mutham aljanabi2هو كعب بن ماتع الحميري. توفي عام 34 للهجرة. أصوله من يهود حمير اليمنيين. اعتنق الإسلام زمن عمر بن الخطاب وتحول بفعل قربه من السلطة وثقافته النسبية (التوراتية) إلى شخصية مؤثرة آنذاك. وهي "ثقافة" بسيطة وشفوية. من هنا غلوها في إدخال هذا الكم الهائل من الأساطير التوراتية في الموقف من الأحداث السياسية والدرامية التي مر بها تاريخ الإسلام بعد موت النبي محمد. وهي ظاهرة لقطها المؤرخ الذهبي ووضعه في كتابه (سير أعلام النبلاء)، عندما أشار إلى حالته الغريبة التي جعلت منه وهو "التابعي" أو الذي اسلم في خلافة عمر بن الخطاب، مصدرا لرواية الصحابة مثل أبو هريرة وغيره. أما في الواقع فانه لا غرابة في الأمر. وذلك لأنهما يشتركان ويتكاملان. فقد اسلما في أوقات متقاربة نسبيا. أبو هريرة عام 7 للهجرة، وكعب زمن عمر (ويقال زمن خلافة أبو بكر). وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أصولهم اليمنية، بمعنى التقائهم بالفطرة والمكان والنفسية، و"ذكاء" كعب و"علمه" بوصفه حبرا من أحبار اليهود، وسذاجة أبو هريرة بوصفه ناقلا مباشرا لما يسمعه، فان من السهل معرفة سر ونوعية التأثير المحتمل لكعب الحميري على أبي هريرة.

وليس مصادفة أن يكون اغلب الحديث النبوي الزائف الذي نقله أبو هريرة مشبعا بالفكرة الأسطورية. فقد كان أبو هريرة ضمن هذا السياق مجرد حامل ونقّال. بمعنى انه لا يعبأ بما ينقل. لأن الشيء الوحيد الذي كان يمتلكه هو "ذاكرة" بلا عقل. من هنا ثقوبها المليئة بإمكانية تمرير كل شيء، والإسرائيليات بشكل خاص. وقد لقط ابن كثير (في كتابه تفسير القرآن) الدس التوراتي من جانب كعب الحميري، عندما كتب يقول، بان القصص المروية عن ملكة سبأ وسليمان هي من وضع أهل التوراة مثل كعب ووهب بن منبه، أي أولئك الذين نقلوا ما اسماه ابن كثير بأخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حرّف وبدّل ونسخ.

وليس مصادفة أن يكذبه ابن عباس مرات عديدة في تفسيره للقرآن. بمعنى معارضته لفهم القرآن بمعايير ومفاهيم وصور التوراة. وهي عملية طبيعية بالنسبة لكعب الأحبار، تماما بالقدر الذي لم تكن مثار حساسية دينية. لاسيما وان القرآن يحتوي على "إسرائيليات" عديدة، بوصفها جزء من تراث المنطقة وتقاليدها الدينية والأسطورية. فالأساطير الإسرائيلية جميعا من وحي تراث المنطقة وتاريخها، بمعنى أنها لا نخرج من وادي الرافدين ومصر وفلسطين وفارس. من هنا لم يكن "حشر الإسرائيليات" في الإسلام آنذاك من جانب عبد الله بن سلام ووهب بن منبه وكعب الأحبار فعلا متعمدا بقدر ما انه كان يسري بفعل ثقافتهم الأولية الخاصة.

وفيما يخص كعب الحميري فقد كان تفسيره للقرآن والأحداث بمعايير الرؤية اليهودية يهدف إلى جعل الإسلام نهاية الفكرة الوحدانية والحق. وبالتالي فان "الدس التوراتي" كان بهذا المعنى يهدف إلى البرهنة على أفضلية الإسلام. وهي فكرة يمكن رؤيتها في كل الخطاب الديني والأخلاقي لكعب الأحبار. ومن الصعب توقع مواقف أخرى لكعب الأحبار بهذا الصدد، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار إسلامه المتأخر وهو في عمر تجاوز الثلاثين من العمر، إضافة إلى احترافه الديانة اليهودية بوصفه احد أعلامها و"أحبارها" في اليمن. لهذا لا نعثر في آرائه ومواقفه على استشهاد بالقرآن والحديث مقارنة بما تمتلئ مواقفه وآراءه من التراث الشفوي لليهودية التوراتية.

الأمر الذي حدد رؤيته للماضي والحاضر والمستقبل بوحي خزين تجاربه الدينية والمعرفية. وهو خزين يهودي. لكن مشاعره كانت تميل كليا للإسلام والدفاع عنه كما هو جلي فيما ينقله لنا أبو نعيم الأصفهاني في (حلية الأولياء). وإذا كانت اغلب تصوراته تسير صوب التجسم وإمكانية رؤية الله، فلأنها الرؤية المميزة لليهودية. وهي مكونات تخدم على الدوام جمود الرؤية والمواقف وأسطوريتها، التي عادة ما تكون أداة بيد السلطة بسبب ما في هذه الرؤية من بساطة وتسطيح للوعي. وليس مصادفة أن يصبح كعب الأحبار قريبا ومقربا من السلطة زمن عمر بن الخطاب وعثمان، رغم تباينهما الكبير. وان يحاول معاوية بن أبي سفيان تقريبه منه. وبهذا الصدد تنسب إلى كعب الأحبار فكرة يقول فيها بان مولد النبي بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام! وقد تكون تلك عبارة أطلقها معاوية ونسبها إلى كعب الأحبار. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن كعبا لم يتقرب من معاوية رغم إغواء الأخير إياه. وفضّل أن يعيش في حمص ويموت فيها، قبل مقتل عثمان بسنة واحدة (عام 34 للهجرة).

لقد حبذ كعب الحميري العيش بالقرب من السلطة والابتعاد عن مهمة "الجهاد" الكبرى آنذاك. لهذا لم نسمع عنه اشتراكه في حروب الفتح الإسلامي. لكننا نراه ينهمك في وضع الأفكار السياسية المتلفعة بالخطاب الديني الأسطوري. وهو انهماك جعله قريبا من السلطة في غضون فترة سريعة جدا. فقد اسلم زمن خلافة عمر بن الخطاب وتحول إلى احد المقربين منه. كما احتل هذا الموقع زمن خلافة عثمان بن عفان. وهو تقرب لم يخلو أحيانا من التملق. قد يكون هو السبب الذي جعل بعض كتب التاريخ تنسب إليه إمكانية المؤامرة في مقتل عمر بن الخطاب. وهو تأويل مفتعل. وذلك لان العبارة المنسوبة إليه بهذا الصدد التي كان يقولها لعمر قبل مقتله بأيام بأنه شهيد، لا تعني فيما لو جرى وضعها ضمن تقاليد الرؤية الدينية سوى الصيغة المقدسة لنهاية المرء. وهي فكرة يمكن أن تداعب قلوب المسلمين الأوائل! وإذا كان كعب الحميري يضع هذه الرؤية والمواقف حسب صور التوراة أو أنها "موجودة في التوراة"، فلأنها الصيغة التي تداعب الخيال الإسلامي آنذاك عما دعاه القرآن بعبارات عديدة مثل "موجود في الكتاب" و"مصدق لما بين يديه" وما شابه ذلك. وعدما استغراب عمر بن الخطاب أن يكون شهيدا، فإن جواب كعب الحميري هو "إن صفاتك موجودة في التوراة". وهو نفس الموقف الذي قال به عندما تعرض عثمان لإمكانية القتل. وإذا كان عمر بن الخطاب قد رفض هذا التأويل انطلاقا من انه لا شهادة في ارض العرب، فان عثمان رفضه حبا بالحياة! بينما نرى عمر يعارض فكرة كعب من بناء المسجد شمال الصخرة بحيث تصبح قبل القبلة في التوجه للصلاة. من هنا بناء عمر للمسجد في مقدمة ما يسمى بجبل الهيكل. وحتى في هذا الموقف لا ينبغي فهم رؤية كعب الحميري إلا ضمن سياق محاولة إدخال التوراة في كل موقف، بوصفها الجزء الجوهري من ذخيرته المعرفية والدينية.

إن هذا التناقض الجلي في شخصية كعب الحميري هو الذي جعل منها اشد عسرا بالنسبة لتاريخ الأفراد والأفكار. كما أن الأساطير والحكايات التي حيكت عنه وحوله جعلته اشد تعقيدا بالنسبة لتحديد موقعه الفعلي في الثقافة الإسلامية الأولى وموقع المثقفين من السلطة. أما في الواقع، فقد تمثل كعب الحميري هذا التناقض وعاش معه حتى النهاية. بمعنى دخوله الإسلام بتراثه اليهودي. وعيشه وفعله بمقاييس اليهودية من اجل الإسلام. وكذلك محاولة الجمع بين واقعية الرؤية العربية المتربية بتقاليد الجاهلية وحبكة الرؤية الأسطورية لليهودية. وهو تناقض جعله فريسة السلطة واستحالة الانفكاك عن تأييدها. الأمر الذي أثار حفيظة الوعي الإسلامي الأخلاقي النقدي، بحيث وجد في مواقفه شخصية غريبة عن الإسلام، ومن ثم رده دوما وذكّره بأصوله اليهودية. فعندما أراد عثمان اقتسام أموال عبد الرحمن بن عوف بعد موته، نراه يخاطب كعبا:

-        ما تقول فيمن جمع هذا المال، فكان يتصدق منه، ويعطي في السبيل ويفعل ويفعل؟

- إني لأرجو له خيرا!

عندها غضب أبو ذر الغفاري ورفع العصا في وجه كعب قائلا:"وما يدريك يا ابن اليهودية! ليودّن صاحب هذا المال يوم القيامة لو كانت عقارب تلسع السويداء من قلبه!". وعندما كان عثمان يأخذ من مال المسلمين (قرضا بلا عودة!) نراه يسأل كعبا بهذا الصدد عما إذا كان مسموحا للخليفة أن يأخذ من بيت مال المسلمين إذا كان بحاجة على أن يردها فيما يعد. فلم يعترض كعب. على العكس! بينما نرى أبو ذر يعارضه بشدة مخاطبا كعب الأحبار:"أتعلمنا يا ابن اليهودية"؟!

وهو نفس الرد السريع الذي قال به المسلمون الذين حاصروا عثمان قبيل مقتله، عندما سمعوا قول كعب بان مقتل عثمان سوف يؤدي إلى حروب دامية. وهو "تنبؤ" سليم، يحمل من حيث أصوله ووسيلته معنى "الإخلاص" للسلطة. بمعنى إنها فكرة ليست محكومة بالرؤية التاريخية السياسية، بقدر ما أنها كانت تعمل من اجل أمل الإبقاء على عثمان حيا يرزق في سرقته وإفساده للدولة والأمة والفكر. وهي الحالة التي لقفها معاوية وكل أولئك الذين كونوا عصابته الظاهرة والمستترة وراء عباءة الإسلام المزيف. كما كان الحال بالنسبة لعمر بن العاص. فقد كان، حسب كلماته، يؤلب حتى الرعاة على أغنامهم على قتل عثمان! بينما نراه يتحول إلى مقدمة الرافعين لشعار الثأر لمقتل عثمان عندما جرى اختيار الإمام علي خليفة للمسلمين للمرة الأولى بصورة حرة ومن جانب المجتمع وقواه الحية!

***

 

ميثم الجنابي

 

ahmad fadelفي هذا الشهر من عام 2016 أومبرتو إيكو يودع الحياة في ميلانو كتابة / دومينيك سيلوود ترجمة / أحمد فاضل

كان أومبرتو إيكو يمثل تناقضا واضحا في مسيرته الأدبية بداية، فهو أحد إفرازات جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية على إيطاليا، وأحد أبرز المتمردين على الكنيسة التي ودعها حتى رحيله، والرسامين والموسيقيين، والإذاعة والتلفزيون الفرنسيين، جميعا كان لهم الأثر البالغ في صقله ككاتب والذي أصبح واحدا من أنجح الروائيين شعبية في جيله فيما بعد .

ولد إيكو في 5 يناير / شباط 1932 في مدينة اليساندريا بإقليم بييمونتي حيث ترعرع هناك، وكان أبوه جوليو محاسباً قبل أن تستدعيه الحكومة للخدمة في ثلاثة حروب خلال الحرب العالمية الثانية، انتقلت أم أومبرتو جيوفانا مع ابنها إلى قرية صغيرة في منطقة بييمونتي الجبلية حيث كان ابناً لعائلة فيها ثلاثة عشر ابناً آخرين حاول والده دفعه لأن يصبح محامياً، غير أنه انتسب إلى جامعة تورينو لدراسة فلسفة القرون الوسطى والأدب فكتب أطروحته حول توما الأكويني وحصل على دكتوراه في الفلسفة في 1954، وخلال هذا الوقت هجر إيكو الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بعد أزمة إيمان، عمل إيكو محرراً ثقافياً للتلفزيون والإذاعة الفرنسية، وحاضر في جامعة تورينو كما صادق مجموعة من الرسامين والموسيقيين والكتاب في الإذاعة والتلفزيون الفرنسيين الأمر الذي أثر على مهنته ككاتب فيما بعد، خصوصاً بعد نشر كتابه الأول " مشكلة الجمال عند توما الأكويني " الذي كان توسعة لأطروحة الدكتوراه خاصته، ورغم أن لإيكو مجموعة كبيرة من المؤلفات تميزت كتبه بكونها تمارين سردية وفلسفية وفكرية، إلا إن رواية " اسم الوردة " حولته من أكاديمي إلى أحد المشاهير على المستوى الدولي، خصوصا بعدما تم تحويل الرواية، التي تدور أحداثها في أحد الأديرة في العصور الوسطى إلى فيلم سينمائي لعب دور البطولة فيه الممثل الشهير شون كونري في 1968  وبيعت ملايين النسخ من الرواية التي تميزت بفرادة السرد مع ترجمة جزئية لمقولات من اللاتينية وتأملات محيرة حول طبيعة الرموز .

وحققت روايته الثانية "بندول فوكو"، التي صدرت عام 1988 نجاحا أيضا رغم أنها كانت معقدة بحيث صحبها دليل شارح يساعد القارئ في تتبع الحبكة .

والرواية عبارة عن حكاية بيزنطية عن تآمر الناشرين والطوائف السرية كتبت بطريقة مثيرة .

وكان إيكو حصل على جائزة الأميرة أستورياس الإسبانية الرفيعة للاتصال وأثنت لجنة تحكيم الجائزة في عام 2000 على أعماله التي حققت مبيعات كبيرة على مستوى العالم .

توفي أمبرتو إيكو في 19 فبراير / شباط 2016 عن / صحيفة الغارديان اللندنية

 

 

khadom almosawi2حين غيب الموت قبل اكثر من عام، عصر يوم الاثنين 9/1/2017، بعد معاناة مع المرض في مشفى في لندن، الناشط والمحلل السياسي المناضل صباح جواد، وقفنا نحن اصدقاؤه بحيرة وذهول، لا احتجاجا على رحيله، فهذا قدر ليس بايدينا ما يمنعه، ولكننا نعرف صباحا شابا مفعما بالحيوية والصبر والصمود، ويحلم ان نعود جميعا لنبني وطنا سعيدا، وعلى موعد مع حلم جميل..

طيلة حياته وقف صباح مع قضايا الشعوب العادلة، مدافعا عنها في التظاهرات الجماهيرية وفي الوقفات الاحتجاجية امام سفارات الامبريالية العالمية في لندن، منظما وخطيبا ومتضامنا.

شكل مع رفاق له اوسع تجمع يساري ديمقراطي ضد الحرب والحصار على شعبه في العراق وعبره وتواصلا معه، نشط في قيادة "تحالف اوقفوا الحرب " البريطاني، ودافع بقوة عن القضية الفلسطينية، وعن حرية الشعوب وعدالة مطالبها ضد الديكتاتوريات والاستبداد والارهاب والقمع البوليسي. بعزيمة تحمل منفاه وخياره في جل فعالياته ومعاناته مع المرض اللعين، وفرح لكل انتصار ونجاح لحركة تحرر او قيادة وطنية تقدمية.

كان لابد ان نقيم له حفل استذكار، خططنا ووعدنا، لكن .. لا تجري الرياح كما يشتهي السفان دائما. كنا، سامي الرمضاني وكامل مهدي وهاني لازم واسامة الشبيبي واخرون معنا، ممن وقفوا لذكراه بصمت وحزن، نخطط ونسعى ونحاول .. ولاني وعدت بقراءة ما ارسل لنا ممن عزانا به ووقف معنا في ماساة خسارتنا لرفيق عزيز وانسان يعز مثاله. اسجل ابرز ما وصل، فمن اتحاد نقابات النفط في العراق رسالة، نصت؛

باسمي ونيابة عن الاخوة أعضاء المكتب التنفيذي لاتحاد نقابات النفط في العراق نتقدم باحر التعازي الى عائلة الرفيق صباح جواد وأصدقائك باحر التعازي ونسال الله ان يتغمده بواسع رحمته.

لقد عرفناك وانت تدافع عن ثروات العراق بهمة عالية وكنت عراقيا شريفا لاتريد الا الخير والرفاه للعراقيين ولكل الأحرار في هذا البلد المظلوم لقد شاركتنا همومنا ونضالاتنا من الوقوف في من ارادوا بيع نفط العراق وكانت محاضراتك تثلج الصدر عندما تتحدث في مؤتمراتنا العلمية لأنك ترعرعت في حب العراق

لقد عرفناك إنسانا صادقا تتأصل من اجل الفقراء والمعوزين ووقفت في وجوه الساسة الذين جاءوا الى العراق بالدبابة الامريكية وانا لي مواقف وحكايات معك أيها المناضل عندما كنّا نجول بإلقاء الخطابات في أماكن متفرقة من العالم لقد كنت عضوا بارزا في اتحاد نقابات النفط وكم كنت تتمنى ان يتمتع عمال العراق بقانون للعمل وخصوصا عمال النفط

انا لله وانا اليه راجعون

حسن جمعه عوّاد الاسدي

رئيس اتحاد نقابات النفط في العراق

ومن المفكر الدكتور خير الدين حسيب برقية نصها؛

عزيزي الأخ الدكتور كاظم

تحياتي الكثيرة،

أسفت كثيرا باستلام رسالتك، المناضلون يتساقطون تباعاً. أرجو إبلاغ عائلته تعازي الحارة. أشكرك على إعلامي بالموضوع.

مع أطيب التمنيات

ومن الشيخ اية الله جواد الخالصي:

انا لله وانا اليه راجعون. قال علي عليه السلام: كفى بالموت واعظا وزاجرا

ومن المناضل الشيوعي عدنان عباس:

بكل حزن تلقيت نبأ وفاة المناضل والشخصية الوطنية صباح جواد الذي ارتبطنا معه بعلاقة حميمة وتوافق في المواقف من هموم شعبنا العراقي ولا يسعني بهذا المصاب الأليم الا تقديم التعازي الى عائلته ومحبيه..

ومن المناضل العروبي معن بشور:

رحمه الله مناضلا صادقا محبا لوطنه وشعبه

ومن الكاتب العربي محمد عبد الحكم دياب ؛

عزيزى د. كاظم

كان الفقيد الكريم نموذجا نبيلا من زمن ولى.. كان الناس فيه ينكرون ذواتهم.. ويقفون مع الضعفاء والمظلومين.. ويسعدون إذ ما وقفوا بجانبهم.. وقضوا حوائجهم.. رحمه الله رحمة واسعة.. وإنا لله وإنا إليه راجعون

ومن الاكاديمية والناشطة المعروفة الدكتورة خديجة صفوت؛

عزاءا جميلا

لقد فقدنا بغيابه مناضلا كبيرا في زمان يعز فيه امثاله من المناضلين والوطنيين الشرفاء

رحم الله الرفيق العزيز صباح جواد رحمة واسعة و انزله مع الصديقين والشهداء و حسن بذلك رفيقا.

ساحاول ان اشارككم بنفسى مجلس الفاتحة بلندن اذا ما لم يقعدنى المرض. فله احوال غير متوقعة.

كما هاتفنا او ارسل رسالة عبر الهاتف، اصدقاء كثيرون، من بينهم الكاتبة هيفاء زنكنة والاكاديمي منذر الاعظمي، والاساتذة؛ يسار سلمان حسن، وماجد شبر وعلي الانصاري، واحمد المختار ، ود. علي الاعسم، ولؤي عبد الاله، وعبد الحسين الحسيني...

ووقفنا مع ابنته دينا وابنه زيد واقرباء له وباقة ورد من منظمة الحزب الشيوعي العراقي في بريطانيا مع وفد منها واصدقاء عرب وزملاء من "تحالف اوقفوا الحرب " على قبره في وداعه الاخير.

وفي مدوناتهم على الفيس بوك كتب الكتاب علاء اللامي ونصير المهدي وجاسم معروف معبرين عن حزنهم لفقده، ايضا..

صباح

تظل ذكراك الطيبة قائمة لكل من عرفك او تعامل معك او سمع عنك. وتبقى حديث اصدقائك ومحبيك بكل ود وتقدير واعتزاز.

 

كاظم الموسوي

 

 

ali almirhig

إلتقيت بالدكتور عبدالجبار الرفاعي أواخر عام 2003 بعد سقوط نظام صدام، وغزو الأمريكان، قبل أن يحصل على الدكتوراه حينما عُرف بوصفه شيخ متفتح في الحوزة العلمية في قُم، وكنت فرحاً في التعرف به، فقد كانت مجلته "قضايا إسلامية" التي أنشأها مع الشيخ "مهدي العطار" صداها بين أوساط الإسلاميين قبل هذا التاريخ، وبعدها كان لمجلة "قضايا إسلامية مُعاصرة" التي ترأس تحريرها وأشرف عليها حضورها الفاعل في الأوساط الثقافية والأكاديمية العراقية.

كان للرفاعي وما يزال نشاطه المُلفت للإنتباه في النشر والكتابة وفي التعرف على شخصيات تمتلك رؤى نقدية وتجديدية لها تأثير وفاعلية في المشهد الفكري العام والمشهد الديني، بل وحتى الثقافي.

أصدر الرفاعي سلسلة كتاب "قضايا إسلامية مُعاصرة" وكان من ضمن كُتبه المُختارة كتاب "إشكالية التجديد" لماجد الغرباوي عام 2000م، ولم أكن قد سمعت عن هذا الكاتب من قبل، لتعتيم النظام على أغلب نتاج المُثقفين العراقيين المُعارضين في الغُربة، وبعد إطلاعي على كتابه هذا حاولت أن أعرف من هو هذا الكاتب، وبعد تقصٍ ليس بالطويل عرفت أنه رئيس تحرير سلسلة رواد الإصلاح التي صدر منها كتابه رقم (4) الشيخ النائيني مُنظّر الحركة الدستورية الصادرة عن مؤسسة الأعراف في عام 1999.

بعد تعرفي على الرفاعي،سألته عن الغرباوي، فتبين ليَ أنه من أقرب أصدقائه، بل هو صديق العمر، وهو من أبناء مدينته "قلعة سكر"، وقد عاشوا أيام الأفراح والأتراح معاً، ولربما يكونا هما تؤمان في الفكر.

مرت الأيام والسنون، وبعد تركي للنشر لأعوام في الصحف والمجلات الثقافية، نصحني أحد الأصدقاء المُقربين بضرورة نشر ما أكتب، وبعد تردد، لأنني لا أعتقد بجدوى الكتابة ولا أشعر بقيمة تأثيرها وفاعليتها بين وفي أوساط مجتمعاتنا، إلًا أنني رضخت لمطلبه، فنصحني بالنشر في صحيفة المُثقف التي تصدر عن مؤسسة المثقف في أستراليا بسدني، فأرسلت بعض المقالات لهذه الصحيفة وبمساعدة صديقي هذا (د.رائد جبار) تم نشرها في هذه الصحيفة، ولم أكن أعرف من هو المشرف على مؤسسة المثقف ولا رئيس تحرير الصحيفة، وبعد مدة من المُراسلة وفي حديث جانبي مع رئيس التحرير تبين ليَ أنه "ماجد الغرباوي" الذي أعرفه حق المعرفة ككاتب ومؤلف إسلامي له توجهاته النقدية التي أبان عنها في كتاباته الأولى، وهو صديق الرفاعي الذي أكن له كل الإحترام فكراً ومعرفةً، هو رئيس تحرير هذه الصحيفة الغراء.

كنت قبل ذلك أتحاور مع صديقي الأطيب "د.صائب عبدالحميد" المؤرخ المعروف عن كتابات وشخصية "ماجد الغرباوي"، فكان يُخبرني بحميمية العلاقة بينهما، وبمقدار ما يمتلكه الغرباوي من فائض الوعي النقدي، وهو ذات الأمر الذي أخبرني به الرفاعي.

وبرسائل عبر (الماسنجر)عرفته وعرفني وخبرته وخبرني، عرفت أنه مفكر لا يكل ولا يمل في البحث والتقصي عن الحقيقة وإن أخرجته عن بعض مُتبنياته العقائدية وفق ظن الساذجين ممن لم يعرفوه، وخبرته أنه ذو نفس زكية وروح صوفيه ألقها من ألق العارفين الذين تتجلى لهم المعرفة وفق تجليات الروح وتمظهرات العقل وفق الرؤية الهيجلية، فلا توجد حدود فاصلة بين تدين عقلي وآخر عرفاني "روحي" إلَا عبر تماهيهما مع الواقع، أي جعل الواقع روحاً ناطقة بتجليات الروح.

حوارتنا لها معنى وتجلٍ عبر توافق وتواصل يفصل الانطباع المُسبَق عن رفض وقبول. إنه حوار عن مُشتركات العقل الفلسفي بنزوعه المدني في قبول التعددية والإختلاف والتنوع الثقافي بوصفه من تمظهرات الوعي االمُختلف الرافض لمنطق "المُطابقة" و "التشابه" المُغاير للتوتاليتارية الدينية "الشمولية" بوجهها الإقصائي للكشف عن نزوع لاهوتي مُزيف، ليكتب "مدارات عقائدية" ينقد بها كل هذا الزيف الموروث من الماضي أو الذي يكتنف حاضرنا، في محاولة منه لتوصيف "تحديات العُنف" عبر إستنطاقه وتأويله للنصوص القرآنية، ومحاولة تفسيرها تفسيراً عصرياً ينقد الحركات الإسلامية "الراديكالية" ونقد فكرتي "الحاكمية" عند الأخوان المسلمين، و "ولاية الفقيه" عند أحزاب الإسلام الشيعي، وكلاهما وقعا ضحية رثاثة التفكير الديني، وخطاب التكفير، وإساءة فهم مفهوم الشهادة، والتعبئة المُستمرة ضد الغرب وعدم الفصل بين السياسة الغربية الأنكلوسكسونية وبين الحضارة الأنكلوسكسونية بكل ما فيها من قيمة أخلاقية وعلمية وتقنية. فضلاً عن الغباء المُفرط والجهل والأمية، والخلط بين المُقدس وغير المُقدس، وكراهية الحياة، وهجاء الدُنيا، وتمجيد الموت، ونسيانها وتغييبها عبر الطاعة لرجل الدين حتى وإن كان جهلاً لا يفقه من أمور الدين سوى التباكي وإتقان الإيقاع والنغم الحزين في البُكاء على الحُسين.

في حواراته فيما أسماه "مدارات عقائدية" إخترق الخطوط الحُمر، لينقر على ناقوس التطرف الديني، يُهدي كتابه إلى كل من علمه "أن يكون مُحباً لكُل الأديان والطوائف".

تجاوز الغرباوي في كتابه هذا كل "الخطوط الحُمر" فعلاً لا تجوزاً، فقد تناول بالنقد مفهوم الإنتظار في الفكر الشيعي، ومفهوم الخلاص، والشفاعة، ونقد فكرة "ولاية الفقيه" والربط بين الولاية والإستبداد، ونقد فكرة الخلافة التكوينية في الفكر الشيعي الذي خلص إلى أن الكون كله وضع تحت تصرف النبي والأئمة، رغم أنهم بشر، والنبي ذاته يقول "ما أنا إلَا بشر مثلكم"، والإمام في الفكر الشيعي يؤثر في الكون ويُمكنه التصرف به بإعتباره أحد علله.

