ضياء نافعولد الشاعر الديسمبري كندراتي فيودورفيتش ريلييف العام 1795 في بطرسبورغ وتم اعدامه شنقا العام 1826 في بطرسبورغ ايضا، اي عندما كان عمره 31 سنة ليس الا، وبذلك اصبح اول شاعر يعدم في روسيا لاسباب سياسية بحتة، اذ انه كان واحدا من قادة حركة الديسمبريين ضد القيصر الروسي، والتي حدثت في شهر ديسمبر/ كانون الاول عام 1825 (ولهذا أسموهم الديسمبريين)، وانتهت بالفشل، وأعدموا خمسة من قادتها بعد محاكمات طويلة، وكان ريلييف واحدا منهم .

 الشاعر الفلسطيني معين بسيسو (1926 - 1984) في كتابه الفريد من نوعه بالمكتبة العربية والموسوم - (الاتحاد السوفيتي لي) يستشهد بقصيدة جميلة لريلييف بترجمته هو على ما يبدو، رغم انه – تواضعا ربما - لا يذكر ذلك بشكل مباشر، وأقدّم للقارئ مقاطع من تلك الترجمة الدقيقة، التي أثارت انتباهي واعجابي - 

زأرت العاصفة وصخب المطر

وفي الظلام تطايرت البروق

ودمدم الرعد بلا انقطاع

وهدرت الرياح في مجاهل الغابات..

وعلى ضفة (أرتيش) الموحشة

جلس (يرماك) غارقا في الافكار

مشبعا بشهوة المجد..

و( يرماك) هو قائد عسكري من فيلق القوزاق ساهم في القرن السادس عشر بالحملة الروسية من اجل السيطرة على سيبيريا، وغرق في نهر (ارتيش) هناك، وليس عبثا ان الشاعر الشاب ريلييف كتب عنه هذه الابيات، اذ انها تتناغم فعلا مع روحيته الرومانسية الثورية، ومع تلك الافكار والبطولة التي كانت تكمن في اعماق الشاعر الديسمبري ريلييف منذ بداية مسيرته .

لم يستطع ريلييف في حياته القصيرة ان يحقق طموحه الادبي، اذ ان هاجس الثورة ضد النظام القيصري في روسيا قد سيطر على كل نشاطه، ولكنه – مع ذلك – أصدر كتابين، الاول هو مجموعته الشعرية الوحيدة، وكانت بعنوان – (افكار)، وتتضمن كل قصائده، والتي منعوها طبعا بعد اعدامه، لكن المعارضة للنظام القيصري في لندن وبرلين طبعتها هناك في ستينيات القرن التاسع عشر (انظر مقالتنا بعنوان – حول صحيفة كولوكل الروسية في لندن)، وصدرت طبعا في الاتحاد السوفيتي بعد قرن تقريبا من اعدامه، واعيد طبعها بموسكو في سبعينيات القرن العشرين مرة اخرى وبخمسين الف نسخة .

لم تتميّز قصائد ريلييف بشكل فنيّ خاص به، ولم يحصل على شهرة واسعة بين القراء الروس لا اثناء حياته القصيرة ولا بعد ذلك، ورغم انه كان يدخل ضمن مناهج المدرسة في الاتحاد السوفيتي، الا انه معروف لديهم – قبل كل شئ – باعتباره مناضلا ضد النظام القيصري، والذي تم اعدامه آنذاك مع رفاقه الديسمبيريين الآخرين، وتشير كل المصادر الروسية حول ريلييف الى جملة قالها بوشكين بشأن نتاجات ريلييف وأشعاره، وكلمات بوشكين لا تعبّر عن اعجابه بتلك النتاجات،والجملة البوشكينية هذه هي كما يأتي – (..لا يوجد فيها اي شئ روسي عدا الاسماء) .

أصدر ريلييف مع رفيق دربه بيستوجيف أعوام 1823 – 1825 مجلة (النجم القطبي)، وهي مجلة كانت ناطقة بافكار حركة الديسمبريين بلا شك، ولم يستطع ان يصدرا اكثر من ثلاثة أعداد، ولكنها – مع ذلك - دخلت التاريخ الروسي، وأعاد غيرتسن لها الحياة في لندن (انظر مقالتنا بعنوان – غيرتسن الاديب والصحفي الروسي المهاجر)، وتعدّ الان واحدة من شواهد ووثائق مسيرة الفكر الثوري الروسي في القرن التاسع عشر.

لقد أشار ريلييف اثناء حياته، الى ان الطريق الذي يسلكه لن ينتصر، ولكنه استمر بالسير به - رغم ذلك – وبعناد واصرار وحتى النهاية، لانه كان يؤمن ويعتقد بعمق، ان تضحيته لن تذهب سدى، وانه سيساهم في ايقاظ الشعب الروسي، وان قيمته الفكرية تكمن في ذلك بالذات، ويدور الان نقاش واسع حول هذه الافكار في المجتمع الروسي المعاصر، وحتى خارج روسيا، بين الاوساط التي تهتم بروسيا ومسيرتها اللاحقة، ولا يمكن تلخيص هذه المناقشات هنا طبعا، ولكن الشئ الاكيد، الذي يمكن ان نشير اليه هنا، هو ان ريلييف لازال يحيا في روسيا، وان العديد من شوارع روسيا تحمل الان اسمه، وانه لازال رمزا لبطولة من بطولات التضحية بالنفس من اجل المبادئ السامية العليا، حتى لو كانت بعيدة التحقيق جدا، او مستحيلة ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

عدنان الظاهرروش باش أبا الطيّب.

مَن، مَن المتكلِّم؟

صاحبك الذي لا ولن ينساك.

قال المتنبي متهكِّماً: أفلمْ تنم ليلتك الفائتة جيداً؟ قلت بلى، نمت جيداً كما لم أنمْ من قبلُ. قال إذن ما الذي دهاك وما الذي أصابَ رأسك حتى أصبحتَ تهذي وتُخرِّف بكلام شبيه بالهلوسات. بأية لُغى نطقتَ؟ يا سيدي أبا الطيب إنها ليست هلوسات، ما زال عقلي في رأسي والحمد لله سليماً قوياً معافى. إنما صبّحتك بلغة أحبابك وأحبابي الكُرد. هل نسيتَ صاحبك القائد العسكري الذي أتى الكوفةَ مأموراً من قبل مركز الخلافة في بغداد وأكرمك مع من أكرم من وجهائها الذين تصدوا للفتنة التي قام بها (خارجيٌّ من بني كِلاب) عام 353 للهجرة ووضعوا حدّاً لما وقع فيها من أعمال التخريب وأنقذوها من السلب والنهب والسبي والقتل والحرق؟ قال تقصد القائد الكردي " دلّير بن لَشكَروز "؟ نعم يا أبا الطيب، إنه هو بعينه. ألم تتعلم منه شيئاً من لغته الكردية وقد أغرقك (أو غرَّقك) بالهدايا النفيسة فقلتَ فيه قصيدتك التي إستفزّت وما زالت تستفزّ بعض القوم حدَّ إتهامك بالشعوبية ومعاداة العرب لأنك مدحت شخصاً غير عربي. كان وجهُ صاحبي جامداً لامعاً كطقعة رخام صقيل خلواً من أي تعبير. صمتَ بُرهةً ثم قال: تقصد قصيدتي التي مدحتُ فيها " دلّيْر " والتي بدأتها بقولي:

 

كدعواكِ كلٌّ يدّعي صِحةَ  العقلِ

ومن ذا الذي يدري بما فيهِ من جهلِ

تُريدين لُقيانَ  المعالي  رخيصةً

ولا بُدَّ دون الشهدِ من إبَرِ النحلِ

 

قلتُ بالضبط، إنها هي بعينها. قال وما الذي أغاض بعض القوم في هذه القصيدة وما علاقتها وعلاقتي بالشعوبية أو معاداة العرب؟ هل هم أكثر عروبةً مني أصلاً وفصلاً ونَسَباً وعلوَّ مُحتد؟ دعهم في غيهم يعمهون. دعهم ككلاب الحوباء ينبحون القمر والنجوم. لا أضيّع وقتي مع هذا النفر الضال والأعمى والمقتول بالتعصب الذي تسمونه في هذه الأيام (شوفينية). خففتُ من إندفاعة صاحبي الذي أخذته العِّزةُ بالإثم كما يقال. قلت فلنعدْ لسؤالي الآنف: ألم تأخذ شيئاً من لغة هذا الرجل الذي أنعم عليك ووضعك في ميزانك الثقيل الذي تستحق عن جدارة وأنصفك رغم أنف خليفة بغداد والمتنفذين يومذاك فيها ممن كانوا يكيدون لك في السر والعَلَن من أمثال الوزير المهلّبي وصديقه الحاتمي وأضرابهما من المتشاعرين وزعانف الشعر. قال بعصبٍ بارد: وهل تريد مني أن أتعلّمَ لغة غريبة عليَّ في بحر يوم أو يومين؟ ثم ـ وهذا هو الأهم ـ كان لسان الرجل " دِلّير " عربياً خالصاً وما نطق أمامي بحرف واحد من لغته الأصلية أو الأم، لغة قومه الكُرد. كيف إذن أتعلم اللغة الكردية من رجل لا يتلكم إلاّ العربية؟ أشعل سيجارةً وأدخلَ نصفها دُخاناً في رئتيه ثم قال متهكماً متشفياً ساخراً: هل أتقنتَ أو تعلّمتَ أنت اللغة الكردية وقد أمضيتَ عاماً كاملاً في مدينة السليمانية (1973 ـ 1974) تُدَرِّس الأولاد في الجامعة؟ سؤال وجيه يا أبا الطيب ولكن، كنتُ أقوم بمهامي التدريسية باللغتين العربية والإنجليزية. ومع ذلك تعلّمتُ بضعة كلمات للتداول اليومي من قبيل السلام صباحاً والسلام مساء وتحية الإفتراق وما شابه ذلك من أمور غاية في البساطة. قال وماذا عن التسوق وإبتياع ما يلزم المرء من حاجات معيشية تنفع يومه أو غده؟ لا مشكلة يا أبا الطيّب، كان أصحاب المحلات المُنوَّعة يتكلمون العربية بهذا الشكل أو ذاك. عربيتهم بسيطة وكرديتنا أكثر بساطة (عربية مُكسَّرة تقابلها كردية أكثر تكسيراً وكان اللهُ في عَون الجميع). هم يبيعون ويجب أن يبيعوا، ونحن نشتري لأننا يجب أن نبتاع ما يُقيمُ أَوَدَنا وما يعيننا على مواصلة الحياة والتدريس في الجامعة. بيننا جسر متين إذن وقاسم مشترك. ثمَّ لا تنسَ لغة الإشارة، إنها لغة عالمية دَرَجتُ على إستخدامها حيثما وأينما كنتُ وسافرتُ في شتى أصقاع العالم شرقاً وغرباً، شَمالاً وجَنوباً. قال قد فهمت، بارك الله فيك. إذن نحن متساويان في التقصير. قلت لا تحزنْ يا أبا الطيّب ولا تبتئِسْ، ستكون الكردية لغة البلد الثانية. سيتعلّمها طلاب المدارس في مُختلف مستوياتهم التعليمية، وسيعم إنتشارها في العراق ولاسيّما في دوائر الدولة.

تركنا المكان وقمنا بجولة تمشٍ طويلة على الأقدام. إقترح المتنبي أن نتناول شيئاً من مُرطِّبات الصيف في هذا الشهر اللاهب الحرارة (تموز، شهر الثورات) فرأى أن نُطفيء حرارة الجسد واللسان بشيءٍ من (الآيس كريم). طلبَ (اليوغورت) Yoghourt وطلبتُ أل (سترو بري) Strawberry. شرعنا نتمشى في الطُرقات نتكلم حيناً ونترّشف ما في أيدينا من مخاريط المرطبات كما يفعل صيفاً سائر البشر المتمدِّن. كان صاحبي شديد الولع بما لديه. يغرسُ لسانه حيناً ويلطع أو يلحس أحياناً ممتِعاً نظره فيما تبقّى من الآيس كريم كأنه يخشى أنْ تنتهي محتويات المخروط. طلب مخروطاً ثانياً بأربعة كُراتٍ من الستروبري الأحمر اللون ثم إنتحينا جانباً للتمتع بقسط من الراحة إستعداداً لجولة جديدة من النقاشات الحادة. جلسنا على إحدى مصطبات المنتزه القريب الذي تظلله الأشجار الباسقة وتزينه الورود ونافورة الماء المتدفق بفخر وإستعلاء نحو السماوات العُلى. كنا قد أتفقنا من خلال البريد الألكتروني أن نناقش معاً موضوعة أكراد الحلة. كنتُ أعرف أن المتنبي يكنُّ للشعب الكردي كل الإحترام والود. كان هو في الحقيقة من إقترح أن أزوِّده ببعض المعلومات عن كُرد مدينتي الحِلّة. لم أعتذر رغم أنني لا أملك من المصادر ما يسمح لي أن أخوض في صلب هذا الموضوع الخطير. بلى، لديَّ مصدر واحد مؤلفه رجل جليل وصديق قديم ومربٍ فاضل تعرفه مدينة الحلة حقَّ المعرفة. إنه الشيخ (يوسف كركوش). إعتمد الشيخ كركوش على العديد من المصادر القديمة القيّمة فضلاً عن أحد أعداد مجلة المجمع العلمي العراقي (المجلّد السابع، الجزء الأول، الصفحات 96 ـ 98). كما أقتبسَ الكثير من المعلومات المتعلقة بتأريخ الحلة ونشوئها والذين أسسوها ومصّروها من شيوخ وأمراء بني أسد من آل مزيد … إقتبسها من تأريخ إبن الأثير المعروف بالكامل ومن مصادر أخرى كثيرة. قلتُ لصاحبي: هل من مخروط ثالث بخمس كراتٍ من الآيس كريم؟ قال كلاّ، لقد جمد لساني فأضحى الكلام في فمي صعباً. هل تحب الإضطجاع على هذه المصطبة ريثما ترتاح قليلاً؟ قال كلاّ، بل أود أن نخوض في موضوعنا الذي خصصنا له كامل هذا اليوم. طلب مني ـ كواحد من أبناء مدينة الحلة ـ أن أقصَّ عليه أولاً ما أعرف أنا عن كُرد الحلة قبل الخوض فيما قال المؤلفون والرحّالة والمؤرخون. أجل سيدي أبا الطيب، أهل مكّة أدرى بشعابها. في الحلة محلة قائمة بذاتها تُسمّى [محلة الكراد]. ولست متأكداً هل أنَّ سَكَنة هذه المحلة هم جميعاً أو بعضاً من الكُرد أم مجرد تسمية، إسم بلا مُسمّى. ثم إني قضيت ربع قرن من حياتي في الحلة لم أتعرف على أي شخص حلاّوي يقول إنه كردي. نعم، تعرف الحلة عائلة (العجمي) المعروفة ببيع الحلويات والدوندرمة بل وحتى الهريسة في صباحات الشتاء المبكِّرة في مقهى سومر لأصحابها جبار ونجم عبود العجمي. وتعرف الحلة عائلة (الهندي) وعوائل نزحوا إليها من مناطقَ ومدن أخرى. فهناك عائلة (الفلوجي / من الفلوجة) وهناك محلة الجباويين وآل الجبّاوي (من مدينة جُبّة) ومنهم الصديق العزيز الطبيب الإختصاصي الدكتور حسن الجُبّاوي، ثمَّ محلة الهيتاويين (من هيت) وآل البيرماني (من قصبة بيرمانة) وعوائل أخرى من مناطق أخرى من العراق. لكنْ ـ وهذا هو بيت القصيد ـ ليس في الحلة من يتلقب ب (الكردي) على حد علمي. تنحنح صاحبي وكان طوال الوقت مغمض العينين يصغي لحديثي. قلت له قلْ ولا تتأخرْ، يبدو أن لديك إضافةً أو إعتراضاً . قال أجلْ، نسيتَ ذكر عائلة أصدقائك من آل كريدي (فاهم ونادر وممتاز). قلت على الفور: كريدي هو إسم جد هذه العائلة الكريمة ولا علاقة له بالقومية الكردية وإنْ أُشتُقَّ منها على صيغة التصغير[كردي ـ كريدي]. وهذا الأمر شائع في العراق إذ نقول بديوي تصغيراً لبَدَوي و عليوي تصغيراً لعلي و هنيدي تصغيراً لهندي وهكذا. ثم، لعلمك يا صاحبي، لي في الحلة قريب من جهة والدتي أخرس اللسان إسمه " تُركي " ولا علاقة له بالتُرك. قال إنما " الكُرد " هو موضوع حلقتنا لهذا اليوم، لا التركي ولا العجمي ولا الهندي، فلِمَ لا تتأكد من أصل تسمية " كريدي " من صديقك إبن الحلة الدكتور ممتاز كامل كريدي وهو معك في ألمانيا؟ قلتُ سأفعل (إتصلتُ صباح هذا اليوم، الأحد الموافق 31 / 7 / 2005 بالصديق الدكتور ممتاز كامل كريدي مستوضحاً فقال إنَّ والده عربيٌّ عزّاوي، من قبيلة عزّة الحلة). وبعد، ماذا عن عوائل الحلة النازحة من أماكنَ أخرى؟ في الحلة عائلة مسيحية كريمة جاءتها من الموصل زمن عبد الكريم قاسم هرباً من الإغتيالات التي كان يمارسها البعثيون والقوميون بحق كل من يخالفهم في الرأي والعقيدة. طاب لها المُقام وقد أُحيطوا بكل آيات التكريم والإعتزاز من قبل مجتمع أهل الحلة. ففي العائلة معلمون ومعلِّمات (سالم وسامية وأميرة) ومهندس إسمه " رمزي " وممرضة إسمها " إنجيل " وتدعوها والدتها بإسم " أنجيل ". هذا دأبُ أهل الحلة مع الضيوف الذين يأتون الحلةَ موظفينَ أو كَسَبةً أو تُجّاراً. يقيم الغريب بين ظهرانيهم ضيفاً مُعزَّزاً حتى لا يود الرحيل إلى مسقط رأسه وينسى إنه غريب. قال صاحبي وقد فتح عينيه وإعتدل في جلسته: قد قلتَ وأفضتَ وأحسنتَ. الآن، خذني في سياحة مع ما كتب عن كُرد الحلة شيخُك وصديقُك (يوسف كركوش). ما إسم كتابه؟ إسم الكتاب يا محفوظ السلامة [تأريخ الحلة / القسم الأول: في الحياة السياسية]. قال ومن هو ناشر هذا الكتاب؟ الناشر هو [محمد كاظم الحاج محمد صادق الكُتُبي، صاحب المطبعة الحيدرية ومكتبتها في النجف الأشرف]. قال ومتى تم نشر الكتاب؟ ظهر الكتاب في عام 1965. قال هاتِ، سأصغي إليك وإلى صوت المربي والباحث الشيخ يوسف كركوش الذي ناله ما ناله من أذى على أيدي البعثيين والقوميين في زمن عبد الكريم قاسم. من أين أبدأ؟ قال بل تبدأ من تأريخ ومبدأ نشوء مدينة الحلة، وما كانت وكيف كانت قبل تمصيرها وإعمارها وما كان إسمها في تلكم الحُقبة قبل التمصير.

شيء عن تأريخ الحِلّة

أجلْ، يا أبا الطيّب، أنت تعرف أنَّ الحلة قريبة من بابل وآثارها المندرسة. وأنَّ جدران بعض دورها القديمة بُنيت من أحجار بابل وعليها الكتابة البابلية. فالحلة بهذا المعنى قديمة قِدمَ مملكة بابل حمورابي ثم نبوخذنُصّر. ومن الطبيعي أنْ تكونَ إمتداداً جغرافياً وسكانياً وإقتصادياً لمركز المملكة وعاصمتها. فنهر الفرات يمر ببابل أولاً ثم يأتي الحلة. وكانت المنطقة برمتها مكتظة ببساتين النخيل خاصة لذا سمّاها العرب الأوائل بعد الفتح الإسلامي بأرض السواد، أي أرض النخيل الكثيف والماء الجاري بكثرة. وكان إسمها قبل ذلك (سُورستان / أرض السريان… كما يقول بعض المؤرخين). هل كان للحلة يومذاك إسم خاص بها؟ لا أحدَ يعرف الجواب. ما كان إسمها بعد دمار مملكة بابل (حوالي 500 سنة قبل الميلاد)؟ من الذي أطلق عليها إسم (الجامعين) قبل تمصيرها في القرن الخامس الهجري ولماذا هذا الإسم بالذات؟ قال ياقوت الحموي في معجم البلدان عن الجامعين (هي أَجَمة قصب تأوي إليها السباع والوحوش). (الجامعان أو الجامعين) تسمية إسلامية ولكنْ في أي عهد أو زمن أخذت الحلة هذه التسمية؟ الأمر المثير أنَّ في الحلة الحديثة منطقة أو حي يُسمّى (الجامعين) فيه وُلِد ونشأ المرحوم والدي وعمّي هلال السريراتي وعمتي كلثوم والدة محمد والحاج فخري والكثير من أقربائنا. يقع هذا الحي بالقرب من ساحل نهر الفرات. الشيء بالشيء يُذكر: في منطقة الجامعين قبران لشخصين معروفين بإسم المُنتَجَب والمُنتَخَب. حتى أنَّ في الحلة أهزوجة كانت معروفة في زماننا تقول (بسوق المنتجب قصّوا خصاويةْ). فهل الجامعان هما جامعا هذين الشخصين أو ضريحاهما أو قبراهما؟ خلاف ياقوت الحموي، تقول دائرة المعارف الإسلامية ومؤلف (بلدان الخلافة الشرقية) [إنَّ الجامعين بالجانب الشرقي، مقابل الحلة، كانت مدينة زاهرة في موضع عامر بالخصب ثم تلاشى أمرها على إثر بناء سيف الدولة الحلة بإزائها بالجانب الأيمن للفرات / كتاب الشيخ يوسف كركوش الصفحة الأولى]. نفهم من هذا الكلام أنَّ الجامعين شيء والحلة شيء آخر. قامت مدينة الحلة فتلاشت الجامعين. هنا من حقنا أن نتساءل: لِمَ إحتفظت الحلة بحي كبير فيها إسمه (الجامعين) إذا كانت الجامعين منطقةً أو قصبةً أو مدينة قد تلاشت؟ في رأيي المتواضع أنَّ الجامعين هي الحلة وإنَّ الحلة هي الجامعين ولا غير ذلك. وإنَّ أول حي قام في هذه البقعة على نهر الفرات هو (الجامعين). إذن فإسم الحلة العربي الإسلامي القديم هو الجامعين ثم غدا في زمن غير معروف الحلة. (الجامعين) هو أصل الحلة وقاعدتها الأساس وأول حي فيها. وحين قامت الحلة في القرن الخامس الهجري مدينةً وعاصمةً لآل مزيد من أمراء بني أسد القادمين إليها من واسط ثم النيل إحتفظت بالأصل والأساس فتعايش الإسمان على مرِّ العصور. الحلة مدينة والجامعين حيٌّ فيها. اللاحق يركب أكتافَ السابق والإبن يأخذ إسم أبيه، يُزيحه ويأخذ مكان الصدارة. يبقى اللغز لُغزاً: من أطلق عليها إسم الحلة ولماذا هذا الإسم وليس سواه؟ في الحلة قول يعرفه جيلنا مفاده إنها سُميت بالحلة لأنَّ عليّاً بن أبي طالب {حلَّ} فيها وأقام فترةً من الزمن. كان في الحلة حتى أواسط أربعينيات القرن الماضي مُقام رطب في بساتين كثيفة من أشجار النخيل في المنطقة المسماة (باب المشهد) يقول الِحليّون عنه إنه (مَقام علي إبن أبي طالب). شاهدت هذا المقام طفلاً وكنتُ أزوره مع باقي أطفال محلتنا المسماة (عكد المفتي / محلة جبران). وعليه فإنَّ كلا التسميتين إسلامية. الطريف أنَّ هناك أكثر من موقع يقال عنه (حِلّة) بين واسط والبصرة والأهواز حسب ما جاء في مُؤلَف شيخنا يوسف كركوش آنف الذكر. الحلة لغةً هي المكان الذي يحل فيه شخص أو قبيلة أو شعب، مكان للإقامة والحلول، إسم مكان للفعل حلَّ أو أحلَّ. يذهبُ بعض الناس إلى ما هو أبعد من ذلك في تأويلهم لأصل إسم الحلة. يقولون إن التسمية في الأساس جاءت من كونها [حُلّة من حُلل الجنة]. لا أجد هذا التفسير بعيداً من حيث الجوهر عن زعم القائلين بإنها سُميت كذلك بسبب إقامة أو حلول الإمام علي فيها. في أحد أسواق الحلة القديمة مكانٌ يَطلق الناس عليه [الغيبةْ]، يوقدون فيه الشموع ليلة الخميس / الجمعة من كل أسبوع. وفي جنوب الحلة بناء متين يقع على شاطيء نهر الفرات يسميه أهل الحلة (مقام جعفر الصادق). وقريب من هذه المنطقة مكان معروف بإسم (النبي أيوب !!). من جُماع هذه الأخبار يستنتج المرء أنَّ للحلة سِمةً وإعتباراً دينيين عريقين يمتد من عهد النبي أيوب (؟؟ !!) حتى عهد الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب. ففي زمن أيِّ بابلٍ عاش النبي أيوب المزعوم، بابل الأولى (بابل حمورابي) أم بابل الثانية الكلدانية (بابل نبوخذنُصّرْ)؟؟. كما أنَّ في الحلة قبورَ الكثير من الأولياء الصالحين ورجال الفقه وعلوم الدين والحديث والتفسير وغيرها من علوم الدين. أكبرها وأكثرها شهرة هو قبر ومسجد (إبن طاووس) القريب من المدارس التي تعلّمتُ فيها (الشرقية الإبتدائية ثم متوسطة الحلة للبنين) الواقعتين على نهر الفرات. ثم إنه يقع وسطاً بين محلة (السَنيِّة) وبدايات حي جُبران. ولكي تكتمل هيبة الحلة الدينية وتأخذ البعد الذي تستحق أضفتُ قائلاً: ولا تنسَ يا أبا الطيّب محيط الحلة، فأضرحة كلٍ من (القاسم) و (الحمزة) شديدة القُرب من هذه المدينة. وإلى جنوبها قبر (ذي الكِفل) الذي ورد ذكره في القرآن الكريم. وإذا ما توسّعت الدائرة قليلاً سنجد أنفسنا في مدينة النجف حيث ضريح الإمام علي، وفي مدينة كربلاء حيث ضريح الحسين بن علي بن أبي طالب. هل تريد المزيد؟ سألتُ صاحبي. تثائب الرجل، ولمحت في وجهه أَمارات الملل وبعض الإعياء. هل أواصل كلامي يا أبا الطيب أم نؤجل جلجلوتية الحلة وكامل موضوعها حتى يوم غد؟ لم يُجبْ المتنبي حتى حسبته نائماً. كان يفكر وما كان في سُبات. كررتُ عليه سؤالي فقال بل نواصل جولتنا فحديث الحلة حديث لا يَملُّ السامعُ منه. ثم لا تؤجلْ عملَ اليومِ إلى غدٍ.

متى تمَّ تمصير الحلة ومن الذي قام بتمصيرها وما هو دورالكُرد في كل ذلك؟

سؤالك وجيه يا أبا الطيب، وإنه كما تعلمُ وأعلمُ محور حديثنا لهذا اليوم. في كتاب الشيخ الجليل يوسف كركوش معلومات ضافية وشروح وافية تزوِّدنا بالإجوبة التي نروم. قال هيا ولكن على مهل، لا تتعجلْ الأمور كعادتك، فالشيخ صديقك وليس صديقي. كرِّمهُ ولا تبخسْ حقه. قلتُ بل وسأخلِّد الرجل فأياديه بيض ومجهوده مشكور ستتذكره الأجيال الجديدة جيلاً بعد جيل. قال هيّا، خذْ رأسَ الشليلة وتوكّلْ على الله. يا أبا الطيّب، نقرأ في الصفحتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة من كتاب الشيخ كركوش ما يلي [كانت مجالات بعض بطون بني أَسَد بن خزيمة من أجيال مضر في القرن الرابع الهجري بين البصرة وواسط والأهواز، وبالضبط في ميسان. وكانت الزعامة لبني ناشرة بن نصر وهم بطن من بني أَسَد. وكان يتنافس على الزعامة بنو مَزْيّد الناشري وبنو عفيف الناشري، وقد إنشقّت بطون بني أسد إلى شطرين. علا شأن بني مَزْيّد بإتساع نفوذهم لكثرة أتباعهم من بني قومهم وغيرهم من حلفائهم من {الأكراد الشاذان والجاوان} فصار الخلفاء والسلاطين من آل بُوَيهْ يخطبون ودّهم، فاعترفوا بهم أُمراءَ رسميين وبذلك إنتقلوا من المشيخة إلى الإمارة. وقد لعبوا دوراً مهماً في تأريخ الدولة العباسية دام نحوَ قَرْنٍ ونصف. كان أُمراءُ الأُسرة المَزيدية ثمانية أولّهم الأمير أبو الحسن علي بن مَزيد]. علّق المتنبي على الفور قائلاً: إنها واللهِ لقصّة طريفة. تأريخ طريف. لكأني أشاهد فيلماً سينمائياً بالألوان. عاشت جهودك أيها الشيخ الجليل كركوش. زجرتُ صاحبي قائلاً: لا تقاطعني يا إبنَ أُمّي، لا تقاطعني، تحلَّ بالصبر ونحن نتكلم عن الحلة. قال عاشت حِلّة حمورابي ونبوخذ نُصّر، جَدُ بني ناشرة بن نصر (نُصّرْ ـ نَصرْ). ثم إنَّ الفعل (يتحلّى) مشتق من الحلاوة، لذا ففي إسم الحلة طعم ومذاق الحلوى وكل السُكّريات المعروفة ولا سيّما بقلاوة (هادي العجمي الحلي، عم جبار ونجم). فمجرد تلفّظ إسم الحلة يستدعي كل ما في الكون من حلاوات تُسكِر الفم واللسان. مذاق الحلة حلو الطعم وموقعها الجغرافي وهيئتها وتأريخها. نعم، الحلة لغةً حلوة بعد أن سقط أو أُسقِط منها حرف الواو (حلّة ـ حِل..و..ة). قلت لصاحبي مُمتَعظاً لسنا يا أبا الطيب في شهر الصوم رمضان. قال ماذا تقصد؟ قلت لِمَ كل هذا الشغف والإغراق والإستغراق في طعوم الحلويات، هل أنتَ جائع؟ قال إنما أنت السبب. كيف يا أبا الطيب؟ قال إستعملتَ فعل الأمر (تحلَّ) فأرجعته إلى أصله أو جذره اللغوي ثم ربطته بإسم مدينتك ثم بالحلوى فوجدت أنَّ الحلة تعني ـ فضلاً عن معانيها الأخرى ـ حلوة. لا فُضَّ فوك أبا الطيب، لأنتَ أنت صاحب اللغة وفيلسوفها الذي لا يُشقُ له غبار. قال وهل نسيت شعري الذي قلت فيه (أنامُ ملءَ جفوني عن شواردها …)؟ قلت لم أنسَ، وباقي بيتك هو (ويسهرُ الخَلْقُ جرّاها ويختصمُ) قال أحسنتَ. أين وصلنا في الحديث؟ قال أكملْ حديث شيخنا كركوش عن منشأ مدينة الحلة ودور آل مَزيد من بني نصر وحلفائهم الكرد في تمصير وتعمير هذه المدينة. نعم يا أبا الطيب. جرت حروب بين جناحي بني ناشرة بن نصر الأسدي، جناح بني مَزيد الناشري بزعامة الأمير أبو الحسن علي بن مَزيد والآخر تحت زعامة إبن عمه عفيف الناشري. وقعت هذه الحروب ما بين عامي 401 و 405 للهجرة ولأسباب لا أرى ضرورةً لذكرها. الأمر الهام هو أنَّ الأمير أبو الحسن علي بن مَزيد كان قد قاتل إبن عمه عفيفاً بجيش لَجِبٍ من العرب وقبيلتين من الكُرد هما الشاذنجان والجاوان. في إثر هذه الحروب التي خرج منها منتصراً، قرر أبو الحسن علي بن مَزيد ترك مناطق ميسان فإرتحل بعشائره وسائر أتباعه قاصداً ريف النيل حيث الأراضي الخُصْبة والماء الوفير فإنتشرت عشائره في أرياف الفرات في أرض بابل وأصبحت المنطقة التي تتغذى بماء نهر النيل عاصمةً لهذا الأمير الأسدي. النيلُ نهرٌ إحتفره الحجّاج بن يوسف الثقفي يأخذ ماءه من نهر الفرات في أعلى الحلة ويصب في نهر دجلة بالقرب من النعمانية. بقيَ الأمير أبو الحسن علي بن مَزيد أميراً في منطقة النيل حتى وفاته عام 408 للهجرة. خلفه على إمارة النيل وبني أسد ولده (دُبيسْ). خلعَ سلطان الدولة البويهي على دُبيس وأقرّه في أعمال أبيه ومنحه لقب (نور الدولة). نهجَ دُبيس نورُ الدولة نهجَ أبيه فأسّس جيشاً قوياً مؤلفاً من العرب والأكراد الجاوانيين. قصد الشاعرُ

المعروف (مهيار الديلمي) الأميرَ دُبيس ومدحه بقصيدة طريفة يقول فيها:

وأنَّ ببابلَ  مِنكمْ  لَبَحراً

لو انَّ البحرَ جادَ كما يجودُ

 

ويأبى  اللهُ  إلاّ  مَزْيَدياً

على أَسَدٍ يُؤمَّرُّ أو يسودُ

 

إذا اشتبَهتْ كواكبكمْ طُلُوعاً

فنورُ الدولةِ  القمَرُ  الوحيدُ 

توفي الأمير نور الدولة عام 474 للهجرة فخلفه ولده بهاء الدولة أبو كامل منصور. وبعد وفاة هذا في عام 479 تولى إمارة بني مَزيد ولده الأمير سيف الدولة صَدَقةْ. وسيف الدولة هذا هو أول من مصّرَ الحلة وإتخذها عاصمةً له في شهر مُحرَّم عام 495 للهجرة. قال ياقوت الحموي في مُعجم البلدان حرف الحاء واللام [كان أول من عمّرها ـ الحلة ـ ونزلها سيف الدولة صَدَقةُ بن منصور بن دُبيسْ بن علي بن مَزيد الأسدي وكانت منازل آبائه الدور من النيل / كتاب الشيخ كركوش الصفحة 22]. كان صاحبي شديد الإصغاء لما كنتُ أقول. وكان بين الفَيْنة والفينةِ يهزُّ رأسه ذات اليمين وذات الشمال. كان خاشعاً صامتاً يتملّى هيبةَ وجلال تأريخ الحلة وسياق الأحداث الكبيرة في عمر البشر. جالت في سماء العراق وهوَّمتْ أسماء شهيرة لم تتكرر في تأريخ بلاد ما بين النهرين مثل جلجامش سومر وواضع القوانين حمورابي بابل ونبوخَذنُصَّرْ ثم الأمير سيف الدولة صَدَقة الأسدي. قال ألا من شاي ثقيل أُحرِّك به دماغي الذي سَحَرته حلّة بني مَزيد الأسدي؟ تدللْ أبا الطيّبْ، سيأتيك الشاي فوراً وسيأتيك ما هو أكثر من الشاي. فتح عينيه واسعتين كأنما يتساءل عن هذا الأكثر من الشاي. قلتُ بعض الحلوى… أفلمْ تقلْ قبل قليلٍ من الوقت إنَّ في إسم الحلة مغزى ومعنى وطعم الحلاوة في الفم؟ قال بلى، قد واللهِ قلتُ ولستُ نادماً على ما قلت. هاتِ شايك وحلاوتك أو حلوياتك الحلاوية… مصقول وحلقوم وبقلاوة طيّب الذِكر هادي العجمي. حلا يحلو والمؤمنون حَلَويون أو حِليّون، لا كبيرَ فرق. قال أتسمح لي أن أُدخِّن سيجارة (لفْ)؟ قلت لماذا اللف أولاً، ثم ما عوَّدتني أن تطلب موافقتي لكي تُدخّن أبداً، فما خطبُك أبا الطيب هذا اليوم؟ قال أنتم تقولون إذا طابت النفوسُ غنّت، أما أنا فأقول: إذا طابت النفوس {لفّتْ ودخّنتْ}…دخَّنَت سيجارة (لَفْ). بين الشاي والحلوى وسجائر اللف ظلَّ صاحبي يردد ويرسم بأصابعه في الهواء الرقم 495. لم أشأْ أن أسأله عن معنى ذلك لأنَّ الأمر كان شديد الوضوح: يؤرِّخ صاحبي عام وإبتداء نشوء مدينة الحلة. نام صاحبي لكثرة ما تناول من حلويات أهل الحلة. تركته ينام عميقاً وقلت فلأدخل مثله في قيلولة أو نصف قيلولة لعلّي أعود في أحلامي القهقرى ويسعفني الحظُ فأقابل سيف الدولة صَدَقة مقابلةً صحافية وأسجِّل له تسجيلاً صوتياً يحدثني فيه عن مراحل نشوء مدينة الحلة وكيف قام بتمصيرها وكيف كانت قبل نزوحه إليها. ما كدتُ

ألمح سيفَ الدولة طيفاً سريعاً في منامي حتى نهض المتنبي من نومه طالباً بعض الشاي وأن أواصل الحديث عن تأريخ الحلة ووضعها الإجتماعي في بدء تمصيرها.

