abduljabar alrifai2ولدت ونشأت وترعرعت في قرية جنوب العراق فقيرة بكل شئ، تفتقر إلى الوثائق والنصوص المكتوبة، ذلك أن أهل الريف ثقافتهم شفاهية، يندر أن تعثر على مدونة في حياتهم. لا أتذكر في بيتنا أوراقاً أو كتباً أو صحفاً، ما عدا كراسات قليلة ذات أوراق صفراء تتحدث عن حكايات شعبية، بعضها مستل من "ألف ليلة وليلة" لا يتجاوز عدد صفحاته 32 صفحة، كان أخي الكبير شريف القحطاني يشتريها من كربلاء أو النجف حين يذهب لزيارة المراقد المقدسة.

الولع بالطوابع وصور المشاهير

في المرحلة المتوسطة التحقت بمتوسطة قلعة سكر، وبدأت أتعرف على المراسلات البريدية وطوابع البريد، وبعض الكتب في هذه المدينة. حرصت على نزع الطوابع البريدية من أغلفة الرسائل التي تصلني من أخي الذي كان يعمل في الكويت، وما أعثر عليه من طوابع رسائل ممزقة ومهملة أغلفتها في مكب النفايات.

طابع البريد هو أول رصيد بدأ يتراكم لأرشيفي البدائي البسيط، كان طابع البريد نافذة ضوء تمدني صورها بشيء من معرفة مناسبات وأعلام ورموز بلدي، بل كان نافذة اكتشاف لبعض البلدان التي لم أكن من قبل أعرف حتى اسمها. وبمرور الأيام تملكتني رغبة الاحتفاظ بما يصلني من رسائل، وبعض صور المفكرين والفلاسفة المنشورة في الصحافة. أتذكر في ذلك الوقت أني قمت بإلصاق صور فلاسفة ومفكرين غربيين، اقتطعتها بمرور الأيام من صحف قديمة، على "كارتونة" أصبحت لوحة، وعلقتها في غرفة الطين بمنزلنا الريفي، طالما أثارت هذه اللوحة فضول الفلاحين في القرية الذين يزوروننا، فيتساءلون بدهشة واستغراب: من هؤلاء؟! خاصة وأن صوراً لأمثال هيغل وماركس وكانط وشوبنهاور ونيتشه وغيرهم من الفلاسفة لم تكن ملامحهم مألوفة في مجتمع صغير مغلق كقريتنا، مجتمع شفاهي صِلاته مع ما حوله هامشية ومحدودة جداً، لا يرى من الألوان سوى ألوان السماء والمحاصيل الزاعية والحيوانات. كانت تثير الفلاحين نظرات أعين الفلاسفة الحادة، شعورهم الطويلة، وجوههم الصارمة، لا توحي وجوههم بهدوء وابتسامة واسترخاء ودَعَة وراحة ودفء. أضطر أحياناً الى التحدث للفلاحين عن أن هؤلاء رجال كبار، وأحاول أن أقارن بينهم وما يختبئ في ذاكرتهم من رجال مقدسين وفرسان وزعماء تاريخيين، نسج لهم متخيلهم الجماعي صوراً شديدة الإثارة، عابرة للزمان والمكان. رسمها ذلك المتخيل الذي أضحى منبعاً يصوغ رؤيتهم لله والمقدس والانسان والعالم، ويحدد مفهومهم للحقيقة، وكيفية ادراكها.

 كانوا يعربون عن دهشتهم من هذه اللوحة النابتة في غرفة طينٍ، غريب كل شيء فيها على ما تتحدث به صورها، إذ لا ديكور أو أثاث أو ترتيب متسق فيها. إنها صور لا معنى تبوح به اليهم، إلا ما يحيل إلى متخيلهم الميثيولوجي للمقدس، المفارق للصور الدنيوية الحسية. أكثر من مرة ازدرى بعضُهم أصحابَ هذه الصور، فوصفوهم بالجنون أو الهبل، وأسمعوني عبثية هذه اللوحة الغرائبية التي صنعتها لمخلوقات تثير الاشمئزاز والقرف، بوصفها لا تشبه مفهومهم للكائن البشري. مفهوم البشر في قريتي هو الفلاح والراعي ابن الأرض، المألوف والمعروف، وكل إنسان غيره من الصعب منحه صفة الآدمية لدى هؤلاء الناس الذين لا يعرفون إلا أساطير عن الأجناس البشرية خارج محيطهم. 

السأم السريع من تدوين اليوميات

في مرحلة دراستي الثانوية في مدينة الشطرة جنوب العراق بدأتُ بتدوين يوميات في صفحات مفكرة صغيرة جداً، أكتب كل يوم مساء عدة جمل، تشير الى أهم الحوادث والمواقف الشخصية في ذلك اليوم. وهي عدوى استبدت بي من بعض زملائي في الإعدادية التي درست فيها. إذ كان التلامذة من جيلي يغرمون بهوايات متنوعة، منها كتابة الشعر الشعبي العراقي في دفاتر صغيرة، والحرص على استظهاره وإنشاده وغنائه عند سهراتهم ليالي العطل في السكن الطلابي، ومنها الشغف بصور المطربات ونجوم الفن، التي يتصيدونها من مجلات الفن اللبنانية والمصرية. وجدت نفسي خارج غواياتهم وهواياتهم، ما خلا تدوين يوميات قبيل النوم كل ليلة، وهي تسجيل رديء لحوادث شخصية رتيبة، لا تشي برؤيا لما تبوح به تلك المواقف والحوادث. لم تتواصل هذه العملية طويلاً، إذ سرعان ما شعرت بتفاهة ما أقوم به وعدم أهميته، لذلك أعرضت عن ذلك، وأهملت تلك اليوميات. ربما لو استمرت كتابتي لليوميات مدة طويلة لتطورت عموديا وأفقياً عبر انفتاحها بمرور الزمن على فضاء بديل، يمنحها طاقة تجدد حيويتها وتكرس ديمومتها. حتى اليوم أعجر عن أن تصير الكتابة مهنتي اليومية. 

اكتشفت لاحقاً أن مزاجي الشخصي لا يطيق الرتابة وسرعان ما يسقط في السأم والضجر. لحظةُ يكرر اليومُ صورةَ الغد، وينسخها كما هي بكل تفاصيلها وألوانها، أشعرُ بكوابيس مُرّة. في التكرار يتوقف الزمن الشخصي الباطني، لذلك لا أطيقه. لعل ذلك هو سر أسفاري وهجراتي في عوالم المدن والبلدن والكتب والأفكار والأشخاص والأشياء. لا تغويني هوايات وموضات جيلي، وحتى لو هرولت بغية محاكاتهم سرعان ما أهرب، كي أسكن لما تسكن إليه روحي.

الصورة الأولى في الكاميرا الشمسية

أول صورة فوتوغرافية طلبتها مني المدرسة الابتدائية، كي يلصقوها على صفحتي في سجل تلامذة المدرسة، هي صورة شمسية التقطها مصور بكامرته الخشبية في مدينة الرفاعي. لا أتذكر صورة سبقتها. أدهشتني العبقرية الفذة لمخترع الكاميرا الشمسية، ففي زيارة لمعرض الفنان والمخترع ليونارد دافنشي "1452 -  1519" في مدينة فلورنسا الايطالية عام 2007، شاهدت نموذجاً خشبياً ابتكره للكاميرا التي كان يحلم بصناعتها، بموازاة ما أنجزه من اختراعاته الكثيرة، أو ما اقترح فكرته ورسم خارطة لصناعته تترقب من ينتجها في زمان لاحق. أدركت أن عقل الإنسان يمكنه أن ينجز الكثير من وعوده وأحلامه، وإن كانت تبدو للوهلة الأولى وكأنها مستحيلة.

 لاحظت أن الصورة تنطبع ابتداء بشكل مقلوب على رقاقة بلاستيكية، تسمى "جامة"، ربما لأنها شفافة كالزجاج الذي نسميه باللهجة العراقية "الجام". "الجامة" صورة لا تشي إلا بملامح باهته، كأنها ملامح موتى. ثم يقوم المصور بعد ذلك بغسلها بمحلول كيمياوي داخل صندوق أسود، وبعد أن تجف يصوّرها من جديد، لينتج عدة صور منها.

عثرت في صورتي على شبح يحاكي بعض تعبيرات وجهي، ابتهجت كثيراً حين شاهدت صورتي للمرة الأولى في حياتي، وكأني عثرت في صورتي على شيء من ذاتي، وكل ذات عاشقة بطبيعتها لذاتها. لا نمتلك في بيتنا "مرآة" نرى فيها وجوهنا صباحاً ومساءً، إلا مرآة صغيرة جداً يستعملها المرحوم أبي فقط عند حلاقة ذقنه، وبعد أن يفرغ من الحلاقة يحتفظ بها في صندوق صغير مع ماكنة الحلاقة. المرآة أول نافذة ضوء للكائن البشري يكتشف فيها صورة وجهه وبعض ثيمات جسده، وتبدد شيئاً من عتمة الطبقات المبهمة لعوالم الذات. 

كم أسعدني هذا المنجز البشري الذي منح الإنسان فرصة لرسم صورته بلا ريشة رسام وألوان، وكأن الكاميرا تحمل بشرى يشرق من نافذتها ضوء على دنيا الغد. أثارني شكل الكاميرا الشمسية وصندوقها المغطى بقماش كثيف أسود، وكيف يدخل المصور رأسه فيه لإنتاج الصورة عبر سلسلة عمليات بطيئة رتيبة.

كلما رأيت اختراعاً ومنجزاً جديداً للعلم أفرح، لبثت هذه الحالة معي إلى اليوم، وإن بتوتر أخف.كثيراً ما أشعر أن كل اختراع يزف بُشرى للعيش في غد أجمل، يهديها أولئك المخترعون الأفذاذ لكل كائن بشري، وإن كان ذلك الكائن لا يعرف قيمة منجز العلم، أو يناهضه كما هي الجماعات المتوحشة عدوة العلم والمعرفة والتكنولوجيا، غير انها لا تني تتوكأ عليها في إدارة وإنتاج فاشيتها الدموية.

مكاسب العلم عندي هي مرايا الغد التي تصوّر أحلام البشر وما يرتسم فيها على الدوام من انتصارات عقله على توحش الطبيعة، وتحطيم قسوتها، وقدرته على ترويضها، وظفره باستثمار ثرواتها، من أجل أن تصير حياته أسهل وأجمل. هكذا كان شعوري مع أول سيارة ركبتها، تنتمي صناعتها إلى خمسينيات القرن الماضي، هيكلها مصنوع من الخشب، ما خلا محركها الذي كان يعمل بالنفط الأبيض "الكيروسين"، ولا يدور إلا بـ"الهندر".

لا أتذكر التقاط صور أخرى لي بعد هذه الصورة، إلا بضع صور لمعاملات إصدار الجنسية ودفتر الخدمة العسكرية ووثيقة التخرج من الابتدائية، نهاية الستينيات من القرن الماضي.

 

عبد الجبار الرفاعي

 

 

amir hushamalsafarتمر علينا هذه الأيام ذكرى مرور 90 عاما على تأسيس كلية الطب بجامعة بغداد، تلك الكلية العريقة والتي أنشأت لبنتها الأولى عام 1927 كأستجابة لمتطلبات بناء الدولة العراقية والحفاظ على مستوى صحي جيد لأبناء المجتمع.. وأذا كان الفقر والمرض والجهل هو الثالوث الذي ينخر في جسم المجتمع فلابد للسلطات المسؤولة من أن تضع الخطط اللازمة للتخلص من تداعيات عوامل التقهقر هذه والتي ظلت تنخر في جسم الوطن لسنين طوال. وقد جاءت الفرصة لتأسيس أول كلية للطب في العراق من خلال تواجد الطبيب الألمعي البريطاني الأسكتلندي هاري جابمن سندرسن (والذي أطلق عليه لاحقا لقب سندرسن باشا) في العراق حيث كان أحد الأطباء العسكريين الذين ألتحقوا بالخدمة العسكرية في البحرية البريطانية المشاركة في عمليات الحرب العالمية الأولى (1914-1918).. فما كان من الدكتور سندرسن الاّ أن يحّل به المقام في ميناء البصرة العراقي، حيث عمل طبيبا بعد ذلك في مدن الجنوب العراقي، ومنها مدينة الحلة حيث تعلّم هناك اللغة العربية، وصار مهتما بالحالات الطبية الألتهابية الخاصة والتي كان العراق موطنا لها، ومنها مثلا مرض الأنكلستوما والديدان المعوية.. وقد أدرك الطبيب هاري سندرسن وهو الذي تخرج من جامعة أدنبرة الأسكتلندية أن الحل الأمثل لتحسين الحال الصحي في العراق هو العمل على تأهيل الكفاءة الطبية العراقية محليا وعدم الأقتصارعلى أطباء أجانب أو عدد محدود من أطباء عراقيين متخرجين من أسطنبول التركية. وهكذا تمكن الرجل من أقناع الساسة العراقيين وقتذاك ومن أستحصال موافقة الملك فيصل الأول على ضرورة تأسيس كلية للطب في بغداد، يكون لها ضوابط للقبول صارمة، كما هو نظامها الدراسي ونظام أمتحاناتها. وقد تأثر الدكتور سندرسن بنظام الدراسة الطبية في جامعته التي درس فيها وهي جامعة ادنبرة، فأقتبس برنامجها الدراسي المتميز وطبق العديد من تفاصيله على الدراسة الطبية في كلية طب بغداد. ولم يكن قرار تأسيس كلية الطب سهلا بالنسبة للسياسي العراقي وقتذاك، فكلفة المشروع لم تكن قليلة، كما ان المؤهلين للتدريس في مثل هذه الكلية لم يكونوا ضمن المتاح. وتقول وقائع تاريخ الكلية أن الدكتور حنا خياط (والذي أصبح عميدا للكلية الطبية بعد ذلك في عام 1934) قد علم عام 1926 بأن قرارا ملكيا قد اتخذ بتأسيس الكلية فأتصل بالدكتور سندرسن ليبلغه بقرار تعيينه أول عميد لمجلس هذه الكلية الناشئة. وقد أختيرت للكلية قطعة أرض قريبة للمستشفى الملكي في بغداد مما كان تابعا لمديرية الأوقاف العامة، حيث تم التخطيط للبناء والتنفيذ. وفي بداية الأمر أستعملت الكلية الردهتين العاشرة والحادية عشرة من المستشفى الملكي المشار أليه ليكون ذلك المكان المؤقت للكلية، حيث تم قبول ما يقرب من عشرين طالبا فيها حينذاك ليبدأ الدوام الرسمي في كلية طب بغداد في الثاني من شهر تشرين ثاني (نوفمبر) عام 1927. ومما يذكر أن جزءا من البناية الحالية للكلية أنما هو نفسه ما تم أنجازه عام 1930، حيث أكتمل بناء الكلية الطبية بأقسامها وفروعها وقاعات محاضراتها ومختبراتها وغرف أساتذتها ومجلسها.. وقد تم أفتتاح الكلية ببنايتها الجديدة عام 1930 برعاية ملكية من قبل ملك العراق حينها فيصل الأول وبحضور رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون وعدد من وزراء العراق في ذاك الزمن مع المندوب البريطاني الذي وصل بمعية الدكتور سندرسن أول عميد لكلية الطب.

وقد سعت العمادة وقتها لأختيار الهيئة التدريسية في الكلية، فكان ذلك من الأطباء العراقيين أصحاب المهارة والكفاءة في الطب وعلومه، أضافة الى عدد من الأطباء الأساتذة البريطانيين وخاصة من ادنبرة عاصمة أسكتلندا. ومن المعروف أن المسوؤلين في النظام التعليمي الطبي في أسكتلندا أنما كانوا يشجعون على أنشاء الكليات الطبية والمراكز الصحية في دول العالم النامية، فهناك بعض الأمثلة على ذلك مما سمعنا عنه من جهود في هذا المجال في بعض الدول الأفريقية.

وبخصوص الكتب واللوازم الدراسية في كلية طب بغداد فقد تم أستيرادها من الخارج حينها، كما تم وضع أسس القبول وأسس التعليمات الأمتحانية والترقيات العلمية. وقد أعتمد الدكتور سندرسن باشا على نفسه في التدريس أيضا فكان له أن يدرّس مادة علم وظائف الأعضاء (الفيزيولوجي)  لطلاب المرحلة الثانية في الكلية. ولم يقتصر الرجل على تدريس مادة علم وظائف الأعضاء وهي من مواد العلوم الأساسية في التعليم الطبي، ولكنه درّس أيضا الطب الباطني فكان أستاذ طب الباطنية في الكلية ورئيسا للوحدة الباطنية الأولى في المستشفى الملكي وحتى عام 1946 حيث غادر العراق.

لقد خرّجت كلية الطب بجامعة بغداد آلافا من الأطباء العراقيين والعرب والذين سعوا وما زالوا لتقديم الأفضل من خدمات الطب والصحة للمجتمع والأنسانية. كما أن في العراق اليوم العديد من كليات الطب والتي توزعت على محافظات الوطن والتي أقتبست جميعها خير الدروس من مسيرة الكلية الأم، كلية الطب بجامعة بغداد.

 

 

ali almirhigكان قد نشر صديقي الدكتور فيصل غازي مجهول مقالاً في صحيفة المثقف عن أديب إسحاق بعنوان "أديب إسحاق والتسامح"، وقد وجدت في مقاله مناسبة للكتابة عن هذا المفكر الذي عشقت السماء روحه المتسامحة فقطفت سني عمره قبل أوانها، فقد مات وهو إبن التاسعة والعشرين من العمر.

ولد في عام 1856 وتوفي في عام 1884، كان من هواة الشعر والأدب العربي، فقد كتب الشعر وهو في إبن السنة العاشرة، وهو في مقتبل العمر قد أتقن اللغة التركية وترجم منها قصيدة للشاعر كمال باشا في مقتل السلطان عبد الحميد. تنقل بين بيروت ومصر وباريس، وأتقن اللغة الفرنسية وترجم منها مسرحية "أندروماك" للشاعر الفرنسي راسين.

تعرف على الأفغاني في مصر وأرجح الروايات أن من عرّفه على الأفغاني هو المفكر "شبلي شميل"، والجميل الرائع والرائع الجميل في مسألة تعرفه على الأفغاني هو تلاقيهما وإنسجامهما مع بعضهما على الرغم من إختلافهما في الدين والمعتقد السياسي، لكنه كان مُنبهراً بشخصية الأفغاني حتى كان مُلاصقاً له قريباً منه في أغلب جلساته وحواراته في مصر، وقد شجعه الأفغاني على إصدار صحيفة، وقد ساعده في الحصول على إستصدار الإمتياز لها، ففرح (أديب) بهذا وقد بذل كل ما يمتلك من مال بسيط وبمساعدة الأهل والأصدقاء ليُصدر جريدة "مصر" الأسبوعية عام 1877 في مدينة القاهرة.

بعدها أصدر أديب صحيفة "التجارة" اليومية بالإشتراك مع صديقه "سليم نقاش".

كان تأثيرات الأفغاني في الجريدتين بّينة وواضحة، لا سيما في نقدهما للإستبداد ودفاعهما عن الشورى، قد بان ذلك في إنتماء أديب للحزب الوطني الذي أسسه الأفغاني.

كان أديب إسحاق أميل للإصلاح منه للثورة، لما يُرافق ـ كثيراً ـ الثورات من عُنف على الرغم من تأثره بمقولات الثورة الفرنسية في الحرية والإخاء والمساواة، لذلك نجده راغباً في الإنتماء للماسونية التي نادت بهذه المبادئ قبل أن يُعرف أصولها ومنابعها التي أكدت أصولها اليهودية، لكنه أُعجب بدعواها بالمساواة بين الناس ليس على أساس الدين أو العرق، وإنما الناس متساوون في الإنسانية وفي المواطنة، فما أعجبه، إذن في الماسونية هو إظهار أصحابها نبالة القصد في تبني المدنية كما إدَعوا.

إوقفت صحيفتي "مصر" و "التجارة" في زمن حكم توفيق باشا، حينما ألغى الحياة الدستورية وفي قرار إبعاده للأفغاني عام 1879. حينذاك سافر أديب إلى فرنسا، ليُعيد إصدار صحيفة مصر، ومن ثم صحيفة مصر "القاهرة" فيالعام ذاته 1979، ليجعل أهداف صحيفتيه هي "حرية، إخاء، مساواة"

لم يكن من المُتفاعلين مع ثورة عرابي، كونه كان مُقرباً من الخديوي توفيق، إلَأ أنه لم يُعلن رفضه أو موافقته صراحة لأنه كان يخشى من نتائج ما تحمله الثورات من قتل وتدمير للإنسان والعمران، لكن عُرابي قد قال عنه "كان أديب إسحاق من مُرتزقة الأُدباء". أما الشيخ محمد عبده فقد صرَح أن الجريدة التي أنشأها أديب في باريس كان "ُنفق عليها الخديوي الأسبق إسماعيل باشا..."

الغريب في نهجه الفكري والسياسي أنه كان مؤيداً للدولة العلية العثمانية، وهذ أمر إختلف فيه مع أغلب القوميين العروبيين المسيحيين، فقد كان يرى أن "الوحدة العثمانية واجبة لأنه لا بد للأمة المختلفة الأصول من وحدة تجتمع الكلمة عليها" ورغم أن أغلب العرب والمسيحيين على وجه الخصوص كانوا يرومون الخلاص من سلطة الدولة العثمانية التي وصفها الغرب بـ "الرجل المريض" إلَأ أنه لم يكن على ثقة كبيرة بالغرب الكولنيالي وبما يضمره من نزعة الشر التي يحملها أو التي كشف عنها في إحتلال فرنسا للجزائر أو في إحتلال بريطانيا لمصر، وكان يتمنى على الدولة العثمانية أن تسير في طريق الإصلاح والسعي الجاد لإصلاح الدولة وفق ضوابط الحكم الدستوري الذي يؤمن بفصل السلطات، وقناعة السلطة بضروة الإيمان بأن تطبيق "المشروطة" أي "الدستور" صار أرمراً مُلزماً للدول التي ترتجي التنظيمات الإدراية، لذلك كان كثير الغعجاب بمدحت باشا رجل الغصلاح في الدولة العلية التي تشهد له نُخب البلدان العربية وتنظيماته الإدارية والعمرانية في البلدان العربية التي حكم فيها بأنه رجل دولة من طراز مميز، لأنه تأثر بالتجربة الأوربية والغربية لا لأنه يُريد إعادة تبيئتها في تربة لا تصلح لها، إنما هو مؤمن بأن التواصل مع الأمم المُتقدمة المخالفة لنا في المُعتقد، إنما هو مما يبني العقول ويطور المناهج الرؤية في النظر والعمل، فما كان يُميَز مدحت باشل أنه كان على إطلاع بالنهضة الأوربية وكان مُدَركاً لأسباب تقدمهم "الغرب" لأنهم أدركوا معنى الحرية والعمران وقيمة المساواة بين أبناء المجتمع وإن إختلفوا في المُعتقد الديني أو السياسي أو الفكري، بل وحتى العرقي "القومي"، ولا سبيل للنجاج كما يرى أديب إسحاق متأثراً بمقولات فلاسفة الثورة الفرنسية و بإنجازات مدحت باشا سوى القبول بالحياة الدستورية، التي يُمكن لنا الوعي بقيمتها عن طريق تحديث طُرق التعليم، وإعطائه الأهمية القصوى في مشاريع بناء النفس قبل مشاريع بناء العُمران. ولا بناء للنفس إن لم نتخلص من خشونة البداوة وغِلضتها، لتحل المدنية والعلم بديلاً عنهما، وهذا الأمر لا يتأتى إلَا بتحقيق أسبابه من العلم وتهذيب الأخلاق اللذان لا يحصلا إلَا بإنشاء "المدارس الحُرَة الصحيحة المشارب، السليمة المقاصد، يتولاها الذين سلمت أنفسهم من شوائب التعصب...أما تهذيب الأخلاق فوسيلته الجرائد الحُرَة الصادقة...فهي كالمرآة يرى فيها الناظر وجهه، فإن رأى فيه لوثة أزالها بماء الاجتهاد...".

كان من إهتمامات إسحاق أديب تخليص الأديان من الخُرافة والشعوذة، لأنها أحد أسباب تخلف مجتمعنا الشرقي، فـ "لا قوة إلَا بالعلم ولا نجاح إلَا بالإصلاح". ولا إصلاح إلَا بترك اقناعة بالماضي بأنه الطريق الأصح لأن في الحاضر طُرق للإصلاح أجد و أنفع.

لذلك يدعو أديب إلى عدم جعل الدين طريقاً للوحدة، فقد إختلف فيه أبناء الشرق والغرب، "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة"، ولكنه يُهدي من يشاء، ويُضل من يشاء، ذلك تقدير العزيز العليم". وبناءً على ذلك "فالمساواة والحرية هما الدععامتان الطبيعيتان لكل اجتماع إنساني، فهما بذلك المبدأ الضروري الأصلي لكل قانون، ولكل حكومة نظامية"، وهما أصلا الإصلاح في كل أمة تروم إنتظاما، فالإصلاح لأمة فسد حُكامها يكون كالغذاء لأمة جائعة، وكالماء للظمآن، وكاللباس للعريان.

مباني الإصلاح عند أديب إسحاق أربع هي:

ـ السياسة: التي تقتضي المساواة والعدل والإنصاف بين فئات المجتمع على إختلاف متبنياتهم السياسية وجذورهم الدينية وأصولهم العرقية أو القومية.

ـ المالية والاقتصادية: التي تقتضي توزيع الثروات وتقنين الموارد وفق إمكانات الدولة "الصادرات والواردات" التي لا تلتزم بها فقط في الربح المتأتي من "الريع"، بقدر ما هو متأت من قدرة الدولة والحكومة على الإستثمار: إستثمار طاقات البشر والأرض.

ـ القضـاء: الذي نحتاج فيه أولاً للنظر في مقدار إتساق القوانين مع الواقع ومع مقتضيلت التحول والتبدل في الحياة المعاصرة، ككا ينبغي فيه أن يكون مُستقلاً إستقلالا كالملا عن السلطة التنفيذية وإبتعاده عن التأثر بتحولات السياسة، ليستطيع النظر والتحقق بإستقلالية في القضايا المطروحة في محاكمه، وهذا الأمر لا يتحقق إلَا بوجود قُضة أكفاء، وهذا أمر نادر الحصول في مجتمعاتنا الشرقية.

ـ الإصلاح المدني: الذي تفرضه إرادة الشعب ومؤسساته النقابية والمدنية، وهذا أمر لا يتحقق إلَا بدعم السلطة السياسية لهذه المؤسسات وإثبات حرصها ومصداقيتها في الإصلاح السياسي والاجتماعي الذي نجد له حضوراً وفاعلية في إظهار السلطة السياسية جديتها في محاربة الفساد والفُسَاد.

 

د. علي المرهج - أستاذ فلسفة - جامعة المستنصرية

 

 

ghanem alanazمقدمة: في خضم الاحداث المتلاحقة التي مرت بمدينة كركوك خلال الاسابيع القليلة الماضية من اجراء الاستفتاء في اقليم كردستان في 25 ايلول الماضي الذي شمل المدينة والاحداث الجسام التي تلته في الايام القليلة الماضية من شهر تشرين الاول الحالي الذي استطاعت القوات المسلحة العراقية فيها من استرداد مدينة كركوك والسيطرة علي حقول النفط القريبة منها ، فقد مرت بهدوء ذكرى عزيزة على ابناء اشعب العراقي بصورة عامة وعلى العاملين ومن عملوا في صناعة النفط العملاقة بصورة خاصة، دون ان نسمع عنها الا وهي اكتشاف النفط في العراق.

نقول في خضم هذه الاحداث الجسام مرت الذكرى التسعون لاكتشاف النفط في العراق في حقل كركوك في 14 تشرين الاول/اكتوبر من عام 1927 الذي لعب ولا زال يلعب دورا مهما في تاريخ العراق السياسي والاقتصادي والحضاري.

لقد  كان النفط نعمة من الله عظيمة بنت العراق الحديث عندما وضعت وارداته في ايد عراقية وطنية امينة كما اصبح بعد ذلك نقمة بيد ساسة جهلة وفاسدين نهبوا وارداته العظيمة واتوا بالغزاة الطامعين فيه ليعم الخراب والدمار الذي نشاهده في هذه الايام في جميع انحاء العراق.

الاستعداد لحفر الآبار

 لقد كانت شركة النفط التركية (شركة نفط العراق لاحقا) خلال الاشهر الطويلة من المفاوضات في العشرينيات من القرن الماضي منهمكة في الاعمال الاستكشافية المكثفة لتحديد المواقع التي سيتم الحفر فيها بعد ان اقامت قاعدة عمل لها في منطقة سليمان بيك بالقرب من مدينة طوز خورماتو القريبة من كركوك. فقد تم خلال تاك الفترة استيراد ابراج الحفر والمعدات والمواد الكثيرة الاخرى اللازمة للمباشرة باعمال الحفر. كما تم استقدام الخبراء والمهندسين وغيرهم وتعيين الكتبة المهنيين والعمال المحليين وانشاء المكاتب والمخازن واماكن السكن والمطاعم وغيرها من الخدمات الضرورية لهم.

اكتشاف حقل نفط كركوك

فقد تمت المباشرة بحفر البئر الاولى في العراق في منطقة بلكانة في 24 نيسان 1927 بحضور الملك فيصل الاول ليتبع ذلك المباشرة بالحفر في اربعة مواقع اخرى قبل ان يباشر بحفر البئر السادسة في منطقة بابا كركر القريبة من النار الازلية بالقرب من مدينة كركوك في 30 حزيران 1927.

استمر الحفر في بئر كركوك خلال اشهر الصيف والخريف دون توقف ليصل الى عمق 1521 قدما عندما توقف الحفر لانزال بطانة للبئر بقطر 10.75 عقدة وضخ الاسمنت لتثبيها في مكانها. استؤنفت اعمال الحفر في منتصف ليلة 13/14 من شهر اتشرين الاول/اكتوبر فلم يمض الا وقت قصير على ذلك الا وبدأ النفط بالتدفق في الفضاء بضوضاء مخيفة الى ارتفاع 140 قدما ليغطي اعلى البرج كما موضح في الصورة ادناه.

وصف انفجار البئر

لقد وصف الجيولوجي المسؤول عن عملية الحفر وليامسون ما حدث بعد انفجار البئر المفاجئ والهائل كما يلي :

(جرى الحفار بسرعة الى موقع المراجل لاطفاء النار هناك وعند الصباح وجدنا السماء مغطاة بسحابة من الغاز والرذاذ وكان النفط يجري كالنهر في وادي النفط القريب. وفي الساعة الثانية من بعد الظهر وجدنا انبوب الحفر الطويل والثقيل جدا يندفع من البئر منقذفا الى الاعلى خلال برج الحفر بضوضاء رهيبة.

مرت ثلاثة ايام قبل ان يتم غلق الصمام الرئيسي للبئر لنجد الاراضي التي حولنا مشبعة بالنفط بعمق يصل الى عدة عقد وان النسيم الذي يهب حولنا كان مشبع برذاذ النفط كذلك. اخبرنا الرجال الذين قدموا الينا بان زجاجات سياراتهم بدأت تغطى برذاذ النفط على بعد عشرة اميال من موقع البئر. لقد قام احد المهملين باشعال ثقابة على بعد نصف ميل من البئر ادت الى نشوب حريق رهيب في المنطقة المجاورة تم اطفاءه بسرعة بتغطيته بالتراب ليتم بعد ذلك تشديد الحراسة باستمرار لتفادي نشوب اي حريق في المستقبل.

لقد تم عمل سدود ترابية في وادي النفط لحصر النفط الجاري فيه ومنعه من التقدم لمسافات بعيدة ولو حدثت امطار في تلك الفترة لجرفت مياهها آلاف الاطنان من ذلك النفط في طريقها الى نهر دجلة لينتج عن ذلك كارثة بيئية رهيبة. نعم لقد كنا محظوظين  جدا في تلك البئر)

اما النفط المتدفق ورذاذه المنتشر في الفضاء والضوضاء الرهيبة التي رافقته فقد احدثت قلقا وخوفا شديدين بين اهالي مدينة كركوك فقد قال احدهم :

(بالرغم من ان النفط لم يكن غريبا علينا فقد قمنا بجمعه من التسربات في المنطقة منذ آلاف السنين الا ان اندفاعه العنيف والضوضاء الرهيبة التي رافقت ذلك اضافة الى الغازات السامة المنتشرة في الهواء قد جعلت بعض الناس يعتقدون بان ذلك كان عقابا من رب العالمين لكثرة ذنوبهم.)  

لم يكن بالامكان غلق الصمام الرئيسي للبئر الا بعد مرور ثلاثة ايام من انفجارها اي في يوم 17 تشرين الاول لتتم بذلك السيطرة على تدفق النفط. لقد اثبت الفحوصات في الايام القليلة التي تلت ذلك بان النفط كان يتدفق بمعدل يقدر بحوالي 90,000 برميل باليوم ليغطى المنطقة الواسعة حول البئر بكاملها ويأخذ مجراه الى وادي النفط. هذا وقد تم غلق البئر بعد اكمال الفحوصات اللازمة في يوم 23 من ذلك الشهر بانتظار تطوير الحقل. لقد اثبتت تلك البئر بما لا يقبل الشك العثور على حقل عملاق متميز بكل معنى الكلمة.  

هذا ومن الجدير بالذكر ان تلك البئر تقع على مسافة قصيرة لا تزيد عن بضع مئات من الامتار عن موقع النار الازلية الشهيرة التي كان يتسرب اليها الغاز عبر العصور من ذلك الحقل والتي كانت تدور حولها التكهنات والخرافات حتى ذلك الوقت.

اما اخبار الاكتشاف فقد اعتبر حدثا كبيرا تصدر الصفحات الاولى من الصحف العالمية والمحلية فقد قامت جريدة التلغراف اليريطانية بنشر مقالة مطولة من مراسلها في بغداد عن ذلك في يوم الاثنين 18 تشرين الثاني 1927 اقتطفنا منها ما يلي :

(- لقد اكتشفت شركة النفط التركية النفط في العراق. ففي الساعة الثالثة من صباح يوم 14 تشرين الاول وبدون اي سابق انذار تدفق النفط في الهواء بمعدل قدر بحوالي 5,000 طن كل 24 ساعة.

 - لقد كانت هناك مؤشرات كثيرة تدل على وجود النفط في العراق فكان على الجيولوجيون الذين ارسلتهم شركة النفط التركية التحقق فيما اذا كان هناك كميات كبيرة منه تستوجب انشاء مصفى له او مد خط انابيب لتصديره الى البحر الابيض المتوسط. لقد اصبح مد خط الانابيب الآن ممكن التحقيق.

- ان هذا الاكتشاف ذو اهمية كبيرة للعراق من الناحية التجارية ويبشر بازدهار باهر للبلاد. فان العراق لن يحصل على اموال الريع فقط بل على فوائد كثيرة اخرى غير مباشرة. فقد نصت اتفاقية الامتياز على ان تكون هناك نسبة عالية من المستخدمين في اعمال الشركة من العراقيين مما سيخفف من حدة البطالة في البلاد.

 -  لقد كانت التمور تمثل المادة الرئيسية للصادرات العراقية غير ان هذه التجارة بالرغم من توقع استمرارها بالانتعاش عليها الان ان تقبل في احتلال المركز الثاني بعد النفط.) 

اما شركة النفط التركية فقد قامت على اثر اكتشاف حقل كركوك بايقاف عمليات الحفر في بعض المواقع الاخرى وتحويل بعض ابراج الحفر منها الى حقل كركوك للاسراع في عملية تقييمه وتطويره. كما انها قامت بالتخطيط لتطوير الحقل بانشاء الطرق ومحطات ضخ المياه وتوليد الطاقة الكهربائية وبناء المكاتب والدور السكنية وغيرها وشراء المعدات اللازمة لبناء محطات عزل الغاز ومجمع تركيز النفط ومحطات الضخ وخزانات النفط العملاقة ومد خطوط انابيب التصدير وغيرها من المنشآت الحيوية الاخرى.

تطوير وانتاج حقل كركوك

يتكون الحقل من ثلاث قبب باسم بابا وافانا وخرمالا حيث يقع مكمن النفط الرئيسي على عمق حوالي 700 متر تحت سطح الارض ويتراوح سمك الطبقة الصخرية الكلسية التي تحتوي على النفط من 100 متراً الى 350 متراً. كان انتاج النفط في العشرين سنة الاولى من عمر الحقل يستخرج بصورة تلقائية تحت ضغط المكمن نفسه الذي بدأ بالتناقص تدريجياً مما تطلب المحافظة عليه وذلك بحقن الغاز في اول الامر ومن ثم بحقن الماء. فقد اقيمت لهذا الغرض محطة على نهر الزاب الصغير لتصفية الماء ومن ثم   ضخه في المكمن بطاقة مليون برميل باليوم للتعويض عن حجم النفط المستخرج والمحافظة على الضغط في المكمن. اكمل المشروع في عام 1961 وتمت بذلك السيطرة على استقرار الضغط في المكمن.

يعتبر نفط كركوك من النوع الخفيف حيث تبلغ كثافته 36.7 بمقياس معهد النفط الامريكي ويحتوي علي نسبة 1.8% من الكبريت. اما نسبة الغاز المذاب في النفط فتتراوح ما بين 140 و 220 قدم مكعب     لكل برميل والتي كانت تحرق في الماضي ولا زالت تحرق في بعض الحقول الاخرى في وقتنا الحاضر مما يشكل هدراً كبيراً لهذه الغازات الثمينة

يعتبر الحقل ذو انتاجية عالية حيث يبلغ معدل انتاج البئر الواحدة في قبتي بابا وآفانا 30,000 برميل باليوم اما في قبة خرمالا فيتراوح ما بين 3,000 الى 5,000 برميل باليوم.

بداية تصدير النفط العراقي

اكمل خط انابيب كركوك – طرابلس البالغ طوله 580 ميل (928 ) كم في 14 تموز 1934 وبوشر بتشغيله بضخ النفط فيه لتصل اول كمية منه الى ميناء طرابلس في نهاية تموز ليتم تصدير الشحنة الاولى منه والبالغة 14,500 طن في 3 آب الى ميناء لاهارف في فرنسا. لقد مثلت هذه الشحنة ظهور النفط العراقي في اسواق النفط العالمية لاول مرة في التاريخ ليستمر تصديره الى هذا اليوم. 

اما خط انابيب كركوك – حيفا البالغ طوله 620 ميل (992 كم) فقد اكمل في 14 تشرين اول 1934 وبوشر بتشغيله بضخ النفط فيه لتصل اول كمية منه الى ميناء حيفا ليتم تصدير الشحنة الاولى منه والبالغة 13,000 طن في 27 تشرين اول الى ميناء لاهارف في فرنسا كذلك.

معدلات الانتاج

ارتفعت معدلات الانتاج من الحقل من 80 الف برميل باليوم في عام 1935 لتصل مليون برميل باليوم في اواخر العقد السادس لترتفع مرة اخرى الى 1.2 مليون برميل باليوم في منتصف العقد السابع لتستمر بالارتفاع تدريجياً لتصل طاقته الانتاجية مع حقلي باي حسن وجمبور الى ما يقارب 1.4 مليون برميل باليوم في اواخر العقد السابع مجموع الانتاج والاحتيطي المتبقي.

بلغ مجموع ما انتج من هذا الحقل لغاية 1989 اكثر من 14 مليار برميل بينما يقدرمجموع ما انتج حتى الان بما يزيد على 15 مليار برميل.

اما الاحتياطي المتبقي فيقدر بحوالي 16 ملياربرميل.

مستقبل الحقل

 يعتبر هذا الحقل العملاق من اقدم الحقول المنتجة في العالم فقد بدأ بالانتاج في عام 1935 ليستمر خلال ال 82 سنة الماضية الى يومنا هذا كما يتوقع له ان يستمر بالانتاج خلال السبعين سنة القادمة ليبلغ من العمر قرناً ونصف القرن من الزمن.

فليبارك الله فيه وفي من عمل وسوف يعمل فيه.

والله الموفق

 

غانم العناز - واتفورد – من ضواحي لندن

............................

المصدر: كتابى العراق وصناعة النفط والغاز في القرن العشرين الصادر باللغة الانكليزية عن دار نشر جامعة نوتنكهام البريطانية في ايار 2012 .

adnan aldhahir2قرأتُ اليومَ ما كتب في موقع النور الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاّف عن أستاذنا المربي الفاضل والإداري المُحنّك الدكتور خالد الهاشمي فله أجزل الشكر لما قدّم من معلومات ثريّة عن الراحل يجهلها أغلب عارفيه وخاصة طلبته السابقون في دار المعلمين العالية يوم كان عميداً لها وأنا أحدهم .

دخلت هذه الدار في العام الدراسي 1955 / 1956 حين كان الراحل عميداً لهذه الدار [كلية التربية فيما بعد]. كان يومذاك له معاونان أحدهما للشؤون العلمية هو أستاذنا المرحوم الدكتور راشد عبد اللطيف أستاذ الكيمياء الفيزيائية ... أما المعاون الثاني فكان لشؤون الطلبة الأستاذ عبد الهادي محبوبة .. كان ما زال عازباً يحمل شهادة الماجستير فقط في اللغة العربية وقد كان يمارس تدريس هذه المادة في الكلية وكنتُ أحد طلبته.

بقي الهاشمي عميداً لدار المعلمين العالية حتى قيام ثورة تموز 1958 حيث أُستبدل وتناوب على عمادتها عددٌ من أساتذة الكلية أولهم كان الدكتور محمد الناصر لكنَّ سرعان ما غاب (أو غُيّب)عن كرسي العمادة وحلَّ آخرُ في مكانه . لا أنسى وهيهات أنْ أنسى حضور المرحوم الهاشمي عميداً للكلية حيث الوئام والسلام والإنسجام حالٌّة بين الأساتذة والهدوء بين الطلبة وأمور القسم الداخلي ماشية على ما يُرام . كان الراحل كثير التواضع جم الخُلق دائم البسمة وفوق ذلك كله عفافه وترفعه عن الكثير من متطلبات الحياة سواء الخاصة منها أو الوظيفية . ما كان يملك سيارة خاصة به فكان يأتي الدارَ ليباشر دوامه المعتاد في حافلة كبيرة مخصصة أصلاً لسفرات الطلبة ولمناسبات إجتماعية أخرى. كان سائق هذا الباص الضخم هو السيد جار الله أبو حكمت. ما رأيته طوال أربع سنوات يقودُ سيارة خاصّة به . درّسني ومجموعة طلبة قسم الكيمياء عام 1959 مادة الفلسفة الإسلامية وأهدانا جميعاً نسخاً من كتاب غير كبير موضوعه الفلسفة الإسلامية وقيل في حينه إنه رسالته للدكتوراه . كان وقتذاك شهر رمضان فسألنا : هل تمانعون لو أخّرنا ساعة المحاضرة إلى ما بعد الإفطار؟ كان زمن المحاضرة حسب الجدول في الخامسة أو السادسة على ما أتذكّر . أجبنا جميعاً : لا مانعَ يا أستاذ وهكذا كان. كنتُ بعد المحاضرة أراه ليلاً ماشياً على قدميه عائداً لبيته .. ما كان يمتلك سيارة . خلال فترة عمادته كان نجله السيد وليد مُعيداً في قسم البايولوجي في الكلية.

من إنجازاته في الكلية أنه خصص ساعة في الأسبوع سُميت الساعة الحرّة حُدّدَ لها يوم الإثنين من كل أسبوع كان يدعو إليها محاضرين مرموقين من رجال السياسة والأدب والعلم يجتمعون بالطلبة في قاعة ومسرح الكلية غير بعيد عن حجرات الأساتذة وموظفي الكلية ومكتب العميد ومعاونيه. كان هو من يقوم بتقديم الضيوف المحاضرين وقد لاحظ الطلبة أنَّ عميدهم يُكثر من قول [في الحقيقة] وهي ترجمة لما يقابلها بالإنكليزية  In fact

حوادث العام الدراسي 1956 / 1957

تطرق الدكتور إبراهيم العلاّف لحادثة فصل عدد من أساتذة دار المعلمين العالية كان الأستاذ الهاشمي من بينهم بسبب توجيههم مُذكّرة ربما إلى نوري السعيد أو إلى وزير المعارف يومذاك أو إلى الحكومة العراقية يطالبون فيها بالإصلاحات ثم الإحتجاج ضد الغزو الثلاثي المعروف لمصر في خريف 1956 أيام عبد الناصر. فات الأستاذ العلاّف ذِكر أستاذ آخر كان أحد المفصولين هو المرحوم يوسف العطّار. لم يُبعد الأستاذ الهاشمي عن عمادة الكلية فقط إنما كان مفصولاً من الخدمة .. علماً أنه كان أحد مربي ومعلمي الملك فيصل الثاني سوية مع الدكتور مصطفى جواد وآخرين .

دخلتُ دار الأستاذ الهاشمي في الصالحية أوائل أو أواسط سبعينيات القرن الماضي واحداً من بين العديد من المدعوين لحضور مناسبة عقد مهر صديقي وزميلي في قسم الكيمياء الدكتور حازم قاسم على واحدة من كريمات المرحوم الهاشمي. كانت حينذاك تعمل موظفة في إحدى الدوائر التابعة لوزارة التربية والتعليم. رأيتُ الدارَ بسيطة متواضعة البناء تحيطها غابة من النخيل . فإليك يا دكتور إبراهيم العلاّف مصدراً أخرَ للمعلومات عن الراحل الهاشمي : إبنته وزوجها [كذلك مصلاوي الأصل] الدكتور حازم قاسم ... إذا أردتَ المزيد.

طريفة لها خصوصياتها

طلبت في عام 1955 وزارة الدفاع من أحد أشقائي دفع مبلغ كفالة مُستحقة عليَّ صفقةً واحدة . قدّمتُ عن طريق العميد الدكتور خالد الهاشمي عريضة إلى نوري السعيد ـ كان وقتذاك رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع وكالةً ـ طلبت فيها تأجيل الدفع لحين تخرّجي في الكلية. كنّا يائسين من تحقيق الطلب خاصة والقضية غير مسبوقة فيما إخال. فوجئتُ واخي  وهو كفيلي بالموافقة على طلبي بتأجيل دفع الكفالة مع الموافقة على دفعها بعد ثلاث سنوات أقساطاً خمسة دنانير في الشهر ! حصل هذا زمان عمادة الدكتور خالد الهاشمي.

درّسني كذلك زمان فترة عمادة الهاشمي للكلية الأستاذ عبد العزيز البسّام وكان متمكّناً من مادته يحضر المحاضرة فيلقيها من الذاكرة إذْ ما كان يحمل معه حقيبةً أو كتاباً مُختصّاً أو ملفّاً أو حتى مجرد ورقة. وكان هو الآخر يأتي الكلية إما ماشياً أو راكباً الحافلة العمومية الحمراء الرقم 7 على ما أتذكّر. كما درّسني الدكتور عبد الرحمن الحسون والدكتورة عفيفة البستاني والدكتور عبد الرحمن خالد القيسي لأكثر من سنة وأكثر من مادة .

 

عدنان الظاهر

 

 

ghanem alanazوسليمان فيضي كنموذج للعراقيين الوطنيين االاحرار

 مقدمة: تم في يوم 18 ايلول 2017 عرض الفلم الوثائقي لأول مرة (رسائل من بغداد) على قناة بي بي سي 4 التلفزيونية.

رسائل من بغداد، هو فلم وثائقي عن حياة جيرترود بيل عالمة الآثار البريطانية والدبلوماسية التي قضت جزء كبيرا من حياتها في العراق اثناء الاحتلال البريطاني بعد سقوط الامبراطورية العثماننية في بداية القرن العشرين.

كما انه يؤرخ لسنوات الاحتلال البريطاني للعراق والذي اختيرت فيه شخصية سليمان فيضي الموصلي بصفته كمحامي قدير وناشط وطني عنيد ضد الاحتلال كنموذج للعراقيين الاحرار الذين ناضلوا من اجل انشاء دولة عراقية والذين توجت جهودهم بالنجاح في عام 1921 ليتم خلالها تتويج فيصل ابن الشريف حسين ملكا على العراق.  

نبذة عن حياة جيرترود بيل

ولدت جيرترود بيل في 14 تموز 1868 لعائلة ثرية امنّت لها دراسة عالية ومكنتها من االسفر والاستكشاف. توفيت امها وهي في السنة الثالثة من عمرها مما وثق العلاقة بينها وبين والدها طوال فترة حياتها وكتبت له الكثير من رسائلها موضوع هذا الفلم. تزوج والدها وهي في السابعة من عمرها من كاتبة قصص الاطفال فلورنس التي ارسلت جيرترود اليها الكثير من رسائلها المشهورة من بغداد ايضا.

بعد اكمال دراستها الاولية وهي في السنة السابعة عشرة من عمرها، التحقت جيرترود بجامعة اوكسفور لدراسة التاريخ الحديث لتتخرج منها بعد سنتين في عام 1892 بدرج شرف لتعتبر من النساء القلائل اللواتي حصلن على مثل هذه الدرجة في ذلك الزمان. 

لم تتزوج جيرترود الا انه كان لها علاقة حب قصيرة  مع ضابط بريطاني باسم جالس وايلي التي انتهت بمقتله في عام 1915 في معركة جنا قلعة الشهيرة في تركيا.

سافرت جيرترود بعد تخرجها من جامعة اوكسفورد الى طهران لزياررة عمها الذي كان يقوم بمهام السفير البريطاني هناك. قامت بعد ذلك بنشر كتابها (صور من بلاد فارس) في عام 1892 تصف رحلتها ومشاهداتها هناك.

قضت بعد ذلك فترة من الزمن في تسلق الجبال في سويسرا وبدأت خلالها بالاهتمام بعلوم الآثار واللغات. فتعلمت اللغات العربية والفارسية والالمانية والفرنسية وقليلا من اللغتين الايطالية والتركية.

قامت بعد ذلك في عام 1899 برحلتها الشهيرة الى فلسطين وسوريا حيث زارت القدس ودشق وجبل الدروز.

قامت بعد ذلك في عام 1907 بنشر كتابها (سوريا : الصحراء) سردت فيه مشاهداتها وتصاويرها خلال تلك الرحلة عن المدن التي مرت بها كدمشق والقدس وبيروت وانتطاكيا وغيرها التي فتحت الطريق امام علماء الآثار للسفر الى المنطقة للتنقيب  والاستكشاف.

 عادت مرة اخرى في عام 1907 الى الشرق الاوسط للالتحاق بفرقة التنقيب الي كانت تعمل في المنطقة والتي اكتشفت بعض الآثار في اعالي الفرات في سوريا.

وفي كانون الثاني من عام 1909 جاءت الى العراق لتزور بعض الآثار كقصر الاخيضر واطلال بابل وبعض المدن كالنجف وقامت برسم بعض الخرائط عنها.

ثم قامت في عام 1913 برحلتها الشهيرة التي زارت فيها مدينة حائل في الجزيرة العربية لتصبح المرأة الغربية الثانية في التاريخ التي قامت بزيارتها بعد ليدي آن بلانت.

لقد قامت جيرترود بيل خلال رحلاتها تلك بجمع معلومات قيمة عن العشائر التي مرت بها كما كانت اول من استطاع جمع معلومات مفيدة عن عوائل الشيوخ والمتنفذين في المنطقة وقد ساعدها، كونها امرأة، الاختلاط  بنسائهم مما اعانها كثيرا في وظيفتها اللاحقة في دائرة المندوب السامي البريطاني في العراق بعد احتلاله.

وفي نهاية عام 1915 التحقت جيرترود بالمخابرات البريطانية لما لها من المؤهلات الكثيرة المذكورة اعلاه اضافة الى مهارتها في ركوب الجمال والخيل وقدراتها الجسمية على تحمل الاعباء بالرغم من قصر قامتها وضعف بنيتها.

ارسلت بعد ذلك في بداية 1916 الى قسم المخابرات في القاهره حيث التقت هناك بلورانس العرب الشهير.

لم تلبث هناك طويلا حتى ارسلت في بداية آذار 1916 الى البصرة للالتحاق بمكتب رئيس المكتب السياسي البريطاني سير برسي كوكس بوظيفة ضابط ارتباط لمكتب المخابرات في القاهرة. 

انتقلت الى بغداد بعد احتلالها وعينت بوظيفة (مستشارة الشرق الاوسط ) في مكتب المندوب السامي البريطاني في العراق سير برسي كوكس.

لقد اشتهرت جيرترود خلال فترة بقائها بالعراق بالقاب عديدة منها المس بيل والخاتون وصانغة الملوك وراسمة حدود الدولة العراقية الحالية ومؤسسة المتحف العراقي التي قامت تزويده بالآثار الكثيرة.

انتحىرت جيرتود بيل باخذها جرعة كبيرة من الحبوب في عام 1926 بعد ان تلاشت سلطتها واصابها احباط شديد بعد قيام الدولة العراقية لتدفن منسية في المقبرة البريطانية في الباب الشرقي في بغداد. 

نبذة عن حياة سليمان فيضي

لقد اختار مخرج الفلم شخصية المرحوم سليمان فيضي الموصلي الذي تقمصها بالفلم احد العراقيين كنموذج  للعراقي الوطني الشريف الذي قالت عنه جرترود بيل بانه احد السياسيين والمتنفذين العراقيين القلائل الذين لم يطلبوا منها مساعدة ما كما هو الحال مع الكثير منهم.

فهو محام قدير حائز على شهادة الحقوق من استنبول ومؤسس ورئيس تحرير اول جريدة سياسية في البصرة بعنوان (جريدة الايقاظ). كما انه كان عضوا في برلمان  مجلس المبعوثان العثماني وناضل ضد سياسة التتريك في البلاد العربية. هذا اضافه الى عمله كناشط سياسي وطني عنيد لا تأحذه في الله لومة لائم فلا غرابة لاختياره من قبل مخرج الفلم كنوذج للمواطن العراقي الوطني الحر والنزيه. واليك نبذة قصيرة عن حياته رحمه الله.   

ولد سليمان فيضي في الموصل عام 1885 والتحق في طفولته (بالملا) ثم دخل المدرسة الاعدادية ذات الخمسة صفوف وهو في السنة العاشرة من عمره. وبعد اكماله السنة الرابعة في المدرسة التحق بالمدرسة الاعدادية العسكرية في بغداد لمدة خمس سنوات دراسية تؤهله للالتحاق بالكلية الحربية في استانبول ليتخرج كضابط في الجيش العثماني.

استمرت الدراسة بصورة جيدة خلال السنوات الاربع الاولى الا انه فصل من الدراسة مع رفاق له بعد مشادة حصلت بين الطلاب.

ذهب الى البصرة وبدأ بدراسة القانون ليعين عضوا في احدى محاكمها ليستمر فيه ليصدر اول جريدة باللغة العربية في البصرة في عام 1909 بعنوان (الايقاظ)

وفي العام 1911 سافر الى الاستانة للدراسة ليحصل على شهادة الحقوق مما فتح المجال امامه للانخراط بالعمل السياسي من اوسع ابوابه.

وفي العام 1914 فاز سليمان فيضي وهو في سن التاسعة والعشرين بالانتخابات واصبح نائبا عن ولاية البصرة ليصل الى استانبول في آذار 1914 ويحضر افتتاح المجلس النيابي العثماني (مجلس المبعوثان) في نيسان من تلك السنة.

انتقل بعد ذلك الى بغداد ليعين عضوا في محكمة استئناف العراق في عام 1919 وكأستاذ في كلية الحقوق العراقية للسنتين الدراسيتين 1920 – 1921 و 1921 – 1922

اذن، فهو من ذلك الصنف من الرجال العصاميين الذين لديهم المقدرة على الاجتهاد والمثابرة للتغلب على العقبات باصرار كبير لتحقيق اهدافهم النبيلة في الحياة.

وهو ايضا من ذلك الرعيل الاول من رواد النهضة العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الذين عملوا باخلاص على مكافحة الظلم والجهل والفقر والمرض وغيرها من الآفات التي كانت تنخر في جسد الامة.

كما انه شارك في انشاء الدولة العراقية وتنصيب الملك فيصل الاول ملكا على العراق كما سنرى من خلال هذا الفلم الوثائقي المرفق.

وفي العام 1936 انتخب سليمان فيضي عضوا في مجلس النواب العراقي وليعود بعدها الى مزاولة  مهنة المحاماة ثم ليخلد للتأليف وكتابة مذكراتة المشهورة ولينتقل اخيرا الى جوار ربه في عام 1952 رحمه الله.

جيرترود بيل وسليمان فيضي عـلاقــة الــنــد لـلــنــد

لقد وقف سليمان فيضي في صفوف المعارضين للاحتلال البريطاني والمطالبة بالاستقلال كما سنرى ذلك خلال الفلم.

لذلك فقد كانت علاقة سليمان فيضي بجرترود بيل متوترة في معظم الاحيان الا انه كان يسودها كذلك الاحترام المتبادل فهي تعمل من اجل مصالح بريطانيا العظمى في ذلك الزمان وهو يعمل من اجل مصالح العراق الذي يتوق للاستقلال كما يظهر ذلك جليا في هذا الفلم الوثائقي.

ارسلت المستشارة الى سليمان فيضي رسالة قصيرة  بخط يدها باللغة العربية جاء فيها :.

""حضرة الفاضل

1438 anaz2اذا كان مناسب الى حضرتك وانا موجود في البيت من السعه سبع ونصف الصبح الى السعه واحدة او من السعة اربعه الى السعه خمسه ونصف بعد الظهر

المخلصة كرترود بيل"" كما مبين بصورة الرسالة المرفقة.

ذهب سليمان فيضي الى الخاتون وعند دخوله للقائها قالت له، انك حين ذهبت الى البصرة هيجت خواطر اهلها بما رويته عن الشعور الوطني في بغداد، وبوصف الاحتفالات الدينية الوطنية في مساجدها وصفا مبالغ فيه.

فاجابها سليمان باني سئلت فاجبت، وقد توخيت الصدق في اجابتي، وليس يضيرني ان هاجت خواطر الناس ان لم تهج، طالما اني رويت الحقيقة دون مبالغة.

فقالت محتدة : ان الحكومة البريطانية لن تغفر للذين يناهضون سياستها، ولن تتوانى عن انزال العقوبات بهم...الى غير ذلك من عبارات التهديد.

يقول رحمه الله فلم اعرها اهتماما وانصرفت.

كتبت المس بيل الى والدها بتاريخ  14 حزيران 1920 واحدة من اهم رسائلها عن سليمان فيضي وعن الاوضاع المضطربة في المدن العراقية قبيل ثورة العشرين جاء فيها ما يلي:

"" لقد مر بنا اسبوع عاصف، الوطنيون يصعدون دعايتهم، هناك اجتماعات دائمية في المساجد ...ارفق طيا منهاجا للجماعة المعتدلين، اماالمتطرفون فانهم ينادون بالاستقلال بدون اي انتداب، على الاقل هذا ما يقولونه، عالمين جيدا في قلوبهم انهم غير قادرين على تحقيقه. انا شخصيا لا اعتقد بحدوث انفجار هنا او في الالوية، ولكن ذلك محتمل وهو اكثر ما احرص على تفاديه، في الحقيقة انا متعاطفة كليا مع سليمان فيضي ، وارفق اراؤه التي هي اكثر تقاربا مع ما كنت اردده كل الاحيان خلال الاشهر الثمانية الاخيرة...يوجد بينهم رجال قديرون ولديهم خبرة جيدة، ولو التقينا بهم الى اسس متكافئة فسوف لن يكون من الصعب ان نجدهم يتصرفون بحكمة.

وارفقت طيا مع رسالتها نسخة من التقرير التالي:

""تقرير المس بيل من بغداد في 13 جزيران 1920 والمرسل الى حكومة الهند ومنها، وتحت عنوان ( مستقبل العراق) الى وزارة الخارجية في لندن واللورد كيرزون في القاهرة  الاحد 13 حزيزان 1920""

"" جاءني سليمان فيضي الليلة الماضية وطرح علي وجهة النظر العربية بكل وضوح وكان المستر فوربس حاضرا، انه شخصيا من المعتدلين ، ويرغب ان يرى حكومة عربية تحت الانتداب البريطاني وبالمناسبة، مثل الكثير منهم، فهو يكره (وصاية) كترجمة لكلمة 

Mandate

ويفضل (حماية)، يبدو لي انني تعلمت كلمة (وصاية) من العرب ذاتهم، اولا في سورية ومن ثم هنا. على كل حال فالاسم ليس مهما بقدر ما يتعلق الامر بنا، انما المهم هو المعنى والمدى اللذان تربطهما بكلمة  Mandate مهما كانت الترجمة.

عرض سليمان وجهة نظره كما يلي :

1 – منذ احتلالكم بغداد وانتم تتكلمون عن حكومة عربية ولكن بعد مضي اكثر من ثلاث سنوات لم يتحقق شيء**.

2- اعطيتمونا تفسيرا لذلك بانكم لا تستطيعون عمل شيء قبل ان يتم التوقيع على اتفاقية السلام مع تركيا. ولكن، بقدر ما نعلم، ان ذلك قد يمتد لاشهر او حتى لسنوات قادمة.

ثانيا انكم لا تقولون انكم لم تستطيعوا عمل اي شيء حتى يضمن لكم الانتداب ذلك التفسير لا يحمل اسبابا مقنعة لاننا شهدنا حكومة عربية مستقلة تقام في سورية قبل ان تحصل اي  دولة غربية على ضمان الانتداب. (لقد فكرت مليا بالفقرة الاخيرة ولا بد لي ان اعترف بانه من الصعب علي التوصل الى اي جواب لها سوى جواب واحد لكنه بعيد ان يكون مقنعا، وهو ان قوى التحالف اجبرت على الاعتراف بحكومة عربية مستقلة في سورية لان السوريين فرضوا ذلك عليهم. ومهما ناقضت ذلك التصريحات المختلفة ومنها ساكس بيكو، فاحتمال الشك ضعيف جدا بان فرنسا لم تكن لتعترف بفيصل اميرا لدولة ذات حكم ذاتي لو انها كانت في موقف تستطيع به ان تفعل غير ذلك. ان الضعف في هذا الجواب يكمن في حقيقة وجود تقرير صريح مكشوف لعرب العراق وهو ""اذا حقق السوريون استقلالهم بالقوة فلماذا لا نفعل نحن نفس الشيء؟ اننا نعتزم المحاولة"". مع انني اعتقد ان سليما فيضي وكثيرين من امثاله ينفرون جدا من اللجوء الى استخدام القوة، لانهم لا يرون في ذلك طريقا صالحا لاقامة دولة مستقرة، فان انطباعي هو انهم يجدون صعوبة كبيرة لمواجهة هذا الاتجاه في التفكير بضمير مرتاح).

تقول المس بيل اعود الآن الى المناقشة العامة حيث يقول سليمان فيضي :

3- قلتم في تصريحكم بانكم ستقيمون حكومة وطنية تستمد سلطتها من المبادرة والاختيار الحر لاهل البلاد، لكنكم مضيتم في صياغة منهاج دون استشارة احد **. لقد كان من السهل عليكم ان تضموا الى مجالسكم واحدا او اثنين من الاشخاص البارزين مما كان سيزيح الانتقاص الموجه اليكم ضد منهاجكم , بغض النظران كان المنهاج نفسه جيدا ام رديئا.  تقولون ان في نيتكم اعطاء فرصة كاملة للشعب لمناقشة المنهاج ولكني اجيب بان ذلك لم يكن افضل طريقة للوصول الى حل مرض. لقد استعديتموهم حين لم تطلبوا من بعض الاشخاص البارزين ان يساعدوكم في صياغته. ان منهاجكم حاليا متوفر بين ايدي الجميع. انا شخصيا املك ما اعتقد انه نسخة كاملة وتامة منه. وعمليا فان كل فرد في بغداد اذا اراد الحصول على نسخة منه قد حصل عايه. نحن لا نقبله مطلقا، ونعتقد انه يتضمن عددا كبيرا من الفرضيات غير المقبولة. ساعطيكِ مثالا ما دمتِ تريدين ذلك : نحن لن نوافق على تعيين رئيس المجلس من قبل الحكومة، واننا نعتبراختياره من قبل المجلس امرا اساسيا.

4- اذا كان هذا هو المنهاج او اخر مشابه له لانني لا استطيع الجزم من ان النسخة التي في حوزتي دقيقة في مفرداتها هو ما سيقدم لنا فاستطيع ان اخبرك من الآن بانه لم يكون مرضيا. هل سيكون بعدئذ من المقبول ارسال وفد الى انكلترا لطرح وجهة نظرنا على الحكومة البريطانية. تسأليني ان كنت اعتقد انهم سيذهبون وانا اجيبك نعم، اعتقد انهم سيفلبون انا شخصيا ارى هذا هو الحل الاحسن.    

5- ليس في مقدوركم ان تدعواالامور تمضي كما هي عليه الآن. فالهياج يبلغ ابعادا خطيرة. انني اخشى جدا من وقوع اضطراب علني، ربما ليس في بغداد ولكن في الالوية، لان جميع العشائر متأثرة بما يجري. ان لدي الرغبة القصوى في تجنب هذا لصالحنا وصالحكم. انا اعتبر الاجتماعات في الجوامع امرا بغيضا. وارى المزج بين الدين والسياسة يشكل خطورة خاصة لانه من غير الممكن تقريبا بالنسبة لي او لاي شخص آخر ان يقف في مواجهته. ومع انني اكره المواليد كراهية شديدة، اجد نفسي مضطرا للذهاب اليها ولا أجرؤ عن التغيب عنها، لقد صار هذا الضغط يثفل كاهلي. ولكِ ان تتأكدي بان هذه هي حالة العديد من الآخرين. انه من الافضل كثيرا لو كان الناس يقيمون مثل هذه الاجتماعات او يؤسسون النودي للنقاش، بحيث يجري الفصل بين الدين والسياسة جهد الامكان.

6- هناك نقطة اخرى ارغب في تأكيدها بقوة عليك، وهي ان تأخذوا بالمشورة الصحيحة وتتركوا لنا قدرا من حرية التصرف. لن نستطيع ادارة البلاد دون مساعدتكم ونصحكم، ولسوف نلجأ لكم حالا بطلبهما اذا لم تحاولوا اجبارنا على ذلك. انني اعتقد انكم غير قادرين على فرض ذلك علينا بالقوة، ولكن اذا تصرفتم الآن بحذر وترو فسوف لن تحتاجوا ابدا الى محاولة الفرض.

