415 مهدي الحافظتوطئة: رحل مهدي الحافظ بهدوء ودون أن تتبعه ضوضاء فارغة وجلبة مزعومة، (4/ تشرين الأول/اكتوبر/2017)، ونحن إذْ نستعيد الذكرى الأولى لوفاته، فإنّما نريد التوقّف عند بعض المحطّات الأساسية في مسيرته. وفي مثل هذه المناسبات غالباً ما تفتتح الكتابات فيها: بالقول رحل "الرفيق المناضل"، وحين خطرت الفكرة ببالي  وكتبت الشق الأول منها، لكنني سرعان ما حاولت طردها، فقد خشيت أن يحسبه البعض من صنف "المناضلين" الافتراضيين أو الهوائيين، حيث يبرع باعة الكلام المتجولين والباحثين عن الوجاهات من منتهزي الفرص ليقطعوا الماضي عن الحاضر، والكلمة عن الحلم والطموح المشروع، باللهاث وراء المكاسب.

حين وصلني نبأ رحيله تجمّدت  أطرافي ولم أقوَ على الحركة لبضعة ثوان فقد مرّت خاطفة تلك العقود الخمسة التي حاولت استعادتها وكأنها شريط سينمائي.

قالت لي د. منيرة البياتي وهي في ذروة انفعالها وحزنها ما الذي تبقى لنا : رحل الأحبّة سريعاً الواحد بعد الآخر...؟ ماذا نتذكّر يا عبد الحسين؟ فمهدي الحافظ جزء من تاريخنا وصداقتنا له تكاد تكون صداقة العمر كلّه بحلوّه ومرّه وبإيجابياته وسلبياته. كنت صامتاً وفي فمي طعم مرارة غامضة، فكيف يتحوّل شخص مثل مهدي الحافظ إلى مجرد مربع صغير في جريدة لا يكاد يلفت النظر، ولهذا فقد كان لموته نكهة حزن إضافية، ولعلّه موت يحرجنا بقدر ما يحزننا.

كنتُ أفكّر بما خبّأه لنا الزمان، فمهدي الحافظ حتى عشيّة وفاته كان يطفح بالحيوية وحبّ الحياة والتمتّع بأطايبها، غاب هكذا فجأة مثل شهاب وحتى دون مؤشر بالمرض.. دخل المستشفى لبضعة أيام لإجراء فحوصات ولم يخرج منها إلّا إلى القبر.

وظلّت منيرة البياتي تردّد على مسامعي: كان مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق قد شكّلا جزءًا من وعينا في مرحلته الأولى.... واستعادت هذا الكلام مرّة أخرى،  وهي تردّ على رسالتي بتعزيتها بوفاة نضال وصفي طاهر، ولم تنسَ في كل مرّة أن تتذكّر شقيقها القاص والروائي والصحافي محمود البياتي  ( توفي في 31/10/2014) انظر مقالتنا عنه: (محمود البياتي: سنّارة الحلم والذاكرة التي تأكلنا) وهي تعرف عمق علاقتنا، وكم تأثّرتْ لما كتبته عنه وما قلته في احتفاليته التأبينية التي أقيمت في عمان. وكلّما مرّ يوم جديد، يزداد شعوري بأن محمود كان " أخي الذي لم تلده أمي"  وقالت منيرة وقد أخذتها " العبرة" عبر التلفون وقد تغيّر صوتها: ليس للحياة من طعم فالموت يحيط بنا من كل جانب، وردّدنا معاً بيت شعر للجواهري عن الموت اللئيم حين يقول :

ذئبٌ ترصّدني وفوق نيوبه / دم أخوتي وأقاربي وصحابي

وردّدت عليها بيت شعر للشريف الرضي الذي ينطبق على حالنا ويقول فيه :

ما أخطأتك النائباتُ            إذا أصابت من تحبّ

الماضي الذي لا يمضي

لقد تغيّرت الدنيا والناس ولم يبقَ من الأحلام سوى الأقل. نشعر بالخيبة أحياناً حين نقلّب أمانينا وأحلامنا، فقد كانت أجمل وأكبر، وهكذا لم يبقَ سوى أن نستعين بالذاكرة وهي التي لا تفارقنا، بل تكاد تطوّقنا مثل سياج يحيط بنا من كل جانب، وكأننا في دائرة.

كلّما كنّا نلتقي: نوري ومهدي ومنيرة البياتي وسعد عبد الرزاق ومحمود البياتي وماجد عبد الرضا وموفق فتوحي وتيسير قبعة وبسام أبو شريف وصادق الشافعي وسالم المندلاوي وآخرين مجتمعين أو متفرّقين من شلّة أصدقاء أواخر الستينات وأوائل السبعينات وما بعدها نسارع دائماً لاستحضار الماضي وكأنه اليوم قد حدث  أو بالكاد بالأمس، وكنتُ قد استعدت مع السيد هاني فحص ذكرياته عن النجف لا باعتبارها ماضٍ، بل حاضر أكثره مستقبل، لأنه  لم يمضِ، وهو ما دوّنه بكتاب بالعنوان ذاته.

ودائماً ما كنتُ استفزّه بالقول "أخرج  النجف التي في داخلك"، وكنت بذلك أخاطب نفسي أيضاً، عن تلك المدينة التي ظلّت "توشوشني"، هكذا ظلّ الماضي يعيش فينا ولا يريد أن يمضي، إنه  حاضرٌ وحيٌّ في ذواتنا، خصوصاً حين يكون أكثر طهرية وصدقاً وعفوية؛ إنه ماضينا الذي لا يمضي، بل لا نريده أن يمضي.

بقي مهدي الحافظ على الرغم من جميع الخيبات والمرارات والآلام والخسائر التي حلّت به محافظاً على توازنه ورباطة جأشه، فما أن يرى أحد الرفاق والأصدقاء حتى يسارع إلى عناقه واحتضانه، وكان يمارس ذلك بعفوية وتلقائية ومحبّة، مع أن لديه الكثير إزاء بعض "الأعدقاء" على حدّ تعبير الشاعر وليد جمعة الذي نحت الكلمة في قصيدة له بالعنوان ذاته، حين يتحوّل الأصدقاء إلى أعداء وإنْ ظلّوا يرتدون جلباب الصداقة، فقد تحمّل مهدي الحافظ من هؤلاء إساءات كثيرة، بل بلا حدود.

وكان أحد "أعدقائه" كما أخبرني يوزّع شكوكه واتهاماته به يساراً ويميناً بسبب اختلاف الرأي والموقف، وخصوصاً بصدد الحرب العراقية - الإيرانية، لكن مهدي الحافظ وهو يعرف كل ذلك ظلّ يعامله  بكل ترحاب وبأريحية، بل ولهفة أحياناً لاعتبارات قديمة، وكان يفعل ذلك دون تكلّف وربما بشيء من الشفقة أو الرحمة، مشفوعة بنوع من التسامح والترفّع، في زمن تشوّهت فيه العلاقات الإنسانية وساد النفاق الاجتماعي وتفشّى التكاذب "والصداقة" المصلحية.

كان مهدي الحافظ بالرغم من فرحه الظاهري وابتسامته التلقائية حيث تلتمع عيناه، ينزف من الداخل، خصوصاً حين يشعر أن القيم القديمة أخذت تتآكل والأماني علاها الغبار وأصابها الصدأ . وحتى حين يحاول إيجاد تفسير لبعض تلك المواقف لا يفعل ذلك مع الحقد، بل كان يقصد إبقاء الذاكرة في دائرة الضوء وكي لا يلفّها النسيان، ويتجنّب دائماً إصدار الأحكام.

لم يكن مهدي الحافظ استعراضياً ولم يعرف كثيرون، لاسيّما من الساسة الجدد دوره الفعلي وكفاءاته ونضاله، فهو غالباً ما يحجم عن الكلام عن نفسه، وحين جاء عبداللطيف الشوّاف على ذكره في هامش مطوّل في كتابه "شخصيات نافذة" إعداد وتقديم الدكتور حمدي التكمجي، دار الورّاق للنشر، طبعة العام 2013،  استغرب كثيرون ممن كانوا يعتقدون أنه مجرد "موظف دولي" أو أحد " المترفين" أو "الارستقراطيين" الذين يستهويهم الحديث في السياسة، ولديه اطلاع على بعض قضايا العراق وتاريخه وليس ابن مدينة الشامية التي ولد فيها في العام 1937 وارتوى من " نهر الفرات الحزين".

وعلى ذكر "قضاء الشامية" فقد خصّها الانتداب البريطاني بصفة "لواء" بضمّها إلى مدينة النجف، ولذلك كان يُقال " لواء عموم الشامية والنجف" ومقرّه مدينة النجف، ويضم عدداً من الأقضية والنواحي وينتهي بالحدود العراقية - السعودية وكان يتبع  ذلك اللواء: الكوفة والعباسية والكفل وأبو صخير والمشخاب (الفيصلية أو السوارية) ونواحي غماس والمهناوية والصلاحية وغيرها، وكان الزعيم عبد الكريم قاسم قد عيّن معلماً في مدينة الشامية (مدرسة القحطانية) وقضى فيها عاماً دراسياً واحداً (1931-1932) قبل أن يلتحق بالجيش حسبما تقول بعض الروايات، وينتسب مهدي الحافظ (مهدي أحمد حافظ) إلى عشيرة آل دعيبل النجفية وكانت عائلته قد هاجرت من النجف إلى الشامية في مطلع القرن العشرين وعمل والده مختاراً لعدّة سنوات وأعقبه شقيقه موسى.

النشاط السياسي

كان مهدي الحافظ قد بدأ حياته السياسية عضواً في اتحاد الطلبة وقد اعتقل في العام 1954 إبان انتفاضة الفلاحين في الشامية مع عدنان عباس وصادق العطية وهديب الحاج حمود وحسن الحاج  ودّاي العطية وموجد الحاج حمود وآخرين، وكان يومها طالباً في المتوسطة، وتم نقله إلى غمّاس، وتوّلت هيئة الدفاع عن العدالة برئاسة المحامي توفيق منير الدفاع عنه (أسقطت الجنسية  عن توفيق منير إثر قيام حلف بغداد العام 1955 ونفي إلى تركيا، وعاد بعد ثورة 14 تموز/يوليو 1958 إلى العراق وكان أحد أبرز قيادات حركة السلم، ولكنه اعتقل وأعدم عام 1963 بعد الانقلاب الدموي). وبعدها انتمى مهدي الحافظ إلى الحزب الشيوعي في أواسط الخمسينات، وبعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 انتخب رئيساً لاتحاد الطلبة العام في المؤتمر الثالث (شباط/فبراير/1960).

وفي السبعينات من القرن الماضي كان مهدي الحافظ عضواً مؤثراً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وعمل في سكرتارية الجبهة الوطنية التقدمية مع حزب البعث العربي الاشتراكي 1973-1978 وبعدها تم تعيينه كوزير مفوض العام  1978 في السفارة العراقية في جنيف، ثم استقال العام 1980 حيث كان قد انصرف للعمل في المعهد الأفرو- آسيوي الذي تأسس حينها، ثم التحق بعمل جديد في الأمم المتحدة في فيينا (اليونيدو) ونسّب في أواخر التسعينات مديراً لفرعها الإقليمي في بيروت حتى تقاعده. وقد أسس في مطلع التسعينات الهيأة الاستشارية مع أديب الجادر وتولّى الأخير رئاستها وكان مهدي الحافظ أمينها العام، ونظمت أول اجتماع لها لمناقشة عراقية- عربية في فيينا عن نتائج حرب الخليج الثانية العام 1991، شارك فيها نخبة من المثقفين والاختصاصيين العراقيين والعرب، بينهم كاتب السطور.

انتقالة خارج السياق

ظلّ مهدي الحافظ حتى في ظلّ انتقالته السياسية الجديدة التي قد يكون فاجأ بها كثيرين يحمل همّاً كبيراً ورغبة حقيقية في الخدمة العامة والوظيفة الحكومية، وإذا ابتعدنا على بعض الاعتبارات الشخصية وإغراءات المواقع الرسمية،  فيمكنني القول إنه كان "حالماً" بإمكانية إحداث تغيير يضع البلاد على طريق الديمقراطية، وقد سبق لي أن اختلفت معه في إمكانية انجاز شيء يُذكر من تلك "الأحلام" التي هي أقرب إلى "الأوهام" منذ الأيام الأولى للاحتلال.

وأتذكّر حوارنا بعمان في فندق الفورسيزون Four Seasons وكان قد حدثني عن فظاظة بول بريمر مع أعضاء مجلس الحكم الانتقالي  والوزارة المنبثقة عنه  وتعامله معهم بخشونة واستخفاف كبيرين، فقلت له "استقلْ" وهذه فرصة لك، وتحمّل نتائج استقالتك، ففي ذلك تكون أقرب إلى نفسك وأردفت : لقد فقد جرّبتم وأخفقتم.

ولعلّ هذا الموقف المندفع نحو الوضع الجديد ما بعد الاحتلال  كان سبباً في الجفاء بينه وبين أديب الجادر الذي شعر بالخيبة والمرارة، فانسحب من المشهد واعتزل الحياة العامة (انظر مقالتنا: أديب الجادر - الحزين الذي لم تفارقه الابتسامة، صحيفة الزمان العراقية، الثلاثاء 18/2/2014)، في إطار ما سمّي بتجمّع الديمقراطيين المستقلين الذي تأسس في لندن عشية احتلال العراق، وترأسه عدنان الباججي، لكنه سرعان ما تبخّر أو ذاب كفصّ ملح في الماء سريعاً، وكانت العديد من التنظيمات قد أنشئت على عجالة عشيّة الاحتلال، ولم يكن بعضها بعيداً عن تشجيع بعض الدوائر الغربية والأمريكية.

وكنت قد حاورته بأن السبيل إلى الخدمة العامة ليس المشاركة أو الرفض والموالاة أو المعارضة، ففي بعض الأحيان وبغض النظر عن النظام السياسي، تتقدّم "شرعية الإنجاز" التي تسدّ جزءًا من النقص في شرعية النظام السياسي، طالما يحقّق بعض المكتسبات التي يستفيد منها الشعب، وبما أن هذه الأخيرة غير ممكنة التحقيق في ظل التقاسم الوظيفي ونظام المحاصصة الطائفي - الإثني، فهذا سيعني إن إمكانية التغيير ستبقى معوّمة بفعل غياب الحدّ الأدنى من شروط تحقّق وحدة الإرادة والعمل، ناهيك عن تشظّي وانشطار مؤسسات الدولة، لاسيّما بتطييفها وأثننتها.

ومع أنني كنت على خلاف شديد مع وجهة نظر مهدي الحافظ  بشأن محاولة الاستفادة من الظرف الجديد و"المشاركة" في العملية السياسية، لكنني احترمت اجتهاده واختياره وكلّما كنّا نلتقي  نواصل حوارنا وكأننا بدأنا الآن ولا يخلو ذلك من بعض النكت والقفشات، خصوصاً حين كان ينقل لي بعض ما يجري في المطبخ السياسي. وإذا كان لي من قول بشأن اجتهاده فإنه رغم  اختلال المشهد والتهافت من حوله و"القابلية على الاستتباع" لدى الغالبية الساحقة، من القوى والشخصيات الطامحة، باستعارة تعبير المفكر الجزائري مالك بن نبي "القابلية على الاستعمار" فإنه حاول تقديم  القول الصادق والفعل الملتزم والخلق الرفيع والنزاهة الشخصية والمعنوية، ولذلك بدا  مختلفاً، بل وغريباً عمّا هو سائد، لأنه في غير مكانه، خصوصاً وإن التلوث في البيئة السياسية العراقية انعكس على الجميع.

وكنتُ قد استمعت إلى شكوى عدد من المسؤولين والوزراء من الذين انخرطوا في مشروع ما بعد الاحتلال، سواء بزعم عدم الانعزال أم رغبة في التغيير من الداخل أم عدم وجود بديل عن هذا الخيار أم عدم القدرة على مواجهة المشروع الأمريكي. وأتذكّر أنني خاطبت أحدهم : بما كان يردّده الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول " ليس من حق وزير أن يشكو ... فلا أحد أجبره على أن يكون وزيراً".

وحسب قراءتي المتواضعة فإن الواقع كان مزدحماً بالكثير من الألغام النظرية والعملية، ابتداء من صيغة نيغروبونتي  - بول بريمر- زلماي خليل زاد، إلى دستور نوح فيلدمان وبيتر غالبريث، ناهيك عن الشحن الطائفي والإثني الذي يذكّر بعصر المداخن عقب الثورة الصناعية في أوروبا، حيث تتّجه جماهير غاضبة تملؤها الكراهية والحقد الذي تم تأجيجه بالصدور نحو أهداف ملتبسة وموهومة أحياناً تحت شعارات طائفية وإثنية بلا حدود.

مشتركنا  الطلابي- اليساري

كنت قد عرفت مهدي الحافظ قبل أن أتعرّف عليه، حين أصبح رئيساً لاتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية في أول انتخابات طلابية عامة بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وذلك في المؤتمر الثالث العام الذي ضمّ قوى سياسية متعدّدة (شباط/فبراير 1960)، لاسيّما من القوميين العرب والكرد والبعثيين والوطنيين الديمقراطيين، وإنْ كانت الغلبة والمواقع الرئيسية للشيوعيين، ولكنه سافر بعدها للدراسة في براغ وانقطعت أخباره.

وحين عاد سرًّا كانت النكبة قد حلّت بالحزب الشيوعي والتنظيم الطلابي المدعوم من جانبه إثر انقلاب شباط (فبراير) العام 1963، وجرت محاولات إعادة التنظيم ولحمة العلاقات، حيث بدأت الخيوط تلتقي وتتواصل وإنْ ببطء شديد وليس من دون إشكالات ومشاكل، خصوصاً بسبب الانتكاسة من جهة، ثم النكوص بعد خط آب (أغسطس) العام  1964 الذي عُرف بلغة تلك الأيام " اليميني التصفوي" وبعدها "الانقلاب السريع" في الخط السياسي العام 1965 من جهة أخرى.

ولعب مهدي الحافظ  بعد عودته  دوراً كبيراً في إعادة بناء شبكة الكادر الطلابي الذي حقّق خطوة مهمة بلقاء موسع (الكونفرنس الثاني الذي ضم ممثلين عن 11 كلية ومعهداً في بغداد) في تشرين الثاني/نوفمبر العام 1965 مع استمرار عمله في مجال العلاقات الوطنية مع : عامر عبدالله وحسين جواد الكمر.

وقد توّج العمل في الميدان الطلابي بنصر كبير حين استطاعت الحركة الطلابية فرض إجراء انتخابات مهنية عامة في ربيع العام 1967 إثر صدور قانون انتخابات تحت اسم "اتحاد طلبة الجامعة"، وكانت نتائجها  باهرة، بل ومفاجئة إلى حدود كبيرة حتى بالنسبة لنا، حيث فازت قوائم "اتحاد الطلبة العام" بنسبة 76 من المقاعد الانتخابية وحصلت على أكثر من 80% من الأصوات في جامعة بغداد.

أما جامعة البصرة فقد فاز اتحاد الطلبة  بالمقاعد الانتخابية بنسبة 100% في حين حصل في جامعة الموصل على أكثر من 60% من المقاعد الانتخابية ونحو 75% من أصوات الناخبين، ولم يكن ذلك بمعزل عن ضغوطات رافقتها واعتداءات صاحبتها بما فيها تكسير بعض الصناديق الانتخابية، علماً بأنه تم إلغاء الانتخابات بعد يوم واحد من إعلان النتائج.

وكتبت بعض الصحف الصادرة آنذاك تبريراً لإلغاء النتائج تقول: "أن القوى الشعوبية الحاقدة عادت ترفع رأسها من جديد". وكانت "جريدة المنار" قد كتبت افتتاحية شديدة اللهجة علّقت فيها على نتائج الانتخابات الطلابية تحت عنوان "جرس الخطر يدقّ في سماء العراق"، وهكذا يمكن القول إن الانتخابات الطلابية كانت معركة وطنية كبرى بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى.

وحين حصل الانشطار في الحزب الشيوعي في 17 أيلول (سبتمبر) 1967 لم يكن مهدي الحافظ مع هذا التوجّه، ومثلما كان العديد منّا ضد خط آب (أغسطس) العام 1964 الذي وُصِفَ بأنه "يميني وذيلي" بلغة تلك الأيام، لكنه في الوقت نفسه كان ضد التوجه المتياسر الذي اتبعته القيادة المركزية بإدارة عزيز الحاج من جهة أخرى.

ثلاث خصال

ثلاث صفات أستطيع أن أدونها عن مهدي الحافظ بكل أريحية ودون أن أخشى من الممالئة أو الوقوع في المبالغة، وهي تلمستها حين تعرّفت عليه عن قرب طيلة خمسة عقود من الزمان وتوثقت علاقتي به مع مرور الأيام وشهدت علاقتنا تحدّيات كثيرة في ظروف وأوضاع مختلفة، فقد عملت في إدارة المنظمة الحزبية التي كان يتولى الحافظ مسؤوليتها لنحو 3 سنوات ويتناوب عليها آرا خاجادور، وكثيراً ما اختلفتُ معه، ولكن ذلك لم يفسد في الود قضية كما يُقال.

كما عملت بصحبته وإلى جانبه في إطار قيادة العمل الطلابي في الخارج لنحو ثلاث سنوات أيضاً، وحضّرنا سويّة مع آخرين لاجتماع موسّع لمنظمات الخارج في برلين الغربية العام 1972، حيث كنت رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين في تشيكوسلوفاكيا في الوقت نفسه، ونظّمنا مهرجاناً واسعاً في مدينة براتسلافا (سلوفاكيا) هو الأول في حينها وأصبح تقليداً سنوياً، ثم عملت معه في هيئة حزبية واحدة لمدة زادت على ثلاث سنوات، ولاسيّما حين شكّلنا حركة المنبر الشيوعي، وكنّا باتصال مستمر ودائم طيلة فترة الثمانينات والتسعينات أيضاً واستمر هذا حتى  بعد انتقالي إلى لندن وانتقاله إلى بيروت .

وكان مهدي الحافظ قد أُبعد عن إدارة الحزب منذ أواخر السبعينات واتخذ اجتماع اللجنة المركزية في العام 1980 قراراً بإعفائه ونوري عبد الرزاق من عضويتها، وحاولت مع عزيز محمد الأمين العام السابق للحزب  إعادة الصلة شبه المقطوعة وتلطيف الأجواء بينه وبين الحافظ، ونظّمت لهما لقاءً بعد جفوة كبيرة في دمشق في ربيع العام 1981 ولقاءً آخر بعده في خريفه، لكن الأمور كانت تسير بالاتجاه المعاكس بسرعة كبيرة، وخصوصاً بعد تطورات الحرب العراقية- الإيرانية، ولم أكن بعيداً عنها، وهو ما عبّرت عنه علناً بالكتابة أو النشاط أو المشاركة في الحملة العربية والدولية، وكان ذلك سبباً أساسياً في الاختلاف الذي حصل بين شبكة الكادر وعدد من المسؤولين في إدارة الحزب وبين الشق الثاني من الإدارات الحزبية، الذي كان موقفه أقرب إلى قيادة الحركة الكردية، لاسيّما برفع شعار " إسقاط الدكتاتورية وإنهاء الحرب" في حين كانت المجموعة المعترضة قد ركّزت على إنهاء الحرب كمهمة عاجلة وأساسية والإتيان بنظام ديمقراطي باعتباره تحصيل حاصل.

أما عن صفاته فهي:

الأولى - شجاعته فقد  كان شجاعاً وغير هيّاب في قول الرأي. وأحتفظ بالعديد من الأمثلة، ولربّما كان رأيه سبباً في سوء علاقته مع ألمانيا الديمقراطية وكذلك مع السوفييت، الذين لم يرغبوا في تجديد موقعه سكرتيراً عاماً لاتحاد الطلاب العالمي، ولم تتّضح تفاصيل تلك الطبخة عشية المؤتمر العاشر إلّا بعد مجيء نوري عبد الرزاق من بغداد، حيث أبلغه المسؤول السوفييتي ساشا بحقيقة الأمر، وأكّد هذا الأخير ترشيحهم لفتحي الفضل من السودان سكرتيراً عاماً للاتحاد بدلاً من مهدي الحافظ.

ولا أستبعد ثمة تأثير من جانب الدولة العراقية التي كان الألمان والسوفييت يراعون مصالحهم في العلاقة معهما، حتى وإن كان الأمر على حساب الحزب الشيوعي أو أحد كوادره  البارزة، وثمة أمر آخر حصل خلال انعقاد المؤتمر العاشر، ألا وهو حضور شخص غريب قال إن دعوة وجهت له من السكرتير العام لاتحاد الطلاب العالمي (المقصود مهدي الحافظ)، وقد أخبرني ناظم الجواهري الذي شارك في الوفد مع خليل الجزائري وعدنان الجلبي وكاتب السطور بأن الأجهزة الأمنية التشيكية قد استدعته للاستفسار عن هويّة الشخص الغريب الذي حضر المؤتمر، ولكن معظم الأسئلة كما قال كانت تدور حول مهدي الحافظ، وهي لعبة طالما تثيرها بعض الأجهزة الأمنية والمخابراتية لإثارة نوع من الشكوك بشأن بعض الشخصيات التي لا تتواءم معها أو لا تنفذ رغباتها أو رغبات "الأخ الأكبر" حسب رواية جورج أورويل.

الثانية- اجتهاده، فقد كان مجتهداً وله رأي خاص يحاول أن يستنبطه في ضوء ما هو قائم من أوضاع، وهو وإن يراعي "التوازنات" والحسابات الخاصة أحياناً وهو ما أصبح  أكثر ميلاً له في السنوات الأخيرة للحفاظ على المواقع، لكنه بشكل عام كان له رأي خاص طالما ظلّ يدافع عنه، سواء إزاء بعض الاندفاعات أيام الجبهة الوطنية والاضطرار بعدها إلى تقديم تنازلات لا مبرّر لها، أم في نقده للموقف الرسمي للحزب الشيوعي من الحرب العراقية- الإيرانية  أم من بعض القضايا العربية، وكانت الدعاية الحزبية قد روّجت ضدّه عدداً من الاتهامات بينها تفسير بعض مواقفه بالتأثّر بمواقف قيادة حزب البعث، كما تم تسريب ذلك إلى صحيفة السياسة الكويتية بُعيد انعقاد المؤتمر الرابع (تشرين الثاني/نوفمبر/1985) والذي عكس التباعد والانقسام بين رؤيتين داخل الحزب الشيوعي.

والثالثة -  كرمه وسخاءه، فقد كان معطاءً وبيته مفتوحاً ويده ممدودة وقد سبق لي أن قلت إن كل كريم شجاع وهما صفتان متلازمتان، وكان كثيراً ما يضغط على نفسه لكي يوفّر ما يريد الأصدقاء، وظلّ يستضيفنا في بيته، سواء في براغ أم في فيينا ويحاول أن يعمل كل ما يسعدنا ويوفّر لنا الإقامة الطيبة وسبل الراحة وهو ما كان يفعله مع العديد من الأصدقاء في بغداد أيضاً.وإذا كنت قد جئت على بعض الأمثلة لإضاءة هذه المسألة بالنسبة لمن لا يعرفه، إلّا أن الكثير من الأصدقاء يعرفون ذلك ويشهدون له.

وهذه الصفات أصيلة لدى مهدي الحافظ ولذلك ظلّت لصيقة به، سواء في أوقات الضيق أم الرهاوة، بل وفي كل الأوقات، ولم يفقد بوصلته في هذه الميادين الثلاثة التي تمثّل جوهر شخصيته ذات الطابع المرح بقدر استقامتها وذات الأريحية والانفتاح بقدر نزاهتها ومرونتها وعدم تشدّدها.

مؤتمر كراكوف

أتذكّر أنني حين زرت براغ في طريقي إلى مدينة كراكوف (بولونيا) للمشاركة في الاجتماعات التحضيرية للذكرى المئوية لميلاد فلاديمير أليتش  لينين العام 1969 استقبلني مهدي الحافظ في المطار، وكنتُ قد كتبت له برقية من دمشق أبلغه فيها بقدومي وضرورة أن يتم ترتيب أمور الفيزا خارج جواز السفر، وذكرت له السبب لاحقاً بأن قراراً قد صدر حينها بمنع  السفر إلى أوروبا  إلّا بموافقات خاصة في ذلك العام.

وزرت براغ وكراكوف ووارشو ثم عدت إلى براغ ومنها إلى بغداد عن طريق بيروت ومنها زرت الشام وعدت إلى بيروت قبل توجهي إلى بغداد، وكان مهدي الحافظ قد أرسل معي حقائب تعود إلى نوري عبد الرزاق، بعد أن كان نوري قد عاد إلى بغداد ليستقر فيها حيث حلّ مهدي الحافظ محلّه في سكرتارية اتحاد الطلاب العالمي. وحين وصلت  بغداد اتصلت بنوري  وزرته في بيته بالكرادة وأعطيته الحقائب المُرسلة من مهدي الحافظ، وتناقشنا حول موضوع الانتخابات الطلابية.

وكان ذلك بمثابة استكمال لمناقشتي مع مهدي الحافظ، وخصوصاً حول مستقبل العمل الطلابي والشبابي في ظل الأوضاع الجديدة والمتغيّرات على الساحة السياسية بوصول حزب البعث إلى السلطة وعمله في المنظمات المهنية من موقعه الرسمي. وكان هذا النقاش قد ثار في صفوفنا، خصوصاً بعد عدم توصّلنا إلى اتفاق مع الاتحاد الوطني لطلبة العراق لعقد صيغة تحالف أو جبهة طلابية أو تعاون أو تنسيق، في حين كان الاتحاد الوطني يريد منّا الاندماج في تنظيم واحد والمقصود بذلك ذوباننا في ما هو سائد.

وكان وفدنا مؤلفاً من لؤي أبو التمن وكاتب السطور، ومن جانب الاتحاد الوطني كريم الملّا ومحمد دبدب، وكان يحضر في اجتماعاتنا بشكل مستمر "حسن المطير" الذي  أُعطي اسماً مستعاراً " فيصل" وكان الجميع ينادونه بهذا الاسم وعرفنا لاحقاً  أن "الملازم فيصل" في قصر النهاية هو المقصود بحسن المطير الذي كان يعمل برفقة ناظم كزار مدير الأمن العام، وأعدم معه في الحركة الانقلابية ضد البكر - صدام يوم30 حزيران (يونيو) 1973.

وقد تعرّفنا على حقيقته من الوفد الكردي المفاوض معنا والذي كان يمثل مجموعة (المكتب السياسي- جلال الطالباني) حيث ضمّ الوفد طيب محمد طيب ( أعيد إلى وزارة الخارجية بعد الاحتلال، وعيّن سفيراً في أرمينيا) وفاضل ملّا محمود رسول (انتقل من الحركة الكردية إلى القيادة المركزية للحزب الشيوعي ومنها بعد الثورة الإيرانية إلى التيار الإسلامي، وقتل مع عبد الرحمن قاسملو في فيينا حين كان يقوم بمهمة الوساطة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والحركة الكردية الإيرانية / الحزب الديمقراطي الكردي العام 1989)، كما كان يحضر عن القوميين العرب صباح عدّاي (عضو اللجنة المركزية للحركة الاشتراكية العربية، توفّي مؤخراً). وقد رويت تفاصيل حوارنا مع الاتحاد الوطني في أكثر من مناسبة، وورد ذلك أيضاً في تفصيلات ذكرتها في كرّاس أصدرته في العام 1983 في بشتاشان (كردستان العراق) بعنوان "لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق".

مهدي الحافظ والاتحاد الوطني

كان الاتحاد الوطني لطلبة العراق متشدّداً ضد مهدي الحافظ ويعتبر وجوده سكرتيراً عاماً لاتحاد الطلاب العالمي، سبباً في المواقف السلبية من بعض المنظمات الطلابية المنضوية تحت لواء الاتحاد المذكور ضده، وذلك بفعل الحملات التي تم تنظيمها في الخارج حيث كان مهدي الحافظ في قيادة لجنة تنظيم الخارج للحزب الشيوعي. وحين قرّر الاتحاد الوطني بُعيد الانتخابات الطلابية العام  1969 وإثر عقد أول مؤتمر له بعد 17 تموز (يوليو) العام 1968 منح عضويات شرف لقادة الحركة الطلابية، بمن فيهم من الأطراف الأخرى، استثنى منّا مهدي الحافظ، وحاز على عضوية الشرف حينها كل من : نوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا ولؤي أبو التمن وكاتب السطور لدورهم التاريخي في الحركة الطلابية ومنح الاتحاد 20 شخصية محسوبة على حزب البعث و4 شخصيات محسوبة على الحركة الكردية عضويات شرف أيضاً، وكانت جريدة النور "الكردية" قد نشرتها والصحافة المحلية وقامت بتعميمها أجهزة الإعلام الرسمية.

وبالعودة إلى العلاقة مع الاتحاد الوطني فقد كان مهدي الحافظ قد استمع لي وأنا استعرض علاقاتنا الوطنية وبالتحديد مفاوضاتنا مع الاتحاد الوطني عشية الانتخابات والاحتمالات المتوقّعة وتناقشنا طويلاً حول مهماتنا في خارج العراق وما يمكن أن تلعبه قوانا لدعم تحرّكنا في الداخل. وفي واحدة من المناقشات حضر معنا عيسى العزاوي أحد قيادات الحركة الطلابية في الأربعينات (المهندس الشيوعي العتيق وكان يعمل حينها مترجماً في مجلة قضايا السلم والاشتراكية).

واستكملت الحوار بعد عودتي إلى بغداد مع  نوري عبد الرزاق  الذي طرح عليّ تساؤلات عديدة وفي غاية الذكاء والأهمية، وكان بعضها قد طرحته على نفسي: ما الذي يمكن عمله بعد أن وصلت مسألة التحالف مع الاتحاد الوطني إلى طريق مسدود؟ وهل تَشدّدنا أكثر من اللازم أم أن الاتحاد الوطني قطع علينا الطريق ببعض المطالب التعجيزية ؟

وكنت منذ عقود من الزمان قد أجريت مراجعة انتقادية بهذا الشأن بما لنا وهو كثير وما علينا وهو غير قليل: فإذا كانت استراتيجيتنا ترجّح التعاون فكان عليها تقديم بعض التنازلات وإذا كانت استراتيجيتنا ليست معنية حقيقة بالتحالف ولا تريد التوصل إلى ما هو مشترك، فعلينا التصلّب في الموقف، وكان هذا هو رأي نوري عبد الرزاق الذي بلوره بشكل واضح وطرحه عليّ على صيغة تساؤلات، وأرى الآن أن ثمة تخبّط بين هذا وذاك وظلّ الاجتهاد الشخصي والتقدير لأهمية التحالف من عدمه هو الذي يحدّد الموقف، لاسيّما بغياب استراتيجية واضحة.

تحالفات قلقة

وإذا كان لي أن أشير إلى تجارب التحالف الأولى، فقد تمكّنا من الاتفاق مع قيادة حزب البعث  في إطار "الجمعية العراقية للعلوم السياسية" التي  كنت أترأس وفدها للحوار مع حزب البعث والتي انضوت لاحقاً في إطار "جمعية الحقوقيين العراقيين"، ثم عادت واستقلّت في وقت لاحق. وعلى الرغم من صعوبة المفاوضات لاسيّما مع حامد الجبوري ولاحقاً مع محمد محجوب، إلّا أن الذي رجّح قيام مثل هذا التحالف، هو الموقف الإيجابي من القيادي البعثي صديقي زهير يحيى المرشح للقيادة القطرية في المؤتمر القطري الثامن في العام 1974 والذي توفي في ظروف غامضة في وقت لاحق، وسبق لي وأن ذكرته في أكثر من موقع ولأكثر من مناسبة فقد كان مهذباً ومتواضعاً ومثقفاً ومخلصاً حقيقياً للتحالف، وكانت علاقتي به قد توثقت قبل 17 تموز (يوليو) 1968  بنحو سنتين وفيها الكثير من الخصوصيات والأسرار. ولا أريد أن أنسى الدور الإيجابي أيضاً للصديق مجبل السامرائي (الذي أعيد إلى وزارة الخارجية بعد الاحتلال وأصبح سفيراً للعراق في فنلندا قبل إحالته على التقاعد).

ولم يكن ما تحقّق بمعزل عن مرونة من جانبنا أيضاً وكنت في هذه القضية أنسّق مع ماجد عبد الرضا، ولكنه على الرغم من النجاح الذي تحقّق إلّا أن عدداً من الفائزين في الانتخابات تمت ملاحقتهم واعتقل بعضهم، ولاسيّما من القوميين، الأمر الذي وضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى مثل تلك التفاهمات التي حسبما  يبدو طارئة وظرفية، بل لا تعدو أحياناً أن تكون تكتيكية بغياب الثقة اللازمة والمتبادلة بين السلطة ومعارضتها، وأستطيع أن أضيف الآن إن ثمة تعارض كان بين التوجّه السياسي لعدد من القيادات وبين الدوافع الأمنية ومركز القوة الذي أخذ يهيمن بالتدريج على كل شيء، وكثيراً ما كانت هناك تعارضات بين ما يقوم به ناظم كزار و"جهاز حنين" و"العلاقات العامة" " النواة لجهاز المخابرات"وكانت بإشراف صدام حسين، وبين توجّهات العديد من قيادات البعث وكوادره، وهو التناقض الذي طالما يحصل في الأنظمة الشمولية، حيث يتم إخضاع كل شيء لضرورات  الأمن وتمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات لا حدود لها في الكثير من الأحيان، بحيث تتغوّل على الدولة والحزب.

مأزق الاحتواء والطريق المسدود

أما بشأن الموقف الطلابي، فان حزب البعث تشدّد في موضوع الاسم والرئاسة والأغلبية والتمثيل الخارجي، وإن خفّف موقفه من المسألة الأخيرة لاحقاً لمصاعب عملية، مؤجلاً بحثها لحين آخر، ولكن نحن من الجهة الأخرى لم تكن لدينا المرونة المطلوبة، أو بالأحرى الوضوح الكافي للحدّ الذي نريد الوصول إليه من التحالف، ناهيك عن الثقة الكافية بسبب تجارب عديدة، فباستثناء الاسم حيث كان الرأي حاسماً بشأنه فإن الأمور الأخرى كانت قابلة للنقاش، لكن فريق الاتحاد الوطني المفاوض لنا أصرّ على قيام تنظيم واحد بحجة "وحدة الحركة الطلابية"، ولم يكن ذلك يعني سوى الانضواء تحت لواء " الاتحاد الوطني" وكان مجرد طرحه إحراج لنا، بل انتقاص من كرامتنا ولم أكن مقتنعاً به شخصياً، وهو ما أبلغت إدارة الحزب برفضه بالكامل.

وكنّا اقترحنا اسماً وسطاً " الاتحاد العام لطلبة العراق" وكان هذا الاسم قد ورد  بالقانون رقم 97 لسنة 1969، واعتبرنا هذا الاسم  يعبّر عن الطرفين، ولكننا من جهة أخرى طرحنا موضوع المساواة في توزيع المقاعد بحيث يكون عدد مقاعدنا بقدر المقاعد التي يحصل عليها الاتحاد الوطني في المكتب التنفيذي والأمانة العامة، وبالمقابل لا بدّ من مساواة عدد ما يأخذه القوميون الكرد، بما يأخذه القوميون العرب. وفيما يتعلّق الأمر بالرئاسة فهي إمّا دورية أو يتم تداول الرئاسة والأمانة العامة بينهم وبيننا، وبالطبع فتلك صيغة ليست مقبولة أو حتى ممكنة في ظلّ توازن القوى السائد، خصوصاً وكنّا قد توصلنا إلى اتفاق بشأن 80% من الأهداف النقابية المشتركة، وقد سبق وأن قدمت قراءة نقدية لموقفنا في وقت لاحق.

لكن ما عاظم التباعد وشدّد الحملة ضدنا وسرّع في  اتخاذ إجراءات "عقابية" وملاحقات هو عدم اعترافنا بشرعية الانتخابات ونزاهتها والنتائج التي تمخضت عنها، حيث نظّمنا حملة عالمية وعربية بدعم من اتحاد الطلاب العالمي الذي كان مهدي الحافظ ممثلنا فيه.

وحضر وفد من اتحاد  الطلاب العالمي كلجنة لتقصي الحقائق والتقينا به في بغداد  حميد برتو وأنا، وكان الوفد يضمّ كجمن من ألمانيا الديمقراطية (نائب السكرتير العام) وفتحي الفضل من السودان (نائب الرئيس) وأصبح لاحقاً سكرتيراً عاماً لاتحاد الطلاب العالمي خلفاً لمهدي الحافظ في مؤتمر براتسلافا (المؤتمر العاشر) الذي انعقد في يناير /كانون الثاني من العام 1971، وكان اجتماع اللجنة التنفيذية قد انعقد قبل ذلك بنحو أسبوع، وشاركت بالاجتماعين، وكنت قد وصلت من القاهرة، حيث شاركت بمؤتمر بمناسبة ميلاد الزعيم جمال عبد الناصر (بعد وفاته بنحو أربعة أشهر - 15 كانون الثاني /يناير /1971 حيث نُظم في جامعة القاهرة ) وقدّمت بحثاً بعنوان: عبد الناصر وحركة التحرّر العربي (نشرناه في نشرة لجنة التنسيق التي كنّا نصدرها خارج الوطن).

في بغداد نظمنا لوفد IUS (اتحاد الطلاب العالمي) اجتماعاً مع سكرتارية اتحاد الطلبة (انعقد في بيت خاص في بغداد الجديدة) وحضر اللقاء على ما أتذكّر: لؤي أبو التمن، حميد برتو، محمد النهر، ناظم الجواهري، سعدي السعيد، فائز عبد الرزاق الصكَر وصبحي مبارك ولم تتمكّن رابحة الناشئ  من الحضور، وكانت قد حلّت محل الرفيقة رقيّة الخطيب في سكرتارية الاتحاد والأخيرة تزوجت من عزيز حميد الذي استشهد في العام 1970 في قصر النهاية، وهو شيوعي قديم عمل في فترة سلام عادل  مسؤولاً عن محلية العمارة في 1954.

وكان قد حصل تداول في المسؤولية خلال السنوات الثلاث الأخيرة من عمل اتحاد الطلبة وإن بقي بعضهم في المسؤولية أو عاد إليها بطلب خاص من إدارة الحزب كما حصل مع لؤي أبو التمن وكاتب السطور، فقد شملت التغييرات غياب : حسن أسد وصلاح زنكنة ويوسف مجيد وطه صفوك وسعد الطائي وهادي صالح الكليباوي ونوزاد شاويس وحميد برتو وآخرين واقتصر الحضور على الأعضاء الفعليين في مكتب السكرتارية في الانتخابات التي أجريناها في الكونفرنس الرابع الذي انعقد في جزيرة " أم الخنازير" ببغداد بتاريخ  10/10/1969، وكنّا ننسق حينها مع ماجد عبد الرضا من إدارة الحزب وصاحب الحكيم المسؤول الحزبي حينها، أي عشية الانتخابات الطلابية العامة والتي اتخذنا قراراً بشأن المشاركة فيها سواءً عبر التحالف مع الاتحاد الوطني، وهو ما كنّا نأمل تحقيقه على الرغم من الصعوبات والعقبات والاشتراطات، وإنْ فشلنا في الوصول إلى ذلك، فيمكن أن نرشّح لوحدنا أو مع بعض القوى القريبة منّا مهما صغُر حجمها. وكان المؤتمر الرابع قد انعقد في جديدة الشط " الراشدية" ببغداد في 28 كانون الأول /ديسمبر العام 1968 في بساتين صفوك الجبوري، وكان التنسيق حينها مع د. كاظم حبيب من مكتب لجنة بغداد.

والتقى وفد اتحاد الطلاب العالمي بممثلين عن القائمة المهنية الديمقراطية التي ضمّت ممثلين عنّا وعن القوميين (الحركة الاشتراكية)  واستمع إلى شهادات حيّة من بعض الذين تعرضوا للأذى أو الاعتقال أو الاحتجاز خلال الانتخابات. وعلى الرغم من تأييد وفد اتحاد الطلاب العالمي لمواقفنا واقتناعه بوجهات نظرنا وتأكيده في الاجتماعات العديدة واللقاءات الثنائية على أن الانتخابات حسب المعطيات التي عرضناها "غير شرعية" وشابها الكثير من العيوب التي أثرت على نتائجها، لكن كجمن الألماني غيّر رأيه لاحقاً وكتب تقريراً ممالئاً للاتحاد الوطني لطلبة العراق، بناء على طلب من السفارة الألمانية في بغداد وبتوجيه من القيادة الحزبية للحزب الاشتراكي الألماني الموحّد، حيث كان العراق أول دولة اعترفت بجمهورية ألمانيا الديمقراطية من خارج الكتلة الاشتراكية وأقامت علاقات دبلوماسية معها وجرى تبادل التمثيل الدبلوماسي بصفة "سفير".

وبعد أن توثقت علاقتي بكجمن في الخارج من خلال مساهمتي في عدد من المؤتمرات والاجتماعات الدولية سألته عن سبب تغيير موقفه فأجاب " كما تعلم إنني حزبي ولا بدّ أن ألتزم بقرارات "القيادة" التي كان رأيها هو تقديم الأهم على المهم " حسبما قال، "والأهم هو العلاقات الثنائية بين البلدين"، أما تفاصيل تتعلق بانتخابات مهنية، فلا يمكن مقارنتها بالعلاقات المختلفة والمتنوّعة بين البلدين.

مهدي الحافظ في سكرتارية الجبهة الوطنية

خلال وجود مهدي الحافظ في براغ لمهمته المهنية حاول الدراسة في مدرسة الاقتصاد العليا، وهي مدرسة تخرج الكادر الحكومي والحزبي المتقدم، وتعتبر من المدارس الاقتصادية المتقدمة في العالم بعد كلية لندن للاقتصاد (London School of Economics) في  بريطانيا والكليات الاقتصادية الشهيرة في الهند وبولونيا، ولكن بسبب قبول أحد الطلاب ممن لم ينهِ دراسته الثانوية سحبت الحكومة العراقية الاعتراف بها، وقد حاولنا عبر بيانات وإيضاحات تقديم ما يعزّز الثقة بالمدرسة الاقتصادية العليا حتى أعيد الاعتراف بها، وكنت قد حضرت مناقشة مهدي الحافظ ودفاعه عن أطروحته، وأتذكر أن  هشام البعّاج الذي كان يدرس في المدرسة ذاتها حضر أيضاً، كما حضر حميد برتو وآخرين الاحتفالية التي أقيمت بعدها، وكان ذلك في العام 1973، وعاد مهدي الحافظ إلى بغداد حيث كان قد انتدب إلى العمل في سكرتارية الجبهة الوطنية، واستمر في إلقاء بعض المحاضرات في الجامعة المستنصرية، وأساس وظيفته كان في وزارة النفط.

وكان الحافظ قد تخرّج من كلية التربية في بغداد- قسم الكيمياء، ودرس من العام 1961 ولغاية العام 1964 في مدرسة الإعداد الحزبي في براغ مع عزيز الحاج وماجد عبد الرضا وخلال زياراته المتكررة إلى براغ كنت ألتقيه في كل مرّة، سواء مع نعيم حداد أم مع آخرين في إطار مجلس السلم العالمي بصحبة عزيز شريف ونوري عبد الرزاق وآخرين، وسبق أن رويت في إحدى المرّات عن مناقشة بين الجواهري وعزيز شريف في فندق الانتركونتيننتال، وذلك في كتابي " الجواهري- جدل الشعر والحياة" دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997، وط2 دار الآداب 2008.

خلال عمله في سكرتارية الجبهة لم يتردد مهدي الحافظ في تبنّي الكثير من القضايا المتعلقة بحياة الناس، وأتذكّر أنني كتبت له بخصوص قضية هادي راضي الذي أعيد من براغ بقرار حزبي بيروقراطي خاطئ لتتسلّمه الأجهزة الأمنية، وقد بذل ما في وسعه ليس لإطلاق سراحه فحسب، بل لاستحصال جواز سفر له بعد عدّة أشهر ليعود إلى براغ، وحين عدت إلى بغداد كان مهدي الحافظ قد أبعد من سكرتارية الجبهة بقرار من إدارة الحزب، ونسّب إلى مكتب العمل الآيديولوجي، والتقيت به عدة مرّات وأخبرته بأنني سأذهب إلى أداء الخدمة الإلزامية وبقينا على اتصال، ثم أخبرني بأنه سيغادر إلى الخارج وقد تطول إقامته، وعرفت إنه نسّب إلى العمل في السفارة العراقية في جنيف.

تواصل جديد من دمشق

وحين وصلت إلى دمشق في تموز /يوليو العام 1980، اتصلت به تلفونياً وأعطيته عنواني وتواصلت معه بالمراسلة، وجاء إلى دمشق والتقينا وشعرت إن قرار إبعاده ترك لديه حزناً شديداً، لاسيّما ما صاحب ذلك من محاولات للإساءة، ساهم فيها بعض "أعدقائه"، وقد تردّت صحته واضطر لإجراء عملية جراحية لقرحة نازفة في المعدة.

والتقينا في دمشق وبيروت مثلما التقينا لاحقاً في القاهرة وبراغ وفيينا وبغداد عدّة مرّات وكنت أشعر في كل مرّة إن ثمة تراكم حاصل في علاقته مع الحزب، وحاولت من جانبي تخفيفه، ولكن تباعد المواقف، ولاسيّما إزاء التطورات السريعة، لم يجعل أي منّا بعيداً عن التأثّر بها، ولاسيّما الموقف من الحرب العراقية - الإيرانية، وكنت قد أصدرت كرّاساً بعنوان " النزاع العراقي - الإيراني" في مطلع العام 1981 وكتبت قبل ذلك عدّة مقالات حول الموضوع لقيت ارتياحاً لديه، وأثّرت وجهات نظر غير تقليدية بخصوص الموقف من حقوق العراق المشروعة، خارج قرار اللجوء للحرب الذي كان خطأ بكل المعايير، لكن المطالبة بالحقوق ونقد اتفاقية 6 آذار  (مارس) 1975 وهو ثابت ينبغي التمسك به شيء،  في حين أن اللجوء إلى الحرب شيء آخر، وكان هذا موقفي ذاته حيث كتبت رسالة إلى المكتب السياسي(1975) أوضح فيها رأيي المستند إلى قواعد القانون الدولي والمنسجم مع المصلحة الوطنية العليا في حينها، وكانت الرسالة تتألف من 13 صفحة، وكانت إدارة الحزب قد عبّرت عن تأييدها غير المبرّر لاتفاقية 6 آذار/مارس 1975 المجحفة وغير المتكافئة.