نقرأ على الصفحتين 26 و 27 من سِفر شيخنا الجليل يوسف كركوش ما يلي:

[المجتمع الحلّي في عهد سيف الدولة ـ إنَّ المجتمع الحلي كان يتكون من عناصر مختلفة: عرب وأكراد ونَبَط سكان البلاد الأصليين. أما العربُ فكان أكثرهم من بني أَسَد ولهم السيادة. ويوجد طوائف من عرب خفاجة و عبادة وعقيل وغيرهم من عرب العراق. وأما الأكراد فهم قبيلة الجاوان. قال الفيروزآبادي ـ القاموس المحيط، باب النون فصل الجيم ـ: و جاوان قبيلة من الأكراد سكنوا الحلة المزيدية بالعراق منهم الفقيه محمد بن علي الجاواني، زاد عليه السيد مُرتضى الزبيدي في شرح القاموس " الحلي الشافعي ". وذكره السبكي في الطبقات وبيّن أنَّ مولده سنة 468 هجرية. كان الجاوانيون، قبل نزوحهم إلى الحلة، يسكنون الجانب الشرقي لدجلة حيال طريق خراسان. والظاهر إنهم إمتدّوا في السكنى على النهروان في شرقيِّ بغداد إلى جرجريا قرب الكوت / مجلة المجمع العلمي العراقي م 7 ج 1 ص 94 . وهذه القبيلة حالفت بني مَزيد الأَسَديين وشاركتهم في السرّاء والضرّاء قبل نزوحهم إلى النيل. وعلى ما يظهر أنَّ إتصالهم بالمزيديين يمتدُّ من عهد الأمير علي بن مَزيد حينما كان في ميسان. وكانت السيادة لبني مَزيد عليهم وعلى بني أسد ومن إنضمَّ إليهم. كانت قبيلةُ الجاوان شافعيةَ المذهب والمزيديون شيعةً إثني عَشَرية ولكن على ممر الأيام إندمجوا ببني أَسَد فصاروا شيعةً إثني عَشَرية، كما إستعربوا ولا تزال محلّتهم في الحلة تُعرف بالكراد الجوّاني. وفي عهد الأمير وَرام الثاني إبن أبي فِراس إنتقل الجاوانيون إلى أرض الجامعين ليؤسسوا الحلة مع أمير بني أَسَد صَدَقة، ومن بطون الجاوانيين البِشرية و نَرْجِس / مجلة المجمع العلمي العراقي م 7 ج 1 ص 96]. نتابع ما قال الشيخ كركوش على الصفحة 27 [من الجاوانيين الأسرة الورامية نسبةً إلى وَرام بن محمد الجاواني الذي كان عائشاً في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري الذي كان له تحالف مع الأمير أبي الحسن علي بن مَزيد الأسَدي. ومما زاد في قوّة التحالف حصول المصاهرة بينهم وبين الأسرة المزيدية، فقد كانت أم الأمير صَدَقة من الوراميين. إنَّ وَرام بن أبي فراس خال الأمير صَدَقة…كان الأمير صَدَقة يعتمد على الجاوانيين وأقطعهم بلاداً في الأعمال الواسطية وغيرها]. كان المتنبي يُصغي لهذا الحديث خاشعاً مسحوراً مأخوذاً بما يسمع. كان كالغائب عني وعن الوجود. بعد فترة ليست قصيرة سألني: وماذا تستنتج من حديث شيخك كركوش؟ قلت أستنتج ما يلي، ثم إنَّ لي بعض الملاحظات:

1- إنَّ قبيلة جاوان الكردية، بفرعيها البِشرية ونَرجِس، كانت في حوالي منتصف القرن الرابع الهجري قد غيّرت مذهبها الشافعي وإنتقلت إلى المذهب الشيعي الإثني عَشَري. ولما كانوا من مؤسسي مدينة الحلة مع حلفائهم وأصهارهم من بني مَزيد الأسدي، فإستنتاجي الأول هو أنَّ أكراد الحلة كانوا وما زالوا شيعةً إثني عشرية. فهل هم من الكرد الفيلية الشيعة الذين نكّل بهم مجرم العصور والدهور صدام حسين وهجَّرهم في ليل أسود إلى إيران؟

2- ما زالت، حتى عهد غير بعيد، أكثرية غالبة من الكرد الشيعة تقطن في ضواحي ونواحي وبعض أقضية محافظة ميسان والكوت منتشرين شمالاً حتى خانقين وبعض مناطق محافظة ديالى. فمن تلك المناطق جاء كُرد الحلة مع بني مَزيد.

3- تحالف الكُرد والشيعة تحالف قديم، كان ولم يزلْ حجر الأساس في إستقرار العراق. ووضع العراق اليوم يقدم الدليل الأسطع على صحة هذه المقولة. يمثل الكرد والشيعة غالبية أعضاء المجلس الوطني المطلقة كما هو معلوم للجميع.

4- لم يُنصف شيخنا الجليل يوسف كركوش إذ قال عن كُرد الحلة الجاوانيين [ولا تزال محلتهم في الحلة تُعرف بالكراد الجوّاني]. لفظة الجوّاني لا علاقة لها بإسم قبيلة جاوان الكردية. المقصود بها الداخلي ـ التحتاني ـ أو البعيد عن الشوارع العامة. ففي بعض أحياء الحلة دورٌ تقع عميقاً في أزقّة شديدة الضيق وحيدة المدخل والمخرج. هذا النوع من هندسة البناء فرضته ظروف الحلة زمان أن كانت تغزوها القبائل المحيطة بها، ولاسيّما خفاجة وجنابة، بين فترة وأخرى. إنه نوع من الدفاع عن النفس. فما كانت تجرؤ فرسان الغُزاة على دخول مثل هذه الأزقّة الضيقة بخيولهم… وإلاّ فالأحجار كانت ستتساقط على رؤوسهم من سطوح الدور… هذا ما كانت تقوله المرحومة جدتي لوالدتي، والذي كان معروفاً وسائداً حتى آواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن العشرين. جاوان شيء والجوّاني شيء آخر.

5- إسم " نَرجس " هو إسم كثير الشيوع بين الكُرد الشيعة، يتلفظونه بشكل آخر: يقولون " نَركِسْ "… كما يلفظ المصريون حرف الجيم.

6- ليس في الحلة الحديثة أي ذكر لقبيلة الجاوان أو البِشْرية أو النرجسية أبداً.

فكيف ولماذا ومتى إختفى إسم القبيلة الكردية جاوان وفرعاها وفي الحلة كُرد معاصرون ومحلة تحمل إسمهم؟

7 – لا علاقة لتشيع الكرد (الفيلية) بإيران إذن. فهم شيعة قبل الصفويين وشيعة منذ زمن البويهيين. تشيّعوا بالتحالف والمصاهرة مع رؤساء قبيلة بني أسد الشيعة ـ وإستعرب بعضهم ـ منذ منتصف القرن الرابع الهجري. أي أنَّ تشيّعهم وقع في زمن جليسي الشاعر أبي الطيّب المتنبي. أليس كذلك يا صاحبي؟ هزَّ رأسه بالإيجاب والموافقة ثم قال يؤسفني أني لم أشهد حركة تأسيس وتمصير حلة الحلاوة والحلل والحليّ، ذاك لأني قُتلتُ في عام 354 للهجرة في بقعة تقع في وسط مناطق نفوذ وإمتدادات بني أسد وحلفائهم الكرد الجاوانيين. قُتِلتُ قرب النعمانية بين واسط وبغداد. قلت له مداعباً: لو كنتَ قد إنتقلت إلى الحلة مع الكرد الجاوانيين وبني أسد، فما كنتَ، تُرى، ستفعل هناك وكيف كنتَ ستقضّي أيامك؟ قال على الفور: كنت سألتحق بالأمير سيف الدول صَدَقة، مؤسس الحلة، نديماً وصديقاً ومادحاً. ولكنت واجداً فيه بديلاً لسيف الدولة الحمداني صاحب حلب، الأمير الذي صافيته الود فغدر بي وسكت عن تخرّصات خصومي من أشباه الشعراء. سألتُ صاحبي: هل لديك شيء تقوله أو تعليق أو إعتراض؟ لم أسمع جواباً. غاب عني المفتون بالغيبة والغياب والحضور. كلّمتُ نفسي قائلاً: يحتاج هذا البحث إلى مراجعة وربما إضافة المزيد من المعلومات والتعليقات ثم الرجوع إلى الكثير من المصادر القديمة والحديثة. مصدر واحد لا يكفي لتغطية موضوع خطير كهذا. قلتُ عسى أن يواصل غيري من الكتّاب البحثَ في هذا الموضوع وفضلي الوحيد ـ وبمساعدة شيخي وصديقي يوسف كركوش ـ أني مهدّتُ لهم الطريق فليدخلوه آمنين.

سؤال أخير: أين سأنشر هذا البحث؟؟ سمعت المتنبي يقول: أُنشره في الكثير من مواقع الإنترنت. ليقرأه الأخوة كُرد كردستان. ليقرأه جلال وبارزان. كُرد الحلة غير معروفين هناك.

ملاحظة أخيرة: ذكر المسعودي (أكراد واسط) في أحداث عام 329 الهجري في الجزء الرابع من مؤلفه الشهير [مروج الذهب ومعادن الجوهر، الطبعة الرابعة 1981، دار الأندلس / بيروت، الصفحة 260]. فهل كان هؤلاء من أكراد قبيلة جاوان أو غيرهم؟ فهؤلاء جاءوا الحلةَ من هناك.

 

د. عدنان الظاهر

 

محمد فتحي عبدالعالشجرة الدر أو شجر الدر عصمة الدين أمّ خليل. عندما تتحول الغيرة إلى وحشٍ مفترس وتثق بأنّ العرب بعد الإسلام يقبلون بحكم المرأة على مضض. أنصحك أيّها القارئ أن تتعلم من قصص التاريخ الحكمة و أن الأيام تتجدد ولكن بألوان مختلفة وحلل جديدة. هل المرأة جديرة بقيادة الحكم؟ سنقدم مثالاً على امرأة مسلمة استطاعت بفطنتها وذكائها أن تسمى ملكة المسلمين لا نعلم شيئاً عن طفولتها ولكن هذه الجارية التي اشتراها السلطان الصالح نجم الدين الأيوبي ويبدو أن سوق النخاسة وبيع الجواري كانَ منتشرا في ذاك الزمان وهي عدالة السماء تمنحها فرصة الحرية والانعتاق من العبودية وقد خفق قلب الملك وطرب بصوتها الرنان وتمايل مع غنجها ودلالها ليعلن زواجه وتنجب له ولده خليل وتكنى بأم خليل. كانت بلاد مصر في ذاك الزمان في حالة صراع مستمر والسلطان الصالح نجم الدين الأيوبي في معارك طاحنة ومستمرة، ووفاته في هذه الظروف هي فقدان لمقاليد الحكم وهذا لا ترضاه زوجته المعروف عنها بمشاركة زوجها الحكم وتقديم النصيحة بذكاء يشهد له التاريخ أخفت خبر وفاته بالتعاون مع قلة من قادة الجيش وتمّ دفنه في قلعة جزيرة الروضة بسريّة تامة. وأعلن عن تدهور حالته الصحية وكانت تدخل الطعام لغزفته يوميا كي لا يشك أحد بموت السلطان. وعندما شعرت بأن خبر موته لا بد من انتشاره استدعت ولده وأعلنت توران شاه ولي عهد للسلطنة المصرية. وظهر في عهدها القائد المعروف الظاهر بيبرس الذي هزم الصليبيين في المنصورة. توران شاه بدأ يطالب شجرة الدر بأموال والده وهددها بالقتل ولكن المماليك أصحاب الكلمة أعلنوا شجرة الدر ملكة المسلمين بعد قتل توران شاه وبذلك انتهى حكم ليبدأ حكم جديد مع شجرة الدر والمماليك وكان الدعاء لها في المساجد (المستعصمية الصالحية ملكة المسلمين والدة خليل أمير المؤمنين) أرادت أن تكسب رضى أمير المؤمنين المعتصم ولكنه رفض الفكرة وكتب لهم (إن كانت الرجال عدمت عندكم فاعلمونا حتى نسير إليكم رجلا) وهذا دليل على صعوبة تقبل الفكر الإسلامي العربي للمرأة الحاكمة. ومن الناحية العلميّة يجب الاعتراف بذكاء وفطنة هذه المرأة و هذا الصعود السريع وهذه القدرة الادارية العالية الكفاءة لشجر الدر تقودنا لتساؤل مهم :هل المرأة أكثر ذكاءا من الرجل ؟!! نعم إنه سؤال محيّر.. الحقيقة أنّ محاولة إيجاد إجابة علمية لهذا التساؤل كانت مع تشارلز داروين صاحب نظرية أصل الأنواع والذي ذهب بالقول إن أدمغة النساء أصغر من نظيرتها في الرجال وهو ما تؤيده الأبحاث الحديثة الحالية من أن دماغ المرأة أصغر ب ٨٪ من حجم دماغ الرجل  و لازالت تتباين الدراسات العلمية إلى يومنا هذا  ما بين المنتصرة لتفوق ذكاء المرأة وأخرى تدفع باتجاه تميّز ذكاء الرجل مستخدمين طرق للقياس مختلفة إلا أن اتجاها يرى أن الذكاء بين الجنسين متقارب ففي دراسة بقيادة د.ستيوارت ريتشي بجامعة ادنبره باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ للجنسين وجد  أن أدمغة النساء تميل لامتلاك قشرة مخّية أكثر سماكة من الرجال، ما يعني ارتباطا بالقدرات الإدراكية ومعدل الذكاء العام، بينما تميل أدمغة الرجال أن تمتلك مناطق تحت قشرية أكثر سمكا، كمنطقة قرن آمون (التي تلعب دورا كبيرا في الذاكرة والإدراك المكاني) .. 

راغدة شريفهجوم كبير على حكمها ومعارضة بأن المرأة لا يحق لها السلطة فلم تجد شجرة الدر بدا من التنازل عن حكم مصر ولكن لمن ؟!! ...كان المماليك منقسمين بين زعامتين قويتين هما عز الدين ايبك وفارس الدين اقطاي فمال قلب شجر الدر إلى ايبك وتنازلت له عن الحكم إلا أن الأمر لم يرق إلى المماليك فحاولوا تقليص سلطات ايبك بتولية أحد أبناء  البيت الأيوبي وهو الملك الأشرف موسى بن يوسف بن يوسف بن محمد وكان في السادسة من عمره لتكون سابقة أخرى في التاريخ المصري وهي تولي حاكمين على عرش مصر ...لكن سرعان ما استتب الأمر لايبك بمقتل منافسه اقطاي وعزل الملك الأيوبي الطفل فاتجه ايبك إلى توسيع نفوذه فقرر الزواج من ابنة صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ مما اجج شعور الغيرة عند شجر الدر.

‎يقودنا هذا إلى تساؤل؟ هل هناك تفسير علمي للغيرة التي تشعر بها المرأة عندما تنافسها امرأة أخرى؟! وما الذي يدفع الرجل للزواج بأخريات؟!!

الإجابة على التساؤل الأول تحمله لنا دراسة على صفحات مجلة biology letters من أن الغيرة ترتبط بارتفاع نسبة هرمون الأستروجين في فترة الاباضة !!..بينما الإجابة على التساؤل الآخر تحمله لنا دراسة من جامعة شيفيلد البريطانية من أن الزواج بامرأة ثانية يمنح الرجل ثقة بالنفس وراحة أكثر كما يجعله يعيش لفترة أطول!!

 شجرة الدر والتي قررت ان تنتقم لكرامتها فخططت لقتل زوجها ايبك  بمعاونة بعض المماليك فقتل أثناء استحمامه بقلعة الجبل...حاولت بذكاء التنصل من اية  صلة لها بمصرع زوجها إلا ان زوجة ايبك الأولى قررت أن تنتقم من شجر الدر فأمرت بضربها بالقباقيب حتي الموت ثم القيت عارية من سفح قلعة الجبل ويقال بقيت لأيام في العراء بعد موتها ليرق بعض الناس لحالها ويواروها الثرى ...وهكذا استدل الستار على ملكة ملكت أرض النيل يوماً وكانت النهاية مأساوية.

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الباحثة السوريّة في علوم اللّغة

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري

 

عبد الجبار نوريالمقالة معادة كُتبتْ يوم الحادث المؤلم، ولتكن مرثية وداع لتل الورد "عريان السيد خلف" عملاق القصيدة الشعبية وهو يتوسّد الثرى، ودعوة للحكومة العراقية للتصدي للأهمال الغير مبرر للفنانين والأدباء والعلماء العراقيين ---

توطئة/لقد تعرض شاعرنا الشعبي الكبير "عريان سيد خلف " لحادث سير مؤسف وسط بغداد يوم الثلاثاء 27-6-2017 متمنين لهُ الشفاء العاجل وأن يستمر برفدنا من تغريداتهِ الشعرية الجميلة والمؤثرة في مسيرة شعبنا النضالية الشاقة، لذا نقول لهُ : أنهض يا عريان صوتك يمطر حلمْ، أنهض يا عريان كلبك ينبض نغمْ، أنهض أللي يعشك العراق ما ينهدمْ، أنهض يا ترافة شعر، ويا واحة زهر.

تعال يا جيفارا الأهوار وزنزانات الموت يا أبا خلدون نحن بحاجة لأمثالك في يومنا هذا زمن الغفلة والضياع، والجماهير الشبابية تنتظرك في ساحة التحرير وهي منذ ستة سنوات رافعين شعارالتحدي وبلون الدم الأحمر {أين حقي ؟؟؟} وهو عنوان مطلبي في قصيدة للشاعر الثوري " محمد بحر العلوم " وهو رفيقك ونزيل سجنك السياسي عام 1963 وهذا مقطعٌ منها {طرقتُ على الحقيقة ألف باب / فلم أسمع لها رد الجواب، فلم ألحظ أمامي غير لصٍ / تستر بالعمامة والخضاب، فيمنحُ من يشاء صكوك عفوٍ / ويدفع من يشاء إلى العذاب.

متن الموضوع /هوشاعر شعبي عراقي من مواليد الناصرية – قلعة سكر، بدأ نشر قصائده مطلع الستينات من القرن الماضي، حاصل على وسام اليرموك من جامعة اليرموك الأردن، وحاصل على دبلوم صحافة، وهو عضو نقابة الصحفيين العراقي، وأتحاد الصحفيين العرب، ومنظمة الصحافة العالمية، وعضو في جمعية الشعراء الشعبيين العراقيين، وهو عضو في الحزب الشيوعي العراقي، ولأنهُ نهل من روافد هذا الحزب الثمانيني المناضل لذا شكل السيد خلف (ظاهرة) شعرية فريدة تخصص بها : وهي الواقعية الشعرية اليسارية الثورية التقدمية الرافضة ذات المغزى السياسي، فحصل على سفرٍمن النضال والكفاح في مقارعة الدكتاتورية والنظم الشمولية، ودفع فاتورتها بالسجون والمعتقلات وحكم عليه بالأعدام مرتين وقُطع لسانهُ وكُسرتْ أضلاعهُ وخرائط التعذيب واضحة على جسدهِ أنها وسام شرف يفتخر بها الشاعر لآنهُ حافظ على شرف الكلمة وشرف الرجولة، وأبدع في كل فنون الشعر كالبوذية والدارمي التي هي دندنات ذلك الجنوبي العراقي المتعب والمستلب دوماً في بث أهاتهِ ومعاناته في طور المحمداوي ونغم الصبي في ترجمة واقع العراق السوداوي الحزين أصلاً، وتعتبر قصائدهُ مرجعاً لتطوير وعي الجماهير في المطاولة والصبر ونشر ثقافة المواطنة والتمسك بوحدة العراق، وشاعرنا من جيل الستينات وبداية السبعينات فترة المد التقدمي اللبرالي اليساري في كتابة القصيدة الشعبية المغنات بعضها : أمثال مظفر النواب وشاكر السماوي وعزيز السماوي وناظم السماوي وزهير الدجيلي، تمكن هذا الجيل المثقف في التوليف والمزج بين هذا الوعي الثقافي الثر مع نتاجات الحداثوية والعصرنة، فهو صديق الفقراء والمعدمين والعمال والشغيلة الكادحة، فهو بحق يمثّلْ أحد أقطاب الشعر الشعبي في العراق، ومن الرموز الثقافية الوطنية الجماهيرية .

دواوينهُ الشعرية/ الكمر والديرة، كبل ليلة، أوراق ومواسم، شفاعات الوجد، صياد الهموم، تل الورد --- .

مميزات أسلوبه الشعري

-قصائدهُ وليدة الأحداث والصراعات الطبقية مع الأوضاع السياسية وتغيراتها المرعبة خلال عقدٍ من الزمن، وأغلب قصائدهُ تتسم بالعمق وبريق الفكرة بريفيتها وحاضرتها، لذا ترسخت في الذاكرة الجمعية العراقية، ومثّلتْ الصوت الحقيقي في مقارعة الأنظمة الشمولية، وتألقتْ نجوميتهُ للعالمية من خلال الخصوصيات المحلية وجولاتهُ الشعرية لمعظم الدول الأوربية وأمريكا والدنمارك وسويسرا وهولندا وبلجيكا .

- وأن مجد القصيدة وترنيمتها التأريخية تكمن في مفردات لهجته القروية الجنوبية، ومعظم قصائده محزنة ولا تبدو غريبة لكونها أنعكاس واقعي لتأريخ العراق السوداوي المحزن جراء تعاقب حكومات التعسف والفشل وغضب الطبيعة وشظف العيش، وهو من كبار الشعراء المعاصرين وأبرعهم في نسج الصور الشعرية، وربط الموروث بالحديث، فهي تحتوي درر القصص والأخبار للحياة الشعبية العراقية، وأن عالم (عريان) واسع وممتد بأستمرارية .

- في شعرهِ ظاهرة النسج اللغوي المتماسك والمتوالف مع الفنون الأخرى والتي تمنحها أرضيّة شعرية خصبة، لغتهُ الشعرية ريفية ممزوجة بنكهة البادية المتقاربة حافاتها بجغرافية موطنهِ الفراتي الجنوبي، فطرز قصائده ب(الحسجة)  فهي مفردات نادرة غير مسموعة عند أبناء الحضربل ربما صعبة الفهم على المتلقي، ولكنها تنسجم بأضافة أشعاعها الفني وبريقها اللفظي وأيقاعها الموسيقي وجرسها الصوتي الخاص والتي رسمت شخصنة عريان السيد خلف،  وأستعملها كغاية فنية وليست وسيلة للنقل الفني .

- يعتمد شعرهُ على أستحضار الموروث التأريخي لقيم الشجاعة والمروءة والأباء يعمل على توظيفها لمفردات الحياة اليومية العراقية، وبالتأكيد أنها مستمدة من أدبيات مدرسته اليسارية المفعمة بلغة السلام والمحبة وعشق الحياة، ولتجميل وتزويق القصيدة يعمد الشاعر إلى تكرار الجمل وهي ظاهر بلاغية أستعملها الشاعر الكبير " الجواهري " في قصيدة (نامي) --- نامي جياع الشعب نامي / حرستك آلهة الطعام، وأستخدمها عريان في قصيدة --- ردي ردي، وترى في أغلب قصائده الشكوى من الزمن وهي شائعة عند أغلب الشعراء ربما هي تورية ورمزية يقصد بها تلك الحكومات الشمولية كقوله{دنيا ولاوحتني ملاوح السرحان} السرحان الذئب .

- الديناميكية السردية الشعرية تتجلى في القصيدة الشعبية لعريان بالذات حين يعلن الواقعية للمفردة اليومية العراقية وقوة تركيبة الجملة التي تستمد عنفوانها من الجملة العامية الشعبية .

نماذج من شذرات وامضة للشاعر الجبل "أبو خلدون"

* قصيدة نذر / تحكي معاناة العراقي المستلب دوما :{أدك روحي نذر للجايب أبشاره/وأورجه على الجروح المالهن جاره . جرح ينزف جرح باني عله بسماره /ولا كلشي الجليته يطيح زنجاره، هلبت مات (جيفارا)/ أو هلبت (هوشي-منه أنكطعت أخباره .

* قصيدة ردي/ وهي شكوى من الزمن وآهات في الحب {ردي – ردي يالهويتي بلا وجادة/ أنوب من تهوين وجدي .ردي تره ينباع العشك/ وليا كلب تهوين صدي . لا تهيجين الجروح / تره جروحي من تنلجم تدي . وآنا من دم أو لحم / مومن صخر جبدة العندي .وآنا خلاني الوكت ناعور / بس أترس وأبدي} .

* قصيدة بلايه وداع /{مثل العود من يذبل / بلايه وداع، تدريني هرش / أوجرت بيه الكاع، يا رخص العشك/ من ينشره او ينباع}

* قصيدة فاتورة المواطنة/ {أنكطع خيط الوفه/ وضيعنه الآمال، وكثر حجي الجذب / والمستحه أنشال ، وحك خلدون وأمه وطيبة البال / ولا أذلن غصب لجفوف الأنذال}.

* قصيدة في التحدي/ {ولا همني الشماته أشما حجوا عني / ويلتمن عليه مشتتات البال/ وأنفضهن نفض أنهض ولا جني، أكول اتغيرت والناس ما هي الناس / رضاعة قواطي خيبوا ضني}.

* قصيدة في حب العراق{أنزف صبر يا وطن / بي ألك مية جرح، كلما يهيد الألم بجروحي أذر الملح / أفديك يا وطني / لو مية مرّه أنذبح، مثلك محب ما ألي / ومثلك جرح ما يصح}.

* قصيدة القيامة / ترمز إلى مدينة عراقية قُصِفتْ بعنف شديد في أنتفاضة آذار الخالدة 1991:الحيطان منخل والدروب حفور/ووجوه الزغار الحاضنه الشباج /من يهتز قفل حسبالهم شاجور/مرعوبة جنح وبلا وعي أدور .

آخر الكلام/ المجد لشاعر الوطنية والكفاح الأستاذ أبوخلدون "عريان سيد خلف" وتباً لشعراء المساومة الذين وضعوا أنفسهم عند مسطر وعاظ السلاطين فهم هاربون من آدميتهم وعلينا أن نحرق قصائدهم!!!

 

عبد الجبار نوري - كاتب عراقي مقيم في السويد

 

علي القاسمي[كلمة المحتفى به في ختام الندوة العلمية الدولية التي أقامتها جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء بعنوان: "إنسانية الأدب واللغة: قراءات في أعمال العلّامة الدكتور علي القاسمي"، وشارك فيها أكثر من أربعين باحثاً من أساتذة الجامعات في المغرب والمشرق]

أصحاب المعالي والفضيلة والسعادة

إخواني الأساتذة والباحثين الكرام،

بناتي وأبنائي الطلبة الأعزاء.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

واجهَ الفكر الإسلامي في القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي مشكلة عويصة تتمثل في السؤال الذي طرحه علماء الكلام، وهو: "هل الإنسان مسيّرٌ أم مخيّرٌ في أفعاله؟" . وأدت هذه القضية إلى انقسامات في صفوف العلماء، وظهور فرق كلامية ومذهبية عديدة؛ واستمرت ملتهبة حتى القرن الخامس الهجري حينما أخذ علم الكلام يقترب من الفلسفة ويندمج فيها.

ويكمن الإشكال في أنه إذا كان الإنسان لا خيار له في اتخاذ قراراته لأنه مسيّر، فإن حسابه وعقابه عن أفعاله السيئة في الآخرة، ظلم، والله منبع العدل ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (سورة فصلت: 46)

وإذا قلنا إن الإنسان مسؤول عن أفعاله لأنه مخيّر وحرّ الإرادة، فإننا سننفي القدرة الألهية في تسيير الكون، وسنناقض أحد أركان الإيمان ،"الإيمان بالقدر خيره وشره" الذي يعني أن كل ما دخل في الوجود من خير و شر هو بتقدير الله الأزلي.

وقد حاول بعض أئمة المسلمين أن يسلك مسلكاً وسطاً في هذه القضية الشائكة فقال: " الإنسان مخير في إطار مسيّر".

وانقسم المثقفون بين أصحاب التخيير وأصحاب التسيير، فالشاعر الفلسفي أبو العلاء المعري (363 ـ 449 هـ/ 973 ـ 1057م) يقول:

ما باختياري ميلادي ولا هرمي ولاحياتي، فهل لي بعد تخييرُ؟

ولا إقامةَ إلا عن يدَي قدرٍ ولا مَسيرَ إذا لم يقضِ تسييرُ

وظلت هذه المسألة محيّرة حقاً للمفكرين والمثقفين طوال العصور التالية، فالشاعر المهجري الحديث إيليا أبو ماضي (1889ـ 1957م) حيرته هذه القضية حتى كتب " الطلاسم" التي مطلعها:

جئتُ لا أعلم من أينَ ولكني أتيتُ

ولقد أبصرتُ أمامي طريقا فمشيتُ

وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيتُ

كيفَ جئتُ؟ كيفَ أبصرتُ طريقي ؟

لست أدري!

وقد اعتبر كثيرٌ من معاصري إيليا أبو ماضي أن طلاسمه مشوبة بالشك الأقرب إلى الإلحاد، فعارضوه بقصائد إيمانية تحمل لازمة " أنا أدري" أو " إلى مَن ليس يدري" ، كما فعل الشاعر العراقي الأب بولس بهنام (1916 ـ 1969م)، رئيس أساقفة الموصل للسريان الأرثودوكس، في قصيدته " أنا أدري" التي مطلعها:

ـ انا في الدنيا، وأدري كيـفَ للدنيا أتيتُ

قد رأيـتُ الـدربَ قدامي ضياءً فمشيتُ

وسأبقى ماشياً في النورِ، هذا ما رأيتُ

أنا أبصرتُ بعينِ العقلِ والقلبِ طريقي

أنا أدري

ويخبرنا التاريخ أن هذه القضية كانت مدار نظر المفكرين والمثقفين في مختلف العصور. ففي حوارات الفيلسوف الإغريقي سقراط (469 ـ 399 ق.م.) التي حفظها لنا تلميذاه إفلاطون (427ـ347 ق.م.) وزينفون (430ـ 354 ق.م.)، ثمة حوار جرى بين سقراط وأيوثيفرو خارج المحكمة التي قضت على سقراط بالموت سماً بتهمة إفساده عقول الشباب، طرح سقراط السؤال: " هل تختار الألهة الإنسان لأنه صالح، أما تختاره لأنها جعلته صالحاً؟". وهذا السؤال قريب من قضية التخيير والتسيير.

