من استحقاق النص لنقد وقول كلمة حق فيه فتعاملي مع النص،وليس مع قائله، فأنا أبعد ما أكون عن الشخصنة، فجميع من كتبت عنهم أو من سأكتب عنهم هم أخوة لي، وعلى مسافة واحدة مني عاطفياً، وأما الكتابة فلها موضوعاتها الأخرى التي تخضع لمنهجية ورؤيا خاصة لا علاقة لها بالشاعر وبما يكتبه الآن، وقد كان من الغريب القول بأني أنتقي شعراء على حساب آخرين، أو أنني لم أكتب عن شعراء ويطالب بمعرفة السبب، ويدعي بمعرفتي بهم؟! وأنا لا أعرف من يقصد في الحقيقة ثم يتابع أنهم أعلى وأسمق قامة في غنى عن أن يكتب عنهم أي ناقد؟ !!! وأنا شخصياً لا أعرف شاعراً في الدنيا يترفّع عن نقد، ولا أحد يدّعي الكمال!!

وأشير إلى أنني كتبت عن أكثر من 100 شاعر على اختلاف عصورهم وجغرافيتهم منذ امرىء القيس وحتى امرىء هذا العصر، فأين الانتقائية أو المعرفة الشخصية التي تربطني بامرىء القيس، ومالك بن الريب ونزار قباني ومحمود درويش وأدونيس والبوصيري والسياب والبريكان.... الخ وهي أبحاث منشورة في مجلات علمية محكمة ورصينة .

 ولم يكتف بالتعليق الأول فأضاف تعليقاً آخر جاء فيه :

"الناقد كالقاضي عليه حين يُصدر أحكامه النقدية أن يكون بعيدا عن كل التأثيرات والمؤثرات

إنّ ما يفسد النقد هو (المجاملات قيمة النص ومستواه الأدبي هو المعيار والأساس الذي يجب أن يرتكز إليه الناقد في تناول النصوص موضوع النقد

وفي هذا التعليق أشير إلى النقاط الآتية:

 1- ذكر أن النقد يجب أن يبتعد عن كل التأثيرات والمؤثرات ولا أدري أية تأثيرات يقصد، ولا عن أية مؤثرات يتحدث، فما كتبته كان بتأثير الكلمة التي وجدت فيه ظاهرة تستوجب التوقف عندها، وتسليط الضوء عنها، وعن موضوعة المجاملة؟ وأقول أين المجاملة فيما ورد من نقد للقصائد التي درستها 

وما يثير الغرابة قوله: " وإنّ كتابة المقال النقدي فيي نفس اللحظة التي تنشر فيها القصيدة لا يساهم في تكوين فكرة شاملة عن النص ولا يعطيه حقه من التمعن والدراسة واستبطان الجوانب الجمالية والفكرية فيه، وبالتنتيجة يقود إلى السطحية والشرشرة، ويكون مجرد فعل إعلامي ودعاية، وهو بالتالي بتنافى مع أصول النقد والتقاليد الأدبية ولا يخدم الشاعر أو الأديب بل يضره وهذا ما لاحظته في المقال النقدي الذي كتبه الأستاذ العرفي عن قصيدة سامي العامري فقط حاولت أن أنبّه إلى هذه النقطة المهمة "  ولتوضيح ذلك أقول للأخ المعلق ما من نقد تناول قصيدة في لحظتها، ولو كنت موضوعياً ومتتبعاً لما نشرت لتأكدت بنفسك، وأدركت أن السرعة في إطلاق الحكم كانت وراء ما ادعيته من دون دليل وعد للقصائد المدروسة ستجد أن قصيدة الشاعر مصطفى علي " نزهتي الصباحية " أو قصيدة يتهادى حلما للأستاذ ماجد الغرباوي على سبيل المثال لا الحصر منشورة منذ ثلاثة أعوام، وحتى قصيدة الياسري المنشورة اليوم وكانت سبب تعليقك الذي يبدو أنك تسرعت، وقد أوهمه إشارة المرجعية للقصيدة أنها المنشورة حالياً نزيف الشمس، والحقيقة أن ما تناولته من شعر الشاعر الياسري ليس له علاقة بالقصيدة المنشورة، وإنما هي دراسة تشمل بعض شعره المنشور منذ سنوات بعيدة، وهو ما لم ينتبه إليه كما جاء في العنوان، ثم يتوصل المعلق الكريم إلى أن ذلك يصل إلى "السطحية والشرشرة" ولا أعرف ما يعني بالسطحية ولم أفهم كذلك الدلالة العميقة لمصطلحه الجديد الشرشرة؟!! ثم يقول أن الكتابة بهذه الطريقة تكون إعلامية ودعاية فعن أية دعاية يتحدث، وهو بالتأكيد يعلم أن عدد من يقرأ لا يتجاوز عدد الأصابع في الإنسان، فإنما نحن نكتب لوسطنا فأية دعاية يقصد؟! وكنت أتمنى عليه ونحن ممن يحترفون الكلمة والأدب أن نتكلم في الأدب بعيداً عن الشخصنة، ومن المفروض أن تكون لغة لائقة بمن نكتب عنهم أو نخاطبهم، أما أن نرمي التوصيف جزافاً وعلى غير وجه حق فأعتقد أن هذا الأمر لا يليق بمن يرى في الكلمة الطيبة شجرة يبذرها، ويدلل أخيراً على قوله ذلك بما كتبته عن قصيدة الشاعر سامي العامري التي تناولت فيه قضية الموسيقى، على أنها ظاهرة كانت قد ارتبطت بحديث سابق بيني وبين الشاعر عن تلك القضية، ووعدني بكتابة قصيدة على البحر نفسه، وكانت تلك الدراسة عنها من هذا الجانب، ولم أجد أن الشاعر نفسه قد أبدى انزعاجاً، بل على العكس من ذلك، وأخيراً لم يهمس لي أحد الأخوة الشعراء ممن كتبت عنهم نقداً أنه تضرر بسبب مما كتبته، وإن صح ذلك فليأتني بمن يوافقه على ذلك الإضرار!

أخيراً  أقول من يطلق الحكم ويتبنى الموضوعية عليه أن يكون دقيقاً وحيادياً في مقارباته وتعليقاته لا أن نرمي القول على عواهنه: "وقل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"

والحقيقة لم أكن أرغب في الدخول بهكذا حديث غير أن رغبتي في التوضيح دفعتني إلى الإبانة

 

د. وليد العرفي

 

لدينا بعض البحوث الفنية تدعو الى استكشاف، بعد ان غزت الغثاثة البحوث المدعية المعرفة او شؤون الثقافة، والثقافة بمفهومها العام تشمل كل شيء في حياتنا ومنها كمثال عاداتتا الغذائية ونوعه والاثاث المنزلي باعتباره احد المنتجات الابداعية والفنون الحياتية وهذا الجانب او المنحى الفني والحياتي من اكثر الفرع الفنية تطورا ولكن عدم الاهتمام به لا يلغي اهميته في الحياة اليومية وربما يفوق في الحياة العملية العديد من الفروع الادبية والثقافية والفنية الاخرى لكنه غير منظور بحكم العادة او الالفة .

وقد يفوق رواد الصالات البيتية اعداد رواد المعارض التشكيلية او النحتية باعتبارها ملتقى افراد العائلة والضيوف من مختلف الشرائح والمستويات الثقافية والاجتماعية . وتشكل بعض نماذج من هذه الصالات دافعا لتقليدها وانتشارها باشكال وترتيب مختلف ومتباين لا يقل تأثيرها عن تأثير اللوحة التشكيلية او المنحوتات التي تعرض وتختفي خلال ايام معدود .

ما يؤشر ان الفنون بمستوياتها التقليدية المعروفة لم تعد الرافد الوحيد للثقافة الفنية والذوق العام في المجتمع . لانها انتقلت الى حياتنا العملية بشكل غير محسوس، ودخلت الفنون والابتكارات سواء بتصاميمها الفنية او طرق استعمالها بجميع شؤون حياتنا اليومية والاجتماعية واصبح الفن جزءا غير محسوس نصادفه في كل مكان تقريبا،اثناء تجوالنا في المدن والاسواق، حيث نصادف معارض فنية بشكل يومي تبيع مختلف المواد واللوازم الضرورية وتحتوي على جميع المؤثرات المفترضة لمعارض الرسم او النحت اي الجاذبية والتأثير الذي يغني الثقافة الفنية وينمي الذوق الفني العام لدى المشاهد والمستهلك . 

والمثال الاقرب اذا اخذنا احد الشوارع او المنتزهات فان المنحوتات او النصب تشكل حيزا صغيرا من الشارع او المنتزه قياسا بفضائه واحيانا تطغى مكونات الشارع الاخرى خاصة اذا كان تجاريا على المنحوتات والنصب او الابنية التراثية واشكالها الفنية اذا كانت تقع ضمن الشارع او فضائه العام،وفي كل الاحوال فان نصب ومنحوتات الشارع او المنتزه ليست وحدها من يقرر جاذبية الشارع او المنتزه او الرافد الوحيد لتشكيل الذوق الفني للرواد وانما احد روافده الاساسية .

القشلة وشارع المتنبي اوحيز المكتبات بشارع السعدون عبارة عن لوحات تشكيلية متحركة غير ثابتة سوى عناصر محدودة فيها تقع ضمن مكوناتها كلوحات تشكيلية مجسدة بالوان واشكال مختلفة ومتغيرة . وتشكل احد الروافد الاساسية للتأثير في الذوق الفني العام مع بعض الخصوصيات رغم انها ليست كذلك بمفهوم الفن التشكيلي وتقنياته ورغم ان تأثيرها يفوق تأثير معارض الفنون التشكيلية مهما كانت شهرتها وانتشارها يظل تأثيرها محدودا قياسا باللوحات التشكيلية المتحركة لتلك الشوارع والمنتزهات وحجم تأثيرها على الذوق العام من الناحيتين الثقافية والفنية .

هذا لا يقلل من اهمية اللوحات التشكيلية او الفنون التشكيلية والمنحوتات وتأثيرها، رغم اننا نعتبرها مؤشرات على ان اللوحة والمنحوتة لم تعد معزولة عن الحياة وانما دخلت في العديد من نواحي حياتنا العملية بطريقة او باخرى، ولم يعد الفن التشكيلي او النحتي قابلا للتاثير او المساهمة بصياغة الذوق العام اذا ظل حبيس ابراجه العالية ليتغلغل بشؤون حياتنا ومقتنياتنا واشكالها المجسدة لهذه الفنون.

وعلى الصعيد الادبي لم يعد الشعر ديوان العرب، او الرافد لتطوير اللغة خاصة الشعر التقليدي منه واصبح تأثيره ودوره ثانويا وعدد قراء الشعر خصوصا وصل الى ادنى مستوياته قياسا الى باقي الفروع الادبية كالسرد والنصوص بشقيها الشعري والنثري وسواها من فنون الكتابة المعاصرة، علما ان الشعر العمودي ظل في تأريخ الادب تحت اسم: الشعر التقليدي والسبب انه حصر بقوالب محددة من الصعب وربما الاستحالة اضافة اشياء جديدة او عمل تجديد ضمنها يمكنه مواكب تطورات عصرنا . وجدل التقليد او التشبه بالمعاني السابقة اوالمطروقة انتبه لها نقاد الشعر منذ ما قبل عصر ابو هلال العسكري ومن الامثلة على التقليد وتوليد المعاني نفسها . يذكر العسكري في كتابه:"ديوان المعاني" ان ابا عمرو بن العلاء قال لاصحابه يوما: ما احسن ما قيل في العيون قال بعضهم قول جرير:

ان العيون التي في طرفها حور

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به

وهن اضعف خلق الله انسانا

ويواصل العسكري القول: اخذ بعض المحدثين قول جرير "وهن اضعف خلق الله انسنا" فقال:

كأنما ازدادت قوى اجفانها

ضعفا تقوين على ضعف القوي

ومثله قال الناشئ:

لا شيء اعجب من جفنيه انهما

لا يضعفان القوي الا اذا ضعفا

والغرض من ذلك ان الشعر التقليدي ظل في مجمله يولد نفس المعاني المكررة باساليب مختلفة واطلق في عصرنا او صيغ بمصطلح منفرد دعي ب "التناص" والكثير من النقاد العرب ادعوا ان اصل المصطلح الغربي كتاب ابو هلال العسكري: "ديوان المعاني" وبغض النظر عن ذلك فان التناص بمفهومه الغربي ابعد من عملية توليد نفس المعاني باساليب مختلفة وبذلك عجر الشعر العمودي عن مواكبة شؤون عصرنا وطغى النص على ما عداه وتراجعت كذلك نتيجة لهذه التطورات قصيدة التقعيلة التي شكلت في الستينات وما بعدها حضورا لافتا في الثقافة العربية ولكنها سرعان ما تراجعت لتفسح المجال للنصوص بشقيها النثري والشعري اخذ الصدارة في المشهد الشعري العربي .وظل تأثيره محدود بسبب تراجع عدد قراء الشعر عموما، وبالتالي تراجع تأثيره وحضوره في التأثير او اعادة بناء الثقافة العربية او المساهمة بشكل فعال بمواكبة تطورات عصرنا  .

هكذا تطورت الكثير من المفاهيم حول الثقافة والفنون ودورها في بناء الذوق الفني والثقافي العام، اهمها الخروج الى الشارع والمقهى والاسواق والمنتزهات او النزول من الابراج العالية، اذا ارادت ان تكون مؤثرة ومساهمة بتشكيل وبناء الذوق العام على المستوى الثقافي والفني بدون التحصن في القوالب والاساليب القديمة التي فقدت تأثيرها وحضورها في المجتمع .

الثقافة والفنون في الدول المتقدمة تغلغلت بجميع شؤون الحياة نجدها حتى في الاعلانات التجارية التي يشاهدها ملايين الافراد يوميا في الشوارع وعلى الطرقات بينما الثقافة والفنون في تراجع بمجتمعاتنا العربية، بسبب عجرها عن مواكبة ما يحدث من تطورات ثقافية وفنية والمثال الاخر الادوات المنزلية التي نستخدمها اصبحت كذلك عبارة عن اشكال نحتية وتشكيلية تفوق تأثيرها على الذوق العام تأثير الفنون التشكيلية والنحتية . لان هذه الفنون في الواقع انتقلت الى جميع مقتنياتنا والادوات التي نستعملها في المنزل او خارجه باشكالها ووظائفها والوانها الجذابة .

واقتراب الفنون بفروعها المختلفة من الحياة اليومية العادية، يساهم بشكل مؤثر في حضورها الثقافي وتأثيرها في المجتمع وتطوره الفني والثقافي، كما يحدث في بقية الدول والمجتمعات رغم اختلاف مستوياتها الثقافية وتطورها المدني والحضاري .

 

   قيس العذاري

 

 

تحسين عباس غناء: رحمه رياض أحمد / كلمات: رامي العبودي / ألحان: علي صابر/ توزيع: محب الراوي

انتاج 2018 .

