صادق السامرائيمبروك لصحيفة المثقف الغراء هذه القدرة المتميزة على إستقطاب العقول الثقافية المعرفية المنورة من جميع التخصصات والإهتمامات، مما يدل على نجاحها الفائق وقابليتها على إستيعاب الإرادة الإنسانية المتمثلة بتعبيراتها المتنوعة.

هذا الإنصباب الفكري المتدفق في وعاء صحيفة المثقف ليعطي مثالا حيا وواقعيا على قدرة الأمة على أن تنصهر طاقاتها في وعاء كينونة حضارية أصيلة، وقد تحقق ذلك في مسيراتها عبر العصور ووفقا لمنطلقات الأجيال وهمتها في التعبير الأمثل عن ذاتها المتفاعلة المنطلقة نحو العلاء.

ووفقا لذلك فأن صحيفة المثقف أصبحت أمام مسؤولية كبيرة في إيجاد الكيفيات والآليات التي تحقق الإستثمار التنويري لهذه الطاقات المعرفية المتوافدة إلى صفحاتها، بعد أن ذاع صيتها وترسخت قيمها ومعانيها الإنسانية ورفعت رايات التسامح والألفة الإنسانية السامية.

فهل ستتمكن من صناعة التيار الثقافي القادر على التأثير والتغيير؟

فالأمة بحاجة إلى تيار ثقافي فاعل في الواقع ومؤثر بمسيرة الأجيال لكي تمتلك الحصانة الكافية، التي توقيها من أوبئة التضليل والتغرير والخداع العاصفة بأرجاء الحياة، التي تحولت إلى مزادات تجارية لذوي التطلعات المغرضة والعاهات النفسية والسلوكية الخطيرة.

فلا يمكن للحياة أن تتطور وترتقي إلى عصرها دون تيار ثقافي معرفي متفاعل مع مفرداتها اليومية، ومتمكن من تنوير العقول وتهذيب النفس والإرتقاء بالسلوك إلى مديات أخلاقية تستطيع أن تحافظ على توازن الخطوات الإيجابية ووضع الأسس الحكيمة لبناء عقلاني منير.

ويبدو أن صحيفة المثقف قد إمتلكت الأهلية والمهارة الإعلامية والقدرة التأثيرية على صناعة التيار الثقافي، الذي يرفد العقول بما ينيرها ويزيل عنها غشاوات الضلال والبهتان، ويمكنها من رؤية مواضع خطواتها وإستحضار مستقبلها.

وربما لا يعرف قيمة هذا الإنجاز الحضاري الفياض غير رئيس تحريرها، الذي إنطلق بها برعما يحلم بالمروج والبساتين ذات الأشجار المثمرة المعطاء، فكانت بالجد والإجتهاد والمثابرة والتواصل والإصرار والتصميم على التحقق والنماء والإزدهار، فكانت مثلما ترعرعت في الخيال والضمير والوجدان.

ويا حبذا لو تكون المقالات المنشورة فيها لم تنشر في مواقع أو صحف أخرى، فما يسود أن بعض المقالات المنشورة فيها تجدها قد نشرت في أكثر من موقع آخر قبلها، وهذا يُفقد الصحيفة خصوصيتها وقيمتها الثقافية.

كما نأمل أن تكون التعليقات ذات إسهامات ثقافية وتنويرية لا للمجاملة وحسب.

مع التقدير لهذا الصرح الثقافي الفياض، وتمنياتنا لرئيس تحريرها بدوام العافية وتمام الصحة ومديد العمر، لكي تبلغ رسالة المثقف هدفها وتتواصل مع الأجيال.

 

د. صادق السامرائي

 

احمد الكنانيالحوارات الشعرية المستلهمة من النصوص الدينية دائما ما يكون لها وقعها الخاص ويكتب لها البقاء والتجدد في اغلب الأحيان؛ ولعلها تلتمس الخلود من ذات النص الملهـِم، وعند الكلام عن الحوارات الشعرية الخالدة تأتي في الطليعة رائعة ابي العلاء المعري في رسالة الغفران المستلهمة من قصة المعراج القرآنية.

شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء كان ملهما في صياغة حوارات الشعراء في الجنة، ومصدر الهامه قصة المعراج النبوي اذ كان قاب قوسين او ادنى من الملكوت الأعلى، الِهامٌ جليّ في رسالة الغفران يظهر مدى تاثير الرحلة الليلية للنبي على صياغة الحوار بين الاعشى من جهة وبين الجعدين النابغة الجعدي والنابغة الذبياني من جهة اخرى؛ بسبك كاروع ما يكون الابداع الادبي او المسرحي..

اللغة الساخرة او الكوميديا في رسالة الغفران هي العنوان الاكبر الذي اختطه جمع غفير من الكتَاب والادباء عند دراستهم وتقييمهم لرسالة الغفران بمن فيهم عميد الادب العربي طه حسين عندما وصفها بأنها مليئة بالسخرية المؤلمة من الجن والملائكة جميعا. هذا في الشرق .

وفي الغرب تأتي في المقدمة ثلاثية الكوميديا الإلهية الجحيم والمطهر والجنة لدانتي أليفييري الذي وجد نفسه تِائها في غياهب ظلمات الغابة اذ يلتقي بالشاعر الروماني فيرجيل ويقوده الى العالم الآخر حيث الجحيم والعذاب وعالم الشياطين والمخلوقات الأخرى وتبدأ رحلة الخروج من الجحيم بمعية المنقذ فيرجيل.

وهنالك حوارية شعرية مستلهمة من قصة موسى وفرعون التوراتية القرآنية ستكون محور مقالتي اذ لم اجد من اشاراليها رغم أهميتها القصوى التي لا تقل أهمية عن رسالة الغفران والكوميديا الإلهية .

ولان حوارية الفرعون هذه كتبت بالفارسية فقد ظلت حبيسة لغتها ولم يلتفت اليها احد على الرغم ان مبدعها شاعر هو الأعظم في التاريخ .

جلال الدين الرومي في ديوانه المثنوي وفي القسم الثالث منه ينفرد بحوارية شعرية يتيمة المضمون وتعتبر من مختصاته، حاول من خلالها استلهام الصراع بين موسى وفرعون في النص التوراتي القرآني وأجاد في طرح معتقداته الصوفية في إطار تلك الحوارية .

 حوارية موسى وفرعون تبتدء عند إلقاء موسى لعصاه فأذا هي حية تسعى، وتختتم بهزيمة فرعون ورهطه وإقرارهم بالهزيمة والإيمان برب موسى .

كل المعطيات تشير الى غلبة موسى بالمعجزة التي منحها إياه الرب اذ جعل من عصاه التي يتوكأ عليها ثعبان تلقف ما يأفكون، والمنازلة الكبرى بين السحرة وموسى انتهت بأذعان السحرة وإيمانهم برب موسى وأتت على ما خطط له الفرعون من الوقيعة بموسى وأخيه وبني إسرائيل قاطبة :

فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ .

الحوار يبدأه فرعون كقبول بالهزيمة وإذعان بأنتصار موسى فيصوره الرومي بهذه الطريقة :

 

تو بدان غره مشو کش ساختی

در دل خلقان هراس انداختی

 

 يخاطب فرعون موسى في هذين البيتين: بأن اثبات النبوة والقدرة بمعجزة الافعى هي في الواقع إلقاء للرعب في قلوب الخلق:

 " در دل خلقان هراس انداختی " .

تخويف المصريين في الحقيقة ليس نصراً، إنما النصر هو ما فعله الفراعنة وما أثبتوه في مصر:

" عاقبت در مصر ما رسوا شدند "

ما فعله الفراعنة في مصر يعتبر اشد وطأة من فعل المعجزات .

والسؤال المهم في هذا الموضوع هو :

ما الذي فعله الفراعنة في مصر واعتبره الفرعون نصرا على موسى؟

والجواب هو ما ذكره جلال الدين الرومي في القسم السادس من المثنوي:

موجب ايمان نباشد معجزات  بوي جنسيت کند جذب صفات

معجزات از بهر قهر دشمنست        بوي جنسيت پي دل بردنست

ان موجبات الإيمان ليس الإتيان بالمعجزات و إثبات القدرة على فعل خوارق الطبيعة، وإنما إثبات النبوءات يتأتى عن طريق جذب الصفات وكاريزما الشخصية الجذابة واختطاف القلوب كما يسميها الرومي، ويعتقد فرعون بحسب حوارية الرومي انه مَلَكَ قلوب المصريين وموسى أرعبهم، وهي المعادلة الرابحة في إثبات الذات في مثل هكذا صراعات .

سر هذه الحوارية يكمن في فهم جدوى معجزات الأنبياء، ولعل الرائد في تسليط الضوء عليها هو ابن خلدون في المقدمة اذ يعتقد ان المعجزات هي حاصل قوة نفوس الأنبياء بالمستوى الذي يجعلهم يتصرفون بمجريات الطبيعة بقدرات خارقة، وتنسب هذه المقولة الى الحكماء أيضاً .

ثم ان معجزة النبي هي في جعل افئدة الناس تهوي اليه بقوة شخصيته وقدرته على توحيد القبائل والمحيطين به على ما يفهم من كلام ابن خلدون، تلك ميزة هي قمة الإعجاز، وأكثر وقعاً مما يروى من خوارق ومعجزات منسوبة الى النبي .

وللحقيقة أقول ان خوارق الطبيعة والإعجاز البلاغي لم تجذب بلالا ولا عمار ولا سلمان الى الإيمان اذ لا تعنيهم خوارق البلاغة كثيراً، وإنما هي القيم السامية من المساواة والعدل وقوة شخصية النبي اجتذبت كبار الصحابة، وزعت فيهم المثُل العليا .

جلال الدين الرومي ابدع في ترسيخ هذا المعنى في حواريته الفرعونية الموسوية وأسس لمعنى المعجزة بمعناها العرفاني القائم على الحب الذي هو اصل الإيمان لا الخوف والرهبة الآتية من خوارق الطبيعة .

 

احمد الكناني

 

 

ضياء نافعبوشكين- قبل كل شئ – شاعر كبير، اي ان الشعر يأتي اولا عندما يجري الحديث عنه، اذ انه (شمس الشعر الروسي) بلا منازع، ولكن بوشكين ساهم – وبشكل كبير وهائل ورائع ايضا – في مجالات ابداعية اخرى، فما هو الجانب الثاني في ابداع بوشكين يا ترى؟ يعتقد بعض الباحثين، ان النثر يأتي (ثانيا)، اذ مازالت قصصه ورواياته القصيرة شاخصة في عالم الادب الروسي، ويشيرون مثلا الى ابنة الضابط (حسب ترجمة الدروبي والتي اختلف المترجمون العرب على ترجمة عنوانها لاحقا!)، وهناك من يرى، ان مسرح بوشكين اهم من نثره، ويذكرون مسرحيته التاريخية – (بوريس غودونوف) والتي لازالت تتفاعل مع الحياة الروسية المعاصرة ولحد الان، وذلك عندما يدور الكلام عن المسرح الروسي او التاريخ الروسي، ويظن آخرون، ان هناك جوانب ابداعية اخرى في نشاط هذا (المعلّم !) الكبير، وان تلك الجوانب هي التي تستحق ان تكون (ثانيا) . وبغض النظر عن تحديد الموقع (الثاني!) في ابداع بوشكين (وكل ذلك يخضع للنظرة النسبية للباحثين طبعا، اذ يجد كل باحث تبرير موقفه تجاه بوشكين وابداعه)، فاننا نود ان نتوقف في مقالتنا هذه عند جانب مهم في مسيرته الابداعية، وهو بوشكين - الكاتب المسرحي في تاريخ الادب الروسي، وفي تاريخ المسرح الروسي .

هذا الموضوع يذكّرني رأسا بحدث محفور في اعماق روحي، وهو - كيف جاءت المرحومة أ.د. حياة شرارة مرة اليّ (عندما كنّا نعمل سويّة في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد)، وقالت لي انها ترجمت تراجيديات بوشكين الصغيرة عن الروسية، وتريد ان تقدمها الى وزارة الاعلام العراقية لنشرها في كتاب، ولكنها مترددة جدا، لانها تخشى ان يحيلون الترجمة الى شخص غير مؤهل لمراجعتها كما كانت الامور متبعة بشأن اي كتاب مترجم تنشره الوزارة، ويبدأ هذا الشخص (يتفلسف برآسي !) (هكذا قالت لي المرحومة حياة مازحة)، ولهذا سألتني، هل توافق ان تكون انت المراجع لتلك المسرحيات؟ فقلت لها، اني اوافق على ذلك دون اي تردد، وأضفت قائلا، انها يجب ان تكون مثل جبرا ابراهيم جبرا، الذي يشترط عدم مراجعة ترجماته من قبل مراجعين، وانها جديرة ان تشغل مكانة جبرا في عالم الترجمة عن الروسية في العراق، (انظر مقالتنا بعنوان – حياة شرارة والادب الروسي في العراق / لقطات) . وهكذا صدر كتاب المرحومة حياة عن وزارة الاعلام العراقية بعنوان – (مسرحيات بوشكين)، وهو اول كتاب عراقي متكامل عن مسرح بوشكين، اذ يضم نصوص المسرحيات تلك، التي أسماها بوشكين – (تراجيديات صغيرة) بترجمة د. حياة شرارة عن الروسية، وبمقدمة عن مسرح بوشكين بقلمي، والمقدمة تلك هي في الاصل بحث نشرته اولا في مجلة كلية الآداب / جامعة بغداد (وقدمته في حينها للترقية العلمية حسب تعليمات الترقيات العلمية في الجامعة)، واتفقنا (حياة وانا) انه يصلح ان يكون مقدمة لكتابها المترجم ذاك، وهذا ما تمّ فعلا. ولهذا، فان مسرح بوشكين – بالنسبة لي شخصيا - يرتبط بترقيتي العلمية في الجامعة، ويرتبط ايضا باول كتاب عن مسرح بوشكين في العراق اصدرته المرحومة المبدعة حياة شرارة .

 تراجيديات بوشكين (الصغيرة!) تلك هي مسرحيات (كبيرة!) الاهمية في تاريخ الادب المسرحي الروسي، اذ انها تعدّ كلمة جديدة لم يسبق لاحد قبل بوشكين في روسيا ان قدّم شيئا مماثلا لها، وكتب بوشكين تلك المسرحيات عام 1830، اي عندما كان في قمّة (نضوجه الابداعي!) ان صحّ التعبير (توفي بوشكين عام 1837)، وليس عبثا، ان تلك المسرحيات كانت تعكس مواضيع انسانية شاملة، او (امميّة) كما أسماها باحث سوفيتي مرّة في محاولة لاستخدام المصطلح السياسي المعروف في سياق النقد الادبي. التراجيديات الصغيرة، او (مآس صغيرة) كما جاءت في بعض الترجمات العربية، كانت تدور حول صفات عامة توجد عند البشر كافة، صفات وردت الى ذهن بوشكين نتيجة قراءآت واسعة جدا في الادآب العالمية، (اي لا تتناول الخصائص القومية البحتة ولا الاحداث القومية)، كالحسد مثلا (انظر مقالتنا بعنوان – مسرحية بوشكين الشعرية موتسارت و ساليري) .

المسرحية المركزية لبوشكين هي (بوريس غودونوف) طبعا، والتي قرأ بوشكين مقاطع منها لقيصر روسيا الكساندر الاول عندما استقبله بعد الغاء عملية النفي وعودة الشاعر الى بطرسبورغ، وهي دراما تاريخية ضخمة ومليئة بالاحداث والشخوص، بدأ بوشكين بكتابتها بعد ان اطّلع على نتاج كارامزين الشهير (تاريخ الدولة الروسية)، ويرى بعض النقاد، ان بوشكين اراد ان يكون (شكسبير روسيا) بواسطة هذا العمل المسرحي الكبير . استمر بوشكين بكتابة هذه المسرحية طوال سنوات، ونشرها عام 1830 فقط، ولم يستطع ان يراها على خشبة المسرح اثناء حياته نتيجة عوامل كثيرة، منها سياسية وفكرية، ومنها كذلك صعوبة تحقيق ذلك تقنيا . لقد تم تقديم تلك المسرحية على خشبة المسرح الروسي بعد اكثر من ثلاثين سنة على وفاة بوشكين، ولا زالت تعرض لحد الان، بل انها تحولت حتى الى اوبرا، والى عروض موسيقية غنائية متنوعة، وحولتها السينما الروسية منذ اواسط القرن العشرين الى افلام سينمائية عديدة، وكان آخرها فلم سينمائي تم انتاجه عام 2011 ليس الا...

شمس الشعر الروسي بوشكين استطاع ان يمنح لشعبه ايضا المسرح الشعري الروسي، وهو عمل ابداعي كبير وعنصر ضروري جدا في تاريخ كل شعب من شعوب العالم المتحضّر...  