وفي الفكر الديني اليهودي، يعدُّ الاختيار ركناً أساسياً من أركان العلاقة بين الإنسان وخالقه، طبقاً للتوراة، أما التلمود الذي هو شروح الأحبار على التوراة، ففيه نصوص تتراوح بين تفضيل الجبر وبين القول بالاختيار. وقد تأثرت الفلسفة اليهودية في العصر الوسيط بعلم الكلام الإسلامي في هذه القضية. فقد خص الفيلسوف الرئيس موسى بن ميمون القرطبي (1135 ـ 1204م) الذي تلقى تعليمه العالي في جامعة القرويين بفاس، وأصبح طبيب الأمير صلاح الدين الإيوبي محرر القدس من استعمار الصليبيين فيما بعد، خص هذه المسألة بدراسة مطوله في كتابه " دلالة الحائرين" الذي ألّفه باللغة العربية، جمع فيه آراء الأحبار المتباينة، ورأى أن اختيار الإنسان يخضع لتأثيرات إلاهية وطبيعية واتفاقية.

أما في الفكر المسيحي، فتطُرح المسألة انطلاقاً من سِفر التكوين عندما اختار آدم أن يأكل من الشجرة المحرمة، وعندما أقدم قابيل على قتل أخيه هابيل. وتختلف مواقف رجال الدين المسيحي من مسألة التخيير والتسيير على الرغم من انطلاقهم من نص واحد.

بيدَ أن الذي واجه هذه المعضلة ودرسها بكثير من التفصيل، هو المفكر الديني الذي تسميه المراجع خطأ " بالنبي ماني الفارسي"(216 ـ 276؟ م) وتنعَتُه بأنه " نبي الخير والشر " أو " نبي النور والعتمة " ، كما ورد في الموسوعة البريطانية، وموسوعة ويكيبيديا، ومعجم " المورد" وغيرها، وانتشرت ديانتُه في الشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا قرون طويلة.

يكمن خطأ المراجع المختلفة في أن اسم هذا المفكر الديني ليس ماني ولم يكُن فارسياً. فاسمه الصحيح هو " مانع بن فاتك "، وهو عربي قُح من أهل بابل في العراق وكانت لغة العراق الثقافية هي السريانية، إحدى اللغات الجزيرية العروبية. واسمه واسم أبيه ما يزالان، إلى وقتنا الحاضر، شائعين في شبه الجزيرة العربية، كما في اسم الشاعر الإماراتي المعاصر (مانع العتيبة)، واسم الشاعر العُماني المعاصر (فاتك بن فهر آل سعيد).

ويعود الخطأ إلى أن العراق كان تحت حكم الإمبراطورية الفارسية منذ سنة 539 ق.م حتى حرّره المسلمون في معركة القادسية سنة 15 هـ/ 636م التي قُتل فيها قائد جيوش الإمبراطورية الفارسية رستم فرخزاد. وفي فترة الاحتلال الفارسي للعراق، كان الصراع قائماً بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية. وكان من عادة ملوك هاتين الأمبراطوريتين اصطحاب أشهر المفكرين الدينيين الوطنيين في غزواتهما، إجلالا منهم للعلم والعلماء وتشجيعاً للمحاربين من الدهماء، فكان على الملك الساساني الفارسي سابور الأول (ثاني ملوك الإمبراطورية الساسانية الذي حكمَ من حوالي 240 ـ 270 م) أن يصطحب أكبر المفكرين الدينيين في إمبراطوريته، مانع بن فاتك، في حملاته العسكرية. فزعم بعض الفرس أن ذلك النبي تجري في عروقه دماء ملكية فارسية من جهة أمه، ولفظوا اسمه بالفارسية (ماني) لعدم وجود الصوت /ع / باللغة الفارسية.

ولم يقتصر الخطأ على اسمه وجنسيته فحسب، بل امتد كذلك إلى جوهر فلسفته التي زعموا أنها تدور حول الصراع بين إله الخير وإله الشر أو بين إله النور وإله العتمة. في الحقيقة، أراد مانع بن فاتك أن يعرف من أين يأتى الإنسان إلى هذه الدنيا، وإلى أين يذهب عندما يرحل عنها. فتوصَّل إلى أن روح الإنسان كانت، في الأصل، في عالم روحاني نوراني، وعندما يولد الإنسان في الدنيا، تمتزج روحه بجسدٍ مادي مظلم، وهذا الأمتزاج بين مادتيْن متنافرتيْن يسبِّب له كثيراً من التعاسة والقلق؛ وعندما يموت تتخلّص الروح من هذه الثنائية المقيتة، وتعود إلى عالم الأرواح النوراني السعيد. ولهذا دعا هذا المفكّر، في بعض مراحل حياته، إلى عدم الزواج لوضع حد لشقاء الأولاد والأحفاد في الدنيا. ونجد صدًى لهذه الفكرة في شعر المعرّي حين أنشد بيتاً ، يُقال إنه طلبَ أن يُكتَب على شاهد قبره:

هذا جناه أبي عليّ ولم أجنِهِ على أحدِ

ليس لي فضلٌ مطلقاً في تصحيح أخطاء المَراجع في موضوع " النبي ماني الفارسي"، بل يعود الفضل كله للروائي اللبناني القدير أمين معلوف عضو الأكاديمية الفرنسية، الذي أصدر رواية كاملة بعنون Les Jardins de Lumière (1991) " حدائق النور"، كرَّسها لحياة مانع بن فاتك.

الغاية من طرح قضية التخيير والتسيير هي الوصول إلى القول بإنني منذ طفولتي، كنتُ مؤمناً بالقدر خيره وشره. وقد أسلستُ القياد للقدر يقودني حيث يشاء، فكان قدراً رحيماً رؤوفاً جميلاً، أحسنَ إليّ كثيراً، بحيث أستطيع أن أصفَ نفسي بأنني حليف القدر، أو القدر الكريم حليفي لا يفارقني.

فبعد تجوال في الجامعات شرقاً وغرباً، حصلتُ صيف سنة 1972 على دكتوراه الفلسفة من جامعة تكساس في أوستن متخصصاً في اللسانيات التطبيقية (المعجمية والمصطلحية) بإشراف الدكتور آرتشبولد أي هيل، A.A.Hill ، رئيس الجمعية اللغوية الأمريكية آنذاك ورأس المدرسة اللغوية البنيوية، وكان عمري ثلاثين عاماً. وبعد التخرّج مباشرة أُصبتُ بما يُصطلح عليه بـ " الحنين إلى الوطن". ولكن هذا المصطلح العربي ليس دقيقاً، لأنه عندما يشتد هذا الحنين إلى الوطن تصاحبه حمى وصداع وأحياناً دوار وغثيان، فهو مرضٌ وليس مجرد حنين نفسي. ولهذا فإن المقابلين الإنجليزي والفرنسي لهذا المصطلح أكثر دقة لأنهما يشتملان على كلمة "مرض" Home sickness و Mal du pays . ولعل عدم دقة المصطلح العربي راجعة إلى الرغبة في التخفيف على المريض وبث الأمل نفسه، كما في مصطلح " بصير" الذي يُطلق على الأعمى.

ولكي أشفى، كان لا بدّ أن لي أعود إلى العراق. ولكن خالة ابني، الدكتورة سعاد خليل إسماعيل البستاني، التي كانت وزيرة التعليم العالي بحكومة اللواء حسن البكر آنذاك، كتبتْ إليّ تنصحني بإلحاح بعدم العودة إلى العراق، الذي كان تحت حكم شمولي، وسبق لي أن نددتُ به. كان في إمكاني العملُ في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد كنتُ مساعد أستاذ في الجامعة، بيد أن ذلك لا يشفيني. ولتخفيف أعراض مرضي، كان عليَّ أن أبحث عن بلد عربي أعمل فيه. ومن حُسن قدري أنني استُقدِمتُ أستاذاً زائراً في كلية الأداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس بالرباط للعام الدراسي 1972 ـ 1973.

وفي المغرب العزيز حصل لي أمران:

الأول، أنني وقعتُ في حب المغرب، وهذا مبعث سعادتي؛ لأنك لكي تكون سعيداً في حياتك، ينبغي أن تحبَّ المكان الذي تعيش فيه، وتحبَّ الناس الذين تسكن معهم، وتحب عملك والذين تعمل معهم، وتفكر بصورة إيجابية. ولستُ الوحيد الذي وقع في حب المغرب، فجميع مَن زار هذا البلد الأمين، أغرم به بفضل كرم أهله، وجمال طبيعته، وأصالة حضارته وغناها. (وهذه الندوة الفاخرة دليل على كرم المغاربة ولطف أخلاقهم). ولكن عليّ أن أعترف بأن مرض الحنين إلى العراق ينتابني بين آن وآخرى، خاصة بعد رحيل أخي المغربي المرحوم الأستاذ محمد أبو طالب.

الثاني، في خطابه في حفل تسليم شهادات الدكتوراه، قال لنا رئيس جامعة تكساس، ما معناه، إن هذه الورقة التي أسلّمها لكم لا تعني أكثر من أنكم قادرون على القراءة والبحث، قابلون للتعلُّم. فوجدتُ المغرب مكاناً رائعاً للتعلُّم، وتعلّمتُ فيه ومنه ومن رجالاته ما لم اتعلمه في الجامعات التي درستُ فيها. فجميع الأساتذة الكرام المشاركين في هذه الندوة هم من شيوخي غير المباشرين فقد قرأتُ شيئاً من مؤلّفاتهم، وتعلَّمت منهم الكثير.

ساقني قدري اللطيف أن أتتلمذ مباشرة على علميْن من أعلام المغرب هما العلامة المرحوم عبد العزيز بنعبدالله ( 1923 ـ 2012) الذي كان مديري في مكتب تنسيق التعريب أربع سنوات، والدكتور العلامة المرحوم عبد الهادي بوطالب (1923 ـ 2009 ) الذي كان مديري العام في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة قرابة عشر سنوات، وكان يعاملني كولده، ويصطحبني في معظم رحلات العمل في آسيا وإفريقيا وأوربا. فنهلتُ من علمه الغزير، وارتويت من خبراته الثرة، واكتسبتُ بعض مبادئه الخُلقية. وخلاصة القول إن جميع ما أعرفه هو بفضل المغرب العزيز.

كان المرحوم العلامة عبد العزيز بنعبدالله، هو وأحد أصدقائه، الأديب اللساني المترجم العراقي السفير المرحوم عبد الحق فاضل (1911ـ 1992)، عمُّ المعمارية العالمية المشهورة زها حديد، ومبتكِر مصطلح " التأثيل"، وصاحب كتاب " دخيل أم أثيل" الذي صدر في عمّان هذا الشهر، كانا ينشران خلال الستينيات والسبعينيات، دراساتٍ تأثيليةً، في مجلة "اللسان العربي" التي أسسها العلامة بنعبدالله، تزعم أن اللغة العربية هي أمُّ اللغات في العالم، في وقت كان المستشرقون ـ خاصة اليهود منهم ـ ينشرون دراسات تزعم أن العبرية هي أمُّ اللغات العالمية. وكانت أدلة الطرفين مستقاةً من اللسانيات والتاريخ. وكنتُ أدرس بعض تلك البحوث التأثيلية، ولكني وقفتُ موقف الشك منها ،لأنه كان يعوزها الدليل العلمي الموضوعي، فقد كانت تستند في مجملها إلى افتراضات لسانية معقولة. كان المرحوم عبد العزيز بنعبدالله، مثلاً، يقول : أعطني أية كلمة بأية لغة شئت وأخبرني بمعناها، وسأعطيك نظيرها العربي بالمعنى نفسه وبالأصوات الرئيسة ذاتها. في دخيلة نفسي، كنتُ أشك في أن ذلك نوعاً من "التأثيل الشعبي" Folk etymology, Ėtymologie populaire يقوم على إتقان المرحوم بنعبدالله اللغة العربية ومعجمها، ولم يقلِّل ذلك الشكُّ من احترامي ومحبتي له، بل ازددتُ إعجاباً بتمكّنه المُذهل من اللغة العربية. إن التأثيل العلمي يستند إلى أركان علم اللغة المقارن الأربعة: الصوتيات والصرف والنحو والمعجم. أما التشابه المجرد بين الألفاظ فقد يعود إلى المصادفة المحضة.

وذات يوم ساقني قدري السعيد، إلى الاطلاع مصادفة على نتائج بحث علمي اضطلعت به جامعتا ليدز البريطانية وبورتو البرتغالية للإجابة على السؤال: هل البشرية من سلالة واحدة أم من سلالات متعددة؟ ومعروف أن عدداً من العلماء الأوربيين والأمريكيين زعموا خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين أن البشرية نشأت من ثلاث سلالات مختلفة: البيضاء في أوربا، والسوداء في إفريقيا، والصفراء في آسيا، وأن السلالة البيضاء هي أرقاها وأذكاها، فهي مؤهلة لتمدين بقية السلالات وتطويرها. وهذه هي الذريعة العلمية للاستعمارالأوربي وللتمييز العنصري في أمريكا.

ولكن البحث الذي أجرته الجامعتان البريطانية والبرتغالية ودام عشر سنوات واستخدم كلَّ الوسائل العلمية الحديثة مثل تحليل الخلايا والدم والدنا والجينات، أثبت أن البشرية انحدرت من سلالة واحدة نشأت وترعرعت جنوبي شبه جزيرة العرب (اليمن) حيث خُلق أول إنسان عاقل Homo sapiens. وبعد ملايين السنين وقبل حوالي 70.000 سنة قامت هجرات بشرية من جنوبي جزيرة العرب منطلقة مما يسمى اليوم بعُمان، بحراً إلى آسيا، وبراً إلى أوربا عن طريق شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وسكنت أصقاع الأرض المختلفة.

لقد نُشِرت خلاصة نتائج هذا البحث في " المجلة الأمريكية للجينات البشرية " American Journal of Human Genetics في عددها الصادر في شهر شباط/ فبراير 2012. كما نشرت مجلة " لو بوان " Le Point الفرنسية في عددها الصادر في نفس الشهر والسنة، مقالاً عن هذا البحث لأحد العلماء بعنوان " نحن جميعاً عرب"  Nous sommes tous des arabes(يمكن للقارئ الكريم الاطلاع على البحثين بالهاتف المتصل بالشابكة).

ونتائج هذا البحث العلمي تتفق مع الرواية الدينية القائلة إن الله خلق آدم وعلَّمه اللغة في جنة عدن. وأكثر من ذلك فإن نبينا سيدنا محمد (ص) خطب في حجة الوداع قائلاً:

"يا أيها الناس: إن ربكم واحد، و إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي و لا عجمي على عربي، و لا لأحمر على أسود و لا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، ألا هل بلغت ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: فليبلغ الشاهد الغائب"

وإذا كانت الجامعتان الأوربيتان قد توصلتا إلى تلك الحقيقة بالتجارب العلمية المختبرية، فإن الرسول الأكرم (ص) أدركها بالإلهام الإلهي، لأن أنواع المعرفة ثلاثة: المعرفة العقلية المنطقية، والمعرفة المختبرية العلمية، والمعرفة الإلهامية التي يسميها المتصوفة بالمعرفة القلبية أو اللدنية. ومن أمثلة هذه المعرفة القلبية الكشف الذي توصّل إليه القطب الصوفي محيي الدين بن عربي (1165 ـ 1240م) عن طبيعة الصوت وذكره في كتابه " الفتوحات المكية" : إن أصواتنا لا تموت بل تبقى معلقّة في الهواء. وهذه المعلومة توصل إليها الأمريكان في القرن الميلادي العشرين مختبرياً واستخدموها لأغراض استخباراتية، فهم لا يحتاجون إلى التنصت على الهاتف، بل يلتقطون المحادثة من الهواء.

ومن نتائج هذا البحث العلمي الذي أجرته جامعتا ليدز وبورتو أن جميع اللغات في المعمورة يعود أصلها إلى اللغة الأم الأولى في جنوبي شبه جزيرة العرب. ومعروف أن انتقال اللسان وتغيُّره هو من انتقال الإنسان وتأثيرات الجغرافية الثقافية. ولهذا فإن شيخنا المرحوم عبد العزيز بنعبدالله وصديقه العراقي المرمحوم عبد الحق فاضل كانا على حق في قولهم إن العربية هي أصل اللغات، وينطب ذلكن على القائلين بأن العبرية أو السريانية أو الأمازيغية هي أصل اللغات في العالم، لأن هذه اللغات هي لغات جزيرية نشأت وترعرعت في شبة جزيرة العرب وتعود إلى أم واحدة هي العربية الأولى.

وكانت علاقتي بشيخي المرحوم الدكتور عبد الهادي بوطالب، الزعيم الوطني المغربي المعروف، أطول وأوثق. فحتى عندما انتهت مهمته في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، واظبتُ على التشرُّف بالجلوس بين يديه في منزله بالدار البيضاء كل يوم أربعاء بعد تناول الغداء معه لمواصلة التعلّم منه. أذكر أنني ذات مرة عرضتُ عليه مسودة كتابي " حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والإعلان العالمي"، لإبداء توجيهاته. اطلع عليه وقال: ينقص هذا الكتاب موضوع تطور مفهوم حقوق الإنسان في الأديان والمعتقدات السابقة قبل الإسلام، ليكون الكتاب متكاملاً. فرجوته أن يتكرَّم بكتابة مقدمة للكتاب تغطّي النقص، ففعل. ونُشِرهذا الكتاب في الرباط ثم القاهرة وهو مزدان بمقدمة المرحوم بوطالب الرائعة.

وخلاصة القول إن تجربتي في الحياة دلّتني على أن ما حصل لي ــ فيما يتعلق بالمكان الذي أقيم فيه، أو الوظائف التي تقلّدتها، أو الأشخاص الذين عملتُ معهم وتعلَّمتُ منهم، أو حتى الكتب والقصص التي قرأتها أو كتبتها أو ترجمتها ـــ لم يكن باختياري بل تحكّمت فيه مصادفات جميلة أسميها قدري الرؤوف. وقد تعزز اقتناعي هذا بكتابيْن ترجمتُهما مؤخراً:

الكتاب الأول، أتى به ضيف من أمريكا هدية لي وهو رواية عنوانها " أحلام آينشتاين" للأمريكي " ألَن لايتمَن"، أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة أم. آي. تي الأمريكية، وأستاذ الشعر والإبداع الأدبي في الجامعة ذاتها في الوقت نفسه، فهو عالم فيزيائيٌّ شاعر قصاص روائي. وروايته " أحلام أنشتاين " التي تُرجمت إلى أكثر من ثلاثين لغةً، تتألَّف من قصص قصيرة كُتبت بإسلوب شاعري، وتتصل ببعضها بشكل هندسي جميل لتكوِّن روايةً رائعة ألهمت كثيراً من الفنانين والموسيقيين والرسامين والمبدعين. وتتناول هذه الرواية طرفاً من حياة ألبرت آينشتاين (1879ـ 1955)، وتبسّط محاورَ من نظريته النسبية الشهيرة . قرأتُ الرواية فأخذتْ بمجامع إعجابي ونالت عظيم تقديري، فقررتُ ترجمتها.

كانت ترجمة تلك الرواية إلى العربية تتطلَّب مني أن أُهيئ نفسي وروحي وعقلي لترجمتها. قمتُ أولاً بقراءة سيرة آينشتاين، كما سطّرها كاتب سير المشاهير والتر اسحاقسون في كتابه الضخم Einstein: His Life and Universe (2007)" آينشتاين : حياته وعالمه" أو بترجمة أدق " آينشتاين: حياته وكونه" الذي يقع في 850 صفحة، والذي أهدته إليّ الصديقة الأمريكية مورين كريسك. وهذه السيدة شاعرة مرموقة في الولايات المتحدة الأمريكية وأخوها، إدوارد ميكوس، شاعر مرموق كذلك وناشط في جمعية " شعراء ضد الحرب" ناضل ضدّ الحرب التي شنّتها الحكومة الأمريكية على العراق، وكلاهما أستاذ جامعي للأدب الأمريكي. جاءت هذه الشاعرة أستاذة باحثة في جامعة محمد الخامس بالرباط لمدة عام واحد، ثم وقعتْ في حبّ المغرب، فاشترت شقةً في الرباط، وأخذت تقسّم سنتها على نصفين: نصف تدرّس الأدب في جامعتها بكاليفورنيا، ونصف تستمتع بحب المغرب وكتابة الشعر في ربوعه.

وفي فترة الاستعداد لترجمة رواية " أحلام أنشتاين" ، شاهدتُ فيلماً تلفزيونياً عن حياة آينشتاين.

كان عليّ قبل أن أترجم هذه الرواية، أن أكتسب فهماً تقريبيا لخلاصة النظرية النسبية فانكببتُ على دراستها أياماً طويلة. وفهمتُ منها أنها غيّرت كثيراً من المفاهيم العلمية السابقة مثل مفهوم الحركة، فأصبحت كل حركة نسبية، وغيّرت مفهوم الزمان، فأصبح نسبياً يتوقف على سرعة الأجسام وشدّة الجاذبية التي يتحرّك فيها الجسم، وأدمجت هذه النظريةُ الزمانَ والمكانَ فأصبحا شيئاً واحداً تحت اسم " الزمكان" .

ولكي أهيئ نفسي لترجمة هذه الرواية، أعدت دراسة كتاب " Brief History of Time " " موجز تاريخ الزمان" للعبقري ستيفن هوكنز (1942 ـ 2018)، أستاذ الرياضيات والكونيات في جامعة كيمبردج في بريطانيا الذي بحث في بداية الكون واتساعه ونهايته وما يتخلله من حفر سوداء، ولكنه أصيب بمرض أعصاب غريب تسبب في ضمور عضلاته حتى لم يبق من جسمه عضو يعمل سوى دماغه وإصبع واحد من أصابع يديه، فصنعوا له كرسيا مزوداً بحاسوب يحوّل الحروف التي يرقنها بإصبعه إلى عبارات منطوقة، لكي يتمكّن من إلقاء محاضراته الدورية على أساتذة العلماء. كما شاهدت فيلماً رائعاً عن حياته واكتشافاته.

لم أكن أطمح إلى فهم النظرية النسبية، ففي مقدِّمة كتاب " آينشتاين: حياته وعالمه"، ذكر المؤلِّف مقولة مفادها أن عدد الذين فهموا النظرية النسبية كاملةً من العلماء المتخصصين لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة [ كان أحدهم تلميذ أنشتاين عالم الفيزياء العراقي الدكتور عبد الجبار عبد الله (1911 ـ 1969) ] . وقرأت نكتة ذات مرة حول لقاء بين آينشتاين وتشارلي شابلن (1889ـ 1977) صاحب الأفلام الصامتة. فقال آينشتاين له:

ـ تتجلى عبقريتك في أنك لم تقل شيئاً وفهمَك الناس.

فرد تشارلي شابلن بقوله:

ـ وأنتَ تتجلى عبقريتك في أنك قلتَ كلَّ شيء ولم يفهمك الناس.

وشاهدتُ فيلماً سينمائياً مستوحى من نظرية أنشتاين يتناول المستقبليين، وهو الفيلم العلمي الأمريكي الشهير Back to the Future”" العودة إلى المستقبل" (1985) من قصة لروبرت زميكيس وإخراجه.

كما طالعتُ دراسات نقدية عن الرواية وأسلوب مؤلّفها ، الدكتور ألن لايتمن، وعلمتُ أنه ليس الأول الذي حاول تبسيط النظرية النسبية بالأدب، بل سبقه العالم الروسي الأمريكي جورج كاموف (1904 ـ 1968) صاحب نظرية "الانفجار الكبير" لتفسير نشوء الكواكب، الذي نشر رواية في الأربعينيات بعنوان " مغامرات السيد هوبكنز" يبسّط فيها بعض معالم النظرية النسبية بأسلوب سردي.

قبل أن أعرض عليكم بعض فرضيات رواية " أحلام أنشتاين" التي ترجمتُها، أود أن ألفت انتباهكم الكريم إلى بعض تفاسير الآية رقم 12 التي وردت في نهاية سورة الطلاق، فقد جاء في تفسير الطبري (224ـ 310هـ) في كتابه " جامع البيان في تفسير القرآن". ما نصه:

سُئل ابن عباس (ر) عن تفسير الآية : (الله الذي خلق سبع سماوات، ومن الأرض مثلهن) . فقال ابن عباس : لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها. ثم قال: (ومن الأرض مثلهن): خلق من الأرض مثلهن لما في كل واحدة منهنّ مثل ما في السماوات من الخلق ، وفي كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق، وفي كل سماء إبراهيم..[ ونحو ما على الأرض من الخلق].

وقال ابن كثير (ت 774) في كتابه " تفسير القرآن العظيم"، بمثل ذلك في تفسير هذه الآية:

" قال ابن عباس : " في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى [ ونحو ما على الأرض من الخلق] .

إن من تأويلات الرقم سبعة هو العدد اللامتناهي. فقد كان الرقم سبعة هو رمز الأبدية لدى المصريين القدماء. وتقول المعاجم العربية إن معنى " سبّعَ الله لك الأجر" أي جعله سبعة أضعاف أو أكثر.

وإذا انتقلنا إلى رواية " أحلام أنشتاين" التي تبسِّط بعض معالم النظرية النسبية نجد النص القصصي التالي:

" في وسط غرفة فيها كتبٌ على طاولات، يقف شابٌ يعزف على كمانه. إنه يعشق كمانه ويعزف ألحاناً رقيقة. وفيما هو يعزف، يلقي نظرة على الشارع تحته، ويلحظ زوجين قريبين من بعضهما، ينظر إليهما بعينيه السوداويْن...

وفيما هو يعزف، يقف رجل آخر [في عالم آخر]، مماثل له، في وسط غرفة ويعزف على كمانه. يُلقي الرجل نظرة على الشارع تحته، ويلحظ زوجين قريبين من بعضهما، ينظر إليهما بعينيه السوداويْن ... وفيما هو يعزف، يقف رجل ثالث ويعزف على كمانه. في الحقيقة يوجد رجل رابع وخامس، فهناك عدد لا متناه في وسط غرفهم وهم يعزفون على آلات الكمان... فالزمان مثل ضوء بين مرآتين...الزمان يثب جيئة وذهاباً منتجاً عدداً لا متناهٍ من الصور، والألحان، والأفكار..." (رواية " أحلام أنشتاين" ترجمة القاسمي، ص 108)

ألا يذكّرنا هذا النص القصصي بتفسير الأية 12 في سورة الطلاق، بالنظرية الحديثة التي يُطلق عليها اسم "العوالم المتوازية" أو بترجمة أدق " الأكوان المتوازية Parallel Univers

،Univers parallèles .

وفي جزء آخر من الرواية، يؤكِّد المؤلِّف أنه نظراً لأن "الزمكان" دائري، يواصل دورانه الأزلي الأبدي، فكل واحد منا يعيد حياة سابقة مرّت به، وحياتنا مثل ردهات متعاقبة ندخلها واحدة بعد الأخرى دون اختيارنا. ومن مظاهر إعادة حياتنا السابقة، أننا نزور، أحياناً، مكاناً لأول مرة، فنشعر بأننا نعرفه من قبل.

وهكذا تؤيد النظرية النسبية الرأي القائل بأننا مسيّرون ولسنا مخيّرين في حياتنا وأفعالنا.

الكتاب الثاني، هو كتاب "الدماغ الخبيث" لمؤلّفه الأمريكي العراقي الدكتور طالب الخفاجي، الذي درَّس التحليل النفسي في عدد من الجامعات الأمريكية، ومارس التحليل النفسي مدّة من الزمن في عيادته في ولاية مشيغان الأمريكية. كان الدكتور طالب قد ألّف قبل هذا الكتاب أربعة كتب أخرى بالإنجليزية حققت مبيعات عالية. ولأنه صديقي، تجمعنا محبة المغرب حيث يمضي عطله، فقد أهدى إليّ نسخاً من كتبه، واستمتعتُ بقراءتها. ولكن عندما قرأتُ كتابه الخامس، أدهشني وأمتعني بضخامة المعلومات الفكرية والعلمية والتقنية التي حشد فيه. فقد تناول " العقل " من وجهة نظر الفلاسفة، وعلماء النفس، والساسة، والإعلاميين، والمعلوماتيين وغيرهم، وتكلّم بعمق عن أنواع العقل: الواعي، واللاشعوري، واللاواعي.

وما دفعني إلى ترجمة هذا الكتاب التي تصدر بالرياض هذا الشهر، هو مناقشته لقضية التسيير والتخيير بمعلومات جديدة. يقرّ المؤلّف بأن " مقولة الإنسان مخيَّر" أسطورة مفيدة خلقياً وقانونياً، لأنها تجعل الفرد حرّا في اختيار أعماله بقرار يتخذه عقله الواعي بعد تفكير وتدبّر، ولهذا فالإنسان مسؤول عن أفعاله. بيدَ أن المكتشفات الحديثة جعلت من هذه المقولة مجرّد حلمٍ لا صحة له في الواقع. وإليك بيان الأمر:

يتكون العقل الواعي من جميع العمليات العقلية التي ندركها. وكل عملية في حياتنا اليومية يجب أن تمرَّ، من خلال العقل الواعي ثم تُحال على العقل اللاواعي. وعادة لا يحتمل العقل الواعي الخبرات الأليمة فيحيلها على العقل اللاواعي. العقل الواعي هو المسؤول عن التفكير والمنطق الاستدلالي، ويسيطر على مجميع الأفعال التي تنوي القيام بها وأنت واعٍ.

أما العقل اللاواعي فإنه خزان الغرائز البيولوجية، والرغبات الجنسية الملحَّة، والميول العدوانية وجميع الذكريات التي نريد إبعادها عن عقلنا الواعي. ويسيطرُ العقل اللاواعي على جميع الوظائف اللاإرادية في الجسم مثل ضربات القلب، والتنفس، وضغط الدم، وكذلك العادات.

عندما نتعلم سياقة السيارة، مثلاً، نستخدم عقلنا الواعي، فنفكّر في كلِّ خطوة وكل حركة. وبعد بضعة أسابيع، تصبح سياقة السيارة عادة من العادات، ونقوم بها بصورة آلية دون أن نحتاج إلى تفكير، فتُنقل إلى العقل اللاواعي. فالعقل اللاواعي يعالج 11 مليون جُزيئية من المعلومات التي نستقبلها يومياً، ويوجِّه 95 % من القرارات التي نتخذها، ويسيطر على كل أجهزة الجسم وكل خلية فيه.

ونظراً لأن العقل اللاواعي هو خزان الخبرات السيئة الأليمة، بل أكثر من ذلك هنالك العقل اللاواعي الجمعي الذي يخزن الخبرات التي ورثناها من أسلافنا عندما كان الإنسان يعيش في الطبيعة، مثل الخوف من الأفاعي ورد الفعل عند حدوث صخب مفاجئ. وثبت لدى علماء النفس أن معظم الأمراض النفسية كالوسواس القهري وغيره هي بتأثير العقل اللاواعي.

يكشف هذا الكتاب أن التقدُّم في علوم الطب والمعلوميات والحاسوب والأجهزة الطبيبة الألكترونية، ساعد على تحديد مناطق اتخاذ القرار في الدماغ، وتحديد اللحظة التي يُتخذ فيها القرار. وقد وجِد أن جميع قرارات العقل الواعي تُتخَذ بطلب من أجهزة الجسم أو بتوجيه من العقل اللاواعي. وبعبارة أخرى لقد ثبت للمؤلف أن لا شيء يتم باختيارنا بل نحن مسيّرون في جميع أفعالنا.

وهكذا ترسّخ اقتناعي وإيماني بالقدر خيره وشره. وأن قدري شخصياً قدر رحيم كريم ساقني إلى المغرب العزيز، لأتعلم وأنعم بحياة هنيئة مريئة وسط جمال الطبيعة وكرم الأهل. وشعوري هذا من عوامل تمتعي بصحة جيدة وسعادة غامرة. فأنا أؤمن بالأطار المسيَّر للإنسان. [وبصفتي عراقياً، استثني أفعال الحكّام الذين يزجون بشعوبهم في حروب تضحي بمئات الآلاف من المواطنين وتدمّر الزرع والضرع، وكذلك سرقات الحكّام لشعوبهم الذين ينهبون موارد البلاد باسم الدين ويحولونها للبنوك الأجنبية فيتركون المواطنين في عذاب والبلاد في خراب، فهم يتخذون قراراتهم بإرادتهم واختيارهم وسيلقون عقابهم في الدنيا والآخرة]

أضرب مثلاً أخيراً على رأفة القدر بي. في التسعينيات وفي بداية الألفية الثالثة، أصبتُ بنوبة كتابة القصص القصيرة. وفي خلال سنوات معددودة كتبتُ حوالي سبعةً وسبعين قصة، وصح عزمي على نشرها في كتاب. ولأنني أدرك أن معظم الناشرين في البلاد العربية تجاراً وليسوا أصحاب رسالة ثقافية، سألتُ صديقي الأديب المرحوم عبد السلام البقالي عن الناشر الذي يتعامل معه في المغرب، فدلني على الشريف الحاج القادري صاحب دار الثقافة (ولقب القادري نسبة إلى القطب الصوفي الشيخ عبد القادر الجيلاني، دفين بغداد)، وهو من رواد الثقافة في المغرب. فذهبتُ إليه، فرحبَ بي أجمل ترحيب وأبدى استعداده لنشر قصصي. وعندما سلمته المخطوطة ، اقترح عليّ أن أقسّم هذه القصص على خمس مجموعات، لينشرها في خمسة كتب صغيرة، لأن القدرة الشرائية لدى الطلاب والمثقفين متدنية، ولا يستطيعون شراء كتاب يتجاوز ثمنه خمسة وعشرين درهماً (دولارين ونصف تقريبا). ففعلتُ ما أشار به عليّ وقسمت القصص على خمس مجموعات بحسب موضوعات القصص: الطفولة، الغربة، الحب الخائب، الموت وتداعياته، إلخ. فتوهَّم النقاد أن القاسمي قاصاً مقتدراً معطاء له خمس مجموعات قصصية وليست واحدة، وأنه يتحكم في موضوعات قصصه وطولها. وهذا من خيالهم الكريم. الحقيقية أنني لا أتحكم في قصصي، لا في هبوها ولا مجراها ولا مرساها؛ واسمحوا لي أن أروي هنا نكتة تتعلق بقصصي والكرم المغربي:

قبل حوالي خمسة وعشرين عاماً تقريباً كنتُ أنوب عن المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) الذي كان في مهمة خارج المغرب العزيز، واستأذنتي الكاتبة أول الصباح في تحويل مهاتفة لامرأة قالت لي إنها حارسة في عمارة يسكن فيها رجل متقاعد وقد توفي الليلة البارحة وهو مقطوع من شجرة لا أهل له، وسألتني الحارسة في مكالمتها الهاتفية : "ألا تريدون دفن زميلكم السابق؟!" اصطحبت عدداً من الموظفين وذهبنا إلى العمارة وقمنا بالمراسيم اللازمة لدفن الميت ونقلناه إلى المسجد حيث تمت الصلاة عليه ثم إلى المقبرة حيث تم الدفن. وعدتُ في آخر النهار متعباً منهكاً مكتئباً إلى منزلي، وبدلاً من أن أنام القيلولة كعادتي، وجدتني، مثل امرأة حامل حان وقت مخاضها، أجلس لأكتب قصة فرضت نفسها عليّ بعنوان " النهاية " عن رجل متقاعد سأم الحياة فاتصل بشركة لدفن الموتى فبعثت إليه بمندوبها الذي وقع عقداً معه لدفن الميت صباح اليوم التالي، وسلمه المتقاعد الثمن المتفق عليه. وعندما سأله المندوب : أين الميت. قال الرجل. خذ مفتاح هذا المنزل، وصباح غد ستجد الميت على هذا الفراش. وكتبتُ القصة بضمير المتكلم.