*****

اللجنة الوطنية العراقية للسلم

حين كلّفتُ بإعادة تأسيس اللجنة الوطنية العراقية للسلم وليس المجلس الوطني للسلم والتضامن (وهي التسمية الرسمية التي احتفظت بها بغداد حيث بقي عزيز شريف رئيساً لها) تحرّكتُ على القوى السياسية والشخصيات الوطنية، وفاتحت بعض القوميين للانضمام، فوافق هاشم علي محسن ومحمد الحبوبي ومن البعثيين فاضل الأنصاري وباقر ياسين، ومن الأكراد مسعود البارزاني وآخرين واقترحت ثلاثة أسماء جديدة هي: الجواهري ومحمود صبري وعلي الشوك. كما اقترحت الإبقاء على جميع الأعضاء السابقين من طرفنا وهم : نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ ورحيم عجينة وبشرى برتو وعامر عبدالله ونزيهة الدليمي وكريم أحمد وصفاء الحافظ، وأرسلت القائمة الجديدة إلى الرفيق باقر ابراهيم الذي كلّفني بالمهمة باسم المكتب السياسي  والتي استغرقت بضعة أسابيع لإنجازها وإجراء اتصالات بالشخصيات الجديدة، فأعادها لي وكان قد وضع اسمي من ضمن القائمة بقلمه وبخط يده، مؤشراً أن هذا قرار المكتب السياسي.

وكان أولى مهمات اللجنة السفر إلى عدن لحضور المؤتمر الدولي لمجلس السلم العالمي، وكان الوفد برئاسة عامر عبدالله وعضوية د. نزيهة الدليمي وكاتب السطور، والتقينا بشاندرا رئيس مجلس السلم وبعلي ناصر محمد الرئيس اليمني وشرحنا لهما كل على انفراد وللوفود الأخرى ظروف عملنا وما أصاب المجلس القديم من تصدّع وعرضنا عليهم التشكيلة الجديدة شارحين لهم التعددية الفكرية والتنوّع السياسي الذي تحتويه ودون أن نطلب منهم شيئاً محدداً فيما يتعلق بالتركيبة الرسمية، والأكثر من ذلك قلنا لشاندرا: أننا لم ننتخب رئيساً لنا لأننا نعتبر عزيز شريف رئيسنا جميعاً حتى وإن بقي رسمياً مع " مجلس بغداد". وقد حصل احتكاك بين عامر عبدالله ود. عصام عبد علي الذي ترأس الوفد الحكومي بسبب الموقف من الحرب العراقية- الإيرانية.

وبعد التحاقي بقوات الأنصار وخلال عودتي للعلاج عرفت بأنه تم تنحيتي من اللجنة المذكورة التي عملت على إعادة تأسيسها وكنت منسقاً لأعمالها لسبب رئيس أنني وضعت فيها اسمي مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق، وكان ذلك جزءًا من الصراع الفكري الذي اتخذ أبعاداً إقصائية وإلغائية مختلفة، لا يتّسع المجال لذكرها.

بعد أن تعرّض موقعنا للهجوم من جانب الاتحاد الوطني الكردستاني، في أحداث بشتاشان الإجرامية 1983ومقتل نحو 60 رفيقاً وما بعدها من تداعيات خلال عبورنا جبل قنديل الرحيب، الذي يبلغ ارتفاعه 7800 قدم والمكسو بالثلوج طيلة أيام السنة باستثناء شهري تموز /يوليو وآب/أغسطس، وصلنا إلى إيران حيث تقرّر ذهابي إلى العلاج وهو قرار سابق للجنة الطبية ووصلت  إلى طهران بعد معاناة شديدة لا يتسع المجال لذكرها. ومن هناك كتبت إلى مهدي الحافظ، وعرفت أنه كان دائم الاستفسار عني، خصوصاً وثمة أخبار عن إبادة من كان في موقع الإعلام المركزي قد تم تناقلها، حيث كنت مستشاراً لفصيل الإعلام المركزي وسكرتيراً للمنظمة الحزبية، وفي الموقع ذاته، كانت الإذاعة والجريدة ونشرة "مناضل الحزب" التي كنّا نصدرها باسم المكتب الآيديولوجي المركزي ومسؤوليات أخرى.

تطورات الحرب العراقية- الإيرانية والافتراق مع إدارة الحزب

كانت وجهات نظر العديد من الرفاق قد أخذت تتبلور وتنضج بشأن الحرب العراقية - الإيرانية، خصوصاً بعد انسحاب الجيش العراقي من الأراضي الإيرانية، وذلك بعد معركة خرمشهر (المحمّرة) 1982، وكنت ممن بادر بالكتابة عن الحرب وتطوراتها كراساً وعدّة أبحاث ودراسات، وشعرت إن  موقفي أصبح أكثر بُعداً من إدارة الحزب، بل أصبح أكثر عمقاً وحسماً وشمولاً بعد دخول الجيش الإيراني للأراضي العراقية، عبر عملية عسكرية في منطقة حاج عمران العام 1982، وكنت قد كتبت إن الحرب لم تعد عدوانية هجومية من الجانب العراقي ووطنية دفاعية من الجانب الإيراني، بل إن تغيير المواقع يفرض اعتبار استمرار "الحرب عدوانية من الطرفين" ولا تخدم سوى الإمبريالية والصهيونية، ولابدّ من وقفها فوراً والجلوس إلى طاولة المفاوضات.

وحين انتقلت الحرب إلى الأراضي العراقية أعلنت عن رفضي للمشروع الحربي والسياسي الإيراني، واعتبرت الحرب عدوانية هجومية من الجانب الإيراني في العام 1982 ودفاعية وطنية من الجانب العراقي، لذلك دعوت إلى الدفاع عن الوطن وعن الاستقلال الوطني وهو الموقف الذي بلورناه لاحقاً، دون أن يؤثر ذلك على دعوتنا لقيام حكم ديمقراطي ينهي الدكتاتورية ويشيع الحريات الديمقراطية ويقرّ بالتعددية والتنوّع ويتمتّع فيه الشعب الكردي بحقوقه ويعيد المهجرين العراقيين ويلغي القوانين الاستثنائية ويسنّ دستور جديد للبلاد ويجري انتخابات برلمانية حرّة، ويعيد العراق إلى موقعه الصحيح.

محطة المؤتمر الرابع للحزب

كانت محطة المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي (1985) نقطة انعطاف في العلاقة بين توجهين، وانعكس ذلك على صعيد الثقافة والمثقفين، حيث أصدرنا نداءً وقعه 75 مثقفاً ومثقفة وقرّرنا العمل المشترك بالتعاون مع عامر عبدالله وباقر ابراهيم ومجموعة من الرفاق الذين تم تنحيتهم بينهم حسين سلطان وعدنان عباس وماجد عبد الرضا وعشرات الكوادر الشيوعية، إضافة إلى حلقة من الأصدقاء داخل التنظيم وخارجه من الذين كانوا يتعاطفون معنا.

وحين أُبلغ ماجد عبد الرضا بفصله من الحزب وقطع مخصصه، بما فيه علاج ابنته الراقدة في المستشفى وهي من ذوي الاحتياجات الخاصة، بادرنا مهدي الحافظ وكاتب السطور للاتصال بالدكتور جورج حبش لتأمين مخصصات أو إيجاد عمل لماجد، وساهم تيسير قبعة بتعيينه في "مجلة الهدف" التي كان رئيس تحريرها بعد بسام أبو شريف صديقنا "صابر محي الدين" وقرّر الحكيم حبش بعد العودة من سفره تخصيص أعلى راتب له وتقديم المساعدات لرفاقنا من ضحايا الاستبداد الحزبي .

وقدّم لنا تيسير قبعة كما أشرت في مداخلتي الموسومة "غيمة فضيّة في فضاء الذاكرة" والمنشورة في صحيفة الزمان على حلقتين بتاريخ 29/6/ و2/7/2016، العديد من المساعدات المادية والمعنوية، خصوصاً تأمين فرص عمل والحصول على جوازات سفر وتأشيرات دخول لبعض الدول الاشتراكية وغيرها.

كيف أسّسنا حركة المنبر؟

لم تنشأ الحركة الاعتراضية المسمّاة بالمنبر دفعة واحدة، فقد بدت أقرب إلى  الارهاصات والتململات التي شهدها الحزب الشيوعي، ولاسيّما بعد انفراط عقد الجبهة الوطنية مع حزب البعث في العام 1978 وما بعدها، وقد تفاعلت فيها ظروف المنفى وهجرة معظم قيادات الحزب وأعداد واسعة من كوادره وجمهور عريض من أعضائه، وخصوصاً من المثقفين.

وساهم في إشعال فتيل الصراع على نحو شديد الموقف من الحرب العراقية – الإيرانية وقضايا التحالفات وأساليب الكفاح، إضافة إلى مسائل فكرية مزمنة وعقد وحساسيات متراكمة ومشكلات يومية تتعلق بالبيروقراطية الحزبية التي رفعت من درجة حرارة الصراع التنظيمي والفكري وبدأت تتقارب بعض وجهات النظر لعدد غير قليل من الشيوعيين، وخاصة بعد الحرب العراقية - الإيرانية وفصولها المأساوية.

وإذا كان ثمة نوع من الانسجام والتقارب بين موقف كتلة المنبر الشيوعية وبين قيادة الحزب الرسمية، من إدانة الحرب باعتبارها لا تخدم سوى الامبريالية والصهيونية وتحميل المسؤولية الأساسية للنظام العراقي في شنّها واختراقه للحدود الدولية وتوغّله داخل إيران، فإن هناك اختلافات أخذت تتصاعد بشأن المشروع الحربي والسياسي الإيراني، لاسيّما بعد انتقال الحرب إلى  الأراضي العراقية، وخصوصاً في تموز (يوليو) العام 1982.

وفي مشروع الوثيقة التقويمية الأولى التي صدرت عن مجموعة من القيادات والكوادر الشيوعية والموسومة " من وحي اليوبيل الذهبي الخمسيني للحزب الشيوعي العراقي: حديث صريح في الهموم والآمال" وكان د. مهدي الحافظ قد كتبها بعد مداولات ومشاورات ومراسلات، في العام 1984 وأرسلها لي لإبداء ملاحظاتي بشأنها، وكان رأيي ضرورة النشر العلني على أوسع نطاق لتطوير الصراع الفكري من جهة والتنبيه إلى المخاطر التي تهدد العراق من جهة أخرى، حيث جاءت الإشارات واضحة إلى إدانة الخطط الحربية والسياسية الإيرانية الرامية إلى  فرض "بديل إسلامي" خارج حق تقرير المصير للشعب العراقي في اختيار نظام الحكم الذي يريده، والذي يسعى إليه، ناهيكم عن الأهداف الإيرانية الأخرى، لاسيّما بتصدير الثورة، وصدرت الوثيقة بتوقيع عدد من قادة وكوادر الحزب الشيوعي العراقي في 15/11/1984 وهم "نواة حركة المنبر".

وكانت المنبر قد نشرت هذه الوثيقة في وقت لاحق (كانون الأول/ ديسمبر/1987) بعنوان " معالم الأزمة في حزبنا الشيوعي العراقي"  وتعريفاً بالمنشورات وباسم هيئة تحرير المنبر أوضحت: أن المنبر تنشر مجموعة من الوثائق والدراسات التي تعالج جوانب الاختلاف الأساسية مع القيادة الرسمية، وتعكس وجهة نظر المعارضة الحزبية المتّسعة ضد النهج البيروقراطي، سواءً ما يتعلق بإطارها الفكري أو السياسي أو التنظيمي ... وهي تسعى لتقديم مساهمة في تقييم التجربة النضالية.

وعبّرت حركة المنبر عن نفسها بوضوح أكبر عندما أكّدت: أنها تتوخّى تقديم رؤيتها الجديدة للعملية الثورية التي تواجه الحركة الشيوعية والعمّالية العالمية بما ينسجم مع التطورات والمتغيّرات التي أفرزتها الحياة، سواء على الصعيد العراقي أم القومي أم الإقليمي أم الأممي، وهي بذلك تدخل حلبة الصراع المحتدم منذ سنوات، كتيار شيوعي متميّز، يسعى من خلال الحوار والجدل وإثارة النقاش إلى  خلق رؤية جديدة متطورة " وكان لي شرف كتابة المقدمة باسم هيئة التحرير والتوطئة للكرّاس في العام 1987.

ووردت في تقديم المنشورات والتوطئة تعريفات مهمة عن جوانب الصراع الحزبي، لاسيّما إزاء برنامج وسياسة القيادة الرسمية ومعالم الأزمة في الحزب ورأي المنبر بسبل حلّها والموقف منها، إضافة إلى  القضية الوطنية العراقية والاختلالات الخطيرة في المعايير الآيديولوجية والسياسية، فضلاً عن غياب الديمقراطية وتجميد النظام الداخلي عملياً، وبروز ظاهرة البيروقراطية والفردية والتسلّط... وتعطيل المبادئ التنظيمية السليمة في حياة الحزب الداخلية وابتداع أساليب وأشكال غريبة لتكريس النهج الانعزالي التصفوي المصحوب بـ "الجملة الثورية" والمتعكّز على أكثر الشعارات " يسارية" ورنيناً ولكنها الأكثر بُعداً عن الواقع وما تتطلّبه الحياة.

وقد انفجر الخلاف على نحو حاد عشية المؤتمر الرابع للحزب، وخصوصاً في العام 1984 وما بعده، وكانت عبارة عزيز محمد الأمين العام للحزب قد تم تداولها وذاع صيتها حين ردّد في المؤتمر وعشيته: اجتمعنا ليلغي نصفنا النصف الآخر، حيث كان نهج التفريط قد ساد، لدرجة أن أحد أعضاء اللجنة المركزية وهو ما تمت الإشارة إليه في إحدى أعداد جريدة المنبر قد قال: لا يهم إذا أبقينا 10% من أعضاء الحزب، لا سيّما إذا كانوا مطيعين، وهو أفضل من 90% مشاغبين حيث تم تفجير الموقف بالكامل بإجراءات تمهيدية لاستبعاد أعداد من كوادر وقادة الحزب من الحضور، بل فصل العديد منهم أو تم إبعادهم عن مواقع المسؤولية وعزلهم وتهميشهم.

وللاحاطة بنشاط حركة المنبر الذي كان مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا وعبد الحسين شعبان من أبرز العاملين فيه يمكن الاعتماد على 3 مصادر أساسية.

المصدر الأول: وثيقة معالم الأزمة في حزبنا الشيوعي العراقي التي كتبها د. مهدي الحافظ في العام 1984 وتمت الإشارة إليها وقدّم لها كاتب السطور حين تم طبعها بكراس العام 1987.

والمصدر الثاني: وثيقة نشرت في "مجلة الغد" اللندنية وهي مقابلة أجرتها مجلة الغد اللندنية التي يرأس تحريرها الدكتور ابراهيم علاوي الأمين العام في حزب القيادة المركزية بعد عزيز الحاج، ونشرت في عددها رقم 21، تشرين الأول (اكتوبر) 1987، وقد نشرت مرّة أخرى في كتاب عبد الحسين شعبان – الصوت والصدى، من إعداد كاظم الموسوي  وجاء في هامشها ما يلي: صاغ نص الإجابات د.عبد الحسين شعبان، واطّلع عليها د.مهدي الحافظ وأبدى عليها بعض الملاحظات البسيطة، وأخذها كاتب النص بنظر الاعتبار، ووافق عليها نوري عبد الرزاق، الذي قدمها باسم المنبر إلى  مجلة الغد.

أما المصدر الثالث فهو عشرة أعداد من جريدة المنبر وعدد من البيانات والكراريس التي أصدرتها الحركة و المقصود بأعداد المنبر هي من العدد صفر الذي صدر في فيينا  وهو عدد تجريبي (تحرير وإعداد د. مهدي الحافظ ) أما الأعداد المتبقيّة فقد صدرت بإشراف وتحرير د. عبد الحسين شعبان في بيروت، وصدر عدد واحد منها في براغ، أما العدد الأخير فقد صدر في لندن،  وقد امتدّت للفترة بين 1987-1990.

إرهاصات التأسيس

كنت مدعوّاً إلى بلغاريا من جانب وزارة الثقافة، وقد اضطررت للمكوث فيها لفترة أطول من الضيافة، حيث دخلت فيها المستشفى لمدة أربعة أسابيع، وكنتُ حينها مكلفاً من جانب "مجموعة الشام"، وخصوصاً عامر عبدالله وباقر ابراهيم (اللذان شرعا بكتابة مذكرات احتجاجية أوصلاها إلى السوفييت تعكس جوانب من الصراع الداخلي في الحزب الشيوعي)، للاتصال بحسين سلطان من جهة وبمهدي الحافظ من جهة أخرى، وتم تأمين اللقاء مع " أبو علي" الذي كان متحمّساً لإعلان موقف، وأطلعته على مسوّدة الوثيقة التي كتبتها بتكليف من عامر وباقر حول أزمة الحزب وسبل الخروج منها والمعالجات التي اقترحتها والأسباب التي دفعتنا للافتراق عن القيادة، وأبدى تأييداً لها، ثم اتفقت مع الحافظ للقاء، واقترحت عليه بدلاً من براغ أن يكون المكان في براتسلافا، لكي لا يتم رصد حركتنا، وهو ما حصل، ومن هناك تحدثنا مع نوري عبد الرزاق بالتلفون، وكان متفقاً مع الحافظ على اتخاذ مثل هذه الخطوة الضرورية، أي إبراز صوت المعارضة الحزبية العلنية، وقال أنها لأول مرّة يتم اللجوء إلى وسائل علنية للتعبير عن وجهة نظر المعارضة الحزبية، واتفقنا على تحديد موعد لاجتماع يضم نخبة من الكوادر والقيادات (بين 20-25 رفيقا)، بل حدّدنا بعض الأسماء المشتركة.

وفي بلغاريا تم اجتذاب عناصر التنظيم الذين كان بعضهم على صلة بـ "أبو علي"، أما في براغ، فكان الجو مهيئاً، وحصل الأمر كذلك مع تنظيم هنغاريا أيضاً بوجود د. علي حنوش، حيث كان لدينا بحدود 10 رفاق في كل بلد من هذه البلدان. والأهم من ذلك هو توثيق صلتنا مع بعض الرفاق في كردستان، إضافة إلى اليمن والجزائر وليبيا، حيث قمت بزيارات خاصة لها، باستثمار بعض الندوات والاجتماعات العربية التي كنت أدعى لها بصفتي الأكاديمية، إضافة إلى دعم من منظمة التحرير الفلسطينية .

وللأمانة فقد قدمت لنا م.ت.ف دعماً مادياً، لكنه رمزياً، إذْ أن الدعم المعنوي والتفهم لموقفنا الوطني كان هو الأهم، وكان لدينا مراسلات مع ياسر عرفات "أبو عمّار" وسبق لنوري عبد الرزاق أن التقاه لهذا الغرض، كما قدّم لنا العديد من أطراف حركة التحرر في سوريا ولبنان مساعدات معنوية، وأودّ هنا أن أشيد بمجموعة الجبهة الشعبية (البحرين) بقيادة عبد الرحمن النعيمي " سعيد سيف" (الذي عاد إلى البحرين وأسس "وعد") ومجموعة جريدة الحقيقة "رابطة الشغيلة" بقيادة زاهرالخطيب وناصر قنديل وحميدي العبدالله،  إضافة إلى قيادات الجبهة الشعبية (جورج حبش وتيسير قبعة) والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين (نايف حواتمة وقيس السامرائي) وجبهة النضال الشعبي (خالد عبد المجيد ومحمد عادل) وفتح بشقيها (في براغ السفير سميح عبد الفتاح، وفي الشام عبد الهادي النشاش) وعاطف أبو بكر بصفته الشخصية والصداقية.

وحين عدت إلى دمشق فوجئت بشيء من التردد  بل والتغيير في موقف باقر وعامر فقد أبديا بعض المحاذير بشأن اتخاذ موقف معارض معلن وأكّدا أنهما يفضلان البقاء في إطار ما هو قائم على الرغم من تنحيتهما واعتراضاتهما على الخط السياسي لاحقاً، وأبديا تحفظاً حول العمل في إطار مستقل وقال الرفيق باقر "أريد أن أبقى شيوعياً"، قاطعاً الطريق على عمل مشترك يعبّر بصورة علنية عن المعارضة الحزبية، وكانت تلك إحدى المفارقات، لكنه استمر في موقفه المتحفظ هذا إلى حين تم فصله في العام 1989 فبدأ بالكتابة والنشر والعلاقات على نطاق أوسع.

وكان ماجد عبد الرضا قد فصل فاندفع باتجاه الإعلان، وبعد مداولات مع مهدي تقرّر أن نجتمع 6 رفاق فقط هم : أحمد كريم، نوري عبد الرزاق، مهدي الحافظ، خالد السلام، ماجد عبد الرضا وعبد الحسين شعبان، وأطلق بعض إدارات التنظيم الرسمي على هذا  التجمع "حزب الدكاترة " لوجود  4 منهم يحملون شهادة الدكتوراه، وكأن الشهادة الأكاديمية سبّة أو منقصة.

وخلال عملنا عقدنا اجتماعين موسعين، حضر في الأول نحو 16 رفيقاً وفي الثاني على ما أتذكر نحو 22 رفيقاً، وكان العديد من طلبات الانتساب والانضمام والائتلاف قد وصلتنا من مجاميع حزبية غير قليلة، ابتداء من بهاء الدين نوري الذي أجرينا معه مباحثات، إلى منظمات وتجمعات كانت قد اتخذت مواقف مقاربة من موقفنا، لكننا توخّينا الدقة وحرصنا على تماسك مجموعتنا، ولكنها  للأسف هي الأخرى تصدّعت، ولاسيّما بعد غزو الكويت العام 1990، فانسحب الرفيق ماجد  عبد الرضا وقرر العودة إلى العراق على مسؤوليته الشخصية.

واجتمعنا نوري عبد الرزاق وكاتب السطور وأخذنا رأي مهدي الحافظ تلفونياً،  وأصدرنا تعميماً اعتبرنا فيه مسألة العودة شخصية، وليست باسم حركة المنبر، وبسبب التطورات الحاصلة لاحقاً إلتقينا في القاهرة (مهدي ونوري وكاتب السطور) وقرّرنا الإبقاء على علاقاتنا "الرفاقية" والكتابة إلى الرفاق لإبلاغهم "وقف العمل" في المنبر لاستنفاذ أغراضه كما قال مهدي، واتفقنا على المحافظة على علاقاتنا الصداقية بالأساس لتقديم نموذج رفاقي من نوع جديد يمتاز بالتسامح واحترام الاجتهادات دون تخوين أو اتهام، علماً بأن رأيين كانا قد سادا في داخلنا:

الأول- مثّله ماجد عبد الرضا: حين اعتبر الفرصة مواتية للعودة للعراق وكان صبره قد نفذ، خصوصاً بانقطاع مخصصه من منظمة التحرير الفلسطينية بعد غزو الكويت والضغوط التي تعرّض لها، إضافة إلى انهيار النظام الاشتراكي في تشيكوسلوفاكيا واحتمال عدم تمديد جواز سفره الخاص الممنوح له من اليمن الديمقراطية وقال بالحرف الواحد: إذا لم تقرّروا  العودة سأعود لوحدي وأتحمل نتائج عودتي.

وبالمناسبة فقد ساد مثل هذا الرأي لدى العديد من الأطراف الكردية، فقد شكّلت "الجبهة الكردستانية" وفداً برئاسة محمود عثمان ووصل إلى براغ وطلب من السفير الفلسطيني (سميح عبد الفتاح - أبو هشام) التوسط لفتح حوار مع بغداد وقد التقيت به في منزل السفير الفلسطيني، وقام الأخير بتسهيل مهمة الوفد عبر السفير الفلسطيني في تونس الطيب عبد الرحيم  وانتظر الوفد في تونس أكثر من أسبوعين على أمل أن تنجح تدخلات ياسر عرفات أبو عمّار في فتح حوار مع الحكومة العراقية ولكن دون جدوى.

وكانت الجبهة الكردستانية تعتقد أن بغداد ضعيفة وهي بحاجة إلى حلفاء داخليين وإنه يمكنها الحصول على بعض التنازلات منها، ولا بأس حتى وإنْ قدّمت هي تنازلات بخصوص الموقف تداخلات غزو الكويت، ولكن الجواب السلبي للحكومة العراقية " يمكن العودة كمواطنين صالحين" وعدم إبداء أي استعداد لاستقبال وفد للتفاوض، قطع الطريق على مثل تلك المحاولة، الأمر الذي دفع الجبهة الكردستانية لاتخاذ موقف متشدّد ضد بغداد، على الرغم من عودتها لفتح باب المفاوضات بعد فشل الانتفاضة في ربيع العام 1991، وتلك حكاية أخرى.

والثاني- مثّله نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وعبد الحسين شعبان والغالبية الساحقة من الرفاق والأصدقاء الذين عوّلوا على إثارة النقاش العلني وتشجيع الصراع الفكري، مؤكدين أن السلطة لم تتراجع فلم تقدّم ما يمكن الاطمئنان إلى إمكانية إجراء تغيير في نهجها المعادي للديمقراطية على الرغم من كل ما حصل من نكبات وويلات وحروب وفشلت جميع مساعينا في نصحها أو محاولة إجبارها على التراجع، بل إن تقديراتنا ومعلوماتنا كانت تشير إلى  إن الوضع ازداد سوءًا، ووصل الغرور والعجرفة إلى مديات كبيرة لا يمكن بأي شكل من الأشكال التفكير بإعادة الأمور إلى ظروف ما قبل العام 1978،خصوصاً وإن النظام كان قد تورّط في مغامرة غزو الكويت (2 آب/أغسطس 1990). وكان مع هذا التوجه إلى حد ما عامر عبدالله وباقر ابراهيم وعدنان عباس وآرا خاجادور فيما بعد وعشرات من الكوادر الحزبية، علماً بأن رفاقاً آخرين من المجاميع الشيوعية المختلفة  بمن فيهم من التنظيم الرسمي عادت إلى العراق وإنْ كان العدد محدوداً جداً.

صحيفة المنبر

كان مهدي الحافظ أحد عناصر الحركة الأساسيين، وكان يتابع معي إصدار المنبر التي كُلّفت بالإشراف عليها وعلى تحريرها وطبعها، خصوصاً وإن حركة الاحتجاج كانت تتّسع، ويمكن رصد أبرز الشخصيات فيها : زكي خيري، عامر عبدالله، باقر ابراهيم، حسين سلطان، عدنان عباس، مهدي الحافظ، نوري عبد الرزاق، ناصر عبود، عبد الوهاب طاهر، ماجد عبد الرضا، خالد السلام، أحمد كريم، محمود البياتي، علي عبد الرزاق، عبد اللطيف الراوي، علي حنوش، محمود عبد الكريم، كاظم الموسوي، محمد جواد فارس، ساهرة القرغولي، فاطمة محمد تقي، رحيمة السلطاني، محمد السعدي، جهاد كاظم، عباس عبيدش، خليل الجزائري، عبد الباقي شنّان،كمال جعفر،عصام الحافظ الزند، ليث حميد، ضياء خوجه نعمة، علي عرمش شوكت، صلاح مهدي، طلال شاكر، موسى السيد، فاضل الربيعي، جمعة الحلفي، خيرالله سعيد، عبد الحسين شعبان، إضافة إلى عشرات الرفاق الذين لم تحضرني أسماؤهم، مع وجود رفاق غير قليلين داخل التنظيم وقسم منهم لا يزال يعمل فيه، بل احتلّ مواقع قيادية، واستوعبت جريدة المنبر أقلاماً أدبية وفنية وثقافية كبيرة ومتميّزة وامتدت من المنافي البعيدة وحتى كردستان وتسربت إلى داخل الوطن. وكنّا نرسل بعض الأعداد المحدودة بواسطة تنظيم فلسطيني، كما كان لها نافذة عربية ودولية مهمة وعلاقات متشعبة.

مهدي الحافظ ومتفرقات العلاقة

أربع قضايا يمكن أن أستحضرها مع مهدي الحافظ على الرغم من تناقضاتها، ولكل منها وفي كل مرحلة دلالات قد تكون مختلفة :

الأولى- اجتماع كوادر تنظيمات الخارج (في فندق الحزب الشيوعي التشيكي القديم) لمناقشة مشروع ميثاق العمل الوطني الذي طرحه حزب البعث أواخر العام 1971 واحتمال قيام الجبهة حين تساءلت: هل أن السوفييت يريدون عقد الجبهة الوطنية أم أن قيادة الحزب مقتنعة بذلك؟ ثم ما هي الضمانات للحريّات والديمقراطية؟ عندها قامت الدنيا ولم تقعد وبعد أخذ الاستراحة جاءني حميد بخش (أبو زكي) وطلب منّي تقديم اعتذار في بداية الجلسة التالية، لأن الأمر جد خطير والكثير من الرفاق أبدى امتعاضه (لأن حديثي كما قال فيه تعريض بالسوفييت) حاولت أن أناقشه، لكن الأمر كان بلا جدوى، وطلبت الكلام عند بداية الجلسة اللاحقة، ولكنني بدل "الاعتذار" ثبّت رأيي الأول وزدت عليه من خلال التوضيح، بأن هذا الموقف عرضه أحد أعضاء المكتب السياسي في اجتماع رسمي كنت أحضره، وكنت قد ناقشت الرفيق بوجهة نظري لضمان استمرار أي تحالف  لا بدّ من توفّر عنصري الثقة والحريات، إضافة إلى الحق في النقد، وقلت إن ذلك من مسؤوليتنا ونحن أعرف بظروفنا ولا بدّ من وضع ذلك في سلّم أولوياتنا .

جدير بالذكر أن مهدي الحافظ لم ينبس ببنت شفة واعتبر وجهات نظري رأياً يُحترم، سواء اختلفنا أم اتفقنا معه (علماً بأن مثل هذا الرأي كان يعتبر من الكبائر لدى البعض آنذاك).

وكان الاجتماع قد ضمَ: صفاء الحافظ وسعيد اسطيفان وجوهر شاويس وهناء أدور وحميد بخش وسهيلة السعدي وخليل الجزائري وكريم حسين وخالد السلام وحميد برتو ونوزاد نوري وعبد الحسين شعبان ومهدي الحافظ الذي كان قد أصبح عضواً في اللجنة المركزية وهو ما دوّنته في كتابي "المثقف وفقه الأزمة" الصادر عن دار بيسان، بيروت، 2016.

الثانية كتب مهدي الحافظ مداخلة في مجلة اليسار العربي 1983 التي كان يصدرها من باريس ميشيل كامل ( الحزب الشيوعي المصري) وعدد من الشخصيات اليسارية المصرية، وهي تعقيب في إحدى الندوات على بحث مقدّم، وكان يعبّر بذلك عن وجهة نظر نقدية في الحديث عن أزمة اليسار العربي وبالدرجة الأساسية أزمة قيادته وبرامجه وعلاقته بالجمهور، وأتذكّر أنني كنت قد اطلعت على المقالة - المداخلة، بعد وصولي إلى الشام قادماً من كردستان لغرض العلاج، وكان قد نبّهني إليها أبو خيام "الحافظ" نفسه ووجدت فيها مادة أولية صالحة لإجراء حوار حول قضايا اليسار ومشكلاته وإشكالاته.

وكان مثل هذا الرأي يلقى تطيّراً من إدارة الحزب التي كانت ومعها قيادات شيوعية ويسارية عراقية وعربية تنفي بمكابرة وجود أزمة في حركة اليسار التي هي جزء من حركة التحرّر العربي التي تمثلها أنظمة " صديقة"، فضلاً عن ذلك إنها جزء من الحركة اليسارية  والعمالية والشيوعية العالمية، الأمر الذي يعني أن الأزمة أبعد من ذلك، ويختصر هذا الرأي  الإشكالية المزمنة والمعتّقة بشأن الأزمة إلى مجرد صعوبات أو متاعب تواجهها حركة اليسار، وربّما هي صعوبات عارضة وليست جوهرية.

وكان أن جرى نقاش محموم حول المقالة التي لم يتم مناقشتها، بقدر انتقاد كاتبها والتعريض به، وحانت فرصة لأحد الرفاق ليسألني إن كنت قد قرأت المقالة، فأجبت نعم، فقال إنها فرصة لترّد عليها وتفنّد ما ورد فيها، فقلت أرى أن المقالة معقولة وفيها وجهات نظر قابلة لإجراء حوار بخصوص مشكلات وإشكالات يعاني منها اليسار، فأزاد وهل ستذهب لدحض آراء الحافظ؟

ضحكت وقلت له: إن رأيي هو أبعد مما ذهب إليه مهدي الحافظ لأنني أعتبر الأزمة بنيوية وعضوية، ولا يمكن حلّها دون اتخاذ تدابير وإجراءات حازمة وإعادة النظر بالمناهج والسياسات وأسس التنظيم ذاته، فالأزمة مركّبة ومتشابكة فكرياً وسياسياً وتنظيمياً، خصوصاً وقد جرى تحنيط الماركسية وتحويلها إلى مجرد مقولات أقرب إلى الأدعية والتعاويذ يتم تردادها في مواقع غير مناسبة وفي أزمنة مختلفة، في حين أننا نهمل المنهج ونتمسك ببعض النصوص، ونحاول أن نكيّفها على أوضاعنا وفي ظروف غير التي جاءت فيها، الأمر الذي أحدث انفصاماً بيننا وبين الواقع.

وإذا كان منهج ماركس صحيحاً فإن علينا استنباط الأحكام الخاصة بنا، لا تكرار استنتاجات قال بها ماركس أو لينين أو غيرهما، لأنها قيلت في زمان غير زماننا وبعضها حتى لو كان صحيحاً، لكنه لا يصلح لبلداننا، ناهيك عن أن الحياة أثبتت خطاً الكثير منها، فما قاله هؤلاء الرواد المبدعين من استناجات يصلح لعصرهم، أما عصرنا حيث الثورة العلمية - التقنية والآفاق التي فتحتها والتي تنتظر أن تفتحها، فإنها تحتاج إلى استنتاجات أخرى تتناسب مع روح العصر ونبض المجتمع .

وبدلاً من مناقشة آراء الحافظ ووجهة النظر هذه، قال  محدثي في نوع من التخابث: لا تدع العلاقات الشخصية والارتياحات الصداقية تطغى على مواقفك من القضايا المبدئية، ولعلّ من الظواهر السائدة في العلاقات الحزبية هو النظر إلى الصداقة على نحو فيه الكثير من الانتقاص أو حتى الازدراء، فالكثير من "أدعياء المبدئية" اكتشفوا بعد عقود من الزمان أن ليس لهم " أصدقاء"، وقد اعترف أحد الشيوعيين المخضرمين الذي أمضى في الحزب ستة عقود من الزمان إنه كان بلا صديق وأخذ يكتشف الناس والبشر والمجتمع خارج منظار الحزب أو عدسة إدارته، لاسيّما بعد أن أعفي من مواقعه، وهو ما تلمسته لدى العديد منهم الأمر الذي عاظم من شعوري بالعطف على هؤلاء لدرجة الشفقة أحياناً، فالصداقة قيمة عليا  وكنز ثمين، علماً بأن الكنز لا يكون صديقاً على الدوام، ولكن الصديق يكون كنزاً في كل الأحوال، كما يقول المثل الروسي .

القضية الثالثة هي العمل في ميدان حقوق الإنسان، فقد كان مهدي سبّاقاً حين حضر المؤتمر التأسيسي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليماسول (قبرص) العام 1983، وقام بتأسيس فرع لها في فيينا وعقد سلسلة من المؤتمرات والاجتماعات، تسنّى لي حضور بعضها، وأصدر بعضها في كراريس، لكن المنظمة هي الأخرى كانت تعاني من أزمة، وانفجر الصراع في الرباط العام 1997 بعد أن قدّم أديب الجادر رئيس المنظمة استقالته من على منصّة المؤتمر والتي أحدثت ضجة وخلقت بلبلة.

وبعدها انتخب د. علي أومليل رئيساً وهو الآخر قدّم استقالته بعد بضعة أشهر والأسباب هي ذاتها ولاسيّما محاولة الاستئثار بالقرار والتحكّم بمسار المنظمة، وبعد جدل ونقاش واسعين بدأ خارج المؤتمر وانتقل إلى داخله، وبهدف إيجاد تسوية لإخراج موحد، تقرّر أن يرشح من العراق اثنين، مهدي الحافظ وكاتب السطور، وأتذكّر جيداً أنني قلت لمهدي الحافظ: أنا أفضل ألّا أرشح، ليبقى عن العراق شخص واحد، وحين يتم انتخابك يمكن أن ترشحني حسب ما يجيز النظام الأساسي كي لا يحصل الاستغناء عن أحدنا وأعرف أنه كان محسوباً على أديب الجادر وغيابه سيؤثر عليه، لكنه أصرّ على أن الاتفاق حصل لانتخاب اثنين.

وحين جرت الانتخابات لم يحصل مهدي على النسبة المطلوبة من الأصوات حيث تمت الإطاحة به، وكانت تلك صدمة لمهدي الحافظ الذي لم يتوقّع ذلك، في حين أنني كنت أعرف الأجواء والمطبخ الذي يتم فيه ذلك، وقد حذّرته منه، وكان أكثر ما يؤلم الحافظ هو محاولة الغدر والخديعة والطعن من الخلف، وقد سبق له في مؤتمر المنظمة العام 1993 في القاهرة أن شعر باستمالة الجهات المتنفذة ترشيح آخرين ضده، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

وبعد أن انفجر الصراع داخل المنظمة نقلتُ النقاش والتساؤلات حول مستقبل الحركة الحقوقية العربية إلى جريدة الحياة اللندنية (1998) بشأن مشكلاتها وإشكالياتها التي تعمّقت خلال السنوات المنصرمة، كما تم توسيعه في مجلة الضمير التي كنّا نصدرها في لندن فلم تعد القضية شأن داخلي، بل أصبحت قضية "رأي عام"، لكن تلك التجربة تركت مرارة جديدة لدى مهدي  الحافظ.

القضية الرابعة هي الاتفاقية العراقية- الأمريكية واتفاقية الإطار الاستراتيجي،  وكان مركز كارينجي قد وجّه الدعوة لنخبة من المثقفين والسياسيين والاختصاصيين بينهم على ما أتذكر : فالح الفيّاض ومهدي الحافظ ورائد فهمي وهشام داوود، وممثلين عن الكرد والشبك ومجموعة طارق الهاشمي وعدد آخر، وفاجأني مهدي بأنه كان أول المتحدثين حين طلب تمديد أو تجديد الاتفاقية أو توقيع اتفاقية جديدة على غرار الاتفاقية الأمنية التي كان مفعولها ينتهي في أواخر العام 2011، وبرّر ذلك إن غياب الأمريكان سيعني إطلاق يد إيران وقدّم ورقة مكتوبة (صفحة واحدة)، ودارت مواقف الآخرين في ذلك الفلك ولم تكن بعيدة عنه.

أما موقف الفيّاض فقال: باسم دولة القانون في حينها نحن لسنا مع أو ضد، بل ننتظر فيما إذا كانت الأغلبية تريد تمديد أو تجديد الاتفاقية فسنأخذ بهذا الرأي أو على العكس إذا لم تكن الأغلبية مقتنعة فسوف نقف إلى جانبها وندعو لانسحاب القوات الأمريكية والأجنبية من العراق.

وأتذكّر إن  الشخصية الكردية الأكاديمية أبدت تحفظات منهجية حول قانونية الاتفاقية وشروط انعقادها، ويومها سألني الحافظ بحنق من يمثّل صاحبنا: أوك أم حدك؟ فقلت له ممازحاً إنه من جماعة "المنبر" وضحكنا بعد ذلك، وكنت قد قدمت مطالعة هي خلاصة لكتابين كنت قد أصدرتهما لتبيان عدم شرعية الاتفاقية ولا قانونيتها، لاسيّما وهي اتفاقية غير متكافئة بين طرفين أحدهما قوي ومحتل والآخر ضعيف ومحتلة أراضيه، وفيها الكثير من عيوب الرضا التي تبطل مبدأ الإرادة الحرة Pacta Sunt servanda  (العقد شريعة المتعاقدين)، علماً بأن أطروحتي للدكتوراه كانت دراسة مقارنة حول الاتفاقيات المتكافئة وغير المتكافئة مع إشارة خاصة للمعاهدات العراقية- السوفييتية (الكتابان هما: الأول المعاهدة العراقية - الأمريكية: من الاحتلال العسكري إلى الاحتلال التعاقدي، إصدار المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، عمان، 2008. والثاني- بغداد - واشنطن : أي مقايضة للاحتلال العسكري؟ في حيثيات الاتفاقية العراقية - الأمريكية، إصدار، مركز العراق للدراسات، بغداد، 2011)

وذكرت مثالاً كنت استشهدت به على لسان عبد الفتاح ابراهيم كان قد ردّده نوري السعيد العام 1924 في منتجع برمّانا خلال مجادلته بشأن اتفاقية العام 1922 المجحفة المذلة الاسترقاقية كما كان يصرّ ابراهيم على تسميتها.

يقول عبد الفتاح ابراهيم عن لقائه بنوري السعيد كنّا وفداً  يمثّل جمعية طلابية في بيروت، حيث كان يدرس "علم الاجتماع" في الجامعة الأمريكية ويرافقه محمد زينل وصباح نجل نوري السعيد، وكان "الباشا" مسترخياً في المنتجع الصيفي ويلبس دشداشة بيضاء ويجلس على فرشة على الأرض وبيده كأس عرق أبيض زحلاوي وحاول عبثاً إقناعنا بتبريراته للتحالف مع طرف قوي هو بريطانيا وبأن العراق خرج لتوّه من سيطرة الدولة العثمانية وإن لديه مشاكل معلّقة معها (المقصود مشكلة الموصل ) ومشاكله مع إيران لم يتم تسويتها (وكانت إيران حتى ذلك الوقت ولغاية العام 1937 لم تعترف بالمملكة العراقية) وهنا تطلّع في وجوهنا وأخذ رشفة عرق قوية وخاطبنا: تكبرون وتعقلون وتتعلمون، وإذا كنّا كبرنا جميعاً، لكننا لا ندري من منا عقِل وتعلّم، وخلال الجلسة ردّدتها على مسامع "أبو خيام" والحاضرين عدّة مرات .

اتفقنا على اللقاء وليس الوداع

كان آخر لقاء لي مع مهدي الحافظ في نادي العلوية 2013 بعد حضوري لاحتفالية أقيمت في بغداد بعنوان " بغداد عاصمة الثقافة العربية" وهي المرّة الأولى التي التقيت فيها رئيس الوزراء نوري المالكي الذي كنت قد عرفته منذ الثمانينات ودار حوار بحضور نحو 12 مثقفاً أذكر منهم فاضل ثامر وياسين النصيّر ويحيى السماوي ومحمد مظلوم وكوكب حمزة وناجح المعموري وشوقي عبد الأمير وعالية طالب وآخرين، وأدار الحوار النائب حينها علي الشلاه، واستفسر مني عمّا دار في اللقاء وعن لقائي مع عمّار الحكيم الذي كنت قد عدتُ منه مباشرة إلى نادي العلوية وكنّا قد اتفقنا على اللقاء، لإجراء حوار صريح على أن أقوم بإعداده للنشر، وهو ما حاولنا وضع بعض المحطات الأولى له في بيروت، وحين زرت بغداد كان مهدي مسافراً، لذلك لم نتمكّن من إنجاز المشروع. وحين توفي محمود البياتي اتّصل بي مستفسراً ومعزياً لأنه يعرف عمق علاقتنا.

كان مهدي الحافظ مُقلاً في كتاباته، لكن إذا كتب أجاد وهو دقيق في اختيار كلماته وأنيق في إبراز جمال عبارته وعميق في الوصول إلى المعاني، ويمتلك نعمة القراءة وكان ملتزماً بمعايير العدل والأخلاق، متحضّراً ومسالماً وغير ميّال إلى العنف وبعيداً عن أي شكل من أشكال القسوة أو الإيذاء، وكان محبّاً للحياة ومقبلاً عليها مثل إقباله على الثقافة بألوانها المختلفة.

رحل مهدي الحافظ ودفن في فيينا قرب نهر "الدانوب الأزرق" بناء على وصيته، وكان قد عاش فيها فترة من حياته كموظف في منظمة اليونيدو منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية.

مهدي الحافظ المنسوج من خيوط نفيسة لا أقول وداعاً، بل اشتياقاً فالنبيذ المعتّق من تلك الخابية اللذيذة المذاق ما زال ينتظرك، أما كان عليك أن تؤجل الرحيل لكي ننجز مشروع الحوار.

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

 

الحياة عبارة عن مسار ينتهي بنقطة، والنقطة بداية الكتابة، كتابتي قارئي سفر وترحال إلى آفاق جديدة بعيدة عن اليأس الذي أصبح يباع بأفواه تبيع كل شيء إلا أن تبيعك أملا، أفواه آلفت اليأس واستأنست به وأضحى تجارتها الرابحة. لن أُظلم الحياة في عينيك، وسأرحل بك كتابة إلى اخر رحلة قمت بها إلى مناطق نائية بعيدة كل البعد عن حياتك الرّتيبة التي تُلخصها في هاتفك من حجم كبير يحوي كل البرامج التي تقرب إليك في كل صباح بكاء البؤساء والقانطين، وقارورة مياه تعتقد أن مصدرها نبع طبيعي، نبع لم تشدّ الرحال إليه لتكشف صحة وجوده من عدمها، وجبنة مغشوشة المكونات، وحليب غاب فيه معنى الحليب...إلخ. رحلة تكسّر هذه التفاهة التي تم قولبتنا بها حتى أضحى معنى الحياة مرتبطا بها.

الرحلة ببساطة كانت صوب أعلى قمة جبلية بالمغرب "توبقال" والتي تبلغ حوالي 4167. بعد طول سفر، وصلنا أخيرا إلى جماعة توبقال. وجدت في استقبالي المرشد السياحي ابن المنطقة "ابراهيم حيمي". وهو بالمناسبة من دعاني إلى زيارة المنطقة واكتشافها خصوصا وأنها تُصادف تنظيم احدى مهرجاناتها. جلسنا في مقهى لكي نستريح احتسينا شايا أنا ورفيقي في السفر. انطلقنا بعد ذلك صوب دوار أمسوزارت "AMSSOUZART" مكان سكن "ابراهيم "؛ دوار جميل جدا بحكم مُحافظته على البناء الجبلي التقليدي، بناء جُل مكوناته من الحجارة، يرتفع بأكثر من 15 مترا عن سطح الأرض، متماسك ورصين تماسك أهل المنطقة بجدورهم المغربية الأمازيغية. إلى جانب جمالية البناء الحجري، شدني في خصال أهل المنطقة التواضع والعفوية والبساطة الذي تطبع سلوكياتهم حركاتهم إيماءاتهم. كما أعجبني سكون المنطقة وجمالها الطبيعي الذي يزاوج بين الخضرة والماء؛ فالماء بفضل القدير لا يهدأ طيلة اليوم دائم الجريان، وبالليل يكون له وقع خاص، إذ يصبح بمثابة اسبرين لنوم هادئ؛ ينعش مخيلتك للانطلاق في رحابة عالم بدون بروتوكولات، عالم ينطق بالعفوية. لنعد أدراجنا، بعدما كان سمرنا الليلي حديث في مواضيع اختلفت مضامينها، وإن كانت تصب في مجملها عن الحال والمآل لهذه القرى التي تتحصن بهذه الجبال الشامخة التي تغيب فيها أدنى الشروط الانسانية من مستوصفات ومدارس وبنيات تحتية...إلخ. استلقينا على الأرائك بأحد البيوت الحجرية المغطاة أسقفها بأخشاب أشجار الجوز واللوز...وغيرها، والمفتوحة نوافذها المزركشة بزخارف نباتية وهندسية تشي بعمق الحضارة بالمنطقة. أحضر  المُضيف الأغطية، وأنا بصدد تغطية نفسي بالفرش وجدت لذة جميلة صاحبتها قشعريرة في طبيعة فعلي هذا (التغطية).

استيقظنا صباحا تناولنا فطورا تقليديا خاص بالمنطقة، وشدينا الرحال صوب بحيرة افني "LAC D’ IFNI" بقيادة المرشدين السياحيين ابراهيم حيمّي ورشيد برواي؛ بحيرة قيل عنها الكثير ، وحيكت حولها القصص والأساطير، وكيف لا؟ وهي التي تعتبر بؤرة- مركز تحوم حولها 10 دواوير، وتحصنها سلسلة من جبال الأطلس الكبير، وتصبح بالنسبة لِطالبها وعرة المنال بمسالكها التي لا يدللها إلا ابن المنطقة الداري بعراقيلها، وهذا ما ساعدنا في الوصول إليها بعد رحلة على الأقدام تجاوزت الساعتين والنصف، تعرفنا فيها على مختلف المنتجات التي تزرع بهذه الجبال من: (جوز، لوز، تفاح، زيوت، حب الملوك)، واكتشفنا البنية العميقة التي تربط سكان المنطقة بالماء والحجر في طقوسهم وسلوكياتهم. سجّلنا كذلك، صعوبة وجمالية أن تستمر انسانا شامخا كهذه الجبال التي تحيط بهذه البحيرة التي تعكس لون السماء تارة، ولون الجبال تارة أخرى. هذه البحيرة الأمل التي تقع على ارتفاع حوالي 2390 عن سطح البحر، وتعتبر من بين أجمل البحيرات على المستوى الايكولوجي بالمغرب، إنها متنفس حيوي يبعث الحياة –بفضل القدير- لأكثر من 10 دواوير.

رغم وعورة المسالك وتشعبها، رغم ما قد يحدث لجسم الإنسان الذي يشدّ إليها الرحال لأول مرة من قبيل العياء الشديد، عدم القدرة على التنفس بشكل جيد، خفقان في القلب؛ إلا أن رؤيتها بعد مشقة سيعيد إليك (أنت الرحالة) توازنك السيكولوجي الذي سيرخي بظلاله أخيرا على قدراتك الجسمانية، وستهرع كالطفل إليها لملامسة عالمك الأول، عالم الانسان القديم الذي مازال دِفْؤه يسكن الجبال المحيطة بها والتي يمتد تاريخها لأكثر 24 مليون سنة.