لاحظت في الآونة الأخيرة ظهور أساليب جديدة في تنغيم الأغنية العراقية من حيث اختيار درجة الاستقرار الغريبة والأسلوب المغاير لما كانت عليه ، فقد كنت مبتعداً عن الاغاني الحديثة لأسباب كثيرة منها علمي بعدم خضوعها للمراقبة الفنية وكذلك حريّة كلماتها التي احياناً ما تخدش الحياء بطريقة ماكرة وتحت شعار (صفّي النية) كـــ أغنية (أحطه بيك !! الجرح لو صاباني) و(الزمي شوفيه شكبره ! گلبي الـــ ما خلص صبره) فكأنَّ الكاتب عجز عن الاتيان بالمفردة المدهشة فراح يبحث عن تأمين احتياج الجمهور المراهق لتأسيس قاعدة شعبية ومن ثمَّ الانتشار الذي بدورهِ يوفّر المال!! لكن ، وبالضدِّ من هذا التيّار ظهرت الأغاني التي تحمل مسحة العاطفة المهذَّبة المتكلمة عن الوجدان بأسلوب يمزج ما بين الواقع والخيال من حيث الكلمات والتنغيم وهذا ما تجلى في أغنية (وعد مني وعد) لرحمة رياض أحمد و(أوف منه گلبي) لـ أصيل هميم ، فالأغنيتان تتشابهان بعدة أمور منها:اختيار النغم وهو البيات ، اختيار الدرجة النصف وهي الــ (دو#- صول#)، تبدآن بفالت موسيقي وغنائي وتنتهيان بفالت موسيقي، تتحدثان بلسان حال المرأة في المجتمع العربي ومعاناتها أو مشاعرها نحو الرجل ، وهذه النقطة لها الأثر في أن تحصد هذا الكم الهائل من المشاهدة والاستماع لأنّ الرجل العربي كثيراً ما يتلهفُ لسماع بوح المرأة لكونها تعيشُ حالة من الكتمان الجبري بسبب احاطتها بالأعراف الاجتماعية التي تعتبرُ البوحَ عيباً وعورة ، كما وتختلفُ الأغنيتان بكون الأخيرة استخدمت الـ ديوتو مع صوت شاعر.

وقد اخترتُ هنا أغنية (وعد مني وعد) لــ رحمة رياض أحمد لكونها الأكثر مشاهدات في الـ يوتيوب فقد بلغت 105,645,352 مليون مشاهدة كما بلغت (أوف منه گلبي) لـ أصيل هميم 52,818,404 مليون مشاهدة .

فكرة العمل:

عند سماعي لأغنية (وعد مني وعد) دعتني الى الاستماع لها منذ اللحظات الأولى فكأني أستمع الى شيء غريب ولما حللت النغم وجدته من مقام البيات، فتساءلت اين الغرابة في ذلك حتى انتبهت أن الأغنية بُنيت من درجة غير محتملة في الموسيقى الشرقية وهي درجة الـ (دو#) عكس ما هو مُشاع في الموسيقى الغربية ، ولما استمعت الى عدة أغانٍ لنفس المطربة وجدتها لا تعتمد على درجة استقرار واحدة فقد غنت على الـ (سي، دو، ري) ولحنجرتها مساحة جيدة من السلم الموسيقي، وهذا ما دعاني الى أن أقول: انّ اختيار هذه الدرجة هو لاستفزاز عُرف التلقي وجذبهِ الى ساحة المنغِّم حيث أن أغلب الأغاني تُبنى على درجات السلم الطبيعية الخالية من زيادة نصف البعد ونقصانه ، فبهذه الطريقة قد تمرّد على المألوف من حيث اختيار درجة الاستقرار للموسيقى المقامية كما أنّ هذه الدرجة (دو#) ستبرز امكانية الحنجرة ومدى سيطرتها واحاطتها بالسلم لكونها على غير ما اعْتادتْ عليه الذاكرة الغنائية . أما عن كلمات الأغنية فكانت تتراوح ما بين الندم والحزن الشفيف ومن ثـَـمَّ الثبات ومواصلة الحياة وقد طوّع المُنغّمُ فحوى نغمِ البيات لمعنى النص الغنائي الذي كُتبَ هو الآخر بطريقة غير معهودة سابقاً (شطران متشابهان في قافية الصدر والعجز):

{اريد الله يسامحني لأن اذيت نفسي اهواي = طيبة گلبي أذتني تعبتچ يروحي وياي{ثمَّ تتلوها أربعة أشطرٍ على الطريقة نفسها:} انا بحظي غلطان  لعبت بحالي لعبه

چنت بالناس وهمان مشيت بنيه طيبه

صاحبت الوفي وخان غدر بيه الأحبه

شلون تعلي بُنيان  ويروح للناس غربه}

وهكذا ليختم بقافية مُوحّدة بصدرها وعجزها مختلفة عما سبقها:{وعد مني وعد بعد ما اثق ابد = ولا انطي مجال كلشي وله حد}. ولنا هنا الْتفاتة في استخدام نغم البيات الذي عادة ما يكونُ مفرحاً مع ايقاع الهيوه الراقص، فقد يتبادر للمتلقي المثقف ذوقياً أو المختص موسيقياً سؤال مفادُهُ: كيف يتوافق النغم المفرح مع كلمات في الندم والحزن والتوجع الخفي؟! وهنا أقول: أن تنغيم الأغنية أُخِذَ من خلاصة المعنى الذي انتهى بالثبات في خاتمة المقاطع {وعد مني وعد بعد ما اثق ابد = ولا انطي مجال كلشي وله حد} فهذه الكلمات هي بمثابة صحوة بعد انتكاسة عاطفية وهذه الصحوة تحمل في طيّاتها السعادة .

التنغيم:

ابتدأت الأغنية بجملة فالت موسيقي ومن ثمَّ فالت غنائي في {اريد الله يسامحني لأن اذيت نفسي اهواي = طيبة گلبي أذتني تعبتچ يروحي وياي} من الدرجة السادسة وحتى الثامنة وبعد ذلك تدخل الأغنية بإيقاع الهيوه أو ما يسمى بــ الدارج الخليجي 6/8 ؛ وتستمر الأغنية في التنقل بين درجات نغم البيات لتأخذ كامل الدرجات السبعة والثامنة من درجة العودة الخاتمة، ولم تكن هناك أيّ إنتقالة الى نغم آخر وهذه رؤية المُنغّم ، فالنص لا يحتاج الى تنويع في المقامات.

الأداء:

بعد أن عرفنا غرابة درجة الاستقرار ومدى خروجها عن المألوف السائد يقيناً سيكون أداء التنغيم على غير المعتاد ، فقد أجادت الفنانة رحمة رياض بصوتها الذي لن نبالغ اذا صنّفناه من الأصوات الملكوتية ، فعاشتْ لحظة الندم والحزن ومن ثم الثبات في سماء النغم والمعنى بحيث أنّها كانت خير ممثل للمرأة العربية والشرقية بشكل عام، وخاصة في المقطع الثاني كأنّ احساسها ذابَ في حزنها الساخر من الواقع .

{اريد اعتب على حظي وي الناس ما گاعد

خل الي وفى وياي تقريباً ولا واحد

آنه اهوايه ممنون من العاشرتهم

علموني البچي اشلون البروحي شلتهم

بسيطه سهله وتهون هم يفتر وكتهم

علي بظهري يحچون الدنيه غيرتهم

***

وعد مني وعد بعد ما اثق ابد

ولا انطي مجال كلشي وله حد}

التوزيع:

كان اختيار التشيلو مع البيانو في الفالت الموسيقي موفقاً فقد أجاد استدراج الانتباه لما ممكن ان تحملهُ طيّاتُ الأغنية ويأتي الفالت الغنائي ثم دخول ايقاع الهيوه ناجحاً لإحداث عنصر المفاجأة في تلقي السامع وكذلك عندما يرجع التشيلو في موسيقى المقطع الثاني ومن ثم الغناء وترجمتهِ الخافتة في أصوات الكمانات والناي.

قد أبدع الموزّع في تصور أصوات الآلات وتنفيذها ولم يغريه التنوّع غير المُبرّر في تعدد الآلات.

 

تحسين عباس/ شاعر ناقد موسيقي

 

محسن الاكرمينحين كان الكاتب الروائي  يخطط للبطل بأن يعيش في مستنقع زوبعة من مآسي أمواج الحياة، وصف وضعه الحياتي وسط بؤرة التوتر النفسي بأن" الرياح تأتي بما لا تشتهيه السفن". لحظة وأنا أتابع قراءتي لأحداث "تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن" أحسست أن البطل انتفض من صميم دلالة اسمه الافتراضي على الكاتب، ولم يعد يقدر على تحريكه مثل الكراكيز ملاهي المواسم المسلوبة الإرادة والحياة التقريرية، لم يعد يقدر البطل على لعب أدوار إرضاء "الكومبارس" المحتشد وتوزيع الابتسامات الماكرة والخادعة، ولا حتى أمام الجمهور في قاعة العرض بنهاية تصفيقات باهتة و أخذ صورة يتيمة.

اقتنعت بالتمام التعاطف مع البطل الافتراضي وبدون خلفيات سلبية ضد الكاتب المتحكم في مسار الشخصيات الرئيسية والثانوية، حينها وقفت عند أسئلة تصدر من شدة حنقه وتكتسي مطالب احترام  الذات وتصورات الحياة الاختيارية بالحرية لا بالعنف الفيزيائي الرمزي. عندها  تساءل البطل ووجه استفساراته نحو الكاتب : لما تلق بي من مأزق لآخر دون أن تجد لي حلولا إيجابية أرتاح بها من كيد الحياة، ولو بالتقطع في الزمن المغلوق والمكان المفتوح ؟ لماذا تعتبرني مسيرا في كتاباتك لا مخيرا ؟ لما لا تحترم قدراتي العقلية، ومنطق التفكير تجاه الخير والشر؟ لما تحاول الفتك بي قتلا في نهاية الرواية بالموت المأساوي، لتنصع منه لحظة بكاء جماعية، وتصفيقات مدوية عن الألم والوجع؟

يخاطب البطل الكاتب بحنق : أنا من اليوم لن ألعب أدوار البطولة الموجهة منك بمحو ذاتي وتفكيري وكيان وجودي، فرغم أني من جيل الافتراض والخيال فإني أحمل قبسا من نور الصدق والخير، ويمكن أن أتحتمل أعراض الكذب والشر في كتاباتك ولو بالإرضاء والنفاق والدوس على الأسباب . يتحرك البطل على الركح وهو يردد: أنا من ترمي به عنوة في حضن مصانع تدوير الأحداث المعفنة، ولا تنصفني إلا بالموت عند نهاية الفصل الأخير . أحسست  عندها أن البطل رمى بقلم الكاتب الأسود وخاطبه " أسدي أنا باغي نعيش، باغي شوية ديال الحرية "، لما لا تكتب "" تأتي الرياح بما تشتهيه السفن" وأتحرر منك ، ويمكن أن أعيش مطمئنا على مستقبل حياتي، ودون خوف من الغرق ولا من الموت، والذي بات يراود حلمي المتكرر كلما رأيتك تحمل ذاك القلم الأسود وممحاة البياض .

حين انتهى البطل من ثورته الفزعة ولأول مرة في وجه الكاتب وأدوات اشتغاله وتنميطه للأحداث، حين خمد حنقه الزائد والمفرط من إحساسات ظلم الكاتب له في تسطير مجالات تحركاته الافتراضية بطعم الجرح والتعديل في مستويات الضغط والتوتر النفسي ، وجدت بأن الحق بجانبه وله الصدق الأكبر في تعرية المستور، وجدت أن تفكير الكتابة قد تدنى من دبر السلبية والخوف من خبايا المستقبل المريخ نحو الفوازع المرتبة بمتتالية ادفع، ويمكن أن يلقي الكاتب بالبطل في السجن مثل سيدنا يوسف ظلما، وجدت في تعبيرات التعليم  القديمة قد علموا التلاميذ "لبس قدك يواتيك" علمومهم أن الطموح مستحيل بوجود مطبات تخفيض السرعة المتتالية والتي تتحكم فيها رادارات السلطة، رسبوا فيهم الإحباط وصوروا المستقبل بحرب البطالة التي لا كر عليها، علموهم أن ابن الفلاح فلاح، وأن ابن الخراز إسكافي خريج من مراكز التكوين، وأن ابن الغني مقاول عائلي ومنعش اقتصادي.

لأول مرة أرى أن البطل الافتراضي ينتفض على صانع أحداثه، وأصفق له وبدون توقف وهو في  الركح وحيدا مع مشاهد فريد بالتنوع. لأول مرة أرى البطل يطالب برؤية ايجابية، وثقة في الغد والمستقبل وبدون تحكم من الكاتب المستبد. لأول مرة أصفق على البطل لا على الكاتب وأعترف له أنه كان يريد الحرية فقط، لأول مرة وددت أن أحصل على نسخة من رواية "ريح الصدفة... من جيل "كورونا" اللعين" موقعة من البطل الافتراضي لا من الكاتب.

 

محسن الأكرمين

 

 

شاكر فريد حسنفي أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بادر الرفيق عبد الحكيم سمارة، وكان في عز شبابه ونشاطه وعطائه، إلى افتتاح مكتب منشورات اليسار للطباعة والتوزيع في باقة الغربية، ثم نقله في اواسط الثمانينيات إلى بلدته جت المثلث، وذلك بهدف نشر وإشاعة الثقافة الوطنية والتقدمية، في مرحلة المد الثوري ونهوض قوى اليسار.

وقام بداية بإصدار نشرات دورية تحمل اسم اليسار ثم أصدر كتاب فصلي اطلق عليه المسيرة ، فصحيفة سياسية- ثقافية، بالإضافة إلى إصدار مجموعة من الدواوين الشعرية والكتب السياسية- الفكرية لعدد من الشعراء والكتاب من الوطن والخارج.

وتحول المكتب إلى حلقات فكرية جمعت العديد من أهل الثقافة والأدب والسياسة ومحبي الشعر والنضال، والمؤمنين بالفكر اليساري التقدمي. فإلى جانب مدير المكتب الشاعر عبد الحكيم سمارة كان المرحوم ابراهيم وتد، وكاتب هذه السطور شاكر فريد حسن، والمناضل محمد خلف من حركة أبناء البلد ، والرفيق ثابت أبو راس، والشاعر المغترب ابراهيم عمار، والشاعر كاظم مواسي، والمتأدب سعيد فارس أبو مخ، وعلي خطيب من كفر قرع، والشاعر ابن طولكرم عبد الناصر صالح، والنابلسي الشاعر محمد الريشة، والشاعر يوسف المحمود من قرية عنزا في الضفة الغربية، والشاعرة فائقة دقة، وسكرتيرة المكتب الشاعرة سمر سيف من عرعرة، والتقينا في المكتب الشاعر ب. فاروق مواسي، والمناضل المرحوم ابراهيم بيادسة، والمتثاقف جمال يوسف قعدان المعروف بالأصمعي وسواهم من عشاق الكلمة.

وكانت النقاشات تتمحور حول قضايا الساعة والشأن الثقافي عدا عن أحلامنا الثورية وطموحاتنا المستقبلية المرتجاة. ولكن اعتقال الرفيق عبد الحكيم حال دون اكتمال مشروعه الثقافي واستمرار عمل ونشاط المكتب واغلاقه.

 وبعد خروج سمارة من السجن عمل على تأسيس دار شمس للنشر، صدر عنها مجلة شمس وسلسلة من الكتب التاريخية والتراثية له ولغيره من الكتاب.

حقًا كانت أيام جميلة في زمن جميل سادت فيه القيم الثقافية والأخلاقية والجمالية، وتبقى من الذكريات التي لن يمحوها الزمن.

 

بقلم شاكر فريد حسن

عدنان ابوزيديبدو أمرا لافتا انحسار قراءة الكتب التقليدية في الدول العربية، بسبب تقنيات النشر الرقمية، ونوافذ التواصل الافتراضي، فيما المجتمعات المحدِثة، تحرز أعلى المبيعات في المنشورات الورقية، على رغم سطوتها على وسائل النشر الالكترونية وانتشارها بين مواطنيها، بشكل واسع.

تجربتي في الإقامة في أوربا لنحو العقدين، لا تؤشّر على همود المكتبات الشخصية للأفراد، فيما البيوت العراقية تقفر منها في الغالب، عدا الضآلة القليلة، وما يزيد من استفحال ذلك، ان الفرد العراقي يتّخذ من مواقع التواصل الاجتماعي ومجاميع التراسل الفوري، المعروفة بمحتواها الخبري الأفقي والفوقي، مصادرا لمعلوماته، من دون الاستطاعة في تنمية مستويات ثقافته وأنماط معرفياته وتحسين لغته، بصورة عمودية، كما يفعل الكتاب الورقي.