أرسلتُ القصة بالبريد الإلكتروني إلى المرحوم الأستاذ عبد الجبار السحيمي مدير جريدة " العلم الثقافي" فنشرها بعد يومين. بعد سويعات معدودة اتصلت بي هاتفياً الشاعرة الرائدة البرلمانية المناضلة الأستاذة مليكة العاصمة التي لم أكن قد تشرفتُ بلقائها بعد، ولكني كنتُ أتابع ما تنشر من قصائد فذة، ومقالات قيمة . قالت الأستاذة الفاضلة بعد جميل تحية وبشيْ من الاستحياء:

ـ دكتور القاسمي أرجو أن تشعر بأننا أهلك هنا في المغرب، ويسعدنا مساعدتك مادياً ومعنوياً. مجرد اطلب ما تحتاج إليه.

أدركتُ أن هذه الأديبة المرهفة الإحساس، قد اطلعت على القصة ذلك اليوم، وتأثرت بها، وحسبتها واقعية تخصني، بفضل تقنيات الإيهام بالواقع التي زخرت بها القصة. فطلبت رقم هاتفي من صديقها المرحوم عبد الجبار السحيمي ، وهاتفتني لتعرض مساعدتها.

فقلتُ لها مازحاً لطمأنتها:

ـ كيف تساعدينني ؟؟ إنني أسكن في دارة على شاطئ البحر مباشرة، وأقود سيارة مرسيدس جديدة، وأستلم راتب موظف دولي؟

وهكذا بدأت صداقتي معها ، ومع زوجها المحامي النقيب الأستاذ الأديب، وابنها الطبيب المبدع الدكتور غسان.

ولكن درس تسويق الكتاب الذي تعلمته من الشريف القادري، جعلني أتعلّم التركيز والاختصار في تأليف كتبي العلمية، وأن لا يتجاوز الكتاب مئتين وخمسين صفحة. ولكن بعض كتبي التخصصية تجاوزت ذلك الحد مهما اختصرتها، مثل كتابي " علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية" (821 صفحة)، وكتابي " صناعة المعجم التاريخي للغة العربية" (650 صفحة)، ويضمُّ هذا الكتاب الأخير الخطة العلمية لمشروع المعجم التاريخي للغة العربية التي كلفني بوضعها اتحادُ المجامع اللغوية العلمية العربية بعد أن تبرع الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، ببناء مقر فخم للاتحاد والمشروع في القاهرة، وتبرع بجميع نفقات المشروع الذي قد يكلف عشرات الملايين من الدولارات ويستغرق قرابة قرن من الزمن إذا كان العمل متواصلاً.

خاتمة:

كان من المفروض أن تُخصَّص هذه الكلمة لشكر القائمين على هذه الندوة الرائعة، لا أن تسرد طرفاً من حياتي، وتقوم بالإشهار لبعض كتبي.

فاسمحوا لي أن أوجه جزيل الشكر والامتنان لجامعة الحسن الثاني الموقرة رئيساً وعمداء وهيئة تدريسية وموظفين وطلبة. وأخص بالذكر معالي الأستاذ الدكتور إدريس المنصوري رئيس جامعة الحسن الثاني ، وسعادة الأستاذ الدكتور مُراد موهوب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ عين الشق، وسعادة الدكتورة نزهة بوعياد رئيسة شعبة اللغة العربية وآدابها، وجميع العلماء الأدباء الباحثين الذين شاركوا بدراساتهم الرصينة وآرائهم الكريمة عن بعض أعمالي التي هي من فيض المغرب العزيز، ومن عطاء العلم المكنون في صدور رجالاته وعقولهم وكتاباتهم. والشكر مستحق وموصول لجميع من حضروا جلسات هذه الندوة الموقرة، وأخيراً وليس آخراً للأساتذة الدكاترة الكرام أعضاء اللجنة التنظيمية : موراد موهوب ونزهة بوعياد وعبد الله تزوت وفيصل الشريبي. وكذلك لمساعديهم من طلبة الدراسات العليا، الأستاذة مريم الناوي والأساتذة زكريا أشكور ومحمد المعروفي والجيلالي العرصة ومحمد آيت عزي. ولا بد أن أوجه شكراً مستحقاً لأول اثنين منهم فقد تكرما بإنتاج فيلم فيديو جيد عني. وأخيراً لا تكفي الكلمات للتعبير عما أشعر به في أعماق روحي من شكر وامتنان لكم، ومن محبة للمغرب واعتزاز به.

علي القاسمي

29/11/ 2018 

532 علي القاسمي

 

 

الدكتور علي القاسمي.. سيرة علمية موجزة

- علي بن الحاج محمد بن الحاج عيسى بن الحاج حسين القاسمي  (المعروف بالدكتور علي القاسمي).

- ولد في بلدة الحمزة الشرقي في محافظة القادسية في العراق في 31/5/1942.

- مقيم في المملكة المغربية منذ سنة 1972.

عنوان البريد الإلكتروني: alkasimi@gmail.com

موقع على الشابكة: " أصدقاء الدكتور علي القاسمي"

تعليمه:

- تلقى تعليمه العالي في جامعاتٍ في العراق (جامعة بغداد)، ولبنان (الجامعة الأمريكية في بيروت، وجامعة بيروت العربية - فرع جامعة الإسكندرية - )،  والنرويج (جامعة أوسلو)،  وبريطانيا (أكسفورد)، وفرنسا (السوربون)، والولايات المتحدة الأمريكية (جامعة تكساس في أوستن).

- حصل على الإجازة (مرتبة الشرف) في الآداب، وليسانس في الحقوق، وماجستير في التربية، ودكتوراه الفلسفة في علم اللغة التطبيقي.

عمله:

- مارس التعليم في جامعة بغداد، وجامعة تكساس في أوستن، وجامعة الملك سعود بالرياض، وجامعة محمد الخامس بالرباط. وحاضر في جامعات أخرى مثل جامعة أكستر في بريطانيا، وجامعة تمبرة في فنلندة، وجامعة مراوي ستي في الفلبين.

- عمل مديراً لإدارة التربية في المنظَّمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بالرباط؛ ثم مديراً لإدارة الثقافة ومديراً لأمانة المجلس التنفيذي والمؤتمر العام في المنظمة نفسها، ثم مديراً للأمانة العامة لاتحاد جامعات العالم الإسلامي.

- يعمل حالياً مستشاراً لمكتب تنسيق التعريب بالرباط .

نشاطه الأكاديمي:

- عضو في مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

- عضو  مجمع اللغة العربية بدمشق.

- عضو المجلس العلمي لمعجم اتحاد المجامع بالقاهرة.

- عضو المجلس العلمي لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية.

- عضو الهيئة الاستشارية للمركز الكوري للغة العربية والثقافة الإسلامية في سيئول.

- عضو المجلس الاستشاري للأمم المتحدة حول تقرير " التكامل العربي".

- عضو المجلس الإداري لمؤسسة عبد الهادي بوطالب للعلم والتنوير الثقافي، الدار البيضاء.

مجالات الاهتمام:

التربية والتعليم العالي، تعليم العربية ومناهجها، علم المصطلح، صناعة المعجم، الترجمة ونظرياتها، التنمية البشرية، حقوق الإنسان، القصة القصيرة، الرواية، النقد الأدبي المعاصر، التاريخ الفكري.

اللغات : يجيد الإنجليزية والفرنسية، ويلم بالألمانية والإسبانية.

له مؤلَّفات بالعربية والإنجليزية منها:

في المعجمية :

- “ The History of Arabic Lexicography and Terminology” in: Handbook of Terminology (Amsterdam: Benjamin Publishing Company,  2018) Vol. 2.

- صناعة المعجم التاريخي للغة العربية (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2014).   650 صفحة.

- معجم الاستشهادات (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2001)

- معجم الاستشهادات الموسع (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2008)، 1039 صفحة

- معجم الاستشهادات الوجيز للطلاب (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2012)

-  المعجم العربي الأساسي (تونس/ باريس: الألكسو/ لاروس،1989) - المنسِّق - 1347 صفحة.

- علم اللغة وصناعة المعجم، الطبعة الثالثة (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2004) الطبعتان الأولى والثانية: (الرياض: جامعة الرياض، 1975، 1991)

- المعجمية العربية بين النظرية والتطبيق (يروت : مكتبة لبنان، 2003)

-0      Linguistics and Bilingual Dictionaries (Leiden: E. J. Brill, 1977, 1981, 1983)

في المصطلحية

- علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية. الطبعة الثانية (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2019)، الطبعة الأولى (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2008)،821  صفحة-

- مقدمة في علم المصطلح، الطبعة الثانية: (القاهرة: مكتبة النهضة، 1988)، الطبعة الأولى: (بغداد: الموسوعة الصغيرة، 1985).

- مصطلحات علم اللغة الحديث (بيروت: مكتبة لبنان، 1981) - مع آخرين -

في التربية والتعليم

- الدماغ الخبيث: كيفية التحكُّم بالعقل الباطن وتحقيق السعادة (الرياض: دار التوبة للنشر، 2018) - ترجمة كتاب عالم التحليل النفسي الأمريكي العراقي الدكتور طالب الخفاجي.

- الجامعة والتنمية (الرباط: المعرفة للجميع، 2002)

- تعليم العربية للناطقين باللغات الأخرى(الرياض: جامعة الرياض، 1979)

- التقنيات التربوية في تعليم العربية للناطقين باللغات الأخرى (الرباط: الإيسيسكو،1991)

- مختبر اللغة (الكويت: دار القلم، 1970)

- تنظيم المكتبة المدرسية، الطبعة الأولى  (دمشق: دار الفكر، 1969)، مع الدكتور محمد  الطبعة الخامسة: (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1996)).ماهر حمادة

في الفكر

- مفاهيم الثقافة العربية (حائل : نادي حائل الأدبي، 2018)، وهو طبعة ثانية مزيدة من كتاب " مفاهيم العقل العربي".

- التراث العربي الإسلامي: دراسات وتأمُّلات (المدينة المنورة: نادي المدينة الأدبي، 2017)

-  مفاهيم العقل العربي (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2004)

- حقوق الأنسان بين الشريعة الإسلامية والإعلان العالمي، الطبعة الثانية:  (القاهرة: دار الأديب كامل  الكيلاني، 2008) . الطبعة الأولى:(الرباط: المعرفة للجميع، 2001)

- السياسة الثقافية في العالم العربي . الطبعة الثانية (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2019)، الطبعة الأولى (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2012)

- لغة الطفل العربي (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2009).

في النقد:

- الثورة والشعر (تونس: البدوي للنشر ولتوزيع، 2015).

- صياد اللآلئ: في الفكر والإبداع المغربي المعاصر (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2012)

- العراق في القلب: دراسات في حضارة العراق، الطبعة الثانية والثالثة: (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2010 و 2012) 712 صفحة. الطبعة الأولى: (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2004).

- النور والعتمة : إشكالية الحرية في الأدب العربي (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2009) .

- الحب والإبداع والجنون : دراسات في طبيعة الكتابة الأدبية (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2006)

- في الأدب المغربي:  قراءات (الرباط: منشورات الزمن، 2002)

في القصة

- الأعمال القصصية الكاملة (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2013)

- الحب في أوسلو - قصص - (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2014)

- رسالة إلى حبيبتي، مجموعة قصصية (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2002)

- صمت البحر - مجموعة قصصية - (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2003)

- أوان الرحيل، - مجموعة قصصية (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2008، 2015) ط 3 و 2. الطبعة الأولى:(القاهرة: دار ميريت، 2005)

- دوائر الأحزان - مجموعة قصصية، الطبعة الثانية : (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2010،  )2015) الطبعة الاولى (القاهرة: دار ميريت، 2007

2010 - حياة سابقة - مجموعة قصصية - (الدار البيضاء: دار الثقافة،

- Circles of Sorrows, Translated by Musa Halool (Taif: University of Taif, 2014(

- طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات (الرياض: دار الثلوثية، 2018)

في الرواية

- مرافئ الحب السبعة  - رواية - (الدار البيضاء/بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012)، الطبعة الثانية: (الرباط، منشورات الزمن، 2017).

- عصفورة الأمير : قصة عاطفية من طي النسيان، للأذكياء من الفتيات والفتيان (بيروت: مكتبة لبنان،2005 )

- معالي المدير العام، رواية ساخرة معدّة للطبع.

Ali Al-Qasimi, Cele sapte porturi ale iu birii. Traducere din limba araba. Prefata si note : Nicolae Dobrisan (Baia Mare: Proema, 2017)

في الترجمة

- الترجمة وأدواتها (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2009).

- مشاعل على الطريق: أبدع وأروع القصص الأمريكية الحديثة (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2018)

- مرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة (بيروت/ الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، 2003)

- إرنست همنغواي، وليمة متنقلة - ترجمة -  الطبعة التاسعة (الرباط: منشورات الزمن، 2017)، الطبعة الثامنة (بيروت/ الدار البيضاء : المركز الثقافي العربي، 2016)، الطبعة السابعة : (القاهرة: مكتبة الأسرة، 2014) الطبعة السادسة: (القاهرة : دار رؤية، 2013)، الطبعة الخامسة (الرباط: منشورات الزمن، 2013)، الطبعة الرابعة: (القاهرة: مكتبة الأسرة، 2009)، الطبعة الثالثة: (القاهرة: دار ميريت، 2006).  الطبعة الثانية: (الرباط، منشورات الزمن، 2002 )، الطبعة الأولى: (دمشق: دار المدى، 2001).

- ألن لايتمن، أحلام أنشتاين  - رواية - ترجمة- الطبعة الثانية: (الرباط: منشورات الزمن، 2011)، الطبعة الأولى: (القاهرة : مجلة إبداع، 2011) .

- إرنست همنغواي، الشيخ والبحر - ترجمة - الطبعة السادسة (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2016)، الطبعة الخامسة (الرباط : منشورات الزمن، 2015)، الطبعة الرابعة (الرباط منشورات الزمن، 2013)، الطبعة الثالثة: (القاهرة: دار رؤية، 2013)، الطبعة الثانية:(القاهرة: دار ميريت، 2008)، الطبعة الأولى: (الرباط: منشورات الزمن، 2008).

- لودفيغ هولبرغ . الفلاح البائس : يبه الساكن على التل. ترجمة. الطبعة الثانية: (الرباط: منشورات الزمن، 2013)، الطبعة الأولى:(بغداد: مكتبة الأعظمي، 1969) .

Modern Iraqi Short Stories (Baghdad: Ministry of Culture, 1969)  - with W. Frazier

من الدروع الأوسمة:

- يحمل دروعاً عديدة من جامعات حاضر فيها في إندونيسيا، والجزائر، والسعودية، والفلبين، وفنلندة،  وماليزيا، ومصر، والمغرب، وغيرها.

- وسام الأسد السنغالي، من رئيس الجمهورية الشاعر ليبولد سنغور، لمشاركة القاسمي في تأسيس مدارس حديثة لتعليم العربية والثقافة الإسلامية في السنغال.

- تناولت أعمالَه  دراساتٌ عديدةٌ منها الكتب التالية:

- مرية الشوياخ . المصطلحية العربية في فكر الدكتور علي القاسمي (عمّان: مركز الكتاب الأكاديمي)

- إدريس الكريوي .  قصص علي القاسمي القصيرة: الرؤية والأداة (جدّة: النادي الثقافي الأدبي بجدّة، 2018).

- بتول الربيعي. المعجمية العربية في فكر الدكتور علي القاسمي (عمّان: مركز الكتاب الأكاديمي، 2018)

- منتصر أمين عبد الرحيم (الدكتور)، الدكتور علي القاسمي: سيرة ومسيرة (الإسكندرية: دار الوفاء، 2017).

- الدكتور حسين سرمك حسن، الظمأ العظيم: تحليل طبي نفسي ونقد أدبي لمجموعة " أوان الرحيل" للدكتور علي القاسمي (2017). منشور إلكترونياً في موقع " الناقد العراقي"، وفي موقع " أصدقاء الدكتور علي القاسمي"، وفي موقع " صحيفة المثقف"، وفي موقع " مركز النور"، ومواقع أخرى.

- سوسن البياتي (الدكتورة)، بنية النص القصصي: رؤية سردية في مجموعة " دوائر الأحزان" لعلي القاسمي (تونس: دار بدوي، 2015).

- محمد مساعدي وإبراهيم عمري  (الدكتوران)، النقد النصي واستراتيجيات القراءة (تازة: مختبر البحث في اللغة والأدب والتواصل بالكلية متعددة التخصصات، 2015)

- إدريس الكريوي، بلاغة السرد في الرواية العربية: رواية علي القاسمي " مرافئ الحب السبعة" نموذجاً (بيروت/الجزائر/ الرباط: ضفاف/ الاختلاف/الأمان، 2014)

- إبراهيم أكراف (المحرر)، دراسات نقدية مختارة عن رواية " مرافئ الحب السبعة" (الرياض: شركة الارتقاء المعرفي للنشر الإلكتروني، 2014)

- محمد صابر عبيد (الدكتور)، حركية العلامة القصصية، جماليات السرد والتشكيل (بيروت: المؤسسة الحديثة للكتاب، 2014)

- عبد المالك أشهبون (الدكتور)، علي القاسمي: مختارات قصصية، مع دراسة تحليلية (بيروت/ الجزائر/الرباط : دار ضفاف ودار الاختلاف ودار الأمان،  2013)

- الحسن الغشتول (الدكتور)، بين الفكر والنقد (القاهرة: دار الكلمة، 2013)

- فيصل غازي النعيمي (الدكتور)، حسّاسية النص القصصي: قراءة في مجموعة " حياة سابقة" لعلي القاسمي (بيروت/ الرباط: الدار العربية للعلوم ناشرون ودار الأمان، 2012)

- إبراهيم أولحيان، الكتابة والفقدان: قراءة في التجربة القصصية عند علي القاسمي (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2011)

- محمد صابر عبيد (الدكتور)، التجربة والعلامة: قراءة في مجموعة " أوان الرحيل" لعلي القاسمي (عمّان: عالم الكتب الحديث، 2011)

- إدريس الكريوي، جماليات القصة القصيرة: دراسات في الإبداع القصصي لدى علي القاسمي (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2010)

- عبد المالك أشهبون (الدكتور)، من خطاب السيرة المحدود إلى عوالم التخييل الذاتي الرحبة (فاس: 2008).

- عبد الرحيم العلام، سيرة الفقدان (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2007)

- إحسان التميمي (الدكتور)، المعادل البصري في السرد العربي (الشارقة: جائزة الشارقة للإبداع، 2007).

- شرف الدين ماجدولين (الدكتور)، الصورة السردية في الرواية والقصة والسينما (القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 2006).

- لحسن حمامة،  القارئ وسياقات النص (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2006).

- مصطفى شقيب، دراسة سايكولوجية عن " حياة سابقة" لعلي القاسمي .

أنجزت عن بعض مؤلفاته رسائل  جامعية منها:

- رسالة ماجستير في الترجمة والتواصل أنجزها الطالب المغربي يوسف مساهل وقدمها لكلية الآداب بجامعة الحسن الثاني، بالدار البيضاء - عين الشق، بعنوان (كتاب القاسمي “ الترجمة وأدواتها “ ترجمة جزئية للغة الإسبانية، وتحليل ترجمي وموضوعاتي للكتاب) سنة 2012.

- رسالة ماجستير في علم اللغة أنجزتها الطالبة الجزائرية كاهينة محيوت في جامعة مولود معمري - تيزي وزو-، بعنوان (النظرية المعجية الحديثة في فكر علي القاسمي) سنة 2014. وقد نشرها مخبر الممارسات اللغوية في الجامعة نفسها سنة 2015.

- رسالة ماجستير في علم اللغة أنجزها الطالب الجزائري كمال العناني في جامعة مولود معمري - تيزي وزو - بعنوان (النظرية المصطلحية في فكر علي القاسمي) سنة 2014.

- رسالة ماجستير في النقد الأدبي أنجزها الطالب العراقي باسم كاظم في جامعة تكريت بعنوان (البناء السردي في رواية علي القاسمي “ مرافئ الحب السبعة”) سنة 2014.

- رسالة ماجستير في الترجمة أنجزتها الطالبة المغربية فاتحة تمزارتي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال بعنوان " ترجمة الاستعارة في رواية الشيخ والبحر: دراسة تحليلية مقارنة لترجمتي القاسمي وزاهيد"

- رسالة ماجستير في علم اللغة أنجزتها الطالبة العراقية بتول عبد الكاظم حمد في كلية الآداب بجامعة بغداد بعنوان (المعجمية العربية في فكر الدكتور علي القاسمي) سنة 2015. ونشرها مركز الكتاب الأكاديمي في عمّان في شكل كتاب.

- رسالة ماجستير في علوم الكتاب أنجزتها الطالبة المغربية هناء الرحماني في جامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس بعنوان (فهرسة تحليلية لأعمال الدكتور علي القاسمي) سنة 2016.

- رسالة ماجستير في اللسانيات أنجزتها الطالبة المغربية مرية الشوياخ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط بعنوان (علم المصطلح في  النظرية المصطلحية لعلي القاسمي) سنة 2016.

- رسالة ماجستير في النقد الأدبي، أنجزتها الطالبة العراقية ميلاد يحيى لازم الغراوي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط بعنوان (الغربة والحنين في الرواية العراقية الحديثة: رواية " مرافئ الحب السبعة لعلي القاسمي أنموذجاً) سنة 2017.

- أطروحة دكتوراه في النقد الأدبي، يعدّها الباحث الجزائري السيد حمودي أحمد بإشراف الدكتورة عمارية حكيم في جامعة سعيدة بالجمهورية الجزائرية بعنوان " شعرية الفضاء في رواية "مرافئ الحب السبعة".

- أطروحة دكتوراه في النقد الأدبي، يعدّها الباحث المغربي السيد محمد معمري بإشراف الدكتور محمد قاسمي في جامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس بالمملكة المغربية بعنوان " لسانيات النص والنص السردي: رواية مرافئ الحب السبعة نموذجاً".

- رسالة ماجستير في الأدب العربي الحديث، تعدّها الطالبة الإيرانية الآنسة أفسانة محمدي بإشراف الدكتورة مريم جلائي في جامعة كاشان في إيران، بعنوان " الزمان والمكان في رواية علي القاسمي " مرافئ الحب السبعة".

- رسالة ماجستير في اللسانيات الحديثة، تعدّها الطالبة العراقية الآنسة تماضر علي بإشراف الدكتور نعمة دهش الطائي، في كلية التربية بجامعة بغداد، بعنوان " المنحى الاجتماعي في جهود علي القاسمي المعجمية والمصطلحية".

- رسالة ماجستير في اللسانيات الحديثة تعدها الطالبة العراقية الآنسة صفاء أكرم بإشراف الدكتورة لمى العاني، في كلية الآداب بجامعة بغداد، بعنوان " القضايا الاجتماعية في " المعجم العربي الأساسي" من تأليف: علي القاسمي (المنسِّق) وآخرين.

- أطروحة دكتوراه في المعجمية يعدّها الباحث الجزائري الأستاذ يحياوي علي  في جامعة عمار ثليجي بالأغواط - الجزائر بإشراف الأستاذ الدكتور سليمان بن علي، بعنوان " قضايا المعجمية العربية بين الأصالة والمعاصرة : دراسة إبستمولوجية في كتابات علي القاسمي والجيلالي حلام.

 

عبد الاله الصائغحين تعرض الفقيد عريان سيد خلف الى حادث سير كانت قلوبنا تصلي من اجله لكن خوفا شفيفا رافقنا على حياته الغالية علينا وعلى محبيه رغم انه نهض من كبوة حادث السير وواصل حياته انسانا نبيلا ومبدعا كبيرا ومناضلا تقدميا! فما السبيل الى تقبللا خسارته التي لاتعوض؟ كيف اتخيل الثقافة العراقية دون عريان؟ كيف اتخيل العراق دون عريان؟ علاقتي بعريان السيد خلف قديمة فقد ربطتني بالشاعر عريان سيد خلف مودة عميقة وكان يزور مجلسي في شقتي بالكاظمية ساحة الزهراء (الشوصة) وكان ضمن الذين يحضرون الصديق والشاعر الدكتور علي العلاق! وباسم حمودي وشاكر السماوي واسماعيل الكاطع وعزيز السماوي وصفاء زيني... وحين زار عريان السيد خلف مشيغن كانت لنا لقاءات استعرضنا فيها ذكريات الزمن الجميل ولولا الفنان الكبير الدكتور عبد المطلب السنيد رحمه الله لما علمت بقدوم عريان سيد خلف! كانت لقاءاتنا وقتها لقاءات محبة!

كان عريان السيد خلف يتعاطف مع حبنا لشعره ومازالت ابنتي البروفسورة دكتورة وجدان الصائغ تتذكر زياراته رغم انه كانت طفلة ! اقول

عريان السيد خلف: شاعر شعبي مبتكر ذو شعرية جذابة وطريقة في الالقاء محببة

ولد الفقيد الكبير في قلعة سكر على ضفاف الغراف، وبدأ النشر مطلع ستينات القرن العشرين

اصدر اكثر من ستة مجاميع شعرية وقد عمل في الصحافة العراقيه وفي الاذاعة والتلفزيون.وكانت طريق الشعب والثقافة الجديدة اقرب المنابر الى كتاباته وهو يكتب الشعر في الفصحى ايضا لكنه مقل فيه ! لنصغ الى كلامه حرفيا (ولدت في ناحية قلعة سكر على نهر الغراف في المناطق الجنوبية التابعة لمحافظة ذي قار والمدينة أشبه بأجواء ريف وفيها قيم وخلق الريف العراقي الذي يمتاز بالنخوة والشهامة والصداقات الحميمة، والألفة، والأمان، والود، وطبعت في روحي الكثير من الشمائل الجميلة، كما تركت في نفسي آثاراً منها انني سريع الغضب من الأشياء الخاطئة. بداياتي هي تأثري في هذه البيئة الريفية وهي بيئة شعرية وتعني الفلاحين والفلاحات وأغاني الحصاد، والصيادين وأغاني الرعاة ودبكاتهم، وأصوات الناي اختزلت في ذاكرتي مزيجاً من الموسيقا والغناء والشعر. كان بيت والدي او مضيفه يعج بالشعراء الذين يتبادلون القصائد وكان والدي حينما يتحدث يصمت الجميع لأنه دائماً ما يحكي حكاية ويختمها أما ببيت شعري أو بقصيدة او مثل وكنت أتساءل عن هذا السحر الذي كان يلقيه على الآخرين. دخلت السجن سنة 1963 عندما كنت طالباً في الجامعة والتقيت داخله بأعظم وأروع الشعراء منهم مظفر النواب والفريد سمعان ومحمد صالح بحر العلوم وصادق العلوي وجميل فهد وعبدالكريم تعبان وعبدالرزاق أحمد أبو ثائر وكثير من الشعراء والمبدعين منهم علي الشباني وناظم السماوي وآخرين، وكنت أنقل من سجن الى آخر ومن سجن نقرة السلمان الى الحلة ثم الرمادي وعدت الى الموقف العام والسجن المركزي في بغداد وأطلق سراحي لعدم ثبوت أدلة ضدي بعد خمس سنوات من الاعتقال وبعدها عملت في شركة المياه الغازية حتى السبعينات من القرن الماضي عندما فصلت لتجاوزي على المدير العام الذي ضرب عاملاً أمامي وثأرت للعامل وتم فصلي ثم عملت في الإذاعة والتلفزيون في قسم البرامج الريفية.في منتصف السبعينات أصدرت أول دواويني السبعة وهو “الكمر والديرة” وطبع على نفقة مكتبة الشطري في بيروت الذي طبع ديوان شقيقك الشاعر كريم العراقي، للمطر وأم الظفيرة،، بعد ذلك بسنة واحدة ثم طبع ديواني في مكتبة الغري حتى تكررت الطبعات على عشرة آلاف نسخة وطبعت هذه المجموعة خمس مرات ثم بعدها أصدرت “قبل ليلة” ثم “أوراق ومواسم” وفي الثمانينات “صياد الهموم” و”تل الورد” و”شفاعة الوجد” الذي صدر عن دار المسار وهو ديوان مشترك مع الشاعر مظفر النواب. يحتوي ديواني “القيامة” على قصائد كتبت ما بعد التسعين وأولها قصيدة سميت باسمها المجموعة والقيامة بعد انتفاضة 1991 وكيف استباح النظام المدن الجنوبية ومدن الوسط وهدم البيوت واستباح الأعراض.. والديوان من ثلاثة أجزاء. أول من غنى لي في الإذاعة كان المطرب رياض أحمد رحمه الله وكانت أغنية (سورة) لحنها كوكب حمزة وحجبت بعد فترة من قبل النظام السابق. ثم أغنية “اتلولحي” وغناها سعدون جابر، وألحان محمد جواد أموري وحجبت أيضاً. ثم أغنية (عيني عيني)” وغناها سعدون جابر وبقيت تذاع وتبث وهي من ألحان محسن فرحان وغنى من شعري قحطان العطار (آه يازماني) و(بالكيف) و(لوغيمت دنياي).. 

527 عريان سيد خلف

عريان السيد خلف خلال زيارته لمشيغن عبد الاله الصائغ عن يمينه ود. قحطان المندوي عن يساره والصورة بعدسة الفنان الكبير د. عبد المطلب السنيد

المرثية الأخيرة

منايانه غفل والدنية غدارة

وفواتحنة أكثرت والدمع يتجارة

وشارتنا الكبل.. جانت مثل للناس

هسه احنه النخاف اتلوحنه الشارة

جنه اعله المنايا انفوت متعنين

وعله زمور التفك لو ثار نتباره

وجان المشتهينه اندك عليه الباب

ونخلي اعلى راسه الفشك كبارة

وجان الموت يصفن من علينه ايفوت

ومن نصرخ ابوجهه ايبدل افكاره

حزب جان اليمسه ايموت كبل الموت

وعلى هاي الشمايل كبرت زغاره

نمشي ابطولنا وبالفخر متحزمين

ويسورب ورانه التكثر اعذاره

صفينه انشاكف الطك بالاسف والحيف

وندور عالبخيت انلوذ بكتارة

ياموت العفه ارحمني برصاصة موت

ولاعيشن دجاجة بيت دواره

سلام ابايسكله ايدور الولايات

ولا يمشن وراه خمسين سياره

وابو كريم نصير وشعل كردستان

وظلت كل رفاقه اتسولف اخباره

وحسن نايب عريف وغير التاريخ

وثاير ماتحمه ابنار ثواره

وابو محيسن ترف ويخوض ماي الهور

وبدمه الكصب يتعالن اكصاره

ياحزب الفواتح ياطريق الموت

ايمام الما يعور يستحي الزاره

ياحزب الضحايا ... امجتفين اجتاف

نتنطر سرانه يحين مشواره

شني فود النخل لو طال بيه الطول

والارض الخبيثة اتحوش جماره

يبن صالح وحكك.. وحك دم سعدون

وحك ثارك الطاح وما طفت ناره

وحك ضحكة اعيونك والدعابة البيك

 نحن فقدناك ياعريان جسدا ولكنك بيننا ! شعرك بيننا ونحفظ الكثير منه ! وسيرتك النضالية تمثل رؤيتك التقدمية للحياة والوطن والبشر ! كلنا سنمضي ياعريان ولكن مضي المبدع الطيب موجع وجعا فادحا ! ياحاملي نعش عريان ترفقوا في المسير فانتم تحملون الزمن الجميل.

 

عبد الاله الصائغ السادس من ديسمبر 2019 مشيغن

 

 

كاظم الموسويبعد انتصار ثورة تشرين الاول/ اكتوبر  الاشتراكية عام 1917 في روسيا، وزعامة حزب لينين لها وقيادته التحولات والتطورات، ابتهج كثير من زعماء حركات التحرر الوطني في اركان المعمورة بهذا النصر وما حصل في روسيا، وتاملوا بفرح وروح الانتصار والاعتماد على القائد لينين وعلى دوره في التضامن الأممي ودعم حركة التحرر الوطني والقومي للشعوب في العالم ومنها طبعا في وطننا العربي الكبير، ومنه العراق.

كان العراق حينها يمر بفترة انتقال من احتلال الى اخر، حيث تمكنت القوات البريطانية من غزوه واحتلاله والسيطرة عليه وانسحاب القوات والسلطات العثمانية، واعلان بيان الجنرال البريطاني مود، عام 1917 من بغداد كما أعلن "الجنرال" الأمريكي بول بريمر وأتباعه عام 2003  تحرير العراق. ودخل العراق فترة أخرى من الاستغلال والاستعمار والاستثمار.

لم يهدأ بال القوى والشخصيات الوطنية والدينية من سياسات الاستعمار البريطاني ومحاولات الالتفاف على المصالح الوطنية العراقية وحرية الشعب العراقي واستقلاله. فبادرت قيادات حركة التحرر الوطني إلى إصدار بيانات تشجب بها أساليب الاستعمار في الاستثمار والاستغلال ودعت إلى الاستقلال الوطني والنهوض بالعراق وفق إرادة الشعب وخياراته. وأخذت بالتجمع والتشاور والعمل على توحيد الجهود وتنسيق النشاطات وتنظيم القدرات.