 

 أ. د. ضياء نافع

 

 

مهرجان عروس البحر الذي انطلقت فعاليات دورته الحادية عشر، والثانية دوليا، يوم الأربعاء 14 اوت 2019 وذلك بولاية المنستير بالجمهورية التونسية. هذا المهرجان الذي انطلق من المحلية الى العالمية والذي التأم يومه الرابع 17 اوت 2019 بقصر بلدية دار شعبان تحت اشراف رئيسة بلدية دار شعبان الفهري "سعيدة الصيد" موعد امضاء بروتوكول التوأمة بين جمعية لؤلؤة مهرجان عروس البحر بالمنستير برئاسة الشاعرة فوزية فرحات وهيئة الحوار الثقافي الدائم فرع تونس، برئاسة الشاعرة أمان الله الغربي. اثبت انه لا غنى للعالم العربي والإسلامي عن التواصل وعن حوار الثقافات وهو عن جدارة عرس الادب والثقافة والشعر والمحبة والاخاء والتواصل واللحمة العربية. هذا العرس الكبير المترامي الاطراف والممتد بقيمته العالمية والادبية والفكرية والثقافية كذب ولو جزئيا مقولة فرق تسد وحطم السياج الذي صنعه الاستعمار والمستعمرون والطامعون والخونة والاغرار هؤلاء حبلهم الذي فتلوه حبل غرر... وحبال شباكهم التي نسجوها حولنا ولنا ليدخلونا في المصيدة ونحن في غفلةٌ اليقظة لتفكيك العالم العربي وتشتيته ونشر العداوة والبغضاء بين افراد شعبه حبال مهترئة اكل عليها الدهر وشرب، حبال اهون من خيط العنكبوت وغير موثوق بها. حيث اجتمع ممثلون مثقفون وسفراء الادب والثقافة والسلام من عديد الدول العربية كل اتى مسرعا متحمسا للقاء وحّد فيه العالم العربي ادبا وشعرا وثقافة دون النظر الى مرجعية سياسية ولا جغرافية ولا دينية. وحّد دون الرجوع الى اطيافه ونحله وملله ودينه. الكل هنا بتونس حل واجتمع في عرس الثقافة والادب يتكلمون بلغة واحدة وبلهجة اجتمعت فيها الابجدية العربية في فرح دؤوب وكانهم يعرفون بعضهم بعضا ومن بلد واحد بل من حي واحد لا بل من منزل واحد وعائلة واحدة، وواحة اخوة لا يفرقهم عرق ولا دم اخوة كان لقاءهم سجال بين القاء الكلمات وبين القاء الشعر واصداح الموسيقى الراقية والضحك جو حميمي رائع. ايام مهرجان عروس البحر الثلاث حطمت فيها كل مقاييس ومساعي التفرقة والعنصرية المذهبية والطائفية والعرقية والجنسية والطبقية واللون بكل تجلياتها ومعانيها المباشرة وغير المباشرة، اننا نحن العرب فردا واحدا ويدا واحدة مهما كانت السياسات والمرجعيات الاديولوجية ان اردنا البناء بنينا ولو تألب علينا العالم باسره وان اردنا الانتصار انتصرنا ولو فرقونا طرائق قددا وشتتونا شتاتا شتاتا إنها العروبة تتجلى في اسمى وارقى معانيها ومدلولاتها اللغوية واللفظية المادية والمعنوية نحن العرب من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب نبقى عربا كائنا واحدا. الى هذا المهرجان كل هب مستجيبا للدعوة من كندا ولبنان ومصر والعراق والجزائر. ومن مصر حضر الدكتور اشرف كمال رئيس تحرير جريدة الوفد المصرية وموقع بوابة الوفد، المتحصل على جائزة أفضل عمل صحفى متميز ونائب الدكتور عبد الكريم بعلبكي أمين عام هيئة الحوار الثقافي الدائم بلبنان وأمين عام الاتحاد الدولي للصحافة والفنون، والدكتورة والشاعرة والاعلامية غادة الارناؤوط ممثلة الجمعية اللبنانية لمساعدة مرضى السرطان والأمراض المستعصية في كندا ورئيسة فرع كندا لهيئة الحوار الثقافي الدائم بكندا وسفيرة السلام العالمي. والاعلامية الشاعرة فوزية فرحات رئيسة جمعية لؤلؤة مهرجان عروس البحر الدولي بالمنستير وسفيرة السلام العالمي، والشاعرة أمان الله الغربي رئيسة فرع تونس لهيئة الحوار الثقافي الدائم، والاستاذ والاعلامي رفيق بالرزاقة عضو مستشار بمجلس الأمانة العامة لهيئة الحوار الثقافي الدائم. كما وقع تكريم ثلة من الشعراء والسفراء، سفراء الكلمة الطيبة، الكلمة المفيدة والادب والشعر.

 

الاديبة فوزية بن حورية  - تونس

 

مجدي ابراهيمإحياء طاقات الأمة معناه معرفة سرِّ قوتها، والتبصير بما في هذه الطاقات من ذخيرة حية نافعة. وإذا ما كانت القوة الحقيقية طاقة نافعة عاملة مؤثرة، كان إحياء طاقات الأمة معناه معرفة أسرار قوتها، والتبشير بما في هذه الأسرار من قوة بديلاً عن التنفير من عوامل الضعف؛ فلا يُعقل أن تكون هناك أمة بمثل تلك الموارد والقدرات والروابط والصلات، وتكون في نفس الوقت ذات طاقات معطلة، اللهم إلا أذا أراد لها أبناؤها تعطيل تلك الطاقات النافعة المثمرة فيها، وتغييب الدور الحيوي لها.

على أن تعطيل طاقات الأمة من الداخل أقبح وأشرّ عليها من أعدائها في الخارج؛ فالعدو الخارجي معروف وموصوف بأنه دخيل مستعمر يريد أن يسرق حقوق الآخرين، ينهب خيراتهم كلما استطاع ثم يسلب أراضيهم ويشردهم ويشتتهم ويذلهم ويهينهم طمعاً في إبادتهم من على وجه الأرض لو أنه استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ ليحل حلول المغتصب الدائم في الأرض الخراب!

أما العدو الداخلي فهو خبئ غير معروف يفسد من الداخل؛ لأنه قد يكون أخاك أو قريبك أو جارك أو صديقك أو نفسك التي بين جنبيك، وهو أعلم بالنقيصة والمعابة من عدوك الخارجي. وقد أصابت فطرة الشاعر العربي ولم تخطئ حين صَوَّرت هذا المعنى بالدقة ليكون سنة الحياة الدائمة فقالت: " أحذر عدوك مرة، وأحذر صديقك ألف مرة .. فلربما أنقلب الصديق، فكان أعلم بالمضرة".

وعليه؛ فإذا ما انهارت قوة الأمة، فلتثق أن العدوان قد أصابها من الداخل وحكم عليها أبناؤها بالانهيار لما أن فرطوا في أعز ما تملك من مقومات الوحدة، فكانوا السبب الأوَّل والأخير في تفتيت عناصر القوة الجامعة والرباط الموصول؛ وأهمها وأولاها هو اللغة كما سيجيء تفصيله في سياق هذا الحديث الطويل. لكننا هنا نعرض أولاً لظروف وملابسات الواقع العربي من زاوية نقدية قبل أن نتطرق للتفاصيل التي من خلالها ندرك أهمية اللغة العربية فينا، ونعقب ذلك كله بدراسة عن "قيم من اللغة" فنقول :

لَعَلَّ هذا هو سر الفرقة الناتجة عن تشتت الأمة العربية وتضارب مصالحها على مستوى الأنظمة والشعوب، وهو السبب في قلة توحّدها لمواجهة أحلك المحن وأخطرها على المستويين : الداخلي والخارجي؛ أعني الفُرْقَة التي تأتي من الداخل، والعصمة المفقودة بفقدان "مبدأ التوحيد"، وإحساس المرء فيها بالهزيمة الروحية والانكسار المعنوي، وغياب أسس التربية الوطنية القائمة قبلاً على دعائم إيمانية، وأهمها وأرقاها نزوعاً إلى الأهمية هو : أن حبّ الوطن وتقديس ترابه جزء لا يتجزأ من القيم الإيمانية التي أمرت بها الأديان السماوية والشرائع الدينية، وأن خيانة الأوطان هى في الأصل خيانة لله تعالى، وأن تبديد قواها الاقتصادية، والهروب بأكثر من ثلاثة أرباع مواردها وأموالها، وفساد الضمير المهني على وجه العموم كائناً ما كان هذا الضمير (علمياً أو أدبياً أو أخلاقياً) أو ما شئت أن تضيف، واستخدام ثروات الوطن وأمواله في تدعيم مظاهر المجون والخلاعة وقلة الأدب، وتردى الأذواق إلى أسوأ درجات الغيبوبة الفنية، واحتكار الموارد والمقدرات الحيوية لصالح طبقة معينة من الناس...

كل هذا كله من الظواهر الطارئة على المجتمع المصري خاصة، فيها بغير ريب خيانة للوطن وفقدان للوطنية بمقدار ما فيها من "إرادة التخريب"، تتعطل فيها بالضرورة طاقات الأمة النافعة ويغيب الدور الحيوي لأبنائها من حيث أرادوا لها الإصلاح أو ظنوا أنهم يُصْلحون.

وأغلب الظن عندي أن السلبيات التي تَفَشَّتْ في المجتمع العربي عموماً - والمصري منه على وجه الخصوص - في الآونة الأخيرة تهضم حق الأمة هضماً مروُّعاً، وتحيق بدعائم الوطنية فتبيدها أو تكاد من حيث لا تشعر؛ لأنها من الأسس الهدامة تنخر كما السوس في أركانها الثوابت.

عندما نرى السخافة هى السائدة، ونرى التسيب والفساد والقبح والخلاعة والمجون ، أموراً من أقوى علامات التحلل من القيم الجميلة، يكون من الطبيعي أن تنهار فينا الأعصاب خوفاً من البقية الباقية من المعاني السامية قيماً نبيلة أن تضيع وسط هذا الصخب اللعين يجتاح الشعور صباح مساء بغير تريث أو هوادة، يشهده الجميع في سخافة العقول وضحالة الأذواق، لكأنه المستنقع الآسن ممزوجاً بعكارة الإثم والفجور، والمتاجرة بالرخيص من القول والفكر، والرخيص من الأفعال والتصرفات مما قد يطفح به الشارع العربي فضلاً عن النوادي، ومما قد يظهر في مجون غريب فج على شاشات الفضائيات!

فيجيء رد الفعل تباعاً قوياً عارماً. وليس من شك في أن الإنسان المخلص لوطنيته ولأمته ولإنسانيته المكرمة قطعاً عند الله في كل حال، وعلى أية حال، أرادها الله؛ يرفض الهزيمة التي تسوقه كما السائمة نحو ما يشتهي، ويرغب، ويتمنى، ويطلب، حينذاك يجد من نفسه أن كل شهواته هزائم، وكل رغائبه عوائق، وكل أمنياته قواطع، وكل مطالبه انكسارات، حتى إذا ما وجد من نفسه رفضاً لهذا كله؛ فهو النصر المحقق لأمته ولوطنيته ولإنسانيته، وذلك حين يطمح بالبصيرة إلى ما فوق التراب، وحين يرغب في تحقيق أعلى من رغبة الهزائم المخزية على الدوام بغير انقطاع.

فالهزيمة الحقيقية هى هزيمة الروح من الداخل، وهزيمة القلوب أمام نفوس طاغية وأجساد مستأسدة : هى هزيمة الضمير أمام طغيان المادة وإلحاح المطالب والرغبات، ولا هزيمة على الإطلاق والإنسان معتصم بحبه لوطنه فيما لو كان حبّ الوطن على الحقيقة جزاً لا يتجزأ من حب الله، وهو معتصم بحبه لأمته، ومعتصم بعصمة الرقابة الباطنة على الضمير من أن تعصف به ريح نحن لا ندري : من أين وادٍ هبت؛ فغيَّرت بهبوبها أصولاً، وكادت تقلع من الأصول جذوراً.

على أننا لا نتجاوز الصواب لو أننا قلنا إنه لابد أن يكون هناك "تضامن عربي" حاضراً وفاعلاً بالحقيقة، لا مفر من وجوده شئنا أو أبينا، فإذا لم يكن "التضامن" موجوداً على المستويين : الشعبي والرسمي، فلن تتحول هذه الأمة على مر الأيام، وإزاء تلك التحديات، إلا إلى بقايا تتآكل وتتلاشى في غير ما يعود عليها إلا بالخسران الأكيد.

هذا "التضامن" المطلوب يرتد لا محالة إلى معرفة مصدر القوة العربية والإسلامية ذلك المصدر الذي يعمل أعداء العربية له ألف حساب وحساب. والعروبة - يا صاح - ليست كلاماً يجري على ورق، ولا هى كانت ألفاظاً في خطب تُرَص بغير ضابط يضبطها من فاعلية يصدقها العمل المشهود في الواقع المقروء، ولكنها حياة حافلة بالجهاد يتآزر فيها الكيان العربي كله جملة وتفصيلاً. وتقوم فيما تقوم عليه على وحدة الدين واللغة والوطنية (أو إنْ شئت الدقة قلت"القومية")؛ ليكون كيانها هذا أشْبَه شيء بالكيان الثقافي، أو هو نفسه الكيان الثقافي بالفعل، فما لم يكن العربي قادراً على "التوحيد في ذاته"، وعلى التلازم المضبوط داخلياً بين نوازعه ودوافعه وبواعثه؛ فلن يكون مدركاً للتوحيد الديني، ومن ثمَّ فهو يفتقر بالتالي إلى التوحيد اللغوي مقدار افتقاره إلى التوحيد الوطني أو القومي على التعميم. فما كانت غفلته عن التوحيد الديني محققة بالفعل؛ إلا لأنه لا يعلم شيئاً عن التوحيد النفسي، أو التوحيد الذاتي الذي ينبثق من ذلك التوحيد الديني حقيقة، وينتج عنه بالمباشرة والتعلق، والذي يُراد به (أي التوحيد الذاتي) الانسجام الداخلي في الفرد العربي ثم تحقيق ذلك الانسجام بين كيانات العروبة في الجسد العربي جملة.

ومن مصادر تلك القوة فينا أننا بالأحرى قادرون على التوحُّد والتماسك والاتفاق، لكن هذه "القدرة" تتحوّل مع عدم استخدامها في المواضع الملائمة إلى جُبْن كريه يضعفنا أمام أنفسنا أولاً قبل أن يضعفنا أمام الآخرين. ومَردُّ تلك "القدرة" فينا أن اعتقادنا على الدوام أننا "أمة واحدة"، وأن عروبتنا لا يزال فيها رمق أخير تتردد في أنفاسه روح الصمود أمام التحديات؛ حتى ولو كانت (أي التحديات) قد أُجْملت كلها في عصر واحد، أو في زمن واحد، أو في فترة إنهيارية واحدة !

لكننا في الأصل أصحاب "اعتقاد"؛ والاعتقاد فينا هو من صميم الوجود؛ لأنه المصير الذي نلاقي فيه الله فنحاسب على عقائدنا وأفكارنا تماماً كما نحاسب على أعمالنا وتصرفاتنا .. نحن أصحاب "اعتقاد" مع حرصنا عليه يتحوّل فينا إلى حقيقة واقعة تقبل الممارسة والتطبيق، ويعز علينا فقدانها فيما لو فقدنا تباعاً ينبوع الوحدة فلا يغيض. أو إنْ شئت قلت : إن الاعتقاد الذي نمارسه ونطبقه يتحوَّل على مر الزمن إلى حقيقة ملموسة، رغم التنازع البادي والفُرْقة الظاهرة تشهدها في سائر أنحاء الأمة العربية.

ويشهد الواقع كما يشهد التاريخ، أننا ما من عصر من العصور، ولا زمن من الأزمنة، إلا وكنا فيه عرضة للغزو والاستعمار، وفي كل عصر وفي كل زمن، تراق دماء ذكية من أجل التطهير؛ وليس فينا ذلك الاستسلام الذي يفت في عضد العروبة، فيحيلها إلى أنقاض وأشلاء، ليس فينا ذلك الخنوع والرضوخ والانبطاح وممارسة القبح الذي يأباه إيمان التحدي، ويأنف منه طبع العربي الصلب القوي المعهود.

لا تزال هناك حلقة مفقودة بين الماضي والحاضر، عمل على فقدانها أناس وجدوا في أنفسهم دوافع القدرة على القطيعة التامة بين ما هو طارق وتليد. واستمع إليهم بكل أسف قطاعات عريضة من الجماعات العربية؛ فتمسكت بكل ما هو طارق مستحدث، وأهملت على الجانب الآخر إهمالاً خبيثاً كل ما هو أصيل تليد.

فكانت - من أجل هذا - أمتنا العربية كالتائه في بلد غريب لا يعرف له موطناً يأوي إليه، وانتعشت هذه الثقافة في كثير من المجتمعات، ورددها الكثير من الكتَّاب والقراء في المدارس العليا ودور العلم والجامعات والمنتديات الثقافية، ومع كثرة رسلها ومؤيديها والداعين لها، لم يعد هناك مكان للخلاف معها؛ لأن الخلاف معناه وصمة العار الذي يلحق بكل من لم يعد يحترم تلك الثقافات، وأضحى الاختلاف معها من مظاهر النقمة الظاهرة والعزلة على المجتمع بكافة مستوياته!