لذلك يذهب الغرباوي إلى القول:" لا يُمكننا التصديق بمفاد أي رواية تُخالف القرآن والعقل أو الصحيح من السيرة بدليل قطعي السند والدلالة. كما أن "المُمتع عقلاً، لا يُحتمل وقوعه خارجاً، سواء كان الإمتناع ذاتياً، كشريك الباري، أو لعدم تحقق شروطه، كإقتراب النار من الورقة شرط لإحتراقها، أو لطبيعة الشيء وتكوينه، كامتناع صدور المُعجزات والخوارق الكونية على يد الإنسان حسب طبيعة تكوينه، وما أكد القرآن وقوعه، يُقتصر فيه على مورده". فالإنسان بطبيعته لا يُمكنه التصرف بالكون خارج نظامه القانوني، وهي قوانين ذاتية، وليست خارجية، وتختلف ذاتها عن الإرادة البشرية. فإرادة الإنسان ليست قانوناً كقانون العلية والسببية الذي هو ركيزة القوانين وترابطها الذاتي مثلاً.

هو ذا الغرباوي يستفز العقل السكوني والغيبي "المُستقيل" ليكشف عن عوراته وهناته الضامرة في طبيعة وجوده.

إنني فرح في التحاور والصداقة مع عقل "إشكالي" مثل عقل "ماجد الغرباوي"، وهو إضافة معرفية ليَ ولكل من يبتغي الخلاص من بديهيات العقل التقديسي والطقوسي.

في حواراته المنشورة في صحيفة "المثقف" تجاوز التابو، وإخترق "الخطوط الحمراء" و "الصفراء" فاختط بقلمه إن لم يكن بروحه بياضاً ينثره على بقايا الألم في عراقنا الملتهب بصرعات التمذهب، ليخترق شفق الصراع المذهبي وغلوّنا الراكس في غياهب عقلنا السكوني "المُستقيل"، سُنياً كان أم شيعياً، ليستنطق المسكوت عنه، كي يُخرجه أقحواناً في لوحة التشكيل الفسيفسائي العراقي، ليُعيد إنتاج الهوية الوطنية المفقودة في حواراتنا المتأزمة.  

 

د. علي المرهج  - استاذ فلسفة

جامعة المستنصرية - بغداد

.....................

للاطلاع على صفحة ماجد الغرباوي في المثقف

http://www.almothaqaf.com/k/majedalgharbawi

 

mutham aljanabi2تقديم عام: إن الغاية من سلسلة المقالات المتعلقة بتناول قضية (شخصيات وأفكار وقيم من التراث) التي اخصصها لتناول أفراد لهم أثرهم في تاريخ الفكر والروح والدولة،وأفكار وقيم مازالت فاعلة رغم عقمها أو خطأها، ترمي إلى وضعها ضمن سياق وجودهم التاريخي من جهة، وتحليل ما فيهم ضمن ثنائية السلطة – المثقف، والخير والشر، والجميل والقبيح من جهة أخرى. لاسيما وأن هذه العلاقات هي في الوقت نفسه إحدى المعضلات الكبرى للتاريخ الفعلي ووعي الذات القومي والثقافي. كما أنها باقية ما بقيت السلطة والدولة. وبالتالي يمكن النظر إليها باعتبارها "قضايا أبدية" ما لم يرتق الروح إلى مصاف الأبد، أي ما لم يجري تذليل مراحل الوجود الطبيعي للبشر والوعي ومؤسسات وجودهم التاريخي. وهو الخلاف الجوهري بين ثقافة الأشباح والأرواح، أي كل ما يمكننا رؤيته أيضا في سعة وانتشار ثقافة الارتزاق المعاصرة، وكثرة "المفكرين" الجهلة للسلطات والأحزاب، وتحويل الخير إلى شر وبالعكس، وجعل القبيح جميلا وبالعكس. بعبارة أخرى، ان المهمة الأساسية من وراء هذه المقالات الصغيرة هو شحذ الرؤية النقدية في الموقف مخ التراث وتنقيته من زيف "القداسة" وما شابه ذلك من تخريف للعقل وحشوه بخزعبلات التدين المزيف والإرادة المخذولة. أما الغاية النهائية فتقوم في بلورة الوعي النقدي والعقلاني من الماضي والمستقبل بما يخدم صنع الإجماع العلمي المحكوم بالنزعة الواقعية والعقلانية والإنسانية.

***

عبد الرحمن بن عوف

توفي عبد الرحمن بن عوف عام32- 33 للهجرة. اسلم بعد أن بلغ الثلاثين من العمر. وعادة ما يجري إدراجه ضمن أوائل المسلمين. وليس مصادفة أن يدخل ضمن ما يسمى بالعشرة المبشرين بالجنة. وهي العبارة التي تكشف عن قيمة واثر أولئك الذين كان إسلامهم دخولا في عالم مجهول. وبالتالي لم يكن التبشير بالجنة سوى الضوء الساطع في نهاية "الغيب" الذي قدمه الإسلام آنذاك.

كان اسمه الأول عبد عمرو فغيرّه النبي محمد إلى عبد الرحمن. اسلم وهو كبير الثروة. وتعرض بأثر ذلك لمضايقات قريش وأذاهم. واضطر للهجرة مرتين (الحبشة والمدينة). تبرع بأمواله من اجل الإسلام. حيث تصدق مرة بأربعين ألف دينار وخمسمائة فرس! وعندما اضطر للهجرة إلى المدينة، فانه رفض مقاسمة الأنصار أموالهم. وكان طلبه الوحيد معرفة مكان السوق! إذ كان رجلا عمليا مولعا بالتجارة وماهرا بشروطها وأسرارها. عندها اخذ بتوسيع الثروة. وإليه تنسب العبارة القائلة:"لو رفعتن حجرا لوجدت تحته ذهبا!". وليس مصادفة أن يجمع ثروة هائلة بحيث نراه يوصي منها لأهل السبيل فقط بخمسين ألف دينار. وترك مما لم يوص به ألف بعير، وثلاثة ألف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع. بل ينقل عنه انه قال مرة عن نفسه "إني أخشى أن أكون قد هلكت! إني من أكثر قريش مالا". كما ينقل عنه بكاءه قبيل وفاته وقوله:"إن مصعب بن عمير كان خيرا مني ولم يكن له ما يكفن به. وان حمزة بن عبد المطلب كان خيرا مني لم نجد له كفنا. وإني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في الحياة الدنيا، وأخشى أن احتبس عن أصحابي بكثرة مالي".

وفي نفس الوقت كان متواضعا في سلوكه الحياتي، بحيث قيل عنه بأنه ما كان يعرف من بين عبيده بسبب تواضعه، كأنه مثل الرقيق يحمل كما يحملون، ويأكل كما يأكلون، ويسير كما يسيرون. وقد أثارت هذه الصفات المتضادة والمتعارضة في زمنه تعارض الآراء واختلافها حوله. لهذا قال بعض المسلمين عنه عندما تصّدق للمرة الأولى في المدينة بأربعة آلاف دينار:"إن عبد الرحمن لعظيم الرياء!". غير أن سلوكه هذا كان جزء من شخصيته الغريبة التي نعثر عليها أيضا في سلوكه الحياتي والسياسي والعقائدي.

فقد هاجر الهجرتين وشهد اغلب المعارك الأولى. ومن بين اكبر مآثره بهذا الصدد قتاله في معركة احد وإنقاذه النبي محمد وتعرضه إلى طعنات الحرب بحيث أصيب، كما يقال بأكثر من تسعين طعنة. وتعرض بأثر إحداها إلى شلل يده. بل أن كل ملامحه كانت تشير إلى اثر الحياة والمعارك من هتم وعسر وعرج! وبالقدر الذي كان يتصف باللين والنعومة، فانه كان شجاعا مقداما. وبالقدر الذي كان غنيا، فانه كان سخيا كريما. بحيث جعلت منه هذه الخصال، إضافة إلى كونه من أوائل المسلمين و"العشرة المبشرين بالجنة"، أن يدخل مجموعة الستة المكونين لهيئة الشورى.

لكن سلوكه الذي اتصف بالتخلي الشخصي عن الخلافة كان يحتوي على مؤامرة صغيرة في تسليمها لعثمان. إذ لم يخل هذا الموقف السياسي من رياء أخلاقي محكوم بالثروة وأثرها في بلورة المواقف العملية! خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما كان لهذا الفعل والموقف من اثر مباشر وغير مباشر في إثارة الحمية الأموية ونموها اللاحق، واندثار معالم الإسلام الأول. مع ما ترتب عليه من تحويل التضحيات الكبرى من اجل تحقيق المبادئ الاجتماعية والأخلاقية الكبرى للإسلام الأول إلى مجرد عبث وأنقاض لا قيمة لها.

إن حياة وممات عبد الرحمن بن عوف وأثره اللاحق، تكشف عما في الشخصية الإنسانية من تناقض يصعب حده أحيانا بمعايير المنطق، لكنها تبرهن في الوقت نفسه، بان حقيقتها لا تقوم في سماء اللاهوت أيا كان مصدره وشكله ومستواه، بل في قاع الضمير الأخلاقي والسياسي للأمم. الأمر الذي أبقى عليه واحدا من "عشرة مبشرين بالجنة" إلى جانب ملايين أو مليارات يمكنهم التعويل عليها، لكنه اضمحل وتلاشى من الذاكرة الحية لجنان الروح الإنساني ومغامرات البحث عن العدل والنظام الأمثل.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ibrahim msharaإذا شيعوني يوم تقضى منيتي

وقالوا أراح الله ذاك المعذبا

 

فلا تحملوني صامتين إلى الثرى

فإني أخاف اللحد أن يتهيبـــــــا

 

وغنوا فإن الموت كأس شهية

ومازال يحلو أن يغنى ويشربا

 

ولا تذكروني بالبكاء وإنمــــــــــا

أعيدوا على سمعي القصيد فأطربا

وصية العقاد لمشيعي جثمانه

رحل العقاد الجبار في آذار من عام 1964 ومن عجائب الأقدار أن يكون يوم دفن جثمانه بمسقط رأسه أسوان هو يوم 13 مارس هل غلب الرقم 13 العقاد الذي تحدى مظاهر الشؤم ومنها الرقم 13 نذير الشؤم والنحس؟ العقاد الذي يعيش بعقل الناقد والممحص وبروح الاستعداد والمواجهة بارز حتى هذا الرقم لا مبارزة دونكشوت لطواحين الهواء لكن بفروسية أبي زيد الهلالي فسكن في البيت رقم 13 بشارع السلطان سليم بمصر الجديدة واختار يوم 13 لإعادة بناء بيته القديم بأسوان هل هزمه هذا الرقم ؟ كلا وإنما هي محض مصادفة.

يعلمنا العقاد كيف نحب الحياة ونتفاءل خيرا لا بالكلام بل بالفعل ومرة أخرى يتحدى الشؤم ممثلا في شخص ابن الرومي ذلك الشاعر المغبون الذي كان هو ذاته من أشد المتشائمين بالناس فما كتب عنه أحد إلا ونالته مصيبة حتى تحاشاه الكتاب جميعا لكن العقاد المعجب بالشاعر قرر أن ينصفه وأن يظهر فرادة هذا الشاعر الكبير وعبقريته في التصوير فكتب عنه كتابه الشهير "ابن الرومي حياته من شعره" ومرة أخرى تغالبه الأقدار ويدخل السجن بعد صدور الكتاب بسبب العيب في الذات الملكية وكلمته المدوية في مجلس الشعب آنذاك لما حاول الملك العبث بالدستور فقال :إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلد يخون الأمة ويعتدي على الدستور" فدخل السجن تسعة أشعر وكتب عن تجربة السجن كتابه "عالم السدود والقيود" .

وقال بعد خروجه من السجن وهو يزور قبر سعد زغلول

وكنتُ جَنينَ السِّجنِ تسعةَ أشهُرٍ

فهَأنَذَا في ساحةِ الخُلْدِ أُولَدُ

 

وفي كلِّ يومٍ يُولَدُ المرءُ ذُو الحِجَى

وفي كلِّ يومٍ ذُو الجَهَالةِ يُلحد

 

عداتي وصحبي لا اختلاف عليهم

سيعهدني كل كما كان يعهد

وفي دخوله السجن رأى كثيرون أنه شؤم ابن الرومي حل به لكن العقاد في تجربة السجن بالذات يبين دور المثقف في الدفاع عن القيم : العدالة، الحرية ، المساواة ، القانون فوق الجميع بمن فيهم الملك ولو اقتضى الأمر السجن والتشريد فكم هم المثقفون العرب اليوم الذين يجأرون بالحق في وجوه الفساد والاستبداد؟ لا يعني هذا مطلقا إنكار وجودهم لكن الإشارة إلى قلتهم.

ومرة أخرى يجأر الكاتب برأيه مدافعا عن طه حسين لما أصدر كتابه الشهير" في الشعر الجاهلي" والذي أدى إلى محاكمته وفصله عن عمله وتهديده في حياته يدافع العقاد عن حق طه حسين في التعبير وحريته في التفكير على الرغم من الخلاف الشديد بينهما ويثبت أن المثقف دائما في ساحة المعركة نصيرا للعدل والحرية والمساواة.

الجهر بالرأي سمة الكاتب المفكر ولو كان يؤمن به لوحده ففي محاربته لتيار الشعر الحديث قام متمسكا برأيه يقارع الخصوم بالكلمة المكتوبة والمنطوقة وبالقرار وحين كان مقررا للجنة الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب كان يحيل قصائد الشعراء الشباب على لجنة النثر للاختصاص مقررا أن ما يكتبونه هو نثر لا شعر وهاجمه وتهكم منه من تهكم ولكنه صمد في موقفه وأمضى قراره والمحصلة أن المثقف يجهر برأيه ولا يبالي رضي من رضي وغضب من غضب فقد كان بإمكان الكاتب أن يحابي ويداجي على حساب قناعاته ويربح هذه الفئة الشبابية الجديدة ويريح نفسه من وجع الدماغ لكنه كعهده مدافعا عن مثله العليا وقيمه الأخلاقية وقناعاته الفكرية.

الدفاع عن الفكرة التي يؤمن بها ديدن الكاتب فقد كتب كتابه عن هتلر في أوج صعود النازية حتى إنه لما دخلت جيوش هتلر إلى إفريقيا هرب العقاد إلى السودان إنقاذا لنفسه من جيوش هتلر ونفس الموقف اتخذه من الشيوعية فقد كان الفكر اليساري المتطرف منتشرا وبضاعته رائجة كذلك هاجم الشيوعية كتابة وحديثا وأصدر كتابه الشهير" أفيون الشعوب" رادا على الشيوعية بضاعتها حين اتخذت من الكلمة المشهورة لماركس" الدين أفيون الشعوب" فجعلها الكاتب هي أفيون الشعوب وشفع ذلك بكتاب تالي "لا شيوعية ولا استعمار".

لكن موقف العقاد من المرأة هو الجدير بالذكر فمن المعروف عن العقاد أنه كون رأيا عن المرأة اختص به لوحده ونشره في مؤلفات عديدة أشهرها" المرأة في القران الكريم "و"هذه الشجرة" في الوقت الذي كانت فيه الجمعيات النسوية رائجة في الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل وفي حرية التصرف وكان المثقفون يكتبون متحمسين مناصرين جهر الكاتب مرة أخرى برأيه فكتب أن مملكة المرأة بيتها وأن الطبيعة قائمة على مبدأ الاختلاف وأن الرجل لا يمكنه أن يقوم بدور المرأة والعكس صحيح مسؤولية المرأة في البيت في التربية للجيل الناشئ ومسؤولية الرجل خارجه في العمل ولم يخف إعجابه بدعوة قاسم أمين من أجل تعليم وتربية المرأة. موقف دقيق خاف الكثيرون من الجهر به خوفا من تبعاته لكن العقاد جأر به مرة أخرى.

بل أعلن العقاد الشاعر أراء صادمة عن المرأة من نوع( تخون وتخدع وتنسى في لحظة واحدة عشرات السنين).وأوصى الرجل:

خل الملام فليس يثنيها

حب الخداع طبيعة فيها

 

هو سرها وطلاء زينتها

وطبيعة في النفس تحييها

 

وسلاحها فيما تكيد به

من يصطفيها أو يعاديها

 

وهو انتقام الضعف ينفذها

من طول ذل بات يشقيها

 

أنت الملوم إذا أردت لها

ما لم يرده قضاء باريها

 

خنها ولا تخلص لها أبدا

تخلص إلى أغلى غواليها

وسواء أكان رأي العقاد هذا رأيا علميا دقيقا أم تحت تأثير هزيمته في حلبة الحب فهو يشكل إثباتا لقولنا أن الكاتب يعلن آراءه لا يبالي ولا يداهن.

في قضية المرأة بالذات قال العقاد في مقالاته وفي صالونه أن المرأة لا تنافس الرجل لا في مواهبه و ولا في قدراته ودلل على ذلك بشواهد عديدة الرثاء ، الطبخ، الأزياء فإذا كانت هذه الأشياء من اختصاص المرأة فإن الرجل بذها فيها مستشهدا برثاء أبي العلاء بالقياس إلى رثاء الخنساء ومصممي الأزياء وكبار الطهاة الذين هم رجال وليسو نساء.

ما زال العقاد يعلن أراءه المناقضة لما يؤمن به الناس ويتكالب عليه المثقفون من غير مداهنة ومرة أخرى حين أعلن موقفه من المذاهب الحديثة الفكرية والفنية فتهكم من الوجودية ومن سارتر وعبد الرحمن بدوي ومن مسرح اللامعقول ومن السريالية والدادية والتكعيبية ورأى أنها مذاهب هدامة نذير انحطاط ونهاية. فالفنان يعقل الأشياء وينظم الفوضى ولا يزيدها غموضا إلى غموض وفوضى إلى فوضى وهذا كله تحت تأثير النزعة العقلية التي يتسم بها فكره فهو منطقي وعقلاني حتى في شعره.

رفض العقاد المذاهب الشمولية وحاربها لا نتهاكها الحرية الإنسانية مؤمنا أشد الإيمان بخصوصية الفرد وفرادة الكائن البشري كما رأى أن العظماء لازمون للتاريخ في صناعته كما أنصف من اعتقد أن ضيما لحق به من هنا كانت كتاباته الإسلامية عن عظماء الإسلام بدء بمحمد عليه السلام وخالد وأبي بكر وعثمان وعمر وعمرو بن العاص وانتهاء بعظماء العالم كبنيامين فرانكلين وصن يات صن وغاندي وشكسبير وجوته وغيرهم .

إنما تجدر الإشارة إلى المنهج الفريد الذي اتبعه فهو منهج لا يهتم بالسرد التاريخي النمطي بل منهج نفسي يغوص في أعماق المترجم له ويكتشف سره أو مفتاح الشخصية كما أسماه مستثمرا تلك الكتابات التاريخية عنه في إضاءة جوانب شخصيته ودهاليز نفسه ناخلا تلك المعطيات التاريخية مميزا بين الحب والزؤان.

وحتى إنه إيمانا بقناعاته الفكرية نصب نفسه مدافعا عن قيم الإسلام مبينا وهجه السماوي وألقه الإنساني ضد حملات التشويه من قبل مثقفي الغرب ورعاة الإمبريالية في مؤلفات دقيقة مثل "حقائق الإسلام وأباطيل خصومه" "ما يقال عن الإسلام".......

على أن أثمن قيمة للعقاد-رحمه الله- هي إعلاؤه من شان الفكر وهو صاحب كتاب "التفكير فريضة إسلامية " ولقد صرح لأماني ناشد قبل وفاته بشهرين في الحديث التلفزيوني الشهير بترتيب أنيس منصور إجابة عن سؤالها ماذا أضاف للثقافة العربية نثرا وشعرا وفكرا؟ فكانت إجابته أنه أولا حطم الألقاب وجعل التفكير قيمة مستقلة عن اللقب فالعقاد حامل الشهادة الابتدائية ناطح جبابرة الفكر وألف أكثر من ثمانين كتابا وخاض معارك أدبية وفكرية مع كل رجال الثقافة الحديثة وما وهن منه عظم أو تعب منه ساعد حتى قال عنه لويس عوض "صورة العقاد عندي لا تختلف عن صورة هرقل الجبار الذي يسحق بهراوته الأفاعي والتنانين والمردة وكل قوى الشر في العالم". إن هذا معناه أن الإنسان بجهده وكفاحه وإخلاصه يمكن أن يثقف نفسه وتكون له شخصية ثقافية دون الارتكاز على اللقب العلمي أو الاستناد إلى الشهادة الجامعية وليس معنى هذا بخس الجامعيين شهاداتهم وإنما التنديد بالاعتماد على اللقب وحده وجعله سلطة لا تطالها كلمة ولا يصلها نقد دون إضافة لميدان الفكر ولا دفاع عن حق مهضوم أو حرية غائبة إنما الاجترار والتيه على الناس باللقب والارتزاق منه في الصالونات والأحاديث التلفزيونية والإذاعية التي لا تعني شيئا كثيرا ونظرة على واقعنا المتأخر جدا والمتسم بالظلم والاستبداد والعبث بالمال العام والتخلف والنفاق والدجل والانتهازية ما ذا فعل حملة الشهادة لتغيير هذا الواقع فلو قاموا بدورهم التنويري والتثويري ما كنا في ذيل دول العالم من حيث الصناعة والنهضة والحداثة؟ وهذا لا بعني المس بنضال الكثيرين وبسالتهم وبلائهم الحسن في ميدان الكتاب والتنوير إنما الإشارة الضمنية إلى الحضيض الذي صرنا إليه بولوعنا بالشكل على حساب المضمون والتكالب على مائدة السلطة بشكل مريع.

إن مأساتنا تكمن في امتثال بعض المثقفين لأوامر السياسيين ومداهنتهم للجماهير وتحولهم إلى مرتزقة يجرون وراء ريع السلطة أو يتقون بطشها أو يكتفون باللقمة والتواطؤ بالصمت غير المبرر.

لقد طلق العقاد الوظيفة في سن الشباب وغامر مغامرة خطيرة في العيش من قلمه وكتاباته لكن قلمه لا يرائي ولا يداهن لا يمدح بل ينور يفضح ويعلم وعاش عيشة عفيفة قانعة زاهدة في رياش الدنيا التي قال قيها المعري الذي تخيله الكاتب بعث من قبره وساح في أوربا مبديا نظرته إلى العالم الحديث في كتابه البديع رجعة أبي العلاء :

ألا إنما الدنيا كجيفة ميت

وأصحابها مثل الكلاب النواهس

ومن الصعب على مثقف يكون هذا قراره أن يحتفظ بمسافة بينه وبين السلطة لا يطمع في عطاياها ولا هي تجرؤ على مساومته حتى كلمته أمام الرئيس جمال عبد الناصر في حفل تسليمه جائزة الدولة التقديرية شكر الشعب الذي أعطاه الجائزة ، ونسحب هذا الموقف على عصرنا ونقارنه بموقف الكثيرين من السلطة ومناصبها وقصور الثقافة وجوائز الأدب والثقافة. وتهافت الكثيرين عليها تهافت الفراش على النور.

ناهيك عن انفتاحه على الثقافة الغربية والإنسانية وتبحره فيهما بشكل أسطوري دون أن ينال ذلك من اعتزازه بعروبته ومصريته وإسلامه كما تدل على ذلك مؤلفاته الكثيرة في هذا المضمار.

وختاما لهذا المقال الذي كتب من وحي الذاكرة دون الرجوع إلى مرجع لبيان تأثير الكاتب في كاتب المقال لأكثر من ثلاثين عاما إن ضرورة الوفاء لروح العقاد تقتضي نقد العقاد ذاته فلئن كان موقفه من الشعر الحديث فيه شطط ومغالاة ولقد تنبأ بأن حركته ميتة فلقد رأينا ازدهار سوقه وعدم موته لكن الحركة بشروط السياب وعبد الصبور ودنقل وغيرهم لا بتسيب الكثيرين ، كما أن موقفه من المرأة صادم خصوصا في وسمها بميسم الخداع والخيانة وأعترف بان هذا الموقف العقادي شكل زلزالا فكريا ونفسيا.

كما أن في موقفه من الفنون التشكيلية وحملته على المذاهب الحديثة كالسريالية والتكعيبية فيه مبالغة كبيرة فالفنان لا يحاكي الطبيعة بل يعدلها وفق رؤيته ومزاجه ومنظوره العقلي والنفسي أوليس الفن رؤيا ذاتية خاصة جدا.؟

وفي حملته على الإخوان شدة غير مبررة وتجاوز غريب ومن مظاهر ذلك دعواه أن حسن البنا يهودي مستدلا على مهنة جدا بيهوديته فمتى كانت المهنة دالة على الأصل؟ ألا يوجد في الوفد الذي انتمى إليه العقاد الشطط والانحراف أو في حزب الأحرار الدستوريين الذي انتمى إليه غريمه طه حسين ونخبة من مثقفي مصر كعدلي يكن مؤسس الحزب ولطفي السيد النخبوية الزائدة عن اللزوم؟

في المتنبي شيء من نفس العقاد وفي العقاد شيء من نفس المتنبي على الرغم من أن بين عصريهما أكثر من ألف عام وأعني القوة النفسية والخصوصية الفردية في أرقى تجلياتها في طماحها إلى الذرى حتى وحدهما الألم إذ قال المتنبي:

يا سَاقِيَيَّ أخَمْرٌ في كُؤوسكُما ** أمْ في كُؤوسِكُمَا هَمٌّ وَتَسهيدُ؟

أصَخْرَةٌ أنَا، ما لي لا تُحَرّكُني ** هَذِي المُدامُ وَلا هَذي الأغَارِيدُ

إذا أرَدْتُ كُمَيْتَ اللّوْنِ صَافِيَةً ** وَجَدْتُهَا وَحَبيبُ النّفسِ مَفقُودُ

ماذا لَقيتُ منَ الدّنْيَا وَأعْجَبُه ** أني بمَا أنَا شاكٍ مِنْهُ مَحْسُودُ

وقال العقاد:

حيران حيران لانجم السماء ولا

معالم الأرض في الغماء تهديني

 

يقظان يقظان لاطيب الرقاد يدا

نيني، ولا سحر السُّمَّار يلهيني

 

غصان غصان لا الأوجاع تبليني

ولا الكوارث والأشجان تبكيني

 

أسوان أسوان لاطب الأساة ولا

سحر الرقاة من اللأواء يشفيني

 

سأمان سأمان لاصفو الحياة ولا

عجائب القدر المكنون تعنيني

 

أصاحب الدهر لا قلب فيسعدني

على الزمان، ولا خِل فيأسوني

 

يديك فامح ضنى يا موت في كبدي

فلست تمحوه إلا حين تمحوني

وعلى الرغم من عدم استساغة الكثيرين لشعره واعتباره عمارة منطقية إلا أن في كثير من قصائد العقاد غنائية شجية وتجديد لا يجحد في دواوينه الكثيرة "يقظة الفجر" "وهج الظهيرة" "أعاصير مغرب" و"أشجان الليل" و"عابر سبيل "أوليس هو القائل:

والشعر من نفس الرحمن مقتبس

والشاعر الفذ بين الناس رحمن

وفي كلمة (رحمن) التي ليست من مستلزمات التقفية يبوح العقاد بسره وأعني ربوبية الإنسان الصغرى الشاعر، المتفرد ، العبقري التي هي جزء من ربوبية الله الكبرى ألم يخلق الله آدم على صورته؟ فاعجب لبعض مثقفي اليوم وقد ابتذلهم رغيف الخبز وأرهبتهم عصا العسكري ومسخهم التقليد ليعيشوا في شروط غير إنسانية وينتجوا فكرا مشوشا وأدبا ناقصا بالقياس إلى منتوج رجال التنوير الذين كان العقاد فارسهم الأول.

 

moamar habarجاء في كتاب: "عين مران: تاريخ منطقة" للأستاذ لخضر بغدادي، دار الكتاب العربي، الجزائر، الطبعة الأولى 2017، من 113 صفحة، وعبر الفصل الثالث وتحت عنوان: "الحياة العلمية للشيخ المولود البوشعيبي"[1]، صفحات 58-62:

ولد الشيخ المولود بن علي بن المولود بن محمد بن معمر بن البسكري بن أبي شعيب المعروف بالبوشعيبي رحمة الله عليه سنة 1838 بعرش المشايعة وتوفى سنة 1918 وهذه الرواية الأقرب إلى الصواب.