أكثر من ذلك، فان الانترنت لم يعد المصدر لاقتناص المعلومة والمعرفة، فحسب، بل لاستنساخ أطاريح الماجستير والدكتوراه، حتى في المجالات العلمية، في ظل تغييب مؤسف للاستطلاعات الميدانية، والاختبارات الفعلية.

سرّ التعادل بين الكتاب التقليدي والمضمون المعرفي الرقمي، والقراءة الافتراضية، يكمن في البصيرة بأهمية المعرفة العميقة، وتوفير الدعم للمكتبات التقليدية، لكي تبقى المعادلة متوازنة، بين المعلومة المرئية السريعة، والأخرى الراسِخة.

تشير تقديرات سنوات مضت، الى ان معدل انتشار الكتاب في العراق والدول العربية ينخفض باستمرار، ذلك ان نصيب كل مليون فرد من الكتب المنشورة في العالم، لا يتجاوز الثلاثين كتابا، مقابل 584 كتابا لكل مليون أوروبي و212 لكل مليون أميركي، حسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة والتربية (اليونسكو).

 لابد من الإقرار بان التدوينات الرقمية جعلت من الفرد، كاتبا وناشرا وقارئا في نفس الوقت، ومع هذا التعدّد في المهارات، اتّسعت المعرفة المدرِكة بشكل سطحي، لا نحو المسلك السحيق.

لم يعد تسطير الكلمات، يحتاج الى الشجاعة، كما في السابق، ذلك ان دوافع بسيطة للتعبير، مع امتلاك نوافذ نشر في التواصل الاجتماعي والتراسل الفوري، يجعل منك كاتبا مشهورا، وهو ما يحصل الآن، اذ ينال مدونون وناشرون على قدر متواضع من الثقافة، من الشهرة والمال، ما لا يناله كتّاب مشهورون، ما يكشف عن انقلاب جذري في المفاهيم المتعلقة بمصادر الثقافة ومراجعها، وتصويباتها.

القراءة الرقمية، وفّرت جانبا أكبرا من الترفيه، بلو واللهو، على حساب المعرفة الجدية، وأصبح خيار اقتناء كتاب رقمي، او معرفيات عبر نوافذ الترابط الرقمية، لا يمثّل بشكل دقيق مفهوم الملكية الكاملة للمعرفة والدراية، والتي ارتبطت في الأسلوب الكلاسيكي المعروف، بالذات، قبل أي شيء آخر.

لازال الكثير من المثقفين العراقيين على الرغم من محاولاتهم تجربة الأساليب الرقمية في المطالعة والنشر، يتشبّثون بالكتاب التقليدي، والجريدة الورقية، التي توفّر الأناة، والعزلة، والتأمل، بل ان البعض منهم يصرّ على النشر فيها على رغم ان ما يقطفه من قرّاء ومتابعين، أقل بكثير من غنائم المتابعات والإعجابات، في المواقع والصحف الرقمية وصفحات التواصل الاجتماعي. 

في كتاب "فن القراءة"، يكشف الفيلسوف الاسترالي دامون يونغ، الحائز على جائزة أوسكار، عن علاقة المطالعة بكيفيات التفكير، ويسوغ لماذا تبقي الروايات والأدبيات الورقية الكلاسيكية مصدرا أساسيا للدراية والخلق والمتعة واللذة المتفردة،

التي لا يمكن الاستغناء عنها مطلقا، حتى في حالة تحوّل كل النصوص الى أرقام في المكتبات الافتراضية. 

في دول أوربا الغربية، مثالا، لا حصرا، يُلاحظ بشكل بارز، أولئك الشغوفون بالقراءة وهم يحملون أجهزة "الايباد مِنِي"، ولوحيات الكتب الرقمية، في القطارات ومحطات المترو، والباصات، مبحلقين بتركيز على النصوص، ومدونين الملاحظات، في مخطوطات بألوان زاهية، لكن ذلك لم يمنع من وجود المكتبات الكلاسيكية في الأسواق، وإيثار الكثير من الناس لها. 

 

عدنان أبوزيد

 

 

وسيف الحق القاطع، ومجيــرة المظلومين

يقول تولســتوي (الصحف نفيــر السلام، وصوت الأمن وسيف الحق القاطع، ومجيــرة المظلومين، وشكيمة الظالم،فهي تهز عروش القياصرة وتدك معاقل الظالمين) وقال الفرنسي فولتــير (الصحافة ألـه يســتحيل كسرها، وستــعمل على هــدم العالم حتى يتــسنى لها ان تنــشىء عالما جــديــدا)، ويقول القيــصر الثاني (جميل أنت ايها القلم، ولكنك اقبـح من الشيطان في مملكــته)، فيما يقول السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بعد خلعه (لو عـدت الى يلـدز لوضعت محرري الجرائد كلهم في أتون كبريت)،ومقولة الكاتب والصحفي الراحل مصطفى امين (اقلام كل امة هي تيجانها التي تزين صدرها)، وخير معبـر لدور الصحافة قول اميــر الشعراء احمد شوقي

فكل زمان له أيـــة                 وأيـــة هــذا الزمان كتــاب 

ان العمل الصحفي الحقيقي هوالذي يبنى بالكلمة الصادقة الشريفة لبناء وطن حر مزدهر لاان تبنى الامجاد صعودا على اكتاف الاخرين بالمحسوبية والرشاوى والجلسات السرية المعروفة، ولا ان يدخل نقابة الصحقيين كل من هب ودب، ولاكل من حمل كامرته يصور الاعراس والاحتفالات وجلسات التعازي اصبح صحفيا كما يحدث الآن امام اعيينا !! دون فهم حقيقي للمهنة فقد علمتنا الصحافة اكاديميا وممارسة مطلع الثمانينات واثناء مزاولتنا لعمل المراسل الحربي خطورة المهنة ولذتها، والامجاد لاتبنى على اكتاف الاخرين، وليفهم من يريد فهم الحقيقة؟

المطلوب دعم القوانين التي تحمي الصحفيين وتوفر لهم ضمانات الوصول الى مصادر المعلومات، والتأكيد على أن يقوم مجلس النواب بتشريع القوانين الضامنة للحريات وأن تكون ملزمة في هذا الشأن ومتابعتها بشكل حثيث، والعمل مع الحكومة على تنفيذ حقيقي وفعال للتشريعات الداعمة للحريات الصحفية وعدم التهاون في ذلك، ودعوة الوزارات كافة ومؤسساتها الى تسهيل مهمة الصحفيين، وعدم وضع العراقيل في طريقهم، كما يناقش المؤتمر سبل الوقوف بوجه كل أشكال الإعتداءات والإنتهاكات ضد الصحفيين من أية جهة، وعدم غض الطرف عنها مهما كانت الأسباب، ودعوة جميع الأطراف الفاعلة الى اعتبار الصحفيين ووسائل الإعلام شركاء في بناء الوطن، وعدم إغفال دورهم لأسباب سياسية، أو مصلحية ضيقة، وتثمين دور القضاء العراقي الذي مارس مهامه بنزاهة ومهنية، ورد أغلب الدعاوى القضائية المرفوعة ضد صحفيين ووسائل إعلام، والدعوة الى وضع ميثاق شرف مهني يجمع وسائل الإعلام كافة لدعم القضية الوطنية ويناقش المؤتمر كذلك دعم المنظمات المعنية بحرية التعبير وحماية الصحفيين، والعمل على ضمان حقوق أسر الصحفيين الذين أستشهدوا أثناء تأدية الواجب الصحفي، وتشكيل لجنة متابعة مشتركة لمتابعة الوصايا التي يخرج بها المؤتمر وتفعيلها في الفترة المقبلة، واشار المؤتمر الى   اهمية العمل مع الحكومة على تنفيذ حقيقي وفعال للتشريعات الداعمة للحرية الصحفية وعدم التعاون بذلك، داعيا الوزارات كافة ومؤسسات الدولة الى   تسهيل مهمة الصحفيين وعدم وضع العراقيل في طريقهم.

ضرورة التاكيد على ان يقوم مجلس النواب بتشريع القوانين الضامنة للحريات وان تكون ملزمة بهذا الشأن ومتابعة الموضوع بشكل حثيث، وادان المؤتمر في توصياته كل اشكال الانتهاكات والاعتداءات ضد الصحفيين، ومن اي جهة تبدر وعدم غض الطرف عنها، مهما كانت الاسباب، مشددا على  دعوة جميع الاطراف في اعتبار الصحفيين جزءا في بناء الوطن، وعدم تهميشهم لاسباب سياسية ومصلحية ضيقة/ اوصى المؤتمر الوطني للحريات الصحفية الذي نظمته نقابة الصحفيين العراقيين ، بصياغة ميثاق شرف مهني وتشريع القوانين الضامنة للحريات كما واشارت توصيات المؤتمر الى \" دعم المنظمات المعنية بحرية التعبير والداعمة للصحفيين بالتعاون مع نقابة الصحفية والجهات الاعلامية لتفعيل تلك القوانين والعمل على ضمان حقوق اسر الصحفيين الذين استشهدوا اثناء تأدية واجبهم الصحفي منذ العام 2003 الى الان ودعم الجرحى والمراسلين والمصورين الحربيين

لقد كان ومايزال للاسرة الصحفية المجاهدة دورا فاعلا في توعية وتثقيف المجتمع في المراحل المختلفة من تأريخ العراق واليوم لهم موقف مشرف في تعزيز الوحدة الوطنية و مواجهة الارهاب فضلا على ترسيخ مبادئ و مفاهيم الديمقراطية في المجتمع

لقد قدمت الاسرة الصحفية تضحيات جسام في مواجهة القوى الارهابية الضالة وهاهم اليوم في الخنادق الامامية لمكافحة جائحة كورونا وقدموا مئات الشهداء والمصابين في مسيرتهم الوطنية، مما يستدعي من الحكومة العراقية برد الجميل على مواقفهم الوطنية وتوفير العيش الكريم واللائق لهم ولعوائلهم وايلاء الاهتمام والرعاية الخاصة لهذه الشريحة المجاهدة.

مرة اخرى نهنئ الاسرة الصحفية العراقية بعيدهم الاغر متمنيا لهم الموفقية في اداء مهماتهم الصحفية

المجد والخلود لشهداء الكلمة

والشفاء العاجل للجرحى والمصابين بالوباء القاتل

 

نهاد الحديثي

 

 

ضياء نافعقلت مرّة لطلبتي في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد مازحا، ان تولستوي عاش 82 سنة، ولكن مؤلفاته الكاملة بلغت 90 مجلّدا، وهذا يعني، انه كان يكتب مجلّدا واحدا (وكسر) كل سنة من عمره، ومنذ ان كان عمره سنة واحدة فصاعدا، وكانت ردود فعل الطلبة على هذه (الملاحظة !) متنوعة طبعا وفي اطار من مرح الشباب الجميل، وقد قال لي أحد طلبتي القدامى من تلك المجموعة ضاحكا، والذي التقيته بالصدفة بعد سنوات طويلة جدا، انه من المستحيل ان ينسى، ان تولستوي عاش 82 سنة وان مؤلفاته الكاملة تبلغ 90 مجلّدا، بعد تلك (الملاحظة !) الطريفة، التي قلتها لهم انذاك مازحا .

تذكرت كل تلك الايام الخوالي عندما علمت، ان اكاديمية العلوم الروسية تعمل – ومنذ فترة - من اجل اصدار المؤلفات الكاملة لتولستوي من جديد، وانها ستبلغ 100 مجلّدا هذه المرة بدلا من 90 كما صدرت في القرن العشرين، اذ انها ستضم حتى مسوّدات مؤلفاته ورسائله، التي لم تنشر في تلك المؤلفات حينئذ، وستكون هناك هوامش تفصيلية اضافية يكتبها متخصصون في أدب تولستوي حول معظم فقرات تلك النتاجات المتنوعة له، ومن المفروض اكتمال هذا العمل الكبير عام 2028، وهي السنة التي ستحتفل فيها روسيا بذكرى مرور قرنين على ميلاد تولستوي (1828 - 2028)، هذا الاحتفال الذي سيكون طبعا بمستوى متميّز ولائق وملائم لمكانة تولستوي واهميته في تاريخ الادب والفكر الروسي .

مقالتنا هذه تتحدّث عن بعض الجوانب المرتبطة بالمؤلفات الكاملة لتولستوي في تسعين مجلّدا (هذا الاصدار الفريد في مسيرة الادب الروسي والادب العالمي ايضا، والذي لم يصله أحد في روسيا، لا قبل ليف تولستوي ولا بعده)، هذه الجوانب التي نظن انها شبه مجهولة تقريبا للقارئ العربي .

بدأت فكرة هذه المؤلفات الكاملة لتولستوي بالظهور بعد ثورة اكتوبر 1917، واستغرق العمل بتنفيذها طوال اربعين سنة بالتمام والكمال، وذلك لان هذا العمل الكبير كان يخضع طبعا لكل تقلبات الزمان واحداثه غير المتوقعة، وما اكثر تلك الاحداث الكبيرة التي حصلت في مسيرة الدولة السوفيتية في تلك الاوقات العصيبة  .

قصة هذه المؤلفات ابتدأت في نهاية عام 1918، عندما  تقدّم جيزتكوف  باقتراح الى وزير الثقافة والتعليم بعد ثورة اكتوبر 1917 لوناتشارسكي (انظر مقالتنا بعنوان – لوناتشارسكي ..الفيلسوف والاديب والوزير) لاصدار (المجموعة العلمية الكاملة لتولستوي)،  وذلك بالاعتماد على الارشيف الكامل لتولستوي، والذي جلبوه الى روسيا من انكلترا و تمّ حفظه (ولمدة خمس سنوات) في قسم المخطوطات التابع لمكتبة اكاديمية العلوم بمدينة بطرسبورغ في تلك السنوات العاصفة للحرب العالمية الاولى وما اعقبها من احداث هائلة . وافق الوزير السوفيتي طبعا على هذا المقترح، خصوصا ان روسيا ستحتفل بالذكرى المئوية الاولى لميلاد تولستوي عام 1928، وتوجّه الى رأس الدولة آنذاك لينين لاستحصال موافقته على تنفيذ هذا المقترح الرائد، وحصل على موافقة لينين، وتمّ تكليفه (اي تكليف لوناتشارسكي) لانجاز هذا المشروع الكبير، والذي خصص له من ميزانية وزارته عشرة ملايين روبل لتحقيقه، وهو مبلغ هائل وغير اعتيادي بالنسبة لذلك الزمن المضطرب . تمّ تشكيل لجنة خاصة لتنفيذ هذا المشروع، وقد اطلعت اللجنة على الارشيف الخاص بتولستوي، ووصلت الى قناعة متكاملة، في ان نشر هذا الارشيف يتطلب تسعين مجلّدا، نصفها يتضمّن نتاجات تولستوي الادبية (مع مسوّداتها والهوامش التوضيحية للشخوص والاحداث التي تناولتها هذه النتاجات، ومنها مثلا مقاطع شبه متكاملة في رواية الحرب والسلم، والتي حذفها تولستوي من روايته تلك)، أما النصف الآخر من تلك المؤلفات، فانه يحتوي على مذكراته الشخصية (والتي تمّ نشرها فعلا في 13 مجلّدا) ورسائله (كان في هذا الارشيف حوالي 9000 رسالة كتبها تولستوي نفسه الى الآحرين او كتبها الآخرون له، وقد تمّ نشرها فعلا مع المقالات غير المنشورة في 31 مجلّدا) .

الحديث عن المؤلفات الكاملة لتولستوي باللغة الروسية تتطلب طبعا التوقف – ولو قليلا - عند كل جزء من اجزائها التسعين هذه،والتعريف بمحتوياته في الاقل، وهو أمر ممتع ومفيد بلا شك، ولكن مقالتنا هذه لا تستوعب هذا الاستطراد، لهذا، اختتم هذه السطور بالاشارة فقط  الى انني التقيت مرّة أحد المهتمين الروس بحضارتنا العربية في بغداد، وطلب منّي ان أحصل له على المؤلفات الكاملة للمتنبي، فاعتذرت – بدبلوماسيّة - عن تلبية طلبه ... والحليم تكفية الاشارة ... 