وهكذا ترى ثمار هذه الثقافات أمامك في غاية التردي والفوضى والانقسام. وكان مما أهملته تلك الثقافات في خبث ملعون هو لغتنا العربية : ذخيرة الطاقة الحيّة النافعة ومصدر الوحدة العربية القائمة في صميمها على الوعي القومي النابع من تلك المشاركة الروحيّة العميقة في مرتكزات أربعة : اللغة, والعقيدة, والثقافة, والحضارة.

ولا شك في أن هذا الإهمال الخبيث المتعمِّد، يرتدُ إلى كراهة العروبة والإسلام والدين واللغة والوطنية جميعاً. إنما الأمر كله لا يخلو من سوء طوية. كان أبو منصور الثعالبي في مقدمة كتابه :"فقه اللغة العربية" يقول :" من أحبّ الله تعالى أحبَّ رسوله محمداً، صلى الله عليه وسلم، ومن أحبّ الرسول العربي أحبّ العرب, ومن أحبّ العرب أحبّ العربية، ومن أحبّ العربية عنى بها، وثابر عليها وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإيمان، وأتاه حسن سريرة فيه، أعتقد أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - خير الرسل, والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذْ هى أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد؛ ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها، والوقوف على مجاريها ومصارفها، والتبحُّر في جلائلها ودقائقها؛ إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة التي هى عمدة الإيمان؛ لكفى بها فضلاً يحسنُ فيهما أثره ويطيب في الدارين ثمره" (أ. ه).

هذه العبارات الأصيلة الطيبة تثبت في غير جدال أن للغتنا العربية أثراً في تكوين عقليتنا وتدبير تفكيرنا، وتصريف أفعالنا، وهداية سلوكنا يفوق كل أثر سواه.

وإنه لمن اللغط المنفِّر والتجديد المختلق أن يرى البعض منا اليوم أننا نفكر بلغة ثم نتعامل ونتحدث بلغة أخرى، وأن الحياة اليومية تجري على غير وفاق من الحياة الشعورية، وأن اللغة فينا لا تجدد نفسها، وأن مصيرها إلى جمود وانتكاس وزوال. هذا كله لغطُ طويل وثورة في غير موضعها. ومن العجب العاجب أن يموت اللغط اليوم كما مات بالأمس؛ وتموت الثورة التي في غير موضعها كما ماتت ثورات قبلها وثورات، فأما الزبد فيذهب جفاء ويبقى ما ينفع الناس. وفي النهاية : تحيا اللغة العربية؛ وليسقط الذين افتعلوا حولها الثورات.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

  

 

شاكر فريد حسنلا يختلف الراحل أحمد حسين القاص عن الشاعر، فهو يبرع ويبدع في كلا اللونين والاتجاهين، وله اسلوبه الخاص المتميز الذي يتفرد به عن مجايليه وغيره من الأقلام القصصية الفلسطينية والعربية، ويحقق شروط الفن المعرفي والايديولوجي والمعرفي والجمالي من وجهة نظر واقعية باعتبار أن الشرط الجمالي من حيث وظيفة الفن المغايرة لوظيفة العلم الذي يعطينا معرفة الواقع بصورة جمالية، ويقدم لنا أحمد نموذجًا ابداعيًا نرى فيه الظاهرة تشع من الجوهر بشكل واضح .

وباعتقادي أن احمد حسين قامة وظاهرة أدبية قلما نجد لها مثيلًا في الادب الفلسطيني والعربي المعاصر، من حيث التوجه والرؤيا الوطنية والفكرية والالتزام بقضايا وهموم شعبنا، وبقضايا الانسان أينما وكيفما كان .

ظهرت أول كتابات راحلنا أحمد حسين القصصية على صفحات مجلة " الفجر " التي كان يشرف على صفحاتها الادبية شقيقه الشاعر الشهيد راشد حسين، وكان فيها من الحدة والتميز في مضامينها وطرحها ومعالجتها لموضوعات قومية وثورية ووطنية مختلف لما كان يكتب في تلك المرحلة التي سيطرت فيها الروح القومية الناصرية، ما تلقفها القراء بشغف وأقبل على قراءتها ومواكبتها والاحتفاء بها .

وفي منتصف الستينات توقف أحمد عن الكتابة لمدة طويلة، نتيجة لعدم توفر منابر النشر الملتزمة التي تتفق مع فكره وتوجهاته، لكنه عاد في بداية السبعينات ليكتب وينشر ويرفد المشهد الابداعي بقصصه القصيرة، على صفحات مجلة " الجديد " الثقافية الفكرية، وكان يوقعها باسم مستعار هو " أحمد ناظم " .

وفي اواخر السبعينات وتحديدًا في العام 1979 قامت دار " الصوت " في الناصرة، لنشر الوعي والفكر الفلسطيني بإصدار مجموعته القصصية الموسومة " أحمد حسين "، وكتبت اللجنة الادبية للصوت في مستهلها : " تتسم هذه المجموعة بالوعي النافذ والرؤية الواضحة لأبعاد المأزق الجحيمي لأبناء الشعب الفلسطيني إذ هو الضحية وإنما عبر مؤامرات مستمرة ومتنوعة وذلك لكون هذا الشعب صاحب حق هو بمثابة الضمير الشاهد على تداخل المصالح المشتركة بين الصهيونية كفكر ومنشأ والترديدات الحضارية المعوقة والغبية على الساحة الفكرية العربية، ومن هنا تأتي الثورة لتكون رفضا ونفيا لواقع فاسد صورته هذه المجموعة من خلال شخصيات قصصية كالشيخ على الثائر على مفاهيم اسطورية، وقعنا كلنا تحت تأثيرها المباشر، وغير المباشر، وذلك في سبيل ان نصبح " قاعدة مثلث " نصرخ مع " عيد " " يما ااااااه " فلسطيني وكفى " .

ما يميز قصص أحمد حسين في أنها تعبر بمعظمها عن مواقف اجتماعية وسياسية ووطنية وقومية وفكرية وتراثية تتناول مسألة الصراع الفلسطيني – الصهيوني، أي ان قصصه تلتزم القضية الوطنية بمختلف أبعادها . فقصصه تعكس بواقعية وبصدق واقع العرب الفلسطينيين في البلاد من جميع النواحي في مواجهة القهر والظلم التاريخي، وتختصر أبعاد القضية بتركيز مكثف .

وتعتمد قصص أحمد حسين المونولوج الداخلي والمهارة في بناء الأحداث وتطوراتها وعنصر المفاجأة الذي يشد القارئ، وشخصياته واقعية مسحوبة من حياة الريف والقرية الفلسطينية، وجلها شخصيات حية متحركة تتأثر بالأحداث وما يدور في محيطها، ونجده يسبر اغوارها ويتعمق في نفسياتها ويكشف عما يختلج في أعماقها .

وتنساب حواراته باللغة العامية القروية التي تلائم شخصياته التي ينتمي بمجملها للطبقات الشعبية الفقيرة المسحوقة .

أحمد حسين قاص بارع يمتلك قدرة وصفية كبيرة، وفي قصصه صور موحية عميقة مسحوبة من واقع الاحداث، ويوظف في قصصه الامثال العامية والتراث الشعبي .

ويبقى القول، أحمد حسين منشد الالم والوجع الفلسطيني، والصوت الكنعاني، الذي صوّر في قصصه أحزاننا وآلامنا وأحلامنا وطموحاتنا الوطنية، وهو المغني الجوال الذي ستبقى كنعان وعنات تبكيانه وتشتاق له عشتروت، وتحنُّ اليه المدن والاماكن التي أحبته وأحبها، إنه آخر العاشقين، لم يخلص أحد للفن والابداع القصصي كما أخلص لفنه الجمالي .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

حكمت مهدي جباركتب الكثير ممن يهتمون بالشأن السياسي والثقافي حول أهمية الثقافة والتثقيف لمن يخوض في عالم السياسة. حيث انتشرت المئات من المقالات في الصحف المحلية وفي المواقع الألكترونية مؤكدة على ضرورة أن من الواجب الملح أن يكون السياسي مثقفا بما تتصف به الثقافة من خصال تنور الوعي وتفتح العقول.

صحيح أنه لا يوجد من يجهل دور الثقافة في تطوير الوعي السياسي ومن ثم تغيير المجتمع وبناء الدولة بما تتضمنه من اداء حكومي ومجتمعي عموما، ولا نظن أن هناك من يجهل هذا الدور للثقافة والوعي لاسيما الطبقة النخبوية اذا جاز وصفها بالطبقة، ونعني هنا النخب كافة، السياسية الاقتصادية الاجتماعية والقانونية والدينية وسوى ذلك من المجالات العملية الاخرى.

نحن لا نقول أن الثقافة أهم من السياسة ولا السياسة أهم من الثقافة. أو هل الثقافة تتفوق على الاقتصاد والتخطيط لبناء الدولة أما العكس هو الصحيح، فالنتيجة من حيث الأهمية سوف تكون لصالح السياسة والاقتصاد، وربما تكون الثقافة في أسفل قائمة الأهمية، وقد نحصل على النتائج نفسها اذا ما قمنا بتوجيه السؤال الى النخب السياسية والاقتصادية وغيرها.

ثم لماذا ينظر بعض السياسيين الى المثقف على دور ثانويا وكماليا. وربما وصل ببعض السياسيين ليعتبروا المثقف ذيلا لهم. أو انه بلا تأثير يُذكر في مجال البناء المجتمعي او السياسي وحتى الاقتصادي، فالسياسي العامل في حقل السياسة لا ينظر للثقافة على أنها صاحبة الشأن الفاعل في مجال تطوير المجتمع، وقد ينطبق هذا الرأي على الخبير الاقتصادي او عالم الاجتماع او حتى بعض المفكرين، هناك من هذه الطبقة من لا يعبأ بالدور الكبير للثقافة في بناء الدولة والمجتمع.

أننا ندعوا الى جعل الثقافة حاضرة في الفعل السياسي، بل حاضرة وموجهة لجميع مجالات الحياة الاخرى كالتعليم والصحة والأمن وما شابه، فلا خير في سياسي نصف مثقف او عديم الثقافة، وكيف يمكن أن نحصل على كادر سياسي جيد من دون ان يكون كادرا واعيا مثقفا؟؟.

وهكذا مطلوب أن تأخذ الثقافة دورها في مجالات الحياة كافة ليس بالقول فقط، بل بالدعم الفعلي لها والاهتمام الحقيقي بها من لدن الساسة وجميع النخب الفاعلة في الدولة والمجتمع.

 

حكمت مهدي جبار

 

في مسرحية البطة البرية، يقدم لنا هنريك إبسن شخصية هدفيغ كشخصية مركزية. إلا أن القارئ للمسرحية يتألم، وهو يشاهد الظلم الكبير الذي تعرضت له هدفيغ منذ البداية. فالطفلة التي لا تتجاوز الأربعة عشرة ربيعاً من عمرها، لديها مشكلة في عينيها تهددها بالعمى الأكيد وحتمي الوقوع. لم تكن هدفيغ مرفهة كبقية الأطفال في عمرها، بل كانت تضطلع بمسؤوليات أكبر من سنها، إذ كانت تشارك أبويها في أعمال البيت واستوديو التصوير الذي يشغل ركناً من البيت.

طيلة أحداث المسرحية، كانت هدفيغ هي الشخصية المعذبة، وبالتالي الشخصية المثيرة للشفقة، فقد انطوت حالتها النفسية على الكثير من الحزن والكآبة. لم تأت كآبة هدفيغ فقط من سماء النرويج الملبدة بالغيوم القاتمة، أو من التصاقها بالبيت احتماءً من الثلج والصقيع، أو من مرض عينيها، وضوء القناديل الخافت الذي يبث في روحها الضيق. بل كانت خلافات والديها هي المسبب الرئيس لكآبتها وعدم راحتها.

لقد دبت بين والديها خلافات عميقة، أدت إلى ترك أبيها للمنزل، ووصلت إلى حد تخوينه لأمها، وإلى حد تشكيكه في نسب ابنته إليه. تألمت هدفيغ كثيراً لهذا الحال، وقررت فعل أي شيء يكون من شأنه إصلاح الموقف وإعادة المياه لمجاريها. اقترح عليها صديق أبيها غريغرز ويرل أن تقتل البطة البرية التي تربيها وتحبها كروحها، فربما تكون البطة البرية هي قربان عودة الوئام الأسري لها ولوالديها.

أمسكت هدفيغ المسدس وتوجهت لقتل البطة البرية، لكن الرصاصة سكنت صدرها بدلاً من أن تسكن جسد البطة. لقد قتلت نفسها بالخطأ، لتضع حداً لحياة قصيرة لم تكن أبداً مريحة. ماتت وهي تحاول إعادة الحب والدفء إلى أسرتها، فنجحت في ذلك رغم موتها، عندما وفقت بين أبويها، ورققت قلبيهما، في مشهد البكاء والعويل والنوح عليها.

 

محمد جهاد إسماعيل

كاتب من فلسطين

 

جمال العتابيمازال المعماري خالد السلطاني منحازاً إلى كشوفاته المعمارية التي يعبّر عنها دائماً بالبحث والدراسة الأصيلة، والمتابعة لفن العمارة، بحرصٍ متناهٍ، وكأنه يعالج أمراً جديداً في غاية الدقة والتعقيد، ثمة حوار خفي بين الصورة والمثال لديه، بين الغائب والحاضر، بين المنظور والمضمور، لكنه حوار محكوم بإمتحانات الإنسان ومجاهداته وأقيسته، ذلك لأنه حينما أقام وحدته مع العمارة، أصبح منحاه الوجودي، وهو تاريخ مقروء بالصورة، والمعاودة الحرة للأصوات الداخلية التي تبعثها العمارة .

وإمتلك خالد السلطاني حقه التاريخي، انه إستطاع من أن يحيل هذا الفن إلى مادة مكتوبة ومقروءة، مكّن بها القارىء غير المتخصص أن يجد في ما يكتبه السلطاني عبر الصحافة، قدراً من التناغم والتوازن مع الفن المعماري الذي تتسع فضاءاته ما بين العلم والهندسة والتشكيل، فألف مبانيه الخاصة بمعانيه المبسطة والجميلة، إلى فن يفهمه العامة من الناس ويتذوقوه، فهو يقول: تمكنت من نقل العمارة من خانة الأرستقراطية اللمّاعة، أو من برجها العاجي، وأحلتها إلى فن يهفو إليه الإنسان، وإستطاع أن يستبدل (حرفيات) فن العمارة، (بجماليات) تشكيل منظورة ومقروءة، وإذا جاز لنا التشبيه، يمكننا القول ان السلطاني في منطلقاته تلك، يماثل الأثر الذي تركه ماركس في الفكر الإنساني، إذ جعل الفلسفة تمشي على رجليها، بعدما كانت تسير على رأسها مع (هيغل)، ليظل الفن المعماري موصولاً بالإنسان، متآلفاً معه .

بدأ خالد السلطاني رحلته الإبداعية في هذا العالم من جوف تلك المدينة المظللة بالنخيل، والمطلة على نهر دجلة، من (الصويرة) الواقعة جنوب العاصمة، التي يختصرها بـ(كراج الصويرة) والإذاعة، لأنهما الموقعان الوحيدان اللذان يعرفهما السلطاني في بغداد، وتحسست يداه زمناً من خشونة المدن العراقية وفقرها، وعانى من شحّة الحياة، وتقاسم وعائلته طعم الفاقة مع أبناء مدينته، عائلته التي فقدت الأب بحادث سير منذ سنوات عمره المبكرة، وكان هذا الحال محفزاً للتفوق في مراحل الدراسة جميعها، بدءاً من المتوسطة والثانوية في الكوت، وفي أعلى مراحل الدراسة في (الإتحاد السوفييتي)، إذ تمتع ببعثة دراسية حكومية بعد تموز58 .

إمتدت رحلة السلطاني سنين طويلة كان يبحث من خلالها عن حافز مثير يحمله على تكوين مأثرته الفنية المعاصرة، فوجد في العمارة العراقية مفردات متناثرة، إستطاع أن يحيها على رجيع نبض قلبه وروحه، وأسئلة وجوده، ووجد فيه باعثاً يغرينا بالتأمل في النقوش والأقواس والحجارة ومواد البناء والشناشيل، والتصاميم الهندسية، وظهرت محاولاته وكأنها مصائد سحرية لإقتناص أسرار هذا العالم الذي لاسبيل إلى إدراك إبعاده، إلا بفهم الأنسان الفنان الذي أوحى بها.

يقول خالد السلطاني بتواضع شديد عن نفسه: أنا معلّم ناقل للمعرفة، مهنتي معلم، وهي مهنة عظيمة ونبيلة، وقادر على أدائها، كنت مغرماً بكتابات يوسف السباعي منذ صغري، تعرفت على تفاصيل حياته، قرأت في الأدب، القصة والرواية، وبدأت رحلتي في القراءة منذ أن أطاعت على مجلة الهاتف لجعفر الخليلي في أربعينيات القرن الماضي، لفت إنتباهي مشهد أحد شهود محاكمات (محكمة الشعب) عام 59، وهو يحمل حفنة من التراب، يعبرعنه كرمز للإرتباط بالوطن . هذا الرمز تحول إلى ديوان شعر للجواهري رافقه طوال سنوات الدراسة .