الرحلة إلى بحيرة افني هي رحلة للاكتشاف والمغامرة، رحلة للاستئناس والتعريف بالمنطقة، ربما جمالها الرباني يستهويني ويستهوي غيري من السياح، لكن هل تعني السياحة عدم العمل على تطوير المنطقة للأفضل؟ وهل تعني السياحة أن استمتع بمناظرها الجميلة دون أن أرد إليها الجميل، بالقول أنها مهمشة على مختلف المستويات، وفي حاجة إلى انقاذ حكومي لها حتى يمكنها أن تصبح رائدة على المستوى السياحي. وبالتالي يعود نفعها على مواطن الدولة المغربية الساكن بهذه المنطقة، وكذلك على خزائن هذه الدولة بالنفع. فالسياحة التي ترنو إلى مصلحة الوطن وتنميته لا تعني الاعتماد على ما هو كائن فقط، بل تعتمد على تثمين وتطوير ما هو كائن (مواريث طبيعية وثقافية) ليصبح ما يجب أن يكون.

 

د. بوجمعة أكثيري

 

حامد الحمدانيبعد أن تم لثورة 23 يوليو في مصر تحقيق جلاء القوات البريطانية من مصر، عام 1954، عملت القيادة المصرية جاهدة لتحرير قناة السويس من السيطرة البريطانية والفرنسية، تلك القناة التي شُقت بجهود مئات الآلاف من أبناء الشعب المصري الذي سكب أطناناً من العرق، وفقد عشرات الألوف حياتهم من أجل إتمامها .

فقد تم تسخير 60 ألف مصري شهرياً في أعمال الحفر، من دون أجور، وخلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1859 و1864 مات من هؤلاء العمال ما يزيد على 100 ألف فرد، تحت الانهيارات الرملية، دون دفع أي تعويض عنهم.

بجهود أولئك المصريين تم إنجاز قناة السويس التي ربطت البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، وأصبحت قناة السويس الشريان الرئيسي الذي يربط قارتي أوربا وأسيا ببعضهما، واختصرت الوقت والتكاليف على السفن، بعد أن كانت تدور حول رأس الرجاء الصالح، جنوب أفريقيا .

كان الرئيس عبد الناصر ينتظر الفرصة المناسبة ليحقق هذا الأمل للشعب المصري  في تحرير القناة، وكانت في تلك الأيام من عام 1956 تدور مباحثات بين مصر وصندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا حول طلب مصر لتمويل مشروع السد العالي على نهر النيل العظيم، حيث كان هذا المشروع يتسم بأهمية كبرى للشعب المصري، كونه يوفر ثروة مائية كبيرة يمكن استخدامها في ري مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، ويكون مصدر طاقة كهربائية عظيمة كانت مصر بأشد الحاجة إليها لمشاريع التنمية الصناعية، والحاجات الاستهلاكية، هذا بالإضافة إلى كون السد ينقذ الشعب المصري من طوفان هذا النهر العظيم، الذي سبب للشعب الويلات والمآسي في فصل الفيضان، بدلاً من أن يكون مصدر خير ورفاه .

حاولت الدول الإمبريالية الضغط على الحكومة المصرية لتمرير مشروع [الدفاع عن الشرق الأوسط] وربط مصر بالمخططات الإمبريالية، لكن الرئيس عبد الناصر قاوم كل تلك الضغوط، ووقف موقفاً حازماً ضد حلف بغداد، ودفع الإمبرياليون إسرائيل للتحرش بالبلدان العربية المجاورة للضغط عليها، وأغدقوا عليها شتى أنواع الأسلحة، في حين حرموا البلاد العربية من الحصول على الأسلحة التي تمكنهم من الدفاع عن أنفسهم، مما حمل الرئيس عبد الناصر إلى عقد صفقات لشراء الأسلحة من المعسكر الاشتراكي .                                                                      

أثار توجه عبد الناصر للدول الاشتراكية لشراء الأسلحة غضب الدول الإمبريالية وجعل الولايات المتحدة وبريطانيا تسحبان عرضهما لتقديم القروض لتمويل السد العالي، في 25 تموز 1956، بعد أن كانت هاتان الدولتان قد أعلنتا في 18 كانون أول 1955 عن عزمهما على تقديم تلك القروض

أما البنك الدولي، الذي تسيطر عليه تلك الدول، فقد أخذ يضع الشروط تلو الشروط التعجيزية الهادفة للتدخل في الشؤون الداخلية لمصر، ثم أعلن بعد ذلك في 24 تموز 1956 سحب موافقته لتمويل السد، بعد قيام مصر بشراء الأسلحة من الدول الاشتراكية،على أثر قيام المظليين الإسرائيليين بإنزال عسكري في قطاع غزة الخاضع للسيطرة المصرية آنذاك، وسفكوا دماء المئات من أبناء الشعب الفلسطيني.

وعلى أثر إعلان البنك الدولي، وبريطانيا والولايات المتحدة سحب عروضهم لتمويل السد العالي، وفي غمرة الاحتفالات بالذكرى الرابعة لثورة 23 يوليو، جاء رد الرئيس عبد الناصر فورياً وحازماً، فقد أعلن في 26 تموز 1956، باسم الشعب المصري [تأميم قناة السويس] وعودتها للسيادة المصرية  معلناً أن مصر تضمن حرية الملاحة في القناة للجميع، وإنها سوف تستخدم موارد القناة لتمويل بناء السد العالي، كما أعلن عن استعداد مصر لتعويض حملة الأسهم في القناة بموجب سعرها عند الإغلاق يوم تأميم القناة .

ومن جانب آخر أعلن الاتحاد السوفيتي عن استعداده لبناء السد، على أن تدفع مصر تكاليف بنائه بأقساط مريحة، من عائدات قناة السويس وما يوفره السد، مما أفقد الإمبريالية صوابها، وسارعت بريطانيا وفرنسا إلى تقديم احتجاج شديد اللهجة للحكومة المصرية، معتبران أن إقدام عبد الناصر على تأميم القناة ينطوي على أبعاد خطيرة النتائج على مصر.

وبالفعل جرى تجميد الأرصدة المصرية في بريطانيا وفرنسا، والولايات المتحدة . وسارع رئيس الوزارة البريطانية [أنطوني إيدن] إلى لقاء رئيس وزراء فرنسا [دي موليه] للبحث فيما يمكن اتخاذه من إجراءات ضد مصر، ودعت الدولتان إلى عقد مؤتمر في لندن يضم 24 دولة، في 16 آب 1956، لبحث موضوع التأميم، وتأسيس إدارة دولية للقناة، وكان من بين الدول المدعوة للمؤتمر، مصر والاتحاد السوفيتي، لكن مصر رفضت حضور المؤتمر، فيما أعلن الاتحاد السوفيتي رفضه لأي قرار بغياب مصر .

أما الولايات المتحدة، التي كانت تتوق لإزاحة النفوذ البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط، والحلول محلهما، فقد أعلنت عن رفضها استخدام القوة ضد مصر، وتقدمت باقتراح تضمن البنود التالية :

1 ـ الاستمرار في إدارة أعمال القناة بصفة كونها طريقاً مائياً حراً مع احترام سيادة مصر.

2 ـ أن تكون خدمة القناة مستقلة عن أي عمل سياسي.

3 ـ أن يضمن لمصر دخل معقول من واردات القناة.

4 ـ أن يعطى تعويض عادل لحملة أسهم القناة. 

لقي الاقتراح الأمريكي قبول 18 دولة، وانتهت محاولات بريطانيا وفرنسا لإعادة السيطرة على القناة إلى الفشل، وأنهى المؤتمر أعماله في 23 آب 1956، بعد أن قرر إرسال محاضر جلساته إلى الحكومة المصرية، مع وفد خماسي برئاسة رئيس وزراء استراليا، المستر[منزيس] لكن الوفد لم يستطع تحقيق أي شيء من زيارته لمصر، وحاولت بريطانيا، في المؤتمر الثاني الذي عقد في لندن في 19 أيلول أن تؤسس جمعية المنتفعين بالقناة والتي تضم 15 دولة، لكن مصر رفضت الاعتراف بهذه الجمعية، وانتهت هذه المحاولة إلى الفشل أيضاً .

عند ذلك قررت بريطانيا وفرنسا، بالتعاون مع إسرائيل، اللجوء إلى القوة العسكرية لإخضاع مصر، وتم على عجل وضع الخطة اللازمة لذلك، وتتلخص تلك الخطة بمبادرة إسرائيل بمهاجمة سيناء والوصول إلى القناة، ليكون ذلك ذريعة لبريطانيا وفرنسا، بحجة خطورة إغلاق قناة السويس، والطلب من الحكومتان المصرية والإسرائيلية الانسحاب إلى مسافة 16 كم عن القناة، تمهيداً لإنزال قواتهما حول القناة، وإذا ما رفضت مصر ذلك خلال 12 ساعة فإن القوات البريطانية والفرنسية سوف يتم إنزالها في بور سعيد والسويس، لكن عبد الناصر رفض الإنذار البريطاني الفرنسي، وأعلن أن مصر ستقاوم أي اعتداء يقع على أراضيها .

وهكذا بدأت إسرائيل هجومها على سيناء، وتمكنت قواتها في 31 تشرين الأول من التقدم بسرعة صوب القناة، حيث كان عبد الناصر قد سحب معظم قواته من الجبهة الإسرائيلية، معتقداً أن الهجوم سيقع على القناة من قبل القوات البريطانية والفرنسية، ولم يتوقع أن تشترك إسرائيل في الهجوم وتكون البادئة فيه، وعلى أثر ذلك بدأت الطائرات البريطانية والفرنسية غاراتها الوحشية على [بور سعيد] ومدينة [السويس]، وجرى قصف باخرة مصرية كانت محملة بالأسمنت داخل القناة فغرقت فيها وبذلك أغلقت القناة أمام الملاحة الدولية .

أحدث الهجوم البريطاني الفرنسي رد فعل واسع وعنيف من قبل الشعوب العربية، وشعوب العالم اجمع، وحتى من قبل مجلس العموم البريطاني نفسه، حيث هوجمت حكومة [إيدن] على تصرفها، وطالب الكثير من النواب وقف القتال فوراً، وسحب القوات البريطانية والفرنسية، كما طالبت الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار فوراً، لكن القوات البريطانية استمرت في هجومها متجاهلة الأمم المتحدة والرأي العام العالمي، مما حدا بالاتحاد السوفيتي إلى الطلب من الولايات المتحدة القيام بإجراء مشترك لوقف الحرب.

لكن الولايات المتحدة رفضت الطلب السوفيتي، مما دفعه للعمل بصورة منفردة، حيث توجه بالإنذار التالي إلى كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل، في 5 تشرين الثاني 1956، على أثر الإنزال العسكري البريطاني الفرنسي في بور سعيد، وهذا نصه:

{إن الحكومة السوفيتية ترى من الضروري لفت أنظاركم إلى الحرب التي تشنها الآن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، هذه الحرب التي يترتب عليها أخطر النتائج على السلم العالمي وإننا نتسائل ماذا كان سيحدث لو أن بريطانيا وجدت نفسها معرضة لهجوم دول أكثر منها قوة، دول تملك كل أنواع الأسلحة المدمرة الحديثة، هنالك الآن دول ليست بحاجة إلى إرسال أساطيل بحرية، أو قوات جوية إلى السواحل البريطانية، ولكن بمقدورها استعمال وسائل أخرى، كالصواريخ . لقد عزمنا عزماً أكيداً على سحق المعتدين، وإعادة السلام إلى الشرق الأوسط، عن طريق استعمال القوة، ونحن نأمل في هذه اللحظة العصيبة، أن تظهروا الحكمة اللازمة، وتستخلصوا منها النتائج المناسبة}.

وقع هذا الإنذار موقع الصاعقة على الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل، حيث أصبحت لديهم القناعة أن الاتحاد السوفيتي يعني ما يقول، ولذلك فقد رفضت الولايات المتحدة دعم العدوان، وتجاهلت كل النداءات التي صدرت من بريطانيا وفرنسا والداعية إلى وقوفها إلى جانب المعتدين.

 وفي الوقت نفسه خرجت الجماهير الغفيرة في المشرق العربي ومغربه، تعلن غضبها واستنكارها للجريمة، وتعلن وقوفها ضد العدوان، ومطالبة حكوماتها بالوقوف إلى جانب مصر في محنتها، وجرى نسف محطات ضخ النفط عبر الأنابيب من كركوك نحو بانياس وطرابلس، مما أدى إلى توقف تدفق النفط نحو الغرب، بالإضافة إلى إغلاق قناة السويس، مما أوقع الغرب في ورطة كبرى، حيث لم يعد بالإمكان نقل النفط من منطقة الخليج إلا عبر رأس الرجاء الصالح.

وهكذا باء العدوان بالفشل الذريع، واضطر المعتدون إلى إيقاف الهجوم، وسحب قواتهم من الأراضي المصرية، في 16 تشرين الثاني 1956، وبذلك انتهى العدوان، تاركاً آثاراً بارزة على حركة التحرر العربي، حيث أعطته زخماً هائلاً، وآمالاً عريضةً في مقارعة الإمبريالية، وتحرير البلدان العربية من نفوذها واستغلالها البشع، وسأتناول في حلقة قادمة موقف حكومة نوري السعيد من العدوان الثلاثي على مصر و رد الفعل العراقي الذي تمثل في وثبة عام 1956.

 

حامد الحمداني

 

حامد الحمدانيأدت سياسة نوري السعيد، وأساليبه القمعية التي استخدمها لفرض معاهدة 30 حزيران 1930 إلى خلافات عميقة في مجلسي النواب  والوزراء، وأدت تلك  الخلافات إلى استقالة السيد [جميل المدفعي] من رئاسة مجلس النواب، ومن حزب نوري السعيد [حزب العهد] احتجاجاً على تصرفات الحكومة، وبالأخص وزير الداخلية [مزاحم الباجه جي] إثر الهجوم العنيف الذي تعرض له في مجلس النواب من قبل نواب المعارضة، بسبب تصرفات الحكومة المخالفة للدستور، والمنتهكة للحريات، وقد بعث السيد المدفعي بكتاب إلى السعيد يعلن فيه استيائه من تصرفات وزير الداخلية غير القانونية، والتزام السعيد جانبها، وأعلن انسحابه من حزب العهد، وقد لخص المدفعي تصرفات وزير الداخلية [مزاحم الباجه جي] بالتالي:

1 ـ تصرفاته المشينة خلال الإضراب الشعبي العام،  مما كان سببا في توسيعه توسعاً خطيراً.

2 ـ تطبيقه قانون العشائر على ذوات ليسوا من العشائر، وبينهم من كبار رجال القانون.

3 ـ تضيقه على كبار رجال الأمة، وتعقيبهم بالجواسيس بصورة لم يسبق لها مثيل، ومطارداته الشبيبة الوطنية لمجرد ما يظهروه من الشعور الوطني، شأن الشباب في جميع بلاد الله.

4 ـ وضع المراقبة الشديدة على حرية المخابرة، خلافاً لما هو مضمون في القانون الأساسي الذي حلفنا اليمين على التمسك به.

5ـ تطبيقه الذيل الخاص بالعقوبات بحق رجال عرفوا بمقدرتهم وإخلاصهم، لكي يتسنى له تعيين بعض محسوبيه، ومروجي تصرفاته في محله.

6 ـ تفسيره القوانين كما تشتيهه أغراضه، وهتكه شرف رجال كانوا من أشد المخلصين.

7 ـ إصدار الكتب التهديدية السرية المملوءة بالبذاءات، وهتك الحرمات، وعليه أرجو اعتباري مستقيلاً من الحزب، وسأقدم استقالتي رسمياً من رئاسة مجلس الأمة أيضاً، وتقبلوا احترامي. (1)

جميل المدفعي

16 تشرين الأول 1931

وهكذا فضح المدفعي سلوك حكومة نوري السعيد المخزي، وانتهاكها للدستور، ونكثها لليمين باحترامه، والاعتداء على حقوق وحريات المواطنين التي نص عليها الدستور، واستغلال النفوذ بهذا الشكل المكشوف، فلم يعد أمام نوري السعيد إلا أن يقدم استقالة حكومته إلى الملك  فيصل في 19 تشرين الأول 1931، وتم قبول الاستقالة.

لم يكد المندوب السامي يبلغه خبر استقالة نوري السعيد حتى سارع إلى الملك فيصل طالباً منه أن يعيد تكليف السعيد بتشكيل الحكومة من جديدة، ومارس ضغطاً على الملك لكي ينفذ طلبه، فلم يكن أمام الملك من بد إلا أن ينفذ مشيئة المندوب السامي  على مضض، حيث كانت هناك مهام خطيرة يتطلب تنفيذها من قبل شخصية قوية ومضمونة، ولقد اثبت نوري السعيد أنه هو لا غيره ذلك الرجل القوي القادر على القيام بتلك المهمات التي تنتظر الحكومة الجديدة، وهكذا رضخ الملك فيصل لمشيئة المندوب السامي، وكلف نوري السعيد من جديد بتشكيل الوزارة، وباشر السعيد على الفور باختيار أعضاء وزارته بالتشاور مع المندوب السامي، والملك فيصل في اليوم نفسه، وكان عهد هذه الوزارة مليئاً بالأحداث أصر الإنكليز أن يتولى  السعيد معالجتها وأبرزها:

1 ـ تمرد بعض قوات الليفي الآشورية.

2 ـ اندلاع الثورة البارزانية.

معالجة تمرد قوات الليفي الآشورية

قوات الليفي الآشورية أنشأها البريطانيون لمساعدة قواتهم المحتلة للعراق في حفظ الأمن والنظام، والقيام بدور الحراسة للمعسكرات والقواعد البريطانية.

كان الآشوريون يطمحون بقيام دولة لهم في  دهوك وبعض المناطق الأخرى في شمال العراق، لكن آمالهم خابت بعد صدور القرار بضم العراق إلى عصبة الأمم، وتجاهل بريطانيا تلك المطالب، مما أثار استياء قوات الليفي العاملة في خدمة القوات البريطانية، حيث استقال ما يزيد على 1300 من قوات الليفي،  وتقدمواً للمندوب السامي بالمطالب التالية:

1 ـ الاعتراف بهم كشعب ساكن في العراق، وليسوا مجرد طائفة دينية أو عنصرية.

2ـ إيجاد كيان لهم في منطقة [دهوك]، والعمل على إعادة منطقة [حكاري] الواقعة تحت السيادة التركية، وإذا ما تعذر ذلك فيجب إيجاد موطن للآشوريين في العراق مفتوح لكل الآشوريين في داخل العراق وخارجه.

3ـ الاعتراف بسلطة زعيمهم الديني المار شمعون الدينية والدنيوية.

4ـ عدم سحب السلاح منهم .

5ـ مطالب أخرى حول فتح مدارس ومستشفى ودار أوقاف آشورية.

ورغم طلب المندوب السامي منهم التراجع عن مواقفهم فإنهم أصروا على مطالبهم، فما كان من السلطات البريطانية إلا أن تأتي بقوة عسكرية من الإنكليز المتواجدين في مصر لتحل محلهم، حيث تم نقلهم على عجل بواسطة الطائرات.

فلما وجدت قوات الليفي أن بريطانيا عازمة على عدم تلبية مطالبهم، تراجع قسم كبير منهم وعاد إلى الخدمة، أما القسم الآخر الذي أصر على موقفه فقد قررت السلطات البريطانية إقصاءهم نهائياً.

أما الحكومة العراقية فقد قررت في 2 تموز 1932، وبعد موافقة المندوب السامي، سحب السلاح من الليفي، ومنعت حمل أي سلاح إلا بإجازة رسمية، كما قررت وضع أفراد من الشرطة مع قوات الليفي في كافة المخافر.

السعيد يقمع الثورة البارزانية:

حاولت الحكومة تثبيت نفوذها في منطقة كردستان، ولمنع أية محاولة من جانب بعض الزعماء الأكراد للتمرد على سلطة الحكومة، وكان من جملة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة قرارها بإقامة مخافر في منطقة [بازيان] المحصورة بين [الزيبار] و[عقرة] و[الزاب الأعلى]، والتي تتوسطها قرية [بارزان] حيث مقر سكن الشيخ احمد البارزاني،عميد الأسرة البارزانية المعروفة، والذي يتمتع بمركز ديني ودنيوي كبير في صفوف الأكراد.

رفض الشيخ احمد إقامة تلك المخافر، واعتبرت الحكومة أن موقفه هذا يشكل تحدياً لسلطتها، واتخذت قراراً بإقامة المخافر بالقوة، حيث أرسلت قوات عسكرية إلى المنطقة لفرض إقامتها بالقوة، مما تسبب في وقوع مصادمات عنيفة بين أتباع الشيخ احمد وقوات الحكومة في 9 كانون الأول 1930، وقد قتل ما يزيد على 50 فرداً من قوات الحكومة، وأصيب الكثير منهم بجراح، واستطاع أتباع البارزاني طرد بقية القوات التي أرسلتها الحكومة إلى المنطقة.

أخذ البارزاني يوسع  نفوذه في المنطقة، وإزاء ذلك الوضع قررت الحكومة تجريد حملة عسكرية كبيرة لإخضاع الشيخ [أحمد البارزاني] في شهر نيسان 1932، مستعينة بالقوة الجوية البريطانية التي شرعت طائراتها بقصف المنطقة، ومطاردة البارزانيين في 25 أيار1931، وكان القصف الجوي من الشدة بحيث دفع المقاتلين البارزانيين إلى الالتجاء إلى الجبال حيث المخابئ الآمنة، وبدأت قوات الحكومة حملتها ضدهم في 22 حزيران 1931، مما اجبر الشيخ أحمد بعد أن تشتت قواته على الفرار إلى تركيا، حيث سلم نفسه للسلطات التركية التي قامت بنقله إلى مدينة [أدرنه]على الحدود البلغارية.

وفي تلك الأيام حاول الإنكليز إسكان الآشوريين في منطقة بارزان، فلما علمت الحكومة التركية بالأمر، وهي التي تكن الكره الشديد للآشوريين الذين وقفوا إلى جانب بريطانيا إبان الحرب العالمية الأولى، سارعت إلى إعادة الشيخ احمد البارزاني إلى منطقة الحدود العراقية. وعندما بلغ الخبر إلى الحكومة العراقية، تقدمت بطلب إلى الحكومة التركية لتسليم الشيخ احمد. إلا أن  الحكومة التركية رفضت الطلب، مشترطة إصدار عفو عام عنه وعن أتباعه، واضطرت الحكومة العراقية إلى إصدار العفو عنهم، وعليه فقد عاد الشيخ احمد وأتباعه إلى العراق، حيث أسكنتهم الحكومة في الموصل، ثم جرى نقلهم بعد ذلك إلى الناصرية فالحلة فالديوانية، ثم استقر بهم المطاف في مدينة السليمانية.

الملك فيصل يطلب من نوري السعيد تقديم استقالته

بعد أن أنجزت حكومة نوري السعيد المهام الموكولة لها، والمتمثلة بعقد معاهدة 30 حزيران 1930، وإدخال العراق في عصبة الأمم، ومنح العراق الاستقلال [الشكلي]، قدم نوري السعيد استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 27 تشرين الأول 1932، وتم قبول الاستقالة في اليوم التالي، وكلف الملك فيصل السيد [ناجي شوكت] بتأليف الوزارة الجديدة في 3 تشرين الثاني 1932.

ورغم أن استقالة السعيد جاءت بناء على طلبه كما جاء في كتابه الموجه إلى الملك، إلا أن الحقيقية كانت غير ذلك، وأن الملك فيصل هو الذي طلب منه تقديمها فقد جاء في البرقية التي طيرها المندوب السامي [هيوبرت همفري] إلى وزارة الخارجية البريطانية برقم 335 بتاريخ 29 تشرين الأول 1932 ما يلي:

[ إن الملك هو الذي طلب من السعيد تقديم استقالة حكومته لأنه فقد ثقة الملك، ولما عرض على الملك استعداده لجمع نوري السعيد بالملك رفض الملك ذلك، وقرر الانفصال عن السعيد، ولم تفد توسلاتي وتوسلات المستشار [كورنواليس] لتثني الملك عن قراره.

كان هدف الملك من طلب الاستقالة تقليص نفوذ نوري السعيد الذي تصاعد نجمه لدى البريطانيين بعد أن افلح في توقيع معاهدة 1930، وأصبح يتمتع بمنزلة كبيرة لدى المندوب السامي البريطاني والحكومة البريطانية، ونال ثقتهما، وأصبح يرى نفسه وكأنه الشخصية الوحيدة القادرة على إدارة شؤون البلاد.

كما هدف الملك فيصل من التغير الوزاري استمالة ما يدعى بالمعارضة المعتدلة، بعد الذي سببته معاهدة 30 حزيران 1930 الجائرة، والمقيدة لاستقلال العراق من جهة. وهكذا جاءت حكومة ناجي السويدي وسطاً بين الاتجاه الموالي لبريطانيا والاتجاه المعارض لسياستها، وللمعاهدة.

أما الرأي العام العراقي فقد كان بين متفائل ومتشائم من هذه الوزارة، ورأى البعض الأخر أن هذه الوزارة لا تعدو عن كونها وزارة انتقالية ليس إلا.

أما وزارة الخارجية البريطانية فقد كان رأيها أن هذه الوزارة لن تدوم طويلاً، فبريطانيا لا ترضى إلا بوزارة تكون ألعوبة بأيديها، وهي لم تعترض على تشكيلها لكي تهدئ الأوضاع في البلاد بعد الذي سببته حكومة نوري السعيد بعقد معاهدة 30 حزيران 1930.

كان على الوزارة الجديدة أن تلجأ إلى حل البرلمان الذي يتمتع فيه نوري السعيد بالأغلبية المطلقة لتقليم أظافره من جهة، ولإرضاء الشعب بعد أن زوّر نوري السعيد الانتخابات السابقة بشكل خطير.

وحاول نوري السعيد ثني ناجي شوكت للحيلولة دون حل البرلمان واعداً إياه بتأييد نواب حزبه للوزارة.

غير أن الملك كان قد صمم على حل البرلمان، وأصدر الإرادة الملكية بحله في 8 تشرين الثاني 1932.

حاول نوري السعيد عرقلة قرار حل البرلمان بأن أوعز إلى نواب حزبه بعدم حضور الجلسة التي تتلى فيها الإرادة الملكية بحله، لكن ذلك لم يمنع من مضي الحكومة والملك قدماً في حل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة. (4)

أما نوري السعيد فقد عقد اجتماع لقيادة حزبه في 10 تشرين الأول بعد يومين من قرار الحل، وأصدرت القيادة  بياناً يندد بالحل، وقررت كذلك إرسال مذكرة إلى الملك فيصل ادعت فيها عدم شرعية الحل، وفوضت نوري السعيد بمتابعة المذكرة.

ولما بلغ الأمر للملك فيصل، قرر إبعاد نوري السعيد عن العراق بتعينه ممثلاً للعراق في عصبة الأمم في 16 تشرين الثاني 1932.

كان أمام حكومة ناجي شوكت مدة أربعة اشهر تبدأ من تاريخ حل البرلمان لإجراء انتخابات جديدة حسبما نص على ذلك القانون الأساسي بمادته الأربعين، ولذلك فقد سارعت الحكومة إلى تعين يوم 10 كانون الأول 1932 موعداً لانتخاب المنتخبين الثانويين، وجرت الانتخابات في جو من اللامبالاة من قبل الشعب الذي كان يدرك أن الحكومات المتعاقبة تجري الانتخابات حسبما تريد هي والمندوب السامي والملك، شاء الشعب أم أبى.

ومع ذلك فقد رشح أعضاء من [حزب الإخاء الوطني] الذي يقوده الزعيم الوطني [جعفر أبو التمن] بشكل فردي، وفاز معظم المرشحين في الانتخابات، ولكن عددهم كان قليلاً. كما رشح عدد من أعضاء [الحزب الوطني] بزعامة [يسين الهاشمي] على الرغم من حدوث انشقاق في قيادة الحزب بسبب مطالبة البعض منهم مقاطعة الانتخابات وفاز عدد من المرشحين .

أما حزب نوري السعيد [حزب العهد] فقد كان حزب حكومة وبرلمان فلما ذهبت الوزارة وحُل البرلمان تلاشى الحزب، لكن عدد من أعضاء الحزب رشحوا في الانتخابات بصورة فردية، وفازوا فيها.

كانت حصة الأسد كما هو جارٍ عادة في كل انتخابات للحكومة، فقد فازت كتلة الحكومة بـ  72 مقعداً في المجلس المؤلف من 88 مقعدا ودعيت كتلة رئيس الوزراء [الكتلة البرلمانية]، لكن هذه الكتلة بدأت بالتفكك عندما عقد المجلس اجتماعه في 8 آذار 1933، على أثر تواصل هجمات المعارضة على الحكومة.

حاول ناجي شوكت بعد الانتخابات أن يوسع وزارته، ويدخل فيها عناصر ما كان يدعى بالمعارضة المعتدلة مثل [يسين الهاشمي] و[حكمت سليمان] لكن الملك لم يوافق على ذلك، وأثر بقاء الوزارة على حالها، وخيره بالبقاء على رأس الوزارة أو تكليف رشيد عالي الكيلاني بتأليف وزارة جديدة، فما كان من ناجي شوكت إلا أن قدم استقالة حكومته إلى الملك في 18 آذار 1933، وتم قبول الاستقالة، وكلف الملك السيد رشيد عالي الكيلاني بتأليف وزارة جديدة  في 20 آذار 1933.(5)

 

حامد الحمداني

 

ننشر قصة ذلك الهروب على شكل حلقات يومية  وبقلم الوالد الفقيد حسين سلطان صبي / أبو علي

قضايا مقلقة

في أحد الأيام كنت جالسا في قاعة كبيرة وكان عدد الحضور يزيد على أربعين مناضلاً واذا بأحد الشباب يناديني بصوت مرتفع يقول: يا أبا علي قطعت الدخان وأراك تتجول كثيراً في سور السجن، ألا تخبرني ماذا وراء هذا الموضوع . وأردف قائلاً: أخاف تريد تهرب . قلـــــــت له: أنت شاب وتفكر هكذا وأنا شايب أفكر بالرحيل قريبا الى جوار ربي  فضحك البعض على هذا الحوار ولكن بالنسبة لي وكما يقول المثل (إلي بعبة عنز يمعمع) وبقيت أفكر بدافع هذا الشاب الى مثل هذا السؤال وقد تكون هناك رائحة تظهر من النفق . وبعد ساعة التقيت بحافظ رسن وأخبرته بسؤال ذلك الشاب، الذي هو وأخوه الكبير يلقبون بـ ــ أبناء ثالثة ــ  والاخوين من أبناء الموصل، وقال حافظ رسن: حقاً ان السؤال مقلق ولكن لا يستبعد انه رمى حجارته بالظلام . وأخيرا طلبت منه أن يستطلع الأمر من خلال معارف الأخوين . وعلى الهيئات الحزبية أن تخبر اللجنة الحزبية بما يجري من الأحاديث الخطرة في القاعات تلك التي توجهها الإدارة وعملاؤها من شائعات وبعد هذا الحدث بأسبوع  وصلنا خبر من ان الدوائر الصحية في محافظة بابل تريد أن تــفــتـــــش صيدليتنا . وسألنا رفاقنا القــدماء: هل جرى سابقاً مثل هذا الـتـفـتـيــش؟

وكان الجواب: لأول مره يقدم مثل هذا الطلب. صار عندنا بعض الشكوك من ان اخبارية وصلت اليهم عما يجري في الصيدلية أو في مكان الصيدلية وحاولوا أن يكتشفوا الموضوع عن طريق التفتيش .

وبعد أيام جاءت هيئة التفتيش واستقبلوها الرفاق المعنيين بالصحة في داخل السجن وأدخلوهم الصيدلية وبعد عشرة دقائق عادوا من حيث أتوا .

 أحداث متفرقة

في نهاية آب حصلت مشكله بين الزعيم ابراهيم الجبوري ــ الخال ــ وبـيـن أحـد السجناء السياسيين . رغم ان التنظيم تدخل لصالح الخـال إلا ان الخال تـعـنت وأصـر وذهـب الى مـدير الـسجن وطلب منه مكاناً آخر بحيث ينعزل عنا . وفعلاً خصص لهم مدير السجن جناح بجانب الدائرة . وهذا الجناح لا يفصله عن الشارع العام الا جدار لا يتجاوز سمكه أكثر من ( 9 ) إنجات وانتقل مع الخال عدد من الضباط تضامناً معه . وبعد انتقال الزعيم الخال وعدد من الضباط، ساورني شك من ان انتقال الزعيم بهذه الصورة وبهذا الاصرار قد يكون عنده نية الهروب . وهذا يعني ضياع كل مجهودنا ولذا كلفت أحد رفاقنا الضباط سراً أن يخلق مشاجرة مع أحد الرفاق وعلى أثرها يزعل وينتقل مع الخال لاكتشاف ما يجري هناك، وبعد اسبوعين تبين ان الأمر لا يتجاوز حدود الراحة  من حيث وسائل التسلية وانتهى الأمر وتصالح الرفيق وعاد الى مكانه .

ولما كان وضعي الصحي رديء كنت بين فترة وأخرى أدخل المستشفى وهو داخل السجن وفي أحد الأيام زارني في المستشفى أحد الرفاق وهو كبير السن وكان يعمل معلماً أو مدرساً من أبناء الموصل جلس بقربي على السرير وأخذ يستفسر عن وضعي الصحي ــ مع العلم لم تكن لي به معرفة سابقة ــ وبعد دقائق من الاستفسارات والمجاملة مد يده الى جيبه واخـرج مـنـه حـزمـة مـن الـنقود ذات فئة خمسة دنانير ومد يده لي وقـال: يـا أبـا علـي أرجـو أن تـسـتـلـم مـنـي هـذا المبلغ وسكت . قلت له: تبرع الى الحزب . قال: احسبه كما تشاء، ان جوابه جعلني في ريبة من الأمر قلت له: افصح ماذا تريد، انطلق يحدثني بعاطفة انسانية كونه محكوم عشرين عاماً وعنده عائلة وأطفال ويعاني أزمـــــة نفسية، ...الخ . قلت له ارجع النقود الى مكانها وحدثني بالملموس ماذا تريد مني وأرجوا أن تحدد بالاسم نوع المساعدة . وأخذ فترة تأمل مشوبة بالارتباك وفعلا أعاد النقود الى جيبه وهو يهمس بكلمات شعبية مع نفسه عرفت منها الجملة الأخيرة بهذا المعنى (اذا لم نتساعد فيما بيننا من الذي يحررنا من السجن) ان هذه الجملة الأخيرة والتي فهمتها منه جعلتني أتشكك من ان أخبار النفق تسربت الى بعض السجناء وقد يلتقطه عملاء الادارة والنتيجة تكون احباط كل مساعينا بالإضافة الى تشتيتنا وتعرضنا الى العقوبات قبل أن نعمل أي شيء وحاولت أن أسـتـدرج الرجـل: (الله وإيدك) اذا كان عندك مقترح أو مشروع أو أي  شيء آخر دعنا نتناقش به وقد نتوصل الى أفضل الحلول . أنا وإياك وكل سجين سياسي يفكر بتحرير نفسه ولكن وفق الامكانات المتوفرة  هذا من جهة ومن جهة أخرى ان رأي الحزب هو فوق كل شيء . وانبسطت معه وكأننا أصدقاء منذ الطفولة وطلبت (استكانين) من الشاي وحاولت أن أضفي على الجلسة شيئاً من المرح، لكي ينطلق صـاحـبـي ويـذكـر مـا هـو خـفـي أو ما يجول في خاطره . أشرت له مازحاً: أتعتقد ان مفاتيح أبواب السجن عندي وأنا باخل على نفسي وعلى رفاقي . قال: كلا وأنا أعرف ذلك جيداً . قلت له اذن تكلم لي الحقيقة حتى نستطيع أن نتوصل الى حل ممكن التحقيق والأمر يحتاج الى الصراحة . قال: كل ما تكلمت به صحيحا وأنا واثق من اخلاصكم  ولكن أعتقد توجد هناك بعض الامكانيات يجب علينا أن نستغلها مثلا بين فترة وأخرى يمكن أن نعبر رفيق أو رفيقين خلال المواجهة هذا أولاً وثانيا مثلا حمام المستشفى هو خارج سور السجن ويقع على الشارع العام يمكن أن نعمل به فتحة ونعبر عددا من الرفاق ولما كانت مثل هذه الأعمال لا يمكن القيام بها الا بتخطيط واشراف لمنظمة السجن لهذا الغرض عرضت الأمر عليكم، أرجوا أن يكون أحد المقترحين موضع رضاكم ورضا المنظمة وهذا كل ما عندي . ان المقترحات التي قدمها الرفيق الذي لا أعرف اسمه الا أبو فلان وهنا يمكن أن نصطلح عليه الرفيق ــ س ــ كانت وجيهة ومنطقية وبدأ الشك يضعف من ان أخبار النفق متسربة ومع هذا يبقى احتمال ضعيف ان تلك المقترحات التي قدمها الرفيق ــ س ــ ما هي الا تغطية ولجس النبض . وعلى كل حـــــال أعطيته الجواب التالي: ان المقترحات وبصورة أوليه تبدو منطقية بحيث المقترح الأول محدد بهروب رفيق أو رفيقين . أما المقترح الثاني قد يكون أوسع عدداً ولكنه أقل ضمانة. وفي الحالتين لا بد من مساعدة الخارج وموافقة الحزب على تلك الخطوات ولا حظت ان وقع الجملتين الاخيرتين كانت عليه ثقيلة، حيث كان يحاجج باتجاه ان الحزب لا يعارض الرفاق اذا حرروا أنفسهم من القيود وهذا امر مفرح له  ويناقش بمساعدات الخارج ويقول جيدة ولكن الانسان يعتمد على نفسه اذا لم تحصل المساعدة الخارجية وخاصة اذا كان يحمل مبلغاً من المال .

وانتهى ذلك اللقاء مع الرفيق ــ س ــ  بوعد من المنظمة ستدرس تلك المقترحات واذا أقرت أحد المقترحين سترسله الى الحزب وتنتظر الجواب وانتهت القضية . هذا واستفسرت من الرفيق جاسم الحجاج باعتباره كان المسؤول الحزبي في السجن عن الرفيق ــ س ــ بعد أن عرفته عليه، وكان السؤال محدداً عن سلوكه وعن مدى ارتباطه بالحزب . فأجاب الرفيق الحجاج: ان سلوك هذا الشخص جيد جداً وارتباطه بالحزب متين ومحكوم (20) سنة وتطرق الى ما تحمل أبناء الموصل من آلام واضطهاد طيلة أكثر من ثمانية سنوات . وأعطاني الرفيق الحجاج فكرة عن أحد الرفاق من أبناء الموصل محكوم (20) سنة أيضا وهو ابن ثالثة الكبير والذي جاء ذكر أخيه الصغير أعلاه والذي ناداني عن الهروب قال: ان هذا الرفيق  فاتحني أكثر من مرة عندما كنت مسؤول السجن حول هروبه في احدى المواجهات . وهذه الملاحظة الأخيرة التي عرضها الرفيق الحجاج أوضحت بصورة جلية طلب الرفيق ــ س ــ علماً ان الرفيق  ــ س ــ والرفيق ابن ثالثة أصدقاء  وبعد خروجي من المستشفى ببضعة أيام سمعت من خلال حديث عرضي ان الرفيق ابن ثالثة الكبير أدخل المستشفى وعند سماع الخبر قفز الى ذهني حديث الرفيق ــ س ــ ومقترحاته وحمام المستشفى وملاحظات الرفيق الحجاج عن طلبات ابن ثالثة وعند المساء التقيت مع حافظ رسن وأعطيته صورة عن الموضوع وطلبت منه أن يسأل من الرفاق العاملين مع الأطباء ــ وهم شغيلة صيدليتنا ــ عن مرض الرفيق ابن ثالثة ويجب أن يكون السؤال بصورة طبيعية ولا يثير انتباه أحد . وفي اليوم التالي جاء حافظ وأخبرني برأي الرفاق الصحيين من ان رفيقنا ابن ثالثة لـيس مريضاً الا ان لديه الرغبة في أن يدخل الى المستشفى ونفذنا له ذلك بواسطة الأطباء والأطباء لا يخالفون رأينا في مثل هذه القضايا . لقد حسبنا الحساب لهذا الخبر وفي ذات الجلسة اتخذنا قراراً أن نضع رفيقنا ابن ثالثة تحت المراقبة الشديدة وخاصة ليلاً وكلفنا رفيقين من نزلاء المستشفى بهذه المهمة السرية تحت حجة الخوف من أن يعمل ابن ثالثة " مكسورة " بهروبه وتضيع كل المكاسب السجنية والحزب أوقف الهروبات الآن . وبهذه الحجة حمسنا الرفاق للمراقبة الشديدة . علماً ان  أبناء ثالثة الاثنين هربا معنا فيما بعد من النفق .

وكان العمل مكثفاً في النفق والعادة المتبعة ان حافظ رسن يأتيني في كل يوم صباحاً ويقدم تقريراً شفهياً مفصلاً عن النفق والعمل به ومقدار المنجز ووضع العاملين وما يعترضهم من مصاعب وكيفية حلها وهذه العادة بقيت مستمرة من البداية حتى يوم الهروب واني لم أعمل عملاً مباشراً مثل الحفر أو نقل التراب نظراً لوضعي الصحي وزرت النفق مرتين فقط . الأولى في بداية العمل وعند نهاية البئر والثانية عند أزمة التراب والزيارتين كانتا في وقت متأخر من الليل . وكان تقدير كافة العاملين في النفق بعد حل أزمة التراب أن ما يستخرج من تراب النفق حتى النهاية تستوعبه غرفة النفق ولا حاجة لأي طريقة أخرى . هذا ما كان يتعلق بالنفق والعاملين به . أما ما يتعلق بالمنظمة في داخل السجن فكانت اجتماعات اللجنة الحزبية والهيئات التابعة لها مستمرة بصورة طبيعية . ومن كل تلك الممارسات كانت واضحة العناصر والكوادر الذين يحملون فكرة عزيز الحاج ولديهم بعض الملاحظات على سياسة الحزب والضجيج عن اليمينية وكان أكثر هؤلاء حماساً مظفر النواب والفريد سمعان وعناصر أخرى أما من الناحية الفكرية واخراجها بعد التحليل فكان جاسم المطير الأساس لها الا انه لا يستطيع أن يكون وجهاً للجماعة لأسباب معروفة . الا ان الصراع الفكري يشتد يوما بعد آخر ويبدو ان جماعة عزيز الحاج أوجدوا قاعده لهم في وسط منظمة السجن أخذوا يراسلونهم سراً ومن خلف ظهر المنظمة ويعدونهم لعمل أكبر . وفي أحد أيام أيلول 1967 جاءني أحد الرفاق من جهاز إنصات وأخبرني بحدوث انشقاق في حزبنا يقوده عزيز الحاج والحزب أصدر بـيـاناً أذيـع مـن صـوت الـشـعـب الـعـراقـي ضـد الانـشـقـاق، قـــلـــــــت لـه: انـقـلـوا الـبـيـان عـلى الـورق ولا تنشروا الخبر وعلى الفور دعوت اللجنة الحزبية في السجن الى الاجتماع وعلى ما أتذكر كان نصيف جاسم الحجاج وكمال شاكر ومحمد ملا عبد الكريم خرجوا هؤلاء من السجن قبل هذه الاحداث وحضروا بقية أعضاء اللجنة وأخبرتهم بما وقع وقررنا أن نعقد اجتماعا عاما لكل السجناء ونقرأ عليهم بيان اللجنة المركزية ونشجب الانشقاق، وفي تلك الجلسة لاحظت ان حافظ رســــن في وضع غـيـر طـبـيـعي وحتى عندما يتكلم كان يتعثر في كلامه وكلفت الرفيق حسين ياسين أن يشرف على تفريغ البيان ونشر اعلان باسم لجنة السجن في جميع القاعات يدعوا الى اجتماع عام في الساعة الخامسة من عصر ذلك اليوم . وبعد نصف ساعة من انتهاء الاجتماع جاء لي حسين ياسين وقال ان البيان ليس عليه توقيع فقلت له البيان صادر من اللجنة المركزية فيمكن أن تذيله باسمها . وفعلا تم الاجتماع العام وقرأ بيان الحزب وأعلن عن شجب الانشقاق وكانت النية أن نتحدث بصورة أوسع الا ان المجتمعين دخلوا في مناقشات جماعات وافراد مما اضطرنا الى انهاء الاجتماع . وأمسى السجن يغلي كالبركان في تلك الليلة ولا تخلو قاعة الا ويعلو فيها النقاش الحاد والى ساعة متأخرة من الليل . وأصبح السجن كما أمسى في الهياج وأخذ الفرز يتضح يوما بعد آخر ولاحظت حافظ رسن يتحرك لصالح الجانب المنشق ودعوت اللجنة للاجتماع لدراسة الوضع المستجد الا ان حافظ رسن عارض عقد الاجتماع وعقد الاجتماع بدون حافظ رسن ولاحظت المجتمعين في حالة من الارتباك . وكان حسين ياسين عنده قضية مع الحزب معلقة وأخبرني بوقت سابق بجزء منها ويبدو ان حافظ رسن وهو من الجنوبية أيضا يعرف بتلك القضية وقد يكون جاسم المطير هو الآخر يعرف نقطة الضعف عند حسين ياسين أيضاً . ولان أخبار أية منطقة تنتشر من خلال المواجهين بالإضافة ان الكوادر الواحد يعرف الآخر معرفة جيدة اذا كانوا أبناء منطقه واحده ولذا جرى التأثير على حسين ياسين، وخاصة حينما أخبر أن يكون المسؤول الأول على رأس منظمتهم وأنحاز اليهم في اليوم الثالث أو الرابع من اعلان البيان . ومنذ انحياز حافظ رسن وحسين ياسين والتردد عند باقي أعضاء اللجنة . فكرت بتشكيل لجنة جديدة يكون قوامها من الرفاق التالية أسمائهم:                                       

1) الرفيق الشهيد عبد الأمير سعيد

2 ) الرفيق جميل منير

3) الرفيق الحمامي

4) الرفيق محمد النهر

5) الرفيق صاحب الحميري

6) كاتب هذه السطور

.....................  يتبع

 

خالد حسين سلطان

 

علي المرهجفي شارع المتنبي جنون وفنون، وفي بعض من الجنون ثقافة وتوقد عقل وعبقرية. وفي شارع المتنبي تصدير لثقافة ونهج لبناء عقل علمي ناهض، وفي شارع الثقافة يجتمع العلم مع الفن مع الثقافة بتمظهراتها في الشعر والرواية أو السرد.

لقد سعي باعة المتنبي لبناء ثقافة تنويرية، رغم كل تحديات السلطة الشمولية.

في الوقت ذاته هُناك تصدير لثقافة ساقطة، ثقافة سلفية، سنية كانت أم شيعية، ففي زمن النظام السابق كان هُناك بعض من العقائديين الشيعة يبيعون الكتب لا لمكسب فقط، إنما لفرط ما فيهم من إيمان بمبادئ الفقه الجعفري بوصفه سفينة النجاة والخلاص. وكان في شارعنا من هو سلفي حد النخاع، فبعضهم كان من الأخوان المُسلمين وآخرون كانوا مؤمنين بفكر محمد بن عبدالوهاب، وكلنا يعرف نشاط الحركة الوهابية في أواسط التسعينيات من القرن المُنصرم بعد أن تبنت السلطة الدعوة لما أسمته بـ "الحملة الإيمانية".

أنعم النظر في مشهدية قولنا السابق وستجد صراعات الأيديولوجيا والعلم والعقيدة المحمومة شبيه بصراع المجانين.

وتلك ميزة من ميزات التعددية المفقودة في حياتنا السياسية، والاجتماعية اليوم، ولكنها موجودة في صراعاتنا المعرفية والعقائدية في شارع المتنبي، وإن لم تكن شاخصة للعيان.

لكل بائع توجهاته التي ستعرفها من عنوانات كتبه المعروضة على الرصيف، وبلمحة سريعة لا تحتاج إلى حصافة ستعرف أن هذا البائع يتبنى رؤية عقائدية أو معرفية مُعينة.

كان أغلب من يعمل في الشارع هم من مجنانين الفكر بكل توهماته ونزعاته (اليوتوبية) أو (الواقعية) سواء أ كانت في الشعر أو في الفكر أو في العقيدة.

فكل منَا له ليلاه، وليلاي التي أتنفس عطر أنفاسها هي ليست ليلى غيري من الباعة، فأنا كنت ولا زلت أتنفس عطر ليلى (الفلسفة)، وغيري يهيم بليلى أخرى ربما تكون بغداد في تاريخها عند من يهوى بيع وشراء كُتب التاريخ، وربما تكون ليلى هي كُتب الحديث والسُنن التي يهيم به أهل الحديث وبعض من أهل السلف من أتباع أحمد بن حنبل. ولكن ليلى لها حضوتها عند يُقبل ذا الجدار فتكون ليلاه كُتب الأصول في الفكر الشيعي، فستجد كتاب (أصول الكافي) للكُليني، أو كتاب الاستبصار لشيخ الطائفة الطوسي، أو كتاب (تهذيب الأحكام) لشيخ الطائفة الطوسي أيضاً، ويلحقها كتاب (من لا يحضره الفقيه) للشيخ الصدوق، وكانت هذه كُتب ممنوعة، ولكن كثيراً من الباعة يتحدون النظام وبعضهم تعرض للسجن ولكنه لم يتخل عن مهمته التي يعدَها مهمة رسالية لا ربحية ألا وهي التعريف بالمذهب والحفاظ عليه من دنس السلطة الغاشمة.

وهناك من الجنون ما يرتقي به أصحابه ليكونوا من صُنَاع الفنون من الشعراء الذين الرافضين لنظام الحُكم ونزعته الاستبدادية في الحُكم، فكتبوا قصائداً بلغة مكثفة وفيها الكثير من أساليب البلاغة في (التورية) و(الاستعارة) و(المجاز)، وقد ساعدهم في نشرها بعض باعة المُتنبي عبر استنساخها بطريق تبدو اليوم بدائية، ولكنها في وقتها تُعدَ نوعاً من الرفض والمواجهة الثورية.

سُجن بعض من أصدقائنا واستدعي الكثير منهم للأمن العامة، وصُودر الكثير من كُتبهم، وتعاطف معنا بعض من رجال السلطة المُثقفين وحمونا، وتحامل علينا بعض منهم.