درس البوشعيبي مبادئ العلوم ببلده ثم رحل إلى جامع الزيتونة، فدرس عند جماعة من أكابر العلماء أمثال: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور شارح البردة والشيخ الصفاقصي والشيخ الحنفي والشيخ حسونة عباس الحنفي والشيخ عثمان شامخ والشيخ البشير زواوي مصحح المطبعة التونسية، والشيخ مصطفى بن طيب الحنفي والشيخ العربي المغربي الصالحي، بعدها سافر العالم البوشعيبي إلى مصر سنة 1867، فالتحق بالجامع الأزهر وتلقى العلم على جمهرة من العلماء أمثال: شيخ الإسلام محمد عليش والشيخ أحمد الرفاعي والشيخ عمر القسنطيني والشيخ عبد الوهاب قاضي الإسكندرية.

عند رجوعه من المشرق العربي أسّس الشيخ البوشعيبي زاويته بمنطقة المشايعة سنة 1872، فأصبحت منارة للعلم والمعرفة يقصدها الطلبة من كلّ فجّ، وتحدّث الشيخ الطيب المهاجي في كتابه: "أنفس الذخائر وأطيب المآثر" عن البوشعيبي قائلا: "كان الشيخ الڤندوز دائما يحدّثنا في الدرس وخارجه عن علوم البوشعيبي ومعارفه، ويذكر لنا اجتهاده في نفع الطلبة وحرصه على إفادتهم مع استغراقه الأوقات في تدريس الفنون المتنوعة فكانت رغبتنا تشتد في الرحلة إلى السماع منه والأخذ عنه وفعلا سافرت فيمن سافر إلى مدرسته بقبيلة صبيح التابعة لمقاطعة حكومة "تنس" ، وبعد تكبّد مشقة المشي راجلا التحقت بمدرسة هذا العالم الكبير الرفيع المقام، شيخ الأساتذة وأستاذ الجهابذة الحامل لواء الزعامة العلمية بالقطر الجزائري الشيخ المولود بن الحسين البوشعيبي التنسي ثم الجزائري، كان المقتدى به في العلم والمعارف، بينما تراه فقيها أصوليا، تراه لغويا نحويا بليغا أديبا جمع فأوعى، وبلغ في العلوم منقولها ومعقولها الغاية القصوى".

وقد عرف عن الشيخ أنّه كان زاهدا ورعا يحب المساكين ويعطف عليهم، أمّا الأغنياء وأصحاب الوظائف والألقاب الحكومية الرفيعة فكان يتحاشاهم، على الرغم من حرصهم على الجلوس معه ولو لحظة بين يديه.

تخرّج على يديه مجموعة من العلماء الأجلاء أمثال: الڤندوز والشيخ بغداد العطافي والحاج الطيب المهاجي والشيخ محمد بن عيسى والشيخ عبد القادر بن سعدية الذي انتقل إلى مليانة والشيخ عبد القادر بن حورة الذي كان مدرسا بمسجد أولاد مصطفى وتوفى سنة 1969 حسب رواية الشيخ سي الحاج أحمد حجان صاحب زاوية عين مران حاليا.

ولقد تأثّر الشيخ البوشعيبي بالمنهج التعليمي الأزهري بحيث عمل على تطبيقه في زاويته بعد تأسيسها.

توفى الشيخ رحمه الله سنة 1918 ودفن بمدرسته، ولم يترك مصنفات علمية لاشتغاله بالتدريس، وقد خلّف وراءه مجموعة من العلماء الذين حملوا مشعل رسالة العلم في القطر الجزائري.

 

.......................

[1] للزيادة طالع: الأستاذ قدور قطاوي لخضر: "الشيخ العلاّمة المولود الشعبي امتداد للمنهج الأزهري في حوض الشلف"، صفحات 143-164، ملتقى حواضر الشلف العلمية ، حاضرة مجاجة أنموذجا، 3-4 فيفري 2015، وزارة الشؤون الدينية، ولاية الشلف 2015، من 224 صفحة.

 

 

abdulelah alsauq3نام عن كأسه وعن أحبابِه    قبل أن ينقضي نهارُ شبابه‏

نام عن سكرة الحياة وقد جـــ فً شرابُ السلوان فى اكوابهْ

بسماتُ الرضى على شفتيه    وشتات الرؤى على أهدابهْ

وبنات الغروب تسكب فى    أذ نيه موجات عوده وربابهْ

يا بنات الغروب قد نفض الليـــ لُ على الكون حالكات نقابهْ

احملي الراحل الغريب وسيري   بالزغاريد سلوة لاغترابهْ

وادخلي هيكل الفنون وأهديه     سراجاً يضي فى محرابهْ

لستُ أنسى الناقوسَ لما نَعاهُ    والمصلّى يموج في أحبـارهْ‏

ورؤوس الرجال مطرقـة       والحزن ساجٍ مسربلٌ بوقارِهْ‏

حملوه في نعشه الأبيض اللون  وساروا كَتائـهٍ في قِفـاره‏

وحَدَوْهُ بكل لحنٍ شجـيٍّ       سرقته الآذان من أسـراره‏

إيه ألحانه وأنت حنـين        سال من روحه على أوتاره‏

رافقيه في أُفقِه فهو ظمآن     بعيدُ العهودِ عن قيثـارهْ‏

عمر ابو ريشة ديوانه ص 421

سلام رومايا الاعلامي المخضرم المهذب العلم السامق الشاهق، رحل الى السماء وغادرنا منتصف ليل الاربعاء السابع من فبروري 2018  بعد ان أمضى في المستشفى سبعة اشهر يصارع فيها المرض العضال بمعنوية عالية وارادة حياة قوية، سلام رومايا المناضل لنصف قرن من اجل السلام بين الشعوب والتعايش بين الملل والنحل واحترام الرأي الآخر بل والدفاع عنه، سلام رومايا الذي امضى نصف قرن من عمره النفيس  يناضل بقلبه ولسانه وقيثارته من اجل إعلام واع يتخندق مع الفقراء والديموقراطية يتخندق مع الداعين الى عراق خال من العملاء واللصوص والمخرفين ولكن بأسلوب هاديء رصين لايجرح بيد انه  يحرج، من يصدق انني دخلت على غوغل لكي اطلع على المراثي التي كتبها زملاؤه الاعلاميون عن رحيله المفجع فروعتني الخيبة، قليل من كتب عنه قليل من حزن على رحيله في زمان نحن فيه محتاجون الى مليون سلام رومايا، خابرت عددا من المثقفين والاعلاميين  فكانوا  يتكلمون معي عن غيابه كما لو كان حدثا اعتياديا،،، كما لو كان الاعلامي المربي المثابر سلام رومايا رجلا خامل الذكر رقما يمكن اختزاله في معادلة غذائية، فأوجعني قلبي وكنت اغلق الهاتف دون لياقة مع اولئك  واغمغم بكلمات حرى، ياناس يامشيغن ياعراق انه سلام رومايا صاحب مجلة القيثارة الشهيرة  ومعد ومقدم برنامج الزمن الجميل  الذي كان ينتظره المستمعون عربا وعراقيين بفارغ الصبر، يموت في الثانية عشرة من ليل الاربعاء 2018  دون مراث ودون  دموع  ودون وفاء لهذا الانسان الفنان لهذا الانسان الجميل وجها وعقلا وقلبا ولسانا، لم ترثه نقابة الصحفيين العراقيين لم ترثه الرئاسات الثلاث السيد عصام معصوم والسيد سليم الجبوري والسيد احمد العبادي، وربما لم يسمعوا به وبأمثاله فلاوقت لديهم يضيعونه معلا مع الاعلاميين المستقلين المغايرين ولاحاجة لهم بهؤلاء المغردين خارج السرب، بل  لم ترثه مؤسسة الاعلام العراقي الرسمية وفيها الاعلامي القدير احمد النعيمي الذي عاش في مشيغن ردحا من الزمن، عدت الى صحيفة الكاردينيا المحببة التي يشرف عليها الاستاذ الكبير جلال چـرمكا وهي  السباقة الى التقاط السوانح مع الأعلام فكانت ديباجة الاستاذ الفاضل كمال يلدو وانعم بها من ديباجة إذ تناولتْ ادق تفاصيل حياة الراحل الحميم سلام رومايا (قبل موت سلام رومايا) بحيث اصبحت  ديباجة الاستاذ الفاضل كمال يلدو المرجع شبه الفريد عن رومايا السلام، وقد بدأ الاستاذ يلدو  لقاءه مع الراحل الكبير سلام رومايا على هذا النحو (.. لأنـه أصيل، فقد بقى امينا لتلك الأرض التي روته من حنانها، ولناسها الخيرين ولكل ارثها الفني والثقافي، ولأنه هكذا فقد اختار لمجلته والتي ستصبح لاحقا توأم روحه، اسما من تأريخ وادي الرافدين العميق، الحضارة التي اخترعت اولى الآلات الموسيقية وقدمتها للبشرية على طبق من ذهب، العود، الطبلةـ الدف، الطبل والقيثارة.فمنذ 28 عاما وضع السيد سلام رومايا قدمه وخطى اولى الخطوات في طريق الأعلام والنشر، هذا الحقل الممتع والمتعب مستشهدا بعبرة قالها يوما الملاكم محمد عي كلاي:"هذا الذي لايملك الشجاعة الكافية لمواجهة التحديات والمخاطر، لن يقوى على تحقيق اي شئ في الحياة". كانت هذه رؤيته وهو يتلمس طريقه في بلاد الغربة التي قدم لها حديثا، بعد معاناة في الأنتظار، و والدا لأبناء مازالوا يافعين، وربما تسمى هذه الخطوة بالعرف العام – مغامرة – اكثر مما هي مشروع عمل،) . انتهى

http://algardenia.com/maqalat/8016-2013-12-26-17-35-43.html

عرفت الاستاذ سلام رومايا يوم نشر قبل عقد ونصف إخوانيات شعرية بين الشاعر الكبير خالد المقدسي وعبد الاله الصائغ في مجلته الراقية – القيثارة - وكانت عباراته عني توحي انه يعرفني وانه يكن لي تقديرا كبيرا  فطلبت هاتفه  فلم اوفق لكنني استطعت التواصل معه وتقديم الشكر لمبادرته الودودة وقد عمل خالد المقدسي ابو غادة على صناعة صداقة بين سلام رومايا وعبد الاله الصائغ ، وحين كنت اعمل في الملحقية الثقافية العراقية بواشنطن بفضل مباشر من البروف عبد ذياب العجيلي وزير التعليم العالي العراقي الاسبق سمعت بوفاة الاستاذ خالد المقدسي  ورفعت هاتفي وتواصلت مع المثقفين والمبدعين المتوفرين في مشيغن لعلي اعرف ردود الافعال لغياب هذا الطود الابداعي، حتى ان بعض من هاتفتهم  لم يستطع تحديد يوم وفاته واسباب الوفاة، وتسقطت الاخبار فلم اجد اهتماما يليق بغياب مبدع عراقي كبير، فبكيت على ضياع المبدعين العراقيين في الداخل وفي المهجر في الحياة وفي الممات، وخالد المقدسي رحمه الله صديق حبيب الى نفسي وقد استضافني في بيته وعرفني على السيدة زوجته وعلى ابنته عازفة العود المشهورة  الشابة غادة المقدسي فشعرت وانا ادخل بيتهم للوهلة الاولى بأنني واحد من هذه العائلة وحين تشكلت منظمة ادباء بلا حدود التي تكونت من دكتور قحطان المندوي والاستاذة اباء اسماعيل والدكتور جمال الغانم والاستاذ نشأت المندوي والاستاذ عاتي بركات والدكتور سمير المندوي والاستاذة غادة المقدسي وعبد الاله الصائغ انتخبت امينا عاما للمنظمة فكان  المحامي خالد المقدسي امينا عاما للشؤون القانونية .. عدت الى مشيغن وعملت على تكريم خالد المقدسي بالتعاون مع السيد رئيس المركز الثقافي العراقي في واشنطن والسيد القنصل العام العراقي في ديترويت وتشكلت لجنة تكريم خالد المقدسي من السادة : دكتور قحطان المندوي والاستاذة اباء اسماعيل والاستاذ سلام رومايا   وزوجة خالد المقدسي والاستاذة غادة المقدسي وحدث تصويت على رياسة لجنة التكريم فكانت الاصوات لصالح السيد سلام رومايا حتى ورقتي كنت كتبت فيها اسم سلام رومايا فقبل الاستاذ سلام رومايا المهمة بعد تردد كثير بينه كيف اكون رئيساً في لجنة تضم البروفسور الصائغ وينبغي ان يكون الصائغ هو الرئيس فنهضت وقبلته ورجوته قبول المهمة فوافق على مضض رحمه الله

خالد المقدسي، ومع انه رجل مسيحي فقد كتب اروع قصيدة في الامام الحسين بن علي بن ابي طالب رضوان الله عليهم  وجاء فيها :

أمن تذكُّر ركبانٍ بذي حَسَمِ         أهال دمعي اسقاماً على سقمي

أم مضَّني قرحُ الأجفان حاق بها     من وحشة النفس طاغوتٌ من الألم

في فتية آمنوا بالحق ليس له     من فديةٍ تفتديه دون بذْلِ دم

أسباطِ بيتِ رسولِ الله محتدهم   فخرُ البرايا وصرح العز والعِظَم

العيس تمضي بهم نشوى بحوزتها  خباً الى كربلاء الكرب والشجم

فما لروحي قد ضاقت بها كبدي   حرى تهيم على الأفلاك والسُدُم

وما لقلبي قد اودى به شجني    وهو العصيُّ على الأشجان والغمم

يا إبن بنت رسول الله ما نضبت    بي الفصاحة او عزت على قلمي

ولا تلكأ حرفٌ أنت مطلبُه       ولا بذكركَ أكدى بالقريض فمي

لكنَّ هول مصاب الطَّف صيَّرني     أكادُ من خرسٍ اغتصُّ بالكلم

هي الشهادةُ ياسبط الرسول فمٌ   يشق للدهرِفجرَالحقِّ في الظلم

حرٌ يدوِّي  على الأرضين  يُسمعُها    صوتَ العقيدة يُصْلِي الظلمَ بالحمم

نام الذين علت بالغدر  رايتُهُم      قِرارَ عينٍ وعينُ الله لم تنم

حتى اذا جدَّ وعدٌ حان موعدُه   وأنَّ يومَ قصاصٍ ساعر الضرم

تناثرت في الفلا اشلاؤهم جيفاً      كما تناثر عهن الشاة بالجلم

يا إبْنَ بنتِ رسولِ الله قد تركت     بنا الرزايا عقابيلاً من السَّقم

مازال شعبُ عراق الخير في نكد    وأرضه نهبة للطامع النَّهِم

وأهله بين مسحوقٍ ومرتحل     وهائمٍ في أقاصي الأرضِ والتخم

وواصبٍ لانصيبٌ في الدواء له   وساغبٍ من طواه غصَّ باللقم

ينوء ما بين سندانٍ ومطرقةٍ     وصرْحِ قهْرٍ بغيرِ السَّوْطِ لم يدم

له حصاران عبر البحر مجتلب   وآخر من نتاج الدار والرحم

متى متى يا ابا الأحرار يغمرنا      فجرُ المروءات بالخيرات والنعم

وينجلي ليلُ حقدٍ لا قرارَ له         فيكفر الناس بالطاغوت والصنم 

اضاءات بقلم خالد المقدسي

1/ رحم الله شرف الدين الصنهاجي البوصيري حين قال في بردته :

أمن تذكر جيران بذي سلم      مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

وهضاب ذي حسم هي آخر محط للحسين ع قبل دخول  كربلاء

2/ الشجم - الهلاك

3/ الغمم - جمع غمة وهي الحزن

4/ أغتصُ   - أضيقُ، والطف - الموضع الذي استشهد فيه الحسين ع وذووه .

5/ العهن - الصوف، والجلم -  مقص يقص به صوف الخراف .

الساغب - الجائع، والطوى - الجوع

خالد المقدسي ينهض من جديد

http://www.alnoor.se/article.asp?id=244324

كان سلام رومايا رئيس لجنة التكريم غاية في التهذيب والالتزام بالوقت والمهمات وحين ارسل  لنا المركز الثقافي بوساطة الاستاذ الفنان هيثم الدفاعي شهادات تكريم فضلا عن شهادات القنصلية العامة وقد اقترح الاستاذ سلام رومايا ان يكون توزيع الشهادات بيدي عبد الاله الصائغ وشهادات القنصلية العامة بيدي السيد القنصل العام المنهل الصافي وشهادات منظمة السلام العالمي بيدي رئيسها الدكتور كمال الساعدي وكان لرئيس اللجنة الاستاذ سلام رومايا ما اراد وكان الحضور كبيرا كما ونوعا بحيث اختنقت القاعة ولم تعد تسع كل المدعوين . اذن فانا اكتب مرثاة للراحل العزيز سلام رومايا عن معرفة كاملة ولسوف اقتبس من صديقه الاستاذ كمال يلدو عن صحيفة الكاردينيا حول قيثارة سلام رومايا :

لايخلو بيت  من بيوت الجالية في مدينة ديترويت الا ودخلته مجلة "القيثارة" هذه المجلة الراقية والتي تحتفل بمرور 28 عاما على ابصارها النور. بدأت بداية متواضعة لكنها رصينة، الطباعة كانت ابيض وأسود وبغلاف ملون، فيما تولى السيد سلام رومايا  الأشراف في كل ما يتعلق بمرافقها من تجميع المواد والأخبار والأعلانات والطباعة والتصفيف والتوزيع والبيع، حيث كان يقوم بها وحيدا، مع بعض المساعدات الموسمية. بدأت فكرة المشروع بعدما استفسر من بعض المقربين عن الطريقة لشراء ماكنة الطباعة، فكان له ذلك، فوضعها في (سرداب) البيت، وبعد مدة من الزمن نقلها ومكتبه الى بناية مطلة على الشارع الرئيسي في ديترويت (وود ورد) ما بين الميلين السادس والسابع حيث مركز سكن الجالية آنذاك، استمر هناك حتى العام 2000 حيث انتقلت المطبعة ومكتبها الى مدينة سترلنك هايتس وهو متواصل بالعمل من هناك.

طفولة سلام رومايا

يقول الاستاذ كمال يلدو: السيد سلام رومايا من مواليد خانقين التي عاش فيها حتى مرحلة الثالث متوسط، بسبب عمل والده هناك، ثم انتقلوا الى بغداد، فواصل دراسته في الأعدادية الشرقية التي تخرج منها العام 1963، التحق بعدها بكلية الزراعة وتخرج منها في العام 1968، سافر بعدها للسعودية حيث درّس في مدارسها لمدة سنتين، اضطرته ظروف عائلية قاهرة للعودة للعراق حيث اصيب والده بالعمى الكلي، فتوظف كمهندس زراعي ويتذكر احد المشاريع التي كان قد عمل بها وهو " مشروع الوحدة" بالقرب من الصويرة. مع بدء الحرب العراقية الأيرانية، وتحول البلد الى ثكنة عسكرية كبرى، تطبـق على صدور وعقول الناس، قررت الرحيل مع عائلتي وكانت وجهتنا الولايات المتحدة التي كنّا قد زرناها للسياحة عام 1978 وقد اقمت في القاهرة لفترة انجاز معاملات الهجرة، وحينما اتذكر تلك الأيام لا يغيب عن بالي مشهد الكنز الثمين الذي كنت احتفظ به وأحمله معي من بغداد، وأعني بذلك مكتبتي الموسيقية، وبلا مبالغة فقد كنت مستعدا للدخول بحرب مع اية جهة كانت من اجل سلامتها، فهذي روحي وحبي وأحلامي بأختصار، اما حينما ذكر خانقين في اطراف حديثه، فقد صاحبها بحسرة عميقة، مصاحبة لألم لما آلت اليه اوضاع المدينة وأهلها وما حل بنهر (الونــد) من انخفاض بمستوى المياه فيه وجفافه احيانا. انتهى

رحم الله الاعلامي الكبير والفنان الكبير والناشط الكبير سلام رومايا فقد تقاعس عن محنته الاعلاميون والمثقفون سوى عدد ضئيل كان يقوم بزورات بعد انتهاء اعباء العمل ولم يجد من يرافقه من الكواكب التي كان يعمل معها ويعمل من اجلها .

 

عبد الاله الصائغ استاذ تحليل النص المتمرس

....................

البوم الصور

اشارة : رفعنا الصور لمعرفتنا بالمواقع التي تكتفي بالديباجة فقط

لجنة تكريم خالد المقدسي الواقفون نشأت المندوي فسلام رومايا رئيس لجنة التكريم فغادة المقدسي فإباء اسماعيل والجالسون الاستاذة سامية التميمي فالسيدة زوجة خالد المقدسي  فعبد الاله الصائغ وتخلف عن الحضور الدكتور قحطان المندوي والصورة في بيت خالد المقدسي

مجلة القيثارة سنة 2001 ومقالة بقلم سلام رومايا عنوانها بين شاعرين اي بين خالد المقدسي وعبد الاله الصائغ

الاستاذة سامية التميمي والدكتوركمال الساعدي وغادة خالد المقدسي وعبد الاله الصائغ والمرحوم سلام رومايا رئيس لجنة التكريم ثم الدكتور قحطان المندوي ثم اباء اسماعيل وخلفها هيثم الدفاعي ثم الدكتور كمال الغانم

الواقفون دكتور كمال الساعدي ثم غادة المقدسي ثم ضيف كريم ثم الفنان هيثم الدفاعي ثم الأب حنا سولاقا راعي الكنيسة اللوثرية ثم سلام رومايا ثم الدكتور قحطان المندوي ثم اباء اسماعيل ثم ضيف كريم / الجالسون الاستاذة سامية التميمي ثم زوجة خالد المقدسي ثم عبد الاله الصائغ والصورة بعد الاحتفال الذي جرى برياسة الفقيد سلام رومايا

سامية التميمي زوجة خالد المقدسي نشات المندوي  المرحوم سلام رومايا ثم غادة المقدسي بعد اجتماع اللجنة برياسة الفقيد سلام رومايا

الاقرب للناظر المرحوم سلام رومايا ونشات المندوي والدكتور جمال الغانم والثلاثة في بيت الغانم بانتظار اكتمال العدد للاجتماع من اجل تكريم خالد المقدسي

الهيئة المؤسسة لمنظمة ادباء بلا حدود

سعادة القنصل العراقي العام المنهل الصافي يقدم شهادة التكريم لزوجة خالد المقدسي وابنة خالد المقدسي غادة المقدسي وفق توجيه المرحوم سلام رومايا

الدكتور كمال الساعدي رئيس منظمة السلام يقدم شهادة تكريم منظمته الى زوجة خالد المقدسي

عبد الاله الصائغ يقدم شهادة تكريم من منظمة ادباء بلا حدود والمركز الثقافي العراقي الى الموسيقارة غادة ابنة خالد المقدسي ويبدو الاستاذ هيثم الدفاعي نائبا عن رئيس المركز الثقافي العراقي

 

qasim husansalihقل عن عبد الكريم قاسم ما شئت .. قل عنه أنه شنّ حربا على الكورد، واستأثر بالسلطة وعادى قوى عروبية وتقدمية، واصطنع حزبا شيوعيا بديلا للحزب الشيوعي العراقي الذي عاداه رغم انه ناصره حتى في يوم الانقلاب عليه (8 شباط 1963). ولك ان تحمّله ايضا مأساة ما حصل لأفراد العائلة المالكة، وتصف حركته بأنها كانت انقلابا وضعت العراق على سكة الأنقلابات. ولك ايضا أن تتغاضى عن انصافه الفقراء واطلاقه سراح المسجونين السياسيين وعودة المنفيين وفي مقدمتهم الملا مصطفى البرزاني الذي استقبله اهل البصرة بالأهازيج .. لكنك، وحتى أبغض اعدائه، لا يمكنك أن تتهمه بالفساد والمحاصصة والطائفية والمحسوبية والمنسوبية.

والذي دعانا لكتابة هذا المقال هو:

لماذا تردت الأخلاق الآن مقارنة بزمانه، مع أن قادة النظام رجال دين، وان رسالة النبي محمد كانت اخلاقية بالدرجة الاساسية (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)؟ ولماذا لم تفرز مسيرة (15) سنة .. حاكما قدوة؟

كان عبد الكريم قاسم (قتل في 9 شباط 1963) يمثل انموذج الحاكم القدوة من حيث نزاهته، فالرجل عاش براتبه وما امتلك رصيدا في البنك،  وما كان له قصر او بيت لرئيس الجمهورية، بل كان ينام بغرفة في وزارة الدفاع .. ولهذا لم يجرؤ في زمانه وزير او وكيله او مدير عام على اختلاس او قبول رشوة او التحايل على مقاولة.وما كان اهله او اقرباؤه يحظون بامتيازات .. فشقيقه الأصغر، لطيف قاسم، كان نائب ضابط في الجيش العراقي، وبقي بتلك الرتبة طيلة مدة حكم أخيه عبد الكريم قاسم، اما حكّام العراق الآن فانهم يسكنون في قصور مرفهة ويتقاضون رواتب خيالية، لو جرى تخفيضها بنسبة 50% لوفرت للدولة (14 مليار دولار سنويا! .. وفقا للخبير الاقتصادي ابراهيم المشهداني.

وكان الفساد في زمن عبد الكريم قاسم يعدّ عارا، فيما تحول الآن الى شطارة، وصار العراق في زمن حكم قادة الأسلام السياسي ثالث افسد دولة في العالم واول افسد دولة في المنطقة. حتى المرجعية التي استظلوا بخيمتها ، تبرأت منهم ووصفتهم بـ(الحيتان واللصوص)، بعد ان أن تأكد لها أن المنهوب من ثروة العراق من وزراء ومسوؤلين كبار يعادل ميزانيات اربع دول عربية، وانهم خذلوا حتى أبناء طائفتهم وراحوا ينعمون بثروة الفقراء في عواصم العالم دون مساءلة، وبعد ان صارت على يقين أن رئيس الجمهورية ورئيس الوزرارء والوزراء يعينون ابناءهم وبناتهم مستشارين لديهم، لا ليقدموا خبرة هم اصلا لا يمتلكوها، بل ليحصل من هو في العشرين من عمره على راتب يعادل اضعاف راتب استاذ جامعي .. دكتور وبروفيسور .. بلغ الستين!

وكان اختيار الرجل (عبد الكريم قاسم) لوزراء حكومته يقوم على وفق معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة، واعتماده مبدأ وضع الرجل المناسب في المكان المناسب في اغلب اختياراته: ابراهيم كبة (اقتصاد)، محمد حديد (مالية) فيصل السامر (ارشاد) هديب الحاج حمود (زراعة) ناجي طالب(شؤون اجتماعية)، نزيهة الدليمي (بلديات) .. وهي اول وزيرة في تاريخ العراق، واختياره عقلا اكاديميا عبقريا لرئاسة جامعة بغداد هو الصابئي المندائي الدكتور عبد الجبار عبد الله، برغم معارضة كثيرين.

اما في زمن حكّام الأسلام السياسي فان معيار اختيار الوزراء كان الولاء للحزب والطائفة وان كان لا يمتلك خبرة.فوزارة العدل مثلا تسند الى منتم لكتلة طائفية وان لم يحمل مؤهلا علميا، ولا تسند لحامل دكتوراه في القانون الدولي حتى لو كان من الطائفة ذاتها .. لكونه مستقلا.

وكان العراق في زمانه .. دولة، فيما هو الآن صار دويلات، بل ان كل وزارة في الحكومة هي دويلة لهذا المكون السياسي او ذاك.وكان عبد الكريم محبّا للعراق ومنتميا له فقط، ولهذا كانت المواطنة، بوصفها قيمة اخلاقية، شائعة في زمنه بين العراقيين، فيما انهارت بزمن الطائفيين، وصار الناس يغّلبون الانتماء الى الطائفة والقومية والعشيرة على الانتماء للوطن .. وتلك اهم وأخطر قيمة اخلاقية خسرها العراقيون في زمن المحاصصين وسرّاق المال العام.

ويكفي عبد الكريم قاسم ان العراقيين منحوه لقب (ابو الفقراء) وأنه سيبقى يحتل قلوبهم لنصف قرن آخر لأنه كان حاكما قدوة، فيما حكّام الخضراء وقادة احزاب الأسلام السياسي سيلعنهم العراقيون ويخلدهم التاريخ  بأهزوجة (نواب الشعب كلهم حرامية).