تطورت الأحداث لاندلاع ثورة العشرين التي حسمت الموقف الوطني العراقي بإنهاء الاستعمار المباشر والدعوة لحكم وطني مستقل، ولعبت المرجعيات الدينية في كربلاء والنجف والكاظمية دورا بارزا فيها وما سبقها وما تلاها، كما لعبت الأحزاب السياسية، التي أخذت بالتاسيس، والشخصيات الوطنية في بغداد والمدن الأخرى دورها المشهود. وبعد تمكن المستعمر من السيطرة العسكرية وإعلان العمل على انتخابات واتفاقيات وغيرها وقفت قيادات حركة التحرر موقفا حازما وإدارت الصراع معه. وكان من بين أبرز الشخصيات التي برزت هو الشيخ المجاهد محمد مهدي الخالصي، (ولد في الكاظمية،  العراق، 1888 وتوفي في إيران، ودفن في مشهد، 1925)  الذي حرك من موقعه النضال الوطني وأصدر مع القيادات الأخرى البيانات العديدة والاجتماعات المتتالية ووضع مطالب الشعب العراقي في صدارة المشهد السياسي..

عقدت اجتماعات عامة في بغداد وكربلاء بقيادته ومشورة من وقّع معه بيانات المطالب بالاستقلال والحرية والعدالة للعراق. هذه الاجتماعات بينت قدرته القيادية وفكره النير وزعامته الوطنية. صدر البيان المشترك ردا على تصريح الوزير البريطاني حينها ونستون تشرشل، نص على ما يلي، حسب ما أورده الشيخ محمد مهدي البصير في كتابه : تاريخ القضية العراقية، ط2 ص 237 : "لقد أثبت العراقيون رغبتهم الأكيدة في الإستقلال التام ورفضهم اي انتداب كان رفضا باتا وحركاتهم الخطيرة سنة 1920 أعظم شاهد على ذلك وبمناسبة تصريح المستر تشرشل في البرلمان الانجليزي بشأن مسألة الإنتداب في العراق أقام الشعب العراقي مظاهرة سلمية فوضنا فيها  أن نعلن أمام مجلسكم الموقر ولدى البرلمانات الأخرى عن رأيه في رفض الإنتداب وعليه نرفض كل انتداب ونحتج على كل قرار يعارض الإستقلال التام للعراق." ووقعه كل من: محمد الخالصي، السيد أحمد الداوود، السيد محمد الصدر، حمدي الباجه جي، محمد المهدي البصير. كما كانت الرسائل والبرقيات الموقعة من رؤساء العشائر وشيوخها ترسل إلى السيدين الخالصي والصدر تأييدا ودعما لبلاغهم المنشور. واعتبارها مواثيق وطنية، نقل البصير  واحدا منها (ص238)، ورد فيه  ما يلي: " أن الميثاق العربي العراقي الذي  وقعنا عليه بصفتنا سادات وزعماء أصالة عن أنفسنا ووكالة عن أفراد قبائلنا وتابعينا هو البرنامج السياسي المشتمل على المواد الآتية التي اقسمنا على رعايتها واتخاذها غاية لجهودنا الدينية والوطنية وعاهدنا الله على أن نعمل بمقتضاها وان لا نعدل عن أية جزئية من جزئياتها:

المادة الأولى: تأليف حكومة نيابية ديمقراطية مسؤولة أمام الأمة العراقية مستقلة استقلالا تاما لا شائبة فيه من أي تدخل أجنبي.

المادة الثانية: تأييد سياسة الملك فيصل الاول على أساس استقلال العراق السياسي التام بحدوده الطبيعية.

المادة الثالثة: رفض الإنتداب وكل معاهدة تمس كرامة الأمة العراقية واستقلالها التام فعلى هذه المواد الثلاث المنتظمة حقوق العراق الطبيعية قرت رغباتنا  الصميمية والله حسبنا ونعم الوكيل.".

قاد الشيخ محمد الخالصي اجتماعات عامة أصدرت مواثيقا أكدت على الوحدة الوطنية والتضامن بين أبناء الشعب العراقي كافة. والتمسك بالاستقلال التام وانهاء الإنتداب. وتنظيم حركة التحرر الوطني ومشاركة قيادات الأحزاب الوطنية والمرجعية الدينية ورؤساء القبائل والعشائر، اي الربط بين القوى الفاعلة في المدينة والريف، وطلب تأسيس الحزب الوطني بقيادة جعفر ابي التمن،  مع نشاط التجمعات السياسية الاخرى، وتصعيد اساليب الكفاح الوطني المشترك. مما أثار حفيظة المستعمر وأعوانه وتوجههم إلى نفي المناضلين وفي مقدمتهم الشيخ محمد الخالصي، فاعتقل في 28  آب/ أغسطس  1922 ونفي الى الحجاز ومنها بعد اداء فريضة الحج انتقل الى إيران. وفي 26 حزيران/ مايو 1923 القي القبض على والده الشيخ مهدي الخالصي ونفي الى الهند ثم اليمن فالحجاز  فايران. وهذا ما أمر به المعتمد السامي البريطاني، برسي كوكس، وما ارادته المعتمدية البريطانية في قرار نفي الشيخين المناضلين واصرارها على أبعادهما خارج العراق، كما أشارت فيبي مار في كتابها، تاريخ العراق الحديث، مستندة الى الوثائق البريطانية، وكذلك الوكيبيديا.

قبل نفيه والتضامن الواسع معه أسهم بشكل كبير في الحركة الشعبية وإدارة الصراع مع المستعمر وأعوانه واعتماد الكفاح السلمي سبيلا إلى ذلك، بالاحتجاج والتجمعات وكتابة الرسائل والبيانات والخطب وتنظيم العمل السياسي والصحافة.

في كتابه، نصف قرن من تاريخ وطن، كتب سالم عبيد النعمان، (ص134 (":لقد كان الخالصي هذا المفكر الوطني والانساني البعيد النظر قد سطر أفكاره في برقيته المرسلة الى لينين، زعيم ثورة أكتوبر الاشتراكية والتي نشرتها جريدة New Times السوفيتية ونصها التالي: "أن الشرق الذي ايقظتم ينظر لحظة ترجمة أفكاركم الصائبة حول تحالف الأمم الشرقية وحق كل فرد وكل أمة كبيرة كانت أم صغيرة، مثقفة أو متخلفة، بالحياة والاستقلال الى واقع حي".

تختصر البرقية وعي القيادات الوطنية والدينية وادراكها المسؤولية الملقاة عليها في التخلص من الاستعمار والتحرر منه وأتباعه، ولعل الشيخ الخالصي في موقعه ودوره عبّر عنها بشكل واضح وتقدير كامل للمهمات والمسؤوليات التي تتطلبها الأوضاع والقدرات. وهو رجل الدين والمرجع القائد يخاطب لينين زعيم الثورة الاشتراكية التي عمل المستعمر بكل جهد ووسيلة على إبعاد اي تاثير لها في العراق وخارجه، أو اي تواصل مع قيادتها..

الحرية والاستقلال التامان الكاملان هما الشعاران الأبرز في تلك المرحلة من الإحتلال البريطاني، فمادام هناك احتلال وقوات أجنبية وقواعد ومعاهدات استعمارية يصير الكفاح بكل أشكاله هو الطريق الصحيح للتخلص منه، وكما يكون التعاون والتضامن مع كل القوى الخيرة التي تدعم وتساعد وتشد العزم لتحقيق أهداف الشعب ومصالحه الأساسية مطلبا ومهمة. واليوم يعود شكل آخر من الإحتلال والمعاهدات والاتفاقات مع مستعمر اخر، إمبريالي امريكي، فلماذا لا تكون المقولة المعروفة، ما أشبه اليوم بالبارحة، منطلقا في جانبها التحرري ايضا؟!.

 اجل، دفع الشيخ محمد الخالصي وبقية العلماء والقادة ثمنا غاليا ولكن كانت المهمات والواجبات والمسؤوليات في المقام الأول. الأمر الذي به ومنه تعرف معادن الرجال، وصلابة القادة، واخلاص المؤمنين فعلا. أن مجرد هذا الانفتاح على لينين وثورته دليل مهم ومَعلم أساس في نزاهة القيادات وحرصهم على إنجاز التحرر الوطني وبناء الدولة وحرية الشعب وكرامته والحفاظ على ثرواته ومستقبل اجياله. هذه البرقية ومحتواها عنوان ومطلب شعبي والكفاح الوطني لتحقيقها يرسم نموذجا وجرسا يدق عن المقاومة الشعبية ضد الإحتلال البريطاني الاول، قبل ما يقارب قرن من الزمان، ويقدم درسا واجبا للكفاح والتحرر من اي احتلال اخر، حتى ولو بعد قرن..

وللحرية الحمراء باب         بكل يد مضرجة يدق

 

كاظم الموسوي

 

ضياء نافعوصل حسن البياتي الى موسكو اوائل ستينيات القرن العشرين للالتحاق في قسم الدراسات العليا بجامعة موسكو، وذلك لانه حاصل على شهادة البكالوريوس (الليسانس) من جامعة بغداد، ومختص باللغة العربية وآدابها . كان د. حسن شاعرا معروفا في العراق، وقد أصدر ديوانين قبل وصوله الى موسكو هما – (من شفاه الحياة) و(جنود الاحتلال)، وقد اراد الشاعر حسن البياتي بالطبع ان يدرس الشعر الروسي ويتخصص به، والتحق فعلا بكليّة الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) في جامعة موسكو (والتي كنّا نسميها - نحن العراقيين- على الطريقة العراقية كليّة الآداب)، وفي قسم تاريخ الادب الروسي للقرن التاسع عشر، واختار عنوان اطروحته عن ملحمة شعرية للشاعر الروسي الكبير نكراسوف تتناول بشكل ساخر بحث الفلاحين الروس عن الشخص الذي يعيش بشكل جيد وسعيد في روسيا، وهي ملحمة معروفة جدا في تاريخ الشعر الروسي، وخصوصا في الزمن السوفيتي، لان الشاعر نكراسوف واحد من اركان الحركة الديمقراطية الثورية في تاريخ الادب الروسي، وكان ضمن الاسماء الثورية في هذا الادب مثل تشرنيشيفسكي ودبرالوبوف، وكان رئيس تحرير مجلة (سوفريمينك) (المعاصر) الادبية والفكرية، والتي كانت واقعيا لسان حال الحركة التي يسمونها آنذاك في الاتحاد السوفيتي (النقد الادبي الثوري الديمقراطي) . وكان د. حسن فخورا جدا بعنوان اطروحته، ويتحدث عنها بين العراقيين، لكنه ترك هذا البحث بعد فترة وجيزة، ولا نعرف سبب ذلك، الا ان الاقاويل التي كانت سائدة بيننا، نحن الطلبة العراقيين، كانت تتحدث عن عدم الامكانية العلمية لشخص متخصص بالادب العربي من جامعة بغداد بانجاز بحث دكتوراه في الشعر الروسي وباللغة الروسية دون معرفة معمقة في الادب الروسي وتاريخه، وانه لهذا ترك تلك الاطروحة وعاد الى البحث في مجال اختصاصه الدقيق، وهو الادب العربي، وهكذا انتقل من كليّة الفيلولوجيا الى معهد لغات آسيا وافريقيا، وهو ايضا تابع لجامعة موسكو، وهناك انجز اطروحته حول الصفة المعادية (اوالطابع المضاد) للاستعمار في الشعر العراقي المعاصر، وأبدع فيها فعلا، لانه هو شخصيا كان أحد هؤلاء الشعراء . ان انتقال حسن هذا كان خطوة علمية صحيحة جدا وشجاعة ايضا، لم يستطع بعض العراقيين ان يتخذوها آنذاك من زملائه العراقيين الآخرين، اذ ترك اثنان منهما الدراسة لاحقا، وقد اضطرت المجموعة الاخرى منهم ان يدرسوا سنين طويلة جدا خارج الفترة المحددة والقانونية للدراسة من اجل الحصول على الشهادة المطلوبة، بينما استطاع د. حسن ان ينهي دراسته وبنجاح رائع وفي مجال اختصاصه العام و ضمن فترة معقولة، واستطاع ان يتقن اللغة الروسية بشكل جيد جدا، وقد انعكس ذلك بعدئذ على نشاطه العلمي لاحقا بعد عودته الى العراق في مجال الترجمة عن الروسية الى العربية، وأصدر عدة كتب مترجمة عن الروسية، وتتميّز هذه الكتب في كونها متنوعة جدا، وشملت آداب شعوب مختلفة، مثل ادب أمريكا اللاتينية واوربا الشرقية وآسيا والقوقاز ، اي انه استخدم معرفته العميقة للغة الروسية في ترجمة مصادر متنوعة من الادب العالمي، وهي ظاهرة تستحق التأمل والدراسة فعلا، اذ انه تخطى المفهوم التقليدي السائد في عالم الترجمة، وهو المفهوم الذي يؤكد على ضرورة الترجمة عن اللغة الاصلية فقط الى العربية، اي عدم استخدام اللغة الوسيطة في الترجمة، وقد استطاع د.حسن ان يبدع فعلا في ترجماته تلك وان يتميّز بها عن المترجمين العراقيين الآخرين، ولازالت تلك الترجمات متداولة بين القراء لحد الان .

اضطر د. حسن البياتي الى ترك العراق نتيجة الظروف المعروفة آنذاك، وسافر الى اليمن، حيث عمل – وبنجاح كبير- في الجامعات اليمنية، اذ انه كان في العراق ايضا استاذا جامعيا ناجحا، الا انه فقد بصره في اليمن مع الاسف، وهكذا أصبح اعمى، وسافر الى لندن (حيث يقيم لحد الآن) وهو في تلك الحالة المأساوية الصعبة، الا ان ارادته القوية قد صمدت في هذا الامتحان الصعب، وهكذا استمر د. حسن البياتي في نشاطه الفكري رغم ذلك، واستمر بكتابة الشعر والبحوث والمقالات وحتى اصدار الكتب الثقافية المتنوعة، واود هنا أن اشير الى كتاب متميّز بين كل تلك النتاجات للدكتور حسن البياتي وهو كتاب بعنوان – (الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر) . والكتاب هذا فريد من نوعه في المكتبة العراقية عن الناقد والباحث العلمي الكبير والاستاذ الجامعي علي جواد الطاهر، والذي أعده البياتي خصيصا لمناسبة الذكرى العشرين لوفاة استاذ الاجيال المرحوم علي جواد الطاهر.

تحية تقدير واعتزاز للدكتورالشاعر والباحث والمترجم والاستاذ الجامعي القدير حسن البياتي، الوجه الناصع لخريجي الجامعات الروسية، وتصفيق حاد له على نشاطاته الثقافية الابداعية المتنوعة وهو في هذه الحالة الصحية الاستثنائية الصعبة .

 استمر في مسيرتك الابداعية البطولية الرائعة يا ابا جميلة العزيز.

 

أ.د. ضياء نافع

 ..................

للاطلاع على ارشيف

الدكتور حسن البياتي

 

 

شاكر فريد حسنمضى ربع قرن على وفاة الشاعر احمد طاهر يونس،أحد شعرائنا الفلسطينيين من الرعيل الأول المخضرمين، المحافظين على القصيدة الكلاسيكية التي تعتمد الأوزان والبحور الشعرية الخليلية.

ولد في قرية عارة عام ١٩١١، وعمل وكيلًا للبريد ردحًا من الزمن، ووافته المنية العام ١٩٩٥.

شغف بالكلمة وأحب الأدب متذ صغره، وقرأ نتاج الكثيرين من الشعراء والأدباء العرب على مر العصور والقرون، وامتاز بعصاميته في دراسة أدبنا العربي، وكرس اوقات فراغه للتعمق في بحور اللغة والأدب والشعر، مواظبًا على ذلك حتى آخر رمق من حياته.

بدأ ينطم الشعر في الاربعينيات من القرن الماضي، ونشر أشعاره في العديد من الصحف والمجلات منها: اليوم والهدف والمجتمع والأنباء والاتحاد والشرق ومشاوير وكل العرب والصنارة وغيرها.

صدر له: نفح العرار (١٩٧٨)، وهجير وظلال (١٩٨٩).

وكان الراحل أبو هشام قد أهداني نسخة من ديوانه " نفح العرار " وكتبت في حينه مراجعة نقدية له نشرت في صحيفة " الأنباء " المحتجبة.

احمد طاهر يونس شاعر عروضي، حساس ورقيق جدًا، يكتب مشاعره ويعبر عن احاسيسه، شعره سلس، فيه صدق فني وتعبيري وانسيابية، ويتصف بقوة العاطفة الجياشة، وقوة الفكرة، واسلوبه بما يعرف بالسهل الممتنع، لا تكلف في شعره، صوره وتراكيبه بدون تعقيد، بعيدة عن الغموض والابهام.

كتب احمد طاهر يونس في الكثير من القضايا والمواضيع الحياتية والانسانية والوجدانية. كتب عن الأرض والوطن، عن الانسان، عن الحب، ناجى الطبيعة، وحاكى الحبيبة وتغزل بها، أنشد للسلام والمحبة والحرية، ورثى الكثير من أحبائه وأهله ممن استعجلوا الموت والرحيل.

وقصائده مفعمة بالحس الوطني والانساني، وتطغى عليها الشفافية، ولنسمعه يقول في قصيدته عن " يوم الارض ":

غضبوا وهذا حقهم ان يغضبوا

          سفكت دماؤهم ولم يتهيبوا

ليعبروا عن سخطهم جعلوا لهم

          يومًا بآذار المجيد فأضربوا

صاحوا بوجه الغاصبين رويدكم

       ارض الجدود عزيزة لا تسلب

ومضوا يجلجل في الفضاء هتافهم

             كادت له آفاقهم تتكهرب

لا تحرجوهم بعد هذا انهم

      بشر وحمل الظلم امر متعب

فعلى بقايا ارضهم وكرومهم

      لا زال سيل لعابكم يتحلب

وكغيره من شعرائنا الفلسطينيين، فقد تعاطف مع شعب الجزائر، وتغنى بثورة المليون شهيد الماجدة، قائلًا:

حيوا معي عرب الجزائر

             حيوا الأكابر والاصاغر

الزاخفون على الوهاد

         الساخرون من المخاطر

حملوا السلاح واعلنوا

               حربا تروع كل غادر

يتسابقون على الجهاد

          علت وجوههم البشائر

كم في ثرى وهران ترقد

         في رضى اشلاء ثائر

مليون مهرك يا جزائر

       وطن الضراغم والحرائر

شهداؤك الابرار قد

       ملأوا شعابك بالمفاخر

ويحيي العمال والشغيلة في عيدهم الأول من ايار هاتفًا، محذرًا من الثغرات والخلافات، داعيًا الى وحدتهم الكفاحية لتحقيق مطالبهم العادلة:

يا معشر العمال كونوا دائما

               حذرين ان زمانكم غدار

لا تتركوا الثغرات بين صفوفكم

       ان الخلاف على العموم دمار

ان شئتم منح القيادة فاحذروا

       من طائش تفشى به الاسرار

لا يدفع المكروه عن اخوانه

    في الضيق الا العاقل المغوار

الا الصبور على المكاره ان طغت

        وتجهمت في وجهه الاقدار

جعل الضمير لما يروم شعاره

        لا الجاه يغريه ولا الدينار

يا اخوتي العمال هذا يومكم

         يا من بهم تتمثل الادوار

كونوا دعاة للسلام فاته

      للمخلصين المؤمنين شعار

ومن شعره الغزلي الرومانسي هذه الابيات التي تلامس كلماتها المشاعر وتزيد من قوة العاطفة:

يا حلوة الخدين والثغر

              يا نسمة رفعت على صدري

عيناك مسكرتان كالخمر

                       لآلأتان كنجمة الفجر

الفاحم الرجراج كالزهر

                  ينضح بالاشذاء والعطر

الجيد هذا اللامع الدر

                   يزدان بالانوار كالبدر

نهدان ملتهبان كالجمر

                  للحب للاغراء للقهر

دوما سيبقى الحب في صدري

           حتى اوارى في ثرى قبري

حبا شريفا طاهرا يجري

          بالنفس مثل نسائم الفجر

ولاحمد طاهر يونس كثير من القصائد الحزينة والبكائيات والمراثي، حيث انه فجع وعانى فقدان ابنه عصام، وأخيه ميسرة، وأمه الحبيبة، وهذا الفقدان ترك في نفسه الحسرة والأسى، فكتب اليهم معبرًا عن اختلاجاته ومشاعره الحميمية الصادقة.

كذلك رثى طه حسين والشاعر راشد حسين، ومما قاله في رثاء راشد:

تلطف ايها الناعي بقلبي

          فقلبي لم يعد صلبا قويا

أرى السنين ماثلة امامي

              بوجه عابس ترنوا اليا

احقا اصبح الصداح حلما

            ولم يك في خميلته عييا

واغمد روتق السيف اليماني

          وكان على الاعادي سمهريا

فيا احباب راشد ما لدمعي

           اراه اليوم محسورا عصيا

ستذكرك البلاد وكيف تنسى

           وانت تصد حكما عسكريا

فكم جاهدت في نظم ونثر

              لتصفع فيهما فظا عتيا

رأيت الناس حولك في شقا

   بمصمص مذ درجت بها صبيا

فلا مرج ابن عامر ظل ملكا

           ولا اللجون وضاحا نديا

فاثرت الكفاح بصدق

         ببذل شبابك الغالي طريا

احمد طاهر يونس شاعر اصيل شفاف وواضح، عالج في شعره الهم الانساني والوجع الفلسطيني المتواصل، ونلمس في قصائده كم هو معذب بفلسطينيته، وتتجسد فيها كل معاني الانسانية، ودعواته للسلم والوئام والمحبة، بدلًا من الحروب وما تخلفه من دمار وخراب.

وتناول في شعره الارض ، الوطن، المخيم، المرأة، الحب، المكان الفلسطيني، واجاد في الوصف والتعبير عن مواقفه الوطنية والانسانية ومشاعره وعواطفه، وتكثر في قصيدته المحسنات البلاغية والتشبيهات والايحاءات والابعاد الانسانية.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

راغدة شريف مجد الأب أو افتخار الأب وسروره، هي الملكة كليوباترا التي عينت وهي في الرابعة عشرة من عمرها نائب لوالدها فأصبحت ملكة مصر في الثامنة عشرة بمشاركة أخيها بطليموس الثالث عشر ويبدأ الخلاف بينهم ليتمكن من عزلها. لم تستسلم لواقعها وقد امتلكت من الذكاء والدهاء الكثير. لتخرج من بساط يفتح في القصر بزي حورية البحر أمام يوليوس قيصر القائد الروماني العظيم وقد وقع في غرامها واستكان في محراب جمالها وقوة شخصيتها وثقافتها ومهارة إقناعها. حاول الإصلاح بينها وبين زوجها بطليموس ولكن كانت النتيجة موت بطليموس غرقا بعد هزيمته. من هي كليوباترا هذه المرأة التي شغلت شغاف قلوب القياصرة والقادة حتى أن شعب مصر أحبها لما شهدت تلك الفترة من رخاء وسلام وهي مصر مستودع القمح للامبراطورية الرومانية. يتبادر للأذهان هل الجمال الساحر هو سلاحها الفتاك فنقرا أنه ظهر على قطعة من الفضة صورة كليوباترا بأنف طويل وذقن مدبب وشفتان رقيقتان. لو كانت هذه صفاتها الخارجية ماسمات تلك المرأة التي لازالت عالقة في أذهان البشرية ملحمة في الذكاء والسيطرة على عروش القلوب وعروش الإمبراطورية.

بحسب دراسة لقسم العلوم الإنسانية في الجامعة الفيدرالية البرازيلية، فهناك سمات ثمانية للمرأة الساحرة للرجال ومن هذه السمات :السمة الأولى  المرأة المتميزة القادرة على شد الانتباه بلبقاتها وتنظيمها لذاتها .السمة الثانية: المرأة القادرة على ملأ  حياة الرجل و التي  يشعرُ الرجل أنّه بدونها لا يستطيع العيش .السمة الثالثة: المرأة الصعبة التي تحترم نفسها وتطلب من الجميع احترامها فبحسب الدراسة ٧٠ بالمائة من الرجال لا يحبون المرأة السهلة التي تستسلم بسهولة للرجل وترضخ له.

السمة الرابعة: المرأة السعيدة مع ذاتها فهي قادرة على إسعاد الأخرين .

السمة الخامسة :المرأة الذكية صاحبة الذوق الرّفيع والذي يشعر الرجل معها بالفخر وهو بجانبها.

السمة السادسة : المرأة الخالية من العقد النفسية كالغيرة الشديدة أو التي تُشعر الرجل بأنه مقيد الحرية

السمة السابعة: المرأة المتجددة القادرة على إثارة اهتمام الرجل طوال الوقت.

السمة الثامنة: المرأة الصديق القادرة على بذل المساعدة للرجل دون أن يطلب مساعدتها ..

فهل اجتمع في  شخصية كليوباترا واحدة من هذه السمات ام السمات جميعا  ظهرت في شخصيتها ..

كانت كليوباترا ابنة لبطليموس الثاني عشر من زوجة مصرية هي ابنة كبير كهنة بتاح منف بحسب كثير من المؤرخين ..كانت كليوباترا الابنة المدللة والمقربة من أبيها ورفقائه في رحلة المنفي خارج مصر حتي عاد له عرشه وبالتالي فنحن أمام مراحل تشكيل السمة الأولى  وملامح المرأة المتميزة ...كما كانت كليوباترا تحمل ثلاث ثقافات اغريقية ومصرية ورومانية مما جعلها مثالاً حقيقيا للسمة الخامسة حيث المرأة التي يفتخر بها الرجال كما جعل أبيها يعهد إليها إلى جانب أخيها بعرش مصر بمباركة رومانية .

بعد وفاة القيصر حبّ جديد يطرق قلب كليوباترا إنه القائد  انطونيو فيقتنع القائد الروماني الشهير بالإقامة معها بالاسكندرية مما يؤجج الصراع داخل روما خشية تحول عاصمة الدولة من روما إلى الاسكندرية!!.. وتعلن الدولة الرومانية الحرب بقيادة اوكتافيوس علي انطونيو وكليوباترا والتي بادرت بالوقوف إلى جانب حبيبها وهي السمة الثامنة لتدور الدائرة عليهما وينتحر انطونيو فيما تحمل كليوباترا كأسيرة إلى اوكتافيوس.. وهذا الحبّ العظيم هو الذي حرك قرائح الشعراء والأدباء ويعتقد أن هذه القصة هي التي دفعت شكسبير ليكتب رائعته روميو وجوليت في مشهد درامي مؤثر حزين يظهر كليوباترا بصرخاتها المدوية وهي تضمّ حبيبها الذي انتحر عندما سمع شائعة موتها.. وهنا يتحدث المؤرخون عن انتحار كليوباترا بالكوبرا غير أنّ دراسة مثيرة قام بها أكاديميون من جامعة مانشستر البريطانية وصفت فرضية موت كليوباترا بسم الكوبرا بالمستحيلة من حيث استحالة اختباء ثعبان بهذا الحجم الكبير داخل سلة تين !كما انه ليس بالقاتل الفوري كما تدعي القصة.. والأرجح أنها انتحرت بعقار قاتل بعد هزيمتها وظهور ملكة مصر أسيرة حرب ذليلة وليس بسبب الحب كما يشاع.   القصة روتها آلاف الألسن ودونتها الكثير الكثير من الأقلام وما يهمنا العبرة في هذه القصة التي تروي أحداث الأمم الماضية لعل الأحفاد تتعلم من تجارب الأجداد والجدات.

 

استاذه راغدة شفيق محمود الباحثة السورية في علوم اللغة

د. محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري

 

482 شوكانوكانت حياة الكاتب خوسيه سانتوس شوكانو (ليما 1875- شيلي 1934)، متذبذبة منذ البداية وانتهت بقتله في شيلي، وهو من قدم التجديد في أعماله، حيث اجتهد وجعل حركة الحداثة الأدبية البيروانية أمريكية الطابع. وفي تعليقه على عمل (الغرباء) للكاتب المعروف روبين داريو؛ لامَ المؤلف محاولته السريعة لجعل العمل المعنون (قداس لدين الفن الأمريكي الجديد)، دون انتباه الى انه "يوجد فينا من هو  قادر بشكل كفاي، لكي لا يقيد نفسه حسب المقياس الفرنسي، خاصة في نتاجاته". وما هو غريب أن شوكانو يتحدد في الإشارة الى ان الشاعر الأمريكي أدغار آلان بو الذي تناول داريو حياته في ذلك الكتاب بشكل سطحي، هو ذا اصلاً أمريكي شمالي والأب الحقيقي لحركة الحداثة، والذي فيما بعد قلد من قبل الفرنسيون.

في كل الأحوال، اخذ البيرواني الجريء اخذ على عاتقه مسؤولية أعطاء الشهادة بصحة تلك الحقيقة لقدرته على التحول الى شاعر أخاف الشعب الأمريكي من خلال عمله (ثورات مقدسة) عام1895، عاكساً بوضوح، ظل هوغو1، واسبرونثيدا2، ونونيث دي ارث3 ودياث ميرون4؛ مؤكدا ذلك بأشعاره الناضجة خلال فترة مكوثه "الإفراط بالحقيقة"، يكون عدو قاتل للشعر الوطني- ولأي نوع آخر من الشعر- ويبدو ذلك ساحقاً في هذا الكتاب. لم تحقق قصائد شوكانو، المزودة ببلاغته الخاصة، المستوى المطلوب ان تعتلوا أشعاره الارتفاع المرغوب به، والمزودة ببلاغته الخاصة. يقال انه كان متقدماً بهذه الأشعار، بتشديد تطابقي وبيرواني كبيرين ربما شوكانو أراد بها  الفرار صوب التوسع القاري، مثالا لما  ذكره كونثاليث برادا5 في الحوار المشهور على مسرح البوليتيما سنة 1888.

فيما بعد قصيدة طويلة، ملحمة الفنطيس (1899)، يقر بشكل محدد تمجيده لأمريكا، بنبرة ذات علامة بطولية. في أغاني المحيط الهادي (1904)- وبتفادي العلاقة الدقيقة لكل عناوينه-"يتطور شوكانو-عندما قال عن لويس آلبرتو سانشث6- في دلالة تصورية كثيرة القساوة، مماثلة لنقاء غنائي، تولى الدفاع عن بطولته الأمريكية بكل نزاهة.

في (1906) نشر كتابه (أمريكا الروح)، هو الكتاب الذي يعرفه بشكل جيد، واعتبره حينذاك عمله القمة، عندما طبع في مقدمته هذه الكلمات: "امتلك سابقاً عدة كتب شعر، لم اكتبها وظهرت باسمي". في نقد مؤرق عن فحوى كتاب (أمريكا الروح): "كل شيء مهيب، ورنان، وبهي، وفي بعض الأحيان ذو طاقة، وأحيانا حاد، كل شيء فيه ملحمي، وبدون شك أمريكي جداً، لكن اسباني جداً". وقال الشاعر روبين داريو، في قصيدته (استهلال)، "أعلن بان مؤلفها يجلب كلمته القوية الموقدة بالحياة؛ ويحدد القول ان كل شيء هو قارة، رغم ذلك لا يترك الإشارة –ان يبرر بشكل حقيقي- نبرته الغير عادية.

يجب أن نصل الى نرودا7 لكي نجد- بشكل واضح مسافة كبيرة في جودة الشعر-وطغيان الأفعال اقرب لما يوجد في كتاب شوكانو. اذ يغني الشاعر وهو مسحور بكبر الأرض الأمريكية، بتاريخها ومستقبلها. حيث الغزاة، ومنظر الجبال، والقناة الموعودة (نياكارا) لبنما، والمجموعة الحيوانية للبلاد، والناس، والمدن، كل هذا وأكثر تخرج من الأشعار الرنانة والمتغيرة، كما في قصيدة أحصنة الغزاة التي لا يمكن تذكرها:

الحصن كانت قوية!

الحصن كانت ضعيفة!

أعناقها كانت رقيقة وأردافها

لامعةٌ وحوافرها موسيقية...

الغاية الحقيقية التي تجنى من هذه التراكيب وغيرها تبقى غير مقيمة بسبب الإصرار المتعب الذي لا يترك هدنة للمتلقي. الكاتب شوكانو، مقتنع جداً بدوره، كما رأينا، والشاعر داريو لا يساوم في قصيدة استهلال، وأعلن بدون أي تحفظ:

أنا مغني أمريكا، ابن البلد ومتوحش

(بلاسون)

ذكر نفس الشيء فيما بعد، لكن بتحديد أكثر:

"والت ويتمان له الشمال، لكن أنا لدي الجنوب"

(ذهب الهنود)

وتأكيدا أكثر لحقيقة الابتهاج الغزير وغير الرصين يجعل التجنب سريع لدلالات أي تعليق. في المقدمة الفاشلة( لاغنية العامة)، الجمال والبطولة ساد بشكل ساحق. وبدون شك افتقر الرائع شوكانو الى مقدرته على تقليل ما قاله مارتي8 في عمله (فيات لوكس) 1908، اذ حاول مخالفة رفضه بالرغم من كمية المختارات من عمله الشبابي مع إضافة بعض القصائد الجديدة، ويستحق جهده التنقية رغم معالجة الماضي فقط.

باكورة الذهب الهندي (1934) وذهب الهند (1939-1941) تمتدان مع روح وصيغة أمريكا الروح وتحققان بعض المواضيع منها.

احياناً الاقتراب الى كل ما يخص الوطن لا يكون محدد بالبحث عن ما هو دخيل ولامع، وقام شوكانو بمساهمة ضافها الى الشعر الاجتماعي. في هكذا سيكون، يغني الى السلالة التي تعاني عاصفته بدون ان يسمع انينها والتي تحمل انعكاس قوي حول يأس الشاعر. تبدو الآثار المدريدية مقنعة لكن الاهتمام الأكثر هي لآثار نيويورك، و الابتعاد عن عالمه المألوف الذي يسمح لشوكانو العثور على صور ذات قوالب جديدة، اقرب الى  الطلائعية.

من الضروري الإشارة الى مجموعات شعرية اخرى مختلفة في بعض الأحيان  لخوسيه سانتوس شوكانو جمعها بدقة المحامي لويس آلبرتو سانشث و يبرز هاجسه الأمريكي الذي لم يمنع جمع الحب الباطني والاقتراب احياناً أخرى الى طبقات الشعر البرناسي الفرنسي الصافي،  بالرغم من مظهره ذات الألوان المتعددة. كانت أعماله النثرية أيضا واسعة، بجانب أخبار خفيفة ومتنقلة ومقالات أدبية، تسود فيها الكتابة ذات الطابع الجدلي للمجتمع والسياسة الأمريكية، داخل اتجاه محدد بأسلوب مبهج وشخصي.