** إن الفقرتين المؤشرتين باللون الاحمراعلاه قد جاءتا على لسان الممثل لشخصية سليمان فبضي في الفلم وهما موجودتان بنفس النص والصيغة في مذكرات المرحوم سليمان فيضي.

الخلاصة

انه يمكن القول بان ما جاء في هذا الفلم من احداث قد اعتمدت على وثائق يمكن الرجوع اليها في مصادرها وان اقوال الشهود من الذين عاصروا الاحداث لابد ان تكون موثقة كذلك. وقد يكون هناك من لديه آراء اخرى عن بعض الاحداث الا انه  يمكن القول بان الفلم يشكل وثيقة مهمة اخرى تؤرخ لنشوء الدولة العراقية الحديثة.

هذا ونرفق مع هذه المقالة الفلم بالكامل لمن يريد مشاهدته.

والله الموفق

غانم العنّاز – ابن اخت المرحوم سليمان فيضي

25 ايلول 2017

.................................

لمشاهدة الفلم انقر هنا

http://www.bbc.co.uk/…/episode/b095vnm7/letters-from-baghdad

1438 anaz

 

نقد الفلم بقلم ديفد باركنسون

Letters from Baghdad

Sabine Krayenbühl (2016)

91min

PG Certific

Tilda Swinton narrates the story of Oxford-educated explorer Gertrude Bell: explorer, cartographer and political attache

by David Parkinson

As history is invariably written by male victors, the "female Lawrence of Arabia" has largely been airbrushed out of the accounts of Britain's attempts to create an Arab state in the Middle East in the aftermath of the Great War. First-time directors Sabin Krayenbühl and Zeva Oelbaum spent years amassing archive footage in a bid to do justice to the legacy of Gertrude Bell, the Oxford-educated explorer, cartographer, archaeologist and political attaché whose correspondence is thoughtfully read by Tilda Swinton in this intriguing overview of the origins of Iraq. With a fine cast speaking to camera in the guise of Bell's contemporaries, the documentary has the scholastic rigour to avoid hagiography. Indeed, it's as frank about Bell's  snobbery and vanity as it is about the passionate affairs that dominate Werner Herzog’s ill-starred biopic Queen of the Desert (2015). But this also suggests how differently things might have turned out in this tinderbox region had British Commissioner Arnold Wilson not rejected Bell’s informed proposals for the governing of King Faisal’s ethnically and spiritually diverse (and combustible) realm. David Parkinson

SUMMARY

The extraordinary and dramatic story of Gertrude Bell, who helped to shape the modern Middle East after the Second World War in ways that still reverberate today. Using never-seen-before footage of the region, the film chronicles Bell's extraordinary journey into both the uncharted Arabian desert and the inner sanctum of British male colonial power.

CAST & CREW

Gertrude Bell Tilda Swinton

Young Gertrude Bell Rose Leslie

Sgt Frank Stafford Adam Astill

Janet Courtney Joanna David

TE Lawrence Eric Loscheider

Winston Churchill / Oxford lecturer / General Maude Robert Ian Mackenzie

Henry Cadogan Paul McGann

Lady Florence Bell Helen Ryan

Vita Sackville-West Rachael Stirling

General Sir George MacMunn Nicholas Woodeson

Director Sabine Krayenbühl

Director Zeva Oelbaum

 

ali almirhigيعد سلامة موسى أحد المفكرين النهضويين العرب في القرن الذين تتبنوا الدعوة لحرية الفكر والمرأة في زمن غياب الحُريات.

ولد في قرية "بهنباي" أحدى قُرى محافظة الزقازيق بمصر عام 1887من عائلة قبطية مسيحية، توفي في عام 1958.

رأس تحرير مجلة الهلال وهي واحدة من أهم المجلات العربية التي كانت تدعو لحرية الفكر، معروف بولعه بالثقافة الغربية وبميوله للعلمنة.

لقد إهتم بالكتابة عن المرأة والشباب، فكتب مجموعة كتب تدافع عن حقوقهم أهمها: فن الحب والحياة، الذي دعا فيه إلى النظر للإنسان على أنه "غريزة وعقل"، فلا يستطيع إنسان أن يحيا بالعقل وحده أو بالغريزة وحدها، فللعقل أصالته في التعامل مع الطبيعة، وللغريزة وقتها حينما تلتهب المشاعر، فنُسميها "عاطفة"، وفن الحياة لا يقتضي كبت العواطف، ولكنه يقتضي تهذيبها والإعتدال في نزوعنا نحوها، والعقل كفيل بتحقيق هذا الإعتدال .

كان سلامة موسى ينظر للمرأة على أنها ليست لعبة الرجل، وذلك هو عنوان كتابه الذي صدَره في عام (1956)، مؤكداً فيه على أهمية مشاركة المرأة للرجل في بناء الأسرة والمجتمع ومشاركتها له في العمل، داعياً إلى الإختلاط بين الجنسين بما يسمح للرجل بمعرفة طباع المرأة، وبما يسمح للمرأة بمعرفة طباع الرجل، من دون أن يخل هذا التداخل بانظام القيمي والأخلاقي عند الرجل والمرأة .

له كتابات أخرى تُعلج القضية ذاتها، أي علاقة الرجل بالمرأة، أهمها: أحاديث إلى الشباب (1957)، مشاعل الطريق للشباب (1959).

في عام 1906 سافر إلى فرنسا، فشاهد الحياة الفرنسية، وأعاد في ذهنه الحياة المصرية وما تعاني منه المرأة المصرية من تخلف واضطهاد فيما تنعم المرأة الفرنسية بكل مباهج الحياة. في الوقت نفسه اطلع على الثقافة الفرنسية فتأثر بأفكار فولتير ومونتسكيو وهناك قرأ كتابات كارل ماركس، فبدأت مرحلة إعجابه بالفكر الاشتراكي.

بعدها زار إنكلترا فتأثر كثيراً بأفكار الأديب الفيلسوف الايرلندي برناردشو لا سيما عندما إلتقى به فألف عنه كتاباً بعنوان (برناردشو). كان يتزعم هذا الفيلسوف آنذاك الجمعية الفابية التي كانت تروج للأفكار الاشتراكية والدعوة للمساوة الاجتماعية والساسية والاقتصادية وضرورة محاربة الاستعمار الذ يمثل هيمنة الرأسمالية وبقاء رأس المال بأيدي طبقة واحدة هي طبقة الرأسماليين وأعوانهم من الطبقة البرجوازية وضياع حقوق (الشغيلة) أي البسطاء من الناس.

تأثر بالماركسية وبنزعتها الإشتراكية التي طرحها برنارد شو الذي دعى إلى "تأميم الممتلكات التي تحتاج في إستغلالها إلى عمل العمال" . ولذلك نجد أن سلامة موسى يتفق مع قول برناردشو بأن تحقيق أحلام الطبقات المسحوقة لا بُد أن يكون من خلال تطبيقنا للإشتراكية، كونها "تضع الإيثار مكان الإثرة ومصلحة الجماعة فوق مصلحة الفرد" . ويعتقد سلامة موسى أن "الحضارة الأوربية تتجه الآن نحو الإشتراكية بلا جدال..." .

أعجبته فلسفة نتشة فألف كتابه: مقدمة السوبرمان (1910) ليتحدث فيه عن فلسفة نتشه والتي أثارت إهتمامه بسبب نكرانها لمفهوم الحقيقة المطلقة في الحياة الإنسانية، فالحقيقة نسبية ومتغيرة بتغير الظروف العلمية والاجتماعية والساسية والاقتصادية. فضلا عن إعجابه بفكرة (السوبرمان) التي طرحها نتشه أو "الإنسان الأرقى" الذي يُصارع الحياة من أجل تأسيس قيمه هو حتى يعيش في دُنيا هو من شرع قوانينها. الإنسان الأرقى هو الذي يتميز بقوة الإرادة ليعيد بناء القيم الأخلاقية والجمالية. وهو مُعجب بفكرة نتشه عن السولرمان لأنها تُمهد له القبول بفكرة دارون الذي أكد بكتابه "أصل الأنواع" أن "الإنسان حيون، ولكنه يختلف عنه (أي عن الحيوان) من حيث أن نسله العاجز يعيش، والأسد البطيء يهلك جوعاً في الغابة، ولكن الإنسان "الأعرج" يعيش..." .

فبالتالي الذي أعجب سلامة موسى هو هذه الأفكار وتقارب أفكار نيتشه مع ما طرحته نظرية التطور حول مفهوم الصراع والبقاء للأفضل وليس للأقوى كما يعتقد سلامة موسى الذي يدعو إلى ضروة تحويل الصراع إلى تنافس من أجل خلق الأفضل والأجمل لذلك نجده يؤلف كتاباً بعنوان: نظرية التطور وأصل الأنواع (1928). وما أعجبه في نظرية التطور "أنها غرست في الأذهان فكرة تدرج الاحياء ورُقيها جيلاً بعد جيل" .

آمن سلامة موسى بضرورة اللحاق بالغرب كما هو إيمانه بأن لا نهضة للعرب من دون التواصل مع الغرب الثقافي ومحاولة الاستفادة من التقدم العلمي والحضاري الذي وصل إليه، فهو يُفرَق بين الغرب بعلمهه وثقافته والغرب بوصفه مُحتلاً ومستعمراً، لأن "أوربا "الغربية" تُمارس الإستعمار بكل ما فيه من وحشية مع الأمة العربية وغير العربية" .، فقد "تخلفت الأمة العربية عن أوربا لأنها أهملت العلم والصناعة، ولن تستطيع أن تستعيد مكانتها في قافلة الإرتقاء البشري، إلَا إذا أخذت بالعلم والصناعة" .

آمن بحرية المرأة المطلقة لدرجة إيمانه بحرية اختيار المرأة للرجل على عكس العادة أو الطبيعة. فجاء كتابه: حرية الفكر(1927) معبراً عن تبنيه للدفاع عن الحريات بكل أنواعها.

دافع عن التعليم والتثقيف الذاتي في اللغة والفكر والفنون والأدب والعلوم المتزامن مع دعم الدولة، في تطويرها للمناهج وللتعليم في المدارس والجامعات، وفي إهتمامها بالمطابع ونشر المؤلفات والترجمات في العلوم والفنون والثقافة، بما يجعل هذه الثقافات بخدمة الإنسان وعالمه. والثقافة العربية عنده "هي قبل كل شيء ثقافة أدب" . أولاً وعلم ثانياً.

 فلا قيمة لثقافة أو علم أو فن كان همه الأوحد هو الإنشغال بعوالم مفارقة للطبيعة. فأهمية الوعي البشري والإنساني، إنما تنبع من تعلمه الثقة بقدراته العقلية والبدنية في جعل العالم الذي يعيش فيه عالماً أفضل، بعيد عن الغيبيات، وبعيد عن تأثيرات الماضي، عبر جعله المثال الأفضل الذي ينبغي أن يُحتذى، إنما قيمة الإنسان الحقيقية وسعادته تكمن في قدرته على تجاوز عوالم الغيب، وتمكين عقله وخبراته من السيطرة على الطبيعة وتفسيرها تفسيراً علمياً بعيد عن أوهام الميتافيزيقا، وكأن سلامة موسى يُعيد لنا أطروحات فرنسيس بيكون في "الأوركانون الجديد" وآراء جون لوك التجريبية في نظرته للعقل على أنه صفحة بيضاء تأتيها الإنطباعات من الخارج، وهو ليس ببعيد عن هيوم في نقده للميتافيزيقا. وهذا واضح من تبنيه لـ "نظرية التطور الداروني" التي تُعد بشكل وآخر إمتداد لرؤى هؤلاء الفلاسفة التجريبيين .

ـ دفاعه عن النقد والشك بوصفهما أساس بناء العقل البشري المنسجم مع الطبيعة، لذلك نجده يُدافع عن فلسفة ديكارت "الشكية" ببعدها الإستدلالي، كما يُدافع عن فلسفة بيكون ببعدها الإستقرائي، فهو من دعاة تبني النزعة العلمية، بكل مناهجها التفسيرية، وإن كان هو أقرب لتبني فلسفة بيكون التجريبية منه إلى تبني فلسفة ديكارت العقلية.

كان لفلاسفة التنوير الفرنسي حضورهم وتأثريهم في فكره، أمثال فولتير وروسو وديدرو، لا سيما في نزوعهم نحو التحرر ونقد الإستبداد السياسي. ولا يفوتنا أن نذكر أن للثورة الفرنسية وفلاسفتها التنويريين تأثيرهم الفاعل والبيَن والأكثر حضوراً فاعلية من تأثه بعصر النهضة الإيطالي بنزعته الإنسنية، وإن لم نستطع إنكار تأثره بها. أما عن تأثره بما يُمكن تسميته بالنهضة الثالثة "نظرية التطور"، فذلك مما لا شك فيه، ويمكن لنا أن نعدَه أحد المفكرين التطوريين في الفكر العربي الحديث، لا سيما في تأكيده المستمر على أن "الإنسان كان حيواناً ثم إرتقى" .

دعى إلى ضروة إحياء النزعة الفرعونية "الحضارة المصرية القديمة" ليس من أجل العودة القهقري، ولكن لتذكير المصريين بأمجادهم وبقدرتهم على صناعة حضارتهم مرة أخرى، فألف دفاعاً عن هذه الفكرة كتاب: مصر أصل الحضارة (1947)، لأنه يعتقد أن دراسة التاريخ الفرعوني إنما هو "في الحقيقة ليس تاريخ مصر وحدها، بل هو تاريخ الحضارة الأولى للعالم" . ولا أعرف كيف نظر لأسبقية الحضارة السومرية "العراقية" القديمة بوصفها أولى الحضارات التي سبقت الحضارة المصرية بأكثر من ألف عام قبل الميلاد.

إعتقد أن سبب تخلف المجتمع المصري هو عدم إرتباطه بأوربا وبقائه مرتبطاً بالشرق المتخلف، كونه يرى أن المشترك الحضاري لمصر مع الحضارة الغربية أكثر من المشترك الحضاري مع حضارات الشرق بما فيها الاسلام، لأن المجتمع المصري يمتد بجذوره وأصوله للحضارة الفرعونية وليس للحضارة العربية والاسلامية والقرب الجغرافي بين مصر وأوربا يسمح لها بسهولة التواصل مع الغرب وهذا ما حصل في القرون الوسطى حضور الفلسفة اليونانية في الاسكندرية. لذلك لم يتفاعل مع فكرة القومية كثيرا، وإن كان من مناصري عبد الناصر، لكنه ميال لتنمية النزعة الوطنية المصرية. وهذا كان واضحاً بتبنيه الدعوة إلى إحلال اللغة العامية بدلاً من اللغة الفصحى. أهم كتبه التي عبر عن توجهاته هذه هي: ما هي النهضة (1935)، النهضة الأوربية (1935)، البلاغة العصرية واللغة العربية (1945).

ـ يؤمن بضرورة "فصل الدين عن الدولة"، ويرى أن الإسلام لا يشبه المسيحية، فالمسيحية تستدعي وجود رجال الدين "الكهنوت" واسطة بين العبد وربه، أما في الإسلام فلا توجد كهنوتية، "إذ ليس في الإسلام كهنة" .

ـ أنكر البعض على سلامة موسى إعتقاده بقيمة الحضارة المصرية والعربة والإسلامية على الغرب، ولكن هذا مما يسهل علينا دحضه، فهو يرى أن "الأرقام العربية والورق، هما بلا شك أعظم الوسائل للثقافة والحضارة الغربية، "والفضل فيها يعود للعرب، والعرب وحدهم" . ولا يقتصر فضل العرب على الغرب بهاتين النقطتين فقط، إنما فضلهم، يكمن في ترجمتهم لكتب الفلاسفة والعلماء اليونان، بما يجعلهم مُجسرين للثقافة بين أوربا والأغريق القدماء، ففتح بذلك العرب للغرب "آفاق الماضي وجعلتهم (أي الغرب) على وجدان بأن الثقافة البشرية موصولة وليست مقطوعة..." .

ـ نقده للسياسة التركية وفسادها وإنحلالها المعرفي والأخلاقي، رغم إدعائها الشكلي لتبنيها للإسلام، ولكنها تحولت إلى دولة "ثيوقاطية" = "لاهوتية"، تقصي الفرد والجماعة لصالح السلطة المُصَرية على إنكار حقوق الإنسان المدنية، بل وحتى الدينية التي شرَعها الإسلام.

ـ لذلك نجد سلامة موسى مُنسجماً مع تحولات الفكر الغربي في دفاعه عن حقوق الإنسان ونقد السلطة "الثيولوجية"، بوصفها تعبيراً آخر عن رغبات "المستبد" في شرعنة وجوده في السلطة وإستمراره بها، لأنه "المُجتبى" أو "المُختار" الذي إقتضت الضرورة الإلهية وجوده في الحكم!!. بل هو مُعجب بتحولات الحضارة الغربية والأوربية حتى بنزوعها نحو القلق وبكل ما فيها من "أمراض النفس التي لا تُحصى. لكنها أيضاً حضارة الإستطلاع والإستقلال والديموقراطية والعلم والإختراع، أي حضارة المصانع، وليست حضارة المزارع" .

يعد سلامة موسى من المتحررين ويؤمن بسيادة القانون وبحقوق المواطنة وبالتالي فصل الدين عن الدولة فهو لا يعتقد بإمكانية أن يكون الدين أو رجل الدين هو الحاكم وهو بذلك يؤكد على ضرورة فصل الدين عن الدولة.

 

د. علي المرهج – أستاذ فلسفة / الجامعة المستنصرية

 

 

latif oqayliيقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلِّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة. 

مِنَ المعلومِ أنَّ الناسَ جميعاً ما انفكوا يبحثون عَنْ السعادةِ وَيُجِدُّون فِي طلبِها وَيكدَحُون فِي تحصيلِها، وَلعلَّ أكثر مَا يُدخل عَلَى اَنفُسِ أغلبهِمْ السعادة بعد إكمالِ إجراءات تسجيل صغارهم فِي المَدَارِسِ هو يوم ابتداء الدرَاسَة الَّذِي يفرض عَلَى الأهالي - الآباءِ أو مَنْ ينوب عَنهم - السعي بمختلفِ السُّبُلِ بقصدِ إشاعةِ الأمن وَالطمأنينة فِي نُفوسِ - قُلوبهم البريئة - الَّتِي تتحرك عَلَى الأَرْض؛ بغية ترغيبهم فِي المَدْرَسة وَجعلهم اكثر شوقاً وَحباً لبِيئَتِها، وهو الأمر الَّذِي يلزم الكثير مِنهم السعيَ فِي متابعتهم وَمدهم بالأملِ وَالمساعدة عَسَى أَنْ يحقِّقوا المؤمَّلَ منهم، فضلاً عَنْ حرصِ الأمهات اللائي يتقاسمن الحب وَالوجع عَلَى دسِ مَا تيسر مِنْ بقايا رغيف خبزٍ فِي حقائبِهم البسيطة الَّتِي يجري عملها فِي المنازلِ مِنْ بقايا الأقمشة أو الأكياس النسيجية؛ لأجلِ أَنْ لا يتقاسم الأطفال البكاء وَالتَضَوُّر مِنَ الجُوعِ. وَغنيٌّ عَنْ القول إنَّ سخاءَ الآباء والجهد فِي محاولةِ تلبية مَا يحتاجه أطفالهم المنتظمون فِي المدارس حديثاً، فضلاً عَنْ اسْتيطانِ ما زخر مِنَ الأدعيةِ قلوبهم، يَعكس السعي لتحقيقِ آمالهم فِي سلامةِ نشأةِ أولادهم، وَعزمهم عَلَى الاستمرارِ بمتابعة مسارهم فِي الحياةِ الدراسية، وَمَا يقتضي مِنَ التدابيرِ الَّتِي بمقدورِها المساهمة فِي حثّهم عَلَى التسلحِ بالعلمِ وَالمعرفة وَمَا مِنْ شأنه السير بهم صوب مستقبلٍ آمن.

لا رَيْبَ أَنَّ اكتواءَ المرحومِ عباس عبود بصعوباتِ الحياة، لَمْ يشغله عَنْ لهفةِ انتظار دخول ابنه يحيى المدرسة، حيث كان طموحه يجعل مِنه أشبه بِمَنْ يُسابق استيقاظ صباحات الأيام صوب تحقيق حلمه فِي رؤيةِ وليده منكبا عَلَى كتابةِ واجباته المدرسية؛ بغية ضمان تهذيبه بما ينسجم مع المعاييرِ الَّتِي تتبناها عائلته المحافظة فِي عمليةِ بناء شخصية الفرد والحيلولة دُون انزلاقه فِي مساراتٍ بعيدة عَما يتمسك به مجتمعنا مِنْ عاداتٍ وَتقاليدَ تمثّل رمز أصالته وامتداد جذوره فِي التأريخِ البعيد، فلا عَجَبَ ولا غَـرَرَ فِي اعتماده الشعر بلسماً لمعالجةِ مَا اِكْتَوَى قَلبهُ حُزْناً وَهو يشاهدُ وطنه محبطًاً يدبُّ عَلَى عَصاه كما في قوله :

( وطـنـي لـيـس هـنـدوســيَّـاً ...

وهـو لـم يـمُـتْ بـعـد ...

فـلـمـاذا يُـريـدون إحـراقَـهُ حـيّـا؟ )

يومَ كان شعبُ العراق يئنُ تحتَ سياطِ الإقطاع وَأذناب المستعمرين، ويرضخ تحت مثلث الجوع وَالفقر وَالمرض الَّذِي جثم عَلَى صدرِ الوطن الكبير وَخيَّم عَلَى جميعِ مجالاته الحَضارية، أدهشني وأثار إعجابي أَنَّ أبوَيْ السماويِّ يحيى كانا يعيشان حينئذ تحت ظلال توأم الإرادة والفقر؛ حيث أنَّ ضعفَ دخل والده قبالة مَا يتطلب مِنْ نفقاتٍ لإعالةِ أسرته، لَمْ يكن ذَّا زَخْمٍ كبير مِنْ شأنه التأثير عَلَى سلامةِ مسار تعليم ابنهما؛ إذ لَمْ يُعِيرَا أيَّ إهتمامٍ لِمَا وَاجههما مِنْ صّعوباتٍ بفعلِ ركونِهما إلى الصّبرِ المعجون بسعةِ الحُلُم عَلَى مشوارِ الحياة، وَالَّذِي ساهم فِي تخطّيِهما مَا تباين مِنَ المشاق :

(  كـان أبـي مُـزارعـاً يـعـمـلُ فـي زراعـةِ الـحـنـطـةِ والـرزِّ ...

 وأمـي تـنـسـجُ الـشَّـرنـقـةْ

 ثـوبـاً جـمـيـلاً مـثـلـمـا الـزّنـبـقـةْ

لـذا نـقـشـتُ مـنـجـلاً يُـعـانـقُ الـمـطـرقـةْ )

لعلَّ خيرَ مصداقٍ عَلَى مَا تقدم هو أَنَّ أبَا يحيى، لَمْ تفضِ به متاعبُ مهنةِ البقالةِ اليومية إلى العزوفِ عَنِ المطالعة؛ إذ كان مثقفاً وَقارئاً جيداً، يحفظُ عَنْ ظهرِ قلب الكثيرَ مِنَ الشعر، فضلاً عَنْ شَغفِه برواياتِ جرجي زيدان التاريخية، وَالَّذِي لا يعلو عَلَيه غير شغفه بكتابِ نهجِ البلاغة، إضافةً إلى أَنَّ حرصَهُ الشديد عَلَى المطالعةِ الدائمة، أفضى مِنْ دُونِ أدنى شك إلى تنميةِ قدرته عَلَى الفهمِ السريع، وَالَّذِي أثارَ فِيه رغبة المواظبة علَى قصِ حكاياتٍ شائقةٍ فِي كُلِّ عشيةٍ علَى عائلته. يُضافُ إلى ذلك إحتفاظه بكتبٍ عدة فِي حجرتِه، وَالَّتِي يتذكر منها يحيى فِي أيَامِ طفولته كتاب القرآن الكريم وَتفسير القرآن وَكتاب نهج البلاغة وَقصص ألف ليلة وَليلة وَبعض روايات جرجي زيدان وَرواية البؤساء، فضلاً عَنْ دواوينِ المتنبي وَعنترةَ بنَ شداد وَالشريفِ الرضي.

مِنْ المؤكّـدِ أنَّ اهتمامَ والده - طيب الله ثراه - بالمطالعةِ، فضلاً عَنْ حرصِه عَلَى اقتناءِ مَا مُتاح مِنَ الرواياتِ ودواوين الشعر وَغيرها مِنَ الإصداراتِ فِي ظروفِ معيشةٍ لَمْ يكنْ مِنْ الميسورِ لربِ الأسرةِ أَنْ يزاوج مَا بَيْنَ متطلبات الحياة - فِي ظلِ تسلط الجوع وَالحرمان عَلَى الأهالي - وَبَيْنَ ممارسة الهوايات الشخصية، كان ذا آثارٍ إيجابية فِي مسيرتِه الأدبية الَّتِي دلف فضاءاتها - فِي سنٍ مبكرة - مِنْ بوابةِ الشعر وَجنونه، وَالَّذِي أفضى إلى عشقِه نظم القصيد، وَارتهانه بِمَا يثمل الروح وَيُفجّر ينابيع الجمال - أشبه ما يكون بِمَنْ يستحيل عَلَيه الاستغناء عَنْ رغيفِ خبزه اليومي - بوصفِه أي الشّعر مرآة للفكرِ وَالحياة، وهو الأمر الَّذِي يجعل السير فِي دروبِ الشّعر سبيلاً للشعورِ بالحياة وَالتعاطي الإنساني الخلاّق مَعَ قضايا الإنسان.

في اعتقاله الأول

أخذوا له صورتين أمامية وجانبية

ثمّ اطلقوا سراحه

فخرج يتلفّت

في اعتقاله الثاني

صادروا أسنانه

ثمّ أطلقوا سراحه

فخرج ويده مُطبقة على فمه

في اعتقاله الثالث

صادروا قدميه

ثمّ أطلقوا سراحه

فخرج يتوكّأ على عكّاز

في اعتقاله الأخير

صادروا روحه

ثمّ أطلقوا سراحه

فخرج محمولا في تابوت

عَلَى الرغمِ مِنْ طغيانِ شيخوخة الزمن عَلَى أيامِ السَمَاويّ الخوالي، وَلاسيَّما مرحلة الدراسة الإبتدائية المفعمة بعفويةِ أحداثها وَبراءة شغب شخوصها الَّتِي عطرت بأريجِها مَا اندرس مِنْ الأزمنة، فضلاً عَمَا تهالك مِنْ الأمكنة، إلا إنَّ طُفُولةَ الروح مَا يزالُ عبقها وَعطر ذكرياتها المتمثل ببساطةِ الحياة وَطيبة الأهالي يفوحُ - حتى اللحظة - مِنْ جنباتِ أطلال مدرسته الأولى - المأمون الإبتدائية - وَمَا حولَها مِنْ مساحات، وَالَّتِي تحولت عَلَى مَرِّ الأيام إلى ورشٍ وَمخازنَ وَدكاكين وَمحلات تجارية وَخدمية وَأسواق، وَرُبَّما مطامر عشوائية للنُفَاياتِ فِي عراق الْيَوْمِ الَّذِي تراجعت فِيه جذوة الخدمات البَلَديَّة والاجْتِماعِيَّة؛ جراء الجهل بموجبات بلوغ الحَضارة، إلى جانبِ إصابةِ الجهاز الإداري بتكلسٍ عقلي، أفضى إلى تخلفِ إدراكه لقيمةِ البنايات التاريخية والتراثية، يَبْدُو واضحاً أنَّ السَمَاويّ مَا أَنْ وطأُت قدماه عَتَبةَ مَدْرَسته، حتى أصبحَ ذا أهمية فِي البيت؛ إذ وجد نفسه ذات مساء أمام وَالده العائد مِنْ حانوتِ بقالته وَهو يتأبط حقيبة مَدْرَسيَّة جديدة، كانت عَلَى بساطتِها وَتواضع ثمنها كافية لإدخالِ الفرحة وَالسرور إلى نفسِ وَليِّ عهده، وَالَّذِي مَا يَزال قلبه – فِي غربته - يخفق وَهو يحتضن أطراف تلك الحكاية الَّتِي تملأ صدره بحرقةِ الحنين وَسرعان مَا تنسج مآقيه غيومها. وَالمتوجبُ إدراكه هُنَا أنَّ سعيَ الآباء المربين لِغَرسِ حب القراءة - وَمجموعة قيم الفضيلة الَّتِي بوسعِها المُسَاهَمَة فِي تنمية قدراته وتعزيز معارفه - فِي القلوبِ الرقيقة للأبناءِ خلال مرحلة الطُفُولة، يبقى أثره ثابتاً كالوَشْمِ لا يُمْحى فِي بقيةِ مراحل العمر، بالإضافةِ إلى تأثيرِها بشكلٍ كبير فِي تحديدِ ملامح الإنْسَان وَطباعه وَأخلاقه، فالطُفُولة بحسبِ المُتَخَصِّصين تُعَدّ بوصفِها وجه الشعب المشرق بالأملِ وَروحه المتوثبة اليقظة؛ لأَنَّها المرحلةَ الَّتِي تستند عَلَيها جميع مراحل عمر الإنْسَان. وَلارَيْبَ أَنَّ تلكَ الحقيقة الصادمة تفرض عَلَى الباحثين والمُؤَسَّسات الثقافيَّة وَالتَرْبَوِيَّة وَمُنَظَّمَات المُجْتَمَع المَدَنيّ وَغيرها مِن المفاصل الإدارية الشروع بدقِ جرس الإنذار فِي بلادِنا؛ لأجلِ مواجهةِ مُشْكِلة الطُفُولة المهمّشة المتأتية مِن ضعفِ الوعي بأهميةِ التَّرْبِيَة السليمة للطُفُولة عَلَى الصعد كافة، وَالَّتِي تُشكلُ خطرا عَلَى الاستقرارِ الاجْتِمَاعِيّ.

جـئـتُ عـريـانـاً الـى الـدنـيـا

وحـيـداً

بـدمِ الـطَّـلْـقِ مُـعَـفَّـرْ

ألـبـسـونـي بُـردةً بـيـضـاءَ لا أكـثـرَ مـن مـتـرِ قـمـاشٍ

وغـداً أمـضـي كـمـا جـئـتُ وحـيـداً

أرتـدي بـضـعـةَ أمـتـارِ قـمـاشٍ لـيـس أكـثـرْ

فـكـأنـي عـشـتُ كـلَّ  الـعـمـرِ

كـي أربـحَ مـتـريـنِ قـمـاشـاً قَـدْرَ مِـئْـزَرْ

فـلـمـاذا كـلـمـا أذكـرُ " نـذلاً " بـاعَ بـسـتـانـيَ غـدراً

أتـحـسَّــرْ ؟

ولـمـاذا أتـذمَّـرْ

مـن خـريـفٍ

بـعـدمـا كـنـتُ ربـيـعـاً

ضـاحـكَ الأعـشـابِ أخـضـرْ ؟

أنـا لـمْ أعـثـرْ

ولـكـنَّ طـريـقـي بـيْ تَـعَـثَّـرْ

فـأنـا مَـنْ أبـدلَ الأشـواكَ بـالـوردِ

وأحـجـاراً بـجـوهَـرْ

وأنـا مَـنْ أغـمَـضَ الأسـمـاعَ عـن مِــئـذنـةِ الـحـيِّ

ولـكـنْ

عـنـدمـا عـانـقَ " بـنـتَ الـحَـيِّ " كــبَّــرْ

هـرَبَـتْ مـن عـطـرِهـا الـوردةُ

والـمـاءُ عـلـى الـجُـرفِ تـحَـجَّـرْ

والـنـدى فـوق مـرايـايَ

تـخَـثَّـرْ

هـا أنـا أبـحـثُ فـي الـيـقـظـةِ عـنـي الانَ

فـي صـدريَ أزهـارٌ

وفـي ظـهــريَ خـنـجـرْ

فـأغِـثـنـي يـاحـبـيـبـي

لـيـس لـيْ غـيـرُكَ مَـنْ يــســتـرُ عُـرْيَ الـروحِ

لـو جـئـتـكَ بـالإثـمِ مُـعـفَّـرْ

 

لَطيف عَبد سالم

 

 

hasan maysiralaminشخصية موصلية علمية اخرى وعلمٌ من أعلام جامعتها العتيدة وقامة من القامات العالية من الذين حباهم الله برعايته وكنفه فحلّق عاليًا في سماء الإبداع فكان التوفيق ملازمًا له طيلة حياته العملية والعلمية، وأبدع أيما إبداع في الغوص بدهاليز علوم الرياضيات والحاسبات العميقة وخفايا هذا العلم الدقيق وما يكتنز من مفاهيم ونظريات رياضية معمقة ففك شفراته المعقدة وحل لغزه وأسراره المتشعبة، فنفع الكثير بعلمه وترك طيب الذكر والأثر في مجال عمله وإختصاصه، فغَدا نجمًا ساطعًا ومثالًا للإخلاص في العمل والتفاني، طاقة لا حدود لها وإمكانية لا تعرف الكلل والملل والمستحيل، ومن الذين إذا غابوا عُدُّوا وإذا حضروا تسّيدوا المكان بدماثة خُلقهم الرفيع وعلمهم الرصين وتواضعهم الحميد، عالِمٌ عامِلٌ بِعلمِه، منبعُ أصالة في الوفاء والإخلاص للموصل وأهلها، أنيسٌ حين تحاورهُ، كريمٌ عطوفٌ متواضعٌ خَدوم، محبوب من جميع زملائه في العمل ومن طلابه والمتعاملين معه، انه ابن الموصل البار، أستاذ العلوم الإحصائية والمعلوماتية في جامعة الموصل، الأستاذ الدكتور (باسل يونس ذنون الطائي)، مواليد الموصل عام (1951)، درس مدارسها وأكمل دراسته الأولية فيها وتخرج من الأعدادية الشرقية في الموصل عام (1970) وحصل على شهادة البكالوريوس (بتفوق) من كلية العلوم في جامعة الموصل - قسم الرياضيات و الإحصاء عام (1974) .

باشر عمله الوظيفي (مساعد باحث في قسم الرياضيات التابع لكلية العلوم عام (1976) بعد إنتدابه من الخدمة العسكرية وحتى عام (1980)، حصل على بعثة دراسية للدراسات العليا، ونال شهادة الماجستير عام (1981) ثم الدكتوراه عام (1984) من جامعة مانشستر في المملكة المتحدة وأختص بموضوع (تحليل المتسلسلات الزمنية والعمليات التصادفية وتطبيقاتها والرياضيات التطبيقة والحاسوبية والضبابية) .

عاد إلى العراق والتحق بالتدريس في جامعة الموصل وتدرج في الدرجات العلمية حسب الإستحقاق الوظيفي (مدرس للفترة من عام 1985 – 1990)، (استاذ مساعد للفترة من عام 1990 – 1998)، (حصل على لقب الأستاذية عام 1998) .

شغل طيلة حياته الجامعية العديد من المناصب  (مقرر لقسم الرياضيات للفترة من عام 1990 – 1995)، (رئيس قسم الرياضيات للفترة من عام 1998 – 1999)، (رئيس قسم علوم الحاسبات للفترة من عام 2000 – 2001)، (عميد كلية علوم الحاسبات والرياضيات للفترة من عام 2003 - 2004)، (رئيس قسم الرياضيات للفترة  من عام 2011 - 2015)، (رئيس تحرير - المجلة العراقية للعلوم الإحصائية وهي مجلة قطرية متخصصة منذ العام (2003) وحتى أحداث عام 2014)، (رئيس لجنة الترقيات العلمية بكلية علوم الحاسوب والرياضيات لقرابة (10) سنوات، استاذ متمرس في جامعة الموصل منذ العام (2016)  بعد إحالته على التقاعد لإكماله السن القانوني .

1434 musir

يُعد الأستاذ الدكتور (باسل يونس ذنون) من الرواد المُجدّدين على مستوى العراق، حيث قام بإدخال العديد من المواضيع العلمية في علوم الرياضيات التطبيقية والعلوم الإحصائية والمعلوماتية الحياتية والرياضيات الضبابية وألَّف كتب منهجية في هذا المجال والتخصص، تُدرَس حاليًا في جامعات عراقية وعربية، كما يعتبر من المساهمين في إنجاح تجربة (كلية علوم الحاسوب والرياضيات)، إضافةً إلى جهوده الحثيثة في إدخال الأجهزة الحاسوبية المتطورة ومعداتها وملحقاتها الى الجامعة وتقديم الإستشارات العلمية لطلبة الدراسات العليا في مختلف الكليات، داخل الموصل وخارجها .

حصل على المرتبة الأولى على الجامعات العراقية بحسب الاختصاص عام (2011)، تم تكريمه بعددٍ من الدروع التميزية والجوائز التقديرية من وزارة التعليم العالي وجامعات عراقية ومؤسسات تربوية وعلمية عديدة، علاوةً على كتب الشكر والتقدير لجهوده العلمية المبذولة منها (9) تشكرات ممن بدرجة وزير و (19) تشكر ممن بدرجة مدير عام .

له الغزير من النتاج العلمي الرصين حيث نشر (104) بحثًا علميًا متخصصاً في الولايات المتحدة وبريطانيا ومصر والكويت وقطر والأردن والإمارات فضلًا عن العراق، ويمتلك العدد الأكبر فيما نشره من كتب في مجال إختصاصه في الكلية، حيث نشر (7) كتب علمية ومنهجية لحد الآن، وهو الآن بصدد نشر (6) اخرى معدة للطبع قريبًا، وله كتاب ثقافي آخر في مجال الإعجاز العددي للقرآن الكريم في مرحلة الإنهاء والطبع أيضًا .

تخرَّج على يده عشرات الآلاف من الطلبة، منهم من تَبَوَّأَ مناصب رؤساء جامعات أو عمداء كليات أو شخصيات تشغل مواقع مرموقة في المجتمع،  وأشرف على (57) رسالة دراسات عليا منها (39) رسالة لنيل شهادة الماجستير و (18) رسالة لنيل شهادة الدكتوراه لطلبة أقسام (الرياضيات والإحصاء وعلوم الحاسوب وهندسة الري والبزل)، علاوةً على مشاركته المتميزة وحضوره القوي في (14) مؤتمرًا علميًا عقد داخل العراق وخارجه، كما وأعيرت خدماته إلى دولة اليمن، جامعة ذمار، كلية الحاسبات للفصل الدراسي الأول عام (2000) .

نشر العديد من البحوث والمقالات في مجلات علمية رصينة داخل العراق وخارجه، والتي تعكس توجهاته البحثية في مجالات علمية متعددة، ففي علم الرياضيات نشر بحوثًا حول (النمذجة الرياضية والماركوفية، الرياضيات الضبابية، النظم الحركية والهندسة الكسورية، نظرية الفوضى، نظرية السيطرة، التعرّف على الأنماط، الإعجاز العددي للقرآن الكريم)، وكذلك في العلوم الإحصائية حول (نمذجة وتحليل المتسلسلات الزمنية، العمليات التصادفية وتطبيقاتها، النمذجة الماركوفية)، وفي علوم الحاسوب حول (المحاكاة، التعرُّف على الكلام، الإنتحال الحاسوبي، تنقيب البيانات)، وعن المعلوماتية الحيوية حول (نمذجة ومحاكاة الحوامض الامينية، التنبؤ بالتركيب الثانوي للبروتينات)، وفي علم الإنترنت حول (الملاحة والتقصي عن وصلة موقع، توزيع خدمة الإنترنت) .

كما وتزخر صفحته الفيسبوكية بالعديد من المنشورات العلمية والثقافية والأدبية والصحية فهو ينشر تباعاً ضمن مقالات متتابعة ومتسلسلة  عن شخصيات موصلية تركت بصماتها داخل المدينة ومقالات أخرى عن شخصيات تاريخية مختارة، كما وله إهتماماته الواسعة بنشر مواضيع تتعلق بنشر الثقافة العلمية والصحية، ومواضيع اخرى مستوحاه من ذاكرته العامرة عن مواقف وأحداث مر بها ويرويها بكل سلاسة وبأسلوب شيق وجميل تحت عنوان (شذرات من الذاكرة)، وينشر كذلك مواضيع عن خواطر مدينة الموصل وعن حيثيات التواصل الإجتماعي ومفاهيم رموزه،  وله العديد من الإهتمامات الشعرية التي ينشرها ضمن سلسلة بعنوان (مختارات شعرية)، وينشر كذلك مواضيع عن قصص واقعية وعن الطرائف والحِكم والأمثال، علاوة على مشاركاته الملحوظة والقوية جدًا في التفاعل وإبداء الرأي والمشورة لغالبية المقالات التي تنشر عن الوضع الحالي الذي تمر به الموصل والمقترحات المطروحة للخروج بأفضل آلية لوضع برنامج يساعد على النهوض بالمدينة إلى أحسن الأحوال وبأسرع وقت، وله حضور قوي ومتميز مع غالبية ما نتشر من مقالات عن الموصل وآخرها سلسلة الأقوال التي ننشرها الآن تباعًا .

ومن خواطره التي كتبها ويسرني إقتطاف فقرات منها وتوثيقها في سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها، كشهادة حيه لشاهد صادق وأمين، لما تضمنته من كلام بليغ نابع من إيمان قوي بالقدر خيره وشره وعن عزيمةٍ لا تلين وصلابة في المواقف الصِعاب وكذلك وفائه الكبير تجاه المواقف الإيجابية التي مر بها، وهي الخاطرة رقم (36،37) والتي نشرها بتاريخ (24/7/2017) تحت عنوان (رحلة النصف عام) والتي لخص فيها رحلته الإجبارية التي ترك فيها الموصل بعد تعرض داره لسقوط قذائف هاون خلال عمليات التحرير بتاريخ (11/1/2017) وإصابة نجله الأكبر بجروح بليغة نتيجة إستقرار (8) شظايا في الصدر والفم والكتف الأيسر وأستقرت إحدى الشظايا في الرئة اليسرى، وكيف تعذر جلب الطبيب له إلا بعد (5) أيام وكانت أختاه تعالجانه بالإمكانيات البسيطة المتاحة، وتعرض منطقتهم السكنية في (الكفاءات الثانية) الى (17) سيارة مفخخة إضافة على إصابة سيارته الشخصية وكذلك واجهة البيت بأضرار بليغة، حيث وصف تلك الأيام القاسية بشدتها وهول ما فيها من أحداث قائلًا: (ولا أجد أصدق من قوله تعالى في وصف ذلك المشهد المروع (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)، متوجهًا وعائلته الى مدينة كركوك على وجبتين، مرورًا ببغداد في رحلة شاقة حيث غادر نصف العائلة مع نجله المصاب أولًا بتاريخ (21/1/2027) ثم لحق الدكتور باسل بهم بعدها بأسبوعين، وبتاريخ (21/7/2017) عاد الجميع الى مدينتنا الحبيبة الموصل (نصف عام تمامًا) .

وأشاد في مقاله هذا كثيرًا بما لمسه من تعاون متميز من اهالي مدينة كركوك الكرام قائلًا :

(لقد رأيت أمثلة حية للبر والوفاء عند أهل كركوك الطيبين وإحتضانهم لنا ومواقف أخوية صميميه تجاهنا، فلم نرَ منهم سوى مواقف أخوية نبيلة صادقة تجاهنا نعجز عن التعبير عنها، فوالله ما شعرنا بأي غربة ونحن متواجدون في كركوك، بل نشعر أننا بين أهلنا وأقربائنا) .

وتطرق ومن باب الشيء بالشيء يذكر، إلى  الموقف النبيل لكل من (الأستاذ الدكتور عباس حسن تقي الجليلي، رئيس جامعة كركوك) قائلًا عنه (فقد كان موقفه تجاه طلبة الموصل ومنتسبيها موقفًا مشرفًا ينم على أصالة هذا الإنسان الأصيل تجاه الجامعة التي تخرج منها، وكان لا يكل ولا يمل عن تقديم كل أنواع العون والدعم بدءا من مشاكل السكن وإنتهاءا بالقضايا التدريسية، كما كان موقفه معي بوصفه أحد طلبتي الذين أعتز كثيرا بتدريسي له، كان موقفا جليلا يصعب عليَّ وصفه، مما يعكس سمو أخلاقه ونبله ومعدنه العراقي الأصيل)، كذلك الموقف الأخوي والتعاطف الكبير الذي أظهره (الدكتور مهند أحمد محمود، رئيس قسم الرياضيات جامعة كركوك)، قائلًا عنه (فقد كان أخا عزيزا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وفي تواصل مستمر معنا)، وأضاف (والشكر موصول للعديد من طلبتنا من خريجي جامعة الموصل والمتواجدين في كركوك فكانوا أوفياء وأبرار يتسارعون في السؤال عنا باستمرار)، نسأل الله تعالى أن يجازيهم جميعا بكل خير وأن يحفظ مدينة كركوك من كل سوء ويجنبها الأشرار .

وأسترسل بالقول : (ومن الذكريات الجميلة في كركوك جامع الصادق الأمين الذي تعايشتُ فيه لنصف عام كامل، ما أجمل تلك الساعات المعبقة بروحانية ذلك الجامع، وما أجمل ليالي رمضان فيه وصلاة التراويح والقيام) .

وختم مقاله بما أستنتجه من خلال هذه الرحلة حين قال، لقد كانت رحلة النصف عام رحلة مفيدة وغنية بالدلالات ونقلتنا من عالم الخيال الى عالم الحقيقة والواقع وكشفت لنا الكثير الأمور التي لم نكن لنتوصل اليها بدون هذه التجربة، أول هذه النتائج هي ثمرة تقوى الله جل جلاله، من الأمور المواظب عليها قراءة قوله تعالى في سورة الطلاق (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) وقوله تعالى في السورة نفسها (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا )، إن ما أصابنا في هذا الظرف الصعب هو إبتلاء (إمتحان وإختبار)، يقول الله تعالى في محكم كتابه (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )، نعم فقد تضمن هذا الإمتحان البالغ الصعوبة شدائد الأمور (الخوف والجوع والموت ونقص الأموال ونقص الثمرات)، فالصابرون هم الذين نجحوا في هذا الإمتحان ولهم البشارة العظيمة، ومن الفوائد المهمة للمحن التي تصيب الإنسان أنها تكشف معادن الناس وأخلاقياتهم، فهناك أناس من الذين يقومون بالواجب الأخلاقي في مثل هكذا ظروف قاسية تعجز الكلمات عن التعبير عن نبلهم وسمو مواقفهم، وهناك أناس لا تسمع منهم سوى الكلام المعسول ولكن بلا أي فعل محسوس، وهناك صنف ثالث من الذين لا يهمهم ما يجري لإخوانهم وأهليهم بشيء كل ما يهمهم مصالحهم الشخصية الضيقة - (أنتهى الإقتباس) .

كما حال جميع المخلصين والمحبين للعراق وشعبه ولنينوى وأهلها وللموصل ومن فيها من مكونات وأديان ومذاهب عاشوا على ارضها واقتاتوا من خيراتها ونهلوا من دجلتها العذب وتنشقوا هوائها العليل، وهو يشيد دائما بأطياف الموصل ومآثرهم وما تركوا من طيب الذكر والأثر ويمقت بشدة  الطائفية اللعينة وأدواتها وأبواق التقسيم ودعاة الأقليم والإرتماء بأحضان الأجنبي وكل محاولات الإنفصال والإنسلاخ عن الوطن الأم، ويرى في الفسيفساء المتلألئة التي تمثل اهالي محافظة نينوى ومكوناتها من مسلمين ومسيحيين وأيزيديين ومن عرب وأكراد وتركمان، هو مدعاة فخر ومصدر قوة لها ومنبع عزم وإصرار لمكوناتها أجمع على تحدي كل الظروف التي حاقت بها عبر كل الأزمنة والعصور وهذا ما سيعيد للمحافظة بهاءها ورونقها كما عادت بعد عديد الغزوات والكبوات التي مرت بها عبر التاريخ، حيث قال في رسالة بعثها على الخاص لإبداء رايه فيما يُطرح من أقاويل وتصريحات وبما يُنشر على مواقع الفيس بوك حول الأوضاع الحالية التي تمس الموصل بالصميم من أدعياء كل ما هو منبوذ وغير مقبول من أهلها المخلصين ورجالاتها الشرفاء والصادقين حين قال: (مدينة الموصل الحدباء ... مدينة الأولياء والصالحين والمفكرين، ومشكاةً للعلم والمعرفة، كانت وستبقى، بأطيافها الجميلة المتعددة مدينةً للتآخي والسلام، وبسواعد أبنائها الأبرار، ستعود شامخةَ البناء والعمران) .

والتي اخترتها كمقولة كما في الصورة أدناه، وأضعها أمامكم سادتي الكرام متمنيًا أن تنال رضاكم وأن تأخذ صداها كمقولة وشهادة صادرة من رجل حكيم ونبيل وأستاذ جامعي قدير ومربٍ فاضل، يُكِنُ كل الحب لمدينته وأهلها، وأرى فيها حكمةً بالغةً ودافعًا معنويًا كبيرًا  لأهالي الموصل الحدباء قاطبةً وللشباب والشابات من اهل مدينتي العزيزة على الإستمرار وبدافعهم الوطني والغيور على مواصلة خدمة الموصل وأهلها من خلال أعمالهم التطوعية التي يشهد لها الجميع والتي أنبرى لها شباب الموصل وشاباتها الأصلاء والمتمثلة بحملات التنظيف وإزالة الأنقاض وحملات المكتبة المركزية في جامعة الموصل وجمع الكتب وإقامة المهرجانات وغيرها مستمدين العزم والإصرار من تاريخ مدينتهم العريق ومن قوة وصلابة الوشائج الإجتماعية والترابط القويم الذي كان سائدًا بين أهلها ومكوناتها أجمع، وفاءًا للموصل واهلها ولمنارتها ولأرثها وأمجادها الخالدة ولشهدائها وجرحاها والمكلومين من أهلها ويحدوني الأمل السعيد بمشاركتكم وتفاعلكم مع المقولة المختارة بإعتباره عنوانًا عريضًا لمناقشة مضمونها والذي يعني ضرورة التآخي والتعايش لتجاوز ظروف ومحنة الموصل الحالية وإبداء رأيكم السديد بخصوصها وتقبلوا وافر الإحترام والتقدير .

 

حسن ميسر صالح الأمين

 

 

abduljabar noriلم أفزْ يوماً بلقاء هذا الجبل والقامة الشامخة بيد أني مدمن على قراءة نصوصه الشعرية في وخزات الغربة وجروحات المنافي ولعقدٍ من الزمن وأنا صديق دواوينه السبعة، والذي أتضح لمحافل الأدب وأسواق الشعر بأن المهاجر حصل على درجة البروف من متلقيه وتلقيت صدمة رحيله  وأنا أقرأ على صفحات النت صبيحة يوم الأربعاء 8.11.2017 وفاتهُ في مدينة (برزبن) الأسترالية بعد صراع مع مرضٍ عضال، وأنا غارق في متاهات آلامه وجروحات الغربة العميقة، وليحط قدماه في درب العراق لا سواه ليجتث في طريق رحلة البحث (الكلكامشية) عن الحقيقة فوجدها قمامة عفنة ليركلها بكلتا قدميه  وهو يقول:

كل الدروب إلى المأساة أعرفها

وليس دربٌ إلى سعدٍ يناديني

أبحرتُ في لجج الآهات متشحاً

بالهم والفقد يجري في شراييني

ناديتُ من سكنوا قلبي فأرعبني

أن النداء نشازٌ في التلاحيني

أنهُ " صباح الأنصاري" من أوائل المعتقلين من كوادر حزب الدعوة، لقد تركنا بصمت وترجل بسكينة وهدوء الكباروهو ثابت الخطوة يمشي ملكاً نحو الملكوت الأعلى (ليشكي ربهُ جفاء رفاق دربه ... مات نقياً لم يتلوّث بالفساد والسرقات) ... مقطع من مرثية صحيفة المثقف بحق الشاعر/أنتهى .

وقد ترجل مبكراً أحد الكبار . ونحن نتجرع غصة هذا الزمن الأغبر – وهكذا ديدن العظماء حين يرحلون بصمت وسكينة يؤثرون على أنفسهم أشغال الآخرين، طوبى لك أيها الشاعر الصوفي لقد عشقت العراق وتجرعت كأسها المرْ حد الثمالة وأنت تنظربأحتقار إلى خفافيش الليل ركاب القطار الأمريكي كيف ينهشون وطننا كالذئاب المفترسة حين تتكالب على الفريسة، وقد حولت بوصلتك عن ذلك الكرسي اللعين وكان رهانك الولاء والأنتماء والتسامي الكيمياوي في عشق العراق، فصدق الشاعر الفلسطيني محمود درويش حين قال: (أذا أردت أن تكون شاعراً فكن عراقيا ً) .

مصطفى المهاجر شاعر الأحاسيس تشعر بعبق قصائده الثرّة بالأنسنة وحب الآخرين وتتدفق روافد تلك النصوص الشعرية الجميلة لتصب في بركة العمر اللجية المتدفقة هي الأخرى بالعواطف الجياشة المسلفنة بذلك العشق الصوفي للوطن والحرية ومعاناة الغياب وأستلابات المنافي، وترجم تلك الآهات والجراح العميقة بترنيمة ملائكية عبر أيقونة قصائدهِ الحزينة المعبرة عن عمق جراحات الوطن والسلوكيات السالبة لرفاق الأمس، فطوبى لك لقد حصلت على أرفع وأرقى وسام من شعبك المغلوب على أمرهِ وهو (الذكر الحسن) لآنك أخترت طريق القيم والزهد فتقاربت مع أمام الزهد والعفاف الأمام علي حين قال : الدنيا دار ممر إلى دار قرار، والناس فيهما رجلان رجلٌ باع نفسهُ فأوبقها ورجلٌ أبتاعها فأعتقها) محمد بن أحمد الذهبي / سيرة الأمام علي 2017.

لا تعجبوا بفقد الشاعر المبدع " مصطفى المهاجر صباح الأنصاري" حين تصبح القوافي حزينة والأوزان تفقد بوصلتها نقطة الجذب المغناطيسي، فأنت ذاكرة أمّة وضمير وطن، عزفت بأوجاع دواوينك السبعة . الخضر اليانعات.، أوجاع الوطن العراقي على أوتار سومرية وبابلية، وأنت يا أبا حوراء العزيز في زمن الجدب، وحين تكون أشعارك زاداً ثقافياً ومعيناً لا ينضب، فهي حقاً ذاكرة أدبية في سماء الوطن، تغزل المهاجر البكائي صوفياً وعذرياً بوطنه العراق ممزوجاً بالدموع وتنفث آهاتاً من خلال أوجاع الغربة والفراق فيضطر المتلقي الأندماج ومشاركته وخزات الضمير وتدافع أرهاصات اللاوعي للشاعر فهو يقول:

فكل الدروب تحيط بنا

وتدفعنا كي نحط لديك

وهذه المزامير تبكي عليك

وشعرهُ غائص في الحنين والعواطف الجياشة وآهات آلام الغربة، يقول:

في الهزيع الأخير من الليل

أنثر أوراق عمري الحزين

أقلبها .....

أعدد ما مرّ

من خيبة ... غربة ...عرقٍ ...أو دمٍ ... وحنين

وأقرأ بين السطور

التي شفّها الوجد

خاتمة لا تبين

هنا

ضاع لي صاحبٌ

عشرةٌ منهُ في السجون

عبد الجبار نوري .كاتب عراقي / ستوكهولم

 

 

abduljabar alrifai2

يرحل جزءٌ مني مع رحيل كلّ صديق نبيل من هذا العالم. رحل اليوم للملكوت الأعلى أحدُ الملهِمين الأخلاقيين في حياتي، رحل مصطفى المهاجر، وهو الاسم الذي اختاره "صباح بن الشيخ ميرزا محمد بن شيخ حسين الأنصاري" يوم كنا معاً في المنفى.

 ولد صباح الأنصاري بمدينة العمارة جنوب العراق سنة 1952، وتخرج في كلية الهندسة التكنولوجية ببغداد سنة 1975. هاجر من وطنه العراق مضطراً، بعد مطاردته من نظام البعث، سنة 1982، واستغرقت رحلته المضنية شهراً كاملاً. وأقام بدمشق سنوات طويلة، حتى غادرها إلى منفاه الاضطراري الأخير استراليا. وكان مثابراً في دار مهجره على: المطالعة، وكتابة الشعر والمقالات، والمشاركة في الفعاليات الثقافية والأدبية، وتعلّم اللغات: الفرنسية والروسية والفارسية، مضافاً إلى الانجليزية.

منذ التقيت صباحَ الأنصاري للمرة الأولى، قبل أكثر من أربعين عاماً في أربيل ١٩٧٦ وحتى وفاته، بهرني ضميرُه الأخلاقي الصارم، وألقُه الروحي الموحي، وخبرتُه الثقافية المستقاة من خارج سياق أدبياتنا في الحركة الاسلامية. لم يكن أحدٌ من أصدقائي الإسلاميين وقتئذ يقرأ النصوص المسرحية العظيمة لشكسبير والأعمال الرائدة في المسرح العالمي، لكن صباح كان مدمناً على مطالعة كلّ ما صدر ويصدر في السلسلة الشهيرة "من المسرح العالمي"، التي كانت تصدر كل اسبوعين بانتظام عن وزارة الاعلام الكويتية. قال لي: "كنت أقرأ كل يوم واحدة من أعداد هذه السلسلة المسرحية المهمة، بموازة مطالعاتي الأخري".

1430 rifaeiبعد تخرجي في العام الدراسي 1975 ساقوني للجيش، وكانت مدةُ خدمة الخريجين سنةً ونصف، أمضيت أشهر التدريب في "مدرسة قتال الفرقة المدرعة الثالثة" في الحبانية، وتأخر نقلي بمعية مجموعة لا تتجاوز عشرةَ أشخاص من زملائي، من مجموع 220 خريجاً من دورتي، لأن الاستخبارات العسكرية أبرقت بتحفظ أمني على هذه المجموعة، وضرورة توزيعهم إلى وحدات عسكرية غير مسلحة، لأن بعضَنا كان اسلامياً، والآخرَ شيوعياً. فنقلوني وبعضَ الزملاء بعد عدة أشهر إلى "سرية أشغال فرقة المشاة الثامنة" في أربيل. هناك التقيتُ صباح مرزة الأنصاري، الذي تعرّض للنفي مثلي لوحدة عسكرية كانت منفى المعارضين لنظام البعث. أول الأيام لفتتني مواظبتُه على الصلاة في أوقاتها، مهما كانت الظروف، والتزامُه بتلاوة آيات من القرآن، وقراءة دعاء من الأدعية المنسوبة للامام زين العابدين "ع" في الصحيفة السجادية، مع كل فرائض الصلوات التي يؤديها. وهو طقس تصعب المواظبةُ عليه في الجيش العراقي.

كان صباح الأنصاري صامتاً، لا يتحدث عن نفسه، ولا يفصح عن شيء من مواهبه وخبراته وتجاربه، ولا يذكر غيرَه بسوء. أقبلتُ بتلهف عليه بعد أيام قليلة من تعارفنا، عساني أكتشف ما يختبئ من ثقافته، وأتعلم شيئاً من حكمتِه في الصمت، والتغافلِ وعدمِ الإصغاء للوشايات والهذيانات المتفشية لدى كثيرين. كان ضنيناً بما لديه، وكأنه مستودعٌ جواهر نفيسة، لا يبوح بما يكتنزه إلا للخواص.كان شجاعاً لا يكترث كثيراً بما تفرضه عليه التقاليدُ الاجتماعية من علاقات عشوائية، ولا يخاف الأعرافَ الفوضوية التي تنتهك الخصوصيةَ الشخصية بعناوين رثة، وتهشّم الأسوارَ الخاصة لاستقلالية الكائن البشري. تعلمت منه حماية الحياة الفردية، وتكريس الضمير الأخلاقي، وهي حالة كنتُ بأمسّ الحاجة لها، لأن تقاليدَ القرية التي ولدتُ فيها، وأعرافَ القبيلة التي  أنحدر منها لم تسمح بنموّ وتطوّر الفردية في شخصيتي، إثر الخوف المزمن من عبور هذه الأعراف، وتبريرها الخضوع لها بعنوان يشي بمضمون أخلاقي تسميه تقاليدنا "عيب"، رغم انا نظلّ نكتوي بمراراتِ انتهاك الخصوصية، وفقدان الحياة الخاصة، والعجزِ عن امتلاك الحرية الشخصية.

لم تتوطد صلتي بصباح الأنصاري بسهولة، خلافاً لما انتظمتْ فيه الكثيرُ من علاقاتي الاجتماعية قبل التعرّف عليه، أنا الرجل الموصوف بغزارة علاقاتي وتنوعها، وعشوائيتها في الماضي، لأن صباحَ أولُ شخص أجده يمتلك ذاتَه، ويعرف جيداً ألّا قيمةَ لأيّ شيء يمتلكه الانسان خارج الذات إن كان لا يجدها، فإنه حتى لو ربح العالم كلّه لن يمتلك شيئاً ذا قيمة حقيقية لو افتقد ذاتَه.كنت أندهش أحياناً من صلابة شخصيته وشجاعته، وعدم مجاملته للأشخاص الذين يريدون أن يقتحموا عليه عالمه الخاص، فقد ظلّ يمتلك قراراتِ بناء صداقاته وإدارة علاقاته كما يريد لا كما يريد غيره، ولا تفرض عليه علاقاتٌ فائضةٌ لا جدوى منها، ولا أثر يثري حياة الانسان بمعنى فيها، كما كنتُ أنا عليه من انغماس في ثقافة "العيب"، التي ضاع معها الكثيرُ من عمري وجهدي ومالي على صعاليك متطفلين، يجيدون تمثيلَ دورَ الضحية في الحياة، وطالما سلبوني أمني النفسي مع كل ما قدمته لهم مجاناً.

كان صباح صادقاً في سلوكه، لم أجد له سلوكاً أو موقفاً تكذب فيه أفعالُه أقوالَه. ومضى على ما عرفتُه عليه كلّ حياته. كان عصياً على التنميط والتماهي مع بشر لا يشبهونه. وذلك ما جعل صداقاتِه نوعية، يقتصر فيها على من ينتقيهم ممن حوله، ويراقب سلوكَهم، ليختبر مصداقية شخصياتهم.

قلما وجدتُ شخصيات أصيلة كهذا الشاعر الجميل، الذي لم أرَه في موقف تملّق أو تزلّف أو مداهنة أو رياء أو كذب أو نفاق أو ازدواجية، مثلما رأيتُ بعضَ الشعراء من مجايليه. أجهض أيّةَ محاولة لتركيعه من بعض رفاق الدرب، وظل مناهضاً لكلّ محاولات استعباد وتسلّط الغير. باءتْ بالفشل كلُّ جهود ترويضه على العبودية والانقياد، لأن وفاءه لحريته كان أكبر من إغواء كل مغنم مقابل التنازل عنها، إذ كان يعرف جيداً أن ثمنَ الحرية باهضٌ، ثمنٌ لا ينجزه إلا الزهد بالمال والسلطة، وهكذا كان كائناً حراً بالفطرة. فقد كان يهمس لي بآلامه، وهو في منفاه الاسترالي عبر الهاتف، ويحكي لي في زياراته الشحيحة للعراق، فيبثّ شيئاً من لوعته المليئة بالأسى لما آلَ اليه مصيرُ بعض السياسيين من رفاق دربه، ولما انتهى اليه حالُهم في التهافت على السلطة والمال، رغم انهم جميعاً في خريف العمر. 

ربما لا يعرف كثيرون أن صباحَ الأنصاري من أوائل المعتقَلين من كوادر حزب الدعوة، كانت ليلةُ اعتقاله موجعةً، إذ اقتادتْه الاستخباراتُ العسكرية أمامنا مصفداً بالأغلال، قبل أكثر من أربعين عاماً، من المعسكر في أربيل. ولبث في الأمن السياسي في العمارة مدة ليست قليلة، تعرض فيها لتعذيب عنيف، من دون أن يدلي بمعلومات تؤذيه أو تؤذي رفاقَه في التنظيم، فاضطرّ الأمنُ أخيراً للإفراج عنه اثر صموده. وعندما عاد الينا لم أرَ عليه أيَّ انكسار أو خوف أو تردّد، وكأنه كان في إجازة اعتيادية. واصل ممارسةَ حياته كما كان من قبل، ولم يتفوّه بكلمة واحدة يومذاك عن سجنه في زنزانات البعث وتعذيبه، ولولا مشاهدتي للحظة اعتقاله وما حدّثني به لاحقاً، لم أكن أعرف شيئاً عن ذلك.

مصطفى المهاجر شاعر غزير العواطف، رقيق المشاعر، دافئ الطبع، يطيل النظرَ والتأملَ فيما حولَه من أشخاص وأشياء، وإن كان صامتاً لكنه يغوص في منولوغ باطني عميق. ظل متيماً بكلّ ما يرمز لوطنه العراق، وروحه تنزف بكل جراح العراق. لم تخرج نصوصُه عن لوعةِ الغياب عن الوطن ومواجعِ المنفى. منبعُ إلهامه ذاكرةُ الوطن، أصدر ديوانَه الأول: "غائبٌ كالوطن حاضرٌ كالبكاء"، فكان موشى بكلّ ما يضج به المنفى من أسى، وما يكتبه الغيابُ عن الوطن من لوعة، وكتب كل أعماله اللاحقة بجراح الوطن، ووحشة المنفى الذي أكل روحه فكتب بكائيات منفاه في ديوانيه "وحدي"، و"وجع الأسئلة الليلية".

 مكث مصطفى المهاجر في منفاه يشدو ألحانَ الوطن من دون أن يكترث به الوطنُ، ويناجي الوطنَ من دون أن يصغي إليه الوطنُ، ويبكي الوطنَ من دون أن يشفق عليه الوطنُ، ويكتب للوطنِ لكن الوطنَ يمحو كلَّ ما يكتب... " إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ". 

 

عبد الجبار الرفاعي  

 بغداد 8-11-2017

 

 

 

salam khadomfarajيا مصطفى المهاجر كنت أتمنى ان تكتب عني بعد موتي. وها انا أصارع الكلمة والدمعة  لكي اتحدث عما يعنيه رحيلك..