كان السلطاني يعدّ الجواهري قديساً للشعر، فراح يبحث عن ديوان له في مكتبات المتنبي، ووجد ضالّته في المكتبة العصرية، وكانت اولى الخطوات للقاء الجواهري بمكتبه في جريدة الرأي العام على مقربة من مقهى الزهاوي، ملتمساً إياه أن يذيل الديوان بتوقيعه، فنال مراده وحقق مبتغاه، ولابد أن يقطع مسيرة الزمن وهو يحمل قصائد الجواهري، يستعيد بها الوطن، وصوته العميق، وضفاف الصويرة وبساتينها .

همست للسلطاني وهو يأخذني في جولة بمتاحف كوبنهاغن وعمارتها الجميلة، هل تأثرت بفن العمارة الروسية؟ كيف لا! يجيبني: أود أن ألفت إنتباهك الى ان الحداثة في العمارة بدأت من هناك، منذ عشرينات القرن المنصرم، من صنع كل هذا الجمال في المتاحف والقصور والمباني ؟ كيف تآلفت كل الرموز التاريخية والفنية بقوة الأداء والأصالة والتعبير؟ والوفاء للمدرسة الروسية في الفن المعماري، فتحولت إلى أثر إنساني خالد لا يمحوه الزمان، انه الينبوع الذي نهلت منه .

السلطاني وهو يقترب من عامه الثمانين، ما يزال يمتلك أعلى طاقة روحية ممكنة، ليضعنا دائماً نقف بدهشة لقدراته الإبداعية ومنجزه المعرفي والمعماري.

 

جمال العتابي

 

محمد عبد الكريم يوسفيمكن أن يتعلم المبتدئ بالإدارة من أعمال الكاتب الياباني الكبير هاروكي مورا كامي العديد من القيم الإدارية وعلى رأسها التركيز الكبير والتصميم والنظام.

لوحة حياة:

ولد هاروكي في مدينة كيوتو عام 1949، وأمضى معظم فترة صباه في كوبا ومنذ طفولته تأثر موراكامي بالثقافة الغربية وبالتحديد الموسيقى والأدب الغربيين. درس الدراما في جامعة واسيدا في طوكيو وهناك تعرف على زوجته يوكو. لاقت أعماله نجاح باهرًا حيث تصدرت قوائم أفضل الكتب مبيعًا سواء على الصعيد المحلي أو العالمي وترجمت إلى أكثر من 50 لغة عالمية. حصل موراكامي أيضًا على عدة جوائز أدبية عالمية منها جائزة عالم الفنتازيا وجائزة فرانك أوكونور العالمية للقصة القصيرة وجائزة فرانز كافكا وجائزة جائزة القدس.

من أبرز أعماله رواية مطاردة الخراف الجامحة والغابة النروجية وكافكا على الشاطئ وإيتشي كيو هاتشي يون. يَظهر تأثر موراكامي بالكُتاب الغربيين، مثل رايموند تشاندلر وكورت فونيجت واضحًا بشكل جَلي الأمر الذي دفع بعض المؤسسات الأدبية اليابانية لانتقاد بعض أعماله لبُعدها على المنهج الأدبي الياباني. وغالبًا ما تتسم أعمال موراكامي بالسريالية والسوداوية والقَدَرية. كما تتناول معظم رواياته موضوع الانسلاخ الاجتماعي والوحدة والأحلام. يُعد موراكامي من أهم رموز أدب ما بعد الحداثة.

عندما تقترب من عوالم الكاتب الياباني هاروكي مورا كامي تكتشف أنه من العباقرة في النظام والتركيز والتصميم وفلسفة الزن. إنه تجسيد لحالة الحكمة الحقيقية والعاطفة الجياشة والمهارات الإبداعية والإرادة الاستثنائية.

إن مكونات أعماله الأدبية وقصصه المستقاة من الحياة تشكل لكل مبتدئ في الإدارة مصدر إلهام قابل للتطبيق وسنركز في هذا المقال على ما يمكن للمبتدئ الذي يعتمد على التكنولوجيا العصرية أن يستقيه من الكاتب الكبير في حياته وعمله على حد سواء. قد يكون في طليعة الدروس التي نتعلمها من مورا كامي ما يلي:

علينا أن نجد ما نحبه وعلينا أن نلتزم به:

كان مورا كامي فاشلا ومتأخرا حيث كتب أول عمل له وهو في التاسعة والعشرين من عمره. وفي أحد الأيام وبينما كان يشاهد البيسبول، أدرك أن قدره هو أن يكون كاتباً. في ذلك الوقت كان يمتلك حانة تعزف فيها موسيقى الجاز، لكن التجربة في لعبة البيسبول كان لها تأثير دائم على قلبه. بدأ الكتابة وخلال السنوات القليلة التالية تغيرت مسيرة حياته.

 سواء كان الإنسان مدونًا على شبكة الإنترنت أو مهندس برمجيات أو مؤسسًا لمشروع ما فقد يعاني من نفس الشعور: منشور يجب كتابته أو قطعة مشفرة يدب تدوينها أو شركة تحتاج إلى الإنشاء. هذه بعض لحظات الحقيقة والوضوح الثمينة والتي ينبغي أن نتابعها كلما أمكننا ذلك.

 واجه مورا كامي الاختيار بين عمله ومهنته ككاتب. وعلى الرغم من أن المستقبل لم يكن مؤكدًا إلا أنه التزم بالكتابة وباع الحانة التي تُعزف فيها موسيقى الجاز التي يمتلكها. وبعد فترة وجيزة من التركيز على الكتابة بدوام كامل، أدرك أن قصته الخيالية كانت تعاني الكثير لأنها غير مناسبة ناحية الشكل. ترك مورا كامي التدخين وبدأ يمارس رياضة الجري. اليوم يمارس مورا كامي هذه الرياضة يوميا.

 كل مبتدئ في هذه الحياة يواجه دائما الخيارات التي تقوده إلى الحيرة. والمفتاح لكل مسائل الحياة يكمن في الالتزام والتركيز وإعطاء الوقت الكافي لكل شيء. هناك دائمًا عقبات وتحديات في هذه الحياة، ولكن إذا كان الإنسان يعرف خياراته والتزاماته يمكنه التغلب عليها بيسر وسهولة.

على الإنسان أن يتمسك بما يعرفه:

لقد قرأت العديد من روايات موراكامي قبل البدء في كتابة أي شيء عنه. وقد عرفت عنه وعن عوالمه الكثير من المعلومات فرواياته في جزء منها تروي تجربته الشخصية في الحياة. تتحدث كتبه بشكل متكرر عن موسيقى الجاز ويتحدث في روايته التي تحمل عنوان " جنوب الحدود، غرب الشمس ". تدور أحداث الرواية حول صاحب شريط موسيقى الجاز. يحب موراكامي القطط ويستخدمها لإنشاء صور فريدة ساحرة. والأهم من ذلك كله، يكتب موراكامي عن الحب والعاطفة والشعور بالوحدة.

 وفي لحظة من اللحظات يقرر الإنسان أن يقوم باستثمارات أو مشاريع هندسية أو تجارية وعلية أن يجري الدراسات وأن يتمسك بما يمتلكه من معارف. قد يشعر بخيبة أمل في البداية لكنه سرعان ما يدرك أنه على صواب وفق أراء هاروكي موراكامي.

 يخطئ العديد من الأفراد والشركات في القفز إلى مناطق لا يعرفون الكثير عنها. ينجح القليل منهم، لكن معظمهم لا ينجحون أبدًا. من الأفضل أن يبدأ الإنسان العمل حول الموضوع الذي هو خبير فيه أو يعرف الكثير عنه. ويمنح ذلك ميزة إضافية ويضمن أنه لا يضيع وقته في تجارب قد لا يكون منها طائل.

 ابدأ باكرا وانتهي باكرا:

تحفل حياة مورا كامي بالروتين. ينهض من الفراش حوالي الساعة 5 صباحًا ويذهب إلى الفراش بحلول الساعة 10 مساءً. لا يتناول العشاء في وقت متأخر من الليل ويقوم بالنزهات المفضلة لديه. يعمل في كتبه يوميا وينجز جمال وسحر ما يكتب عن طريق توزيع العمل بالتساوي على كل يوم.

 تعلمت هذا الدرس لأول مرة عندما كنت أشاهد إحدى السيدات وهي تفوز بذهبية في أولمبياد سيدني عام 2000 فقد فازت بالمركز الأول برياضة الجري وكانت تركض مثل الروبوت سرعتها واحدة خلال دورة اللعب بأكملها.

 تؤسس الشركات الناشئة بسرعة وتحاول العمل بكثافة. تحاول أن تجري بسرعة كبيرة ثم تحترق بسرعة كبيرة. يعتقد العديد من رواد المال والأعمال الشباب أن الشركات الناشئة تشبه سباق الجري تتسابق من البداية إلى خط النهاية. في الواقع، حياة الشركات الناشئة تشبه السباق، والمهم هو أن يسير المتسابق بانتظام وخطى ثابتة.

لا تستسلم أبدا وابحث دائما عن الإبداع:

 ولعل أكثر ما يلفت النظر حول هاروكي موراكامي هو إبداعه. وربما كانت الرواية الأكثر إثارة هي رواية "يوميات طائر الزنبرك" التي كتبها مورا كامي وهي قصة خيالية "تجريبية" ساحرة. يواجه القارىء أثناء القراءة عالمًا من الصور والأفكار والشخصيات الغامضة والنهايات المفتوحة لقصصه الغريبة.

 كل رواية من روايات موراكامي مختلفة عن الأخرى وتتميز بشيء غريب يشد القارىء دون أن يدري. لا يشعر موراكامي أبدًا بالاستقرار وتجده يبحث دائمًا عن طرق جديدة للتعبير عن نفسه. يقول دائما إن الكتابة ليست سهلة بالنسبة له. ويسكب العمل الإبداعي بعناية صافية ونتيجة لشغف خالص. لكن المشكلة تكمن في أن المؤلف يسعى إلى كسر الأساليب التي أنشأها بالأمس والمضي قدمًا نحو منطقة جديدة غير مستكشفة وإلا يتحول إلى مثقف من الدرجة الثانية والثالثة والرابعة.

 العاطفة والإبداع من العوامل الهامة لبدء العمل في عالم المال والأعمال. وبدون هذين المكونين الرئيسيين، لن يكون هناك نجاح على الإطلاق. ولكن مثلما يحتاج الفنان إلى إعادة ابتكار نفسه هكذا تفعل الشركات الناشئة أيضًا. لن تكون الموجة الأصلية للإبداع التي ستقودك إلى الأمام، بل السعي والإرادة التي لن تحسمها أبداً والتي تجعل الأحلام تتحقق اليوم وغدا وإلى يوم يرزقون.

 

 بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

جواد غلومحينما نجول بين الناس في مراكز التجمعات واكتظاظ الملأ في الأسواق والتجمعات البشرية عندنا؛ نلحظ بان هناك شعور بالاختناق والنرفزة والسخط والتوتر والنظرات العدوانية الظاهرة في الوجوه والنظر الشزر؛ وتكاد تكون هذه الحالة ظاهرة شائعة في كل مرافق الحياة، في الشارع والسوق وأماكن العمل وتكاد الابتسامات تختفي من العابرين والسابلة وكأن التجهّم والانقباض سمة شائعة وظاهرة في طلعات الناس أينما اتجهتْ وحيثما حللت. حتى نسينا وصية رسولنا الكريم " تبسّمك في وجه أخيك صدقة" ولم نعد نعيرها اهتماما وإتباعا.

ولأني مواطن عراقيّ بسيط وكثير العِشرة وانبساطي حتى مع القرباء والغرباء معاً، كثيرا ما أتساءل: ترى لماذا لا يبتسم العراقيون مع ان الابتسامة تتيح للقلب الراحة وتخفّض من ضغط الدم وتقلل الإجهاد ويشعر باقي الجسم بالراحة كما انها تعطي إحساسا بالتعاطف مع الآخرين وخلق الثقة المتبادلة في المجتمع؟؟.

وهل أكثر من الابتسامة حافزا لدفع الانسان نحو العمل وزيادة الانتاجية والعطاء وتزيد من حالة التعاطف بين البشر من خلال زيادة إفراز مادة "الاندروفين" كما يطلق عليها الاطباء والتي تخلق مزاجا حلوا وشعورا بالسعادة والتآلف والمودة لكل من تلقاه وقد أثبتت الدراسات النفسية في سايكولوجيا علم النفس ان البسمة العفوية البارزة في طلعة الانسان تخفف كثيرا من الآلام وتعتبر مسكّنا طبيعيا لأية حالة وجع او ألم قد تمر بك وتزيد من مناعة الجسد لمواجهة حالات الاكتئاب والسوداوية وتُظهرك أقل من عمرك الحقيقي.

حقا نعجب نحن العرب عموما والعراقيين بشكلٍ أخصّ وهذا ما أهجسه بنفسي بسبب معايشتي الدائمة واختلاطي المستمر بينهم هنا وهناك.

لا أبرر حالات التجهم وانقباض طلعة إنساننا بما مرّ به شعبنا من ويلات وحروب وسلطات غاشمة وأذىً؛ فقد مرّت ويلات اكثر قسوة وتدميرا على شعوب اخرى لكنها لم تفقد ابتسامتها وهي في احلك الظروف .

فاذا رأينا احدا دائم الابتسام فيتبادر الى أذهاننا شيء غير قليل من التساؤل لمعرفة سرّ هذه البسمة مع انها حالة طيبة تشرح الصدر وتبعث البهجة في النفوس .

وللطرافة أذكر ما يجري في بيوتاتنا ووسطنا الاجتماعي:

هنا في بلادي لو ابتسمت لأخيك سيقول لك: عجَباً؛ ما الذي تريده مني؟ !

ولو أقبلتَ على أمّك ضاحكا مبتسما ستقول لك: خيراً ما الذي عملت لنفسك حتى تنفرج أساريرك!!

ولو أقدمت على أبيك مبتسما سينهرك ويقول لك: اذهب ليس عندي مالاً أعطيه لك فاغرب عن وجهي .

اما لو تبسمتَ لغريب سيبادرك بالسؤال: هل تعرفني؟؟ أتريد ان تصنع مثيلاً لي؟

أخيرا وبعد ان تلقى الجفوة والصلافة من هؤلاء الأقرب المقربين لك، ستلجأ وحدك ضاحكا مبتسما؛ عندها ستسمع من السابلة من يقول انك سائر باتجاه طريق الجنون وستصل سريعا الى عنابر مستشفى الأمراض العقلية وتفتح لك العصفورية أبوابها على مصراعيها أو كما نسميها في العراق باسم " الشمّاعية " .

 

جواد غلوم

 

ضياء نافعهذا موضوع مثير للقارئ العربي، اذ انه يقترب من عالم السياسة ويسير على حافة حدوده (الملغومة دائما!)، بل ان بعض القراء العرب ربما يعتقدون انه موضوع سياسي بحت حول تاريخ الحركة الاشتراكية ومسيرتها بالذات، اذ انه يرتبط ب (قائد الثورة الاشتراكية في روسيا والعالم ايضا - لينين) و(قائد الواقعية الاشتراكية في الادب الروسي والادب العالمي ايضا - غوركي) . لكن هذا الموضوع لا يرتبط بعالم السياسة مباشرة رغم كل هذا التقارب فعلا، بل يتحدث عن جزء غير واضح المعالم للقارئ العربي (وربما يمكن القول شبه مجهول تقريبا) من تاريخ العلاقة الفكرية المعقدة والمتشابكة بين أديب روسي كبير برز في بداية القرن العشرين هو مكسيم غوركي وبين شخص لم يكن مشهورا جدا في تلك الفترة هو لينين، ولكنه سيكون قائدا لثورة اكتوبر 1917 الاشتراكية الروسية، والتي أدّت به الى ان يصبح- بعد نجاح تلك الثورة - واحدا من أشهر رجالات القرن العشرين (وهو كذلك ولحد الان ونحن في نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين) ليس فقط في روسيا، بل في العالم أجمع .