 

أ.د. ضياء نافع

 

شاكر فريد حسنللراحل علي الخليلي

الراحل علي الخليلي أديب ومثقف نقدي فلسطيني متعدد الاهتمامات، له مساحة أثيرية وقيمة في رفوف المكتبة العربية الفلسطينية، تشغلها مساهماته الرائدة في مختلف فنون الكتابة. فهو صحافي وكاتب سياسي وقاص وروائي وكاتب للأطفال وباحث في التراث الفلسطيني. وقد احتل مركز الصدارة في المشهد الثقافي الفلسطيني تحت الاحتلال، وترك أثره المميز في حصيلة الشعر العربي الفلسطيني الغزير، وله فضل كبير على الكثير من المبدعين والموهوبين الذين رعاهم واحتضنهم ودعمهم بنشر نتاجاتهم الأدبية حين كان يرأس تحرير مجلة "الفجر الأدبي"، التي شكلت وعاءً وحاضنة لكل شعراء وكتاب وأدباء الوطن الفلسطيني المحتل.

وكان قد صدر لعلي الخليلي عن منشورات صلاح الدين في القدس عام 1980 روايته الأولى " المفاتيح تدور في الاقفال "، ويرمز عنوانها إلى التجربة اليومية التي يمر بها المعتقلون الفلسطينيون داخل السجون والزنازين الاحتلالية، أو كما يسميها الخليلي " تراكمات الاسمنت والحجارة والفولاذ "، متضمنة كل أصناف وألوان التعذيب الجسدي والنفسي والتحقيق والنفي من هذا السجن على ذاك.

وهذه الرواية كتبها المرحوم علي الخليلي إبان المد القومي واليساري العربي، وتخاذل التيار الديني أمام العديد من القضايا والمسائل القومية والوطنية، وكان رجال الدين والتيارات الدينية السياسية تلعب دورًا قذرًا لصالح النظام السياسي العربي.

وعلي الخليلي هو من اوائل الشعراء الفلسطينيين الذين اتجهوا لكتابة الرواية، وسبق ابراهيم نصر الله والمتوكل طه ومريد البرغوثي ومؤيد العتيلي وأسعد الأسعد وسواهم، لكن للأسف لم يتم لفت الأنظار إلى تجربته الروائية وعدم الاهتمام بروايته " المفاتيح تدور في الأقفال " التي نحن بصدد الحديث عنها، من قبل الباحثين والدارسين والمهتمين والنقاد، سوى ما كتبه الناقد الفلسطيني د. نبيه القاسم والاستاذ أسامة محاميد في مجلة " الجديد " في الثمانينيات بعيد صدور الرواية.

وهذه الرواية تشمل عدة شخصيات يجمعها وحدة المكان الا وهو المخيم والأزمة في حارة الياسمينة بنابلس، وتوحدهما مرارة الواقع القهري المعاش في ظل الاحتلال على الصعيدين الاجتماعي – الطبقي، والسياسي – القومي.

وابرز شخصيات الرواية هو محمد حمدان بعجر عبد الفتاح بائع الكبسة في سوق البصل بنابلس، وابوه كان يعمل فرانًا أجيرًا وقبل ذلك راعيًا محتقرًا، وعبر تصوير دقيق نتعرف على الطفولة المعذبة في ظل الفقر والشقاء التي يعانيها في بيت مشقق السقف، محفور الأرض، تختلط فيه الروائح والحشرات.

ومن خلال شخصية محمد حمدان نتعرف إلى نموذجين متناقضين أفرزهما الواقع المعاش تحت وطأة الاحتلال. الأول النموذج الثوري المناضل بكل وسائل الكفاح والمقاومة الممكنة التي أدت به إلى المعتقل وذو الوعي الوطني والطبقي الاجتماعي المتكامل في رؤياه تجاه القضية الوطنية اولًا وقضيتي المرأة والدين ثانيًا. وتمثل هذا الاتجاه النقدي بالإضافة إلى شخصيات من مروان العكاوي العتال، واسامة الأخرس ابن الدهان، وضرار كامل بائع المكانس، وسمية ناصر الطالبة ابنة الكندرجي، كل هذه الشخصيات ذات قاعدة اجتماعية واحدة هي طبقة الفقراء والمسحوقين والكادحين، أبناء الحارة الواحدة، والمخيم الواحد، والتقوا جميعًا كل بموقفه وبطريقته في مقاومة المحتل وبالتالي في الموقع النضالي النهائي وهو السجن، الذي يشكل ليس مدرسة فحسب وإنما قاعدة من قواعد الثورة في الأرض المحتلة.

وإذا كان السجن كما يصفه ويصوره كتاب الوطن المحتل المكان المكروه  الذي يمارس فيه السجان تعذيبه للمناضلين والمقاومين للاحتلال، وأمل السجناء الخروج منه ومعانقة الحرية، فسجن علي الخليلي الذي يصوره في روايته مختلف عن الآخرين فهو صورة وقطعة مصغرة من الوطن يرفض مغادرته السجين الفلسطيني وتركه عندما تغريه سلطات الاحتلال بالخروج وترك الوطن والرحيل عنه، فهو الانطلاق لحياة حرة جديدة.

وبالنسبة للغة الرواية فهي على العموم لغة شاعرية رقيقة سلسة مطواعة مشحونة بالمعاني والدلالات الكثيرة، لغة مكثفة قصيرة في جملها وتراكيبها، وتخلو من اللهجة العامية إلا في ما تقتضي الضرورة ذلك. ويعتمد الخليلي أسلوب السرد التقريري المباشر، وتوظيف التراث الشعبي والأمثال الشعبية واستفادته من أداء وظيفتها الايحائية والجمالية، ومن مساهمتها الفعالة المؤثرة في عملية التوصيل لدى القارئ والمتلقي.

ويبقى القول أن رواية علي الخليلي " المفاتيح تدور في الأقفال " تروي قصة صمود شعبنا الفلسطيني وأبنائه الابطال في مقاومة ومواجهة المحتل في كل موقع ومكان في الوطن، وتنتمي للأدب الملتزم بالقضايا الوطنية والطبقية المنحاز والمنتصر لجموع الفقراء والمنسحقين والمعذبين في  الأرض.

 

بقلم : شاكر فريد حسن  

 

 

 

ثامر الحاج امينيمثل الاهداء الذي يتصدر عادة كتب المؤلفين عالما خاصاً يحمل في طياته الكثير من الأسرار والمشاعر والنوايا المختلفة، ولأهمية الاهداء في التمهيد لمعرفة نفسية ومشاعر وتوجهات المؤلف فلا يكاد كتاب معرفي او أدبي يخلو من هذا التقليد الذي صار ملازما لأغلب الاصدارات، ولأن المؤلف حر في طبيعة اهدائه وفي اختياره الطريقة التي يريد بها التعبير عن مشاعره ومكنوناته لذا ليس هناك من قاعدة محددة او قالب جاهز لكتابة الاهداء انما هوأمر شخصي جدا ويصفه أحد النقاد بانه (مساحة خاصة يمتلك الكاتب كامل الحرية في ملئها بما يريد) ويراه آخر (الفصل الأول للكتاب)، ونراه الومضة التي تشد القاريء للنص وتمهد له الطريق للغور في ثناياه .

وتختلف دوافع الاهداء لدى المؤلفين، فبعضهم من يجد فيه فرصة ومساحة للتعبير عن الامتنان والعرفان واعتراف بالفضل لمن مد لهم يد العون في انجاز مشاريعهم او ظهور اصدارهم وهو مافعله ماركيز في اهداء روايته " الحب في زمن الكوليرا " :

(الى زوجتي مرسيدس .. طبعا)

او يأتي الاهداء ايضا للعائلة موشحا بالاعتذار وطلب الصفح وهو ماجاء باهداء الشاعر احمد فؤاد نجم في كتابه " الفاجومي " :

(الى بناتي .. عفاف ونوار وزينب

يمكن ماتلاقوش في حياة ابوكو شيء تتعاجبوا بيه

لكن أكيد مش حتلاقوا في حياة ابوكو شيء تخجلوا منه)

وفي ذات السياق نجد كاتبا يدين بالفضل لمن حال دون سقوطه على الارض وقت الانهيار فيكتب اهدائه :

(الى الكتف الذي استندت عليه حين خانتني قدماي)

في حين بعض المؤلفين يجد في الاهداء فرصة للنيل من الخصوم وتوجيه الشتائم لهم، فالروائي السعودي عبده خال في اهداء روايته " نباح " يوجه الصفعة لأعدائه :

(لكل أوغاد العالم .. لعنة كبيرة)

وعلى ذات النهج يسير الكاتب المصري محمد جعفر في اهداء كتابه المختص في علم النفس :

(الى حماتي وحيوانات اخرى)

وكذلك ما أورده نيرودا في مذكراته " اشهد انني قد عشت " من ان شاعرا ارجنتينيا اسمه عمر بيغنوله ساقه حظه العاثر لمنازلة احد المصارعين الذي أسقط عمر على الأرض بلا حراك، وبعد شهور نشر بيغنوله كتابا جديدا تصدره :

(أهدي هذا الكتاب الى الاربعين الف ابن كحبه الذين كانوا يصفرون ويستهزئون ويطالبون بموتي في حلبة الصراع)

وهناك من المؤلفين من يبدي في اهدائه تعاطفا جديا مع الفقراء فيكتب لهم :

(الى الذين لن يشتروا هذا الكتاب لأنهم لايملكون ثمنه، الى الذين لايعرفون رياضة يومية سوى الركض وراء الرغيف، اهديكم كتابي الذي لن تقرأوه)

او يأتي التعاطف مشوبا بالطرفة وهو ماجسده اهداء الكاتب احمد رجب :

(الى زوجتي تقديرا واعجابا وانبهارا بقوة احتمالها عند غنائي في الحمام)

كما لاتخلو بعض الاهداءات من نرجسية وغرور وهو ما انطوى عليه اهداء الشاعر حسين مردان الذي تصدر ديوانه " قصائد عارية " :

(لم احب شيئا مثلما احببت نفسي، فالى المارد الجبار الملتف بثياب الضباب، الى الشاعر الثائر والمفكر الحر، الى حسين مردان ارفع هذه الصرخات) .

وهناك من يشيد بالذين يبالغون في تطلعاتهم فيكتب لهم مشجعا :

(الى الذين كانت اقدامهم دائما أطول من اللحاف)

ان الاهداء فضاء واسع متعدد الجمال يجمع بين الطرفة وحسن الصياغة وسعة المخيلة وجمال الصورة فأحد الروائيين يشعر بالندم ويعتذر عن غفلته ولكن بعد فوات الأوان فيهدي الى خيبته :

(الى تاجر المخدرات الذي سخرت منه قبل خمس سنوات عندما أقسم ان تجارة المخدرات اصدق من تجارة الحب والجسد واقل ضررا من تجارة الكلمات الدينية والسياسية وكلمات العشق اهدي هذه الرواية واعتذر عن جهلي وسخريتي وقتها) .

 

ثامر الحاج امين

 

محسن الاكرميناسمح لي صديقي:

 حين أخاطب فيك الوفاء لعش الصداقة. اسمح لي حين أمزج كتاباتي بين الخطاب العقلي ونوتة مدوية من حسن  حس الضمير الأخلاقي الاجتماعي. اسمح لي حين أنقط الإرادة الإنسانية  كجزء حقيقة ثابتة بأمانة سماوية ثقيلة وسلوك اجتماعي نمطي. اسمح لي قد نسبح معي في خيال الكلمات و دلالات المعاني ويمكن أن نحلق طيرانا بلا أجنحة متحركة بالعلو.

 اسمح لي صديقي:

 حين ابتعدنا منذ عمر ممتد في الزمن السالف، ومن سن الصغر وحي نزق (التبرهيش) الشعبي. اسمح لي حين تقطعت بنا السبل بالتباعد الاجتماعي والموضعي وبين تنقيط مدن المنطقة (1) المرضية،  والمنطقة (2) المحروسة بالتشديد. اسمح لي حين جمعتنا الصدفة وقلت لي" صدفة خير من ألف ميعاد "، ثم بعد ذلك احتضنني عناقا حارا في عز زمن "كورونا" وبكيت وجدان اللقاء. اسمح لي صديقي حين تبسمت وكان جوابي بريئا بلا ختمة  حضن وقبل رباعية.

 نعم، اليوم"هي صدفة من جيل "كورونا" خير من ألف تباعد اجتماعي وحجر صحي. اسمح لي حين لم أنمق كلامي بالنية ولا بالمحاباة واحترمت أمتار حدود الخطاب الفاصلة بين أجسادنا. اسمح لي عندما كنت مداوما على الإنصات وشحيح الكلام، وحين أطنبت بسيل من الأسئلة  النهمة والناهلة من أحداث الماضي والتي لا تشبعك منها كل أجوبتي مهما بدت، وحتى ولو استحضرت فيها الأحداث بالوقوف التشخيصي. اسمح لي اليوم في صدفة "كورونا " والتي هي خير من ألف ميعاد  بمدينتنا ذات الميدالية الذهبية (المنطقة 1)، حين كنا نحكي وقوفا عن امتداد عمر من الزمان و استحضار الأحداث السلبية والايجابية بمدينتنا قبل هيمنة سلطة الحاكم "كوفيد 19" الشرير.

اسمح لي صديقي:

حين افترقنا دون معاودة التصافح وعناق الوداع  والقبل الفضية بالرباعية بالحماسية الوجدانية. أستسمح منك حين وقفت على أن حظ  الصدفة العادلة يعاكسننا ولم ألتق بك بالمرة طيلة سنوات خلت من زمن طهارة مدينتنا من فساد وباء، وحين التقينا كان حظي معك في زمن زمهرير فيروس "كورونا" وحديث التباعد المتقطع. اسمح لي وممكن أن يكون حظك أو حظي يحمل فيروس المخالطة بالمعانقة و بالأحضان يا وطني، وقد تحمل الصدفة لعنة تقاسم الفيروس بالمحبة والصداقة من زمن لا خوف عليكم في منطقتكم رقم (1).

اسمح لي صديقي:

  ففيروس "كورونا" لا يؤمن بالحظ ولا بالصدفة ولا بالمنطقة (1) ولا بالتصنيف عن بعد، بل يتقاسم بالغباء والجهل والتفريط في حماية الذات والآخر، فآعلم أن (حضي راسك وناسك قبل ما تخرج من دارك) هي الأمن والأمان. اسمح لي ويمكن أن تكون صدفتنا مسيرة تجاه التحليلات المخبرية وانتظار كلمات من قاموس الطب (إيجابي/سلبي).

اسمح لي صديقي :

حين توجهت مباشرة نحو قنينة التعقيم ، وصابون التنظيف خوفا من صدفة الفيروس الخفي وبدون ميعاد مع لقاء الصدفة. اسمح لي حين بتت لا أترك للصدفة متسعا، ولا أؤمن للحظ جانبا من العثرة في ممرات  وفجوات حياتي، بل أوثر هندسة حياتي بالتدقيق الممل في عصر "كورونا" المستجد والمستبد.

اسمح لي صديقي:

 حين لم أقدر على دعوة إلى وجبة غذاء ولا إلى فنجان بن أسود مر بلذة لقاء زمن "كورونا". اسمح لي وقد ميز صدفتنا خط زمني يذكره مؤرخو صناع الأوبئة واللقاحات والأدوية، وقد يحمل تدوين أحداث ما قبل وما بعد زمن الحاكم  الديكتاتوري السيد"كوفيد19" في إمبراطوريته العالمية التي لا تغيب عنها الشمس.