التجاوز عن الحد الذي ظهر في حياة وأعمال شوكانو، ممكن ان تكون الشاهد على تتويجه شاعراً وطنياً سنة 1922- نفس السنة التي ظهرت فيها قصيدة (تريلث)، اذ تميزت بلغة شعرية خاصة بالكاتب ثيسار فايخو9.

 

ترجمة: الأستاذ المساعد لقاء محمد بشير حسن

جامعة بغداد/كلية اللغات/قسم اللغة الاسبانية

...............

هوامش

1- فيكتور ماري هوغو( فرنسا 1802- 1885): هو أديب وشاعر وروائي فرنسي، يُعتَبر من أبرز أدباء فرنسا في الحقبة الرومانسية. وترجمت أعماله إلى أغلب اللغات المنطوقة.

2- خوسيه إجناثيو دي إسبرونثيدا(منطقة إكستريمادورا1808- مدريد 1842) شاعر إسباني ينتمي لتيار الرومانسية في إسبانيا، كانت حياته مبعثرة ومليئة بالمغامرات. ولديه أعمال شعرية مميزة.

3- جاسبر نونيث دي أرثي(بلد الوليد 1834- مدريد 1903) شاعر وسياسي ونائب برلماني، كان مرشح لجائزة . نوبل في الأدب

4- سالفادور دياث ميرون (مكسيكو 1853-1928) شاعر مكسيكي تابع للحداثة . عمل كمدرس وصحفي وايضا سياسي.

5- كونثاليث برادا(ليما 1844-1918): سياسي، ومفكر، وكاتب مقالات، وشاعر برواني. كان شخصية مميزة في ادب وسياسة بيرو اواخر القرن التاسع عشر.

6- لويس آلبرتو سانشث (ليما 1900-1994) كاتب، ومحامي، ومؤرخ، وصحفي، وناقد ادبي، ومترجم، وسياسي. عين في (1928) مساعد مدير المكتبة الوطنية في بيرو.

7- بابلو نرودا: (سانتياغو 1904-1973) شاعر من شيلي، معروف ومشهور في القرن العشرون. حصل على جائزة النوبل في الادب عام 1971.

8- خوسيه مارتي (1853-1895): شاعر و فيلسوف ومفكر وصحفي كوبي من أصل اسباني.

9- ثيسار فايخو (1892بيرو-1938 باريس): شاعر معروف من بيرو.

 

ضياء نافعهاجر اجداده الروس من روسيا بعد ثورة اكتوبر1917 واستقروا في فرنسا، وهو من جيلهم الثالث، الذي ولد في فرنسا أواسط الخمسينات، واصبحت الفرنسية لغته الام طبعا، الا ان اللغة الروسية وثقافتها بقيت تعيش في اعماق روحه وقلبه وعقله، فهو روسي الاب والام ومن (أب عن جد)، و(من سابع ظهر) كما نقول بلهجتنا العراقية، والروسية هي اللغة الاولى التي نطق بها عندما بدأ بالنطق، ولهذا، فقد عاد اليها بقوة لدرجة انه ترك مهنتة، وهو مهندس مرموق، واصبح (رجل دين) متدرج، يعمل – وبشغف كبير - في احدى الكنائس الارثذوكسية الروسية في باريس، وقد التقيته بمحض الصدفة في موسكو اثناء زيارة له (نتيجة معرفتي القديمة باللاجئين الروس في فرنسا – انظر مقالتنا بعنوان – مع اللاجئين الروس في باريس)  .

لازلت اتذكر نظرة التعجّب والاندهاش لديه عندما تعارفنا، وقد قال لي بعدئذ موضحا ذلك الموقف، انها المرة الاولى التي يرى فيها عراقي عربي يتكلم معه باللغة الروسية وبهذا الشكل الطلق، فقلت له ضاحكا – وانا معجب ايضا بلغتك الروسية ذات اللكنة الفرنسية الجميلة جدا.

ابتدأ الحديث معي – وبحذر شديد – عن الاسلام السياسي، وقال ان هذه الظاهرة لم تكن موجودة في الواقع الاوربي في شبابه حتى ولا نظريا، وانه لا يفهم ولا يستوعب كيف برزت وبقوة هكذا في  الوقت الحاضر؟ فحكيت له قصة مجموعة طلابية عراقية كانت تدرس في احدى الجامعات الروسية في ستينيات القرن الماضي، وبعد ان انهوا الدراسة (وكانوا لمدة خمس سنوات سوية وباكملها في الكلية والقسم الداخلي) جلسوا معا يتناولون ( العشاء الاخير) قبل الرجوع الى العراق، وعندما قال أحدهم ( وكان اسمه يوسف، وهو اسم شائع عند المسلمين والمسيحيين )، انه سيضطر من جديد الى مرافقة والدته المسنّة الى الذهاب للكنيسة والاياب منها  كل يوم أحد – كما كان يفعل سابقا - لانها لا تستطيع السير وحدها، صاح الجميع اندهاشا – هل انت مسيحي؟ تعجب الكساندر من هذه القصة، وسألني، هل هذه القصة صحيحة فعلا ؟ قلت له نعم، وانا أعرف هؤلاء الطلبة شخصيا، فسألني مرة اخرى، هل هذا يعني ان المسيحيين والمسلمين في العراق كانوا يعيشون معا وبانسجام كامل ولا تفرقهم الاختلافات الكبيرة بين المفاهيم الدينية  كميلاد السيد المسيح من ماريا العذراء  مثلا ؟ فقلت له، اننا كنّا ننطلق آنذاك – وباخلاص حقيقي - من شعار المتنورين العرب الشهير – الدين لله والوطن للجميع، أمّا ماريا  التي ذكرتها في مثلك، فنحن نسميها مريم العذراء، وان القرآن يتحدث عن ذلك ايضا بالتفصيل، ولم يصدق الكساندر ذلك، فسألته انا متعجبا – ألم تقرأ القرآن؟ فقال لا انا اقرأ فقط الكتاب المقدس، وسألني رأسا –  وهل يقرأ رجال الدين  لديكم الكتاب المقدس؟ فقلت له انني بعيد عن الاجواء الدينية، ولا استطيع ان اجيب عن سؤالك بشكل حاسم، ولكن رجل الدين المتبحر (بغض النظر عن دينه) يجب ان يعرف كل الكتب السماوية للاديان كافة، او في الاقل مضامينها الاساسية، فقال لي مبتسما – انك تهربت بمهارة  دبلوماسية من الاجابة عن سؤالي، وأضاف – ساحاول أنا ان أقرأ القرآن مستقبلا، فان معرفتي فعلا محدودة جدا حول الاسلام، ونحن في باريس نتجنب الاختلاط بالمسلمين، بل حتى – واقولها لك بصراحة - نخاف منهم بعض الشئ،  فقلت له، لم تكن هذه الظاهرة موجودة في اوروبا، ولا عندنا، ولكن السياسة ورجالاتها ارادوا ذلك وخططوا له، واستطاعوا فعلا تحقيقه مع الاسف (لغاية في نفس يعقوب !!!)، وحكيت له، ان المترجمين العرب عن الروسية الان وقعوا تحت هذا الضغط ايضا،وهكذا، فهم يخافون ان يترجموا قصيدة بوشكين الشهيرة بعنوان (محاكاة القرآن) كما كتبها الشاعرالروسي الكبير نفسه، وحوّلوا عنوانها الى (قبس من القرآن) او (من وحي القرآن)، وحكيت له ايضا، كيف التقيت مرة بأديب سوداني لا يعرف اللغة الروسية ومعرفته بالادب الروسي ساذجة وسطحية ليس الا، ولكنه أصرّ – وبقوة وحماس شديدين – ان تولستوي اعتنق الاسلام قبل موته، وانه أوصى ان يدفنوه على الطريقة الاسلامية البحتة، وان ذلك ما تم فعلا، وان (القوى المعادية للاسلام في العالم!) تحاول طمس هذه الحقيقة الساطعة في تاريخ الادب الروسي، فسألني الكساندر مبتسما – وكيف انتهى هذه النقاش الغريب مع الاديب السوداني؟ فقلت له، اني لم استطع ان اقنعه باي شئ حول وفاة تولستوي والحقائق المعروفة عن ذلك، عندما هرب من بيته وتوفي بعدئذ في احدى محطات القطار، وهكذا افترقنا – انا والاديب السوداني - وهو مقتنع تماما بصحة رأيه ومعلوماته عن تولستوي، ولا يريد تبديلها ابدا، رغم كل الوقائع والادلة والوثائق ...

آه لو نستطيع تحقيق حوار موضوعي وهادئ بين الاديان دون ارادة السياسيين وخططهم و(ألآعيبهم!!!).. ألا يمكن ذلك؟

 

ا. د. ضياء نافع

 

 

محمد فتحي عبدالعالتمهيد: ارتبط لقب المرأة الحديدية بشخصيات من العالم الغربي وأشهرهن مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة والملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا العظمى وغيرهن  ويعني مصطلح المرأة الحديدية المرأة ذات الإرادة والسطوة والنفوذ والقادرة علي إدارة دفة الحكم بشكل مباشر ولقد غفل المؤرخون عن استحضار هذا المصطلح  من شخصيات  التاريخ العربي أي على الأرض العربية الحافل بها عبر العصور المختلفة والتي أثبتت قدرة المرأة على تحمل أعباء الحكم وإدارة البلدان بشكل ناجح إلا أن هذا الأثر الناجح لحكم المرأة لم يكن على الدوام ناجحا خاصة في العهود التي فرضت على المرأة أن تحتجب خلف أستار القصور فصارت تحكم من خلف الزوج أو الابن مما انعكس سلباً على شخصية الحاكم أمام شعبه والتي بدت  مضطربة في أحيانا كثيرة مما كان له أشد الأثر في زوال حكم دويلات بأكملها.. وبين الأثرين سنمضي في سلسلتنا مستعرضين كلا من النموذجين ومحاولين أن نرسم صورة كاملة للشخصيات  والمؤثرات من داخلها وحولها ..

الملكة حتشبسوت

نبدأ حلقاتنا بملكة ملأت الدنيا وشغلت الناس بقوتها وعظمة عرشها وحنكتها وقدرتها على تسسير زمام الحكم في بلد كبير مثل مصر إنها الملكة حتشبسوت بوجهها المستدير الخمري كقرصِ الشّمس في لحظاتِ الغروبِ وشعرها الناعم ،كانت تتنقلُ بينَ الزهورِ الّتى أحبتها. لقد اختارها القدرُ حفيدة الفرعون أحمس الأوّل هازم الهكسوس ومؤسس الأسرة الفرعونيّة الثامنة عشرة. هي الابنةُ الكبرى والأقرب إلى قلب والدها تحوتمس الأول ولا وريث شرعي من الذكورِ إلا أخيها غير الشقيق من أبيها تحوتمس الثاني ابن الزوجة الثانوية موت نفرت. كان تحوتمس الثاني ضعيفَ البنية يبدو عليه المرض والضعف منذ الصغرِ. مما يجدرُ الإشارة إليه تعليمها برفقةِ بعضِ أبناء البلاط الفرعونيّ من النبلاء، وكان للمعلم مكانةً عالية وهي أساليبه العنيفة يستخدمها دونَ تحيز أو تمييز في ذاك الزمان وقد اقتصر التعليم على النبلاء . تعلمت هذه الطفلة أصول الكتابة والقراءة والفلسفة واللغة والإنشاءِ وكانت المدرسة تبدأ منذ الصباح حتى الظهيرة برفقة أقرانها وتشجيع والدها الفرعون بل مشاركته في الحكم تكبر هذه الصبية الجميلة بشخصيتها القيادية القوية ،في العشرين من العمر تفقدُ سندها  والدها الفرعون في مملكةٍ يسيطرُ عليها الكهنة من من رجالِ الدين. فالآلهة رجل ولن ترثَ امرأة الحكم في زمن الآلهة آمون. ولكن غنمت آمون حتشبسوت امتلكت من الحنكة والفطنة الكثير لجذبِ أصدقاء مخلصين ساندوها في وجه كهنة المعبد وكان زواجها من تحوتمس الثاني الأخ غير الشقيق بداية للسيطرة على مقاليد الحكم والسلطة فهو ضعيف ولا خبرة له في الحكم وأنجبت منه ولدا ذكرا وابنتين. ولدها يبدو أنه مات لم يذكرْ في الرقم أما ابنتاها نفردرع ومريت رع حتشبسوت فقد ظهرتا على مسرح الأحداث. وهنا يحاول الكهنة إقصاء خليلة آمون درة الأميرات بعد وفاة زوجها تحوتمس الثاني وأن يظهر على العرش ولده من زوجته إيزة وكانت من محظيات البلاط الفرعوني وقد افتعلوا الحيلَ والدسائس في معبد آمون ولكن ابنة الشمس حتشبسوت استطاعت أن تنتصر ببطانتها من الحكماء وأعلنت ملكا لأول مرة امرأة على عرشِ الفرعون ويبدو على مرّ الزمن المرأة تعاني من سطوةِ الرجل الإله ومحاولة حجبها. الكل يترقبُ ركن العرش العظيم هل ستنتصر أم هو انهيار محتّم ولكن الأساطيل التجارية والسفن التي شقت غمار البحار والبعثات التجارية انعكست رخاءً على شعبِ مصر العظيم وانتشرَ الأمن والأمان والسلام وفن العمارة وهي صاحبة الذوق الرفيع حيث بنى مهندس البلاط سنموت أجمل معبد جنائزي في التاريخ البشري وزينت جدرانه بأجمل الألوان واللوحات التي تخلد أعمال هذه المرأة الحديدية التي دخلت التاريخ بعظمة إنجازاتها وقد بناه في حضن الجبل حجارته بيضاء ملكية.

فلسفة حتشبسوت

لقد أتخذت حتشبسوت لنفسها فلسفة مختلفة في الحكم بعيدة عن المؤثرات التي سادت حكم الأسرة الثامنة عشرة من الحروب والتوسع فأهتمت بالعمارة والنهوض بالاقتصاد بشكل كبير ففي العام التاسع من حكم  "حتشبسوت" شهد بعثة تجارية ضخمة إلى بلاد "بونت" والتي كانت تقع على الشاطىء الغربى الجنوبى من البحر الأحمر وجنوب مصر (ربما كان جنوب السودان أو أريتريا حاليا). وقد سجلتها الملكة علي جدران معبدها البحري وكانت مكونة من عدة سفن شراعية عبرت البحر الأحمر .

ويصور النقش باريحو حاكم بونت وهو يمسك بعصا، وأمامه المصريون بقيادة "بانحسي"؛ يقدمون الجواهر ومنها خنجر ذهبي رائع متقن الصنع. وتقف خلف باريحو زوجته التي تدعى "آتي"؛ والتي كانت أول مريضة بداء الفيل- (داء ينتقل إلى الانسان من الطفيليات الفيلارية عن طريق البعوض. مسببا ضرراً غير ظاهر في الجهاز اللمفي) -في التاريخ علي النحو الذي صوره الفنان المصري ببراعة لأعراض هذا الداء .

كانت رحلة هذه الملكة إلى بلاد بونت دافعا لبعض المؤرخين إلى تصور أن حتشبسوت ربما كانت بلقيس الملكة التي ذكرها القرآن والتورآة وهو  ماذهب إليه ايمانويل فلايكوفسكي في كتابه (عصور في فوضى) من أن الملكة حتشبسوت هي ملكة سبأ وأن رحلتها كانت لزيارة سليمان !!! وهو الأمر المخالف لحقائق التاريخ والأديان بشكل واضح وجلي...

يقودنا النشاطُ الملحوظ للملكة حتشبسوت في ميادين الدهاءِ السياسيّ والتجاريّ والاقتصاديّ  إلى تساؤل حول الفروق بين عقلِ المرأة وعقل الرجل، فبحسب الدراسات العلمية المرأة قادرة على إدارة أفكار شتى وربطها في آنٍ واحد فيما يشبه الدارة الكهربائية فيما ينغمسُ عقل الرجل في فكرة واحدة فبحسب المؤلف الأميركي الشهير مارك جانجور صاحب كتاب "Laugh your way through Marriage" أنّ عقل الرجال يحتوي على صناديق، وكلّ صندوق يحتوي على موضوع واحد فقط، وعندما يركّز الرجال في موضوع ما، فإنهم يفتحون صندوقاً واحداً وحسب ويركّزون على هذا الموضوع فقط، ولا يستطيعون  الانشغال بموضوع آخر في نفس الوقت. أمّا النساء فإنّ عقلهن لا يحتوي على صناديق وإنما هو هذه الدارة الكهربائية التي تتصل فيها كلّ الأسلاك ببعضها البعض، مما يعني أن عقولهن لا تكفّ عن الحركة وعن ربط المواضيع ببعضها البعض دون تعب أو ملل .

والغريب في الأمر ظهور الملكة الفرعون بزي الرجال لإيمانها بأن الإله حورس الحاكم على الأرض يلبس لباس الرجال. ومن ينظر للمومياء حتشبسوت يجد أنها تمتلك ستة أصابع في كل يد وهذا التشوه يفسر ارتداءها القفازات المطرزة بالأحجار الكريمة والغريب أن جميع تماثيلها تظهر بيد طبيعية لا تشوه بها. المرأة غالبا ما تحمل الحقد والانتقام ممن يحاول إيذاءها ولكن حتشبسوت كانت تحملُ من القوة والثقة الكثير حيث تبنت تحوتمس الثالث ابن زوجها ودربته على فنون القتال والحكم لتصنع منه أعظم فرعون محارب في ذاك الزمان ثم تزوجه ابنتها وهذا ما ينفي قتله لها لماذا يقتل من ربته وأوصلته بجبروته وصولتهِ لعرشِ الفرعون وأرسلته قائدا محاربا لتوسيع مملكتها كما أنّ العلماء قد نجحوا في تحليل بقايا جثمان حتشبسوت والتي  اثبت وفاتها بالسرطان أو مرض السكري بعمر الخامسة والخمسين مما يجعل هذا النفي المنطقي يقينا .... ونظرا لأن حكم حتشبسوت كان حياديا بعيدا عن العرف التقليدي من ضرورة قصر الحكم على الرجال فكأنّما شعر قلبها بما سوف يقوله التاريخ عنها فنقشت على مسلة لها بالكرنك: "الآن يتطلع قلبي إلى هنا وهناك، وأنا أفكر بما سيقوله الناس، أفكر بهؤلاء الذين سينظرون إلى آثاري بعد سنين، وسيتحدثون عما أنجزته ".ومن ينظر لتلك المسلة التي نقلت عبر السفن من أسوان إلى الأقصر بوزن ألف طن من الغرانيت الأسود يقفُ صاغرا مندهشا أمام عظمة هذا الشعب الذي قيل أنه يقطع الصخر كما يقطع الزبدة في زمننا هذا. وهي الفرعون حتشبسوت خليلة آمون ترقد بسلام باسمة الشفاه هانئة البال مومياءً تعجزُ عن فهم طريقة تحنيطها المذهلة أكثر الروبوتات والعقول تطوراً في العالمِ الحديث .

 

أستاذة راغدة شفيق محمود كاتبة و باحثة سورية

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري

 

ضياء نافعغوميليوف - هو الابن الوحيد للشاعرة الروسية آنّا أخماتوفا من زوجها الاول الشاعر والناقد الادبي والمترجم (اول من ترجم ملحمة جلجامش الى الروسية) والمنظّر الروسي (مؤسس مدرسة  الاكمايزم في الشعر الروسي) نيقولاي غوميليوف، الذي اعدمته السلطة السوفيتية العام 1921، واعيد اليه الاعتبار رسميّا في عام 1992 فقط، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي  (انظر مقالتنا بعنوان - الشاعر الروسي المخضرم غوميليوف).

ولد ليف نيقولايفتش غوميليوف في موسكو، عاصمة  الامبراطورية الروسية العام 1912، وعاش طوال حياته في ظل النظام السوفيتي، وتوفي العام 1992 في روسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، اي انه عاصر كل النظم السياسية التي مرّت بها روسيا في القرن العشرين (الامبراطورية الروسية ثم الاتحاد السوفيتي ثم روسيا الاتحادية) . وكانت حياته صعبة ورهيبة جدا، اذ تم اعدام والده عندما كان عمره سبع سنوات، وقد انعكس ذلك طبعا على مسيرته اللاحقة و مصيره باعتباره (ابن عدو الشعب !) كما كانوا يسمونهم آنذاك، خصوصا وان والدته الشاعرة أخماتوفا ايضا (لم تمجّد الثورة !)، وكانت – كما هو معروف – شبه ممنوعة من النشر في تلك الفترة، وقد تم اعتقاله عندما كان طالبا في كليّة التاريخ بجامعة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا)، الا ان أخماتوفا كتبت رسالة الى ستالين ترجوه فيها ان يطلق سراحه (انظر مقالتنا بعنوان – رسالتان من آنّا أخماتوفا الى ستالين)، فأطلقوا سراحه فعلا آنذاك، ومع هذا، فقد  دخل السجون السوفيتية مرتين بعد ذلك الاعتقال، الاولى العام 1938 (لمدة خمس سنوات)، وبعد فترة السجن أرسلوه عام 1944 الى جبهات الحرب العالمية الثانية، وقد شارك بشكل فعّال في المعارك مع الهتلريين الالمان، وبعد اريع سنوات من انتهاء الحرب (1945)، سجنوه مرة اخرى،  العام 1949 (لمدة عشر سنوات)،  و لكنه خرج من السجن عام 1956، اي بعد سبع سنوات فقط،   اذ شمله اعفاء السجناء آنذاك، وهي العملية التي أعقبت وفاة ستالين كما هو معروف . ورغم هذه المسيرة الرهيبة والصعبة وغير الاعتيادية والمليئة بالسجون والمعتقلات، فقد عاد غوميليوف الى الدراسة والبحث العلمي باندفاع شديد، وهكذا دخل التاريخ من أوسع أبوابه  كما يقال، واصبح عالما وكاتبا وباحثا وشاعرا ومترجما ومستشرقا وجغرافيّا ومؤرخا وفيلسوفا، ويوجد له تمثال الان في قازان عاصمة جمهورية تتارستان (وهي جزء من روسيا الاتحادية)، بل توجد جامعة حكومية رسمية في جمهورية كازخستان تحمل اسمه، وهي جامعة غوميليوف الاورو- آسيوية  في استانا عاصمة كازخستان، اذ يرتبط اسمه – قبل كل شئ – الان مع مصطلح  (اورو – آسيا) بالنسبة الى روسيا، اذ انه كان يؤكد في العديد من مؤلفاته على هذه النظرية، التي تشير الى   ان روسيا هي مزيج  مندمج و متآخي ومتوحد من الروس والاتراك والمنغول، وان الروس هم تتار اعتنقوا المسيحية، وان الصفة الاساسية لروسيا كبلد هي (السمة الاورو- آسيوية)، وان على الروس ان يعوا ويستوعبوا هذه الحقيقة، وانه (تتوحد عضويا في كينونتهم عناصر الشرق والغرب معا)، اي انهم (اوربيون وآسيويون في آن واحد)، ولازالت هذه الآراء مطروحة – وبحيوية – امام المجتمع الروسي بشكل خاص، وامام الباحثين حول علم  الاجناس (الاثنولوجيا) في العالم بشكل عام، بل ان هناك بعض الباحثين، الذين يربطون ذلك حتى بمسألة الصراع الهائل، الذي كان سائدا في القرن التاسع عشر في اوساط الادب الروسي بين انصار النزعة السلافية وانصار النزعة الغربية، هذا الصراع الذي استغرق اكثر من نصف قرن من النقاشات والتصادمات والمواقف المتضادة  في تاريخ الفكر والادب الروسي ابتداءا من بيلينسكي وتشرنيشيفسكي وعبر تورغينيف ودستويفسكي واستروفسكي وبقية الاسماء الادبية اللامعة ، و على الرغم من  ان  غوميليوف لم يكتب بشكل مباشر حول هذه المسألة بالذات، الا ان الباحثين يرون ذلك انطلاقا من تلك الافكار النظرية، التي ثبّتها غوميليوف في مؤلفاته المتنوعة والعديدة .

 لقد نشر غوميليوف العشرات من الكتب والبحوث العلمية المهمة في مجالات مختلفة من العلوم الانسانية والبحتة، ولهذا فانه دخل التاريخ الروسي من مختلف ابوابه، بل وحتى ظهرت في روسيا بعد وفاته عدة جمعيات علمية تعنى بجمع تراثه ونشرها على نطاق واسع، وخصوصا في مجالات علم الآثار(الاركيولوجيا)  وعلم الاجناس (الاثنولوجيا) وعلم طبقات الارض (الجيولوجيا)، ويدرس الباحثون الان تراثه ويجمعونه، بما فيها قصائده التي كتبها في مرحلة شبابه وهو يحاول ان يحاكي قصائد والده غوميليوف أكثر من قصائد والدته آخماتوفا، وكذلك ترجماته عن اللغة الفارسية الى الروسية، وهي اللغة التي تعلّمها وأتقنها عندما عاش في جمهورية طاجكستان السوفيتية آنذاك، ولا يمكن حصر تلك المجالات المتنوعة لنشاطه العلمي في عدة سطور، الا اننا نود الاشارة في الختام الى بحث علمي متميّز له بعنوان – (هل يمكن للنتاج الادبي ان يكون مصدرا تاريخيا ؟)، نشره عام 1972 في المجلة الاكاديمية المعروفة (الادب الروسي)، والذي طرح فيه رأيه بخصوص الملحمة الشعرية الروسية في القرن الثاني عشر (كلمة حول فوج ايغور)، والتي تعد واحدة من أوائل النتاجات في تاريخ الادب الروسي، والتي استند عليها الكثير من الباحثين الروس في كتاباتهم التاريخية، و نحن نشير الى هذا البحث المهم ختاما لمقالتنا، اذ اننا نرى فيه امكانية الحديث عن تلك النظرة الموجودة في تراثنا العربي ايضا، اذ غالبا ما نرى انعكاسا لهذا الرأي في بحوث المؤرخين العرب، عندما يستشهدون بمقاطع من النتاجات الادبية التراثية باعتبارها وقائع تاريخية شبه ثابتة في تاريخنا، وهي مسألة تستحق التوقف عندها وتأملها بامعان وحسب مفاهيم علمية دقيقة بلا شك .

غوميليوف – اسم كبير شبه مجهول للقارئ العربي، وهو يستحق ان ندرس تراثه وموقعه في تاريخ الفكر الروسي، وان نقدّم مختارات من نتاجاته للقراء العرب .   

 

 أ.د. ضياء نافع   

 

 

 

468 بثينة شريفيبدو أن المصائب والنكبات لا تأتي إلينا فرادى، بل تدهمنا على نحو مفاجئ وكأنها جيش زاحف لا تحدّه حدود، ليس الأمر على المستوى العام، فقد بات الأمر معروفاً ما يعانيه العراقيون من محاصصة طائفية وإثنية، وفساد مالي وإداري مستشر وعنف ما زال مستفحلاً ظاهراً وكامناً وإرهاب لا تزال خلاياه النائمة والمتيقظة، تعمل بطاقة كبيرة، في ظلّ ضعف الدولة وانحسار هيبتها ووجود مرجعيات منافسة لها وأحياناً تتقدم عليها، سواء كانت دينية ومذهبية أم سياسية وحزبية وعشائرية وغيرها. قال لي نوري عبد الرزاق حسين عبر الهاتف من القاهرة: ثمة خبر مزعج وهو رحيل فاروق عبد الجليل برتو في جنيف، وعلّق لقد أخذ جيلنا ينقرض، واستعدت بعد هاتفه أسماء أصدقاء ورفاق وزملاء وأقارب كثر رحلوا في وقت قصير، وكأنهم كانوا على موعد مع القدر، فما إن ننتهي من تأبين وحتى قبل أن نتنفس الصعداء، وإذا بخبر مأسوي جديد يصلنا، حتى قبل أن نستفيق من أثر الصدمات السابقة والحزن العميق. بعد وصولي إلى بغداد بيوم واحد وصلني خبر رحيل الصديقة بثينة شريف ” أم سعد” وهي احدى  أعمدة الحركة النسوية في العراق، وقد عملت مع الدكتورة نزيهة الدليمي الرائدة الأولى التي اقترن اسم رابطة المرأة العراقية باسمها ومعها سافرة جميل حافظ وبشرى برتو وشخصيات نسوية أخرى، وكان لوالدتها مقبولة أحمد دور كبير لرعاية ذوي المعتقلين بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 وهي عقيلة الدكتور حكيم شريف شقيق عزيز شريف الشخصية اليسارية المعروفة، وشقيقه الآخر المحامي عبد الرحيم شريف الذي استشهد تحت التعذيب في قصر النهاية العام 1963. في هذه الأجواء والمفعمة بالوطنية والإنسانية والتضحية نشأت وترعرعت بثينة، وقد وجدت طريقها للعمل العام أولاً عبر رابطة المرأة وثانياً من خلال تنظيمات الحزب الشيوعي حيث استمرت في عضويته نحو 6  عقود من الزمان وكانت حين رحيلها قد بلغت 80 عاماً حيث ولدت العام 1938  لعائلة دينية تعود أصولها إلى مدينة عانه، وأنهت دراستها الثانوية في الأعظمية وحصلت على بعثة دراسية هي الجامعة الأمريكية في بيروت وتخصصت في علوم الكيمياء وتخرجت العام 1957 وانتسبت إلى كلية الهندسة (معيدة) لتدريس الهندسة الكيماوية وانخرطت في تلك الفترة في جمعية الهلال الأحمر كمتطوعة . تزوجت من الدكتور محمد الجلبي في العام 1963 عشية الانقلاب البعثي ضد عبد الكريم قاسم، وذهبا لقضاء شهر العسل في البصرة، وعادا ليلة الانقلاب وقد اعتقل الجلبي وعذّب في قصر النهاية وفي مبنى الإدارة المحلية بالمنصور، حيث استشهد وبعد فترة اعتقلت بثينة أيضاً بعد اختفاء دام عدّة أسابيع، ولم تلتقِ شريك حياتها إلّا وهو على حافة الموت، وكانت بثينة قد تعرّضت للفصل السياسي لمدة 6 سنوات وأعيدت إلى الوظيفة العام 1969 ولوحقت مرّة أخرى في أواخر السبعينات عند اشتداد الحملة الحكومية ضد الشيوعيين واختفت لنحو عام ثم تمكّنت من الذهاب إلى الشام، وعملت هناك بكل نشاط وحيوية في المجال النسوي، وبعدها التحقت بقوات الأنصار الشيوعية . وأتذكر أنني قابلت بثينة شريف في كردستان وهي ترتدي الشروال والملابس الكردية وتجوب القرى والقصبات. وبقيت عدّة سنوات هناك ثم نسّبت لمهمات خارجية لرابطة المرأة التي مثلتها في مؤتمرات دولية، ثم انكبت على دراسة تاريخ الحركة النسوية الديمقراطية في بلغاريا لنيل الدكتوراه، وبعد تخرجها العام 1993 توجهت للتدريس في ليبيا في جامعة ناصر، وعادت بعد الاحتلال مباشرة لتسهم في إعادة بناء بلدها، لكنها اصطدمت بالموجة الطائفية وبنظام المحاصصة والتمييز، حيث تفشّى الإرهاب واستشرى الفساد المالي والإداري وانتشر العنف، لكن ذلك لم يفل من عزيمتها. كانت أسئلة بثينة تكبر يوماً بعد يوم وتدريجياً ، كانت أميل إلى التساؤلية العقلية الانفتاحية، فالحلم بالغد السعيد والوطن الحر يحتاج إلى المراجعة والنقد ولم يعد يكفي التبشير واليقينية الإيمانية، خصوصاً بعد انهيار النموذج الاشتراكي وانكشاف عورات الأنظمة الشمولية جميعها في بلدان الأصل والفرع. هكذا كانت الأقدار الغاشمة تواجه جيل الخمسينات والستينات الأكثر حلماً والأكثر تميّزاً.تحلّت بثينة بعلو شأن وكرم خلق وظلّت حتى آخر أيام حياتها مثل وردة ، وحتى وإن أخذت تذوي، لكن ألقها بقي مفعما ورائحتها زكية وروحها حيّة، وتركت أثراً طيباً ومثلاً جميلاً فسلاماً وألف سلام .

 

عبد الحسين شعبان

 

 صالح الطائي(من وحي سنوات التهجير)

أنا وسدة الكوت توأمان، ولدنا في مكانين مختلفين، والتقينا بعد طول فراق، جدنا الأعلى لأبينا هو أنكيدو، وجدنا الأعلى لأمنا هو كلكامش، وأصلنا وأرومتنا وعشيرتنا من نسل الأفعى التي سرقت ماء نبع الحياة وشربته، فأصبحت تبدل جلدها كل عام، لكي لا تفارق الخلود، حتى مع كوننا ـ نحن أولادها غير الشرعيين ـ  من ألد أعداء الخلود، نقتل كل شيء يربطنا بالماضي لكي لا نتهم بأننا خلوديين، مسيرتنا خلاصة جميع ملاحم التاريخ الإنساني منذ أن اوقد نارها أوتانبشتم، وأرشده الحكماء الأغبياء المقيمون في غابة الأرز البعيدة إلى كيفية المنازلة، وإلى أن سطَّر حمورابي قوانين مسلته؛ التي أبدلها أحفاده بكأس من النبيذ المعتق.

افترقنا أنا وهي منذ مليون عام، والتقينا بعد طول فراق، يوم أجج العراقيون آخر وأغبى ملاحمهم التاريخية، لا مع عدوهم المشترك، الذي يترصدهم، ويكيد بهم، بل فيما بينهم، مع أنفسهم، فأخذ بعضهم يذبح بعضا، وبعضهم يُهجِّر بعضا، فوجدتها لا زالت غارقة في الماء، العابق برائحة الدماء، الدماء القادمة من غياهب مجاهيل الغدر الإنساني، هناك في أعالي النهر، حيث يقطن التوحش والتوجس والرهبة الأبدية، حيث روح البداوة كانت تعزف على ربابتها التي يشبه صوتها عواء ذئب هرم هده الجوع.