 تعرفت على الشاعر الأستاذ مصطفى المهاجر من خلال الصديق المفكر الأستاذ ماجد الغرباوي وصحيفته الغراء المثقف

ولم تمض سوى أيام على النشر في الصحيفة.. حتى توطدت بيني وبينه صداقة غريبة.. كان يتصل بي حين انقطع عن الكتابة ويسأل اين انت؟ فاجيبه: في قيلولة !! (أظنها ستطول) ويسأل كيف هو العراق.. فاجيبه يحتاج الى سنتين اضافيتين لكي ينهض.. فيجيب.. كم انت متفائل!!.. عرفت انه من قدامى الدعاة في حزب الدعوة الإسلامية. وعرف عني بأنني من قدامى الشيوعيين.. !!! فما اغرب صداقتنا!!.. لكنها  كانت من انقى واعذب الصداقات.. سألني في حوار مفتوح عن سر بقائي حيا لمدة ثلاثين عاما في داخل العراق تحت ظل نظام فاشي؟ وهذا سؤال يعرف رهبته من عرف عن قرب فظاعة الانياب السلطوية فأجبته: بالصمت يا صديق.. الصمت المطبق طيلة ثلاثين عاما فماذا بقي من العمر لكي اتباهى ببطولات زائفة.؟

. فأجابني .. لقد ابكيتني يا صديق !!

 احتجت ذات يوم لمعرفة أحوال شخص يدعي ببطولات ووقفات له في الوطنية ومقارعة النظام الدكتاتوري عندما كان في سوريا.. فلم اجد افضل من المهاجر أخا صدق  لينبئني.. فسألته.. وأجاب : إعرض عن هذا ياسلام.. وحاول ان يهرب من الإجابة.. نبلا ودفعا لما قد تعنيه الغيبة والإساءة.. لكني وبحدسي الماكر عرفت ان الرجل لايريد ان يخوض في تاريخ رجل سيء ولو كان نزيها لامتدحه ...

 كان يقول اننا بحاجة الى مفكرين وقادة دولة ولكننا لا نملك ما يملكه الشيوعيون !! فكنت اجيبه بأسى .. وهل تظن ان صدام قد ابقى على احد منا ومنكم؟؟؟؟ وسألته عن تجربة ما نديلا في جنوب افريقيا.. وثقافة الصفح والتسامح. فيجيب : ووضع الندى في موضع السيف مضر.. كوضع السيف في موضع الندى.. بل انه كان يقول اننا نحتاج ليس الى تطهير العراق من كل الفاشيين.. بل تطهير صفوفنا أيضا من المرائين والناكثين والمتسلقين والمنتفعين على حساب الشعب..  وكنت اجيبه مازحا.. رعاك الله..   ماذا ابقيت؟ وماذا تركت؟؟ في هذه الحالة لن يبقى احد.. فكان يجيب: من اجل هذا  سأموت غريبا !!!

 يا أبا عبد الله الحسين.. أتى لساحتك رجل نقي طالما احبك.. وسعى جهده ان يسير على دربك ونهجك... فأمسح بيديك الحانيتين دموعه الزاكيات.. وخفف عنه وطأة الدنيا وعذابها.. وواسيه في حزنه وألمه.. فانا اعرف ان وطأة الدنيا  هي المشكلة.. لا وطأة الآخرة.. فعندكم الرواء وعندنا الخواء...

 

سلام كاظم فرج

 

 

goma abdulahرحل عنا دون مقدمات الصوفي الكبير، الذي أذاب قلبه وروحه الطاهرة، في حب العراق والتعلق به . هذا الشامح كنخلة الله في العراق، وهو يتجرع علقم المر من الغربة والاغتراب . ان يحمل قضية العراق، اينما رحل وحط خيمته يصرخ مدوياً بأسم العراق، فالعراق متغلغل في اعماق روحه الطاهرة، يتنفس من رئة الوطن، بكل عفة ونزاهة وقدسية، وبشغاف الانسانية العذبة في شفافيتها وقيمها السمحاء، في التسامح والاخاء والتعايش . لقد كان صادقاً مع نفسه مع الله تعالى . رافضاً ملذات الكرسي والمنصب، فقد باعها بالعفة والنزاهة، ليظل انساناً مكافحاً، صانع وفاعل الخير، للعراق وبأسم العراق، في طرد الظلام والظلاميين، الجاثمين على صدرالعراق . كما يلجم الفساد والفاسدين بسبع حجرات سوداء، وكانت سيرة حياته، مجلجلة في عطاءه الشعري الكبير . كما قال عنه الناقد الكبير (عبد الرضا علي) في مقدمة مجموعته الشعرية (بعد فوات الاوان) . ان (مصطفى المهاجر، او (صباح الانصاري) شاعر القمم العالية الرصينة بامتياز، وهذه المجموعة المرسومة ب (بعد فوات الآوان) تثبت للمتلقي الكريم، أن هذا الشاعر وريث عمود الجواهري، الجديد باقتدار) . وكان لي الشرف والفخر، إن كتبت مقالة نقدية حول هذه المجموعة الشعرية (بعد فوات الاوان) . انه موغل في حياته في الحزن والالم، عن وطن لايغيب عنه الظلام، ويحلم في الوطن المشتهى والمرتجى . ان يضع حداً لخفافيش الليل، التي تجلب الخراب للوطن، كان يحلم في الوطن المستحيل، الساطع في النور، ونبض الحياة، فكان شامخاً في عطاءه الانساني والشعري، صوتاً كالسيف البتار، ضد الظلم والطغاة والحرمان والمعاناة، فقد اصبح الباطل والزيف السيد آلآمر لمصير العراق بخفافيشه التي تعبث بالوطن. فكان بحاراً في سفينة العراق، في كل دروبها ومتعرجاتها، في المآسي والاحزان .

موغلٌ في الغربةِ... حدَّ اليتم

حالماً بأنهارٍ لا تجف..

ووطنٍ لا يغيب..

و حكّامٍ لا يدمنونَ القمعَ و إدارةِ السجون...

وكلماتٍ لا تمارسُ العهرَ تكسباً و ارتزاقا...

و شعراءَ لا يطبعونِ شفاههم على نعالِ السلطان...!!!

حالماً بأمهاتٍ لا يمتنَ من القهرِ

انتظاراً لأبنائهنَّ الغائبين..!!

وأطفالٍ لا تشيخُ نبضاتُ طفولتهم حتى الخمسين..!!

وشبّانٍ لا يدفعونَ زهراتِ أعمارهم

ثمناً لشهواتٍ مجنونة..!!

حالماً بوطنٍ مستحيل..!!

هذا الشامخ بالزهد، هو كتلة وطنية ملتهبة في نارها، في سبيل العراق، وكرس عطاء شعره، لاكبر مهمة، انسانية وكفاحية م لتعمق الانتماء الى الوطن العراق، ويشعل نفسه ليكون قنديلاً ينير درب العراق الى شاطئ الامان والسلامة، فليس له درب في الحياة آخر، سوى درب العراق، ليزيل عنه الاذى والمصيبة والمأساة، ليخرج العراق من دروب الالم والمعاناة .

كلُّ الدروبِ إلى المأساة أعرفها

وليسَ دربٌ الى سعدٍ يناديني

أبحرتُ في لجج الآهاتِ متشحاً

بالهم والفقدِ يجري في شراييني

ناديتُ من سكنوا قلبي فأرعبني

أن النداءَ نشازٌ في التلاحيين

والى امه الحبيبة، وهو يودعها الوداع الاخير، الى طريق المنفى والهجرة عن الوطن، الراقد في ثنايا ضلوعه، ولم يودعها الى القبر، مما جعل يغص في حنجرة الالم والتوجع الحزين، وهو يشتاق اليها بحنان طافح الى مراتع الطفولة و ويتقمص دور الطفولة في اسئلته، التي تحمل الشوق والاشتياق لفراق الام، وهو في ارض الغربة والاغتراب

وجه الحبيبة

(الى أمي التي ودعتني

الى المنفى

ولم أودعها الى

القبر)

اشتاقُ ..

أن أنظرَ الآنَ

في وجه أمي

أحدثها عن همومي

وأسألها ...:

ما الذي كنتُ أفعلهُ

حينما كنتُ طفلاً ..؟!

وهل كنتُ

أبكي كثيراً

كما أفعلُ الآن..؟!

إني أعاني

من الوجد ..

والشوقِ

والغربةِ القاتله ْ

وأبكي كثيراً

لأني تخلّفت

عن تلكم القافله ْ

***

حنانيكِ

لا تتركيني وحيداً

فما عادَ في الأرضِ

متسعٌ يحتويني

وحتى الذين أحُبهمُ

أنكروني ..!!

فمن ذا يُريني

وجهَ الحبيبةِ

أ ُمي

فداءٌ له العمرُ

أيامُهُ القاحلةْ

***

أشتاق ..

أن أغفوَ الآن

في حجرِ أ ُمي

وأصحو على صوتها

وهي توقظني للصلاةِ

تقولُ ..

بكلِ المودةِ .. والحب:

عَجِّلْ

فقد حانَ وقتُ الشروقِ

وأبقى أماطلُ ...

تبقى تنادي

فمن ذا يُخبّرها الآن

أني أ ُصلي مع الصبحِ

نافلة ً

كي أراها

وأغفو على حجرها

مرةً ثانيهْ

أ ُقبلُ أقدامها ..

رأسها ..

يَدها الحانيهْ

وأسألها ..

الصفحَ

والعفوَ

والبسمةَ الراضيهْ

***

أشتاقُ

أن أَكلَ الآنَ

مِن قدرِ أمي

مزيداً من الحبِ ..

تعصرهُ في الطعامْ

فيغدو كمائدةِ الروحِ

عيسى ..

عليه السلامْ

حياته كانت رحلة كفاح . وهو يناطح عواصف الزمن المر، الذي ينزف دماً وقيحاً، في العراق الذي فقد درب العقل والصواب والبصيرة، طريق الانحرف المعبد بالالغام والضياع، اصبح ضيعة يلعب به الفساد والفاسدين، بضمائر ميتة، مما جعلوا العراق يعيش في شيخوخة الخريف . والزمن الارعن والاغبر، يوغل في الجراح النازفة، بلا هوادة وتريث، فقد كانت حياته صفحة بيضاء من الانسانية والكفاح الرجولي، وقد كتبت صحيفة المثقف الغراء . في مرثية التعزية (بعد مرض عضال، لم يمهله طويلاً . ذهب الى ربه، يشكو جفاء رفاق دربه ... مات نقياً لم يتلوث بالفساد والسرقات) .

 رغم رحيلك ايها الانسان الكبير، فأن جسدك الطاهر، قد رحل عنا بفاجعة الحزن والالم، لكن روحك الطاهرة النقية، الزاهة بحديقة الازهار، من الطيبة والانسانية، لم ترحل عنا، فتظل شامخة في نبراسها الفكري والشعري بيننا، تظل متوهجة في قلوبنا بكل شموخ وعطاء . وما احوجنا اليك في هذه الايام الكالحة .

فبوركت يا أبا مصطفى الحبيب في حياتك، وبوركت وانت في جنة الله ورضوانه .

نسأل الله تعالى ان يتغمد روحك الطاهرة، في رحمته الواسعة، واسكنك فسيح جناته .

خسارة فادحة، ولكن هذه عادة الكبار، في فراقهم ورحيلهم عنا دون وداع

وإنا لله وإنا اليه راجعون

 

جمعة عبدالله

 

 

khadom almosawi2تبتعد السنوات فتنأى الأحداث وتفاصيلها وتبهت صورها في الذاكرة وتصبح من الذكريات البعيدة في المخيلة المهاجرة والمغتربة بعد كل تلك السنوات. ولكن وقد يكون للغرابة أن ثمة ذكريات تظل حيّة وكأنها حدثت يوم امس. وهكذا هي دورة الزمن والحياة. رغم ذلك ثمة محطات تركت أثرا لها أو بصمات مميزة كوشم في الوجه. او ثمة استعادات لأمور تتجدد اذا ما ذكرك بها أحد مشارك فيها أو مطلع عليها أو صورة فوتوغرافية أو ورقة مدونة عنها، بمعنى احياء لامر مرت عليه عجلة الزمن وطواه ما هو اكبر منه أو اهم.

بغداد عاصمة الثقافة والسياسة العربية ومتابعة التطورات الدراماتيكية في الاقليم والعالم تحفل بكثير من الفعاليات والنشاطات التي قد تسجل باسمها فقط. فبعد زيارة الرئيس المصري انور السادات لفلسطين المحتلة وخطابه المشؤوم فيها، توترت العلاقات العربية وقادت بغداد الحملة عليه وأسهمت في نقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، لاول مرة في تاريخها. ودعت مدعيا عاما معارضا  مصريا الى بغداد وعقدت محاكمة للسادات. وصلت الى الجريدة دعوة حضور المحكمة، فقرر رئيس التحرير الرفيق عبد الرزاق الصافي المشاركة بنفسه واقترح ان اذهب معه. وحين وصلنا البناية رحب بنا زميل صحفي، رئيس تحرير صحيفة العراق الرسمية، وارادنا أن نجلس في المقدمة، الا أن الرفيق الصافي أشار إلى جانب من القاعة واخترنا وسطه وجلسنا نراقب ونتابع خطوات المحكمة والمحاكمة، وكان القاضي والمدعي العام بزبهما الرسمي، ويتوسط القاعة قفص المتهم، وتمت المسرحية باتقان، لساعة ونصف من الزمن، نودي على المتهم وقرا المدعي العام قرار الاتهام وطالب المحكمة بانزال اقصى العقوبات.

في اليوم التالي أفردت الصحيفة المذكورة صفحتين للمحكمة وكانت لنا صور متعددة بين ثناياها، بلقطات من زوايا متعددة. حين كنت في معهد العلوم الاجتماعية بموسكو وجدت أعدادا كاملة للصحيفة مجلدة، في مكتبته، الا العدد الذي احتوى صورنا والمحاكمة. وكأنه أمر مقصود او قدر معهود.

عقد العديد من المؤتمرات الدولية، (مطلع السبعينات من القرن الماضي) سياسية وثقافية واعلامية، وكانت الوفود المشاركة من أغلب بلدان العالم، ولا ادري الان كيف التقيت، أثناء اللقاءات المفتوحة في بهو فندق بغداد، بالوفد الهندي المكون من ثلاثة زملاء، وتبادلنا أحاديث عامة عن مهنة الصحافة ومصاعبها، ولما عرفت انهم من اليسار الهندي، دعوتهم لزيارة الجريدة للتعرف على احوالنا في العراق والسماع لتجربتهم، سرا طبعا، ومن ثم نقلتهم الى مقر اللجنة المركزية للحزب في الكرادة، ومن حسن الصدف، كان الرفيق ماجد عبد الرضا خفرا ذلك اليوم، واستطاع التحدث معهم مباشرة عن نضال الحزب والتجربة الجبهوية، بعد أن فتح راديو عند الشباك بصوت معتدل للتشويش على من يراقب ويسجل ما يجري في القاعات. (وهذه عملية مستمرة في كل اللقاءات في المقر!) وتمكنا من انجاز اللقاء والحوار معهم وكانت الزيارة سرية ايضا. حيث رغم التحالف والجبهة لا يُرغب بمثل هذا النشاط الخاص دون علم أو طلب، وربما يرفض مثل هكذا مقترحات وتحركات او في احسن الاحوال ارسال رجال أمن مع الوفود، وفي كل الأحوال ليست بصالحنا اي من هذه النتائج او التوقعات.

مؤتمر اخر في بغداد، حضرته وفود كبيرة من مختلف الأقطار العربية. وكان الأبرز فيها وفدي جمهورية مصر العربية، وفلسطين. والتقيت بعدد من اعضائهما، (من بينهم؛ الأدباء والكتاب الاساتذة: صلاح عيسى ورجاء النقاش وأمينة السعيد وآخرون..) وافقوا على إقتراح لي، فذهبنا الى قاعة الشعب بباب المعظم، كانت فرقة ناس الغيوان المغربية مدعوة فيها، وعشنا أمسية مغاربية جميلة. لاول مرة اسمع الغناء المغربي والطرب على انغام الموسيقى الشعبية التي كنا نقرأ عنها، واليوم استمعنا لها مباشرة ومن الفرقة الأكثر شهرة حينها عندنا، في المشرق.. ومن الطبيعي التحدث مع كل من نلتقيه عن أوضاعنا وعملنا الإعلامي والحزبي وظروفنا في تلك الأيام. اذ لا يتوفر للضيوف الاطلاع على كل ما يجري، وربما على جانب واحد منه، بحكم الواقع الرسمي او هي هكذا طبيعة الأوضاع والحكم رغم التحالف الجبهوي والعلنية السياسية ووجود مقرات المنظمات الحزبية، والصحيفة اليومية "طريق الشعب" والأسبوعية "الفكر الجديد" والمجلة النظرية الشهرية " الثقافة الجديدة".

تلقينا في يوم اخر دعوة الى نادي الصيد في المنصور، لمشاهدة لعبة من سباق الخيل وبعدها وليمة غداء خاصة. وفي مدرجات محددة جلسنا متقاربين، سمعت من الاديب الروائي رشاد ابو شاور كلمات غضب وبصوت عال، فاستفسرت منه، واذا به يقول ايضا بصوت عال، هذا القاتل دمر مخيمنا بالدبابات. وسألته من هو؟!، أشار إلى ضيف في الصف الأول مع المسؤولين الرسميين العراقيين، واعدت السؤال لاني لم اعرفه، فقالها ايضا بصوت عال مرتفع، ويتطاير الشرر من عينيه الجاحظتين: هذا القاتل... وردد اسمه، رئيس سورية السابق واللاجيء في العراق الان. فسمعت احد الإخوة الذين معنا يقول له انت ضيف يا رفيق ايضا فلا تخلق مشكلة لك وهنا لا تنفع حالات الغضب، فلربما تنال ما لا يرضيك ولا نستطيع أن نفعل شيئا لك، كما تعرف أمرنا. ألا يكفيه أنه لاجيء هو الاخر، كما تراه هنا اليوم؟!. وهذه مشكلة مركبة، قتلة ومجرمون هناك وضيوف معززون هنا، مشهد كوميدي او لا يمكن تخيله طبيعيا.  لكنه يحدث في الوطن عربي. رسميا لا قيمة فيه للشعوب والجماهير والنضال التحرري الحقيقي. انفصام مرضي حاد... تمتع يا عزيزي بالمشاهدة وبالغداء بعدها ولا يصح الا الصحيح.. ألا ترى تغيّر الاحوال.. وما دامت لحدا..

كانت ظروف العمل السياسي متاحة لنشاطات سياسية او إعلامية واسعة، اذا وافق الحزب الحاكم عليها. ضمن إطار العلاقات والانفتاح، ففتحت أغلب منظمات حركات التحرر الوطني العربية مقرات لها، وأبرزها المنظمات الفلسطينية، باغلب او ابرز  فصائلها، إضافة لمقرات الاتحادات المتفرعة منها. وكانت لجنة العلاقات العربية في الحزب الشيوعي على اتصال باغلبها، بحكم الروابط الفكرية والعلاقات الشخصية. تتبادل الاتصالات والمطبوعات والزيارات والاستشارات في الفعاليات والاعمال الكفاحية المشتركة. وفي قاعة الاتحاد العام لطلبة فلسطين في الوزيرية، او قاعة المركز الثقافي البريطاني القريب منها، جرت لقاءات موسعة مع قيادات النضال الفلسطيني الذين زاروا بغداد في تلك الأيام. اتذكر الساعات الطويلة مع خطب ابو عمار والحكيم وابوالنوف وأبو جهاد وأبو اياد وأبو صالح واخرين، والنقاشات الاطول بعدها.. وصباح احد الايام افقنا لنر على بوابات الكليات في الوزيرية وأعمدة شارع الرشيد وواجهات في شارع السعدون والساحات بينها، اعلانا ملونا بلا كلمات، فقط كلمة؛ قريبا، وهو بوستر مكون من دوائر متوالية، الأكبر الى الاصغر، ملونة وسهم يخترقها نحو مركزها. وبعد أشهر عرفنا انه اعلان عن قرب صدور مجلة "الهدف" الفلسطينية، الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبرئاسة تحرير الكاتب والمناضل المعروف غسان كنفاني. وأصبح أغلب القيادات الطلابية او الذين درسوا في العراق في تلك الفترة قيادات بارزة في تنظيماتهم السياسية، في مكاتبها السياسية أو واجهاتها العلنية والإعلامية. (أمثلة: عزام الاحمد، ماهر الطاهر، حسن عصفور، سلامة كيله...) وكذا حصل في منظمات حركات التحرر الوطني الشقيقة، خاصة الخليجية والارتيرية ومعارضات بعض البلدان العربية التي تتعارض سياساتها مع الحكم في العراق. كما كانت لنا علاقات بالرفاق الحزبيين الوافدين من الأحزاب الشيوعية والعمالية الشقيقة (المصري، السوداني، في السعودية، البحرين، ..) وكنا نلتقي في أماكن عامة تبتعد عن مسكنهم، كالمكتبات او كافتيريا الكليات، او أماكن بعيدة عنها كلها. وتتابع الجريدة اخبار الأحزاب والنشاطات باهتمام وتخصص احيانا لها صفحات من اعدادها، كجزء من التضامن الرفاقي والكفاح الوطني والقومي المشترك.

التقيت مراسل وسيلة إعلام فرنسية معروفة في بغداد في السبعينيات، في مقهى ريش في القاهرة، قدمه اصدقاء لي، وتذكرته من اسمه، حيث تغيرت ملامحه، ربما بحكم العمر، وذكرته بمعرفتي به قبل أكثر من ثلاثة عقود، تفاجأ وحين ذكرته باسماء أخرى اندهش كيف مرت السنوات، تناول قهوته على عجل وودعنا بدعوى موعد في مكان آخر ، وسألته ماذا يعمل الان في القاهرة وهل هو مستمر في عمله السابق، وهل يمكن أن نلتقي مرة اخرى؟، ترك الجواب للقاء ولكني غادرت المحروسة ولم اسمع منه شيئا. كان هذا الزميل معروفا بعلاقاته الواسعة، ولأنه غير عراقي كان يتحرك اكثر من الزملاء العراقيين في التغطيات الإعلامية والفاعليات السياسية خصوصا. ولكن لابد من القول عنه أن ثمة امورا مررها عبر عمله، وكانت تنفع للتعريف بما يحصل في العراق حينها.

 

كاظم الموسوي

 

 

ali alkhasimiلِمَن تركتِ فنونَ الشعرِ والأدبِ**ألم تخافي عليها من يدِ العطبِ؟؟ .. (عن الرصافي)

رحلتْ عنا إلى دار البقاء المبدعة الرائدة الاستثنائية الأستاذة زهرة الزيراوي: الشاعرة، القاصة، الروائية، كاتبة المقالة، الرسّامة، الناقدة الفنية؛ وقبل ذلك كلّه وفوق ذلك كلّه، المغربية. فهي مغربية بوطنيتها، وكرمها، ونخوتها، ومحبتها للآخرين، وشجاعتها الأدبية، وإبائها، وشممها، وما ورثته من أبيها المجاهد سيدي محمد الزيراوي وأعمامها الذين انخرطوا في المقاومة من أجل استقلال المغرب وكرامته، وجادوا بأرواحهم، " والجودُ بالنفسِ أسمى غايةِ الجودِ".

عندما سعدتُ وتشرفتُ بالإقامة في المغرب، أخذتْ تصلني دعواتٌ بين آونة وأخرى لحضور لقاءات أدبية وتناول العشاء في منزل زهرة الزيراوي بالدار البيضاء. وبسبب طبيعتي الانعزالية، لم أكُن ألبي تلك الدعوات. وذات يوم كنتُ أتحدَّث مع سيدة عراقية تقيم وأهلها في المغرب، فأخبرتني أن السيدة زهرة الزيراوي تساعد اللاجئين الفلسطينيين والعراقيين مادياً وأدبياً بانتظام. وكان معظم اللاجئين العراقيين آنذاك من الأدباء والفنانين الذين يفرّون من الأجواء الشمولية الخانقة في العراق ويلجئون إلى المغرب الذي لم يكُن آنذاك يستلزم تأشيرة دخول من المواطنين العرب. أثار الخبر إعجابي وامتناني، وعزمت على تلبية الدعوة في المرة القادمة.

اكتشفتُ أن الأستاذة زهرة الزيراوي تجمع في صالونها الأدبي مزيجاً من كبارِ الأدباء وعددٍ من شباب الأدباء والصحفيين والرسّامين والموسيقيين والمغنين والمنشدين الذين تنعتهم بـ " أولادها". فقد كان هدفها الأساسي من تلك اللقاءات تشجيع أولئك الشباب وتيسير مسيرتهم الإبداعية، وتكريم كبار المبدعين والاعتراف بعطاءاتهم، وتبادل الرأي في مختلف القضايا الأدبية والاجتماعية.  وهذا أسلوب تربوي فعّال في تنمية الثقافة؛ ولا عجب في ذلك، فقد عملت زهرة الزيراوي أستاذة في مركز تكوين المعلمين بالدار البيضاء. وكان صالونها حافلاً بلوحاتها الفنية البديعة، وطعامها مغربياً متنوعاً لذيذاً، إذ كانت زهرة وجميع أولادها يعدّون معظم الأطباق ويخدمون الضيوف بأنفسهم، وفي مقدمتهم ابنها الطبيب محمد، وابنتها السيدة سميرة، وابنتها الطبيبة عطيات.

كان كرم الأستاذة زهرة حاتمياً مطبوعاً بلا تكلف. فعندما ينعقد المعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء كل عام، يتذوّق كثير من الناشرين العرب الأطباق المغربية اللذيذة ممزوجة بالكرمَ المغربي الأصيل، من خلال دعوات زهرة الزيراوي لهم جماعات جماعات، ليلتقوا بالأدباء المغاربة في صالونها، وهكذا تيسَّرَ نشر كثير من كتب المغاربة في مصر وسوريا ولبنان وغيرها من البلدان العربية المشرقية. ولا يخرج ضيف من الضيوف مودِّعاً إلا وتقدِّم له الأستاذة هديةً صغيرة. وقد فاز كثيرٌ من الضيوف  بلوحة من لوحاتها الفنية المتحفية الرائعة. أذكر عندما صدرت الطبعة الأولى من روايتي " مرافئُ الحبِّ السبعة"، قرأتْها الأستاذة زهرة، فألهمتها لوحة " المرافئ"، ثم عقدت لقاء أدبياً لتكريم أربعة من الكتاب، كنتُ أحدهم، لمناقشة كتبهم الأخيرة، وفي نهاية اللقاء قدّمت لكل واحد منهم لوحة رسمتها خصيصاً له. ولم تحتفظ زهرة بتلك اللوحات الرائعة لعرضها في المعارض الجماعية التي تشارك فيها داخل المغرب وخارجه. ورأيتُ أن أضع لوحتها على غلاف الطبعة المغربية من الرواية. وكانت لوحة فائقة الجمال والصنعة، فنفدت الطبعة خلال أسابيع بفضل روعة الغلاف.

كنا نتحدَّث يوماً عن أسباب انحسار الإقبال على القراءة في بلداننا؛ وكان رأيي أن ذلك يعود إلى سياسات التجهيل المتّبعة في بلداننا العربية عن طريق إهمال التعليم وتركه للمدارس الأجنبية والمدارس التجارية، وانتشار الأمية بحيث تبلغ نسبتها أكثر من 30%، واعتماد لغة المستعمِر القديم، الإنكليزية في البلدان المشرقية والفرنسية في المغاربية، لغةَ عملٍ ومستقبل، وإشاعة اللهجات العامية في الإعلام المرئي والمسموع، وعدم اشتمال كثير من مدارسنا الابتدائية والثانوية على مكتبة. واستشهدتُ بما سمعته عن أحد ناشري كتبي، صاحب منشورات الزمن الأستاذ عبد الكبير العلوي الإسماعيلي، الذي أهدى آلاف النسخ من منشوراته إلى المدارس في الأقاليم المغربية، ولكن بعض المدارس لم تكن تمتلك مكتبة لحفظ تلك الكتب والاستفادة منها. وهنا أبدت الأستاذة زهرة إعجابها بمشروع الزمن الذي يتبنّى طبعات الجيب الصغيرة ويوفِّر الكتبَ بأثمان رخيصة أو معقولة. وقررتْ تكريم السيد الإسماعيلي. وفعلاً عقدتْ لقاءً ضمَّ عدداً من الأدباء مثل المفكِّر محمد سبيلا، والمفكِّر سعيد يقطين، والناقد الحسن الغشتول، وغيرهم، وناقشوا كيفية تطوير هذاالمشروع نوعياً وفكرياً. وفي آخر اللقاء أهدت الأستاذة زهرة لوحةً رائعة من لوحاتها الفنية إلى السيد الإسماعيلي، مشاركة منها في تكريمه.  ولكن سيّارته لم تتسّع لها، فحملتها الأستاذة زهرة بسيارة ابنتها السيدة سميرة إلى منزله في الرباط.

ما كان يثير إعجابي  بالإستاذة زهرة واستغرابي في الوقت نفسه، عزة النفس المركَّزة فيها التي تبلغ حد الإباء. فمثلاً، اقترحتُ عليها أن تعطي لمنشورات الزمن روايتها الرائعة " الفردوس البعيد" التي نشرتها دار نشر معروفة في القاهرة، ولكن الرواية ليست متوافرة في الأسواق المغربية، خاصة أن منشورات الزمن تواظب على نشر روايات سبق أن نُشِرت في المشرق. ولكن الأستاذة زهرة رفضت اقتراحي رفضاً قاطعاً بكل إباء وشمم، ربما لأنها سبق أن كرّمت صاحب الزمن في صالونها الأدبي.

ولِدت الراحلة زهرة مبدعةً  موهوبة، فهي كفرخ العندليب الذي وجد ريشاً ينمو على جناحيه فطار وغنى. فمنذ أن كانت في الرابعة عشرة من العمر، أخذت تكتب مقالات وتنشرها في أمهات الصحف المغربية باسم أخيها " عبد القادر الزيراوي." وظلت مواظبة على الإبداع والنشر، خاصة في القصة القصيرة التي أصدرت منها مجموعات عديدة مثل :" الذي كان" ، و " نصف يوم يكفي"، و" مجرد حكاية"، و "نساء على خط منكسر"، و " حنين". ويعدها مؤرِّخو الأدب المغربي من رواد هذا الفن في المغرب. يقول الدكتور جميل الحمداني: " إن ترهيص القصة القصيرة وتثبيت مرتكزاتها بدأ مع بداية الثمانينيات من القرن العشرين مع إبراهيم بوعلو وأحمد زيادي وأحمد بوزفور وزهرة زيراوي.". ويمتاز شعرها بالكثافة والإيقاع والرمزية والإيحاء، خاصة في مجموعتها الشعرية " ليس إلا" ومجموعتها " ولأني" . أما كتابها الشهير في النقد الفني الذي صدر في مجلدين بعنوان " الفن التشكيلي في الوطن العربي"، فيشتمل على سلسلة لقاءات مع فنانين عرب حول مدارسهم الفنية ومنهجياتهم في الفن التشكيلي. ولها في النقد الأدبي كتاب " تميمة ضد الحزن" ويضم مراسلاتها مع أدباء عرب حول قضايا الكتابة. وكذلك كتاب " الأرض برتقالة زرقاء: ما الكتابة وأي خصوصية للإبداع؟" 

وزهرة الزيراوي كاتبة متأنّية مدقِّقة، تُذكِّرنا بالشاعر الجاهلي زهير بن أبي سُلمى (520 ـ 609م) الذي كان يبدع القصيدة في شهر، ويهذِّبها في سنة؛ ولهذا توصف قصائده بالحوليات. تقول زهرة: " عندما أكتب لا أسارع بنشر ما كتبته، بل أتركه عاماً أو أكثر، فإن قرأته بعد العام ووجدته لم يفقد قيمته عندي، فإني أسعى إلى نشره. أنا لستُ هاوية كثرة نصوص. أنا أهوى عملاً يعيش." . وتعهدت الراحلة زهرة تطوير موهبتها الطبيعية بمواصلة القراءة والدرس والتعلّم. وقد قلتُ عنها في حفلِ تكريم أقامته لها كلّية علوم التربية بالرباط قبل سنوات:

 " سافرت زهرة في اقانيم الفكر القصية تاريخاً وفلسفةً وعلماً، وتجوّلت في تخوم الإبداع الدنية شعراً وقصة ورواية وتشكيلاً. فرشاتها امتدادٌ لذراعها، وقلمها متجذِّرٌ في فكرها، وحروفها تجري في عروقها وملامسها."

رحم الله الفقيدة وأسكنها فسيح جنانه، وألهم أهلها ومحبيها الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

الدكتور علي القاسمي

 

 

adnan aldhahir2 (ذكريات مع البعض من طلبتي وطالباتي في كلية العلوم / جامعة بغداد للأعوام الدراسية 1970 ـ 1978)

1ـ شاركتُ في عام 1998 في واحد من مؤتمرات المعارضة العراقية الذي انعقد في العاصمة الألمانية برلين بصفتي رئيساً لنادي عِشتارالثقافي في مدينة ميونيخ الألمانية. أدار الدكتور كاظم حبيب جلسات ذلك المؤتمر وجلس بجنبه في إحدى المرات الدكتور صلاح الدين الشيخلي رئيس هيئة أصحاب الكفاءات السيئة الصيت التابعة لرئاسة الجمهورية ثم سفير العراق في لندن بعد سقوط نظام البعث في العراق محسوباً على جماعة الطبيب أياد علاوي حين كان أياد رئيساً للوزراء. طلبت الكلمة ووقفت منتقداً حماسة ودور السيد الشيخلي في توريط العديد من العراقيين بإغرائهم على ترك البلدان التي كانوا فيها يعيشون ويعملون أحراراً مُكرّمين والرجوع إلى الوطن للمساهمة في بنائه وتطويره . قاطعني دكتور كاظم حبيب بفظاظة ووقاحة دفاعاً عن صلاح الدين الشيخلي. بعد فترة قصيرة واصلت كلامي ولم أعتذر لأيٍّ منهما.

في يوم آحر وجلسة أخرى للمؤتمر فوجئتُ بوجود الدكتورعلي الشيخ حسين الساعدي يتحدثُ إلى الدكتور كاظم. سألتُ كاظم بعد ذلك عن سبب حضور الساعدي المفاجئ وكيف عرف طبيعة وموعد هذا الإجتماع فقال إنه جاء يسأل عن مقدار تكاليف نفقات الدراسة في الجامعات الألمانية فقال له إنها بحدود الألف مارك شهرياً (كان ذاك الزمن زمن المارك وليس اليورو). ثم أضاف: الموضوع يخص دراسة ابن السيد الساعدي. كان الساعدي وقتذاك في بغداد عائداً من ليبيا وقد كرّمه البعثيون وسمحوا له أنْ يشتري شقة على شارع حيفا وسط بغداد من الشقق المُخصصة لأساتذة الجامعات العراقية ثم صدر له أمر بتعيينه تدريسياً في جامعة الكوفة ! فلنتذكر جيّداً، كان ذلك في عام 1998 !

المهم ... في جلسة يوم سابق لهذا اليوم قدّمتُ مداخلة قصيرة (سمحوا بخمس دقائق  فقط) وحين أنهيتُ مداخلتي اعترضتني فتاة سائلة: هل تعرفني دكتور عدنان ؟ قلتُ لها إذا ذكرتِ اسمكِ الكريم أستطيع أنْ أعرفك. قالت أنا (سوسن البرّاك) درّستني في كلية العلوم. تذكرتها مع بعض التفاصيل. أربط دائماً بين الأسماء والوجوه فالوجوه تذكّرني بالأسماء. سألتني السيدة سوسن إين ذهبتُ بعد غيابي عن كلية العلوم . قصصتُ عليها باقتضاب إلى أين توجهتُ وكيف أمضيت العديد من الأعوام في هذا البلد أو ذاك باحثاً وأستاذاً في الجامعات. قالت إنها ما كانت تتسمّى بالبرّاك إتقاءً لشرور البعثيين وعناصر اتحادهم الوطني. أنا نفسي عانيت من خبث وشغب ومؤامرات البعض منهم ولا سيّما المجرم القبيح والغشّاش الأكبر وأحد عناصر منظومة ناظم كزار المدعو (ثامر خليل الجوراني) وكان لسوء حظي أحد طلبتي لعامين متتاليين. نشرت عنه في جريدة الزمان اللندنية مقالة مفصّلة شرحت فيها شروره وشذوذه وتطاولاته وسوء أدبه ولا أدري كيف أتم دراسته في كلية العوم وتم تعيينه مُعيداً في قسم الكيمياء ثم تمتعه ببعثة لدراسة الدكتوراه في إحدى الجامعات البريطانية. عيش وشوف يا زمان !

2ـ جاءتني ذات يوم رسالة بالبريد الألكتروني من النروج قال فيها كاتبها إنه أحد طلبتي وإنه ترك الكيمياء وتخصص في طب الأسنان ثم واصل رسالته موجّها لي دعوة لزيارته في النروج ليقومَ بتصليح أسناني ! ضحكتُ مع نفسي فسفرتي للنروج تكلّف أضعاف عملية العناية بأسناني هناك. شكرته ورحّبتُ به وطلبتُ أنْ يواصل الكتابة لي فإنني أفرح بطلبتي واُسعد بأخبارهم وما يحققون من نجاحات في الحياة . كتب لي يوماً إنه قرر الرجوع إلى الوطن المُفدّى لغرض خدمته بما لديه من خبرة واختصاص . قال إنه أُخضع لإجراء إمتحانات في الإختصاص وما كان في ذلك وحيداً إذْ كان ضمن مجموعة من أطباء الأسنان فما كانت النتيجة ؟ قال إنه لم يحقق النجاح في ذلك الإمتحان ولم يعترفوا به طبيباً مُختصاً أكمل دراسته في كليات أو معاهد الطب النرويجية. قال: نجح البعض ممن درسوا في معاهد بعض البلدان المجاورة عربية وغير عربية في حين فشل هو مع نُخبة ممن أكملوا دراساتهم في مختلف المعاهد الغربية.

إنه تلميذي السابق وطبيب الأسنان اليوم السيد حيدر رُستم أو رُستم حيدر فليعذرني.

3ـ بعد سقوط صدام وحزبه في العراق راجعت في عام 2010 القنصلية العراقية في مدينة فرانكفورت الألمانية لإنجاز تنظيم وكالة خاصة لإبنتي لتتابعَ بعض شؤوني في بغداد. كنتُ أنتظر دوري مع باقي المراجعين. نادى الموظفون المسؤولن بإسمي عليَّ فهُرعت للتوقيع واستلام المعاملة. ما أنْ تركتُ شبّاك المراجعة حتى وقفت أمامي سيّدة وسألت: أأنت الدكتور عدنان الظاهر ؟ قلتُ نعم، ومّن حضرتكم ؟ قالت أنا طالبتك فردوس فرج في كلية علوم جامعة بغداد في أواسط سبعينيات القرن الماضي. تذكّرتها جيداً فإنها لم تتغير كثيراً وما زال وجهها ذاك الوجه الوسيم الباسم المتفائل سوى أنها صبغت لون شعرها لُتخفي بصمات وخطوط الزمان على هذا الشعر. عرّفتني على زوجها فداعبته قائلاً: كيف تتزوج من بناتنا دون أنْ تأخذ موافقتنا. كان الرجل ودوداً وبسيطاً فضحكنا معاً.

4ـ مع تلميذي الطيّب الوفي النجيب المندائي السيد ماجد سعيد:

كذلك فوجئتُ (وما أكثرَ المفاجآت في الحياة) ذات يوم بوصول رسالة لي على بريدي الألكتروني قادمة من أُستراليا وكانت فرحة كبيرة وعودة إلى ذكريات كثيرة عزيزة علينا كلينا. بعد تخرج السيد ماجد في كلية العلوم / جامعة بغداد إستمرت العلاقة بيننا بل وتوثّقت أكثر فأكثر خاصة بعد ارتباطي بنقابة الكيميائيين العراقيين عضواً في الهيئة الإدارية للأعوام 1974 / 1978 فإنه كيميائي وما أكثر طلبتي الكيميائيين من كلا الجنسين. كان رئيس النقابة يومذاك المرحوم غازي إبراهيم أيوب الذي تم إعدامه في تموز 1979 مع عدد من أعضاء القيادة القطرية وكوادر بعثية متقدمة أخرى. زرتُ وماجد مرّةً السيّد والده في دائرته لأتعرّف عليه وكان هذا دأبي في أنْ أتعرّفَ على أولياء أمور طلبتي لأشدّهم لي أكثر وأنشدَّ بدوري لهم أقوى فأقوى وهذا الدأب في نظري جزء أساس يدخلُ في صُلب العملية التربوية فالتدريس في كافة مستوياته تربية اجتماعية وفردية وبناء لشخصية الطالب وهذه مجتمعة تمثّلُ مسؤولية كبيرة تتدخل السياسة فيها في بعض الأحيان.

في خلال السنوات التي قضّيتها في العاصمة الليبية طرابلس (1978 / 1984) أُستاذاً للكيمياء في جامعة الفاتح إلتحق بهذه الجامعة شقيق السيد ماجد الدكتور المهندس السيد خالد سعيد وكان قريباً مني يزورني في شقّتي القريبة من البحر والميناء مع نُخبة من أساتذة الجامعة وكان فيهم أستاذان آخران من طلبتي هما الحلاّوي الدكتورالفيزيائي محمد عِبدان درويش والدكتور الكيميائي السيد حسين محمود فضل الله الخطيب الذي جاء إلى ألمانيا سفيراً للعراق في برلين للعديد من سنوات العقد الثاني من هذا القرن.

ومثل ماجد، إستمرت علاقتي الحميمة بزميل له من طلبتي في كلية العلوم هو السيد رسول الشريفي ثمَّ تجددت خلال السنوات الراهنة بالمراسلات هو في السويد وأنا في ألمانيا وأمدّني بالكثير من صور المناسبات المنوّعة.

5ـ كنتُ صيف عام 1979 في زيارة لأحد المعارض المُقامة في مدينة طرابلس الليبية فإذا بي أجد نفسي وجهاً لوجه مع إحدى طالباتي في كلية العلوم. بادرتني بالسلام فعرفتها بعد وقفة تفكير وتأمّل وكانت برفقة زوجها .. إنها السيدة هيفاء الشيخلي التي أخذت الماجستير عام 1977 في الكيمياء بإشراف الزميل الدكتور صبري فرّوحة وكنتُ أنا رئيس اللجنة التي كلفها قسم الكيمياء للقيام بمهمة فحص واختبار كفاءتها وصلاحيتها لنيل شهادة الماجستير وما زال بحوزتي كتاب التكليف. أخذت هيفاء الماجستير. في لقائنا هذا في طرابلس سألت عن إمكانية التحاقها بجامعة الفاتح كتدريسية فأخبرتها أنَّ هذه الجامعة لا تقبل حَمَلة الماجستير كأعضاء في الهيئات التدريسية وقد تقبل البعض كمعيدين فقط وتحت ظروف خاصة. قالت إنَّ زوجها موفدٌ من قبل وزارة النفط العراقية للعمل في ليبيا خبيراً نفطياً ... إنه شقيق سفير العراق يومذاك في العاصمة البلغارية صوفيا (خالد عبد الحليم).

6ـ السيد صباح السوداني:

ما أكثر المفاجآت حتى لكأنَّ الحياة سلاسل وحلقات متصلة متدفقة من الفُجاءات والمفاجآت مثل كمّات (فوتونات) الضوء أو هي بالضبط كذلك حتمية من حتميات الحياة والكون.

مّن هو صاحب هذه المفاجأة الكبيرة والفرحة الأكبر ؟ إنه طالب سابق آخر من طلبتي في كلية العلوم ثم ناشط في نقابة الكيميائيين العراقيين رئيساً للجنة نادي النقابة وقام بها خير قيام.

إجتمعت أوائل عام 1993 عناصر وتجمعات وأحزاب من المعارضة العراقية في جامعة مانجستر البريطانية وكنت أحد المدعويين. كان الأستاذ عبد الرزاق الصافي أول المتكلمين وأخذت الأحاديث مناحي شتّى حتى تمَّ التطرّق إلى موضوع إتفاقية الجزائر التي وقعها شاه إيران مع صدام حسين هناك في العاصمة الجزائر. قال الصافي إنه لم يكن مع هذه الإتفاقية فعلّقت بل وكنتَ معها بدليل أنك نشرت تأييد الحزب الشيوعي لهذه الإتفاقية في مستطيل صغير توسط الصفحة الأولى من صحيفة طريق الشعب وأنت كنت رئيس التحرير. لاذ الصافي بالصمت. المهم ...

إنتهى اللقاء وكان اللولب المُحرّك لهذه النشاطات الطبيب السيد ماجد الياسري وكان هو مع آخرين برفقة الأستاذ عبد الرزاق الصافي. في لحظة خروجي من قاعة ذاك اللقاء فاجأني شخصان يقفان في طريقي بادرني أحدهما: هل تعرفني ؟ دُهشت. قلت له كيف عرفتني ولا يعرفني في مانجستر إلاّ شخص واحد. سألني من هو؟ قلت له صباح السوداني. قال أنا صباح السوداني. وسألني الثاني هل عرفته ؟ قلت كلا. قال أنا الدكتور باقر التميمي . يا سلام .. كل هذه المفاجآت تحصل لي في مدينة وجامعة مانجستر البريطانية فما أكبر حظي في هذه الحياة. كان الدكتور التميمي في سبعينيات القرن الماضي عميداً لكلية العلوم في جامعة البصرة وإنه ابن البصرة أُضطرّ على ترك جامعة البصرة ومدينة البصرة وكل العراق تفادياً لهمجية وغدر البعث وخاصة زمان تحكّم صدام حسين بقيادة هذا الحزب.

عرض عليَ العزيز صباح السوداني المبيت معه في بيته وفي بيته عرّفني على زوجته الثانية وهي سيّدة فرنسية أم ولد (لها طفلان من زوج سابق). أمضيت تلك الليلة معهما لأنني جئتُ مانجستر من مدينة شفيلد القريبة حيث كنت هناك باحثاً علمياً مُشاركاً في قسم الكيمياء في جامعة شفيلد.

كرّت الأعوامُ سريعاً كأنها في سباق مع أعمار البشر. في إحدى زياراتي الكثيرة لمدينة شفيلد البريطانية إتصلت بالعزيز صباح السوداني ودعوته وعائلته لزيارتي في شفيلد لنقضي معاً يوماً كاملاً. قبِل صباح هذه الدعوة وحددنا يوم الموعد لكنه لم يستطع المجئ من مانجستر إلى مدينة شفيلد لعطب أصاب سيارته وبدل ذلك إقترح هو أنْ أزورهم في مانجستر وأتعرف على زوجته الثالثة وهي سيّدة عراقية كانت مقيمة مع أهلها في العاصمة الأردنية عمّان. كان في إستقبالي في كراج وصول الحافلات التي تتنقّلُ بين شبكات المدن البريطانية بدقة وانتظام. تعرّفت على السيدة فاطمة ووجدت معهما طالباً آخرَ لي درّسته في جامعة السليمانية حيث قضيّت في هذه الجامعة عاماً دراسياً واحداً مُنسِبّاً نفسي إلى هذه الجامعة هرباً من مضايقات بعض أعضاء الإتحاد الوطني الخاص بالبعثيين وكنت نشرت في جريدة الزمان اللندنية مقالة تفصيلية عن واحد من هؤلاء وقد اكتشفتُ بالدليل القاطع أنه عنصر سرّي في أجهزة الأمن البعثية تحت إمرة مدير الأمن العام يومذاك السفّاك ناظم  كزار !

في المساء دعانا صباح إلى العشاء في مطعم فاخر معروف في مانجستر وهناك تعرّفتُ على ابنه السيد رامي من زوجته الإيرانية الأولى وصديقته الإنجليزية . ما شاء الله صباح رجل مزواج.

كان صباح يُدير موقعاً معروفاً نشر لي فيه بعض النصوص لكنه لم ينشر واحداً منها فزعلتُ عليه وقاطعته ولا أدري اليوم ما حلَّ بذلك الموقع وكيف هي أموره وأمور عائلته الجديدة. سأحاول الكتابة له وأوافيه بهذه المقالة.

السوداني من جيل طلبتي الإثنين السابقين ماجد سعيد ورسول الشريفي.

صباح: كيف أمور وصحّة الدكتور البصري الأصيل النبيل السيد باقر التميمي ؟ بلّغه سلامي وأشواقي رجاءً.

7ـ الدكتور رائد عبد الجبّار النائب:

درّسته سنة أولى كيمياء عامة ثم سنة ثالثة كيمياء فيزيائية.

كنت في الأعوام 1988 / 1990 أكاديمياً زائراً في قسم الكيمياء في جامعة ويلز في مدينة كاردف البريطانية. هناك تعرّفت على طالب البعثة السيد عبد الرزاق السوداني. كنا نلتقي من حين لحين ونتجاذب أطراف الأحاديث حتى ذكر لي اسم واحد آخر من طلبتي في كلية علوم جامعة بغداد هو الدكتور رائد عبد الجبار النائب ولعائلة النائب فرع في مدينة الحلة.

إتصل بي السيد رائد ذات يوم للسلام ثم الإستفسارعن إمكانية العمل باحثاً أو أستاذاً في جامعة ويلز. لا أتذكّر في أية مدينة بريطانية كان حينذاك. صفيّتُ أعمالي ومهماتي العلمية في جامعة ويلز في كاردف وبعدها في جامعة شفيلد وقفلتُ راجعاً إلى ألمانيا حيث كانت عائلتي ما زالت مقيمة هناك. بدأت بيننا مراسلات متقطعة بالبريد الألكتروني وأرسل لي صورة حديثة له يبدو فيها بديناً مُنتفخ الوجنتين لامع الهامة. ما زلنا مع موضوعة الشئ بالشئ يُذكر... كنتُ في عام 1973 رئيس اللجنة الإمتحانية في قسم الكيمياء وكانت أشغال اللجنة كثيرة مُتشعبّة ومُتعبة وقُبيل إعلان النتائج دخل مقر اللجنة فرّاش القسم السيد حمدان ليخبرني أنَّ رجلاً يروم مقابلتي . سألته مَنْ هو ؟ قال لا أعرفه. خرجت ففوجئت بوجود رجل مربوع القامة مهيب الوجه يرتدي قميصاً مكفوف الأكمام فالحرُّ كان شديداً. توسّمتُ فيه وجه وملامح تلميذي السيد رائد النائب. سلّمت عليه بحرارة وعاتبته على مجيئه والحر شديد. سألني عن نتيجة ولده رائد، طمأنته وطلبت منه أنْ يعود إلى البيت فقد كان مثلي يتصبب عرقاً. يتهيأُ لي كأني ما زلتُ أرى ذاك الرجل والأب الجازع على نتيجة ابنه شاخصاً أمامي في أحد ممرات قسم الكيمياء من كلية العلوم يتصبب وجهه الوسيم عَرَقاً وليتني أراه اليوم ففيه الكثير ممّا في تلميذي رائد والبعض من بقايا ملامح وسمات مدينتي الحلة الفيحاء وذوي قرباه من آل النائب ومنهم السيد فاروق النائب وشقيقه الأصغر.

إضافة: الدكتور عبد الرزاق السوداني هو اليوم أستاذ الكيمياء في كلية البنات التابعة إلى جامعة بغداد وتراسلنا لفترة قصيرة ثم توقفت هذه المراسلات.

8ـ الدكتور وسام قاسم الشالجي:

وسام هو الآخر من طلبتي الذين أفخر بهم وأعتز وأتذكره جيداً أوائل سبعينيات القرن الماضي شاباً كثير الأدب حريص على دراسته ودائم الحضور إلى محاضراتي وإلى مختبرات قسم الكيمياء لإجراء التجارب المختبرية في حقل الكيمياء الفيزيائية. مرّت السنين كما مرّت الباقيات وتفرّقنا كلٌّ تحت سماء ونجوم وإذا بي أقرأ في أحد المواقع مقالة معينة حول موضوع معين فكتبت لصاحب هذه المقالة ملاحظة تخص بعض ما كتب. لم أنتبه لإسم صاحب هذه المقالة لكنه بادر للكتابة لي مُفصحاً عمّن يكون ثم قال إنه أحد طلاّبي في كلية العلوم في سبعينيات القرن الماضي. ولتميّزه ببعض الخِلال الحميدة الواضحة تذكّرته وكتبت له واستمرت المراسلات بيننا بشكل منتظم حتى أسس موقعاً خاصاً به أعطاه اسم " أيامنا " فغدوت أحد كتابه أزودّه بأغلب ما أكتب من نصوص أدبية فقط إذْ لدى وسام حساسية خاصة تجاه المقالات السياسية وهذا رأيه واجتهاده وموقفه وأنا أقدّرها وأحترمها وقد أتفهّم دوافعها وما يقف وراءها.

الدكتور وسام قاسم الشالجي مقيم اليوم في إحدى الولايات المتحدة الأمريكية وزوجه المصون هي إحدى قريبات زميلة دراستي في الكلية في جامعة بغداد في خمسينيات القرن الماضي الأخت العزيزة المرحومة نزيهة سليمان الخضير.

وسام متعدد النشاطات حريص كل الحرص على إنجاح موقعه فخصص برنامجاً خاصاً بكلية العلوم حيث درس وأنهى دراسته في هذه الكلية وجمع الصور النادرة لهذه الكلية وأساتذة قسم الكيمياء ولزملائه الذين شاركوه أعوام الدراسة وما قاموا به من فعاليات وأنشطة داخل الكلية وما قاموا به من سفرات سياحية داخل العراق وزاد إذْ أنتج فيديوهات غاية في الروعة وإتقان الإنتاج وحرص على تزويدي بها أولاً بأول وما زلت أتابعها بشكل منتظم لتعود بي إلى تلك السنوات الخوالي حيث كنت فيها مُقرراً لقسم الكيمياء يومَ كان المرحوم الدكتور عبد الرضا الصالحي رئيساً لهذا القسم ورئيساً لأكثر من لجنة إمتحانية  وتدريسياً في قسم الكيمياء للأعوام 1970 ـ 1978 . درّستُ طلبة قسمي الكيمياء وعلوم الحياة وبعض طلبة الماجستير.

أرسلت ـ دون أخذ الأذن من وسام ـ آخر فيديو يخص كلية العلوم وقسم الكيمياء إلى كندا حيث يُقيم الزميل والصديق العزيز وعميد كلية العلوم أوائل سبعينيات القرن الماضي أبو نبيل الدكتور عبد المجيد القيسي ففرح به أيّما فرح وأرسل لي ردّاً للجميل فيديو يخص كلية الطب / جامعة بغداد. شكراً أبا نبيل وأنت تعاني من ضعف عينيك وصعوبات الكتابة.

وسام: هل تأذن لي أنْ أرسل هذا الفيديو لأصدقاء آخرين مُشتتين في كل حدبٍ وصوب ؟

9ـ السيدة ربيعة حميد مُقبل:

ربيعة حميد (أم نزار) هي الأخرى إحدى طالباتي في كلية العلوم درّستها الكيمياء الفيزيائية وهي من جيل رائد النائب ووسام قاسم الشالجي وماجد سعيد.

غادرت العراق بعد تخرّجها في كلية العلوم مباشرة (عام 1973 ؟) ملتحقة بشقيقها المقيم في فرنسا يومذاك واستأنفت الدراسة لنيل شهادة الدكتوراه في الكيمياء في إحدى الجامعات الفرنسية لكنها لم تبلغ غاية المنتهى لأسبابها الخاصة.

تمتاز السيدة أم نزار كباقي زملائها بالوفاء والحرص على متابعة أخباري وأخبار الكثير من زملاء دراستها في بغداد وأنا بدوري أحرص على أنْ أكتب لها وأتصل بها تلفونياً وغمرتني بالمزيد من أفضالها بتزويدي بالكثير من الصور والوثائق المتعلقة بسنوات تدريسي لها في كلية العلوم. زارت الدكتور عبد الأله الصائغ في أمريكا وأرسلت لي صورة تجمعه بربيعة وقبل وقت قصير كتبت لإبنتي قرطبة على الفيس بوك مع صورة حديثة لها في كلية التربية / إبن الهيثم في الأعظمية مع بعض زملائها السابقين منهم تلميذي الرائع الدكتور طارق الحكيم. شكراً ربيعة.

هي الحياة إذاً فرضتنا على نفسها لنُديمها ونضمن استمرارها جيلاً فجيلا مقابل إغراءات وقتية المفعول لا دوام لها تخدّرنا وتُنسينا ما نعاني من ويلات ومصائب وآلام وعلل ورحيل أعزّتنا أي أنها حبوب أسبرين وحُقن مضادات حيوية تخفف عنا ويلات الآلام لكنها لا تُزيلُ أسبابها. قال الصوفي إبن شبل البغدادي:

صحّةُ المرءِ للفناءِ طريقُ

وطريقُ الفناءِ هذا البقاءُ

بالذي نغتذي نموتُ ونحيا

أقتلُ الداءِ للنفوسِ الدواءُ

وقال أبو العلاء المِعرّي:

إنَّ حُزناً في ساعةِ الموتِ أضعا

فُ سرورٍ في ساعةِ الميلادِ

تعبٌ كلُها الحياةُ فما أعْ

جبُ إلاّ من راغبِ في ازديادِ

إعتذار: أعتذر من كافة طلبتي، وهم كُثرٌ، أولائك الذين لم أتطرق في مقالي هذا إلى ذكرهم لأنَّ تعدادهم يبلغ ويتجاوز عشرات المئات في أقل تقدير درّستهم في جامعات بغداد والسليمانية والمعهد الطبي الفني في هذه المدينة وأخيراً في جامعة الفاتح في العاصمة الليبية طرابلس.

كما أوجّه شُكري لكل مَنْ أرسل لي صوراً قديمة وحديثة فضلاً عن الفيديوهات التي تفوق كل قيمة من قيم حياتنا الراهنة.

 

عدنان الظاهر

 

 

latif oqayliيقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلِّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.  

ما بَرِحَ الآباءُ عَلَى مَرِ العُقود الماضية عَنْ الأمل - بفطرةٍ سليمةٍ - فِي رؤيةِ فلذات أكبادهم عَلَى عتبةِ المدارس، وهم يضعون أولى خُطواتِهم بدروبِ المعرفة فِي تلك الصباحات الشفافة الوادعة الَّتِي لا يخترق هدوءها - وَهي تستقطب منذ ساعاتها الأولى عشرات الأطفال - سوى أجواء البراءة الَّتِي تصدح فِي فضائِها - المزخرف بجمالِ شقاوة الاطفال - ضحكاتِ كثيرة مَا تَزالُ تتراقص طرباً فِي آذانِ الكثير مِنَا، بالإضافةِ إلى مَا يتداخل فِي جنباتِها مِنْ بكاءٍ لبعض القادمين حديثاً إلى عَالمِ التربية؛ جراء الخشية مِنْ الابتعادِ عَنْ وَالديهم المتأتي مِنْ ضعفِ مداركهم الَّتِي تجعلهم مِنْ دُونِ أدنى شك عاجـزين عَنْ قـراءةِ حيثياتِ الواقـع الجديد وَتفاصيله، وهو الأمر الَّذِي ألزمَ أغلب الأهالي الحرص عَلَى اصطحابِ اطفالهم إلى بنايةِ المدرسةِ فِي الأيامِ الأولى مِنْ بدايةِ الموسم الدراسي، فضلاً عَنْ اضطرارِ بعضهم الانتظار جلوساً بجوارِ سياج المدرسة للاطمئنانِ عَلَى أطفالهم، وَلا سبيل أمامهم حينئذ سوى الركون إلى الحديثِ مَعَ بعضِهم البعض أو الاختلاء إلى النفسِ بعيداً عَنْ الناسِ والضجيج أو مشاركةِ الكسبة الَّذين يفترشون الأرض لبيعِ الحلوى أو الباعة الجوّالين  - الَّذين يجدون فِي واجهاتِ المدارس سوقاً رائجاً لما تحويه عرباتهم الخشبية مِنْ مأكولاتٍ مثل الباقلاء وَالحمص (اللبلبي) والفلافل وَغيرها - الحديث عَن همومِ الدنيا؛ لأجلِ قتل الفراغ حتىَ يحين موعد الشروع باصطحابِ أطفالهم إلى المنزلِ بشكلٍ آمنْ بعد خروجهم مِنْ المدرسةِ فِي نهايةِ الدوام.  

مِثلُ غيره مِنْ الآباء، كان المرحوم عباس عبود - طيب الله ثراه -  ينتظرُ بفارغِ الصبرِ أنْ تتكحلَ  عيناه برؤيةِ ابنه يحيى وهو يدخل المدرسة؛ إذ أَنَّ تلكَ اللحظة التاريخية الَّتِي يَعدها ثمرة لجهدِه وَغنيمة لعرقِه وَجزاءً لتعَبِه وَشقائه، تشعره وَأسرته - مِنْ دُونِ أَدْنَى شك - أَنَّ وَلدهُ قد كبر واشتد عوده وبات قريباً مِنْ حصدِ ثمار تربيته. وَلِأَنَّ نفسَه توَّاقة للفرحِ بابنِه، فضلاً عَنْ طموحِه فِي فتحِ المجالِ أمامه للحصولِ عَلَى فرصته فِي التَعَلُّم وَاِكْتِساب المَعرِفة، إصطحبَ ابنه يحيى ذَاتَ صَبَاحٍ شَفِيفِ الضِّيَاءْ إلى سوقِ المدينةِ الَّذِي لَمْ يكن غريباً عَليه بحكم مهنته، وإشترى له بنطلوناً وَقميصاً وحذاءً جديداً، بعدَ أنْ تيقنَ مِنْ أَنَّ نبتةَ ابنه الناتئة فد كبرتْ، وأصبحتْ فسيلةً لها مِن العمرِ ستةِ أعوام، ثم ذهب معه إلى جارهم المصوّر الشَمسيّ، وَالَّذِي مَا يَزال السَمَاوي يشير إليه باسْمِ " العَم إبراهيم العَزَاوي "، ليلتقطَ له صورتين فوريتين بالأسودِ والأبيض.

يا أنت يا قلبي أمثلك فــي الهوى    

يشـكو مــــواجعَ غـُرْبَةٍ وفِـراقِ؟

 

أوَلسْتَ مَنْ صامَ الشبابَ مُكابــراً    

عَن مـــــاءِ أعْنابٍ وخبزِ عِناقِ ؟

 

والمُـثـْمِلاتِ لــــــــذاذةً بِمَـبـاســمٍ    

والمُـمْـطِـراتِ عذوبــــةً بـمآقي ؟

 

يا مَــــنْ أضَـعْـتَ طـفـولةً وفـتـوَّةً    

ماذا سـتَخْسَـرُ لو أضَعْتَ الباقي ؟

 

هل فـي جِرارِ العُمْرِ غيرُ حُثالةٍ؟   

أطبِقْ كتابَـكَ .. لاتَ وقتَ تلاقي!

مِنَ المُناسِبِ وَنحنُ نقلبَ بعض مَا أتيح لَنَا مِنْ صفحاتِ مَلَفِ طُفُولة السَمَاويّ أنْ نفتحَ كوة فِي موروثِنا الَّذِي لا يمكنهُ مغادرة الذاكرة التاريخية؛ وَلَعَلَّ التصويرَ الشمسي الَّذِي جاءت تسميته مِنْ طبيعةِ آلية عمله الَّتِي تعتمد فِي تأمينِ الإضاءةِ عَلَى ضوءِ الشمس مِنْ بَيْن أشهر تلك الموروثات الَّتِي تباينت الروايات وَتحقيقات الباحثين حَوْلَ زمَانِ وَمكان وَطرق دخولها إلى بلادِنا، إذ كانت مِن المهنِ الفنية الشعبية واسعة الانتشار، وَالَّتِي ظلت حية ومتألقة بجمالِها فِي مُدننِا إلى عهدٍ قريب قبل أنْ يتجاوزها العصر بظهورِ محال التصوير الفوتوغرافي، حيث كان استخدام التصويرَ الشمسي يومذاك مقتصراً عَلَى التصويرِ السريع جداً بالأسودِ والابيض؛ لأجلِ تغطيةِ متطلبات المعاملاتِ الرسميَّة واحتياجات الأنشطة المدرسية، وَهو الأمرُ الَّذِي جعل مِنْ وَاجهاتِ بعض البنايات الحكومية مستقراً لأصحابِ هذه المهنة، حيث تظهر الركيزة أو حمالة الكاميرا المكونة مِنْ ثلاثةِ أضلاعٍ خشبية قوية ينتصبُ فوقها بدن الكاميرا الخارجي الَّذِي يحوي فِي داخلِه صندوق الأفلام المحكم ضد الضوء وَحوض الحامض وَكاسيت الصور الَّذِي يوضع فيه الفلم، فضلاً عَنْ الكيسِ الأسود الَّذِي يحجب الضوء عَنْ الفلمِ مِن الفتحةِ الخلفية. وَالْمُلْفِتُ أَنَّ الصورةَ الشمسيَّة كان يشارُ إليها فِي الماضي القريب باسْمِ (عكس)، وَالمصورَ كان يسمى حينئذ بـ (العكَّاس)؛ جراء ارتكاز تِقنية التصويرَ الشمسي عَلَى آليةِ عكسِ الصورةِ. إذ يجلسُ الشخصَ المراد تصويره عَلَى كرسيٍّ أُعد انتخاب مكانه بأناةٍ أمام قطعة قماش سوداء يجري تثبيتها عَلَى الجدار، حيث يقوم المصور الشمسي برفعِ غطاء العدسة لتلتقط الكاميرا الصورة، وَالَّتِي تظهر بشكلِها السالب - الفريم أو الجامعة - الَّتِي أعتاد لسان العامة عَلَى الإشارة إليها بلفظِ (الجامة) أو المسودة، وَالَّتِي غالباً مَا تحتاج إلى رتوشٍ باللونِ الأحمر عَلَى بعضِ مناطق الوجه؛ لأجلِ إبرازِ ملامح الصور، حيث يمكن الحصول عَلَى أربعةِ صورٍ مبللة بالماء خلال دقائق. وَمِنْ المعلومِ أنَّ كاميرا التصوير الشمسي البدائية الصنع والأداء، تأثرت باستمرارِ عجلةِ التطور فِي تقنيات الفوتوغراف والكاميرات الحديثة الَّتِي تحولت إلى عينٍ ثالثةٍ للمصورين مِنْ أجيالِ الشباب؛ إذ أصبحت فِي عالمِ اليوم - بفعلِ قدمها وَضيق أفقها الفني وَعدم قدرتها عَلَى التواصل - غير مؤهلة لِمواكبةِ التطور الكبير فِي تِقنياتِ التصوير المثيرة للدهشة، وَهو الأمر الَّذِي أدَّى إلى انتفاءِ الحاجة لها بعد أنْ غمرَها الزمن وَأفضى إلى استقرارِها فِي خزانةِ الموروث الشعبي.           