 

محسن الأكرمين

 

شاكر فريد حسنما من شك أنه حدثت تطورات كبرى في مسيرة فن القصة القصيرة في الوطن العربي، من ناحية تقنياتها وأساليبها الفنية الجمالية والتعبيرية. ومن يقرأ قصص حنا مينا وعبد السلام العجيلي وسعيد حورانية وزكريا تامر وحسيب كيالي ووليد اخلاصي ومحمد زفزاف وأحمد حسين ومحمود شقير ويحيى يخلف ومحمد علي طه ومصطفى مرار ويوسف جمّال وسواهم الكثير، ونقارنها بقصص محمود تيمور وخليل بيدس ومحمود سيف الدين الايراني، التي كتبت قبل أكثر من نصف قرن، نجد اختلافًا وبونًا شاسعًا من ناحية بنائها القصصي وأسلوبها السردي ولغتها.

فقد انتقلت القصة القصيرة العربية من الشكل الكلاسيكي التقليدي المعروف إلى أشكال مختلفة من ناحية التقنيات الفنية والتجديدية في الشكل، وباتت تعتمد السرد الحديث، واستفادت من المشهدية السينمائية والتقطيع السينمائي، وتحولت اللغة فيها من لغة خبرية إلى لغة إيحائية محملة بلمحات شعرية، وزال الترهل النثري الوصفي فيها. ولجأ الكتاب السرديون إلى استخدام الضمائر المختلفة في السرد واستفادوا من منجزات علم النفس لاستكناه واستبطان النفس الإنسانية عبر التداعي الحر.

وتنوعت الكتابة القصصية الحديثة من واقعية وتعبيرية ورمزية، ووصلت إلى لون جديد من الكتابة الإبداعية تتمثل بالقصة القصيرة جدًا، بما يعرف قصة الومضة، التي تشهد رواجًا في الوطن العربي هذه الأيام. وثمة كتاب قصة جدد على قدر من الاقتدار والموهبة يكتبون نصوصًا بمستوى فني متقدم.

ومن نوافل القول، أن نهضة القصة القصيرة العربية الحديثة هي وريثة للسنوات التي اعقبت هزيمة حزيران العام 1967، ولعل لهذا علاقة بكون القصة القصيرة ومضة مكثفة يمكنها أن تلاحق التغيرات المتسارعة على ارض الساحة العربية، ويظل الالتصاق بهموم الإنسان العربي المتألم الموجوع المستلب والمسلوب الارادة الطامح لحياة أجمل وأفضل، دور أساس كمضمون لهذه القصة،  بينما تبقى لطموحات الفن القصصي المعبر والمعاصر والمؤثر دور أساس كشكل، من خلال ترابط هذين العنصرين بأصالة وانفتاح يمكن للقصة أن تنهض وتطور أكثر وتصبح ذات نكهة إنسانية متقدمة.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

انور الموسويالفن كلمة واسعة يمكن ان تنطبق على مجموعة كبيرة ومتنوعة من الاغراض. (الادب، الشعر، الغناء، الرقص، المسرح، التمثيل، البِناء والعِمارة، النحت، هندسة السياحة والزراعة، الأزياء، المكياج.... الخ). كل شيءٍ يؤدي بالنتيجة الى منظرٍ خلاب ويحقق سعادة ورفاهية وجمال هو "فن".

الفن حياة:

لماذا يشكل الفن عنصرًا اساسيًا في حياة البشرية؟

ببساطة لان الفن نتاج طبيعي وحتمي لأي دولة تقطع شوطًا كبيرًا في توفير الخدمات والبُنى التحتية والازدهارالاقتصادي، فيكون فيها مجال النمو والإبداع والحريات متاحًا لظهور علامات الفن وارهاصاته العصرية في تلك الدولة.

الفن نتاج لازدهار البلدان، وليس قفزة طارئة من دون تحقيق ازدهار لتلك البلدان، لذلك تجد البلدان المزدهرة مثلًا "الأوربية" ترفل بالفنون بكل اشكالها، بينما البلدان الفقيرة التي يخيم عليها الجهل والتعصب الاثني او الديني  أوضعف الاقتصاد وترهل منظومة الدولة الفاسدة، يخيم عليها الفقر والجهل والخرافات..الخ وحينما تخيم تلك الأدواتعلى المجتمع، من الطبيعي وكناتج منطقي لا يوجد فن "متسع ومتنوع" في تلك البلدان، ولاقيمةَ تذكر لرواد ذلك الفن.

حينما تعيش الشعوب حالة من الرخاء والاستقرار وزيادة في الدخل الفردي، تبحث عن مصادر (رفاهيتها، وسعادتها). لذلك تتشكل طبقتان:

طبقة مبدعة: هي الطبقة المنتجة للفنون.

وطبقة مستهلكة: وهي الطبقة السائحة، والمتفرجة، والمستخدمة والمقتنية لتلك الفنون.

وهنا تكمن حركة المال، وديمومة الإنتاج ودورة الحياة الاقتصادية (للمنتج والمستهلك).

البلدان النامية،التي نهضت من كبوتها كالإمارات وايران مثلاً، اعطت اهتمامًا ممتازًا للفنون، مما جعلها تتصدر واجهةالمشهد لبلدان العالم النامي،اذ اولت للحريات مكانة ممتازة لخلق فرص ابداعية للفنون، فصارت اماكن يرتادها السياحمن مختلف العالم دون " قيدٍ أو شرطٍ " عقائدي او مذهبي. فعظمت موارد اقتصادها من جهة، وحققت للفن مكانتهالحقيقة التنافسية  بين دول العالم.

انعكاسات الفنون:

للفن انعكاسات على رؤية المجتمع وحياته، وطبيعة تعامله مع الاخرين، وتعديل سمة وطريقة الحياة، فترى شعوب العالمالتي يتعاظم لديها الفن بعد اجتيازها مقدمات النهضة الخدمية، تراها شعوب شبه متسامحة، متعاونة، على الأقلتحترم القوانين أو تخاف من القانون، وهي شعوب على الاغلب ميالة للسلام والرفاهية وحب الحياة والبحث عن مصادرالرفاهية والمتعة.

الشعوب المتراجعة فنيًا بسبب التراجع الخدمي والبنيوي والاقتصادي تلاحظ أنها مأسورة دومًا بغيبيات مجهولة يتماستخدامها للصراعات الشخصية كوقود لتصفية الخصومات، وهي تكون غير مكترثة للتضحية بنفسها من أجل تلكالصراعات لانها لاتملك من وسائل الرفاهية والحياة شيء فتراها دروع بشرية لأي فكرةٍ وخرافة.

تحذو تلك الشعوب حذو قادتها وعرقها، وبيئتها التي تستمد منها عناصر تراجعها، لذلك تلاحظ في البيئات المنفتحةالتي يزدهر الفن بها، تجد مجتمع مسالم يميل الى صناعة الحياة واستخدام موارد الحياة بشكل يؤمن لذلك المجتمعحياته المستقرة. البيئات التي تتراجع فيها الخدمات، والبُنى التحتية، بالتالي الفن كنتيجة حتمية، تجد مجتمعات تلكالبيئات "يطلقون النار " في اي مناسبة، كنوع من أنواع إظهار الغلبة والقوة والشجاعة ضد مجهول!. بينما المجهولالذي لا يعونه هو بيئتهم المازومة بالتراجع العصري، تراجع الفنون ووسائل الرفاهية والراحة.

فهم يطلقون الرصاص الحي في المناسبات في الفواتح، في الأعراس، في فوز المنتخب في اي مناسبة ولاي حجة!.

بينما نفس هؤلاء لو اعتبرنا ان هذه الظاهرة هي ثقافة مجتمعية، حينما يعيشوا في بلدان أو بيئات مختلفةً عن بيئتهم" المنغلقة والمتراجعة" من الناحية الخدمية والفنية " تلاحظهم يبدئون يتطبعون مع البيئة الأخرى " بيئة القانون،والخدمات، والرفاهية والفن" فتلاحظ معظمهم أكثر ميلًا لصناعة الحب والعيش بسلام واستثمار جميع وسائل الرفاهيةالمتوفرة في تلك البيئة للاستمتاع بها، وتلاحظهم أكثر ميلًا للسلام.

الفن يصنع انسان.. والتخلف يصنع التطرف

وتلك مسؤولية الدولة الذنب ليس ذنب المجتمع باتهامه بالجهل والتخلف والتراجع... الدولة هي المسؤولة عن صناعةمجتمعها، من خلال المقدمات الاساسية للحياة، والنتائج الحتمية لازدهار الفنون، بالتالي يكون هناك دولة ويكون هناكشعبٌ مرفه لا يحتاج الى " گوامة عشائرية " ولا إلى احتجاجات وانتقامات عشوائية يوجهها بين الفينة والأخرى ضدمجهول!. نتيجةً للاحتقان النفسي الذي يعيشه ضمن بيئته الطاردة والسالبة لاشياءه بالحياة.

 

انور الموسوي

 

علجية عيشمن حوار الثقافات إلى صراع الثقافات

عبارة رددها أحد المتمردين "قفوا أيها العبيد، فالسادة ليسوا كبارا إلا لأنكم راكعون"، فكم نحتاج إلى مثقفين متمردين يسقطون الأقنعة عن الوجوه لتسفر جهارا عمّا تخبئ من علل، دافع أصحابها عن مناصبهم  بضراوة ووحشية، كي لا تضيع امتيازاتهم، في بلاد لا يوجد فيها مثقف ثائرٌ أدركت السلطة أن المثقف شخص ثرثارٌ، يقول ولا يعمل بما يقول، لا يسير كما يسير السيل الجارف الهادر الذي يشق طريقه إلى غايته رغم الصعاب

لم يعد الصراع بين المثقف والسلطة كما كان معهودا من قبل، بعدما تسيّس المثقف وارتمى في أحضان السلطة، وتراه منظم في أحظان نقابة أو حزب سياسي، وأضحى يدافع عن السياسي أكثر ما يدافع عن المثقف، كما أضحى التنافس بين المثقفين حول من يحظى بالإجماع داخل الأحزاب، هي الحقيقة التي نقف عليها ليس في الجزائر فحسب بل في كل قطر عربي، بعدما انتشر العداء بين المثقفين، وعندما نقول المثقف يعني كل الأقلام من كُتَّابٍ وشعراء وإعلاميين، ولا نقول المفكرين أو المؤرخين، لأن لهم خصوصية تميزهم، فالمفكر صاحب نظرية يسعى من خلالها إلى خدمة البشرية لا يقف أمام تيار دون تيار آخر سواء كان ديني أو سياسي أو ثقافي، ولا ينتهز الفرص لتغليب شخص على شخص آخر تجمعه به مصلحة آنية، كذلك بالنسبة للمؤرخ فهو يحلل الأحداث وظروف وقوعها مهما كانت إيديولوجية صانعيها أو عقيدتهم، فالصراع بين المثقفين أحيانا يكون من أجل لا شيئ،  أي لا توجد مشكلة تخلق بينهم الخلافات والعدائية.

 فكثير من الذين نعتبرهم مثقين سلبيين، وهم زبدة المجتمع المستنيرة، وهذا خشية من أن يصل فلان إلى مرتبة من الشهرة دونه هو، حتى لو كانت السلوكات عفوية، فكم من المثقفين همشوا وأقصوا وأُبْعِدُوا، ولم نعد نقرأ لهم، ليس لأنهم انقطعوا عن الكتابة وإنما كتاباتهم لم تعد تنشر، هو الإحتكار الثقافي وحده يخلق الفراغ الثقافي، ويجعل القراء يكفرون بالثقافة والمثقف، هذه الفئة التي طالما حملت لواء البناء الفكري والثقافي وزرعته ليكون النور الذي يقتل الظلمة، وحملت أمانة الكتابة دفاعا عن المجتمع وعن المدنية المهددة بالدّمار على أيدي أوباش متوحشين، وأنا أكتب هذه الكلمات البسيطة أجدني أبحث وبشيئ من الإمتعاض عن "المثقف"، وسرعان ما ترتسم على ملامح وجهي، هل هو بشرٌ؟ مؤسسة؟ أم هو مجرد حروفٍ منقوشةٍ في كتابٍ؟.

 أراد المثقف أن يطبق القاعدة المثالية: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، هذه الصرخة التي أطلقها المصلحون المرشدون، إلا أنهم إلى اليوم لم يتلقوا جوابا،  لأن القضية ليست كما أتصورها أنا وأنتَ، ولعلنا نقف مع عبارة رددها أحد المتمردين "قفوا أيها العبيد، فالسادة ليسوا كبارا إلا لأنكم راكعون"، فكم نحتاج إلى مثقفين متمردين بل أكثر تمردا، أناس يتجاوزون حدود تمرد دريفوس الذي واجه نظاما نازيا، أسقط الأقنعة عن الوجوه لتسفر جهارا عمّا تخبئ من علل، دافع اصحابها عن مناصبهم،  بضراوة ووحشية كي لا تضيع امتيازاتهم، تم ذلك عن طريق الإنقلابات، وتهميش من هم أحسن منهم فكرا وأخلاقا ونضالا، هل سالنا يوما مالفرق بين قوانين الطبيعة التي تغير كلما هبت عاصفة شتوية لكنها لا تقتل وبين قوانين البشر التي تُفَصَّلُ على مقاس صانعيها، وما إن تختفي اسماؤهم حتى تُسَنَّ قوانين جديدة يضعها أناس آخرون وتُفَصَّلُ أيضا على مقاسهم وهكذا..،  باسم القانون يقررون مكانك وباسم القانون يُحَدِّدُونَ مصيرك وأنتَ؟ لا يمكنك أن تعزل وجودك عن الواقع المحيط بك.

السؤال الذي يفرض نفسه كيف يمكن أن نقيم حوار الثقافات بدون المثقف؟ فكما يتميز الناس عن بعضهم بعضا، فهذا وجه أليف، وذاك وجه غريب، المثقفين أيضا يتميزون الواحد عن الآخر، فهم يختلفون في طريقة التفكير وفي وجهات للنظر  ورؤية كل منهما للحياة وفي التعايش مع الآخر، هناك وجوه عارية وهناك وجوه مقنعة، والعلاقة بين الوجوه العارية والمقنعة كما العلاقة بين المالك والمملوك، وفي كل الأحوال تظل السيادة للمالك، ولا يمكن للمملوك أن يفرض نفسه  إلا إذا خاض ثورة فكرية لتحقيق وجوده، طالما هو يحيا للخلود لا يخشى أصحاب القبعات الزرقاء ولا حتى أصحاب الخضراء والذين كتفيهم مزينة بنجوم مذهبة، لأنهم مكلفون بحماية الشعب والمؤسسات والحدود والممتلكات، ولذا فهم مكلفون بحمايته أيضا لأنه الشمعة التي تنير دربهم بأفكاره، فهو ثوري مثلهم هو خلق ليموت، ولذا لا يخيفه الموت، لكنه يكابر لأن مهمته لم تنته بعد.

 

علجية عيش

 

معمر حبارسبق لي أن وعدت القرّاء الكرام في مقالي بعنوان: "ضرورة التبكير في كتابة المذكرات"، وبتاريخ: الجمعة 13 شوال 1441 هـ الموافق لـ 5 جوان 2020، قائلا: "ترقّبوا في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى مقالنا بعنوان: "طه حسين من خلال الأيّام".

الكتاب هو: "الأيام" لطه حسين رحمة الله عليه، دار غبريني، بومرداس، الجزائر، دون الطبعة ولا عدد ولا سنة الطبع، من 288 صفحة:

أوّلا: ملاحظات عامة:

1- أعترف أنّي اشتريت الكتاب لإحياء أيام الصبا. وإشباع رغبات الصبا والشباب من الدوافع الحسنة للقراءة والكتابة والنقد.

2- كتب طه حسين مذكراته من 3 أجزاء و 20 فصلا، وهو الأعمى الفاقد للبصر.

3- سبق لي أن قرأت كتاب مذكرات عبد الحميد كشك رحمة الله عليه سنة 1991 -فيما أتذكر-. وهو الأعمى الفاقد للبصر. وقد عرضت الكتاب يومها عبر الأسبوعية الجزائرية السّاخرة المميّزة "الصح-أفة".