 كلاهما، غوركي ولينين ولدا في روسيا (غوركي العام 1868 ولينين العام 1870، اي انهما متقاربان جدا من حيث العمر)، ولكنهما تعارفا والتقيا خارج روسيا، لانهما تركا وطنهما المشترك لاسباب سياسية، اذ اصبح لينين قائدا لحزب مضاد للقيصرية الروسية ويسعى لاسقاطها، واصبح غوركي اديبا كبيرا ومعارضا للنظام ايضا، ويؤيد اهداف ذلك الحزب (الذي يقوده لينين) بكل قواه الفكرية والمادية. تعمّقت علاقتهما خارج روسيا (كل من موقعه) وخصوصا في ايطاليا (كان غوركي يسكن هناك، وزاره لينين وبقي بضيافته فترة)، واستمرت العلاقة بينهما ايضا في روسيا عندما انتصرت ثورة اكتوبر 1917، وهناك الكثير جدا من المصادر الروسية، التي تتحدث عن تفصيلات تلك العلاقات المتبادلة بينهما، وانتهت طبعا بوفاة لينين العام 1924، عندما طلب غوركي ان يضعوا اكليلا من الورود باسمه ويكتبون عليه – (وداعا يا صديقي). وكتب غوركي بعد وفاة لينين مقالة كبيرة وطويلة عنه، وهي واقعيا صورة قلمية فنية ووثائقية رائعة، وتم نشرها في كتيب خاص في الاتحاد السوفيتي آنذاك، وصدرت بلغات عديدة، منها لغتنا العربية، بل ويقال في بعض المصادر الروسية، ان ستالين كان يطمح ويتمنى ان يكتب عنه غوركي شيئا مماثلا، ولكن غوركي لم يكتب ذلك . لم يتناول غوركي في كتابه عن لينين كل ما حدث بينهما، بما فيها خلافاته معه طبعا، والتي حدثت اثناء تلك المسيرة الطويلة معا (وهو أمر طبيعي)، ونحاول في هذه المقالة ان نشير الى بعض تلك الخلافات بشكل وجيز وضمن نقاط، اذ انها تكاد ان تكون شبه مجهولة تقريبا في المصادر العربية عموما.

الخلاف الاول ظهر عندما نشر غوركي كتابه الشهير (الاعتراف)، والذي صدر العام 1908، عندما كان في كابري بايطاليا . لقد حاول غوركي في روايته القصيرة تلك ان يعكس طروحاته الفلسفية بشأن توحيد الافكار الدينية للشعب الروسي مع الاهداف الثورية (التي كان يؤمن بها غوركي)، وهي وجهة نظر غير جديدة في الفكر الروسي اصلا، ولكنها كانت جديدة بالنسبة لغوركي ومسيرته الابداعيه (وهو مؤلف رواية الام !) . لقد أكّد غوركي هناك، ان القيم الاخلاقية والروحية اكثر أهمية لنجاح الثورة من العناصر الاقتصادية والسياسية . وقف لينين ضد هذه الطروحات الفكرية الجديدة لغوركي بشكل مباشر وحاد جدا، وانتقده بشدة وعلنية، بل واعتبرها غير صحيحة تماما، ولكن غوركي أصرّ على موقفه الفكري هذا. ان هذا الخلاف العلني بينهما هو واقعيا يجسّد عدم توافق السياسي المحترف لينين مع الكاتب والمفكر غوركي، وهو عدم توافق دائم بين السياسيين من جهة، وبين الكتّاب والادباء والفنانين بشكل عام من جهة اخرى، اذ ان المبدع يعبّر عن افكاره بحرية مطلقة دون الأخذ بنظر الاعتبار متطلبات السياسيين واهدافهم المحددة ضمن مسيرة صارمة وشعارات حزبية مرسومة، وهي ظاهرة عامة (اي التناقض بين السياسيين والمبدعين)، وغالبا ما نجدها في مسيرة الحياة وفي كل المجتمعات، بما فيها طبعا مجتمعاتنا العربية.

الخلاف الثاني بين غوركي ولينين حدث بعد فترة قصيرة جدا من انتصار ثورة اكتوبر 1917، اذ كان غوركي يصدر جريدة اسمها – (الحياة الجديدة)، وقد هاجم غوركي في جريدته تلك الخروقات التي حدثت في الايام الاولى للثورة، وكتب يقول، ان (... لينين وتروتسكي قد تسمموا بالسم العفن للسلطة ...وانعكس ذلك في علاقة العار تجاه حرية الكلمة، والحرية الشخصية وضد مجمل الحقوق، التي ناضلوا من اجل انتصارها ....)، بل وقارن لينين حتى بالقيصر وتصرفاته تجاه حرية الفكر واضطهاده لها . وكل هذه الخلافات انعكست في كتاب أصدره غوركي بعنوان – (افكار في غير أوانها)، والذي اعيد طبعه فقط بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ولا يسمح المجال للتوقف عنده تفصيلا، ولكن من الضروري الاشارة هنا، ان غوركي قد تراجع عن تلك الافكار بعد محاولة اغتيال لينين، واعتذر له عندما زاره بعد المحاولة تلك، ولكن مع هذا، فقد ارتأت السلطة ان يسافر غوركي الى اوربا (للعلاج!)، (وبعكسه سنرحّلك..)، كما قال له لينين مازحا...

 

أ. د. ضياء نافع

 

عمار كاظم محمدتلعب الترجمة في حياة الشعوب والحضارات دورا محوريا ومهما جدا في احداث التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية في المجتمعات التي تطمح نحو التطور والرقي، ذلك ان الترجمة هي دائما جسر التواصل والتلاقح الحضاري بين الشعوب والامم وهي الدافع والمحرك الرئيسي للتطور، فكلما ازدادت حركة الترجمة وما ينتج في ميدانها المعرفي، كلما زادت الافكار والتطلعات والسعي نحو التغيير بما تنتجه من افكار جديدة ومعارف تزيد افق المجتمعات وتزودها بالحلول لما يعترض سبيلها من مشاكل.

لقد سمي عصر المأمون بعصر الترجمة او العصر الذهبي للترجمة لما مثله هذا النشاط من فعالية مهمة كانت السبب لحركة الفكر العربي النشطة فيما بعد، لكننا وازاء هذا الواقع المزري والمهزوم فكريا وثقافيا مع تزايد سيطرة الفكر الدوغمائي والقبول الخانع اضحت حالة الترجمة كحال الواقع الثقافي الذي نعيشه حيث تطرد العملة السيئة دائما العملة الجيدة من السوق كما يقال .

ربما ترتبط حالة الترجمة بحال القراءة في العراق وفي العالم العربي عموما وليس ما اتحدث عنه الان هو مجرد انشاء او من فضول الكلام فبحسب احصائيات اطلعت عليها على موقع منظمة اليونسكو فقد بلغ عدد الكتب المترجمة إلى العربية في ثلاثة عقود من عام 1970 إلى عام 2000  ما يعادل 6881 كتابا وهذا ما يعادل ما نقل إلى اللغة الليتوانية التي يبلغ عدد الناطقين بها أربعة ملايين شخص فقط،  وكان تقرير الأمم المتحدة قد كشف عن وضع مزر بهذا الخصوص إذ أن العرب لا يترجمون إلا خمس ما يترجمه اليونانيون في الوقت الحاضر، اما في احصائيات عام 2005 على صعيد الترجمة فنصيب كل مليون مواطن عربي من الكتب المترجمة يساوي 4.4 كتاب، بينما يبلغ نصيب كل مليون إسرائيلي 380 كتابا، وكل مليون مجري 500 كتاب، وكل مليون اسباني ما يقارب 950 كتابا، أما عن سوق الكتب، فتبلغ في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها حوالي 30 مليار دولار، ونحو 10 مليار دولار في اليابان، وتسع مليارات دولار في بريطانيا، وتبلغ مبيعات الكتب اجمالاً في كل انحاء العالم 88 مليار دولار، نصيب العالم العربي واحد المائة فقط.

ونعود مرة اخرى الى الترجمة واهميتها وصعوبتها في ذات الوقت فان من المفارقات العجيبة أن أكبر رب عمل للمترجمين العرب في البلاد العربية هو القواعد العسكرية الأجنبية في الخليج، ذلك أن الالية التي تعرقل حركة حركة الترجمة في العالم العربي هي عدم جود سوق عربية للمترجم العربي ماعدا سوق العقود والوثائق الشخصية التي تبقى سوقا صغيرة قياسا بعدد المترجمين الذين يمارسون ترجمة العقود والوثائق الشخصية، اما العلوم التي تدرس في الجامعات العراقية عموما فهي تدرس باللغة الانكليزية وهذه خسارة كبيرة للمترجم والطالب واللغة العربية والثقافة العربية، فلا سياسة رسمية للترجمة العلمية والأدبية، ولا سوق للترجمة التجارية والوظيفية، ولا بنك معلومات للمترجمين وللأعمال المترجمة، ولا دور نشر تهتم كثيرا بنشر ما يترجم .. ولا شركات توزيع للكتب يوثق بكلامها ..، ولا تكوين يواكب السوق الدولية ويرقى إلى مستوى التحديات التي يواجهها المترجم، ولا مصادر عربية كثيرة يطمأن إليها في دراسات الترجمة والبحث فيها.

امام مشاكل كبيرة كهذي بالاضافة الى تردي واقع التعليم الاساسي يتخرج سنويا الالاف من طلاب اللغات والتربية والاداب واغلبهم الا ما ندر وهم غير متمكنين في الاساس من اللغة التي تعلموها والتي سينسوها بعد سنوات من البطالة والعمل في حقول أخرى بعيدة كل البعد عن اختصاصهم ودراستهم ناهيك عن الكسل العقلي الناتج عن عدم المطالعة والقراءة والاحتكاك بمن يتكلمون تلك اللغة.

المترجم في عالمنا العربي دائما موضع للشك والريبة واتذكر في سنوات العراق المظلمة منذ عام 2005 الى 2008 كيف كانت كلمة مترجم كافية وحدها لارسالك الى الجحيم بدون مقدمات وكيف تعرض الكثير من الاساتذه الى التهديد والاغتيال لمجرد انهم يعرفون لغة اخرى او على ضوء اعتبارات طائفية او سياسية دون التفكير في ان رحيلهم او اختفائهم هو خسارة للبلاد وللتعليم المتردي من الاساس في تلك الفترة .

على ضوء ذلك كيف يمكن أن نقيم حال الترجمة في العراق وماهي المعايير التي يمكن بها معرفة قيمة الترجمة في اي كتاب يصدر دون وجود مؤسسة تعنى بتقييم جودة الترجمة واجازتها باعتبارها صالحة للنشر من عدمها خصوصا في عراق ما بعد عام 2003 والفوضى التي نعيش فيها من تداخل التخصصات وغياب المؤسسة الرسمية عن اداء دورها وامتلائها بالفساد والبطالة المقنعة وعدم وجود منهج واضح لاتجاه الترجمة وما يراد منها في هذه المرحلة؟.

ان غياب كل تلك المقومات في وقتنا الحالي جعلت من حقل الترجمة لا يمثل سوى جهد فردي يقع عبئه على عاتق المترجمين وحدهم في الاختيار والعمل وتطوير الذات اما ما يتعلق بترجمة الكتاب فهي خاضعة لمتطلبات العمل التجاري والرواج في السوق وما ترغب به دور النشر دون ان يكافأ الجهد المبذول بالترجمة ما يستحقه فعلا من كد وتفكير وبحث ومعاناة.

 

ان مهمة المترجم في الوقت الحالي مهمة مضاعفة الصعوبة فهو من ناحية بحاجة الى تطوير نفسه وثقافته في اللغة التي يترجم عنها وفي ذات الوقت ابقاء جسر التواصل مع الثقافات الاخرى صالحا على الرغم من العقبات ونقلها الى المجتمع الذي يعيش فيه علها تحدث فرقا في المفاهيم وتنعكس على الواقع باتجاه تحسينة نحو الافضل وهي مهمة ليست بالسهلة لكن المخلصين الحقيقيين يقومون بها على الرغم من كل شيء او كما يقول سكوت فيتزجرالد " عصفور حي خير من نسر محنط".

يقول عالم اللغات الاسباني خوليو كاساريس " تعتبر الترجمة دائرة للكمارك تمر من خلالها سلع مهربة من المصطلحات الاجنبية اكثر مما تمر من اية حدود لغوية اخرى ان لم يكن موظفو الكمارك يقظين"  وهو يقودنا للتساؤل هل الترجمة علم ام فن ؟  والجواب أن الترجمة في التخصص علم وفي الادب فن، اي بمعنى أنه وفيما يتعلق بالكتب العلمية فان على المترجم ان يكون مدركا للمفاهيم والاصطلاحات في التخصص بينما حين يتعلق الامر بالكتب ذات الطابع الادبي والفني ان يكون المترجم على معرفة واطلاع على التعابير والتراكيب اللغوية وما يوازيها في حقل اللغة المنقول اليها لاضفاء الطابع الفني على العمل بشكله الابداعي.

ان هذا بالتأكيد يعني ان على المترجم ان يكون واسع الاطلاع ويقرأ في كل الحقول وفي كل ما يقع تحت يده في مختلف التخصصات ويضيف يوميا الى قاموسه اللغوي والمعرفي ما يعينه على اداء وظيفته في الترجمة في مختلف الحقول مما يعني وعلى حد قول احد استاذة الترجمة إن " المترجم مثقف رغم انفه " ذلك أن كل معلومة وكل مصطلح وكل قراءة جديدة هي بالتأكيد اضافة وتوسيع في افق المعرفة لدى المترجم وتمكين له من الخوض في غمار الترجمة بادوات متجددة .

في النهاية فانني اعتبر ان الترجمة تجربة لا تقل في عملها وجهدها عن تجربة مؤلف الكتاب، فالمترجم في رأيي يعيد ابداع العمل في لغة اخرى ليوصل لنا التجربة بكل ما تنطوي عليه قدر جهده وقدر ما تسمح به اللغة المنقول اليها العمل رغم انها تتفاوت بالتأكيد من مترجم الى آخر طبقا لمهارته وقدرته وثقافته وموهبته في الصياغة، تبقى الاعمال العظيمة المنقولة الينا في لغتنا هي نتاج لجهد الترجمة ويبقى المترجم دائما الجندي المجهول في هذه العملية ولولاه لما عرفنا الكثير مما يبدع في عالمنا ولظلت الثقافة العربية محصورة في افق ضيق لا يتجاوز مدياتها وبيئتها المحلية .

 

عمار كاظم محـمد

 

1077 جذوروصلني بالبريد هدية جميلة من الصديق القديم الشاعر مجيد حسيسي، ابن بلدة دالية الكرمل، وهي ديوانه الشعري الجديد "جذور كرملية" الصادر عن دار "الحديث" لصاحبها الناشر فهيم أبو ركن، الذّي جاء في 145صفحة من الحجم المتوسط والورق الصقيل وبطباعة أنيقة وغلاف مقوى، واشتمل على باقة فواحة الأريج والعبير من قصائده العذبة السلسة، التي تتناول موضوعات واغراض شعرية متنوعة، في الحب والوطن والارض والطبيعة والرثاء والقلق الوجودي وهموم العصر وقضايا الإنسان والحيا.

مجيد حسيسي شاعر وكاتب أنيق ومجيد، معرفتي به تعود الى سبعينات القرن الماضي حين كان ينشر قصائده وكتاباته الادبية في صحيفة " الانباء " المحتجبة، وهو ينتمي لرهط من شعراء وأدباء الكرمل أمثال: المرحوم سلمان ناطور ووهيب نديم وهبة وزياد شاهين والراحل معين حاطوم وفرحات فرحات وفهيم أبو ركن وهيام قبلان وملحم خطيب وسواهم . وديوانه " جذور كرملية " هو الكتاب الثالث عشر الذي يصدر له بعد " كلمات متشردة، القضية رقم 31 مع الأديب فرحات فرحات، أبدية النار الباردة، وهج الأصوات النازفة، محطات، منك الثرى، حيفا والمهاجر، البديلة، بصمات من ذهب، وطني على ظهري، عزف على جراح الصمت، وبيت القصيدة".

يهدي مجيد حسيسي ديوانه الى " أفراد أسرته، والأهل والاقارب، والاصدقاء الأوفياء، والى شريكة حياته، زوجته الحبيبة التي شاركته انتماءه "، التي يقول عنها: " ركيزة البيت، ورمز الطهر في زمن الجفاء".

واستُهِلَّ الديوان بمقدمة للناقد د. منير توما، وهي نص الكلمة التي كان قد القاها في حفل تكريم مجيد بدالية الكرمل، ومما قاله: " إنه المبدع المتألق بإبداعاته من شعر ونثر دون كللٍ أو ملل، بل يمارس ذلك بمتعة واشتياق نحو الإتيان بحلو الكلام في قصائد بالغة التمام، تتنوع بروافدها وفروعها، وفي مقدّمتها الحِكمة ومحبّة الإنسان لأخيه الإنسان من خلال أغراض شتى طرقها أستاذنا وشاعرنا الكريم فأجاد وأبدع على الدوام، ليس بموهبته الشعرية المتميزة فحسب، بل بكرمه الحاتمي في مواقف متعدّدة عهدناها بشخصه الكريم، وخُلقه النبيل، ومنبته الأصيل " .

 

قصائد الديوان في شتى الأغراض، وجدانية، إنسانية، غزلية، وطنية، فلسفية، رثائية، ووصفية، بالغة الجمال، ناضجة فنيًا، رصينة، جزلة، متينة الحبكة والتراكيب، رفيعة، رقيقة، منسابة كشلال، فيها حزن وشجن، وفيها انتماء وطني واضح، واشراقات أمل، مترعة بالعواطف الصادقة الجياشّة، ومشحونة بالوجدان المتقد والإحساس الانساني المرهف النابض، ومثخنة بالجمالية الفنية والعفوية والشفافية الناعمة الهادئة، وفيها من الرؤى والافكار الدالة على عناصر الابداع والجمال وسعة الخيال المجنح والوصول الى نص شعري بليغ التأثير والتعبير والاشارات .