ولكن شارع المُتنبي بقيَ أيقونة العشق الثقافي لبغداد الأمل، أو بغداد الأزل، ورغم ما تعرض له من هجمات وحشية في زمن النظام السابق واعتقال بعض من باعته، ورغم ما تعرضنا له من نكبة في التفجير الإرهابي عام 2007 الذي رام فاعلوه إيقاف دفقه الحيوي للثقافة العراقية، ورغم كل خساراتنا لبعض من أصحابنا الأثيرين إلى قلوبنا، أو خساراتنا المادية التي تتجاوز مئات الملايين، فنحن آل مرهج فقط خسرنا مخزناً كاملاً فيه الآلاف من الكُتب، وغيرنا خسر حياته، فقد قُتل عدنان، وهُدمت مقهى (الشابندر) وخسر صاحبها (محمد الخشالي) مقهاه وجلَ أولاده، واحترقت (المكتبة العصرية)، وقد فقدنا بعض من أصدقائنا، وفقد آخرون مثل الشاعر (جلال حسن) مخزنه بالكامل، وشاركه المصيبة (المهندس ستار وشريكه محمد فخري) وخسر أستاذ صباح ما كان في (بسطيته) وكتب الله لـ (كريم حنش حياة أخرى، بعد أن خسر مخزن كتبه وتهدمت بعض أركان مكتبته، وكذا الحال مع المكتبة القانوننية ومكتبة (محمد حياوي).

ولكن في الجنون فنون، فقد عُدنا والعود أحمدُ، وكل ما خسرناه من مال أو صاحب أو قريب فقدناه إنما كان لنا دافع لصناعة حياة.

فبعد أن تعاطفت الحكومة مع الفاجعة وتقديرها لأهمية شارع المُتنبي بوصفه أيقونة عراقية وأنموذج يُقلد ويُحتذى في دول عربية وغربية، كان لجنون الباعة فعله الأثير في تجاوز ما كان يرومه التكفيريون من إنهاء لتاريخ هذا الشارع وكتابة لوداع له يرتضيه الظلاميون، ولكننا نحن أبناء المُتنبي لا نرتضيه، فآثر جميعنا تجميع قواهم وقهر قوى الظلام بجنونا الأثير ومحبتنا لنشر وعي التنوير، فتحقق ما نصبوا إليه واليوم نحنة علامة من علامات بغداد، كما هو نصب الحرية، فهل يُمكن لك أن تتصور بغداد وساحة التحرير من دون وجود نُصب الحُرية؟، ولا أذيع لكم سراً لو قُلت لكم أن جنون (جواد سليم) هو من أنتج فنوناً تحكي تاريخ أرض وشعب مثل (بلاد الرافدين). هذا النُصب أو العلامة الفارقة شكل بعض من مشهدية الرؤية الجمالية لبغداد الحديثة.

وأعاود القول، فأسألك صديقي القارئ، هل يُمكن لك تصور بغداد من دون وجود لشارع لالمُتنبي؟، والجواب المؤكد (كلا)، وسأخبرك أن من صنع شارع المُتنبي بعد أن كان الكتاب يُباع ويُشترى في سوق السراي هو جنون أصحابه بكل ما فيهم نزوع للرفض أو القبول بسلطة، ولكنهم فنانون في تصدير الثقافة "ويُؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة".

شارع المُتنبي بجنونه شارع الرفض والمعارضة وإن كان في بعض من باعته ميل لنزعة سلفية وتأييد للنظام في دعوته للحملة الإيمانية، ولكن الغالب على باعته ورواده هو البحث عن الأثير من الخفي و(المظنون به على غير أهله) من الذي يبحثون عن الجديد في تنشيط الوعي لا تنميطه، وفي البحث عن يسارية الفكر لا يمينيته.

فكنت أظن ولا زلت أن سوق السراي وباعته من الكُتبيين يُمثلون يمينية الفكر، أو الفكر بنزعته المُحافظة، وأستثني منهم (مكتبة الفلفلي).

أما باعة المُتنبي وإن كان هناك بعض من باعتهم (راديكاليي) النزعة من المُتطرفين في إنتمائهم العقائدي سُنة كانوا أم شيعة، إلَا أن أغلب باعة شارع المُتنبي وصانعوه إنما كانوا ينتمون لتيار تجديدي يحلم بالتغيير والتجديد.

ولا زال باعة المُتنبي وأغلب رواده من المُثقفين هم من الذين فيه مس من الجنون وهيام بما بعطايا الفلسفة بنزعتها العقلانية، أو نزوع بعض من روادها وميلهم للصوفية ونزعتها العرفانية.

وسيبقى الجنون لصيقاً بشارع الفنون.

إنه شارع الذي نظر الأعمى إلى أدبه ...وأسمعت كلماته من به صصم.

 

د. علي المرهج

 

سليم الحسنيفي ركن مهمل ألقى همومه الشخصية، وجدها تُبطئ خطواته، فقرر أن يرميها هناك، وقبل أن يخطو، عاد فأحرقها خشية أن تحدّثه نفسه بالعودة اليها.

كان ينبسط أمامه طريق مستقيم، فحدّق في نهايته، رأى البيت العتيق، ورأى اثني عشر كوكباً على امتداده، فقرر أن يسير بنور الكواكب نحو البيت. إنه قرار صعب، فلا أشق على الانسان من السير في طريق مستقيم.

على الجانبين فقراء وجياع وأشخاص معصوبو العيون، يئن أولئك من وجع الحياة، ويضطرب هؤلاء من الظلمة. فزادت عزيمته على السير في الطريق المستقيم.

احتضن الفقراء، أجلسهم على حجره، أطعمهم بحنان، ثم زرع لهم قمحاً وحفر لهم بئر ماء.

عانق معصوبي العيون، قرّب من رؤوسهم قبسات من نور الكواكب، فنزعوا عصابات العيون، فهدأت نفوسهم وزال منها الاضطراب، وتوجهوا يسيرون أفواجاً في الطريق المستقيم.

قطع شوطاً من الطريق، كان بعضهم يلقي الأشواك يستهدف خطواته، لكنه كان يزيل الشوكة بزهرة.

حاول البعض أن يعيق سيره، لقد رأوه يقطع الطريق فينثر الخضرة على جانبيه، وكانوا يريدون الطريق مجدباً مظلماً تعوي فيه ذئاب الخرافة، فلم يكترث، يستنزل الثبات من كواكبه المقدسة، ويحتضن رفيق دربه حامل المشعل الكبير على حافات الخطر.

ملأوا قلبه ألماً، وأصر أن يملأ قلوب الفقراء سعادة، وأن يزيل الظلام من النفوس.

ضربت قلبه وخزة حادة حين توفي (داوود العطار) ركن مشروعه وأحد الأعمدة العالية في دربه.

انحنى ظهره ذات يوم، حين رحل رفيق الدرب (فضل الله) حزيناً شاكياً من ظلم الكائدين. لكنه واصل سيره.

ثم انحنى ظهره بعد ذلك حين ودعه حامل رايته (هاشم الموسوي)، وما لبث ان صدمته فاجعة موت عزيزه (محمد مهدي الآصفي).

تباطأت خطواته، فالحزن قهّار مُتعب، ينهك القوى، لكنه أوشك أن يمسك باب البيت العتيق. كانت آخر الخطوات تختلف عن السابقات، بدت خفيفة مريحة، وأحس ببرودة رطبة في صدره، لقد سمع صوت الترحيب، فدخل يلقي السلام ويسمع السلام.

 

سليم الحسني

 

حامد الحمدانيلم يكد يذاع خبر مصرع عبد السلام عارف في حادث الطائرة المروحية حتى بدأ الصراع على قمة السلطة، وكانت أطراف الصراع تتمثل أساساً في جبهتين رئيسيتين، على الرغم من محاولة الزعيم الركن [عبد العزيز العقيلي] ترشيح نفسه للرئاسة كجبهة ثالثة، وهاتان الجبهتان هما:

1 ـ الجبهة الأولى: وتتمثل بالعسكريين الممسكين بزمام القوة، حيث يمسكون بأيديهم كل المراكز الأساسية في الجيش، وقد وقفت هذه الجبهة إلى جانب اللواء عبد الرحمن عارف، شقيق عبد السلام عارف، وكيل رئيس أركان الجيش آنذاك بالإضافة إلى قيادة الفرقة العسكرية الخامسة المدرعة.

2 ـ الجبهة الثانية: وتتمثل برئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز، ومن حوله كل العناصر المدنية المرتبطة مصالحها بمصالح الغربية، بشكل أو بآخر.

وبموجب الدستور فأن انتخاب رئيس الجمهورية في حالة شغور المنصب يتمّ من قبل مجلس الوزراء، ومجلس الدفاع الأعلى بصورة مشتركة.

وهكذا فقد بادر مجلس الوزراء، ومجلس الدفاع الأعلى بعقد اجتماع عاجل في 16 نيسان 1966 لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وقد طُرح في الاجتماع ثلاثة أسماء:

1ـ الأول: عبد الرحمن عارف، وكيل رئيس أركان الجيش، وقائد الفرقة الخامسة المدرعة.

2 ـ الثاني: عبد الرحمن البزاز، رئيس الوزراء.

3 ـ الثالث: الزعيم الركن عبد العزيز العقيلي، قائد الفرقة العسكرية الأولى.

وفي دورة الاقتراع الأولى حصل البزاز على 14صوتاً من مجموع  28 صوتاً، فيما حصل عبد الرحمن عارف على 13 صوتاً، ونال عبد العزيز العقيلي على صوت واحد فقط هو صوته، وكان الضباط المصوتين لعبد الرحمن عارف 11ضابطاً من مجموع 12، باستثناء العقيلي، فيما صوت 14 من الوزراء للبزاز وعضوان لعارف، ولكون أن أحداً لم يفز بأغلبية الثلثين، كما نص الدستور فقد جرت دورة ثانية، كان فيها تأثير الضباط حاسماً، فقد أصروا على انتخاب عبد الرحمن عارف مهما كان الثمن، رافضين قبول تولي البزاز رئاسة الجمهورية، مما أضطر البزاز إلى سحب ترشيحه تحت ضغط العسكريين لصالح عبد الرحمن عارف، فقد كانت القوى المسيطرة على الجيش، وخاصة عدد من أقرباء عارف، وفي المقدمة منهم [سعيد صليبي] رجل النظام العارفي القوي، لها القول الفصل في عملية الانتخاب، كما أن عبد الناصر، والناصريين، وقفوا إلى جانب عبد الرحمن عارف ضد البزاز المعروف بولائه للغرب، هذا بالإضافة إلى أن عبد الرحمن عارف الذي يتسم بالضعف، وعدم القدرة على إدارة شؤون البلاد، وقلة طموحه، جعل البزاز ورفاقه يرضخون لانتخاب عارف، ويفضلونه على أي مرشح آخر، حيث اعتبروه أقل خطراً من غيره على مراكزهم في السلطة.

وهكذا تولى عبد الرحمن عارف رئاسة الجمهورية، فيما بقي البزاز رئيساً للوزارة وكان نظام عبد الرحمن عارف امتداداً لنظام أخيه عبد السلام، وإن كان أقل عدوانية منه، وبقي محور النظام يستند على الحرس الجمهوري، وتعاون  الجمبلين الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للحرس الجمهوري.

كان عبد الرحمن يفتقر إلى الدهاء والطاقة، ولا يتمتع بسلطة قوية لاتخاذ القرارات ويفتقد للحدس السياسي، والمعرفة بالشؤون العامة، وعدم القدرة على إدارة دفة الدولة، كما كان يفتقر إلى روح المبادرة والمناورة، حتى شعر كل من كان حوله  إلى انه لم يخلق ليكون رئيس دولة، فاقداً لأي طموح، ولذلك فقد كان العوبة بيد عدد من الضباط المتخلفين والأنانيين الذين لا يهمهم سوى مصالحهم الشخصية، معتمدين على الولاءات العشائرية والإقليمية.

 وكان [سعيد صليبي] يلعب الدور الأكبر من بين جميع الضباط في إدارة شؤون البلاد العسكرية، فيما أعتمد عارف على [خيرالدين حسيب]، ناصري من مدينة الموصل، في جميع الأمور المتعلقة بالشؤون الاقتصادية والنفطية، أما الشؤون السياسية فكانت من حصة رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز.

 لم يسد في العراق على عهد عبد الرحمن عارف أي استقرار سياسي بسبب تصارع الأجنحة، المدنية منها والعسكرية، فلم يكن العسكريون راضين على وجود البزاز رئيساً للوزارة، واضطر البزاز في آخر الأمر إلى تقديم استقالة حكومته، تحت ضغط العسكريين، في 16  آب 1966.

لقد حاول البزاز خلال فترة حكمه الممتدة من 18 نيسان 965 إلى 16 آب 1966 إعادة الاعتبار للإقطاعيين، وكبار ملاكي الأرض القدامى، كما قدم لهم خدمات، وامتيازات حرمهم منها قانون الإصلاح الزراعي الذي شرعته حكومة عبد الكريم قاسم، فقد رفع معدل الفائدة المدفوعة للإقطاعيين عن ثمن الأرض المستملكة منهم بموجب القانون من 0,5% إلى 3 % سنوياً، وبذلك حمل الفلاحين المعدمين حملاً ثقيلاً ليست لهم القدرة على حمله، مما أدى إلى تدهور أوضاعهم الاقتصادية أكثر فاكثر،كما انه قام بتحديد قيمة مياه فروع الأنهر التي تتدفق لسقي تلك الأراضي، وبذلك حقق للإقطاعيين دخلاً كبيراً أقتطعه من دخول الفلاحين الكادحين، والضعيفة أصلاً .

لقد سعى البزاز إلى تقليص دور العسكريين وامتيازاتهم، وحاول تقليص ميزانية وزارة الدفاع، مما أثار غضب العسكريين عليه، ودفعهم إلى السعي للتخلص منه، مستغلين محاولة عارف عبد الرزاق الانقلابية في 15 آب 1967 ليطلبوا منه الإستقالة، ورضخ البزاز للأمر وقدم استقالة حكومته، وطلب عبد الرحمن عارف من الزعيم الركن المتقاعد [ناجي طالب] تأليف وزارة جديدة.

ومعلوم أن ناجي طالب هو أحد أعضاء اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار الذين ساهموا في ثورة 14 تموز 1958، وهو من مواليد1917، من مدينة الناصرية شيعي، ويمثل الاتجاه القومي في تلك اللجنة، وقد تولى عدة مناصب وزارية في عهد عبد الكريم قاسم، لكنه انشق عنه، وتحول نحو التعاون مع القوميين، وحزب البعث للإطاحة بحكومته، وشغل منصباً وزارياً في الحكومة الانقلابيون في8 شباط 1963، وقد عرف ناجي طالب بتذبذبه السياسي ما بين القومي المستقل والناصرين، وحاول الجمع بين الأجنحة العسكرية المتصارعة داخل السلطة باتخاذه المواقف المعتدلة.

تألفت وزارته من 7 ضباط، و12 مدنياً، من كبار موظفي الدولة الاختصاصين، لكن تناحر الأجنحة استمر في عهد وزارته، رغم محاولته الجمع بين القوميين والناصريين والبعثيين، الذين بدأوا بالظهور من جديد على المسرح السياسي، واستمرار الصراع من جهة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد إثر نشوب الخلافات مع شركات النفط، وبسبب خلافات تلك الشركات مع سوريا حول حصتها السابقة والمتراكمة عن عائدات مرور النفط عبر أراضيها  إلى مينائي بانياس، وطرابلس، وتوقف تدفق النفط، مما سبب انخفاضاً كبيراً في عائدات النفط التي كان العراق بحاجة ماسة إليها، ونتيجة لهذه الأوضاع قدم ناجي طالب استقالة حكومته.

تصاعد صراع الاجنحة وعارف يشكل الوزارة برئاسته:

نتيجة لتلك الظروف الصعبة، وتناحر الأجنحة العسكرية، وتكالبها على السلطة، أضطر عبد الرحمن عارف إلى تشكيل الوزارة برئاسته، وبذلك اصبح ممسكاً بالمنصبين، رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزارة، واتخذ له أربعة نواب لرئاسة الوزارة، يمثلون مختلف الأجنحة. فقد عين طاهر يحيى، بعثي سابق، وعبد الغني الراوي، قومي و ذو اتجاه إسلامي، وإسماعيل مصطفى، شيعي، من جماعة عبد العزيز العقيلي، وفؤاد عارف، عن القوميين الأكراد، وقد ضمت الوزارة كل من عبد الستار عبد اللطيف للداخلية، وشاكر محمود شكري للدفاع، وفاضل محسن الحكيم للمواصلات، وعبد الكريم فرحان للإصلاح الزراعي، بالإضافة إلى 16 شخصية مدنية، من اتجاهات مختلفة ولذلك فقد بدا منذُ الوهلة الأولى أن من الصعب جداً الجمع بين هذا التكوين ذي الاتجاهات والميول المختلفة، وأصبح بقاء هذه الوزارة مسألة وقت ليس إلا، وقد تسارعت الأحداث، حينما وقعت حرب 5 حزيران العربية الإسرائيلية عام 1967، والتي استمرت لمدة خمسة أيام فقط، وانتهت بهزيمة منكرة للعرب، واحتلال إسرائيل لكامل الضفة الغربية، وهضبة الجولان السورية، وصحراء سيناء المصرية.

لم يكن العراق  مستعدا لتلك الحرب، فقد كانت ثلثي قواته العسكرية مشغولة في بالحرب في كردستان، وبعيدة جداً عن ساحة المعارك التي تزيد على [1000كم]، ولم يكن لدى العراق سوى اللواء الثامن الآلي قريباً من الساحة،عند الحدود السورية الأردنية، حيث أوعز لها عبد الرحمن عارف بالتحرك إلى ساحة الحرب بأسلوب استعراضي لم يراعِ فيه جانب الأمان لقواته المتقدمة، وهو العسكري الذي كان بالأمس رئيساً لأركان الجيش، ثم اصبح قائداً عاماً للقوات المسلحة، بعد توليه مقاليد الحكم في البلاد.

لقد وقف عبد الرحمن عارف يخطب من دار الإذاعة والتلفزيون معلناً تحرك القوات العراقية إلى ساحة المعركة، وكان ذلك التصرف منه خير منبه لإسرائيل لتهاجم طائراتها القوات العراقية وهي في طريقها إلى سوريا عبر الصحراء منزلة بها الخسائر الكبيرة . ومن المحزن في تصرفات عارف وجهله، أنه وقف يخطب بعد نهاية الحرب قائلاً:

 {إن إسرائيل تعرف عنا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا}، فيا للكارثة أن يقود العرب حكام بهذا المستوى.

لقد أثبتت تلك الحرب أن البونَ كان شاسعاً بين العرب وإسرائيل، فالحكومات العربية كانت على درجة خطيرة من التخلف يسودها الصراعات بين مختلف الأجنحة المتصارعة، والعسكرية منها بوجه خاص، حيث هيمن الضباط على معظم الأنظمة العربية، وعمت الفوضى في البلاد، وساد التخلف كل جوانب الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية  في حين كان الإسرائيليون قد هيأوا أنفسهم للحرب، وحولوا كل جهودهم وقواهم لتعزيز جيشهم، وأصبحت إسرائيل مسلحة حتى الأسنان بأحدث أنواع الأسلحة والتكنولوجيا الحربية، ويقودها أناس يعرفون ما يفعلون، أفلس عاراً على الدول العربية التي تعد إمكانياتها المادية والبشرية عشرات أضعاف إسرائيل أن تستطيع إلحاق الهزيمة بالجيوش العربية خلال ستة أيام؟

 

حامد الحمداني

 

 

عبد الجبار الرفاعي

رحل صباح يوم الثلاثاء 16-10-2018 عن عالمنا الصديق الحاج كاظم عبدالحسين، الرجل الذي نذر حياته وماله ووجاهته وعلاقاته لمداواة جراح الفقراء والبؤساء... الرجل الذي لم ينس خلق الله فلم يُنسِه اللهُ نفسَه... الرجل الذي لم يسكره ترفُ الأغنياء والوجهاء وذوي السلطان كما أسكر غيرُه ممن نسى الله فأنساه الله نفسَه.

تعرفت على الأخ كاظم عبدالحسين قبل أكثر من 45 عاما، حين كنت في زيارة للكويت مطلع السبعينيات من القرن الماضي، وأنا فتى لم أتجاوز المرحلة المتوسطة في الدراسة، ولفرط ثناء شقيقي أبي عادل "شريف القحطاني" على كاظم عبد الحسين، وتبجيله لروحه الخيرية وتطوعه في رعاية خلق الله، صار لقاؤه أمنية في نفسي، وألححت على أخي أن نبادر فورا لزيارته في اليوم الثاني من وصولي للكويت قادما من العراق، ربما سنة 1971، فذهبنا الى شركته مع صديقه المرحوم أحمد ملا رضا، في منطقة "الشرق" في مدينة الكويت. ظننت أن كاظم عبدالحسين رجلا متكلفا في حديثه وجلوسه ولغة جسده، حسب الصورة المتخيلة في ذهني للوجهاء والبشر الأغنياء، غير أني فوجئت حين وجدته شخصية عفوية، متفائلة، طموحة، مهذبة، دافئة، حميمية، صادقة، أصيلة، حقيقية، تلغي المسافات الشاسعة بينك وبينها بسرعة، ولا تشعرك بفارق في العمر، أو المقام، أو أية ميزة اضافية حقيقية أو زائفة.كان يتحدث معنا ويوجه حديثه لي؛ وكأننا أصدقاء منذ سنوات طويلة. ترك ذلك اللقاء ذكرى لن تمحوها الأيام في ضميري، بالرغم من أني لم أتفاعل مع شريكه أحمد ملا رضا، الذي لم تكن لغةُ جسده وتعبيرات وجهه وكلماته الشحيحة، وطريقته البروتوكولية في التعامل جذابةً لي للوهلة الأولى.

أنا أنتمى الى الجيل الذي تخلص بأعجوبة من زنزانات صدام وحروبه المزمنة، وبالنسبة لي وجماعة من معارضي نظام صدام الفاشي من جنوب العراق والفرات الأوسط، لولا الملاذ الذي توفر لنا في الكويت، لأفنتنا آلة القتل والتعذيب الصدامية، لم يكن بوسعنا أن نصل الكويت عبر الحدود بجوازات سفر، لأننا كنا مطاردين من السلطة، فاضطررنا أن نأتي للكويت عام 1980 ليلا، هربنا نتخبط في الصحراء، عبر مسالك وطرق عشوائية فوضوية في الصحراء، تحملنا فيها سيارة حديثة "وانيت GMC"، كدسونا في حوضها المكشوف، ونحن  25 شخصا، كما السردين المعلب. أمضينا ليلة مرعبة، نكاد كل ساعة أن نسقط في فخ كمائن الشرطة الخافرة للمناطق الحدودية وما يتاخمها، لكن خبرة مغامرين ثلاثة من شباب البادية الجنوبية أنقذتنا، فقد كانوا يتناوبون على قيادة السيارة، فيجازفون في التخبط بالسير في ظلام الصحراء الحالك، دون إضاءة المصابيح الأمامية للعربة أو غيرها، ولولا مهارتهم في المراوغة والاختباء عن الشرطة التي أوشكت أن تصطادنا غير مرة، لسقطنا في الفخ، وأمسى مصيرنا في زنزانات اعدام صدام.

كنا غرباء في الكويت لا نمتلك أية وثيقة رسمية تمنحنا حق الإقامة، ما اضطرنا أن نلبث لسنوات في أقبية وبيوت عتيقة في مناطق شعبية، مثل: خيطان وجليب الشيوخ وصيهد العوازم والفروانية... وغيرها. أمضيت أكثر من سنة حتى حصلت على جواز سفر من سفارة دولة عربية، تكفلت رعاية المعارضة العراقية، ثم استطعت تأمين إقامة على هذا الجواز، حتى غادرت الكويت للمرة الأخيرة في الأيام الأخيرة من عام 1983، بعد أن مكثت فيها أربعة أعوام تقريبا.

لم يكن متاحا لي ولا لزملائي التواصل مع الكويتيين بيسر وسهولة، بحكم وضعنا السياسي الخاص، بوصفنا معارضين لنظام صدام، لكن منذ وصولنا ارتبطنا ببعض الشخصيات بعلاقة وثيقة، لعل عددهم لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، إلا أنهم تضامنوا معنا تضامنا إنسانيا أخلاقيا، في ظروف بالغة الحرج والحساسية الأمنية والسياسية، لم تكن لنا أية علاقة سياسية بهؤلاء الأصدقاء، ذلك أننا غير معنيين بالشأن السياسي والأمني الكويتي، ولا تهمنا سياسة حكومة الكويت، كافة جهودنا مكرسة لتحرير بلدنا من نظام صدام الفاشي. منحنا الكثير من الثقة والاحترام والرعاية والدعم؛ الأخوة: كاظم عبدالحسين، فزاع الحسون، حسن حاجي، المرحوم محمد خضير "أبو مصعب"، حسن فالح.

402 كاظم عبدالحسينلكن كاظم عبدالحسين كان ملاذنا في كل مأزق، أو أزمة، أو مهمة عاجلة ملحة، طالما بادر في مواقف كريمة، قبل أن يسمع منا سؤالا، أو طلبا لحاجة. العراقي بطبيعته فائق الحساسية، ينفر من الشخصيات اللامسؤولة أو الباردة أو البطيئة الاستجابة، وميزة كاظم عبدالحسين أنه يستبطن حدسا أخلاقيا وروحا رحمانية تكتشف آلام الآخر وتتوجع لما يعانيه، فيبادر لإسعافه وإغاثته. إنه لا يمنّ على شخص بإشارة أو قول أو فعل أو حركة تفسد إحسانه.

كاظم عبدالحسين وجيه محترم، يمتلك شبكة علاقات استثنائية بمراجع الشيعة في النجف وقم، ورجال الدين والخطباء في الحوزات الشيعية، ورجال الأعمال المعروفين في الكويت، يحظى بدعم وثقة كلّ من عاصرهم من المراجع، فهو وكيلهم ومعتمدهم الذي لم تتصدع ثقة أحد منهم به على طول حياته. مثلما يحظى بثقة معظم من يعرفه من الشيعة، بوصفه متطوعا للعمل الخيري والخدمة الاجتماعية.

لم تتوقف مبادرات وآثار حاج كاظم عند الكويت، بل توطنت مجتمعات أخرى، فهو يسهم في بناء مبرات الأيتام بلبنان، ويرعى "مؤسسة البلاغ" في طهران، ويدعم العمل الخيري والتعريف بالإسلام في افريقيا، ويتنقل على الدوام في بلدان عديدة، بحثا عن فرص لبناء مشاريع الخدمة الاجتماعية التي تتكفل تأمين متطلبات الناس الأساسية، وتوفير فرص مناسبة للتربية والتثقيف والإغاثة.

"دار التوحيد"، و "حملة التوحيد"، مشروعان رائدان يرمزان لبصمة الروح التطوعية لهذا الرجل الذي يبتهج بما يهبه للآخرين، ويجسّد الشخصية المثالية، لما شدّد عليه رسول الله (ص): "خير الناس من نفع الناس".

"دار التوحيد"، مؤسسة تهدف لنشر ثقافة إسلامية للناشئة والشباب، تعرّف بالإسلام، ومعتقداته، ومفاهيمه، وأحكامه، بأسلوب ميسر يفهمه الجميع، ويبتعد عن إثارة وترويج أي شكل من التعصبات الطائفية، وما يشي بكراهيات تكفيرية أو مغالية. بادر هو بمعية مجموعة من رجال الأعمال بتأسيسها عام 1974، ورصدوا لها ميزانية تؤمن نفقات التأليف والطباعة والنشر والتوزيع، على أن توزع إصداراتها مجانا. تتخذ إصداراتها شكل كراسات لا تتجاوز صفحاتها 100 صفحة في الغالب، تعاقب على إدارتها في الكويت: المرحوم داود العطار، حسن حاجي، عبدالجبار الرفاعي، عمار كاظم عبدالحسين.

تسلمتُ إدارة "دار التوحيد"سنة 1983 من الصديق حسن حاجي، الذي لبث يعمل لسنوات مديرا متطوعا لها، وقتئذ كنت بعمر 29 عاما، ولم تكن لدي خبرة متراكمة في إدارة المؤسسات ثقافية، غير أني وجدت التنظيم الذي أرسى تقاليده السيد داود العطار، وكرسه حسن حاجي، يتكفل تسييرا ذاتيا للدار وضبط إايقاع العمل فيها، بالرغم من غزارة إنتاجها يومذاك، وقلة فريق العمل فيها، فقد كانت توزع من كل كراسة بحدود 10000 - 20000 نسخة عبر البريد لمختلف بلدان العالم الإسلامي في آسيا وافريقيا. حدثني حاج كاظم أنه كان يرى مصابيح "دار التوحيد" مضاءة أحيانا خارج أوقات دوام فريق عملها، في منتصف الليل، ليكتشف لاحقا أن داود العطار يعمل ليلا مع بناته لإنجاز ما لم يستطع العاملون في الدار إنجازه لزحمة مهامهم وتنوعها.

حين كنت أدير اجتماعات مجلس أمناء "دار التوحيد" المؤلفة من نخبة رجال أعمال، أدركت أن "دار التوحيد" هي كاظم عبدالحسين، وكاظم عبدالحسين هو "دار التوحيد"، كل منهما يعبّر عن الآخر ويمثله. إنها مؤسسة مشبعة بأحلامه ورؤيته المشرقة المتبصرة، ومتطلعة الى ترسيخ ايمان يحرّر روح الإنسان من اغتصاب المعتقدات المتطرفة العنيفة، وبناء تدين أخلاقي إنساني، ينشد التسامي بإنسانية الإنسان.

كما أن "حملة التوحيد" لم تكن قافلة تقليدية لأداء مناسك الحج، مثلما هي قوافل الحج الأخرى، انما هي مشروع أغنى وأشمل وأرحب من ذلك، لا أتذكر أني تشرفت في موسم الحج ولم أحل ضيفا على "حملة التوحيد"،كان يبهرني فيها التنظيم في كل شيء، ومجموعة من الشباب الكويتيين المتدفقين حيوية؛ ممن يبادرون الى توفير كافة المتطلبات الضرورية والكمالية للحجاج، كل حسب المهمات الموكلة اليه. مع أن أولئك الشباب يفتقرون لمثل هذه الحيوية في بلدهم، ذلك أنهم يعتمدون في إعداد متطلبات حياتهم ومنازلهم على العدد الفائض من الخدم والخادمات، لكن تطوع كاظم عبدالحسين بالخدمة المجانية هو وأولاده، وتشديده على شعار يتلخص بقوله: "لا وقت للراحة، الراحة هي وقت العمل"، ورفضه الارتزاق من ريع "حملة التوحيد". كل ذلك عمل على إشادة فضاء تربوي روحاني أخلاقي في موسم الحج؛ يتدرب فيه الشباب على تعزيز روح المبادرة لخدمة الناس، والمسارعة للتسابق لفعل الخيرات.

مما يميز "حملة التوحيد" انها هي الوحيدة التي تفردت ببرنامج تثقيف ديني مختلف، يتولاه المرحوم السيد محمد حسين فضل الله، الذي كان جسورا صريحا في دعوته لتحديث التفكير الديني، وتشديده على ضرورة إصلاح المؤسسة الدينية، والمنبر والشعائر الحسينية.كنت أحرص على الإصغاء لعظاته الدينية بعد الصلوات في "حملة التوحيد"، وأتعطش لنقده الجريء ودعوته الإصلاحية، واهتمامه ببناء علاقة ودية مع الشباب الحالمين بالتجديد أمثالي.  لا يكفّ السيد فضل الله عن الثناء على حماسنا، والتفاؤل بما سيؤول اليه نمط التدين ومصائر عالم الإسلام لو تنامت مجالات النقد، واتسعت مساحة المنخرطين في الدعوة للإصلاح.

بالرغم من أن كاظم عبدالحسين يفتقر الى التكوين الأكاديمي والثقافي النظري، ولا يقرأ أو يتابع الإنتاج الفكري إلا أنه كان يتمتع بحس ثقافي، ورؤية إصلاحية، وإرادة يقظة للتغيير، وروح حرة، وعزيمة لا تتراجع، وإصرار لا يتراخى، ومثابرة لاتهدأ. فهو على الدوام ينحاز للإصلاح ولا يتردد في دعم أية محاولات للبناء الهادف، ويتضامن بشجاعة واصرار مع رواد الإصلاح في الحوزات الشيعية، ولا يكترث بما يثيره مناهضوهم من تهم وافتراءات ظالمة. هكذا كانت علاقة كاظم عبدالحسين بالمرجع السيد محمد باقر الصدر، الذي انتدبه وكيلا عاما له في الكويت، ومنحه ثقته التامة، وتعمقت علاقتهما بمرور الأيام، فقد حدثني الحاج كاظم انه ذهب بنفسه الى الشهيد الصدر، وقال له: سيدي لي اليك حاجة، أرجو أن تقضيها؟ فأجاب الشهيد الصدر: تفضل، قال الحاج كاظم: لدي أمنية أن أشتري لك داراً من أموالي الخاصة لا من الحقوق الشرعية "الخمس"، فتبسم الشهيد الصدر،ثم قال: اشتر؛ لكن بشرط أن تشتري دارا لكل طالب علوم دينية في النجف لا يملك داراً، وأنا أحد هؤلاء، يقول الحاج كاظم، فقلت له سيدنا: إن هذا الشرط غير مقدور!

وهكذا تواصلت مواقفه الكريمة مع المرجع السيد فضل الله، فقد وظّف كافة إمكاناته وعلاقاته وجهوده لرعاية مؤسساته الخيرية، وانبرى للدفاع عنه بشجاعة وصرامة، فرفض كل ما ألصقه به المزورون والمهرجون من اتهامات مبتذلة.

لم يكن كاظم عبدالحسين مليارديرا ولا مليونيرا عظيما، لكنه كان يمتلك تأثيرا معنويا كبيرا على جماعة من رجال الأعمال والتجار المعروفين في الكويت، كانوا يثقون به قدر ثقتهم بأنفسهم، ويضعون تحت تصرفه ما تتطلبه مشاريعه الخيرية من أموال.

لا تعرف اهتمامات أغلب رجال الأعمال والأغنياء الشيعة المتدينين في البلاد العربية إلا اعطاء الخمس للمراجع ووكلائهم، والإنفاق على الحسينيات ومتطلبات وطعام العزاء وقراء التعزية. ونادرا ما نجد أحدا من رجال الأعمال والأغنياء الشيعة في بلادنا من يبادر للاهتمام بالتنمية العلمية والثقافية ومؤسسات التربية والتعليم والثقافة، فيعمل على إنشاء جامعات أو مؤسسات فكرية أو مراكز أبحاث، أو ينفق على مطبوعات علمية وثقافية رصينة، أو يساهم بتمويل ما هو جاد منها. ولم نجد أحدا منهم يبادر لتأسيس جائزة على غرار جائزة الشاعر الإمارتي سلطان العويس، أو يتبنى مؤسسة ثقافية كمؤسسة عبدالحميد شومان في الأردن. أتذكر أني طالعت حوارا مع رجل الأعمال الاماراتي الشيعي مهدي التاجر نشرته مجلة "سوراقيا" التي كانت تصدر في لندن قبل نحو ثلاثين عاما، قال فيه انه "يمتلك خمسة مليارات دولار"، وان كنت أشك في امتلاكه لهذه الثروة وقتئذ، لكن المشهور أن مهدي التاجر كان مليارديرا1 ، غير ان ذلك الملياردير لم يترك في عالمنا بصمة ثقافية تخلده، مثلما فعل مواطنه سلطان العويس، الذي صار الكبار من المبدعين العرب يفتخرون بتتويجهم جائزته الرائدة.

يبقى كاظم عبدالحسين علامة فارقة بين كل من أعرف من رجال الأعمال والتجار الشيعة المتدينين العرب، لأنه بذكائه الفطري أدرك الأهمية الكبرى للفكر مبكرا، فأسس دار التوحيد سنة 1974 وكفل تأمين تمويل اصداراتها عبر علاقاته الواسعة.

رحم الله الصديق النبيل كاظم عبدالحسين، الضمير الأخلاقي والروح الرحمانية اليقظة التي تتألم لآلام الآخرين، والذي كرّس حياته لخدمة الناس وإسعادهم، وأدرك أن حقيقة "السعادة هي أن تسعد الآخرين". يظل المرحوم كاظم عبدالحسين ملهما لأخلاقيات الإيمان والصدق والإخلاص والأمانة والشجاعة والوضوح وعدم المراوغة. تعلمت منه شعارا طالما بعث طاقتي وقت التعب: "لا وقت للراحة، الراحة هي وقت العمل".

 

عبد الجبار الرفاعي

.......................

1- تبلغ ثروة مهدي التاجر 2.3 مليار دولار أمريكي في قائمة صنداي تايمز للأثرياء في عام 2010. ويكيبديا، الموسوعة الحرة.

 

بدأنا العمل الفعلي بالنفق في نهاية آيار أو بداية حزيران من عام 1967 وبينما كنا في غمرة هذا العمل والتحضير له، كانت هناك أحداث تشغل كل المنطقة والعالم أيضا بالتوتر الذي نتج عن الأعمال الاستفزازية الإسرائيلية وعن موقف مصر بقيادة جمال عبد الناصر بوجه تلك الاستفزازات وخلال أيام من تصاعد الأحداث نشأت فكرة تـحـريـر أنـفـسنـا من السجن بطريقة أخرى اذا وقعت الحرب بين العرب واسرائيل، إلا ان تلك الفكرة وطريقة تحقيقها لا يمكن أن تنجز ببضعة أفراد بل هي تحتاج الى مجهود كل السجناء الشيوعيين وخاصة الكوادر منهم . والفكرة التي نضجت لدينا هي الاستيلاء على إدارة السجن وقواته الحارسة والامكانات كانت متوفرة تماما لمثل هذا العمل . ولأن جميع أعمال السجن الادارية كانت بيد رفاقنا، مثلا استلام القادمين الى السجن وتسليم الخارجين منه واستلام الأرزاق والمحاسبة مع المقاول واستلام النداءات الداخلية والمخابرات الخارجية، والى جانب كل هذا كان معنا عدد كبير من ضباط الجيش العراقي سجناء ومن بينهم ضابط كبير هو الزعيم ابراهيم الجبوري (الملقب بـ الخال) وهؤلاء في أغلب الأوقات يتواجدون مع المدير أو مع مأمور السجن ويجري تعداد السجن مرتين في اليوم الأول في الساعة التاسعة صباحا والثاني في الساعة الرابعة بعد الظهر، ويدخلون الى داخل السجن كل ضباط الصف مـــــــن رئيس العرفاء الى اصغر رتبة ولم يبق في ادارة السجن الا نفر أو نفران فقط . وكان ملخص الخطة هو: القيام بعملية الاستيلاء على ادارة السجن خلال عملية التعداد، وقسمت الخطة الى قسمين الأول منها يبدأ بعملية الاستيلاء على القوة الداخلة للتعداد وعندما تدخل الى أبعد قاعة عن الادارة حتى لا يسمع صوت أو حركة وهم لا يزيد عددهم على عشرين شخصا وبالإمكان أن نجهز لهم (80) مناضلا في القاعة الكبيرة ويدعمون بعدد آخر عند الحاجة. وخلال تلك اللحظة يبدأ القسم الثاني من الخطة حيث يقوم الرفاق الضباط ومن معهم من الرفاق العاملين في الادارة بالاستيلاء على المدير والمأمور اذا كانوا في الادارة ومن معهم من النفرات والحاقهم بالمحجوزين في القاعة الكبيرة وحينذاك نستولي على مشجب السلاح ويرتدي بعض الرفاق الملابس العسكرية لاصطياد بعض السجانة الذين هم خارج السجن والحاقهم بجماعتهم . وأفضل وقت للحركة هو في تعداد الساعة الرابعة بعد الظهر  ويمكن اذا نجحت الحركة تسريب عدد من الرفاق في تلك العصرية أما اذا كلكل الظلام يمكن في كل ســـــــــاعه اخراج (100) شخص وكان مجموعنا لا يزيد على ثلاثمائة مناضل، عدا السجناء العاديين وهم محجوزين في قلعة على انفراد، هذه هي أوليات الخطة . الا انـي أقول اذا وقعت الحرب علينا أن نفكر بتحرير أنفسنا عن طريق الاستيلاء على إدارة السجن وكانت الآراء غير منســجمـــة حول الفكرة لأسباب توضحت فيما بعد، علما ان جميع أعضاء اللجنة لا يعرفون بموضوع النفق عدا حافظ رسن . وكما ذكرت سابقا ان مثل هذا العمل لا يمكن الإقدام عليه بعدد قليل من الرجال وكان التقدير الأولي هو انه نحتاج كحد أدنى الى مائة مناضل يتحلون بضبط عسكري وموحدين في الارادة والعمل . وكان بيننا ما يزيد على (50) ضابطاً وضابط صف. وكنت أفكر بالقيام بمشاورات فردية مع الكوادر لغرض انضاج الفكرة الا ان الوقت أدركنا حيث طلب جمال عبد الناصر من الأمم المتحدة، أن تسحب قواتها الفاصلة بين مصر واسرائيل وفي ذلك اليوم وجهت دعوه الى كافة الكوادر الحزبية الموجودة في السجن وكان عددهم لا يزيد على عشرين رفيقاً بما فيهم أعضاء اللجنة الى اجتماع خاص . وكانت النية أن أطرح عليهم الفـــكرة، ولأن مثل هذا العمل من أول مستلزماته أن يوافق عليه الكادر الموجود وعند المساء تم عقد الاجتماع، وافتتحت الجلسة بكلمة استغرقت ما يقارب من عشرين دقيقة بادئا بموضوع الضغوط الامبريالية على مصر بهدف تغيير سياستها أو الإطاحة بجمال عبد الناصر والأداة الفعالة بالضغط هي اسرائيل وختمت الحديث ان الحرب على ما يبدو آتية . فهل هناك من امكانية لتحرير أنفسنا من السجن، وقلت يجب أن نبحث هذا الموضوع من كل جوانبه، وقد تعقد عدة اجتماعات لهذا الغرض من أجل أن نتوصل الى أفضل المقترحات  هذا ما رغبت عرضه أيها الرفاق وبعد لحظات من الصمت طلب الكلام مظفر النواب وموجها كلامه نحوي بصيغة سؤال، قائلاً : هل تعتقـــــد يا أبا علي أن هناك حرباً ستقع واردف قائلاً : أن العميل الأمريكي جمال عبد الناصر، بعد أن فشلت سياسته في المحيط العربي، وهو يعاني العزلة ولذا تحاول الإمبريالية الأمريكية أن تعيد له بعضا من بريقه السابق عن طريق هذه الألاعيب (وفي الحقيقة أن هذا معنى الحديث وليس نصه) . وبعده طلب الكلام الفريد سمعان وكان أكثر شدة من صاحبه في العرض حيث قال: ان اسرائيل لا تجد في المنطقة أفضل من جـمـال عـبـد الناصر وسياسته وتكلم كثيرا وختم قوله (لا حرب ولا هم يحزنون) . وتكلم الكثير من الرفاق، ولكن الحديث أصبح اطاره هل تقع الحرب أم لا وهل جمال عبد الناصر وطني أم عميل . ولم يتطرق إلا القليل الى لب الموضوع . وتبين لي من خلال تلك الجلسة ان عدداً غير قليل من الحاضرين في ذلك الاجتماع يناصرون افكار عزيز الحاج . ويعتبرون ان أغلبية قيادة الحزب يمينية ودليلهم على تلك اليمينية لهذه الأغلبية، حيث لها موقف من القضايا القومية ولذا يناصرون جمال عبد الناصر ويعلقون عليه الأمل . واستمرت أحاديث الرفاق بهذا الاتجاه أو باتجاه معتدل الى ساعة متأخرة من تلك الليلة وقبل انقضاء الاجتماع كان حافظ رسن جالسا الى جانبي همست بأذنه قائلا: (نبقى بشغلتنا أفضل بكثير)، وتبادلنا الابتسامات. وأعلن عن انتهاء الاجتماع دون أن تطرح أية فكره عن تحرير أنفسنا . بل وتحول الحديث الى الانجرار الى السياسات القومية . وعن المواقف اليمينية بكلمات يسارية متطرفة خالية من أي محتوى في الحياة العملية . حقا ان المناضلين الذين يذهبون بعيداً بالتــــــــطرف اليساري يجدون كل اليسار يمينهم . ويقال ان ثوار الملايوا في الستينات عقدوا مؤتمراً وتوصلوا في تحليلاتهم عن سياسة الصين حيث اعتبروا في ذلك الوقت سياسة ماوتسي تونغ، انها سياسة يمينية (وعلى هذا النغم   جيب ليل و خذ عتابة) .

وهكذا وضع المشروع على الرف، وبعد بضعة أيام بدأت الحرب ويوم استقالة جمال عبد الناصر، جاء بعض الرفاق ممن كانوا حاضرين الاجتماع المشار اليه أعلاه يخبرني بأن مظفر النواب نائم على وجهه ويبكي، قلت لهم ان مظفر يبكي على نفسه ولا يبكي على أحد . والمهم خلال الحرب نشطنا سياسياً  في تلك الفترة في تقديم المذكرات والمطالبة باطلاق سراحنا للمساهمة في معركة الشرف، وخاصة رفاقنا الطيارين العسكريين الموجودين في السجن، وعلى كل حال بعد اسبوعين عاد كل شيء الى وضعه الطبيعي في داخل السجن، وبعد فترة أخذنا نواجه مشكلة تصريف التراب الذي نخرجه من النفق وأصبحت هذه المشكلة تضايقنا يوما بعد آخر، وخلال حزيران وتموز استخدمنا عدة طرق لتصريف التراب . كنا نجمع علب الصابون الفارغة ونملأها بالتراب ونـرمـيـها فـي بـرامـيل الزبـل ورمينا كمية قليلة من التراب في مجاري المرافق الا ان المجاري سدت ونرمي كمية من التراب مع فضلات المطبخ ولكن كل ما كنا نصرفه من التراب يوميا وفي مختلف الوسائل لا يزيد على صفيحة من التراب، في حين كانت طاقة العمل تستخرج ما يزيد على عشرين صفيحة من التراب يوميا . لذا كان يخزن التراب في غرفة النفق بعد أن عملوا الرفاق أكياسا كبيرة من البطانيات تملأ بالتراب ويوضع بعضها فوق بعض حتى امتلأت الغرفة من الأرض والى السقف. وفي أواسط آب 1967 على ما أتذكر توقف العمل في النفق لأن لم يبق مجال في الغرفة لأي كمية من التراب، وأصبح حتى الوصول الى فتحة النفق فيه شيء من الصعوبة . ما العمل ونحن نشعر بوجع الرأس من خلال طيلة ثلاثة أشهر من التشاور في هذا الموضوع بين الرفاق العاملين في النفق من جهة، وبيني وبين حافظ رسن من جهة أخرى . وجاء مقترح من العاملين في النفق، أن نفرغ جميع الأفرشة ــ الدواشك ــ من القطن ونملأها بالتراب . فرفضنا هذا المقترح كما رفضنا العديد من المقترحات غير العملية . أو التي تؤدي الى كـــشـــــف العمل برمته . وبقينا مشدودين الى تلك المعضلة نفتش عن حل حتى وان كان جزئيا وبطيئا فلم نجد حلا لمشكلة التراب المعقدة والتي نعاني منها أشد الآلام حيث لم ينجز من النفق الا ما يزيد على ثمانية أمتار وأمامنا ما يزيد على خمسة أمتار أخرى يجب انجازها ولكن أين نذهب بترابها . وبقينا ما يقارب من نصف شهر في حالة لا نحسد عليها وشعرت ان حالتي الصحية ازدادت سوءا بسبب ذلك التوتر العصبي والغذاء الرئيسي كان الشاي والسجائر فقط وقطعت التدخين استعدادا لمقتضيات الهروب . وفي أحد الأيام ــ وعلى ما أظن في مطلـع أيلول ــ جاءني حافظ رسن، وهو يبتسم من بعيد ابتسامة ألفرح وعندما جلس بقربي قلت له : بشّر . قال: والله عثرنا عليها وأخذ يشرح لي المقترح . ومن أجل إيضاح المقترح للقارئ . أشرنا أعلاه : يوجد أمام باب غرفة النفق غرباً ممر عريض وعلى كل جانب منه ثلاثة أو أربعة غرف وفي الجانب الجنوبي من تلك الغرف وعلى جدارها الخلفي عندنا ما يشبه الغرف مبنية هياكلها من أنابيب الماء والبطانيات . واحدة منها معدة للحلاقة والثانية لكوي الملابس، والثالثة مـخزن والرابعة مقهى .

وكان المقترح: أن نقوم هياكل هذه الغرف بأخشاب متينة للقوائم والسقف ونقدم طلباً للإدارة من اننا نريد أن (نلبخ) تلك الغرف بالطين حيث قادم علينا الشتاء ونطلب سيارة من التراب وكمية من التبن لهذا الغرض . وعندما نكمل الهياكل الخشبية ونستر الغرف من كل جوانبها ونخلي أحدى الغرف القريبة من غرفة النفق من سكانها، حينذاك نبدأ بنقل التراب من غرفة النفق عبر الغرفة المجاورة ومن الشباك نرمي التراب الى أحدى الغرف المراد لبخها بالطين. ان هذا المقترح أنقذ الموقف وأخرجنا من حالة الى أخرى مفرحة ويؤسفني لم أتذكر من هو صاحب المقترح من الرفاق الثلاثة . أهو الرفيق فاضل. أم هو الرفيق جدو وقد يكون حافظ رسن هو صاحب الاقتراح . ولا بد أن يكون الجميع ساهموا بجعل المقترح أكثر كمالاً . وذات يوم قدمنا طلبا الى مقاول الأرزاق عبر الادارة عن كمية الخشب التي نحتاجها لقيام هياكل الغرف وأجلنا بقية خشب السقف الى وقت آخر ولأن مجموع الكمية تلفت النظر وبعد اسبوع قدمنــــا طلباً لخشب السقـف ولعدد من لوحات البلـــيــــت (الجينكو) المضلع للسقف أيضا . وطلبنا سيارة كبيرة من التراب وكمية من التبن وأوضحنا الغرض منها . وبسرعة فائقة أكمل هيكل الغرف وانتقل العمل الى السقف . وأدخلنا جميع التبن وعربتين من التراب فقط  وترك البقية من التراب في الشارع يلعب عليه الأطفال وعند اكمال السقف وغلق أبواب الغرف الجديدة ومنافذها بدأ نقل التراب، بعد منتصف الليل من غرفة النفق والى الغرفة الثانية وعـبر الشباك والرفاق الثلاث هم الذين أنجزوا هذا العمل الشاق . وخلال بضعة أيام وقبل وقوع انشقاق (رمزي ــ وليد )(*) انتهى كل شيء وتخلصنا مــن كل التراب وعاد العمل في النفق من جديد .

 

خالد حسين سلطان

...........................