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

يعد المؤرخ زبير بلال اسماعيل (1938-1998)، احد اهم وابرز المؤرخين الكرد في النصف الثاني من القرن العشرين . وقد أسهم على نحو فاعل في تدوين تاريخ الكرد وكردستان طوال ثلاثين عاماً, وتمتاز مؤلفاته التاريخية بالموضوعية والحياد العلمي بعيدا عن الاهواء والتحيز والاراء المسبقة  ,

 وقد ألّف خلال حياته العلمية أكثر من عشرين كتابا قيما بين مطبوع ومخطوط، ونشر حوالي (250) دراسة تتناول تأريخ الكرد وكردستان على مر العصور، وتطور القضية الكردية، وتراجم لأبرزالعلماء الكرد الذين انجبتهم كردستان . وكان له حضور دائم في الحياة العلمية والثقافية الكردية . .

لقد كتب الكثير عن سيرة حياة الفقيد والاجواء العلمية التي نشأ فيها وملكته الذهنية التي اهلته لاحتلال مكانة مرموقة بين المؤرخين الكرد المعاصرين. 

زبير بلال اسماعيل أول مؤرخ كردي متخصص في التأريخ  القديم،  وقد أدرك أن تاريخ الكرد وكردستان القديم  لم يكتب بعد , لذا كرس حياته كلها في سبيل الاسهام في هذه المهمة النبيلة .  وقد لفت نظره خلال دراسنه للتاريخ القديم أن مدينة أربيل العريقة كانت مسرحا لأحداث عاصفة غيرت مجرى التاريخ في المنطقة ولكنها – اي مدينة أربيل- لم تحظ بعناية كبيرة من قبل المؤرخين المسلمين والمستشرقين الاجانب، ولم يكرس لتاريخها كتاب مستقل , صحيح ان ثمة بعض الكتب التي تحمل اسم (تاريخ أربيل) لعل أشهرها (تاريخ أربل) لأبن المستوفي – وهو سفر جليل, عظيم الشأن ولكنه ليس كتابا في التأريخ  كما يتبادر للذهن لأول وهلة , بل انه مكرس لتراجم العلماء والأدباء والشعراء الذين زاروا كردستان وخاصة مدينة أربيل في العهد الأتابكي . وقد أثار كتابه المعنون " أربيل في أدواره التأريخية " الصادر في النجف عام 1971 ضجة في الأوساط الثقافية العراقية . وكتبت جريدة " التآخي " البغدادية تقول : " ان هذا الكتاب موسوعة تأريخية عن أربيل وأنحائحا ينبغي على كل مثقف عراقي أن يقرأها " .

  تراجم أعلام الكرد

 أفرد المؤرخ الراحل دراسات معمقة لعدد كبير من العلماء والمؤرخين الكرد، مشيدا بهم أشادات رائعة .ولقد اراد بدراساته تلك، ان ينصفهم، وان يوفيهم حقهم من الثناء والاعجاب  كما أبتغى،  ان تتخذ الاجيال الكردية منهم المثال والقدوة الحسنة، فيترسموا خطواتهم ويمضوا على نهجهم , ولعلنا نتذكر كتابه الشهير ” ابن خلكان ” الذي صدر في بغداد  عام 1979 .وهذا الكتاب هو أول كتاب  لمؤرخ كردي عن هذا المؤرخ الكلاسيكي الشهير، حيث أثبت المؤرخ الراحل، في كتابه القيم  ان ابن خلكان- اربيلي المولد والنشأة وانه واسرته ينتسبون الى احدى القرى في منطقة أربيل .

أما كتابه "علماء ومدارس في أربيل " الصادر في عام 1984 والذي كرسه للحديث عن دور العلم في اربيل  وسيرة اهم علمائها ، فقد أصبح لاحقاً مصدراً مهما واساسيا لكل من كتب  شيئا عن علماء أربيل ودور العلم والعبادة فيها.

  كما ألف كتابا رائعا وممتعا عن أحد أبرز شيوخ الصوفية في كردستان  وهو " الشيخ جولي " وقد صدر الكتاب في اربيل عام  1989.

ولما كانت المصادر عن هذا الشيخ الصوفي الجليل شحيحة، ان لم تكن معدومة، فقد لجأ الفقيد الى تتبع آثار الشيخ جولي ميدانياً، واستقصاء المعلومات عنه في ثتايا مخطوطات المساجد وروايات أقارب الشيخ من المسنين وما يحتفظون به من مخطوطات ومستندات، مما له علاقة بالشيخ، وتتبع نسبه ومصادر ثقافته وتأثير مدرسته الصوفية وغير ذلك .

 ونتيجة لهذا الجهد الميداني الكبير تجمعت لديه معلومات وافية أصبحت محور كتابه عن الشيخ جولي وهو الكتاب الوحيد عن هذا الشيخ المشهور جداً في كردستان عموما وأربيل خصوصاً . والجامع الذي يحمل اسمه اليوم  يقع في قلب مدينة أربيل وكذلك الساحة المسماة بأسمه قرب هذا الجامع .

 وقد قامت وزارة الأوقاف في كردستان بأعادة طباعة ونشر هذا الكتاب في عام 2002

وكتب الأستاذ عدنان النقشبندي، وزير الأوقاف والشؤون الأسلامية  في حكومة اقليم كردستان آنذاك مقدمة قيمة لهذا الكتاب نقتطف منه ما يلي:

"حضرة الشيخ محمد ثناء الدين بن مصطفى بن الحاج عمر الأربيلي النقشبندي الشهير بـ(الشيخ جولي) الذي يدوي اسمه في أسماعنا كل حين، ويتبرك الناس بأعماله الصالحات ويؤمون الجامع المسمى بأسمه لأداء الفرائض أو احياء المناسبات، يعود الفضل في تقصي المعلومات المتناثرة عن حياة ومناقب الشيخ الجليل وأستجلاء حقائق حياته وسيرته الى المؤرخ الجليل زبير بلال اسماعيل، الذي قضى معظم سنوات حياته في البحث والتحقيق ليدون تأريخ مدينته وشعبه الكردي ."

كما قام إمام وخطيب مسجد "الشيخ جولي" الشيخ عمادالدين فائز عبدالله  بترجمة الكتاب الى اللغة الكردية وصدر الكتاب بحلة قشيبة قبل عدة أيام .

 ومن الدراسات المهمة التي نشرها الفقيد هي الدراسة  المكرسة لسيرة حياة وآثار العالم الكوردي الشهير" ابن ادم " المنشورة في مجلة المجمع العلمي الكردي،  التي كانت تصدر في بغداد في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.

أحتل سيرة العلماء الذين أنجبتهم أربيل مكانة مهمة ضمن أعماله العلمية، حيث يشير العديد من المؤرخين والكتاب الذين كتبوا عن سيرة ومؤلفات الراحل الجليل،  ان ثمة مؤلفا ضخما من ثلاثة اجزاء –ما يزال مخطوطا- يتناول سيرة المئات من اعلاام اربيل  من العلماء والمفكرين والادباء والشعراء والموسيقيين وغيرهم , ولعل  هذا المؤلف هو واحد من أكبر  وأهم مؤلفات مؤرخنا الذي ينتظر النشر. .

 وأهتم المؤرخ الكبيرأهتماما ملحوظاً بتاريخ الامارات الكردية وله كتاب مخطوط عن امارة الكرد الهذبانية انتهى من تاليفه في عام 1978، وينتطر النشر ضمن مؤلفاته الكاملة التي تنوي دار " التفسير " في أربيل إصدارها قريباً .

ومن اعماله المهمة، بحوثه المعمقة والمتعددة عن " امارة سوران " التي  تناول فيها بالدراسة والتحليل، نشأة الامارة السورانية وتطورها ونظام الحكم  والادارة فيها وعلاقاتها الخارجية وشخصية الامير المنصور محمد باشا الرواندوزي , ولابد من التنويه هنا ان الفقيد استطاع عن طريق البحث والتقصي العثور على وثائق أصيلة ومهمة عن أمارة سوران , وكان طريح الفراش عندما كتب دراسته المهمة الموسومة " امارة سوران، وثائق جديدة في نهوضها وسقوطها" التي نشرت عام 1998 في مجلة "زاكروس" الصادرة في أربيل .

واحتلت الحركة الكردية مساحة واسعة ضمن بحوثه ودراساته،  وكان أول من لاحظ الطابع القومي لثورة الشيخ عبد السلام البارزاني وثورات بارزان اللاحقة .وقد صدر كتابه ” ثورات بارزان”  في خريف عام 1998 اي قبل بضعة أشهر من وفاته، وهو أهم كتاب صدر لحد الآن عن هذه الثورات .

 وكتب الفقيد دراسة  مهمة عن الاهمية الستراتيجية لمصاصر والمثلث الحدودي بين ايران والعراق وتركيا والدور الذي لعبه في تاريخ الكرد والمنطقة، نشرت أجزاء منها في جريدة " خبات " عام 1997 .

  وكان مهتما بكل ما يتصل بالتراث الثقافي الكردي والهوية القومية للشعب الكردي وله كتاب فريد في بابه يحمل عنوان " تاريخ اللغة الكردية " حيث أثبت مستندا الى الشواهد التأريخية وخصائص اللغة الكردية بأن هذه اللغة الجميلة لغة عريقة ومستقلة عن اللغة الفارسية،وقد ترجم الكتاب الى بعض اللغات الأجنبية ...

ورغم انشغال المؤرخ الجليل بالبحوث التأريخية، الا أنه أولى اهتماما  بالحركة الثقافية الكردية المعاصرة،وكتب العديد من الدراسات والمقالات عن هذه الحركة نشرت في مجلة ” الثقافة  “ البغدادية وغيرها من الصحف والمجلات الصادرة باللغتين العربية والكوردية في السبعينات والثمانينات . .

ترك المؤرخ الراحل (14) كتابا مخطوطا نشر البعض منها بعد رحيله ومنها كتاب "الاكراد في كتب البلدانيين والرحالة المسلمين في العصور الوسطى " وكتاب " تأريخ اربيل " الصادر عن وزارة الثقافة في اقليم كردستان في عام 1999 وهو أهم وأشمل كتاب عن تأريخ هذه المدينة العريقة .

وقد عقدت وزارة الثقافة في الاقليم يوم 1999/2/25 ندوة علمية لتثمين وتقييم الكتاب  وتكريم ذكرى الفقيد وجهوده المثابرة لأحياء وتوثيق تاريخ الكرد وكردستان , وكانت هذه الندوة  هي الندوة الاولى من نوعها في كردستان وقد أهتمت  بها الاوساط  العلمية والثقافية  ونشرت تفاصيلها في وسائل الاعلام . وقد وصف السيد وزير الثقافة(انذاك) الكاتب والسياسي الراحل فلك الدين الكاكائي كتاب " تاريخ اربيل " بانه اهم كتاب عن تأريخ أربيل على الاطلاق، ودعا الى ترجمته الى اللغة الانكليزية واللغات الاخرى، لأهميته في تعريف الكرد وتاريخه العريق الى شعوب المنطقة والعالم , كما دعا خطباء آخرون في تلك الندوة الى تدريس هذا الكتاب  في مدارس ومعاهد الاقليم .وكان أحد الخطباء هو الشاعر الشهيد مهدي خوشناو، رئيس اتحاد الأدباء الكرد ونائب محافظ أربيل في تلك الفترة، ومما ذكره في كلمته المؤثرة : ” ان اسم  زبير بلال اسماعيل يقترن دائما باسم اربيل : فهما صنوان او تؤمان  لا يفترقان " .

والحق ان مؤرخنا الراحل  كان يعرف مدينة (أربيل) التي ولد وترعرع في قلعتها التأريخية،  معرفة عميقة وتفصيلية : يعرف تأريخها أفضل من أي مؤرخ آخر ويعرف دورها الكبير في صنع التاريخ وامجادها وبطولات ابناءها، والاسر الحاكمة فيها عبر التاريخ، ويعرف اعلامها ومعالمها الحضارية والثقافية،ويعرف احيائها وشوارعها وازقتها ودور العبادة فيها ومدارسها وخزائنها من الكتب والمخطوطات .

حظى الفقيد سواء خلال حياته أوبعد وفاته باهتمام بالغ من الاوساط العلمية والثقافية في كردستان، وتجلت مكانته  العلمية الرفيعة خلال فترة مرضه على وجه الخصوص ¸حيث كانت الوفود الرسمية والشعبية تتقاطرعلى بيته حيث يرقد مريضاً للأطمئنان على صحته كما زاره  أبرز رجال الفكر والثقافة في الأقليم  واحاطته باهتمام  قلما حظى بها مؤرخ كردي اخر .

وبعد رحليه نشرالعديد من المقالات التي تتحدث  عن سيرة حياته ونتاجه العلمي , كما قامت القنوات التلفزيونية بتغطية واسعة لنبأ رحيله وللحفل التأبيني الذي أقيم بمناسبة مرور اربعين يوما على وفاته .

الساحة الرئيسية في مدخل مدينة أربيل على الشارع المئوي تحمل اليوم اسم المؤرخ الجليل زبير بلال اسماعيل، الذي رحل عنا بجسده، لكنه سوف يظل حيا في قلب وضمير كل مثقف كردي شريف يدرك أهمية الدور الذي نهض به في احياء تأريخ أمته ووطنه .

 

د. زينب الجلبي

 

 

jamal alatabiلم تكن السنوات التي أعقبت تموز58، ترقص بطوفان ضوء بهيج، ولم يكن الوطن متفائلاً، وتباشير أسى وملامح دماء تلوح في الأفق، وتلوثت الأيام بالصراعات السياسية والحزبية، مدينة الكاظمية شهدت حوادث عنف بعد أن كان أهلها يتقاسمون خبز الحياة، ويشرق في وجوههم الورد، حين يراقبون رفيف الحمام يحيط قبب الإمام الذهبية، وتستحم الطيور في برك صحنه الفسيح . والكاظمية مدينة تاريخ نسجته العصور، كانت بعيوننا الوطن الأجمل، وعنوان فتوتنا، وحكايات لاتأفل .

 في عام 1961 كنت طالباً في المرحلة الثالثة في متوسطة الفجر للبنين التي تشغل إحدى دور منطقة النواب في الكاظمية، وتسمية الحي تُنسب لعائلة مظفر النواب المعروفة بثرائها المالي وإمتلاكها للاراضي والعقارات منذ مطلع القرن الماضي، كنا نرقب القادم من بعيد متلفعاً بمعطف أسود سميك بلون شاربه الكثيف، تنوء يده بحزمة كتب ومجلات وصحف، قامة ممشوقة بإنحناء خفيف دليل تواضع، تؤجج فينا السؤال عن المدرس القادم بخطاه الوئيدة التي تخبيء أسراراً، وتبارك الأرض التي يمشي عليها، تلك النشوة السحرية هي الصورة التي إمتلكت حواسنا، ستظل البداية معلقة برؤية ذلك الوجه البرونزي بتدويرة تشبه رغيف الحياة، وعينين تلتمعان بالضوء كأنهما نبع من البلّور، صار إسمه طعم أيامنا المقبلات، وشِعرُه ملحاً بأفواهنا، انه المدرّس مظفر النواب .

 ليس من شك انني كنت أحتكم لعاطفة تلميذ في بداية مراهقته، وليس من اليسر تعميمها على طلبة آخرين، لكنني كنت منصتاً لصوت الإنبهار الداخلي في نموذج المعلم الذي لم أجد شبيهاً له في مراحل دراستي الأولى ولا اللاحقة، أراقب هذا القدر المتميز من الوقار الذي تحمله شخصية النواب، ويخالجني شعور ان هناك من يشاركني هذا الفرح السري الذي يتكور ويتلوى كالموجة الملوّنة في صدري، ومن هناك بدأت البوادر الأولى بالإعجاب الذي بدأت مساحته تتسع مع الزمن وتطورت لغته خلال الدرس .تلك المرحلة شهدت نشر قصيدة (الريل وحمد) في مجلة المثقف التي تصدرها جمعية الخريجين العراقيين، وتبعتها قصائد أخرى في جريدة الإنسانية لصاحبها الشاعر كاظم السماوي وجريدة الحضارة لصاحبها محمد حسن الصوري، وتخطيطات وبورتريهات في مجلة 14 تموز للمحامية نعيمة الوكيل .

 كان الطلبة يتحلقون حوله أثناء الدرس وخارجه، ويأوون إليه في ساعات مترعة بالحب والمعرفة، فيظفرون بجوهرة جمال الروح واللسان، وهم يتنافسون لإقتناص لحظة الإنتشاء الروحي بحديث يجمع مفردات المنهج واللغة والشعر والأدب، وذاكرة نادرة بالكشف حد إنارة الأعماق . قاعة الدرس بوجوده تتحول الى فردوس، وهو بوداعة طفل، يدخل منهلاً كغيمة ربيعية ترحل للتوّ من بحار الصيف الرمادية، يحكي عن طفولته، وأسرته، عن أمّه المتعلمة التي درست اللغة الفرنسية، وتجيد العزف على البيانو الذي كان في بيت والدها، يروي بإعجاب سيرة حياة عبد المجيد (والده) الذي يعزف على آلة العود ويغني في الجلسات العائلية، و(نوفه) التي علمته قراءة القرآن، وحمدي التكريتي المعلم الذي أيقظ فيه أول قدحة شعرية في مرحلة الدراسة الإبتدائية، في متوسطة الفجر عرفنا من هو (حِرز) و(صويحب)، وسمعنا بصوته (الريل وحمد)، ولأول مرة نعرف من (حافظ الدروبي) الرائد التشكيلي العراقي الذي إكتشف موهبة النواب في التلوين عندما كان طالباً في كلية الآداب، في الدرس كان مظفر يستعيد الينابيع والروافد، يعرض بعفوية بانورما (شريعة النواب) إذ تطلّ دار عائلته على نهر دجلة من جهة الكرخ، كانت منزله ومنزل آبائه وأجداده، وصالونه الأدبي الذي يستقبل فيه جمهرة من الكتّاب والمثقفين والسياسيين، ويستقبل بحنان ورعاية خاصة تلامذته، الذين نهلوا من معرفته ومكتبته المشرعة أمامهم بسخاء .

أمام هذه الدار تمتد شريعة النواب، نسبة إلى العائلة التي عُرفت بمجد سمعتها وشهرتها الواسعة، وشريعة النواب كانت مترفة بالزوارق المحملة بالبضائع والخضار والفواكه، ولتعلق أهل بغداد بسحر جمالها، غنّوا لها بأغانيهم الفولكلورية وصاغوا لها الألحان التي ماتزال يرددها المغنون .

بشريعة النواب يسبح حبيبي

وبجاه خضر الياس هذا نصيبي

في الصباحات يغتسل الندى برمل الشريعة، وفي الليل تشتعل جذوة الموج عند الصخر التي تتطهر بالماء، فمن هنا مرّ المغول والتتر الغزاة، والشريعة لا تنحني لحشود الريح الصفراء، فظلت عالية الصرح .

 وذكريات مظفر عن الشريعة تقترن بحادث غرق كاد أن يودي بحياته وهو طفل صغير، فكانت الشريعة لمظفر المهد والرمز، وإرجوحة الهوى، لاتختفي من خريطة الدنيا، وإن فُقد الوطن .يدخل مظفر المجهول في التجارب الفكرية والأدبية، ويعود للمنابت الأولى في التراث والحضارة، يضيف ويبدع، وينفذ إلى أعماق تلامذته المتميزين، مكتشفاً مواهبهم ومهاراتهم الغضّة في التفكير والكتابة، بقدر من الحب والوداد الصافي، فترك أثره الإنساني الذي لا يمحى فيهم، فكانت فيما بعد أسماءً كبيرة ومهمة في فضاء الإبداع العراقي وحياتنا الثقافية، وهم الأصدقاء : الكاتب الروائي أحمد خلف، الشاعر حميد الخاقاني، والقاص الراحل نصر محمد راغب، الكاتب رياض رمزي .

  في تلك المرحلة من تاريخ العراق، منحنا إيقاع الحياة إستجابة متواضعة في الوعي للتعبير عن حالة الإستثناء التي نعيشها، شيء من ثمار التجارب نقرأ رموزها ممثلة بعيون جيل من التربويين الرواد، مدير المتوسطة (علي عبد الحميد) طراز من المربين الذين تنبغي دراسة حياتهم الحافلة بالوطنية، كنماذج راقية علماً وأدباً وإخلاصاً ومسؤولية، ومثله كان (علي السهيل) القاص والمترجم، ومدرس الإنكليزية علي اللقماني، وغانم حمدون، ونجيب محيي الدين، ومتي الشيخ، ومحمد علي سبع،ومظفر البشير، وعبد الأمير الورد، وعبد الرضا صادق . أسماء تمتد في الزمان والمكان، وعلامات في تاريخنا التعليمي، بحضورها المتميز لجيل واهب من المدرسين .

 متوسطة الفجر كانت نفحة من عطر وحلم، نتعلق فيها، وأنفاسنا مبهورة بتلك الوجوه الباذخة الوسامة، لوجود (سعدي الحديثي) وقع خاص، مدرس الرسم، الملازم لصديقه مظفر النواب، الذي يغرينا دائماً بالتطلع إلى أناقته، قامة كغصن طري، وجه أشبه بالممثل ألان ديلون أيام شبابه، طالما يتمثله الشباب في كل ماتتسم به شخصيته، نتلقى من سعدي دروساً في الرسم صباحاً، ويمسي طالباً في كلية الآداب يدرس في قسم اللغة الإنكليزية، يدور الزمن كدورة نواعير حديثة الحزينة، ليجد سعدي نفسه شريكاً لمظفر في زنزانة واحدة من سجون الدكتاتورية والإستبداد، وكانا معاً يتقاسمان عمق اللوعة حين إفتقدا الأمل والحلم، لينطلقا بصوتيهما يتدفقان حزناً عبر نوافذ الأسرنحو الصحراء الحادة المزاج .

  حين تصاعدت فتاوى القتل، وهجر القمر حدائق المدينة حمل مظفرالنواب الشاعرالثائر بندقيته، يوم جُزّت فيه ضفائر العراق بسكاكين شرسة، وحاصرته سيوف الجلادين، كانت بناية إعدادية الكاظمية للبنين الحصن الذي لم يحم اؤلئك الذين تخندقوا فيه يقاومون إنقلابيي شباط عام 1963، كانوا بضعة مجاميع لن يأتيهم الغيث، فضاعت أصواتهم كالصدى في الريح، وصاروا وليمة سخية للقتلة، نجا مظفر بنفسه، وهو يردد (أحّاه شوسع جرحك مايلمّه الثار) ووراءه مواويل نوارسه المحاصرة في الدروب النازفة دماً . إذ لا مفرّ للبلاد أن تعيش في (عرسها) الجديد .

   في الطريق الوعر إلى إيران، كانت رحلته في منتهى الإثارة، إذ حاول عبور الحدود الإيرانية – الروسية، الإ ان سلطات الشاه الأمنية (السافاك) تمكنت من القبض عليه، وأعادت تسليمه إلى الأمن العراقي، ليلقى صنوف التعذيب الوحشي، وأحكاماً ثقيلة في السجن، وفي ديوانه الشعري (وتريات ليلية) إشارات عديدة لرحلة العناء والعذاب .

 أخيراً يبقى مظفر النواب منيراً في ذاته، مغروساً في حدائق الحياة، أحتفي به بباقة من زهور الوفاء والمحبة والإكبار بين يديه .

 

جمال العتابي

 

ali almirhigولد خير الدين باشا التونسي في قرية من قرى القوقاز عام 1820م، وبعد وفاة والده بيع في سوق العبيد، وإنتهى به المطاف إلى قصر باي تونس أحمد شا الذي قربه  وكرمه ودفع به للتعليم.

في عام 1849م عين أميراً للواء الخيالة لجدارته العسكرية.

في عام 1861م عين رئيساً لمجلس الشورى، فسعى لمحاربة الفساد وتقليل الظلم ولكنه لم يستطع الاستمرار بسبب كثرة الفساد المستشري بين المسؤولين.

في عام 1867م ألف كتابه الذي سجل فيه رؤيته النهضوية والإصلاحية.

في عام 1871م كلفه الباي بمهمة توثيق الصلة بين تونس والدولة العثمانية.

في العام 1873م كلفه الباي بمنصب الوزير الأكبر (رئيس الوزراء) ودامت مدة وزارته أربع سنوات.

في عام 1878م هاجر إلى أستنبول بسبب الوشاة، فمنحه السلطان عبد الحميد منصب (الصدر الأعظم) لكنه لم يستمر به سوى سنة واحدة بسبب اخفاقه في إقناع السلطان عبد الحميد بالإصلاحات الإدارية والتنظيمية. ومن ثم أصبح عضواً في مجلس الأعيان إلى أن وافته المنية في تركيا عام 1890م.

عبر رحلاته المتعددة إلى البلدان الأوربية وبدعم من "ولي النعم" الباي محمد الصادق  (ت 1882 ) سجل لنا خير الدين التونسي هذه الرحلات وإنطباعاته عن حضارة الشعوب الأوربية في كتابه (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) الذي نشره في عام 1867 وكان هذا الكتاب صورة من صور التثاقف التي دعا إليها الإصلاحيون في بلاد العرب والإسلام كان أولهم الطهطاوي في كتابه (تخليص الأبريز في تلخيص باريز) ، لذلك حاولنا أن نُظهر طبيعة هذا التثاقف الذي يدعو له التونسي عبر إختيار مجموعة من النصوص التي نعتقد بأنها جديرة بأن تقرأ اليوم والتي تبين لنا كيف نظر الشرق للغرب لاسيما في بدايات ما يسمى بعصر النهضة الحديث في الفكر العربي .

خير الدين التونسي وحوار الحضارات

يقول التونسي: "التجأت إلى الجزم بما لا أظن عاقلاً من رجال الإسلام يُناقضه أو ينهض له دليل يعارضه من أننا إذا اعتبرنا تسابق الأمم في ميادين التمدن وتحزب عزائمهم هو أعود نفعا واعون، لا  يتهيأ  لنا ما يليق بنا على قاعدة محكمة البناء إلَا بمعرفة أحوال من ليس من حزبنا"

وعلينا "أن نتصور الدنيا بصورة بلدة متحدة تسكنها أمم متعددة حاجة بعضهم لبعض متأكدة، وكل منهم وإن كان في مساعيه الخصوصية فهو بالنظر إلى ما ينجز بها من الفوائد العمومية مطلوب لسائر بني جنسه"

ذلك علينا أن ننظر الى "الوسائل التي أوصلت الممالك الأورباويه الى ما هي عليه من المنعة والسلطة الدنيوية ، وأن نتخير منها ما يكون بحالنا لائقا ولنصوص شريعتنا مساعداً وموافقا ، عسى أن نسترجع منه ما أخذ من أيدينا"

ـ سبل التثاقف

يطرح التونسي سبيلين لتحقيق التثاقف ومعرفة علوم الآخر:

الأول : أغراء ذوي الغيرة والحزم من رجال السياسة والعلم بإلتماس ما يمكنهم من الوسائل الموصلة الى حسن حال الأمة الإسلامية وتنمية اسباب تمدنها بمثل توسع دوائر العلوم والعرفان، وتمهيد طرق الثروة من الزراعة و التجارة، وترويج سائر الصناعات ، ونفي اسباب البطالة. وأساس جميع ذلك حسن الأمارة المتولد منه الامن، المتولد منه الأمل، المتولد منه إتقان العمل المُشاهد في الممالك الأورباوية بالعيان، وليس بعده بيان.

الثاني : تحذير ذوي الغفلات من عوام المسلمين عن تماديهم في الإعراض عما يُحمد من سيرة الغير الموافقة لشرعنا...