وما يسم هذه القصائد صدق العاطفة، وحرارة التجربة، والعمق والتكثيف في الصور والمعاني، والقوة وجودة السبك، والانسيابية المموسقة في معانيها وأفكارها وابعادها الإنسانية، ودقة الوصف والتعابير، والقدرة الفائقة على اختيار الكلمات والمفردات المجازية البلاغية الجميلة الفصيحة.

مجيد حسيسي شاعر تسكنه الروح والنزعة الإنسانية، يتمتع بثقافة حسية وجمالية، وصاحب فكر متوقد نيّر، لم يترك غرضًا ولا بابًا ولا موضوعًا شعريًا لم يطرقه ويتفاعل معه . يحمل وطنه في قلبه، وعلى ظهره، ولم يتركه أبدًا يتدحرج كصخرة سيزيف، غنى للحب والوطن والانسان، وناجى الحبيبة، وطرح قضايا المرأة، وتفاعل مع الظواهر الاجتماعية وجعل من فؤاده دفيئة للمعاناة والمكابدة والمشاعر الإنسانية، مكللًا بالحب والعشق والشوق والحنان، متوجًا بالقلق الوجودي العصري من شرور الحياة ومآسيها، داعيَا للتسامح والسلام والمحبة بين أبناء البشر والديانات السماوية .

ومن نوافل القول أن نصوص ديوان مجيد حسيسي " جذور كرملية " تحمل بعدًا وجدانيًا وانسانيًا عامًا، مزنرة بحرارة الوجدان، مشرعة على هموم وآمال رحبة، ومغمسة بوجدانيات وطقوس الحب والاشراق، إنها شذرات مصفاة مكثفة، قالت وأسمعت، فوصلت شذية ندية حريرية تعرف الطريق إلى البهاء، وتعرف كيف تتغلغل في النفس ريحانًا عندما تود النفس البشرية الخروج الى الفتها وطبيعتها المتجددة، تزخر بالفتنة التي لا تخطئها عين او احساس يتلبس البلاغة في تكسير المألوف وصولًا الى ما هو فوق الواقع والخيال ما يجعل الدهشة تتألق وتتوهج بقدر حيوي في القصيدة .

ومن أنفاس الشاعر وأجواء الديوان اخترت قصيدته " كوني ظلالي " .. حيث يقول:

 

أقومُ إليكِ أشكوكِ لأحيا

وأُحيي فيكِ أيَامَ الوصالِ

فلا الأيّامُ تُسعفنا لنبقى

ولا الأحلامُ تأتي بالمُحالِ

فأنتِ بنفسِ إحساسي حنينٌ

وأنتِ الحُسْنُ كحّلهُ مقالي

فهاتي السّعدَ نجدلُهُ بحرفي

ضفيرةَ عَشْقِ أحلامِ الخيالِ

لنمسحَ كلَّ إحساسٍ بسوءٍ

ونمسِكَ في تلابيبِ الجَمالِ

فكوني كل آمالي وسَعدي

وكوني الشمسَ لي كوني ظلالي

وفي المجمل ديوان "جذور كرملية" لمجيد حسيسي يكشف عن واحد من أكثر شعراء الداخل الفلسطيني رقة وعذوبة وانسانية وانسيابية، فهو يصطاد قصيدته اصطيادًا، ويكتفي بما يصيد من رشاقة اللغة وجذلى صورتها، فلا يتكلفها ولا تتكلفه، ولا يزيد عليها أكثر مما تستحق، حتى انها تبدو سمفونيات حب وحياة وامل واغنيات وترانيم شجية وشذية، أو سلسلة معزوفات موسيقية تتهادى بين نسائم ربيعية، أو لقطات ولوحات تشكيلية رسمت لتكون قصائد عشق وجمال ودفق عذب هفهاف .

فكل الشكر والتحية للصديق الشاعر العريق الراقي الملهم مجيد حسيسي، مع أحر التهاني بصدور ديوانه "جذور كرملية" واطيب التمنيات له بالعمر المديد والحياة العريضة والعطاء المتجدد المتواصل.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

1074 ندوةمنذ القديم والأدباء والفلاسفة يأخذون من العلم بنصيب بل كانوا يتعمقون فيه ولا يكون الإنسان فيلسوفا مثلا إلا إذا كان رياضيا حتى إن أفلاطون كتب على باب أكاديميته "من ليس مهندسا فلا يطرقن علينا بابنا" واحتذت الثقافة الإسلامية حذو الثقافات القديمة فكان الأدباء والفلاسفة علماء في ذات الوقت شأن الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وابن خلدون عرف الأدب بأنه الأخذ من كل فن بطرف لكن تبحر العلوم وتخصصها جعل هذا الأمر مستعصيا في العصر الحديث مما جعل الإحاطة بها أمرا مستحيلا لكن الإلمام بقواعدها العامة أو المعارف الإجمالية أمر لازب والذي لا يتوفر على تلك المعارف العامة تكون ثقافته عرجاء ومعرفته شوهاء فالأصل أن يتوفر المثقف على مبادئ العلوم العامة بل إنها تساعده في تخصصه سواء أكان فنيا أم أدبيا أم فلسفيا والجهل بها قد يوقعه في أخطاء جسيمة تطعن في مصداقية ثقافته وجدوى حكمته شأن العالم الذي لا يتمكن من اللغة فيعجز عن التعبير أو يقع في أخطاء لغوية تضر بمصداقية معرفته وتجعله مضطربا في مواجهة الجمهور فكما أن مبادئ العلوم لا زمة للأديب أو المتفلسف لاشك أن مبادئ اللغة والآداب لازمة للعلماء والفلك هو أحد أشرف العلوم وأسنى المعارف لأنه مرتبط بالسماء الشامخة الباذخة اللانهائية والمعانقة للمطلق فكل ما يرتبط بها هو مرتبط بالمطلق والسامي واللانهائي.

2- علم الفلك نشأته ومساهمة علماء الإسلام فيه:

وفي ثقافتنا العربية الإسلامية شكلت المعارف الفلكية زادا خصبا لقريحة الفلاسفة والشعراء والنثار بل الفلك نشأ أول الأمر من رحم الملاحظة المستديمة بدافع الفضول الإنساني أو الحاجة البشرية المرتبطة بالطقس والمطر وما يتعلق به من رزق ومن كلأ ومراع وسفر في الفيافي وفي أعالي البحار أو ضبط الزمن ومعرفة المواسم الدينية والعبادات وكان للإنسان العربي فضل في إثبات ملاحظاته وتدوين أرصاده شان الشعوب القديمة كالبابليين والفراعنة والإغريق فالآيات القرآنية صريحة في الحديث عن عظمة الله في خلق السماوات والنجوم والكواكب والحاجة إلى ضبط أوقات الصلوات والمواسم الدينية واتجاه القبلة تحتم على العقل المسلم ضرورة تحري هذه المعارف وضبطها وتدوينها وإتاحتها للناس لحاجتهم الماسة إليها والمسلمون الذين عنوا بنقل المعارف القديمة الهندية والفارسية والإغريقية عنوا بترجمة التراث الفلكي القديم وهضمه ثم الإضافة إليه فالبابليون مثلا تركوا معجزات في المعرفة الفلكية لعل أهما "الساروس" أي الدورة والتي تعني أن كل كسوف شمسي يتكرر بعد 11 سنة تقريبا كما اكتشفوا فلك البروج ويعني ذلك المسار الذي تتبعه الشمس في حركتها الظاهرية خلال العام والإغريق منذ أرسطارخس وإيراتوستين قعدوا المعارف الفلكية مستعينين بالرياضيات فاستطاع إيراتوستين حساب محيط الأرض مسترشدا ببئر شهيرة في الإسكندرية ويعد بطليموس أب العلوم الفلكية فهو الذي جمعها ونسقها وبوبها في كتابه العظيم" المجسطي في الفلك" والعنوان يوحي بالفخامة والعظمة وهضم العقل المسلم تلك المعارف ثم شرع في نقدها وتقديم الإثراء والقواعد والاكتشافات الجديدة شأن عبد الرحمن الصوفي الذي استدرك على بطليموس بعض النجوم فيما يعرف بالمجموعات النجمية في كتابه الشهير "صور الكواكب الثمانية والأربعين" والبتاني دارس قوانين حركة القمر وعمر الخيام مصلح الأزياج والبيروني المتبحر في النجوم حتى عده الغربيون أعظم عقل في التاريخ على الإطلاق وكانت الاكتشافات الإسلامية قاعدة علمية ولعل أعظم نظرية إسلامية هي تلك التي نسفت نظرية بطليموس الذي جعل الأرض محور الكون والنجوم والكواكب والشمس تدور حولها منخدعا بالحركات الظاهرة لها فأعاد علماء الإسلام الأرض إلى موقعها الحقيقي فجعلوا الشمس محور الكون والكواكب تدور حولها وكانت هذه النظرية سندا لكوبرنيكوس في إذاعة نظريته الجديدة تلك التي شكلت ثورة في علم الفلك في العصر الحديث ثم استعان بها كبلر وجاليليو ونيوتن ويكفي العقل المسلم فخرا أن أسماء كثير من النجوم مازالت بأسمائها العربية في الأطالس الفلكية الحديثة كفم الحوت والدبران وسعد السعود والطائر وهناك أكثر من تسعين نجما مثبتا باسمه العربي في الأطالس الفلكية الأمريكية والأوروبية واستدرك البيروني على إيراتوستين في حساب محيط الأرض واقترب كثيرا من الرقم الحقيقي هذا غيض من فيض المعارف الإسلامية الفلكية التي توجت المسلمين سادة العلوم الفلكية في العصر العباسي خاصة مما جعل العلامة جورج سارتون يفرد لهم جزء خاصا في كتابه العظيم "مقدمة لتاريخ العلم" وأثنى عليهم كل المستشرقين الغربيين كتوينبي وستانوود كوب وآدم ميتز وجوستاف لوبون وغيرهم

3- علاقات تاريخية بين الأدب والفلك:

 عرف ابن خلدون الأدب بأنه الأخذ من كل فن بطرف أي نصيب ولا غرو أن وجدنا الثقافة الفلكية حاضرة في الشعر والنثر القديم والحديث بل رأينا كثيرا من الأدباء يتوفرون على معرفة فلكية دقيقة وصحيحة بحسب ما توفر ذلك الزمن والمعرفة الفلكية حاضرة بمفرداتها في النص القرآني وتشكل دافعا للعقل لسبر أغوار الكون وللعين لتسريح النظر في آفاق السماء " والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون" " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب كما بدأنا أول الخلق نعيده" "وعلامات وبالنجم هم يهتدون" "والسماء والطارق وما أدراك ما لطارق النجم الثاقب" وأنه هو رب الشعرى" وترى تلك المعرفة الفلكية البسيطة المبنية على الملاحظة والتجربة والتي شكلت نواة المعرفة الفلكية قبل الإسلام حاضرة في الشعر والنثر ففي الأمثال العربية القديمة "أريها السها وتريني القمر" فالسها نجم خفي في كوكبة الدب الأكبر وفي الذيل تحديدا تمتحن به قوة البصر ومن يراه بعينه المجردة فإن بصره حديد ومعنى المثل أنك توضح لشخص أمرا دقيقا أو خفيا فيعرض عنه ويتحدث لك عن الجلي الواضح كمن يشير إلى القمر ومن لا يرى القمر؟ وشكلت النجوم بجمالها وسموها والشمس بعظمتها وفائدتها والقمر بلونه الماسي تشبيهات بليغة وكنايات لطيفة واستعارات بديعة في الشعر كما جاء في قول النابغة:

فإنك شمس والملوك كواكب: إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

**

فإنك كالليل الذي هو مدركي: وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

 وفي قول لبيد بن ربيعة:

بلينا وما تبلى النجوم الطوالع: وتبقى الديار بعدنا والمصانع

وفي معلقة امرئ القيس الشهيرة الخالدة المتأملة في جمال الليل ووحشته والوسواس الطارئ على الخاطر والخوف المقترب من صميم القلب:

وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلــــــــي

قفلت له لمـــــــا تمطى بصلبه وأردف أعجـازا وناء بكلـــكل

ألا أيها الليل الطويل ألا انجـل بصبح وما الإصباح منك بأمثـل

فيا لك من ليل كأن نجومــــــــه  بكل مغار الفتل شدت بيذبــــل

ويرد كثيرا في شعر الجاهليين ذكر الأنواء ومفردها نوء وهي تعني أفول نجم في المغرب وطلوع نظيره من المشرق والنوء مرتبط بنزول الغيث ونمو النبات وتوفر الكلأ حتى قالت العرب في أقوالها:" مطرنا بنجم السماك الأعزل" أو بنجم الشرطان أو النثرة ... وبقيت هذه الكلمة في كلامنا الدارج فنطلقها على المطر عامة والأنواء مرتبطة بمنازل القمر في ثمان وعشرين منزلة ينزل القمر في كل ليلة في واحدة ومنها الشرطان والبطين والدبران وسعد السعود وسعد الأخبية وسعد الذابح وسعد بلع .. ويحضر ذكر هذه المنازل في أشعار الجاهليين كثيرا.

ومن الطرائف التي تساق في هذه المقام أنه إذا كان نجم الشعرى اليمانية قد ارتبط بضبط السنة الشمسية وكان شروقه في الفجر إيذانا بفيضان النيل وما يتبع ذلك من ماء وطمي ورزق وزراعة فإن القاهرة عاصمة المعز اسمها فلكي تماما فالقاهر اسم المريخ كما أن كيوان اسم زحل والمريخ في العربية الجميل الحسن فلا شك أن ذلك الكوكب الأحمر الجميل والمرهب قد أثار بحسنه خيال المعز وبناة العاصمة فقرر تسمية المدينة الجديدة على القاهر أي المريخ وهكذا طلعت القاهرة فلكية بامتياز.

ومما ورد من إشارات فلكية لطيفة في الشعر الأموي قول شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة:

أيها المنكح الثريا سهيلا: عمرك الله كيف يلتقيان؟

هي شامية إذا ما استقلت: وسهيل إذا استقل يمان

والثريا التي يتحدث عنا الشاعر كانت امرأة فاتنة أحبها عمر لكنها تزوجت من سهيل وهو غير كفؤ لها بحسب رأي الشاعر فكيف تم الجمع بينهما ؟ وهل يمكن الجمع بين الثريا تلك النجوم الست المجتمعة في برج الثور والتي تنتمي للسماء الشمالية ونجم سهيل في كوكبة الجؤجؤ المنتمي لجنوب الكرة السماوية والذي يرى من نصف الكرة الجنوبية وهو نجم عملاق يبعد عن الأرض ب400سنة ضوئية ويتخذ كنقطة مرجعية في توجيه السفن الفضائية في رحلاتها بين الكواكب إضافة إلى الشمس.

لكن المعرفة الفلكية تظهر بشكل جلي في شعر أبي العلاء المعري والذي يدفع إلى الحيرة في ذلك كون الشاعر ضريرا فكيف تهيأت له هذه الدقة في الوصف للكواكب والنجوم والتي يعجز عنها المبصرون؟

في مرثيته الشهيرة لأبي حمزة الفقيه والتي مطلعها:

غير مجد في ملتي واعتقادي : نوح باك ولا ترنم شاد

الأبيات الأخيرة فلكية بامتياز:

زحل أشرف الكواكب دارا: من لقاء الردى على ميعاد

ولنار المريخ من حدثان الده: ر مطف وإن علت في اتقاد

والثريا رهينة بافتراق الشم: ل حتى تعد في الأفـــــــــراد

واللبيب اللبيب من ليس يغ: تر بكون مصيره للفســـــــاد

وفي قصيدته الشهيرة "عللاني" وهي قصيدة شبابية نافس فيها المعري المبصرين معرفة دقيقة بالمجموعات النجمية وحركتها الظاهرية وغروبها وشروق غيرها بلغت حد الإعجاز:

رب ليل كأنه الصبح في ال:حسن وإن كان أسود الطيلسان

ليلتي هذه عروس من الز:نج عليها قلائد من جمــــــــــــان

وكان الهلال يهوى الثريا :فهما للوداع معتنقــــــــــــــــــان

وسهيل كوجنة الحب في الل: ون وقلب المحب في الخفقان

ضرجته دما سيوف الأعادي: فبكت رحمة له الشعريـــــــان

ثم شاب الدجى وخاف من الهج:ر فغطى المشيب بالزعفران

ونضا فجره على نسره الوا:قع سيفا فهم بالطيـــــــــــــــــران

فهو هنا يشير إلى الهلال والثريا والشعرى الشامية واليمانية والنسر الواقع بشكل دقيق لا يعرفه المبصرون.