بعد اتمام متطلبات التسجيل فِي المدرسة، صحبه والده - رحمه الله - ذات صباح قائظ فِي أحدِ أيام عام ١٩٥٥م إلى أحدِ حارات الصوبِ الكبير؛ لأجلِ الشروع بإكمالِ مقتضيات انتظامِه بالدراسةِ فِي مدرسةِ المأمون الإبتدائية للبنين، وَالَّتِي كانت تشغل آنذاك بناية قديمة تشبه إلى حدٍ بعيد وَبالاستناد إلى منظورٍ مقارناتي الثكنات العسكرية، عَلَى الرغم مِنْ أنَّ الأهاليَّ كانوا يشيرون إليها حينئذ باسْمِ " المدرسة الثانية "؛ لأنَّها تُعَد بوصفِها المدرسة الثانية الَّتِي جرى افتتاحها فِي السَمَاوةِ بعد مدرسة " الرشيد " الَّتِي كان يُطلق عليها أهل السَمَاوة اسْمِ " المدرسة الأولى ". وَلَمَا كانَ لكُلِّ فضاءٍ رواية، فَمِنْ المناسبِ أنْ نشيرَ إلى أنّ بنايةَ مدرسة المأمون تم إزالتها لاحقاً وأقيمت عَلَى أرضها مجموعة مِن الدكاكين، عَلَى خلفيةِ تشييد مدرسة حديثة فِي بدايةِ منطقة الحي الجمهوري، حيث كانت بناية واسعة مِنْ طابقين وَفيها قاعة كبيرة وَحديقة أمامية وَملعب كبير، غَيْرَ أَنَّ اتساعَ السَمَاوة وَالإقرار عَلَى اعتبارِها مركزاً لمحافظةِ المثنى، أفضى إلى تحويلِ هذه المدرسة إلى مديريةِ بلدية المحافظة، ثم إلى مديريةِ تربية المحافظة، وانتقلت المدرسة إلى بنايةٍ أخرى.

لا تـُسْـرفــي باللـــــومِ والعَــتـَبِ    

فأنا ـ وإنْ جزتُ الشبابَ ـ صبي

 

قـلـبي بـهِ للحـبِ ألـفُ مـــــــدىً    

رَحْـبٍ وِغابـــاتٌ من الـوَصَـبِ

 

إنْ أغـْضَبَتـْكِ صـبابـتي فـأنــــا   

أطـْفَأتُ فـي نيـرانـــها غـَضَبي

 

قـــــــدْ أوْرَثـَتـْني عِـفـَّةً بـهـوىً

أمّـي .. وأوْرَثني الوفـــاءَ أبـي

المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ يحيى حين دلفَ إلى المدرسةِ صحبة والده، تفاجأ بمديرِها المرحوم " علي كاوي " يرحّب بأبيِه ترحيباً جميلاً؛ جراء صداقته لأبيه، فضلاً عَنْ كونِه زميلاً له فِي المدرسةِ الإبتدائية بحسبِ ما أسره بِه أبوه وقتذاك. وَمَا أظننا نغالي فِي القولِ إنَّ شغفَ أبيه بالقراءةِ هو الَّذِي جَعلَه يستعجل فِي تسجيلِ ابنه البكر فِي المدرسة، وَلَعلَّنَا كذلك لَا نغالي إذا قُلنا إنَّ يحيى فِي طفولتِه قد أحبّ المدرسة لا شغفاً فِي التَعَلُّم؛ إنما لأَنَّ أصدقاءه مِنْ أبناءِ الجيران " باسم ابراهيم العزاوي " و " جواد كاظم عزيز " و " شاكر داخل المدو " و " رشاد نافع الجضعان " و " فاضل حسن العزاوي " و " رزاق محسن العزاوي " : قد سجّلهم آباؤهم فِي المدرسةِ بالفترةِ ذاتها.

لا رَيْبَ أَنَّ مدرسةَ المأمون الإبتدائية للبنين، كانت عتبة السَمَاوي يحيى الأولى فِي مسيرةِ منجزه الأدبي الإبداعيّ الَّذِي أغنى به المشهد الثقافي والأدبي، فعَلَى سبيلِ المثالِ لا الحصر يقول الناقد جمعة عبدالله إنَّ " اسمَ السَماوي له صدى كبير بجرسِه الرنان، فِي عطائه الشعري والنثري، وَكل اطلالة ديوان أو مجموعة شعرية أو نثرية جديدة، تؤكد حضوره المتألق فِي جماليةِ الابداع الأصيل بما يملك مِنْ خزينٍ غزير مِن الخبرةِ والكفاءةِ فِي الخزينِ اللغويِّ والمعرفي، فِي رسمِ أسلوبيةٍ خاصة متميزة فِي عوالمِ الشعرِ والنثر، إنَّه يمتلك الصفة المميزة في اسلوبية الابداع بشكلٍ فذ وعملاق، وَإنَّه يطرقُ كل الاساليب وَالطرق المتجددة، فِي الصياغةِ وَالتركيب والبناء المعماري، هذه المواصفات الفذة، تؤهله أنْ يكون فِي قمةِ العطاءِ الشعري والنثري ". وَيضاف إلى ذلك مواقفه الوطنية والإنسانية الَّتِي انتهت به قسراً إلى المنافي فِي أقصى أصقاع الأرض، وهو الفتى السومريّ الحالم فِي الاستظلالِ بفيء نخلة أو النظر إلى جمال منظر شروق الشمس عَلَى مَرَابِعِ الصَّبَا. وَأكاد أجزم أَنَّ السَمَاويَّ تواق لتقبيلِ عتبة مدرسته البائسة، بَيْدَ أنَّها أصبحت حكايةٌ منسية مِن الماضي - مثلما هو حال آثارنا- بعد أنْ كانت بِيئَة معرفية لرسمِ المُسْتَقْبَل.

مسكينٌ وطني

منطفئُ الضحكةِ

مفجوعُ الإنسانْ

لو كان له مثلي

قدَمٌ وجوازٌ ولسانْ

لمضى يبحث في المعمورة

عن ملجأ أوطانْ! 

 

لَطيف عَبد سالم

 

 

sadiq alsamaraiأجدني ملزما بشيمة الوفاء أن أكتب عن الأستاذ الراحل فرحان باقر الذي وفاه الأجل المحتوم في 18\10\2017.

وربما سيُعجبُ أو سيُغضبُ ما سأكتبه فلكل إنسان أصيل نابه حصيف أصدقاء وأعداء، ومُحبون وكارهون، لكن الجوهر الحقيقي والروح الطيبة والعطاء النزيه يترسخ في النفوس والقلوب والضمائر، ويبقى الإنسان بما يكنزه من أفياض المعاني وصور التسامي وآيات التسامح والتعبير عن فحوى الزمان.

فكرت بالكتابة عنه قبل أعوام، بل وكتبت قصيدة ومقالة، لكني لم أنشرهما، لأني أتجنب الكتابة عن الأشخاص وأهتم بالظواهر السلوكية والفكرية والأحداث المرافقة لها، وذكّرني بحواراتي معه قبل بضعة أسابيع الدكتور عادل الحمادي، فأعطيته نسخة من حوار لي معه قبل عقد من الزمان، ولم أعثر على عدد من الحوارات الأخرى المدونة في أوراق متفرقة.

تجمعني بالأستاذ الراحل علاقة طويلة مشحونة بالتفاعلات المعرفية والحوارات المتواصلة واللقاءات والمهاتفات الدائبة أينما حل وإرتحل، فكنا نتحادث وهو في أبو ظبي وبغداد وأمريكا، ونلتقي ما سنحت لنا فرصة للقاء، وقد تعلمت منه الكثير وألهمني من القيم والمعاني ما ينير ويثير.

منذ الصغر وأنا أسمع إسمه وحديث الناس عنه في مدينتنا، وكبرت ودخلت الكلية الطبية ولايزال إسمه لامعا في العراق على أنه من أشهر وأفضل الأطباء، لكنه أحيل على التقاعد قبل تخرجنا من الكلية الطبية، وما حظيت بمحاضراته أو زياراته لكليتنا.

فلم أكن من طلبته في الكلية الطبية، لكنني أصبحت من طلابه وأقربهم إليه في هذه الحياة التي لا تجمع العقول والأرواح والنفوس مصادفة، وإنما بتقديرات معلومة ومحجوبة، وكان تفاعلي معه منذ دعوته لتأسيس الجمعية الطبية العراقية في أمريكا في تسعينيات القرن العشرين، ومنها إنطلق التواصل، وحالما إلتقينا وجدتنا في تلاحم معرفي وأحاديث ذات شجون ومنطلقات ومبتدءات ومشاريع وبرامج وإرادات.

فكنتُ أجالسه متأملا الروح الشبابية المتدفقة المتأججة بإنسان في العقد الثامن من العمر، وما كنت أعرف عمره لولا أننا كنا ذات مرة في الفندق وإذا في أحد الأوراق تأريخ ميلاده، فإستفهم الموظف عن صحته، فأجابه مازحا: نعم عمري ثمان وسبعين عاما، ألا تصدق ذلك؟!!

كنت صامتا ومتعلما من هذه الروحية الحية المتوثبة، ومضينا في حينها وكأنني مع شاب متوقد الذهن والفكر، وركبنا التاكسي والميترو وذهبنا إلى المطعم، وعدنا إلى الفندق متأخرين، وما حسبت أني برفقة رجل بهذا العمر، وما توطنني إحساس بذلك.

ذات مرة في لقاء جمعنا بالعاصمة واشنطن، كانت تجول بخاطري أفكار الفقدان، فدعوته لأخذ صورة معا، ففاجأني بظرافته المعهودة قائلا : " ما غايتك من الصورة"!!

وفي أعماقي نداء يأمرني بقطع عهد على نفسي أن لا أنعاه ذات يوم، لأن أمثاله يأتون للحياة وهم يحملون إرادة الإنتصار على الموت رغم حتميته وشدة قبضته.

فرحان باقر

يحمل الوطن في قلبه وروحه وضميره وعقله ويعبّر عن كبريائه وعزته وإبائه وحضارته وصورته التي ترسخت في وجدانه، فلا يمكن فصله عن العراق الوطن والأصل والمنبع والهوية والقيمة والقوة والكرامة والغيرة والحمية، فيتكلم ويتصرف بلسان العراق ومعانيه الأخوية الإنسانية المتجذرة في كيانه.

فهو من الجيل الذي لا يعرف وطنا غير العراق ولا قيما غير قيم العراق، الذي يمثل الأرض والحياة والمصير المشترك المتماسك القدير.

وهذا التماهي المطلق بالوطن جعل البعض يسيئون الفهم ويتصورن الحالة على غير ما هي عليه، ويحسبون ذلك نوع من الصفات الأخرى التي لا يعرفها الرجل ولا تعرفه، فهو إنسان فقد وطنه وغادره مضطرا ولا يمكنه أن ينفصل عنه، فحمل الوطن وجعله يعيش في أعماقه وجوهر ذاته، فأصبح وطنا حيا يريد التأكيد على كينونته وهويته ومعاني وجوده الخالدة في جبين العصور وصدور الأزمان.

وهذه حالة يعاني منها المهاجرون الذين يعيش الوطن فيهم بعد أن كانوا يعيشون فيه، وما كان يعبّر عنه أستاذنا الراحل هو الصدق والإنتماء المطلق للوطن الذي شيّد قامته فيه، وكان يقول "مَن أنا لولا العراق"، و"مَن نحن لولا الوطن"، "إن العراق هويتنا وقوتنا وذاتنا وموضوعنا".

فرحان باقر

الأستاذ النطاسي الرائع الحاذق الخلوق المقتدر المتمرس صاحب المهارات التدريسية والخبرات التدريبية المتميزة، التي تجعلك محبا وعاشقا للمادة التي يُدرسها، بما يمتلكه من روحية التفاعل المعرفي المهذب الرشيد، الراقي الأخلاقيات والضوابط والثوابت المهنية، التي تؤسس لمعاني ومعايير تساهم في صناعة البنى التحتية الراسخة لنهضة علمية رصينة ذات أدوار حضارية لامعة.

فهو أستاذ أخلاق وأعراف وتقاليد علمية طبية مستوحاة من أفكار أساطين الطب في تأريخ البشرية، وكان جادا ومجتهدا في العمل بموجب الأخلاقيات الطيبة السليمة النزيهة، مما تسبب له بمشاكل كثيرة مع جهات متنفذة ومسؤولين في الدولة، تحمّل نتائجها وما تزحزح عن مبادئه وقيمه وتقاليده العلمية الراجحة الصادقة.

يقول لي كنت أقف مدافعا عن المعايير والقيم العلمية ولا أسمح بتجاوزها والعمل بغيرها، ولهذا فأنهم حاربوني وواجهوني بالمنغصات والتحديات، لكني أشعر بالقوة والسعادة والرضى لأني ما حِدت عن مبادئي وثوابتي الأخلاقية في تعليم وممارسة مهنة الطب.

ويتمثل أمامي كمجاهد أخلاقي ناضل بإصرار وصلابة للذود عن القيم والمعايير والأخلاقيات المهنية للطب في العراق، ولديه مواقف مشهودة وأبية.

فرحان باقر

يستحق وبلا منازع لقب "أبو الطب" العراقي، قد يقول مَن يقول ما يقول، لكني لم أجد مَن لا يقول خيرا فيه إلا من ذوي العاهات النفسية، والمشاعر السلبية التي تصف الآخرين بما يحلو لها من الوصف ، أي تراهم وفقا لما فيها من المشاعر والعواطف التي لا تريد أن ترى أحدا أفضل أو أحسن منها، فتحسب أنها المقياس لتقدير جودة الآخرين وتوصيفهم.

أما الذين يتفاعلون بموضوعية وواقعية وصدق وحكمة فأنهم يرونه "أبو الطب" العراقي، وعَلم خفاق في ميادين التعبير عن العلوم الطبية العراقية، ورمز يدعو للفخر والتقدير والقول الجميل.

ومن الواضح أن العراقي لا يتباهى بالعراقي ولا يفخر به، وإنما يرى نفسه وحسب!!

فرحان باقر

كان يتفاعل معي بروحية الأب الرحيم الذي يتمنى النجاح والتقدم لأبنائه، وكانت هذه الروحية تسود وتطغى على تعامله مع جميع الزملاء، لكن أكثرهم ربما لا يراها كذلك، لأنهم يحسبون أنفسهم كما يشاؤون ويتصورون، وهذا التقاطع ما بين الحالتين تسبب ببعض الخلافات والتداعيات بالعلاقات في ميادين ونشاطات متنوعة وخصوصا في (إمسا)(الجمعية العراقية الأمريكية للعلوم الطبية)، والتي كان متأثرا بما آلت إليه الأمور فيها في كثير من الإجتماعات، وهو مؤسسها والساعي بدأب لإنشائها وديمومتها.

وكان يبث شكواه عن مواضيع تتعلق بالجمعية، التي ما تمكنت من النمو والتطور والإنطلاق كباقي الجمعيات، فبقيت تراوح بأعداد أعضائها، وما إرتقت إلى آفاق رؤيته.

لكنه يتناسى ويسامح ويتمنى أن يتحقق النماء والتطور والرقاء، وما غايته من طلباته ومقترحاته إلا لوضع الثوابت وترسيخ القيم والأخلاقيات، التي تساهم في البناء السليم والتواصل القويم، وكثيرا ما كان لا يسمح بنشر ما يبوح به فيما يتعلق بالجمعية، ويقول لا بد للإنسان من التعبير عمّا فيه أحيانا.

وقد تأثرت كثيرا بمعاناته في الجمعية وكم آلمني حديثه ذات مرة وقد ترقرقت الدموع في عينيه، وهو يعترف ببعض الإجراءات التي كان عليها أن لا تًتخذ.

فالجمعية كانت النبتة التي أحبها وبذرها وتعهدها بالرعاية والتوجيه حتى تبرعمت وربت، لكن بعض أغصانها جفت وأوراقها تساقطت، ومع ذلك مضى يرقبها ويحنو عليها، ويسجل حضوره فيها بصبر وأناة، وما منعته من ذلك حالته الصحية الصعبة وبُعده.

فرحان باقر

الحكيم العالم الذي كان طبيبا لحكام العراق وكبار رجالاته وعوائلهم، ومن أكثر الأطباء قربا من بعضهم، حتى صار مستهدفا من الآخرين، فبشخصيته العلمية فرض وجوده على القادة والمسؤولين في العراق والدول العربية الأخرى، فهو دائما الطبيب المفضل للرؤساء والأمراء، وكانت عنده خبرة سلوكية فائقة في التعامل معهم ومعالجتهم وجعلهم يرضخون لإرشاداته وتوصياته الطبية، والذين لا يمتلكون تجربة التعامل مع القادة والمسؤولين لا يقدرون صعوبة وخطورة ذلك، وكيف للطبيب أن يفرض ما يريده على الذين يتصورون أن لا أحد يمكنه أن يفرض عليهم شيئا.

فالتعامل مع القادة والمسؤولين في مجتمعاتنا تتطلب حذاقة ونباهة وسرعة بديهية، وتأهب للإجابة على أسئلة أحيانا ذات صعوبات وأشبه بالإختبارات، وتستدعي سلوكيات ذات توازنات وتوافقات تضع بالحسبان مواطن التصارعات والقوى القائمة على شأن البلاد والمتخذة للقرار، وما يجيش في النفوس من ظنون وتوجسات، وقد أجاد الأستاذ فرحان باقر هذه المغامرات المحفوفة بالمخاطر والمفاجآت، وحقق فيها نجاحات متميزة وتعذر على المناوئين إسقاطه في مطبات نهائية كما حصل لغيره من الأطباء الذين تقربوا من المسؤولين.

فرحان باقر

مضى طبيبا جسورا وقورا ناصحا ومرشدا ومعلما، وما ترجل عن مشروعه التربوي التعليمي ورسالته الطبية ومنطلقاته وثوابته الأخلاقية، بل عمّقها وطورها وأضفى عليها المزيد مما تعلمه من تجاربه وخبراته المتجددة، وبقي الطب مهنته وروحيته وعشقه وغايته والقيمة التي منحت حياته المعاني والأوصاف التي يفخر بها ويرعاها.

وكان يمارس الطب في عيادته في كاليفورنيا حتى بداية القرن الحادي والعشرين، ومن ثم مضى في الإمارات طبيبا لأمرائها ومستشارا متمرسا ينير بخبراته فضاءات المشاريع والجمعيات والمؤسسات، والبرامج الطبية الهادفة للشفاء وتطبيب المعاناة المرضية، وما أغفل رسالته العلمية في وطنه فساهم في النشاطات التدريسية والتأسيسية للمشاريع الكفيلة بتحقيق مستقبل أفضل للطب في العراق.

فرحان باقر

الصديق الطيب الوفي الذي يعز الصداقة ويرعاها ويهتم بها، وكان معي أبا وصديقا وزميلا ومُحبا وطيبا وراعيا ومشجعا ومؤازرا ومتسائلا، وكنت أسترشد بآرائه وأسأله في أمور متنوعة، فيبدو مسرورا في إبداء الرأي وإعطاء المشورة، وكان صدره رحبا وسعادته غامرة وهو يجيب على أسألتي، وكانت آراؤه ذات قيمة ودور في عدد من القرارت التي إتخذتها في مواضيع طبية ونشاطات أخرى في ميادين الجميعيات الطبية العربية والعراقية.

فهو إنسان بأصدق ما يكون عليه الإنسان، يسأل عنك إن لم تسأل عنه، ويعاتبك بقوة، وذات يوم إتصل بي معاتبا لعدم سؤالي عنه، وهو يقول: لا تسألون عني وكنت أعاني من ألم شديد في الظهر، لكنه أردفها مازحا وبمعنوية عالية ليؤكد أنه كان في إحدى دول الخليج.

ويتمتع بتواضع العلماء وبساطتهم، وما وجدته مدّاحا لنفسه أو مغرورا ومتكبرا، وإنما يرى أنه كان محظوظا بعض الشيئ، فالحظ يلعب لعبته بمسيرة الافراد في أكثر الأحيان، كما كان يقول.

ورغم مرضه في سنواته الأخيرة لا ينسى ويعبّر عن الوفاء، ووجدته يبعث بمواساته عند وفاة والدتي وهو في محنة صحية، فأكبرت ذلك وثمنته، فهو الإنسان الوفي النبيل الذي يفيض بقيم وأخلاق سامية طيبة.

ولا أريد التطرق إلى جميع الحوارات والتواصلات واللقاءات بيني وبينه، ولكن سأشير إلى ما أعتز به وهو إصراري معه على الكتابة عن تأريخ الطب عبر مشاهداته، وأن يقوم بتدوين مسيرته الطبية في العراق، لأنه شاهد بارز ومتميز، وفي بدايات أحاديثنا كان يتعذر بأنه ربما لا يحسن الكتابة الجيدة، وحينها بدأتُ أكتب على لسانه، وبدأنا بمشروع الحوارات المدونة، ولكثرة الإلتزامات وظروف العمل وبُعد المسافة بيننا صرنا نتهاتف أسبوعيا ، ويبدو أنه إستساغ الفكرة وبدأت القناعة تنمو عنده بتنفيذها، فكانت مهاتفاتنا لا تنقطع أينما حل ورحل، وبعد محاولات ومحاولات، نضجت الفكرة وتوقد الحماس، وفُتحت أبواب أخرى ووسائل أسهل، فكانت الثمرة التي فرحتُ بها وسعدت كثيرا، كتابيه عن تأريخ الطب (حكيم الحكام...، وتأريخ الطب المعاصر...)، وكان يهاتفني ويحدثني عن صدور الكتاب ويرسل لي نسخة منه، وفي كتابه الأول على ما أذكر أشار إلى أن الناشر قرر إعادة طبعه لوجود بعض الأخطاء، وقد قدمت عرضا لأحدهما في النشرة الدورية للجمعية عندما كنت أرأس تحريرها.

فرحان باقر

نفتقده اليوم كقدوة طبية علمية مؤثرة وملهمة للأجيال، فهو من أعلام الطب العراقي في القرن العشرين، وقامة شامخة بقيمها وأخلاقها المهنية، وإرادتها الجادة في إحداث التغيير المعرفي، وتأكيد المواكبة العلمية والإبداع الطبي المتميز.

فرحان باقر

الأستاذ الأب الزميل الصديق الإنسان الذي لا أنعاه كما عاهدت نفسي لكنني أذكره بفخر ومحبة وإعتزاز، وأستعيد أوقاتنا الثرية معا ومكالماتنا الأبوية الأخوية الرائعة المؤطرة بفيض المعاني والأفكار والتجارب الغنية بالفوائد العملية، وهي تنطلق منسابة من أعماق إنسانٍ تمثل الطب فيه، وصار موسوعة طبية مختصرة تفيض بعلومه وأخلاقياته المهنية السامية.

فرحان باقر

الذي سبرتُ أغواره، وتفاعلتُ معه ، وتمتعتُ ببوحه الإنساني الأخاذ، فيه إلتقيت بإنسانٍ نادر متميز بالمكنون الأخلاقي والقيمي والمعرفي، وتنوّرتُ بإلهاماته النادرة التي أغنتني عن ألف كتاب وكتاب، فأعظم كتاب أقرأه هو الإنسان، فكان أبلغ ما قرأت وأروع ما وعيت ، فهو ينبوع علم وشلال معارف وذخيرة تجارب وخزين خبرات، ومنطلقات أمل وتألق وعنوان فضاء.

وأجدني من المحظوظين الذين غرفوا من سلاف هذا المعين الإنساني الدفاق بزلال المعاني السامية والخُلق الرفيع والأنوار العلمية الوهاجة الأفياض.

فرحان باقر

نم قرير العين في الثرى، فمبادؤك وقيمك وأخلاقك المهنية يحملها العديد من تلاميذك والمتأثرين بمسيرتك المتحدية الراجحة.

وهذا بعض وفاءٍ لعَلمٍ تفاعلت معه وتعلمت منه وتأثرت به، فتحية لمسيرته الثرية، وإن توسد الثرى، فكل مَن عليها فان، ولأهله وذويه ومحبيه، أخلص التعازي، وألهمهم الخالق العظيم الصبر والسلوان.

فهل أوفيتُ بعهدي يا أستاذنا الجليل، فأنا أذكرك ولا أنعاك!!

 

د-صادق السامرائي

 

 

 

hasan maysiralaminشخصية عربية صادقة وعالمٌ عاملٌ متخصص بلغتها، شَغِفَ بحب الموصل وأهلها، قال عنها الكثير، وكرّر القول مرات عدة، وأصدق القول في التعبير عن شعوره تجاهها، شعرًا وكتابةً وحديثًا، قال بأن الموصل الحدباء هي مدينته التي أحبها، ولم تطأ قدماه أرضها، وهي عشقه، لكنه وان لم يزرها فقد عشق أدبها وفكرها واسهامات أبنائها، وهي من سَرَت في دمائه، لكنه لم يشرب من مائها، وهي من حقق ذاته بها، وعَرّفَ نفسه بإسمها، فهي المحفورة في قلبه كما في قلوب أبنائها من الذين رسموا صورة جميلة عنها، وكانوا خيرة الأوفياء لها، فقد حقَّ لهم أن يفخروا بها، وحقَّ لها أن تبادلهم الفخر، لأنهم صدقوا عهدها، وأخلصوا لها، وبرّوا أبناءها، فهي التي عاشوا من أجلها، ولا يزالون، فقد ضربوا أروع الأمثلة في الوفاء والتضحية والإيثار، فهنيئاً لهم بها، وهنيئاً لها بهم .

وصفها بأنها (جنه الأرض) وأشار الدكتور سمير بشير حديد إلى هذه التسميه في مقالته المنشورة تحت عنوان (أسماء الموصل عبر التاريخ) على موقع البيت الموصلي في (تشرين الأول عام 2013) وكذلك في كتابه الموسوم (الموصل قبل نصف قرن) - صفحة (24)، أنه قال عن الموصل في قصيدة مطلعها :

غَنَّيْتُ  لِلموصلِ  الحَدْبَـاءِ أَلحَـانَـا،

حُبّاً وَعِشْقاً وَإِخْلاصاً وَعِرْفَانَا .

يَا عُرْبُ هَلْ جَنَّةٌ فِي الأَرْضِ تَعْدِلُهَا، 

زَرْعاً وَنْهْراً وَبُنْيَاناً وَسُكَّانَا ؟

عاش محنتها وما عانت خلال ثلاث سنين عجاف وما قبل وما بعد، واكب أحداثها أولًا بأول وتابع مجريات العمليات العسكرية وتفاصيلها، فَرِحَ لتحريرها وخلاصها وأرسل مهنئًا لأهلها ومواسيًا لنكبتها بعد التحرير بأيام قلائل حين قال (ستبقى الحدباء شمسًا مشرقةً، وقمراً منيراً، ودُرةً مُتلألئةً، تقف بكل صبر، وجَلَدٍ، وإيمان، أمام المحن والإحن، وستبقى صامدة حرة، عربية شامخة بإذن الله، بحكم ما تمتلكه من عمق حضاري ممتد لآلاف الأعوام، وبحكم رسالة التواصل الحضاري التي تحمل رايتها نحو المستقبل)، وأرسل أبياتًا شعرية فيها، وفاءً لها بعد تحريرها وخلاصها قال فيها :

يَا (مُوصِلَ) الْعُرْبِ أَيَّامٌ مَضَتْ أَلَماً ...

                      أَحْزَانُنَا نَكْبَةٌ وَأَنْتِ تُسْلِينَا .

فَلْتَنْفُضِي مِحْنَةً، أَنْتِ الْفِنيِقُ نَجَا ...

                       لِيْغْسِلَ الْعَارَ مِنْ كُرْبَةٍ فِينَا .

كَمْ كُنْتِ صَابِرَةً، وَالظُّلْمُ مُحْتَكِمٌ ...

            كَمْ كٌنْتِ مُؤْمِنَةً، وَالضَّعْفُ يُصْمِينَا .

فِيكِ الْمَآذِنُ كَبَّرَتْ، وَمعْتِصِمٌ ...

                لَبَّ النِّدَا مَدَداً، وَالرُّسْلُ تَحْمِينَا .

هَذَا الْعَبِيرُ شَذَا (الْحَدْبَاءِ) نَعْرِفُهُ ...

              وَالتِّبْرُ فِي أَرْضِهَا، وَالْمَاءُ يُحْيينَا .

لِلَّهِ دَرُّ مِيَاهِ (دَجْلَةَ) انْهَمَرَتْ ...

                     مِثْلَ اللآلِئِ دُرّاً فِي أَرَاضِينَا .

أَنْتِ الْسَّنَا، وَالْبَهَا، وَالسِّحْرَ تَفْتِنُهُ ...

               يَا مَجْدَ عُرْبٍ بِكَ الأَمْجَادُ تُعْلِينَا .

رَبِّي أَدِمْهَا عَلَى الأَزْمَانِ نَاجِيَةً ...

               رَوْحاً، وَرَيْحَانَ بُسْتَانٍ وَنِسْرِينَا .

1421 maysir

إنه الشاعر الفلسطيني الأصل، الأردني الجنسية، موصلي الهوى عراقي الشعور عربي الهوية، الأستاذ الدكتور (هاشـم صالـح محمد منَّـاع)، مواليد عام (1951)، تخرج من المدرسة الفاضلية الثانوية في فلسطين عام (1971)، وحصل على شهادة البكلوريوس (لغـة عربيـة) من جامعــة بيروت في لبنان عام (1977)، أعقبها بشهادة الماجستير في الأدب الحديث من جامعــة عيـن شمـس في القاهرة عام (1981)، عن رسالته الموسومة (القضايا القومية في شعر المرأة الفلسطينية)، ثم شهادة الدكتوراه في الأدب العباسي - عن رسالته الموسومة (الحسين بن الحجاج ـ ت 391هـ/1001م ـ حياته و شعره و تحقيق الجزء الأخير من ديوانه) من جامعــة لنـــدن عام (1986) .

ألتحق بالعمل في كلية الدراسات الإسلامية والعربية في إمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تولى تدريس مادة (الأدب والنقد) للفترة من عام (1987 ـ 1992)، ثم أستاذ الأدب والنقد المساعد (المشارك) للفترة من عام (1992ـ 1997)، وأستاذ الأدب والنقد للفترة من عام (1997ـ 2004)، إضافة إلى توليه منصب وكيل الكلية لمرتين منذ عام (1988ـ1991) وكذلك عامي (2003 ـ 2004).

ثم انتقل للعمل كأستاذ الأدب والنقد في قسم اللغة العربية في كلية التربية – جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا عام (2004)، وتولى منصب رئيس قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية فيها منذ عام (2009 - 2005)، وأصبح مدير مركز الدراسات والبحوث اللغوية والترجمة في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا للفترة من عام

(2011 - 2009)، علاوةً على توليه منصب رئيس الأمانة العامة لكرسي القدس الشريف في الجامعة للأعوام (2010، 2011)، وتولى منصب رئيس هيئة النهوض باللغة العربية في الجامعة ذاتها للأعوام (2010،2011)، ثم منصب رئيس مجلس الإدارة التنسيقية لكيانات (كرسي الإعجاز القرآني) و(كرسي القدس الشريف) و(هيئة النهوض باللغة العربية) و(مركز الدراسات والبحوث اللغوية والترجمة) منذ عام (2013 - 2011) .

ترك دولة الإمارات العربية المتحدة عام (2013) وأستقر به المطاف في جامعة الإسراء في المملكة ألأردنية الهاشمية منذ عام (2013) وعمل (أستاذ الأدب والنقد) بكلية الآداب في الجامعة، ثم تولى منصب رئيس قسم اللغة العربية في كلية التربية منذ عام (2013) وحتى الآن، إضافة إلى توليه أعمال (منسق) الدراسات العليا في الجامعة .

بالإضافة إلى اعماله في التدريس والإدارة، فهو عضو مستشار بالجامعة الأمريكية في لنـدن للأعوام (2002 - 2001)، وكذلك مستشار لمجلة (عَالِمِ للدراسات العربية) والتي تصدر عن جامعة إلورن في نيجيريا منذ عام (2013) وحتى الآن، وعضو في لجنة تحكيم في (جائزة راشد بن حميد للثقافة والعلوم في عجمان (دولة الإمارات العربية) منذ عام (2006) وحتى الآن، عضو في جمعية حماية اللغة العربية في إمارة الشارقة،  عضو في اتحاد الكتاب العرب في دمشق، عضو في المجلس الدولي للغة العربية، عضو في اتحاد الكتاب الأردني .

تولى رئاسة وعضوية عددٍ كبير من اللجان (العلمية، التربوية، الإنسانية، البحثية، الجودة، لجان الترقيات، لجان الامتحانات، تطوير الخطط والمناهج التدريسية، تطوير برامج الدراسات العليا وكذلك لجان مسابقات التحكيم، ولجان تحكيم البحوث العلمية) . 

له حضور متميز في عددٍ كبير من المؤتمرات العلمية والإنسانية والبحثية وكذلك المهرجانات الشعرية والاحتفالات والدورات التثقيفية والندوات العلمية والحلقات النقاشية الدولية والعربية التي عقدت في دولة الإمارات العربية المتحدة والاردن وغيرها  .

حصل على جائزة (ORS) في البحوث الطلابية لما وراء البحار من بريطانيا عام (1985)، وأشرف على رسالة للماجستير في الأدب و النقد في الجامعة الأمريكية في لندن .

نشر العديد من المقالات العلمية واللغوية والبحثية في جريدة الخليج اليومية التي تصدر في إمارة الشارقة وكذلك في مجلة جمعية حماية اللغة العربية في الشارقة وفي مجلة الكاتب التي تصدر عن اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين .

نشر اكثر من (30) بحثًا علميًا وادبيًا وتاريخًيا ودينيًا ولغويًا وعن الشعر والشعراء وكذلك الدراسات النقدية والتحليلية، نشرها في عددٍ من الصحف والدوريات والمجلات العربية والعالمية الشهيرة وفي عدد من مواقع النشر الألكترونية .

قام بتأليف وإصدار (29) كتابًا متنوعًا في الاتجاهات العلمية والأدبية والثقافية والدينية، نُشرت عن دور نشر عربية وعالمية منها (القضايا القومية في شعر المرأة الفلسطينية الصادر عن شركة كاظمة للنشر والترجمة والتوزيع في الكويت عام 1984)، وعن دار الفكر العربي في بيروت صدرت له الكتب التالية (الشافي في العروض والقوافي عام 1988 - ط3 عام 1995)، (خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع عام 1989)، (روائع من الأدب العربي - (ط2 و ط 3) عامي (1991 و 1993) - ط1 عن دار الوسام في بيروت عام 1990)، (النثر في العصر الجاهلي عام 1993)، (بشَّـار بن بـرد ( حياته وشعره ) عام 1994)، (أبو العتاهيـة ( حياته وشعره ) عام 1994)، (أبو تمام ( حياته وشعره ) عام 1994)، (بدايـات في النقد الأدبي عام 1994)، (النثر في العصر العباسي ( بالاشتراك مع الدكتور مأمون ياسين) عام 1998)، (البحتري – حياته وشعره عام 2002)، (مختارات من الأدب الأندلسي عام 2004)، (الأدب الجاهلي (طبعة جديدة منقحة) عام 2005)، (مختارات من الأدب العربي (مشترك) عن دار القلم في دبي عام 1994)، (خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الـوداع عن دار المنار في دبي عام 1996)، (في الأدب الجاهلي عن دار المنار في دبي عام 1996 و ط2 عام 1998)، (ديوان أسامة بن منقذ -تحقيق وشرح - عن دار المنار في دبي عام 1996)، (سلوة الكئيب بوفاة الحبيب صلى الله عليه وسلم لابن ناصر الدمشقي- تحقيق ودراسة (مشترك) عن دار البحوث التابع لحكومة دبي عام 1999)، (الشعر العربي في مرحلة الحروب الصليبية عن دار المنار في دبي عام 2000)، (علماء مكرَّمون ( مازن المبارك ) ( بالاشتراك ) عن دار الفكر المعاصر في بيروت ودمشق عام 2001)، (حكم أبي الطيب المتنبي عن المكتب الجامعي الحديث في الإسكندرية عام2011)، (الأدب العباسي عن مكتبة الفلاح في دبي عام 2011)، (الرسالة الحاتمية فيما ذكره أبو الطيب المتنبي في شعره مجانساً لكلام أرسطو، لأبي علي الحاتمي - تحقيق ودراسة (قيد الطبع - دار كنوز المعرفة في عمان) . (كتاب اللغة العربية (الاستدراكي) - (بالاشتراك) - عن دار كنوز المعرفة في عمَّان عام 2014)، (كتاب اللغة العربية (بالاشتراك) عن دار كنوز المعرفة في عمَّان عام  2014)، (حكاية الأدب العربي الجاهلي (طبعة جديدة منقحة) عن دار يافا في عمَّان عام 2017)، (العروض والقوافي (طبعة جديدة منقحة) عن دار يافا في عمَّان عام 2017)، (كفاية المطالب لكفاءة الطالب عن دار يافا في عمَّان عام 2017)، (الرسالة الحاتمية فيما ذكره المتنبي موافقاً لكلام أرسطو (تحقيق ودراسة) عن  دار يافا في عمَّان عام 2017) .

وفي المجال الإبداعي والشعري، اصدر عدد من دواوين الشعر والحكايات والمجموعات القصصية وأخرى قيد الطبع، تم نشرها عن دور نشر عربية وعالمية رصينة، منها (ديوان مغترب - عن دار القلم في دبي عام 2005)، (ديوان خليجيات عن المكتب الجامعي الحديث في الإسكندرية عام 2010)، (حكاية زيتا (من ذاكرة الأوطان) - مجموعة قصصية - عن دار كنور المعرفة في عمّان عام 2016)، (ديوان الغربة والاغتراب - شعر - قيد النشر في بيروت)،(ديوان أحزان وأشجان - شعر - قيد النشر في القاهرة)، (ديوان فلسطينيات - شعر - قيد النشر في القاهرة)، (ديوان المراثي - شعر - قيد النشر)، (ديوان حريريات - شعر - قيد النشر في عمان) .

ووفاءً لشخصه الكريم ولمشاعره الفياضة بالحب وبكل الشعور النبيل الخالص وتقديرًا لمواقفة النبيلة ومشاطرته أحزاننا وأتراحنا على ما حل بالموصل وأهلها في ثلاث سنين عجاف، وحيث أن سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها التي ننشرها تباعًا ليست محصورة بنطاق أهل الموصل فحسب بل تتعدى لتشمل كل ذي موقف مشرف وكلمة صادقة وموقف نبيل في أرجاء المعمورة وبغض النظر عن الهوية أو الجنس أو الديانة أو القومية، فكان حقًا لنا وعلينا أن يكون حضوره المشرف ضمن السلسلة أعلاه وان يُسجل اسمه في صفحاتها ليأخذ استحقاقه بكل شرف وتميز فيما سيسطره التاريخ عنها وعن رجالاتها .

لقد اخترت مقولته كما في الصورة أدناه وهي جزء من حواره أعلاه، فكان جلَ حضوره وتعليقاته ومواكبته للأحداث وطيب كلامه وطراوة لسانه هي مبعث فخر وسرور وتعكس شخصية هذا الإنسان النبيل والمخلص والشغوف حبًا للموصل وأهلها رغم بُعد المسافات، والدؤوب عملًا وحضورًا، أضعها أمامكم سادتي الكرام آملًا أن تنال إعجابكم وأن يلقى صاحب المقولة في مشاركتكم وتفاعلكم معها ما يبعث إلى سروره وسعادته وتعكس ردا لجميل مواقفه ولتغدوَ شهادة حق في موقفٍ وقولٍ لرجلٍ عالمٍ حصيف يُكِنُ كل المحبة للموصل وأهلها، متأملًا تفاعلكم القيم ومسجلًا عظيم الشكر والإمتنان للشخصيات التي تواكب ما ننشر بكل حرص وسرور وتقدر عاليًا ما نبذل من جهود في سبيل إظهار المواقف والحقائق، وفق الله الجميع لما فيه خير العباد والبلاد وتقبلوا وافر الاحترام والتقدير .

 

حسن ميسر صالح الأمين

 

 

adnan aldhahir2ما كنتُ أعرفُ (فريد الأطرش) جيداً وما كنتُ أهوى أيا من أغانيه . كنتُ مولعاً بملاحقة وسماع أغاني (سهام رفقي) حتى كان يوم ... بدل مزاجي في الطرب وسماع الأغاني . حدثَ ذلك صيف عام 1951 إثر لقاء من لقاءات ذلك الصيف مع صديق بمثل عمري . تبادلنا ونحن نتمشى في بعض شوارع مدينتنا عصراً أحاديث الغناء والمغنين فدُهش إذ سمع مني أني أحب أغاني (سهام رفقي)، أحببتها بعد أن شاهدتُ فيلماً سينمائياً لها عُرضَ صيف عام 1949 في إحدى دور السينما يحمل إسم [البريمو] . إستسخف الصديق ذوقي وخياري وقال (هذه أغاني زعاطيط) !! وكان كلانا (زعطوطاً) يومذاك . غضبتُ منه مرتين: الأولى لإنه إستخف بمقام سهام رفقي، ثم لأنه لم يحترم مشاعري واستهزأ بخياري وميلي . كدتُ أنْ أقاطعه وأتوقف عن التمشيات الصيفية الطويلة معه . ظلّ الموضوع يقلقني وجعلني أطيل التفكير فيه ومَن منا المصيب ومن الذي جانبه الصواب . مَن الأفضل، سهام أم فريد . كانت أغاني سهام رفقي قليلة أصلاً ثم كانت قليلة التداول بالقياس مع سهولة وكثرة تداول أغاني فريد الأطرش . أي أن فُرصَ سماع أغاني فريد كانت أكبر وأكثر بما لا يُقاس من فُرص سهام . وضعني هذا الأمر وجهاً لوجه مع فريد فصرت أتسمع وأصغي سراً حيناً وعلانيةً أحيانا إلى أغانيه حتى وجدتُ نفسي واقعاً كصديقي تحت تأثير صوت والحان وكلمات أغانيه . كانت منافسة بين الأثنين غير متكافئة، إنتصر أخيراُ فيها فريد على سهام رفقي . فما كانت أول أغنية أحببتها لفريد؟ كانت يومذاك في بيوتنا أجهزة راديو وليس في بيوتنا أجهزة تلفزيون . إلتقطت يوماً من جهاز الراديو أغنية (حبيبي فين فين إنتَ فين / يا نور العين ...)، أحببتها من أول سماع بدل أول نظرة . إرتبطت هذه الأغنية مع صبية في الصف السادس الإبتدائي كنتُ ألتقيها صباح كل يوم في ذهابنا لمدارسنا والعودة منها لبيوتنا منتصف النهار. تطورت بيننا النظرات يوماً إثرَ يومٍ وأخذ تعلقي بها ينمو مع كل أغنية جديدة علي َّ أسمعها لفريد الأطرش . مع نمو إعجابي بالصبية نما تعلقي بأغاني فريد . وكلما زاد إعجابي بهذا إزداد إعجابي بتلك . غريبة !! ما علاقة هذه بذاك؟ لا أدري .

مرّت الأيام . إفترقنا إذ غادر والدها مدينتي كما هو شأن كل موظفي الدولة ... دائمي التنقل بين المدن . غابت [راجحة] عن عالمي . أهملتُ أغنية (حبيبي فين فين إنتَ فين) حين بدأتُ علاقة حب مع أغنية أخرى جديدة إرتبطت بفتاة جديدة كانت في مثل سني تماماً، لم تكن صبية كتلك . مع هذه الأغنية كنتُ قد دشنتُ مرحلة دراسية هي الأخرى جديدة، بداية المرحلة الثانوية / الصف الرابع العلمي . همتُ في حب الأغنية الجديدة لفريد التي يفتتحها قائلاً (بتسأليني عن حالي وإنتِ السبب في اللي جرالي) . كنتُ أتصيدها من جهاز الراديو في ساعات الدراسة الليلية إذْ أجلس وحيداً في الحجرة الأمامية أحضر دروسي وأستعد للإمتحانات الشهرية وغيرها من واجبات يومية كثيرة عادة ً . وكما كان أمري مع أغنية فريد الأولى، إرتبطت هذه الأغنية بقوة بالفتاة الثانية

[بلقيس] . كانت هذه الأغنية نادرة التداول في محطات الإذاعة يومذاك . لذا كنتُ أكتب رسائل إلى مختلف المحطات أطلب سماعها ضمن برنامج واسع الإنشار يسمونه " طلبات المستمعين " . وفي هذه الفترة بالذات

(خريف عام 1951) طبّقتْ الآفا قَ أغنية ٌ خفيفة لفريد هي (يا عواذل فلفلوا) غناها في فيلم (آخر كذبة) مع الراقصة سامية جمال . أقام ملك مصر يومذاك (فاروق) الدنيا على رأس فريد إذ حسب أنَّه هو المقصود ب (يا عواذل فلفلوا) . أما في العراق فكان الوضع مع أغنية فريد هذه أشد سوءاً . مُنعت إذاعتها من راديو بغداد الحكومي وما كان في الساحة سواه.... وقيل في حينه أن َّ وليَ العهد والوصي على عرش العراق يومذاك < عبد الإله بن علي > هو الذي أمر بمنع تداول هذه الأغنية .

لذا كنا شباب ذلك الزمان نتصيد هذه الأغنية من محطات إذاعية كثيرة آخرى منها البريطانية بي. بي.سي BBC والشرق الأدنى في قبرص .

هل تركت ُ أو خنتُ صاحبتي المغنية الجميلة (سهام رفقي)؟ كلا. كنتُ كذلك أتصيد أغانيها حتى إختفت فجأة ً. أشيع في حينه أنها تزوجت فاعتكفت في بيت الزوجية حسب رغبة زوجها الثري الذي سعى فنجح في سحب إسطوانات أغاني (سهام) من الأسواق ومن محطات الإذاعة . كانت أغاني ذلك الزمان تٌسجّل على إسطوانات وليس على أجهزة تسجيل أو أشرطة وكاسيتات كما هو الحال اليوم . أظن أن آخر أغنية غنتها

(سهام رفقي الأفيوني ... وكان هذا هو إسمها الحقيقي مع اللقب) هي أغنية [جينا وجينالك جينالك / يا فلسطين جينالك / جينا لنشيل أحمالك]

 لمناسبة الحرب في فلسطين عام 1948 ــ 1949 . وككل الأغاني السياسية والحماسية وأغاني المناسبات العجلى لم تكن هذه الأغنية بمستوى أغاني سهام القديمة الأخرى . أذكر، على سبيل المثال، أغنية

[يا أم العباية] و [أه ياني وياني وياني / عللي راح وخلاّني / أسهر الليل بطولو / ولّع قلبي وما جاني ...) ... غناها (حسين نعمة) بعد عقود، ثم غنتها (لميعة توفيق) أو (زهور حسين) ... من مطربي ومطربات العراق . وأغنية [لومك يا لايم ما يفيد / منو نار الشوق تزيد / سيب المجروح بهمو / لا تفتحلو جرح جديدْ]، ثم أغنية [شوقي على الأحباب / نوحي على الأحباب / قلبي بهواهم ذاب / شوقي على الأحباب] ...

 وأخيراً أغنية [يا أبو الزلف يا روح / لويشَ عني تروح] ... يبدو أنها غنتها خصيصاً للعراقيين، فلفظة (لويش) عراقية بغدادية صميمة . شاعت هذه الأغاني كثيراً في العراق بفضل فيلم {البريمو} الذي عُرض في العراق لفترات طويلة . ظلت أغنية [يا أم العباية / حلوة عباتج / جمالك آية / زينة بصفاتج] ... ظلت متداولة بين أوساط عريضة من النساء العراقيات بشكل خاص، فكلماتها عراقية قحّة . أما خارج فيلم [البريمو] فقد غنت سهام رفقي أغنية [يا لاعباً بالسيف يا بو الفروسية] وأغنية [جلابيتو قلام قلام حرّمتني النوم أنام] وأغنية [حوّلْ يا ظريف القدْ / يابو جدايل شلح ورد ْ / لا تعذبْ قلب اليهواكْ / نور العين ونار الخدْ] وأغنية [لا لا يا بابا ما اريدو ... ما اريدو واللهِ ما اريدو / لو مفتاح الجنةْ بإيدو] .

قلت قبل قليل إنَّ سهام رفقي تزوجت فتركت الفن لشديد الأسف . لو بقيت تغني لأتحفت عالم الطرب بأغانيها المتميزة وبصوتها الفريد الذي وجد له مساحة خالية عريضة وفراغاً كبيراً تركته (أسمهان الأطرش ) بموتها المأساوي المبكر . لم أتخلَ عن سهام رفقي، مغنية طفولتي وأوائل مراهقتي وإنَّ طبعي الوفاءُ ... لذا فإني أحتفظ اليوم لها بإحدى أغانيها الرائعة [شوقي على الأحباب // نوحي على الأحباب ...] أسمعها بين يوم ويوم وحين أمل ُّ من أغاني فريد أجعل (سهام) وصلة إستراحة بين فريد وفريد . شاطر ومشطور بينهما كامخ ...

أين إنتهينا في رحلتنا مع فريد؟ غادرتْ (راجحة) مدينتي ولم أكن أعرف هل كانت تحب أغاني فريد أو لا؟ (بلقيس) باقية ولكنها كانت فتاة نصف متعلمة ولا من جهاز راديو في بيت أبيها . ولعل أباها يعتبر الغناء حراماً ورجساً من عمل الشيطان !! غادرتْ الصبية ُ وبقيت الناضجة قليلاً . غابت (سهام) عن مسرح اللحن والغناء والطرب وبقي

(فريد) حياً لا يموت . يجدد نفسه عَبرَ أفلامه التي كانت تترى ... فيلم يتلو فيلماً وفي كل فيلم مجموعة أغانٍ يفتعل فريد مناسباتها إفتعالاً يبدو أحياناً مضحكاً . وبقدر تعلق الأمر بي، تزحزحتُ قليلاً عن هيامي بأغنيته [بتسأليني عن حالي] بعد أن شاهدتُ مع صديقين آخرَ فيلم لفريد وصل العراق أوائل عام 1952 يحمل إسم [لحن الخلود] مثله مع فاتن حمامة وماجدة ومديحة يسري . أحببت ُ ــ وما زلتُ ــ من بين أغاني هذا الفيلم آخر أغنية فيه تحمل إسم الفلم نفسه [أغنية لحن الخلود أو: بنادي عليكِ] أغنية طويلة ينتقل فريد فيها من جملة موسيقية لحنية إلى غيرها . الطريف في هذا الفيلم أن الممثلة مديحة يُسري كانت تحمل فيه إسم (سهام) ولي كانت بعد عامين (عام 1954) مع فتاة تحمل هذا الإسم قصة إنتهت بمأساة ... كتبتها في سياحة رقم 6 . كانت (سهام) الحقيقية وليست مديحة يسري، هي الأخرى من أشد المعجبات بأغاني فريد الأطرش . عبّرتْ يوماً عن إعجابها الكبير أمامي بألحان وغناء فريد فشعرتُ بحرج غير قليل . إعترضتُ بدافع الغيرة بتحفظ ٍ وأدب ٍ لكيلا أفضح أمري أمامها . قلت لها (إنَّ فريدأ رجل ٌ كبير السن) ... فهمتْ الدافع وراء هذا الذم فقالت بكل أدب وبعض حياء (لكنه حلو) . أصاب كلامها هذا مني مقتلاً لم أستطع لسنواتٍ طوالٍ نسيانه . أردتُ الحط من قدره في عينها فردت بالدفاع عنه من زاوية شديدة الحساسية ... جمال الوجه . لو قالت إنَّ صوته جميلٌ مثلاً لهان الأمر . لو قالت إنَّ تمثيله جيد لكان وقع ردها عليَّ خفيفاً محتملاً . كانت تقول لي (إني أعبدك) ... كيف تقول مثل هذا الكلام، تعبدني، لكنها معجبة بوجه رجل تصفه بأنه (جميل، حلو)؟! لم أستطع أن أفهمَ كيف تعبدُ فتاة ٌ شابة ٌ شاباً وتستحسن وجهَ رجل آخر؟ شئ لا أفهمه ولا أستوعبه حتى هذه اللحظة . أفهم أن َّ الذي تستحسن وجهه تعبده أو قد تعبده أو تجده مرشحاً للعبادة . هذه حالة أغلب المراهقات من الصبايا في أوائل عهد المراهقة .

عُرضَ أواخر عام 1954 في بغداد فيلم (رسالة غرام) من تمثيل فريد و (مريم فخر الدين) . نال الفيلم النجاح الذي يستحق وغنى فريد كعادته عدة أغانٍ لمناسبات أغلبها مصطنعة ولأسباب باهتة لا علاقة قوية لها بسياق الفيلم وحوادثه العامة . بإستثناء الأغنية الأخيرة، أغنية (يا قلبي يا مجروح) . كانت أغنية رائعة أداها فريد بكل ما في قلبه من أحزان حياته الخاصة وتجارب الرومانس الفاشلة . ثم قصته في الفيلم مع مريم فخر الدين المأساوية .تخلفُ طفلا ينكره أبوه ثم تموت . قبيل موتها أوصت فريدا ً أن يتبنى هذا الطفل فامتثل . يبكي فريد ويمسح دموعه عَلناً وهو يؤدي هذه الأغنية أمام حفل تم الإعداد له على أحد مسارح القاهرة . يقول فريد في هذه الأغنية:

يا قلبي يا مجروحْ / إصبرْ على المقسومْ

باب السما مفتوح / لدعوة المظلومْ

أيام تجري / بربيع عمري

وشكوى قلبي / إليكْ إليكْ يا ربي .

في القلب ِ نارْ وجراح / صابرْ عليها إزاي

أبكي على اللي راحْ / ولا على اللي جاي؟

كنا الهوى / كنا الأحباب كنا الحياهْ

بعت الهنا بخداع كذاب ْ / وجريت ْ وراه ْ

تعالَ تعالَ / تعالَ نحيي أحلامنا

تعالَ إعطفْ على جروحي

ده لسه العمر قدامنا

تعالَ بتناديكْ روحي

يا دنيا ... يا دنيا

بدمع عيني َّ كتبتِ قسمتي فيكِ

يا دنيا ... يا دنيا

بدم قلبي الجريح الحنّة بإيديكِ

[هنا يبكي فريد ويمسح دموعه]

يا دنيا ...

 يا دنيا إيهْ لسه عندكْ كمانْ

هاتي اللي يرضيكِ يا دنيا

تعالَ يا حياةْ قلبي

نجددْ حبنا الغالي

ما هوش ذنبك ْ ولا ذنبي

جرى لك ْ زي ما جرا لي

ودموع سالتْ

وجراحْ طالتْ

وشكوى قلبي

إليكْ إليكْ يا ربي .

لماذا وقفتُ طويلاً عند هذه الأغنية؟ سؤال وجيه . جوابه أني كنت معجباً وما زلتُ بهذه الأغنية . حتى أني ــ وقد خلتْ مجموعة مقتنياتي من أغاني فريد من هذه الإغنية وأغنية ثانية ــ تجرأتُ فسألت العديد من معارفي ممن يعملون في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية وبعض الفضائيات وحتى بعض المسافرين لزيارة دمشق أو عمان أو القاهرة ... سألتهم ورجوتهم تدبير أغنية (يا قلبي يا مجروح وأغنية بتبكي يا عين على الغايبين ودمعك على الخدود سطرين ...) وأعربتُ لهم عن إستعدادي لدفع أي مبلغ يطلبون مقابل هاتين الأغنيتين أو إحديهما . ضاعت جهودي جميعاً سُدىً . أضحكني صديق في لندن وقد سألته المساعدة في هذا الشأن إذ أجاب: زرْ القاهرة، زيارة وتسيارة، كما نقول في العراق ...هناك لا شك َّ ستجد هاتين الأغنيتين مسجلتين على كاسيت أو كفيلم فيديو . {عرب وين طنبورة وين} ... لا يعرف هذا الصديق أني جبتُ الدنيا أسأل عنهما ولا من مجيب ولا مِن مُغيث .

أحببت هذه الأغنية ساعة َ أن شاهدتُ الأطرش يغنيها في فيلم (رسالة غرام) في إحدى دور السينما في بغداد أواخر عام 1954 ... فإرتبطت مع (سهام) المعجبة بوجه فريد ثم بأغانيه جميعاً . كسابقتها راجحة، رحلت سهام، ولكنها غادرت دنيانا وظل فريد بعدها حياً يُرزق ويغني ويسهر ويلعب القمار ويفشل في قصصه الغرامية حتى وافته المنية في يوم 26 من شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 1974 . الفاتحة للإثنين .

 

عدنان الظاهر

مايس 2007

 

 

latif oqayliيقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلِّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.

أَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أَنَّ هناكَ الكثير مِن الوقائعِ الَّتِي مَا تَزالُ تفاصيلها، وَرُبَّما لحظاتها عالقة فِي ذهنِ السَمَاويُّ عَلَى الرغمِ مِنْ تباينِ تواريخِ حدوثها وَتفاوتِ تأثيرها، إلا أَنَّ رغبتي فِي المرورِ بما أتيح مِنهَا تنبع مِنْ عاملينِ أساسيين، أولهما إدراك أهميتها - مَعَ حكاياتِ غيره مِن المبدعين - فِي تعزيزِ حزمةِ التدابير والإجراءاتِ الساعيةِ إلى توثيقِ الأنْشِطَة الخاصة بالمَوْرُوثِ المَحَلّيّ، وَالَّذِي أرخى الليل سدوله عَلَى الكثيرِ مِنْ فعالياتِه؛ جراء تعذر مسايرتها لمعطياتِ الحياة المعاصرة، حتى أصبح الإحصاء بشأنِ المندثر مِنْ تلك المَوْرُوثات أو الَّذِي فِي طريقِه إلى الاضمحلالِ أمراً غير يسير. فِي حين  يقوم الأمر الآخر عَلَى أهمية المكان فِي تشكيلِ الإِبْداعِ الأَدَبيّ بمختلفِ ضروبه، وَلعلَّ خير مصداق عَلَى مَا تقدم هو كثرة مَا تكتنزه الذاكرة الإنسانيَّة مِنْ تجاربٍ شعرية وَروائية وَفَنِّيَّة، وَالَّتِي ارتكز بناءها عَلَى استبعادِ الخيال وَنبذ آليات الكتابة المرتكزة عَلَى اختراعِ الأحداث، معتمدة عَلَى صورٍ واقعية أو وَقائع حقيقية أو ذاتاً مَوْضُوعِيَّة؛ بغية تدوين الأحداث والوقائع التاريخية الَّتِي شهدت فصولها الأمكنة، فَعَلَى سبيلِ المثَالِ لا الحصر كانَ الجسرُ الحجريّ الشهير الَّذِي أُقيمَ عَلَى نهرِ درينا بمدينةِ فيشيغراد محور رواية جسر عَلَى نهرِ درينا الَّتِي أوصلت مؤلفها البوسني (ايفواندرتيش) إلى بلوغِ جائزةِ نوبل عام 1961م، فَمَا بالك بِمَا نزفه قلب السَمَاويِ يحيى شعراً أصيلاً صادقاً عَنْ العراق وَأرضه وَبَغْدَاده وَفراتيه وَنخيله وسَمَاوَته وَحتى باديتها الَّتِي ارتبطت بعض فصول تأريخها الحديث ببؤسِ الإنْسَان وَنفيه وَتشرده؟!. 

لا مفاجأة فِي القولِ إنّ السَمَاويَّ يحيى تأبط الشعر منذ وقت مبكر مِنْ حياته؛ إذ أَنّ شغفَه بالتحليقِ بعيداً فِي عوالمٍ لا يؤثر فِي صفاءِ ألوانها سوى فضاءاتٍ لا حدود لها مِنْ قناديلِ أحلامِ اليقظة، ألزمه الجهد الحثيث فِي تسخيرِ الحرية لأقلامِ الرصاص الَّتِي اعتاد عَلَى ابتياعها مِنْ دكانٍ متواضع لا يبعد كثيراً عَنْ أطرافِ زقاقِ محلته فِي ترتيبِ كلماتِ جمله وَمحاولة رصفها بعنايةٍ وَأناقة مثلما ترصف الدوائر الهندسية الطرق وتغرسها بالنباتاتِ وَالزهور؛ لأجلِ رسمِ مَا تكتنزهُ ذاكرتَهُ الغضَّةَ مِنْ أحلامٍ بريئة عَلَى أوراقِ دفاتره المدرسيَّة العتيقَة بصورٍ شعريّةٍ تنسجم مَعَ قدراتِه الذهنية حينئذ وكأنه يلج عوالم إِبْداع البوح - ومَا ابتعد عَنْ غيره مِنْ آفاقه - بمثابةِ سنبلةٍ تتمسك فِي الإصرارِ عَلَى النُمُوِّ وَهي تصارع بخطى واثقة آثار سبخ الأَرْض؛ لأجلِ تحويل عتمة فضاءات حقول قمح الأدب الإنسانيّ إلى مروجٍ خضراء تزينها أصوات العصافير، حتى أزهرت بعد سنوات أغصان موهبته الأدبية الفائقة وَتذوق الناس طعمِ ثمارها الإنسانيَّة، وَالَّتِي أفصحت عَنْ نضجِ أسلوبه الفني والسعيِّ الحثيث لتطويرِ أدواته فِي الكتابةِ الشعرية القائمة عَلَى جمالِ اللغةِ وَفنون البلاغة وسعة المخيلة وَتوظيف الرموز التراثية، وَلاسيَّما فِي مرحلةِ  اغترابه القسري، وَالَّذِي لم يكن بقصدِ البحثِ عَنْ رغيفِ عافية أو خيمة أكثر ظلالاً، بل خوفاً مِنْ حبلِ مشنقةٍ كان عَلَى مبعدةِ أشبارٍ منه فِي عهدِ النظام السابق؛ إذ أصبحَ - بحسبِ مَا ظهر مِنْ كتبِ النقاد العراقيين وَالعرب النقدية الَّتِي تناولت تجربته الشعرية، إلى جانبِ مَا حظيت بِه تلك التجربة مِنْ دراساتٍ وَبحوث أكَادِيمِيَّة - أحدُ أبرزَ رموزنا الشعرية وَالإنسانيَّة السامقة، فضلاً عَنْ كونه أحد عباقرة الشعر العربي الأصيل الَّذِي وظف أدواته بإتقانٍ فِي مهمةِ نحتِ أبجديةٍ حَضاريَّة ساهمت فِي تعزيزِ الأصواتِ المدافعة عَنْ قضَايَا الإنْسَان، فكانّ أنْ ألزمته صعوبة الظروف وَقساوة الأيام الركون إلى البوحِ بوصفِه المُتاح مِنْ سُّبُلِ التعبير عَنْ خلجاتِ النفس واحساسها بعذاباتِ الإنْسَان المضطهد والمظلوم؛ إذ أصبحَ الشعرُ لغته فِي التعاملِ مَعَ الإنْسَان والمؤلم مِنْ أَزْمَاته، إلى جانب تفاعله مَعَ البِيئَةِ الَّتِي - عاش - وَمَا يَزال يعيش فِيهَا. وَضمن هَذَا المنحى تحضرني عبارةٌ عميقةٌ وَرائعة للأديبِ المصري شعبان البنا الَّتِي نصها " لِمَنْ لا يعلمون، فأنَ الشاعرَ يحيى السَمَاوي نجح باقتدار فِي حفرِ اسمه فِي ضميرِ القصيدة العربية لأجيالٍ كثيرة مقبلة ". 

المذهلُ فِي الأمرِ - وَلا أعني الأديب البنا - أَنَّ لا أحد بوسعِه إغواء السومري الأصيل بمدحٍ قد يجعله يحيد بنفسِه عَنْ نهجِه الإنْسَانيّ القائم عَلَى البساطةِ والتواضع الَّذِي تربي وَنشأ عليه؛ إذ عَلَى الرغمِ مِنْ شهادةِ المُتَخَصِّصين بتكاملِ تجربة السَمَاويِّ الشعرية وَتَمَيَّزها وَتفرد بعض خصالها، فإنَّه يردد عَلَى الدوام " مَا حلمتُ يوماً فِي حفرِ اسمي حتى وَلو عَلَى جدارِ بيتي - وأظنني لَنْ أحلم بذلك - لَكنني كنت - وَسأبقى - حَالماً فِي أنْ أكون جملة مفيدة فِي كتابِ المحبةِ الإنسانيَّة ".         

المتوجبُ إدراكه أَنَّ ذاكرةَ شاعرنا السَمَاويّ المثقلة بأوجاعِ الماضي وَالمتخمة بِمَا يدور حولها، مَا تَزالُ غنيةً بالكثيرِ ممَا غفى ردحاً مِن الزمنِ أو مَا استقر عميقاً فِي مشاربِها، وحفر فِي تشعباتِها أخاديداً لا تقل أثراً عَمَا حفرته الدموع عَلَى أوداجِ عراقيةٍ أصيلة تبحث عَنْ وَطَنْ. وَلَعَل مِنْ جملةِ مَا حاولت إيقاظه مِنْ تلافيفِ ذاكرةِ المفتون بطينِ السَماوة وَجمال نخيلها وَعَذب فراتها، ثمَّةَ حكاية تُعَدّ بمثابةِ ومضةٍ وهاجة مِنْ أيامِ الصبا، وَالَّتِي رُبَّما تنفع مِنْ وجهةِ نظرٍ شخصية فِي أنْ تكونَ ملاذاً لصاحبِها مِنْ أوجاعِ اللحظةِ الراهنة أو محاولة نافعة لِتجاوزِ متاعبها. وَالْمُلْفِتُ أَنَّ الحكايةَ المنوه عَنْها آنفاً تكشفُ عَنْ تميزِ السَمَاويّ بنبوغِه الشعري مبكراً، بوصفِه موهبة شعرية أصيلة، بالإضافةِ إلى ذكائِه المتقد ومهارته العاليَّة فِي معالجةِ مَا قد يتعرض له مِنْ مواقفٍ فِي حياتِه، وَالَّذِي اتضحت ملامحه لاحقاً مِنْ خلالِ صمودِه أمام عاديات الزمن وَمواجهة أقسى الظروف وَأكثرها صعوبة.

أيـهــا الـحـزنُ : لا تـحـزنْ

فـأنـا ســأتـشـبَّـثُ بـالـحـيـاةِ

كـيْ لا تـعـيـشَ يـتـيـمـاً بـعـدي !