4- استعمل طه حسين في الفصل الرّابع من "الأيام" أسلوب الغائب وهو يتحدّث عن أيامه. وهذا أسلوبه لانتدخل فيه. لكن تحدّث عن الوالدين بأسلوب الغائب كقوله وفي عدّة مرّات: أمه. أبوه. جدّه. ولا يليق –في تقديري- بالابن مخاطبة الوالدين بصيغة الغائب. والأولى مخاطبة الوالدين بصيغة المتكلّم حيث الانكسار المطلوب مع الوالدين كـ: أمّي. أبي. جدّي. ولو بلغ الابن 100 سنة من عمره وله أبناء وأحفاد.

5- يقول طه حسين: كنت أقرأ بنهم شديد في العطلة الشتوية أكثر ممّا كنت أقرأ في الجامعة. أقول: عشت نفس الحالة بتمامها وكمالها وأنا طالب بالجامعة سنوات 1986-1990. صفحة 160

6- يتحدّث طه حسين عن الأديبة "مي" كعاشق متيّم بها وليس ككاتب وناقد. ولم يستطع إخفاء دقّات قلبه. 182

7- يتعمّد طه حسين -في تقديري- تسمية الغلام المكلّف بمرافقته والتكفّل به على أنّه "غلام أسود". أتساءل: لماذا؟ وكان يكفيه ذكر "الغلام" دون اللّون. وكان عليه أن يذكر غلامه بالاسم للفضائل العظمى التي قدّمها لطه حسين ولو كان يتلقى راتبا بخصوص الوظيفة التي يقوم به. ومهمّة المكلّف بالضرير لاتقدّر بثمن خاصّة وأنّ فضله على طه حسين عظيما جدّا. 187

8- من مزايا طه حسين أنّه رجل لايتملّق السّلطان ولا يقترب من السّاسة ولا يبحث عن ودّهم، بل كان يرفض أن يسعى للسّلطان والسّاسة. واللّقاءات التي ذكرها كلّها بطلب من السّلطان ومن السّاسة أنفسهم. ولذلك ينتقد شيوخ وفقهاء الأزهر الذين يتملّقون السّلطان. وأزعم أنّ علاقاته المتوترة مع فقهاء وشيوخ الأزهر تعود لهذه النقطة بالذّات التي لايتم التطرّق إليها -وأتساءل لماذا- بالإضافة إلى نقاط أخرى.

9- لايصف طه حسين السّلطان والسّاسة بوصف العظمة. ويصف أهل العلم والفكر بقوله: الشيخ العظيم، والكاتب العظيم، والشاعر العظيم. مايدل كما ذكرنا أنّ طه حسين لايتملّق السّلطان والسّاسة.270

10- امتاز أسلوب طه حسين في كتابه "الأيام" بأنّه أسلوب قرآني، أي متأثّر بالقرآن الكريم من حيث البلاغة والأسلوب دون أن يشير أنّه تأثّر بالقرآن الكريم. ولا يبدو على أسلوبه أنّه مستمد من كتب التراث.

11- طبعة "دار غبريني" الجزائرية كانت في غاية السّوء. فقد تحوّل الكتاب إلى كومة من الورق منفصلة عن بعضها تحتاج للمّ شملها من جديد. وهذا من العيوب المشينة، راجين للقائمين على دار النشر تدارك هذا الضعف الرهيب البيّن ضعفه.

ثانيا: علاقة طه حسين السيّئة بشيوخه الأزهريين:

12- يطلق طه حسين لقب السيد وسيدنا على الشيخ الذي علّمه القرآن الكريم لكن يضع اسمه بين شولتين هكذا: "السيد" و "سيدنا". مايدل –في تقديري- أنّ علاقة طه حسين بشيخه كانت سيّئة ولا يكن له الأدب والاحترام. وهذه العلاقة السيّئة مع شيخه كانت لها أثر في تحديد علاقة طه حسين مع الفقهاء والعلماء المتحدّثين باسم الدين.

13- يحمل طه حسين مواقف سيّئة من شيخه الذي علّمه القرآن الكريم في صغره. ويحمل مواقف سيّئة تجاه شيوخه في الأزهر. وهذه النظرة التي راودته في صغره وشبابه حدّدت -في تقديري- موقفه تجاه الفقهاء في كبره وكانت حاسمة في علاقاته معهم. 137

14- قرأ طه حسين في الأزهر لكن لايعتبر أزهريا. ولم يأخذ من الأزهر –حسب قراءتي- غير النحو والأدب العربي الذي ميّزه. 139

15- لم يكمل طه حسين علما درسه في الأزهر. ولم يتحدّث عن عالم من علماء الأزهر الذين أشرفوا على دراسته إلاّ انهال عليهم بالاستصغار والتهكم والاحتقار ووصفه بالجهل والضعف والتعالي والطّمع والبخل وغير ذلك من الأوصاف الذميمة والسريرة السيّئة والأخلاق الذميمة.

16- أعجب طه حسين كثيرا وهو طالب في الأزهر بالعلماء "أصحاب الطرابيش" كما يسميهم، وفضّلهم بشكل كبير على العلماء "أصحاب العمائم" كما يسميهم. وهذه النظرة –في تقديري- ساهمت بشكل كبير في علاقة طه حسين بالفقهاء وعلماء الأزهر مستقبلا وبغيرهم الذين يعارضون الفقهاء. 145

17- وصف شيوخ الأزهر لطه حسين بـ "الأعمى" كانت -في تقديري- من الأسباب الرئيسية التي دفعته ليتّخذ موقفا عنيفا تجاه علماء الأزهر. 148

ثالثا: إعجاب طه حسين بأساتذته الغربيين:

18- يتحدّث طه حسين بإعجاب شديد وافتخار كبير عن الأساتذة الغربيين الذين كانوا يقدّمون دروسا في "تاريخ الأدب والشعر الأموي" و "تاريخ الفلسفة الإسلامية "و"تاريخ الترجمة" "تاريخ الشرق القديم" بلغة عربية فصيحة جميلة صحيحة راقية. ويعاملونه بلطف وحنان ورفق. وتمكّنهم من المادّة وتفوّقهم على شيوخ وفقهاء الأزهر. وفي نفس الوقت يتحدّث عن فقهاء الأزهر الذين ينادونه بـ: "يا أعمىى و"اسكت ياشيخ جاتك الكلاب خلّينا نقرأ". أقول: واضح جدّا أنّ هذه المعاملة من هذا وذاك كانت -في تقديري- من الأسباب التي دفعت طه حسين للاهتمام بشكل كبير بالمستشرقين على حساب فقهاء الأزهر وعلماء المسلمين. وقد عنون الفصل الخامس من الجزء الثالث بـ "أستاذي يدعو علي بالشّقاء !". والعنوان له دلالة ويعبّر عن المشاعر لمن يحسن النقد والقراءة. 187-191

19- فرح طه حسين بنيله لدرجة الدكتوراه لسبب واحد ووحيد، أنّ الدكتوراه تمكّنه من السّفر إلى فرنسا.

20- تعلّم طه حسين اللّغة الفرنسية ناجم -في تقديري- عن إعجابه الشديد بفرنسا وبثقافتها وحضارتها وليس بكونها وسيلة تخاطب وعلم.

21- ظلّ طه حسين وهو في الكتاتيب والأزهر والجامعة المصرية ينتقد شيوخ وفقهاء الأزهر والأساتذة والسّاسة والكتّاب والأدباء والبرامج الدراسية وكيفية التدريس وطريقة لجان الامتحان والمجتمع المصري. وحين انتقل إلى فرنسا للدراسة ظلّ يمتدح الأساتذة والسّاسة والكتّاب والأدباء والبرامج الدراسية وكيفية التدريس وطريقة لجان الامتحان والمجتمع الفرنسي.

22- لولا الشروط التي فرضتها الجامعة المصرية على طلاّبها بالعودة إلى مصر بمجرّد الانتهاء من الدراسة في فرنسا لبقي طه حسين في فرنسا وإلى أن يلقى ربّه. وربّما رأينا طه حسين غير طه حسين. وأكاد أجزم بهذه الملاحظة.

23- لاينتقد طه حسين الفرنسيين الذين ينتقدونه صراحة وعلانية. فهو يجد العذر للفرنسية التي "سمعها تجيبه بأنّها لاتحبّه" 244 ويجد لها الأعذار. وفي نفس الوقت تراه ينتقد وبقسوة أساتذته وشيوخه وعلماء الأزهر. 244

رابعا: إعجاب طه حسين ببعض شيوخه:

24- أعجب طه حسين وبشكل كبير وملفت للنظر بالأديب البليغ "المرصفي" وأعجب أيضا بالشيخ "عبد الله دراز". وقد ساهم هذا الإعجاب -في تقديري- في التكوين الأدبي لطه حسين. 153

25- يعترف طه حسين أنّ الجامعة كانت أفضل بكثير من الأزهر. وهذه النظرة -في تقديري- ساهمت في تحديد مساره مستقبلا وفي علاقاته مع فقهاء الأزهر. 164

26- يعتبر طه حسين فشله في الحصول على "العالمية" مؤامرة من طرف بعض شيوخ الأزهر. وهذا الموقف -في تقديري- كان له أثرا سيّئا في تحديد علاقة طه حسين بالأزهر وعلماء الأزهر والفقهاء مستقبلا. 175

27- واضح جدّا أنّ طه حسين تأثّر باللّغة والأدب العربي وهو طالب في الأزهر ولم يتأثّر بالأزهر ولا شيوخه ولا فقهه. 176

28- لايوجد فقيه ولا شيخ ولا شاعر ولا كاتب ولا أديب إلاّ انتقده طه حسين بشدّة. 180

29- من بين الأسباب التي دفعت طه حسين لانتقاد فقهاء الأزهر والشّعراء -في تقديري- تملّقهم الشديد للسّلطان ودون داع لذلك. وقد أنكر على رشيد رضا ذلك وعلى الشاعر مطران، وغيرهم.

خامسا: حياة طه حسين مرهونة بفقد البصر:

30- يبدو لي أن طه حسين كان طالبا مشاغبا. ينتقد شيوخه علانية ومن خلال المقالات التي يكتبها عبر الصحف بعبارات جارحة، مادفع شيوخه إلى معاملته بغلظة "والتآمر" عليه حسب طه حسين، وكرهه وبغضه ومعاملته بقسوة حسب مايعتقد طه حسين. أضيف: طه حسين رجل ضرير لايبصر وقد أثّرت عليه هذه الحالة فأصبح -في تقديري- يفسّر كلّ قول أو فعل تجاهه على أنّه استهزاء به ولكونه أعمى، فأثّر ذلك بشكل واضح على علاقاته مع شيوخه الأزهريين ماجعله -في تقديري- يتعامل مع أساتذته الغربيين الذين عاملوه برفق وحنان ورقّة على أنّهم أفضل بكثير من فقهاء وشيوخ الأزهر الذين كانوا ينادونه بـ "يا أعمى" و"يا كلب".

31- حياة طه حسين مبنية -في تقديري- على فكرة واحدة ووحيدة ألا وهي: أنا وإن كنت الأعمى سآتي بما لم تأت به الأوائل.

32- يتعامل طه حسين مع العمى على أنّه: "عورة" 235. و"آفة" 238. و"المتاع الحي" تمييزا له عن "المتاع الصّامت" 239. وأنّ الأعمى "رجل مستطيع بغيره" 240. ولذلك كان عنيفا جدّا ضدّ كلّ من يتعامل معه على أنّه الأعمى والكفيف.

33- المعري بالنسبة لطه حسين ليس شاعرا وبليغا وأديبا فحسب، إنّما منهاج حياته وعقيدة راسخة ينهل منها مواقفه وأحزانه التي ظلّت تراوده وهو في قمّة نجاحه. 234

34- امتاز بحفظ واسع ووصف دقيق لأبسط شيء رغم مرور عقود طويلة على المواقف التي مرّ بها والأشخاص والحالات التي ذكرها. قد يكون فقد البصر إحدى العوامل التي لايمكن إنكارها لكنّها ليست الوحيدة ومن الأخطاء حصرها في واحدة.

سادسا: طه حسين والثورة الجزائرية:

35- يسمي طه حسين فرنسا بـ"الأمم المحاربة". أقول: كانت فرنسا المحتلة المجرمة يومها أي بعد الحرب العالمية الثانية -وقبلها طبعا- تحتل الجزائر وتنهب خيراتها وتستعبد شعبها وتذلّ رجالها وتهين نساءها. 282

36- لم يذكر طه حسين الجزائر والثورة الجزائرية والاستدمار الفرنسي للجزائر ولم يشر إلى ذلك لا من بعيد ولا من قريب طيلة صفحات الكتاب.

 

الشلف - الجزائر

 معمر حبار

 

جواد عبد الكاظم محسنتحتفل الصحافة العراقية بعيدها السنوي في يوم الخامس عشر من حزيران، وهو ذكرى صدور أول جريدة في بغداد سنة 1869م في عهد الوالي المصلح مدحت باشا،  وأرادت مدينة المسيب أن تستقبل هذا العيد السعيد فأصدرت أول صحيفة فيها يوم  الرابع عشر من حزيران سنة 2005م، فكانت جريدة (عروس الفرات) الأسبوعية الثقافية العامة المستقلة، وقد قبلت في نقابة الصحفيين العراقيين، وسجلت فيها برقم 113 لسنة 2005، وحملت رقم الإيداع 906 لسنة 2006 في دار الكتب والوثائق ببغداد.

صدر عددها الأول بأربع صفحات من دون ألوان، وتطورت في العدد الرابع لتصبح بثماني صفحات، ثم صارت صفحتها الأولى والأخيرة بالألوان منذ العدد السادس، وتواصل صدورها حتى 29 مايس 2007م إذ صدر عددها السادس والثلاثون وهو الأخير، وكان عدداً خاصاً عن الشهيد مهدي عبد الحسين النجم بأربع صفحات حزينة وموشحة بالسواد، وكانت الجريدة تطبع ألف نسخة من كل عدد، وتضاعف عدد النسخ المطبوعة لثلاثة أعداد فقط لأهميتها، وكانت توزع في أغلب مدن محافظة بابل ومدن كربلاء المقدسة والنجف الأشرف وبعض المناطق في بغداد العاصمة، وأرسلت نسخ منها لمرات عديدة إلى خارج العراق إذ حملها بعض الأصدقاء، أو أرسلت لمن طلبها من المؤسسات الثقافية والأفراد .

رأس هيئة تحريرها جواد عبد الكاظم محسن، وسكرتارية تحريرها جابر جواد المغير، وتكونت هيئة التحرير من عبد الرضا عوض وبشير ناجي علي وأمجد علي الربيعي وعبد الوهاب عبد فضالة، واعتماد جواد عبد الكاظم، وشارك في تحريرها والنشر فيها عدد غير قليل من الأدباء والكتاب العراقيين المعروفين من مختلف المدن.

اهتمت الجريدة منذ عددها الأول بالثقافة والتراث، ونشر مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان، وحاولت استقطاب الأقلام المبدعة داخل مدينة المسيب خاصة وعموم محافظة بابل والمدن الأخرى المجاورة، ووفرت لهم مساحات حرة واسعة لنشر كتاباتهم وأفكارهم، كما نجحت في خلق واحتضان مواهب جديدة وأخذت بيدهم وشجعتهم على مواصلة الكتابة والنشر، واعتبرت ذلك جزءاً من رسالتها الصحفية .

خصصت الجريدة صفحتها الأولى للأخبار العامة، والثانية (مسيبيات) للأخبار المحلية، والثالثة للتراث، والرابعة للآراء الحرة، والخامسة للأدب والثقافة المعاصرة، والسادسة لمساهمات القراء، والسابعة للأسرة وشؤون المرأة، والثامنة وعنوانها (ضفاف) للمنوعات، وقد نشرت على صفحاتها الكثير من الدراسات الرصينة والبحوث المهمة التي نالت الإعجاب، وليس أدل على ذلك من اعتمادها كمصدر من قبل عشرات المؤلفين في مؤلفاتهم وعشرات آخرين من طلبة الدراسات العليا في الجامعات العراقية عند كتابتهم لرسائلهم وأطاريحهم العلمية، كما ذكرت في العديد من كتب الصحافة العراقية وفهارسها التي ظهرت بعد صدورها، ومازالت تذكر بخير.