(*) المعني به انشقاق القيادة المركزية في أيلول 1967 حيث رمزي هو عزيز الحاج / وليد هو المرحوم حسين الكمر . خ . ح

......يتبع

 

 

حامد الحمدانيعلى أثر انتحار رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون، شكل نوري السعيد وزارته الأولى في 23 آذار 1930، بناء على تكليف الملك فيصل الأول بطلب من المندوب السامي البريطاني، وكان ذلك التكليف باكورة هيمنته على سياسة العراق، حيث تولى الحكم أربعة عشر مرة منذُ ذلك التاريخ وحتى سقوط النظام الملكي إثر قيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958، ولعب خلال تلك الحقبة دوراً خطيراً في حياة البلاد السياسية، واشتهر بإخلاصه التام للإنكليز، وبحملات القمع التي مارسها ضد أبناء الشعب، والمراسيم الجائرة التي كان يصدرها لكي يسكت أفواه المواطنين وقوى المعارضة العراقية، مستخدماً كل الوسائل والسبل المخالفة للدستور. كما اتخذ له موقفاً معادياً من حركات التحرر العربية إرضاءً  لأسياده البريطانيين. وقد جاءت وزارته على الشكل التالي:

1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للخارجية.

2 ـ جميل المدفعي  ـ وزيراً للداخلية.

3 ـ علي جودت الأيوبي ـ وزيراً للمالية.

4 ـ جمـال بابان ـ وزيراً للعدل.

5 ـ جعفر العسكري ـ وزيراً للدفاع.

6 ـ جميل الراوي ـ وزيراً للأشغال والإسكان.

7 ـ عبد الحسين الجلبي ـ وزيراً للمعارف.

وقد أعلن نوري السعيد أن أمام وزارته مهمة التفاوض مع بريطانيا لعقد معاهدة جديدة على أساس الاستقلال، ودخول العراق إلى عصبة الأمم، لكن حقيقة الأمر أن حكومة نوري السعيد جاءت لفرض معاهدة 1930 الجائرة على العراق. (1)

إجراءات السعيد لتأمين فرض معاهدة 1930

بدأت المفاوضات العراقية البريطانية حول عقد معاهدة جديدة في 31 آذار 1930، وقد ترأس الوفد البريطاني المندوب السامي السير [هيمفريز]، وضم الوفد مساعده [الميجر يونك] و[المستر ستاجر]، فيما كان الوفد العراقي برئاسة [الملك فيصل الأول]، وعضوية [نوري السعيد] و[جعفر العسكري] و[رستم حيدر]، وقد لعب الملك دوراً بارزاً في المفاوضات، وكانت الحكومة تصدر كل يوم بياناً مقتضباً حول مجرى المفاوضات دون الدخول في التفاصيل، حتى جاء يوم 8 نيسان 1930 حين صدر بيان عن الحكومة يقول:

لقد تم الاتفاق بين المتفاوضين على ما يلي:

1ـ إن المعاهدة التي تجري المذاكرة حولها الآن ستدخل حيز التنفيذ عند دخول العراق في عصبة الأمم.

2ـ إن وضع العراق كما هو مصرح في المعاهدة سيكون وضع دولة حرة مستقلة.

3ـ عند دخول المعاهدة الجديدة حيز العمل ستنتهي حالاً جميع المعاهدات والاتفاقات الموجودة ما بين العراق وبريطانيا العظمى، والانتداب الذي قبله صاحب الجلالة البريطانية سينتهي بطبيعة الحال.

لعب نوري السعيد دوراً أساسياً في عقد المعاهدة الجديدة بالنظر للثقة الكبيرة التي أولاها البريطانيون له، والاطمئنان إليه، وكذلك ثقة الملك فيصل.

كان الشعب العراقي يدرك أن المفاوضات لن تطول، وهذا ما كان، فقد أعلن بيان رسمي للحكومة  في 30 حزيران 1930 عن توقيع معاهدة صداقة وتحالف مع بريطانيا العظمى، وتنفذ حال قبول العراق عضواً في عصبة الأمم، وأن المعاهدة ستنشر في بغداد ولندن في وقت واحد يتفق عليه الطرفان.

باشر نوري السعيد المهام التي أنيطت به، وكان جُلّ همه أن ينجح في الامتحان الصعب، وينال ثقة الإنكليز، وقد فعل ذلك ونجح، وأصبح رجل بريطانيا القوي دون منازع، فكانت بريطانيا تنيط به تأليف الوزارة كلما كان لديها مهمة صعبة تنوي تنفيذها، وقد اتخذ نوري السعيد الإجراءات التالية تمهيداً لإقرار المعاهدة.

1ـ حل المجلس النيابي

بعد أن أتمت الحكومة عقد المعاهدة مع بريطانيا أصبحت أمامها مهمة تصديقها من قبل مجلس النواب، وبالنظر لأن نوري السعيد لم يكن يستطيع ضمان الأغلبية في المجلس القائم آنذاك، فقد أقدم على تعطيل جلسات المجلس، ثم طلب من الملك إصدار الإرادة الملكية بحله، على الرغم أنه لم يمضِ على انتخابه سوى خمسة أشهر، وإجراء انتخابات جديدة يستطيع من خلالها تحقيق أغلبية في المجلس الجديد، وتم له ما أراد، وصدرت الإرادة الملكية بحله تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة.

أما نوري السعيد فقد غادر إلى لندن لاستكمال المحادثات حول الاتفاقيتين العسكرية والمالية، وحول تعديل اتفاقية امتياز النفط.

وفي 18 تموز سلم ملاحظ المطبوعات نص المعاهدة الموقعة بالأحرف الأولى إلى الصحفيين، وتم نشرها في اليوم التالي 19 تموز، وأحدث نشرها هيجاناً وغلياناً شعبياً عارماً، وأخذت برقيات الاحتجاج تنهال على الحكومة والصحافة منددة بنوري السعيد وبالمعاهدة وبالإمبريالية البريطانية، فقد جاءت المعاهدة دون إجراء أي تغير جوهري يمس الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق، بل لتكريس هذه الهيمنة لسنين طويلة، وتقييد العراق بقيود جديدة. (2)

السعيد يزور الانتخابات لضمان فرض المعاهدة:

بعد أن حلت الحكومة مجلس النواب، أعلنت عن إجراء انتخابات جديدة في 10 تموز 1930، وبدأت الحملة الانتخابية، وشرعت القوى الوطنية تهيئ نفسها لخوضها من أجل إسقاط المعاهدة، ولكن الحكومة أخذت تمارس الضغوط  والتزوير والتهديدات لصالح مرشحيها، مما دفع بالقائد الوطني [جعفر أبو التمن] إلى إصدار بيان بمقاطعة الانتخابات بعد أن أدرك أن نوري السعيد سوف يأتي بالمجلس الذي يريده هو، وليس الشعب، وبالفعل فقد جرت الانتخابات في 20 تشرين الأول  1930 في جو مشحون بالإرهاب.

فقد استلم نوري السعيد بنفسه وزارة الداخلية بالوكالة يوم 10 تشرين الأول لكي يشرف بنفسه على الانتخابات، ويمارس ضغوطه وإرهابه وأساليبه القمعية المعروفة لإرهاب المنتخبين الثانويين، وإجبارهم على انتخاب مرشحي الحكومة، كما أجرى قبل الانتخابات، تنقلات واسعة بين رؤساء وكبار الموظفين الإداريين، ولاسيما بعد أن رشح العديد من الشخصيات المعارضة للانتخابات، وأخذت تزاحم مرشحي الحكومة.

لكن نوري السعيد استطاع أن يخرج بمجلس جديد له فيه 70 مقعداً من أصل 88، وبذلك ضمن لنفسه إمكانية تصديق المعاهدة التي وقعها بالأحرف الأولى من قبل مجلس النواب، وجاءت المعاهدة على الوجه التالي. (3)

نص معاهدة 30 حزيران 1930: (17)

صاحب الجلالة ملك العراق.

وصاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا والممتلكات البريطانية وراء البحار وإمبراطور الهند.

لما كانا راغبين في توثيق أواصر الصداقة، والاحتفاظ بصلات التفاهم وإدامتها ما بين بلديهما، ولما كان صاحب الجلالة ملك بريطانيا قد تعهد في معاهدة التحالف الموقع عليها في بغداد في اليوم الثالث عشر من شهر كانون الثاني 1926 ميلادية، الموافق لليوم الثامن والعشرين من شهر جمادي الآخر سنة 1344 هجرية، بأن ينظر نظراً فعلياً في تمتين علاقاتنا في فترات متتالية مدة كل منها أربع سنوات، ولما كانت حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية قد أعلمت الحكومة العراقية في اليوم الرابع عشر من أيلول سنة 1929 أنها مستعدة لعضد ترشيح العراق لدخول عصبة الأمم سنة 1932 بلا قيد ولا شرط، وأعلنت لمجلس العصبة في اليوم الرابع عشر من كانون الأول 1929 أن هذه هي نيتها، ولما كانت المسؤوليات الانتدابية التي قبلها صاحب الجلالة البريطانية فيما يتعلق بالعراق ستنتهي من تلقاء نفسها،عند إدخال العراق عصبة الأمم، ولما كان صاحب الجلالة ملك العراق، وصاحب الجلالة البريطانية يريان أن الصلات التي ستقوم بينهما بصفة كونهما مستقلين، وينبغي تحديدها بعقد معاهدة تحالف وصداقة.

فقد اتفقا على عقد معاهدة جديدة لبلوغ هذه الغاية، على قواعد الحرية والمساواة التامتين، والاستقلال التام، وتصبح نافذة عند دخول العراق عصبة الأمم، وقد عيّنا عنهما مندوبين مفوضين هما:

عن جلالة ملك العراق : نوري باشا السعيد، رئيس الوزراء ووزير الخارجية، حامل وسامي النهضة والاستقلال من الصنف الثاني.

وعن جلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا والممتلكات البريطانية وراء البحار، إمبراطور الهند اللفتنانت كولونيل السر[ هنري هيمفريز]المعتمد السامي لصاحب الجلالة البريطانية في العراق اللذان بعد أن تبادلا وثائق تفويضهما فوجداها صحيحة قد اتفقا على ما يلي:

المادة الأولى: يسود سلم وصداقة دائمين بين صاحب الجلالة ملك العراق وصاحب الجلالة البريطانية، ويؤسس بين الفريقين الساميين المتعاقدين تحالف وثيق، توطيداً لصداقتهما وتفاهمهما الودي، وصلاتهما الحسنة، وتجرى بينهما مشاورة تامة وصريحة في جميع الشؤون السياسية الخارجية، مما قد يكون له مساس مصالحهما المشتركة.

ويتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين بأن لا يقف من البلاد الأجنبية موقفاً لا يتفق ومعاهدة  التحالف هذه، أو قد يخلق مصاعب للفريق الآخر

المادة الثانية: يمثل كل من الفريقين الساميين المتعاقدين لدى بلاط الفريق السامي المتعاقد الآخر ممثل سياسي [دبلوماسي] يعتمد وفقاً للأصول المرعية.

المادة الثالثة: إذا أدى نزاع بين العراق ودولة ثالثة إلى حالة يترتب عليها خطر قطع العلاقات بتلك الدولة، يوحد عندئذٍ الفريقان الساميان المتعاقدان مساعيهما لتسوية ذلك النزاع بالوسائل السلمية، وفقاً لأحكام ميثاق عصبة الأمم، ووفقاً لأي تعهدات دولية أخرى يمكن تطبيقها على تلك الحالة.

المادة الرابعة: إذا اشتبك أحد الفريقين الساميين المتعاقدين في حرب رغم أحكام المادة الثالثة أعلاه  يبادر حينئذٍ الفريق السامي المتعاقد الآخر فوراً إلى معونته بصفة كونه حليفاً، وذلك دائماً وفق أحكام المادة التاسعة أدناه. وفي حالة خطر حرب محدق يبادر الفريقان الساميان المتعاقدان فوراُ إلى توحيد المساعي في اتخاذ تدابير الدفاع المقتضية.

إن معونة صاحب الجلالة ملك العراق في حالة حرب، أو خطر حرب محدق تنحصر في أن يقدم إلى صاحب الجلالة البريطاني في الأراضي العراقية جميع ما في وسعه أن يقدمه من التسهيلات والمساعدات، ومن ذلك استخدام السكك الحديدية والأنهر، والموانئ والمطارات، ووسائل المواصلات.

المادة الخامسة: من المفهوم بين الفريقين الساميين المتعاقدين أن مسؤولية حفظ الأمن الداخلي في العراق وأيضاً ـ بشرط مراعاة أحكام المادة الرابعة أعلاه مسؤولية الدفاع عن العراق إزاء الاعتداء الخارجي تنحصران في صاحب الجلالة ملك العراق.

مع ذلك يعترف جلالة ملك العراق بان حفظ  وحماية مواصلات صاحب الجلالة البريطانية الأساسية بصورة دائمة في جميع الأحوال هما من صالح الفريقين الساميين المتعاقدين المشترك.

فمن أجل ذلك، وتسهيلاً للقيام بتعهدات صاحب الجلالة البريطانية وفقاً للمادة الرابعة أعلاه يتعهد جلالة ملك العراق بأن يمنح صاحب الجلالة البريطانية طيلة مدة التحالف موقعين لقاعدتين جويتين ينتقيهما صاحب الجلالة البريطانية في البصرة، أو في جوارها، وموقعاً واحداً لقاعدة جوية ينتقيها صاحب الجلالة البريطانية في غرب نهر الفرات.

وكذلك يأذن جلالة ملك العراق لصاحب الجلالة البريطانية أن يقيم قوات في الأراضي العراقية في الأماكن الأنفة الذكر وفقاً لأحكام ملحق هذه المعاهدة، على أن يكون مفهوماً أن وجود هذه القوات لن يعتبر بأي حال من الأحوال احتلالاً، ولن يمس على الإطلاق سيادة واستقلال العراق.

المادة السادسة: يعتبر ملحق هذه المعاهدة جزء لا يتجزأ منها.

المادة السابعة: تحل هذه المعاهدة محل معاهدتي التحالف الموقع عليهما في بغداد في اليوم العاشر من شهر تشرين الأول سنة 1922 ميلادية، والموافق لليوم التاسع عشر من شهر صفر سنة 1341هجرية، وفي اليوم الثالث عشر من شهر كانون الثاني سنة 1926 ميلادية، الموافق لليوم الثامن والعشرين من شهر جمادي الآخر سنة 1344 هجرية مع الاتفاقات الفرعية الملحقة بها، التي تمسي ملغاة عند دخول هذه المعاهدة حيز التنفيذ، وهذه المعاهدة في نسختين في كل من اللغتين العربية والإنكليزية، ويعتبر النص الأخير المعول عليه.

المادة الثامنة: يعترف الفريقان الساميان المتعاقدان بأنه عند الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة تنتهي من تلقاء نفسها وبصورة نهائية جميع المسؤوليات المترتبة على صاحب الجلالة البريطانية فيما يتعلق بالعراق وفقاً لأحكام وثيقة دولية أخرى، وينبغي أن يترتب على جلالة ملك العراق وحده، وعلى الفريقين الساميين المتعاقدين أن يبادرا فوراً إلى اتخاذ الوسائل المقتضية لتأمين نقل هذه المسؤوليات إلى جلالة ملك العراق.

المادة التاسعة: ليس في هذه المعاهدة ما يرمي بوجه من الوجوه إلى الإخلال أو يخل بالحقوق والتعهدات المترتبة، أو التي قد تترتب لأحد الفريقين الساميين المتعاقدين وفقاً لميثاق عصبة الأمم، أو معاهدة تحريم الحرب الموقع عليها في باريس في اليوم السابع والعشرين من شهر آب سنة 1928 ميلادية.

المادة العاشرة: إذا نشأ أي خلاف فيما يتعلق بتطبيق هذه المعاهدة أو تفسيرها، ولم يوفق الفريقان الساميان المتعاقدان إلى الفصل فيه بالمفاوضة رأساً بينهما يعالج الخلاف حينئذٍ وفقاً لأحكام ميثاق عصبة الأمم .

المادة الحادية عشرة: تبرم هذه المعاهدة، ويتم تبادل الإبرام بأسرع ما يمكن، ثم يجري تنفيذها عند قبول العراق عضواً في عصبة الأمم، وتظل هذه المعاهدة نافذة لمدة خمس وعشرين سنة ابتداء من تاريخ تنفيذها، وفي أي وقت كان بعد عشرين سنة من تاريخ الشروع بتنفيذها، على الفريقين الساميين المتعاقدين أن يقوما بناء على طلب أحدهما بعقد معاهدة جديدة ينص فيها على الاستمرار على حفظ وحماية مواصلات صاحب الجلالة البريطانية الأساسية في جميع الأحوال.

وعند الخلاف في هذا الشأن يعرض الخلاف على مجلس عصبة الأمم .

وإقراراً لما تقدم قد وقع كل من المندوبين المفوضين على هذه المعاهدة وختمها بختمه.

كتب في بغداد في اليوم الثلاثين من شهر حزيران سنة 1930 ميلادي الموافق لليوم الثاني من شهر صفر سنة 1349 هجرية.

هنري هيمفر                                    نوري السعيد

ملحق

فقرة رقم 1

يعين صاحب الجلالة البريطانية من حين لأخر مقدار القوات التي يقيمها جلالته في العراق وفقاً لإحكام المادة الخامسة من هذه المعاهدة، وذلك بعد مشاورة صاحب الجلالة ملك العراق في الأمر، ويقيم صاحب الجلالة البريطانية قوات في [الهنيدي] لمدة خمس سنوات، بعد الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة، وذلك لكي يتمكن صاحب الجلالة ملك العراق من تنظيم القوات المقتضية للحلول محل تلك القوات، وعند انقضاء تلك المدة تكون قوات صاحب الجلالة البريطانية قد انسحبت من الهنيدي.

ولصاحب الجلالة البريطانية أن يقيم قوات في الموصل لمدة حدها الأعظم خمس سنوات تبتدئ من تاريخ الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة، وبعد ذلك لصاحب الجلالة البريطانية أن يضع قواته في الأماكن المذكورة في المادة الخامسة من هذه المعاهدة، ويؤجر صاحب الجلالة ملك العراق مدة هذا التحالف لصاحب الجلالة البريطانية المواقع المقتضية لإسكان قوات صاحب الجلالة البريطانية في تلك الأماكن.

فقرة رقم 2

بشرط مراعاة أي تعديلات قد يتفق الفريقان الساميان المتعاقدان على إحداثها في المستقبل، تظل الحصانات والامتيازات في شؤون القضاء والعائدات الأميرية،  بما في ذلك الإعفاء من الضرائب التي تتمتع بها القوات البريطانية في العراق شاملة القوات المشار إليها في الفقرة الأولى أعلاه، وتشمل أيضاً قوات صاحب الجلالة البريطانية من جميع الصنوف، وهي القوات التي يحتمل وجودها في العراق عملاً بأحكام هذه المعاهدة وملحقها، أو وفقاً لاتفاق يتم عقده بين الفريقين الساميين المتعاقدين، وأيضاً يواصل العمل بأحكام أي تشريع محلي له مساس بقوات صاحب الجلالة البريطانية المسلحة، وتتخذ الحكومة العراقية التدابير المقتضية للتثبت من كون الشروط المتبدلة لا تجعل موقف القوات البريطانية فيما يتعلق بالحصانات والامتيازات أقل ملائمة من الوجوه من الموقف الذي تتمتع به هذه القوات في تاريخ الشروع في تنفيذ هذه المعاهدة.

فقرة رقم 3

يوافق جلالة ملك العراق على القيام بجميع التسهيلات الممكنة لنقل القوات المذكورة في الفقرة الأولى من هذا الملحق، وتدريبها وأعالتها، وعلى منحها عين التسهيلات استعمال التلغراف واللاسلكي، التي تتمتع بها عند الشروع في تنفيذ هذه المعاهدة.

فقرة رقم 4

يتعهد صاحب الجلالة ملك العراق بأن يقدم بناء على طلب صاحب الجلالة البريطانية، وعلى نفقة صاحب الجلالة البريطانية، وفقاً للشروط التي يتفق عليها الفريقان الساميان المتعاقدان، حرساً خاصاً من قوات صاحب الجلالة ملك العراق لحماية القواعد الجوية، مما قد تشغله قوات صاحب الجلالة البريطانية، وفقاً لأحكام هذه المعاهدة، وأن يؤمن سنّ القوانين التشريعية التي قد يقتضيها تنفيذ الشروط الآنفة الذكر.

فقرة رقم 5

يتعهد صاحب الجلالة البريطانية أن يقوم عند كل طلب يطلبه صاحب الجلالة ملك العراق بجميع التسهيلات في الأمور التالية، وذلك على نفقة جلالة ملك العراق، وهي:

1ـ تعليم الضباط العراقيين الفنون البحرية والعسكرية والجوية في المملكة المتحدة.

2 ـ تقديم الأسلحة والعتاد والتجهيزات والسفن والطائرات من أحدث طراز متيسر إلى قوات جلالة ملك العراق .

3 ـ تقديم ضباط بريطانيين مجربين عسكريين وجويين للخدمة بصفة استشارية في قوات جلالة ملك العراق .

فقرة رقم 6

لما كان من المرغوب فيه توحيد التدريب والأساليب في الجيشين العراقي والبريطاني يتعهد جلالة ملك العراق بأنه إذا رأى ضرورة الالتجاء إلى مدربين عسكريين أجانب فإنهم يختارون من الرعايا البريطانيين.

ويتعهد أيضاً بأن أي أشخاص من قواته، من الذين يوفدون إلى الخارج للتدريب العسكري يرسلون إلى مدارس وكليات ودور تدريب عسكرية في بلاد جلالته البريطانية، بشرط أن لا يمنع ذلك صاحب الجلالة ملك العراق من إرسال الأشخاص الذين لا يمكن قبولهم في المعاهد، ودور التدريب المذكورة في أي قطر آخر.

ويتعهد أيضاً بأن التجهيزات الأساسية لقوات جلالته، وأسلحتها، لا تختلف في نوعها عن أسلحة قوات صاحب الجلالة البريطانية، وتجهيزاتها.

يوافق جلالة ملك العراق على أن يقوم عند طلب صاحب الجلالة البريطانية ذلك بجميع التسهيلات الممكنة لمرور قوات صاحب الجلالة البريطانية من جميع الصنوف العسكرية عبر العراق لنقل وخزن جميع المؤن والتجهيزات التي قد تحتاج إليها هذه القوات في أثناء مرورها في العراق، وتتناول هذه التسهيلات استخدام طرق العراق، وسككه الحديدية، وطرقه المائية، وموانئه، ومطاراته، ويؤذن لسفن صاحب الجلالة البريطانية أذناً عاماً في زيارة شط العرب، بشرط إعلام جلالة ملك العراق، قبل القيام بتلك الزيارات للموانئ العراقية. (4)

دار الاعتماد  ن. س . ف

بغداد في 30 حزيران 1930

وقبل أن يعرض نوري السعيد معاهدته المشؤومة على مجلس النواب لجأ إلى تأليف حزب سياسي له ضم العناصر التي رشحها في الانتخابات لتكون سنداً له في تصديق المعاهدة فكان [حزب العهد]. وفي 4 تشرين الأول 1930 أتخذ مجلس الوزراء قراراً بالموافقة على المعاهدة، وتم دعوة مجلس النواب إلى الاجتماع  في 16 تشرين الأول، واتخذ نوري السعيد احتياطات أمنية واسعة النطاق حول بناية المجلس الجديد في بناية جامعة[آل البيت]،التي ألغاها عند تشكيله لوزارته، والواقعة في الاعظمية، وأصدر قراراً بضمها إلى حدود أمانة العاصمة، حيث ينص الدستور على أن يكون مقر مجلس النواب في العاصمة. وفي اليوم المقرر لمناقشة المعاهدة من قبل مجلس النواب تقدم نوري السعيد إلى المجلس بالاقتراح التالي :

{لما كانت نصوص المعاهدة مع بريطانيا المنعقدة في 30 حزيران 1930 قد نشرت للرأي العام منذ مدة طويلة، وكانت انتخابات مجلس النواب قد جرت على أساس استفتاء الشعب فيها اقترح على المجلس الموقر أن يوافق على المذاكرة فيها بصورة مستعجلة}.

وقد تمت الموافقة على الاقتراح من قبل رئيس المجلس، و تم طرح المعاهدة بعد نقاش للمعارضة دام 4 ساعات للتصويت عليها، وقد صوت إلى جانب المعاهدة 69، وعارضها 13عضواً، وتغيب 5 أعضاء عن الحضور، وسط هياج وصياح المعارضة المنددة بالمعاهدة. (5)

لم يبق أي عائق أمام نوري السعيد لتصديق المعاهدة، فالملك فيصل كان يرأس الوفد المفاوض أثناء عقد المعاهدة، ومجلس الأعيان يعيينه الملك، ويعمل بأمره.

أما المعارضة فقد أبرق أقطابها المعروفين السادة[جعفر أبو التمن] و[ناجي السويدي] و[يسين الهاشمي] إلى سكرتارية عصبة الأمم يحتجون على بنود المعاهدة التي لا تضمن للعراق استقلالاً حقيقياً، وتفسح المجال لبريطانيا باستغلال البلاد حسب ما تقتضيه أغراضها الاستعمارية.

ماذا قال رجال الدولة البارزين عن المعاهدة؟ (6)

لم يكد نوري السعيد يحقق مهمته الأولى بالتصديق على المعاهدة حتى عمَّ استياء عام وهياج جماهير الشعب احتجاجاً على ربط العراق بعجلة الاستعمار البريطاني، ولم يستطع رجالات السياسة البارزين وأقطاب الحكم إلا أن يوجهوا النقد الشديد للحكومة، بالنظر لكونها قد قيدت العراق لسنوات طويلة، وربطته بعجلة بريطانيا خلافاً لمصالح الشعب والوطن، وأعلنوا رفضهم لها .

فقد قال [رشيد عالي الكيلاني] وهو من رؤساء الوزارات المخضرمين:

{إن أقل ما يقال عن هذه المعاهدة أنها استبدلت الانتداب الوقتي باحتلال دائم، وأضافت إلى القيود والأثقال الحالية  قيوداً وأثقالاً أشد وطأة}.

وقال [يسين الهاشمي]، وهو أيضاً من رؤساء الوزارات، والذي شكل العديد من الوزارات ما يلي:

{لم تضف المعاهدة شيئاً إلى ما كسبه العراق بل زادت في أغلاله، وعزلته عن الأقطار العربية، وباعدت ما بينه وبين جيرانه، وصاغت لنا الاستقلال من مواد الاحتلال، ورجائي من أبناء الشعب أن لا يقبلوها}.

وقال [حكمت سليمان]، وهو رئيس وزراء سابق ما يلي:

{المعاهدة الجديدة تضمن الاحتلال الأبدي، ومنحت بريطانيا امتيازات دون عوض أما ذيولها المالية، فإنها تكبد العراق أضراراً جسيمة دون مبرر}.

أما السيد[محمد رضا الشبيبي] وهو وزير في وزارات عديدة فقد قال:

{إنني أرتئي رفض المعاهدة وملحقاتها لأنها حمّلت العراق الكثير من المغارم والتبعات، ولم يكسب مقابل ذلك حقاً جديداً من الحقوق، في حين حصل الجانب الآخر على امتيازات وحقوق جديدة}.

أما السيد [عبد العزيز القصاب] وهو وزير في وزارات عدة فقد قال عن تلك المعاهدة ما يلي:

{إن المعاهدة لا تلبِ رغبات الشعب، وجاءت هادمة لكل الجهود التي بذلت لتخفيف وطأة المعاهدات السابقة، وأنا ارفضها ويرفضها الشعب}.

وقال [حمدي الباجه جي] وهو رئيس وزارة سابق:

{ إن المعاهدة الجديدة تجعل كابوس الاستعمار البريطاني دائماً ومستمراً}.

وقال [يوسف غنيمة] وهو وزير سابق:

{إن المعاهدة لا تتفق والاستقلال التام، ورغبات الشعب، وليست في مصلحة البلاد}.

وقال [كامل الجادرجي] وهو وزير سابق، وزعيم الحزب الوطني الديمقراطي، وأحد أبرز رموز المعارضة العراقية:

{إن نتيجة هذه المعاهدة وذيولها حمايةٌ بريطانية شديدة الوطأة، واحتلال دائم}. (7)

لكن المؤسف أن كل أولئك الساسة، باستثناء الأستاذ كامل الجادرجي، قد تنكروا لأقوالهم، واشتركوا في الوزارات التالية، ونفذوا بنود المعاهدة، وبلعوا تعليقاتهم حولها.

غير أن أكثر الشخصيات الوطنية عنفاً في مقاومة المعاهدة كان القائد الوطني البارز[جعفر أبو التمن] زعيم الحزب الوطني الذي بعث بمذكرة باسم الحزب إلى كل من ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإيران وتركيا وإلى عصبة الأمم في1تشرين الأول 1930 أدان فيها أسلوب تأليف حكومة نوري السعيد، والأساليب غير الدستورية التي أقدم عليها، بتأجيل جلسات المجلس النيابي، ومن ثم حله دون أن يمض عليه خمسة أشهر، وقيامه بتعطيل أكثر من 20 صحيفة سياسية، وإحالة عدد من المحررين الصحفيين إلى المحاكم، ومنع الحكومة للاجتماعات العامة، وكمّ أفواه الشعب، وعقد معاهدة جائرة يرفضها الشعب لأنها تصب في خدمة الأغراض الاستعمارية البريطانية، وإجراء انتخابات مزورة لفرض المعاهدة التي رفضها الشعب وقواه الوطنية، وإن الحزب الوطني الذي أيدت سياسته أكثرية الشعب العراقي يعتبر أن هذه المعاهدة ملغاة وباطلة}.

كما أحتج عدد من الشخصيات السياسية الكردية على المعاهدة، وأبرقوا إلى سكرتارية عصبة الأمم عدة برقيات في 20، و26 تموز تستنكر عقد المعاهدة .

وقال عدد من أعضاء اللجنة الدائمة للانتدابات من ممثلي الدول في عصبة الأمم :

{ إن قبول العراق لهذه المعاهدة سيجعله بعد تحرره من الانتداب تحت الحماية البريطانية}.

وقال[ المسيو بار] العضو الفرنسي في اللجنة المذكورة:

{أنا شخصياً لا أحب أن أرى بلادي تدخل في مثل هذا التعهد الذي قبله العراق على نفسه}.

وهكذا أثبت نوري السعيد أنه أكثر إنكليزية من الإنكليز، وانه رجل الإمبريالية البريطانية دون منازع، وهذا ما أهله لكي يكون العمود الفقري الذي تستند عليه السياسة البريطانية في العراق، ومكنته من أن يشكل 14 وزارة، في الفترة الممتدة من منتصف حزيران 1930 وحتى سقوط النظام الملكي حين قامت ثورة 14 تموز 1958.

 

حامد الحمداني

.....................

التوثيق

(1) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص 7 .

(2) نفس المصدر ـ ص 17 .

(3) صحيفة صدى الاستقلال ـ العدد الرابع .تشرين الأول 1930

(4) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص 19 .

(5) محاضر مجلس النواب 1930 ـ ص 57 .

(6) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص50 .

(7) في غمرة النضال ـ ص 178 ـ سلمان الفياض

 

بمناسبة مرور 51 عاما على عملية الهروب الكبيرة والشهيرة للسجناء الشيوعيين من سجن الحلة المركزي عام 1967، سننشر قصة ذلك الهروب على شكل حلقات يومية  وبقلم الوالد الفقيد حسين سلطان صبي / أبو علي

الحلقة الاولى: قصة قصيرة لحدث كبير.. قضية النفق والهروب من سجن الحلة المركزي في عام 1967

وقعت عدة محاولات هروب من السجون والمواقف السياسية في العراق واتخذت أشكالا متنوعة من الطرق والأساليب. مثلا كسر شباك والهروب منه. أو ثقب جدار والخروج منه. أو إغفال حارس والافلات منه أو إستخدام مكياج والخروج مع الناس القادمين للقاء بالمساجين. وهذا يتطلب عملا من داخل السجن للتضليل في عملية التعداد ولو لمرة واحدة. وهناك نوع آخر من طرق الهروب، وهو حفر الأنفاق  تحت الأرض  من داخل السجن الى خارجه. وعن هذا الطريق حدث أول هروب جماعي من سجن الكوت عام 1951. وتلاه سجن بعقوبة في الخمسينات أيضا. وأعقبه سجن الفضيلية في الستينات ومحاولة لم تكتمل من سجن نقرة السلمان. وأخيراً في سجن الحلة المركزي.

ان كل محاولة هروب تتطلب عملا فيه الكثير من الدقة وضبط الأعصاب ولكن حفر الأنفاق يتطلب الكثير من الدقة في رسم الخطة وضبط الأعصاب عند المفاجات، والصبر وطول النفس في العمل والاختيار الدقيق للعاملين في النفق. ومتابعة سرية العمل. وإتقان أساليب التضليل للأعداء والأصدقاء معا بحيث تكون جميع الحركات والأعمال طبيعية ولا تثير الشك أو الشبهة لدى الآخرين. ومن التجارب ذات الأهمية الكبيرة ماحصل في نفق سجن الكوت وكذلك في نفق سجن بعقوبة وطريقة الهروب وأخيراً تجربة نفق الفضيلية. ان التجارب الثلاث كانت عظيمة من حيث النشاط والفعالية للمنظمة داخل السجن لأنها قامت بعمل جبار للغاية بضبطه ودقته في انجاز حفر الأنفاق. ولكن الاخفاق يحدث بعد خروج الرفاق من السجن لأسباب غاية في البساطة وقد يأسف المناضل كثيرا على تلك الجهود المضنية والمتواصلة لعدة أشهر ويحبطها

سبب صغير يمكن أن يقوم به إنسان بسيط وبدون عناء كبير، مثل تحضير سياره في مكان ما أو نوع الملابس في وقت الهروب بحيث تكون متماثله مع ملابس سكان المنطقة وكذلك إختيار وقت الخروج وكيفية السير فرادا....الخ. انها قضايا صغيره الا انها مهمة جدا في نجاح العملية.

أما موضوع نفق سجن الحلة المركزي في عام 1967 والهروب منه فلو لم يقع الإنشقاق في ذات الفترة، والمنظمة باقية على وحدتها السابقة، كان بالامكان إخراج أكثر من مائة سجين خلال الليل وحتى الصباح دون أن يشعر أحد بذلك. الا ان الإنشقاق غيّر الوضع تماما إنفقد الضبط والإلتزام في لحظة الهروب.

بعد عودتي الى الوطن عام 1964 كُلِفت بمهمة العمل في منطقة الفرات الأوسط وعند ذهابي الى مقر لجنة منطقة الفرات الأوسط في النجف كان قوام اللجنه يتكون من الرفاق :

1) عدنان عباس قائد اللجنة

2) حمد ألله مرتضى عضو

3) ساجد حماده عضو

4) علي نور مرشح لعضوية المنطقة

5) شهاب حمد الكوماني مرشح أيضا

6) محمد رضا القصاب مرشح أيضا

التحق الأخير بعد نقل عدنان الى بغداد. كان هؤلاء أعضاء ومرشحو المنطقه في ذلك الوقت.

وفي إجتماع اللجنه المركزية في نيسان من عام 1965 أبلغنا بهاء الدين نوري حيث كان مسؤول المركز أثناء غياب عزيز  قال لاتوجد لدينا إمكانية لمساعدتكم، يجب أن تعتمدوا على أنفسكم  ودفع لي مبلغ (400) دينار لشراء سيارة إلا ان هذا المبلغ ساعدنا في تسديد العجز الحاصل لكل شهر. مع الضغط على المصروفات الى الحد الأقصى. وبناءا على هذا الوضع المالي، فكرنا في الغاء بعض البيوت الحزبية، حيث ان واردنا لا يتحمل ذلك العدد من البيوت، كان عندنا ثلاثة بيوت حزبية في النجف وبيت في الديوانية، وآخر في الحلة وكان الاتجاه أن نقلص بيوت النجف الى بيت أو بيتين فقط. وكنت في بيت حزبي يسكن به المناضل نجم أبو اللول وزوجته نعيمة أبو اللول وهم من عائلة ثورية ملتصقة بالحزب، ومعروفة على نطاق واسع في الفرات الأوسط.

وكنا كما ذكر في أعلاه نعاني أزمه مالية، مما جعلنا في شظف العيش وكنت أسمع أحاديث عن وقت المرحوم الرازقي وكيف كانت عيشتهم، وكنت أذكر مازحا المثل المعروف  العين بصيرة واليد قصيرة  الا ان استمرارية الشحة خلق وضعا من الضجر لا يشعر به الا صاحب الخبرة فما العمل، كنا في بعض الأشهر نأخر مخصصات الأرامل واليتامى، لان أول مانبدأ به هو تسديد ايجارات البيوت الحزبية التي لا تقبل التأخير، ويبقى العيش ( على ناقوط الحب) ما يلينا أول بأول.

وفي أواسط أيلول عام 1965 كنا الأربعه العائلة وشهاب وكاتب هذه السطور جالسين عصرا في البيت، وكان وضعي الصحي غير جيد وعندي ارتفاع في درجة الحرارة، واقترحت نعيمة أن تهيء لي شوربة من العدس عسى أن أستطيع الأكل منها، وخرجت أكثر من مرة الى البقال وبسبب هذه الطلعات حدثت مشادة كلامية بين شهاب ونعيمة، وعلى أثر تلك المشادة خرجت نعيمة ولم تعد للبيت، وبعد ما يقارب الساعة سألت نجم الى أين ذهبت نعيمة، قال على مايبدو ذهبت الى أهلها أو بيت أخيها، حيث أخو نعيمة وأخت نجم يسكنون في بيت حزبي آخر في النجف، أما أهل نعيمة فهم في ضواحي مدينة الكوفة. ونظرا للفكرة السابقة عن الغاء أحد البيوت الحزبية، فرأيت من المناسب أن نلغي هذا البيت، وأنتقل مع الرفيق محمد رضا القصاب ويبقى شهاب معنا الى حين موعد سفره الى الخارج على أن ننفذ هذه الفكرة في اليوم التالي، ومن أجل تسلسل الأحداث، وكيفية وقوعنا في شرك الأمن. علمنا في أوائل أيلول من عام 1965 ان أحد الرفاق النشطين في ريف الشامية ألقيَّ القبض عليه، وعلى أثر سماع الخبر أرسلت نجم الى ريف الشامية لمعرفة سير الأحداث على حقيقتها. وبعد يومين عاد نجم وأكد اعتقال الرفيق ومعه سلاحه، الا انه قال وضع الريف طبيعي ولم تقع أية إعتقالات أخرى والحادث مضى عليه مايقارب عشرة أيام. وانتقلنا من البيت فورا لان الرفيق المعتقل جاء الى بيتنا بمهمة حزبية قبل ثلاثة أشهر وشاهد نعيمة أبواللول في البيت ولما خرجت نعيمة من بيتنا، كان الوقت عند غروب الشمس لذا لم تذهب نعيمة الى بيت اهلها وانما ذهبت الى أحد بيوت معارفها وعند الفجر ذهبت الى أهلها. وهنا وقعت الصدفة، ويالها من صدفة كريهة. نعيمة تحركت من النجف نحو أهلها ومفرزة شرطة أمن الشامية يوجهها الشخص الذي ألقيَّ القبض عليه وإنهار أمام ضغط شرطة الأمن، متوجها الى بيت أبو اللول، وبلحظة دخول نعيمة بيت أهلها دخلت الشرطة، واذا بها وجها لوجه مع نعيمة، فصاح الشخص المنهار هذه هي نعيمة تعرف كل شيء عن منظمة الحزب في النجف وعندما قبضت عليها الشرطة قالت لهم وبسرعة تعالوا معي سأدلكم على البيت، وكان ذلك نتيجة لغضبها الشديد على شهاب بالاضافة الى عوامل الخوف والرهبة وبينما كنا جالسين صباحا نتناول الفطور في الساعه الثامنة إلا ربعا واذا بباب دارنا تكسر بالقوة وثلاثة رشاشات تلعلع نحونا، وكنت جالسا على مقربة من سلم السطح فتناولت السلم وتبعني شهاب، ولم يتمكن نجم من الهرب بسبب كثافة النيران وبعد مطاردة تزيد على نصف ساعة، ألقيَّ القبض علينا ونقلنا جميعا الى مركز شرطة النجف، ومنها نقلنا الى شرطة الديوانية. وفي عصر ذلك اليوم جاء الى بيتنا محمد رضا القصاب وكان في بيتنا كمين من الشرطة فألقت القبض عليه وعند التحقيق مع محمد رضا القصاب انفتحت علينا ثغرة، حيث كشف أسماء أعضاء المنطقة ومرشحيها والمدن المتواجدين فيها واعتقل اربعة أشخاص من منطقة النجف التي كان يقودها القصاب. والحقيقة ان محمد رضا القصاب، كان يعرف الكثير في النجف وكربلاء حيث كان يقود محلية المحافظة، ومنها الوحدة العسكرية في النجف، الا انه لم يكشف الا جزءا صغيرا مما يعرف. وبعد انتهاء التحقيق، نقلنا الى النجف، أثر مجيء وزارة عبد الرحمن البزاز. ومن هناك استطعت أن أراسل المنطقة، وأخبرتها بتفاصيل الثغره التي حصلت عندنا وحذرتهم من التحرك الزائد، ريثما تهدأ الأمور، وأشرت لهم عن نشاط أمن الديوانية، وخاصة نشاط مفوض الأمن  محمد خضر العاني  وطلبت منهم إبدال المراسل وإخفاءه بالريف. ومنذ أن نقلونا الى مركز شرطة النجف، وضعونا في سرداب كبير. كانت فكرة الهروب لا تبتعد عن ذهني مطلقاً، بحيث لا تمر حركه أمامي إلا وفتشت فيها عن إمكانية الهروب. وفي نهاية عام 1965 طلبني الأمن للحضور في دائرته ولما دخلت وجدت مدير أمن كربلاء، ومعه عدد من المعاونين جالسين وبعد أن سمح لي بالجلوس، أخذ يحاججني عن مضمون رسالتي التي بعثتها الى المنطقة، وقال لأسباب انسانية خففنا عنكم، الا انكم لا تكفون عن عمل التخريب. فأنكرت الموضوع أصلا وأخذت أناقشه بأي يد كتبت الرسالة وأنتم تعلمون ان يداي مشلولتان وكيف أمسك القلم، فرد عليَّ قائلاً : سنعرف من هو كاتبها، ولكن أنت أمليت نصها، وبعد نقاش طويل، خاطب أحد المعاونين قائلا : لاتطلع نتيجة من هذا الصلف إجمع كل الوثائق وإدفع بها الى المحاكم وهي تتفاصل معه، وأشار خذوه.

يتبع

 

خالد حسين سلطان

 

عدنان الظاهرغادرتُ فجر السادس من شهر آب 1962 مطار بغداد على متن إحدى طائرات الخطوط الجوية العراقية متجهاً نحو العاصمة النمساوية فيينا، كمحطة إستجمام تسبق توجهى إلى العاصمة موسكو لدراسة الكيمياء النووية في جامعتها متمتعاً بإحدى زمالات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. جاءت عائلتي وعدد كبير من رفاق وأصدقاء الحلة وبغداد إلى مطارِ بغداد لوداعي. لا أنسى وقد تقدّم العمرُ بي مشهد والدتي تتهاوى على أرض قاعة المودعين لتقول لي بعيون دامعة: كيف سخيتَ بفراقنا عدنان (صخيتْ بفراكنا عدنان؟). أفلم تكنْ مُدلل وحبيب الجميع؟ هل أساء أحدٌ منا إليك؟ إذن لِمَ إخترت هذا الفراق الطويل؟ لم أستطع حبس دموعي فبكينا معاً. ثم رأيت والدي يدور ذاهلاً حول نفسه بالقرب مني متسائلاً : أين عدنان أين عدنان؟ أضحك أم أواصل البكاء؟ كما لا أنسى الصديق أحمد سوار المسعودي الذي كان يومها يدْرُس علم نفس الأطفال المعوَّقين في جامعة برلين الغربية. جاء أحمد إلى المطار ليودِّعني حاملاً بيده وردة حمراء .. كعادة أهل الغرب (قُتِل أحمد عام 1964 في حادث مُروِّع تاركاً طفلةً صغيرة وأرملةً ألمانية).

كانت فيينا أول مدينة أزورها في حياتي خارج العراق. وصلتها وفي مخيلتي أُغنية أسمهان

(ليالي الأُنس في فيينا). راجعت في مطار فيينا مكتب الخطوط الجوية العراقية الذي كان يشغله موظف واحد إسمه (طارق الفتلي) طالباً تزويدي بعنوان فندق أمكث فيه فترة إقامتي في هذه المدينة. كتب لي السيد طارق عنوان أحد الفنادق. غادرت المطار مُستقلاًّ إحدى الحافلات المخصصة لنقل المسافرين القادمين إلى وسط العاصمة. هناك إستأجرتُ سيارة تاكسي طالباً من سائقها إيصالي إلى الفندق الذي إختاره لي الموظف طارق. تركت حقائبي في غرفتي الفارهة وهمت على غير هدىً في شوارع فيينا النظيفة والجميلة. إلتقيت صباح اليوم التالي صدفةً بتاجر عراقي يتكلم الألمانية ويزور فيينا بشكل دائم سواء للتجارة أو الإصطياف. سألني أين أسكن وكم أدفع مقابل مكوثي في الفندق. حين أبلغته بمقدار ما أدفع عن اليوم الواحد أعطاني عنوان شقة فيها غرفة فارغة وحثّني على الإسراع في إستئجارها. قال أُذكرْ إسمي للسيدة (ماريّا) صاحبة الشقة اليوغسلافية الأصل فإنها تعرفني جيداً إذْ دأبتُ بين الحين والآخر أن أمكث في هذه الشقة. كان السيد طارق قد حجز لي ليومين في الفندق، لذا لم أستطع مغادرته إلأّ في صبيحة اليوم الثالث. أخبرت مسؤول الإستعلامات في الفندق بعزمي على المغادرة وطلبت إستدعاء سيارة تاكسي. جاءت السيارة فحمل حقيبتي الثقيلة شاب أشقر من مستخدمي الفندق. سألني وهو يضع الحقيبة في صندوق التاكسي الخلفي عمّن أكون وما هي وجهتي وما سبب زيارتي للعاصمة فيينا؟ ما كنا مُدرَبين ولا كنا مُحنَكين وما كنت على علم بما يجري من أمور وشؤون خارج حدود بلدي العراق. بعفوية وبراءة وسذاجة طبيعية قلتُ له سأغادر في غضون إسبوعين مدينة فيينا متجهاً إلى موسكو لدراسة الكيمياء النووية. تفتّحت شهوة صاحبي للمزيد من المعلومات فسألني هل لديكم في العراق مفاعلٌ نووي؟ قلت لا، لكن سيبني العراق مفاعلاً للأغراض السلمية. عاد يسأل عن حجم وطاقة هذا المفاعل فأجبته إني لا أعرف هذه التفصيلات، وكنتُ صادقاً. فتح لي باب التاكسي، وحين هممتُ بالدخول قال لي بوجه ذئبي البلادة : أنا جاركم، أنا من أحد البلدان المجاورة للعراق، أنا من إسرائيل !!؟؟ هل كان إختيار موظف الخطوط الجوية العراقية لهذا الفندق محض صدفة؟؟ ربّما !! حدث ذلك في صبيحة الثامن من شهر آب عام 1962 !!

كلما إزدادت معرفتي بجغرافية المدينة وخاصة المقاهي المنتشرة في مركزها كلما تعرّفتُ على المزيد من العراقيين بين تاجر وسائح ومحام وطبيب. كما إلتقيتُ طلاّباً بلا عمل وقد فشلوا في دراساتهم الجامعية. تعرّفت في إحدى مقاهي وسط المدينة (السنتر) على موظف عراقي يعمل في السفارة العراقية في فيينا. بسبب أدبه الجم وبساطته غير المُتَكلّفة توثقّت علاقتي به وصرنا نلتقي أكثر من مرة في الأسبوع. إقترح وقد عرف وجهتي ومشروع دراستي أن أزوره في السفارة. زرته صباح اليوم التالي فقدّمني إلى الوزير المفوّض السيد (باقر الحَسَني). وجدت هذا الرجل ذا خُلُق عالٍ يتكلم الإنجليزية والألمانية بطلاقة. ثم لاحظت براعة الرجل الدبلوماسية إذ كان يتكلم مع النمساويين بصوتٍ خفيض ومع الروس بالتلفون بصوت عالٍ وقهقهاتٍ مسموعة. رحب بي ثم طلب من أحد موظفيه إرسال برقية إلى وزارة الخارجية السوفياتية يُشعرها فيها بموعد وصولي وإثنين من زملائي اللذين كانا معي على متن إحدى طائرات الخطوط الجوية الروسية. لقد كنت قد حددت يوم 22 من شهر آب 1962 موعداً لمغادرة فيينا طيراناً إلى مدينة موسكو. إذن قد تمَّ ترتيب كل شيء وما عليَّ إلاّ أنْ أستمتع بسحر (فيينا) وما خفيَ من جمالها وأسرارها وما ظهر.

أثناء تجوالي وجولاتي التي لا حدود لها في شوارع ومخازن ومقاهي ومطاعم ومسابح ومراقص وملاهي وكنائس ومنتزهات فيينا تعرّفت على فتاتين شابتين عراقيتين توقفتا في فيينا لفترة يومين فقط في الطريق إلى موسكو للدراسة في جامعة الصداقة بين الشعوب (جامعة بياتريس لومومبا). فائزة من مدينة العمادية في شمال العراق وفاطمة من بغداد. جمعنا بقوّة أمران : الغربة في مدينة غريبة ثم الهدف المشترك، الدراسة في موسكو. قمت لهن بدور الدليل والعارف لخفايا المدينة وقد مرَّ أسبوع عليَّ في فيينا وهنَّ ما زلن حديثات عهد بها. زرنا أول ما زرنا معاً المخازن الصغيرة والكبيرة للفرجة وإشباع الفضول وحب الإستطلاع ثم للتسوق وشراء ما يمكن شراءَه من ملابس وحاجات نسائية أخرى. تمشينا طويلاً ثم دلفنا إلى مدينة الألعاب الدائمة صيفاً وشتاءً والشهيرة بإسم Prater حيث أراجيح ودواليب الهواء ووسائل التسلية الأخرى المُصممة للأطفال وغير الأطفال، فضلاً عن المطاعم والمقاهي ومحلات الوجبات الخفيفة. أنفقنا الكثير من الوقت والنقود راكبين السيارات الكهربائية الصغيرة حيث كنّا نتدافع بها مع الآخرين. نُعرّقل حركة مرور سياراتهم أو نتصادم معهم بقوة يترنح بها جسد الإنسان ويضطرب.كانت متعة الجميع بهذه اللعبة طاغية، الكل يضحك ولا من مكان للغضب أو العتب. الكل يُزاحم ويشاكس الكل. وعند المساء تركنا مركز الألعاب هذا متجهين صوب فندق فائزة وفاطمة. تناولنا طعام العشاء معاً ثم ودّعتُ الفتاتين إذ ستغادران إلى موسكو صباح اليوم التالي على أن نلتقي قريباً في موسكو.