التقينا فوجدتها ترفل غنجا وتتلوى، كرقص مذبوح على أعتاب الطائفية، وتبكي أذرعها المعطلة المشلولة التي كانت بالأمس تحتضن السمك، السمك الذي تحرر من أسرها، وغادرها مهاجرا صوب الجنوب، باحثا عن شِباك صياد سومري أسمر، ليتخذها بيتا وملاذا بعد طول تشرد على أعتابها التي تراقص الماء، ووجدتني ذلك الشخص نفسه المصاب بالهذيان، لا زلت أهذي، بالرغم من كل الذي مر، بعد أن فقدت بيتي ومدينتي وجيراني وأصدقائي وما أملك، ومكتبتي وكتبي التي ألفتها. ذلك الشخص المخدوع، لا زلت أحتضن حروفي المجنونة المبعثرة على قارعة ذاكرتي الصدئة؛ التي انهكها اللؤم البشري، على أمل أن أنثرها نصائح وحكما في طريق قوافل السائرين إلى مصيرهم طوعا، ولا أحد منهم يفهم ما أقول أو يهتم بما أتحدث. فمثلي مثل جميع الأنبياء، غرباء عن أقوامنا الذين يتآمرون علينا باستمرار، نعمل لحياتهم ويعملون على ذبحنا.

التقيت بها وأنا أنوء بحمل أطنان من الغربة، وأكداس من اليأس، وشعور قاتل بالهزيمة المرة، التي سببها لي أخي في الدين والوطن، إرضاء لشهوات حيوانية ورثها عن أجدادنا الأغبياء، الذين لم يعملوا على حل مشاكلهم التافهة، وإنما رحَّلوها إلى أولادهم واحفادهم، مع وصايا مجحفة بالحفاظ عليها إلى الأبد، فتضخمت وتحولت إلى غيلان تنهش وجه التعايش والتسامح؛ يوم وصلت إلينا، فكان أول ضحاياها روحنا الوطنية، ولا قيمة للإنسان متى ما ماتت روحه الوطنية، ومتى ما فقد الإنسان قيمته، تفقد الأوطان قيمتها وهيبتها وعزها وشرفها.

التقيت بها فوجدتها مصابة بهزال الثرثرة، قد خف صوتها، واختفت عربدتها، وماتت أفاعي مائها الوشل، وهاجرت أسماكها، كللها الحزن، وذوت محاسنها، بعد أن التهم الطير الأمريكي الجارح المتوحش البشع بلا سبب وجنتها، وبعد أن ترك أهلها العناية بها!

التقيت بها وقد هدني التعب وأحرق حشاشتي الحزن بعد ان نجحت في الخروج من المتاهة، لأن متاعب الإنسان تزداد كلما كبر حجم المتاهة، وزاد تعقيدها، فما بالك بوطن تحول كله إلى متاهة معقدة؟!

لكن بالرغم من تعاقب مرور السنين، وبالرغم من كون الجميع غيروا جلودهم.. لبسوا أقنعة جديدة .. غيروا أشكال سحناتهم، طريقة مشيهم وتحدثهم.. وحدنا، هي وأنا، لم يتبدل شيءٌ فينا، لا هي جف ماؤها، ولا أنا تركت هذياني. لا هي تنازلت عن طيبتها، ولا أنا تنازلت عن وطنيتي.

فهل الهذيان رفيق رذاذ الماء؟ أم ان أصل الماء هو الهذيان، وبدونهما لا تكون الحياة ولا يكون وطن!

 

صالح الطائي

 

كاظم شمهوديذكر بعض المؤرخين ان مدينة قرطبة ظهرت في زمن الفينيقيين القرطاجنيين (تونس) واطلقوا عليها اسم كاردوبا Karduba – (Kart-Juba) اي مدينة خوبا Juba وقد قام بتأسيسها زعيم الفينيقيين أميلكا باركا Amilcar Barca على شرف احد قواده المسمى Juba والذي قتل في أحد المعارك مع الرومان نحو 230 ق.م ومن المعروف أن اميلكا باركا هو والد المحارب هانيبال (هاني بعل) وهو الذي ايضا قام بتأسيس مدينة برشلونه وسميت بأسمه باركا Barca (Barcelona) . وبعد وصول المسيحية الى قرطبة في القرن الثالث ميلادي بزعامة الاسقف اوسيو Osio اخذت المعابد الدينية تنتشر واخذ الناس يعتنقون المسيحية ويتخلون عن المعتقدات الوثنية القديمة ويذكر ان الاسقف اوسيو كان يشغل المستشار الاول للامبراطور أوغسطين الاول مما سهل أنتشار المسيحية في القرن الرابع ميلادي .

عصر المسلمين:

دخل المسلمون الى شبه الجزيرة عام 711 م وكان في اول الامر اتخذوا اشبيلية عاصمة لهم ثم انتقلت العاصمة الى قرطبة في عام 756 عندما أسس عبدالرحمن الداخل أمارة منفصلة عن الدولة العباسية .

وفي سنة 929 اصبحت قرطبة عاصمة الخلافة الاموية في الاندلس حيث وصلت الى اوج عظمتها وازدهارها ورقيها وتمدنها الحضاري، واعتبرها البعض عاصمة الدول الاوربية .

و كانت قرطبة في هذه الفترة من اكثر مدن العالم كثافة سكانية وقد بلغ عدد سكانها عام 1000م الى 450.000 نسمة، وفي رواية اخرى الى مليون نسمة .

وكانت مركزا اقتصاديا وعلميا ودينيا وكانت جامعة قرطبة يشد اليها الرحال من كل اطراف المعمورة . وكان ابناء الاشراف والملوك من الاوربيين يأتون الى قرطبة لدراسة مختلف العلوم والفنون، وكان جامع قرطبة صرحا حضاريا ليس له مثيل في العالم . اما عمارته فهي من عجائب الدنيا جمالا وسعة وفنا وشموخا يسحر كل من شاهده . وقد استمر العمل في بناءه حوالي قرنين من الزمان وخلال هذه الفترة اشترك في بناء عدد كبير من الخلفاء والامراء وآلاف المعماريين والعمال وجلبت اليه الحجارة من مدن ودول بعيدة، حتى غدى آية جمالية تقر لها العين وتلذ .

436 قرطبة

ثم شيدت مدينة الزهراء الاسطورية في زمن عبد الرحمن الثالث (الناصر) وتقع غرب قرطبة على بعد نحو 7 كم وكان يشرف على بناءها ابنه الحكم الثاني، واستغرق العمل فيها حوالي 15 سنة وقيل اكثر من ذلك . وغدت اية في الصناعة والجمال لم تلحقها اي مدينة في اوربا .. ولكن تدور الايام ويدخل الموحدون المتعصبون اسبانيا فيأتون الى هذه المدينة ويحرقونها ويحولونها الى ركام وانقاض بحجة انها مخالفة للدين .. وما اشبه ذلك باليوم والمنظمات المتطرفة و داعش والتعصب والتحجر وحرقها للمدن والآثار وقتل وتهجير الناس بحجة انهم كفار ..

زرت المدينة اكثر من مرة وقد وجدت ان علماء الاثار الاسبان قد انتشلوا المدينة الساقطة واقاموها من جديد واعادوا بناء اسوارها واقواسها وحجارتها وزخارفها واعمدتها . وغدت اليوم كأنها قد بعثت بها الحياة من جديد واصبح الزائر والمشاهد يتخيل حضور صور الخلفاء وأهل المدينة وحركة الناس بطرازهم وتقاليدهم القديمة.

أما على الصعيد الثقافي والعلمي فقد بلغت قرطبة في زمن الحكم الثاني أوج عظمتها ورقيها وتألقها وكان يمتلك أكبر مكتبة في العالم وكان يرسل الاشخاص الى مختلف الدول والمراكز العلمية لشراء وجلب المخطوطات العلمية والادبية والثقافية، ويذكر ان عددها بلغ نحو 400،000 الف مخطوط وقيل في مصدر آخر مليون مخطوط في كل صنوف المعرفة .

ولكن قرطبة لم تستمر في تألقها الحضاري طويلا حيث سيطر الموحدون على الاندلس ونقلوا العاصمة الى اشبيلية وبذلك فقدت قرطبة مركزها الحضاري واخذت جذوتها المضيئة تخمد شيئا فشيئا ثم تحولت الى خراب ودمار ايام حكم الطوائف بفعل الصراعات السياسية الداخلية المستمرة

435 قرطبة

مسجد قرطبه:

واليوم نجد مسجد قرطبة الاسطوري قد اهملت جدرانه وتركت للزمن ان يعبث بها واخذت زخارفه تتآكل وتتساقط نتيجة الاهمال المقصود والمتعمد، ولازالت الابواب الاصلية تحيط بها الاقواس والاعمدة الرشيقة وتزيينها الايات القرآنية والزخارف الاسلامية المحفورة على الحجر أما الجهات المتضررة من الجدران فقد حولت اليوم الى سطوح ملساء صماء مكسوة بالجبس الابيض واقواس نصف دائرية الشكل ذات لون اصفر غامق أو داكن ..

وحلت محل السقوف القديمة السقوف المنحنية المضلعة، وانشأت على جوانبه المصلات المسيحية تزينها الصور والتماثيل والصلبان وغيرها من الزخارف المسيحية وبقى محراب المسجد على حاله بزينته وزخارفه وآياته القرآنية التي تحيط به والذي يعتبر من أجمل رواع الفن الاسلامي الاندلسي، كما يوجد الى الان محراب صغير يقع على الجهة اليمنى ويبدو انه المحراب القديم الاول الذي نصبه حنش بن عبدالله الصنعاني الذي اسس المسجد وعين قبلته .

واليوم نجد ونشاهد هناك حملة كبيرة لتحويل عمارة المسجد من الطراز الاسلامي الاندلسي الى طراز مسيحي . وهذه الحملة بدأت منذ قرون ولكن بشكل بطىء تتخللها محطات توقف وانقطاع حسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية .

وكانت هذه الحملة قد لاقت معارضة شديدة من قبل علماء الاثار الغربيين وحتى الاسبان وقد وصفه البعض بأنه (أشنع عمل همجي) وكان اضافة الهيكل في زمن الملك كارلوس الاول عام 1521 وهو الذي أمر بتغيير المسجد .. ولكن عندما زاره شاهد جمال عمارته احتج وتراجع عن اوامره السابقة فقال لهم (لقد بنيتم هنا ماكان يمكن بناءه في اي مكان آخر وقد قضيتم بذلك على ماكان اثراً وحيداً في العالم) .

وفي الفترة الاخيرة احتجت حكومة قرطبة والاحزاب الاشتراكية الاندلسية على هذه التجاوزات الغير قانونية على عمارة المسجد وتغييرها من قبل الكنيسة ودعت الى اعادة النظر في حق ملكية الكنيسة للمسجد، وقادت هذه الحملة ايضا نائبة رئيس الحكومة الاشتراكية الاسبانية الحالية-2018- ودعت الى طرح هذه القضية الى القانون والمحاكم .. علما ان المسجد يعتبر اليوم تحت رعاية منظمة الامم المتحدة اليونسكو للحفاظ على التراث العالمي وفيه يمنع التجاوز على التراث وتغييره او تحويره او اهماله او هدمه ..

 

د. كاظم شمهود

 

بقلم الوالد الفقيد حسين سلطان صبي / أبو علي

بعض ردود الأفعال حول عملية الهروب من  سجن الحلة المركزي  1967                                                           

* تصريح لمدير السجون العامة على أثر العملية

نشرت صحيفة الاعلان وهي من الصحف القديمة تصريحا لمدير السجون العام حمدي سعيد بعد العملية نسجل هنا بعض الفقرات منه :

بعد هروب عدد من السجناء من سجن الحلة قررنا  الغاء السجن نهائيا  أن النفق ينتهي عند جدار السجن المطل على أحد كراجات السيارات ومدة حفر النفق بما لا يقل عن ستة أشهر وطوله أربعة عشر مترا  وهروب السجناء الأربعين قد تم في الساعة الخامسة والنصف مساء بعـد أن هدأت حركة العمال في الكراج حيث كانت قد وصلت الى الكراج سيارة حمل من بغداد، وجاءت بعدها سيارة ركاب من النجف فركبوا بها بحجة انهم ركاب وبعد خروج السيارة شاهد الحارس ثلاثة منهم يخرجون من الكراج فاعتقد بأنهم لصوص، وقد تعرف الحارس في حينه على النفق .

ان عمليات حفر النفق كانت شاقة للغاية واستعملوا فيها السكاكين والحديد، وشرعوا بالحفر في غرفة تستعمل كعيادة طبية للمرضى منهم  توجد فيها أدوات وأثاث طبية متروكة فكانوا يحفرون ليلا ويضعون الأدوات في مكانها فوق الحفر الى أن أتموا الحفر . أني قد اشعرت مدير الأمن العام بعد زيارتي الى هناك قبل أيام بأني غير مرتاح من وجودهم في هذا السجن، واني أتوجس خيفة من ذلك، واننا كنا في طريق اتخاذ اجراءات لنقلهم فسبقونا وتمت عملية الهروب . ان أربعة عشر سجينا قد ألقي القبض عليهم من أصل الأربعين سجينا الهاربين وما زالت التعقيبات جارية لإلقاء القبض على الآخرين وان الاجراءات الأصولية قد اتخذت لإحالة الهاربين المقبوض عليهم للقضاء لمحاكمتهم .

أما السجناء الهاربون مع سنوات محكوميتهم فهم كل من :

1 ) جاسم محمد المطير / 20 سنه

2 ) حمادي عبد ألله / 20 سنه

3) حسين علي طراد / 20 سنة

 4) حافظ رسن / 5 سنوات

5 ) حسين ياسين / 3 سنوات

6 ) عبد العزيز الحامد / 20 سنة

7 ) عبد الجبار علي الجبر / 20 سنة

8 ) عبد اللطيف حسن / 20 سنة

9 ) عبد الأمير سعيد / 20 سنة

10) عبد الحميد غني / 20 سنة

11) عدنان ابراهيم / 20 سنة

12) رياض كريم حبش / 10 سنوات ونصف

13) عادل عباس الزبال / 7 سنوات

14) عبد تام الجبار مال ألله / 20 سنة

15) مظفر عبد المجيد النواب / 20 سنة

16) ريمان عبد ألله / 15 سنة

17) نبيل حسين / 15 سنة

18) غانم داود الموصلي / 5 سنوات

 19) عدنان عبد ألله سمعو / 20 سنة

20) أسعد عبد العاقولي / 20 سنة

21) عقيل كريم / 10 سنوات

22) سعدان فهوي / 20 سنة

23) سعد ألله ملا محمد / 12 سنة

24) جياد تركي / 20 سنة

25) كمال مدني / 11سنة

26) محمد حسن حمدي / 10 سنوات

27) صدام حميد / 20 سنة

28) قحطان عارف / 27 سنة

29) محمد موسى كاظم / 5 سنوات

30) حز علي جاسم خلف / 20 سنة

31) بشير الزرعو / 20 سنة

32) صلاح حسن شاهين / 20 سنة

33) هادي صالح / 3 سنوات

34) محفوظ يونس / 20 سنة

35) جاسم حذو / 15 سنة

36) جواد عبد ألله / 10 سنوات

37) حسين سلطان / 9 سنوات

38) عبد الواحد خلف / 20 سنة

39) حازم صابر / سنة واحدة

40) فاضل عباس / 17 سنة

* تعقيب من السيد علي عرمش شوكت :

كان علي عرمش شوكت من سجناء سجن الحلة وأطلق سراحه في بداية عام 1965، أي أطلق سراحه قبل تنفيذ عملية الهروب بأكثر من سنتين، لذلك أختلط عليه أمر الهروب من نفق سجن الحلة بين المحاولة الأولى التي لم تكتمل والتي ابتدأت على حد قوله في نهاية عام 1964 حيث تم حفر بداية بئر النفق وألغيت العملية لظروف معينة وطمر ذلك الحفر، حيث الفكرة الأساسية كانت البحث عن مكان مناسب للحفر لإخفاء بعض الوثائق الحزبية خوفا من العثور عليها أثناء عملية التفتيش . والمحاولة الثانية التي خطط لها وأشرف على تنفيذها المرحوم حسين سلطان حيث تمت عملية الهروب في نهاية عام 1967  واعتبر علي عرمش شوكت ان العملية التي نفذت لم تكن من فكرة المرحوم حسين سلطان حيث كتب قائلا :

كتب شخص لا أتذكر اسمه قبل أيام عن حادثة الهروب من سجن الحلة عام 1967، ونسب فكرة الهروب الى الرفيق الفقيد ( حسين سلطان )  وهنا بودي بل وواجب علي أن أبين حقيقة هذه العملية باعتباري شاهدا ومساهما بها، وقبل أن أدون وقائع تلك العملية الجريئة وعمليات مماثلة أخرى، لا يسعني الا أن أشير الى ان فكرة الهروب والبدء بحفر النفق قد تمت قبل أن يعتقل الفقيد ( حسين سلطان ) وتـحـديـدا فـــــــي نـهـايـة عـام 1964 في حين كان اعتقاله في عام 1966     .   .   .

 (جاءنا خبر عبر أحد السجانين الطيبين الذي كسبناه صديقا لنا وهو من أبناء الحلة مفاده ان هناك حملة تفتيش ستجري من قبل الإدارة في جميع الردهات بسبب العثور على الأنكر وحينها كانت لدينا بعض الأدبيات والرسائل الحزبية فقررنا اخفاءها ولم نجد غير دفنها تحت الارض ولا يوجد في السجن أرض قابلة للحفر كلها من الاسمنت المسلح ما عدا غرفة صغيرة تسمى الصيدلية مكسوة أرضيتها بالكاشي (البلاط) وعنـدما باشرنا بقلع البلاط عثرنا على مجرى للمياه الآسنة مغلق وقديم ويمتد باتجاه السياج الخارجي ولا يحتاج الا لتوسيع قليل وقمنا بتهيئة أدوات الحفر وكانت هذه العملية يتولى تنفيذها الشهيد حليم أحمد ورفاقا آخرين وفقا لمخطط اللجنة الحزبية، كان ذلك في نهاية عام 1964، وفي بداية عام 1965 انتهت محكومية الرفيق قاسم ناجي وعلي عرمش وآخرين من رفاق التنظيم على أثر ذلك تم تأجيل العملية وكذلك نشأت بعض الارباكات في العلاقة بين السجناء الحزبيين وغير الحزبيين مما أدى الى تخلي المنظمة الحزبية عن اللجنة الإدارية الى الطرف الآخر، ولكن بقي بعض الرفاق كمسؤولين اداريين في ردهاتهم وذلك ما زاد صعوبة العمل في حفر النفق لكن بعد ذلك واصل الشهيد حليم أحمد والرفاق الآخرون العملية خصوصا بعد مجيئ مجموعة جديدة من السجناء مرحلين من سجن نقرة السلمان ومنهم الشاعر مظفر النواب والمرحوم حسين سلطان وغيرهم وهذا عام 1967 حيث تمت عملية الهروب بنجاح باهر رغم حصول بعض الاشكالات على أثر الانشقاق في الحزب في تلك السنة) الى هنا انتهى موضوع عرمش .

وقد أشار المرحوم حسين سلطان الى محاولة الهروب الأولى من سجن الحـلة مستفيدا من موقعها حيث كتب في مذكراته عن العملية ما يأتي : ... وقبل مغادرتي سجن نقرة السلمان بأيام كنا في قاعه مجموعة من الرفاق نتحدث في مواضيع شتى ومنها الهروب من السجن وقال أحد الرفاق (اننا سعينا في سجن الحلة قبل نقلنا الى حفر نفق من غرفة الصيدلية وهي تقع بين ممرين (قاووشين) كبيرين في القلعة الجديدة وحفرنا بالعمق ما يقارب المتر الا اننا اضطررنا في ظروف معينه الى غلقه (بصبة من السمنت) وأردف قائلا موجها كلامه لي: ســــــوف تلاحظها اذا وصلت سجن الحلة، الغرفة كلها كاشي أرضيتها وستجد مساحة من السمنت تلك هي الحفرة). هكذا قال أحد الرفاق في حديث عَرضي، إلا اني كنت منتبها اليه بكل جوارحي وكانت عندي فكرة سابقة ان سجن الحلة فيه امكانية جيدة للهروب حيث تحيط سور السجن بيوت أهلية لا تبعد عن غرف السجن الا بضعة أمتار ومثل هذه الإمكانية مغرية لمن يفكر بحفر نفق للهروب .. وأضاف .. واني لم أعمل عملا مباشرا مثل الحفر أو نقل التراب نظرا لوضعي الصحي وزرت النفق مرتين فقط . الأولى في بداية العمل وعند نهاية البئر والثانية عند أزمة التراب والزيارتين كانـتا في وقت متأخر من الليل .. وأضاف متحدثا عن الرفاق العاملين بالنفق: .. ان هؤلاء الثلاثة كانوا أبطالا حقيقيين من حيث الجهادية ونكران الذات، كانوا يعملون ليل نهار وبلا كلل ولا ملل، يتقدون حماسا من أجل انجاز المهمة المكلفين بها بكل شرف وأمانة .

خ.ح.س

     خالد حسين سلطان          

 

جواد عبد الكاظم محسنلظروف قاسية جدا كنت أمرّ بها تدهورت حالتي الصحية، وكان الإهمال جوابي لها حتى تفاقم الحال، فهبّ ثلاثة من أخوان الوفاء، فحملوني عنوة إلى عيادات الأطباء ومختبرات الفحص، واتضح أن حالتي في غاية الخطورة وتتطلب عملية جراحية بأسرع وقت ممكن، إذ حصل ورم خطير كاد أن يغلق القولون، فاتصلت بأخي وفاء رابع في بغداد وأرسلت له تقاريري الطبية كافة، فاختار لي طبيبا جراحا بارعا هو الطبيب رامز سامي المختار  للقيام بإجراء هذه العملية الجراحية فوق الكبرى، وعرض عليه تقاريري الطبية، وصحبني إليه، وأدخلت على عجل إلى مستشفى الراهبات في كرادة مريم، وأعيدت الفحوصات كافة، وتأجلت العملية يوما واحدا لأن فحص الدم أظهر وجود نقص كبير فيه، فأعطيت على الفور قنينتين، ثم ثالثة في العملية ورابعة وخامسة بعد إجراء العملية .

رافقني في المستشفى طوال أيام رقودي المحامي في المستشفى الصديق المحامي ثامر جواد المغير، وهو من أخوة الوفاء ومن عائلة كريمة ومشيخة عشيرة ألبو حمدان في المسيب، وقد أحاطني بجهده وكرم أخلاقه طوال أيام رقودي الخمسة في المستشفى، ولم أغب عن رعايته ونظره ساعة واحدة، ورفض رفضا باتا أن يساعده أحد في هذه المهمة وخاصة في المبيت، كما أن عددا غير قليل من الأصدقاء الأعزاء والأقارب تقاطروا عليّ، ولم تنقطع عيادتهم لي في نهار أو ليل، وقد تحولت معظم تلك الزيارات إلى ندوات أدبية ماتعة، قرئ فيها الكثير من عيون الشعر، ورويت أخبار الأدباء السالفين، فخففت من آلامي، وأنعشت روحي، وأرغمتني على المشاركة فيها أحيانا !!

ومن تلك الزيارات الأدبية الجميلة عيادة وفد الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق – المقر العام، في اليوم الثاني للعملية، وقد تكوّن الوفد من الأساتذة إبراهيم الخياط الأمين العام للاتحاد، ورفعت مرهون الصفار من لجنة العلاقات الاجتماعية وعلي شبيب من إدارة الاتحاد، وقد حملوا باقة ورد طبيعية جميلة، وفيه بطاقة كتب فيها:

((الأستاذ جواد عبد الكاظم

أمنياتنا بالشفاء العاجل والعودة لأهلك وصحبك واتحادك وإبداعك

اتحادك

اتحاد أدباء العراق

الأحد 19/8/2018))

وقد سررت بهذه الزيارة على قصرها، وكان الأمين العام إبراهيم الخياط قد ختمها ببيت الشعر:

أدب العيادة أن تكون مسلما      وتقوم في إثر السلام مودعا

ومن الزيارات الأدبية الجميلة عيادة الدكتور سعد عبد الجبار العلوش وشقيقه المحامي أياد العلوش، وكان الشاعر أحمد شوقي رابعنا إذ هو محور الحديث في الزيارة، ويحفظ الدكتور سعد العلوش الكثير من روائع شعره كما شقيقه المحامي أياد ..

وعادني الكثير من الأصدقاء الأعزاء وفي مقدمتهم الأدباء من بغداد والحلة والهندية والمسيب وسدة الهندية، وغيرها، وكان لزملاء الأمس في الشركة العامة لصناعة الحرير موقف لا ينسى، إذ جاءني الحاج داود سلمان الأعظمي في يوم العملية حاملا هديته وهدية الأستاذ الكبير صباح رشيد العبيدي المقيم حاليا في مدينة أريزونا في الولايات المتحدة، والمهندس خالد الشمس المقيم حاليا في أربيل، وقد ظلوا جميعا متابعين لحالتي الصحية يوما بيوم، كما زارني من زملاء العمل الأستاذ صبيح محمد الوهيب ونجله فراس الأستاذ في الجامعة المستنصرية ..

ومن الزيارات المؤثرة زيارة الدكتور عباس القويزي على كبر سنه وضعف حالته الصحيه إلا إنه أصر على أن يأتي لزيارتي، ويستقل المصعد بصعوبة إلى الطابق الثالث ليتفقدني ويجلس ويجلس معي بصحبة نجله علي .

*  *  *

من المصادفات السعيدة أن مدير مستشفى الراهبات الأستاذ غالب منصور ساوا، وهو نجل زميل قديم وصديق عزيز راحل في الشركة العامة لصناعة الحرير، وما أن علم بذلك، حتى اهتزت مشاعره، وانبعثت ذكرياته، وأولاني اهتماما خاصا على كافة الأصعدة ما أعجز عن شكره، وكان الدكتور عبد الرضا عوض قد ذكر صداقتي مع أبي غالب في كتاب صدر له قبل سنوات عنوانه (وتلك الأيام ..)، وقد عرج عليها من خلال تجربة عاشها في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، إذ كتب:

(أما اليوم الثاني الذي لا أنساه من عملي الوظيفي حينما نقلت قسراً من معمل نسيج الحلة إلى معمل حرير السدة بسبب مشاكل راحت تتفاقم وتتراكم أساسها إلقاء القبض على شقيقي الشيخ عبد الحليم بتهمة انتمائه لحزب الدعوة الإسلامية اللذان خيبا آمالنا تماماً (الحزب وشقيقي)، فقد وصلت الشركة يوم 3 نيسان 1981، والحرب بين العراق وإيران على أشدها، وبعد إجراءات روتينية بسيطة ترك الخيار لي لكي اختار القسم الذي يمكنني العمل فيه، فكانت محطتي الأولى في قسم يرأسه رجل متوسط العمر طويل القامة يظهر عليه علامات الجد والحزم ينادونه الناس (أبو غالب) وأنا بتُ أنادية (راعي الغلابة) اسمه منصور ساوا أو هكذا !، من الطائفة المسيحية، كنت قد إلتقيته مرة واحدة في معمل نسيج الحلة قبل التحاقي في معمل حرير السدة،غاية في الأخلاق والنبل والصدق، وفي ذلك اليوم حان موعد الاستراحة، فحضر شقيقه لأمر ما فصرفه بطريقة ذكية، وقال أنت ضيفي، فقلت له أرجو أن تتم أوراق المباشرة وسأعود إلى الحلة الآن فألح علي وجلسنا لوحدنا في غرفة صغيرة . فقال لي:

أنا أعرفك وأنت من الكوادر الفنية التي يشار لها، لكن لماذا نُقلت إلى هنا؟ سيما وانك مصر على إبقاء أسرتك في الحلة، فقلت له بما هو واقع ! إن سبب نقلي هو ما حدث لشقيقي بانتمائه لحزب الدعوة، وما أن سمع هذه العبارة حتى سقطت الملعقة من يده وغارت عيناه، وقال لي وهو يتلفت يميناً ويسارا بطريقة الناصح الصادق، اسمع يا أخي في الإنسانية – هذه العبارة لا يقولها إلا من اكتوى بالظلم ـ، هذا النظام البعثي ظالم ومجرم، هذه المرة تكلمت معي بدون عوائق لكن إياك.. إياك .. أن تعيد الكلام هنا في هذه الشركة، فهذه تهمة وجريمة قد تجرك إلى مصائب !! فقلت له حتى (ح.ج) - وكان هو المتنفذ في الشركة بحكم منصبه الوظيفي- فهو صديق الطفولة والصبا، فقال لا تأمن أياً كان هنا !!، وبما أن الخيار لك في العمل أينما ترغب ولك حب للثقافة والأدب فلن يتواءم معك في هذه الشركة غير شخص واحد اسمه (جواد) يكنى (أبو اعتماد) وهو غير موجود الآن ويعمل في قسم الهندسة المدنية، وحذاري أن تكرر حديث شقيقك، وقدم توضيحاً لما هو الحال في الشركة بما اختزل عليَّ أمور كثيرة، وفعلاً التقيت جواد بعد فترة فكانت معرفتي به خير صحبة فأنا مدين لذاك الرجل الفذ (راعي الغلابة)، منصور الذي ضاع أثره، ولم أعرف له طريق كي أقدم له جزيل شكري وامتناني لأمرين:

- الأول باختصاره سبيل معاناة قد أدفع لها ثمنا باهضا ..

- الثاني كونه سببا لمعرفتي بالأستاذ الجواد المحسن).

* * *

قبيل دخولي إلى صالة العمليات ظهيرة يوم الأحد 18 أيلول 2018م اكتظت غرفتي وخارجها بالأصدقاء من بغداد والمسيب وسدة الهندية والحلة وغيرها، فكان لذلك بالغ الأثر في نفسي ورفع معنوياتي، ودخولي إليها بنفس راضية، وقد رددت الشهادة وأعلنت لنفسي قبولي مقدما بما قسم الله لي، وابتسمت لما سيأتي، على الرغم من رؤيتي لقلق البعض وعيونهم الدامعة وقد رافقني أصحابها إلى باب الصالة، وبعد ربط الأجهزة كان آخر ما سمعته كلمة (أوكسجين) ثم غبت عن الوجود، وقيل أن عمليتي استغرقت ساعتين ونصف الساعة، أخرجت بعدها إلى غرفتي، وبدأت تدريجيا أفيق من البنج العام، وأشاهد الوجوه الطيبة التي أحاطت بي ورافقتني، واستمع لتهانيهم لي بالسلامة .

تقاطر الأصدقاء الأعزاء لعيادتي طوال الأيام التالية، وهم يعرضون خدماتهم عليّ، وأنا أتوجه بالشكر والامتنان لهم، كما أن الاتصالات عبر الجوال لم تنقطع نهارا أو ليلا ممن كانوا بعيدين عني .

في اليوم الثالث من العملية عانيت من انبثاق سوائل فضلات من أنبوبي (الدرين) حتى غرقت بها لأكثر من مرة .. بعد انتهاء الدوام كانت هناك ممرضة خافرة تدعى جانيت اعتنت بكل المرضى بشكل مائز ومنهم أنا، وكانت تناديني ب(عمو) وقالت إني مثل ابيها الذي توفي بعد مرضه ..

بعد أن أكملت جانيت عملها مع المرضى الآخرين وقد ﻻحظت ما حل بي استدعت العامل البنغالي جان وحملتني معه عنوة إلى الحمام وأجلستني على كرسي ووضعت راسي فوق المغسلة وغسلته بعلبة شامبو وجففته ثم خلعت كل ملابسي وراحت تغسل جسمي جزءا بعد آخر بواسطة الخاولي والشامبو ثم تسكب الماء بمساعدة العامل البنغالي، ولما أتمت ذلك أحضرت ملابس العمليات وألبستنياها وأعادتني إلى سريري وجددت ضماد جرح العملية وأحضرت علبة بودرة ﻻ تتسبب بالحساسية ونثرت محتوياتها على المناطق الحمر المحيطة بمنطقة جرح العملية للتخفيف من آثار الحساسية والألم ..

وضع المرافق الذي معي مبلغا من المال إكرامية في جيب جانيت فرفضته بشدة وأرسلنا لها علبة حلوى فرفضتها بتهذيب أيضا، وعندما ﻻحظت انكساري قالت إنها ستأخذ زهرة من الباقة التي حملها وفد اتحاد الأدباء لي واختارت أصغر زهرة ووضعتها في قدح على منضدتها وبقيت ترعاني حتى صباح اليوم التالي ..

سألت جانيت عن أهلها قالت إنها من الكرادة وقد تشتت أهلها وأقاربها في المنافي بعد مضايقة الإرهاب لهم ومحاولتهم خطف شقيقتها الصغرى !! وسألتها ثانية وأين تقيمين يا جانيت اﻵن ؟ قالت أقيم في دير للأيتام يجاور المستشفى أرعاهم وأبيت فيه !! في دفتر ملاحظاتي كتبت عنها كي ﻻ أنساها ولن أنساها ما حييت: (جانيت ابنتي التي ليست من صلبي)!!

 

*  *   *

أما على صعيد عالم الفيسبوك فكنت قد نشرت على صفحتي فيه يوم الأربعاء 15/8/2018 خبرا للأصدقاء جاء فيه: (أصدقائي الأعزاء: من المقرر إجرائي عملية جراحية في مستشفى الراهبات ببغداد يوم الجمعة 17/8/2018 لاستئصال ورم في القولون .. احتاج دعاءكم)، وقد وردني ما يقرب من ثلاثمائة تعليق تضمنت أصدق الأدعية ويرجون لي الصحة والسلامة والشفاء العاجل .

وكان عدد من الأصدقاء قد نشروا على صفحاتهم خبر دخولي إلى المستشفى أو زيارتهم لي، ومنهم الإعلامي عبد عون النصراوي، والنسابة علي حسن علوان، والباحث حسن عبيد عيسى الذي عادني إلى المستشفى في اليوم الثاني للعملية مع الدكتور عبد الرضا عوض.