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

شاكر فريد حسنالراحل محمد أيوب كاتب قصصي وروائي فلسطيني من قطاع غزة، من مؤسسي فن القص السرد القصصي في الأرض الفلسطينية المحتلة. ينتمي لجيل أدبي وثقافي فلسطيني نشأ واجتهد وكد ونشط في إرساء حركة أدبية وثقافية وطنية ملتزمة بقضايا الجماهير والوطن.

وهو أحد أربعة كتاب سرديين عرفناهم من خلال مجلة " البيادر الأدبي" لصاحبها ومؤسسها الكاتب الاعلامي المقدسي جاك خزمو الذي رحل قبل أيام عن عالمنا، وعلى صفحات الأدبيات الثقافية في الوطن المحتل، وهؤلاء الكتاب هم: " المرحوم زكي العيلة وغريب عسقلاني (ابراهيم الزنط) وعبد اللـه تايه، والمرحوم محمد أيوب).

محمد أيوب من مواليد يافا في التاسع والعشرين من حزيران العام 1941، قذفت النكبة به وبعائلته إلى قطاع غزة، واستقر بهم المقام في خيمة صغيرة فوق رمال خان يونس. وكان لهذه التجربة المأساوية أثر عميق في نفسه، تعلم الابتدائية والاعدادية في مدارس البلدة، وانهى الصف الرابع الاعدادي العام 1956 وحصل على شهادة تفوق، ثم أنهى دراسته الثانوية، وفي الاول ثانوي وقع العدوان الثلاثي على مصر وأضيفت تجربة الطرد والتهجير والنزوع عن الأرض، وكان لهذا الحدث أيضًا أثره الواضح في تكوينه النفسي والثقافي، وبدأ بقراءة القصص الشعبية فالقراءات السياسية والأدبية والنشاط السياسي في اواخر الخمسينيات.

بعد حصوله على الشهادة الثانوية في العام 1949 عمل مدرسًا في القطاع، وأخذ يقتطع جزءًا من راتبه لشراء الكتب المتنوعة.

خاض محمد أيوب تجربة الكتابة وهو في الصف الاول ثانوي، فكتب الشعر ثم القصة القصيرة، وفي منتصف السبعينيات بدأ يبعث بقصصه للنشر في صحف "القدس" و"الشعب" و" الفجر" ومجلة " لبيادر الأدبي" و"الاتحاد" و" الجديد". وتم اختيار قصته "البذرة تتمرد" من قبل الأديب الروائي الراحل إميل حبيبي ضمن أفضل عشر قصص قصيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، نشرت في مجموعة مشتركة في بيروت حملت عنوان " هكذا فعل أجدادنا "، وكانت القصة الوحيدة التي مثلت الضفة والقطاع، فيما كانت باقي القصص لكتاب من الداخل الفلسطيني عام 1948.

وفي العام 1978 صدر لمحمد أيوب مجموعته القصصية الاولى "الوحش" وكان للناقد الراحل محمد البطراوي وأسعد الأسعد دور كبير في ان ترى هذه المجموعة النور، وتناولتها الاقلام النقدية في حينه، وبعيد اندلاع الانتفاضة صدرت مجموعته القصصية الثانية " صور وحكايات " العام 1989. وفي العام 1990 صدرت روايته " الكف تلاطم المخرز " التي تحمل النزعة الأيديولوجية الواضحة كما يشي عنوانها.

وبعد اوسلو نشوء السلطة تحول أيوب للسلك الأكاديمي، وحصل على درجة الماجستير عن أطروحته " الرواية في الضفة والقطاع " من جامعة النجاح الوطنية في نابلس، فالدكتوراه من الجامعات المصرية، ليصبح فيما بعد محاضرًا في جامعات غزة. ومنذ العام 2000 حتى وفاته في العام 2015 انخفضت وقلت مشاركاته ومساهماته الأدبية الابداعية وطغى العمل الاكاديمي عليه.

محمد أيوب كاتب صدامي، اعتنق الفكر اليساري التقدمي، الذي ينعكس كثيرًا في كتاباته التي تعالج المعاناة اليومية لأبناء شعبه والواقع الاجتماعي والقهري الحياتي في ظل الاحتلال. وتأثر بعمالقة الأدب الواقعي العالمي من ذوي النزعة الإنسانية والرؤية الطبقية، وشكلت البيئة الشعبية التي نشأ وكبر في جنباتها واحتكاكه بالفئات الشعبية الكادحة الفقيرة والمقهورة في المخيمات مادة خام له، واسهمت قراءاته في الأدب الواقعي في صقل تجربته بحيث أدى الأمر لكتابة قصة واقعية حية نابضة بالحركة والحرارة، بما فيها من صدق فني وتعبيري وحس طبقي وفكر تنوري واضح وأصالة متدفقة بين الكلمات والسطور.

في مجموعته القصصية الأولى " الوحش " التي اشتملت على أربع عشر قصة قصيرة، يلتزم محمد أيوب التعبير عن قضايا الناس في ظل القهر والبطش والظلم الاحتلالي، واعيًا لواقعه، ويرصد أوضاع واحوال الطبقات الشعبية المنسحقة، ويصور همومها وآلامها واوجاعها اليومية والمصيرية، وبحثها عن رغيف الخبز ولقمة العيش، وحلمها بالخلاص من هذا الواقع المر.

أما في روايته " الكف يناطح المخرز "، فيتناول الفترة الزمنية الممتدة من أواخر حزيران العام 1987 حتى أواسط آب 1988، ويحكي فيها عن شاب اراد له والده أن يكون حياديًا بالنسبة للصراعات التي تدور حوله، ولذلك أسماه " حياد "، وهذا الشاب يشكو ويتبرم من الوضع الذي اراده له والده، ويلح عليه السؤال : إلى متى سيظل عديم اللون والطعم والرائحة، ومع كونه كذلك لم يسلم من طائلة الاحتلال، فقد طالته عصا المحتل، واقتيد إلى السجن عشية اضراب " يوم المساواة " داخل الخط الأخضر، وهنا وجد نفسه وجهًا لوجه مع الكثير من الشيوعيين الذي اعتقلوا في تلك الفترة اعتقالا احترازيًا، وتتفتح عيناه على أشياء يدركها للمرة الأولى في حياته من خلال الاستماع والإصغاء لنقاشات وسجالات تترك بصمات واضحة، لكن همه وهاجسه الأساس يظل أمام دراسته وتحصيله العلمي التوجه للدراسة في جامعة بير زيت، وما يكاد يبدأ دراسته الأكاديمية تندلع الانتفاضة وتلجأ السلطات بإغلاق الجامعة فيعود لبيته في خان يونس، ويشارك في الأحداث بصورة تلقائية وعفوية. ويشد هذا الحدث جميع الناس بمن فيهم " حياد " الذي بدأ بالخروج عن المضمون والمألوف الذي أراده والده. وبعدئذ يذهب للعمل في اسرائيل، وتصادفه صبية يهودية تحاول  أن تستميله إليها لكنه يرفض إقامة علاقة معها، ويعتقل " حياد " اعتقالًا اداريًا ويزج في سجن النقب الصحراوي، ليستشهد في احدى عمليات القمع والتنكيل ضد المعتقلين الفلسطينيين، وقبل ان تفيض روحه يرسم شارة النصر ويبتسم مطمئنًا بانه يصنع المستقبل.

ويمكن القول أخيرًا، أن طبيعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وواقع الناس اليوم، وطرق كسب معيشتهم ومعاناتهم الانسانية، وطبيعة المكان، والشخصيات الواقعية كلها تبرز في كتابات محمد أيوب السردية، كقصصي وروائي واقعي ناجح لا يشق له غبار، عاش الهم اليومي الفلسطيني، ويثير فينا الألم والوجع الإنساني العميق في دواخلنا. 

 

 بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

ماذا يفعل الفيروس لنا؟ من العجز الجنسي وحتى إلى الهستيريا. فهل نحن بحاجة إلى الثقة والإرادة للتكيف والمواجهة؟. بدل زرع ثقافة عدم الثقة وتعميم المدونات والآراء الشائكة حول جائحة الكورونا بهدف المنافسة المعلوماتية غير المفيدة والمتكرر نشرها في أغلب الأحيان. وننسى بأن النصائح والمعلومات حول الجائحة أو غيرها، في هذا العصر، ممكن الحصول عليها من مراكز أبحاث رصينة بسهولة.

في خط رفيع للهستيريا،لا شيء غني عن القول. عند الفحص الدقيق، نجد أن العالم مليء بالألغاز، صغيرة وكبيرة، لا يمكنك منع الخوف منها، ولكن يمكنك تجنب إثارة الذعر. للأسف، تم تصميم التقارير البصرية لوسائل الإعلام بشكل يزيد من المخاوف التي لا يمكن قياسها. على سبيل المثال، عندما تشاهد بتردد صور الفيروس غير المرئي في حجم وشكل ولون الوحش على شاشة التلفزيون، غالبا ما تجعل المرء يفكر في غسل الدماغ. أو عندما توضح وسائل الإعلام "الإصابات المؤكدة" في رسوم إحصائية بمنحنيات حادة، بالطبع يصبح الوضع مرعبا وغير واضح للناس. لكن الخوف والهستيريا لم يسبق لهما أن كانا نصيحة جيدة للنفس، التي يجب أن تتحلى بالشجاعة والعقل. علماء الاجتماع والعلاج النفسي يتحدثون ـ بدلا من الخوف والهستيريا، هناك حاجة إلى الصفاء والقوة في أوقات الخطر. فيما تتحدث الفلسفة بطريقة مذهلة عندما يكون الخط الفاصل بين التنوير والإثارة ضيقا، عن القوة الدافعة لمواجهة الازمات والحد منها من منظور سوسيولوجي.

ما نشهده اليوم هو شبيه بلحظة غرق السفينة البريطانية "تيتانيك"Titanic  الأكبر في العالم، في القرن الحادي والعشرين. خلال رحلتها الأولى عام 1912 وكان على متنها 2200 توفي من بينهم 1514 شخصا. في ذلك الوقت، خلق غرق تيتانك أثر اصطدامها بجبل جليدي جنوب شرقي نيوفاوندلاند، شعورا بالشك في عصمة الإبداع البشري.. اليوم؟ إن الفيروس الصغير غير المرئي لا يدمر حياة البشر فحسب، بل يحول كل شيء أنجزه البشر على مدار الخمسين أو السبعين سنة الماضية إلى صفر. إذن يجب أن يعلمنا هذا الفيروس الصغير درساً: انه ليس لدينا القدرة للسيطرة على الطبيعة، ولكن الطبيعة تجعلنا تحت السيطرة.

أصدر مهرجان جنيف للسينما الشرقية FIFOG بيانا صحفيا في 19 أيار جاء فيه: كنا نأمل حقا أن يسمح لنا الوضع الاستثنائي الذي نجد أنفسنا فيه، بعقد الدورة الخامسة عشرة من المهرجان، المقرر عقده في الفترة من 8 إلى 14 حزيران تحت شعار "المقاومة.. بالطريقة الأنثوية"، ستكون نسخة 2020 مقاومة الشدائد، وآفاق تحرير العقول من الحبس، والانفتاح على الآخرين. إلا ان تطور وضع ـ Covid  19 وتدابير المجلس الاتحادي، دفعنا إلى التخلي عن "الشكل الأصلي" للمهرجان والتفكير في شكل بديل.

نظم FIFOG 2020 مسابقتين عبر الإنترنت للأفلام القصيرة: الجائزة الذهبية والفضية، ومسابقة جائزة الجمهور. تتنافس في المسابقة الأولى الأفلام الحديثة، وستعرض الأخيرة أفلاما من إصدارات سابقة. فيما سيتمكن الجمهور من التصويت على Vimeo أوFacebook  وسيتم تأجيل العروض الخاصة بالأفلام الروائية الطويلة حتى الخريف. وبهذه الطريقة يحقق FIFOG مهمته، التي تتمثل في تعزيز توزيع الأفلام الشرقية التي لا يتم بثها على نطاق واسع في سويسرا، مما يساعد على جعل الحياة أكثر احتمالا، والمساهمة في العودة إلى الحياة الطبيعية.

وفي إطار الحملة العالمية تحت شعار "نحن واحد"We Are One  أقيم من 29 ولغاية 7 أيار 2020 المهرجان السينمائي العالمي، تضامنا مع أزمة جائحة الكورونا، وبه بدأ أيضا جمع التبرعات لمنظمة الصحة العالمية والمنظمات الصحية المحلية.

نظم مهرجان "نحن واحد" للأفلام عبر الإنترنت مؤسسة تربيكا الدولية Tribeca Enterprises ويوتيوب YouTube ، وقدم على المستوى العالمي العديد من الأفلام والتسجيلات وحلقات النقاش والبرامج والعروض التقديمية المختلفة مجانا. شارك فيها 21 مهرجانا سينمائيا من جميع أنحاء العالم، من بينها مهرجان برلين السينمائي "Berlinale" الدولي الذي يقام سنويا في منتصف شهر شباط.

هنا في "نحن واحد" لم يتم إنشاء السينما فقط في عمل جماعي، لكنه أيضا تجربة مشتركة. في أوقات متزامنة ومن مسافات مكانية مختلفة. فمبدأ التعاون والشعور بالمسؤولية المجتمعية كان أكثر ضرورة على المستوى الانساني. لذلك فالمشاركة في مبادرة "نحن واحد"، لها خصوصية رائعة تمكن الجمهور من رؤية أعمال كل الفنانين المشاركين، معا مرة واحدة على الشاشة الكبيرة، كما قال فريق إدارة "البرليناله" المشاركة في المهرجان، مارييت ريسينبيك وكارلو تشاتريان.

شارك مهرجان برلين السينمائي الدولي في عروض مهرجان "نحن واحد" ببرنامج مدته أربع ساعات تقريبا يتكون من حلقتي نقاش وفيلم. وتم عرض تسجيلين من البرنامج الخاص "عند الإرسال" On Transmission، الذي تم إنشاؤه لمهرجان البرليناله الـ 70. ركز البرنامج من خلال الحوار بين مخرجين، كلير دينيس Claire Deni فرنسا، وأوليفييه أساياس Olivier Assaya فرنسا، ناقشا في مواضيع الفن السينمائي ـ القصص والتجارب والخبرات والمعرفة، أثر كل فيلم عظيم على تاريخ السينما، يأخذ شيئا من الماضي، ويعالجه ويقدمه بطريقة جديدة إلى الجيل التالي. والثانية بين أنج لي Ang Lee   "تايوان" في حوار مع هيروكازو كوري - إيدا Hirokazu Kore-eda "اليابان". 

بعد العرض الأول لافتتاح المهرجان "On Transmission" على الإنترنت، تم عرض أحد أفلام البرليناله "صورة لشارب" "إنتاج ألماني 1979، 107 دقائق" للمخرجة البارعة اولريكه اوتنكر Ulrike Ottinger.  وهي واحدة من أهم صانعي الأفلام الألمان منذ السبعينيات. أبدعت في إخراج العديد من الأفلام والأعمال المسرحية والأوبرا، بالإضافة إلى عرض العديد من أفلامها في مهرجانات دولية، بما في ذلك في Cinémathèque française في باريس ومتحف الفن الحديث في نيويورك. وحصلت على العديد من الجوائز. يشمل عملها الفني أيضا الرسم والتصوير الفوتوغرافي وحاصلة على جائزة الكاميرا في مهرجان برلين السينمائي Berlinale السبعين.