وتحدث المعري في أشعاره عن الاقتران أي اجتماع الكواكب وهي ظاهرة فلكية دورية حيث تقترب الكواكب من بعضها للراصد الأرضي ومن أهمها اقتران المشتري بزحل وكان العرب يتفاءلون به خيرا:

قران المشتري زحلا يرجى:لإيقاظ النواظر من كراها

وهيهات البرية في ضلال: وقد فطن اللبيب لما اعتراها

تقضى الناس جيلا بعد جيل: وخلفت النجوم كما تراهــا

بل تساءل عن مولد الشمس القديم في مثل قوله:

ومولد هذي الشمس أعياك حده: وخبر لب أنه متقادم

وفي قصيدة وصف" معركة عمورية" وهي قصيدة خالدة من قصائد الشعر العربي العباسي يتحدث الشاعر عن ظهور مذنب لعله مذنب هالي وتشاؤم المنجمين منه واعتقادهم بخسارة المعركة إذا قرر المعتصم خوضها والمذنب في السماء ومن الحكمة تأجيل الحرب لكن المعتصم كفر بالمنجمين واحتكم إلى السيف وحرر عمورية وكسب المعركة:

السيف أصدق إنباء من الكتب: في حده الحد بين الجد واللعــــــــب

بيض الصفائح لا سود الصحائف: في متونهن جلاء الشـــك والريب

والعلم في شهي الأرماح لامعة: بين الخميسين لا في السبعة الشهــــب

وخوفو الناس من دهياء مظلمة: إذا بدا الكوكب الـــــــغربي ذو الذنب

وصيروا الأبراج العليا مرتبة: ماكــــــــــــــــان منقلبا أو غير منقلب

كما تحضر المعارف الفلكية البرهانية والعيانية في النثر في خطب الإمام علي في نهج البلاغة وفي مقامات الهمذاني والحريري ناهيك عن نثر الرازي والكندي وابن سينا وابن طفيل وابن رشد والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وإخوان الصفا وغيرهم.

3.4- الثقافة الفلكية في الأدب الحديث ونماذج لأدباء اشتغلوا بالفلك:

بتطور العلوم في العصر الحديث هذا التطور الر هيب ومنها علم الفلك الذي كشفت لنا فيه المراصد عن عوالم جديدة لم نكن نسمع بها ولا أسلافنا من سدم ومجرات وكوازارات وعدسات تثاقلية وثقوب سوداء وغيرها وأمام الفضول المتزايد لاكتناه سر المجهول واستجابة فطرية لقوله تعالى "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم" خاض كثير من الأدباء في لجة السماء راصدين ودارسين ومستمتعين ونجد حضورا قويا للنجوم والكواكب والأقمار في أشعارهم حتى إن السياب الذي أقعده المرض في عز شبابه وطوح به الألم تمنى نفسه سندبادا لا يخوض في بحر الأرض بل في بحر السماء حيث النجوم سفن والهلال زورق وهو السندباد:

وفي المساء كنت أستحم بالنجوم

عيناني تلتقطهن نجمة فنجمة وأركب الهلال سفينة

كاني سندباد في ارتحال

شراعي الغيوم ومرفئي المحال

ولعل محمود باشا الفلكي هو أكبر عربي خاض في الفلك وجمع بين التاريخ والأدب والعلم وقد حقق الكسوف الذي وقع في زمن النبي عليه السلام يوم وفاة ولده إبراهيم وحدد مدته والساروس الذي ينتمي إلية والمناطق التي مسها من الكرة الأرضية. ولعميد النثار في القرن التاسع عشر الشيخ ناصيف اليازجي في كتابه البديع " مجمع البحرين" أي الشعر والنثر مقامة فلكية ذكر فيها منازل القمر، وأسماء البروج، والأنواء وأسماء الشهور القمرية قديما، وأيام الأسبوع الجاهلية وحذا حذوه ولد إبراهيم فاشتغل بالمعارف الفلكية فضلا عن تبحره في اللغة العربية. وتحضر المعرفة الفلكية في كتابات جرجي زيدان ويعقوب صروف وشبلي شميل وفرح أنطون وغيرهم.

ولعل المعرفة الفلكية تحضر بشكل جلي في كتابات الدكتور أحمد زكي رئيس تحرير مجلة العربي السابق والعالم الكيمائي وصاحب كتاب فلكي أدبي بامتياز "مع الله في السماء" وفي كتابات مصطفى محمود الذي اشتغل بالفلك وهو الطبيب المختص في الأمراض الصدرية والصوفي النبيل وقد بنى مسجدا في الزمالك وبنى إلى جواره مرصدا صغيرا حتى يتعبد المؤمن في المحراب وفي قبة السماء معا وقد دعا الكاتب الكبير نجيب محفوظ إلى زيارة المرصد ولبى نجيب الدعوة وقال عقب ذلك :لقد رأيت أشياء رهيبة.

فالعلم يقود إلى الإيمان والعلم غذاء والدين دواء كما ذكر حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي.

5- ضرورة الحفاظ على مثل هذه الندوات العلمية وتكريسها في شكل ندوات دورية وجعل شهر أغسطس شهرا عربيا للسماء

 إن على شبابنا اليوم الاقتداء بالسلف في الأخذ بالعلوم وللأمة ماض مزهر فيها فالمستقبل في العلم وعبادة العالم ليس كمثلها عبادة كما أن على القيمين على تدبير الشأن العام تكريس الندوات العلمية الدورية في ربوع الوطن العربي تتبادل فيها الأراء وتتلاقح فيها العقول فهي معرفة وفرجة وتسلية وتربية ولم لا جعل شهر أغسطس شهر السماء وتخصيص ليلة عربية ليلة لمراقبة ورصد السماء أسوة بالدول المتقدمة ؟

 

إبراهيم مشارة

...........

كلمة ألقيت عصر الجمعة 16 أغسطس في ندوة علمية أطرها  المرصد الجزائري للفلك والفيزياء الفلكية والجيوفيزياء  في بلدتي زمورة

 

يتحدث ساراماغو في روايته التي نالت جائزة نوبل للاداب عن وباء يصيب السكان يعميهم فجأة ويخوض اول العميان وطبيبه ومجموعة من مرضاه و زوجة الطبيب الوحيدة التي لا تصاب بهذا الوباء مغامرات في اماكن الحجر الصحي و نزاعات يسلط فيها الكاتب ضوءا ساطعاً على الرغبة في التسلط و التحكم و ولادة الانظمة المستبدة و الاستضعاف و كذلك ينجح في تصوير مشهد الانتفاض ضد الظلم و ضعف المجتمعات تجاه الظلم وانخراطها في انانايتها التي تجعلها ضعيفة امام المتسلطين.

ثم يرسم ساراماغو مشهداً سينمائياً مؤثراً عن حالة الفوضى التي تصيب المدينة بعد اصابة كل سكانها بالعمى و كيف يصبح العيش صعباً في خضم تلك الفوضى التي يصورها بعيون الناجية الوحيدة من الوباء وهي زوجة الطبيب التي يصور من خلالها المشاهد التي تراها ويصور كيف تتبلور جماعات من العميان يتوكأون على مجموعاتهم ليتمكنوا من العيش والعثور على اماكن تأويهم وابتكار اساليب لمعايشة العمى كما يصور اولئك الذين يعيشون على الحكاوى الفارغة و لا هم لهم سوى التبشير بالقيامة ونهاية البشرية والجحيم والهلاك و الخ .

من المؤكد ان ساراماغو كان مبدعاً ليس في تشكيل منحوتته الروائية بل في ابتكار الموضوع والخيال الثري الذي صور من خلاله البشرية دون عيون ولعله اراد من وراء ذلك ان يقول ايضاً اننا مع اننا نمتلك عيون ونستطيع ان نرى الا ان هناك عالماً ربما خفي عنا نحتاج الى حاسة خاصة لادراكه و لربما نحتاج الى تطور خاص في عقولنا لكي ندركه.

لقد تغير العالم من حول العميان لمجرد انهم فقدوا نظرهم فأصبحوا يرونه من خلال ذاكرتهم ويتخيلونه عبر خيالاتهم

والسؤال هو ماذا لو كان في هذا العالم الوسيع جوانب خفية عنا؟

ماذا لو كنا عميان ولا نرى سوى تخيلات؟

ماذا لو كان ما ندركه لا يساوي شيئاً امام ما خفي عنا؟

هل هذه الاسئلة مشروعة و لها ما يبررها؟

ادرك تماماً ان تلك الاسئلة بحاجة لاجابات وان ساراماغو فتح كوة بأتجاه ما و لربما من الصحيح القول ان عالمنا حقاً عالم العميان.

 

 اياد نجم الجيزاني

 

مالكة عسال1- تقديم: هكذا شئت أن أعنون تقديمي لرواية (الجمجمة والزورق) للمبدع التونسي فوزي الديماسي ...

إنه فوزي الديماسي المشتعل بالإنسانية والحب، يركض في جيوب مرافق الطبيعة النقية، كما بعثها الله إلى الوجود بصفاء الأحجار الكريمة باحثا في مغاراتها بخيوله الجامحة، عن جواب مقنع لسؤال مؤرق، ظل ضوؤه الشارد يلكز وجدان مبدعنا، يستجدي قيمة الإنسانية، التي دهستها حوافر الأزمنة المظلمة.. فمبدعنا تسلح بثلاثة أشياء كعدة قائمة بذاتها :

1ــ الرقع الطبيعية التي اتخذها ميادين يركض فيها دون توقف،

2ــ لغته التي امتطى عرشها يراوغها ويبوح لها وبها،

3ــ أحباره يسيل دمعها ..

أشياء ثلاثة أسرجها وتسلق تلالها بحثا عن الفجر، عن أيامه المضيئة، عن حقوله المزروعة بالعشب الأخضر، عن ظل يحمي تحت أجنحته الفقراء من رعب الزمن الجاحف ..

حين انحدرت مع الشلال الروائي لرواية مبدعنا فوزي الديماسي (الجمجمة والزورق)، استوقفتني عدة أشياء، من بينها

ــ الغرابة في السرد،

ــ جعبة الذات المبدعة الممتلئة بالحزن والأمل معا،

ــ التنوع اللغوي الذي أضفى سحرا فنيا ملفتا..

الحزن والألم والغرابة في السرد

أمسكت بخيط السرد، تستفزني معانيه السلسة، منجذبة بحياكة اللغة، وفنية التراكيب، والحذلقة في تتابع الجمل والفقرات، إذا بي أهوي في قعر الغرابة، حيث شاء مبدعنا أن ينحرف عن السرد بلغة المباشرة، لينغمس في لغة خيالية ترفل في كيد الغرابة واللامعقول، مما يجعل القارئ في حيرة من أمره، متسائلا عما يريد السارد قوله من وراء هذه الحكاية، وماهو المعنى المطلوب الذي يهدف إليه..

(شدّني الخوف إلى جذع ذعري . تقيّأت الجبّانة سكّانها، وانتشرت الجماجم، والعظام في الفضاء، تحلّق الموتى حولها، وراحوا جميعا يراقصون العويل، ارتفع نشيج الأرض تحت أقدامهم، وامتدّت ألسنة الغبار تخدش وجه الفجر. انتشر)

وهذا الغلو في الخيال لم يأت من باب السماء، ولا هطل به غيث مباغت، وإنما من ذعر الذات المبدعة، وما تعيشه من تشرذم وتيه وذهول، من هول أزمة الأوضاع الإنسانية، وانتظاراتها المعلقة، وأحلامها المغتالة في مساحات قاحلة تعج بالوباء، وميادين متلبّسة بضباب عتيق، تتخللها جبال كرسم دمعة قديمة على وجنتي الوجود، تتابع اضطرابها في صمت؛ واقع ملتبس، طافح بالكبت والإحباط، يطفو بأشلاء القتلى، منهمر بالدمع ودماء ضحايا الحروب والقتل، لا يسمع فيه إلا النشيج، يمزّق صمت المكان، ويبعث في أرجاء السكون صدى بكاء، جعل الذات المبدعة تعيش أجواء عصيبة في مرامي متاهات لانهائية..، ودروب مقفلة تفضي إلى طريق مسدود ..

اللحظات المشرقة باعثة على الأمل

وأحيانا أخرى، حين تصادف الذات المبدعة، لحظة فرح، أو تعيش أجواء سارة، تتدفق بالآمال، وتتورد فيها الأحلام، ترسم واقعها المنشود كما تشتهيه، مزهرا بصهيل الفجر على حافة حلم يؤذن في الناس، (موجها بوصلته نحو واحات من بياض، تدفع الناس نحو فلك الحياة، وألسنتهم ترمّم بالذكر في بساتين النجوى طيورا ونخيلا وماء، وعلى جبين الأفق البعيد ترفرف الزغاريد).. هكذا المبدع يصارع الخبث ليحوله واحاتٍ من النخيل، وبساتينَ من رحيق السوسن، أوهام وأحلام وآمال تتدافع زمرة واحدة في ذاكرة الذات المبدعة، لتتحول بقدرة قادر إلى نور يضيء السراديب المعتمة، وما تلك إلا رغبة ملحة في نفسية الشاعر يريد تحقيقها، رغم العسر وغير الممكن؛ فيصوغ الأمل في قصيدة أو شذرة أو نص فني يثير شهية القراء ..

الكدح والتعب من أسرار البقاء

فالذات المبدعة تناجي حيرتها، منغمسة في ذهول الحياة الملتبسة، تحاول تحقيق طموحها في خلق أفق مشرق، ينهمر بتباشير الصباحات السعيدة، لكن القمم العاثرة تحـول دون تحقيق ذلك، وفعلا في غياب آليات التغيير، وفي ظل السياسات الفاشلة المسطرة، والخطط المحبطة، ليس بيد المبدع أية أداة لتحقيق ذلك، لكن إصراره الملح سيمكنه من ركوب صهوة التحدي، للكدح في مناكب الحياة وبعث الحياة في الموت، وإضرام النار في اللّيل البهيم، والحفر في صخب الصخر لبلوغ الزيت، (فما خاب من جعل السّعي دينه، وديدنه التّراب إقبالا ما بعده إدبار، فالصبح بين ظهر انينا قريب)..عناق الحياة بأمل كبير وابتسامة مطلقة، وركوب موجة التجاوز والتحدي، أي النضال في أوسع نطاقه ، والكد بأوفى أسلحته لتمزيق ليل القعود، وتكسير للعجز القيود، لأن تحقيق الأحلام لا ينال بالتمني، وإنما بمواصلة الكفاح، وشحذ السواعد، وبناء الأفكار، لهدم خيام الليل المطنبة، واستقبال خيوط الصّباح المشرقة ...

(ثمّ أخذنا بعد وقت من الانتظار رماده، وانطلقنا بعزم ننثر رماده على رؤوس الجبال، وعلى رؤوس القبور، كنّا منطلقين نحثّ في روحينا لغة التدفّق والحركة، نثرنا رماده في كلّ درب، وفي كلّ قفر، وعلى قمّة كلّ جبل، ثمّ توجّهنا بعد كدّ جنونيّ نحو البحر لنعلّم موجه فتنة الحياة وشوقها، مرحنا، كدحنا، سعينا، وكان الأمل في زرع آيات الفجر في الآفاق أقصى غايات عملنا)

رفيقة مبدعنا في حنايا الكون

لم تكن رفيقة مبدعنا إلا الذات الشاعرة، التي يقتفي أثرها، بين الصخور، والكتبان الرملية، والشواطئ، يتابع شطحاتها، ورقصاتها العفوية، بين مفازات الكون، بكهوفه ومغاراته، وشساعة صحاريه، وتلاطم أمواج بحره، وصخب لياليه، ووجع أزمنته، وسدوم ظلمته ، أشياء تعتمل بمطارقها في رأس المبدع، فساحَ في رحاب الكون يحاور ذاته المبدعة، وما سلاحه غير لغته، يشحذها في زواياه الفسيحة، لتجيبه عن أسئلته الملحة، هو ركض لانهائي بحثا عن الجمال لما هو ذميم، وعن فتق أسرار مبهمة، لفهمها، وعما يريح النفس من أثقال هذا الزمن الجاحف ..بل وقد تكون رفيقة مبدعنا تلك القصيدة الغائبة الحاضرة، ينتظرها تأتي مكتملة ممطرة بحلول، للشائك من هذا المعقد ..لعمري لهذا هو حال المبدع الصادق مع نفسه وإبداعه، ومع ما يعيشه من هموم إنسانية تنهش أحشاءه، وتدمي روحه، وتصيب مشاعره بعسر هضمي، فيلجأ إلى الإبداع عله يجد بلسمه الشافي ، هواجس متعاقبة، فبمجرد ما ينزل المبدع منجزه في مخطوط، حتى يركض مهرولا وراء حدوس مشرقة، يشحذ على شفرتها ذاكرته ولغته من جديد، ليأتي بالمكتمل ...

(سألت الأفق، وكذا الرّمل، وزبد البحر، سألت دمعتها، لا جواب يطفئ لهيب البحث في فؤادها، فتّشت بين الصخور، بين ثنايا الموج الهادر، في شعاب الملح، في حمرة الأفق المتثائب، في رحم الوجود)

الجانب الفني والتنوع اللغوي

لغة مبدعنا فوزي الديماسي تبدو سهلة المنال، لكنها تضرب السهل الممتنع بتنوعها الهائل، فهي تمتص من شهد القرآن الكريم بكل تجلياته، وترفل في لبوس شعري بامتياز، وهذا يبين بالكاد أنواع المشارب اللغوية التي نهل منها مبدعنا، ومدى تمكنه من الأدوات الفنية في الصياغة والتركيب....