نصحني سائح عراقي أدمن زيارة فيينا والمكوث فيها طويلاً ومراراً كل عام أن أُقضّي ليلةً في قرية تقع في ضواحي فيينا مشهورة بالنبيذ الممتاز والدجاج المشوي تُسمّى Grinzing

وزوّدني برقم الحافلة التي تعمل ما بين مركز فيينا وهذه القرية ووقت مغادرة آخر حافلة قبل الفجر لهذه القرية. زرت القرية وطلبتُ النبيذ الأحمر ونصف دجاجة مشوية. شرعت بالأكل والشرب في جو صيفي دافيء ومكان مكشوف تصدح فيه موسيقى فرق الغجر التي تطيف على الموائد بين آونة وأخرى طَلَباً لبعض النقود. هناك ينسى الإنسانُ نفسه وينسى الزمن بل الزمن هو الذي ينساه فظللتُ أطلب المزيد من النبيذ الأحمر وتأتيني به فتيات المحل الفاتنات بقوارير خاصة من الكريستال. قُبيل الساعة الثالثة بعد منتصف الليل أعلن المحل ختام السهرة. دفعتُ حسابي وأسرعت إلى محل وقوف الحافلة الأخيرة لتأخذني إلى وسط مدينة فيينا. ركبت الحافلة معي مجموعة من السائحات عرفت من إحداهن إنهن من فنلندا. لأول مرّة أرى نساء فنلنديات. كانت رائحة النبيذ تفوح من أفواههن. وما أن تحرّكت الحافلة بنا حتى شرعن جميعاً بالغناء بأصوات عالية. تهيأَ لي أن الجميع سكارى. إذن فالجو مؤاتٍ لإحتمال النجاح في عقد صفقة صداقة ولو عابرة طائرة مع جارتي التي شاركتني مقعد الحافلة وكانت أكثرهن صخباً وغناءً وربما سُكراً. (هيهات… فسُكرهم غير سُكرنا. ثم إنَّ كلام الليل يمحوه النهارُ). كانت طويلة القوام، بشرتها ناصعة البياض. مِلت بجسدي قليلاً نحوها ثم قلتُ لها بالإنجليزية (أُحبّكِ). كنت أنتظر منها أن تغضب مني وأن تترك مكان جلوسها معي، لكنها هي الأخرى مالت نحوي وأجابت فوراً بوجه ضاحك شديد التورد واللمعان (أنا أُحبكَ أيضاً I love you too) !! لم اصدق أنني ما زلت كائناً بشرياً يحيا على سطح الكرة الأرضية. صحيح إذن إنها فيينا التي أحبتها الفنانة أسمهان وغنتها بإيقاع الفالس في إغنية (ليالي الأُنس في فيينا). أنا حقّاً في فيينا، فما ندمت حينها أنْ قد ضاعت مني فرصة زيارة المدينة الذهبية (براغ). بينا ما زلتُ غارقاً في أحلامي وأوهامي وتجوالي طيفاً هائماً ضائعاً بين الأرض والسماء السابعة كانت صاحبتي غارقة بالصخب والضحك والغناء بلغة قومها الفنلديين التي لا أعرف منها شيئاً. أين حبها لي إذن؟ لماذا قالت إنها كذلك تحبني؟ لماذا إنصرفتْ عني وتركتني أتخبط ولا أستطيع أن أتخذ أي قرار مناسب؟ فكّرت قليلاً، أنا السكران الصامت، فقررت أن أتحرك بشجاعة وليكنْ ما يكن. قرّبتُ وجهي منها فلم تبتعد عني ، قبّلت خدها الوردي اللامع، ردّت الجميل بالمثل فقبّلت هي الأخرى خدي الأسمر الذي يحمل تحت جلده جمرات حر صيف العراق ولاسيما شهري تموز وآب. أبرمنا العقد إذن وأصبحت الأمور شديدة الوضوح. شعرت بنوع من الإنتصار على الغرب وعلى جميع النساء الغربيات وعلى عاصمة أسمهان فيينا. تهيأ لي أن العلاقات بين المرأة والرجل يسيرة في هذه البلدان والتآلف سريع وغير معقّد كما هو الحال في بلداننا. سألتها، وقد قبّلتها وقبّلتني، أيمكن أن نقضي الساعات الباقية معاً في شقّتي أو معك في الفندق؟ قالت كلا. سألتها ألا نلتقي نهاراً؟ قالت سنغادر فيينا بعد الظهر عائدين إلى هلسنكي. لم تدهشني أجوبتها لكنَّ ما أدهشني حقاً هو أنها لم تسأل من أنا أو ما إسمي ومن أين أتيت ولماذا أنا في فيينا. يا لقساوة الفنلنديات أو الفنلنداويات !؟ يقبّلن الرجل ولا يذهبن معه إلى شقته. تقول له من هي لكنها لا تسأله من هو؟ رغم أني ما كنتُ أميّز قُبيل الفجر بين الخيط الأسود والأبيض، فلقد إستطعتُ الوصول إلى شقتي مُتعَباً متضايقاً مما ألمَّ بي في حافلة الأوبة إلى فيينا. طارت من رأسي متعة الليلة التي أمضيتُ في قرية الخمور والدجاج المشوي. لماذا أزج بنفسي في مغامرات طائشة غير محسوبة؟ لماذا يضع الإنسانُ قدميه في بداية طريق زَلِقٍ لا يعرف منتهاه؟ لماذا التورط مع نساء أجنبيات غريبات في بلد غريب وأجنبي؟ على أية حال… التجارب عِبرٌ، والتجارب لا يتعلمها المرء مجاناً. عليه أن يدفع، وأن يدفع نقداً لا أقساطاً ولا بالمؤجّل أو النسيئة. يكون الدفع أحياناً غالياً…غالياً جداً. نمت كما لم أنم قبلاً طوال حياتي. إستيقظت بعد الظهر وفي الرأس دوخة وخُمار. سيزول سريعاً هذا الخمار الذي علَّم الشاعر المتنبي كيف يسكر إذ قال : (أفيقا، خُمارُ الهمِّ علَّمني السُكرا…)، سيزول بعد وجبة طعام دسمة لذيذة تقدمها أيدي فتاة نمساوية جميلة في أحد مطاعم فيينا الأنيقة. سيزول إذّاك الخُمار من رأسي وسيختفي ما هو أكبر وأخطر من الخُمار. إستحممتُ وخرجت لتناول طعام الغداء. بعد الغداء عنَّ لي أن أزور قصر الإمبراطورة ماريا تيريزا المُسمّى (Schoenbrunn )

أي قصر الينبوع الرائع. وصل قبلي إلى حدائق هذا القصر والغابات المحيطة به وحديقة الحيوان الملحقة به مئات السياح من مختلف الجنسيات والأقوام. لم أجد أية مشكلة في التعارف مع بقية عِباد الله، فقدكنت أتواصل مع غالبيتهم باللغة الإنجليزية. كذلك هو الأمر في فيينا. الكل تقريباً يتكلم أو يفهم هذه اللغة. لا عجبَ، إنها لغة سياحية عالمية حقاً وحقيقةً. (ليالي الأُنس في فيينا…/ المرحومة إسمهان، آمال الأطرش).

إلتقيت بمحض الصدفة خلال إحدى جولاتي المسائية بأحد زملاء الدراسة في دار المعلمين العالية في بغداد. إنه السيد (الدكتور فيما بعد) عبّاس حبّي الظاهر، من أهالي الناصرية. رأيته متأبطاً ذراع فتاة جميلة. رحب بي الرجل بحرارة ثم ترك معي رقم تلفون منزله. خابرته بعد يومين أو ثلاثة فدعاني على الغداء واصفاً لي طرق الوصول إلى منزله في العاصمة فيينا. كان وقتذاك يستأجر غرفة في بيت سيدة نمساوية. وصلتُ سكن الصديق عباس ففوجئتُ بوجود زميل آخر من زملاء الدراسة هو السيد (هادي الشمّاع). تناولنا الغداء جميعاً وبعد الشاي أوصلني هادي مشكوراً إلى شقتي بسيارته الإيطالية الصغيرة من نوع (فيات). لم نلتقِ بعد ذلك اللقاء أبداً. كان عباس وهادي يدرسان الأدب العربي في جامعة فيينا على حسابهما الخاص. ما كانا طلاّب زمالة أو بعثة. بعد واحد وعشرين عاماً رأيتُ الدكتور عباس حبي الظاهر على شاشة تلفزيون العاصمة الليبية طرابلس مع مجموعة من السياح. لم تسمح لي ظروفي يومذاك أنْ أسعى للقائه أو السؤال عن مكان إقامته في فنادق طرابلس. عرفت أخيراً إنه لم يزل يعمل ويعيش في فيينا ويزور مدينة ميونيخ من وقت لآخر. بي رغبة مُلحّة أن أرى هذا الإنسان الرائع وأنْ أردَّ له الجميل رغم تحفظي الشديد على علاقته المتينة بإبن مدينته الضابط الطيار (منذر توفيق الونداوي) الذي ساهم بنشاط في تنفيذ إنقلاب الثامن من شباط 1963 وقصف وزارة الدفاع ومطار وطائرات معسكر الرشيد فكافأه الإنقلابيون بجعله قائداً للحرس القومي سيء الصيت. ثم إنه هو منذر توفيق الونداوي من هتك أعراض بعض العراقيات.كافأه حزب البعث مرة أخرى فجعلوه سفيراً للعراق في اليابان لكنه، ولأسباب ما زالت مجهولة، ترك عمله سفيراً وهرب طالباً اللجوء في بعض البلدان الأوربية. قال لي أحد معارفه إنه كان حتى عام 2000 يقيم في المدينة الإسبانية السياحية الشهيرة (ماربيّا) وتُغدق عليه إحدى الحكومات العربية بسخاء !! رأيتُ عام 1964 إحدى ضحاياه في مدينة موسكو بعد أنْ تمكّنت من الهرب من العراق وأدلت بتصريحات يقشعّر لها البدن.

مع بنات حوّاء

1- تعرّفتُ خلال إقامتي القصيرة في فيينا (6 آب – 22 آب) على أكثر من فتاة وأنفقتُ عليهن جميعاً سواء في مطعم أو بار أو مرقص أو سينما.لم يطلبنَ أكثر مما كنتُ أدفع إلاّ واحدة قدّمها لي في إحدى الأمسيات طالب عراقي بدون عمل. قالت إنها في السابعة والثلاثين من العمر وإنها سيدة مُطلّقة ومعها طفلان وإنها هي الأخرى بدون عمل. أخذتني إلى أحد المطاعم الفخمة، وما أن إتخذنا مجلسينا في ركن هاديء من المطعم حتّى أخذت تطلب أطباق الطعام المنوعة مع الشراب الفاخر. وكلّما أنهت طبقاً طلبت آخر مثله أو سواه مما لذَّ وطاب. أفرطت في الشراب فأكثرتْ من الكلام. تتكلم معي بلغتها النمساوية التي لا أفقه منها إلاّ بضع كلمات، فأرد عليها بالإنجليزية التي لا تفقه منها إلاّ الأقل من القليل (حوار طرشان. تذكّرت مثلاً شائعاً بين أهل الحلّة يقول : المتكلم هندي والمستمع من أهل الجريبات. الجريبات قرية خيالية أهلها بسطاء بُلَهاء وسذّج). كنتُ أفهم منها أنَّ الرجال لا يبتغون من النساء إلاّ الحصول على المتعة العابرة، بينما هي كانت تسعى للحصول على علاقة ثابتة راسخة وتريد مستقبلاً مضموناً، أي إنها تريد الزواج. بعد أن إنتصفَ الليلُ وَثَقُلت منادمتي بما أكلت وشربت قالت : إدفعْ الحساب وأوصلني إلى بيتي كي ترى أطفالي نياماً. أخذتني في طرق نصف مُظلمة لم أعهدها من قبلُ في هذه المدينة.كانت الطرق خاليةً من البشر، وكلّما تقدمنا ماشين في هذه الطرق كالأشباح في نصف عَتمة قالت ما زال بيتنا بعيداً. لم تكف عن الكلام أبداً. حين تكف عن الكلام والثرثرة تشرع بالغناء بصوتٍ عالٍ. بدأت أشعرُ بالسأم المشوب بهاجس القلق. لا أعرف هذه المرأة ولا أدري إلى أين ستأخذني هذه العفريتة . شبَّ صراع عنيف في داخلي بين القلق على مصيري وعلى ما معي من نقود من جهة، والرغبة العارمة في جسد هذه البلية التي أكلت وشربت خمسة أضعاف ما قد أكلتُ وشربت، من الجهة الأخرى. زادت ثرثرتها وطغيان تأثير الكحول عليها من سأمي وإحتقاري لها فقررتُ تركها والرجوع إلى شقتي. لكنها لم تدعني وشأني.لم تشأ أن تتركني أمضي راجعاً وحدي. أمسكت بي بقوة وأخذتْ تجرني كالكبش جرّاً وأنا أُقاومُ وأحاول الإفلات من قبضة يدها القوية.كانت رغم سكرها الشديد أقوى مني، وكلّما قاومتُ زادت شراسةً وإصراراً على أن أمضي معها إلى بيتها لأراها كيف تعيش مع طفليها. لا من يُغيث ولا من يسمع في تلكم الساعة وفي هذه الطرق الخالية ونصف المظلمة.كيف سأتخلص من هذه الورطة وكيف سأعرف طريق عودتي إلى مسكني فيما لو إستطعتُ أن أفلتَ منها وأهرب راكضاً؟ فكّرتُ في الأمر ثانيةً وقررتُ أنْ أمضي معها في مغامرة غير محسوبة جيداً وأن أتحملَ ما تجره الأقدارُ عليَّ. قلتُ قد تكون هذه المرأة بريئة مسكينة ثم إنها أم لطفلين وعاطلة عن العمل. إذن لا ضيرَ ولا ضرر في أنْ أُقضّي بقية الليلة المشؤومة معها، سيما وقد دفعتُ خمسةَ أضعاف ما يستحق جسدها مني. ثم بدأتُ أُخادع نفسي بالقول إنني سوف لن أنام أبداً وإنها سكرى ستسقط في كرى عميق حال وصولنا بيتها. خُيّل لي إنها إلتقطتْ قراري الخفي بحاستها السادسة فأرخت يدها القوية من ذراعي وهرولتْ إلى إحدى زوايا الشارع كي تتبول. جاء الفَرَجُ إذن ! جريتُ أسرع من غزال في الإتجاه المعاكس لخط مسيرنا. لا أدري كم مرّةً سقطتُ على الأرض، ما كنتُ مهتمّاً إلاّ بسلامتي ونقودي. الرضوض تبرأ عاجلاً أو آجلاً لكنْ خسارة النقود لا يمكن تعويضها وأنا في بلد أجنبي سأتركه بعد حين. عندما دفعتُ الحساب الخيالي وغادرنا المطعم الراقي طلبت هذه السيدة أن نلتقي ثانيةً مساء اليوم التالي. لم أذهبْ بالطبع إلى موعدها، فلقد تعلّمتُ الكثير من الدروس في أُمسية واحدة، وتعلّمتُ أن لا أدعو سيدةً لا أعرفها جيداً إلى أي محل في الدنيا. وأن لا أزور بيتاً لا أعرف عنوانه مُسبَقاً. وأن لا أبقى في الشوارع ليلاً بعد الساعة الحادية عشرة. ثم لا أعقدُ صداقات مع السكيرات من بنات حواء ولا المدخنات منهن ولا الثرثارات !!

[ملاحظة متأخرة : ولا مع اللائي في بيوتهن كلاب أو قطط !!].

2- مع (ليليLilly)

كنتُ راجعاً عصر يوم دافيء صاحٍ جميل من جولة تمشٍ طويلة في الضواحي القريبة من فيينا. في الشارع الزاخر بالحركة والساحات المليئة بأحواض الزهور رأيتُ فتاةً جالسة على إحدى المصاطب.كانت وحيدة شاحبة الوجه بريئة الملامح. إقتربتُ منها مُحيياً فردت تحيتي بلطف. كانت تعرف اللغة الإنجليزية. عرضتُ عليها أن نرى معاً أحد الأفلام السينمائية فوافقتْ على الفور. ما كانت دار السينما بعيدةً عنّا. كانت تعرض فيلماً أمريكياً. لاحظتُ أثناء عرض الفيلم أنَّ هذه الفتاة الشابة الهادئة لا تُطيقُ سماع أصوات الإنفجارات التي كانت تقتضيها بعض مشاهد الفيلم. كانت تقف على قدميها مع كل إنفجار صارخةً. كنتُ أُهديء من روعها. أُساعدها على الجلوس ثانيةً في مقعدها.كانت ترتاح لذلك وتشعر بالثقة بالنفس حين أُطوّق كتفيها بذراعي. إنتهى الفيلم عند حلول الظلام فعرضتُ عليها أن نتمشى نحو مركز المدينة وأن نتناول طعام العشاء في مطعم بسيط قريب من سكني. رحّبتْ بالفكرة. أخذت أثناء تمشينا تسألني أسئلة بريئة عن ظروفي وظروف بلدي. وحين أنتهي من الإجابة تضع المزيد من أمثال هذه الأسئلة التي كنت أرى فيها تسلية ممتعة وفُرصة لتزويدها بالمعلومات عن سفرتي وطبيعة دراستي المقبلة في جامعة موسكو. لم تزودني بأية معلومات عن حياتها الخاصة سوى إسمها (ليلي). كما إني لم أسألها أي سؤال يتعلق بها أو بوضعها أو دراستها أو عملها ولماذا هي وحيدة.لم أشأ أنْ أتسبب في أيما إحراج لهذه الفتاة التي بدت لي كحمامة سلام بيضاء أدباً ورقّةً ووداعةً وبراءة. كانت شاحبة الوجه، فلماذا هذا الشحوب وهي ما زالت في عمر الزهور؟ لا أدري. إنها مشكلتها وليست مشكلتي. بعد قليل سنفترق. دخلنا المطعم البسيط القريب من شقتي، كنتُ أعرفه جيداً. يتناول روّاده طعامهم واقفين متحلقين حول موائد عالية. كما كانت هناك مقاعد للجلوس. جلبتُ لكل منّا صحنَ رز ولحم وكأسي عصير برتقال. كانت ما زالت تسأل وهي تأكل. وكنت من جهتي ما زلتُ منشغلاً بأمر هذه الفتاة – الطفلة البريئة الجميلة الشاحبة الوجه. هل لديها متاعب جديّة في الكبد أو المرارة؟ جائز. كنتُ أجيبُ عن أسئلتها بإختصار شديد لأني – حتى اليوم – لا أستطيع الكلام وتناول الطعام معاً. إما هذا أو ذاك. لم تطلب شيئاً آخرَ غيرَ ما قدّمتُ لها. إكتفتْ. إقترحتُ أنْ نزور سكني وأن نأكل بعض الفاكهة. وافقت في الحال. هالني سر هذه الفتاة. كيف وثقت بي فإنقادت لي كالقطة الأليفة؟ من أين أتتها هذه الثقة؟ من الذي علّمها أن تثق بالسياح الأجانب المارين بمدينتها مروراً عابراً خاطفاً؟ كيف تأتي معي إلى غرفتي والساعة تقترب من العاشرة ليلاً؟ في غرفتي ناولتها قطعة كمّثرى. أخذتها وإتخذت مكان جلوسها على حافة شباك غرفتي المفتوح والمُطل على الشارع العام. كانت تقضم الكمثرى بهدوء وبطء دون أن ترفع بصرها عن الشارع العاج بالمارّة والسيارات وأضوائها الخاطفة. بعد العاشرة بقليل عرضتُ عليها أن أُرافقها حتى موقف حافلة الشارع الكهربائية Strassenbahn التي تأخذها قريباً من سكناها. سألتها قبل أن تأتي الحافلة عن رقم تلفونها. أعطتني رقم تلفونها على أن أُجري معها غداً إتصالاً هاتفياً لغرض ترتيب لقاء آخر. ركبتْ الحافلة فرفعتُ ذراعي مودِعاً. حيرني أمر هذه الفتاة. ليس لها نظير فيمن عرفت من بنات حواء. شحوبها غريب وسلوكها أكثر غرابة. سأتصل إذن غداً بها ولسوف نلتقي وسأحاول الدخول في عالمها الغامض ومعرفة المزيد عنها وعن أسرارها وعمّن تكون وكيف طرحت ثقتها المطلقة في شخص لا تعرفه. وقعتُ فريسة مزدوجةً للفضول والشفقة على هذه الفتاة التي قالت إنها في العشرين من عمرها، أي أصغر مني بستة أعوام.

فتحت التلفون حوالي العاشرة من صباح اليوم التالي. جاءني صوت نسائي لا يشبه صوت (ليلي). طلبتُ الكلام مع (ليلي) فجاءني رد بالألمانية لم أفهم منه شيئاً. ظللتُ أُلِح في سؤالي عن (ليلي) فيأتيني نفس الرد وبنفس اللغة. لا أنا يئستُ ولا الأخرى شعرت بالسأم من سؤالي. حوار طرشان… مرة أخرى. ماذا حلَّ بصاحبتي؟ هل هي نزيلة أحد المستشفيات أو المصحات العقلية سمحوا لها عصر اليوم الفائت بالخروج للتنزه وتغيير الجو؟ أليس لها عائلة وأهل؟ هل هي مصابة بمرض خطير لا شفاء منه؟ هل… هل…هل…، ثم مَنْ السيدة التي كانت على خط الهاتف؟ هل هي أمها أم إحدى ممرضات المشفى أو المصح؟ لم أستطعْ رؤية (ليلي) مرة ثانية.

3- مع فرنسية في مرقص

نصحني عراقي يعرف مدينة فيينا جيداً ويزورها مراراً كل عام أن أُقضّي أُمسية في مرقص ومشرب يتخذ مكانه في أحد أركان دار البلدية الضخم. ذهبت إلى هذا المرقص فصدَّني رجل وقال لي : عليك أن تأتي مُرتدياً بدلة كاملة. هذه هي التعليمات. رجعت إلى غرفتي فإرتديتُ بدلتي الصيفية وكان الجو دافئاً رائعاً. صدني الرجل مرة أخرى قائلاً : التعليمات تقضي أن تضع مع البدلة ربطة عنق ! عدتُ أدراجي إلى غرفتي ووضعت ربطة العنق وأتيت إلى المرقص فسمحوا لي بالدخول. كان الدخول مجاناً شرط أن يتناول الضيف كأسين من البيرة أو النبيذ كحدٍ أدنى. طلبت كأس نبيذ أحمر ودخلت فوراً في الجو الساحر العام. كل الحاضرين شباب وشابات بمثل سني وأصغر. رقصوا مراتٍ ومراتٍ أمامي على أنغام الموسيقى المتنوعة. كنت مكتفياً بنشوة شرابي وروعة ما يجري أمام عينيَّ.

طلبتُ المزيد والمزيد من النبيذ الأحمر (ما كنتُ أَسيغُ طعم البيرة) حتى إرتفع مفعول الحُميّا في رأسي فدارت بي الدنيا وإختلطت عليَّ الأمور فقررت أن أرقص مع الراقصين وأن أدور مع الدائرين! إنتهت رقصة فتلتها أخرى. تلفّتُ يمنةً ويسرةً فوقع بصري على فتاة سوداء الشعر شديدة الشبه بإحدى معارفي في العراق. دعوتها للرقص فلبّت الدعوة دون تردد. إخترقتُ بها جموع الراقصين والراقصات حتى وسط حلبة الرقص. شرعنا نرقص كباقي الشباب. سألتها وسألتني الأسئلة المعتادة : الإسم والبلد. قالت إنها فرنسية فقلت لها أنا عراقي من مدينة الحلّة القريبة من آثار وخرائب بابل. لكني شعرت فجأة أنني لا أعرف الرقص ولا أُحسن نقل خطواتي حسب الإيقاع الموسيقي المضروب. ساورني نوع من الخجل من هذه المغامرة. لعنتُ الكحول ولعنتُ مفعول الكحول ولعنتُ من نصحني بإرتياد هذا المكان الرائع. تركت فتاتي على حين غرّة دون أن أعتذر لها أو أن أبين لها السبب مُنسحباً إلى حيث مكاني ومائدتي ومشروبي. تركتْ بعدي حلبة الرقص تجرجرُ أقدامها جرّاً. جلستْ في مكانها وكانت معها فتاتان أُخريان. طلبتْ كأساً فأتاها به النادل. شربت نصف الكأس دفعةً واحدة. مرَّ بعض الوقت، وبعد فترة إستراحة صدحت موسيقى (الفالس) فنهضتُ أدعوها للرقص معي. لم ترفض ولم تعترض لكنها طلبت مني برفق وأدب أنْ لا أتركها وحدها وسط الراقصين كما فعلتُ المرة السابقة. هززت لها رأسي موافقاً. كانت فتاة دافئة بيضاء الوجه شعرها فاحم السواد وعيونها من النوع المألوف كثيراً في بلدان الشرق الأوسط. هل هي حقاً فرنسية؟ ما هذا الشبه الكبير بينها وبين بعض من تركتُ من معارفي في العراق؟ كنتُ حائراً تائهاً في معمعان هذه الأسئلة وكيف أُواصل الرقص الذي لا أُجيد مع هذه الفاتنة المطواعة؟ لم أُصدّق أن الموسيقى ستتوقف وأن الراقصين سيعودون إلى أماكنهم لبعض الراحة وإستئناف تناول المشروبات الكحولية. الحمد لله !! توقفت الموسيقى وعادت الجموع إلى أماكنها المحجوزة. رافقتُ الفتاة الفرنسية ماسكاً ذراعها برفق إلى حيث كانت تجلس مع صديقتيها. شكرتها بكل أدب وإتجهتُ إلى مائدتي وشرابي.كيف يرقص رجل شرقي مثلي دون أن يعرف أبسط مباديء وأصول الرقص الغربي؟ الكحول. لعن الله الكحول ولعن صانعه وحامله ولعن شاربه. بل ولعن زارع كرمته. أتذكر هذه الفتاة فأشعر باللوعة والحسرة أني فارقتها على عجل، وإني ما كنتُ أصلاً قادراً على البقاء معها فترة أطول. ستأوب هي إلى بلدها فرنسا وسأغادر أنا متجهاً إلى بلاد بعيدة غريبة للمزيد من الثقافة والمعرفة والعلم. كانت طالبة ما زالت في طور الدراسة وكانت تتكلم الإنجليزية بطلاقة. تركت لديَّ إنطباعاً قوياً في أنها كانت مستعدة لقضاء باقي عطلتها معي في فيينا.كانت جدَّ سعيدة معي. قبلت إهانتي الخرقاء وصفحت عني. لا أتذكر إسمها، وللأسماء عندي مغزى ومعنى وشعور يُقرّبني كثيراً من طقوس المتصوِّفة. لا أعبد الأسماء ولا أسجد لبشر لكني شغوف إلى حد هوس الغرام بذكرى أسماء بعض مَنْ قد عرفتُ. فيينا… فيينا !!.

 

د. عدنان الظاهر

................................

[[ تعقيب : زرت فيينا زيارات سياحية أُخرى مع عائلتي صيف عام 1977 قادمين إليها من بغداد وصيف عامي 1979 و1981 قادمين إليها من العاصمة الليبية طرابلس. ثم زرتها في خريف عام 2002 بدعوة من البيت العراقي هناك لإلقاء محاضرة أدبية حول خصائص قصيدة النثر.لم تترك هذه الزيارات الأربع أي أثر ذي بال في نفسي. شغلتني الزيارة الأولى، زيارة الصبا وفورة الشباب ]].

 

حامد الحمدانيبعد سقوط حكم حزب البعث على أثر انقلاب 18 تشرين الثاني 1963الذي قاده رئيس الجمهورية عبد السلام عارف، حدث بعض الانفراج للوضع السياسي في البلاد، وخفت حملات الاعتقالات  والملاحقات، وتوقفت أساليب التعذيب ضد المعتقلين السياسيين التي كان يمارسها حزب البعث، كما حدثت تطورات في العلاقات بين القوى السياسية في البلاد، والعلاقات بين العربية المتحدة والعراق من جهة، والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى، وكان في مقدمة تلك التطورات ما يأتي:

1ـ عودة العلاقات الطبيعية بين العربية المتحدة والاتحاد السوفيتي، وحدوث انفراج سياسي داخل مصر، تمثل في إطلاق سراح السجناء الشيوعيين، وتوّجت العلاقة الجديدة بزيارة الزعيم السوفيتي [خرشوف] للقاهرة، ولقاءه مع الرئيس عبد الناصر، مما أعاد العلاقة بين البلدين بعد الهجمات التي شنها عبد الناصر على الإتحاد السوفيتي.

2ـ توقف القتال بين الأكراد وقوات الحكومة بعد تدخل الرئيس عبد الناصر، وتوسطه بين حكومة عبد السلام عارف والقيادة الكردية.

3ـ عودة نشاط فرع الحزب الشيوعي في كردستان بعد توقف القتال، وكان تنظيم الحزب في كردستان قد نجا أغلبه من ملاحقة البعثيين إبان حكمهم الأسود.

4ـ استئناف العلاقات العراقية السوفيتية، واستئناف السوفيت تجهيز العراق بالسلاح، الذي توقف على أثر انقلاب 8 شباط 1963.

5ـ الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة بدفع من العناصر الناصرية.

كل هذه العوامل دفعت قيادة الحزب الشيوعي إلى إعادة تقييم موقفه من نظام عبد السلام عارف بعد نقاش للوضع السياسي في اجتماع موسع عقدته اللجنة المركزية للحزب في أواخر آب 1964.

لقد ظهر خلال النقاش داخل اللجنة المركزية تياران متناقضان، التيار الأول دعا إلى التعاون مع حكومة عبد السلام عارف، مثمناً توجه العراق والعربية المتحدة نحو ما سمي بطريق [التطور اللا رأسمالي] وباتجاه الاشتراكية!، وذهبت العناصر اليمينية في قيادة الحزب إلى أبعد من ذلك  فدعت إلى حل الحزب، والانخراط في الاتحاد الاشتراكي، معتبرين قيام عبد السلام عارف بانقلابه ضد البعثيين، وإنهاء سلطتهم الدموية، قد أوجد شروطاً أكثر ملائمة لنضال القوى المعادية للإمبريالية، من أجل الحفاظ على استقلالنا الوطني، والعودة إلى قافلة حركة التحرر الوطني للشعوب.

غير أن التيار الثاني في قيادة الحزب كان له تقيماً آخر، وموقفاً آخر من حكومة عبد السلام عارف، ذلك أن أعداداً كبيرة من الشيوعيين كانوا لا يزالون يقبعون في سجون النظام، كما أن السلطة العارفية كانت قد فسحت المجال واسعاً أمام العناصر الرجعية والشوفيتية لخلق الطائفية وترويجها، وتواجد أعداد كبيرة من تلك العناصر في مختلف أجهزة الدولة، هذا بالإضافة إلى تدهور الأحوال الاقتصادية للشعب، وحالة عدم الاستقرار السياسي بسبب وجود التيارات المتناقضة داخل السلطة، فهناك عناصر رجعية ترتبط بشكل أو بأخر بالإمبريالية، وهناك عناصر ناصرية تسعى نحو التطور اللا رأسمالي، كما كان يجري في العربية المتحدة، ولكن  نتائج الاجتماع صبت  في خانة الإقدام على التعاون مع حكومة عبد السلام عارف.

أدى اتجاه قيادة الحزب الشيوعي نحو التعاون مع السلطة العارفية إلى موجة من الاستياء في قواعد وكوادر الحزب الذين رفضوا هذا التوجه والتعاون مع شركاء البعثيين بالأمس في كل الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب والوطن، والشيوعيين بوجه خاص، و تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، وتحدت تلك الكوادر مع جانب كبير من قواعد الحزب قرارات اللجنة المركزية رافضة إياها، في الوقت الذي أصرت فيه اللجنة المركزية على السير في الطريق الذي رسمه الاجتماع الموسع  مهما كان الثمن.

غير أن الرياح جرت بما لا تشتهِ السفن، كما يقول المثل، فقد حدثت تطورات داخلية، عربية ودولية، أفشلت مسعى القيادة اليمينية للحزب. فقد استُؤنفت الحرب في كردستان من جديد في 5 نيسان 1965، وشنت حكومة عبد السلام عارف الشوفينية حرباً شعواء ضد الشعب الكردي.

كما أن عبد الناصر أصيب بخيبة أمل مريرة بعبد السلام عارف، وأصبح على يقين أن عارف لا يؤمن إيماناً صادقاً بالوحدة، وإنما أتخذها وسيلة للوثوب إلى السلطة، فقد تظاهر النظام الجديد لعبد السلام عارف بالسير باتجاه إقامة أقرب اتفاق ممكن مع العربية المتحدة، في كل الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية.

ففي 26 أيار 1964 أتفق عبد السلام عارف وجمال عبد الناصر على إقامة مجلس رئاسي مشترك، للتخطيط والتنسيق في المجالات المذكورة كافة باتجاه إقامة اتحاد دستوري بين البلدين فيما بعد.

وفي 16 تشرين الأول 1964 جرى توقيع اتفاقية الوحدة، وتكوين المجلس الرئاسي المشترك للقيادة السياسية الموحدة للعراق ومصر، وتعهد الطرفان بإقامة الوحدة بينهما خلال سنتين .

إلا أن تلك القيادة لم تجتمع سوى مرتين خلال هذه المدة، وجرى نسيانها فيما بعد، وانتهت إلى الزوال، فلم يكن عبد السلام عارف جاداً في إقامة الوحدة كسابقيه حكام البعث، وقد اثبتت التجارب والوقائع أن عبد السلام الذي كان أول من شق الوحدة الوطنية، وتأمر على ثورة الرابع عشر من تموز، وقائدها عبد الكريم قاسم بدعوى الوحدة الفورية مع العربية المتحدة لم يكن يهدف حقاً إقامة الوحدة، وإنما أراد استخدام مسألة الوحدة ورصيد عبد الناصر للوثوب إلى قمة السلطة، والاستئثار بها لوحده، وقد أدرك عبد الناصر أن عبد السلام عارف لا يتمتع بقاعدة واسعة في حكمه، وأن حكمه عبارة عن أقلية قليلة من الضباط لا سند شعبي لهم على الإطلاق، وأن عارف لا يختلف عن سابقيه حكام البعث بأي حال من الأحوال.

لقد كان انكشاف موقف عبد السلام عارف من الوحدة مع العربية المتحدة سبباً في حدوث شرخ كبير بينه وبين القوى الناصرية والحركية، وتطور ذلك الشرخ إلى صراع متصاعد، أدى في النهاية إلى تقديم الوزراء الناصريين والحركيين استقالتهم من الحكومة، وإلى محاولة هذه القوى قلب السلطة العارفية كما سنرى تفاصيل ذلك فيما بعد.

وهكذا اضطرت القيادة اليمينية للحزب الشيوعي العراقي إلى تغير سياستها تجاه السلطة العارفية، ودعت إلى إسقاطها، وقيام حكومة ائتلاف وطني تضم كل القوى والأحزاب السياسية الوطنية المعادية للإمبريالية.

وأشارت قيادة الحزب إلى فشل الاتحاد الاشتراكي، ونظرية الحزب الواحد، وهاجمت السياسة الاقتصادية للحكومة التي شكلها [عبد الرحمن البراز]، وأعلن الحزب أن حكومة البزاز ترعى مصالح الإمبريالية البريطانية، وشركات النفط، وتحاول إعادة الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق من جديد، وإعادة الهيبة والسلطة لرجالات الإقطاع، والملاكين العقاريين، وكبار الرأسماليين.

الحزب الشيوعي يطرح مسألة استلام السلطة

على أثر تلك التطورات السياسية السالفة الذكر طرح، الحزب الشيوعي في 9 تشرين الأول 1965  مسألة إسقاط حكومة عارف واستلام السلطة في الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب خلال الاجتماع مشروعان حول الموضوع:

المشروع الأول:

قُدم من قبل [عامر عبد الله] الذي رأى أن السلطة العارفية قد أصبحت معزولة  بعد أن خرج منها الناصريون، كما أن عودة الحرب في كردستان، وزج ثلثي الجيش العراقي فيها من جهة، واشتداد الخلافات بين عبد الناصر وعارف من جهة أخرى، جعلت الظروف في صالح الحزب لتوجيه الضربة القاضية لنظام عبد السلام عارف وإسقاطه، واستلام السلطة، معلناً أن مصير الحزب يتقرر هذه الأيام.

المشروع الثاني:

الذي طرحه [بهاء الدين نوري] فقد شكك في استطاعة الحزب لوحده القيام بالتغيير، وتخوّفَ من تشكيل جبهة واسعة ضد الحزب، وادعى أن جماهير الحزب غير مستعدة لمثل هذا العمل، كما أن الأوضاع الدولية والعربية لا تساعد على ذلك، رغم اعترافه بإمكانية نجاح التغيير!!، ولكنه رأى أن يسبق ذلك تعاون القوى السياسية المعارضة لحكم عارف، وقد أيده في موقفه [عبد السلام الناصري] فيما أيد موقف عامر عبد الله كل من [اراخاجادور] و[صالح دكلة] وفي نهاية المناقشات خرج الحزب بستة قرارات كان أهمها القرار المتعلق بمسألة قلب السلطة العارفية والذي جاء فيه:

{ومن الضروري التشديد على طريقة النضال التي تبناها الحزب، والتي تعتمد على الدور الحاسم إلى [هاء] ويقصد بذلك التنظيم العسكري للحزب، في الإطاحة بالسلطة الحاكمة، وسيجد [هاء] له دعماً في إجراءات ثورية أخرى سيتخذها الحزب، وفي العمل الشعبي الحيوي في ميادين مختلفة}.

لقد جرى الاتفاق في ذلك الاجتماع على الإعداد للعمل الحاسم، على أن يبذل كل جهد ممكن لقيام تعاون مع القوى الوطنية الأخرى، كالحزب الديمقراطي الكردستاني، والضباط القاسميين والعناصر القومية ذات التوجه الاشتراكي [الناصريين]، وأن لا يقوم الحزب بالحركة بمفرده إلا في حالة عدم حصول التعاون المنشود على أن يكون المكتب السياسي مقتنعاً بان الظروف ملائمة والنصر بمتناول اليد.

وفي ختام الاجتماع تقرر إرسال رسالة من قيادة الخارج إلى اللجنة المركزية للحزب في  العراق جواباً على رسالة الحزب، وكانت وجهة نظر القيادة في الخارج تمثل تياراً وسطاً بين جناحي اللجنة المركزية، ولكنها حذرت اللجنة المركزية من مغبة الإقدام على أي خطوة متسرعة مغامرة دون نضوج الشروط الموضوعية اللازمة للتغيير الثوري.

رفضت لجنة تنظيم الخارج الرأي القائل بإلغاء فكرة [العمل المستقل للحزب] ولكنها رأت أن على الحزب أن يحاول تحقيق التعاون الوطني كهدف ثابت له في جميع الأحوال والظروف، حتى ولو بدت تلك المحاولات صعبة التحقيق في ظل الظروف الراهنة، وما يعتريها من صعوبات، ورأت أن آفاق التعاون ستكون أوسع نطاقاً كلما زاد نفوذ الحزب بين صفوف الجماهير، ورأت أيضاً أن على الحزب أن يلجأ إلى خطة مستقلة إذا كانت جماهير الشعب على استعداد كامل للإطاحة بالسلطة، وتلكأت القوى الوطنية في استيعابها لهذه الإمكانية أو رفضتها، وعلى الحزب في هذه الحالة أن يسعى لتعبئة قوى واسعة من جماهير الشعب.

وفي حالة إقدام الحزب على خطة مستقلة فإن هذه الخطة يجب أن تؤكد على أن التعاون المشترك، والدعوة إليه من خلال الشعارات التي يتبناها الحزب أثناء تحركه وبعده.

كما أيدت لجنة تنظيم الخارج مسألة الإعداد لانتفاضة جماهيرية شعبية من خلال نضال الجماهير نفسها، مع عدم الاستهانة بالعدو وأساليبه القمعية تجاه الحركات الشعبية، كما أيدت فكرة الاعتماد على الجهد الفعال لتنظيم الحزب، داخل صفوف القوات المسلحة في لحظة تطور الحركة الجماهيرية، ووصولها إلى حالة متقدمة [أي حالة الانتفاض الثوري]، أي استخدام عناصر الجيش الحزبية في الوقت المناسب تماماً لدعم الانتفاضة الجماهيرية، وإسنادها نحو تحقيق أهدافها.

كما أن على الحزب أن يأخذ في الحسبان احتمال تطور الأوضاع إلى قيام حرب أهلية بسبب تواجد القوى الرجعية على الساحة من جهة، وكون الحزب الشيوعي يمثل الاتجاهات اليسارية التقدمية، وعليه فالواجب يقتضي الإعداد الجيد للتصدي للحرب الأهلية، ووضع الثورة الكردية بعين الاعتبار كعنصر مساعد.

كما حذرت لجنة تنظيم الخارج من التسرع بشكل مصطنع، أو محاولة القفز فوق المراحل الضرورية للتطور والنضج الطبيعي للحزب، والانتباه الدقيق لمحاولات الأعداء نصب فخ للحزب للإقدام على خطوة متسرعة لكي يوجهوا له الضربة القاضية، وفي الختام حددت الرسالة الأهداف الآنية للحزب ذات الأهمية الأكثر إلحاحاً وهي:

1ـ السعي لتقوية مواقع الحزب داخل الجيش دون محاولة إحداث أي ضجة، والعمل على حماية التنظيم العسكري، وتطوير إمكانياته جنباً إلى جنب مع تطوير إمكانيات الجماهير الشعبية.

2 ـ بذل الجهود المتواصلة من أجل التعاون الوطني، والسعي لتشكيل التحالفات مع القوى الوطنية التي لها الاستعداد للتعاون من أجل الإطاحة بالنظام .

3 ـ تثقيف جماهير الحزب ورفاقه بشكل هادئ وتدريجي من دون إحداث ضجة حول طرق نضال الحزب في المرحلة الراهنة، وتنشيط الحركة الجماهيرية ومنظماتها كافة، وتوحيد جهودها، وحثها على التحرك الجماهيري كالإضرابات والاحتجاجات على الحرب في كردستان، ودفع الفلاحين إلى مقاومة النظام وإعلان العصيان.

4 ـ التغلب على حالة القصور البارزة في الحزب، وأهمية إصدار صحيفة الحزب على فترات غير بعيدة ومنتظمة، والاهتمام بالكادر، وأهمية إجراءات الحماية لقيادة الحزب وكوادره، من أجل حماية أسرار الحزب الهامة.

وفي الختام وجهت قيادة الخارج انتقاداً إلى الإجراءات التي اتخذتها لجنة الحزب المركزية في الداخل حول الانتخابات، وإخراج [ناصر عبود] من عضوية اللجنة المركزية، وإدخال خمسة أعضاء جدد في اللجنة، بالإضافة إلى بقاء كافة الأعضاء السابقين، سواء الموجود منهم في الداخل أو الخارج.

البعثيون يحاولون الإطاحة بحكم عبد السلام عارف:

لم يهدأ البعثيون، بعد أن غدر بهم شريكهم في انقلاب 8 شباط عبد السلام عارف الذي نصبوه رئيساً للجمهورية، ولجأوا إلى العمل السري لتجميع قواهم والتمهيد للقيام بانقلاب مضاد، ولاسيما بعد أن غدر عبد السلام عارف للمرة الثانية بالضباط الذين تمردوا على قيادتهم المدنية، وتعاونوا معه في انقلاب في 18 تشرين الثاني 963 1، ولاسيما وأن البعثيين كانوا يتخوفون من تجدد نشاط الحزب الشيوعي، وتنامي قدراته التنظيمية، وتوسع قاعدته، وينتابهم القلق من أمكانية قلب نظام عارف واستلام السلطة، بالإضافة إلى قلق المخابرات الأمريكية والبريطانية من اتساع نشط الحزب، وربما بتنسيق بين الطرفين بادر حزب البعث استعداداته لقلب نظام عبد السلام عارف.

فقد استطاع البعثيون تجميع قواهم وتنظيمها وإعدادها للعمل الانقلابي، وتقرر القيام بالحركة يوم 4 أيلول 1964 معتمدين في تحركهم على كتيبة الدبابات الرابعة التي استخدموها في انقلاب 8 شباط 1963، بالإضافة إلى 6 طائرات  [ميك عسكرية] يأخذ طياريها على عاتقهم قصف طائرة عبد السلام عارف يوم توجهه إلى مؤتمر القمة العربية بالإسكندرية.

غير أن جهاز استخبارات عارف كشف خيوط المؤامرة قبل تنفيذها وجرت على الفور حملة اعتقالات واسعة في كافة أنحاء العراق، وزُج بالبعثيين في السجون والمواقف، وسارع عبد الناصر إلى إرسال 600 عسكري إلى العراق لدعم نظام عارف، وعسكرت هذه القوات في مقر كتيبة الدبابات الرابعة في أبو غريب لشل حركتها، وهكذا تم لعبد السلام عارف إجهاض الحركة الانقلابية للبعثيين، وكنس كل بقايا العناصر البعثية في جهاز السلطة المدنية والعسكرية على حد سواء.

كما أجرى عبد السلام عارف تعديلاً وزارياً في 14 تشرين الأول 1964 أدخل بموجبه ثلاثة وزراء ناصريين في حكومته، وبذلك أصبح للناصريين ستة مقاعد وزارية في الحكومة، وأصبحوا في موقف أقوى تجاه العناصر القومية اليمينية داخل السلطة.

حاول الناصريون دفع سياسة السلطة نحو إجراء تغييرات أكثر عمقاً في المجالات الاقتصادية والسياسية، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الوحدة مع العربية المتحدة، مما أثار صراعاً داخل السلطة من جديد بين العناصر القومية ذات الاتجاهات المختلفة والمتناقضة، فقد حاولت كل مجموعة إزاحة المجموعة الأخرى من أمامها، وانتهى ذلك الصراع بانتصار الجناح اليميني في الحركة القومية، وإزاحة الناصريين من الحكم من جديد.

استقالة الوزراء الناصريين:

بدأ الناصريون يخسرون مواقعهم داخل السلطة منذُ ربيع عام 1965، تحت تأثير أسباب عديدة، منها ما يتعلق بالموقف من عبد الناصر، ومشروع الوحدة، ومنها ما يتعلق بالأوضاع الداخلية، وخاصة  الاقتصادية منها، وما سببته مراسيم التأميم من تأثيرات سلبية بسبب عدم وجود الخبرة لدى أجهزة السلطة تمكنها من إدارة الشؤون الاقتصادية بعد التأميم، وزاد في الطين بله قيام أصحاب رؤوس الأموال بتهريب أموالهم إلى خارج البلاد، وتراجع النمو الاقتصادي، وارتفاع عدد العاطلين عن العمل، حيث بلغ عدد العاطلين المسجلين رسمياً 20 287 عاملاَ، ولذلك فقد بدأت العناصر اليمينية في الحكومة تدعوا إلى إعادة النظر في تأميم المشاريع التي جرى تنفيذها، والعدول عن الاتجاه الاشتراكي، وبالفعل نجحوا في إبطاء حركة التغيير التي بدأها الناصريون.

حاول الناصريون إحكام سيطرتهم على التجارة الخارجية في نيسان 1965، للحد من تهريب رؤوس الأموال، وتلاعب كبار الرأسماليين في الاقتصاد الوطني، إلا أنهم فشلوا في إقناع عبد السلام عارف بالسير في هذا الاتجاه، مما سبب تباعد المواقف بينه وبين الناصريين شيئاً فشيئاً،  وتطور هذا التباعد، وتعمقت الخلافات، وأصاب الناصريين اليأس من القدرة على التأثير على سياسة عارف، وأخيراً أضطر الوزراء الناصريون إلى تقديم استقالاتهم من الوزارة في 4 تموز 1965، وعلى الأثر توترت العلاقات بين عبد الناصر وعبد السلام من جديد.

حاول عبد السلام عارف تجنب القطيعة مع عبد الناصر، فأقدم على تشكيل وزارة جديدة برئاسة الناصري [عارف عبد الرزاق] في 6 أيلول 965، واحتفظ عارف عبد الرزاق بوزارة الدفاع، إضافة إلى رئاسة الوزارة.

كما عين عبد الرحمن البزاز نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية والنفط، و عبد اللطيف الراجي، وزيراً للداخلية ليوازن بين الاتجاهين المتناقضين.

محاولة الناصريين الانقلابية:

لم تُجدِ محاولات عبد السلام عارف نفعاً في رأب الصدع بينه وبين الناصريين، وذهبت تلك المحاولات أدراج الرياح، ولم تنجح في زحزحة مواقفهم، بل زادتهم اندفاعاً للقيام بانقلاب عسكري تزعمه [عارف عبد الرزاق] رئيس الوزراء ، ووزير الدفاع، ووكيل رئيس الجمهورية في 15 أيلول 1965، أثناء وجود عبد السلام  في الدار البيضاء لحضور مؤتمر القمة العربي. إلا أن العقيد [سعيد صليبي] آمر الانضباط العسكري، وآمر حامية بغداد، والساعد الأيمن لعبد السلام عارف، عرف بأمر تحركهم، فوجه لهم الضربة مسبقاً، وهرب الانقلابيون إلى خارج العراق.

وهكذا وصلت العلاقة بين عبد السلام عارف  والناصريين إلى القطيعة التامة، ودخل الحكم العارفي في مرحلة جديدة من الحكم القبلي، فقد أصبح معظم رجالات الدولة وقادتها من قبيلة الجميلات، وأخذ سعيد صليبي يلعب الدور الرئيسي في إدارة دفة الحكم، وأصبح عبد الرزاق النايف ـ جميلي ـ مديراً للاستخبارات العسكرية، ولعب دورا كبيراً في الحفاظ على حكم عارف.

وفي الوقت نفسه أصبح عبد الرحمن البراز رئيساً للوزراء، ومُنح صلاحية إصدار القرارات، وتسيير شؤون البلاد.

كما أقدم عبد السلام على حل مجلس قيادة الثورة الذي تألف من العسكريين، وانتقلت السلطة التشريعية إلى مجلس الوزراء، وأنيطت مسؤولية جهاز الأمن والاستخبارات بمجلس شكله حديثاً ودعاه بـ [مجلس الدفاع الوطني] بإشراف عبد السلام عارف نفسه.