ونشر الصحفي العراقي الرائد محسن حسن جواد نداءً وفيا على صفحته الشخصية يوم 30/8/2018 جاء فيه: (بعد مضي أسبوعين ولم نسمع خبرا عن صديقنا الباحث التراثي جواد عبد الكاظم، أجريت عدة محاولات للاتصال به لمعرفة حالته الصحية بعد العملية التي أجريت له لاستئصال ورم في القولون يوم 17 آب.

وأنا في لبنان أرسلت له رسائل بمختلف الطرق للاطمئنان على صحته ولاطمئن مئات الأصدقاء والمتابعين وأتمنى له الصحة والسعادة بمناسبة عيد ميلاده يوم 28 آب كما كنت افعل كل عام.

أخيرا رد الصديق جواد وقال انه بخير شاكرا السؤال عنه وقد زاره وفد من اتحاد الأدباء ثم مجموعة من أدباء محافظ بابل.

تمنياتنا له بالشفاء).

ونشر الأستاذ الدكتور سعيد عدنان يوم 10/9/2018 كلاما طيبا عني قال فيه: (عرفته على صفحة هذا العالم الأزرق ؛ فعرفت فيه القلم الرصين، والخلق الرفيع . أحبّ المعرفة وتزوّد منها الزاد الوفير، وكتب في التاريخ، والأدب ما يقوم على حسن التحقيق والاستيعاب ...

منّ الله على أخينا العزيز الأستاذ جواد عبد الكاظم بالصحة والعافية وردّه إلى أصحابه ومحبيه سالماً معافى).

*  *  *

أمضيت في مستشفى الراهبات خمسة أيام وسط رعاية دائمة، وكانت مغادرتي لها يوم الأربعاء 22/8/2018 بعد الظهر، وقد طلبت المرور بمدينتي المسيب لدقائق معدودة لرؤية البيت والأحفاد، ومنها مضيت ومن معي إلى موطن الأهل والأجداد في قرية هادئة من قرى ناحية أبي غرق لقضاء فترة نقاهة فيها بعد إجرائي لتلك العلمية فوق الكبرى وحاجتي الملحة إلى الراحة والهدوء ..

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

عدنان الظاهرفتح لي باب شقته الصغيرة وكان كعادته حليقا وقبعته على رأسه والسيجارة في يده. قال تفضل لنشرب فنجان قهوة. قلت لا قهوة ولا شاي. هيا فليس لدينا الكثير من الوقت لإنجاز كافة معاملاتك. أحكم غلق الباب ومشى أمامي بثقة. في الشارع سألني الى أين نحن ذاهبون؟ قلت نذهب أولا الى دائرة يسمى مختصرهاKVR . قال وما معنى ذلك؟ قلت إنها ثلاث كلمات يكتبونها كعادتهم ممتزجة معا فتبدو وكأنها كلمة واحدة. في هذه الدائرة يتم إنجاز معاملات الإقامة وتنظيم جوازات السفر والتقاعد وكافة الأمور والأحوال الشخصية كالزواج والطلاق وتسجيل الولادات الجديدة. هنا سألته مداعبا ومشاكسا: هل لك نية الزواج بسيدة ألمانية جميلة طويلة تقود سيارتها المارسيدس ولديها شقة على البحر في إيطاليا؟ جذب نفسا عميقا طويلا مثبتا في وجهي ملامح جافة قاسية مفعمة بالعتب، كأن جبينه وعينيه قُدّت من صخر جلمود . قال

ألا ليت الشبابَ يعودُ يوماً   لأخبرَهُ بما فعلَ المشيبُ

ثبّت ناظريه على أسفلت الشارع قائلا إنني لم أخنْ زوجتي لا في شبابي ولا في كهولتي. وبعد وفاة أم محسد لم أجد في نفسي بعدها أدنى رغبة في الزواج . ثم - أضاف - ما نفعي بسيارة وشقة على البحرلا أملك منها أو فيها شيئا؟ وبأية لغة سأتكلم مع بنت الحلال، أنا الذي بدأ ينسى حتى لغته الأصلية، لغة أمّه وعشيره

وأبيه. لقد وجدت لغتي تضيع مني بل وتخونني بعد أن فارقت قول الشعر. قلت له ستتعلم يا أبا الطيب لغة مقامك الجديد وستقرأ بها شعر الشعراء العظام من أمثال غوته وهاينه وشيللر وغيرهم. قال وماذا سأفيد من شعر هؤلاء بعد أن توقفت عن قول الشعر؟ يقرأ المرء شعر غيره لكي يطور ويحسن شعره .

وصلنا الدائرة المطلوبة وأنجزنا معاملات أبي الطيب وعلى رأسها طلب المسؤولين في أن يعجل الشاعر في الإلتحاق بمعهد غوته Goethe لتعلم اللغة الألمانية. تركنا هذه الدائرة الضخمة المتشعبة الأقسام والأغراض فأشعل أبو الطيب سيجارة وشرع ينفث منها دخاناً كثيفاً لاعناً الساعة التي ألجأته إلى طلب اللجوء. قال بعصبية وصوت عالٍ هل يتعلم رجل جاوز الخمسين لغة أجنبية لا علاقة تربطها بأصل لغته لا شكلا ولا نحواً ولا صرفا ولا إشتقاقا؟ قلت له إنّ ذلك جد ضروري. قال وما وجه الضرورة؟ قلت إن اللغة تيسّر لك إيجاد عمل مناسب في مكان مناسب. قال وما عسى أن يعمل شاعر قضى عمره في قول القريض ولا من شيء سواه؟ قلت أعرف رجالا أسنَّ منك قبلوا أعمالا مثل حراسة بعض الأبنية والشركات. وأعرف آخرين عملوا سائقي سيارات تاكسي. وأعرف آخرين عملوا في المخازن العملاقة ناقلين أو مصففين للبضائع. قال لعلمك إنني لم أقُدْ سيارة في حياتي ولا أعرف كيف يسوق المرء سيارته. أنت تعرف عالمي جيدا، عالم الخيل والليل والبيداء. قلت أحسنت يا عزيزي، قد والله أحسنتَ إذ قلت بلسانك في تتمة هذا البيت " والسيف والرمح والقرطاس والقلم ". أليس كذلك؟ قال نعم قد قلت، ماذا تقصد؟ أقصد إنك تستطيع أن تنخرط جنديا مقاتلا في الجيش بإعتبارك صاحب سيف ورمح. ثم إنك تستطيع إذا ما ضبطت اللغة الجديدة أن تعمل مدرسا للأدب والشعر في بعض المدارس والمعاهد المتخصصة بإعتبارك صاحب قرطاس وقلم. إنتفض الشاعر محتجا بشدة قائلا كان ذلك يا عزيزي في سالف الزمان، أيام القوة والفتوة والعنجهيات الفارغة وعنفوان الشباب. يتقاتل البشرُ اليوم بالأسلحة الفتّاكة من جرثومية وكيميائية ونووية. ولدى الجيوش دبابات وطائرات حديثة وصواريخ عابرة للقارات وسواها الكثير من أدوات الحرب والإبادة والدمار. كنا نقاتل بالسيف والرمح وكانت الخيول وسائل كرّنا وفرنا. فلأي سلاح سأنظمُّ وبأي سلاح سأقاتل وأنا كما تراني لا أقدر أن أحمل جسدي إلاّ بمشقة؟.

كان المتنبي مرهقا حقا وبدا لي شاحب الوجه منهوك القوى. إقترحت أن نقضي بعض الوقت في أحد المقاهي لبعض الراحة وأن نشرب فنجان قهوة. وافق الرجل بدون تردد.

في المقهى خلع سترته وعلق قبعته في المشجب الخاص بتعليق القبعات. واصل التدخين بشكل يلفت النظر. وكان جليا أن الرجل غير منبسط مما يجرى له من أمور . غير مرتاح مما آلت إليه أوضاعه بعد اللجوء. كان قلقا عصبي المزاج وعدوانيا بعض الشيء. جاءت القهوة لكن شاعرنا المتقاعد لم ينبس ببنة شفة. لم يشأ الكلام في أي موضوع. واصل التدخين بشراهة متناسيا فنجان قهوته وغير مبال بحضوري معه لكأنه في عالم آخر. كان سارحا شديد الرجوع الى ماضيه الذي كان يوما بالغ التألق رجلا وشاعرا يتنقل بحرية في أشهر الأصقاع يومذاك بين العراق وبلاد الشام ومصر وفارس. يتنقل دونما حاجة لجواز سفر أو تأشيرة دخول.  أردت إخراجه من النفق المظلم الذي دفن فيه نفسه فأنشدت بصوت خفيض نشيدا كنت ما زلت أحفظه من أيام المدارس الأبتدائية:

بلادُ العُربِ أوطاني      من الشامِ لبُغدانِ

ففوجئت أن صاحبي قد شرع هو الآخر يهزج بفرح طفولي معي:

ومن نجدٍ إلى يَمنٍ       ومن مصرَ لتطوانِ

ضحكت كما لم أضحك من قبل. ضحكت إذ نجحت حيلتي فأنتزعت المتنبي من سوداويته وقنوطه وبؤس حاله الذي مر الجميع به بهذه الدرجة أو بأخرى. قلت له، وقد تبدل بشكل جذري مزاجه، أتدري أبا الطيب أن " تطوان " التي نعرف في هذا النشيد هو إسم مدينة تونسية إسمها تطاوين؟ قال عرفتُ ذلك يوم أن كنت في ليبيا. شرب قهوته الباردة رشفة طويلة واحدة وطلب فنجانا آخر.

قلت له ما دام قد تبدل مزاجك أبا الطيب، فإنه ليطيبُ لي ونحن في هذا المقهى أن أسألك عن بعض تفاصيل محكمة اللجوء في مدينة " نورنبرغ ". مَن قام لك بدور المترجم وما نوع اللجوء الذي منحتك المحكمة؟ قال طلب مني الشاب الذي أدار عملية الإستجواب وحيدا أن أسترسل بالكلام وأن أتكلم كما أشاء مركزا على الأسباب التي جعلتني أفضل طلب اللجوء إلى هذا البلد. لم أقل له إني قدمت من ليبيا.

قلت إني ساهمت في إنتفاضة آذار عام 1991 في مدينتي السماوة (محافظة المثنى).

وبعد إجهاض الإنتفاضة وتدمير البشر والأرض والممتلكات هربت مع من هرب بطريق الصحراء إلى العربية السعودية. وُضِعنا هناك في المخيم الصحراوي(رفحا) سنينَ طويلة. نظّمنا نحن الشعراء يوماً مهرجانا للشعر حضره بعض أمراء آل سعود، وكان من بينهم شاعر أديب دلّته حاسته الشعرية على أصالة فني الشعري. طلب مقابلتي بعد المهرجان ورحب بي ترحاباً حاراً يفوق الوصف. قال إنه كان يعرف إسمي شاعرا لكنه صدم إذ وجدني مع من وجد في هذا المخيم المعزول النائي ثم عرض علي أن أعمل في حقل التدريس في بعض المعاهد. شكرته كثيرا وقلت له ما دام الله قد فتح وشرح لي صدرك فأرجو أن تسعى الى تيسير أمر مغادرتي هذا المخيم. قال سأنفذ إن شاء الله طلبك وعلى الفور. بعد بضعة أيام أتاني أحد حراس المخيم باسما مستبشراً - وما رأيناهم يوما باسمين، كانوا عادة متجهمي الوجوه غلاظ القلوب شرسي الطباع - حاملا معه جواز سفر مؤقت بإسمي وتذكرة سفر إلى العاصمة النمساوية فيينا مع كمية من الدولارات الأمريكية. كان الحاكم الذي كان يستجوبني يصغي لي مأخوذا بما كنت أقص عليه من أكاذيب وأحداث سينمائية بهلوانية لقنني إياها مستشار السفارة العراقية في طرابلس الغرب السيد " حسين لامي بديوي " أو " حسين بديوي اللامي ". صدقني الرجل ذو الوجه الطفولي البريء الباسم وثبت كل أقوالي على إسطوانة كانت تدور على جهاز تسجيل موضوع الى جانبه الأيمن. قلت للمتنبي وما كان دور المترجم وهل طلب منك المزيد من التفاصيل؟ قال كلا. كان يترجم حرفيا ما كنت أقول. إلا إذا طلب الحاكم المزيد من المعلومات. قلت وهل تعرف إسم هذا المترجم؟ قال بعد مرافعة المحكمة التي إستغرقت قرابة الثلاث ساعات والتي أنهكت قواي الضعيفة أصلا، سألت المترجم عن حكم المحكمة بحق قضيتي وعن نوع اللجوء فقال إنه يظن أنني سأُمنحُ حق اللجوء السياسي وليس اللجوء الإنساني. ثم تجاسرت فسألته عن إسمه فقال - ولعله كان كاذبا - إنه الدكتور " ناصر الحسن ". كيف يكون الدكتور مترجِما؟ قلت لا غرابة في الأمر يا أبا الطيب. في أوربا يعمل المرء ما يعجبه أو ما يستطيع أن يعمله إذا ما توفرت فيه شروط ومستلزمات هذا العمل أو تلك المهنة. فالمترجم على سبيل المثال ليس طبيبا كما تظن. إنه دكتوراه في الفن أوالإقتصاد. وإن الرجل لم يكذب عليك وأنا أعرفه منذ فترة طويلة. ذكرالرجل لك إسمه الحقيقي الكامل. قال ولِمَ لمْ يذكر إسم أبيه إذا كان صادقا؟ قلت هنا يكفي ذكرالإسم الأول ثم لقب العائلة.

قال وهل تعرف أنت إسم أبيه؟ قلت لا أحد في عموم ألمانيا يعرف إسم أبيه. ليس لأن في الأمر سراً، ولكن لا أحد هنا يهتم بالسؤال عن إسم الأب. قال وهل هذا يعني أن الرجل بلا أب، ونغلٌ من ليس له أب؟ قلت كلا، له أب وقور محترم وكان له نِعمَ الأب. قال وهل تعرفه جيدا؟ قلت يعرفه غيري جيداً. عدت أسأله وكيف وجدت الرجل؟ قال وجدته ظريفا شهماً يساعد الناس. وجدته متواضعا بسيطا خاليا من تعقيدات البعض ممن يحملون الجنسيات الأجنبية. قلت كلامك هذا صحيح، وأزيد عليه أن الرجل يحب الغناء والطرب ويهوى أشعارك ويحفظ الكثير منها عن ظهر قلب. ويقيم في داره بين الحين والحين حفلات ومناسبات فنية يحضرها جمع كبير من أصدقائه. يسمرون لديه ويأكلون ويشربون ويستمتعون بغناء المغنين ويطربون مع المطربين. ولديه مجموعة كبيرة من الطبول ورقع الشطرنج ويلعب الطاولي بمهارة يُحسد عليها ويتحدى جميع لاعبيه. كما أن لديه أقراصا تحمل تسجيل قصيدتك التي أحبُّ " ما لنا كلُنا جوٍ يا رسولُ " مغناة بصوت قاريء المقام العراقي المبدع المرحوم " يوسف عمر ". قال يبدو الرجل لي خليطا عجيبا نادرا في هذه الأيام. قلت وهو كذلك. إنه " زوربا " هذا الزمان. قال أَوَ ما زال مثلي عازبا؟ قلت إن الرجل متأهل ولكنه مثل " شهريار" عقيم لا ينجب. قال إنه يبدو قويا معافى. قلت ليس الأمر كذلك يا أبا الطيب. إنه يعاني من نقص إفراز مادة الإنسولين في دمه. قال لم أفهم. قلت إنه ضحية ما يسمى بمرض السكري. لذا فإن حُقن الإنسولين لا تفارق جيبه أبدا، يحملها معه أنّى ذهب واتجه. أسفي عليه، أسفي عليه، قال ثم أضاف ألا تعرّفني عليه؟ قلت وهو كذلك. وسيكون مسرورا أن يتعرف على شاعره المفضل أبي الطيب المتنبي. سينظم لك في داره حفلا غنائيا خاصا يدعو لإحيائه خيرة مطربي أوربا من العراقيين. وسيستمر الحفل حتى ساعات الصباح الأولى. هذه سجيته. يحب السهر وينتشي إذا ما فرح وطرب أصدقاؤه. قال إنما هذه من شيم خيرة الرجال. أسفي عليه وعلى خيار الناس .

اقتربت الساعة من الثانية بعد الظهر فقلت له هيا إلى داري لنتناول طعام الغداء معا. قال وما لديك من طعام؟ قلت لديَّ في الثلاجة الكثير. أطرق هنيهة مفكرا ثم قال أفضل الذهاب إلى (مهجومي) لأنام قليلا وأتمتع بقسط من الراحة بعد عناء هذا اليوم الشاق. قلت ألا نلتقي ثانية عصرَأو مساءَ هذا اليوم؟ قال بل أفضل أن أقضيه وحيدا. سأمكث في شقتي، أكنسها وأرتّبها وأغسل صحون الأمس وملابسي الداخلية. وإذا شئتَ نلتقي صباح غد. إقتراح معقول يا أبا الطيب. وإذا ما احتجت أي شيء أو استجدَّ أمرٌ عاجل أو هام إتصلْ بي عن طريق أحد تلفونات الشارع.لا تتردد رجاء. قام ليرتدي سترته ويضع القبعة على رأسه ثم قال هازئا ساخرا: ومتى سيجد التلفون طريقه الى شقتي؟ سوف لن يطول إنتظارك يا أبا الطيب. تلك مسألة غاية في السهولة. إنتظرْ قليلا فقط. قال الصبر مفتاح الفَرَج.

صحبته حتى مدخل عمارته على أن نلتقي صباح اليوم التالي. لم نتفق على برنامج محدد. غدا سنعرف ماذا نفعل. وإنَّ غداً لناظره قريبُ.

- 9 -

وجدته يتمشى أمام عمارته منتظرا قدومي. كان هادئا جيد المزاج يدندن كعادته حين يكون ذا مزاج منبسط. رمى عقب سيجارته من يده قائلا أين ستمضي بي هذا اليوم؟

قلت إلى الطبيب. سيفحص الطبيب قلبك وضغط الدم ويسألك إنْ كنتَ تشكو من شيء قديم أو عارض. قال لا أحب الأطباء لا أحب الأطباء. قلتُ ومنذا الذي يحبهم؟ نزورهم مضطرين. ثم إنَّ مُساعِدات الطبيب وليس الطبيب من يقوم بتسجيل ضغط دمك وعدد نبضات القلب. وقد يقترح فحص السكر في بولك ودمك. قال ومن سيقوم بفحص دمي وبولي؟ الممرضة المساعدة يا أبا الطيب. إنتفض الرجل بحدة معترضا قائلاً كيف تفحص إمرأة بولي وسكّر دمي، كيف؟ قلت هوِّن عليك. هذه أمور مقبولة هنا وعادية لا تجرح حياء الرجل ولا تسبب له أي إحراج. هذا هو واجب الممرضات المساعدات وهذا هو عملهن الذي تدربن عليه. قال وهل الممرضات ألمانيات؟ قلت بل هن من كافة الجنسيات. ففيهن الألمانية والبولندية والتركية والتايلندية واليونانية ومن جنسيات وأقوام أخرى لا حصر لها. قال على ذكر فحص سكر الدم، هل هناك إحتمال أن أكون مصابا كالمترجم بمرض السكري فأضطر إلى حمل حقن الإنسولين معي حيثما ذهبت؟ قلت لا يبدو عليك أنك تعاني من هذا الداء. قال وكيف عرفت؟ قلت لأنك لا تقاسي من عطش شديد ولا من يبوسة في الفم ولا تتبول كثيرا. ثم إن ظاهرة السكر في الدم درجات لا يستلزم أولها إلا تخفيض الوزن ويستلزم بعضها الإعتدال في المأكل والمشرب وتجنب أو الإقلال من السكريات والنشويات مع الإكثار من الخضروات الطازجة. وهناك مرحلة قبل الحقن بالإنسولين تتطلب تناول بعض الحبوب. وحتى مرحلة الحبوب هذه تنقسم بدورها الى مراحل تعتمد على عدد الحبوب التي يتناولها المريض في اليوم وعلى قوة هذه الحبوب بوحدة الملليغرام. وأخيرا وعند تفاقم حالة المريض يوصي الطبيب المختص بتناول حُقن الإنسولين. أمامك أبا الطيب مراحل ومراحل قبل بلوغ الدرجة الأخيرة التي أزعجتك وقضّتْ مضجعك. تنفّس الصعداء قائلا الحمد لله، ألف الحمد لله، إني إذن معافى فلا تأخذني يا اْبن أمي الى الطبيب. معافى معافى ولا بول في سكري ... عفوا ... لا سُكّرَ في دمي ! ثم أخذ يقرأ بصوت عال:

يقول لي الطبيبُ أكلتَ شيئاً          وداؤك في شرابكَ والطعامِ

وما في طبّهِ أني جــــــــوادٌ          أضرَّ بجسمهِ طولُ الجَمامِ

قلت له هذه فحوص تسمى روتينية تُجرى للناس بشكل دوري منتظم مرة كل أسبوع أو كل شهر وبعضها مرة في العام، لا ضرر منها. ثم هي في نهاية الأمر لمصلحتك وتعلمك أن تراقب نفسك ووضعك الجسماني. أما إذا إحتجت إلى طبيب نفساني فسيحيلك طبيب الأمراض الداخلية الى آخر مختص بالأمراض النفسية لا سمح الله. قال وهل تشك في قواي العقلية؟ كلاّ كلاّ يا أبا الطيب. كلنا عرضة للإنحرافات النفسية ولا عيب في ذلك. الإنحراف النفساني لا يعني بالضرورة إنحرافا أو إختلالا عقليا. فبين الإثنين حدود يعرفها الطب والأطباء. أنت الآن في أوربا ولست في الكوفة أو السماوة. إنبسطت أسارير الشاعر المتعب المرهف وأظهر لي الكثير من أمارات الثقة بي وبنفسه. قال سنمضي إلى الطبيب … حتماً…، ولكن في يوم آخر. أنا اليوم سعيد ومتفائل وأود أن أتمتع بجمال هذا اليوم الصائف ودفء نهاره وروعة حدائق المدينة. لا تفسد ذلك عليّ رجاء. ثم إني معافى معافى معافى. سأنذر نذرا لأبي الفضل العباس وأوزع الحلوى من مصقول وملبّس للفقراء والأطفال. سأزور مساجد المدينة إنْ كان فيها مساجدُ للمسلمين. سأصلّي وأصلي الفروض والنوافل. هل في المدينة مساجد؟ قلت نعم. هناك مساجد للأتراك وأخرى للأفغان والإيرانيين وآخر مشترك لجميع المسلمين يديره أستاذ مصري.

إقترحَ وهو في ذروة الإنشراح والعافية النفسية أن نقضي قبل الغداء بعض الوقت في حديقة نافورة إله المياه " نبتون " الواقعة خلف وزارة العدل. قلت له كنت بالأمس شديد التشاؤم حين كنا في هذا المكان. قال نعم. قد تشاءمت حين شرع الإله ينزف من جميع أركانه بدل الماء دماً عبيطا ومن ثم إنطفأت الأنوار بشكل فجائي وتوقف الماء والدم جميعا. سألني ما علاقة الضوء بالدم. قلت توقف الضياء والنور لأنهما ضد الجريمة والقتول والدماء البريئة المسفوكة. توقفا لكي يوقفا سيلان الدم المتدفق في جنين ونابلس من أرض فلسطين. إحتجاج رمزي صارخ وتذكرة للعالمين أن يفتحوا الأعين على ما يجري هناك من خروقات للقوانين والأعراف والإتفاقيات والمواثيق الدولية وما يسمى بحقوق الإنسان. إشارة عميقة الدلالة أن العالم اليوم في ظلام دامس فاق كل ما كنا قد سمعناه عن العصور المظلمة. إفتحوا يا ناس عيونكم، إفتحوا يا عرب عيونكم وأصحوا من غفلتكم وغفوتكم وإلاّ فالكارثة لا محالة مقبلة. كارثة الكوارث يا ناس مقبلة. أراها أقرب من حبل الوريد. هذا ما كانت قد تنبأت به

" زرقاء اليمامة " قبل قرن من عهد الطوفان. ليس لدى العرب السلاح النووي الذي يُحيّد أعداءهم أو يقيم معهم التوازن العسكري بالردع النووي المتقابل. لم يوفر حكامنا لنا ما يحمينا ويحمي أرواحنا وأعراضنا وأرضنا من التهديد الشامل بإفنائنا من الوجود. ما علمونا كيف نمارس الديمقراطية وحرية الإقتراع ومداولة السلطة. وهذه هي النتيجة المحتومة. هم في واد ونحن الشعوب في واد آخر. يحمل الكثير منهم وأغلب أبنائهم الجنسية الأمريكية وبلايينهم المهربة مودعة في البنوك التي يسيطر عليها اليهود سواء في أمريكا أو أوربا. أما نحن، أنا وأنت وباقي الناس فنصيبنا التشرد وطلب اللجوء لنحيا على الكفاف وعلى حواشي الحياة الدنيا.  قلت هل تعلم أبا الطيب أن نافورة الإله نبتون قريبة جدا من الساحة التي يتجمع فيها الناس عربا ومن غير العرب تضامنا مع الأهل في فلسطين وإحتجاجا على ما يجري في فلسطين من قتل وتدمير وإغتيال وحصار وتجويع. قال وما إسم هذه الساحة؟ قلت إسمها " شتاخو س Stachus ". قال ومتى يجتمع هؤلاء الناس المرة القادمة؟ قلت نهار السبت القادم على تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً. قال أريد أن أشارك في هذه التظاهرة.لا بد أن أشارك فيها وهذا أضعف الأيمان. أحسنت أبا الطيب الشهم والغيور، أحسنت. عهدي بك شريفا شجاعا ثائرا. قال ليتني أستطيع أن أقاتل على أرض فلسطين. قلت لا يسمح لك جيران فلسطين بدخولها مقاتلا. قال لماذا؟ إنَّ دخول فلسطين يتطلب موافقة الإدارة الأمريكية وإسرائيل. قال وما دخل أمريكا وإسرائيل بدخول فلسطين عبر حدود دول عربية؟ لم أجبه. صرت أهذي مع نفسي مرددا (إذا كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ / وإنْ كنتَ تدري فالمصيبة أعظمُ!). سمع المتنبي هذياني على ما يبدو، فلقد شرع الرجل يبكي بكاء مرّا. شرعت أجفف سيل دموعي في لحظة وصولنا إلى نافورة إله الماء نبتون . كانت النافورة جافة والإله فاغراً فاهُ مبتسماً ساخراً شامخَ الرأس مفتوح الذراعين غير آبهٍ بما فيه وما حوله من جفاف. الماء يأتي مع المساء. والماء نفسه لا يأتي النافورة مرتين. كانت حديقته غاصة بالناس يدخنون ويثرثرون ويقرأون الصحف. جلسنا صامتين كأن على رؤوسنا الطير. هو يدخن وعيونه ما زالت مبتلة بالدموع. يحاول أن يقول شيئا لكنه يقاوم الرغبة في الكلام. كان يعاني من صراع خفي مكبوت يريد ولا يريد أن يفصح عنه. إستسلم أخيراً فأحجم عن الكلام. أغمض عينيه المبتلتين بالدموع وأغفى فتعالى شخيره. إنتبه الناس إلى قوة هذا الشخيرالذي يُذكّر بقاطرات البخار القديمة فضحك بعضهم بصوت عال. أما إله المياه الروماني نبتون فرأيته مبتسما إبتسامة غامضة فيها ظلال سخرية وشماتة كأنه يريد أن يقول: من الذي أتى بكم إلى بلداننا؟ لِمَ لا ترجعون الى بلدناكم؟ لماذا لا تقاتلون في سبيل قضاياكم التي تسمونها مصيرية؟ فزعتُ إذ دنا الإله مني وهمس في أذني قائلا إن وزارة العدل التي ترى أمامك قد أخطأت خطأ جسيما في دفاعها عنكم وإحتضانكم وتوفير فرص عمل وعيش لكم ثم ستمنحكم الوزارة بعد ثماني سنوات الجواز الألماني الذي لا أملك رغم بقائي هنا واقفا منذ ألفي عام. أعمل ليلا ونهاراً صيفاً وشتاءً لأرفّهَ عنكم وعن أمثالكم. أبيت تحت السماء لا سقف يحميني من مطر أو برد أو ثلوج. لا من يقدم لي باقات الزهور التي أرى العشاق يتبادلونها أمامي. ستصبحون قريبا مواطنين أوربيين. أما أنا فسأظل تمثال حجر بلا وطن. تنكّرَ لي نيرون وقيصر وأنطونيو (صاحب كليوباترا فرعونة مصر). جحدوا أفضالي على روما ثم جمّدوني حجراً في إله وإلها في حجر كأنهم سمعوا صرخة الفيلسوف الألماني نيتشة حين قال (مات الإله). نعم كان يقصدني أنا بالذات.ثم أصدروا حكما بإبعادي عن إيطاليا بعد أن جردوني من بيتي ومزرعتي وباقي أملاكي وأخيرا جواز سفري. سألته كيف إذن وصلتَ إلى ميونيخ وأنت لا تحملُ جوازَ سفرٍ؟ قال وصلتُ كصاحبك المتنبي تهريباً.لا تنس إنَّ لإيطاليا حدودا مشتركة مع ألمانيا. قلت يبدو أنك غير مسرور بعملك هذا حارسا لحديقة كبيرة وموزّعَ نوافيرِ ماءٍ فراتٍ ومُسليّا لبني البشر من أمثالنا؟ قال بلى، جِدَّ مسرور. فسوق العمل متأزمة ومعدلات البطالة عالية. ثم إني أكون في غاية السرور حين أرى الناس حولي مسرورين مبتهجين فأنسى وحدتي ومحنتي وأتأقلم مع منفاي. قلت يبدو أن هناك أشياء كثيرة مشتركة بينك وبين بني البشر. قال نعم. فيكم بعضٌ مني وفيَّ بعضٌ منكم. ألم يكن الجبار السومري جلجامش خليطا ثلثاه من الألهة وثلث من البشر؟ قام المتنبي وانحنى بخشوع أمام نبتون وقدّم له سيجارة فاعتذر الإله أنه لا يدخن، بل وإن التدخين ممنوع عليه خلال ساعات العمل. قال المتنبي مُحنقاً: أللهُ أكبر! حتى أنت إلهي لا تستطيع التدخين؟ غمزه بطرف عينه اليسرى قائلا: بلى، أدخّن أحيانا ولكن … أدخِّن خلسة. أُدخن سجائر رخيصة مزوّرة مهربة تأتيني من الحدود الألمانية – الجيكية! دنا المتنبي من الإله المذعور قائلا خذها، إنْ لم تستطع التدخين الآن فضعها مخفية خلف إحدى أذنيك. دخنها لاحقا في ساعة هدوء بال وخلو المتنزه من البشر. أخذها شاكرا وأرتدَّ على مهل ليشغل المكان الذي وضعته الدولة فيه صنماً مقيدا متحجراً معزولا منفيا وتحت رقابة وزارة العدل اليومية. يضخ الماء من صخور جسده ليدخل البهجة في نفوس البشر. فثلثه من لحمهم ودمهم وعظامهم. هو بعض منهم … شاء ذلك أم أبى. شاؤوا هم أم أبوا. نهض المتنبي قائلا أحس الآن ببعض الراحة. لقد قبل رب الماء مني أخيرا ما أسديت له من جميل. لم يرفض السيجارة التي عرضتها عليه. أخفاها خلف أذنه وسيفيد منها لا شك يوما. أو إنه سيبيعها بنصف " يورو " إلى السيد (حسين زيدون). ضحكت طويلا لأني أعرف قصة حسين مع التدخين.

أشار لي أن وقت طعام الغداء قد حان. إقترح أن نأكل معا شيئا خفيفا في مطعم قريب للهامبركر قريب من ساحة “ شتاخوس “. وبعد الغداء نتناول الشاي الثقيل المعطر بالهيل والدارسين في شقته. وجدت العرض مغريا فوافقت على الفور. إقتربنا من تمثال نبتون لتقديم تحية الوداع فلم يرد علينا. حاولنا الكلام معه فضاعت محاولتنا سُدى. تساءلنا تاركين البارك الجميل عن سبب صمت إله الأمواه الباردة والحارة فلم نعثرعلى جواب شافٍ. لم يمنعه القائمون على العدل عن التدخين حسبُ، بل وحرموا عليه الكلام مع الأجانب. ونحن في الطريق الى المطعم أخذ المتنبي يقرأ شعراً لغيره (دع الأقدار تفعل ما تشاءُ / وطبْ نفساً إذا حضرالغداءُ). طلب " شاطرا ومشطورا بدون كامخ ". سألته لِمَ لا يأكل الطرشي الحامض وهو منشط للمعدة وفاتح للرغبة في الطعام؟ قال إنه أولاً يأكل دوما تقريبا دونما شهوة للأكل. ثم إن معدته لا تتقبل الحوامض. وقلّت رغبته في الطعام بشكل ملحوظ بعد اللجوء حيث تغير نوع وطعم الطعام جذريا. قلت له وما كنت تأكل قبل اللجوء؟ قال كنا نأكل التمر والزبدة الطرية وخبز الشعير الذي يحمل نكهة وحرارة التنور. ونشرب لبن الجمال والماعيز. ونأكل اللحم المشوي أحيانا وفي المناسبات وعند وفادة بعض الضيوف. لا نعرف الثلاجات ولا الطعام المطبوخ سلفا ولا المحنط بالجليد ولا المدفون في علب الصفيح والزجاج .

بعد الغداء قصدنا شقة المتنبي لشرب الشاي الموعود. جاء الشاي فكان رائع

المذاق. لكن صاحبي ترك كأس الشاي وإستسلم لنوم عميق فأرتفع الشهيق والزفير فتذكرت أحد أناشيد الطفولة( صوتُ صفير البلبلِ هيّج قلبَ الثمِلِ ...). تمتعت بكأس الشاي على مهل مع قصد وشحة مخافة أن ينتهي على عجل. فصاحبي غط في قيلولته وأنا لا أجرؤ أن أتصرف في شؤون مطبخه. فكيف إذن سأدبر كأس شاي آخر؟ سينهض الرجل بعد ساعة. وسيعد له ولي شايا جديدا حارا تفوح منه رائحة الهيل والدارسين. مضت الساعة لكن الشاعر لم يفق. أدركني النعاس فقررت أن أترك له سطرا أخبره فيه إني قاصد داري وسأراه غدا مساء .

 

عدنان الظاهر