الحكايةُ الَّتِي تُشعر السَمَاويّ بمتعةٍ - لا تخلو مِن الحياء - حين يعود بذاكرتهِ إلى أيامِ زمانٍ مضى مِنْ أجلِ أنْ يسترجعَ تدريجياً بعضاً مِنْ مشاغباتِ الصبا البريئة، وَالَّتِي رُبَّما تُعَدّ امتداداً لحكاياتِ الحب العذري التاريخيَّة أو قد تَبْدُو- فِي حالِ إخضاعِ مضامينها إلى معاييرِ الحاضر - مِن قصصِ العشق الاسطورية. وَعَلَى الرغمِ مِنْ البساطةِ فِي شكلِها، إلا أَنَّهَا عميقة فِي بعدِهَا الإِنْسَانيّ، وهو الأمر الَّذِي زادني شغفاً للتطلعِ عَلَى مَا أتيحَ لِي مِنْ مجرياتِها.

ترجع وقائع تلك الحكاية الَّتِي يحفظها السَمَاويّ فِي ذاكرةِ الروح إلى مرحلةِ الدراسة المتوسطة؛ إذ كانَ حينئذ يبكّر فِي الخروجِ مِن البيتِ صباح كُلَّ يوم مستبقاً بقية طلاب مدرسته، بَيْدَ أنَّ المثيرَ للاهتمامِ أَنَّ الفتى السومري كان يتوجب عليه فعل ذلك لا لأجلِ الدخول إلى المدرسةِ قبل أقرانه، بوصفِه آخر مَنْ يدخل المدرسة؛ إذ كان يحرص عَلَى التبكيرِ فِي الخروجِ مِنْ البيت؛ لأجلِ أنْ يقفَ مثل شرطي مرور عند منتصف جسر السَمَاوة الحديدي؛ منتظراً انبلاج الأمل بقدوم صبيّة حسناء، وَالَّتِي لا سبيل لبعثِ لواعجِ اشواقه إليها حينئذ سوى لغة العيون الَّتِي تتيح لَهُ نظرةَ حب وَحنان خاطفة، إلا أَنَّ قلبه المعلق مَا بين فضاءات الجسرِ وهو يخفق وتزداد سرعة نبضه كلما اقتربت صبيته – الَّتِي كتب عنها لاحقاً قصيدة " غادة القشلة " فِي مجموعتِه الشعرية الأولى الموسومة " عيناك دنيا " - يبقى يحلم بيدٍ طاهرةٍ تمتد إلى شرايينِ قلبها قبل أنْ تأخذهما معاً إلى عوالمٍ شوقٍ بعيدة.   

لا يخفى عَلَى أحدٍ أَنَّ الأجيالَ الحديثة فتحت عينها عَلَى تسارع التقدم التِقْنِي الَّذِي شهدته البَشَريَّة فِيمَا تأخر مِنْ عقودِ القرن المَاضي، وَلاسيَّما التَطَوَّر المذهل فِي وسائلِ الاتصال والمَعْلُوماتيَّة الَّذِي كان مِنْ بَيْنَ مخرجاتِه المتقدمة بلوغ مرحلةِ الاتصال التفاعلي أو مرحلة الوسائط المتعددة، وَالَّتِي يقومُ عملها عَلَى الحاسباتِ الإلكترونية وَأشعة الليزر وَالألياف البصرية - الضَوئِيَّة - وَالأقمار الصناعية؛ إذ أفضى التزاوج مَا بَيْنَ تلك التِقْنِيَّات إلى إِنْتَاجِ نظام الاتصال الرقمي، وَالَّذِي أنجب عصراً وَمجتمعاً جديداً يشَار إليه باسْمِ عصرِ أو مُجْتَمَع المَعْلُومات، إلا أَنَّ أيامَ صبا السَمَاوي كان يتعذر فِيها إجراء اتصال مثلما هو حاصل اليوم، وَهو الأمر الَّذِي  دفعه إلى البحثِ عَنْ وسيلةِ اتصال مبتكرة وَغير مألوفة تتيح له تجاوز عقبة التواصل مع فتاته الحسناء، حيث عمد إلى جمعِ علب الكبريت الَّتِي يطلق عليها محلياً ( الشخّاطة )، وَالقيام بتفريغِها مِنْ أعوادِ الثقاب؛ لأجلِ حشوها بقصاصاتِ ورق تتضمن بضعة أبيات شعرية قبل الشروع برميِها إليها عند قدومها وهي تمشي ببطء، كان يلزمه المَشيّ خلفها ببطءٍ مماثل، حتى إذا وصلت بناية مدرستها وَدلفت إليها، قفل راجعاً يغذّ السير مسرعاً نحو مدرسته، غَيْرَ أَنَّ اقدامَه عَلَى تسريعِ الخطى مَا كان يجدي نفعاً فِي محاولةِ عدمِ دخوله صفه الدراسيّ متأخراً؛ إذ يفاجأ فِي كُلِّ يومٍ ببابِ مدرستِه مغلقاً؛ لِذَا كان مُلزماً بالبحثِ عَنْ تدبيرٍ يمكنه مِنْ استصلاحِ وضعه وَدخول صَفِه مَعَ أقرانِه، فلَمْ يجد بداً مِن اللجوءِ أملاً فِي النجاةِ بنفسه مِنْ غضبِ مدير المدرسة - وهو يخيل إليه أَنَّ كُلَّ مَنْ فِي المدرسةِ وَمَا جاورها يسمع صوت نبضات قلبه - سوى التسلل مثل لص نحو المدرسة عبر سياجها الخلفي الواطئ، وَالَّذِي رُبَّما يُشكل بالنسبةِ للسَمَاويِّ أحد كنوز الذكريات الَّتِي لَمْ يكن بمقدورِ مَا مضى مِنْ أيامٍ محوهَا.

سأبيعُ كُلِّي

بالقليلْ!

مَنْ يشتري قلبي بمنديلٍ

يليقُ بجُرحِ "حَلّاجٍ" جديدٍ

ناسِكِ الآثامِ...

أغواهُ السّرابُ

رآهُ في حُمّى التهجّدِ

سلسبيلْ؟

منْ يشتري بالدمعِ أجفاني؟

وعينِيْ بالعِمى؟

ونميرَ ينبوعي بجمرٍ؟

والوفاءَ بطعنةٍ نجلاءَ

تنقذني من الوجَعِ الطويلْ؟

 

لَطيف عَبد سالم

 

 

khadom almosawi2ارنستو تشي جيفارا،  (14 حزيران/ يونيو 1928 -9  تشرين اول/ أكتوبر 1967) طبيب، مثقف عضوي، رجل دولة، وزير، مقاتل ثوري بلا حدود. ولد في الارجنتين واستشهد في بوليفيا. أهله من أصول ايرلندية، اسبانية باسكية، عاش في امريكا الجنوبية اللاتينية.. قائد في الثورة الكوبية.. زار بلدانا عديدة وترك انطباعات كثيرة عنه فيها. التقى قادة الثورات وحركات التحرر الوطني العالمية، وتبادل معهم هموم الفقراء والغلابة والثوار  في حروب العصابات، كما تسمى، في حروب التحرر الوطني، ضد الإمبريالية والاستعمار والظلم والاضطهاد والاستغلال والحرمان، كما هي.

صوره تملا اركان المعمورة، الى اليوم، في بيوت المناضلين، وفي قمصان العمال، وفي قلائد الصبايا، وفي مكاتب المثقفين، وامام عيون الأعداء والاصدقاء. الشاب الذي يرتدي البيرية الخاصة والنجمة الخماسية التي ترصع مقدمتها.. واحيانا مع سيجاره الكوبي.

كنت في زيارة الشام الحبيبة، قبل سنوات... اتصل بي اخي الطبيب الدكتور نظمي عبد الصاحب العبيدي، الذي كان يعمل في مشفى في فرانكفورت الالمانية، وهو أحد اسرى سجن الخيام بلبنان، وسألني أن ابنيه علي وحسنين يسلمان ويطلبان هدية منك، هي قميصان "تي شيرت" عليهما صورة جيفارا. شابان صغيران ولدا وعاشا في اوروبا، لم يخطر ببالهما هدية من الشام الا صورة جيفارا. وهذا المثال هو ما يتكرر عند طلب كثيرين ورغبة عديدين وحاجة مريدين وسؤال مؤيدين. هناك من يتباهى بالصورة وهناك من يتحدى بها. يعلن غضبا او يرفع سبابته احتجاجا. كثيرون حلموا أن يكونوا كما كان جيفارا. وليس غريبا أن ترى مكتبة لبنانية، تحسب على اليمين السياسي، كما توصف في مصطلحات السياسة التي تروّج لها، والتي لا تفكر لحظة باليسار ومطالبه، تطبع صورة جيفارا وتعرضها في أروقتها وعلى مدخلها وتنشر كتبه او تعرضها على رفوفها وتصنع قمصانا بصورته. صحيح انها لا تؤمن بما تعمل ولكنها تعرف بما تقوم، السلعة والربح حتى في هذه الظاهرة التي لا تستطيع مغالبتها. وامثالها في أكثر من مكان، او بلد.

انه جيفارا ... ارنستو تشي جيفارا. هل عرفت لماذا بقي اسمه ولم يعرف مثله اسم قاتله، او من خطط او من ارسل او من بذل جهوده للخلاص من ذكره، او ينشغل بالسؤال عنه، لا يريدون اسم جيفارا وذكر جيفارا ونموذج جيفارا. كان ولما يزل أيقونة تذكر في الذاكرة، وتؤشر في الدفاتر وتحفظ في الشهادات وتسجل في الايام. أية لحظة تاريخية ولدت اسمه ورسمت حلمه وبينت رمزه وقدمت مثاله.. وأية لحظة تعود كل عام، وبعد خمسين حولا تدق الباب وتصرخ: ارنستو تشي جيفارا.. حي لا يموت اسما وعلما وشارة وقدوة ودلالة ومعنى وملهما وضوء في ظلمات الاستبداد والقمع والدكتاتورية.. باختصار: جيفارا رمز انساني وبطل ثوري في المخيال الشعبي والثقافة العالمية.

في المذكرات التي سجلها للتاريخ صور عن تلك الأيام الصعبة التي جمعته مع رفيق النضال والثورة فيديل كاسترو، وسطر فيها تاريخ شخص أراد ان يغير العالم... من بؤر ثورية الى عالم بلا قيود.. عالم حر يحترم فيه الإنسان وكرامته، حالم بلا حدود وثائر بلا اطار .. يكفي ما كتبه في عدد من كتبه المنشورة، او أراد أن يعبر عنه ليعطي حقيقة الإنسان والمثال والإرادة والخيار، ويقول شهادة للتاريخ والنضال والتحرر والديمقراطية.

* لا يهمني متى واين سأموت.. لكن يهمني أن يبقى الثوار منتصبين، يملأون الارض ضجيجاً، كي لا ينام العالم بكل ثقله فوق أجساد البائسين والفقراء والمظلومين.

 *لن يكون لدينا ما نحيا من أجله، ان لم نكن على استعداد أن نموت من أجله.

 *أؤمن بأن النضال هو الحل الوحيد لأولئك الناس الذين يقاتلون لتحرير أنفسهم.

 *أنا لست محررا، المحررون لا وجود لهم، فالشعوب وحدها هي من تحرر نفسها.

*انني أحس على وجهي بألم كل صفعة توجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني.

*إذا فرضت على الإنسان ظروف غير إنسانية ولم يتمرد سيفقد إنسانيته شيئاً فشيئا. *إنّ أبشع استغلال للإنسان هو استغلاله باسم الدين.. لذلك يجب محاربة المشعوذين والدجالين حتى يعلم الجميع ان كرامة الإنسان هي الخط الأحمر الذي دونه الموت.

* الذي باع بلاده وخان وطنه مثل الذي يسرق من بيت أبيه ليطعم اللصوص فلا أبوه يسامحه ولا اللص يكافئه.

*احلامي لا تعرف حدودا.. كل بلاد العالم وطني وكل قلوب الناس جنسيتي فلتسقطوا عني جواز السفر.

*لو طبقنا مبدأ العين بالعين والسن بالسن وظللنا نهتف للثأر سنصل لمرحلة نأكل فيها قلوب بعضنا البعض.

*ان حبي الحقيقي الذي يرويني هو الشعلة التي تحترق داخل الملايين من بائسي العالم المحرومين.. شعلة البحث عن الحرية والحق والعدالة.

*كل الناس تعمل وتكد وتنشط لتتجاوز نفسها.. لكن الهدف الوحيد هو الربح.. وأنا ضد الربح ومع الإنسان.. ماذا يفيد المجتمع، أي مجتمع، إذا ربح الأموال وخسر الإنسان؟.

*قد يكون من السهل نقل الإنسان من وطنه ولكن من الصعب نقل وطنه منه. 

*علموا أولادكم أن الأنثى هي الرفيقة هي الوطن هي الحياة. لا تحمل الثورة في الشفاه ليثرثر عنها بل في القلوب من أجل الشهادة من أجلها. لا يزال الأغبياء يتصورون أن الثورة قابلة للهزيمة.

* الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات، كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقاً صغيراً يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود.

*خير لنا أن نموت ونحن واقفين مرفوعي الرأس من أن نموت ونحن راكعين.

*عند الحاجة نموت من أجل الثورة ولكن من الأفضل أن نعيش من أجلها.

*إنّ من يعتقد من ان نجم الثورة قد أفل فإمّا أن يكون خائناً أو متساقطاً أو جباناً، فالثورة قوية كالفولاذ، حمراء كالجمر، باقية كالسنديان عميقة كحبنا الوحشي للوطن.

*اتدري كيف اتمنى أن أموت؟ كما تمنى قصة بطل جاك لندن. اما ان ينتصر أو يموت.. وكثيرون سقطوا في طريق النصر الطويل.

* ان الاصلاح الزراعي هو حجر الزاوية في اية ثورة. فليست هناك حكومة يمكن من تصف نفسها بأنها حكومة ثورية، إذا لم تنفذ برنامجا جذرياً للاصلاح الزراعي. ننظر إلى الماركسية كعلم متطور، تماماً كالبيولوجيا في العلوم الطبيعية.

* أن الأمر يتطلب بناء مواطن من نوع جديد: علينا ان نصل إلى الضمير الاشتراكي قبل الخطط الاشتراكية، وأن نبني الإنسان الجديد ونغير عقلية الجماهير، إذا أردنا فعلاً أن نحقق المجتمع الاشتراكي المنشود. إنّ الاشتراكية الحقيقية هي حين يصبح ضمير كل فرد هو الضمير الجمعي، والضمير الجماعي هو ضمير كل فرد.. ويتطلب ذلك بناء جدياً وعميقاً وطويل المدى. كنا نريد أنشاء المدارس، فأنشأناها، وكنا نريد انشاء المستشفيات فأنشأناها أيضاً. أننا نبني الاشتراكية على أرضنا ونضع حبة الرمل الصغيرة هذه في خدمة أمل الإنسانية الاكبر: الغاء استغلال الإنسان للإنسان، هذا الإنسان الذي يشكل الأستعمار الد عدو له.

 *...ان الثورة تتجمد وان الثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون فوق الكراسي، وأنا لا أستطيع أن أعيش ودماء الثورة مجمدة داخلي.

هذه الكلمات بلا تحديد خلاصة تتردد في اركان المعمورة، وتقف أمام كل من ينظر بصورة جيفارا، او يعتبر من التاريخ، وقصة تلهم المئات في كل مكان وزمان، ما دام الظلم والعنف والقمع والإستبداد والفقر باقيا في هذا العالم. دم جيفارا لم ولن يذهب هدرا، وأحلامه حيّة ترسل للجميع شارة الوطن والنصر والإرادة والبناء والكرامة والمستقبل.

حتى استشهاده وبعده ظل اسمه عنوانا للضمير البشري .. ولهذا بعد خمسين عاما، نتذكره ونقف اجلالا لذكراه، وكل عام ستذكره الأجيال وينصفه التاريخ.

 

كاظم الموسوي

 

 

hasan maysiralaminعلمٌ موصليّ من علمائها المتميزين ومفخرة علمية أخرى من مفاخر الموصل، ونجمٌ مضيء بسمائها الصافية، وعالمٌ جليل عاملٌ بإختصاصه، عُرفَ عنه الطيب في التعامل والتواضع الكبير ودماثة الخلق والحنكة والكياسة والحكمة، حبًا بها وإخلاصًا لها، بقيَ فيها وهي تئن ألمها ولم يغادر أرضها ليتركها وسط معاناتها، شاركها الهموم والمآسي وعاش أيامها الظلماء وترقب خلاصها يومًا بيوم، أخلص لها أيما إخلاص فكان نِعمَ البار لها، وفيًا لأهلها ولدجلتها وربيعيها الأثيرين، شَهِدَ له أصدقائه وزملاءه، بأنه أستاذ جامعي مرموق وكيس فطن ونزيه جدًا، مخلصٌ في عمله، متابعًا نشيطًا ودقيقًا وأمينًا وصاحب مبدأ علاوةُ على أنه أداري ناجح ومتميز، ويُعد واحد من خيرة الأساتذة في جامعة الموصل .

إنه الدكتور الفاضل (سعد الله نجم عبد الله خضر النعيمي) ، مواليد الموصل (محلة باب جديد) عام (1949)، أكمل دراسته الأولية وتخرج من الأعدادية الشرقية في الموصل عام (1967)، وحصل على شهادة البكلوريوس من كلية الزراعة والغابات - قسم الإنتاج النباتي في جامعة الموصل عام (1972)، ثم شهادة الماجستير عام (1976) والدكتوراه عام (1980)، بتخصص تغذية النبات (علوم التربة) من جامعة (ميزوري في الولايات المتحدة الامريكية) .

عاد للعمل في التدريس في كلية الزراعة والغابات، جامعة الموصل عام (1980) وتدرج بالألقاب العلمية حسب الإستحقاق الوظيفي من (مدرس عام 1980، استاذ مساعد عام 1984، أستاذ عام 1990، أستاذ أول عام 2012، أستاذ متمرس  منذ 2015 ولحد الان) .

شغل طيلة حياته العلمية والعملية المناصب التالية (ممثل التدريسيين في مجلس كلية الزراعة والغابات للسنوات (1982 - 1984)، (مقرر ووكيل رئيس قسم علوم التربة، كلية الزراعة والغابات، جامعة الموصل للسنوات

 1982 - 1984)، (معاون عميد كلية الزراعة والغابات للشؤون الإدارية - جامعة الموصل للأعوام 1984 - 1985)، (معاون عميد كلية الزراعة والغابات للشؤون الإدارية والطلبة في جامعة الموصل للسنوات 1985- 1987)، (رئيس قسم علوم التربة في جامعة الموصل للأعوام 1987- 1992)، (عميد كلية الزراعة والغابات في جامعة الموصل وكالة لفترات عديدة خلال الأعوام 1988 - 1992)، (مساعد رئيس جامعة الموصل للأعوام 1992 -1996)، (عميد كلية الزراعة والغابات في جامعة الموصل للأعوام 1996 –2001)، (عميد كلية الزراعة في جامعة الأنبار للأعوام 2003 - 2002)، (أستاذ في قسم علوم التربة في كلية الزراعة والغابات، جامعة الموصل للأعوام 2003 وحتى الآن) .

تولى رئاسة وعضوية عددٍ كبير من اللجان العلمية والبحثية (عضو اللجنة التحضيرية لندوة الآفاق المستقبلية لسد صدام عام (1986)، عضو اللجنة القطرية للبحث العلمي والزراعي - ندوة البحث العلمي عام (1986)، عضو اللجنة الوطنية الفرعية لنقل التكنولوجيا (الموارد الطبيعية) مجلس البحث العلمي عام (1986)، (عضو لجنة الترقيات العلمية في كلية الزراعة والغابات - جامعة الموصل 1987 - 1990)، (عضو لجنة التعضيد والنشر في كلية الزراعة والغابات - جامعة الموصل للأعوام (1987–1992)، (عضو اللجنة الخاصة لدراسة ورقة عمل رسالة كليات الزراعة في القطر التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي)، (رئاسة لجنة السلامة المهنية في كلية الزراعة والغابات)، (المشاركة في تأسيس المكتب الاستشاري الزراعي في جامعة الموصل وعضو الهيئة المشرفة فيه  للأعوام (1990 - 1993)، (رئيس اللجنة الخاصة بالدراسات العليا لقسم علوم التربة في كلية الزراعة والغابات بجامعة الموصل للأعوام

(1987 - 1992)، (امين مجلس الجامعة لمرتين (1992 - 1996)، (2001 - 2000)، (رئيس مجلس إدارة المركز الثقافي والاجتماعي لجامعة الموصل)، (رئيس لجنة الإعارات والإيفادات في جامعة الموصل للأعوام (1992 - 1996)، (عضو اللجنة المركزية للبحث والتطوير في جامعة الموصل وفي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي)، (عضو الهيئة الإستشارية للمجلة العربية للتعليم العالي التي تصدر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم للأعوام (1996- 2001)، (رئيس الهيئة المشرفة على المكتب الإستشاري الزراعي في الكلية)، (رئيس مجلس صندوق التعليم العالي في الكلية)، (يُعد من مؤسسي إحتفالية يوم العلم في محافظة نينوى وعضو اللجنة العليا ليوم العلم التي يتراسها محافظ نينوى وقد كرم كأحد الأساتذة المتميزين في هذا اليوم ونال العديد من الشهادات التقديرية لجهوده المبذولة في إنجاح هذه الإحتفالية وإستمرارها وذلك منذ عام (1997 وحتى 2001) .

أشرف على (26) رسالة وأطروحة لطلبة الماجستير والدكتوراه في كليات الزراعة والغابات، كلية العلوم، كلية التربية (في جامعة الموصل ) وكلية الزراعة (في جامعة الانبار) في مجال تغذية النبات، وتلوت التربة وصحة الانسان .

له الرغبة الشديدة بكتابة المقالات الرصينة عن صحة الانسان من منطلق صحة التربة

)Healthy soil =Healthy food = Healthy people(

وحول إعمار وتطور الموصل والعراق وتزخر صفحته الفيسبوكية بالعديد منها، وله من البحوث والدراسات العلمية والتي نشرت في مجلات علمية رصينة داخل وخارج العراق ما يربو على (87) بحثًا علميًا في مجالات تغذية النبات، تلوث التربة وصحة النبات والانسان .

مشارك وبقوة حضور متميز  بالعديد من المؤتمرات والندوات العلمية التي عقدت داخل العراق وفي عدد من البلدان العربية والأجنبية في كل من (مصر، سوريا، السودان، الجزائر، انكلترا، هولندا، تركيا، المانيا، امريكا، وغيرها) وساهم مساهمة فعالة في رفد المؤتمرات والندوات بالخبرات العلمية من خلال البحوث والدراسات وحازت العديد من البحوث التي قدمها بالمراتب الأولى ونال التكريمات والجوائز عليها وتم إعتمادها كورقة عمل مؤرشفة تحت إسمه، وتم نشر عددٍ كبير منها في أرقى الصحف والمجلات العراقية والعربية والعالمية الرصينة . 

حصل على زمالات بحثية خارج العراق لأجراء عددٍ من البحوث والدراسات الحقلية منها (الزمالة البحثية لمنظمة (DAAD) في المانيا لمدة شهرين عام (1990) لأجراء عدد من البحوث في مجال صحة التربة والنبات والانسان)، (الزمالة البحثية الى كلية الزراعة في جامعة انقرة بتركيا لمدة شهر عام (2013) لمتابعة بحث أحد طلبة الدكتوراه والإطلاع على الأجهزة الحديثة والإمكانات المتوفرة في مجال تحليل الأنزيمات)، (شارك في الدورة التدريبية حول جهاز الطيف الذري في إنكلترا- كامبردج عام (1989)، (مشارك في دورة التخطيط الإداري الجامعي في المعهد العالمي للتخطيط التربوي التابع لمنظمة اليونسكو بالتعاون مع مكتب التربية للدول العربية في عمان - الاردن خلال عام (2001)، (دورة تدريبية حول نقل التكنلوجيا المقامة من قبل جامعة هاواي الامريكية  في منظمة ايكاردا في سوريا خلال عام 2005) .

1417 maysir

مشارك وبقوة في الأعمال الإبداعية لتحويل الخبرات العلمية إلى الجانب العملي وتطبيقها على أرض الواقع منها (رئيس اللجنة العلمية لتصنيع المبيدات الزراعية في جامعة الموصل بالتعاقد مع اللجنة الصناعية القطرية حسب قرار مجلس الوزراء في آيار 1996، حيث تم تصنيع (35) مبيد زراعي وذلك للفترة من عام (1997- 2000)، (مشروع بحثي باطروحة دكتوراه مع الشركة العامة للسكر في الموصل  بعنوان ((تأثير التسميد الفوسفاتي في بعض الصفات الانتاجية والنوعية لمحصول البنجر السكري للعروة الخريفية)) , وذلك من خلال تقديم الخبرة الفنية والعلمية والأجهزة والمعدات المختبرية والإشراف المباشر على تنفيذ العمل)، (رئيس الفريق البحثي التعاقدي مع معمل سكر الموصل لدراسة تاثير التسميد النيتروجيني والبورون على إنتاجية ونوعية محصول البنجر السكري)، (تبني العديد من المدارس البحثية لحل مشاكل ومعضلات تواجه الزراعة داخل القطر، وكان العمل ينفذ من خلال أطاريح ورسائل طلبة الدراسات العليا تحت إشراف الدكتور النعيمي والتي تتعلق بمشكلة الجفاف وآثاره السلبية تحت ظروف الزراعة الديمية للمحاصيل الإستراتيجية وكذلك (تلوث الترب والمياه بالعناصر الثقيلة السامة وعلاقة ذلك بصحة الإنسان) ومشكلة نقص عنصر الزنك في الترب العراقية الكلسية التي تعاني من مشكلة نقص العناصر الصغرى، وكانت هذه التوصيات ترفع الى وزارة الزراعة ومؤسسات الدولة ذات العلاقة لغرض الاستفادة منها وتطبيقها وتعميمها على الفلاحين والمزارعين، حيث تم انجاز عدد من رسائل ماجستير وأطروحات الدكتوراه بخصوص هذه المشاكل فضلًا عن نشره ل (18) بحثًا تتعلق بمشكلة التلوث في محافظتي نينوى واربيل، وحصلت أحدى هذه الأعمال وهو (أطروحة ماجستير) على الجائزة الأولى لمنتدى الفكر العربي للشباب في الكويت عام (1988) الذي ترأسه (الشيخ عبدالله الصباح والشاعرة سعاد الصباح) .

حصل على (60) كتاب شكر وتقدير من مستوى وزير ومحافظ ورئيس جامعة وذلك لتميزه علميًا وإداريًا وحاز على عددٍ كبير من الجوائز العلمية والتكريمات والشهادات التقديرية منها (جائزة الإبداع العلمي بين الشباب العربي عن فوز البحث الموسوم (التلوث الصناعي للتربة والنبات بالعناصر الثقيلة) بالجائزة الأولى عام (1989) المشارك منتدى الفكر - العربي في القاهرة مع مكافأة مالية من السيد وزير الزراعة والري)، (شهادة تقديرية عن إجراء بحوث بالمشاركة مع الباحثين الألمان عام (1990) مع مركز البحث العلمي الألماني)، (شهادة تقديرية لحصوله على درجة خبير زراعي عام (2013) صادرة من  مركز دراسات الموصل) ، بالإضافة إلى العديد من شهادات الشكر والتقدير الصادرة من عدد من المؤسسات العلمية والدوائر العاملة في محافظة نينوى .

تم تكريمه بدروع التميز العلمية التالية (درع اليوبيل الفضي لكلية الزراعة والغابات عام 1989)، (درع الابداع العلمي لجامعة الموصل عام 1993)، (درع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لحصوله على مرتبة الأستاذ الأول عام 2012)، (درع الإبداع من نقابة المعلمين العراقيين للجهود العلمية المتميزة عام 2012)، (درع الإبداع من مركز دراسات الموصل لتبوء مركز خبير زراعي أول عام 2013)، (درع التعاون العلمي من جامعة أنقرة التركية عام 2013)، (درع التعاون العلمي لكلية الزراعة مع  جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية عام 1998)، ( درع اليوبيل الذهبي لكلية الزراعة والغابات عام 2014) .

قام بتأليف واصدار وترجمة العديد من الكتب والمؤلفات والتي أصبحت كتب منهجية تدرس في معظم جامعات العراق وعدد من الجامعات العربية في كل من (اليمن وليبيا والجزائر والأردن)، وأصدرت له جامعة الموصل الكتب التالية (مبادئ تغذية النبات (مترجم) عام 1983)، (الأسمدة وخصوبة التربة عام 1987)، (الاسمدة الكيميائية في الانتاج الزراعي عام 1988)، (علاقة التربة بالماء والنبات عام 1990)، (الأسمدة وخصوبة التربة - طبعة منقحة  عام 1999)، (مبادئ تغذية النبات – طبعة منقحة  عام 2000)، (دليل مواصفات تحليل التربة والنبات عام 2010)، (مبادئ تغذية النبات – طبعة منقحة عام 2011)، (المرشد  الحسابي والتحويلي للقيم والوحدات الكيميائية والبايوكيميائية للتربة والنبات والماء - تحت الطبع 2017)، (تسمم الإنسان بالعناصر الثقيلة - تحت الطبع 2017 ) .

كما أسلفت أنه لم يغادر الموصل وبقيَ يراقب أهوالها وما صنعت بها الأيام، وتنفس الصعداء كما تنفست هي بعد تحريرها، وهو ينقل لنا صورة الدمار الحاصل فيها ضريبةً لتحريرها وفك أسرها ويحاول من هنا وهناك أن يبذر في تربتها زهرات الأمل والتفاؤل السعيد بغدٍ مشرق فياض يملأ سماءها زهوًا وعزًا ويعيد إليها سالف أمجادها، وبحكم اختصاصه العلمي وخبرته العملية فقد كان لتشخيصه الظواهر السلبية التي طغت وأصبحت تطفو على السطح نهارًا جهارًا من فساد مستشرٍ بين كل طبقات المجتمع وفي غالبية مؤسسات ودوائر الدولة والذي طال التعليم والقضاء وأخذ منه الشيء الكثير، حيث عبر عن هذا الفساد بالطامة الكبرى حين كتب في حوار خاص أن (الفساد العلمي وهنٌ، يهدد حياة المجتمع العراقي وهو أخطر من الفساد المالي لأنه يؤسس لفساد مؤسسي منظم وبيئة مخادعة مخرجاتها هم الفاسدون، حيث الطبيب والمعلم والمدير وبذلك تحل المصيبة على الأمة، واستشهد بمقولة لأحد الساخرين وهو (عامر جلال) حين قال (الفساد عم البلاد.. وخالها) .

وأسترسل في حديثة وقال أنه في الستينيات وإلى الثمانينيات من القرن الماضي، نشأت قاعدة علمية رصينة في العراق، ولكن مؤخرا ولعدم إمتلاك جامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية لأبسط معايير الجودة  حسب تقرير المنتدى الإقتصادي العالمي لعام (2016 - 2016) فقد أمسى العراق غير مؤهل للدخول ضمن إطار التقييم الذي اشتمل على (140) دولة، وقال انه بالإمكان وقف هذه الإنحدارات بنظام تربوي وتعليمي صحيح مع شعور تام لكل من أبناء العراق عامةً والموصل خاصةً بالمسؤولية العظيمة الملقاة على عاتق الجميع وكذلك درايتهم بالواجب المسند اليهم،

وختم حديثه بالقول (ليعلم الجميع ان الوطن يصنع جماله من يقاسموننا الإقامة فيه وان (الأمة التي تُحسن أن تجهر بالحق وتجترئ على الباطل، تمتنع فيها أسباب الفساد) .

لقد أخترت مقولته كما في الصورة أدناه وهي فقرة مجتزأة من حواره أعلاه والتي عبر فيها عن الكثير مما تعنية بإختصار شديد، أضعها أمامكم سادتي الكرام متمنيًا أن تنال رضاكم وأن تأخذ صداها كمقولة وحكمة صادرة من رجل نبيل وعالم حصيف يُكِنُ كل الحب لمدينته وأهلها، ويحدوني الأمل السعيد بمشاركتكم وتفاعلكم مع المقولة ومضمونها بإعتبارها عنوانًا عريضًا لموضوعٍ مطروحٍ للنقاش، لواحدة من الطروحات الموضوعية بغية الوصول إلى إيجاد الحلول الناجعة للمرحلة القادمة، وأكرر التأكيد على ما سبق ان أشرت إليه في أكثر من مرة إلى أنني وفي بحر ما أنشر من مقولات لست فيها بصدد إظهار السِيّر البهية والتعريف بالشخصيات فالكل كرام ومعروفون ولهم بصماتهم المتميزة وحضورهم المشرف، ولكن وددت التأكيد على مقولاتهم وتثبيتها كشهادة للتاريخ بحقهم وإظهارها وتوسعة نشرها والتي أطمح من الجميع ومن خلال ما أنشر منها تباعًا على التركيز على المقولة وصب الإهتمام حول مضمونها وإبداء الرأي والإضافات حولها وهذه هي الغاية المرجوة من سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها، شاكرًا تفضلكم ومتمنيًا للجميع دوام التوفيق والسداد وتقبلوا وافر الإحترام والتقدير .

 

حسن ميسر صالح الأمين 

 

 

 

ali almirhigولد كامل الجادرجي في بغداد عام 1897، تولى منصب أمين العاصمة لعدة مرات.

كان هو ووالده من أشد المعارضي لإحتلال الإنكليز للعراق، ولما نشبت ثورة 1920 شاركا فيها، فنُفيا وبقية أفراد العائلة إلى الإستانة.

في عام 1926 عُين بعد السماح له بالعودة معاوناً لوزير المالية للشؤون التي تتعلق بالبرلمان.

في عام 1927 أُتخب نائباً في البرلمان.

في عام 1930 إنتمى لحزب الإخاء الوطني الذي يرأسه ساسين الهاشمي، لكنه تركه في عام 1933.

إنضم لجماعة الأهالي في العام ذاته ممثلة بجمعية الربطة التي أسسها مجموعة من الشباب العراقيين الذين درسوا في الجامعة الأمريكية ببيروت أهمهم: عبدالفتاح إبراهيم و محمد حديد وجميل توما ونوري روفائيل.

إنضم لتشكيلات الحزب السرية مع جماعة الأهالي للتحركات التي كان يقوده الزعيم الوطني المعروف "جعفر أبو التمن".

أيد إنقلاب بكر صدقي في عام 1936، وقد إشترك الجادرجي بوزترة الإنقلاب.

إختلف هو وجعفر أبو التمن مع بكر صدقي وإستقالا من وزارته.

في أيلول من عام 1942 أسس صحيفة "صوت الأهالي".

في عام 1946 أسس هو محمد حديد وحسين جميل "الحزب الوطني الديمقراطي".

كان هذا الحزب معارضاً لسياسة الدولة آنذاك، ولعب دوراً بارزاً تحشيد الجماهير ضد معاهدة بورتسموث.

في عام 1949 قدمه نوري السعيد للمحاكمة، وحُكم عليه بالسجن مع وقف التنفيذ وسد جريدة "صوت الأهالي".

في عام 1950 تولى رياسة جمعية الصحفيين التي سعى جاهداً هو وعدد من الصحفيين لتأسيسها ل هذا التاريخ.

في عام 1951 لتكوين جبهة وطنية ممثلة بالحزب الوطني الديمقراطي وحزب الجبهة الشعبية الذي من أقطابه طه الهاشمي ومحمد رضا الشبيبي.

بعد إلغاء نوري السعيد للأحزاب في عام 1952، لم ييأس الجادرجي فسعى لتأسيس "حزب المؤتمر الوطني" بالإشتراك مع حزب الإستقلال ممثلاً برئيسه محمد مهدي كبة.

بعد ثورة 1958، إزداد أمل الجادرجي بالإصلاح، ولكنه أُصيب بنوبة قلبية في العام نفسه، وبع تحسن حالته الصحية لم يستطع الإعتزال ومغادرة العمل السياسي، ففي عام 1962 أشرف على جريدة "الوطن" وكان هو من يكتب مقالها الإفتتاحي.

شارك في العديد من النشاطات السياسية بعد هذا التاريخ، أهمها المذكرة التي قدمها عام 1963 حول الوحدة الإتحادية والمشروع الخاص بها الذي وضع في القاهرة العام ذاته. وكتب بياناً يُدين العدوان الإسرائيلي عام 1967.

توفيّ في عام 1968 على إثر نوبة قلبية حادة.

كان تاريخه حافلاً في كثير من المجالات، السياسية والصحفية والإدارية.

أهم المتبنيات المعرفي للجادرجي  وما أسماها "فلسفة الحزب" أي الحزب الوطني الديموقراطي فهي:

- إيمانه بالتقدمية: أكد الجادرجي عن تبني وحزبه للتقدمية، ولكنها ليست تقدمية شيوعية، ذات النزوع الثوري "الراديكالي".

- إيمانه بالإشتراكية التي تُشارك بها الأغلبية الواعية (ص140 من أوراق كامل الجادرجي)، أو ما أسماها "الشعبية" متفقاً في رؤيته هذه مع عبدالفتاح إبراهيم ومحمد حديد.

- إيمانه بالديمقراطية التي لا يرى أنها تتعارض مع نزوعه الإشتراكي، لأنه يرى أن الشيوعيين أنفسهم "يتاظهرون بالديموقراطية ويُجيزون إستعمالها لتحقيق مذهبهم" (ص182 مذكرات كامل الجادرجي) وإن كانت ديمقراطيتهم هي دكتاتورية البروليتارية ما دام المجتمع طبقياً. لذلك يدعو حزبه إلى إعتناق فلسفة "أقرب إى الإشتراكية الديموقراطية من أي مذهب تقدمي آخر' (ص183)، هي إشتراكية تسعى لتحقيق أهدافها بطريقة تدريجية، تبدأ بتأميم المرافق الحيوية للدولة وصناعاتها الجوهرية شيئاً فشيئاً، وتوجيه الدولة للشؤون الاقتصادية وفق تصميم شامل، وتحسين أحوال المجتمع عن طريق الضمان الاجتماعي والعدالة الاجتماعية وتوسيع الحريات الديموقراطية من دون التقيد بالثورة في سبيل ذلك. (ص183) فالديموقراطية كما يراها هي السبيل الأنجع للإصلاح طالما كانت الحكومة دستورية تؤمن بحق حرية التعبير، وفي حال سدت الحكومة منافذ التعبير الحر، فلا سبيل أمام حركات الإصلاح سوى اللجوء للقوة (ص186).

- دعى إلى أن تكونة فلسفته وفلسفة حزبه قريبة من نهج حزب العمال البريطاني، كونه "برهن على طبيعة تمثيله لمختلف الطبقات" (ص208)، وإن كان لا يؤمن بالسير وراء كل إطروحاته "حذو النعل بالنعل" كما يُقال، لأن ظروف نشأته المجتمعية تختلف عن ظروف مجتمعنا العراقي، وقد عارض الجادرجي وحزبه السياسة الخارجية لحزب العمال البريطاني "التي ما زالت تُسيرها النزعات الإستعمارية" (ص209).

- إيمانه بالبرجوازية أو الطبقة الوسطى "الإنتلجسيا" بعبارة الماركسيين، وبقدرتها على التغيير والتجديد وتنمية الوعي الجماهيري، لأنها هي " التي حطمت فكرة الحق الإلهي في صراعها مع الإقطاع" (ص104، من أوراق كامل الجادرجي).

- إيمانه وحزبه بالتعددية الحزبية، لأنها الشرط الأساسي في الديموقراطية، لأن في إلغاء التعددية الحزبية، إلغاء لحرية التعبير التي هي من أولى مقتضيات وجود الحكم العادل (يُنظر:ص142 من أوراق كامل الجادرجي).

عاش ومات كامل الجادرجي ممثلاً ل "صوت الأهالي" مُنادياً ومنافحاً عن حق الجماهير بالعيش بأمان وسلام وحرية.

 

......................

مصادر المقال:

1- مذكرات كامل الجادرجي وتاريخ الحزب الوطني، تقديم وتحرير: نصير الجادرجي، دار الطليعة، بيروت - لبنان، ط1، 1970.

2- من أوراق كامل الجادرجي، تقديم وتحرير نصير الجادرجي، دار الطليعة، بيروت - لبنان، ط1، 1971.

3- جماعة الأهالي في العراق: فؤادد حسين الوكيل،، دا الرشيد، بغداد - العراق، ط2، 1980.

 

 

ali almirhigتأسس حزب الإستقلال في عام 1946، مؤسسه هو محمد مهدي كبة ذو الأصول النجفية، المولود في سامراء عام 1900.

كان من المعجبين بآية الله العُظمى محمد تقي الشيرازي، زعيم الثورة العراقية الديني ضد الإنكليزي، والذي كان يعيش أيضاً في سامراء، التي إحتفظت بحضورها وتأثيرها الديني في ذلك الزمن.

إنتقل في عام 1918 للسكن في مدينة الكاظمية، وكانت تربطه علاقات حميمة بآل الخالصي، التي كان عميد أسرتها آنذاك "الإمام المجاهد محمد مهدي الخالصي"، وأحد مراجع الدين والتقليد عند الشيعة. وقد إشترك في حركة الجهاد الأولى ضد قوات الغز البريطاني للعراق، في الحرب العالمية الأولى. وبعد إحتلال بريطانيا للعراق سعت إلى تحجيم دور الخالصي الوطني وأصرت على نفيه خارج موطنه، فتوجه لإيرا التي رحبت به.

دخل محمد مهدي كبة مُعترك السياسة، وقد رشح نفسه للإنتخابات في دورة مجلس النواب الثانية التي جرت في عهد وزارة عبدالمحسن السعدون.

كان أحد الأعضاء البارزين في الحزب الوطني بعد إقناع المرحوم محمد جعفر أبو التمن لدمج حزب محمد مهدي كبة "الحمعية الوطنية" الذي أسسه عام 1928 مع الحزب الوطني، لإشتراكهم في الأهداف والمقاصد والغايات.

كان الحزب الوطني في ذلك الوقت الممثل الأبرز لطموحات الشعب، لأنه الحزب الوحيد الذي تبنى شعار الإستقلال التام والسيادة الوطنية، والدفاع عن حرية التعبير.

لم يُرشح نفسه في إنتخابات مجلس النوا، لكنه فاز بها إبّان تسنم المدفعي لرئاسة الوزراء عام 1937!!.

كانت الأحزاب الفاعلة في تلك المرحلة هي:

- الحزب الوطني برئاسة أبو التمن، وقد كان شديد المعارضة للإحتلال، وقد تآلف مع جماعة الأهالي، ممثلة بعبد الفتاح إبراهيم ومحمد حديد وكامل الجادرجي وغيرهم.

- حزب النهضة برئاسة أمين الجرجفجي، وقد ضم فريقاً من التجار والكسبة وغيرهم، ولم تكن له قواعد شعبية واسعة.

- الحزب العراقي الحُر برئاسة محمود النقيب، وهو حزب الفئة التي كانت تُمالئ الإنكليز، وتعمل على تنفيذ مُخططهم الجديد لحُكم العراق، بعد قيام الثورة العراقية.

- حزب الشعب وكان زعيمه ياسين الهاشمي.

- حزب التقدم بزعامة محسن السعدون.

- حزب العهد العراقي بزعامة نوري السعيد.

وبعد إنقلاب بكر صدقي عام 1936 تأسس حزب الإصلاح السعبي بإعتبار أنه حزب الحكومة، وقد ضم إلى جانب العناصر اليسارية المتطرفة "الشيوعية"، عناصر يسارية مُعتدلة، وأُخرى برجوازية وطنية.

أسس محمد مهدي كبة حزب الإستقلال في عام 1945، وقد أجيز من قِبل السلطات في19/4/1946.

- محمد مهدي كبة (رئيساً).

- اللواء إبراهيم الراوي (نائباً للرئيس).

- داوود السعدي (مُعتمداً عاماً).

- فائق السامرائي (أميناً عاماً).

- خليل كنه (نائباً أولاً) للمُعتَمد العام.

- عبدالرزاق الظاهر (نائباً ثانياً للمُعتَمد العمدام).

- إسماعيل الناعم (مُحاسباً عاماً).

- عبد الرحمن عبدالخضر (أميناً للصندوق).

والأعضاء العاملين فيه من جميع محافظات العراق.

فهو حزب وطني بكل ما تعنيه كلمة وطني، فهو ضد الإحتلال وضد سياسة كبت الحريات، ومع الشعب في نضاله ضد الإحتلال.

من مراميه وأهدافه الداخلية: تنمية الوعي السياسي عند الجماهير العراقية والدفاع عن الحريات، وتكفله بتبني المساواة بين جميع المواطنين بما فيها المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات.

وفي السياسة الخارجية كا ن جُل هم أعضاؤه هوتنمية الوعي القومي والدفاع عن عروبة فلسطين. وتفعيل دور الجامعة العربية.

نقد حزب الإستقلال ضعف الدولة في تطبيقها لمضامين الدستور وتبنيه لدعوة الحكومة لتبني الدستور لا قولاً وكلاماً مسطوراً بين طيا أوراقه، وإنما من خلال فاعلية حقيقية للحكومة ترد فيها على "المارقين" وفق ضمانات تتبناها أهمها:

1- إعتبار مُخالفة الدستور جريمة يُعاقب عليها بجريمة جنائية.

2 - تقرير دستورية القوانين، ورفض كل القرارارات والتعليمات التي تُصدرها الهيئات المستقلة إن كانت مُخالفة للدستور.

3- رفع الحصانة عن الموظفين، ومحاسبة الكبير منهم والصغير وإن رفض ذلك مسؤوله أو الوزير.

4- الدفاع عن حرية التعبير والكلام، ولا مبرر لقمع هكذا نوع من حرية التعبير إلّا وفق مُقتضيات القانون.

5- حُرية الإنتخاب والتصويت، ومنع تدخل الأحزاب الحاكمة أو الأحزاب القوية من توجيه الناخبين وفق سياسة "الترغيب أو الترهيب".

6- إلزام الحكومة بتعويض المُتضررين جرّاء إدارتها الفاشلة لمكل الملفات، بما فيها ملفات: الفساد والأمن والعمران.

7-:إستقلال القضاء، وهو أمرُ مُلزم لتعديل مسار الحكومة والدولة، ولكننا منذ زمن الحُكم الملكي مروراً بمُحاكمات المهداوي، و مُحاكمات محكمة الثورة وصولاً لمدحت المحمود في تسييسه للقضاء ليكون مطية بيد المالكي، لنجد مشعان الجبوري بين ليلة وضُحاها ضحية، وكل ماجنى من أموال السُحت الحرامة حلالٌ، لأنه يُجيد اللعب على حبال سرك الحياة.

8- إصلاح أداة الحُكم، فمن أسباب إخفاق الحياة الدستورية في العراق هو أننا أنشأنا نظاماً دستورياً على أنقاض نظام إداري مُختل.

9- التنظيم الاقتصادي وتحقيق العدل الاجتماعي:

وهذا أمرٌ ضروريٌ لا تنفع في تحقيقه المساواة النظرية أمام القانون، ولا يكفي القول بوحود فوارق اقتصادية في المجتمع، لذلك لا بُدّ من مُساواة الأفراظ في إمكانية الحصول على العمل والإنتاج لتأمين حياة كل فرد ورفاهيته. وتحقيق ذلك يتطلب نهضة اقتصادية شاملة.

10- تنظيم العمل لكل االعراقيين بما يضمت للفقراء منهم العيش الكريم.

11- جعل الجيش كياناً مُستقلاً لا يأتمر إلّا بأوامر رئاسة أركانه.

12 - التربية القومية، وتنمية الوعي العروبي، عبر إصلاح منظومتي التربية والتعليم بما يخدم الأمة بمفهومها المُعارض لسياسات المُستعمِر.

وإستمر حزب الإستقلال بزعامة محمد مهدي كُبة حريصاً عل تطبيق مُنطلقاته القومية والوطنية.

 

د. علي المرهج

.................

راجع: محمد مهدي كُبة: مُذكراتي، دار الطليعة، بيروت - لبنان، ط1، 1965.

وكتاب: فؤاد حسن الوكيل: جماعة الأهالي، دار الرشيد، بغداد - العراق، ط2، 1980.

 

 

latif oqayliيقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلِّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ موروثِنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.

مِن المناسبِ الإشارةِ هُنا إلى أَنَّ مِنْ بَيْن مَا شهده معترك الحياة اليومية فِي القريبِ مِنْ تأريخِ العراق المعاصر - الغنيّ بالأحداثِ والوقائع وَالزاخر بِمَا تنوع مِن الحكاياتِ - هو أَنَّ الأهاليَ الَّذين عرفوا بأمثلِ درجات التكاتف فيما بينهم، فضلاً عَنْ تمسكِهم بأسمى صور العلاقات الإنسانية وأكثرها نبلاً، وَالَّتِي بلغتْ درجة فهم بعضهم بعضاً مِنْ خلالِ الإشارة إلى الحاجةِ بمضمونِ الحديث أو مِنْ نظرة العين فِي بعضِ الأحيان، كانوا مهتمين فِي التركيزِ عَلَى تنويعِ سُّبُلٍ مبتكرةٍ مِنْ أجلِ ديمومةِ الحياة، وَالَّتِي مِنْ شأنِها مواجهةِ صعوبة ظروف المعيشة وَالاستجابة للبسيطِ مِنْ أحلامِهم؛ بغية تسييرِ حياتهم عَلَى نَحوٍ أفضل. وَلعلَّ مِنْ بَيْن تلك الأنشطة الَّتِي تبدو بلا رَيْبَ منسجمة مَعَ بساطة الحياة آنذاك، هو تسخير الأهالي لطاقاتِهم وَخبراتهم، إلى جانبِ ما أتيح إليهم مِنْ مَعْرِفةٍ فِي اِسْتِغلالِ الكثيرِ مِنْ المُخَلَّفَات - الَّتِي تُعَدّ اليوم أحد أبرز المُشكلات الأساسية الَّتِي تعانيها بلادنا وبلدان أخرى - بقصدِ الاستفادة مِنها فِي تغطيةِ بعض الاحتياجات اليومية داخل المنازل أو فِي أماكنِ العمل، مثلما كانَ الناسُ يفعلون مَعَ بقايَا الأجزاء الحديدية وَالمخلفات الخشبية وَأوعية النفط المعدنية الفارغة وَصفائح السمن بعد الفراغ منها، فضلاً عَنْ كثيرٍ غيرها. وَالمتوجبُ إدراكه أيضاً هو الاهتداء إلى فكرةِ توظيف تلك المواد عَلَى وفقِ أسسٍ عَمَليَّة فِي مهمةِ تفعيلِ عددٍ مِن الحرفِ الَّتِي تحولت مَعَ مرورِ الأيام إلى مهنٍ تلبي طلبات المُجْتَمَع المَحَلّيّ وَتواكبُ إلى حدٍ بعيد الكثير مِنْ احتياجاته، فضلاً عَنْ معاونتِها الأهاليّ فِي تجاوزِ الخشية مِنْ احتمالِ تعريض بعض تلك المهن أو الحرف إلى البحثِ عَنْ مستقرٍ لها فِي دهاليزِ خانةِ الانقراض كما هو حاصل للحرفِ التقليدية الَّتِي توشك حالياً فِي مدننا عَلَى الاندثار، بالإضافةِ إلى توفيرِها لقمة العيش لممتهنيها، وَمُسَاهَمَتها فِي إيجادِ فرصِ عملٍ مفيدة – وَقد تكون ممتعة أيضاً - لكثيرٍ مِن العاطلين عَنْ العملِ والباحثين عَنْه. وَلَعَلَّنا لا نبعدُ عَنْ الواقعِ أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ تلكَ العادات الَّتِي قد تشكل علامة فارقة فِي حياتنا المعاصرة - الشخصية وَالمهنية - تُعَدّ فِي واقعِها الموضوعي، وَعَلَى الرغمِ مِنْ بساطتِها جزء مِنْ أدبياتِ أحدِ المفاهيم العِلْميَّة الحديثة الَّتِي يشارُ إليها باسْمِ التدوير. 

مِنْ بَيْن المشاهداتِ المشار إليها آنفا، وَالَّتِي مَا تَزال ذاكرة متخيّلة لدى الَّذين عايشوها، وَذاكرة منقولة شفوياً لدى البعض الآخر، هو أَنَّ التفاحَ المعروض فِي السوقِ المحليّ لغاية مَا تأخرَ مِنْ أعوامِ العقد السادس مِن القرنِ الماضي، وَلاسيَّما المورد إلى أسواقنا بفعلِ ازدهار الأنشطة التجارية مع الجمهورية اللبنانية، كان يصلنا محفوظاً فِي صناديقٍ خشبيةٍ أنيقة، رصت قطعها الرشيقة بشكلٍ منتظم، وجرى تبطينها بورقٍ ﻤﻘوى، فضلاً عَنْ حرصِ الإدارةِ المعنية بتسويقِ الفواكه عَلَى تغليفِ مَا تحتويه تلك الصناديق - كُلٍّ عَلَى انْفِراد - بورقٍ شفاف؛ سعياً فِي ضمانِ المحافظة عَلَى نظافتِها وطراوتها. وَقد حظيَ الفتى السومري برعايةِ أمه وأبيه - طيّب الله ثراهما - وَنال اهتمامهما؛ لأنه كانَ أكبر أشقائه وشقيقاته، فقد صنعا لَهُ سريراً مِنْ صناديقِ التفاح ينام عليه بمفردِه عَلَى العكسِ مِنْ شقيقاتِه وأشقائه الَّذين يفترشون أرض الغرفة، حتى إذا كبر قليلا، استثمرَ والدهُ سقيفة البيت فَعملَ لها مَا يشبه الجدار مِنْ قماشٍ سميك وَحصيرة قصب، فغدت بمثابةِ حجرةٍ ثانية له وَلأشقائِه.

إنْ تـسألي شـفـتي فلنْ تجـِدي

ماءَ الجوابِ المرتجى لِصَدي

فاسْـتنطقي عـَيْناً يـُحاصِرُهـا

شــوقٌ بهِ يـومي أذلَّ غـدي

واسْـتحْـلِفي قـلبي : أفـارَقـَهُ

شـَغَفٌ الى الأحبابِ والبَلدِ؟

مـنذ ارتمـيـتُ بغـربـةٍ وأنا

مَـيْتٌ .. ولكنْ نابضُ الجَـسَدِ

في يدي ورْدٌ .. وفي

روحيَ جُرْحُ

***

فـالـنقيـضـانِ أنا : لـيـلٌ وصُـبْحُ

والصَّديقانِ أنا : شـمـسٌ وظِـلٌّ

والـعَـدُوّانِ أنـا : ثأرٌ وصَـفـْحُ

لا أنـا الصّاحي فأغـْفو عن أسىً

أو أنــا النائمُ جـذلانَ فـأصْحـو

لمْ تـزلْ صفحةُ عـمري زَبَداً:

تكتبُ الأحلامُ ... والأقـدارُ تمحو

في ظلِ تلكَ الظروف القاسية الَّتِي لا مناص مِن الاعترافِ بصعوبةِ إمكانية أهالي المدينة فِي تحييدِها أو التقليل مِنْ شدةِ آثارِها، وجد السماوي يحيى نفسه ملزماً بالتعاملِ مَعَ معطياتها وَمسايرةِ ركبها؛ إذ مخضته أمه وسط أحضان أزقة، أورثتنا حكاياتها حجارة استخدمها السومريين فِي بناءِ أقدم الحضارات الإنسانية، وَدهلة ماء ارتكزت عليها مسيرة النماء وَتشعبت آفاقه. وَنشأ وَترعرع وَاشتد عضده مَا بَيْنَ جنبات محلات عتيقة لمدينةٍ لا يفوح مِنْ ثناياها سوى عبق المحبة وَالبساطة وَالطيبة، وَالَّتِي قد لا يشعر بعذوبتِها غير الغربَاء، بالإضافةِ إلى رائحةِ أرغفةِ خبز تنور الطين الَّتِي تشع مِنْ ماضيِها عطور الأمهات الكبيرات المجاهدات الصابرات، وَاللَّائِي لَمْ يبرحن التنور الساخن يوماً؛ لأجلِ عجنّ الحياة لأطفالهن وأسرهن قبل خبزها بنفوسٍ صافية وَقلوبٍ نقية عامرة بالحبِ والمودة.

ابي عاش سبعين عاماً ونيفاً

على الخبِز والتمرِ

 ما زار يوما طبيباً..

وأمي ، إذا جعتُ، تشوي لي الماء

او تنسجُ الصوف ثوباً

فيغدو حريراً بهيًاّ

ليسَ خافياً أنَّ الصورةَ الشعْرية تُعَدّ أحد المقومات الأسَاسيَّة لتشكيلِ القصيدة؛ لأَنَّ الصورةَ الفَنِّيَّة تُشكلُ أساس الخلق الشعري بالاستنادِ إلى منظورِ أغلب القدماء وَالمحدثين، بوصفِها أحد العناصر البنائيًّة المهمة فِي بنيةِ النَص الشعْريّ. وَضمن هَذَا الإطار مِن الْمُفِيدِ التنويه هُنَا إلى أَنَّ عبارةَ " شوي الماء " الواردة فِي مضمونِ النص الشْعري آنفاً، تُشكلُ تعبيراً بلاغياً استخدمه السَمَاويّ بحنكة؛ لأجلِ التعبيرِ بصيغةٍ مجازية عَنْ واقعٍ يوميٍّ عاشته دهوراً أمه، فضلاً عَنْ كلِّ الأمهات العراقيات الفقيرات، وَهُن يجهدنَ فِي محاولةِ فتح قفل باب المستحيل بخصوصِ طرد شبح الجوع عَنْ صغارهن؛ إذ يستذكر السَماويّ ضمن المنحى ذاته تناوله ألذ " مثرودة " فِي حياتِه، وَالَّتِي ما يزال طعم مذاقها للآن فِي فمه، مَعَ العرض أَنَّ الفقرَ ألزم والدته - رحمها الله - اللجوء إلى إعداد ذلك الصنف مِن الطعامِ بواسطةِ خلط الماء وَالكركم وَالبصل وتسخينه عَلَى النار ليصبح حساء. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ تلك القصة لَمْ يكن حضورها مقتصراً عَلَى مائدةِ أسرة المرحوم عباس السَمَاويِ؛ إذ أَنَّها كانت - وَمَا تزال - لا تبارح بيوت الفقراء مِنْ أهلِ العراق الَّذِي حبا الله تبارك وَتعالى أرضه بالنفطِ وغيره مِما تباين مِن الثروات. وَمِنَ الْمُفِيدِ أنْ نشير هُنَا إلى بعضِ مَا كتبه الناقد السوري الدكتور صالح الرزوق حَوْلَ أثر الحياة الشخصية عَلَى تكوينِ العقل فِي حياةِ الشاعر السَماويّ؛ إذ يتوافق الرزوق - المطلع بشكلٍ دائم عَلَى النتاجِ الشعْريّ للشاعرِ يحيى السَماويِّ -  مَعَ مَا أشرنا إلَيه فِيما تقدم حين يقول إنَّ " الرفاهيةَ ليست مرضاً لكنها غير متوفرة لكثيرين مِنْ أبناءِ بلادنا - يقصد  البلدان العربية - بسببِ الفقر العام والفقر الشخصي، فالتخلف بحد ذاته مثلبة وضعف. وأعتقد أنه مِنْ هُنَا نجمت صور حبه – يعني السَمَاويّ - للكادحين والإكثار مِن مفرداتٍ كالمنجل والتنور والمطرقة ".

ألقيت بين أحبتي مرساتي

فالآن..تبدأ - ياحياة - حياتي

الآن ابتدئ الصبا ولو أنني

جاوزت خمسينا من السنوات

الآن اختتم البكاء بضحكة

تمتد من قلبي إلى حدقاتي

الآن ينتقم الحبور من الأسى

ومن اصطباري ظامئا كاساتي

أن في السماوة.. لن أكذب مقلتي

فالنهر والجسر الحديد هداتي

وهنا جوار الجسر كانت قلعة

حجرية مكشوفة الحجرات

هذا هو السجن القديم..وخلفة

جهة الرميثة ساح اعدامات

وهناك بيت أبي..ولكن لم يعد

لأبي به ظل على الشرفات

لا يخطئ القلب التراب..شممته

فتعطرته بطيوبه نبضاتي

وهناك بستان الإمامي والذي

عشقت نعومة طينه خطواتي

النخل نفس النخل..إلا انه

مستوحش الأعذاق والسعفات

لكأن سعف النخل حبل مشيمة

شدت به روحي لطين فرات

 

لَطيف عَبد سالم

 

 

mohamad saedsamadiغادر عالمَنا المشمولُ برحمة الله الأستاذ البحاثة عبد الهادي التازي (ولد بفاس يوم 7شوال 1939ه/ 15 يونيو 1921، وتوفي بالرباط الخميس12 جمادى الثاني 1436ه/ ثاني أبريل 2015) وتلبية لرغبته تم نقل جثمانه من الرباط إلى فاس حيث دفن بجوار أبي بكر بن العربي المعافري.

ويختزل هذا العمر المديد (94 سنة) حياة حافلة بالعطاء والتأليف والتحقيق وتكنيش المسودات والأوراق والمحاضرات والمراسلات، إنه رجل علم وأدب وبحث وسياسة وقيم قلَّ نظيره في زمانه، حيث أصبحت المعرفة والعلم مما يزهد فيه أبناءُ أمةِ اقرأ.

عبد الهادي التازي ومحراب البحث:

إلى جانب المهام الديبلوماسية التي أسندت إليه في بعض الدول، كان عبد الهادي التازي مهموما شغوفا حدَّ العشق للبحث العلمي والتنقير في أضابير التراث المخطوط وغميس المطبوع؛ وبالمحاضرة والمشاركات التي لا يتخلف عنها مشرقا ومغربا، إذ حباه الله بميزة خُلقية راقية ، جعلت شخصيته العلمية والإنسانية لا تتأثر بحيثيات المناصب السامية والتراتيب الإدارية، بل إنه كان يستغِل مُقامَه الذي يمُر منه أو ينزل به للبحث في حفريات تراث المنطقة علَّه يجد بها ما يخدم مشروعه الفكري الذي نَذَر نفسه للاشتغال به.

هناك رجال يهيؤهم القدَرُ لتحمُّل هذا العلم كابرا عن كابر، والتازي رحمه الله دُرةٌ من هذا العِقد الفريد؛ اجتمع فيه ما تفرق عند الكثير: الثقافة الإسلامية التي متحها من أسرته ومن التعليم العتيق بمعلمة القرويين، واللغات الجنبية التي أتقنها وقرأ بها وانفتح بها على مستجدات العاصر، وخبرَ العملَ الديبلوماسي وتخصص في التأليف فيه(موسوعته من 12 جزءا)(1)، وخدم التراث العلمي المخطوط وحقق جزءا منه، فكان رجل العلم والدولة بامتياز.

انخرط في سلك التأليف ومحراب البحث منذ سن مبكرة مدشنا بذلك مشروعا علميا أصيلا، تشهد آثارُه ومحاضراته على وضوحِ الرؤية وأصالةِ الهدف وعمقِ المنهج وتدقيقِ البحث إلى جانب علو الهمة ورفيعِ الأخلاق والقيم. كتب سنة 1403ه في خطبة كتابه" تفسير سورة النور" قائلا: " وبالرغم من مضي نحو من أربعين سنة على تحرير هذا المخطوط، فضلت أن لا أمسه بأي تغيير ولا تعديل احتراما أولا، لأولئك الذين قرظوه على ما كان، فأحببت أن يبقى كما عهدوه؛ ثانيا أنني وجدت في الاحتفاظ به على ما هو متعة لا تقل عن المتعة التي يشعر بها الكهول وهم يعثرون في خزانتهم على رسم فوتوغرافي لهم قديم يذكرهم في حومة كانوا إليها يأوون، وفي رفقة كانوا إليها يركنون، وفي مناخ كانوا بالعيش فيه يمرحون"(2).

لقد كان هذا التفسير من بواكير تآليفه، ويظهر من التاريخ المشار إليه، أنه كان وقت تصنيفه لا يتجاوز بداية العشرينات من عمره؛ يقول عنه الشيخ محمد بن الطيب الصبيحي:" ولئن دل ذلك التفسير على شيء فهو أولا ذلك التوفيق الإلهي الذي حدا بالمؤلف لإفاضة ذلك النور الساطع تذكيرا وإرشادا خصوصا عندما اقتضتهما الظروف والأحوال، وثانيا الطموح للمعالي والشعور النفسي وقد أطل على العلم عن كثب بقوة الاستعداد للغوص في ذلك البحر الخضم واستخراج جواهره، فما أحقه بقول القائل:

إنَّ الهلالَ إذا رأيت نموَّهُ أيقنتَ أنْ سيصيرُ بدرا كاملا "(3)

ويستحضر أحدُ تلامذته بالقرويين وهو السيد مالكي علوي مولاي الصادق السلوي هِمتَه وجِدَّه وحبَّه للعلم وحرصَه على الأداء الجيد لمهمة التدريس بالقرويين:" ولقد سعدت بتلقي العلم عنه بفاس في أول عهدي بالقرويين طالبا للعلم، فكان جادا في عمله مواظبا على الحضور ومحافظا على الوقت لا يتأخر عنه. لقد قضى حياته ناشرا العلم بجامع القرويين وبمساجد فاس ونواديها وبمدينة الرباط وبمختلف الجامعات المغربية..."(4)

إن هلالَ التازي ونجمَه برز منذ يفاعته، حتى إذا اسْتَدَّ عودُه وتضلع من العلوم وأينعت ثمار يَراعِهِ جادَ وأفاضَ وصار باحثا مدققا عالما مِعطاءً. يرصد الفرائد والنوادر في مَلازم المخطوطات وصفحات المصادر وأضابير الآثار، ليخلص إلى تركيب وترميم معلومات جديدة، لا تتأتى لمن لم يمتلك أولا هذا النَّفَسَ والتهمُّمَ؛ وثانيا آلياتِ البحث ووسائلَه وعُدَّةَ التحقيق والمعرفةَ التراثية إضافة إلى همته التي لم تعرف فتورا وصبره وجَلَده.