حاول عبد الرحمن البزاز إضفاء صفة المدنية على جهاز الحكم، وإشاعة سيادة القانون، والتسريع لإقامة البرلمان، وإجراء انتخابات نيابية، وتنشيط الاقتصاد، وزيادة الإنتاج في القطاعين العام والخاص، وغيرها من الإصلاحات السطحية الأخرى، غير أن جهود البزاز لم ترَ النور، فقد كان الموت بانتظار عبد السلام عارف في 13 نيسان 1966، وإخراجه من الحكم بعد أربعة أشهر من تولي عبد الرحمن عارف شقيق عبد السلام عارف، بضغط من العناصر العسكرية التي كانت تتمتع بنفوذ كبير.

ففي الثالث عشر من نيسان  1966أعلنت محطتا الإذاعة والتلفزيون العراقية أن الرئيس عبد السلام عارف قد لقي مصرعه بحادث سقوط طائرة مروحية كان يستقلها مع بعض الوزراء، وكبار مساعديه في جنوب العراق قرب القرنة، ولم يُكشف النقاب عن حقيقة مقتل عبد السلام عارف، إذ أعلنت الحكومة أن الطائرة التي كان يستقلها عبد السلام عارف قد سقطت  بسبب هبوب عاصفة رملية، ولكن هناك الكثير من الشكوك حول حقيقة مصرعه، فهناك الصراعات الداخلية بين عارف والعناصر الناصرية من جهة، وبينه وبين البعثيين من جهة أخرى.

كما كان هناك صراع بين الإمبريالية، والعناصر الناصرية التي أقلقها محاولاتهم المتكررة إلحاق العراق بالجمهورية العربية المتحدة، وليس ببعيد أن تكون وراء مصرعه، وربما كان هناك ما هو أبعد من ذلك، حيث حاول عبد الرحمن البزاز، المعروف بولائه للبريطانيين، الوصول إلى كرسي الرئاسة، ودخوله في منافسة مع عبد الرحمن عارف المدعوم من قبل القوى العسكرية المهيمنة على الحكم.

 

حامد الحمداني

 

ضياء نافعالتقينا معا آخر مرة في اواسط السبعينات من القرن الماضي بموسكو اثناء مشاركتنا في الندوة العلمية لمدرسي اللغة الروسية وآدابها في بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية  (انظر مقالتنا بعنوان – مكارم الغمري والادب الروسي)، وها نحن ذا نلتقي من جديد بعد اكثر من اربعين سنة في المؤتمر العالمي الخامس لمترجمي الادب بموسكو العام 2018، وبما اننا افترقنا كل هذه الفترة الطويلة من السنين، فقد كان اللقاء (الذي استمر ثلاثة أيام) مليئا بالاحاديث والذكريات عن الاشياء المشتركة التي توحّدنا، وما أكثرها، ابتداءا من الاصدقاء والزملاء الراحلين د.محمد يونس ود.حياة شرارة و و و..، وانتهاءا بهمومنا ومشاغلنا التي ترافقنا لحد الان في مجال ترجمة الادب الروسي ومشاكل تدريسه ونشره في بلداننا العربية .

سألتها رأسا – هل قرأت مقالتي عن (مكارم الغمري والادب الروسي)، فضحكت وقالت طبعا طبعا، وأنا أعتز بها جدا (قدّمت لها نسخة من كتابي – (دفاتر الادب الروسي 1) حيث توجد مقالتي تلك، رغم انني لا امتلك غيرها وقلت لها، أفضل ان تكون هذه النسخة لديك مما ان تكون عندي). بدأت أروي لها، كيف كان المرحوم أ.د. محمد يونس يحدثني عنها، فقالت انها لاتزال تحمل أجمل الانطباعات عنه وعن زوجته ام بشار(اذ انهم كانوا يعيشون سوية  في القسم الداخلي بجامعة موسكو اثناء الدراسات العليا)، وسألتني بتفصيل عن أخبار زوجته واولاده، وحدثتها عن بشار وعمار ومي وحسين، وطلبت مني ابلاغ تحياتها وتمنياتها لهم جميعا، وها انذا اقوم بذلك حسب طلبها، وقلت لها، ان محمد يونس كان يكتب آنذاك اطروحته عن تولستوي، بينما كنت انت تكتبين اطروحتك عن غوركي، وسألتها – لماذا اختارت غوركي بالذات ؟ فقالت، لاننا كنا في ذلك الوقت مسحورين بالاشتراكية ومفاهيمها في كل شئ، بما فيها قضايا الادب والفن، ثم أضافت – ولكنني لم اكتب عن  ادب غوركي بشكل بحت فقط، وانما تناولت انعكاساته في الادب العربي ايضا، وبالذات عند الشرقاوي والخميسي والآخرين، ولهذا فانني اقدّم نفسي دائما على اني متخصصة بالادب الروسي والادب المقارن في آن واحد، قلت لها مبتسما – ولهذا جاء كتابك المتميّز بعدئذ عن  المؤثرات العربية والاسلامية في الادب الروسي، والذي لا زال مطلوبا من القراء العرب رغم انه صدر قبل اكثر من ربع قرن في عالمنا العربي (انظر مقالتنا بعنوان – حول مقالة تولستوي بدل السخوي) .

 حدثتها طبعا عن دار نوّار للنشر، ومشاريعي المرتبطة بدار النشر هذه وتوسيعها كي تشغل مكانتها اللائقة بها في مجال الادب الروسي في العالم العربي، بما فيها جائزة نوار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي، وأخبرتها (سرّا !) باسم المرشح المحتمل (آنذاك) لنيل هذه الجائزة، وهو بوغدانوف، فقالت انه اختيار ممتاز و صحيح ودقيق من قبل اللجنة، ومدحته جدا، خصوصا عندما عمل في مصر (أرسلت لها بعدئذ كل ما ظهر من مقالات وتعليقات بعد اعلان خبر حصول بوغدانوف على الجائزة، بما فيها طبعا مقالة سلام مسافر – نوار يضئ الالفة العراقية الروسية، ومقالة محمد  عارف – وسام الدبلوماسية الشعبية العراقية) .  دعوتها ان تشارك في نشاطات دار نوار للنشر، وقلت لها، انني اتمنى ان أرى يوما- ما عددا خاصا يحمل اسم أ.د. مكارم الغمري  ضمن سلسلة (دفاتر الادب الروسي) يضم مقالاتها وملاحظاتها حول الادب الروسي كي لا تبقى هذه المقالات والملاحظات المهمة للقارئ العربي مبعثرة هنا وهناك في مختلف المجلات والصحف والمواقع الالكترونية، فوافقت على هذا المقترح وقالت انها تتمنى ايضا ان تشارك في هذا المشروع الثقافي الذي يحمل اسم ابنك الراحل، وانها ستفكر جدّيا بتحقيق هذه الفكرة الجميلة مستقبلا ، واود ان اكرر هنا باني انتظر من زميلتي د. مكارم – وبكل سرور – تحقيق الفكرة وتنفيذ هذا المقترح المهم علميا للقارئ العربي .

ختاما لهذه السطور، اود ان أشير، الى ان احاديثنا خلال ايام المؤتمر الخامس للمترجمين  في موسكو قد تشعبت كثيرا وشملت الادب العراقي طبعا، وقالت لي د. مكارم انها معجبة جدا برواية انعام كجةجي الموسومة (الحفيدة الامريكية)، الا انها ضحكت وأضافت قائلة، انها لا تقدر ان تتذكر او ان تلفظ بشكل صحيح لقبها هذا (اي كجةجي)، وقلت لها، انني ايضا معجب بانعام كجةجي روائية وصحافية، وانني متابع دائم لكل ما تنشر من روايات ومقالات ذكية ودقيقة وذات نكهة خاصة بها فقط لاغير، وانها فنانة رائعة تعرف كيف تحوك رواياتها ومقالاتها بمهارة فريدة ومدهشة الجمال شكلا ومضمونا .

أ.د. مكارم الغمري – مثلي طبعا – متقاعدة، ولكن، هل تقدر هذه المرأة المليئة حيوية ونشاطا ان تتوقف عن مسيرة الابداع؟ والمساهمة في حركة الترجمة عن الروسية؟ واغناء المكتبة العربية بمصادر جديدة عن الفكر الروسي؟

 

أ.د. ضياء نافع

 

حامد الحمدانيلم يكن حزب البعث يضم عنصر التجانس بين أعضائه، فقد كان أعضاءه وقيادييه ينتمون لطبقات  مختلفة، قسم منهم من الطبقة البرجوازية، وقسم من البرجوازية الصغيرة، ونسبة قليلة من العمال والفلاحين والحرفيين ذوي الدخل المحدود، ووجود نسبة عالية من الطلاب الذين لا تتجاوز أعمارهم  على الأغلب 20 عاماً بين صفوفهم، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً وتنظيمياً. 

وبسبب هذا التباين في التركيبة القومية والطائفية والطبقية، فقد كان من الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في التطلعات والتوجهات والأفكار والعواطف، كما كان معظم ضباطهم الذين قادوا انقلاب 8 شباط ضد نظام عبد الكريم قاسم من الطائفة السنية، في حين كانت قيادتهم القطرية تضم خمسة من الشيعة، وثلاثة من الطائفة السنية، ويرجع معظم أعضاء البعث من المناطق الريفية المختلفة، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً، وحتى قياديي الحزب كانوا من هذا الطراز، كما وصفهم مؤسس الحزب عندما قال:

{بعد الثورة ـ أي انقلاب 8 شباط ـ بدأت اشعر بالقلق من فرديتهم، وطريقتهم الطائشة في تصريف الأمور، واكتشفت أنهم ليسوا من عيار قيادة بلد، وشعب}. 

لقد كان الحزب عبارة عن تجمع لعناصر معادية للشيوعية التي لا يجمعها أي رابط أيديولوجي، وكان جُل همهم منصباً على حربهم الشعواء ضد الشيوعية، وظهرت بينهم تكتلات أساسها المنطقة أو العشيرة أو الطائفية، وهكذا كانت التناقضات والخلافات تبرز شيئاً فشيئاً على سطح الأحداث، والتي كان من أهمها:

1 ـ الموقف من عبد السلام عارف:

ففي 11 شباط 1963، حدث بين قيادة البعث وعبد السلام عارف، الذي نصبوه رئيساً للجمهورية صِدامٌ مكشوف، مما دفع علي صالح السعدي، أمين سر القيادة القطرية للحزب، إلى أن يطرح موضوع بقاء عبد السلام عارف، أو إزاحته من منصبه، قائلاً:

{إن عبد السلام عارف سوف يثير لنا الكثير من المتاعب، وربما يكون خطر علينا، إلا أن أغلبية القيادة لم تأخذ برأي السعدي، خلال اجتماع القيادة الذي جرى في دار حازم جواد، وقد هدد السعدي بالاستقالة إذا لم تأخذ القيادة برأيه، لكنه عدل عن ذلك بعد قليل، وبعد نهاية الاجتماع ذهب حازم جواد إلى عبد السلام عارف وأخبره بما دار في الاجتماع، وحذره من أن السعدي ينوي قتله والتخلص منه}.

2 ـ الموقف من قانون الأحوال المدنية:

الخلاف الثاني الذي حدث بين أعضاء القيادة القطرية حينما طُرح موضوع قانون الأحوال المدنية رقم 188 لسنة 1959الذي شرعه عبد الكريم قاسم، والذي اعتُبر ثورة اجتماعية أنجزتها ثورة 14 تموز فيما يخص حقوق المرأة وحريتها، وإطلاق سراح نصف المجتمع العراقي الذي تمثله المرأة من عبودية الرجل، وكان القانون قد ساوى المرأة بالرجل في الإرث، ومنع تعدد الزوجات إلا في حالات خاصة وضرورية، ومنع ما يعرف بالقتل غسلاً للعار، وغيرها من الأمور الأخرى، وقام عبد السلام عارف بإلغاء القانون في 18 آذار 1963، أثناء وجود علي صالح السعدي في القاهرة، وانقسم مجلس قيادة الثورة ذو الأغلبية البعثية وأعضاء القيادة القطرية حول مسألة الإلغاء، حيث أيده بعض الأعضاء وعارضه البعض الآخر، وفي نهاية المطاف فرض عبد السلام عارف أجراء تعديلات جوهرية على نص القانون أفرغته من محتواه فيما يخص حقوق المرأة .

3 ـ الموقف من الحركات السياسية القومية:

كان الخلاف الثالث بين أعضاء قيادة البعث ينصب حول الموقف من الحركات السياسية القومية [القوميون، والناصريون، والحركيون]، وقد أجرت قيادة الحزب نقاشات حادة حول الموقف منهم، و برز خلال النقاش فكرتان متعارضتان، الأولى تدعو إلى تحجيم القوى القومية، والأخرى تدعو للتعاون معها، لكن القيادة البعثية لم تستطع حسم الأمر، بل على العكس من  ذلك أدى الأمر إلى تعمق الخلافات والصراعات فيما بين أعضاء القيادة.

4 ـ الموقف من الحرس القومي:

في شهر حزيران 1963  ظهرت أسباب أخرى للخلافات بين أعضاء قيادة الحزب حول الحرس القومي، فقد وجهت القيادة العليا للقوات المسلحة في 4 تموز 1963 برقية إلى قيادة الحرس القومي تحذرها وتهددها بحل الحرس القومي إذا لم تتوقف هذه القوات عن الإجراءات المضرة بالأمن العام  وراحة المواطنين.

كانت روائح الجرائم التي يقترفها الحرس القومي ضد أبناء الشعب بشكل عام والشيوعيين منهم بوجه خاص قد أزكمت الأنوف، وضجت الجماهير الواسعة من الشعب من تصرفاتهم وإجرامهم.

إلا أن القائد العام لقوات الحرس القومي [منذر الونداوي] لم يكد يتسلم البرقية حتى أسرع إلى الطلب من القيادة العليا للقوات المسلحة سحب وإلغاء البرقية المذكورة في موقف يبدو منه التحدي، مدعياً أن الحرس القومي قوة شعبية ذات قيادة مستقلة، وأن الحق في إصدار أوامر من هذا النوع لا يعود إلى أي شخص كان، بل إلى السلطة المعتمدة شعبياً والتي هي في ظل ظروف الثورة الراهنة هي المجلس الوطني لقيادة الثورة ولا أحد غيره، وهكذا وصل التناقض والخلاف بين البعثيين وضباط الجيش، وعلى رأسهم عبد السلام عارف، إلى مرحلة عالية من التوتر، مما جعل عبد السلام عارف يصمم على قلب سلطة البعثيين بأسرع وقت ممكن.

5- الحرب في كردستان:

جاء تجدد الحرب في كردستان التي بدأها البعثيون في 10 حزيران1963  لتزيد وضعهم صعوبة، وتعمق الخلافات بينهم حتى أصبح حزب البعث في وضع لا يحسد عليه، فقد تألبت كل القوى السياسية والعسكرية ضدهم، وسئمت أعمالهم وتصرفاتهم .

حاول عبد السلام عارف، وأحمد حسن البكر، بالتعاون مع حازم جواد وطالب شبيب التخلص من علي صالح السعدي، وإخراجه من الحكومة، ومجلس قيادة الثورة، إلا أن الظروف لم تكن مؤاتية لمثل هذا العمل في ذلك الوقت.

ففي 13 أيلول عُقد المؤتمر القطري للحزب، وجرى فيه انتخاب ثلاث أعضاء جدد من مؤيدي علي صالح السعدي، وهم كل من: هاني الفكيكي، وحمدي عبد المجيد، ومحسن الشيخ راضي، فيما أُسقط طالب شبيب في الانتخابات، وبقي حازم جواد، كما فاز أحمد حسن البكر،  وصالح مهدي عماش، وكريم شنتاف بتلك الانتخابات.

وهكذا بدا الانقسام ظاهراً أكثر فأكثر  فجماعة السعدي تتهم جماعة حازم جواد باليمينية، بينما تتهم جماعة حازم جواد السعدي وجماعته باليسارية، ووصل الأمر بعلي صالح السعدي إلى الإدعاء بالماركسية، وحاول أن يبرئ نفسه من دماء آلاف الشيوعيين!.

وفي الفترة ما بين 5ـ23 تشرين الأول، عُقد المؤتمر القومي لحزب البعث، في دمشق، وجرى تعاون بين السعدي وحمود الشوفي، حيث ضمنا لهما أكثرية من أصوات المؤتمرين العراقيين، والسوريين، وسيطرا على المؤتمر وقراراته، وبلغ بهم الحال أن شنوا هجوماً عنيفاً على جناح مؤسس الحزب [ميشيل عفلق] وطرحوا أفكاراً راديكالية فيما يخص التخطيط الاشتراكي، وحول المزارع التعاونية للفلاحين.

ضاقت الدنيا بميشيل عفلق، حيث لم يتحمل الانقلاب الذي أحدثته كتلة [السعدي و الشوفي] داخل المؤتمر في تركيبة القيادة القومية مما افقده القدرة على التأثير في مجرى الأحداث وجعلته يصرح علناً [هذا لم يعد حزبي].

الخلافات بين الجناحين المدني والعسكري

بعد أن قوي مركز علي صالح داخل القيادتين القطرية والقومية و بدأ هو وكتلته يطرحون أفكاراً راديكالية، وتحولا نحو اليسار، بدأ الضباط البعثيون يشعرون بعدم الرضا من اتجاهات السعدي وكتلته، و أخذت مواقفهم تتباعد شيئاً فشيئاً عن مواقفه، وانقسم تبعاً لذلك الجناح المدني للحزب، فقد وقف منذر الونداوي وحمدي عبد المجيد ومحسن الشيخ راضي، بالإضافة إلى الحرس القومي، واتحاد العمال، واتحاد الطلاب، إلى جانب السعدي، فيما وقف حازم جواد، وطالب شبيب، ورئيس أركان الجيش وطاهر يحيى، وقائد القوة الجوية حردان عبد الغفار التكريتي، ووزير المواصلات عبد الستار عبد اللطيف، وقائد كتيبة الدبابات الثالثة محمد المهداوي إلى الجانب المعارض لجناح السعدي، بينما وقف أحمد حسن البكر، وصالح مهدي عماش على الحياد، لكن السعدي أتهمهما بأنهما يدفعان الحزب نحو اليمين، و يؤيدان معارضيه في الخفاء.

ثالثاً:الصراع بين البعث والضباط القوميين والناصريين والحركيين:

كان أحد العوامل الرئيسية للصراع داخل قيادة حزب البعث هو الموقف من القوى القومية والناصرية والحركية، فقد انقسمت القيادة القطرية في مواقفها إلى كتلتين، فكتلة حازم جواد وطالب شبيب كانت تطالب بقيام جبهة واسعة تضم حزب البعث وكل الفئات القومية والناصرية والحركية، فيما كانت كتلة السعدي تعارض هذا التوجه، وقد أدى ذلك إلى تأزم الموقف، واشتداد الصراع بين الجناحين وتصاعده حتى وصل الأمر إلى الموقف من السعدي نفسه عندما حاول جناح [ جواد و شبيب] إزاحة السعدي متهمين إياه بالتهور والتطرف، وتعاون احمد حسن البكر مع عبد السلام عارف على إزاحته، فكانت البداية قد تمثلت بإجراء تعديل وزاري في 11 أيار 1963، جرى بموجبه إعفاء السعدي من منصب وزير الداخلية وتعيينه وزيراً للإرشاد، فيما جرى تعيين غريمه حازم جواد مكانه وزيراً للداخلية.

كان ذلك الإجراء أول ضربة توجه إلى قيادة السعدي، ثم تطور الأمر إلى محاولة إخراجه من الوزارة ومجلس قيادة الثورة، والسيطرة على الحرس القومي الذي يقوده منذر الونداوي، والذي يعتمد عليه السعدي اعتماداً كلياً. 

عبد السلام عارف يعفي الونداوي من قيادة الحرس والونداوي يرفض

في 1 تشرين الثاني  صدر مرسوم جمهوري يقضي بإعفاء منذر الونداوي من قيادة الحرس القومي، وتعيين عبد الستار عبد اللطيف بدلاً عنه، غير أن الونداوي تحدى المرسوم، وأصرّ على البقاء في منصبه، في قيادة الحرس القومي، وقد أدى ذلك إلى تعقد الموقف، وتصاعد حمى الصراع الذي تفجر بعد عشرة أيام.

ففي11 تشرين الثاني عُقد مؤتمر قطري استثنائي لانتخاب ثمانية أعضاء جدد للقيادة القطرية لكي يصبح العدد 16 عضواً بموجب النظام الداخلي الذي تبناه المؤتمر القومي السادس [المادة 38 المعدلة من النظام الداخلي].

غير أن المؤتمر لم يكد يباشر بإجراء الانتخاب حتى داهم 15 ضابطاً مسلحاً قاعة الاجتماع بقيادة العقيد [محمد المهداوي] الذي بدأ يتحدث أمام المؤتمرين قائلاً :

{لقد اخبرني الرفيق ميشيل عفلق، فيلسوف الحزب، أن عصابة استبدت بالحزب في العراق، ومثلها في سوريا، وأن العصابتين وضعتا رأسيهما معاً، وسيطرتا على المؤتمر القومي السادس، ولذلك يجب القضاء عليهما}.

كما هاجم المهداوي قرارات المؤتمر القومي السادس واصفاً إياه بمؤامرة ضد الحزب، وطالب بانتخاب قيادة قطرية جديدة تحت تهديد أسلحة الضباط المرافقين له.

تظاهر المؤتمر باختيار قيادة جديدة، واشترك الضباط بالتصويت،علماً بان بعضهم لم يكن بعثياً على الإطلاق، وجاء على رأس القيادة الجديدة [حازم جواد] بالإضافة إلى فوز أنصاره.

غير أن المهزلة لم تنتهِ إلى هذا الحد، بل أسرع الضباط إلى اعتقال [علي صالح السعدي] و[محسن الشيخ راضي] و[حمدي عبد المجيد] و[هاني الفكيكي] و[أبو طالب الهاشمي] الذي كان يشغل منصب نائب القائد العام للحرس القومي، وجرى تسفير الجميع على متن طائرة عسكرية إلى مدريد.

امتداد الصراع إلى الشارع

أنفجر الوضع المتأزم في ذلك اليوم، وامتد الصراع إلى الشارع، ففي صباح يوم 13 تشرين الثاني اندفعت أعداد غفيرة من مؤيدي علي صالح السعدي ومن الحرس القومي إلى شوارع بغداد،  وأقاموا الحواجز في الطرق، واحتلوا مكاتب البريد والبرق والهاتف ودار الإذاعة، وهاجموا مراكز الشرطة واستولوا على الأسلحة فيها.

وفي الوقت نفسه أسرع منذر الونداوي إلى قاعدة الرشيد الجوية ومعه طيار آخر، وامتطيا طائرتين حربيتين، وقاما بقصف القاعدة المذكورة، ودمرا [5 طائرات] كانت جاثمة فيها.

وفي الساعة الحادية عشرة من صباح ذلك اليوم أذاع [صالح مهدي عماش] وزير الدفاع بياناً من دار الإذاعة حذر فيه [أحمد حسن البكر] من أن هناك محاولة لجعل البعثيين يقتلون بعضهم بعضاً، وهذا ما لا يفيد إلا أعداء الحزب، كما وجه نداءاً للعودة إلى العلاقات الرفاقية، وإلى التفاهم  والأخوة.

وفي تلك الأثناء فرضت قوات الحرس القومي سيطرتها على أغلب مناطق بغداد، ورفض البكر وعماش إعطاء الأمر إلى الجيش بالتدخل وأصبحت قيادة فرع بغداد للحزب هي التي تقود الحزب في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ حكم البعث، وطالبت تلك القيادة بإعادة السعدي ورفاقه إلى العراق، وممارسة مهامهم الحزبية والرسمية،غير أنها لم تفلح في ذلك، واضطرت إلى الموافقة على إحالة القضية إلى القيادة القومية لتبت فيها.

عفلق وأمين الحافظ في بغداد لمحاولة حسم الصراع:

وفي مساء ذلك اليوم الثالث عشر من تشرين الثاني، وصل إلى بغداد مؤسس الحزب[ميشيل عفلق] والرئيس السوري [أمين الحافظ] بالإضافة إلى عدد آخر من أعضاء القيادة القومية للحزب.

غير أن عبد السلام عارف تجاهل وصولهما، ولم يجر لهما استقبالاً رسمياً  كما يقتضي البروتوكول والعرف الدبلوماسي، كما لم يحاول الالتقاء بالوفد، مما جعل الوفد يحس أن هناك جو غير طبيعي في بغداد، وأن لابد من أن يكون هناك أمراً يدبر ضد حكم البعث.

حاول ميشيل عفلق ورفاقه في الوفد التصرف بشؤون العراق، فقد أصدروا  قراراً بنفي [حازم جواد] وزير الداخلية، و[طالب شبيب] وزير الخارجية متهمين إياهما بأنهما أساس الفتنة، كما أصدر الوفد قراراً آخر بحل القيادة القطرية التي جرى انتخابها تحت تهديد الضباط الخمسة عشرة، وكذلك القيادة القطرية السابقة التي كان يقودها علي صالح السعدي، وأعلن عن تسلم القيادة القومية للمسؤولية لحين انتخاب قيادة قطرية جديدة.

هكذا إذاً كان تصرف عفلق والوفد الموافق له، تجاهلاً لعبد السلام عارف بصفته رئيساً للجمهورية، وتجاهلا لسيادة واستقلال العراق، والتدخل الفض في شؤونه الداخلية، حيث وصل الأمر إلى أن يعين عفلق أعضاء في الحكومة ويقيل أعضاءً آخرين، وقد أدى تصرفه هذا إلى استياء الضباط العراقيين الممسكين بزمام الجيش.

كما أن الرابطة التي كانت تجمع الضباط البعثيين بالقيادة المدنية قد تفككت، ودبت الخلافات العميقة بينهم، وسارع الجناح المدني في الحزب يتحدى من اسماهم أعداء الحزب، ودعا اتحاد العمال الذي يسيطر عليه الحزب إلى سحق رؤوس البرجوازيين الذين خانوا الحزب، وإعدام أصحاب رؤوس الأموال الذين هربوا أموالهم إلى الخارج.

كما دعوا إلى تأميم كافة المشاريع الصناعية في البلاد، وكانت تلك الاندفاعات لجناح الحزب المدني كلها تصب في خانة عبد السلام عارف الذي صمم على إزاحة حزب البعث عن السلطة، وأحكام قبضته على شؤون البلاد دون منازع أو شريك.

رابعاً: انقلاب عبد السلام عارف ضد البعث

بعد أن وصلت حالة الحزب إلى أقصى درجات التمزق والتناحر، وبعد أن عمت الفوضى أرجاء البلاد، وبلغ استياء ضباط الجيش الممسكين بالمراكز القيادية في الجهاز العسكري من تصرف القيادة البعثية مداه، قرر عبد السلام عارف بالتعاون مع تلك العناصر العسكرية توجيه ضربته القاضية لحكم البعث، وإنهاء سيطرتهم على مقدرات البلاد، فقد استغل عبد السلام تلك الظروف البالغة الصعوبة التي مرّ بها حزب البعث وبالتنسيق مع عدد من أولئك الضباط  وكان من بينهم :

1- الزعيم عبد الرحمن عارف قائد الفرقة الخامسة- شقيق عبد السلام.

2 – الزعيم الركن عبد الكريم فرحان، قائد الفرقة الأولى.

3 – العقيد سعيد صليبي، آمر الانضباط العسكري.

4 – الزعيم الركن الطيار حردان التكريتي، قائد القوة الجوية [ بعثي].

5 – اللواء الركن طاهر يحيى، رئيس أركان الجيش.

هذا بالإضافة إلى العديد من الضباط الآخرين ذوي الميول القومية.

وفي فجر يوم 18 تشرين الثاني 1963 ، قامت طائرات عسكرية بقصف مقر القيادة العامة  للحرس القومي في الأعظمية، ثم تقدمت الدبابات، والمصفحات لتستولي على كافة المرافق العامة في بغداد، ومقرات الحرس القومي.

وحاول البعثيون مقاومة الانقلاب في بادئ الأمر، إلا أن الأمر كان قد حسم في نهاية النهار، فلم يكن باستطاعة الحرس القومي، وهو يحمل الأسلحة الخفيفة أن يقاوم الدبابات والمصفحات والصواريخ والطائرات، وسارع أفراد الحرس  إلى إلقاء سلاحهم، والتخلص منه، برميه في الحقول والمزارع والمزابل بعد أن هددهم النظام العارفي الجديد بإنزال العقاب الصارم بهم إن هم استمروا على حمل السلاح أو إخفائه، وأجرى الجيش مداهمات لدور أفراد الحرس القومي بحثاً عن السلاح.

كما جرى إلقاء القبض على أعداد كبيرة من البعثيين لفترة محدودة من الزمن، حيث تمكن الجيش من إحكام سيطرته على البلاد، وأخذ النظام فيما بعد يطلق سراح البعثيين المعتقلين  في حين بقي السجناء والموقوفين الشيوعيين والديمقراطيين في السجون، وجرى تنفيذ أحكام بالإعدام، كانت قد أصدرتها المحاكم العرفية على عهد البعثيين، بعد تسلم عبد السلام عارف زمام الأمور في البلاد، فقد كان العداء للشيوعية هو الجامع الذي جمع البعثيين والقوميين دون استثناء، ربما شيء واحد قد تغير، هو تخفيف حملات التعذيب أثناء التحقيقات مع المعتقلين، واستمرت المحاكم العرفية تطحن بالوطنيين طيلة عهد عارف.

عبد السلام عارف يحكم سيطرته على البلاد

في مساء يوم الثامن عشر من تشرين الثاني 963 ، تلاشت مقاومة حزب البعث وحرسه القومي في أنحاء البلاد، وتم لعبد السلام عارف وقادته العسكريين السيطرة التامة على البلاد، وبدأ على الفور بترتيب البيت، مانحاً نفسه صلاحيات استثنائية واسعة لمدة سنة، تتجدد تلقائياً، إذا اقتضى الأمر ذلك، وعمد عبد السلام إلى الاعتماد على الروابط العشائرية، وخاصة عشيرة [الجميلات]،  فقد عين شقيقه [عبد الرحمن عارف] وكيلاً لرئيس أركان الجيش، رغم كونه ليس ضابط أركان. كما عين صديقه، وأبن عشيرته [سعيد صليبي] قائداً لحامية بغداد، فيما أعلن عارف نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة.

كما جاء عارف باللواء العشرين الذي كان يقود أحد أفواجه عند قيام ثورة 14 تموز، واتخذ منه الحرس الجمهوري الخاص به، واعتمد على العناصر المؤيدة له فيه من عشيرة الجميلات وغيرها من عشائر محافظة الأنبار.

بدأ عبد السلام عارف حكمه معتمداً على ائتلاف عسكري ضم الضباط القوميين والناصريين، والضباط البعثيين الذين انقلبوا على سلطة البعث فقد عيّن [طاهر يحيى] رئيساً للوزراء، و[حردان التكريتي] نائباً للقائد العام للقوات المسلحة، ووزيراً للدفاع، فيما عيّن [أحمد حسن البكر] نائباً لرئيس الجمهورية، والزعيم [رشيد مصلح ] وزيراً للداخلية، وحاكماً عسكرياً عاماً، ويلاحظ أن هؤلاء جميعاً من تكريت، ومن العناصر البعثية، أما العناصر القومية التي شاركت في الحكم فكان على رأسها الزعيم الركن [محمد مجيد] مدير التخطيط العسكري، والزعيم الركن [عبد الكريم فرحان] الذي عيين وزيراً للإرشاد، و[عارف عبد الرزاق] الذي عيين قائداً للقوة الجوية، والعقيد الركن [هادي خماس] الذي عيّن مديرا لجهاز الاستخبارات العسكرية، والمقدم [صبحي عبد الحميد] الذي عيين وزيراً للخارجية.

عبد السلام عارف يبعد العناصر البعثية عن الحكم:

رغم تعاون الضباط البعثيين مع عبد السلام عارف في انقلاب 18 تشرين الثاني 963 ضد قيادتهم المدنية، واشتراكهم في حكومته الانقلابية، إلا أن عارف لم يكن يطمأن لوجودهم في السلطة، ولم يكن إشراكهم في الحكم من قبله سوى كونه عمل تكتيكي من أجل نجاح انقلابه ضد سلطة البعث وتثبيت حكمه، لكنه كان في نفس الوقت يتحين الفرصة للتخلص منهم، وقد ساعده في ذلك الكره الشعبي الواسع النطاق للحكام البعثيين بسبب ما اقترفوه من جرائم بحق الوطنيين طيلة فترة حكمهم التي دامت تسعةاشهر، وهكذا بعد أن تسنى لعارف تثبيت أركان حكمه، بدأ بتوجيه الضربات للعناصر البعثية تلك.

ففي 4 كانون الأول 964 ،أعفى عارف المقدم [عبد الستار عبد اللطيف] من وزارة المواصلات، وفي 16 منه أزاح عارف [حردان التكريتي] من منصبه كقائد للقوة الجوية، وفي 4 كانون الثاني 64 ألغي عارف منصب نائب رئيس الجمهورية وتخلص من [احمد حسن البكر] الذي كان يشغل المنصب، وعينه سفيراً بديوان وزارة الخارجية. (7)

وفي 2 آذار 964، أعفى عارف [حردان التكريتي] من منصب وزير الدفاع وعين محله طاهر يحيى بالإضافة إلى منصبه كرئيس للوزراء، ولم يبقَ إلا رشيد مصلح التكريتي وزير الداخلية والحاكم العسكري العام الذي ربط مصيره بمصير عارف، مهاجماً أعمال البعثيين وجرائمهم، وبذلك أصبح عبد السلام عارف الحاكم المطلق في البلاد، وبرز الناصريون في مقدمة النظام، وبدأ النظام يقلد الجمهورية العربية المتحدة في أساليبها وخططها التنموية، حيث أقدمت الحكومة على تأميم المصارف،  وشركات التأمين، و 32 مؤسسة صناعية وتجارية كبيرة، وخصصت الدولة 25% من الأرباح للعمال والموظفين العاملين فيها، وقررت تمثيلهم في مجالس الإدارة.

كما أقدم النظام الجديد على تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي في 14 تموز 964، على غرار الاتحاد الاشتراكي في الجمهورية العربية المتحدة، ودُعيت القوى السياسية في البلاد إلى الانضواء تحت راية هذا الاتحاد، وقد استهوى هذا الإجراء وتلك التحولات الاقتصادية جانباً من قيادة الحزب الشيوعي، حيث برزت دعوة لحل الحزب والانضمام إلى الاتحاد المذكور، لكن هذا الاتجاه لم ينجح في جر الحزب إليه، بعد أن وقفت العناصر الحريصة على مصلحة الحزب ضد دعوة الحل والانضمام للاتحاد الاشتراكي .

 

حامد الحمداني

 

عدنان الظاهردخلنا شهر حزيران عام 1966 فجاءتني من الأهل رسالة يقترحون فيها أن نلتقي في لبنان وسوريا فوافقت على الفور، وكم كنتُ مشوقاً أن أسمع مثل هذا الإقتراح. سيّما وقد وعدت الوالدة في لحظة فراقنا في بيروت صيف العام المنصرم أن نلتقي (إذا بقينا طيبين).

سارعتُ على عجل لأحجز لي مكاناً في الباخرة السوفياتية التي سوف تقلّني من ميناء (أوديسا) على البحر الأسود إلى بيروت، كما فعلت العام الماضي. قدّمت الطلب الأصولي إلى السيدة (زويا بتروفنا) للسماح لي بمغادرة أراضي الإتحاد السوفياتي والعودة إليه، أي طلب تأشيرة خروج وعودة، كما كانت تقتضي التعليمات المتبعة. كما قدّمتُ لها طلباً خطياً آخرَ أرجو فيه حجز مكان لي للإصطياف لمدة أسبوعين على البحر الأسود سويةً مع تذكرة السفر إلى هناك بالطائرة.  إبتعتُ بعض الهدايا البسيطة المصنوعة من الكهرب أو الخشب المزخرف وما شابه ذلك. كنتُ أوائل شهر تموز جاهزاً للسفر تماماً.

وصلت الباخرة ميناء بيروت أوائل الأسبوع الثاني من هذا الشهر فكانت والدتي في إنتظاري على رصيف الميناء وكانت معها شقيقتي (نجاة) وإبنة شقيقتي الأخرى (سميرة) وإبن العم (حمزة داوود السلمان). هذا هو العيد الأكبر. جاء الأهل وجاء العراق بأكمله معهم شماله ووسطه وجنوبه ورافداه ونخيله. جاءت معهم وفيهم طفولتي ومدارج فتوّتي وصباي. جاءت معهم المدرسة الشرقية الإبتدائية للبنين ومتوسطة الحلة ثم ثانوية الحلة للبنين.لم أصدّق ما أرى. أين الوالد وأين بقية أشقّائي؟ لم تسمح لهم الظروف السائدة يومذاك على مغادرة العراق. أعيادٌ وأعياد، سواء في بيروت أو في سوريا. في دمشق يكون المكان المفضّل للوالدة هو مرقد السيدة زينب. أما في بيروت فأنسب مكان لإبن العم السيد حمزة هو ساحات سباق الخيول.كان الرجل (ريسسجي) من الطراز الأول. خسر هناك معظم ما حمل من نقود فأضطر إلى العودة إلى العراق قبل باقي الأهل.

زرنا ونحن في دمشق الجامع الأموي ومصيف (الزَبَداني) و(دُمّر) و(الهامة) وتناولنا الشاي في بعض مقاهي جبل قاسيون المطلّة على دمشق. كما إغتسلت بماء مجرى نهر بردى حيث كان الماء فيه شحيحاً. في دمشق أكلت أكلة (الشاورما) فكدت أن أموت من حالة تسمم حاد أنهك جسدي إسهالاً وتقيّؤاً. تواطأ صاحب الفندق مع جاره صاحب المطعم فتظاهر أنه طلب سيارة إسعاف لإنقاذ حياتي. كان يدير أرقام تلفونه لكننا

ما كنا ندري مع من يتكلم ولا بأي موضوع كان يتكلم. طال الإنتظار فطلبت من شقيقتي أن تشتري لي وعلى وجه السرعة كمية كبيرة من الليمون الحامض واللبن الحامض الثخين وأن تجهز لي شاياً ثقيلاً بدون سكّر. قدّمت لي كؤوس عصير الليمون وصحون اللبن وأقداح الشاي فتحسنت حالتي وتوقف القيء والإسهال تدريجياً. هل يحدث مثل هذا في مدينة أوربية مثلاً؟ لماذا يحدث في دمشق ومع مواطنين من الجار الشقيق العراق؟ كيف سكت كالشيطان الأخرس صاحب الفندق وهو يرى الموت مني قاب قوسين أو أدنى؟ ظهرت بعد ذلك مباشرةً آثار حمى قوية جداً نتيجةً لإرتفاع درجة حرارة الجسم وقوّة الفايروس الذي أصاب الجهاز الهضمي. إنتشرت بثور كبيرة حول الفم وتحت أنفي وبقيت لمدة طويلة تسبب لي حرجاً وآلاماً مبرّحةً. أقسمتُ أن لا أرى دمشقَ ثانيةً. 

سلوى

في بيروت عرّفتني شقيقتي على فتاة عراقية جاءت للإصطياف مع شقيقتها وزوج شقيقتها وأحد أطفالهم. كنتُ محظوظاً بهذه المعرفة غير المتوقعة. فلقد كانت (سلوى) بمثابة أهلي بعد أن غادروا بيروت عائدين إلى العراق. كنّا نقضي معظم أوقاتنا معاً في بيروت نهاراً وفي مصيف (بحمدون) الدُرزي أو في مصيف (عالَيْ) الماروني مساءً. نتسوق من هنا ومن هناك ونتمشى في الشوارع وكان الإنسجام عالياً بيننا. كنت أرى شقيقتي في وجهها وكانت تراني لها أخاً وتجد فيَّ حصناً ودرعاً واقياً خاصةً بعد أن زرت بقية أفراد عائلتها في فندق إقامتهم في (بحمدون). أطمأنّت العائلة لي وسمحوا لها أن ترافقني نهاراً وفي الأماسي. في بيروت كانت تبحث عن محل لبيع الكتب معروف ولم تبين السبب. وجدناه أو إهتدينا إليه فوجدنا فيه شاباً أسمر البشرة. حيّته فأجاب ببرود. لم ينهض لمصافحتها ولم يسألها عن سبب وجودها في بيروت ولا مع من جاءت. عرّفته عليَّ فكان قليل الإكتراث. قالت لحظة أنْ تركنا المكتبة إنه إبن خالتها. ترك العراق للعمل في الكويت. ما سر بروده وعدم إكتراثه ببنت خالته التي فارقها لعدّة سنوات؟ ما كان سبب إصرارها أن تراه  وكيف عرفت المكان الذي يتردد إليه حين يأتي بيروت قادماً من الكويت؟ لماذا ترك العراق وهل كان الدافع سياسياً وقد وقعت في العراق أحداث وأحداث مثيرة وتقلّبات سياسية لا حصرَ لها؟ جائز، ولكنْ ما شأني وكل هذه الأمور المعقّدة التي لا تمسني لا من قريب ولا من بعيد؟ حين إبتعدنا قليلاً عن مبنى المكتبة لاحظت آثار إمتعاض شديد بادية على وجهها فأصبح أكثر توردّاً تحت شمس بيروت الساطعة. كما إتقدت عيناها بمزيج من الحقد والكآبة خالٍ من أي أثر للدموع. جففت حرارة الغضب ولهيب الإنفعال دموع عينيها. حين عبرنا الشارع قرّبت ذراعها شبه العاري من ذراعي، ثم غدا هذا الأمر عادياً تكرره كلما أُضطررنا إلى عبور شارع أو الإنتقال من محل إلى آخر للفرجة أو التسوّق. بل كانت أحياناً تضع كفّها في كفي أو أن تقودني من ذراعي وقت عبورنا الشوارع أو إختراق الزحام أو دخول مقهى أو مطعم. لا تمثّل لي هذه الظاهرة أي أمر ذي شأن ولكن، قد يكون لها مغزى بالنسبة لسلوى، الفتاة التي جاءت من بغداد. كانت في الثلاثين من العمر تمتهن التعليم في إحدى مدارس بغداد للبنات. نشأت في عائلة ميسورة الحال ومتحررة بعض الشيء. في إحدى زياراتي لها في (بحمدون) إقترحت أن نقوم بجولة تمشي وبصحبتنا إبن أختها الصبي (مُنقذ). لم تفارق يد هذا الطفل يدي. كان مأخوذاً بي وما كنت أعرف السبب. إزداد تعلقه بي بعد أن غنيتُ له أغنية روسية كنتُ أحفظها وأستطيع أداءها بشكل جيد. وكان يطلب المزيد من الغناء بالروسية. سحرتني براءة هذا الطفل وسرعة تعلّقه بي فسألتُ خالته عن السبب. قالت لا عَجَب. (مُنقِذ) هو وحيد أبويه. يريد له أخاً أو صديقاً يتبسط معه ويُسلّيه. يقضي والده معظم وقته في مكتبه للمحاماة. يأتي بيته ليلاً مُتعّباً فلا يجد متَسعاً من الوقت كي يلاعب طفله البالغ من العمر ثمانية أعوام. جلسنا ثلاثتنا في أحد مقاهي (بحمدون) وأكلنا الفطائر المحشوّة بالجوز وتناولنا الشاي. تركنا المقهى رغم توسّلات (منقذ) أن نظل في المقهى لفترة أطول. رافقتهما حتى مدخل الفندق وإفترقنا على أن نلتقي في بيروت صباح اليوم التالي. جاءت صباح اليوم التالي إلى فندق إقامتي في الوقت المحدد نشيطةً كما هي دوماً وجميلة رشيقة تتوهج منها الثقة العالية بالنفس دون غرور الحمقاوات وأنصاف المتعلمات. ما كانت ثقيلة عليَّ وما كانت رخيصةً سواء في سلوكها أو في تفكيرها أو في ردود أفعالها.كان أثر تربيتها البيتية وبناؤها العائلي المحكم أكثر من واضحين على هذه المرأة الشابة. أرادت أن تُبعِد عني الظنون المتوقعة بشأن علاقتنا فقالت لي (أنا أكبرُ منك). أكبرتُ فيها هذا النَفَس الإنساني العالي والترفع عما قد يسيء إلى سمعتها وسمعة عائلتها. وضعت بذلك جداراً بيننا عازلاً من الكونكريت المُسلّح كنتُ أنا بالأحرى بأمس الحاجة إليه. هل هي نسخة ثانية من (عايدة) الأرمنية؟ كلاّ. تلك كانت تروم زواجاً ثم بقاءً في حِمى وطنها أرمينيا.

مرّت كل هذه الأفكار في رأسي بإلحاح شديد. فقبل عام كنت هنا في بيروت ضيفاً على عائلة لبنانية أرمنية. ثم ساقت الصدف العمياء فتاة من أرمينيا السوفياتية لتكون جارتي في القسم الداخلي. هل أسميه (عام الأرمن؟). شاب أرمني منشق يروم مغادرة وطنه القومي أرمينيا والإتحاد السوفياتي. وفتاة أرمنية تريد مني أن أبقى معها أُشاركها وطنها الأم أرمينيا. ما كنتُ مسيحياً ولا أرمنياً ولا مواطناً سوفياتياً. ما الذي يجمع النساء؟ ما هو الشيء المشترك بينهنَّ؟

كانت (سلوى) ساحرة وخبيرة في شأن النفس البشرية. كانت دوماً قادرة على قراءة ما يجول وما يدور في رأسي من خواطر وأفكار ومشاريع وتحفظّات مستورة أقفل عليها بأختام الأسرار الباطنية العميقة الغور. سألتني إذ كنّا نتمشى في شوارع منطقة الحمراء : هل أكملتَ شراء هدايا صديقاتك الروسيات؟ فوجئت حقّاً بهذا السؤال وتساءلتُ فيما إذا كانت صاحبتي تغار عليَّ من سواها من نساء العالمين ! فيمَ الغيرة وقد عزلتنا هي عن بعضنا بجدار عالٍ من الخرسانة المسلّحة؟ ماذا تعني (أنا أكبرُ منك)؟ كنت فعلاً قد أكملت شراء بعض الهدايا لصديقتي الجديدة (زويا) الطالبة في كلية علوم الحياة (البايولوجي) في جامعة موسكو. لم أشأ أنْ أُحدّثها عن هذه الصديقة ولا أحسبها كانت بحاجة إلى سماع أخبارها. كما إني لم أقصصْ عليها قصة الأرمنية (عايدة) ولا حكايتي مع الأرمني (جورج) وزيارتي لشقيقته في (برج حمّود) في مثل هذا الوقت من العام الماضي. كانت تدور مثل كوكب سيّار حول فلكها الخاص. ما كانت تهتم بشؤون الآخرين ولا تدنو منها أبداً. عالمها عالم غريب فريد.

بعد أنْ أنهينا تجوالنا في منطقة (الحمراء) وأسواقها العامرة ومحلات الحلوى والمرطبات الشهيرة بجودتها قالت (سلوى) إنها قد أعدّت لي مفاجأة سارّة. خيراً إنشاء الله؟ قالت سنكون مساء اليوم ضيوفاً لدى سفير الكويت السابق في بغداد وعائلته. سنزورهم في بيتهم الواقع في إحدى ضواحي مصيف (عاليْ) على رؤوس الجبال. تعالَ الساعة السادسة إلى (بحمدون) وسنذهب معاً لزيارة هذه العائلة. رجعتُ إلى دخيلة نفسي أبحث في أدراج مخزون الذكريات الدفينة متسائلاً هل ستكون هذه الزيارة ناجحة وُفق مقاييس تربيتي ومعايير نهجي السياسي السابق وما قد تعلّمتُ حديثاً خلال إقامتي ودراستي لأربعة أعوام في موسكو؟ لم أقابل في حياتي حتى ذاك اليوم (أوائل شهر آب 1966) إلاّ الوزير العراقي المفوّض في فيينا ثم السفير العراقي في موسكو وكانت لقاءات قصيرة عابرة وغير مُبرمجة وليست (دبلوماسية) الطابع. لديَّ تحفظ فطري ممن يحملون سمات وحصانات دبلوماسية أحسبها تمنحهم أو تجعلهم يشعرون بالإمتياز والتفوّق على ما عداهم من البشر. [لي قصص طريفة وبعضها ذو أهمية خاصة مع سفراء آخرين سأسرد تفاصيلها كلاًّ في زمنه ومكانه ]. ترددتُ في قبول مقترح (سلوى). ترددت طويلاً ثم غلبني الوازع الإنساني. تعاني (سلوى) من الوحدة وهي في الثلاثين من عمرها. تأخر زواجها. يئستْ من إبن خالتها الذي كان بارداً وغير مؤدبٍ في لقائها. لا أملَ لها في طائرٍ من طينتي  يحلّق عالياً في سماوات بعيدة بجناحٍ واحدٍ حيناً وبأكثر من جناح أحيانا. جاءت بيروت لا هرباً من جو العراق الصيفي اللاهب فقط، إنما لكي تمارس نوعاً بريئاً من الحرية. ثم، إذا لم أرافقها إلى بيت السفير فأين وكيف سأقضي المساء الطويل وحيداً؟ لقد أعتدتُ رفقتها وأن نكون معاً على كل شبر من أرض بيروت ومصيف (بحمدون). إذن لا مناصَ من الإذعان لطلبها. قلت لها حَسَناً، سأكون أمام فندقكم في تمام السادسة مساءً.