فإن الأمر إذا كان صادراً من غيرنا وكان صواباً موافقا للأدلة لا سيما إذا كُنَا عليه وأُخذ من أيدينا فلا وجه لإنكاره و إهماله، بل الواجب الحرص على إسترجاعه وإستعماله وكل مُتمسك بديانة وإن كان يرى غيره ضالاً في ديانته، فذلك لا يمنعه من الإقتداء به فيما يستحسن في نفسه من أعماله المُتعلقة بالمصالح الدنيوية كما تفعله الأمة الإفرنجية، فإنهم ما زالوا يقتدون بغيرهم في كل ما يرونه حسناً من أعماله، حتى بلغوا في إستقامة نظام دنياهم ما هو مُشاهد. وشأن الناقد البصير تمييز الحق بمسبار النظر في الشيء المعروض عليه، قولاً كان أو فعلا، فإن وجده صواباً قبله وإتبعه، سواء كان صاحبه من أهل الحق أو من غيرهم. فليس بالرجال يُعرف الحق، بل بالحق تعرف الرجال و"الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها". فهو هنا يُذكرنا بسنة نبينا الأكرم وبقول الإمام علي (ع) وبنهج الفلاسفة أمثال الكندي وإبن رشد اللذين حرصا على النهل من علوم الأمم المُتقدة علينا وإن كانت مُختلفة عنا في الملة، لأن الشريعة حق والفلسفة حق، طوالحق لا يُضاد الحق، بل يُوافقه ويشهد له" بعبارة إبن رشد.

وما الإنكار أو التنكر لما وصل اليه الغرب إلَا نوع من أنواع المُعاندة لأننا نجد أغلب المسلمين لا يمتنعون عما يضرهم في الأخذ من الغرب بقدر إمتناعهم عما ينفعهم، وخلل العمران كما يرى التونسي هو "بعدم إنتفاع صُنَاع البلاد في إصطناع نتائجها الذي هو أصل مهم من أصول المكاسب ومصداق ذلك ما نشاهده من أن صاحب الغنم منا ومستولد الحرير وزارع القطن مثلا يتحمل تعب ذلك سنة كاملة ويبيع ما ينتجه عمله للأفرنجي بثمن يسير ثم يشتريه منه بعد إصطناعه في مدة يسيرة بأضعاف ما باعه به".

خلل العمران هذا يؤدي الى الخلل السياسي "فان إحتياج المملكة لغيرها مانع لإستقلالها وموهن لقوتها لاسيما لو كان مُتعلق الإحتياج الضروريات الحربية التي لو تيسر شراؤها زمن الصلح لا يتيسر ذلك وقت الحرب ولو بأضعاف القيمة ولا سبب لما ذكرنا الَا تقدم الإفرنج في المعارف الناتجة عن التنظيمات المؤسسة  على العدل والحرية، فكيف يسوغ للعاقل حرمان نفسه مما هو مستحسن في ذاته فيستسهل إمتناع عنا ما به قوام نفعه لمجرد أوهام خيالية وإحتياط في غير محله.

ما تجدر الإشارة إليه إن مصطلح التنظيمات يحمل معنيين أساسيين عند خير الدين التونسي الأول: يقصد به التنظيمات العثمانية وهو مجموعة القوانين والإصلاحات التي قامت بها الدولة العثمانية لتحسين أدائها .

الثاني: هو إصلاح الدولة وفق التجربة الأوربية في محاولة لنقل ما ينفع منها ويتوافق مع طبيعة البلدان الإسلامية ، وبذلك تكون هناك إمكانية لتحقيق التقدم الذي يتمناه التونسي.

هذا التقدم يتحقق عبر "إجراء تنظيمات سياسية تناسب التنظيمات التي نشاهدها عند غيرنا في التأسيس عل دعامتي العدل والحرية الذين هما أصلان في شريعتنا".

ـ موقفه من الإستبداد والظلم في نظام الحُكم

يرى التونسي أن "الظلم مؤذن بخراب العمران كيفما كان، وبما جُبلت عليه النفوس البشرية كان إطلاق أيدي الملوك مجلبة للظلم على إختلاف أنواعه "ومن مشاكل الحكام المسلمين أنهم لا يأخذون بنصائح الساسة والمثقفين ولا يعلمون "أن ولي الأمر يحتاج الى ألف خطة وكلها مجموعة في خصلتين إذا عمل بهما كان عادلاً وهما عمران البلاد وأمن العباد" وهذا لا يتحقق إلَا بالمشورة لأن" المشاورة أصل في الدين وسنة الله في العالمين وهي حق على عامة الخليقة من الرسول الى اقل الخلق ومن كلام علي (رض) لا صواب مع ترك المشاورة".

المستبد عند خير الدين التونسي متأثراً بـ (مونتيسيكيو) هو "من يتوصل لإجتناء الثمرة بقطع الشجرة من أصلها".

والإستبداد  يكون ضرورياً عند الأوربيين (برأي التونسي) في حالة واحدة هي أن تُعطى فيها إدارة المملكة لشخص واحد "إذا إشتد الخطر عليها (أي المملكة)، إما بكثرة الإفساد الداخلي، أو بظهور مخاتل التغلب من الخارج وصعب حسم مواد ذلك بالأعمال القانونية، لإمكان تعدد الأنظار المتساوية (أي لوجود أراء متساوية يصعب الترجيح فيما بينها) وما عسى ما يقتضي الترجيح بينها من طول المفاوضة المفضي الى عدم قمع المفسدين ومدافعة المتسلط الأجنبي أو الى تأخير ذلك عن وقت الحاجة، فعند ذلك يطلب مجلس السيناتور (البرلمان) من أحد رأيسي الدولة الجمهورية أن يختار من أعيان رجال المملكة من يسميه بإسم  دكتتور أي مطلق التصرف، تُفوض إليه إدارة المملكة بما يظهر له بمقتضى اجتهاده، كعمل الحرب والصلح ونفي أو قتل من يراه من أهل الفساد والخيانة أو عقابه لأخذ المال أو غير ذلك مما يقتضيه الحال".

لفظ الدكتاتور صار فيما بعد يطلق على كل حاكم مطلق التصرف سواء كان محدودا بمدة أم لا .

يطرح لنا التونسي مفهوم الإحتساب على الدولة لتكون سيرتها مُستقيمة وهذا الإحتساب يتحقق إما بـ " شرع سماواي  أو سياسة معقولة "والمشاورة في الإسلام هي نوع من أنواع إشراك الأمة في بناء قرارات الدولة، وقد وضع الأوربيون المجالس النيابية وحرروا المطابع، التي بدورها تُقوي آراء العامة وهذه ضرورية لصلاح الأمة ومُهمة للتخلص من الإستبداد الذي من عواقبه العمل بالرأي الواحد فـ"العمل بالرأي الواحد مذموم ولو بلغ صاحبه ما بلغ من الكمالات والمعارف ... (و) لا يُسوغ أبداً أن يُسَلم أمر المملكة لإنسان واحد، بحيث تكون سعادتها وشقاوتها ولو كان أكمل الناس وأرجهم عقلاً".

وأجمل وصف للدولة والحكم كما يرى التونسي مستعيناً بأرسطو هو حينما يكون "العالم بستان سياجه الدولة والدولة سلطان تحيا به السنة (القانون) والسنة سياسة يسوسها الملك والملك نظام يعضده الجند والجند أعوان يكنفهم المال والمال رزق تجمعه الرعية والرعية عبيد يكنفهم العدل والعدل مألوف و به قوام العالم"

أما الحقوق الإنسانية فيقسمها التونسي الى ثلاثة أقسام متأثراً بـ(مونتيسيكيو) في كتابه القوانين، القسم الأول: "الحقوق المُعتبرة بين الأمم في خلطتها السياسية والمتجرية (أي التجارية)، وثانيها حقوق الدول على رعاياها وبالعكس، أي حقوق الرعايا على الدولة، وثالثها حقوق الأهالي فيما بينهم".

موقفه من الحرية

ان موقف التونسي من مفهوم الحرية ومن الحرية نفسها مبنيُ على أساس آرائه السابقة االمتأثرة بالتجربة الغربية، فيقسم الحرية الى ثلاثة أقسام:

الأول: الحرية الشخصية وتعني "إطلاق تصرف الإنسان في ذاته وكسبه مع أمنه على نفسه وعرضه وماله ومساواته لأبناء جنسه  لدى الحكم ، بحيث أن الإنسان لا يخشى هضمية في ذاته ولا في سائر حقوقه، ولا يحكم عليه بشيء لا تقتضيه قوانين البلاد المُتقررة لدى المجالس. وبالجملة فالقوانين تُقيد الرعاة كما تقيد الرعية، والحرية بهذا المعنى موجودة في جميع الدول الأورباوية إلَا في الدولة الباباوية والدولة المسكونية لأنهما مُستبدتان، وهما وإن كانتا ذوات أحكام مقررة إلَا أنها غير كافية لحفظ حقوق الأمة لأن نفوذها موقوف على أرادة الملك".

والمعنى الثاني للحرية فهو الحرية السياسية "وهي تطلّب الرعايا التداخل في السياسات الملكية والمباحثة فيما هو الأصلح للملكة" بمعنى مشاركة الأمة في سياسة الدولة وإدارتها" كون الأهالي ينتخبون طائفة من أهل المعرفة والمرؤة تُسمى عند الأورباويين بمجلس النواب، وعندنا بأهل الحل والعقد، وان لم يكونوا مُنتخبين من الأهالي. وذلك أن أي تغير مُنكر في شريعتنا من فروض الكفاية وفرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الطلب به عن الباقين وإذا تعينت للقيام به جماعة صار فرض عين عليهم بالخصوص.

أما المعنى الثالث فيسميه  التونسي  حرية المطبعة" وهو ألَا يُمنع أحد منهم (الأوربيون) أن يكتب ما يظهر له من المصالح في الكتب و(الجرنالات) أي الجرائد التي تطلع عليها العامة أو يعرض ذلك على الدولة والمجالس ولو تضمن على سيرتها. وفي هذا المقدار إفترقت الممالك الأورباوية، فمنهم من ناله مع الأول، فتمت له الحُرية المُطَلقة، ومنهم من ناله بشروط مُعتبرة عند الملوك التي لم تُرخص لرعاياها ما تيسر لغيرها إعطائه من الحقوق".

أما أهم ما جناه الأوربيين من الحرية، فهو كما يقول التونسي "تسهيل المواصلة بالطرق الحديدية وتعاضد الجمعيات المتجرية ( المؤسسات الإقتصادية) والإقبال على تعلم الحرف والصنائع، فيقول: "أن البلدان التي أرتقت الى اعلى درجات العمران هي الت تأسست بها عروق الحرية والكونيستيتوسيون المُرادف للتنظيمات  السياسية فاجتنى أهلها  ثمارها بصرف الهمم الى مصالح دنياهم المُشار الى بعضها. ومن ثمرات الحرية تمام القدرة على الإدارة المتجرية، فأن الناس أذا فقدوا الأمان على اموالهم يضطرون الى أخفائها فيتعذر عليهم تحريكها. وبالجملة، فالحرية إذا فُقدت من المملكة تنعدم منها الراحة والغنى ويستولي على أهلها الفقر والغلاء ويضعف إدراكهم كما يشهد بذلك العقل والتجربة".

المثقف والسلطة السياسية

يرى التونسي أن الأمة التي تُريد التقدم لا يمكن لها أن تُحققه في حال وجود عزلة بين المثقف والسياسي، وكلمة المثقف هنا تحمل كل تمظهراتها وتنوعاتها، أما السياسي فهو من يمتلك القرار في إدارة الدولة، والدولة تُدار بانتظام بـ"طائفة من الأمة مُلتئمة من حملة الشريعة ورجال عارفين بالسياسات ومصالح الأمة  ... (و) ومخالطة العلماء لرجال السياسة  بقصد التعاضد من أهم الواجبات شرعاً لعموم المصلحة وشدة مدخلية الخلطة المذكورة في إطلاع العلماء على الحوادث التي تتوقف إدارة الشريعة على معرفتها ومعلوم أن ما لا يتم الواجب إلَا به فهو واجب... فالعالم إذا إختار العُزلة والبعد عن أرباب السياسة فقد سد عن نفسه أبواب معرفة الأحوال المُشار إليها وفتح أبواب الجور للولاة لأنهم إذا إستعانوا به فإمتنع صاروا يتصرفون بلا قيد".

ومن الضروريات في بناء الدولة عند التونسي هو أن يمتلك رجل الدولة الخبرة والدراية والإستعداد والمعرفة والتدرب على الأمور السياسية، يستدعي هذا الأمر منه "معرفة أهل الخبرة والنجدة من رجال المملكة لينتخبهم للخطط المعتبرة ... فإن سعادة الممالك وشقاوتها بقدر ما تيسر لملوكها من ذلك وبقدر ما لها من التنظيمات السياسية المؤسسة على العدل ومعرفتها واحترامها من رجالها المباشرين لها "

فضل العرب والمسلمين على الغرب

يرى التونسي أن فضل العرب والمسلمين بين على باقي أمم العالم وهم كانوا أهل التمدن والتحضر لأن تمدنهم كان الأسبق زمنياً من تمدن أوربا اليوم  وهذا بشهادتهم (الأوربيون) أنفسهم وليس بشهادة العرب، والتمدن العربي كان سبباً في القضاء على تخلف الأوربيين في القرون الوسطى، فقد مهد العرب لتنمية الوعي الغربي بقيمة العلم النظري اليوناني والتجريبي العربي في الطب وعلوم الكيمياء والطبيعيات، فصاروا سبباً من أسباب انقشاع سُحب البربرية في أوربا حينما "إختل نظامها بفتوحات المتوحشين ورجعوا الى الفحص عن ينابيع الحكمة القديمة... (و) العرب خلقهم الله ليكونوا واسطة بين الأُمم المُنتشرة من شواطئ نهر الفرات إلى الوادي الكبير في إسبانيا وبين العلوم وأسباب التمدن فتناولتها الأمم على أيديهم لأن لهم بمقتضى طبيعتهم حركة تخصهم أثرت في الدنيا تأثيرا لا يشتبه بغيره " " ومخالطة الأورباويين للأمة الإسلامية المتقدمة عليهم في التمدن والحضارة، كان إبتداء التمدن عندهم".

ولكن الدولة العربية الإسلامية أخذت بالتراجع حينما "إنقسمت الى دول ثلاث الدولة العباسية ببغداد والمشرق ودولة الفاطميين في مصر وأفريقيا ودولة الأمويين في الاندلس  ثم تكاثر الحروب الداخلية وانقسمت تلك الدول "

موقفه من الدين

يحاول التونسي أن يبني موقفاً متوازناً من الدين، وهو في طيات كتابه " أقوم المسالك" يُريد أن يُبين موافقة الشريعة للعلم، وأين ما كان العلم فالواجب الإطلاع عليه ومعرفته وأخذ ما يُستحسن منه، ولكنه في موضوعة الربط بين السياسة والدين نجده أكثر ميلا للقول بفصل الدين عن السياسية، ويضرب لنا مثلا يستحسن به هذا الموقف من الديانه المسيحية إذ يقول: "الديانة النصرانية ولو كانت تحث على إجراء العدل والمساواة لدى الحكم لكنها لا تتداخل في التصرفات السياسية ... والخلل الواقع في ممالك البابا كبير الديانة النصرانية لإمتناعهم من الإقتداء بالتراتيب السياسية المعتبرة في بقية الممالك الأورباوية ... وإنما بلغوا تلك الغايات (أي الأوربيين) والتقدم في العلوم والصناعات في التنظيمات المؤسسة على العدل السياسي".

 

د. علي المرهج

..............

المصادر

خير الدين التونسي : أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق معن زيادة ،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط 2، 1985 من ص 145 الى   ص 263  ، وهذه الصفحات هي أصل كتاب أقوم المسالك ،أما الصفحات التي قبلها فهي دراسة وتحقيق عن الكتاب للدكتور معن زيادة.

 

jawad wadi2كنت ليلة البارحة مع برنامج "شهادات خاصة"، وحين واجهني عنوان الحلقة وهي تعلن عن لقاء مع أحد ضباط ثورة تموز المباركة، لم أكن اعلم بأن ضيف الحلقة، نوح علي الربيعي، كان ضابطا برتبة صغيرة "ملازم ثان"، وأنه كان ينتمي للحزب الشيوعي لحظة اعلان الثورة، وأنه كان ضابط ارتباط مع كبار القادة، وكذلك ما تعرض له من أساليب تعذيب فاشية على يد ازلام النظام البعثي المجرم في نهاية السبعينات، سببت له إعاقة جسدية كبيرة، بحدوث كسور كبيرة في ظهره منعته من الحركة والوقوف على رجليه، وباعتداد وفخر مذهلين لا زال يتفاخر ويدافع ويتشرف بانتمائه للحزب الشيوعي حتى لحظة تواجده في البرنامج.

كان الحوار شيقا جدا والضيف الرفيق يسترسل بذاكرة متوهجة رغم عمره المتقدم الذي تجاوز العقد الثامن، وهو يقدم لنا شهادات حية وصادقة لبعض التفاصيل التي لم تكن معلومة لدينا، نحن المتابعين لتفاصيل الثورة المباركة وطبيعة ضباطها بشخصياتهم المختلفة المشارب والتكوين وصدق في الوطنية الحقة، لكنه كان امينا في نقل الحدث، حتى أنه لم يسئ بالكلام لضباط انحرفوا كثيرا عن مبادئ الثورة وعرفنا خياناتهم وتوجهاتهم القومية بدفع خارجي سبب الانتكاسة الكبيرة للثورة وقادتها الوطنيين الأحرار الذين غدرت بهم الأيادي الآثمة.

مما أدهشني وحرك مواجعي المتراكمة وانا على بعد آلاف الأميال عن عراقنا الحبيب للاعتداد بهذه الشخصية المتميزة، كونه كان ضابطا بمواصفات تكوين عسكري صارم وانساني في آن واحد، من خلال استرساله في الحديث عن قادة الثورة، كان يحتفظ بالتقدير والاحترام لجميع ضباط الثورة رغم عدم قناعته بما فعل بعظهم من محاولات غدر خسيسة قادت لتصفية خيرة الضباط الاحرار منهم الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم وبقية الضباط الميامين: المهداوي، وصفي طاهر، عبد الكريم الجدة، وغيرهم الكثير على ايدي بلطجية البعث بمباركة وقيادة الشوفينيين من ذوي الاتجاه القومي، داخل وخارج العراق، وبتخطيط ودعم ومباركة المخابرات البريطانية، وبإسناد معلن من قيادة مصر آنذاك.

كان هذا الضابط المُقعد، مثالا صارخا لما يكون عليه الوفاء للمبادئ، كونه كان وما زال بذات الوفاء للفكر الشيوعي وحزبه المقدام، يدافع عن الحزب ويرد على مناوشات مقدم البرنامج واستفزازاته،  التي كان من خلالها يحاول أن يوجه اتهامات للحزب ولقادة الثورة وملاحظات أخرى كانت تنم عن عدم رضا بما حدث من تغيير هائل نقل العراق من حالة التبعية المطلقة للغرب بأجنداته المعادية لقوى التقدم في العراق ورهن البلد في دائرة الإسترليني ونهب خيرات البلد من قبل الأجنبي واطلاق ايادي العملاء والمنتفعين لاستغلال طبقة العمال والفلاحين والمعدمين وكافة فئات المجتمع العراقي المظلوم، وغيرها من الإنجازات الكبيرة، رغم قصر فترة حكم الضباط الوطنيين الأحرار، قبل أن تزحف قوى الظلام والحقد الأرعن للالتفاف على الثورة بمنجزاتها والنيل من قادتها الميامين.

كان الحوار وطيلة الساعة المخصصة لوقت البرنامج، لافتا كون الضيف كان شديد التعلق بحزبه الشيوعي العراقي، وكان يدافع عنه باستماتة وحب وتعلق غريب، مما يجعلنا ندرك نحن الشيوعيين من الأجيال اللاحقة، سر بقاء وديمومة هذا الحزب شامخا وولودا على مر العقود منذ تأسيسه ليومنا الراهن، رغم ما قدمه من تضحيات جسيمة واسطورية لقادته الميامين وكافة أعضائه الابطال ممن نالتهم يد القتل البعثي المجرم وبأبشع صيغ التصفيات الجسدية وجملة الاعدامات التي لا حصر لها، بملاحم بطولية نادرة، لم يكونوا يراهنون على مكاسب أو امتيازات، وماذا تنفع مثل هذه المغريات إزاء الايمان المتفاني بالقيم الوطنية النبيلة، لتتأسس مدرسة بقيم خالدة في الوطنية والتفاني النادر من اجل الوطن والناس.

ما ادهشني كذلك واثار الشجن في نفسي، ما قاله رفيقنا الضيف، بأنه كتب وصيته لعائلته ورفاقه ومحبيه، بان يطوفوا بجنازته حول مقر الحزب الشيوعي في الاندلس، انها امنيته الأخيرة، الأمر الذي حرك فينا ركام الحزن والأسى لتنهمر دموعنا الساخنة، رغم خبث المحاوِر بسؤال استفزازي، بأن الطواف يكون في الكعبة، فكان جواب هذا المناضل الوفي، بأن مقر الحزب بمثابة كعبته، لأكمل أنا ما قاله الرفيق، أن مثل هذا التوصيف الرائع، دليل على احترام الشيوعيين للمقدسات، باعتبار أن الطواف حول الكعبة شعيرة مقدسة، وطواف كهذا حول مقر الحزب، هو احترام لكل الطوافات المقدسة لكل المؤمنين حقا بمبادئهم وقيمهم، وهكذا هو ديدن الشيوعيين أينما كانوا بتعلقهم بمعتقداتهم الفكرية والحزبية حتى آخر رمق في حياتهم لتلازمهم حتى في مماتهم. 

طوبى لك من شيوعي بوفاء نادر لحزبه ورفاقه الأحياء منهم والأموات ولوطنه العزيز، رفيقنا نوح علي الربيعي، لتكون انموذجا حيا لما يكون عليه الشيوعي من وفاء وقوة وشموخ وثبات على المبادئ.

إنه درس بليغ ليتعلم منه الآخرون من المغيبين فكريا ووعيا وثباتا على المبادئ الخالدة.

 

جواد وادي

 

رغم مرور 55 عام على يوم الإنقلاب المشؤوم في 8 / شباط / 1963 إلا أني لا زلت أتذكره بحذافيره، كنت وقتها في زيارة لبيت أقرباء لي في منطقة (الكسرة - بغداد) حيث كنت آنذاك (نائب ضابط مركب أسنان وتابع لمستشفى بعقوبة العسكري في معسكر سعد)، قضيت ليلة الخميس يوم 7 / شباط / 1963 مع بعض الأصدقاء كان من بينهم طبيب الأسنان المرحوم الدكتور (هادي الجمالي) الذي كانت عيادته في الكاظمية، وعدنا إلى بيوتنا في ساعة متأخرة من ليلة الخميس على الجمعة حيث لم نلحظ أية حركات مشبوهة وغريبة تدلل على وجود مؤامرة، وفي صباح يوم الجمعة 8 / شباط خرجت مبكراً للذهاب إلى شارع المتنبي لشراء بعض الكتب، كان ذلك في حوالي الساعة التاسعة، وحين وصولي إلى منطقة سيارات الإجرة شاهدت بعض السيارات تمر مسرعة وحركة غير طبيعية توحي بأن هناك شيء ما يعكر صفو الوضع، توقف رجل مُسن بسيارته وقال لي (عمي وين رايح صار إنقلاب !!)، رجوته أن ينقلني معه إلى منطقة باب المعظم وأنا غير مصدق لما يقوله، لكنه كان فاتح الراديو في سيارته وعندها تأكدت صحة ما يقول، وصلنا إلى منطقة قريبة من كلية البنات حيث لم يعد ممكناً الوصول أقرب من ذلك لشدة الإزدحام، تجمعت الحشود وأخذت تزداد وتطلق هتافات معادية للإنقلابيين، عشرات الآلاف من العمال والفلاحين والطلبة والشباب والنساء والمثقفين وحتى العسكريين وهم يهتفون لثورة تموز وقائدها البطل عبد الكريم قاسم .

في تمام الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة المصادف 8 / شباط / 1963 إنطلقت جحافل الموت من مخابئها وأوكارها لتغتال حلم الجماهير الذي جاء مع صباحات 14 / تموز / 1958 ولتمثل بقادته وضباطة النجباء الذين وضعوا دماءهم على أكفهم منذ إنبثاقها، ولتنكل بالقوى الوطنية وطلائعها المقدامة التي تصدت بكل شجاعة وعزيمة للإنقلابيين .

لقد إختار قادة الإنقلاب يوم الجمعة 14 رمضان وذلك لأنه يوم عطلة رسمية وعدم وجود عشرات الآلاف من العسكريين والمدنيين في مواقعهم الأساسية وهذا ما سهل لهم من تحريك بعض القطعات التي كانت تحت سيطرتهم ومباغتت الجماهير وخداعها عندما رفعت صور الزعيم عبد الكريم قاسم على دباباتهم .

لقد كانت ساعة الصفر وكما أثبتتها الأحداث موضوعة من قِبل من ساعدهم في قطارهم الذي جاءوا به (جئنا بقطار أمريكي – علي صالح السعدي)، هو إغتيال القائد الشجاع الزعيم الطيار (جلال الأوقاتي) قائد القوة الجوية عندما ذهَبت إلى داره مجموعة إغتيال خاصة صبيحة يوم الإنقلاب المشؤوم تتكون من رئيس الزمرة (غسان عبد القادر وبمعية ماهر الجعفري، أكرم أسود، حميد رجب الحمداني) ولمراقبة طويلة لبيته في منطقة الكرادة إستطاعت أن تحدد حركاته ومواعيد خروجه ورجوعة إلى داره، وفي اليوم المشؤوم تم قتله عند خروجه من البيت للتسوق مع طفله الصغير، كان هذا قبل الساعة التاسعة صباحاً وعند ذلك تأمن لهم الطريق وأنجزوا أخطر وأهم مهمة حيث كان الشهيد الأوقاتي يشكل حجر عثرة كبيرة أمامهم لما عُرف عنه من حكمة عسكرية ودراية وتمكنه من قيادة كافة أنواع الطائرات الحربية، ولِما يتمتع به من شعبية بين أفراد القوة الجوية من الطيارين وضباط الصف والجنود، ولإخلاصه للزعيم عبد الكريم قاسم ولمباديء ثورة تموز الخالدة، وكانت التقديرات من أوساط عديدة بما فيها الصديقة والعدوة تشير لو أن الأوقاتي بقيّ حياً لإستطاع أن يقلب موازين القوى لصالح جمهورية تموز . لقد تم رصد بيوت ضباط آخرين من قِبل زمر إغتيال أخرى كان من بينهم الشهداء (فاضل عباس المهداوي، ماجد محمد أمين، طه الشيخ، عبد الكريم الجدة، وصفي طاهر، سعيد مطر) وآخرين .

بعد أن أتموا هذه المهمة أوعزوا إلى عناصرهم الأخرى بالتحرك وتمت السيطرة على المرسلات في أبي غريب ليذيعوا بيانهم الأول وعندما سيطروا على دار الإذاعة في الصالحية راحوا يبثون سمومهم ونشيدهم المعروف (الله أكبر) وهو نفس نشيد الدواعش من أحفادهم الجدد الذين يتغنون به فوق رؤوس الضحايا الأبرياء قتلاً وحرقاً وإلتهاماً للكبود . أناشيد كثيرة منها نشيد (جيش العروبة يابطل) لأم كلثوم، (ولاحت رؤوس الحرب تلمع بين الروابي) وغيرها من الأناشيد التي كانت تبثها لهم الإذاعة المصرية حيث وقفت حكومة (عبد الناصر) بكل ثقلها إلى جانب الإنقلابيين تمدهم بالسلاح والمعونات الأخرى .

إنطلقت بعدها الطائرات من الحبانية من السربين السادس والسابع من قاعدة تموز، ومن القاعدة الجوية في كركوك طائرات الميغ 17 والهوكر هنتر التي قادها كل من الطيارين (المقدم الطيار منذر الونداوي والرائد الطيار محمد جاسم الجبوري والعقيد الطيار حردان عبد الغفار التكريتي وبإشراف العميد عارف عبد الرزاق) . هاجموا وزارة الدفاع مُلقين الحمم فوقها وفوق رؤوس الجماهير المحتشدة في الساحة المقابلة للوزارة، وسقط الكثير من الشهداء وإزداد سقوطهم مع كل طلعة جوية من قبل طائرات الإنقلابيين .

كانت الجماهير المحتشدة تطالب بالسلاح وهي تهتف (ماكو مؤآمرة تصير عين الشعب مفتوحة) و (بإسم العامل والفلاح يا زعيم إنطينه سلاح) وهتافات أخرى لم تلق صدى لها .