1408 tazi

لقد بذل التازي في كل مراحل حياته جهدا كبيرا في إحياء معالم التواصل المغربي المشرقي؛ والتواصل المغربي الأوربي، والأسيوي؛ وذلك من خلال تتبع كتب الرحلات والتراجم وفهارس العلماء ومصادر الأدب والفقه. فقد كان يشتغل بموضوع تراثي محدد حتى إذا جمع أشتاتَه ولمَّ متفرقاته كتب عنه أو خصَّه بمحاضرة علمية عميقة تُدهش الحاضرين والمهتمين بدون مبالغة. ولا بأس أن نشير في هذه العجالة إلى عنايته بشخصية مغربية تردد صداها بالمشرق ؛ شخصيةِ العلامة محمد بن سليمان الروداني المتوفى سنة 1094ه، التي اهتم بالبحث فيها وألقى بخصوصها محاضرة ممتعة قيمة برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير عشية الخميس 20 أكتوبر 2005، ومما ورد في تقرير عن المحاضرة:" وقد أبرز المحاضر في عرضه نبوغَ ابن سليمان الروداني الذي توفي سنة 1094 هجرية، وذاع صيته في الحجاز حيث أسندت له الولاية على الحرمين الشريفين من طرف البلاط العثماني، أن العلامة اضطر إلى مغادرة مسقط الرأس بتارودانت دون رضى والديه بعدما لم يستطع الوسط الذي ترعرع فيه استيعاب نبوغه المتعاظم... وأكد الأستاذ التازي أن ابن سليمان بعد تعيينه واليا على الحرمين قام بإجراء إصلاحات جوهرية وصفها بأنها من الحجم الثقيل ومن ضمنها إصلاح نظام تدبير الأملاك الوقفية قصد توظيفه في المقاصد التي خُصِّصَ لها، كما أحيى" سنة الدشيشة" سيرا على نهج نبي الله إبراهيم الخليل الذي كان مضيافا، وأصبح بموجب هذه السنة جميع فقراء مكة يجدون الطعام. كما قام بإجراء إصلاحات على مقبرة المعلاة. وألغى واحدا من أشهر المواسم التي كانت تقام بمكة لأحد أقطاب المتصوفة الذي يدعى العيدروس..."(5).

شُغِفَ الباحثُ الدكتور عبد الهادي التازي بالبحثِ والغوصِ في الأدوار والجهود والإسهامات التي قام بها علماء المغرب في الديار المشرقية التي استوطنوها أو مَرُّوا بها، وكتب وحرَّرَ وحاضر واسْتُجْوِبَ إلى حدٍّ بلغَ كما أحصى الباحث عبد الفتاح الزين أكثر من 675 مادة إلى تاريخ سنة 1991. ومن هذا التاريخ(1991م) إلى حين وفاته رحمه الله لا يبعد أن يكون العددُ قد ضُعِّفَ، مما يعني أننا أمام تراث زاخر مطبوع ومرقون ومخطوط وصوتي لعل يد التكرم والإنعام تصل أشتاتَ متفرِّقِهِ جمعا وطبعا ونشرا؛ إثراءً للمكتبة العربية والإسلامية وخدمة للبحث العلمي الذي منحه عمره وجهده...

عنايته بالنص الرِّحلي:

لم يترك الأستاذ التازي فريدة علمية وقَفَ عليها أو دُرة أدبية تراثية دقَّقَ فيها إلا وسلَّط عليها ضوء الكشف والإخراج وأسرع إلى المحاضرة فيها والمباحثة في زمن تهافتت فيه طائفة من مثقفي العصر والمتحكمين في المشهد الإعلامي على تغييب ومحاصرة كل نبوغ وجمال متأنق مرسوم في فضاء الأدب العربي القديم؛ مما كان سببا وعاملا في جهل أبناء العربية بجمال تراثهم الأدبي وثرَائِه ونبوغ سَلَفهم و إسهامهم في مختلف ضروب المعرفة. وتأتي كتب الرحلات في مقدمة السرد الأدبي العربي الذي حاز موقعا متميزا بين صنوف فنون الأدب وعلومه...

وكم كان يطرب حينما يتفرد بتحقيق فائدة أو توثيق متن أو استنتاج حكم أو خبر؛ ومن أمثلة ذلك وهو كثير قوله حين حديثه عن "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام" لقاضي مكة محمد الفاسي المكي المالكي(ت 832ه):"ثم كان وقوفي شخصيا على مخطوطتين اثنتين لشفاء الغرام بمكتبة أم القرى كانتا وراء حسم الموضوع تقريبا(6)، حيث تحصلت لديَّ هذه الفائدة الجليلة التي لم تعلق بها يدُ أحد من قبل، لا في الصيف ولا في الشتاء؛ والله يؤتي فضله من يشاء..."(7)

اعتنى الراحِل بنصوص الرحلات واستثمرَ موادها واستكنه أخبار الأمم والأقوام ودقائق الأخبار وتفاعَلَ مع مشاعر السارد ومحكياته ومرئياته. ويُعَبِّرُ بنفسه عن هوسه بأهمية إحياء التراث الرحلي والاهتمام به؛ قائلا:" كنت وما أزالُ ولعلِّي أبقى، من الذين يهتمون بالرِّحَلِ والرُّحَلِ، لأني أعتبر أن هذا النوع من الأدب يهدفُ أولا وبالذات إلى معرفة الآخر، وأعتبر أن هذا النوع من التعرفِ، ضربٌ من ضروب التصوف، قصَدَ بعض الرحالة ممارسته حتى يعرفوا ما وراء بيوتهم. حتى لا يبطروا معيشتهم ولا يستهينوا بما يوجد داخل بيوتهم.

إن كل الكتبِ التي نستمتع بقراءتها، على اختلاف فنونها، تقتصر على أن تجعل منا قراء لما يحرره أولئك الكتاب دون أن نعرف شيئا عنهم، عن مشاعرهم، عن اختياراتهم، الحوار مفقود بين الكتاب وقارئه إلا مع الرَّحالة. أنت ترافقه وتقارن وتفارق بينه وبينك، بين زمانك وزمانه، تفرحُ بما تفوقت عليه فيه. ذلك جانب من جوانب فائدة الرحلة والرحالة."(8)

إنه من خلال هذا الإفرازات والتفاعلات التي تتميز بها نصوص المادة الرحلية؛ يُفهَمُ هذا العشق المتزايد لمتونها الذي هيمن على التازي؛ إذ وعى بذكاء نادر ما يحبُل به التراث الرحلي من فوائد وحلقات مفقودة في حياة وتراجم شخصيات مغمورة أو مشهورة وأحداث ومعلومات وتفاصيل دقيقة لا ينتبه لها إلا الباحث المدقق المتسلح بأدوات البحث التراثي وتقنياته وتراكم معارفه(9)، بل إن إعمال النظر فيها كان كثيرا ما يحقق به ويُصححُ أخطاء وردت عند المهتمين وبعض أهل الاشتغال بالتراث، وأتذكر هنا بسبب رحلة ابن بطوطة التي اعتنى بها وحققها، كيف صحَّح وصوَّب اسمَ العالم المغربي أبي البركات يوسف البربري الذي دخل سنة 548ه جزرَ المالديف؛ وأسلم على يديه سلطان الجزيرة. فقد حوَّلَ الاسمَ أحدُ الباحثين غير العرب من "البربري" إلى التبريزي، وبُني عليها أنَّ من أدخل الإسلام إلى الديارَ المالديفية تبريزيٌّ فارسي وليس بربري من مسلمي المغرب الأقصى، لنتأمل طريقته في التدقيق والتحقيق وبسط الأمر مناطِ اللَّبس والاختلاقِ، يقول مصححا في تعليقه على قول ابن بطوطة في تحفته(أسلم السلطان أحمد شنورازة على يد أبي البركات البربري المغربي):" بالوقوف على اللوحة التأسيسية الخشبية، وليس النحاسية المنتسخة محرَّفة من الخشبية، التي ترسم بكل وضوح(البربري) وليس التبريزي كما وهم القاضي حسن تاج الدين(ت1139ه) في تأليفه تاريخ إسلام ديبا محل الذي حققه ذ هيكوايتش ياجيما طوكيو 1982، وقد كانت الحروف أربعةٌ: بربر، وليست خمسة: تبريز، فليس هناك كونفيزيون Confusion كما توهم. وهكذا فإن البطل الذي تم إسلام الجزر على يديه سيظل مغربيا عكس ما قاله ييرازيموس من أنه تبريزي، وعكس ما قاله هربك من أنه صومالي، على ما أوضحته أمام أعضاء مجمع اللغة العربية، وأمام أكاديمية المملكة المغربية(مايو 1991) في بحث ترجم ملخصه للفرنسية والأنجليزية، وبعثت الخارجية المغربية إلى نظيرتها في المالديف عن طريق ممثل هذه الدولة في نيويورك8 8 1991، وقد شهدت رحاب القصر الملكي في 19 رمضان 1413ه(13 مارس 1993) محاضرة رفيعة المستوى ألقاها فخامة السيد رئيس الجمهورية المالديفية مامون عبد القيوم بمحضر جلالة الملك الحسن الثاني وحضور رجالات الدولة وأعضاء السلك الديبلوماسي تناولت هذا الموضوع..."(10)

ولم يكن مستغربا أن يقودَه اهتمامُه بالتراث الرِّحلي إلى صناعة موسوعة فريدة وسَمها ب"رحلة الرحلات: مكة المكرمة في مائة رحلة مغربية ورحلة" (11)، وهو ما يعني أن الاطلاع على هذه المآت من نصوص الرحلات استنفد جزءاً وافرا جدا من الزمن المادي من مجمل نصيب حياته على طولها وبركتها التي أمدَّ الباري تعالى فيها لما يقارب القرن مما تعدُّون.

وفي هذا السياق أيضا اهتم بمدينة القدس الشريف فك الله أسرها وبأوقاف المغاربة بها من خلال كتابه" القدس والخليل من خلال الرحلات المغربية". لكنه شغف شغفا لا حدَّ له بشخصية ابن بطوطة الطنجي الذي طاف العالم في القرن الثامن للهجرة، فأكبَّ على "تحفة النُّظار" محققا لها في بضع مجلدات أعطت للرحلة الخالدة نكهة علمية خاصة.

وقد برزت إرهاصات عنايته بالنص الرِّحلي مبكرا؛ إذ حبَّر عبد الهادي التازي تفاصيل يوميات رحلته البرية الأولى لمدينة باريس سنة 1952م، والتي لم يتيسر طبعها الطبعة الأولى ونشرها إلا سنة 2008م(12)، وكان من أبلغ وأثرِ تفاعلاتها على طالب علمٍ وفقيهٍ متخرج من جامع القرويين أن رسخت عنده الرحلةُ والسفرُ منذئذ، تفتحَ الذهن وتوقدَ الذكاء وتقليبَ الأمور والتأنيَ في النظر إلى النوازل حسب المستجدات وخصوصية الواقع المعيش ومحيطه وثقافته وهويته؛ لنتأمل هذا البوح الذي ورد في مقدمة رحلته:" وقد تأكد لي منذ الفترات الأولى أن الرحلة لها أثر قوي على تفكيرنا، وأن التعرف على الآخر ضروري لمعرفة الحياة ومتطلباتها. ولم يكن ابن خلدون غافلا ولا مغفلا ابدا عندما فرق في المقدمة بين عالم عاكف على نفسه؛ وآخر ينتقل لربط الاتصال و"اكتساب الكمال بلقاء الرجال"(13)... لقد تبين لي أن الفقيه، أيَّ فقيه، قد يغير رأيه حول نازلة أصدر فيها حكما قبل أن يرحل، يغير رأيه إلى آخر نظرا لما استجد عنده من رأي وما رآه من صواب."(14)

وتبقى موسوعته القيمة "رحلة الرحلات" التي نشرها أواخر حياته شاهدة على المجهود الكبير الذي استقصى فيها فن الكتابة الرحلية وما أنجز حول زيارة بيت الله الحرام أو ما سمي بالرحلة الحجازية. وعلى هذا الاعتبار يكون مكونُ ورافدُ مادة نصوص الرحلات وما تحبل به من غنى وثراءٍ أولا؛ وعاملُ ممارسة نشاط الرحلات والسفريات ثانيا، قد شكلا معا عنده مسلكا علميا طبيعيا في تغذية الروح وتنمية الذات وشحن المعارف وتدقيق الأخبار وتعرف القيم الكونية المشتركة بين أمم الأرض في جُبة شخصية مسلمة متوازنة متفقهة...

ملامح إنسانية في شخصية عبد الهادي التازي:

عندما يسعفك القدر فتتعرف على الأستاذ الراحل عبد الهادي التازي عن قرب، تحس أن المتحدث والكاتب والباحث والإنسانَ اكتنز منظومة القيم التي تفرقت في أحاديثه وكتاباته؛ فهو ، وبدون مبالغة، مجموعةُ قيمٍ تمشي على الأرض. تتمثَّل فيه قيم الالتزام والأصالة والتنوير والعلم والمسؤولية والوطنية...

على أن لمساتِه الإنسانيةَ ستظل عالقة منحوتة في ذاكرة كل من عايشه أو تعرف عليه. وسأنقل في هذه المناسبة إلماعاتٍ وردت هنا وهناك جديرة لتقريب القارئ العربي الكريم من الجوانب الإنسانية والتربوية العميقة لهذه الشخصية التي كُتب لنا أن نُدرك طِيبةَ طينتها وصفاءَ معينها.

تحكي حفيدته اسمهان التازي وهي تتذكر جدها قائلة:"...هذا الرجل الذي أسعدني الحظ لأكون حفيدته، وليختار لي حقل الصحافة الذي كان معجبا به وحوكم من أجله كما أسلفتُ، لا أسمحُ لنفسي أن أتكلم عنه، عن جدي دون أن أحكي بعض ذكرياتي معه، مما أعتبره دروسا في الحياة لا مجرد نصائح حنونة من جد لحفيدته...

ذات صباح عندما كنت طفلة تغيبت عن مدرستي، قال لي: لِمَ غبتِ؟ قلتُ: الجو بارد "والشتا خيط من سما" فأرداني ببيتين شعريين يقولان:

إذا كان يوذيك حرُّ المصيف وكربُ الشتاء وبردُ الخريف

ويُلهيك حسنُ جمال الربيع فأخْذُكَ للعلمِ قل لي: متى؟

فارتديتُ ملابسي الشتوية وتوجهتُ إلى مدرستي، وأنا سعيدة ببداية يوم جديد للتحصيل المفيد. وذات يوم مرَّ عليَّ قبل أن يغادر إلى عمله فوجدني نائمة؛ قال: هل لديك عطلة اليوم؟ قلت: نعم، اليوم يوم أحد ! فرماني بهذين البيتين اللذين لن أنساهما:

إن النعاسَ والكسلْ أحلى مذاقا من عسلْ

إن لم تصدقني فسلْ من كان قبلي قد كسلْ

وكعادتي قبل مغادرتي المنزل أذهبُ عنده لأقبلَ يديه وأنالَ رضاهُ، وحدث مرة أن اشتمَّ في رائحة عطر قوية واقترح علي أن أتخلص منها مفضلا ان يراني ملطخة بالحَبْرِ؛ فردد القولة المشهورة "الحبر عطرُ الطالبِ". وتختم الحفيدة قائلة: أنا فخورة لأنني منه وإليه، وفي كنفه ترعرعتُ ومن حسن حظنا أن هذا الرجلَ لا يزال مستعدا للاستجابة لكل من يطلبُ منه مساعدة علميةً أو توجيها مفيدا، يعطي باستمرار من غير منٍّ..."(15). ويحكي الصحافي والباحث المغربي إدريس الكنبوري، أنه زاره أواخر حياته في بيته، وبيتُه كلُّه مكتبة، وكان الهدف من زيارته إفادته بجوانب تهمه في العلاقات الإيرانية المغربية، باعتبار الراحل كان قد عمل سفيرا بطهران واهتم بالعلاقات الديبلوماسية بين البلدين؛ يقول إدريس الكنبوري:" وأذكر أنني زرته قبل بضع سنوات في بيته العامر بالكتب ، وكان محور اهتمامي في جلساتي معه الاطلاع على بعض جوانب العلاقات المغربية الإيرانية التي عايش بداياتها عن كثب ، فأهداني نسخة نادرة من ورقة كان قد قدمَّها في مؤتمر علمي بطهران في الستينيات من القرن الماضي ، تخص علاقة المغرب و المغاربة بأهل البيت و حضور محبتهم لهم في مختلف التعبيرات الفنية الشعبية و العالمية. وأثناء مناقشتنا كان يقدم بعض الملاحظات حول الورقة، فنهض ودخل غرفة نومه وعاد يحمل نسخته الخاصة من الورقة وانهمك في كتابة ملاحظاته على الهامش، ثم أخذ النسخة التي بيدي وكتب نفس الملاحظات، أما أنا فقد قفز اهتمامي من المناقشة والملحوظات إلى الطريقة الحماسية التي يتصرف بها وكأنه طفل صغير يفرح بلعبة حصل عليها، وعندما وجهت إليه تلك الملاحظة ضحك، وقال لي ما معناه: إن الإنسان يجب أن يتعلم باستمرار مادام حيا."(16)

إن هذه الواقعة وغيرَها كثير تفيد بأن أعلام العرب والمسلمين المتقدمين والمتأخرين كانوا يعيشون زمنَهم المكتوبَ إلى آخر نَفَس فيه مع الورق والعلم والبحث؛ فمع المَحْبَرة إلى المقبرة.

وفي الأخير إذ أنسى لن أنس الرجل قبل سنتين، كنت قد التقيته بمقر الإيسسكو بالرباط في اليوم العالمي للغة العربية، وفي استراحة اليوم الدراسي القيم وببهو المقر تبادلنا الحديث معه، وكان وجهه بشوشا مشرقا مع الجميع، ومما أذكره أثناء حديثنا معه؛ أنه بقدر اعتزازه باللغة العربية والدفاع عنها والاحتفاء بلغة الوحي وتخصيصها بيوم عالمي؛ كان يؤكد على أهمية التعدد اللغوي والانفتاح على اللغات الحية التي يجب التحكم فيها من قِبل الناشئة وطلاب المدارس والجامعات، ولكن تأثري بالرجل سيزداد حينما استشرته في أن نستضيفه محاضرا بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة فلم يتردد البتة، ولو أنه لا يعرف شخصي الفقير إلى مولاه فقد استجاب بكل أريحية وبدون تفكير، وقلت له نحن نأتي لنَقْلك إلى طنجة، قال لي: لا، أنا سآتيكم بسيارتي وسائقي، فقط رتِّب مع فلان بطنجة وهو أحد أفراد عائلته. كنت أظن أنه سيعتذر بعامل المشاغل الكثيرة أو الحالة الصحية فهو وقتئذ قارب 82 سنة، إلا أن شيئا من ذلك لم يكن له اعتبار عنده؛ وتشاء الأقدار ألا يتم ذلك اللقاء...

ويجدر التنويه في الأخير أن العاهل المغربي أبرق إلى أسرة الفقيد برسالة ملكية بشأن إحداث " مؤسسة عبد الهادي التازي" ستعنى بتراث الرجل وفكره وما أنجز حوله. وستكون هذه المؤسسةُ العلميةُ مكتبةً عامة وخزانةً نادرة تحفظ أكثر من 10 آلاف كتاب ومخطوط ووثيقة ومجلة وبحث وطبعة حجرية ورسالة جامعية مرقونة ورسائل ديبلوماسية وشخصية، وأقراص مدمجة رقمية وسجل للصور والهدايا والمقتنيات وغير ذلك من الفرائد والذخائر التي تضمها مكتبة الراحل، بما سيعود عليه إن شاء الله بالأجر والثواب الحسن.

 

د. محمد سعيد صمدي/ المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة

................

(1) التاريخ الدبلوماسي للمغرب نشره سنة 1989، وبعد عَقد أتبعه بملحقين سنة 2009 من منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية.

(2) تفسير سورة النور: 10 / منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية / 1405ه 1984م.

(3) نفسه: 7.

(4) بقية السلف الصالح من جامع القرويين في ذمة الله/ جريدة الأسبوع الصحفي/ عدد 833 / الخميس 16 أبريل2015

(5) جريدة التجديد / الثلاثاء 25 أكتوبر 2005.

(6) توثيق نسبة قصيدة الحج والزيارة لابن رَشِيد البغدادي التي وردت أبياتها مجهولة النسبة برحلة أحمد بناصر الدرعي.

(7) مقال " تخريج قصيدة الحج والزيارة في رحلة أحمد بناصر الدرعي" :ص 10 / مجلة التذكرة: ع 6. منشورات المجلس العلمي المحلي للدار البيضاء.

(8) نفسه : ص 7.

(9) إن المشتغل بالتراث وإحياء نصوصه في حاجة مستديمة لهذا التراكم ومستلزماته ومتطلبات تحصيله واستثماره؛ يقول الدكتور عبد الله المرابط الترغي شفاه الله:"... ولذلك تأتي عملية بناء التراجم بعد جهد وعمل عسيرين وبذل وقت وراحة لتدفع الكاتب إلى القراءات الكثيرة وإلى السفر وإلى البحث واقتناء المصادر والمراجع، ليصل إلى بناء ما يفيده به غيره في صياغة هذه التراجم وإيراد أخبارٍ عنهم" محاضرة ألقاها بالمجلس العلمي منشورة بأسبوعية الشمال: ع 270(من 07 14 يونيو 2005)؛ قام بتفريغها الباحث عبد الله بديع.

(10) تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الاسفار: المجلد الرابع/ ص63/ ابن بطوطة أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي/ تحقيق عبد الهادي التازي/ 1997/ مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية.

(11) منشورات مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي/ الرياض/ فرع موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة/ 1426ه 2005م.

(12) رحلتي الأولى إلى فرنسا/ ط1/ 2008/ دار الحرف للنشر والتوزيع /القنيطرة/ المغرب

(13) المقدمة/ تاريخ العلامة ابن خلدون:ص1017/ دار الكتاب اللبناني/ 1956.

(14) رحلتي الأولى إلى فرنسا: ص 17.

(15) جدي عبد الهادي: جريدة الصباح / 18 1 2005.

(16) التازي وذكريات العلاقات المغربية الإيرانية/ مقال منشور بهذا الرابط الرقمي: http://www.alarab.co.uk/?id=49443

 

 

 

khadom almosawi2جرى تحضير نفسي واعلامي لإعلان الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في العراق بين الحزب الحاكم، حزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الشيوعي العراقي، من الطرفين، لحاجتهما الخاصة ولمواجهة التحديات حولهما. كان الحزب الشيوعي معارضا التعاون مع قادة الانقلاب الذي جاء بحزب البعث إلى الحكم مرة أخرى، رافضا دعوته للمشاركة. وفي الوقت الذي اعترفت قيادات الانقلاب بالحزب الشيوعي وقدراته ونشاطه، سريا ومهنيا، حيث فازت قوائم انصاره بانتخابات طلابية وعمالية، اصطدمت معه في معارك عنيفة، ووجهت عليه أجهزة أمنها الحزبية المتعددة. وسقط شهداء شيوعيون تعذيبا او اغتيالا بأساليب  متعددة، وكان تحرك الحزب نحو الجماهير وإعدادها للنضال الوطني التحرري جديا وحماسيا رغم تداعيات الانشطار العمودي فيه قبل وصول البعث الى السلطة بحوالي العام. كان بيان اجتماع المجلس الثالث الذي عقد نهاية عام 1967 وبيانات اجتماعات اللجنة المركزية الدورية وافتتاحيات الجريدة المركزية تنتقد بعبارات شديدة حزب البعث، قبل وبعد عودته للسلطة، وبصفات طبقية لانتهاكه الحقوق العامة بوسائل واحكام ديكتاتورية. وتكرر ذلك في المؤتمر الوطني الثاني الذي عقد عام 1970 ورغم كل ذلك راجع الحزب الشيوعي مواقفه ووقّع معه اعلان جبهة وطنية تقدمية عام 1973 مع اخبار عن ضغوط عليه من حلفائه الامميين..

من ثمار الجبهة، كما تحدث مريدوها، عقد المؤتمر الثالث للحزب شبه علني في بغداد عام 1976 الذي غطته وسائل الإعلام ونشرت وثائقه صحيفة الحزب اليومية، طريق الشعب، ومن ثم أعادت نشرها المجلة الشهرية. وفاز أغلب القياديين السابقين والسكرتير العام بمواقعهم مع إضافة اسماء جديدة من الكوادر المعروفة للتمكن من العمل العلني وقيادة الحزب الذي توسع عمله ونشاطه التنظيمي والسياسي. كما اصبح وزيران للحزب في الحكومة، (عامر عبد الله ومكرم الطالباني) ولكن تصفية الكوادر الحزبية لم تتوقف. او أن المؤتمر، كما ذكر حينها، دفع ثمنا غاليا، كما حصل مع المؤتمر الثاني، من دماء عدد غير قليل من قيادات وكوادر الحزب البارزين، قبل الانعقاد وبعده. من بينهم ستار خضير عضو اللجنة المركزية، وعبد الأمير سعيد، وعلي البرزنجي وماجد العبايجي ومشكور مطرود وحسين نادر وأحمد رجب وعبد الله صالح ومحمد حسين الدجيلي وعبد الأمير رشاد وجواد عطية شناوة، ولحقهم شاكر محمود عضو اللجنة المركزية، ومحمد الخضري، وعزيز حميد، وكاظم الجاسم... واخرون، جمعهم وسجلهم كتاب بعنوان "شهداء الحزب". اضافة الى عدد آخر أعدموا في شمال العراق، عند عودتهم من دراساتهم، وعرفت قصتهم باسم قاتلهم القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني عيسى سوار، كما شملت التصفيات الرسمية عددا من الذين تعاونوا لعودة البعث الى الحكم، وتلتهم عناصر من قيادات وكوادر البعث نفسه، على شكل مجموعات اتهمت بمحاولات انقلابية او اتصالات خارحية، منهم من كان في أمن الحكم وأجهزة تعذيبه، ومنهم رجال الثقافة والتنظيم، كعبد الخالق السامرائي ومحمد عايش وعدنان الحمداني وعبد الوهاب كريم.. وبالتأكيد غيرهم من النشطاء السياسيين من كل الأحزاب ممن لم تصله وسائل الإعلام في حينه.

في تلك الظروف كنت اقضي في الجريدة اكثر الوقت، وكنت غير مرتاح عما يجري من حولي، وعبرت مباشرة أو بصمت عنه. وفي الوقت نفسه أسهم في أغلب ما يحصل من فعاليات جماهيرية حضورا او اهتماما، في اكثر من تجمع ثقافي او سياسي.. بعد الانقلاب الفاشي الدموي في تشيلي الذي قاده رئيس اركان الجيش اوغستو بينوشيت، وبدعم مفضوح من وكالة الاستخبارات الامريكية، ( ايلول/ سبتمبر 1973) والذي تم فيه اغتيال رئيس تشيلي الاشتراكي سلفادور الليندي، وتصفية الشاعر المناضل بابلو نيرودا، واغتيال وإعتقال اعداد كبيرة من القيادات اليسارية.  من بين الذين أعدموا في عملية وحشية الفنان فيكتور جارا، وكانت أصداء المجازر قاسية على العراقيين. مع التهيب من انتقال الدم في شوارع تشيلي الى شوارع الرافدين من جديد. ردا عليها اقامت نقابة الفنانين أمسية تضامنية مع جارا، ألقيت كلمات وعزفت اغان له وعرض شريط سينمائي عنه. وحضرتها جماهير غفيرة من الشباب المتطلع إلى الحياة والمشاركة في بناء مستقبلها. وواضح من الفعاليات والحضور شيوع روح يسارية عموما، لم تستطع السلطات ولا الأحزاب استيعابها وتوفير المسارات الصحيحة لتنميتها والاستفادة من حماسها وطاقاتها المتفجرة.

كانت برامج أغلب المراكز الثقافية الاجنبية، حافلة بما يشد الجمهور لها وتتسابق عليه، لاسيما السوفييتي، اذ يعرض افلاما سوفيتية مشهورة ويقدم محاضرات لمثقفين تقدميين، وكان مشهد الخروج منه في ختام اماسيه الى شارع ابي نؤاس الذي يطل عليه أشبه بالمظاهرات الجماهيرية المنظمة لكثرة الحضور وضخامة الاعداد. وكانت بعفويتها صورة مرعبة لجهات الأمن الرسمية، وحاولت مرات عديدة صناعة اشكاليات لتخويف الناس وارهابهم رغم الأجواء الجبهوية سياسيا، والغطاء التقدمي اعلاميا، والعلاقات الدولية، لاسيما مع بلدان المنظومة الاشتراكية، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي العظيم!. وكان أغلب الشباب والشابات يخرجون من المركز محملين بإصدارات نوفوستي عن التجربة الاشتراكية والبناء الشيوعي للدولة السوفيتية، وملخصات او كراسات من تأليف قيادات الحزب والدولة، وغيرها من المطبوعات المجانية،  مما يشعل في نيران التوترات أمنيا او في حالات التنافس والمقارنة بين هذه النشاطات ومردود عمل السلطة والحزب الحاكم وعنجهية بعض قياديه وتفكيرهم المحدود في البناء الحزبي والسياسي. بينما لا يظهر مثل هذا الشعور أو الموقف من نشاطات المراكز الثقافية، البريطاني والفرنسي والأمريكي في فترات التبادل الثقافي. حيث كانت تقوم هذه المراكز بما يناسبها تحت غطاء دورات تعليم اللغات، او توفير فرص الزيارات والقبول في الجامعات للطلبة المتفوقين دراسيا.

تشكلت لجنة حزبية بإشراف الرفيق زكي خيري ( ابو يحيى) عضو المكتب السياسي، لتجميع التراث الحزبي وحفظه وتنشيط المنظمات الحزبية لهذه المهمة. وقد أنجزت بعضها الحصول على وثائق حزبية نادرة وكتابات رفاق حزبيين لم تنشر او يتمكن كاتبها من الانتهاء منها والتفكير بنشرها او ارسالها الى الحزب للنظر في شأنها. وبعض الكتابات عن قصص حقيقية عاشها المناضلون الحزبيون كحفر نفق في السجن والتمكن من التخلص من الاعتقال، او ابتكار أساليب أخرى في الخروج من السجون التي كانت الامثال تضرب فيها، كسجن الكوت والحلة ونقرة السلمان. ومنها كتابات عن يوميات السجين الشيوعي. التي تثبت تحويل السجون الى مدارس ثورية بفضل الشيوعيين وقدراتهم وحجم القمع والاضطهاد الذي عاشوه منذ أن طاف شبح الشيوعية في العراق في العشرينات من القرن العشرين.، ومنذ اول بيان شيوعي وقعه العامل فهد، في بداية الثلاثينيات، واستمرارا عبر كل العهود والأزمان.

ألحقت الى اللجنة عن الجريدة وكلفت بعدد من الواجبات، لكن خدمة الاحتياط سحبتني منها وارسلتني الى معسكر الكوت، لالتقي هناك برفيقي الطبيب ماجد الياسري، الذي نقلت خدمته العسكرية الى ضابط تجنيد المدينة، وازور مقر اللجنة المحلية للحزب في الكوت، سرا طبعا، وبملابس مدنية بعد انتهاء الروتين اليومي في المعسكر ومعرفتي بدروب الخروج والدخول الجانبية التي لم يكشفها الحرس والخفر في بوابات المعسكر. ومن أبرز ما قمت به حينها، ضمن عمل اللجنة، زيارة الرفيق هاشم چلاب (ابو نزار) في بيته في مدينة الحي رفقة رفيقين من قيادي اللجنة الحزبية المحلية،  فتاح طه، (ممثل الحزب في الجبهة) ومحمد موزان. ومن الطريف الترحيب الحار من ام نزار، زوجة الرفيق الذي أبلغها بأن الحزب يزوره الآن، الحزب ضيفه، فقامت بتجهيز ما تملك من شاي وطعام وفواكه، رغم اعتذارنا عن زيارتنا السريعة، وتمنينا ألا تتعب نفسها، ولكنها ترد بكلمات اعتزاز باستضافة الحزب، بعد انقطاع او " إهمال" غير مقصود كما عبر أحد الرفاق حين نظرت له أثناء عتب الرفيق وشكواه. وحين فتحت دفتري فتح الرفيق قلبه وانطلق يتذكر تلك الأيام في سجن الكوت، ايام سجن الرفيق فهد، وكان قد عاش معه فترة، كان يمشي خلفه دائما في كل الاوقات التي ينشط فيها الرفيق فهد، في الصباح او المساء، مبكرا او متاخرا. واطلق عليه الرفاق السجناء مدير شرطة فهد، لأنه كان يحاسب الرفيق الذي يلاحظ الرفيق فهد نقصا ما عنده، سواء في المهام اليومية او في الحضور والمشاركة في برامج التثقيف. وسجلت معلومات كثيرة منه عن السجن وحياة الرفيق فهد فيه واسماء الرفاق المسجونين معه وفق تذكره، وارسلتها إلى اللجنة لارشفتها مع غيرها من الوثائق والمعلومات. وخلال العودة اطلعني الرفيقان على جغرافية المنطقة، على بيوت الاقطاعيين ومزارعهم وبقاياهم التي تذكر بهم وبتاريخهم، وغيرها من معالمها. ولم تطل مدتي للتفكير بجدول أعمال اوسع، اذ نقلت إلى معسكر نفط خانة، التابع الى قضاء خانقين، فربما وصلت التقارير عني، والمكان الجديد عقوبة، قريبا من الحدود العراقية الايرانية، وله قصة أخرى.

 

كاظم الموسوي

 

hasan maysiralaminعراقيٌ موصلّيٌ وقامة شامخة، عصامي لا عظامي، شاعرٌ كبير وإعلامي فذ، أمجدٌ بأشعاره، ماجدٌ بأذكاره، مجيدٌ بأقواله، ممّجدٌ بأفعاله، خالدٌ بمحبته للموصل وأهلها، سعيدٌ بما أنجزه لها، فخورٌ بإخلاصه تجاهها، علمٌ خفاق رفراف فوق سارية الذكر الحميد والخلق العظيم والإيثار والإخلاص والشعور النبيل الصادق، إذا حضر يَعّمَ المكان الهدوء هيبةً ويَعُمَ الصمت لحديثة اذا تكلم إحتراما، هادئ الطبع، صبور، حليم، متواضع، متعاون، دمث الخلق، رصين الأخلاق، صادق القول، وصفه الشاعر الراحل (معد الجبوري رحمه الله) بانه (سندباد موصلي .. عاشق ومغامر، ما ركن قاربا على شاطئ حتى شق اللجة بقارب آخر، ومضى بين الأمواج .. طائر نادرًا ما حلق بعيدًا حتى حمل الموصل نسغًا في دمه ولؤلؤة بين عينيه، شاعر، لكلماته رقة الكريستال وعذوبة الينابيع البكر ونشوة إقتحام المجاهيل .. طفل في إهاب رجل، يضوع طيبةً ومحبةً وإلفة ..) .

إنه الشاعر والإعلامي الموصلي (امجد محمد سعيد)، مواليد الموصل عام (1947)، نشأ في عوجاتها القديمة في محلة (شهر سوق) فترسخت عادات الموصل القديمة وتقاليدها في نفسه، درس في مدارسها وحصل على بكالوريوس لغة عربية من كلية التربية في جامعة بغداد عام (1970)، ليغوص في أعماق حياته الوظيفية المليئة بالإنجازات والعطاء، حيث عمل في مجال الإعلام والتعليم على مدى (40) عامًا متواصلة في المؤسسات الإعلامية والثقافية والدبلوماسية العراقية متنقلًا بين (إذاعي، مدرس لغة عربية، مشرف الآداب في النشاط المدرسي بالموصل، مدير الثقافة الجماهيرية بالموصل، مدير الإعلام الداخلي بالموصل، مدير تلفزيون الموصل، مدير في ديوان وزارة الإعلام) وتخللها قيامه بالأعمال التالية (ملحق في السفارة العراقية بعمان - الأردن للفترة من عام (1977 ـ 1981)، (مدير المركز الثقافي العراقي القاهرة - مصر للفترة من عام (1988 ـ 1991)، (مستشار صحفي ومدير المركز الثقافي العراقي في الخرطوم - السودان للفترة من عام (1992 ـ 1996)، (مسؤول فترة إخبارية في الفضائية البغدادية) .

شارك في العديد من الدورات التدريبية منها (دورة المذيعين في بغداد عام 1967)، (دورة في المعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية - بغداد عام 1977)، (دورة الأخبار التلفزيونية في بغداد عام 1985)، (البرنامج التدريبي لتطوير الإدارة الوسطي ـ وزارة التخطيط - المركز القومي للاستشارات والتطوير الإداري عام 1987) .

ساهم في عضويه المنظمات والإتحادات التالية (عضو إتحاد الأدباء والكتاب العرب)، (عضو المجلس المركزي للإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق لعام 2000 ـ بغداد)، (عضو إتحاد الكتاب العرب ـ دمشق )، (عضو إتحاد أدباء مصر ـ القاهرة)، (عضو اتيليه القاهرة ـ القاهرة)، (عضو جمعية قراءة - للنقد والترجمة في القاهرة)، (عضو الإتحاد العام للصحفيين السودانيين)، (عضو نقابة الفنانين العراقيين ـ بغداد)، (عضو جمعية المسرحيين والإذاعيين والتلفزيونيين ـ بغداد) .

التقيت به مرات قلائل في الموصل (بصحبه أخيه الفاضل الأخ الكريم والأستاذ القدير والصديق العزيز وليد محمد سعيد)، ومنذ المرة الأولى أمتلكني شعورًا كبيرًا أنني أمام جبل عالٍ من القيم والمبادئ والأخلاق والهدوء والتواضع، وفي أخراها كان الحزن على العباد والبلاد يقطر من مُحياه نتيجة الظروف التي عصفت بالعراق عام (2003) وما تلى، وتعرفُ من نبرة صوته الشجي ذلك الكم الكبير من الأسى والألم الذي يعتصر قلبه .

ترك العراق مضطرًا، لا بطرًا ولا رياءًا، نهاية عام (2004) متوجهًا إلى مدينة اللاذقية السورية ثم إلى دمشق وصولًا إلى عمان لتكون نهاية رحلته ومستقره في القاهرة منذ منتصف عام (2005) وحتى الان .

واصل دراسته في جمهورية مصر العربية (بلده الثاني)، وحصل على شهادة (دبلوم عالي) في موضوع تحقيق التراث من معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة عام (2009)، ونال شهادة الماجستير في موضوع تحقيق التراث من معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة عام (2011) .

بالإضافة إلى أعماله أعلاه فان له من النشاط الصحفي الغزير بما يستوجب الذكر والوقوف عنده، فهو عضو هيئة تحرير كل من جرائد ( الرسالة، مجلة النبراس، الجامعة، الحدباء)، (محرر في جريدة (الثورة) - مندوب في الموصل)، (محرر في مجلة الف باء ـ مندوب الموصل)، (مدير تحرير مجلة الأديب المعاصر الصادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق)، (كاتب في عددٍ من الصحف العراقية والعربية)، (مراسل ثقافي لجريدة الرأي السودانية)، (يعمل حاليًا بصفة مراسل ثقافي لجريدة اخبار اليوم السودانية) .

1407 amjad

له حضور قوي ومتميز في المهرجانات والمؤتمرات التي عقدت في العراق وبعض البلاد العربية والأجنبية منها (مهرجان أبي تمام في الموصل عام 1971)، (مشارك مع الوفد الثقافي والإعلامي العراقي إلى جاميكا عام 1978) (مشارك في أغلب دورات مهرجان المربد الشعري في بغداد)، (ممثل العراق في مؤتمر تلفزيونات دول عدم الإنحياز في مدينة - ليماسول - بقبرص عام 1987)، (ممثل الإتحاد العام لأدباء العراق في ملتقى البحر الأبيض المتوسط للشعر في مدينة مرسية في اسبانيا عام 2001)، (مشارك في مهرجان مدينة بورسعيد في الذكرى (50) للعدوان الثلاثي على مصر والذي نظمته هيئة قصور الثقافة عام 2006)، (مشارك في مهرجان شوقي وحافظ في القاهرة برعاية المجلس الأعلى للثقافة عام 2007)، (مشارك في مهرجان الشعر (المصري - العراقي - الدنماركي) الذي عقد في القاهرة برعاية المجلس الأعلى للثقافة عام 2008)، (مشارك في دورات ملتقى الشعر العربي في القاهرة بجميع دوراته)، علاوةً على مشاركته في عددٍ كبير من الأمسيات والندوات والمهرجانات التي عقدت في البلدان التي عمل فيها في كل من الأردن ومصر والسودان إضافةً الى سوريا .

له الكثير من الأعمال الشعرية والِنتاج الثقافي والأدبي الغزير بالمنجزات، فأصدرت له وزارة الثقافة والأعلام في بغداد الأعمال الشعرية التالية (نافذة للبرق - شعر - عام 1967)، (أرافق زهرة الأعماق - شعر - عام 1979)، (البلاد الأولى - شعر - عام 1983)، (الحصن الشرقي - شعر - عام 1987)، (جوار السور، فوق العشب - شعر - عام 1988)، (رقيم الفاو - ملحمة شعرية - عام 1989 - وهو الكتاب الفائز بالجائزة الأولى لمسابقة الفاو الأدبية الكبرى لوزارة الثقافة والإعلام)، (صورة العربي في الإعلام الغربي - دراسة - الموسوعة الصغيرة، عام 1989)، وعن جامعة الموصل صدرت (مسرحيتان شعريتان) عام 1988)، وعن بيت الموصل للنشر والتوزيع صدرت (قصائد حب - شعر - عام 1988)، وعن دار جامعة الخرطوم في السودان صدر (أربعون نهارا - شعر - الطبعة الأولى عام 1993)، وعن دار الخرطوم للطباعة والنشر في السودان صدر كتاب (ما بين المرمر والدمع - شعر - الطبعة الأولى عام 1995)، (أربعون نهارا - شعر - الطبعة الثانية عن دار أزمنة في عمان عام 1996)، وعن إتحاد الكُتّاب العرب في دمشق صدر (سورة النيل - شعر عام 1999)، (ما بين المرمر والدمع - شعر - الطبعة الثانية عام 2001)، (مرايا العزلة - شعر - عام 2003)، وعن دار الشؤون الثقافية في بغداد صدر كتاب (قمر من الحناء عام 2000)، (فضاءات وأمكنة - شعر - عام 2001) , ويتضمن المجموعات (أربعون نهارا، سورة النيل، ما بين المرمر والدمع)، (محمد ( ص ) قمر الأناشيد - شعر - دار الشؤون الثقافية عام 2002)، وعن أمانة عمان الكبرى صدر (أوراق عمان - نصوص عام 2002)، وعن دار الدار في القاهرة صدر (عزف سوداني بأوتار عراقية - قصيدة طويلة عام 2007)، (نشيد الأزمنة - شعر - القاهرة عام 2007)، (الوردة لمرسية وللأندلس الريح - كتاب - اخبار اليوم في القاهرة عام 2008)، (قهوة ادونيس - قصيدة طويلة - عن جمعية قراءة للنقد والترجمة عام 2007)، (عين الشمس - شعر - عن دار الحضارة في القاهرة عام 2010)، (الوصول الى زهرة الماء - مختارات شعرية - عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة عام 2010)، (خلف ساحات التحرير – شعر – عن دار الدار في القاهرة عام 2013)، (مذكرات في الدبلوماسية الثقافية – مشاهد وشخصيات سودانية – عن مكتبة جزيرة الورد في القاهرة عام 2013) .

ترجم له العديد من القصائد للغات الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والتركية والكردية والدانماركية، كما تناول شعره الكثير من النقاد في العراق والوطن العربي .

ورد اسمه في كتاب (من الشعر العربي في العراق)، اعداد وتقديم وترجمة الدكتور (عبد الواحد لؤلؤه) الصادر عن مؤسسة البابطين والذي يضم قصائد مع ترجمتها للغة الانكليزية وسيرة ل(30) شاعرًا من شعراء العراق في العصر الحديث، كما ورد اسمه في (معجم البابطين للشعراء العرب)، وكذلك (معجم اعلام العراق)، وذكرهُ الدكتور عمر الطالب في (موسوعة اعلام الموصل في القرن العشرين، الذي اصدره مركز دراسات الموصل عام 2008) .

وكتب عن نتاجه الشعري كل من (الطالب مصطفى مزاحم بكلية التربية جامعة تكريت - رسالة ماجستير بعنوان - بنية القصيدة في شعر أمجد محمد سعيد - بإشراف الدكتورة فاتن عبد الجبار جواد)، وكتبت عنه (الطالبة لبنى حسن حامد محمد الخزرجي بكلية التربية جامعة الموصل رسالة ماجستير بعنوان - شعرية الموصل في نصوص أمجد محمد سعيد - بإشراف الدكتور سعود أحمد يونس الخفاجي) .

حصل على العديد من الجوائز والشارات والتكريميات منها (الجائزة الأولى في مسابقة الفاو الأدبية الكبرى في الملحمة الشعرية عن كتاب - رقيم الفاو - عام 1989)، (شارة محافظة نينوى للأدب)، (شارة جامعة الموصل للإنجازات الأدبية والإعلامية)، حصل على تكريم رئيس جمهورية السودان بمنحه الجنسية السودانية وجواز السفر السوداني لجهوده ونتاجه الثقافي والاعلامي اثناء وبعد عمله في الخرطوم .

قال في شهادة نشرها بمقالٍ قيّم موجهًا حديثه إلى (الموصل الوالدة) بعنوان (الشعر .. سفر في الزمان والمكان وفي اللغة) نشره في موقع البيت الموصلي أواخر عام (2016) وتطرق فيه عن تفاصيل رحلته الشعرية الثرية بالمنجزات وعن تجربته في السفر وما استخلصها من علاقة حميمة بين السفر والشعر ولقاء الشعراء، وأسترسل بإسهاب عن تلك التجربة، ولأهمية ما ذُكرَ فيها من كلام صادق وحقيقي نابع عن تجربة فعلية عاشها شاعرنا الكبير بكل أيامها ولياليها، يسرني إقتباس البعض من فقرات مقالته هذه حيث قال :

(تعد تجربة السفر من أهم العلامات البارزة التي يمكن أن تشكل محورا أساسيا ومقاربة دائمة التحقق في مجمل نتاجي الأدبي، وليس الشعري فحسب، فأكثر من نصف كتبي نُشر في عمان ودمشق والخرطوم والقاهرة، اضافة الى بغداد والموصل، ونَشرتُ أكثر نتاجي في الصحف والمجلات العربية، وكُتِب عني خارج العراق أضعاف ما كُتب داخل العراق .

كان أول عهدي بالسفر أواسط الستينات من القرن العشرين، حينما التحقت بقسم اللغة العربية، كلية التربية بجامعة بغداد، كانت بغداد حينها واحة للإبداع والمهرجانات الثقافية الجامعية والقطرية والعربية، ومركزا للمقاهي الأدبية المعروفة، واصدارات الملاحق الأدبية والكتب الجديدة، كان الشعر والأدب والكتابة والثقافة والفنون زاد ايامنا في الجامعة، وكانت سنوات بغداد بمثابة أعوام التأسيس الأولى لي، ومعرفة الطريق التي سأسلكها، وأي الإنحيازات الفنية التي تتلاءم مع تطلعاتي الشعرية التي كانت قد حسمت باتجاه الشعر الحديث .

وأنا في الجامعة توفرت لي سفرة طلابية في العطلة الربيعية الى الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان وكان لها تأثير كبير فيَّ، وشكلت خزينا مُهِما استفدت منه في عدد من قصائدي اللاحقة، وبعد سنوات طويلة خاصة ما يتعلق بدمشق وبالقدس وفلسطين التي ضاعت بعد ذلك بستة أشهر وما تزال .

واسترسل قائلًا : في أوائل السبعينات أتجهنا شمالا الى انقره واستانبول ومررنا بالاسكندرونة، وقد توهجت القصيدة هنا بالبعد القومي التحرري العروبي، ثم كانت رحلة مصر التاريخية مع الشاعر معد الجبوري في عام (1974)، وكانت رحلة هامة جدا في مسيرة حياتي الثقافية والشعرية، فبالاضافة الى الإطلاع على حضارة هذا البلد العريق، التقينا خلال الزيارة بشخصيات أدبية وشعرية رفيعة كنا قد تعرفنا على بعضها في الموصل أبان مهرجان ابي تمام عام (1971)، ومنها من تعرفنا عليه في هذه الرحلة، كما سجلنا قصائد لإذاعة البرنامج الثاني الثقافي في الإذاعة المصرية . كانت رحلة ثقافية وشعرية بإمتياز ظلت جذرا هاما وصميميا في علاقتي مع الثقافة المصرية طوال الوقت .

وقال ايضًا : كانت عمان باكورة العواصم العربية التي عملت فيها، وكانت رغم محدوديتها في ذلك الوقت، قد وفرت لي المجال الواسع للإتصال بالكتاب الأردنيين والفلسطينيين والعرب، وساهمتُ في العديد من اللقاءات الثقافية والأدبية والفنية، ونشرتُ العديد من القصائد في صحف ومجلات عمان في ذلك الوقت، وبعثتُ بالعديد من الرسائل الثقافية لمجلات عراقية أنقل فيها بعض إنطباعاتي عن الحياة الأدبية والفنية الأردنية والفلسطينية في الأردن، كان نتاجي جيدا تلك الفترة وتعمقت فيه الإهتمامات الوطنية والقومية والعاطفية، وظلت عمّان دائما مركز الحنين الاول، ولم يفتر إشتياقي اليها ابدا .

مهما حاولت أن أحيط بكل تأثيرات تجارب السفر وتداعياته في شعري فإن الكثير سيفوتني، ولكنني حاولت أن أبرز أكثر أهم المشاهد إضاءة ووضوحا، كان السفر هو إكتشاف للمكان المختلف , وللإنسان الآخر، وللتجربة الجديدة وخروج من دائرة الرتابة والإعتياد، وفتح في عوالم الدهشة، ومعرفة الأبعاد الثقافية والإبداعية في فنون وآداب الشعوب الأخرى، خاصة الشعر وكثير من التفاصيل الأخرى التي لا يمكن معرفتها الا بالمعايشة الحية اليومية .

وأضاف : في السفر تعمق عندي الإحساس بالمكان الجديد، وفتح لي فضاءات لم تكن لتصلني لولا السفر، وإكتشاف خصوصياته ومفرداته، وشخوصه وعلاماته المختلفة، كما صرت أكتشف تجارب أخرى لبشر مختلفين، ناهيك عن تجاربي الشخصية، وصارت الأسماء مفاتيح ونوافذ لقصائد جديدة تدخل بالقارئ الى مساحات ربما كانت غير معروفة لديه، أو انني تناولتها بشكل مغاير، كما أزداد إقترابي من عالم المرأة وتأثيث القصيدة بعطرها ونوافذها وآفاقها لكنها ظلت في الغالب رمزا يتخذ من عالمها أفقا ومدارا) .

وقبيل مشارفته على نهاية المقال أعلاه تطرق بأسلوب أدبي بليغ ورائع وجميل، لامس فيه شِغاف القلوب واقشعر البدن واهتزت المشاعر أحترامًا وتقديرًا لما جسدته عباراته الأثيره حين قال (ومن أروع رحلاتي قاطبة، رحلة الحج الى الديار المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، عام (2010)، كان سفرا في ملكوت الله، وإنغمارا في خشوع البشر والكائنات، وهي تلقي كل شيء زائل خارج المشهد المقدس، وخارج الزمان الوقتي، كان الموقف نسيانا للمؤقت وتذكرا للدائم الأزلي، كان ذوبانا في المعنى لا يمكن لأية كلمات أن تتمثله على الإطلاق، وأنا ما زلت أنتظر تلك اللحظة التي أستطيع فيها أن أقترب من هذه التجربة العظيمة شعريا، وانا أُنكِسُ رأسي من هيبة البيت العتيق، أو أن ألصق خدي بجدار الروضة الخضراء ملامسا بوجهي غرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم) .

وختم مقاله أعلاه، بكلمات جعلت الدموع تنساب مسرعةً كونها تُحاكي مشاعر جميع المغتربين والمهجرين ولسان صدقِ كل محبٍ لبلدة ومخلصٍ لأهله، مشاعر نعيشها كل يوم وكل ساعه بصعوباتها وإرهاصاتها وتقلباتها الهوجاء سواء من نزح عن الموصل حديثًا أو من هجرها سالفًا فهي على حد سواء حين قال (في السفر، وتداعياته المستمرة بدا الحزن يتعمق رويدا رويدا، وبدأ رحيل الأيام يشكل عبئا وألما، وتزداد الذكريات والإشتياقات والحسرات، وبدأت القصيدة تدمع أكثر فأكثر، وتواتر فقد الأحبة والأصدقاء شيئا فشيئا، حتى ظهرت ملامح من الوجوم والذهول والنسيان على وجه الشاعر والقصيدة، لكنه من جانب آخر وبإصرار عنيد ظل وجه الرغبة في الحياة مبتهجا، والتجديد في الشعر ممكنا، لمواكبة الجمال الذي يسفحه الأدب والشعر على الأشياء، وديمومة وخلود الكلمة المقدسة العظيمة، والتجربة المعطاءة، وتسطير ما أمكن على قلته في سفر الإبداع وتاريخ المدينة والبلد والأمة .

ورغم السفر المتعدد ظلت مدينة الموصل مركز حياتي، ربما لم يمر يوم لم أتذكرها فيه، بقيت حية خالدة في دمي، وظلت تنبض تحت جلدي دقيقة بدقيقة وساعة بساعة، صار تذكرها سَفرا آخر من نوع جديد، وصارت تتوهج أكثر في شعري وفي كلماتي، وصارت تفسر نفسها بنفسها في خيالي كل يوم بشكل مبتكر، وتمنح لنفسها كل صباح ثوبا من ماء ومطر ومرمر، ربما لولا السفر لكنت ما أدركت عمق هذه المدينة الوالدة، وما عرفت روعة عالمها , فضائها , ودروبها، ونهرها، ومدى شغفي بأصدقائي من أبنائها وبناتها - أنتهى الإقتباس) .

فهو لم تُلهِهِ الظروف ومشاغل الحياة العصيبة وظروف الغربة القاسية أن ينسى أو يتناسى الموصل وأهلها فيما حل بهم عام (2014) وكان وفيًا لها ولترابها ولدجلتها وأهلها، شَدهُ الحنين لها بقساوة المغترب المُوحش لداره ومنطقته وشوارعها وأزقتها فأنعكس ذلك الشوق وتلك اللوعة والحنين على قصائده التي تحاكي ألمه وحزنه على الموصل وأهلها فأنشد عشرات القصائد في هذا الاتجاه قبل معارك التحرير واثناءها وبعدها، وخص الموصل بقصيدة عنوانها (تنهضُ الموصل من رمادها) متكونة من مقطعين معبرين يكمل أحدهما الآخر نظمها في بداية عمليات التحرير وتم نشرها في مجلة الهلال المصرية والتي قال فيها :

(1)

دِماكِ السّيمِياءُ

تُبَارِكُ الأوقاتَ تصبحُ فضة ً

ذَهبا .

دِماكِ النَّسْغُ

تَخلقُ منْ حجارةِ أرضِنا قمحاً

ومنْ أطيانِها رُطَبا .

دماكِ تشكلُ المعنى الجديدَ

فيصبحُ الصمتُ العطينُ المرُّ

صرخةَ نافثٍ

ويصيرُ ذاكَ الثلجُ فوقَ الحلْقِ

منْ أحزانِنا ,

لهَبا .

(2)

على مُهرِ الدماءِ تحرَّكَ المعنى

وطاقةُ ساعديكِ أحالتِ الجلدَ العتيقَ

إلى صحائفَ منْ زبرجدَ

سطَّرتْ منْ بعدِ ما كانت بكاءً

بهجةَ الثأْرِ الكريمِ

وساحِلا للمجد مأمولا .

دماك ِتُباركُ الآبار تصبحُ كوثرا

ويصير دمعكِ سلسبيلا .

وكفُّكِ كفُ هذا الشعبِ

من أقصى الينابيع التي يحنو عليها العشب

حتى آخر الشطآنِ

منْ دمعِ الشهيدةِ والشهيدِ

يضجُ نبضُ الأمهاتِ

ليصبحَ الجسدُ القتيلُ

مزارِعاً

وشواطئاً

ونَخيلا) .

وبعد، فقد أخترت مقولته كما في الصورة أدناه وهي عبارة عن أبيات شعرية منتقاة من القصيدة أعلاه، أضعها أمامكم سادتي الكرام متمنيًا أن تنال رضاكم وأن تأخذ صداها كشهادة وحكمة ومقولة صادرة من رجل مثقف وأستاذ متميز وشاعر قدير يُكِنُ كل المحبة لوطنه العراق وشعبه ولمدينة الموصل وأهلها، والتي أراها لسان حال كل المحبين للموصل وأهلها والبارين بها صدقًا في القول والعمل، فهي شهادة تاريخية و وصف بليغ ومناسب لكل الظلم الذي وقع على الموصل الحدباء وشهادة رصينة بحق أهلها فيما عاشوه طيلة تلك الفترة المظلمة من تاريخها وما سبقها فهي شهادة ناطقة بالحق عن الإندفاع الكبير لأهالي الموصل في العمل المتسارع من أجل لملمة الجراحات وطي الصفحة المظلمة من حياتهم وشق طريق المستقبل بكل عزيمة وإصرار وتحدٍ متطلعين إلى غدٍ مشرق يكونُ بمثابة العنوان العريض للوفاء لجميع شهداء الموصل وضحاياها الأبرياء من مدنيين وعسكريين، فذلك وحده هو البسلم الذي نواجه به ما خَلفتهُ تلك الفترة المظلمة من آلام وجروح ومصائب ودمار، وتقبلوا وافر الإحترام والتقدير .

 

حسن ميسر صالح الأمين

..................

والمقولة هي:

.. من دمعِ الشهيدةِ والشهيدِ

يضجُ نبضُ الأمهاتِ

ليصبح الجسدُ القتيلُ

مزارِعًا وشواطئًا ونخيلا .

 الشاعر الأستاذ

امجد محمد سعيد

 

 

latif oqayliيقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلِّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكون للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف.

للطُفُولةِ بجمالِها الأخاذ وَسحرها الشجيّ المُتشرِّب بعذوبةِ البراءةِ وَصفاء القلوب وَرقتها، وَالَّذِي يجعل مِنْ نقاوةِ أيامها فضاءٍ وردي، يعيش الإنسان بهجته بِلَا خوف مِن المجهول، وَمِنْ دُونِ التفكير بِمَا قد يُمليه المُسْتَقْبَل مِنْ التزامات، فضلاً عَما يحتمل مِنْ عناءِ القادم مِن الأيامِ أو مَا يخبّئه لَه الغد مِنْ مفاجآت؛ إذ تُعَدّ الطُفُولة بوصفِها حديقةٌ غناء تحيط بِهَا حقول المودة مِنْ كُلِّ جانب، وَتحفها أشكال متباينة مِن الزهورِ الَّتِي تزخرف الأفق وتشع بمخمليةِ بريقِ ألوانِها، فتغدو العفوية المطلقة علامتها الفارقة، وَلا يفوح مِنْها غير رائحة البراءة الجميلة.

المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ ابنَ المدينةَ الَّتِي قدر لها اختطاف انتباه الناس بأغنيةٍ فولكلورية بدلاً مِنْ لفتِ الأنظار بأناقةِ إطلالةٍ مُعبرةٍ عَنْ اهتمامٍ بالغٍ مِنْ لدنِ الحُكُومات المتعاقبة، لَمْ يعش ذلك العَالم المدهش - الَّذِي لا يفكرُ فِيه المرء وَلَا يقلق مِنْ شيء - بعيداً عَنْ أزقةِ أحياء المعوزين؛ إذ أَنَّ طُفُولتَه لا تختلف عَنْ طُفُولةِ أيِّ طفلٍ فقيرٍ لَمْ يعرف للدُمى سبيلاً وَلَا للرفاهيةِ معنى؛ فالسَماوي يحيى لَمْ يعش طُفُولته كَمَا يفترضُ أنْ تُعاش؛ لأَنَّ الأَمْرٌ المُسَلَّمٌ بِهِ هو أنّ الفقراءَ لا طُفُولة لهم؛ إذ غالباً يبدؤون الشيخوخة مَعَ بدءِ الصبا وَالفتوة وَهم يرون أترابهم أبناء الأغنياء يركبون الدراجات الهوائية، ويلبسون الجديد مِن الثياب، فضلاً عَنْ البنطلوناتِ والقمصان الفَارِهَة، وحقائبهم المدرسية - الَّتِي يتضايقون مِنْ حملِها - مليئة بأصنافِ الحلوى، إلى جانبِ مَا لَذَ مِن المعجناتِ ومَا طابَ طَعمهُ مِن الفواكه، بخلافِ أبناء الفقراء وَالمعوزين الَّذين لا يحملونَ مَعَهم فِي الأكياسِ النسيجية - الَّتِي تصنعها أمهاتهم أو جداتهم كحقيبةٍ مدرسية -غير قطعة خبز أو قليلاً مِن البَلَحِ الرخيص يوم كان النَخِيْل يشع بخضرته الزاهية عَلَى أَرْضِ العراق، وَعذوق البلح تعانقُ حتى قصاره.

بُعْدي عَن المعشوقِ شلّ صَوابي

وَأذابَ دَمعُ الشوقِ مِلـــحَ شبابي

تاهَ الخيــــــــــالُ بِنَا فَمَدَّ بساطه

حقلَيـــــــنِ مِنْ قُبَلٍ وَمِنْ أعنابِ

لولا اغترابُ النخـلِ عَنْ بستانِهِ

مَا كـان مذبوحَ السطورِ كِتــابي

وَهَبَتْكَ باديـــةُ السَماوةِ صبرَها

ووهَبْتَـها عشقَ الدُّجـى لِشهابِ 

لَعَلَّنا لا نبعدُ عَنْ الواقعِ أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ الأطفالَ فِي المجتمعاتِ الفقيرة، ينتظرون عَلَى الدوامِ قدوم العيد بلهفةٍ وَشوقٍ كبيرين مِنْ أجلِ لبسِ (دشداشة) جديدةٍ أو الحصول عَلَى قميصٍ جديد، بالإضافةِ إلى (العيديةِ) الَّتِي سيحظون بها مِنْ أهلِهم وَأقاربهم، وَهو الأمر الَّذِي يجعل أياً مِنْهم لَا ينفك عَنْ السؤالِ حَوْلَ مَا تبقى مِنْ أيامٍ لحلولِ يوم العيد، وَالَّذِي يدخل الفرحة إلى قلوبِهم النقيةِ الخاليةِ مِنْ همومِ الحياةِ وَمشاغلها، فتبدو عليهم مظاهر السعادة الغامرة عند حلوله. وَأدهَى مِنْ ذلك أَنَّ إجابةَ الأهل غالباً مَا تكون متوافقة مَعَ براءةِ الأطفال؛ إذ تقوم عَلَى محاولةِ إقناعهم بأَنَّ العيدَ يسيرُ فِي الطريقِ وَهو قريب الوصول، وَقد تكون وجاهة ركونِ الكبار لهَذَا المنحى قائمة عَلَى مقاصدٍ إنسانيةٍ تَسعى لتقريبِ معنى العيد ليكون قريباً مِنْ مخيلةِ الصغار، وَالَّذين مَا برحت الآمال بقدومِ الزائر المنتظر؛ ليغمر أيام قليلة بنشوةِ البهجة والهناء.

أيها العابرُ : لحظةً من فضلك ..

هلا التـَقـَطـْتَ لي صورة تذكاريةً مع الهواء؟

وثانيةً مع نفسي؟

وثالثةً جماعيةً

مع الحزن والوحشةِ

وأمي النائمة في قلبي؟   

المذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ الطينَ الَّذِي كان يمثلُ - آنذاك - مادة السَمَاوي الرئيسة وَالوحيدة المتاحة لتَشكيلِ الخيول والصبيان والصبيّات، كانت أمه - رحمها الله - تحذّره منه؛ خوفاً مِنْها عَلَى نظافةِ ثيابه لا عَلَى يديِّه الناعمتين، بالإضافةِ إلى أَنَّ ضيقَ الزقاق الَّذِي يقطن فِي أحدِ منازلِه، لَمْ يكن يسمح له ولأصدقائِه اللعب بكرةِ القماش الَّتِي تفنن فِي صنعها مِنْ زوائدِ أقمشةٍ جَهَدَ فِي جمعِها مِنْ سوقِ الخيّاطين القريب مِنْ بيته بعد أنْ قامَ بربطِ مَا تَجَمع لديه مِنْ بقايا الأقمشة إلى بعضِها بإحكام؛ لأجلِ اعتمادها بديلاً عَنْ كرةِ القدم الحقيقية، مَعَ العرضِ أَنَّ أطفالَ الجيل الحالي - الَّذين أصبحوا أسارى التِقنيات الحديثة - لَمْ يتسن لهم مُحاكاة البراءة بألعابٍ قديمة عَفَا عَنْهَا الزَمَن، كالتمتع برؤيةِ كرة - أبعادها غير قياسية وَمحيطها غير متجانس - مصنوعة مِنْ لفافاتِ القماش وبقايا الألبسة القماشية، وَهي تتطاير بضع أمتار فِي الهواء، قبل أنْ تعودَ إلى الأَرْضِ لِتَجدَ بانتظارِها أقداما غضةٍ لمجموعةٍ مِنْ صبيةِ حفاة، وَالَّذين سرعان مَا يشرعون فِي التسابقِ بقصدِ الاستحواذ عَلَيها تمهيداً لركلِها ببهجةٍ وسرورٍ بمعيةِ القهقهات الَّتِي تملأ الأفواه تعبيراً عَنْ لغةِ المرح البريئة الَّتِي تكاد أنْ تكون بمثابةِ قناديلِ سعادةٍ تضيء أروقةِ مَا تواضع مِنْ أمكنةِ المحلاتِ الشعبية فِي مدنِنا، بالإضافة إلى مُساهمتها فِي تَنميةِ روحِ الجماعة.

لعلَّ مِن المناسبِ اليوم، وَنحنُ فِي غمرةِ تلك الذكريات الَّتِي انطوى صدى بعضها فِي عالمِ النسيان، أنْ نُشيرَ إلى أَنَّ السَمَاويَ مَا عرف الرفاهية فِي حياته، إلا حين سافر أبوه - طيب الله ثراه - إلى الكويتِ أملاً فِي الحصولِ عَلَى عملٍ يدرً عَلَيه ربحاً أكثر ممَا كان يحصل عَلَيه مِنْ مهنةِ البقالةِ فِي السماوة؛ بغية تحسين معيشة عائلته، غَيْرَ أَنَّ والده عادَ إلى مدينتِه بعد شهور قليلة مِنْ رحلتِه مكتفياً ببضعِ عشراتٍ مِن الدنانير، فضلاً عَنْ حقيبةٍ محشوةٍ بملابسٍ متواضعة وحاجيات أخرى مِنْ بَينِها صندوق مصنوع مِن الورقِ المقوّى السميك. والمتوجب إدراكه هُنَا هو أَنَّ المخرجاتَ الَّتِي أفرزهَا تتابع تلك اللحظات كانت كافية لإحساسِ السَمَاويّ بطعمِ الرفاهية لأولِ مرةٍ؛ إذ حين بدأ والده بفتحِ ذلك الصندوق - الَّذِي لا أعتقد أَنَّ بوسعَ مَا تعرض لَه المتيم بحبِ نخيل السماوة مِنْ صعوبات فِي حياته القدرة عَلَى إزاحته مِنْ ذاكرِته - كانت تظهر أجزاءً معدنية بدت لَه غريبة أول الأمر. وبعد أنْ قام بتركيب تلك الأشياء وَشدّ بعضها الى بعض، أصابه الذهول حين تحولت تلك المواد الى دراجةٍ بثلاثِ عجلات، وأخذ يقفز فرحاً؛ ليقينه أَنَّ أبَاه اشتراها لَه لكونه أكبر أشقائه وشقيقاته.