فيلم "صورة لشارب" يتناول الجانب النفسي لامرأتين غير عاديتين، ولكنهما مختلفتان للغاية. الكونتيسة وليالي الكباريه. الأغنياء، الغرباء، الذين يخفون مشاعر جامدة شبيهة بالقناع، تشرب عمدا حتى الموت. والأخرى حافية القدمين فقيرة تشرب من دون وعي حتى الموت. هذا هو الحال الذي لا يظهر في العلن، لأنه يتم الاحتفاظ به في المنزل أو في عيادة خاصة.

 المثير للإعجاب، بشكل خاص في هذا الوقت الصعب الذي يتميز به فيروس الهالة، ان يقدم مهرجان برلين السينمائي العالمي بهذه المناسبة "التهاني لجميع الفائزين بجائزة الفيلم الألماني لعام 2020" مؤلفين ومخرجين وممثلين ومصورين: أفضل بطلة، هيلينا زنجل: أفضل بطل ذكر، ألبريشت شوتش: أفضل دور داعم للإناث، غابرييلا ماريا شميد: أفضل قصة: ستيفان بتشنغر وجوليا كوفالينكو: أفضل تقليد صوتي، كورينا زينك، جوناثان شور، دومينيك ليوب، أوسكار ستيبتز، جريجور بونس: فيلم "برلين ألكسندربلاتز" من إخراج برهان قرباني. وعلق فريق إدارة برليناله، مارييت ريسينبيك وكارلو تشاتريان قائلين: نحن نؤمن بالقوة الإبداعية وسحر السينما، وما تقدمه الأفلام الممتازة في ثقافتنا في ظل ظروف خطيرة للغاية كالتي نمر اليوم بها جميعا.

تتجه أزمة الإكليل إلى ذروتها. ومعها، تتزايد الأصوات التي تدعو إلى مفاهيم جديدة لما بعد أزمة كورونا. لكن عندما يفقد فيها الإنسان توازنه أو إيقاعه. لا يمكن التخطيط بسهولة لعملية التعافي ولو نفسيا من أزمات تحدث لأول مرة. فمن ناحية، الخبرة الضرورية من الماضي مفقودة، وظروف الأطر العامة للحياة تتغير باستمرار. لقد مرّ كل شخص بموقف عندما يخرج شيء عن السيطرة، وهذا بالتحديد هو الذي يخيفنا نحن البشر ويعزز السلوك غير العقلاني لدينا. والحال هو حال الجميع فوق هذا الكوكب الأزرق الجميل: لقد تعبنا من الهرولة وراء قراءة الكثير من المثير وغير المثير، الذي عشعش في العقول.. وتعبنا من البحث هنا وهناك لنعود إلى حياتنا الطبيعية.. تعبنا أيضا من الالتزام باستعمال الكمامة كالكلاب، وحفظ المسافة بين بعضنا البعض من الجنس البشري.. تعبنا من الخوف من نهاية الكون، ومن ثم ماذا بعد، إلى أين؟ وتعبنا من تمرد رأس المال على البشرية واستثمار السياسة للكورونا درعا للانتهازية والدجل والنفاق.. فمتى تنتهي هذه المصيبة؟

 

عصام الياسري

 

نايف عبوشغادرنا عصر اليوم، الخميس ١١ حزيران ٢٠٢٠ إلى جوار ربه، الشاعر إبراهيم علي العبد الله ،المعروف في الوسط الاجتماعي، والوسط الأدبي  الثقافي، بكنيته المشهورة للجميع ، (أبي يعرب)، والتي كان قد كناه بها، في ستينات القرن الماضي، الأستاذ الأديب الموصلي اللامع،احمد سامي ألجلبي، صاحب جريدة (فتى العراق) يوم ذاك. فقد أثارت نتاجاته إعجاب، وانتباه الأستاذ ألجلبي، فكناه، ب (أبي يعرب)،اعترافا منه، بعذوبة قريضه، وجزالة تعبيره،وبلاغة ألفاظه، حينما كان الشاعر أبو يعرب،كما هو معروف لمن جايله، ينشر قصائده، ونتاجاته الأدبية، والثقافية، في تلك الجريدة، يوم كان طالبا في ثانوية الزراعة بالمجموعة الثقافية في أواخر ستينات القرن الماضي، إذ كانت ذائعة الصيت، ومنبراً للفكر والأدب والثقافة، عندما احتضنت الأقلام الشابة، والبراعم الأدبية.

لقد كان الشاعر المبدع (أبو يعرب) رحمه الله تعالى وجعل الجنة مقامه ، من بين القلائل من الأعلام من الشعراء ،والأدباء، الذين جمعوا بين بلاغة التعبير، وسحر البيان ، وقدرة التأثير في المتلقي.. بما تميز به من بصيرة نافذة،وما أوتي من حكمة رصينة،وملكة إبداعية متميزة، وثقافة عامة . الأمر الذي جعل لحديثه، وقعا خاصا بين المتلقين من الجمهور، والمتذوقين للأدب، والشعر .

ولذلك كله كان المتلقون لأحاديثه، وقصائده في المجالس، والمحافل العامة، يتفاعلون بقوة مع نتاجاته، حيث كانت ابداعاته تحظى بتداول واسع بين الجمهور، لاسيما وانه اعتاد رحمه الله تعالى، أن يستلهم في أحاديثه، ومروياته، معطيات الماضي، في بعديها الاجتماعي، والتراثي، بعد أن نجح في التوفيق فيها بين أصالة الموروث من القيم والتقاليد، وبين معطيات الحداثة والمعاصرة ، بحيث تقبلها الجميع بقناعة، ودون تردد.

ولا غرابة في ذلك.. فالشاعر أبو يعرب رحمه الله تعالى ، الذي نجح في التوفيق في انثيالاته الشعرية، بين متطلبات أصالة التراث، وتحديات حداثة العصر ، هو نتاج القرية،وابن الديرة، الذي عايش كل تفاصيل حياتها، طفولة،وصبا،وشبابا، وكهولة، وتراثا، وتقاليدا، وظل منشدا، رغم كل ضغوط المعاصرة بمعطياتها المتسارعة، لجذور نشأته الريفية، ولم ينسلخ عنها.

ولعل ما تقدم من معطيات إيجابية ، هو ما جعل الشاعر أبا يعرب يحظى باحترام الجميع،نقادا، وجمهورا، وادباءا، ومثقفين، شبابا، وكبار سن، لاسيما وأنه ظل يقرض الشعر، فلم ينضب عطاؤه،ولم يجف معينه، إذ  ظلت قريحته متوقدة، وسيالة بالإبداع، رغم توالي الايام ،ومع أنه كان من قد تجاوز الثمانين من العمر، حتى واتته المنية ، فاستحق بذلك ان ينعت بجدارة من الجميع، بأديب الجمهور، وشاعر القبيلة، المتوقد الذاكرة، والمتجدد الإبداع، بلا منازع .

ولأنه إبن بيئته نشأة، وتكوينا،وثقافة، وحسا، فقد احتل المدح، والثناء، في قصيده مساحة واسعة من نظمه، جريا على عادة فطاحل الشعراء، حيث تغنى بمناقب الأفاضل من القوم، على قاعدة ولا تبخسوا الناس أشياءهم . ويلاحظ المتلقي الحصيف، أن اسلوبه في المدح، قد امتاز بالتركيز على إطراء المناقب الفاضلة، لدواعي الاشادة بالمعاني الرفيعة ، والسجايا الراقية، لمن يختصهم في شعره بالمدح، حيث ظل هدفه الأول من المدح، رفع شأن قيم الفضيلة، والسمو بها إلى أرفع مكانة، بقصد تعميق معاني الشهامة، وترسيخ قيم الانتخاء، والتكافل، في المجتمع، وتشجيع الجمهور على ممارستها.

ومع أن الشاعر أبو يعرب،كان ريفي النشأة ،إذ هو من مواليد ريف اطراف جنوب الموصل، وبالتالي.. فهو نتاج قروي النكهة، في العادات، والسلوك، والانجذاب إلى ثقافة وتقاليد القرية،إلا انه ظل  في نفس الوقت، منجذبا بحس واضح، ووجدان أصيل، إلى مدينته الحبيبة الموصل، التي انهى فيها دراسته الثانوية، في المجموعة الثقافية فظلت ذكرياته عن الموصل ماثلة في مخيلته، ومترسخة في وجدانه،حيث استمر بتواصله مع أوساطها الثقافية، والأدبية، وبحضوره الواسع في اوساطها الاجتماعية فيما بعد، فظل وفيا لموصله الحدباء على طول الخط، وألقى الكثير من قصائده في أروقتها الأدبية، ومراكزها الثقافية، في مختلف المناسبات،وحافظ على علاقة ممتازة مع الكثير من أدبائها، ومثقفيها، ورموزها،حتى رحل إلى جوار ربه.

لقد خسرنا برحيله، احد أعمدة القوم الأخيار، وفقدنا بموته، احد أركان الساحة الثقافية والأدبية الموصلية، حيث كان طاقة إبداعية متوقدة لم يفتر توهجها، حتى أطفأ بريقها الموت.

تغمد الله تعالى الشاعر الكبير، والأديب الفحل، ابا يعرب برحمته الواسعة، وأمطر عليه شآبيب الرحمة، وأسكنه فسيح جناته.

 

نايف عبوش

 

محمد الزموريلم يعد الوقت يحتمل هذا الكم الكبير من الهراء، ولم تعد النفس تتوق لما مضى، ولم يعد للصبر صبر، التغيير قد حان، لا مجال للتراجع، الحياة تسير في مسار إهليلجي غير موفق للأسف، ليست فقط كورونا هي من سوف يغير ملامح العالم، قراراتنا آن لها أن تستفيق من سبات السنين، التغيير من سنن الحياة، وقد يكون التغيير هو بحث عن الراحة المفتقدة في عالم مضجر حد القرف، لا يوجد من الحلول الكثير، ولا يوفر لنا فضاء الاحتمالات الكمية العديد من الاختيارات بالرغم من أنها حسب العلماء لا نهائية، الوجود أو العبث ولا بين بينهما. يقول جلال الدين الرومي " مع الزمن يتحول الألم الى حزن ويتحول الحزن الى صمت ويتحول الصمت الى وحدة ضخمة وشاسعة كالمحيطات المظلمة".

في ظلال هذه الوحدة وأنت تنظر الى المرآة، لا ترى نفسك، جسدك الذي تلبسك بغتة من فعل جينات أب وأم وربما أجداد لم تكن لك إرادة الاختيار، المرآة لا تعكسك، هناك شخص آخر في الطرف الآخر، بنفس الملامح والصفات، لكن أؤكد لك يا صديقي أنه ليس أنت، هو انعكاس لظاهرك المزيف، وتجاهلا لدواخلك المتقلبة.

الشخص الذي يشبهك في المرآة ليس أنت، إنه شاب بملامح الكهول، هو ليس أنت، المرأة ليست صادقة مثلهم تماما. فمتى سوف تتحرك لاستعادة نفسك من التخدير والوهم؟

التخدير هو الصوم عن اتخاذ قرار، لا توجد قرارات مصيرية فالحياة برمتها مجرد نزال عقيم بين طالب ومتطلب، بين مانح وجاحد، بين بؤس سعيد وآخر تعيس، بين منطق "ماكس شتيرنر" وعذابات "دانتي أليغري"، لا توجد أيام سوداء وأخر بيضاء، الموجود هو فائض كبير من الوقت نحاول إعدامه بالعمل والالتزامات غير المجدية، السوداوية ليست منطق أو فلسفة أو مرض نفسي أو أسلوب في التفكير والحياة، السوداوية هي الحياة، وذلك النور الملهم يتجلى فقط عندما يسمح له الظلام بذلك. الآم النفس البشرية يعمقها الآخر بمنطق الأنا والمصلحة، لا يوجد من يراعي مشاعرك أو يضمد جراحاتك، فالجحيم هو الآخر على حد تعبير الوجودي "جون بول سارتر". أحاسيسك وأفكارك واهتماماتك لك وحدك، المشاركة هي فقط أسلوب مجازي يستخدم عندما تتوفر فيك شروط المصلحة.

يديرنا الوقت وفق مقاربات الحياة، الوقت الفارغ الذي يتلحفني يكفي لملء الكون بمجراته، وكأنني في سديم فضائي وإشارات المركبات تومض بعشوائية كصرخات من معدن تعوي في الفراغ الكوني حيث الصوت لا ينتقل في الفراغ وإن استعنت بكل الأحبال الصوتية لسكان الأرض.

كان الكلام منسلخاً عن الواقع كما المشاعر، وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى. لم يكن إلا الأمل في اللحاق بمركبة فضائية تقلك إلى حيث الواقع أقرب شبهاً بالكلام، إلى أناس يعنون ما يتفوهون به، في عوالم متوازية أكثر صدقا.

في الحقيقة لم يكن وقت ضائع على الإطلاق لكنك أنت الضائع، لا شيء يعنيك حقيقة مهما اصطنعت الاهتمام. من اللطيف أن تكون معظم المصطلحات الحضارية المتداولة؛ تلك الموحية بالخفة والتحرر من المورث المجتمعي الطويل، مجرد وهم متداول أنيق يجعل الفرد مقبولا في المجتمع المتحضر ليس إلا، لكن من المستحيل أنْ يكون لهذه الأفكار وجود عميق في حياتنا وإلا فسيكون التوحد والتماهي المطلق معها مأساة إنسانية ثقيلة، لا تعني إلا المزيد من التكريس للمسوخية والتشيؤ.

الوقت الفائض عن الحاجة لا يزال. كنت أنا أو ربما ليس أنا، ليس تماماً؛ ربما أصدق قليلاً أو أكثر استعداداً للتواؤم والتكيف. لكن الوقت أمسى ضاغطاً لدرجة صعوبة التنفس. وهكذا تدربت أن أبني سياجاً عازلاً حول نفسي تحاشياً لعقارب الوقت وفي انتظار النهاية، فتاريخ العالم على حد تعبير "إميل سيوران" ليس سوى تكرار للكوارث بانتظار كارثة نهائية.

 مات أبي ولم أحضره، فانهارت الجدران التي شيدتها من حولي في وجه الوقت المهدر كدماء لا منتهية تراق على قارعة الطريق، لعلي جربت نوعاً معطلاً من السعادة. أنتجت سياقاً أعمل فيه شيئاً، ما لبث أن تفتت في لحظة، وكان على أن أعيد بناءه من لا شيء. الفزع من الوقت أبشع من فزع الموت نفسه. للمرة الأولى أحسست به داخلك، في جسدك كما على مسرح أحلامك، ضياع الساعات التي انهمرت حولك فجأة شلالاً في كل الاتجاهات.

 في هذه السنوات بدأت تتجلى ألوان الوقت المتسرب في تفاصيل العمل والحياة، أو لعل ما تجلى فعلياً كان أسبابه: الحقائق التي تبقيه ضائعاً وتحرمك استعماله في شيء مهما حاولت. عرفت مثلاً أن الغلاف الخارجي للشيء وحده محط الأنظار والاهتمام، وحين يكون المحتوى المفترض قيمة أو مبدأ يزداد الاهتمام بالغلاف. لكن المحتوى يظل فارغاً يماثل الوقت، لا يمكن حتى وصفه بأي صدق تبعاً لشروط التفاعلات المعمول بها، وبحسن نية أحياناً.

  جئت إلى تلك اللحظة حيث أيقنت أن النضال، ذلك الخليط المسرف في الارتباك والضبابية من القومية والشعبوية والطائفية، لم يعد له شغل سوى تكريس الدين المسيس أكثر فأكثر كواقع – خرافي، بطولي، رديء، ممسوس بالطبقية والدونية، محكوم بالوقت الضائع – ليس منه فرار.

للمرة الأولى منذ وعيت الحياة، لعواء الصرخات المعدنية. عدت ترى وقتاً ضائعاً يكفي لملء الكون، وفي السديم الفضائي المحيط بك مع خطر الموت الآن، تتطلع إلى إشارات المركبات الفضائية.

 إلى أين ستذهب يا رفيقي وقد صرت في الأربعين؟

 

أ/محمد إبراهيم الزموري

باحث في العلوم الإنسانية والقانونية.