في حوالي الساعة العاشرة والنصف صباحاً وصل موكب الزعيم عبد الكريم قاسم إلى وزارة الدفاع بسيارته الوحيدة مع أحد مرافقيه فقط، وكانت الجماهير تحاول رفع السيارة إحتفاءاً به وهو يلوح لهم بالتحية ويطلب منهم أن يركنوا إلى الهدوء وأنه سيسحق المؤآمرة .

لقد إنتشرت في بعض الأماكن والشوارع في بغداد مجاميع من العصابات المسلحة وهي موشحة بإشارات خضراء تحمل الحروف (ح ق) وتعني (الحرس القومي) حاملة في أيديها غدارات (بور سعيد) وتشكلت هذه الفرق على غرار الفرق النازية التي تشكلت في ألمانيا أثناء صعود هتلر للسلطة (الأس إس والغستابو) . لقد كانت من مهماتها إعتقال وخطف وقتل المناوئين لحركتهم الإنقلابية، فداهمت البيوت وإستباحت الحرمات وإفتتحت المعتقلات والسجون في طول البلاد وعرضها، وكانت مزودة بقوائم خاصة للمناضلين وفي مقدمتهم الشيوعيين والقاسميين والوطنيين الآخرين من الأحزاب الأخرى كانت قد زودتهم بها المخابرات المركزية الأمريكية .

وهنا دخلت على الخط قوات من الدبابات إلى جانب المتآمرين حيث رفعت في بداية الأمر صور الزعيم عبد الكريم قاسم لخداع الجماهير ليفسحوا لها المجال عند مرورها في شوارع بغداد وصولاً إلى وزارة الدفاع، وعند وصولها إلى مبتغاها وجهت فوهاتها إلى صدور الجماهير العارية وأخذت تطلق نيرانها بكل حقد يميناً ويساراً، وسقط العشرات مضرجين بدمائهم الزكية، بعضهم بقي في الشارع والبعض الآخر تم نقله إلى بعض البيوت والمحلات القريبة بغية إسعافهم .

لقد أصدر قادة الإنقلاب (المجلس الوطني لقيادة الثورة) بياناته المتعددة حتى وصلوا إلى بيانهم المشؤوم (13) الذي جاء فيه (نظراً لقيام الشيوعيين وشركاء عبد الكريم قاسم بمحاولات بائسة لإحداث البلبلة بين صفوف الشعب وعدم الإنصياع للأوامر والتعليمات الرسمية فقد تقرر تخويل القطعات العسكرية وقوات الشرطة والحرس القومي بإبادة كل من يتصدى للإخلال بالأمن، والإرشاد عن الشيوعيين والمطالبة بإبادتهم والقضاء عليهم) .

يوم دامي لم يشهد العراق مثيله من قَبْل، تشكلت فرق لم تكن منظمة بالشكل المطلوب لقيادة عملية المقاومة، ليس لديها من سلاح يؤهلها للمواجهة، فإستعمال العصي والحجارة وبعض المسدسات الشخصية والبنادق التي حصلوا عليها من إحتلال بعض مراكز الشرطة لم تجد نفعاً مع الطائرات والدبابات والرشاشات التي كانت تملكها قوى الردة . لقد كانت معركة شرسة بين الجماهير العزلاء التي وقفت ببسالة بصدورها العارية وليس لديها غير حب الوطن والدفاع عنه وبين جحافل همجية عسكرية ومدنية مدججة بمختلف أنواع الأسلحة . لقد تم توزيع بيانين من الحزب الشيوعي العراقي في الساعات الأولى من الإنقلاب وكانت تدعو الجماهير إلى رفع السلاح بوجه الإنقلابيين وإلى تشكيل لجان للدفاع عن الثورة في كل معسكر وكل محلة ومؤسسة (إلى السلاح للدفاع عن إستقلالنا الوطني ومكاسب 14 تموز) ودعت إلى (سحق كل محاولة في أي ثكنة، وأن الشعب بقيادة القوى الديمقراطية سيلحق العار بهذه المؤآمرة السافلة ... فإلى الأمام، إلى الشوارع) . لقد قاومت الكثير من المناطق في بغداد ومدن أُخرى وبقيت صامدة اليوم الأول والثاني وحتى الثالث وكانت عصيّة على دخول الإنقلابيين إليها، فإنتفضت مناطق منها (الكاظمية، الثورة، الشاكرية، الفضل، باب الشيخ وعكد الأكراد) وغيرها والتي أبدت بسالة منقطعة النظير في التصدي للفاشست الجدد .

وعلى أصوات الإنفجارات والقصف سجل الزعيم عبد الكريم قاسم خطاباً موجهاً إلى الشعب والقوات المسلحة على شريط وأرسله إلى دار الإذاعة مع الرائد (سعيد الدوري)، حيث سلم الشريط إلى قادة الإنقلاب الذين كانوا قد إحتلوا دار الإذاعة، ولذلك لم يتسنَ إذاعة الخطاب، والذي دعا فيه إلى مقاومة الإنقلاب والدفاع عن ثورة 14 تموز ومكاسبها الوطنية .

لقد تم الإنكسار الكبير والتراجع عند الإعلان عن مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم وصحبه الأبرار يوم 9 / شباط بعد الظهر وذلك عندما بث التلفزيون العراقي صوراً لإعدامهم . وكما أُعلن كان قد تشكلت محكمة عسكرية سريعة برئاسة العقيد (عبد الغني الراوي) وتم إصدار الحكم القرقوشي ضدهم بالإعدام رمياً بالرصاص ونفذه كل من المجرمين (عبد الغني الراوي ومنعم حميد والرائد عبد الحق والملازم فارس نعمة المحياوي الذي أطلق الرصاص شخصياً على الزعيم عبد الكريم قاسم) في قسم الموسيقى في إستوديوهات التلفزيون الذي إختاروه مكاناً لإعدامهم .

بعد هذه المجزرة تفرق اللآلاف، وراحت جحافل الإنقلابيين بطشاً وتقتيلاً بكافة القوى الوطنية الخيرة وفي مقدمتهم قادة وكوادر وأعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي العراقي، القائمة طويلة وأسماء لامعة في كل المجالات المهنية من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعة ومدرسين ومعلمين وطلاب وكتاب وأدباء وشعراء ومثقفين وتجار نساءاً ورجالاً عمالاً وفلاحين ولم يسلم منهم حتى الأطفال .

لقد إفتتحوا مراكز إعتقال في طول البلاد وعرضها، في النوادي والمدارس والسينمات ومراكز الشرطة قاطبة وزجوا عشرات ومئات الآلاف فيها وعاملوهم بكل قسوة وشراسة وهمجية وإستعمال الطرق النازية في تعذيبهم وتقطيع أوصالهم، ولم يراعو أية حرمة أو قدسية لشهر رمضان الذي طالما صدعوا رؤسنا وهم يحملون رايات الدين كذباً وبهتاناً .

وفي يوم 10 / شباط تمكنت من الوصول إلى مستشفى بعقوبة العسكري - معسكر سعد في بعقوبة، وجدت الجو مكهرباً والوجوم بادي على أهالي المدينة حيث تم قتل الرئيس الأول (عبد الكريم حسن العلي) وإعتقال مجموعة من الضباط وضباط الصف والجنود الذين تصدوا للإنقلاب وفي مقدمتهم (الملازم صلاح محمد جميل والملازم عبد المجيد محمد جان مع 23 من ضباط الصف والجنود وإرسالهم مخفورين إلى بغداد ليوضعوا في سجن رقم (1) وإصدار الحكم عليهم بالإعدام رمياً بالرصاص في 11 آذار 1963 .

عند ألتحاقي بالمستشفى لم أجد آمر المستشفى الرئيس الطبيب (شاكر محمود الجنابي) الطبيب الوطني والإنساني المعروف، وعلمت فيما بعد أنه إستطاع الخروج من العراق بمساعدة بعض الأصدقاء حيث كان مطلوباً من قِبل عصابات البعث، ولو قُدر لهم معرفة مكانه لفتكوا به كباقي الوطنيين الآخرين .

تم إعتقالي في يوم 12 / 2 / 1963 على أثر ورود برقية موقعة بإسم (العقيد عبد الغني الراوي)، وتبين لي فيما بعد أن الذي كان خلف هذه البرقية هو النائب الضابط مركب أسنان (كمال الراوي) وهو أحد طلاب دورتي ويعمل في مستشفى الحبانية العسكري، ولكونه من أقرباء العقيد عبد الغني الراوي – أحد قادة الإنقلاب - أخذ يرسل برقيات موقعة بإسمه لإعتقال العديد من العسكريين والمدنيين الذين يعرفهم ويعرف ميولهم السياسية .

كان نصيبي في معتقل معسكر سعد الذي إفتتحوه حديثاً وزجوا به المئات من ضباط الصف والجنود، وبقينا حوالي خمسة أشهر لاقينا فيها شتى أنواع التعذيب، ضيق في المكان، رداءة في الطعام والخدمات الصحية، وكانوا يتسلون يومياً بمجاميع من عندنا في غرف خاصة موجودة فيها كل أنواع أدوات التعذيب، أيام كالحة سوداء لم نشعر فيها بالأمان . أُصيب الكثير منا بالعديد من الأمراض والتي أخذت تلازمنا لسنوات طويلة .

بعدها شُكلت محكمة عسكرية دائمية في معسكر سعد وأصدرت أحكاماً جائرة على المئات منا، كان نصيبي منها (سنة وستة أشهر) مع زيادة (ستة أشهر) أخرى جاءتنا من الحاكم العسكري العام (رشيد مصلح) إلى كل العسكريين على أثر قيام إنتفاضة 3 / تموز / 1963التي قادها الشهيد البطل (حسن سريع) في معسكر الرشيد .

تم بعدها توزيعنا على السجون في مختلف مدن العراق، كان نصيبي (سجن الحلة المركزي) الذي كان يغص بآلاف السجناء ومن كافة الشرائح الإجتماعية ومن كافة الأديان والقوميات، كل الفسيفساء العراقي الجميل، وفي السجن إزددنا لحمة وتآلف ووعي لإختلاطنا بكوادر سياسية ووطنية مثقفة، وكانت هذه السجون بحق مدارس للوعي الوطني والمعرفي والسياسي، كانت تُنظم فيها حلقات دراسية في شتى العلوم والمعارف، في الإقتصاد والتأريخ والسياسة والفنون واللغات والعلوم العسكرية وغيرها .

إن ما يميز سجن الحلة المركزي هو التعاطف الشديد مع السجناء السياسيين من قِبل أهلها الكرام، ومما زاد في تعاونهم معنا هو وجود العديد من أبناء المدينة النجباء معنا في السجن، وكانت مواقفهم مشرفة مع أهالينا أيضاً خلال الزيارات الشهرية، حيث تم إيواء بعض العوائل وإيصالهم إلى السجن وتسفيرهم إلى مدنهم التي جاءوا منها .

ومن خلال هذه الصورة المؤلمة لما حدث وضياع كل المكتسبات الوطنية التي حققتها ثورة 14 تموز الخالدة التي أنجزتها خلال عمرها القصير علينا الإشارة بأن الزعيم عبد الكريم قاسم الذي إتصف بالنبل والنزاهة والشهامة وحبه للفقراء من أبناء شعبه، إلا أنه مع الأسف أفسح المجال واسعاً للعناصر المتآمرة ووضعهم في مراكز حساسة وأبعد العناصر المخلصة وجمد حركتهم، تفرد بالحكم وأصبح الأوحد في إتخاذ القرارات، عطل الحياة الحزبية والديمقراطية، لم يتم في عهده إجراء أية إنتخابات برلمانية، بقي معتمداً على العسكر الذين ليس لديم علم بأمور بناء الدولة المدنية، وأخيراً وليس آخراً هو تقوقعه في وزارة الدفاع للتصدي للمتآمرين وتوجيه الأوامر التي لم تستجاب من كل القطعات العسكرية المرابطة في بغداد والمدن القريبة منها .

اليوم وبعد مرور 55 عام على هذه المأساة تقفز أمامنا صورة بيانية واضحة لما جرى ويجرى الآن من تداعي في أوضاع العراق السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، وإنعدام الخدمات المختلفة من كهرباء وماء وصحة وتعليم وبطالة وفقر ومرض ونهج المحاصصة الطائفية والأثنية، إلى جانب الوضع الأمني السيء وإحتلال داعش لبعض مدننا وأراضينا العزيزة والتضحيات الجسام التي قدمها جيشنا الباسل والشرطة الإتحادية وقوات الحشد الشعبي والعشائري وقوات البشمركة لتحريرها، كل هذا يجعلنا أمام مسؤولية كبرى تحتم علينا الوحدة الوطنية والقومية والدينية والمذهبية من أجل إنتشال الوطن من الهوة التي إنحدر إليها . العراق يعيش الآن أسوأ أيامه وفي وضع صعب جداً، إنه يستصرخ الضمائر الحية من أبناء الوطن الغيارى من أجل إنقاذ الوطن من المأزق الذي وصل إليه . يستصرخهم جميعاً، لأنه يقارع الأعداء من كل حدب وصوب في معركة البقاء .

لقد وعت الجماهير خطورة الوضع، وتأكدت بأن سكوتها لم يعد مجدياً، فهي الآن أمام خيارين، الأول هو الخنوع والرضوخ وضياع العراق، والثاني بالتحرك الجماهيري والتظاهر والإحتجاج في كل ساحات التحرير في أطراف الوطن والمطالبة بكشف ملفات الفساد المالي والإداري وإحالتها إلي القضاء وإسترجاع الأموال المنهوبة من خزينة الدولة التي وصلت إلى حد الإفلاس . كما وعت الجماهير أيضاً بأن المحاصصة الطائفية الأثنية هي أُس البلاء في أزمة النظام السياسي الحالي (وسبب فشله الذريع في بناء الدولة وإدارتها وعدم توفير أبسط متطلبات العيش الكريم للمواطنين) .

وفي المؤتمر الأول لحركة الإحتجاج الذي عقد في بغداد يوم الجمعة 29 / 1 / 2016 أكد المؤتمرون بأنه لا خيار لهم غير الإحتجاج والتظاهر ولا يوجد أمامهم خيار غير الإستمرار وأنهم مستمرون وبوحدتهم سينتصرون .

إننا بحاجة إلى تغيير في القوى والوجوه السياسية وهذا سيكون إلى (دعوة المواطنين كافة إلى المشاركة الواسعة في الإنتخابات المقبلة، والتوجه نحو صناديق الإقتراع لإنتخاب الأصلح والأكفأ والمشهود له بالنزاهة والوطنية) .

إن الإلتفاف حول "سائرون" الذي إنبثق مؤخراً سيكون فيه مشروعنا للتغير والإصلاح والبناء، وبه يستطيع المخلصون من مواجهة قوى وحيتان الفساد التي إستحوذت على واردات العراق براً وبحراً وجواً، ورهنت خيرات أجيالة المتعاقبة .

وللخروج من النفق المظلم الذي وضعتنا فيه القوى المتنفذة، علينا إلى الرجوع إلى القاعدة الشعبية العريضة من العمال والفلاحين والمثقفين والمعدمين أصحاب المصلحة الحقيقية بالتغيير المنشود .

اليوم ونحن نستذكر 8 شباط الأسود علينا أن نقرأ التأريخ جيداً لنعرف من خلاله من هم خونة الشعب الذين صدعوا رؤوسنا بالشعارات القومية والدينية والأثنية وجعلوا من شعاراتهم المزيفة وسيلة لإستحواذهم على مصائر الشعب والوطن وأدخلوه في نفق مظلم، وبين أصحاب الشعارات والبرامج الوطنية التي تعالج كل ما خربته الحكومات السابقة في المجالات السياسية والإقتصادية والصناعية والزراعية والثقافية والإجتماعية والخدمية، وإنتشار الفساد في كل مفاصل الدولة … نعم علينا أن نعرف أين هم أصحاب الأيادي البيضاء لنعطيهم صوتنا في الإنتخابات البرلمانية القادمة ..

 

الدكتور خليل الجنابي

 

 

ali almirhigكنَا مجموعة من الأصدقاء من محافاظات عدَة جمعتنا الكلية في قسم الفلسفة، زيد عباس كريم من كربلاء وحسين علي ماضي من المسيب وذاكر محمود جبارة من هيت وأحمد حسن السامرائي من سامراء وماجد شريف من كركوك ومعنا محمد العيد إبن أحمد الصادق من تونس، هو أفضلنا مالياً بسبب إنتمائه لاتحاد الطلبة العرب المُتبنى من حزب البعث، فقد كان لكل طالب ينتمي من العرب مبلغ من المال هو 100 دولار وربما يزيد، فكان أغلب الطلبة العرب القادمين للدراسة في العراق يينتمون للحزب وإن لم يكونوا مُتفقين معه أيديولوجياً من أجل الحصول على هذا المبلغ الذي كان في وقته مبلغاً كبيراً بالنسبة لطالب بكالوريوس، وكان محمد العيد أحد هؤلاء الطلبة الذين إنتموا لحزب البعث طمعاً في الحصول على هذا المبلغ، وهو (والحق يُقال) لم يكن مُتفاعلاً مع ممارسات البعث وصدام، لا سيما بعد أن تعرف علينا وعلى مأساة العراقيين في ظل هذا النظام الديكتاتوري.

كان محمد العيد راغباً في القراءة، لذلك كان قريباً مني كوني أعمل ببيع الكتب في شارع المُتنبي، فصار أحد الأصدقاء المُصاحبين ليَ ولأصدقائي الذين ذكرتهم لا سيما ماجد شريف أو ماجد الكردي كما يُحب أن يُكنى.

هو القدر الذي جمعنا بصداقة لم تنفصم عُراها إلى يومنا هذا من أغلب أطياف العراق، وفينا عرب، ولم يكن محمد العيد هو الطالب العربي الوحيد، إنما كان هناك طلبة عرب آخرون، وإن كانت أواصر الصداقة أشد وأقوى مع محمد العيد. لم يكن بيننا ونحن في مُقتبل العمر ما يشدنا نحو العرقية والتمذهب والعيش في كنف الدوغمائية المُتحجرة والأثنية التي أوصلت مُجتمعنا العربي والعربي والإسلامي لما نحن فيه اليوم، بقدر ما كان يشغلنا العيش المُشترك بيننا والتعايش السلمي والتثاقف الحضاري علنا نُشارك في صُنع مُستقبل أفضل.

كان مطعم أبو سامي المكان الذي نلتقي به وقت الغداء بموعد أو من دون موعد، ولربما كان مُلتقى أغلب طلبة مُجمع باب المُعظم ممن هم من سكنة المُحافظات.

كان المطعم بالقرب بناية مطبعة الحرية للطباعة في ذات الشارع الذي كانت به "بورصة الجرائد"، بباب المُعظم في الفرع المُقابل لشارع الفضل، بعد الكراج "باب المُعظم" في الجهة المُقابلة بما يقرب من مئتي متر التي تحولت بعد 2003 إلى ركام، ولم يبق منها سوى ذكرى الحُرية، التي غيبها الدكتاتور، وأجهز على الباقي منها من خلفه.

مطعم صغير، فيه "مصاطب" مُستطيلة مُلتصقة على جوانب حوائطه و (ستولات) للجلوس، وبعض (الميوزة) والكراسي القديمة، خارج المطعم. بقربه كان هناك مجموعة من (الفيترية) الذين يستطعمون مثلنا الأكل في هذا المطعم. لم يكن مطبخ المطعم يتجاوز التسعة أمتار، أي ثلثة أمتار طول وثلاثة أمتار عرض، فيها قدور الفاصولياء "اليابسة" و "البامية" وقدر صغير للباذنجان والرز (التمن) طبعاً.   

ما يُميز هذا المطعم هو أبو سامي نفسه. كان قد تجاوز الخمسين من العمر طويل القامة، في ظهره بعض إنحناءة ربما كان إنحانئة الزمن الصعب أيام الحصار، يلبس بنطلون عريض أسفل الورك ليضيق في نهاية القدم، يعتمر "اليشماغ" أو "الجراوية" الجنوبية المُرقطة، أظن ينحدر من أصول جنوبية، ولكنه كان يتكلم بلهجة بغدادية سليمة، حينما ندخل المطعم يستقبلنا أبو سامي بالترحيب بإبتسامة مرسومة على مُحيياه، وكأننا أولاده العائدون من المدرسة أو الكلية، نطلب "يابسة على تمن"، وبعضنا يطلب ما ذكرته من الأنواع المعدودة، سعر "النفر" كان ثمانية دراهم، أي أقل من نصف دينار، المُلفت للإنتباه أن أبا سامي يترك لنا حرية التجاول في المطبخ، ومساعدة الطباخ في تقديم وجبة الغداء، فكان بعض منا ممن لم تكفيه هذه الوجبة يدعوا نفسه لتناول وجبة أخرى، ومن يروم تناول أكثر من رغيف خبز "صمونة" فله "الصمون كله، وحين المُغادرة لا يقبل أبو سامي بغير الثمانية دراهم كمُقابل لوجبة واحدة رغم أنه يرى أن الكثير منا قد أكل وجبة أُخرى.

كان هناك بعض الطلبة لا يستطيع دفع الثمانية دراهم قيمة وجبة الغداء، ولا قدرة لأصدقائه على دفعها، فما كان منهم سوى غسل يديهم ومُغادرة المطعم من دون وجود من يُحاسبهم، بعضهم يظن أنه إستغفل (أبو سامي) والبعض الآخر يعتقد أن أبا سامي يعرف بهذا الأمر، ولكنه يغض الطرف، وأنا أظن ذلك، لأن في الرجل ذكاء بقدر ما فيه من طيبة.

كان محمد العيد التونسي يرغب بالمبادرة في دفع مبلغ الغداء، ورغم طيبته ووداعته وحُسن نيته، إلَا أنني لم أكن أسمح له بدفعه، وإن كنت أستشعر أن كل ما يملكه من مال إنما هو ملكي وملك جميع العراقيين، ولن يكون هو سوى ضيف مُعزز مُكرم بيننا، ولكن هذه ليست مُشكلته إما هي مُشكل عراقي أصله الدكتاتور وجذَر له بمنحه الهبات وأموال العراقيين للعرب الماوالين له، بل ومن غير الموالين، ليُؤكد نزوعه القوموي، وإن كان ظل أبناء البلد يطبخون الحصى ليُسكتون به جوع أولادهم، وهي ليست مشكلة العرب الذين تنعموا بخير العراق بفضل هيام السلطة بالشعارات الوحدوية والقومية ومحو الروح الوطنية وإن تماهوا معه في هذه الشعارات. وربما هي ذاتها مُشكلتنا اليوم، فأبو سامي الفقير يهبنا نحن الطلبة بعض أموال أبنائه الذين هم أحق منا بها، ولأبي سامي الحق في أن يهب ما يملك، فهي عادة عراقية في إكرام الضيف، فأبو سامي يهب ماله من كده وعرق جبينه، وهو بفعلته هذه إنما ينحت سجل العطاء العراقي في ذكرتنا نحن الذين تذوقنا حُسن مُلاقاته وجذل سخائه.

لكن الأمَر الأدهى هو أن يهب الإنسان ما لا يملك لمن لا يستحق، فذاك ما كان يفعله الديكتاتور الأرعن، وهو ذات الأمر الذي فعله حُكامنا الأرعن منه في يومنا هذا الذين يهبون ما لا يملكون، من منافع اجتماعية وفساد مالي لأجل دعايته الإنتخابية، فيسرقون أموال الضحايا والشهداء ليمنحوها لمن لا يستحق من المتملقين والمُنافقين من المُتأسلمين.    

 

د. علي المرهج

 

 

ali almirhigلم تكن لدينا خيارات كثيرة للعيش والإستمرار بالدراسة في الكلية سوى أن نبحث عن فرصة عمل، كنا نسكن في فندق في بداية شارع الجمهورية من جهة باب المعظم، مُقابل القسم الداخلي للبنات، إسمه "فندق العراق الحديث"، لا يوجد فيه شيء حديث سوانا، نحن القادمين من أقاصي الجنوب، فقد كان أغلبنا من محافظة ذي قار.

كان فندقاً عتيقاً رغم وسمه بالحديث، علو سقفه يقترب من الأربعة أمتار، كنا نسكن فيه أنا وأخي صلال وإبن عمتي شاكر الذي كان يدرس في المعهد الطبي، قسم الأطراف الصناعية، القريب من سُكنانا. كان معنا زميل لي في الدراسة الإعدادية ولإبن عمتي شاكر في المعهد الطبي طيب المعشر، هو غفار شاكر محمود، فيه شيء من الترافة والوداعة التي خلت منها كثير من محطات حياتي، وربما كان الأمر مرتبط بطبيعة معيشة كلانا، فأبوه على ما أذكر كان مُعلماً في السبعينيات من القرن المُنصرم، وكلنا يعرف مستوى المعيشة الجيد للمعلم آنذاك، فكان في غفار بقايا هذه العيشة المترفة نوعاً ما، لم يكن غفاراً يُجيد المُزاح ولا يستحسنه كثيراً، وكنت أنا ممن يقضون يومهم بالمُزاح، ربما لأنني أجد فيه بعض من كسر رتابة اليوم الذي أنهكتنا فيه الدراسة والعمل معاً. لا أعرف أخبار غفار اليوم وكل ما أعرفه عنه أنه لا زال بخير ويحمل ذات الطيبة والبراءة التي عرفته بها.

كان الفندق مليء بطلبة المُحافظات الفقراء، وفيهم بعض ممن هم من أهالي بغداد حتى بعض العوائل التي أنهكها الحصار، فضاقت بها أرض الرافدين، فلم تجد لها من مأوى سوى هذا الفندق.

كانت شُرفات الفندق ولا زالت شُرفات أشبه بالشناشيل، إلَا أنه يحمل شكلاً معمارياً مُستمد من العمارة البريطانية كما أظن، ولربما يكون بناؤه أيام إحتلال البريطانيين للعراق، وقد شاهدت في ميادين القاهرة ما يشبه في عُمرانها وشكلها الخارجي هذا الفندق.

ما كان يلفت إنتباهي فيه، هو مراوح الفندق الضخمة، والتي كانت كما يُقال عنها أنها هندية، وفي إحدى الليالي وأنا نائم في الغرفة، شعرت بسقوط شيء وصوت مُدوي قُربي، ولكنني من شدة التعب لم أعر لذلك الصوت أهمية، إلَا حين إستيقاضي صباحاً، فقد وجدت "ريشتين من ريش المروحة السقفية الهندية على جسمي، دُهشت في حينها، كيف تسنى ليَ الإستمرار في النوم وقد سقط مثل هذا الجسم الضخم عليَ، ربما كان التعب والإجهاد تفسيري في هذه اللحظة، ولكني اليوم أُفسره باللامُبالاة في الحياة، فالوجود بها من عدمه سيان، لأنك ميت وأنهم لميوتون، حصار وعمل ودراسة وإحساس باللاجدوى.

كانت الكهرباء كثيرة الإنقطاع، فكنا ننام على سطح الفندق، فتصور المنظر، فندق فيه أكثر من عشرين غرفة، كل غرفة يسكنها أربع إن لم يكن أكثر، أي ما يقرب من المئتين فوق هذا السطح، ولو قلنا أن نصفهم لا يرغب بالصعود ويفضل البقاء في غرفته التي "يلعب بيها الهوى من كل حدب وصوب، في الشتاء وفي الصيف، فلا يوجد شُباك يُقفل، وإن كنا نستطيع إقفاله، فلا زجاج فيه"، فلم يكن من ينام في سطح الفندق أفضل حالاً ممن ينام في غرفته، والعكس صحيح.

كان الفندق مليء بالأرضة، والديدان وحتى "القمل" مرافقه الصحية لا صحة فيها، تبحث عن إناء "بطل بلاستك" كبديل عن إبريق، فندق بلا فندقة، خارج مراقبة وزارة الصحة، إن لم يكن خارج التاريخ.

كنا أنا وصلال وإبن عمتي شاكر، نغيب في يوم السبت والخميس إستراحة "أوف" بلغة الجامعة، خلال هذه الأيام الثلاث نذهب لمسطر العمالة للعمل في البناء أو النجارة أو "الخباطة"، بعد أن تركنا العمل مع أبي في نجارة سطوح المنازل "القالب"، رغبة منا في البحث عن دخل أفضل، لم تكن يومية العامل آنذاك تتجاوز الخمسة عشر ديناراً كأقصى حد، فلو حصلنا على ثلاثة أيام سيكون لدى كل منا مبلغ وقدره (45) ديناراً وبعض الأسابيع لا نجد عملا ليوم أو يومين، ولكن المبلغ كان جيداً في ذلك الوقت، لأن من لا يعمل من زملائنا لم يكن يحصل من أهله سوى (40) ديناراً أو ما يقرب في الشهر، فكنا نحن بالقياس لهم مُرفهين، بل وميسوري الحال (!!).