لأَنَّ وقتَ تركيب أجزاء الدراجة الصغيرة كان ليلاً، فضلاً عَنْ كونِ غرفة العائلة في بيتِ جده لأمِه - رحمهما الله - لا تتسع لركوبِ الدراجة، بقي يحيى ينتظر بزوغ فجر يوم جديد بفارغِ الصبر، وَلعلَّ قساوة صبر تلك الليلة - الَّتِي لا يمكن لفواجعِ السجون واغتراب المنافي أنْ يمحوَاها مِنْ ذاكرةِ أيامه - قد تناسل ليغدو صرخة وطن بوجه الظلام والاستبداد وَسراق المال العام. وَحين استيقظت الشمس مِنْ نومِهَا بعد طول انتظار، وَبدأ قرصها بالاحمرارِ معانقاً السماء، اضطر الفتى السومَريّ إلى الاستعانةِ بوالدته رحمها الله؛ لأجلِ إنزال دراجته مِنْ حجرتِهم المقامة عَلَى سطحِ المنزل، بَيْدَ أنَّ فرحته الكبيرة بِهَا تحوّلت إلى حالةِ حزنٍ عميق، اتضح مِنْ خلالِ مرارة بكائه بفعلِ عجزه عَنْ قيادةِ دراجته فِي زقاقِهم؛ بالنظرِ لكونِها أعلى مِنْ أنْ تصلَ قدماه إلى دوّاسةِ الحركة، وهو الأمر الَّذِي ألزمه الانتظار عاماً وَرُبَّما أكثر بقليل حتى تطول سيقانه؛ لأجلِ أنْ يتمكّنَ مِنْ قيادتِها والتجوال بها فَرِحاً فِي ذلك الزقَاق، مَعَ العرض أَنَّه كان طيلة عام انتظاره يَتوَسّلُ إلى الله تبارك وَتعالى أنْ يُطيلَ ساقيه شبراً أو نصف شبر كي يستطيع ركوب دراجته.

السَمَاويُّ - الَّذِي يَعدُّ عشق السَمَاوة مِن الإيمان - يعبرُ عَنْ دماثةِ خلقه وتواضعِه الجم وَقلة حديثه عن نفسه أو مفاخرته بشعرِه فِي الإشارةِ أكثر مِنْ مرةٍ إلى وقوعِه تحت سطوة ذات الشعور الَّذِي تلبّسه عندمَا اكتشف أَنَّ ساقَيه أقصر مِنْ أنْ تصلا دوّاسة الحركة بقصد قيادة دراجته؛ لأَنَّ أبجدية نبضه أقصر مِنْ أنْ تصل (دوّاسة أبجديته)، فتقوده إلى جمهوره ليعبر عَنْ مشاعره، بالإضافةِ إلى تأكيده عَلَى أَنَّ طفلَ الأمس البعيد، كبر وأصبح رجلاً جاوز الستين منذ سنين، إلا أَنَّ قلبَه مَا يَزال طفلاً، وَالأطفال يبكون أحياناً مِنْ شدةِ الفرح، فلا عجب لو بكى قلبه فرحاً.

حين أزور أمي

سأنثر على قبرها قمحا كثيرا ..

أمي تحب العصافير ..

كل فجرٍ :

تستيقظ على سـقسـقاتها ..

ومن ماء وضوئها : كانت أمي

تملأ الإناء الفخاريَّ تحت نخلة البيت

وتنثر قمحا وذرة صفراء

 

لَطيف عَبد سالم

 

 

hasan maysiralaminمفخرة عراقية أصيلة، وسيرةٌ وضَّاءَة لعالمٍ موصّليٍ عامل، حَباهُ الله بالوفير من العلم والغزير من الفضائل، خلقه الرفيع وتواضعه الكبير وإعتزازه بطلبته وزملائه ومدينته وأهلها وحبه الجم لعمله وإخلاصه وتفانيه في ذلك، كانت هي ميزته الكبرى التي غدت تسبق وصفه في كل محفلٍ وحضورٍ وتقديم، منارة علمية سامقة، وقامة من قامات العراق الشامخة، ورمز موصلي عتيد، فهو قنديل وقّاد ومصباح وهَّاج وشجرة بالحدباء متجذرة وزرعٌ مُبارك في العراق، وثمرٌ وفير أمتد لبلدان وأقطار عربية، فكانت ولا تزال ثمارَ عطائه قطوفاً دانيةً .

حَمل الإخلاص في العلم والعمل فخرج أجيالًا وتعلمت منه أجيال وأقتدت به أجيال وسارت على خطاه أجيال، تبادل الإحترام والتقدير مع الجميع فكسب المحبة والود منهم، ولد على أرضها ونشأ في ربعوها الزكية، وتنشق هواءها العليل، وغرف من دجلتها العذب، فأُشربَ بها حباً ووفاءاً وإخلاصًا .

أحب بكل شغفٍ وهوى (خير الجليس في الزمان) فغواه وأغواه وتعلق به كما يتعلق العاشق بما عشق، فتبادل معه الوفاء واخلص في معرفة ماهيته واسراره ومكنوناته الدفينة، وراح يبحث في أعماق فصوله عبر التاريخ ومختلف الأزمنة، فغدا صرحًا شاهقًا من صروح العزة والكبرياء والعلم والإخلاص، يُشار إليه بالبنان، فكان مفخرة للعراق وشعبه ومجدًا تليدًا للموصل واهلها، إنه الإستشاري في مجال المكتبات ومراكز المعلومات، والأستاذ والمحاضر، والكاتب والمؤلف، الدكتور الفاضل (جاسم محمد جرجيس)، ولد في الموصل عام (1946)، درس في مدارسها في مرحلتي الدراسة الإبتدائية والمتوسطة، وأنتقلت عائلته إلى العاصمة بغداد عام (1962) ليكمل الدراسة الثانوية والجامعية فيها .

حصل على درجة البكالوريوس في آداب اللغة الإنكليزية من كلية التربية بجامعة بغداد عام (1968)، وعمل في باكورة تعينه في التعليم الثانوي، مدرسًا للغة الإنكليزية في ناحية الإسكندرية في محافظة بابل لمدة (4) سنوات .

واصل المشوار حيث قادته الرغبة والطموح والإهتمام بمعرفة المزيد عن الكتاب وليستزيد عنه علمًا، فالتحقق بمعهد الدراسات العليا للمكتبات والتوثيق في جامعة بغداد وحصل على شهادة الدبلوم العالي في (علم المكتبات والتوثيق) عام (1973)، وعمل بعد ذلك في قسم التوثيق والدراسات في وزارة التربية وأنتخب عام (1974) عضوا في الهيئة الإدارية للجمعية العراقية للمكتبات والمعلومات (التي كانت تسمى جمعية أتحاد المكتبيين العراقيين) حتى أواخر عام (1975) .

واصل دراساته العليا وحصل على شهادتي الماجستير عام (1977) ومن ثم الدكتوراه عام (1980) في (علم المكتبات والمعلومات) من جامعة (رتكرز في ولاية نيوجيرسي في الولايات المتحدة الأمريكية)، وكان موضوع رسالته للدكتوراه (تقييم خدمات المعلومات المقدمة من خلال الهاتف في المكتبات الأكاديمية في الولايات المتحدة الأمريكية) وقد نشرت هذه الرسالة فيما بعد في كتاب من قبل دار نشر أمريكية تحت عنوان :

( The Accuracy of telephone reference / Information services in Academic Libraries. Metuchen، N.J. the Scarecrow Press Inc. 1983، 223 P( .

عاد إلى العراق عام (1981) بعد حصوله على شهادة الدكتوراه ليعمل مدرسًا في (قسم المكتبات والمعلومات) في كلية الآداب في الجامعة المستنصرية، وكان له نشاط مميز على الصعيد المهني الوطني والعربي في مجال (المكتبات والمعلومات)، حيث أنتخب عام (1982) ليتولى منصب (رئيس الجمعية العراقية للمكتبات والمعلومات) وشغل هذا المنصب قرابة (14) عامًا،   تمكن وبجهوده الذاتية مع زملائه في الهيئة الإدارية للجمعية من النهوض بقطاع المكتبات والمعلومات في جمهورية العراق عن طريق عقد المؤتمرات والندوات العلمية وتنظيم الدورات التدريبية والمواسم الثقافية في المجالات التي تقع ضمن اهتمامات الجمعية، وابتدأت الجمعية عام (1995) بإصدار (المجلة العراقية للمكتبات والمعلومات) وهي مجلة نصف سنوية متخصصة بهذا المجال، بالإضافة إلى حضورها (الجمعية) العربي الفعال حيث ساهمت من خلال رئيسها بتأسيس (الإتحاد العربي للمكتبات والمعلومات) عام (1986) وأنتخب الدكتور جاسم (أول أمين عام للإتحاد العربي للمكتبات والمعلومات) ولمدة (3) سنوات، فضلًا عن الأنشطة المشتركة التي نظمتها الجمعية بالتعاون مع جمعية (المكتبات الأردنية)، حيث عقدت الجمعيتان العديد من المؤتمرات والندوات العلمية والدورات التدريبية المتخصصة في العراق والأردن .

شغل طيلة حياته الوظيفية، العديد من المهام والمسؤوليات في اختصاصه وتولى المناصب التالية (عميد معهد الوثائقيين العرب - عام 1982) ولمدة عامين، رئيس قسم الوثائق في معهد الإدارة – الرصافة، بغداد عام (1984 - 1983)، ثم (مدير عام مركز التوثيق الإعلامي لدول الخليج العربي التابع لمجلس وزراء الإعلام في دول الخليج العربي عام 1985) ولمدة (5) سنوات - علمًا بأن المركز (منظمة خليجية) تتخذ من بغداد مقرا لها - وتعنى بشؤون التعامل مع المعلومات بالوسائل التقنية والحديثة لتكون أداة فعالة لدعم وإنجاح مشاريع التوثيق والأعلام الأخرى - بقي في المنصب حتى نهاية عام 1990)، ليتولى مهام رئاسة قسم المكتبات والمعلومات في الجامعة المستنصرية مطلع عام (1996)، علمًا أنه ساهم في عام (1988) مع نخبة من المختصين والأكاديميين بتأسيس (كلية المنصور الجامعة) وأصبح (أول رئيس مجلس أمناء) لهذه الكلية التي تمنح شهادة البكالوريوس في إختصاصات (علم الحاسوب، بحوث العمليات، الإدارة الصناعية، العلوم الإدارية والمصرفية، هندسة برمجيات الحاسوب) .

ويجدر الإشارة إلى نشاطه الإعلامي المتميز في مجال إختصاصه بالإضافة إلى ما ذُكر آنفًا، حيث تولى رئاسة تحرير (مجلة التوثيق الإعلامي) التي يصدرها مركز التوثيق الإعلامي لدول الخليج العربي لفترة من عام (1985) إلى عام (1990)، إضافة إلى رئاسته لتحرير النشرة الشهرية الموسومة (إعلام الخليج) التي يصدرها المركز المذكور .

لم يقتصر نشاطه على مجال المكتبات والمعلومات وإنما امتد ليشمل (النشاط المهني العلمي والأكاديمي)، فقد أنتخب في عام (1988) أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للجمعيات العلمية العراقية الذي يضم (أربعين) جمعية علمية متخصصة في مجالات المعرفة المختلفة لمدة (3) سنوات وجُدّد إنتخابه في عام (1991) وأستمر في هذا المنصب حتى عام (1996) .

غادر العراق عام (1996) إلى الجمهورية اليمنية وألتحق بجامعة صنعاء (كلية الآداب - قسم المكتبات وعلم المعلومات)  وتولى رئاسة القسم المذكور حتى نهاية عام (1999)، وأسهم في تأسيس وإصدار أول نشرة علمية متخصصة بعلم (المكتبات والمعلومات) بدولة اليمن والتي تصدر عن قسم المكتبات وعلم المعلومات في جامعة صنعاء وتولى (رئاسة تحريرها) عند تأسيسها في عام (1996)،  ومن نشاطاته الاخرى في دولة اليمن هي قيامه بإلقاء المحاضرات على عدد من الأستاذة في المعاهد والمؤسسات التعليمية والتربوية وعلى عدد من الموظفين في دوائر الدولة على مدى (3) سنوات قضاها في دولة اليمن، والتي نال على لقب الاستاذية فيها عام (1999) من جامعة صنعاء .

كانت وجهته الثانية هي دولة الأمارات العربية المتحدة، ليعمل أمينًا عامًا مساعدًا لمركز (جمعة الماجد للثقافة والتراث) في إمارة دبي عام

(2002 - 1999)، ومن ثم تولى منصب مدير مكتبة (المركز الوطني للوثائق والبحوث) في العاصمة أبو ظبي عام (2003) وحتى عام (2011)، بعدها تولى منصب (عميد كلية الإعلام والإتصال) في الجامعة الأمريكية في دبي عامي (2012 - 2011)، ويعمل حاليا بمنصب رئيس برنامج الدراسات العليا في علم المكتبات والمعلومات في كلية تكنولوجيا المعلومات – الجامعة الامريكية في دبي منذ عام (2012) وحتى الان .

أنتُخب عام (2000) عضوًا في (مجلس أمناء المنظمة العربية للترجمة) ومقرها في بيروت، وهو عضو في جمعية الحفاظ على التراث العمراني في دولة الإمارات العربية المتحدة منذ عام (2006) وحتى الان، وعضو لجنة حرية الوصول الحر للمعلومات وحرية التعبير (Free Access to Information & Freedom of Expression) التابعة للإتحاد الدولي لجمعيات المكتبات ومؤسساتها للفترة من عام (2005 - 2011)، وكذلك عضو لجنة مشروع الشراكة بين مكتبات منطقة الشرق الاوسط والولايات المتحدة الامريكية والتي عقدت اجتماعها الاول في واشنطن عام (2014)، وهو أيضًا رئيس تحرير المجلة العربية للأرشيف والتوثيق والمعلومات التي تصدر عن مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات في تونس منذ عام (2015) وحتى الان .

قام بإلقاء العديد من المحاضرات على عدد من الأستاذة في المعاهد والمؤسسات التعليمية والوظيفية في دولة الإمارات العربية المتحدة منها (القاء محاضرة عن مصادر المعلومات في دورة ( تدوين التراث الشفوي) التي نظمها مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بالتعاون مع مكتب منظمة اليونسكو الإقليمي - دبي عام ‏2000)، (القاء محاضرة عن مراكز البحوث العربية وعصر المعلومات - مركز زايد للتنسيق والمتابعة – ابو ظبي عام 2001)، (القاء محاضرات في موضوع الأرشفة الالكترونية في دورة السكرتارية التنفيذية التي نظمها معهد التنمية الإدارية - دبي عام 2002)، (القاء محاضرة عن برامج تدريس علم المكتبات والمعلومات في دولة الامارات العربية المتحدة ضمن مشاركته في ندوة المكتبات التي نظمتها بلدية ابوظبي عام 2014)، (القاء محاضرة حول (الاتجاهات الحديثة في المكتبات الجامعية) التي نظمتها جامعة الخليج العربي - المنامة، مملكة البحرين  عام 2014)، (القاء محاضرة في ملتقى تطوير اقسام المكتبات والمعلومات في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، في مؤتمر المكتبات الذي نظمته جمعية المكتبات ألأمريكية و معرض الشارقة الدولي للكتاب -  الشارقة عام  2015)، (القاء محاضرة حول (الوعي المعلوماتي) في  ندوة الثقافة والعلوم – دبي عام 2015) .

شارك في إعداد التقرير الخاص بتعزيز  فرص التعاون  بين المكتبات في الشرق الأوسط وأمريكا ضمن مشروع الشراكة بين مكتبات الشرق الاوسط والولايات المتحدة الامريكية، وكذلك إسهامه في إجتماعي اللجنة التي أعدت التقرير للإجتماعين اللذين عقدا في  كل من العاصمة ألأمريكية واشنطن  في نوفمبر عام (2014) ضمن فعاليات (جمعية مكتبيي الشرق ألأوسط) وفي أبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن فعاليات المؤتمر السنوي الحادي والعشرون لجمعية (المكتبات المتخصصة) فرع الخليج العربي عام (2015) .

شارك في عضوية الهيئات الإستشارية للعديد من الدوريات العربية المتخصصة منها (مجلة المكتبات والمعلومات العربية - التي تصدر عن دار المريخ في لندن)، (مجلة رسالة المكتبة - التي تصدرها جمعية المكتبات والمعلومات في الاردن)، (المجلة العربية 3000 - التي تصدر عن النادي العربي للمعلومات في دمشق – سورية)، (مجلة مركز دراسات الخليج العربي في جامعة البصرة – العراق)، (مجلة المركز العربي للبحوث والدراسات في علوم المكتبات والمعلومات - دورية الكترونية تصدر في دمشق – سورية)، (المجلة العربية للأرشيف والتوثيق والمعلومات التي تصدر عن مؤسسة التميمي -  تونس)، (مجلة (ليوا) التي صدرت عن المركز الوطني للوثائق والبحوث في دولة الإمارات العربية المتحدة (الأرشيف الوطني حالياً)، (مجلة اعلم الصادرة عن الإتحاد العربي للمكتبات والمعلومات في الرياض - السعودية) .

قدم العديد من الإستشارات ودراسات الجدوى للعديد من مؤسسات المعلومات العربية والوطنية في كل من العراق ومصر واليمن والإمارات وقطر. وساهم في الإعداد والتنظيم للعشرات من المؤتمرات والنشاطات المتخصصة في مجال المكتبات والمعلومات على المستوى العربي والخليجي والوطني، وشارك بما يزيد عن (100) مؤتمرا وندوة وملتقى دولي وعربي، وساهم كرئيس او عضو في مئات اللجان والإجتماعات العلمية والإدارية والتقييمية في المجال الاكاديمي والإداري خلال عمله في المؤسسات المذكورة في العراق واليمن والامارات .

له من البحوث المنشورة ما يزيد على (70) بحثًا ودراسة، نشرت في الدوريات العربية والعالمية المتخصصة في مجال التوثيق والأرشيف والمكتبات والإعلام والمعلومات والإتصال منها (تقييم الخدمات المكتبية والتوثيقية لمركز التوثيق العلمي العراقي، شبكة المعلومات الإعلامية في دول الخليج العربي، بنوك المعلومات، كشافات الدوريات العربية (دراسة حصرية تقييمية)، دوريات الجامعات العراقية (دراسة تحليلية)، الدوريات الأردنية (دراسة تحليلية)، قطاع المكتبات والمعلومات في اليمن بين تشخيص المشكلات وتوصيف المعالجات، اليمن والأنترنت (دراسة تقييمية) لإستخدامات الإنترنت ومجالات الإفادة منها في اليمن، إستخدامات أعضاء هيئة التدريس في الجامعات اليمنية لشبكة الأنترنت، وتقنيات المعلومات والإتصالات وتأثيرها في مجتمع دولة الأمارات العربية المتحدة .

قام بتأليف وإصدار ما يزيد عن (23) كتاب باللغتين (العربية والإنكليزية) منها ( التربية والتعليم - ببليوغرافية مختارة، بغداد - عام 1973)، (دقة الإجابات على الأسئلة المرجعية المقدمة  من خلال الهاتف في  أقسام المراجع والمعلومات في بعض مكتبات الكليات في الشمال الشرقي من الولايات المتحدة ألأمريكية. رسالة دكتوراه، جامعة رتكرز عام 1981)، (الاعلام والصحافة - ببليوغرافية مختارة، بغداد - مركز التوثيق الاعلامي لدول الخليج العربي عام 1983)، (دقة الخدمات المرجعية  والمعلوماتية المقدمة من خلال الهاتف في المكتبات ألأكاديمية - ولاية نيو جرسي - سكيركرو برس عام 1983)، (المراجع والخدمة المرجعية في مراكز التوثيق والمعلومات -  بغداد، مركز التوثيق الاعلامي لدول الخليج العربي عام 1985)، (احداث السنين في التقويمين الهجري والميلادي - بغداد، مركز التوثيق الاعلامي لدول الخليج العربي عام 1988)، (احاديث حضرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن حمد ال ثاني أمير دولة قطر - بغداد، مركز التوثيق الاعلامي لدول الخليج العربي عام 1989)، (بنوك المعلومات - بغداد، دار الشؤون الثقافية عام 1989)، (الحرب العراقية الايرانية في مصادر المعلومات العربية والاجنبية (1988 - 1980 ) - بغداد، مركز التوثيق الاعلامي لدول الخليج العربي عام 1989)، (الكشاف التحليلي لمجلة الاقلام (1989 -1964) - بغداد، دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة والاعلام، عام 1990)، (علوم الاعلام والاتصال - بغداد، مركز التوثيق الاعلامي لدول الخليج العربي عام 1990)،

(Development of Library and Information services in Iraq in " Library and Information services in developing countries: A Festschrift for Anis Khurshid " edited by Mumtaz A. Anwar. Lahore، Library and Information Management Academy، 1993 )

 (المعلومات في مجال الإعلام والإتصال الجماهيري - الكويت، شركة المكتبات الكويتية عام (1989) وأعيد طبعه في الاسكندرية - مصر، مركز الاسكندرية للوسائط الثقافية والمكتبات عام 1998)، (مصادر المعلومات ألأجنبية - جامعة صنعاء، اليمن عام 1998)، (مقدمة في علم المكتبات والمعلومات. صنعاء - اليمن، دار الفكر المعاصر عام 1999)، (اليمن وعصر المعلومات - دراسات في الاتجاهات الحديثة للمعلوماتية نحو القرن الحادي والعشرين – صنعاء - اليمن، مركز عبادي للدراسات والنشر عام 1999)،(الببليوغرافية الوطنية اليمنية - صنعاء، اليمن، الهيئة العامة للكتاب عام 1999)، (سيكولوجية القراءة – صنعاء - اليمن، مركز عبادي للدراسات والنشر عام  1999)، (ألإنكليزية لطلبة علم المكتبات والمعلومات - صنعاء، اليمن، مركز عبادي للدراسات والنشر عام 1999)، (واقع صناعة تكنولوجيا المعلومات في امارة دبي - فصل في كتاب (المعلوماتية في الوطن العربي .. الواقع والآفاق) - عمان - الاردن، المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2002)، (قطاع المعلومات في الوطن العربي (محاولة في تشخيص المشكلات وتوصيف المعالجات) - دمشق - سورية، دار الفكر عام 2002)، (أساسيات علم المكتبات والمعلومات - الإسكندرية - مصر، مركز الإسكندرية للوسائط الثقافية والمكتبات عام 2008)، (الطريق الى مجتمع المعرفة، قطاع المكتبات والمعلومات في الوطن العربي - دراسات استشرافية في المنجز والمأمول - دمشق - سورية، دار الفكر عام 2014) .

حيث نشرت مؤلفاته وإصداراته من قبل دور نشر علمية ومتخصصة في عددٍ من البلدان (الولايات المتحدة الأمريكية، مصر، لبنان، اليمن، الكويت، العراق، سوريا) .

أشرف الدكتور جاسم على ما يزيد عن (30) رسالة جامعية لنيل شهادات الماجستير والدكتوراه  في كل من جامعات (المستنصرية في بغداد، جامعة صنعاء في اليمن، جامعة المنوفية في مصر، وفي الجامعة الأميركية في الإمارات) وقدم العديد من الإستشارات لمؤسسات المعلومات في كل من (العراق، اليمن، الأمارات )، كما شارك في اعمال أكثر من (100) مؤتمرًا علميًا على المستوى الوطني والعربي والدولي في مجالات المعلومات والإعلام والاتصال والمكتبات والأرشيف، وساهم في التخطيط والتنفيذ للعديد من الدورات التدريبية في مجال المعلومات في العديد من البلدان العربية.

حصل على العشرات من كتب الشكر والتقدير من الوزارات والمؤسسات والإتحادات والجمعيات المهنية الوطنية والعربية في كل من (العراق واليمن والإمارات العربية وتونس ومصر) على جهوده العلمية والمهنية .

تم اصدار الكتاب التقديري الذي اصدرته مؤسسة التميمي في تونس والموسوم (تحية إعتراف وتقدير للأستاذ الدكتور جاسم محمد جرجيس) ويقع الكتاب بمجلدين وباللغات (العربية والإنكليزية والفرنسية) وساهم في الكتاب (44) باحثاٌ من العرب والأجانب والذي صدر في عام (2012) .

حصل على درع الإتحاد العربي للمكتبات والمعلومات في عام (2011) بإعتباره من المؤسسين للإتحاد وأول امين عام له .

تم اصدار كتاب تقديري بعنوان (الاستاذ الدكتور جاسم محمد جرجيس في عيون زملائه وطلبته)، ساهم في الكتاب (18) كاتبًا وباحثًا - صدر الكتاب عن الدار العربية للموسوعات في بيروت عام (2015).

قال عنه الدكتور (احمد عبد الله الحسّو) في مقال نشره عام (2014)، ويسرني إقتطاف بعض من فقراته حين قال ما نصه ( تساءلت مع نفسي : اي شيء هذا الذي جعلني لا افارق الصورة الحية لمجموعة من اصدقائي عبر سِنِيِّ حياتي في المهجر والتي تزيد على ربع قرن .. كانوا معي اصطحبهم واتحدث اليهم، واستعيد كلماتهم دون ان ابحث عن جواب لتساؤل كهذا، فهم في ذاكرتي، مَثَلُهُم مثل السنفونية الجميلة التي تأسر من يحبها، فهي معه حتى ولو لم يسمعها، وهي معه وهو يستأنس بألحانها، بيد انني اليوم (2014) وقد عصفت دنيانا بنا، واختلط حابلها بنابلها، أجدني بحاجة الى ان اتحدث عن هؤلاء الاصدقاء، وعن السر في انهم احتلوا مكانة جميلة سمحة رائقة في نفسي، ترسيخا لتلك القيم التي يحملونها، فلعلها تكون مثلا يحتذى ودافعا لاستكمال التجربة والعطاء ... ذلكم ما غمرني وانا استعيد شريط  ذكرياتي مع صديقي  الاثير، الاستاذ الدكتور جاسم محمد جرجيس، استاذ علم  المكتبات والمعلومات الذي تعرفت عليه قبل نصف قرن - وعلى وجه التحديد  في  نوفمبر من  سنة (1975)، لقد شدني الى الاستاذ الجرجيس روحه العفوية السمحة وابتسامته التي لا تكاد تفارقه، وهما صفتان انعكستا على اسلوبه في العمل  ومنهجه في ايصال افكاره ورؤاه)، وكذلك ما ذكرته الدكتورة (اروى عيسى الياسري) وكانت ممن درس عليه، عن اول محاضرة لها معه، حين قالت (عندما بدأت المحاضرة الاولى ... واخذ كل منا مكانه داخل القاعة دخل علينا الدكتور جاسم محمد جرجيس بقامته الممشوقة وملامحه الباسمة واخذ مكانه  في قاعة الدرس، عَرَّفَنَا بنفسه وكان ينادينا (اخوتي ).. بعثت فينا هذه الكلمة مشاعر لم نألفها سابقا اذ كان اساتذتنا ينادوننا (ابنائي) .. ان تكون ابنا عليك ان تسمع اكثر مما تناقش وان تقبل رأي الاكبر سنا حتى ولو لم تكن متفقا معه لكن ان يناديك استاذك (اخي) هذا يعني انك قادر على المناقشة وابداء الرأي حتى لو كان مخالفا .. وفعلا شجعنا الدكتور جاسم على ابداء آرائنا ودعمها بالحجج والبراهين ..وقد كان لمنهجه الذي علمنا اياه دور كبير في حياتنا الدراسية والمهنية لاحقا .. اشعر بالفخر اني تتلمذت على يده ولازلت اتعلم منه وحتى هذه اللحظة لايزال يستقبلنا برحابة صدره المعهودة .. اذ لم يبخل علينا بالنصيحة والتوجيه المبني على تحفيزنا واستثارة ما يَكْمُنُ داخلنا من طاقة )، وهو ذات الانطباع الذي حملته كلمات الدكتور (عمر جرادات) رئيس جمعية المكتبات والمعلومات الأردنية متحدثا عن ذكرياته، ايام دراسته عليه حيث قال (كان يتعامل مع الطلبة بدرجة عالية من الأدب، وكان يتمتع بشخصيته خفيفة الظل، والتي تفرض علينا أن نقترب منه، ويعود ذلك إلى أنه كان السبّاق في الابتسامة والتلطف بالكلام الجميل والثناء، ذلك عدا تشجيعه المستمر لنا في الدراسة، وتكوين العلاقات الاجتماعية، وقد كنت أذهب إلى مكتبه وأجلس معه طويلاً، ويحفزني ويشجعني على الدراسة، وإكمال الدراسة وتكوين علاقات مميزة مع الزملاء والزميلات)، اما الدكتوره (فـائـزة أديب البياتي) وكانت ممن درس عليه ايضا -  فقد تحدثت عنه بشغف وتقدير فقالت (أستاذي الفاضل ومعلمي الذي ألهمني طريق الصبر والمثابرة لرسم طريق المستقبل والحياة، واجتياز الصعاب وتحمّل المشاق لبناء الأنسان المتكامل الذي يستطيع ان يواكب التطور ويعشق الحياة)، ورسمت (فاطمة أحمد حميد السامرائي) صورة دقيقة لأجواء محاضراته فقالت (كان الأستاذَ اللطيفَ وصاحبَ النكتة والطرفة، الذي يضيف لجَوِّ المحاضرات راحة كبيرة مع قدرة على ضبط القاعة، والالتزام والاحترام  المتبادل، والتواضع الكبير والقدرة الهائلة على التعايش مع الطلاب، وعلى تحفيزهم وإثراء الموضوع بما لديه من  اطلاع واسع على أحوال المكتبات)، وختم الدكتور الحسو مقاله بالقول، لا اجد ما اختتم به حديثي هذا اجمل من كلمات الاستاذ الدكتور (شوقي سالم)، حين قال (سأتحدث عن جاسم جرجيس الإنسان النادر، الذى تحس بوجودك معه أنك في أمان وهدوء ورحابة لا نهائية ... يشعرك بالسعادة ويغمرك بالعطف، ويحتويك بالفهم وتقبل الآخر، لا يكن ضغينة لأحد بل هو دائماً البلسم الرطب لكل حالات العنف والإختلاف العربي والهوجاء العاطفية بين الجنسيات العربية المختلفة، وفى وسط كل هذا تجده هادئاً، مبتسماً، مصلحاً، يشعرك بالهدوء ويجبرك على الإنصات والإبتسام، والرغبة في احتضان عقل هذا الرجل البسيط الناضج، المعلم والمرشد دوماً ... تشم فيه بلسم العراق، وريح الموصل، وأصالة كردستان، وملاحة البصرة، هو شامل للعراق بجغرافيته وتاريخه، بحضارته وثقافته، بإرهاصاته الفكرية والسياسية، حقا : جاسم جرجيس نموذج يحتذي من الأجيال العربية القادمة في مهنة المكتبات) وما ذلك عنه بغريب فهو ابن الموصل  التي غرست  في ابنائها - بحكم مدلول اسمها النابع من رَحِمِ حضارة عريقة -  ان يتواصلوا مع كل محيط نقي في ارض الله التي نرجو لها ان تنعم، معرفةً وسلماً  وتقدماً - (انتهى الإقتباس) .

وعطفًا على ما ذكر من شهادات وإستكمالًا لما قيل بحق الدكتور الفاضل، كان حقًا لنا وعلينا ان يٌذكر اسمه كعلمٍ من أعلام الموصل الحدباء ومعلمًا من معالمها الشامخات في سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها والتي ننشرها تباعًا، وهو الذي أخلص لها ايما إخلاص ونعتها بأفضل النعوت وتلذذ بذكرياتها وإعتاش على ماضيه فيها، ويستذوق حلو إسمها ويستنطق طيب ذكرها في أي محفل او حضور على الدوام، فهي (الموصل) لم تسقط من فيه رغم البعد والغربة لسنين طوال ولم يتنكر لها أو يتجنب الحديث عنها فكان لها ولأهلها الأبن الوفي البار، تابع احداث العراق أول بأول وحمل هموم أهله هناك فيما حل بهم بعد أحداث عام (2003) وما تلاه، وتابع بكل حزن وأسى ما جرى للموصل وأهلها عام (2014) من ظلم وحيف وقع عليهم بعد دخول الدواعش الأنجاس وما أعقب ذلك من أحداث قتل وتهجير قسري وتهديد وفرض قوانين صارمة ومنع الإتصالات والتشديد على معيشة المواطن الموصلي وغيرها، وتابع عن كثب وبكل حرصٍ وترقب العمليات العسكرية لتحريرها وإعادتها لحضن الوطن الغالي، وما رافقها من إستشهاد المدنيين وفقدان المواطنين وتدمير ونزوج طال المدينة القديمة بشكل خاص وكبير، وفرِحَ لتحرير الموصل وخلاصها من الدواعش الأنجاس وعبر بكلمات معدودات ذات معنى كبير عن تلك الأيام وما حملت حين قال عن مُجمل حقبتها المظلمة وسنواتها الثلاث العجاف ما قاله في مقولته كما في الصورة أدناه وهي عبارة عن فقرة مجتزأة من حوار جرى بيننا على الخاص، انها بحق مقولة عبر فيها قائلها الفاضل عن الكثير مما تعنيه في زماننا العصيب هذا وأحسن الوصف البليغ وأجاد التشبيه للطبيعة الفسيولوجية لأهالي الموصل (العنقاء) حيث شَهِدَ لهم كيف أنهم يبدعون في أحلك الأزمات وتتفجر طاقاتهم اللاهبة من رحم الحاجة والمعاناة فيتولد الإبداع لهم بأبهى صوره، فأعطى الأمل الكبير بمقولته الرائعة التي أراد بها ان نهوض الموصل بسواعد أبنائها البررة هو أمر حتمي عاجلًا أو آجلًا .

أضعها أمامكم سادتي الأفاضل وأتمنى أن تروق لكم وتأخذ استحقاقها في مشاركاتكم وإبداء رأيكم السديد بخصوصها ولتكون مقولةً ثابتة وشهادةً رصينة صدرت من حكيم موصلي ورجل نبيل وعالم رصين يتمتع بقلبٍ يُكنُ كل مشاعر الانتماء والإخلاص والوفاء والشعور الصادق والنبيل على الدوام  ولتكون حكمةً ثابتة وشهادة رصينة ومقولة حق صدرت في زمنٍ جائر ولى مدبرًا ونسال الله ان لا يعود ولا يتكرر، وأود أن أشير إلى أنني في الوقت الذي أشكر فيه عاليًا الشخصيات الكرام من أصحاب المقولات المنشورة أو التي سوف تنشر لاحقًا والذين تزينت صفحتي المتواضعة وهي تحمل أسماءهم وسيرهم البهية وفكرهم النير، وأشكر كذلك جميع السادة المتابعين والمعلقين الكرام وخاصة أولي التفاعل المتميز والحضور المتواصل والمتابعة المستمرة، أود أن اؤكد للجميع ما سبق ان أشرت إليه سابقًا في أكثر من مرة إلى أنني وفي بحر ما أنشر من مقولات عن شخصيات موصلية وعراقية وعربية، إنما اردت بها التأكيد على مقولاتهم وتثبيتها كشهادة للتاريخ بحقهم وإظهارها وتوسعة نشرها والتي أطمح من الجميع التركيز على المقولة واتخاذها عنوانًا عريضًا للنقاش وصب الاهتمام حول مضمونها وإبداء الرأي بصددها أو الإضافة إليها وهذه هي الغاية المرجوة من سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها، شاكرًا تفضلكم ومتمنيًا للجميع دوام التوفيق والسداد، وتقبلوا وافر الإحترام والتقدير .

 

حسن ميسر صالح الأمين

.............................

والمقولة هي :

الموصل كطائر العنقاء عند الفينيقيين كلما تموت تولد من جديد، فما تعرضت له المدينة تحت حكم الدواعش لا مثيل له في التاريخ الحديث وخرجت الموصل  من تلك الأزمة بمساعدة من الجيش العراقي الباسل، ومن المؤكد انها ستنهض من جديد بسواعد ابنائها .

  الاستاذ الدكتور جاسم محمد جرجيس

* لقراءة المقال ومتابعة التعليقات على الفيس بوك على الرابط:

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=10213751090032691&id=1269245661

 

 

ali almirhigحسام محيي الدين الآلوسي، مفكر عراق من تكريت، مواليد 1934.

حاصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة كامبرج بإنجلترا عام 1965.

أطروحته للدكتوراه بعنوان:

The problim of Greation In Islamic Thought.

أي "مشكلة الخلق في الفكر الإسلامي".

عمل تدريسياً وأستاذاً ورئيساً لقسم الفلسفة بجامعة بغداد.

درس في جامعة الكويت وترأس قسم الفلسفة فيها من عام 1974-1978، ودرّس الفلسفة بجامعة بنغازي قبل ذلك في عام 1968. و قد درّس الفلسفة بجامعة صنعاء في اليمن عام 2004.

هو عضو لأغلب الجمعيات الفلسفية العربية، وعضو فرع الفلسفة في المجمع العلمي العراقي، ومستشاراً لكثير من المجلات الفلسفية المحكمة في الوطن العربي.

ترأس في أواخر حياته قسم الدراسات الفلسفية ببيت الحكمة منذ عام 2006 وحتى وفاته عام 2013.

ينحدر من عائلة دينية

 له العديد من المؤلفات الفلسفية المهمة، منها:

- مشكلة الخلق في الفكر الإسلامي 1968.

- من الميثولوجيا إلى الفلسفة، أو بواكير الفلسفة قبل طاليس 1973.

- حوار بين الفلاسفة والمتكلمين 1980.

- الزمان في الفكر الديني والفلسفي 1980.

- دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي 1980.

- الكندي وآراء القدامى والمحدثين 1985.

- التطور والنسبية في الأخلاق 1989.

- الفلسفة والإنسان 1990.

- الفلسفة اليونانية قبل أرسطو 1990.

- حول العقل والعقلانية 2005.

- إبن رشد (دراسة نقدية معاصرة) 2006.

- الفن: البعد الثالث لفهم الإنسان 2008.

- الفلسفة: آفاقها في بناء الإنسان والحضارة 2010.

- في الحرية - مقاربات نظرية وتطبيقية - 2010.

- نقد المناهج المعاصرة لدراسة التراث الفلسفي العربي الإسلامي 2011.

ركز جل كتاباته عن حرية التفكير والرأي، وقد وجد في حرية القول الفلسفي تعبيراً واضحاً عن العمق الحضاري لمتبنيي هذا الرأي، لأن القبول بالقول الفلسفي يحمل في طياته قبولاً للتعددية بوصفها أصل التواصل ومضومنه الحقيقي، فلا فلسفة من دون تعددية تحترم التواصل والإتصال المعرفي بوصفه أُساً وقاعدةً لبناء عقل إنساني تنويري، لا يستبعد الإختلاف الفكري بوصفه تكاملاً لبنيان العقل ولا يُنكر الذاتية في رؤيا الفيلسوف، ولكن ذاتية الفيلسوف هذه وعقلانيته لا تعني إقصاء ذاتية فيلسوف مغاير، وهذه من سمات الفلسفة أي فلسفة يمكن لنا أن نُطلق عليها سمة الموضوعية، لا لإنها موضوعية لذاتها وبذاتها، بل لكونها تمتلك قدراً كبيراً من التواضع لأنها بحث عن الحقيقة وليس إدعاء لإمتلاكها، وفي البحث والتقصي تحفظ وتقدير للرأي الآخر، فلعل في قول المختلف إستكمالاً لرؤية غابت عن الفيلسوف الآخر. وتلك هي الموضوعية في الفلسفة رغم طابعها الذاتي أو الشخصاني.

لذلك هو يرفض ربط الآيديولوجيا بالفلسفة، لأن الأخيرة تصدر عن الحياة الاجتماعية كلها، أم الآيديولوجيا فهي تُعبر عن حاجة ومطامح فئة من الفئات الاجتماعية، كطبقة معينة أو فئة عرقية معينة وهكذا. وهذا يعني أن الآيديولوجيا لها قصدية نابعة عن أو من إرادة الجهة الممثلة لها للتعبير عن مصالحها، بينما تجد الفلسفة تسير وراء بحثها عن الحقيقة. ويبقى مشروع الفيلسوف هو الوصول لرؤية شاملة للكون، وتفسيره تفسيراً عقلياً، وتبقى كل أقواله ورؤاه مجرد إفتراضات قبلة للنقاش، على عكس الآيديولوجيا، فهي دوماً مغلقة.

وضع الآلوسي قواعداً للدرس الفلسفي أهمها:

- لا وجود لمحرم على الفكر الفلسفي، تناولاً وبحثاً وتأملاً ونشراً.

- كل فكر هو نتاج محدد وإنعكاس لوضع قائم، وكل معرفة هي معرفة محدودة في الزمان والمكان والإمكانات المححدودة للإنسان، وليس من حق أحد أن يفرض رؤيته على الآخرين، فلا معصومية لفكر إنساني.

- كل نص خاضع لمقتضيات وجوده زمانياً ومكانياً.

- إن المعرفة الإنسانية معرفة تكاملية، فينبغي علينا أن نبدأ مما إنتهى إليه الآخرون.

- الرأي والرأي المضاد، تكامل وتصحيح لا إلغاء في ولا إقصاء، لأنه جزء أصيل من طبيعة وجود وتكوين العقل البشري الخطاء. لذلك تستلزم هذه القواعد ركون العقل عندنا لتقبل الإختلاف والصدق والتسامح وتقبل الحرية، وجعل الحوار أصلاً في التعايش للوصول للإقناع ورفض الصراع، ومحبة السلام.

كان ناظماً للشعر ومن شعره:

ها أنا والمشيبُ جللَ رأسي

 وفؤادي بحِكمة الدهر عامرُ

 ويقيني يزداد في كل يومٍ

 أننا لُعبةٌ وذا الدهرُ غادرُ

 ولا أُخفيكم سراً أنني لا أهوى الآلوسي شاعراً، وأني فيما كتب من شعرٍ عموديٍ أرى الجواهري له كاره. لأني أهواه مفكرا، و عقلي لا يستهويّ أن يكون الآلوسيُ غير مفكرٍ لا شاعرا.

 

 

khadom almosawi2في جريدة "طريق الشعب" بعنوانها البارز، وبمانشيتها العريض بالحبر الاحمر، برئاسة تحرير الرفيق عبد الرزاق الصافي (ابو مخلص) عضو المكتب السياسي. انغمرت في شؤون السياسة كتابة وتحليلا وعرضا صحفيا، (واظبتُ على كتابة راي وتحليل سياسي على العمود الاول من الصفحة الثانية باستمرار بتوقيع؛ ابو بشير) ولم انقطع عن الادب اهتماما وفعلا، حيث نشرت الشعر والنقد والقراءة الثقافية في الجريدة والصحافة العراقية والعربية المختصة، إلا ان الورشة اليومية، وجدية الاسهام في صحيفة شيوعية تشغل الكاتب، وتضمه الى ماكنة الانتاج الالية، وواجباتها على حساب الزمن، والمهمات والنشاطات الاخرى. وتثير كعادة عربية أو عراقية النشاطات المتميزة "حسد" او "غيرة" بعض من العاملين او المشاركين في العمل الصحفي او الثقافي عموما، ويتجاوز بعض منهم حدوده ومحدوديته في مثل هذا الجانب او الزاوية. ولكن العمل الدؤوب والجدية في الاداء وحتى الحماس في القناعة بما كنت اكلف أو أقوم به، يجعلني لا اعير لها بالا كبيرا، ونلت تقديرا وشكرا من المسؤولين عن العمل، رئاسة وهيئة التحرير، على ما بادرت به أو انتجت عمليا وملموسا لاسيما حين تولي مهمة سكرتير التحرير، عند غيابه سفرا بمهمة او باجازة اعتيادية، خلاف "الناعقين"!.

ساعات العمل مثل دوام الدوائر الحكومية، لكن الكثيرين لم يحسبوا لها او تعاملوا بها، خلاف بعض من توظف شعورا ومسلكا و"نضالا"، ولم يتقاعد في عمله. وقد كانت التضحية والإيثار سيدة الموقف، والالتزام والمسؤولية الجماعية والفردية في كل المجالات، من العمل في لسان الحزب الى الهيئة الحزبية والاجتماعية.

مع وصول لفات/ رزم الاوراق القادمة من وكالات الانباء كانت لقاءات الصباح اليومية تنفيذا للبرامج وتوزيعا للمهمات والتكليفات. اختص ابو خالد بالشؤون الدولية وأنا بالعربية. وكان المرحوم ابو علي يصلنا متأخرا كعادته، تفوح منه رائحة التعب والسهر يسأل عن مهمته ويحمل حصته التي اعدها له ابو خالد ويعود الى خمارته ليرتوي بكسر خماريته، عند بار سينما النصر، وبعد فترة الغداء يعود حاملا تعليقا سياسيا، يثير استغراب غير العارفين به، في قوة سبكه ولغته، مغزاه، وهو في تلك الحالة من السكر والمعاناة والسياسة والشعر والمرأة.

وقبل ان يدخل الزميل "زكور" القسم تكون زقزقة جرس دراجته قد اعلنت وصوله. ويسرع الى طاولته، ليكسر جدية المكتب وحاجز الصمت بفاتحته المعهودة، "أي... اكو الله" ويرددها لكل من يفتح الباب، خاصة من اعضاء "هتج" الذين يرتاح لهم!. وقبل ان يودعنا يترك لنا مساهمته، تعليقا او تحليلا سياسيا لمواضيع ذات اهتمام او لأحداث بارزة، بأسلوبه المتميز، ولغته الهادئة، وخطه الواضح، ويسرع بدراجته للعمل الثاني.

يأتي الزميل عبد الاله من عمله الاول، بعد الغداء، تصحبه حقيبته اليدوية الحافلة بالأوراق والملفات ليسطر ترجمة لما يختاره منها بالتشاور خلال سويعات. ويتعامل مع المواد حسب الاهمية والقيمة، والحدث والإضاءة لها.

في نهاية كل اسبوع يجرد كل قسم في قسيمة تثمين المشاركة في تحرير الصفحة وإنتاجيتها، كنت منتجا ومتفرغا بالكامل، وفي الساعات الأخيرة للعمل قبل العطلة الاسبوعية يبدأ التفكير والتشاور بجدول تنشيط خلالها، وبرنامج او فقرة ترفيه بعيدا عن الجدية المهيمنة، وتكليف من ينفذ ذلك، اذا تم الاتفاق، او ترك الأمر لكل منا ومشاريعه.

اجد كل صباح على طاولتي في القسم وردة جوري بكاس ماء. ولأنها فقط على مكتبي اثارت تعليقات، ولم تسلم من غمزات، ربما من الغيرة، وكنت فرحا بها رغم اني لم اعرف مقدمت(ها) ومراميها، "افتراضا"، حيث كانت تبعث الجمال في غرفة السياسة ورجالها "الخشنين"، ولو السياسة "فن"، ولها ايضا رموزها واشاراتها، والعاقل يفهم!.

ومع الرائحة الزكية للزهرة الصباحية، وهيل الشاي الذي يتسابق فتية طيبون، رفاق شباب، على توزيعه بأوقات معلومة، و"متاعب" الارشيف والإدارة والمطبعة، وغيرها، كانت رائحة النعناع طاغية في اكثر وجبات الغداء، التي كنا نتناولها في حديقة الجريدة الخلفية، التي تعدها الادارة بمشاركة رمزية من المحررين، وبمودة عائلية لأسرة التحرير. (وكانت تساعد بها اضافة الى عملها الاساس في الجريدة المرأة المضحية ام جاسم).

كان عدد من الرفاق المساهمين في تحرير الجريدة من المناضلين المعروفين، وكنت على صلة بهم، وكلما حملوا الى الجريدة موادا للنشر، كنت التقيهم، مرة في داخل مقر الجريدة على عجل، وأخرى خارجها في مقاه قريبة من المبنى، اتذكر باعتزاز الراحل غضبان السعد، ومقالاته او دراساته المطولة، وابو مازن وترجماته الغزيرة، وآخرين لهم الرحمة الواسعة والذكر الطيب.

علقت على الجدار خلف مكتبي رسوما للرسام الفلسطيني الشهيد ناجي العلي، واتذكر أبرزها عن الرجل الذي يسقط عقاله على صدره بعد خروجه من التواليت، وكنت معجبا بهذا الرجل الجريء في كل اعماله، وهو ينشرها في صحف عدة، أبرزها الخليجية، التي كانت ليبرالية اكثر من غيرها، ايام زمان، رغم واقع الحال. وكنت كثيرا ما ادخل في نقاشات حول هذا الرسم مع غير قليل من الزوار او العاملين في الجريدة، وكان ردي انها مهمتنا أن نضع العقال في محله على الراس ببناء وعي جديد وثقافة جديدة وشحن الناس بقوة واقناع بالتغيير والثورة و مستقبل افضل واجمل مما نعيش او نسكت عليه الآن. كان حنظلة الفلسطيني رائدا في قراءة الأوضاع وتطوراتها في الوطن العربي.

الحياة في صحيفة طريق الشعب لم تكن كلها ماكنة عمل اعلامي وسياسي، فهناك لقاءات اجتماعية وعائلية نهاية كل اسبوع، وبداية الشهر، وسفرات القسم والجريدة الجماعية، كلها محطات استراحة، فيها ذكريات ايضا، ولها معان!. من بين تلك السفرات، سفرة الى جزيرة ام الخنازير، على سفينة صغيرة، وكان عريف السفرة والحفل، الزميل الكاتب عبد المنعم الاعسم، (ابو حارث)، وكان يردد جملا محددة، اصبحت محفوظتنا المتداولة حتى بعد تلك السفرة التاريخية. وكانت فرقة (العتابي) الموسيقية، مديرة القسم الفني في كل السفرة وكذلك في الإحتفالات الأخرى.

رغم تقادم الزمن، وتباعد المسافات، مازلت اشم رائحة الوردة والنعناع، وأتخيل صورة الحديقة، والسفرات، ووجوه العاملين في الطريق بمحبة ومودة واعتزاز.. فهل ستعود تلك الايام؟!. التقيت ببعضهم في فصائل الانصار ايامها، وبعدها في المنافي العديدة، لكن في المنافي دروبا كثيرة. منهم من اكمل دراسته وعمل بشهاداته، ومنهم من واصل العمل الصحفي في المؤسسات الاعلامية، وأبرزها الفلسطينية، ايام انفتاحها الإعلامي وانتشارها وتنافسها الفصائلي، وتدرج في درجات الرقي الوظيفي والمالي والعناوين الإدارية أو الإعلامية المؤشر لها، ومنهم من اغرقته المنافي في لجتها وترتيباتها، وتلك سنة الحياة.

كانت طريق الشعب مدرسة، تعلّم فيها كل من دخلها عاملا ومتفرغا في صفحاتها، وعاش متاعب العمل في صحيفة سياسية في ظروف غير سياسية، بمعناها الطبيعي.

 وآخر الأمر لابد من القول ان ما كتبته لمناسبة ملف عن "طريق الشعب" عام 1994، واعيد نشره مع اضافات له، احتفاء ورسالة ذكرى وتذكير في كلمات من دفتر الاحوال، لابد من الاشارة الى ان بعض الاسماء التي وردت رحل عنا وافتقدناه، وهم من المذكورين في الحلقتين: شمران الياسري، هاشم الطعان، خالد السلام، عبد اللطيف الراوي، رشدي العامل، يوسف الصائغ، سعود الناصري، رجاء الزنبوري، حميد بخش، ماجد عبد الرضا، عبد الوهاب طاهر، ناصر عبود، هندال جادر، السياب، الملائكة، ام الجاسم، ومؤخرا صادق البلادي، وربما غيرهم، اعتذر لعدم تذكرهم، خاصة الجنود المجهولين في العمل الإعلامي او الإداري او ما يرتبط بهما من أعمال ليست بسيطة أو سهلة في تلك الايام، وادعو بالرحمة للجميع.

سألت صديقي اذا يتذكر اسما لرفيق رحل ولم اذكره، كعادته أخذ يردد شعرا للامام علي:

تُؤَمِّلُ في الدُّنْيا طويلاً ولا تدري ***   إِذا حَنَّ لَيْلٌ هَلْ تَعْيشُ إلى الفَجْرِ

فكم مِنْ صَحِيْحٍ مَاتَ مِنْ غَير عِلَّةٍ *** وَكَمْ مِنَ عَلِيْلٍ عَاشَ دهرا إلى دَهْرِ

وَكَمْ مِنْ فَتىً يُمْسِي وَيُصْبِحُ آمِنا  ***   وَقَدْ نُسِجَتْ أَكْفَانُهُ وَهْوَ لاَ يَدْرِي

 

كاظم الموسوي

 

 

salim alhasani2بين الكويت والعراق، وبسيارته الخاصة، كان يقوم بدور الرابط بين الشيخ محمد مهدي الآصفي رحمه الله، وبين الشيخ الشهيد حسين معن. وهي مهمة تنظيمية تنطوي على المجازفة بالحياة في كل مرة يجتاز بها الحدود بين البلدين، فما يحمله في سيارته كفيل بأن ينهي حياته بالإعدام، فليس عند نظام صدام حكم أقل من الموت لداعية مجاهد يحمل في سيارته السلاح والأموال، ليوصلها الى الخطوط التنظيمية لحزب الدعوة في العراق.

كما كان يتردد على الشهيد الكبير البطل (موحان معدي) لنفس الغرض من اعمال التنظيم، بما تنطوي عليه من خطورة بالغة.

قبل فترة قصيرة اتصلتُ بالحاج مناحي هاتفياً، وتحدثت معه عن الشهيد موحان (مسؤولي التنظيمي في بداية ارتباطي بحزب الدعوة)، فذكر عبارته الشهيرة حين يرى شيئاً من التردد أو الخوف على وجه أحد، فيخاطبه بلهجة جنوبية جميلة: (ها خويه أخذك الرجيف؟) ويلفظ حرف الجيم على طريقة بعض أهل الجنوب (مثل جيم أهل الشام).

وحدثني الحاج مناحي اليعقوبي، عن عملية كنت قد سمعتها من قبل عن البطل (رابح مرجان) ـ والذي استشهد فيما بعد مع (٤٥) مجاهداً، في وشاية متهم بها حتى الآن عزت الشابندر.

كان الحاج مناحي في إحدى رحلات العبور الخطرة من الكويت الى العراق، وقد حمل أمانة مالية من الشهيد (رابح مرجان) الى والدته في أطراف مدينة الحلة، وكان رفيقه في السيارة التي تحمل رقماً كويتياً السيد حسين بركة الشامي، وأيامها كان الشامي مطارداً من قبل أجهزة الأمن، لكنه ظل يواصل نشاطه الجهادي المسلح في مناطق مختلفة من العراق، وهو معروف بالشجاعة الفائقة، لم يمر عليه الخوف يوماً.

بعد تسليم الأمانة، عادا الى السيارة، فوجداها محاصرة بعناصر الأمن، جلسا في مقعديهما، لكن أحد أفراد الأمن طلب هوياتهما واستفسر منهما عن سبب مجيئهما. يقول الحاج مناحي (أبو علي) أنه رأى السيد حسين الشامي يضع تحت فخذه حربة طويلة، وقد استعد لطعن رجل الأمن حين تستدعي الضرورة، وكان في نفس الوقت يجيب على الأسئلة بهدوء وثقة، ثم انتقل من الهدوء الى لهجة قوية آمرة، بحيث شعر رجل الأمن بالارتباك، فسمح لهما بالمضي في طريقهما.

وكان الحاج مناحي اليعقوبي حفظه الله، يواصل هذه المهمة الخطيرة، بين الكويت والعراق، يسأل الشهيدين الكبيرين (حسين معن، وموحان معدي) عن احتياجات التنظيم والخط الجهادي، ثم يعود الى الكويت ليجري تهيأتها، ثم يتولى ايصالها الى العراق.

وبلغت الشجاعة والبطولة والإخلاص عنده، أنه ذات مرة كان مضطراً الى الاستعانة الى ادخال معدات عسكرية دقيقة، فاصطحب معه زوجته السيدة الفاضلة الكريمة (أم علي)، وقد وضعت المعدات تحت عباءتها، وقال لها ليشد من أزرها ويقوي عزيمتها: (لك في زينب عليها السلام أسوة حسنة).

الحاج مناحي اليعقوبي، نموذج نادر من الرجال، جمع البطولة والشجاعة والكرم والشهامة وحب الناس وعمل الخير. وقد حاولت الدنيا أن تغريه بمختلف مفاتنها، لكنه يسخر منها، يدوس على إغراءاتها، يسحقها بقدمي رجل المبدأ الصادق، ويواصل طريقه.

قليل بحقك الكلام، وبسيطة هذه السطور أيها العزيز الغالي.

 

yahia alsamawi2يقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلِّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكون للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف.

رحلةُ الفتى السَماوي بدأت فِي ثنايا أزقةِ طرف الغربي، الَّذِي تفوحُ مِنْ حيطانِ أغلبِ بيوتِ أزقته - وَالَّتِي رُبَّما جرى بناءُ بعضِها مِما أُتيح مِن الحجارةِ المتهالكة - رائحةُ الفقرِ وَالحرمانِ والجوع، مَا زاد معاناةَ ساكنيها معاناةً أخرى، إلا أَنَّ المنبعثَ مِنْ أريجِ تأريخ تلك المدينة الحالمة، مَا يَزال بوسعِه ملء أنف مَنْ يحاول دخول أروقة تلك المنازل أو مَا تحول مِنْ بيوتها إلى أطلالٍ بعبقِ مَا كان ينبعثُ مِنْ البخورِ أو الحرملِ المشتعل فِي أوعيةٍ معدنية عتيقة أو محارق فخارية مزينة بألوانٍ زاهية، وَالَّذِي اعتادت رباتُ المنازلِ آنذاك عَلَى إيقادِهما أو أحدِهما عند مغيبِ شمسِ كُلِّ يوم؛ سعياً مِنهُنَ للبحثِ عَمَا مِنْ شأنِه إشاعةُ الأملِ بمواصلةِ الحياة، بعد أنْ جُبلنَ عَلَى العيشِ وسطَ دوامةِ الحياة، وَهُنَ يَحمِلْنَ مِنْ جراحِ الزمانِ وآهاته، مَا قد لا يتحمَّلُ أبسطهُ سكانُ اليوم؛ إذ يعتقدُ الكثيرُ مِن الناس - حتى يومنا هَذَا - بفعاليةِ تلك الأبخرةِ فِي طردِ الشياطينِ والأرواحِ الشريرة، وإبعادها الحسدَ وَأثرَ العين، بالإضافةِ إلى مباركتِها المكانَ وَجلبِها البرَكَة.

حديثَ قدميَّ مع الأرصفة

وأنا أتسكعُ فِي بغدادَ

مُتعكِّزاً أضلاعي

حاملاً على ظهري

صُرَّة السماوة؟     

فِيْ رَحمِ تلك المنازل - وَالَّتِي كانت تصاميمها تعكس ملامح العمارة المعتمدة فِي المدينةِ آنذاك، فضلاً عَنْ طبيعةِ العلاقات الاجتماعية السائدة فِيها - بدأ السماوي الحبو وَالركض فِيمَا أُتيح له مِنْ أروقتِها محدودة المساحة، بالإضافةِ إلى (درابينِها) الضيقة الَّتِي لا تمت لتصاميمِ المدنِ الحالية وَمبانيها الخرسانية، إلى جانبِ الشاهقِ مِنْ بناياتها بأيِّ صلة، وَمِنْ طينِها صنعَ أول دمية، وكأنهُ - وَدونمَا قصدٍ أو دراية - يعودُ بالزمنِ إلى عصورٍ غائرة فِي التأريخ؛ ليبلغَ وقتاً مبكرا مِن الألفيةِ الثانية قبل الميلاد؛ سعياً فِي البحثِ عَنْ تأريخِ كتابة الألواح الطينية، متأملاً بزوغ الحضارة السومرية وعَبَق تأريخها الحافل بسجلاتٍ عظيمة؛ إذ توثق عصورها الذهبية الزاهية المليئة بأروعِ منجزات الحضارة العراقية القديمة، بوصفِها أقدم الحضارات الإنسانيَّة المعروفة عَلَى الأَرْض، وَالَّتِي خيل إليه استحالة إستعادة بريقها وَفوحان أَريجها مرة أخرى فِي بلادِه الَّتِي مَا زالت ترزح تحت وطأة الألم وَالمعاناة؛ بفعلِ مَا يحدث مَا بَيْنَ أهلها مِنْ خلافات، وَرؤاهم مِنْ شتات، بالإضافةِ إلى تغليبِ المصالح الشخصية عَلَى مصالحِ البلاد العليا، وَالَّتِي تشهد عليها أوجاع المعوزين فِي وطنِ الغنى وَتعدد الثروات، فضلاً عِنْ دموعِ الإغتراب فِي المنافيِّ البعيدة، فلا يكَادُ يندملُ جرحاً حتى تتفتح جراحات.

دَخَـلـتُـهُ وأنـا مُـنـتـصِـبٌ مـثـل عـلامـةِ تـعـجُّـب ..

تـجَـوَّلـتُ فـيـهِ وأنـا مُـنـحـنـي الـظـهـر مـثـل عـلامـةِ اسـتـفـهـام ..

فـغـادَرْتـُـهُ وأنـا ضـئـيـلٌ كـالـفـارزةِ

خـشـيـةَ أنْ أنـتـهـي فـيـهِ مُـجَـرَّدَ نـقـطـةٍ فـي

صـنـدوقٍ خـشـبـيّ !

ليسَ خافياً أنَّ الحياةَ اليومية لأغلب الأهالي فِي البلاد، كانت تقوم حينئذ عَلَى البساطةِ فِي المعيشةِ والجهد ؛لِغرض الحصولِ عَلَى القُوتِ ، الَّذِي لا يتجاوز - ربما - فِي أحسنِ الأحوالِ  مؤنة نهار واحد، بالإضافةِ إلى تحملِ المرأة أعباء ثقيلة تضاف إلى واجباتِها المَنْزِلِيَّة المعتادة، وَأهمها الحرص عَلَى جلبِ الماء الصالح للشرب مِن الأنهار، مَعَ العرض أَنَّ السقائينَ كانوا - فِي مراحلٍ زمنية سابقة، أو فِي بعضِ مناطقِ البلاد الأخرى - يؤدون هَذِه المهمة بواسطةِ قربهم المحملة عَلَى ظهورِ مطاياهم.     

ليَ الآنَ

سـَبَبٌ آخر يمنعني من خيانةِ وطني :

لحافُ ترابِهِ السـميك

الذي تـَـدَثـَّرَتْ به أمي

في قبرها أمس !

***

وحدُهُ فأسُ الموتِ

يقتلعُ الأشجارَ من جذورها

بضربةٍ واحدة

***

قبل فراقها

كنتُ حيّاً محكوماً بالموتِ ..

بعد فراقها

صرتُ مَـيْتاً محكوماً بالحياة

***

لماذا رحلتِ

قبل أنْ تلديني يا أمي ؟

أما من سلالمَ أخرى غير الموتِ

للصعود نحو الملكوت ؟

***

في أسواق " أديلايد "

وَجَـدَ أصدقائي الطيبون

كل مستلزمات مجلس العزاء :

قماش أسود .. آيات قرآنية للجدران ..

قهوة عربية .. دِلالٌ وفناجين ..

بخورٌ ومِـسْـكٌ ..

باستثناء شيءٍ واحدٍ :

كوبٌ من الدمع ـ حتى ولو بالإيجار

أعيد به الرطوبةَ

إلى طين عينيَّ الموشكتين علىَ الجَـفاف !

***

كيفَ أغفو ؟

سَــوادُ الليلِ يُـذكـِّرُني بعباءتها ..

وبياض النهارِ يـُذكـِّرني بالكفن ..

يا للحياة من تابوتٍ مفتوح !

أحياناً

أعتقدُ أنَّ الحَـيَّ ميتٌ يتنفـَّسُ..

والمـَيْتَ حيٌّ لا يتنفـَّس..

بعد أنْ كبرَ السماوي قليلاً صارَ يطلقُ لقدميِه العنان، وكانه يتبارى فِي الركضِ مَعَ أصدقائه؛ إذ لا يبدد سعادته غير تحذيرات أمه -رحمها الله - عند ذهابه مَعَها إلى نهرِ الفرات؛ ليعودا منه حاملين أواني الماء عَلَى رأسيِهما ؛ لقرب محلته مِنْ النهر، فضلاً عَنْ إفتقارِها فِي تلك الأيام - مثل الكثير غيرها مِنْ المحلاتِ المجاورة - إلى شبكاتِ الإسالة، وهو الأمر الَّذِي فرض عَلَى الغالبيةِ العظمى مِن النساءِ تبنى تلك المهمة؛ لأجلِ تغطية إحتياجات العائلة مِن المياه .

مِنْ هُنَا فإننا لا نبعد عَنْ الحقيقةِ إذا مَا قُلْنَا إنَّ لنهر الفرات تأثيراً فِي حياةِ السُكّان، وَسُّبُل عيشهم بمدينةِ السَماوة، فضلاً عَنْ علاقتِه التاريخية مَعَ النُمُوّ الحضري؛ إذ لا يخفى عَلَى أحدٍ قيام الحَضارات الأولى، بالإضافةِ إلى مَا تلاها مِنْ حَضاراتٍ عَلَى ضفافِ الأنهار.    

  أَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أنَّ نهرَ الفرات كان رئة المناطق الَّتِي تجاوره، بالإضافةِ إلى مَا أُقيمَ مِنْهَا عَلَى ضفافِه؛ إذ عُرف هَذَا النهر المبارك منذ عقود طويلة بوفرةِ خيراته المتمثلة بِمَا يجلبه مِن الماءِ العذب الَّذِي يروي ظمأ السكان المحليين، فضلاً عَنْ اِسْتِفادةِ المزارعين مِن الرواسبِ الطينية الَّتِي يحملها فِي المُسَاهَمَةِ بزيادةِ خصوبة أرضهم، وَانتعاشِ شبكات الصيّادين المنصوبة فِي مجرى النهر. وَأَدْهَى مِنْ ذلك أنَّ مواسمَ غضبه الَّتِي شهدتها بعض مناطق البلاد الجنوبية مرتين فِي زَمنِ الجوعِ  وَالإضطهاد (عامي 1968م و 1989م)، اقتصر حدوثها عَلَى ضفةِ نهر الفرات المحاذية لمنطقةِ الجزيرة الَّتِي يخترقها حالياً خط المرور السريع الرابط ما بين بغداد والبصرة؛ نظرا لعدمِ تحصينها بسدةٍ ترابية، مثلما هو حاصل فِي ضفةِ النهر الأخرى الَّتِي يشارُ إليها محلياً باسْمِ صوبِ الشامية، الأمر الَّذِي جعل فيضان نهر الفرات فِي تلك المناطق، لا يَعُدُو أنْ يَكُونَ بمثابةِ غيمة عابرة؛ إذ سرعان مَا تنجلي خشية الناس مِنْ خطورةِ طغيانه، بالإضافةِ إلى إزدهارِ الأراضي الَّتِي تتعرض للأغمار، وإخضرارها أيام إرتفاع مناسيبه.

لعلَّ خير مصداق عَلَى مَا تقدم هو مَا نشاهده فِي الوقتِ الحَاضر مِنْ زيادةٍ فِي تكرارِ وَكثافة العواصف الترابية وَالرملية وَالغبارية المؤدية إلى حجبِ الرؤية - فِي عزِ النهار - بمنطقةِ (الكَطيعة) النَّفْطية الَّتِي موقعها غربي محافظة ذي قار مقابل ناحية البطحاء فِي صوبِ الجزيرة ، وَامتداد تلك الآثار المُنَاخيَّة إلى بعضِ مناطق محافظة المثنى؛ نتيجة تسبب قلة مناسيب مياه نهر الفرات فِي غيابِ الغطاء النَبَاتِيّ الَّذِي يفضي إلى تفاقمِ مخاطر الزحف الصحراوي عَلَى المستوطناتِ البَشَريَّة.

في يدي ورْدٌ .. وفي روحيَ جُرْحُ     فـالـنقيـضـانِ أنا : لـيـلٌ وصُـبْحُ

والصَّديقانِ أنـــــا : شـمـسٌ وظِـلٌّ     والـعَـدُوّانِ أنــــــا : ثأرٌ وصَـفـْحُ

لا أنـــا الصّاحي فأغـْفو عن أسىً     أو أنـــــــا النائمُ جـذلانَ فـأصْحـو

لمْ تـــــزلْ صفحةُ عـمري زَبَداً:       تكتبُ الأحلامُ ... والأقـدارُ تمحو

 

لَطيف عَبد سالم  

 

 

saman soraniبعد صراع لسنوات عدیدة مع المرض رحل عنّا الیوم السید جلال طالباني عن عمر ناهز الرابعة والثمانين عاماً. کان الراحل أحد أبرز الشخصیات السیاسیة في التاریخ الكوردستاني المعاصر، عمل في مجال الفکر  مع شعوره بأن إتنماءه الأول هو للنوع البشري وأن العالم هو المدی الأرحب لفكره، لا النظريات العقيمة أو الهويات المغلقة، كان يفيد من التجارب وينفتح علی الحقائق ويشتغل علی التراثات والهويات ويفكر نقدياً علی العقائد والفلسفات، من أجل تحديد عالم الأفكار والمفاهيم ومن خلال الوقائع الفكرية السیاسیة التي کان يخلقها، مارس أمیر الدبلوماسیة الكوردستانیة جلال طالباني فاعليته علی ساحته وفي بيئته وفي المدی الإقليمي والعالمي.

كل منّا یعلم بأن كوردستان یمرّ الیوم بعد أسبوع من إستفتاء الإستقلال بمرحلة صعبة، حیث تشهد الساحة الإقلیمیة والعراقية أزمة سياسية حادة، تسيطر علیها أجواء الخوف والقلق والترقب، نتيجة الضغوط التي تمارسها دول الجوار علی الأقلیم والممارسات اللادستورية واللاقانونیة من قبل بغداد ومحاولات فرض أنواع الحصار علی كوردستان بحجة الدفاع عن وحدة العراق، ناهیك عن الهجمات الکلامیة من قبل بعض اللامسؤولین من الساسة والنواب في العراق للنیل من ممارسة شعب كوردستان حقه في تقریر المصێر والتجربة الدیمقراطیة الناجحة في كوردستان.

في هذه المرحلة المتشنجة یرحل عنّا وللأسف تلك القوة الخفية، التي أثرت في تاريخ كوردستان السياسي وأنهت في السنوات الماضية الكثير من الأزمات السياسية التي عصفت بالعراق.

بإبتعاده عن الدخول في خندق الخصومة وقيامه كصمام أمان بحماية السلم الوطني من خلال سعيه لتقريب وجهات لأطراف المتخالفة تمكن الرئيس جلال طالباني من كسب ثقة العراقيين، الذين إتفقوا علیه‌ كرئيس رغم تعقيدات المشهد السياسي العراقي.

نعم رحیله أصبح اليوم مدار الكلام ومحور الإهتمام وها نحن نسمع من الرئیس مسعود بارزاني بعد ساعات من نبأ رحیل طالباني یقول، "خسارة قائد كـ مام جلال خسارة كبيرة لشعبنا لايمكن تعويضه بسهولة"، معلناً الحداد العام في كوردستان لمدة أسبوع.

كان السید مام جلال (العم جلال) یعرُف كيف تُلعب اللعبة السياسية وكیف تُبنی القوة وكيف تُنتج الحقيقة وتُقّر المشروعية، هو أول رئيس كوردستاني للعراق، رآه أغلب الجهات المهتمة بالشأن العام، بسبب سعيه إلی تعزيز العيش المشترك بين الكيانات المختلفة في العراق، كقطب هادئ وكصمام أمان، جاء عبر ثقة الشعب بانتخابات ديمقراطية حرة كرئیس لدولة العراق.

مارس الرئیس طالباني السياسة بأسس روحية صافية وواصل العمل السياسي طيلة أكثر من ٦٠ عاماً دون إنقطاع، عاش كمعارض لحكام حصّنوا أنفسهم بإنشاء أنظمة بوليسية كبتت الحريات ومنعت التعبير عن الأفكار والآراء وأعتقلت المفكرين والمثقفين، الذين تعارضت أفكارهم المنفتحة مع أفكار أنظمتهم المنغلقة، ليزجوا في النهاية في السجون من دون محاكمة ولتبقی أماكن وجودهم ومصائرهم مجهولة لذويهم، حكام خدعوا شعوبهم بالإدعاء بأنهم أنظمة تؤمن بحقوق الآخرين وتجلب لهم الحريات والحكم الذاتي وغيرها من الشعارات الخادعة، بينما كانوا في النهاية حكومات فردية تسلطية شوفينية عدوانية بربرية ووحشية، قاوم كقائد وطني تلك الأنظمة القمعية، لذا یمکن إعتبارە واحد من أبرز الشخصيات الكوردستانية في التاريخ العراقي المعاصر، جمع خلال عمله السياسي خبرة كبيرة وجربة عميقة وأکتسب حنكة سياسية موسوعية، لذا نری بأن وفاته سوف يعود بنتائج سلبية على العراق، لکنها تصبح فرصة للجهات السیاسیة المختلفة في كوردستان لرص الصفوف وتوحید الرؤی والکلمة للوصول الی الهدف المنشود وهو إعلان دولة كوردستان.

کان الرئيس جلال طالباني یهتم بشؤون الحقيقة والحرية والعدالة، كمثقف نموذجي متفرغ لمهنته، يحيا وسط الأزمة ويساهم في حقل الإنتاج الرمزي، وکان بحق رجل دولة من الطراز الرفيع وعنوان للإعتدال والوسطية، بحث بعد تسنمه مقاليد رئاسة الجمهورية دوماً عن مخارج للقضايا الشائكة بإستعمال الحكمة وتدوير الزوايا والجمع بين المتناقضات ورفض التحدي وعمل بسبب كونه كوردستانياً أن لا يتقوقع في قوميته، لكي لا يحجم موقعه الوطني ودوره السياسي وفضّل كداعية وفاق ومحبة أن يدفع من أعصابه وصحته علی أن يدفع العراق من سلمه وإستقراره، نقيضاً لمن یحکم العراق الیوم ويؤمن وللأسف بالظواهر الكُلانية، التي لم تعد تنتج سوی عوائقها وفشلها أو الغامها وإنفجاراتها والذي لا يتورع عن دفع المنطقة نحو الهاوية في سبيل مصالح تهدف وللأسف في بناء السلطة الشمولیة.

برحیل السید جلال طالباني فقد شعب كوردستان أحد رموز النضال والتحریر وهو اليوم بأشد الحاجة الی حضوره الفاعل‌.

ختامان نقول: وداعاً وأنت المغادر جسداً والحي فكراً وروحاً بين شعبك ومحبيك.

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

bushra albustaniهي دُرةٌ ثمينة من الدُرر النفيسة، ونجمة متلألئة سطعت في سماء الموصل الحدباء أم الربيعين وأرسلت أنوارها منها، ولؤلؤة فريدة ببريقها، كبيرة بمكنوناتها وعظيمةٌ بما تحمل من علمٍ وحلمٍ ومشاعر نبيلة فياضة، بالحق شاعرةً يَصدحُ صوتها جهوريًا، وبالحق ناطقةً في حديثها وحواراتها، وبالحق كاتبة في مقالاتها ودراساتها ومؤلفاتها وبالحق هي أديبة رصينة المعارف، وبالحق ناقدة متمكنة، اقترن أسمها بالموصل وأقترن أسم الموصل بشخصيتها، إذا ذُكرت الموصل في أي محفل أو مكان داخل العراق أو خارجه، تتجسد شخصيتها وحضورها وأسمها أمام المتلقين، ويتجلى تاريخ الموصل وحاضرها وأمجادها إذا ذُكر أسمها، أكاديمية جامعية وشلال فياض من العطاء والإيثار والإخلاص والصدق والمبادئ الرصينة، كنزٌ مكنون من كنوز الموصل والعراق ومن قاماتها الشامخة وصَرحٌ مُمّرد من قوارير علمية وأدبية وثقافية واجتماعيه، بستان وارف الظلال كثيف الشجر عظيم الثمر،  فكانت كلماتها بلسمًا للجروح، وفيض دموعها على العراق والموصل عزاءً لكل المخلصين والمحبين، بنت الموصل البارة التي وهبت للعراق وشعبه وللموصل وأهلها البشرى تلو الأخرى من بستان حياتها المليء بالعطاء والتضحية والإخلاص، إنها الشاعرة والناقدة الأكاديمية والإعلامية، الأستاذة الدكتورة (بشرى البستاني)، ولدت في مدينة الموصل وأنهت مراحل الدراسة فيها لتكمل دراستها الجامعية في قسم اللغة العربية بكلية التربية - جامعة بغداد لتحصل على شهادة البكالوريوس بمرتبة الشرف وعادت إلى الموصل لتعمل مدرسة لمادة اللغة العربية في مدارسها ومعاهدها أولاً.

أشرفت على العديد من الفعاليات الإبداعية للطلبة في تربية نينوى طيلة عملها فيها وشاركت في الأنشطة الثقافية للمنظمات الجماهيرية من خلال مسؤوليتها عن لجنة الثقافة والإعلام والفنون المركزية في المحافظة من عام (1974- 1994) .

كانت رسالتها وتطلعاتها وقضيتها التي تعمل على تحقيقها، هي العمل على توعية طلبتها وحث المرأة العراقية على الوعي بحقوقها وأول تلك الحقوق محو أميتها وتلقّي العلم وضرورة العمل الاقتصادي للمشاركة في بناء الحياة وتفعيل نصف المجتمع المعطل كما تؤكد في حواراتها وشعرها، فقد خاطبت المرأة في أول دواوينها قائلة:

لا تنامي / يسقط المصباحُ لو أنتِ غفوتِ

انطلاقاً من فهمها للأنوثة على أنها المحور كما أكد شيخ الصوفية (ابن عربي) إذ عملت في كافة لجان محو الأمية في المحافظة وخاصة لجان (العمال والفلاحين) وأسهمت في الندوات التي أقيمت في القرى والأرياف من أجل إقناع كل الأطراف ولا سيما الرجال بالالتحاق بمراكز محو الأمية والسماح للمرأة (زوجة وابنة وأختاً) في المشاركة بهذا الواجب الديني والمعرفي والإجتماعي والإنساني فقد كانت مؤمنةً بأن الحداثة الحقيقة لا تنهض من جماليات الفنون حسب، بل هي التي تشمل أقصى النقاط الارتكازية في أي مجتمع يسعى للتحديث الحقيقي، وفعلا لقيت تلك الحملة المكثفة نجاحًا كبيرًا، إذ أعلنت منظمة اليونسكو خلو العراق من الأمية أواخر السبعينات وبداية الثمانينات وأحتفل العراق بتلك المناسبة الوطنية والعالمية البالغة الأهمية .

حصلت على شهادة (دبلوم ثقافة) عن مشاركتها في دورة لتطوير العمل الثقافي والإداري في مدينة (درزدن الألمانية) عام (1982) .

انتقلت بعد حصولها على شهادة الماجستير من جامعة الموصل بدرجة إمتياز عام (1983) للتدريس في (كلية الآداب/ جامعة الموصل) عام (1985-1986) ونالت شهادة الدكتوراه بدرجة إمتياز عام (1990)  من الجامعة ذاتها مع التوصية بطبع الرسالة والأطروحة، ونالت لقب الأستاذية عام (1998) .

ومنذ التحاقها بالعمل الجامعي كانت مهمتها التي نذرت لها وقتها وجهدها هي تطوير طلبتها وتحديث معلوماتهم وحثهم على أهمية المتابعة الدائمة والرجوع للمصادر الأصلية وأهمية وإعتماد الحوار وتقبل ثقافة الإختلاف للوصول الى الحقيقة، لافتةً إنتباه طلبة الدراسات العليا إلى مهمتهم الخطيرة في ضرورة دمج العلم بالقيم العليا، إذ ترى أن العلم حين ينفصل عن القيمة تحلُّ الكوارثُ بالإنسانية كما حدث لعلوم الحضارة الغربية المادية المعاصرة التي لعبت صواريخُها وحروبها بالإنسان المعاصر وبالعراق وبموصلنا الحبيبة وأقطار الوطن العربي والعالم لعبة القتل والدمار والخراب والتشريد والحرائق .

أشرفت على (37) أطروحة دكتوراه ورسالة ماجستير في موضوعات (الشعر والرواية والنقد والمناهج وتحليل النص القرآني)، كما قامت بتدريس (25 ) مادة في الدراسات العليا والأولية في (الشعر والأدب والنقد والسرديات والنقد الغربي ومناهجه وتاريخ النقد العربي وطبيعة الشعر والعروض والأجناس الأدبية والحداثة وما بعدها والنقد الثقافي وغيرها)، وكذلك مناقشة الكثير من أطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير وتقويم المئات من البحوث الأكاديمية في الجامعات العراقية والعربية .

نشرت أكثر من (70) بحثًا علميًا في موضوعات الأدب والنقد والبلاغة والدرس القرآني، تم نشرها في مجلات علمية متخصصة داخل العراق وخارجه .

عملت عضوة في اللجنة المركزية للإشراف على الامتحانات الوزارية العامة في جامعة الموصل ومسؤولة لجنة الإشراف على الأنشطة الإبداعية الشبابية في الأدب بجامعة الموصل منذ عام (1989)، وهي عضوة في الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وعضوة في الإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، وعضوة في إتحاد الصحفيين،  ومسؤولة قسم الدراسات في جريدة الحدباء بالموصل، ومسؤولة القسم الثقافي في مجلة المرأة سابقاً، ومستشارة في مجلتي (آداب الرافدين، والتربية والعلم) الأكاديميتين، ورئيسة تحرير (سلسلة دراسات في اللغة و الأدب والنقد) الصادرة عن مؤسسة السياب للطباعة والنشر والترجمة في لندن، ورئيسة تحرير مجلة (حروف الالكترونية) الصادرة عن مؤسسة السياب، ومحررة كتابي ( التداولية في البحث اللغوي والنقدي) و (الرواية العربية وتحولات ما بعد الحداثة) فيها، بالإضافة إلى مشاركتها في تحرير العديد من المجلات والصحف الأدبية والثقافية والأكاديمية ومشاركتها في العديد من اللجان العلمية والثقافية والتحضيرية. 

***

كانت نِعمَ من مثلت بلدها، وخير من شاركت في كلماتها الأثيرة فعكست بشخصيتها الصورة الحية لحقيقة المرأة العراقية ومآثرها ومواقفها،،إذ مثّلت العراق وشاركت خلال مشوارها العلمي والثقافي والإجتماعي في أعمال الكثير من المؤتمرات العلمية والثقافية والإبداعية والإجتماعية في عددٍ من الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والمنظمات المحلية والدولية في العراق ودول عربية وعالمية اخرى منها (مؤتمر المرأة وعام المرأة الدولي - الموصل عام 1974)، (مؤتمر المرأة والعمل - جامعة الموصل عام 1975)، (ندوة تطوير العمل الثقافي في المانيا، 1983) و(ملتقى المرأة والإبداع في الإتحاد النسائي العربي - بغداد عام 1984)، (مؤتمر المرأة الدولي - براغ عام 1985)، (مؤتمر (المبدعات العربيات) في كل من البلدان التالية  (بيروت عام 1992) - (تونس عام 1997) ؤ (عمان عام 2010)، و(مؤتمر اتحاد الأدباء في بغداد عام 2000)، (مؤتمر النقد العربي في جامعة جرش - عمان عام 2008)، (مؤتمر الرواية في جامعة وهران في الجزائر عام 2013)، (مؤتمر الاستشراق في جامعة المدية في الجزائر عام 2014)، (مؤتمر الرواية وتداخل الفنون في جامعة عبد الحميد بن هدوقة في الجزائر عام 2016)، (مؤتمر الإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في بغداد عام 2001)، (مؤتمر البردة في الموصل عام 2001)، (مؤتمر القدس في جامعة الموصل عام 2001)، و(ندوة إتحاد كتاب فلسطين في دمشق عام 2004)، (مؤتمر النقد الإسلامي في كلية التربية الأساسية في جامعة الموصل عام 2008)، (مؤتمر الحكاية الشعبية وأهميتها في تشكيل الفلكلور المنعقد في مركز دراسات الموصل عام 2009)، (مؤتمر الموصل في الشعر المنعقد في مركز دراسات الموصل عام 2010)، (مؤتمر السرد - بغداد  عام 2010)، (ندوة قصيدة النثر والتلقي في جامعة الموصل عام 2010)، (شاركت ببحوثها عن فن الهايكو في مؤتمر وجدة في المغرب عام 2015)، (مؤتمر القصة الشاعرة المنعقد في وزارة الثقافة الأردنية - عمان عام 2017) .

كما وأسهمت في تأليف العديد من الكتب المشتركة في الأدب والنقد والإجتماع وحقوق الإنسان منها كتاب ( المرأة والتنمية عام 1975)،(ملتقى البردة عام 2001)، (بحوث ملتقى النقد لكلية الآداب - جامعة جرش عام 2008)، (كتاب حقوق المواطنة عام 2009)، (كتاب الدكتور محمد بن شنب والإستشراق - الجزائر عام 2014)، بالإضافة إلى (6) بحوث في (6) كتب في ملتقيات مهرجان المربد الشعري في بغداد من عام (1996–2002).

***

أصدرت أولى مجموعاتها الشعرية بعنوان (ما بعد الحزن) عن دار النهضة في بيروت عام ( 1973)، ثم أعقبتها بالعديد من المجموعات الشعرية منها ( الاغنية والسكين - عن وزارة الثقافة في بغداد عام 1976)، (أنا والاسوار  - عن جامعة الموصل عام 1978)، (زهر الحدائق - عن وزارة الثقافة في بغداد عام 1984)، (أقبّلُ كفَّ العراق - عن وزارة الثقافة في بغداد عام 1988)، (البحر يصطاد الضفاف - عن وزارة الثقافة في بغداد عام 2000)، (ما تركته الريح، عن إتحاد الأدباء والكتاب العرب في دمشق عام 2001)، (مكابدات الشجر - عن وزارة الثقافة في بغداد عام 2002)، (مائدة الخمر تدور دار دجلة - الموصل عام 2004)، (أندلسيات لجروح العراق - بيروت عام 2010)، (مخاطبات حواء - عن دار شمس في القاهرة عام 2010)، و(مواجع باء عين - عن دار مجدلاوي في عمان عام2011)، و(كتاب الوجد - عن دار فضاءات في عمان عام 2011) وقد جمعت دواوينها بشعر التفعيلة في الأعمال الشعرية التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام (2012)، وجمعت خمسة دواوين لقصيدة النثر في (خماسية المحنة هي - الحب 2003  رواية شعرية تروي قصة إحتلال العراق ومهداة لبغداد - كتاب الوجد - كتاب العذاب - وهلْ تُرثى الجبال، مرثية للكاتب والمفكر العربي الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري،  ومجموعة أنا والأسوار - عن دار فضاءات في عمان عام 2012)، ولها أيضًا (هواتف الليل (قصص) - عن دار دجلة في عمان عام 2012)، و(البسي شالكِ الأخضرَ وتعالي عن دار فضاءات في عمان عام 2014)، وديوان (هذا القرنفل ليس لي - قيد الإصدار عن دار فضاءات في عمان .

وفي كل هذا الشعر الذي أنشدته لقضية الإنسان كان العراق هاجس حبها الأول، هاجساً يتوهج في كل حرف من حروفها المضيئة بالصدق والوجد والحنين، أليست هي القائلة مخاطبةً العراق في ديوانها (الأغنية والسكين) :

يتغلغلُ حبكَ في قلبي،

 كجذور صنوبرةٍ فرعاءْ .

يتفتّحُ حبكَ في قلبي، 

كنجوم الصيف البريّةْ،

يتمشّى عطركَ فيَّ، 

كالليل الرَّطْبِ بغاب الوردْ،

عذْبٌ جرحكَ

مُنطرحٌ قلبي في فَلَواتكَ ..

يا أجمل حبْ ..

وكان لها أن إشتركت في عددٍ من الدواوين والمختارات منها (شعراء الطليعة - علي جعفر العلاق - بغداد عام 1976)، (أشعار رغم الحصار - طبعة أولى - القاهرة عام 2001)، (مسلة العراق - عن الإتحاد العام للأدباء - جامعة الموصل عام 1994).

***

أصدرت الكتب التالية ضمن سلسلة مؤلفاتها النقدية (دراسات في شعر المرأة العربية - عن دار البلسم في عمّان عام 1998)، (قراءات في النص الشعري الحديث - عن دار الكتاب العربي في الجزائر عام 2002)، (الدلالي في الايقاعي - قراءة نقدية - عن مديرية النشاط المدرسي في تربية نينوى عام 2010)، (في الريادة والفن - قراءة في شعر شاذل طاقة - عن دار مجدلاوي في عمان عام 2010)، (الشعر والنقد والسيرة - عن دار دجلة في عمان عام 2012)، (التداولية في البحث اللغوي والنقدي - عن دار السياب في لندن عام 2012)، (الحب واشكالية الغياب - عن دار التنوير في الجزائر عام 2013)، (وحدة الإبداع وحوارية الفنون - عن دار فضاءات في عمان عام 2014)، (روائع قرآنية) - عن دار دجلة في عمان عام (2014)، (الرواية العربية وتحولات ما بعد الحداثة - عن دار السياب في لندن عام 2017)، (الشعرية وفتنة التشكيل)  - قيد الطبع.

***

صَدرَ عن شعرها كتاب باللغة الانكليزية عام (2009) عن دار (ميلن برس الأمريكية) بعنوان (شعر معاصر من العراق، لبشرى البستاني)،  ترجمة الأكاديميتين (أ. د وفاء عبد اللطيف ود. سناء ظاهر) .

تُرجم لها في موسوعات (شعر وأنطولوجيا ومجلات أمريكية)، مجموعة قصائد عن الحرب ومعاناة الانسان فيها وعن فقدان النساء، كما ترجمت قصائد من مجموعتها (أندلسيات لجروح العراق) الى اللغات الفرنسية والانكليزية والاسبانية .

صَدرَ عن منجزها الشعري الثر، كتب وأطروحات ورسائل جامعية كثيرة منها (سلطة الإبداع الأنثوي في الخطاب النسوي شعر بشرى البستاني نموذجا - الدكتور محمود خليف)، (جدلية الحضور والغياب في شعر بشرى البستاني - الدكتورة إخلاص محمود)، (ينابيع النص وجماليات التشكيل - الدكتور خليل شكري)، (تداخل الفنون في شعر بشرى البستاني - الدكتورة فاتن غانم)، (ثنائية الإبداع، النقد والشعر عند بشرى البستاني -  الدكتور نوفل الناصر)، (المواجهة الحضارية في أندلسيات بشرى البستاني - الدكتور رائد فؤاد الرديني - جامعة البصرة)، (تحلیل خطاب بشری البستاني الشعري في ضوء نظرية فیرکلو - الدكتور حسين الياسي - جامعة طهران)، (تمثلات الجنوسة في القصيدة المعاصرة - شعر بشرى البستاني نموذجا -  دكتور رائد فؤاد الرديني)، (الحس الدرامي في شعر بشرى البستاني - أمل محمد عبد الله من جامعة الطائف في السعودية)، (الرفض في شعر بشرى البستاني – الشرفي كريمة - جامعة أبي بكر بلقايد في الجزائر)، (حداثوية الحداثة - قراءة في شعر بشرى البستاني – الدكتور عصام شرتح، سوريا)، (فضاء المتخيل الجمالي في شعر بشرى البستاني - عصام شرتح، سوريا)، (المحرّض والمدهش في الشعر النسوي - عمل مشترك لكل من الدكتور (عامر شامي، الدكتور جاسم خلف، الدكتور قيس عمر، الأستاذ جعفر أحمد)، (البنية الإيقاعية في شعر بشرى البستاني - شيماء سالم - جامعة الموصل)، (الفضاء في شعر بشرى البستاني - فيحاء عبد الكريم - جامعة البصرة)، (الصورة الفنية في شعر بشرى البستاني - نور القيسي - جامعة ديالى)، (الأنا والآخر في شعر بشرى البستاني - مروة طارق - جامعة تكريت)، (تجليات الجسد في شعر بشرى البستاني - بناز نور الدين - جامعة صلاح الدين)، (القصيدة النسوية في الشعر العراقي الحديث - نازك الملائكة وبشرى البستاني مثالاً - ميسون عدنان حسن - جامعة ديالى)، (ملامح المقاومة في شعر بشرى البستاني - محسن قهوري - جامعة طهران)، (صورة الآخر في شعر بشرى البستاني - نور الدين حباقة - جامعة القدس، فلسطين) (الرمز في شعر بشرى البستاني - علاهن محمد - جامعة ذي قار)، ( معمارية القصيدة الحديثة - شعر بشرى البستاني نموذجا - كوان الدليمي - جامعة تكريت)، (الشعر العراقي الحديث - بشرى البستاني مثالاً - دراسة فنية - ضحى خضير حسون - جامعة تكريت)، وغيرها  .

حصلت على العديد من الجوائز والميداليات والأوسمة والدروع التقديرية منها (شارة العلم) في الأعوام (1994، 1998، 2000)، (شارة الإبداع) مرتين في عامي (1994 و 2000) والتي تمنحها وزارة الثقافة والفنون، شهادة (عرفان نينوى الأدبي) والصادرة عن الاتحاد العام للأدباء عام (1995)، (شارة العلم والفنون عام (1995) والتي تمنحها وزارة الثقافة والفنون، (وسام الأستاذ الأول) في التميز العلمي على كلية الآداب عام (2000)، جائزة (وسام العلم) في العام (2001) من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، (شارتي الإبداع) عام (2002) من الاتحاد العام لنساء العراق، (درع الإبداع) من جامعة الموصل عام (2009)، (درع الإبداع) من الجامعة الحرة عام (2009)، (درع الإبداع) من محافظ نينوى و دار عراقيون للإعلام والصحافة والنشر عام (2009)، (درع ملكة الحضر) من كلية  طب جامعة الموصل عام (2010)، (درع الإبداع) من كلية التربية الأساسية في جامعة الموصل عام (2011)، (وسام الأستاذ المتميز الأول) على جامعة الموصل عام (2011)، (وسام الأستاذ المتميز الأول) على الأكاديمية العراقية من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عام (2012)، (درع الإبداع) من مؤسسة المثقف عام (2012)، (درع الإبداع) من معرض الكتاب الدولي في نينوى عام (2012)، (درع الإبداع) من محافظ نينوى  عام (2013)، (درع الإبداع) من رابطة الأكاديميين العراقيين عام (2014)، (وشاح  الإبداع) من رئيس جامعة الموصل عام (2014)، (درع المرأة للإبداع) من محافظ نينوى عام (2014)، (درع الإبداع الأول) من مؤسسة المثقف عام (2016)، فضلًا على العديد من الشهادات التقديرية الصادرة عن مختلف المؤسسات العلمية والثقافية العراقية والعربية والعالمية .

لقد ذرفت (بشرى البستاني)، مثلها مثل كل العراقيين المخلصين، دمعًا صادقًا وهي تتلظى كمدًا وتتحرق ألمًا على العراق أجمع فيما أصابه وعلى عشقها الأبدي وفصيلة دمها التي تحمل وأعني بهذا الموصل الحدباء، وهي تصارع الأقدار وتقاوم الظروف لتنتزع حريتها من أيادي الطغاة المتوحشين الذين جاسوا الديار فأثخنوا جراحاتها وزادوا إيلامها وعمدوا على تدميرها وطمس حضارتها ومحو تاريخها، وعاشت بحرقة الألم والأنين وهي تناجي ليلها المتيم ولسان حالها يُردد :

اذا جنّ ليلي هام قلبي بذكركم،

أنوح كما ناح الحمام المُطوق .

وفوقي سحابٌ يُمطر الهمَ والأسى،

وتحتي بحارٌ بالجوى تتدفق .

لكنها لم تستسلم للكارثة، بل أنهمكت تداوي الجراح صارخة عبر الصحف والمواقع الألكترونية وعبر قناة الشرقية وهي تطالب برعاية أبرياء الموصل السجناء في مدينتهم بإلقاء الطعام على المحاصرين من أهالي الجانب الأيمن وهم ينتظرون التحرير والخلاص ونشرت على صفحتها كلامًا بليغًا يعكس تأثرها وانين ألمها ولوعة قلبها حين قالت :

   إغاثة أبرياء الموصل من الطائرات ...

هذا النداء لذوي الضمائر الحية ممن يحترمون حياة الأبرياء الذين لا ناقة لهم في الحروب ولا جمل، بل يموتون تنفيذا لرغبات أهل المصالح .. وعبدة المناصب والكراسي ..

أكثر من أربعمئة ألف من الأُسَر المحاصرة في المناطق غير المحررة غرب الموصل، وأكثر من ثلاثمئة وخمسين ألف نازح في المخيمات حول حمام العليل يشكون الجوع والعطش وانعدام الدواء بعد أن طال حصارهم تحت قبضة داعش الجريمة وتأخر معارك التحرير بسبب كثرة الخسائر بين المدنيين وتعرض بيوتهم للقصف من كل الجهات ولاسيما طيران التحالف وبقاء الضحايا والشهداء تحت الانقاض لعدم استجابة المنظمات الانسانية والدفاع المدني لإنقاذ من دُفنوا أحياءً، فضلاً عن فيضان دجلة الخير الذي أغرق الجسرين العائمين اللذين أقامهما الجيش العراقي لعبور المساعدات من الجانب الايسر لأهلهم في الايمن وفتح طريق للفارين من بطش داعش ونيران المعارك .

كل ذلك يحتِّمُ على قيادة العمليات وطيران الجيش وطيران التحالف أن يعملوا بأقصى السرعة على إغاثة المدنيين المحاصرين مع أطفالهم بالنار والجوع والعطش وذلك بإلقاء الماء والحليب والتمر وما تيسر من غذاء إليهم من الجو عبر الطائرات من كل الجهات المشاركة في المعركة.

إن ما يحدث لأهل الموصل لم يحدث عبر التاريخ لشعب من شعوب العالم ..

أغيثوا أبرياء الموصل المدنيين بنداءاتكم أيها الأشقاء العراقيون والعرب ..

ولنتذكر قوله تعالى (من قتَلَ نفسَاً بغير نفسٍ أو فسَادٍ في الأرض فكأنما قتَلَ الناسَ جميعاً ومن أحْيَاها فكأنما أحيا الناسَ جميعاً" المائدة، 32، صدق الله العظيم ).

أعربت بعد تحرير الموصل وتدمير الجانب الأيمن واستشهاد أكثر من أربعين ألفاً من المدنيين الأبرياء ما عدا المفقودين فيها عن الحجم الهائل من الدمار الذي حوّل التحرير الى وجع وأشاع الحزن والألم والعذاب الذي امتلك جوارحنا فضلا عن ازدياد أعداد النازحين الذين اقترب من المليون، فنشرت على صفحتها في الفيس بوك بتاريخ (4 /7/ 2017) مقالًا قيمًا تحت عنوان (نداء إلى الأشقاء العراقيين) اكدت فيه على ضرورة محاكمة المتسببين فيما جرى للموصل، وقالت إن لكل جريمة هناك منفذين فليُحاسبوا، وبقلب مكلوم وصفت ما آلت إليه الموصل وبنيانها من دمار لم يرحم المستشفيات ولا الجامعات ولا المدارس ولا دور العبادة إذ تحول كل ذلك إلى أنقاض وحرائق حين قالت في ندائها  :

(لقد انتهت الموصل ... أمُّ دجلة وحاضنة التاريخ، أعرق مدن العراق، وأقدمها .. هكذا يرى من يمرّ بأنقاضها اليوم .. سُحقت بنيتها التحتية، ونُسفت مصانعها ومعاملها ومدارسها وجوامعها وكنائسها وجامعاتها، وهُدمت وأُحرقت مستشفياتها ومذاخرها، وقتل علماؤها والمتميزون من أكاديمييها، وتشرد أكثر من ثلاثة أرباع المليون موصلي من الفقراء الأبرياء، ورُدمت آلاف العوائل البريئة تحت أنقاض بيوتها وما زالت الجثث تحت تلك الأنقاض، وما زالت أرواح الآلاف من شباب العراق وجنده الذين استشهدوا في معارك التحرير ضحايا تلك المؤامرة الدنيئة تحوم أرواحهم تحت سماء الموصل الشهيدة تنتظر القصاص، وبقلب مكلوم وبالغ الجراح  وصفت ما آلت إليه الموصل وبنيانها من خراب ودمار ودماء حين قالت في ندائها  :

ولكل الذين يظنون أن موصلَ نينوى انتهت أقول .. لربما لم تنتهِ المؤامرة بعد، لكنَّ الموصل ستبقى باذخة صامدة، وستعود أجملَ مما كانت بسواعد أبنائها وبناتها وبجيناتهم الحضارية التي تتوهج في دمهم وفي أرواحهم نداءاتِ بناءٍ وتشييداً للجمالِ واستنهاضاً لتاريخهم الإنساني العظيم)

فكان حقًا لنا وعلينا أن يكون حضورها المشرف ضمن سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها وأن يُسجل اسمها في صفحاتها لتأخذ استحقاقها بكل شرف وتميز فيما سيسطره التاريخ عن الموصل وعن شخوصها وأهلها في هذه الفترة المظلمة في تاريخها .

لقد اخترت مقولتها كما في الصورة أدناه وهي جزء من مقالها أعلاه، وهي صرخةً مدويةً بوجه من تولى أمر العراق وقام على إدارة شؤونه، والتي أراها ترتقي لتكون مقولة يُسجلها التاريخ بحق قائلتها الفاضلة وهي لسان حال كل المحبين للعراق وشعبه الصابر المجاهد ولنينوى واهلها بشكل خاص صدقًا وقولًا وعملًا، وهي القائلة في قصيدة العراق بديوانها مكابدات الشجر:

والعراقُ المنى والأمانُ

العراقُ الأماني

العراقُ حديقةُ روحي تضمّ إليها غيوماً وبرقاً

 وأزمنةً من لظى

وجداولَ شهْدٍ تشقُّ أكفَّ الترابْ..

  ففي مقولتها الوصف المناسب الذي دحر التشاؤم الظاهر في خراب أم الربيعين بالتفاؤل المستقبلي بهمة أبنائها ومثابرة أهلها ثقةً بشعب المدينة التاريخي وبسواعد أبنائها البررة الذين بدأوا فعلاً بإعادة بنائها وإعمار ما خربه المتوحشون منتظرين الدعم المادي من حكومة المركز، ذلك الأمل الذي يُعدُّ عنوانًا عريضًا لفقرة أساسية من الفقرات الناجزة التي يتوجب الأخذ بها في وضع سياسة العمل وبرامج السياسة والتخطيط السديد لها في المرحلة القادمة لإعادة الموصل الحدباء لدورها الرائد في الإسهام ببناء العراق الغالي مع شقيقاتها من مدنه الأخرى، وذلك ما  تستلزمه ظروف استكمال التحرير المأمول، أضعها أمامكم سادتي الأفاضل وأتمنى أن تروق لكم وتأخذ استحقاقها في مشاركاتكم وإبداء رأيكم السديد بخصوصها لتكون شهادةً رصينة صدرت من سيدةٍ عراقية تتمتع بقلبٍ يَكنُ للموصل والعراق وشعبه المعطاء كل مشاعر الإنتماء والإخلاص والوفاء والشعور الصادق النبيل، وأتوجه بالشكر الجزيل لجميع السادة المتابعين والمعلقين الكرام ولاسيما أصحاب التفاعل المتميز والحضور المتواصل والمتابعة المستمرة، وأطمح من الجميع التركيز على مضمون المقولة في ضرورة تبديد التشاؤم من الغد وإبداء الرأي والإضافات حول دحر عوامل السلب بالطاقات الايجابية الخيرة لأهلنا عبر تاريخهم المشرف بالصمود والمثابرة، وهذه هي الغاية المرجوة من سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها والتي ننشرها تباعًا، شاكرًا تفضلكم ومتمنيًا للجميع دوام التوفيق والسداد وتقبلوا وافر الإحترام والتقدير .

والمقولة هي :

لكل الذين يظنون أن موصلَ نينوى انتهت أقول .. لربما لم تنتهِ المؤامرة بعد، لكنَّ الموصل ستبقى باذخة صامدة، وستعود أجملَ مما كانت بسواعد أبنائها وبناتها وبجيناتهم الحضارية .

 

المهندس حسن ميسر الأمين

 

1389 mahdihafezفي مساء يوم الاحد المصادف 1 تشرين الاول/اوكتوبر من هذا العام رحل عنا زميلنا الدكتور مهدي الحافظ في احد مستشفيات مدينة فينا عاصمة النمسا بالقرب من ذويه المقيمن هناك وولده خيام المقيم في احد المدن الالمانية.

وفي الوقت الذي نعبر فيه عن شعورنا بالحزن والاسى لفقدان هذه الشخصية الوطنية الفذة والتي ناضلت على مدى عقود من الزمن من اجل النهوض بالاقتصاد العراقي وتحقيق مبادئ الحرية والديمقراطية في العراق نعزي ذويه والمجتمع الاقتصادي العراقي والامة العراقية بهذا المصاب الجلل وندعو الى الباري عزَّ وجل ان يتغمد الفقيد بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته ويلهم اهله ومريده بالصبر والسلون.

لقد كان للراحل حضور ناشط وفعال في الساحة السياسية الاقتصادية  العراقية قبل وبعد التغيير في عام 2003 وشارك بمهنية عالية في الحوارات التي جرت حول القضايا الاقتصادية المركزية ومنها الحوار النقدي مع الشبكة حول السياسة النقدية للبنك المركزي العراقي خلال الفترة 2011-2012

 وفي التالي نقتبس بعض المحطات من سيرته الذاتية التي كتبها لنا مساعده الاستاذ عبد الزهرة الهنداوي مشكوراَ

ولد الدكتور مهدي احمد حافظ الحافظ في 3 تموز 1937 في مدينة الديوانية

اولاً: المناصب والمسؤوليات

• عضو مجلس النواب العراقي في الدورة الحالية  ووزير التخطيط والتعاون الإنمائي الأسبق في حكومة الدكتور اياد علاوي  ورئيس" معهد التقدم للسياسات الانمائية "، ويحمل درجة دكتوراه دولة Ph D  في العلوم الاقتصادية من جامعة براغ ، وماجستير في علم الاجتماع MA، وبكالوريوس علوم في الكيمياء BSc. من جامعة بغداد

• الرئيس الاول للهيئة الستراتيجية لاعادة الاعمار في العراق 2003 – 2005 .

• نائب رئيس " تجمع الديموقراطين المستقلين " 2003 – 2005

• رئيس السن في مجلس النواب العراقي / الدورة الثالثة 2014

  

ثانياً- الخبرة وميادين العمل:

• المستشار الخاص للمدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية  يونيدو  (NIDO)فيينا 1999-2000 

• المدير الإقليمي لمنظمة الامم المتحدة للتنمية الصناعية UNIDO  في البلدان العربية- بيروت ( العراق وسوريا والاردن ) 1996-1999

• موظف كبير Senior لدى اليونيدو ومدير البرنامج الخاص للتنمية الصناعية العربية وتشمل العراق 1983-1996

• .خبير لدى منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD  (جنيف 1980-1983 وزير مفوض في البعثة العراقية لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف- ثم استقال لأسباب سياسية 1978-1980

• خبير في وزارة النفط العراقية بدرجة خاصة  1975-1978 .

• استاذ الاقتصاد في الجامعة المستنصرية  في بغداد 1973-1975 

 ثالثاً- النشاطات والمنظمات الفكرية والعلمية

• حائز على جائزة اليونسكو للتنمية المستدامة لعام 2005

• رئيس المجلس العراقي للثقافة 2007 .

• رئيس (الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية) ومقرها في القاهرة 1998-2003

• عضو مجلس امناء (منتدى الفكر العربي)، عمان - الاردن منذ عام 1996

• نائب رئيس (منظمة التضامن الاسيوي – الافريقي) ورئيس فريقها الاقتصادي - الاجتماعي منذ 1980

• عضو المجلس الاستشاري لمكافحة البطالة – رئاسة الوزارة السورية 2002

• عضو (منتدى العالم الثالث) / من كبار الباحثين منذ 1983 

• من مؤسسي (المنظمة العربية لحقوق الانسان) وعضو مجلس امنائها لعدة دورات 

• الامين العام (للهيئة الاستشارية العراقية) التي ضمت عشرات المثقفين العراقيين ونظمت ندوات حول احوال العراق واثار القمع السياسي واصدرت دراسات كبيرة  1991

رابعاً- المؤلفات والاعمال البحثية:

• الاستخدامات الاقتصادية لعوائد النفط . 1973

• آليات رفع القدرة التنافسية للمؤسسات الاقتصادية العربية

• النفط والاقتصاد العربي. 2000

• تقييم تجارب الاستقرار الاقتصادي والتكييف الهيكلي في البلدان العربية 1997 Structural Changes and Economic Stabilization  

• افاق الشراكة العربية – الاوربية  1999

• رؤية مستقبلية لإنماء العالم العربي (دراسة لليونسكو)  .

• التنوع الحيوي  Biodiversity   والتنمية والعلم – مراجعة. (اصدار اليونسكو). 2002

• مجموعات اوراق داخلية لمنظمتي الـ UNIDO و UNCTAD  ومقالات كثيرة لمعالجة شؤون اقتصادية واجتماعية وثقافية والتنمية المستدامة والتنمية البشرية وحقوق الانسان والاصلاحات الديمقراطية، والعولمة وقدم بعضها لندوات عربية ودولية.

• "الان والغد " مقالات في الاقتصاد والسياسة 2009  

• التنمية البشرية – آراء ومعالجات جديدة  2012

• إضاءات على الماضي القريب  2012.

• نبؤات الامل 2012

• روح العصر ومسارات التحول في العراق . 2013

 

 

khadom almosawiكنت قد كتبت هذه الكلمات من زمن ما، ووددت أن أكتب شيئا مفصلا عن تلك الأيام  والاحوال، اوسع مما سطرته هنا، ولكني أقنعت نفسي بأنها ايام واحوال، وقد تأتي في السياق ايضا، لذلك اعيدها، رغم كل المتغيرات بعدها، او تذكر ما قاله الفيلسوف هيراقليطس في ديالكتيكه، ومثاله في عدم قدرة الإنسان أن يغتسل مرتين في ماء النهر  الجاري نفسه، ولكن تبقى المياه هي الجارية دوما، والحقائق مثلها.

 حين رن تلفون مكتبي ورفعت سماعته، وسمعت صوت الرفيق الدكتور ماجد الياسري بعد انقطاع... استرجعت تلك الايام التي كنا معا فيها في بغداد، نجول في مقاهيها، مكتباتها، شوارعها. وحين طلب مني المساهمة في الملف الخاص عن "طريق الشعب" عدت الى تلك الايام ايضا. وكأني انتقل في شاشة الصداقة، والتاريخ ومسلسل الرفقة والشباب والسياسة، الى مسلسل الواجب والالتزام والشعور بالمصير المشترك، والعطاء، والأيام الحلوة والمرة، وأشياء كثيرة لا تكفيها الكلمات. رغم كل ما حال دونها عبر تلك الايام.

كانت جريدة "طريق الشعب"، (صدرت علنية في 16 ايلول/ سبتمبر 1973) اسما على مسمى، بلون عنوانها الاحمر وشعاراتها، ومانشيتها المتميز وصفحاتها الثماني المعبرة عن تلاوين المجتمع وهيئاته وأقسامه وفعالياته، وأعمدتها وزواياها التي تحمل اسماء معروفة، وجديدة، في شتى الاصعدة، سياسية وثقافية ونضالية. منها اسماء تتكرر كل يوم، وأكثرها تبدأ بـ" ابو" تيمنا بالطريفة التي تنقل عن الفلاح البيشمركة الكردي في تعليقه على قائمة انصاره العرب في كردستان!. وسؤاله؛ كيف تعرفونهم وكلهم اسمه ( ابو)؟!.

اين هي تلك الايام؟، هل بقي منها غير الذكريات؟، وأية ذكريات تسجل، وقد تقطعت شجرتها بخناجر عديدة، وأكثرها من ابنائها المحتضنين لها، وتقاطعت فيها ومعها الدروب والمسافات؟.

وحتى لا استطرد في الاسئلة وتداعياتها، ومازال رنين الهاتف في الاذن وشاشات التذكر والمنافي والمهجر والتوزع تحت نجوم السماء قائمة معه، الح علي قلمي ان يسطر شيئا، حتى ولو هوامش، مشاركة وتسجيلا، واستمرارا لذاك النسغ، والجذر الذي ما هوى.

حين صدرت الصحيفة كنت في خدمة العلم. وما ان انهيتها عدت الى الحبيبة، مواصلا مساهمتي في شقيقتها "الفكر الجديد" (صدرت 1972) عاملا في صفحتها الثقافية، ومشاركا مع نخبة من ادباء العراق البارزين، ومن بينهم الزملاء: فاضل ثامر، ياسين النصير، صباح الشاهر، حميد الخاقاني، يوسف الصائغ، والفرد سمعان، يسهم معهم الادباء الشيوعيون والمستقلون من بغداد والمحافظات اضافة الى الاصدقاء والحلفاء. وكانت ندوات لجنة العمل الثقافي الديمقراطي، وكنت عضوا فيها، والتي ادارها الاساتذة: هاشم الطعان، وخالد السلام، والفرد سمعان، وسعود الناصري في بيوتهم او بيوت الاصدقاء تضم اكثر من عشرين مبدعا كل مرة، ترفد الصفحة وتتألق اسماؤهم في اعمدتها. وليس غريبا فعلا أن يتباهى كل مبدع في العراق أنه مر خلال حياته  بمدرسة الحزب، عبر منظماته او واجهاته، وتعلم منها واستفاد رغم تبدل الاحوال وتغير الأزمان. كما كان للحضور الواسع في مقر اتحاد الأدباء ومقرات النقابات الأخرى دور في الحوارات الثقافية والنشر في الجريدة.

نشرتُ في الصفحة الثقافية مقالات في النقد الادبي وعرضا ونقد كتب وهوامش ثقافية وقراءات في التراث الفكري والصحافة اليسارية. وعلى سبيل المثال، اتذكر منها، قراءة في العدد اليتيم من جريدة "الهادي" التي اصدرها الحزب الشيوعي عام 1948 بدعم وبأسماء اصدقاء له، في فترة دكتاتورية نوري السعيد واتباعه.. وكتب افتتاحيتها الرفيق فهد، وقد عثرت عليها في مكتبة المتحف الوطني. وللمصادفة الطريفة، بعد ان اكملت عملي في المتحف وتمشيت صوب الصالحية، التقيت (الراحل) الدكتور عبد اللطيف الراوي، وحدثته عنها، فاقترح زيارة صاحب الامتياز، الذي يعرفه شخصيا، وكان قريبا منا مكانا، صاحب محل موبليات، في الجهة المقابلة لموقع المتحف. استقبلنا بحفاوة وصراحة، وذكر مصدر الدعم والافتتاحية التي اغلقت الجريدة بسببها. للأسف الشديد لا اتذكر اسمه الان. ولم تكن الجريدة الوحيدة التي حررها الحزب في الظروف الحالكة التي مر بها في تاريخه، وما عدمت امكانات احتضان نشاطه الديمقراطي، ولا شحت عطاءات الناس له.

كما اتذكر قراءة اخرى في دفتر السجين الشيوعي الشهيد موسى نور، بخط يده، والذي حصلت عليه من عائلته، وفيه اورد يوميات الحياة في السجن، (الخمسينات من القرن الماضي) وجداول المحاضرات والنشاطات الثقافية المتنوعة، حيث كانت اضافة الى دروس اللغة وتعلم التراث والآداب، دروس في فن الموسيقى، وشرح لسيمفونيات عالمية والمدارس الموسيقية، ومواضيع اخرى لاغناء الروح وشد الانسان للحياة والجمال والإنسانية والأمل بالحرية والشمس والسلام رغم ظلام السجن، وصعوبات الظروف وقسوة الزمان.

أليس مفارقة، السؤال عما يسجل سجين ما بعد تلك الايام في دفتره، هذا اذا بقي حيا، وقادرا على التعبير عن مشاعره؟!.

في فترة العمل في صفحة الثقافة، كانت لي لأول مرة في حياتي، سفرة بالطائرة داخل الوطن، ضمن وفد الصفحة والجريدة الى البصرة مع الزميلة الصحفية، الدكتورة سلوى زكو والزميل الناقد ياسين النصير. وفضلا عن ركوب اجنحة الهواء في ثلاثة ارباع الساعة في سماء العراق، كان الاستقبال الحافل، والحفاوة الرفاقية، واللقاءات الحميمة والسهرات الفنية والغنية في مدينة السياب والملائكة وسعدي يوسف ومحمد خضير وعبد الكريم گاصد وعبد الوهاب طاهر وناصر عبود وهندال جادر (التي ما زالت حلاوتها على طرف اللسان، كما يقال)..

إضافة الى الصفحة النظرية، التي كانت تصدر كل يوم جمعة، والتي اعددتُ موادها لأيام عديدة للتثقيف الحزبي والنظري، من مواد شبه جاهزة، منقولة من مجلات البلدان الاشتراكية وطليعتها الاتحاد السوفييتي، كما كنا عليه انذاك، واستلمها الرفيق حمدان يوسف (الدكتور صادق البلادي) حين انتقل ضيفا دائما الى بغداد من مدينته البصرة. كلفت بصفحة الاثنين لثقافة الشباب، ونظمتُ اجتماعات ولقاءات لأدباء وفنانين شباب من بغداد والمحافظات القريبة، وتصدرت الصفحة اسماء عديدين من المبدعين، الذين ساهموا، بعدها، في تحرير صحف المهاجر والمنافي، والذين ربتهم الصفحة والجريدة، وطورت مواهبهم وقابلياتهم، ومن ثم اصبحت الصفحة باشراف الشاعر الكبير سعدي يوسف، والقسم الثقافي، بعد عودته الى الوطن.

وما زال كلام الصديق المبدع الشهيد ابو كاطع، شمران الياسري، لي حين تفرغت للجريدة ولصفحة شؤون عربية ودولية، عالقا في بالي، وتكرر حين لقائنا في براغ بعد "خراب البصرة"! قبيل رحيله الاخير. اذ لم يكن مشجعا للتفرغ في ظل تلك الظروف، ورؤيته لافاقها. وابو كاطع، كاتب وروائي، حوّل قراءة الجريدة، بعموده "بصراحة" في الصفحة الاخيرة، الى طريقة قراءة المطبوع الغربي، حيث يبدأ بالعكس من المطبوع العربي. وكانت صراحته مضرب الامثال والأحاديث، ليس لدى القراء وحسب، بل وفي مؤسسات الدولة والحزب، صاحبة القرار خاصة. وتلك صفة بقدر ما جلبت من غضب على الجريدة والكاتب، اعطت ولأول مرة لكاتب سياسي عراقي فرادة في التأثير والتحريض والاحتجاج السياسي.

في الصفحة الثانية، شؤون عربية ودولية، التقيت كتابا وادباء معروفين، وعملت معهم في "ورشة" الصفحة الساخنة. وكان لكل صفحة من الجريدة قسم، وغرفة مستقلة، يحرر فيها رفاق حزبيون، حينها، وفي صدر غرفة الصفحة كان الزميل فالح عبد الجبار (ابو خالد)، بشعره الأرقط، الاسود والأبيض الغالب، يكتب ويترجم يوميا، ويشتغل بيديه الاثنتين، واحدة للقلم والأخرى لشعر رأسه. يعاونه حين التحاقي الزملاء: ابراهيم الحريري (ابو فادي) (زكور)، والشاعر رشدي العامل (ابو علي)، وعبد الاله النعيمي، وأسماء اخرى، مساهمة ومتدربة، (رجاء الزنبوري، هشام داوود) اضافة الى المسؤول السياسي السابق عن الصفحة، الدكتور حميد بخش (ابو زكي) والمسؤول الجديد، الدكتور ماجد عبد الرضا (ابو دنيا)، الذي استلم الصفحة ونائب رئيس التحرير وعضو هيئة التحرير التي تختصر في المراسلات الى (هتج) واطلق عليها ابو كاطع اسم "هجع"!.

رغم قلة العاملين في الصفحة، والجريدة عموما او مقارنة بغيرها، كانت الطريق الصوت الابرز في المنابر الاعلامية في العراق، والمنطقة، وكانت صفحاتها السياسية الاكثر حرارة في الاهتمام السياسي، خاصة عربيا ودوليا.

 

كاظم الموسوي

 

 

 

latif oqayli(يقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليسَ مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنْسَانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلِّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلَا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورة آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشَاعر الكبير يحيى السَمَاوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني، فلا غرابة فِي أنْ يكون للإنسانِ وَالحبِ وَالجمال حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباين مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعرية الرشيقة الأنيقة، وَالمؤطرة بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف).

لَعَلَّ مِن المنَاسبِ اليَوْم - وَنحن فِي خضمِ الحديثِ عَنْ بعضِ   المحطاتِ الَّتِي مَا تَزال آثارها محفورة فِي ذاكرةِ الشاعر يحيى السَماوي - أنْ نُشيرَ إلى مجموعةِ منازلَ مِنْ طرفِ الغربي فِي مدينةِ السَماوة، تَشكلت مِنْها أزقةٌ ضيّقة فِي فضاءٍ لا يبعد سوى مرمى حجرٍ عَنْ نهرِ الفرات، وَالَّتِي ليس بالضرورةِ أنْ تكون مستقيمة، حيث ظهر بعضها متعرجاً، كحالِ نظيراتها فِي بقيةِ مناطق البلاد، وَمِنْ بَيْنِها مَا تبقى مِنْ محلاتِ بَغْدَادُ القديمة الَّتِي مَا تَزال حتى اليوم ماثلةً للعيانِ، بعد أنْ أفضى جهل الادارات الَّتِي لَمْ تبلغ سن الرشد الإداريّ، فضلاً عَنْ تركِها الحبل عَلَى الغارب إلى إهمالٍ تلك المواقع التاريخية، وَفسح المجال أمام العابثين للنيلِ مِنْ حكاياتٍ ذهب أصحابها، وَالمُسَاهَمَة فِي اضمحلالِ أسلوبِ عمارتها، وَإفساد رونقها. وكان أهم ما يميز تلك الأزقةٌ الَّتِي يشار إليها مَحَلِّياُ باسْمِ (العكَد)، هو البساطة فِي طابعِ بنائها، إلى جانبِ تلاصقِها ببعضِها البعض إلى الحدِ الَّذِي جعلها تبدو للناظرِ بمثابةِ بنية متماسكة، أبوابها مؤصدة وَنوافذها صامتة. وَالْمُلْفِتُ أَنَّ تلكَ المنازل، كان يجري إنشاؤها عادةُ بمعزلٍ عَنْ التفكيرِ فِي تغطيةِ جزءٍ مِنْ مساحاتِها لِمَا متعارفٌ عليه فِي عالمِ اليوم مِنْ أغراضٍ جمالية أو ترفيهية، بالإضافةِ إلى خلوِها مِنْ اللمساتِ الفَنِّيَّة بفعلِ ضيقها وَمحدوديةِ مساحاتها، فبالكاد تجدُ ربةَ البيت مكاناً مناسباً لنصبِ تنورها الَّذِي يتوجب إقامته بقصدِ تغطية مَا يحتاجه صغارها مِنْ أرغفةِ الخبز؛ إذ أَنَّها أُعدت بالأساسِ لأجلِ المأوى، مَعَ العرض أَنَّ إقامةَ دَّارٍ للسكن أو الحصول عَلَيها فِي ذلك الزمان، لَمْ تكن مهمة يسيرة، إلى جانبِ عدمِ إتاحتها للسوادِ الأعظم مِن الشعب، الَّذِي يعيش غالبيته شظف العيش وَقساوته، بالإضافةِ إلى معاناته مِنْ ضيقِ ذات اليد، الأمر الَّذِي أفضى إلى محدوديةِ تطلعات الأفراد وَبساطة أماني رب الأسرة ، وَاقتصارِ اقصاها عَلَى سقفٍ يحتويه وَعياله، وَلسان حاله يقول المرء فِي داره أمير.

وَلِــي عُـذْرِي إِذَا يَبِسَتْ حُـرُوْفِي

عَلَـى شَفَـتِي وَجَـفَّ صَدَىً أَثِيْرُ

تَقَـرَّحَتِ الرَّبَــابَةُ … وَالـمَــرَايَا

مُقَــرَّحَةٌ … وَخُـبْزِي وَالنَّمِيْرُ

أَيُـغْوِي سَعْفُــهُ الـمَحْــرُوْقُ طَيْـراً

نَخِـيْــلٌ ؟ وَالعَصَافِيْرَ القُبُوْرُ؟

هَرَبْـتُ إِلَيْــهِ مِنِّي بَعْــدَ عَشْـرٍ

وَنِصْـفِ العَشْـرِ فَارَقَهَا الـحُبُوْرُ

رَأَيْـتُ النَّخْــلَ - مِثْلَ بَنِيْهِ - يَبْكِي     

فَيَمْسَـحُ دَمْــعَ سَعْفَتِهِ الـهَـجِيْرُ

مِنْ أجلِ الحفاظ على خصوصية العائلة، وَبقصدِ منعِ الأغراب مِنْ إختلاسِ النظر إليها، إعتادت العوائل العراقية - فيما مضى - عَلَى تجهيزِ الأبواب الخارجية لمنازلِها بستارةٍ نسيجية مما متاح مِن القماش وأن تعددت ألوانه أو أشكاله؛ لأَنَّ غالبيةَ المنازل كانت قد شيدت بطريقةٍ تجعل منها مطلة بشكلٍ مباشرٍ عَلَى الأزقةِ أو الشوارع، الأمر الذي جعل الحاجة قائمة لتثبيت ستارة القماش؛ لأجلِ التيقن مِنْ حجب مَا يحدث خلفها مِن فعاليات العائلة وَأنشطتها. وَمثلما ساهمت تلك الستائر فِي صيانةِ كرامة العوائل وَحفظ أسرارها، أفضت طيبة البسطاء الذين يسكنون تلك البيوت إلى المُسَاهَمَة فِي ترسيخِ أسس المواطنة الصالحة، وتعميق الانتماء الوطني والتعايش الإنساني. وَعَلَى الرغم مِنْ سعةِ البون مَا بين الأزمنة وإختلاف العصور، إلا اَنَّ أصالةَ مدن الفقراء والمعوزين، ما تَزال باقية كخيطِ الظل الَّذِي يتحرك بعبقِ الماضي مِنْ وراءِ تلك الحجب النسيجية بعيداً عَنْ صخبِ المعاصرة وَهمومها. وَلعلَّ خير  مصداق عَلَى سلامة هَذِه الرؤيةِ هو إجابة أبا الشيماء على إحدى مداخلاتي قبل سنوات، وَالَّتِي يقول فِي قسمٍ مِنْها: (ترى أيّة روعة سيكون عَلَيها الإنسان حين يكون عقله نهر إيمان، وقلبه بستان محبة إنسانية، ويداه لا تكفّان عَنْ التضرعِ إلى الله ليجعل خبز الفقراء أكبر مِن الصحن، وَالصحن أكبر مِن المائدة، والمائدة عَلَى سعةِ الوطن؟).

فـتـّشـْتُ في كلّ نـافـيـاتِ حـروبِ الـقـهـر

عـن مـديـنـتـي ..

فـتـَّـشـتُ ما بين سـبـايـا الـعـصـرِ عـن حـبـيـبـتي ..

وعـن فـراتٍ سـاحـرٍ عـذبِ ..

وفـجـأةً :

رأيـتُ نـخـلـةً عـلى قـارعـةِ الـدربِ ..

هـزَزْتـُـهـا

فـانـهـمَـرَ الـدمـعُ عـلى هـدبي ..

وعـنـدمـا هـززتُ جـذعَ الأرضِ

يـا ربّي :

تـسـاقـَطَ الـعـراقُ في قـلـبي !!

مَا بَيْنَ زحمة الدكاكين المتراصة عَلَى جانبي السوقِ المسقوف - الَّذِي يُعَدّ أحد المعالم التاريخية لمدينةِ السماوة - وَتحديداً عند بدايته مِنْ جهةِ النهر، كان والده رحمه الله يعمل يوم ولادته فِي حانوتِ بقالةٍ صغير، أجيراً عند عمّه - جده لأمه - حتى مَـنّ الله تبارك وَتَعَالى عَلَى أبي يحيى بنعمتِه، فَعمدَ إلى الاستقلالِ فِي عملِه؛ إذ سرعان ما وجد له مستقراً عَلَى رصيفٍ مِن أرصفةِ تلك المدينة البائسة، وَالَّتِي لَمْ تظهر عَلَى جنباتِها مَا يشير إلى علاماتِ التطور حتى فِي أيامِ الألفية الثالثة، عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّ كتبَ التأريخ تشير إلى ازدهارِ المدينة مِن الناحيةِ الاقْتِصَادِيَة والتِجاريّة فِي عهدِ الدَّوْلَة العثمانية.

ليلةٌ واحدةٌ من فـرحٍ

تكفي لأنْ تغسلَ حزنَ العمرِ

لكنْ :

كيف للهدهدِ

أنْ يحملَ بشراهُ إلى نافذتي

في زمنٍ

أصبح فيه الصُّبحُ

أدجى من عباءات الدراويشِ

وأحداقِ المداخِنْ؟

***

مسكينٌ وطني

منطفئُ الضحكةِ

مفجوعُ الإنسانْ

لو كان له مثلي

قدَمٌ وجوازٌ ولسانْ

لمضى يبحث في المعمورة

عن ملجأ أوطانْ !   

لا رَيْبَ أَنَّ طموحَ والده فِي محاولةِ تحسين حال أسرته، حفزه إلى  السعيِّ الحثيث لاستغلالِ موقعِ مناسبٍ فِي مَا متاح مِن أروقة المراكزِ التجارية المتمثلة يومها بأسواقِ شعبية؛ لأجلِ توظيفه فِي ممارسةِ مهنةِ البقالة الَّتِي خبر اسرارها مِنْ عمله السابق، فكان أنْ جمع مِن الرزقِ الحلال مِنْ عمله الجديد، مَا أعانه عَلَى استئجارِ دكانٍ صغير لا تتعدى مساحته أربعة أمتار مربعة، ثم مَا لبث أنْ استأجر بيتاً صغيراً بغرفةٍ واحدةٍ لإسكانِ عائلته المكونة مِنْ أربعِ بنات وَأربعة بنين.

يَومي لـــــــه ليلانِ.. أين نَهاري؟

أتكون شمسي دونمــــــــــا أنوارِ؟

أَبْحَرتُ فِي جسدِ الفصول مهاجراً  

 طاوي الحقولِ وليس مِنْ أنصـارِ

زادي يراعي والمدادُ.. وصهوتي

خوفي.. وظبيـةُ هودجي أفكـاري

أَبدَلتُ بالظلِّ الهجيـــــرَ .. لأنني

قد كنتُ فِــــي داري غريبَ الدارِ

مرَّ الربيعُ أمــــــــام نخلي شامتاً

لمـــــــا رأى جيــــدي يتيمَ نضارِ

تَعَبتْ من الصمتِ المذلِّ ربابتي

وَتَيَبِّستْ – كاضالعي – أوتاري

أنا ضائعٌ - مثلَ العراقِ - فَفَتِّشي

عني بروضِكِ لا بليلِ صحاري

أنا لستُ أَوَّلَ حــــاكم نكثتْ به

أحلامُهُ فأفاقَ بـــــــــــعد عثارِ

حظي كدجلةَ والفــراتِ نَداهُما

دمعٌ.. ولحنُهما صراخُ: حذارِ

وكحظِّ بستانِ (السَماوةِ) نَخلهُ

كَرَبٌ وسعفٌ دونمـــــا أثمارِ

وكخبزِها: بدمٍ يُدافً طحينُهُ

وطنٌ على سَعَةِ السماءِ رغيفُهُ

لكنه حكرٌ عـــــــَلى الأشرارِ

 

لَطيف عَبد سالم