حلقتُ ذقني وأخذت حماماً ساخناً وأرتديتُ أفضل ما كان معي من ملابس ثم ركبتُ السيارة التي إنطلقت تصعد الجبل إلى (بحمدون). وجدتها تنتظرني في مدخل الفندق جميلةً جذّابةً تشتعل حيويةً وأُنوثةً. وكان وجهها ـ كما كانت دوماً ـ دون مساحيق ودهون وعيونها خالية من الظلال والألوان. طبيعية جداً وليس في الكون ما هو أجمل من الطبيعة. ركبنا السيارة إلى مركز مصيف (عاليْ)، ترجّلنا سالكين طرقاً ضيّقةً في أعلى جبل لبنان تفوح منها روائح التفاح والكمثرى والعنجاص والكروم.كان منظر بيروت والبحر وما فيه من زوارق ويخوت رائعاً يطير بالخيال إلى أبعد الحدود. وصلنا داراً صغيرةً جميلة وكان السفير وزوجه في إنتظارنا. بعد الترحيب والمجاملات المألوفة أحضر السفير (ي. ي.ح) زجاجة ويسكي والكثير من مكعّبات الثلج. سكب في كل كأس من كؤوس البللور الأربعة التي أحضرتها خادم هندية كميةً قليلةً من هذا المشروب الكحولي، ثم أكمل الكؤوس بقطع الثلج. قلتُ له مازحاً : فليكن كأسي طافحاً بالويسكي… أنا قادم من موسكو الثلوج والفودكا. لدينا منها كما تعلم الكثير. فهم الرجل مغزى وجدية مزاحي فأضاف على مضضٍ إلى كأسي شيئاً من الويسكي. قلت أخاطب نفسي (إني على حق في تحفظاتي من السفراء ومن هم على شاكلتهم. يقيسون تصرفاتهم بالمسطرة ويزنون كلماتهم بميزان الذهب الأبيض. ألا تباً لهم). ما كان الرجل ليبخل عليَّ بالويسكي إلاّ لكي يضمن سلامة اللقاء وخلوه مما قد يعكر الجو العائلي الخاص. فمع السُكْر يأتي الجنوح وربما بعض الجنون. ثم ما أراد لسلوى أن تسكر وهي في أعلى قمم جبال بيروت بصحبة رجل ساقته الأقدارُ العمياء إليها فتعرّفت عليه. كان السفير ودوداً بسيطاً ضحوكاً محباً للنكتة والمزاح الرفيع المستوى.كذلك كانت قرينته. تحادثوا طويلاً عن ذكريات عمله الدبلوماسي في بغداد وعن الزيارات المتبادلة بينه وبين عائلة (سلوى). ثم عرّجوا على حديث سفرات الزوارق النهرية التي كانوا يقومون بها في نهر دجلة جيئةً وذَهاباً ما بين الأعظمية وجزيرة (أم الخنازير) ولاسيّما الليلية منها تحت أنوار قمر بغداد. 

طالت الجلسة وكان السيد السفير يضع في كؤوسنا بين الحين والحين بضعة قطيرات من الويسكي، لكنه كان كريماً حدَّ الإسراف في كيل مكعبّات الثلج. كان يُنقّط المشروب تنقيطاً. شعرتُ ببرودة الجو مضاعَفةً، لا من كثرة الثلج حسبُ، إنما إزداد الأمر سوءاً أن أصحاب الدار في أعالي جبال بيروت لم يقدموا لنا أي نوع من الطعام. لم يقدّموا لنا حتى قطعة فاكهة واحدة رغم أن دارهم محاطة ببساتين أطايب أنواع الفاكهة. ألم أقل لك يا رجل لا تُخالِطْ سفيراً ولا تقبل معرفة المحسوبين على السلك الدبلوماسي؟ هل هو سلك واحد أم أكثر من سلك، أسلاك دبلوماسية؟ نعم، كانوا مختلفين. ثلاثتهم مختلفون. الدبلوماسيون الثلاثة الذين قابلت حتى ذلك اليوم … كانوا مختلفين غاية الإختلاف. لذا فإنهم يمثلون أسلاكاً دبلوماسية منوّعةً شتّى وليس سلكاً واحداً. همستُ في أذن (سلوى) أنْ قد طال مجلسنا وأصبح الجو بارداً خالياً من أي رونق أو طعم. ثم إني جائع. شكرنا أهل الدار وإنصرفنا فكان الليل أكثر من رائع وبهيّ. أخذنا الطريق ثانيةً نزولاً إلى (عاليْ) وسط الأشجار المحمّلة بما لذ وطاب من فاكهة جنان اللهِ على أرض بعض جباله. وكان البحر تحتنا وبيروت المدينة تتوهج بالأنوار فتزيد الليل سحراً وفتنةً. منظر لا مثيل له في الوجود. كنا نتوقف وننحرف قليلاً عن الدرب الضيق حين تمر بنا سيارة عابرة.كنتُ أتمنى لو أستطيع البقاء هناك إلى الأبد. وأن أُدفَن في تلكم البساتين بين أشجار التفاح والخوخ والكمثرى. وصلنا مركز (عاليْ) مشياً على الأقدام ومنها ركبنا السيارة نازلين إلى (بحمدون). رافقتها حتى مدخل فندقها وإفترقنا على أن نلتقي صباح اليوم التالي اللقاء الأخير. فغداً هو يوم مغادرتي بيروت إلى الإتحاد السوفياتي. جاءت الساعة العاشرة صباح يوم سفري فتحادثنا قليلاً ثم تصافحنا دونما إنفعالات أو مشاعر أسف أو حزن أو ما شابه ذلك. لم تطلب عنواني في موسكو ولم أطلب عنوان بريدها في بغداد. كان كلانا واثقاً من عدم جدوى ذلك. لم نتفق على لقاء آخر سواء في بيروت أو غير بيروت.

أخذت حقائبي واتجهتُ نحو ميناء بيروت حيث تقف الباخرة السوفياتية على أهبة الإستعداد لتمخر عُباب مياه البحرين الأبيض والأسود عائدة إلى ميناء (أوديسا) في شبه جزيرة القرم على أراضي (أوكرانيا).

في الساعة الواحدة بعد الظهر غادرت الباخرة رصيف ميناء بيروت على أنغام فرقتها الموسيقية. لم يكن هناك في وداعي من أحد بعد أن قضّيت في بيروت أسبوعين مع أهلي وأسبوعاً مع (سلوى) التي كانت لي بالفعل سلوىً وسلوةً بعد مغادرة الأهل. لا مناديل ترفرف في الفضاء ولا دموع المحبين. لحظة قاسية، قاسية جدّاً. قبل ثلاثة أسابيع فقط كانت هنا على رصيف الميناء والدتي وشقيقتي وإبنة شقيقتي وإبن العم.كانوا هنا واقفين في إنتظاري غير مصدّقين وصولي. ولما رأوني أهبط سلالم الباخرة أُصيبوا جميعاً بالذهول. كأنما استيقظوا من حلم أو كانوا في سُبات عميق. أما اليوم، يوم مغادرة بيروت، فكانت في وداعي فتاة نبيلة رائعة لا تمتُّ لي بأية صلة رَحِمٍ أو قرابة. رأيت فيها وهي تصافحني مودّعةً ملامح وجه شقيقتي (نجاة). كم تمنيتُ أن تكون شقيقتي وأمي في وداعي. متى سأراهم ثانيةً؟ أخبرتهم أني سأنهي أبحاثي خلال عام واحد. لكن ليس من المؤكد رجوعي إلى العراق. سأحاول إيجاد عمل لي في بلدان أخرى كالجزائر أو ليبيا أو ربما الهجرة إلى كندا. لوحة الوداع مؤثّرة وحزينة على الدوام. وكما قال الشاعر معروف عبد الغني الرُصافي (وإني جبانٌ في فراقِ أحبّتي // وإنْ كنتُ في غير الفراقِ شجاعا). أحسنتَ أيها الرصافي، أحسنت. تأتيني الدموع عادةً بعد الوداع والمفارقة. عندذاك تشرع الجروح بنضح المكبوت عميقاً فيها نزيفاً جارفاً. آخر كلام سمعته من شقيقتي وأنا أودعها في دمشق ووالدتي وإبنة شقيقتي (دير بالك من البحر) !! فلقد كنت أخبرتهم إني سأقضّي بعد سفرتي هذه مباشرةً أسبوعين للسباحة والإستجمام على سواحل البحر الأسود.

(دير بالك من البحر)… ظلّت هذه الجملة القصيرة ترّج وترتج في رأسي مثل مطرقة الحداد. ما الذي جعل أختي تحذرني من البحر؟ أي هاجس كان في رأسها حين نطقت بتلك الجملة القصيرة؟ أهي نبوءة أم خوف مبنيٌّ على أسسس من تجارب مع الماء سابقة؟ معها حق. سقطت أختي الصغرى (عَدَوية) في بئر حديقتنا عام 1939 فماتت غَرقاً. ماتت ولم تتجاوز عامها الأول إلاّ بشهرين فقط.

 

عدنان الظاهر

 

عبد الخالق الفلاحدقائق معدودات تفصل بيني وبين محكمة الثورة سيئة الصيت والعجلة تسير بسرعة تخترق الشوارع شارعاً بعد شارع الى اين لا ادري، وانا اسرق النظر من خلال النظارة السوداء يميناً وشمالاً ولماذا لا ادري هل عصيت القانون، هل قذفة احد، هل سرقة، هل اختلست من صندوق الدولة، هل قبلت الرشوة، لا والف لا، وطريقي ما طريقي، من يسعفني الى الهداية، لم اكن ضعيفاً، ولكن اريد ان اعرف عن ماذا انا بين سلاسل حديدية، وشبابيك العجلة تصر صراً بين حين واخر، ونظرات رجل الامن من خلف الحاجز بين حين واخر، كل انسان خطاء، اما انا لم ارى في نفسي ذلك المسوغ الذي يسوقني لهذه الظلمة، ماهية الخطيئة التي يجب الاعتراف بها لو سئلني القاضي المُنَصب لهذه المهمة التافهة وما ذنب ابي الكهل والذي بلغ من العمرعتيا وانفاسه وتسبيحه ونظرات العطف والحنان المتوسمة في وجهه الملائكي، ولو كانت هناك خطيئة لكانت تؤرق مضجعي كثيرًا، فلا استحي ان اعترف بخطئي، وَلاَ اغالب مَجْرَى النَّهْرِ، مَنْ يكتم خطاياه لا ينجح، رحت افكر، رغم ان السكون يخترق ليلي واتابع مجريات عمري ساعة... ساعة، لحظة ...لحظة طفولتي صباي ومراهقتي . بعد اقترابي شعرت بالمرارة، سئلت رجل الامن اين نحن، اجاب انها المهزلة، اي دولة مهزومة تعيش قلقة خائفة، لا تنتج إلا الظلم والقهر وتعودت على القتل، المراوغة والمخادعة . ويداي المكبلة بالحديد، انظر الى وجه والدي الملائكي الذي سيق معي وهو ينظر لي بعين الرأفة ونسي نفسه تذكرت كان يريد ان يوصل احساسه.. من خلال زفرات انفاسه .. أراد أن يوصل كلماته الى قلبي وانا افترق منه، وجه والدتي الحنونة التي علمتني كيف أتغلب على وجعي وخبز تنورها وجراحها واحزانها وصبرها رحمهما الله .أدركت بعد رحيلهم أن هناك بكاء دون دموع، وصراخ يمزق الحنجره دون أن يُسمع، واليوم اصبحت لا احسب يوم من عمري دون ان اذكرهما بالخير، وصبر اختي وتعبها، وقلق اخي الصغير وهو في الجيش، وخرجت أقف عند باب آخرى لدنيتي رغماً عني واقراء مع نفسي سور التعويذ، واية الكرسي، ياما في السجن مظاليم، (واصبح اكلي وشربي كانَ*) واسمع صوت السجان والعنقرجي* والمساجين، الظالم والمظلوم وقلت في نفسي لابد من الرحيل، ، وداعاً للزمن الماضي ... وان ابيت ذلك، ليخفف عني اوجاعي الحالية ....

 

عبد الخالق الفلاح – کاتب واعلامی

..............

العنقرجي* : هو المستخدم لاحضاروتنظيف وتوزيع الاكل في السجن، دائما ينسب من الادارة

كانَ*: كل ما يتم تجهيز السجين من قبل ادارة السجن

حامد الحمدانيدأبت حكومة أرشد العمري، شأنها شأن الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم في العهد الملكي، على إتباع سياسة العنف ضد الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية، التي كانت تندلع بين آونة وأخرى، سواء كانت دوافعها تتعلق بمطالب اجتماعية أو سياسية، ولم يثنها تحذير الأحزاب السياسية في مذكراتها التي كانت ترفعها للوصي عبد الإله والملك فيصل الثاني فيما بعد، ورؤساء الحكومات، بل كانت تمضي تلك الحكومات في سياستها، واستخدامها لأساليب العنف ضد أبناء الشعب المطالبين بحقوقهم المشروعة في الحياة الحرة الكريمة.

كان من بين تلك الأحداث التي تعاملت معها حكومة ارشد العمري بسياستها المعهودة والمتسمة بالعنف، المطالب السلمية التي تقدم بها عمال شركة نفط كركوك، والمتعلقة بتحسين احوالهم المعيشية، حيث كانوا قد تقدموا لشركة نفط كركوك بعدد من المطالب المعيشية على أمل أن تستجيب لها.

لكن الشركة تجاهلت تلك المطالب رغم كل التأكيدات والمذكرات المرفوعة لها، ولما يئس العمال من استجابة الشركة إلى مطالبهم لجاءوا إلى الإضراب عن العمل في 3 تموز 1946 حتى تستجيب الشركة لمطالبهم التي تضمنت زيادة الأجور، وتهيئة دور سكن لعوائلهم، أو منحهم بدل إيجارالدار، وتخصيص سيارات لنقلهم إلى مقر عملهم في الشركة، ومنحهم إكرامية الحرب أسوة بعمال النفط في حيفا وعبدان، وأخيراً تطبيق قانون العمال الذي شرعته الدولة.

لكن حكومة ارشد العمري بدلاً من أن تقف إلى جانب العمال ومطالبهم المشروعة لجأت إلى ممارسة كل وسائل الضغط والإرهاب لإجبارهم على العودة إلى أعمالهم متجاهلة كل مطالبهم، غير أنها لم تفلح في ثنيهم عن مواقفهم، وإصرارهم على الاستمرار في إضرابهم حتى تلبي الشركة مطالبهم العادل

 وفي 7 تموز1946حضر وزير الاقتصاد السيد [بابا علي الشيخ محمود] إلى كركوك في محاولة للضغط على العمال المضربين بغية إنهاء إضرابهم، ولما فشل في إقناعهم عاد إلى استخدام أساليب التهديد والوعيد، وقد قابله العمال المضربون بتجمع جماهيري واسع في حديقة {كاور باغي}، حيث ألقيت خلال ذلك التجمع الكلمات التي عبرت عن حقوق العمال المشروعة، وإصرارهم على تحقيق مطالبهم العادلة.

لكن الحكومة كانت قد عقدت العزم على إنهاء الإضراب بالقوة، حيث أعدت لهم مذبحة شنعاء. فقد أحاطت بهم قوات من الشرطة تتألف من فوجين، وبدأت بإطلاق النار على التجمع لتفريقه، وأدى ذلك العمل الإجرامي إلى استشهاد 16 عاملاً، فيما جرح أكثر من 30 عاملا آخر.

 

لقد تحدث القاضي السيد [جهاد الونداوي]عن تلك المجزرة التي ارتكبتها الحكومة بكل وحشية في تقرير له عن الجريمة قائلاً:

{لقد قتلت الشرطة 16 عاملا، أما الذين جرحوا فقد كانوا أكثر من 30 فرداً، أمتنع معظمهم عن مراجعة المستشفى خوفاً من السجن، وأن أحد مفوضي الشرطة قطع إصبع أحد العمال القتلى للاستيلاء على خاتمه!!.

 كما أن الشرطة فاجأت المضربين بإطلاق النار عليهم في وقت كانوا هم وذويهم بانتظار عودة ممثليهم الذين كانوا يفاوضون المسؤولين، وقد استمر إطلاق النار على المضربين زهاء ساعتين على الرغم من أنهم كانوا يهربون من وجه الشرطة}.

كما حاول رئيس المحاكم السيد [عبد القادر جميل] التدخل لتشخيص الجريمة وتحديد المسؤولية، لكن الإدارة والوزارة عارضته. ولم تكتفِ الحكومة بتلك الإجراءات الوحشية بل سارعت إلى إنزال قوات الجيش إلى شوارع كركوك بدباباتها ومدرعاتها، وأصدرت أمراً بمنع التجول في المدينة خوفاً من ردة فعل الشعب على تلك الجريمة النكراء، وهكذا لطخت حكومة أرشد العمري أيديها، مرة أخرى بدماء عمال نفط كركوك، وأضافت جريمة أخرى إلى جرائمها السابقة بحق الشعب.

لقد أشعلت [مذبحة كاور باغي] معركة الشعب وقواه السياسية الوطنية ضد الحكومة، واستنكرت الأحزاب تلك الجريمة المروعة، وأدانت الحكومة وحملتها مسؤولية ما حدث، وطالبت بمعاقبة المسؤولين عن المذبحة.

ونظراً للهياج الذي أحدثته تلك المذبحة لدى الشعب العراقي، ونظراً لإصرار الأحزاب الوطنية على إجراء تحقيق عن المجزرة، ومحاكمة المسؤولين عنها اضطرت الحكومة إلى الإعلان عن إجراء التحقيق، وكلفت نائب رئيس محكمة الاستئناف في بغداد السيد [احمد الطه] في 15 تموز بالسفر إلى كركوك، وإجراء التحقيقات اللازمة في وقائع المذبحة، وقد قام السيد احمد الطه بالمهمة، وقدم تقريره إلى وزارة العدل، وكان أهم ما جاء في التقرير ما يأتي:

1ـ إن عمل المضربين كان سلبيا وليس إيجابيا، ( أي لم يبادروا بالعنف)

2 ـ لم يكن من اجتماعهم هذا ما يخشى منه على الأمن.

3 ـ إن الشرطة نفسها كانت تعلم بهم قبل الحادث وكانت تراقبهم، ولم يزيدوا في اليوم الأخير الذي وقع فيه الحادث في عملهم شيئاً.

4 ـ إن المجتمعين جميعا كانوا عزلاً من السلاح.

5 ـ إن كل ما قاموا به أن البعض منهم رجم الشرطة بالحجارة بعد أن ضربتهمة بالعصي، وأطلقت النار عليهم وفرقتهم.

6 ـ إن معظم القتلى والجرحى أصيبوا بعد أن أدبروا، (أي أصيبوا من الخلف) .

7ـ إن الشرطة تجاوزت في عملها حد المعقول في أمر تشتيت المجتمعين.

8 ـ إن الإدارة أوقفت أشخاصا ليس لهم يد في التحريض على نفس الحادث.

لقد اتهم التقرير كل من متصرف كركوك [حسن فهمي] ومدير الشرطة [عبد الرزاق فتاح] بإعطاء الأوامر، واعتُبر ضابط الشرطة [سعيد عبد الغني] المسؤول المباشر عن المجزرة.

ورغم أن الحكومة أعلنت تحت ضغط الرأي العام العراقي، والأحزاب السياسية الوطنية عن تقديم المسؤولين عن المجزرة للمحكمة، إلا أن الحكومة لم تكن جادة في ذلك، بل أرادت امتصاص غضب الشعب وثورته، وتهدئة الأوضاع.

 فلم تكن المحاكمة سوى مهزلة، حيث جرت محاكمة المتهمين الرئيسيين الثلاثة في محكمة جزاء كركوك، والتي أصدرت قرارها ببراءتهم، وأطلقت سراحهم، مما دفع بوزير الداخلية [عبد الله القصاب] إلى تقديم استقالته من الحكومة في 17 آب 1946، وقد أكد الوزير القصاب للسيد عبد الرزاق الحسني، مؤلف تاريخ الوزارات العراقية، بعد قيام ثورة 14 تموز وسقوط النظام الملكي، أن السفارة البريطانية هي التي أمرت الحكومة بعدم إدانة المتهمين، بل وزادت في ذلك فطلبت عدم سحب المتهمين من وظائفهم في كركوك، أو نقلهم إلى أي مكان آخر، وطلبت كذلك عدم منح أي تعويض لذوي الشهداء والجرحى، بعد أن كانت الحكومة قد قررت ذلك من قبل، وقد تراجعت الحكومة عن قرارها إذعاناً لطلب السفارة البريطانية.

كانت ردة الفعل على تلك المجزرة الرهيبة، وعلى سياسة حكومة أرشد العمري المعادية للشعب وحقوقه المشروعة شديدةً جداً تتناسب وتلك الجريمة النكراء، فقد أخذت الأحزاب تهاجم الحكومة بعنف عبر صحافتها فاضحة إجراءاتها المعادية لمصالح الشعب والوطن، وتدعوا الجماهير الشعبية للتظاهر ضدها، ودعت إلى إسقاطها.

وقد ردت الحكومة بتعطيل معظم الصحف، وخاصة الصحف الحزبية، وساقت مدرائها المسؤولين ومحرريها إلى المحاكم بتهمة التحريض ضد السلطة، وكانت تعيد الكرة بعد كل محاكمة لتوجه اتهامات جديدة وتجري المحاكمات الجديدة لهم، وزجت بالعديد منهم في السجن.

وبسبب تلك الإجراءات اللادستورية دعت الأحزاب الوطنية الثلاثة، حزب الاتحاد الوطني، والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الشعب، في 30 آب 1946 إلى عقد اجتماع عام حضره جمع غفير من أبناء الشعب جاوز 5000 مواطن، حيث ألقيت الخطب المنددة بالحكومة، والمعبرة عن سخط الشعب وقواه السياسية الوطنية من سياستها، والجرائم التي اقترفتها بحق الشعب، وسلبها لحقوقه الدستورية، وتجاوزها على الأحزاب وصحافتها.

وفي ختام الاجتماع تم الاتفاق على رفع مذكرة احتجاج شديدة اللهجة إلى الحكومة والى الوصي على العرش [عبد الإله]،وقد جاء في المذكرة:

{إن الجموع الغفيرة المجتمعة بدعوة من حزب الاتحاد الوطني والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الشعب، لمناقشة الموقف السياسي الراهن هالها موقف الوزارة الحاضرة بمكافحة الأحزاب السياسية، ومحاولة شل نشاطها، وغلق صحفها، وإحالة رؤساء تحريرها إلى المحاكم، وسجن بعض أعضاء هذه الأحزاب لمجرد إبداء آرائهم في السياسة العامة، وهو حق من حقوق كل مواطن في بلد له دستور يحترم حرية الرأي، ويأخذ بنظام الحكم الديمقراطي.

غير أن الوزارة الحاضرة تجنبت الحكم الديمقراطي، واتجهت بحكم البلاد اتجاهاً استبدادياً مخالفا لأحكام القانون الأساسي، وهي تتعمد إهماله ولا تحترم ما فيه من نصوص عن حقوق الشعب وحرياته الديمقراطية، وقد وقع في عهدها من الأحداث الجسام ما روع العراقيين كافة، وما أنذرهم به من خطر جسيم يهدد كيان الشعب ومستقبله، وما أصبح معه العراقيون غير آمنين ولا مطمئنين على حقوقهم وحرياتهم بل وحياتهم.

بالإضافة إلى ذلك لم تستطع أن تصون سيادة العراق وكيانه الدولي، ففي عهدها نزلت القوات البريطانية في البصرة، في الوقت الذي يطالب به الشعب العراقي بالجلاء، ولم تستطع الوقوف الموقف الصحيح لمعالجة مشكلة خطيرة تتعلق بكيان الشعب العربي الفلسطيني، بل بكيان ومصالح البلاد العربية كافة، وذلك بعرض القضية على مجلس الأمن الدولي، وهو مطلب الشعب العربي الفلسطيني، والشعوب العربية بصورة عامة، فهي بأعمالها التي أفصحت عن استهانتها بحقوق الشعب وحرياته، وقانونه الأساسي [الدستور] غير جديرة بتحمل مسؤولية الحكم، ولا بالإطلاع بالمهمة التي أعلنت أنها تتولى الحكم لإتمامها، وهي مهمة انتقالية حيادية تتلخص بإجراء انتخابات حرة لمجلس جديد. فنحن نطالب بتنحي هذه الوزارة، وإقامة وزارة دستورية يرتضي الشعب سياستها}.

ونتيجة للضغوط التي تعرضت لها حكومة العمري اضطرت الوزارة إلى تقديم استقالتها في 16 تشرين الأول 1946، وتم قبول الاستقالة في نفس اليوم، ودون أن تستطيع إجراء الانتخابات العامة.

 

حامد الحمداني

       

حامد الحمدانيحركة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة الانقلابية:

بدا الوضع السياسي بعد تشكيل حكومة الهاشمي يميل نوعاً ما إلى الهدوء بعد تلك العاصفة التي حدثت بين الكيلاني والوصي، لكن النار كانت لا تزال تحت الرماد، فقد كان عنصر الثقة بين الوصي والهاشمي شبه مفقوداً، كما كانت الثقة بين الكيلاني ومن ورائه العقداء الأربعة المسيطرين على الجيش وبين الوصي قد تلاشت، وكان الوصي ومن ورائه السفارة البريطانية يعمل في الخفاء من أجل تشتيت شمل قادة الجيش تمهيداً للتخلص منهم، ومن الكيلاني.

 ومارست السفارة البريطانية ضغوطها على رئيس الوزراء من أجل إبعاد العقداء الأربعة عن أي تأثير سياسي في البلاد، كما ضغطوا على الهاشمي لقطع العلاقات مع إيطاليا، وكان الهاشمي يخشى رد فعل الشعب إن هو فعل ذلك، ونتيجة لتلك الضغوط أقدم الهاشمي بصفته وزيراً للدفاع وكالة، بتاريخ 26 آذار 1941 على نقل العقيد[كامل شبيب] إلى قيادة الفرقة الرابعة في الديوانية، ليحل مكانه صديق الوصي، والذي أواه في الديوانية، اللواء الركن [ابراهيم الراوي]، كما أصدر قراراً آخر بنقل مقر قيادة الفرقة الثالثة التي يقودها العقيد [صلاح الدين الصباغ] من بغداد إلى جلولاء. 

كانت تلك الإجراءات التي اتخذها الهاشمي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقول المثل، فلم يكد يبلغ القرار لقادة الجيش حتى قرروا على الفور التصدي له ورفضه، واتخاذ التدابير السريعة  والضرورية لحل الأزمة بصورة جذرية. 

ففي مساء يوم 1 نيسان 1941، أنذر العقداء الأربعة قطعات الجيش في بغداد، وتم إبلاغها بما ينوون القيام به، حتى إذا انتصف الليل نزلت القوات العسكرية لتحتل المراكز الهامة والحساسة في بغداد كدوائر البرق والبريد والهاتف، والجسور ومداخل الطرق الرئيسية، وجميع المرافق العامة في بغداد وتوجه العقيد [فهمي سعيد]، وبرفقته وكيل رئيس أركان الجيش [محمد أمين زكي] إلى دار رئيس الوزراء [طه الهاشمي] وأجبروه على الاستقالة، واضطر الهاشمي إلى تحرير كتاب استقالة حكومته إلى الوصي، وسلمها لهما، حرصاً على عدم إراقة الدماء  .(1) 

أما الوصي فقد أيقضه الخدم من النوم، وأبلغوه أن هناك أوضاع غير طبيعية في منطقة القصر، وأن الجيش متواجد في المنطقة، فما كان من الوصي إلا أن صمم على الهرب مرة أخرى، واستطاع الإفلات من قبضة الجيش، ولجأ إلى السفارة الأمريكية، بعد أن تعذر عليه الوصول إلى السفارة البريطانية، وقامت السفارة الأمريكية بنقله إلى قاعدة الحبانية، ومن هناك تم نقله على متن طائرة حربية بريطانية إلى البصرة، حيث نقل إلى الدارعة الحربية البريطانية [كوك شبير] الراسية قرب البصرة، وكان برفقته كل من [علي جودت الأيوبي] ومرافقه العسكري[عبيد عبد الله المضايفي] ثم لحق بهم [جميل المدفعي] وحاولت السفارة البريطانية الاتصال بأعضاء وزارة طه الهاشمي في محاولة لنقلهم إلى البصرة للالتحاق بالوصي، لكن العقداء الأربعة حالوا دون خروجهم . 

كما نصبت القوات البريطانية للوصي إذاعة لاسلكية حيث قام بتوجيه خطاب إلى الشعب في الرابع من نيسان، وقامت الإذاعة البريطانية في لندن بإعادة إذاعة الخطاب مرة أخرى، وقد هاجم الوصي في خطابه الكيلاني والعقداء الأربعة، واتهمهم بالاعتداء على الدستور، والخروج على النظام العام واغتصاب السلطة.

كما أخذ الوصي يحرض قائد الفرقة الرابعة في الديوانية [إبراهيم الراوي]، وقائد حامية البصرة العقيد [رشيد جودت] وعدد من شيوخ العشائر الموالين للبلاط والإنكليز  للتمرد على الكيلاني وقادة الجيش، والزحف على بغداد، لكن الراوي وجودت رفضا السير مع الوصي بهذا الطريق الذي لو تم لوقعت حرب أهلية لا أحد يعرف مداها. 

تشكيل مجلس الدفاع الوطني:

بادر العقداء الأربعة بعد هروب الوصي إلى تشكيل مجلس الدفاع الوطني، وتم اختيار[رشيد عالي الكيلاني] رئيساً للمجلس ليقوم مقام مجلس الوزراء.

وفي أول اجتماع لمجلس الدفاع الوطني قرر المجلس إرسال مذكرة إلى الحكومة البريطانية تحذرها من التدخل في شؤون العراق الداخلية، وتقديم الدعم والمساندة للوصي عبد الإله، كما قرر المجلس إرسال قوات عسكرية إلى البصرة لمنع أي تحرك ضد مجلس الدفاع الوطني، وتم اعتقال متصرف البصرة [صالح جبر] الذي قطع صلاته ببغداد تضامناً مع الوصي، وتم تسفيره إلى بغداد. 

عزل عبد الإله وتعين شريف شرف وصياً على العرش:

 رداً على تحركات الوصي الرامية إلى إسقاط حكومة الدفاع الوطني، وهروبه من العاصمة، وتعاونه مع المحتلين البريطانيين في هذا السبيل، فقد وجهت حكومة الدفاع الوطني إنذاراً له بالعودة إلى بغداد فوراً وإلا فإنها ستضطر إلى عزله من الوصاية، وتعين وصي جديد على العرش بدلا منه.

 ولما لم يستجب عبد الإله إلى الإنذار قررت حكومة الدفاع الوطني  عزله من الوصاية، وتعين [الشريف شرف] وصياً على العرش بدلاً عنه، وقد صادق البرلمان على هذا الإجراء في جلسته المنعقدة في 16 نيسان 1941 . 

الكيلاني يشكل حكومة مدنية جديدة:

بعد أن تم تعين [الشريف شرف] وصياً على العرش، قدم مجلس الدفاع الوطني برئاسة رشيد عالي الكيلاني استقالته إلى الوصي الجديد شريف شرففي 12 نيسان 1941 لغرض تشكيل حكومة مدنية جديدة، وقد كلف الوصي الجديد شريف شرف السيد الكيلاني بتشكيل الوزارة الجديدة في اليوم نفسه، وتم تشكيل الوزارة على الوجه التالي:

1 ـ رشيد عالي الكيلاني ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية .

2ـ ناجي السويدي ـ وزيراً للمالية .

3 ـ ناجي شوكت ـ وزيراً للدفاع .

4 ـ موسى الشابندر ـ وزيراً للخارجية .

5 ـ رؤوف البحراني ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية.

6 ـ علي محمود الشيخ علي ـ وزيراً للعدلية.

7ـ يونس السبعاوي ـ وزيراً للاقتصاد.

8 ـ محمد علي محمود ـ وزيراً للأشغال والمواصلات.

9 ـ محمد حسن سلمان ـ وزيراً للمعارف.

وفور تشكيل الوزارة أعلن الكيلاني عن عزم الحكومة على عدم توريط العراق في الحرب، مع الالتزام بمعاهدة التحالف مع بريطانيا، والتمسك بالتعهدات الدولية. وقد لاقت حكومة الكيلاني تأييداً كاسحاً من أبناء الشعب الحانقين على الاستعمار البريطاني وعملائه.

 

القوات البريطانية تسقط حكومة الكيلاني، وتعيد عبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد:

تسارعت التطورات في البلاد بعد أحكام سيطرة رشيد علي الكيلاني والعقداء الأربعة على مقاليد الحكم، ولاسيما وأن الحركة قد لاقت تأييداً واسعاً من أبناء الشعب عامة، والذين كانوا يحدوهم الأمل في التخلص من الاستعمار البريطاني الذي أذاقهم الأمرّين، ولم يدركوا أن الأستعمار الألماني البديل أسوأ منه، وهكذا أصبحت الأمور صعبة للغاية بالنسبة لبريطانيا، وتنذر بمخاطر كبيرة، وبناء على ذلك طّير السفير البريطاني [كورنوليس] برقية إلى المستر تشرشل ـ رئيس الوزراء ـ جاء فيها :

{إما أن ترسلوا جيشاً كافيا إلى العراق أو انتظروا لتروا البلاد في أيدي الألمان} .

فلما اطلع تشرشل البرقية أسرع بالإبراق إلى وزير الهند لإرسال قوات عسكرية، وإنزالها في البصرة على عجل. (2)

كانت الحكومة البريطانية قد أبلغت العراق قبل وقوع الانقلاب أنها عازمة على إنزال قوات في البصرة لنقلها عبر العراق إلى حيفا في فلسطين حيث تقتضي ضرورات الحرب، وبموجب المعاهدة العراقية البريطانية يحق لبريطانيا ذلك، بعد إبلاغ ملك العراق بذلك، ولذلك فقد اتصل القنصل العام البريطاني في البصرة بوكيل المتصرف يوم 10 نيسان، وأبلغه أن فرقة من الجيش الهندي على ظهر ثلاث بواخر حربية، وبحراسة طرادين حربيين وثلاث طائرات سوف تدخل المياه الإقليمية العراقية خلال 48 ساعة، وطلب منه إبلاغ حكومته بذلك للموافقة على نزول تلك القوات في البصرة. كما قام مستشار وزارة الداخلية [ادمونس] في بغداد بزيارة رئيس الوزراء، الكيلاني، وابلغه بنفس الأمر. (3)

 

وعلى الفور أجتمع مجلس الوزراء وبحث الأمر، وبعد مناقشة مستفيضة اتخذ قرارا بالسماح للقوات البريطانية بالنزول، وفق الشروط التي اتفق عليها في 21 حزيران 1940، والتي نصت على نزول القوات لواء بعد لواء، على أن يبقى اللواء مدة معقولة، وهو في طريقه إلى فلسطين، ثم يليه نزول اللواء التالي، بعد أن يكون اللواء السابق قد غادر الأراضي العراقية، وعلى الحكومة البريطانية ابلاغ

 الحكومة العراقية بعدد القوات المراد إنزالها. (4)

 

كما قررت الحكومة العراقية إيفاد اللواء الركن [إبراهيم الراوي] إلى البصرة لاستقبال  القوات البريطانية، كبادرة حسن نية من الحكومة، لكن بريطانيا كانت  قد قررت غزو العراق، وإسقاط حكومة الكيلاني بالقوة، وإعادة عبد الإله وصياً على عرش العراق، وكانت تعليمات القيادة البريطانية تقضي باحتلال [منطقة الشعيبة] في البصرة، واتخاذها رأس جسر لإنزال قواتها هناك، والانطلاق بعد ذلك إلى بغداد .

وفي يومي 17  و 18 نيسان 1941 نزلت القوات البريطانية في البصرة، وعلى الفور أبرق رئيس الوزراء البريطاني تشرشل إلى الجنرال [ايمسي] في رئاسة الأركان البريطانية، يأمره بالإسراع بإنزال 3 ألوية عسكرية في البصرة، وقد بدا واضحاً من تصرف تلك القوات أنها لن تغادر العراق، كما هو متفق عليه، بل لتبقى هناك حيث قامت بحفر الخنادق وإقامة الاستحكامات، وترتيب بقائها لمدة طويلة،

وفي 28 نيسان 1941 أبلغ مستشار السفارة البريطانية في بغداد وزارة الخارجية العراقية بنية بريطانيا إنزال  قوة أخرى قوامها 3500 جندي وضابط، في 29 نيسان، وقبل رحيل القوات التي نزلت في البصرة قبلها .

وعند ذلك أدركت حكومة الكيلاني أن بريطانيا تضمر للعراق شراً، وأنها لا تنوي إخراج قواتها كما جرى عليه الاتفاق من قبل، بل لتستخدمها لاحتلال العراق من جديد، وعليه اتخذت قرارها بعدم السماح لنزول قوات بريطانية جديدة في البصرة قبل مغادرة القوات التي وصلت  إليها من قبل.

 كما طلبت الحكومة العراقية من السفير البريطاني تقديم أوراق اعتماد حكومته كدليل على اعتراف بريطانيا بالوضع الجديد في العراق.(5)

وفي الوقت نفسه قررت الحكومة العراقية القيام بإجراءات عسكرية احترازية لحماية العراق، وأصدرت بياناً إلى الشعب بهذا الخصوص، وقد أشار البيان إلى إخلال بريطانيا بنصوص معاهدة التحالف، وأن الحكومة قد قدمت احتجاجاً رسميا إلى الحكومة البريطانية، كما أشار البيان إلى عزم الحكومة على التمسك بحقوق العراق وسيادته واستقلاله.

لكن الحكومة البريطانية تجاهلت مواقف الحكومة العراقية واحتجاجاتها، وأنزلت قوات جديدة في البصرة  في 30 نيسان، وحاولت تلك القوات قطع الطريق على القوات العراقية المتواجدة هناك، لكن القوات العراقية استطاعت الانسحاب إلى المسيب، مقرها الدائم، وكررت الحكومة احتجاجها على تصرفات القوات البريطانية، لكن الحكومة البريطانية تجاهلت ذلك الاحتجاج، وأقدمت على ترحيل الرعايا البريطانيين من الموظفين، وأصحاب الشركات، والعاملين فيها، كما أوعزت لهم بتهريب موجودات البنوك من العملات.

وهكذا أيقنت الحكومة أن الصِدام بين الجيشين العراقي والبريطاني أمر حتمي، وقررت اتخاذ عدد من الإجراءات العسكرية لحماية بغداد. فقد أرسلت عدداً من قطعاتها العسكرية إلى المنطقة القريبة من [الحبانية] حيث توجد قاعدة جوية بريطانية كبيرة، لكن ثلاث أسراب من الطائرات البريطانية قامت على الفور بقصف تلك القوات المتمركزة في [سن الذبان] بجوار بحيرة الحبانية وذلك صباح يوم الجمعة المصادف 2 أيار 1941، وبذلك اشتعلت الحرب بين العراق وبريطانيا، وقام على الأثر السفير البريطاني بإصدار بيان موجه إلى الشعب العراقي كان قد أعده سلفاً، هاجم فيه بشدة حكومة الكيلاني، واتهمها بشتى التهم، وبذلك كشف البيان عن جوهر السياسة البريطانية وأهدافها الاستعمارية العدوانية تجاه العراق .

وفي اليوم نفسه قدم السفير البريطاني إنذاراً للحكومة العراقية بسحب قواتها من أطراف الحبانية، وهدد باتخاذ أشد الإجراءات العسكرية ضدها. وعلى اثر تلك التطورات والأحداث المتسارعة أجتمع مجلس الوزراء، واتخذ قرارات هامة للدفاع عن العراق، وكان منها:

1ـ إعادة العلاقات مع ألمانيا، والطلب بإرسال ممثلها السياسي على الفور، وطلب المساعدة منها.

2 ـ إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي فوراً.

 3ـ نشر بيان صادر من رئيس الوزراء حول العدوان البريطاني على القوات العراقية.

4 ـ إرسال احتجاج إلى الحكومة البريطانية على تصرفاتها تجاه العراق .(6) 

وعلى الأثر قام الوزير العراقي المفوض في تركيا بمقابلة السفير الألماني [فون بابن] وطلب منه تقديم كل مساعدة ممكنة للصمود بوجه القوات البريطانية، وقد أبلغه السفير الألماني أن تقديم المساعدة يتطلب مدة من الزمن، وسأله كم من الزمن تستطيع القوات العراقية الصمود أمام القوات البريطانية، وأخيراً تم الاتفاق على إرسال عدد من الأسراب من الطائرات الحربية الألمانية للدفاع عن مدن العراق التي أخذت تتعرض لقصف الطائرات البريطانية، ريثما يتمكن الألمان من تقديم مساعدة فعالة للحكومة العراقية .(7)

وفي الوقت نفسه غادر الدكتور [كروبا] سفير ألمانيا السابق في العراق متوجهاً إلى بغداد لفتح السفارة الألمانية، حيث وصلها في 18 أيار، وبصحبته 5 طائرات حربية، وبعثة عسكرية جوية برئاسة الفيلد مارشال [فون بلومبرج]. لكن المارشال الألماني أصيب قبل هبوط طائرته في مطار بغداد بصلية من الطائرات البريطانية، وقتل قبل نزوله في بغداد وذلك خلال اشتباك جوي مع الطائرات البريطانية.(8)

وفي الوقت نفسه تلقى العراق كميات من الأسلحة عن طريق سوريا ، حيث كانت ألمانيا وإيطاليا قد استولت على تلك الأسلحة بعد انهيار فرنسا. 

 فقد حصل العراق على 15 ألف بندقية ، و354 مسدساً و5 ملايين خرطوشة مدافع رشاشة ، و9999 قنبلة عيار 75 ملم ، و 6000 قنبلة عيار 155 ملم و30 ألف قنبلة يدوية، و 6000 قنبلة زمنية، وغيرها من الأجهزة العسكرية والمتفجرات وأجهزة الاتصال اللاسلكية وغيرها .( 9 )  

ورداً على سحب موجودات البنوك ، أعلن الكيلاني انسحاب العراق من منطقة الإسترليني، وحاول تغير العملة بالتعاون مع المانيا لكن الزمن لم يمهله لتنفيذ ذلك، فقد تصاعدت الأزمة بعد أن فتحت القوات البريطانية النار على القوات العراقية المتواجدة في البصرة، واستطاع الفوج العراقي الموجود هناك الانسحاب من المنطقة في 2 أيار 1941 .

أدى تصرف القوات البريطاني إلى هياج عام في صفوف الشعب العراقي، وتوالت فتاوى رجال الدين تدعو للجهاد ضد المحتلين البريطانيين، وكان على رأسهم المرجع الديني الأكبر لطائفة الشيعة [أبو الحسن الموسوي الأصفهاني]، والإمام [محمد حسين آل كاشف الغطاء] اللذان دعيا الشعب العراقي للجهاد ضد المحتلين البريطانيين. كما ناصرت الشعوب العربية الشعب العراقي في كفاحه ضد الاستعمار البريطاني.

القوات البريطانية تحتل العشار:

بعد أن عززت القوات البريطانية وجودها في البصرة بدأت بالزحف بقواتها الآلية نحو العشار فجر يوم الأربعاء  المصادف 7 أيار  1941، وتمكنت من احتلال جميع المرافق الحساسة، والجسور بعد معارك دامية مع الأهالي سقط خلالها عدد كبير من الشهداء والجرحى في معركة غير متكافئة مع جيش كبير ومنظم، وقيل أن اليهود قدموا مساعدات كبيرة لقوات الاحتلال التي أخذت تتصرف وكأنها سلطة حكومية في منطقة [العشار]، وصار مدير جمعية التمور الميجر [لويد] يتصرف وكأنه حاكم عسكري، حيث أصدر أمراً بمنع حمل السلاح، ومنع الاستماع إلى الإذاعات المعادية لبريطانيا، ومنع التجول، وغيرها من القرارات. وعلى أثر ذلك أمرت الحكومة موظفيها في البصرة بالانسحاب والعودة إلى بغداد. 

 كما قررت الحكومة في 9 أيار إنهاء خدمات الضباط البريطانيين في الجيش  العراقي  وفي 11 منه قررت الاستغناء عن خدمات جميع الموظفين والمستخدمين البريطانيين، كما قررت في  13 أيار تخويل رئيس الوزراء صلاحية عقد اتفاقات لشراء الأسلحة من الدول الأجنبية. 

القوات البريطانية تحتل الفلوجة:

استمرت المعارك مع القوات البريطانية حول الحبانية لكنها لم تكن متكافئة على الإطلاق، ففي الوقت الذي كان الجيش العراقي يمتلك الإرادة الشجاعة للدفاع عن الوطن، كان يعوزه السلاح والعتاد، في حين كانت القوات البريطانية تمتلك كل أنواع الأسلحة والطائرات، والخبرة القتالية، فقد أخذت الطائرات البريطانية تقصف القطعات العسكرية العراقية حول [سن الذبان] منذ صباح يوم 2 أيار.

كما أرسلت القيادة البريطانية في فلسطين قوة عسكرية أخرى تتألف من لواء خيالة وعدة كتائب مختلفة مجهزة بالآليات والمدفعية، مع قوة أخرى من رجال الفرقة العربية التي كان يقودها  القائد البريطاني [كلوب باشا] في شرق الأردن .

وفي 19 أيار بدأ الجيش البريطاني هجوماً واسعاً تحت غطاء جوي كثيف من الطائرات الحربية ضد الجيش العراقي، وخاض الطرفان معركة غير متكافئة استطاعت خلالها القوات البريطانية دحر القوات العراقية، وأسرت 320 جندياً و23 ضابطاً، وانسحبت بقية القوات باتجاه بغداد، وبذلك استطاعت القوات البريطانية احتلال [الفلوجة]الواقعة على مقربة من بغداد في 20 أيار 1941.

وفي اليوم التالي شنت القوات العراقية هجوماً معاكساً في محاولة لاستعادة الفلوجة، وكانت تلك القوات تتألف من فوجين، ومعززة بثمانية دبابات لكنها فشلت في هجومها بعد أن استشهد  273  جنديا و11 ضابطاً، وتدمير 7 دبابات. (10) 

القوات البريطانية تزحف نحو بغداد، وهروب الكيلاني وقادة جيشه:

بعد اندحار القوات العراقية في معركة الفلوجة، بدأت الحكومة تنظيم دفاعاتها حول بغداد، حيث أصبحت القوات البريطانية على بعد 60 كيلومترا من العاصمة، لكن القوات البريطانية عاجلتها بهجوم كبير على ثلاثة محاور منطلقةً من الفلوجة يوم 27 أيار، وكان المحور الأول كان عن طريق [جسر الخر] و المحور الثاني عن طريق الشاطئ الأيسر لنهر الفرات نحو [أبو غريب]، أما المحور الثالث فكان عن طريق [سن الذبان ـ سامراء ـ التاجي] . (11) 

مهدت القوات البريطانية هجومها بقصف مركز بالطائرات على مدينة بغداد لأحداث أكبر تأثير نفسي على قوات الجيش العراقي والحكومة وأبناء الشعب، وبدا في تلك الساعات أن الأمر قد أفلت من أيدي الكيلاني والعقداء الأربعة، حيث أصبح احتلال بغداد مسألة وقت لا غير، ولذلك فقد قرر[الكيلاني] وقادة جيشه [العقداء الأربعة] الهروب ومغادرة بغداد، والنجاة بأرواحهم، تاركين البلاد والشعب تحت رحمة المحتلين، حيث رحل العقداء الأربعة  إلى إيران مساء يوم 29 أيار 1941، ثم تبعهم رشيد عالي الكيلاني، وأمين الحسيني، وشريف شرف، ومحمد أمين زكي، ويونس السبعاوي. 

وفور مغادرة قادة حركة أيار، تشكلت في العاصمة بغداد لجنة برئاسة أمينها [ارشد العمري] دعيت  [لجنة الأمن الداخلي]، وضمت اللجنة متصرف بغداد، ومدير الشرطة العام، وممثل الجيش الزعيم الركن [حميد نصرت] .(12) 

 بدأت اللجنة مفاوضات مع السفارة البريطانية في بغداد على شروط وقف إطلاق النار وإعلان الهدنة تمهيداً لدخول القوات البريطانية إلى بغداد، وعودة الأمير عبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد.

وفي 30 أيار توقف القتال بصورة نهائية، وعاد الوصي إلى بغداد في 1 حزيران 1941 تحت حراب المحتلين البريطانيين، وكان برفقته كل من نوري السعيد، وعلي جودت الايوبي، وداؤد الحيدري، وهكذا تخلص البريطانيون وعبد الإله من العقداء الأربعة والكيلاني، الذين لعبوا دور كبيراً في الحياة السياسية في البلاد، وتم إحكام الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق من جديد. (13) 

لم يهدأ لبريطانيا والوصي عبد الإله بال إلا بعد أن تم اعتقال العقداء الأربعة، فقد بدأت المخابرات البريطانية تتابعهم حتى تسنى لها القبض عليهم واعتقالهم في إيران، وجرى تسفيرهم إلى جنوب أفريقيا معتقلين، كما تم اعتقال وزير الاقتصاد يونس السبعاوي، و مدير الدعاية العام صديق شنشل، وتم إحالة العقداء الأربعة إلى المجلس العرفي العسكري، والذي سبق أن حكم عليهم بالإعدام .

كما حكم المجلس العرفي العسكري على يونس السبعاوي بالإعدام أيضاً، وعلى صديق شنشل بالسجن لمدة 5 سنوات .

في نهاية الحرب العراقية البريطانية، سلمت بريطانيا العقداء الأربعة للحكومة العراقية حيث جرى إعدامهم في 6 كانون الثاني 1942، بعد إعادة محاكمتهم بصورة صورية أمام المجلس العرفي العسكري الذي أصدر قرار الحكم خلال جلسة واحدة، وبذلك تخلص الوصي من نفوذهما إلى الأبد. 

أما رشيد عالي الكيلاني،  فقد تمكن من الوصول إلى تركيا، واستطاع السفير الألماني [فون بابن] أن ينقله مع أمين الحسيني إلى ألمانيا، حيث مكث فيها إلى أن أوشكت الحرب على نهايتها، وبات اندحار ألمانيا أمر حتمي، حيث هرب إلى سويسرا ومنها إلى السعودية.

حاول عبد الإله مرارا استرداده من السعودية إلا أن السعوديون رفضوا ذلك، وبقي هناك عدة سنوات أنتقل بعدها إلى مصر بعد قيام ثورة 23 يوليو، وبقي هناك حتى قيام ثورة 14 تموز عام  1958، وسقوط النظام الملكي في العراق.

 

حامد الحمداني

..................

التوثيق :

  (1) تريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص 77 - عبد الرزاق الحسني

  (2) المصدر السابق ـ ج5 ـ ص 78

 (3) المصدر السابق، الحسني ـ ج5 ـ ص 76 .

  (4) نفس المصدر ـ ص 79 .

  (5) نفس المصدر ـ ص  87 .

  (6) فرسان العروبة ـ صلاح الدين الصباغ ـ ص 87 .

  (7) يقظة العالم العربي ـ  جان وولف ـ ص 120 .

   (8) ثورة العراق ـ كارتاكوز ـ ص 32 .

  (9) حديث الدكتور صائب شوكت مع الحسني في 8 نيسان 1975

  (10) ت ن و ، ع ـ الحسني ـ ج5  ـ ص81

  (11) مذكرات طه الهاشمي ـ ص 241 .

 (12) علي الشرقي ـ كتاب الأحلام ـ ص 170

  (13) ت ، و ، ع ـ الحسني ـ ج 5 ـ 79