كان شاكر رفيق دربي وعيشي في (قلعة سكر)، فهو يتيم الأب، وعمتي تسكن في القرية، ونحن في المدينة، فسكن طيلة أيام الدراسة المتوسطة والإعدادية معنا نحن أبناء خاله، وحينما تم قبوله ببغداد، في المعهد الطبي قبلي بسنة سكن في بيت أبي في مدينة الشعب، وبعدها لحقته، حينما تم قبولي في كلية الآداب بقسم الفلسفة في جامعة بغداد، فكان سكننا في بيتنا الثاني، ولكن ضنك العيش وكثرة الأخوة وروح التمرد عندنا، جعلتنا نختار الإعتماد على أنفسنا وتخليص أبي من "مصاريف" لا طاقة له بها أيام الحصار، وقد تقبل الأمر على مضض، لثقته بنا، ولم نخذله يوماً، فصرنا مصدر فخر له كما أعتقد.

كنا في الأيام التي لا نحصل فيها على عمل، نحاول ترتيب معيشتنا بالطبخ في غرفة سُكنانا في الفندق، وكان شاكر قد أتقن طبخ "الباقلاء" بالدهن من دون بيض، فكانت هي فطورنا وغدئنا في كثير من الأيام، وحينما نستكمل الفطور أو الغداء يستذكر الله إبن عمتي شاكر على النعمة التي نحن فيها، فكنت أستهجن تحميده، فأقول له "هي تشريب باكلا وفركاعة، شتريد يسوي بنا بعد، يطيح حظنه أكثر، عساها إبختك، دكوم يططوه"، فيضحك هو بشدة ويقول ليَ " ظل إنته بهاي إسوالفك، وشوف الله شيسوي بينه النوب"، فقلت له "بس كوم من يمي وهيه تنعدل"، ولكن الفندق ساء حاله وإن تحسن حالنا بعض الشيء، مثلما ساء حال العراق، وإن بقيَ شاخصاً، ولو نطق لأخبرنا بحكايات أناس ما قدروا أن يُوثقوا بعض من مآسيهم...وللحكاية بقية.

 

diaa nafie2استلمت كثيرا من الرسائل والتعليقات حول مقالتي بعنوان – (ستون عاما على تأسيس كلية اللغات في جامعة بغداد)، واود هنا ان اتوقف عند بعض هذه الرسائل، اذ اني اعتقد ان تلك النقاط التي أثارتها هذه الرسائل مهمة جدا ويمكن لها ان توسّع الافكار حول ذلك المقترح، وتجعله أكثر تكاملا . وتلخيصا لكل هذه المقترحات وبلورتها، نحاول في أدناه وضعها على شكل نقاط محددة، ومن المؤكد ان  تبرز مقترحات اخرى عند تنفيذها، وهي كالآتي-

1 – تعليق صور التدريسيين الراحلين كافة في أقسامهم العلمية .

2 – تعليق صور العمداء السابقين كافة في غرفة عميد الكلية، بما فيهم عمداء معهد اللغات وكلية اللغات قبل القرار غير العلمي بتاتا  بدمجها مع كلية الآداب .

3 – تعليق صور معاوني العميد السابقين كافة في غرفتي معاوني العميد.

4- تعليق صور رؤوساء الاقسام العلمية السابقين كافة في غرفة رئيس القسم المعني .

5- تكريم التدريسيين المتقاعدين كافة الباقين على قيد الحياة في حفل خاص تقيمه عمادة الكلية بالتعاون والتنسيق مع الاقسام العلمية، وان يكون هذا الحفل كبيرا ومهيبا، ويحضره رئيس الجامعة او من يمثّله وممثل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وتقديم هدايا رمزية لكل واحد منهم.

6- يطلق على قاعات كل قسم اسماء التدريسيين الراحلين من ذلك القسم.

7- يعقد كل قسم مؤتمرا علميا يتناول تاريخ القسم واعلامه، ويبحث المشاكل العلمية فيه والمقترحات لحلها، ويطرح فيه التدريسيون آفاق مستقبل القسم، بما فيها آفاق التعاون العلمي اللاحق مع الاقسام المناظرة في جامعات العالم العربي بشكل خاص، وبقية جامعات العالم بشكل عام .

8- يعقد كل قسم ندوة خاصة تتناول مستقبل خريجي ذلك القسم، واتخاذ قرارات وتوصيات محددة بشأن هذه القضية المهمة، والمطروحة بشكل حاد جدا امام الخريجين بشكل خاص و المجتمع العراقي بشكل عام، وان يشارك الطلبة وبصورة فاعلة في اعمال هذه الندوة .

9 – تصدر مجلة كلية اللغات العلمية عددا خاصا بهذه المناسية، تشارك فيها الاقسام العلمية كافة، ويتم نشر فهارس الاعداد السابقة لتلك المجلة منذ تأسيسها، اذ توجد هناك البحوث العلمية للتدريسيين السابقين والحاليين، وذلك احتراما للجهود العلمية التي بذلوها في تاريخ الكلية واقسامها العلمية كافة .

10– تعقد الكلية بعد الانتهاء من تنفيذ الفقرات تلك مؤتمرا علميا واسعا وكبيرا تشارك فيه الاقسام العلمية كافة، والمتخصصون العراقيون والعرب والاجانب وحسب الامكانيات المتاحة في حينها.

اننا نعتقد ان تنفيذ هذه النقاط لا تستوجب امكانيات مادية ضخمة لتحقيقها، ولكنها تتطلب همّة عالية ووقتا لازما وعملا تنظيميا دقيقا ومتابعة ادارية حازمة، واننا على ثقة كاملة، ان كل هذا العناصر متوفرة في عمادة كلية اللغات وادارتها وأقسامها العلمية .

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

amir hushamalsafarتوفي قبل ما يقرب من عام في مقاطعة ويلز في بريطانيا الراحل الأستاذ المحامي العراقي صباح عريس. وبهذه المناسبة فقد عقدت الجمعية العربية للثقافة في ويلز أمسية خاصة أستذكرت فيها الرجل وهو الذي كان له باعه الطويل في خدمة الجالية العراقية في بريطانيا اضافة الى خدماته الجليلة في القانون والحقوق في بغداد ولفترة تقرب من 50 عاما. وكان الفقيد قد أصدر قبل ثلاثة اعوام كتابه المهم وباللغة الأنكليزية والذي جاء بعنوان "محامي بغداد" ليسرد فيه وعبر 25 فصلا مسيرته مع القضاء العراقي وطبيعة خدمته القانونية في بغداد وهو الذي كان له مكتب محاماة معروف.

عرف العراق المحامي والمحاماة في بدايات القرن العشرين فصارت فيه نقابة للمحامين وذلك عام 1918 بعد الأحتلال البريطاني، وفي هذا أصدر ناظر العدلية – البريطاني الجنسية – اعلانا بتاريخ 16/10/1918 جاء فيه :" ليكن معلوما عند جميع – الافوكاتية –  (اي المحامين) أن من يرغب في الممارسة لدى محكمتي البداءة والاستئناف، عليه أن يستخرج لنفسه رخصة بها من نظارة العدلية، وعليه أن يقدم عريضة (استدعاء) الى الدائرة المذكورة ، تتضمن البراهين الكافية التي تدل على كفائته، والقيام بوظيفة المحاماة ، ولقاء مضمون هذه البراهين مما يتبين منها ان صاحب العريضة حائز على شهادة في مكتب الحقوق، أو رخصة من ناظر العدل التركية . ويجب ان تلحق الشهادة بالعريضة وتضم اليها وبعد ايام ينتمي الى قانون المحامين الذي سنه ناظر العدلية.".

 لقد أدرك الراحل صباح عريس عظم المسؤولية الملقاة على عاتق المحامين، فما كان منه الاّ أن درس المحاماة عبر دراسات عليا، فتخصّص عبر رسالته في دكتوراه القانون في موضوعة "الظروف المشددة في العقوبة" حيث كتب في مقدمة أطروحته " يعتقد البعض وعلى رأسهم الفيلسوف اليوناني سقراط أن الفضيلة تقرن بالمعرفة، واننا حين نتوصل الى أيضاح وتجسيد الفيصل القائم بين الخطأ والصواب بشكل تدرك كنهه العقول البشرية، نكون قد أقمنا دعائم أخلاقية شاملة تسود مجتمعاتنا الأنسانية. ولكن هذا الرأي على ما فيه من وجاهة منطقية ظاهرة تعتمد على اسناد أفعال الأنسان الى أرادة واعية، يفتقر الى دعائمه في الواقع، لأنه قد أغفل الجانب اللاعاقل في طبائع البشر وتوهم أن أفعال الأنسان جميعها تجري وفاقا للعقل وحده، فمتى توافرت معرفة العقل تحققت خيرية الأفعال، مع أن أكثر الأفعال يقوم بها الناس وهم مسوقين بالأهواء والأنفعالات وهي الجانب اللاناطق واللاعاقل ، فالتجربة أثبتت أن الناس يدركون الخير ومع ذلك يجنفون عنه، وينصرفون عن أتباعه، ويعرفون الشر ولا تحول معرفتهم له دون الأقبال عليه والأرتماء في حبائله، لذا فيجب علينا أن نعي وبشكل دقيق الظروف التي تحرك هذه التيارات بشكل يدفع الأنسان صعودا الى قمم الفضيلة أو هبوطا الى درك الجريمة".

ومن هنا يمكن للباحث في حياة الراحل المحامي صباح عريس أن يستدل على ثلاثة جوانب في حياته العملية تلخص فلسفته القانونية:

1: أن ممارسة المحاماة وتطبيق القانون لا يمكن عزله عن الجهد العلمي المتواصل والبحث المضني الذي لابد من أن يوصل صاحبه الى الحقيقة التي يسعى أليها وجدانه وضميره. لقد تركت تجربته العلمية في دراسة القانون عبر الحصول على الدكتوراة من جامعة بيروت أثرا مهما في حياته العملية توضح عبر منهجه العملي في التعامل مع الحالات الصعبة التي عرضت عليه خلال الخمسين عاما والتي قضاها في ممارسة مهنة المحاماة في العراق.

2: أن للمحامي حدسه وحاسته السادسة في القضايا التي تطرح عليه، ولكنه لا يجب أن يتخلى عن الجهد الجهيد الذي يجب عليه بذله في سبيل الحصول على الدليل الجرمي الخاص بقضية معينة.

3: أن المحامي يتوجب أن يكون شجاعا غير هيّاب، ونزيها لا تأخذه في الحق لومة لائم.

يقول الراحل صباح عريس " أن علماء الأجتماع وفلاسفة الأخلاق، قد حاولوا منذ العهود القديمة دراسة تصرفات الأنسان ووضع المعايير والمؤشرات التي تهدي الباحث الى مواطن الضعف والقوة فيها، توصلا الى مجتمع تسوده الفضيلة وتختفي منه نوازع الشر والأجرام، ولكن هذه المساعي، رغم سعة شمولها وأنتشارها، لم تستطع الى يومنا هذا وضع صيغة معينة للتصرفات البشرية وأيجاد معادلة تؤدي عند أعمالها الى أيجاد مجتمع بلا جريمة، لأن الجريمة هي نتيجة تفاعلات أجتماعية وأخلاقية وبشرية من الصعب جدا السيطرة عليها أو كبح جماحها، وأن على هذه المجتمعات أن تعد العدة للتعايش مع الجريمة باعتبارها جزءا من حياة المجتمع الذي لا يمكن تصور وجوده بدونها".

لقد جاء كتاب "محامي بغداد" للأستاذ الفقيد صباح عريس ليوثق الخبرة القانونية في مرافعات القضايا الكبرى في بغداد وقضايا جرائم القتل العمد الجنائية أضافة الى قضايا الأغتصاب المرتبطة بالقتل والقتل غسلا للعار كما أصطلح عليه. وفي كل ذلك كان ديدنه البحث عن الحقيقة حتى أذا وجد المتهم مظلوما تصدى للقضية ودافع عنه لأحقاق الحق بعيدا عن أي تمييز بين الناس على أسس الدين أو العنصر.. بل أن الراحل عريس كان قد عمل على قضايا صعبة مهمة مجانا أحيانا ودون أتعاب. ولعل عناوين بعض فصول الكتاب تعطي الأنطباع عن المادة المكتوبة وعن طبيعة مسيرة العمل: " الثورة والسيكائر، التحذير، الأعتراف، رجل القفص، ابنة القاضي، الرشوة، العودة الى بغداد، قضية شرف، شبح 9/11، الحرب العراقية الأيرانية.. وغير ذلك.

الراحل صباح عريس .. شاعرا

لعل طبيعة عمل المحامي قد جعلته قريبا من روائع الأدب والأدباء.. فهذه أحدى أهم الجامعات في بريطانيا مثلا (اكسفورد)  تنشر بحثا عن أستشهادات المحامين في مرافعاتهم المكتوبة أو الشفهية أمام القضاة بالشاعر وليم شكسبير وبالكتّاب جورج أورويل وتشارلز ديكنز مثلا.. وما كان الرجل المحامي العراقي صباح عريس بعيدا عن ذلك فسلّح نفسه بثقافة عربية جيدة وبلغة متقنة مكنته -وهو في مراحل حياته كان قريبا من الشعر والشعراء- من أن يكتب في الشعر ويؤلف القصائد التي نالت أستحسان قرائه.. ويروي أنه كان يوما في لقاء مع الشاعر المعروف نزار قباني حيث ألتقاه في لبنان على دعوة عشاء، وأثناء ذلك ألّح قباني على عريس أن يلقي بعضا من شعره فقال له عريس : ان حضر الماء بطل التيمم ولكن نزارا أصّر فقال له عريس: أنني تجرأت يوما ونظمت أبياتا على نفس وزن أبيات لك قلت فيها:

لا تطلبي مني حساب حياتي.. أن الحديث يطول يا مولاتي، فقد اتبعت أنا ذلك فقلت : والعمر قبس من ضياء شارد.. قد ضاع بين غياهب السنوات. فنهض نزار قباني هنا وعانقني ثم قال الحمد لله أنك منصرف للمحاماة..!..

ومن قصائد الراحل صباح عريس المهمة والتي نشرتها له جريدة الوطن الكويتية عام 1987 حيث كان حاضرا المؤتمر السادس عشر لأتحاد المحامين العرب، قصيدة يا عرب والتي جاء فيها:

زمزم برعدك وأسطع ايها الغضب.... فدون وهجك لن تسترجع الترب

يا ايها القوم مدوا للوئام يدا.... وأستلهموا مجد أمس زانه العجب

لا تبعدوا بعضكم عن بعضكم ودعوا.... صرح الأخوة نصب العين ينتصب

أن التفرق قد أغرى بنا نفرا.... لشرعة الحقد في أعراقهم نسب

يا أيها القوم كفوا عن مكابرة.... فنحن ان جّد جد كلنا عرب

وجرحنا جرحكم، لا فرق بين دم.... في الشرق يسفح أو في الغرب ينسكب

ما أحرى بوزارة الثقافة العراقية مثلا أو المراكز الجامعية العراقية أو العربية المختصة من أن تقوم بطبع المجموعة الشعرية للراحل المحامي الدكتور صباح عريس فتغني المكتبة العربية بأبداع رجل أبى الاّ أن يشارك شعبه وأمته في أفراحها وأحزانها عبر ما كتب وأبدع من قصيد.. كما أنه من الواجب القيام بترجمة كتاب المرحوم عريس " محامي بغداد" والمنشور عن دار نشر أميركية باللغة الأنكليزية الى اللغة العربية فهو الكتاب الذي تبقى مكتبتنا العربية القانونية بحاجة أليه ماسة... والله من وراء القصد...

 

عامر هشام الصفار

 

 

khadom shamhod2كتب فان كوخ الى اخيه –Teo – (ان الانسان لم يأت الى هذه الارض لكي يكون سعيدا فحسب، بل انه لم يات اليها الا لكي يكون ببساطة- امينا -، لقد اتى لكي يحقق اشياء عظيمة من اجل الانسانية ..) هذا الخطاب وكأنه ينطلق من نفس المنطلق والخط الذي تبناه جبرا في حياته، فهما ينتمان الى نفس المدرسة الدينية ونفس المفاهيم الانسانية ..

لقد كتب النقاد والباحثون والمؤرخون والمحللون عن جبرا الكثير بحيث لم يبقوا شيئا الا ونبشوه وبالتالي فنحن هنا لم يكن لدينا غير التذكير والذكرى لان في الذكرى منفعة وفيها تطمأن القلوب، ومن باب آخر فما جزاء الاحسان الا الاحسان لان جبرا له الفضل الكبير على الحركة الثقافية والادبية والفنية في العراق بل وفي العالم العربي اجمع .

السيرة الثقافية:

كان جبرا قد ولد في بيت لحم في فلسطين عام 1919 وبعد الدراسة الثانوية حصل على منحة لدراسة الآداب الانكليزية في جامعة لندن كمبرج (1939 – 1943) ثم انهى دراسته وعاد الى فلسطين، بعدها انتقل الى سوريا وكان هناك صدفة بعثة عراقية تبحث عن مدرسين للتدريس في معاهد وجامعات العراق فتقدم جبرا اليهم وتم القبول وانتقل الى بغداد . حط جبرا في العراق سنة 1948 في قت كان العراق لتوه قد خرج من العصور المظلمة القديمة ولذا كانت مرحلة الخمسينات حافة بالحركة التنويرية والفكرية والادبية والفنية في العراق . وقد اشار بعض النقاد العراقيين ان العراق قبل الثلاثينات يكان ان يكون مجهول الهوية بالنسبة للثقافة والفن . بمعنى ان العراق كان ايام الاستعمار العثماني في حالة كارثية ومحزنة خال من كل اي تحضر او تمدن ..

كان جبرا غزير الثقافة والانتاج وامتازع بالتنوع في الادب بين القصة القصيرة والرواية والشعر والنقد والترجمة والرسم فهو موسوعة فكرية واسعة ساعده على ذلك دراسته الاجنبية التي غذته بكل مفاهيم الحداثة والرقي . واصدر حوالي 70 كتابا في مختلف الحقول الفنية والادبية .. . (انفتاحي العريض على بغداد او انفتاح بغداد علي، لم اكن اتوقعه او احلم به، وجعلني ذلك في نشاط دائم موزع بين التدريس ومتعة اللقاآت، بالاضافة الى الكتابة والمحاضرات العامة والترجمة) .

كان بيته في منطقة المنصور يعج بالزوار من اهل الادب والفن والثقافة  وكانت الدردشات الثقافية لا تكل ولا تمل وكأن جبرا نزل على العراقيين من السماء . ولا تجد اديبا او فنانا او مثقفا الا ولجئ اليه بالاستشارة وطلب النصيحة .. وكان يمتاز بالهدوء والاعتدال والبساطة وعذوبة النفس وو داعتها .. عكس العرقي الذي يمتاز بالحرارة؟ . ولم يجرح احدا طيلة حياته سواء كان في كتاباته النقدية او دردشاته ومحاضراته . وقد سأله احد اصدقائه عن خلوا كتاباته النقدية من التجريح فقال له انه ينظر الى الايجابيات ويترك السلبيات ..

- اسس قسم الانكليزي في كلية الآداب في بغداد واخذ يدرس فيهاالآداب الاوربية، كما اسس مجلة – العاملون في النفط - في البصرة . له الدور الكبير في تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث مع جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد عام 1951. واسس ورشات فنية في كلية الآداب وغيرها . ترجم اكثر من 30 كتابا من اللغة الانكليزية الى العربية خاصة مسرحيات شكسبير والتي تعتبر من احسن الترجمات في العالم العربي لحد اليوم . كما كتب روايات في اللغة الانكليزية ثم ترجمها الى العربية . مثل – صيادون في شارع ضيق – وشارع الاميرات -

- احدث رجة تنويرية في الثقافة العربية وخاصة في العراق وربى اجيالا ادبية وفكرية واسس بيئة ثقافية جديدة . وكان السياب وغيره يعرضون اعمالهم علية ليأخذوا منه النصيحة والارشاد . كما ترجمت اعماله الى اكثر من 12 لغة اجنبة ..

اعماله الفنية:

كان جبرا رساما وصديقا لجماعة بغداد وقد نفذ كثير من الاعمال الفنية ذات الاسلوب الحداثوي يذكرنا باعمال المدرسة الوحشية والتعبيرية الالمانية، ولكنها لا تشير الى ذلك المستوى الاكاديمي والحذاقة والحنكة وانما اعماله تفصح عن مدى الافق المعرفي الواسع والطموح في الخلق والابداع والبحث عن الجماليات الفنية .. وكان بيته قد تحول الى متحف حيث نجد فيها اعمال جواد سليم وفائق حسن وشاكر آل سعيد وحافظ الدروبي وغيرهم من رواد الفن العراقي وكانت هذه الاعمال عبارة عن هدايا منحت له او اشتراها، كما ضم بيته مكتبة كبيرة فيها كنوز من روائع الكتب الاجنبية والعربية في مجال الثقافة والفن والادب والشعر وغيرها .. ولكن مع الاسف تعرض بيت جبرا المتحف الى انفجار متعمد من قبل الارهابيين بعد سقوط النظام الصدامي وتحول الى انقاض وركام واحترق كل شئ ..؟؟؟؟

دوره في الحفاظ على التراث:

يذكر ان ازمة العلاقات السياسية بين ايران والعراق في مرحلة السبعينات في زمن صدام كانت سيئة جدا . بحيث فكر صدام حسين بتهديم طاق كسرى في المدائن وتو جهت فرق التهديم بمعداتها من دوزرات وجرافات وشاحنات وغيرها ... ؟؟ ومعروف ان طاق كسرى كان من اكبر البلاطات في الشرق الاوسط شيد عام 540 م وهو مقر الملك الفارسي كسرى انو شروان وعند دخول المسلمين العراق عام 637 م حول البلاط الى مسجد .

و يذكر ان جبرا لما وصل اليه الخبر بان صدام حسين ينوي تهديم هذا الاثر العظيم ( يقال) انه قابل صدام وسلمه رسالة يشرح فيها اهمية هذا الاثر والتراث الذي ينتمي الى تاريخ العراق ترابا وارضا وان ابنا العراق هم الذين شيدوه بسواعدهم وانه ينتمي ماديا الى ارض العراق بغض النظر عن من امر بتشيده او سكن فيه، كما ان المسلمين حولوه الى مسجد ولم يتعرض اليه احد بسوء من كبار صحابة الرسول – ص - . ويقال ان صدام احترم رأي جبرا واقتنع بذلك وصرف النظر عن تهديمة . فاذا صحت هذه الرواية فيكون جبرا من اهم الشخصيات التي ساهمت في البناء والحفاظ على تراث وثقافة العراق .. بعد ذلك امر صدام حسين باعمار وترميم واصلاح البلاط وبناءه من جديد على طرازه القديم .

تكررت هذه الحادثة في زمن الخليفة هارون الرشيد ومعروف ان الرشيد كان قد جلب البرامكة الفرس لحماية عرشه وكان زعيمهم جعفر البرمكي من الاصدقاء المخلصين للرشيد . وكان الرشيد له اخت اسمها العباسة فوقع جعفر البرمكي بغرام العباسة (. ..) دون علم الرشيد ولما كشف الرشيد ذلك قرر الانتقام من البرامكة . ومعروف الحادث عند المؤرخين – بنكبة البرامكة – فقتل جعفر وطرد البرامكة ...و بسبب هذه الحادثة فكر الرشيد بهدم طاق كسرى ؟؟؟ فتدخل العقلاء من المقربين للرشيد ونصحوه بالكف عن ذلك، وفعلا تخلا عن تلك الفكرة وبقى القصر قائما بعمارته الاصلية حتى سنة 1888 حيث تعرض الى فيضان كبير ادى الى تهديم اجزاء كبيرة منه . ثم اعيد اعماره .. . هناك رواية اسمها- العباسة- رأيتها عند احد الاساتذة وكان يشرح لنا تلك القصة وما حدث للبرامكة كان ذلك ايام الدراسة الابتدائية ربما عام 1961 .

و بالتالي فان جبرا ابراهيم جبرا يعتبره البعض ابو الحداثة في الشعر الحديث ورائد من رواد التنوير في عالمنا العربي وله الفضل في خلق مدرسة للنقد والترجمة والتأليف والانفتاح على ثقافة العالم الغربي .. وجبرا هو مسيحي سرياني ارتوتكسي، وجبرا كلمة آرامية تعني القوه او الشدة وقد تزوج من عراقية وانجبت له ولدان واكتسب الجنسية العراقية وبقى في العراق رغم المآسي والحروب ولم يعد الى فلسطين حتى وفاته عام 1994 حيث دفن في بغداد .. نتمنى ان نرى له تمثالا في احد ساحات بغداد من قبل اهل الثقافة والفن والادب (والكرم) ؟؟ والمثل يقول ( من علمني حرفا ملكني عبدا) اما مسؤلي الدولة فنقرأ عليهم الفاتحة ؟؟؟ ... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

latif oqayliيقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة. 

بعد أنْ أنهى السَماوي المرحلة الثانوية مِنْ دراستِه فِي مدينةِ الديوانية، كانَ لِزامًا أنْ يودع أهاليها الودودين، وَمقاهيها الشعبية المشبعة بعبقِ مَا تهالك مِن "الحصران" المفروشة عَلَى الأرائكِ الخشبية، فضلاً عَمَا أستطيبه مِنْ رحابِها المليئة بالإنسانيَّةِ وَالطيبة وَالتراثِ قاصداُ بوابةِ المُسْتَقْبَل المنشود فِي بَغْدَاد العاصِمة؛ لأجلِ إتمام رحلة أحلامه الَّتِي بدأت فصولها - فِي وقتٍ مبكر - مِنْ أزقةِ صوب الغربي فِي جنتِه الأرضية، وَمَا برحت تُراود نومه، فَلا ريب أنَّ مَا تَحَمَلَهُ وَحَمَلَ أسرته الكثير مِنْ أجلِه، مَا كان ليمنحه فرصة التفكير بالوقوفِ فِي منتصفِ الطريق، وَإنْ بدت بعض مسالكه المتشعبة وَعرة، وَبعضها الآخر أكثر مشقة. وَالْمُلْفِتُ أَنَّ تلك المدينة الَّتِي تتوضأ صباحاتها بمياه فرعٍ مِنْ نهرِ الفرات يشار إليه باسْمِ " شط الديوانية "، أحبها السَماوي بشغفٍ لا حدود له، فلطالما كانت أمكنتها - بفرحِ أيامها ومَا تخللها حيناً مِنْ وجعٍ - حاضرة فِي ذاكرته وهو يحث خطاه فِي هذه الحياة مَعَ العابرين، فالأشياء الجميلة كما فِي الحكمةِ الَّتِي سمعتها ذات يوم مِنْ معلمِ يساري الهوى صيرته سلطة الاستبداد مجنوناً يفترش أرصفة مدينتي " لا تموت ".

قد يظن بعض القراء أنَّ هناكَ اختلافات كبيرة فِي طبيعةِ الحياة أو فِي أساليب المعيشة، تميز مُجْتَمَع مدينة الديوانية عَنْ بيئةِ مُجْتَمَع القضاء الَّذِي ولد ونشأ فِيه السَماوي، وَالَّتِي مِنْ شأنِها المُسَاهَمَة فِي إحداثِ فجوةٍ ثقافيَّة وَحضارية مَا بَيْنَ المدينتين، فالواقع يشير إلى تشابه ظروفهما مِنْ حيث قساوة الظروف الاجْتِماعِيَّة وَالحرمان مِنْ أبسطِ متطلبات الحياة بفعلِ انخفاضِ الدخل وَندرة الخدمات البَلَديَّة وَالاجْتِماعِيَّة وَشيوع الفقر المريع مَا بَيْنَ الأهالي فِي كليهما، بَيْدَ أنَّ الشيءَ الوحيد المميز فِي تلك الحقبة مِنْ حياةِ السَماوي يتمثل بالفسحةِ غير القليلة مِن الحريةِ الَّتِي منحها إياه وجوده فِي مدينةِ الديوانية؛ إذ أضحى بمقدورِه السهر وَارتياد المقاهي مَعَ نخبةٍ مِن الأصدقاء " أدباء وَزملاء دراسة "، فضلاً عَنْ قدرته عَلَى السفرِ إلى بغداد وَكربلاء وَالمسيب وَالحلة مِنْ دُونِ الحاجة لاستئذانِ أبيه.