بلاغة الأسلوب بالتناص مع القرآن الكريم

لقد اعتمد مبدعنا السيد فوزي الديماسي اللغة القرآنية، فتناول الصور والرموز من كتاب الله، بتوظيف المعاني القرآنية بنجاح، حيث لوحظ ذلك في أكثر من عبارة، (.. في صحف الأوّلين، وقليل من الآخرين)

هذه العبارة التي تتناص مع آيات من الذكر الحكيم، وبالضبط من سورة الواقعة، التي يقول فيها عز وجل (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين). (وفوق رؤوسهنّ سرب من الولدان يرتّلون) التي تناص فيها أديبنا مع الآية الكريمة (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا) من نفس السورة.. (وفجأة زلزلت الأرض زلزالها) من سورة (الزلزلة)، ليس ضعفا من المبدع، ولا تعويضا لعبارة غائبة، وإنما إثراء لغوي، نتج عن تنوع مشارب القراءة والاطلاع، مما أحكم لغة مبدعنا فوزي الديماسي، وأثراها، وجعلها متنوعة ومتينة. واتخذ التناص كشكل من أشكال الإيجاز اللغوي بأسلوبه البليغ، الذي يعتمد التكثيف وفي ذات الوقت، يعبر عن معاني عميقة، أي طريقة تعبيرية بليغة تعكس الإيحاء بالمعنى، والعمل على تمكينه في نفس المتلقي، كضرب من الوصف تخيّره مبدعنا للإفصاح عن أملاءات غائرة في نفسه؛ وليس بمفرده من سار في هذا النهج، بل نجد ثلة من المبدعين، قد جنحوا إلى هذا اللون من التعبير اللغوي في تلابيب قرآنية، سواء في نثرهم أو أشعارهم، باعتبارها صيغا مبالغة، تضفي على اللغة متنا وفصاحة في التعبير بأسلوب بليغ ..

الشعر كلون ساحر ينمق الأسلوب بالجمال

فالرواية منذ بدايتها حتى النهاية، صيغت بأسلوب شعري بكل ما تعنيه الصور الشعرية من معنى، حيث تلبست اللغة بعدة لبوس مجازية وإيحائية، وترميزية، تختبر الجانب التخييلي الترميزي في القارئ، عنى ذلك الشاعر عن قصد أو بغيره ..

وأحيانا تتدفق القصائد بكل مقوماتها الشعرية التي تضرب مهجة الحداثة حد الشهيق، بأسراب صورها، وصياغات أسلوبها، وانتقاء ألفاظها وإيقاعها، الذي يخلق نوعا من الدهشة لدى القارئ .. ولم يكتف أديبنا بأسلوبه الشعري، بل أحيانا ينمق روايته بقصائد شعرية، زادت من توهجها، وإشراقتها، وهذا يبين مدى تكسير الحاجز الشاهق بين السرد الروائي والصياغة الشعرية، رغم خصوصيات كل من الجنسين...

على سبيل الختم

أديبنا فوزي الديماسي، قلم ذو نبوغ لغوي، سيال في العديد من الأجناس الأدبية، له حنكة ومراس في تناول المواضيع الاجتماعية، ودراية في الصياغات الأدبية الممتعة بمهارة، لي شرف متابعته عن قرب ..

 

مالكة عسال

بتاريخ 15/01/2019

 

محمد صالح الجبوريصدر عن دار المتن (بوح الدخان) حكايات من مدينتي الجزء الثاني للكاتبة ميادة الحسيني، رقم الإيداع 2037 لعام 2019م، قام بتصميم غلاف الكتاب الفنان السوري (ديلاور عمر)، الكتاب يحتوي على (36) حكاية، من حكايات مدينة الموصل التي تعرضت إلى الدمار والخراب والحصار والقتل والتهجير، والرعب، من قبل عصابات داعش، ظروف قاسية مرت بها المدينة، الوضع مؤلم، محبة المدينة و تاريخها دفعت الكاتبة لكتابة حكايتها الواقعية من أرض الحدث، كتب المقدمة الناقد سعد الساعدي، تحدث عن إسلوب الكاتبة والواقعية والسرد الجميل، الكتاب يحتوي على قصص وهي (إحتضار، جسر الأمل، بوح أرض رافدين، بقايا رماد، واحد من أبناء الوطن، لمصر في مدينتي حكاية، خلود حزن، قائد وطفلة، دقائق معدودة، وأخيراً وصلت عبير، صولجان الأميرة أحلام طفلة، العيون اوصدت، صوت من بعيد، حلم الحرية، رضا، حين غادرت الرياح، سحر دجلة، قطعة الحلوى، مالك والعلم، رحلة يمامة، حداد الفراشات، مكتبة وشيخ كبير، لص عاشق، معلم وطفل، الأسد، أمي إليك أكتب، عروس العبارة  سوار في النهر رانيا، تيم، محمد والعبارة، أيها النهر ما بالك تؤلمني، و للكاتبة اهداء، ومقالة للأستاذ الدكتور ابراهيم العلاف، وكذلك رؤية للإعلامي هشام الكيلاني، الكاتبة وثقت تاريخ المدينة لفترة من الزمن من خلال قصصها الواقعية، بإسلوب وسرد جميل، ولا أريد الإطالة في الشرح، اترك القاريء هو الذي يعطي رأية، وانا مجرد عرضت الحكايات للاطلاع عليها.. الجهود التي بذلتها القاصة ميادة الحسيني جهوداً كبيرة، اتمنى لها النجاح والموفقية.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

 

ضياء نافعيقولون انه النصب الوحيد في العالم لمذيع في الاذاعة، وبالنسبة لي شخصيا وحسب معلوماتي المتواضعة، فانا لا اعرف فعلا اي شئ مماثل لهذا الذي شاهدته اليوم في احدى ساحات مدينة فلاديمر الروسية، مسقط رأس المذيع السوفيتي الشهير ليفيتان، وهي المدينة التي تبعد في حدود 200 كيلومترا عن العاصمة الروسية موسكو، والتي كانت في غابر الازمان واحدة من مراكز روسيا القديمة.

 ولد المذيع يوري بوريسوفيتش ليفيتان في مدينة فلاديمر العام 1914، واصبح المذيع الاول في الاتحاد السوفيتي، وهو الذي أذاع يوم التاسع من مايس / مايو العام 1945 بيان الدولة السوفيتية عن استسلام المانيا الهتلرية وانتهاء الحرب واعلان النصر، وهناك احصائية طريفة تشير، الى ان المذيع ليفيتان قرأ اكثر من (2000) نشرة أخبار عن مسيرة واحداث تلك الحرب، والتي يسميها الروس – (الحرب الوطنية العظمى)، وهكذا ارتبط اسم ليفيتان بيوم النصر في تاريخ روسيا . لقد سمعنا عندما كنّا طلبة في الاتحاد السوفيتي في ستينات القرن العشرين، ان الالمان قرروا ان يعدموه بعد ستالين رأسا، ولكن المصادر الروسية الرسمية الحديثة اعتبرت هذا القول مجرد اشاعة تداولها الناس - ليس الا- انطلاقا من شهرته وسعة شعبيته بين المستمعين آنذاك، وأشارت تلك المصادر الى ان هناك وثيقة ألمانية تعلن مكافأة قدرها(250)الف مارك الماني لمن يقبض عليه او لمن يقتله، وهو مبلغ ضخم وكبير جدا بالنسبة لتلك الايام، ولهذا فقد كان ليفيتان محاطا دائما برجال الحماية ايام تلك الحرب، وكان مكانه سريّا . وللعلم، نود ان نضيف هنا، ان ليفيتان هو الذي أذاع خبر انطلاق اول انسان سوفيتي الى الفضاء يوم الثاني عشر من نيسان / ابريل العام 1961، عندما طار غاغارين الى الفضاء وعاد سالما، وهو حدث تاريخي عالمي طبعا، لهذا يطلقون على ليفيتان الان تسمية – (صوت التاريخ وصوت النصر).

امتدت حياة ليفيتان من العام 1914 الى العام 1983، وقد اتخذت ادارة مدينة فلاديمر (مسقط رأسه) توصية بشأن ضرورة الاحتفال بالذكرى المئوية لولادته العام 2014 وذلك باعتباره الابن البار للمدينة التي تفخر باسمه، وقررت تلك الادارة اقامة نصب خاص به في مدينة فلاديمر تخليدا له، وهكذا تم اعلان المسابقة بين النحاتين الروس، وشارك في المسابقة (36) نحّاتا روسيّا من كل انحاء روسيا، وفاز بها النّحات الذي قدّم فكرة لاقامة نصب يتميز بالابتكار(وبكل ما تعني كلمة الابتكار فعلا)، اذ ان النصب ركّز على الصوت وكيف كان الناس ينتظرونه ويصغون اليه عن طريق المذياع بكل لهفة وتعاطف، اي ان النّحات جسّد مهنة المذيع وطبيعتها، ولم يجسّد شكل المذيع او جسمه كما جرت العادة في التماثيل والنصب الاخرى، وهكذا تم تنفيذ تلك الفكرة، وتم تدشين النصب العام 2015 (في يوم الراديو الذي يصادف 7/5، وعندما كانت روسيا تحتفل بالذكرى السبعين للنصر). وضع النصب في ساحة وسط مدينة فلاديمر اطلق عليها اسم ساحة ليفيتان. نرى هناك شخصيتين في ذلك النصب هما الجد وحفيده، ينظران ويستمعان بكل انتباه الى ميكروفون معلّق امامهما على عمود به مصباح لاضاءة الشارع، وعلى هذا العمود توجد لوحة حديدية صغيرة، فيها صورة للمذيع ليفيتان مع الاشارة الى سنين حياته . لقد اراد الفنان ان يقول، ان الجد العجوز (وهو يتوكأ على عصا بيده) مع حفيده الصبي كانا يستمعان الى بيان النصر، اما الابن (والد الصبي) فقد كان يحارب آنذاك في جبهات القتال .

الساحة التي يقف فيها النصب معبّدة بالحجر بشكل جميل وانيق، وتحيطها الاشجار الباسقة، وفي اطراف الساحة توجد المصاطب المنسقة الجميلة . لقد جلست انا على احدى هذه المصاطب، وتأملت النصب الطريف هذا بدقة، واكتشفت ان الجد وحفيده يرتدون ملابس بسيطة سوفيتية الصنع ومن طراز ذلك الزمان بالذات، وشاهدت اسراب الحمام تتطاير حول النصب وتتمشى حوله بسلام ووئام، وجاءت امرأة مسنّة، وأخذت ترمي الحبوب لتلك الطيور، وكانت الطيور تتزاحم على هذه المرأة كي تحظى بالطعام ... وكان هناك اناس بمختلف الاعمار يسيرون – ذهابا وايابا - حولنا بهدوء دون ان ينظروا الى النصب او الى تزاحم الطيور حول تلك المرأة....

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

ناهز صمتي ما يتجادل به عشرة شعراء في امرأة نست رائحتها عند اول عاشق

لم أكمل هيأتي لكثر ما تكدس في المرايا من ايامي المصابة بالتشابه والانتظار والمقاهي التي يعجبك دخانها الخالي من النساء والأمراض التي تتوعدك خيرا ً!

لعل في القصيدة متسع من الهواء المتفق عليه كي اصرّح جيدا ان ام كلثوم كانت خاطئة جدا وهي تربي الحب كمنتج لا يهرم فلم نصرّ على سؤالها حية وميتة ولنسئلن الذين تماثلت قلوبهم للصباح. أليس الحب تعديل في الفطرة المدهونة بكلام الورد؟ تعديل في فطرة الذين لم يكتشفوا في المرآة وجوههم أليس هو جرأة منظمة على قطع الحوار بيني وبين هؤلاء الجالسين في القران يأكلون ويشربون يلقون عليّ التحية والمحبة والوصايا كلما تبلج صبح وفي البلاء إذا تجلى. أليس أنا من تحرّش بهذه الجرأة المطرودة من لساني حتى ناولته السر أنثى إثر أنثى وحرب تلو حرب فلما مددت يدي الى جيبي أخرجت تاريخا من السوء والخيبات طششتها في جمع من أشباهي. قلت لا تقربوها ولكن انظروا اليها فالنظر اليها يذكر بالحياة والحمد لي بان اسماءكم لم تغادر أعشاشها ولم يفصل بينكم وبينها الرصاص المتاخم لهوائنا المخضب بغبار المفاجآت والشعر

لم اعد ادراجي حينما قرروا ان الحروب ضرورة معرفية فـــــــــــي نص الوجود

وان الحياة بوصفها مغامرة لا بوصفها حمامة هي خيول تجر التأويل ولا تفلح الى أطفال يصاهرون بين الرصاصة والعصفورة ويتسللون الى رؤيا الملك ليخطفوا سبع سنبلات وأخر يمتن منهن حسدا وينهض الملك في صباح خائن فيقول ان رؤياي محرّفة ولا يندهش وماهي بمحرفة ولكن الملك لــم يكمل هيأته ولا يثق بالفقه العابر للأجناس ولا الديمقراطية التي نست عورتها عند بوابة التاريخ

الثورات ممتلكات غادرها الأنبياء ... هم لم يتركوا ارثا غير أسمائهم والتواصي بهذه الثورات.. قالوا هذه أمانات فردّوها الى أهلها وتوقعونا في الحوادث المعبرة.. ولتعلموا ان الوصايا ليست بيوضا حتى تفقس الثوار عنها ان الوصايا هي انقضاض التجربة على أخطأها فتوضأوا بأسمائنا وتوكلوا على التجارب ستنطق اكفكم بالأوطان.. فاذا ازدادت الارحام بمثل ذلك فقد حضرنا

ليست الثورات اكتشافا في النوايا ولا عبورا الى الاشكال الكاملة وليست من منتجات الصبر كما توهم العالقون بصدأ التواريخ ...انها عين لا نريد ان نبصر بها أو أنها قابلية التاريخ للانتباه من النوم ..... قابلية التاريخ على تحمل العطش وهو يقرأ بصوت عال ... قابليتي على عشق الهاء في (انا انزلناه) الهاء التي حسمت عين ابن عربي بالعمى واشرق بها رجال لا تلهيهم سياسة ولا بحث خارج

التواريخ تؤكد شهيتها وتنسى جملها الفعلية، وهكذا تداولوا النخلة وتركوا مريم تربي وليدها في اشباه الأسئلة. تداولوا القميص وتركوا يوسف في أحسن القصص يحرس رؤيا الملك من التسوس يحرس ذكريات البئر من نسيان اخوته

لذلك لم أكمل هيأتي وركنت الى نيتشه وهيجل وماركس والذين من بعدهم شيئا قليلا ولم اعد ادراجي كان الطريق طويلا وانا على عجلة من فهمي وكنت خائفا من الله جدا وكنت من الأفعال الناقصة وكنت من الأعياد التي نست ميعادها وكنت آتي البيوت من ظهورها وكنت اسمي سنابلي في اليقظة وانساها في الرؤيا وسقط الوقت من يدي فاستحالت الازهار اقفالا وكنت أرى في وجوه الفقراء فلسفة متروكة

في رغوة الضلالة فنسيت اسمي ومكثت أضمد نسياني زهاء مطر مصّر على دلالته فلما سكت المطر ترددت على الذاكرين اسمي كثيرا فقالوا ما اسمك نكاية بي قلت انا سبيل منقطع ويتهيأ لي أني وردة في طور الاستعارة وأحيانا دمعة عاشق توارت في وحل العمر ...قالو بل انت فكرة وصياد تربّى على صور الفرائس ... وقت أتلفه النعاس.. قلت هاتوا برهانكم- هاتوا قمصانكم كي اختبر بصيرتي - قالوا كل تفاحة هي حبلى بالندم وكل امرأة عاقر لا رائحة لها فلا تحل لك الاناث حتى تتذكر ندمك

ثم ان التفاحة التي تدلت على قلبي كان نصفها خطأً ونصفها صوابا، فالذين عبروا أسمائهم وتوارثوا قلوبهم وتواصوا بالنصف الثمين كانوا انبياء، ذهبوا قمرا إثر قمر يصححون يسار التفاحة، والذين تلقفوا الخطأ واختلفوا في تأويله كانوا شعراء، لعب المجاز في انسابهم ولا زالوا يشبهون صوابها، حتى شبت الأوثان في ملامحهم، ووقفت فيهم اشتهي نصفا وأتمنى الاخر. شاخت اصابعي وهي تؤدي الأمانات الى غير صباحاتها واركض في الثورات اجدد وجوه الأنبياء في المرايا التي تطايرت تطاير الرؤوس

ناهز كلامي ما تفعل رائحة امرأة في عشرة شعراء أتلفوا العمر في حيازتها

 

حيدر الاديب

العراق