 أفـرَغْـتُ قــلــبـي مـن ســواكَ حـبــيــبـي

فاطـفِـئْ بـمــــــاءِ رضـاكَ جـمـرَ ذنـوبـي

أطْـمَـعْـتَــنـي بـالـعـفـو مـنـكَ فــلـيـتــنـي

بــدءَ الــشـروقِ عـرفــتُ حَـتْـمَ غـروبـي

لـو كـنـتُ ذا لُـبٍّ : جَـنـحـتُ بـمـركـبـي

عـنْ جُـرفِ صــهــبــاءٍ ومــوجَــةِ كُـوبِ

دائـي عـــصِــيٌّ لا شِـــفــاءَ لِـــبُـــرئِــهِ

إلآ رضــاكَ فــمـا سِــواكَ طـــبـــيـــبـي

***

لَعَلَّنا لا نبعد عَنْ الواقعِ أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ بواكيرَ تجربته الإبداعية أزهرت فِي أرضِها الطيبة وتمخضت عَنْ إصدارِ أول دواوينه الشعرية الموسوم " عيناك دنيا "، وَالَّذِي لَمْ يحزّ رضاه لاحقاً؛ إذ أَنَّه بحسبِه " بدا مِنْ خلالِه ظلاً باهتاً للشاعرِ الراحل نزار قباني "، لكني أكاد أجزم أَنَّ ديواناً شعرياً أفرزه إبداع السَماوي، وَكتب مقدمته الدكتور حاكم مالك الزيادي " رحمه الله "، وَحظي باهتمامِ شاعر كبير هو المرحوم محمد علي الخفاجي الَّذِي كتب كلمة غلافه، إلى جانبِ رسم لوحة غلافه مِنْ قبلِ الفنان رسمي كاظم الخفاجي، لا يمكن أنْ يكون مِنْ حيث مستوى الأداء الحسي مثلما وصفه صاحبه - فِي مرحلةِ نضجه الأدبي - بعباراتِ عدم الرضا، حتى وإنْ كانت مشاعر فترة المراهقة وَعواطفها الجياشة تخيم عَلَى " ثيمة " قصائد المجموعة الشعرية برمتِها، بَيْدَ أنَّ أحدَ صفات الإنسان الجميلة المتمثلة بمظاهرِ التواضع الَّتِي يتحلّى بها السَماوي، تُعَدّ مِنْ وجهةِ نظرٍ شخصية السبب فِيما وصف بِه مجموعته الشعرية البكر، وَلعلَّ خير مصداقٍ عَلَى مَا تقدم ذكره هو مَا يردده عَلَى الدوامِ مِنْ " إنَّه مجرّد كلمة تحاول أنْ تكون جملة مفيدة فِي كتابِ الشعر العربي وَالإنساني ... بل : مجرّد حرف يُحاول أنْ يكون كلمة ذات معنى "، وَلكن افتراض السَماوي القائم عَلَى التمسكِ بصفةِ التواضع وَهو يجهد فِي تشكيلِ لوحاته الشعرية الَّتِي تحاكي هموم الإنسان وَتنحاز بامتيازٍ لقضاياه العادلة - بمعزلٍ عَنْ الحاجةِ إلى النجوميةِ كغريزةٍ بشرية مشروعة - شيء آخر، فالواقع يشير إلى مَا لا يقبل الشك، وَبحكم مَا اتفق عَلَيه كبار النقاد وَالكتاب وَالباحثين مِنْ أَنَّ منجزه الإبداعي عَبّرَ منذ بواكير نشأته الأدبية الأولى عَنْ مشروعِ شاعرٍ واعد يتمتع بلغةٍ شعرية رفيعة المستوى، فضلاً عَنْ غناها بالبلاغةِ وَالفصاحة، وَالجميل مِنْ صورِ التعبير عِنْ الأفكارِ المناهضة لصناعةِ الخوف وَالاستبداد، وَمَا مِنْ شأنِه تشويه صورة الإنسان وَالحب وَالجمال، فالسماويّ مثلما وَصفه يوسف جزراوي - الأب: " غرسَ الأثر بعد أن عرفَ كيف ينقش أسمه بالحجر والبشر "، وَهو أيضاً " الينبوع الذي يفيض بالشعر والاحساس " بحسبِ الشاعر سلام محمد البناي، فِيما يشير الشاعر وَالأكاديمي سعد الحجّي إليه بقوله: " السماوي شيخنا، شعراً ولغةً، هو شيخنا وهو المجدد بشباب روحه لشباب الشعر ".  وَالسَماوي يحيى مِنْ وجهةِ نظر الشاعر جواد الحطاب: " هو الغزل نفسه، أو هو مَن يلوذ الغزل باكتار مضيفه العامر بالعواطف ليرتاح هنيهة ". ولعلّ مِن المناسبِ الإشارة هُنَا إلى مَا كتبه قبل سنوات الشاعر وَالباحث الحلي صباح محسن جاسم عِنْ السَماوي يحيى، وَالَّذِي نصه: " مذ عرفته عام 1968 فِي الديوانية، كان عاشقا .. حتى غمز عشقه باكورة اشتغاله الشعري  ديوانه - عيناك دنيا - بأرضيةٍ بيضاء وكلمتين بلون الكرز ". وثمة شهادة - مِنْ بَيْنَ مَا تيسر للباحثِ مِنْ شهادات - كتبها القاص حمودي الكناني يقول فِيها: " السماوي احد ابرز الشعراء العراقيين الذين رسموا شموخ النخل على ضفاف الفراتين بلوحات لا تسعها المتاحف ". وَمَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ مَا سجلته آنفاً مِنْ آراءٍ أو شهادات، يُعَدّ غيضاً مِنْ فيضِ مَا قيل عَنْ أدبِ السَماوي يحيى، الباذخ بثرائِه اللغوي وَالمائز بصورِه الشعرية الساحرة.

***

لـيْ حُـلـمـانْ ..

الأولُ : أنْ أجـمـعَ بـيـن جـذوري والأغـصـانْ

الـثـانـي : ألآ يـسـرقـنـا الـبـيـدرَ والأعـنـابَ

نـواطـيـرُ الـبـسـتـانْ !

***

لـيْ أمَـلانْ :

أنْ يـُولـدَ فـي كـلِّ مـديـنـةِ قـهـرٍ " جـيـفـارا "

لـيـدكَّ بـفـأس الـعـدلِ الآلـهـةَ الأوثـانْ

والـثـانـي :

أنْ أحـضـرَ آخـرَ مــشـهــدِ قـتـلٍ

يُـقـتـلُ فـيـهِ : الـفـقـرُ .. الـقـهـرُ .. الـظـلـمُ .. الـرعـبُ ..

وكلُّ عـدوٍّ لـلإنـسـانْ

***

عودٌ عَلَى بدء، كان السَماوي يحيى قد حظي خلال أقامته فِي مدينةِ  الديوانية بصداقاتٍ رائعة مَعَ نخبةٍ مِنْ أبرزِ أدباء المدينة وَمثقفيها، وَالَّذين أصبح لهم بعد سنوات مِنْ تلك الأيام شأن فِي الْمُجْتَمَع، إلى جانبِ مثابرتهم عَلَى المُسَاهَمَةِ فِي تفعيلِ المشهد الثَّقَافي المَحَلّيّ وَإدامته. وَلعلَّ مِنْ بَيْنَ أبرزِ تلك الشخصيات الاجْتِماعِيَّة القاص زعيم الطائي، الناقد وَالشاعر عذاب الركابي، الروائي سعدي السماوي، الناقد رحيم صالح، الشاعر صالح الموسوي، عزيز الحلي، عزيز داخل، زيد غانم الجصّان، القاص صباح محسن جاسم ، القاص الراحل جاسم الشويلي، وَالشعراء الشعبيون الراحل عزيز السماوي ( 1948 -2001 ) الَّذِي قال عَنه الأستاذ الدكتور عبد الإله الصائغ بعد مماته بعيداً عَنْ أرضه وَأهله " ولد عزيز السماوي 1948 ولم يمت حتى الآن "، الدكتور كامل سرمك حسن، الراحل كامل العامري ( 1944 - 2008 ) صاحب القصيدة الخالدة الموسومة " إلى شهيد " الَّتِي كتبها بحقِ المناضل الشيوعي الشهيد " محمد الخضري " الَّذِي اغتالته قوى الظلام فِي مطلعِ العقد السابع مِن القرنِ الماضي، وَضمنها ديوانه الوحيد " كلمات على وجوه الريح "، الراحل جبار سمير وَالراحل علي الشباني ( 1946  - 2011 ) الَّذِي كتب عَنه  الكاتب ثامر الحاج امين قائلاً: " واجه جراء مواقفه السياسية الثابتة الكثير من الملاحقة والسجن الذي دخله وهو في السادسة عشرة من عمره فكان أصغر سجين سياسي عرفته السجون العراقية أبان ستينيات القرن الماضي، ورغم كل العسف والظلم الذي لاقاه الاّ انه ظل مخلصا لأفكاره، متوردا بالأمل واليقين من صواب مسيرته وقناعاته، وقد جسد ذلك في معظم منجزه الشعري". كذلك غدت للسَماويِّ صداقات مَعَ بعضِ أساتذته فِي الثانوية. وَأَدْهَى مِنْ ذلك أَنَّ الديوانيةَ - الَّتِي أصابته لعنة التدخين فِي أيامِها - مَا تَزَال حاضرة بعبقِ ذكرياتها فِي وجدانِه؛ إذ أَنَّ طِيبَ الإقامة فِيهَا يؤرِّقُه للآنِ شَوقاً لثانويةِ التحرير، حي رفعت، حي المتقاعدين، حي نواب الضباط، مطعم حمد الأعرج مقابل فندق النصر، لبن عاشور وحتى " مركز شرطة حي رفعت ". فلا عَجَبٌ أَنْ تبكيه قصيدة للشاعرِ سعد جاسم قرأها ذات يوم عَنْ مدينةِ الديوانية.

***

تـائِــبـاً جــئـتـكِ مـن يـومي وأمــسـي

فـامـلـئـي مـنـكِ بـمـاءِ الـعـفـوِ كأسـي

لَــبـِــسَ الــلـــيـــلُ صَــبـاحـي فــأنــا

بـيـن دَيـجـورَيـنِ فـي حـزني وأُنـسي

ويْـحَ غـرسي مـن حـصادي ما الـذي

ســوف أجـنـيـهِ إذا الأوهـامُ غَـرْســي ؟

بـادَلـــتْ جَــمــراً بـــمــاءٍ شــفــتـي

ودجـىً ـ بـادَلَـتِ الـعـيـنُ ـ بـشـمـسِ

***

عيناهُ شاخصتان ترمقان الأفق مِنْ خلالِ الزجاجة الأمامية للحافلةِ المتجهة إلى بَغْدَاد الَّتِي استقلها ذات فجرٍ مِنْ مرآبِ بَغْدَاد فِي السَماوة، وَهمَا فِي حالةِ توائمٍ وَانسجام تام مَعَ مَا يتوقف مِنْ كلماتٍ فِي ذهنِه بفعلِ زحمة الأفكار الَّتِي تُجمعت فِي رأسِه حول مَا يمكن فعله بفضاءاتِ رحلته الجديدة فِي العاصمةِ بَغْدَاد، وَالَّتِي يَبْدُو أَنَّ صعوبةَ تحقيق بعض الأنشطة الخاصة فيِها يجعلها فِي مصافِ الألغازِ الشائكة، فالسَماوي متيقن تماماً مِنْ أَنَّ محاولةَ إرتياد مَا يتمني مِنْ مرتقى فِي القادمِ مِن الأيام أمرٌ شاق، ورُبَّما يكون محفوفاً بكثيرٍ مِن المزالق، فالوصول إلى مبتغاه يتطلب الكثير مِن الوقتِ وَالجهد وَالصبر وَالحذر أيضاً. وَمِنْ المؤكّـدِ أنْ يكتنفَ سويعات صمته - فِي أثناء مسير الحافلة - حضور لبعضِ مَا تخفيه تلك الأفكار مِنْ ذكرياتٍ كمحاولةٍ لافتعالِ تعاطف مَعَ الماضي القريب أو رُبَّما تحت تأثير " مؤقت " لسطوةِ الحنينِ إلى الماضي " النوستالجيا " فِي محاولةٍ لاسْتِشْرَافِ المُسْتَقْبَل، فليس بمستغربٍ مصاحبة نفث دخان سيجارته المتسرب عبر النافذة الجانبية للحافلة تطلعات تحمل فِي ثناياها ملامح الآمال المرتجاة مِنْ رحلته، وَالَّتِي فِي المُقدَّمة مِنها النجاح فِي كليته قصد الانتقال إلى التدريسِ فِي ربوعِ مدينته وَخدمة أجيالها القادمة، مثلما جهد فِي أيامِ دراسته الاستاذ شمخي جبر وَرفقته بمختلفِ مراحل الدراسة. وَليس بالأمرِ المفاجئ أنْ تبددَ ابتسامة خفيفة تواتر تلك الحزمة مِن الأفكار المتداخلة، حين تتراءى له صورة المفوض أبو حاتم " غفر الله له " وهو يصفه وزميليه أيام الدراسة فِي ثانويةِ السَماوة -  الشهيد خليل كريم جبر وَالزميل مسلم مطر - بعبارةٍ تعكس سذاجة الشرطي أبو حاتم ومحدودية وعيه الوطني، وَالَّتِي يقول فِيها باللهجةِ الدارجة " طلاب مَا بيهم خير ". 

نَـعِـمْـتُ وهـلْ كـنـعـمـى الـعـشـقِ نُـعْـمـى ؟

وأبــهــى مــنــهُ فـي الــدنــيــا وأســمـى ؟

وهـــلْ كــجَـــنــاحِ نــشـــوَتِــهِ جَـــنـــاحٌ

يَــزورُ بــهِ نــزيــلُ الــبــئــرِ نــجْـــمــا ؟

وهــلْ كـالـعِــشــقِ مَـغْــنــمَــةٌ لِـــقــلــبٍ

غــريـبِ الــنــبــضِ والأشــجـانِ مُـدْمـى ؟

يُـصـارعُ غُــربَــتــيــهِ ... فــلا نــخــيــلٌ

يَــلـــوذُ بـــظِـــلِّــهِ لـــو ضــاقَ هَـــمّـــا

إذا مَــرَّ " الــفــراتُ " عــلــيــهِ طَــيــفــاً

يــرى الإصْــبــاحَ لـــيـــلاً مُــدلَــهِـــمّـــا

شــربــتُ سُــلافــةً .. فــازدَدْتُ حـزنــاً

كــأنـي قــد شـــربـــتُ قــذىً وسُـــمّـــا

وربَّ هــوىً يُــضــيءُ ظــلامَ كــهـــفٍ

ويُــشــفـي مـن عـلـيـلِ الـروحِ سُــقــمــا

وربَّ لــذاذةٍ ـ فـي الـــربــحِ ـ خُـــسْـــرٌ

وربَّ خـــســــارةٍ ربــحٌ لِـــنــعــــمــى

عـشــقــتُ الـســومـريـةَ عــشـقَ قــلـبـي

لـكـوثــرِ نــبــضِــهِ صــحــواً وحُــلــمــا

لــهــا شَــرفُ الـنـخــيــلِ أخــاً وأُخــتــاً

وأخــلاقُ " الـــفـــراتِ " أبــاً ... وأُمّــا

تـفـرَّدَ عـشـقُـهــا عـن عـشـقِ " لـيـلـى

وعــن " دعْــدٍ ولــمــيــاءٍ و ســـلــمـى "

وكــان هِـــلالُ عــمـــري فــي مــحــاقٍ

فـَــصَـــيَّـــرَهُ الـــهـــوى بَــدراً أتَـــمَّــــا

تُــســاقـــيـــنـي نــمــيــراً مــن هــديــلٍ

يُــرَقِّــصُ لــحــنُــهُ الـصَّـخـرَ الأصَــمّــا

وقــد كُـــنّـــا كــمــا لـــيـــلٌ وصـــبـــحٌ

فـصِـرنـا في الـهـوى قـوســاً وسَــهْــمــا

أرادَ لــنــا الـــفــراقَ " ســفــيــهُ طــبــعٍ "

فَــزدْنـا فـي تـمــاهـي الـعـشــقِ عَــزْمــا

ولــو عَــلِــمَ الــعَــذولُ أنِ الــتــمــاهــي

يُـــزادُ بِـــعَــــذلــــهِ مـــا ازدادَ لُـــؤْمـــا

تَــمــاهَـــيـــنــا فــمــا أدري : أصَــحْــوٌ

يُــعـانـقُ مُــقــلــتِـي ؟ أمْ كـان حُــلــمــا ؟

أنـامُ ... فــأســتــفــيــقُ عــلــى هــديــلٍ

يُــحِــيــلُ وســادتي عُـشــبــاً وغَــيْــمــا

وتُـوقِـظـهــا ـ إذا اسْــتـشــرى نُــعــاسٌ

وخـاطَ جــفــونَـهــا ـ شـــفــتـايَ لَــثْــمــا

لــهـــا ـ مِــثــلـي ـ جــبــالٌ مـن هــمــومٍ 

ومــثــلُ مَــرامِـهــا لـيْ نــهــرُ مَــرمـى

ومـثـلـي لا تــرى لـلــعــيــشِ مــعــنــىً

إذا خــبــزُ الــعــراقِ يــســوءُ طــعــمــا

ومــثــلــي لا تــرى الـــفـــردوسَ إلآ :

عــراقــاً هــانــئــاً عــيــشــاً وسِـــلـــمــا

***

السَماوي القادم مِنْ بيئةٍ جغرافية جُبلت منذ عقودٍ طويلة عَلَى " الآه " بسببِ مكابدة أهلها مِنْ شدةِ المعاناة الناجمة عَنْ إهمالِ ولاة الأمر وَسوء أداء مَا تعاقب مِنْ الإداراتِ الحكومية، تحققت أمنيته الَّتِي خالف بِها - فِيما مضى - رغبة والديه " طيب الله ثراهما "، وَأصبح طالباً جامعياً بعد دخوله قسم اللغة العربية بكليةِ الآداب فِي الجامعةِ المستنصرية. وَعَلَى الرغمِ مِنْ إدراكِ الفتى أَنَّ الطرقاتِ لَمْ تكن وردية أمامه، لكن المثير للاهتمامِ أَنَّ حجمَ المعاناة الَّتِي عاشها وَكانت مدينته البائسة تعيشها، وَالَّتِي تمظهرت بأبشعِ صور الفقرِ وَالجهل وَالمرض، لَمْ تفت فِي عضدِه، وَلَمْ تفضِ إلى نتيجةٍ تجعله ينظر إلى الحياةِ بوصفِها باردة وَكئيبة، وكأنه يتناصص مَعَ مَا ضمنه المؤلف الايرلندي الشهير جورج برنارد شو فِي قولِه: "طالما لدي طموح فلدي سبب للحياة "؛ إذ أَنَّ مَا حفرته الأيام فِي دمه مِنْ ألمٍ ممض، لَمْ يكن قادراً عَلَى إشعارِه بموجباتِ ركوب موجة الخيبة أو الخذلان " لا قدر الله "، وَلَمْ يكن بوسعِه جعل السَماوي يحيد عَنْ تمسكِه ببذلِ قصارى الجهد فِي التعلمِ وَتطوير القدرات مِنْ أجلِ الاطمئنان عَلَى مُسْتَقْبَله، فالأمل يحدوه فِي أنْ تتاحَ له الفرصة كاملة لإبرازِ مَا يمتلكه مِنْ إمكانياتٍ وَمواهب، وَهو مَا جعله أكثر إصراراً عَلَى النجاحِ وَالتميز وَالإبداع بالحصولِ عَلَى مَا متاح مِن المواردِ التعليمية، فالوصولِ لمبتغاه - الَّذِي مِنْ شأنِه تشريف أسرته وَرفع اسْم مدينته وَخدمة بلده - يبقى ارتهان النهل مِن العلومِ وَمواصلة سُّبُل المعرفة. وتحضرني هُنَا مقولة الشاعر البحريني قاسم حداد، وَالَّتِي مفادها: " كيف تريد أن تكتب وأنت لم تعد تقرأ؟ ولا تحسن الإصغاء، ولا تحاول فك أبجدية المعرفة، القراءة زيت قنديلك، أيها القابع في عتمة الثقة ". 

ليس خافياً أنَّ الانتقالَ مِنْ مقاعدِ الدراسة الثانوية إلى الوسطِ الجامعي، يُعَدّ بكافةِ المقاييس فعالية ممتعة، فالجامعة تُعَدُّ بحسبِ علماء الاجتماع وَالمُتَخَصِّصين فرصة ذهبية لإقامةِ شبكة علاقات اجْتِماعِيَّة بمقدورِها المُسَاهَمَة فِي سلامةِ بناءِ مُسْتَقْبَل الطالب المهني، العِلْمِيّ والاجْتِمَاعِيّ، إلا أنَّ دخولَ الطالب هَذَا العالم الجديد قد يجعلها مخيفة بعض الشيء، وَأكثر صعوبة فِي الوقتِ ذاته بسببِ جهله الكثير عَنها، فالطالب الجامعي الَّذِي يواجه بدايةً مَا تمليه عَلَيه مسؤوليته الكاملة عَنْ كُلِّ مَا لَه شأن بحياتِه وَخصوصياته، ملزم بالتأقلمِ مَعَ محيطه الجديد الَّذِي جُل مفاصله مِن الغرباء، إلى جانبِ مَا تفرضه عليه تلك الحياة مَنْ ضرورةِ تكوين صداقات - بعيداً عَنْ أسرته وَقدامى أصدقائه - مَعَ زملاء لا يعرف الكثير عَنْ عاداتِهم وَأطباعهم، مَا يتطلب السرعة فِي إدراكِ الحاجات الَّتِي بوسعِها تعزيز عملية التأقلم فِي الحياةِ بصفحتِها الجديدة الغنية بالصداقاتِ الحديثة، فضلاً عَما تمنحه بيئة الجامعة مَنْ فرصةٍ مناسبة لتغييرِ مَا يرغب بتغييره الطالب مَنْ عاداته القديمة. كذلك يفرض المحيط الجديد الحرصِ عَلى حسنِ التصرف، وَالسعي لتصحيحِ الأخطاء حال الشعور بِها، إلى جانبِ الجهد فِي إيجادِ مَا تقتضي مشكلاته مِنْ معالجاتٍ وَحلول سليمة.

مثلما تقول الحكمة الصينية " الإنسان الَّذِي لا يتعلم، شأنه شأن الأَرْض الجرداء الَّتِي لا تنبت شيئا "، كان السَماوي عند انتقاله للدراسةِ فِي العاصمةِ حريصاً عَلَى عملِ كُلِّ مَا بوسعِه تدعيم ثقته بنفسه، وَالمساعدة عَلَى تَّنْمِيَةِ حصيلته اللغويّة، فأمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أنَّ الثَّقَافَةَ وَالمعرفة نتاج القراءة، وَالَّتِي أوضحت الدراسات أهميتها فِي ترويضِ النفس وَالفكر، وَتَّنْمِيَة قدرة الفرد عَلَى مواجهةِ أعباء الحياة، فضلاً عَنْ دورِها فِي المُسَاهَمَةِ بزيادةِ مستوى ذكاء الفرد وَتَّنْمِيَة اتّجاهاته مِنْ أجلِ خدمة المُجْتَمَع؛ لذلك ظل السَماوي مصراً على أنْ يملأ عبق ورق الكتب وَالمطبوعات زوايا مَا أتيح لَه مَنْ مستقرٍ فِي بغداد، بالإضافةِ إلى كُلِّ فضاءٍ غير مشغول بمنزلِ أسرته فِي السَماوة. ولعلَّ مِن المُناسِبِ الإشارة هُنَا إلى ومضةٍ سجلها السَماوي يحيى فِي صفحته بأحدِ مواقع التواصل الاجْتِمَاعِيّ " موقع فيس بوك " بعد مَا يقرب مِنْ خمسةِ عقودٍ مَنْ تاريخ دخوله  الجامعة ، وَالَّتِي يقول فِيها:

مـنـذ أنْ غـرقَ زورقُ رجـولـتـي فـي بـحـرِ أنـوثـتـكِ

وأنـا مـتـشـبِّـثٌ بـطـوقِ عـشـقـك !

***

يَبْدُو أنَّ بوابةَ الحياة الجامعية وَتحقيق الرغبة فِي الانتظامِ بقسمِ اللغة العربية - كلية الآداب، جلبت للسَماويِّ الإلهام وَالمتعة، مثلما يؤكدها بقوله:  " لو سُئِلتُ عَن أجملِ سنوات عمري، لمَا ترددتُ فِي القولِ إنها سنوات مرحلة دراستي الجامعية "؛ إذ لَمْ تمضِ غير بضعة شهور عَلَى دراسته حتى وجد نفسه يقضي وقتاً فِي حدائقِ الكلية أكثر مما يقضيه داخل الصف، مَعَ العرضِ أَنَّ حدائق الكلية لَمْ تكن تحفل بالزهور، وَأشجارها لا تعرف الثمر، بَيْدَ أنَّ تلك الحدائق كانت تشبه سجّادة فارسية مطرّزة بالطالباتِ الجميلات. وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ السَماويِّ كان طالباً متميزا فِي موادِ النحو وَالبلاغة وَالنقد الأدبي، لكنه كان يحرص عَلَى حضورِ محاضرات أساتذة بعينهم : الدكتور علي جواد الطاهر، الدكتور عناد غزوان، الدكتور هادي الحمداني، الدكتور جلال خياط، الدكتور كمال نشأت - مصري الجنسية - أضحى صديقه وقد اختار نصاً مِنْ نصوصِه لكتابِه الموسوم " الشعر وَالثورة " الَّذِي أصدرته وزارة الأعلام آنذاك، الدكتور نمير العاني، الدكتور عبد الحسين الفتلي وَالأستاذ علي عباس علوان الَّذِي لَمْ يكن وقتذاك يحمل شهادة الدكتوراه. وَمِنَ الْمُفِيدِ الإشارة هُنَا إلى أَنَّ السَماويَّ يحيى أصدرَ ديوانه الثاني الموسوم " قصائد فِي زَمَنِ السبيِّ وَالبكاء " يوم كان طالبًا فِي كلّيةِ الآداب عام 1971م.

خـرجـتُ مـن ثـيـابـكـم مـقـبـرةِ الأحـيـاءْ

مُـقـاتـلاً .. ســيـفـي دمـي

جـيـوشـيَ الـعـشـاقُ والأطـفـالُ والـنـسـاءْ

خـرجـتُ لـلـفـضـاءْ

أبـحـثُ عـن جـزيـرةٍ جـديـدةٍ

أبـحـثُ عـن ســمـاءْ

غـيـر الـتـي كـان أبـي يـعـبـدهـا

فـقـد رفـضـتُ الـيـومَ أنْ أعـانـق الـمـوتـى وأنْ أقـلّـد الأشـيـاءْ

أنـا هـو الـنـهـرُ الـذي جَـفَّ ... أريـدُ الـمـاءْ

أنـا هـي الأرضُ الـتـي تـبـحـثُ عـن سـمـاءْ

***

بعد انتهاء فعاليات مهرجان النور الثامن للإبداع - دورة الشاعر الكبير يحيى السماوي - الَّذِي عقد فِي شهر كانونِ الأول مَنْ العام المنصرم 2017م بمدينةِ " مالمو " السويدية، احتفى تيار الديمقراطيين العراقيين فِي العاصمةِ الدنماركية كوبنهاكن بالشاعرِ يحيى السماوي فِي أمسيةٍ شعرية أقيمت بقاعةِ " بيت النخلة " فِي منتصفِ ذات الشهر مَنْ العامِ نفسه، وكان مِنْ بَيْنَ الحضور ابن الديوانية القاص وَالروائي سلام إبراهيم المغترب فِي الدنمارك وهو لَمَا يزل يحملُ عطباً كبيراً فِي رئتيه لحق بِه بسببِ القصف بالأسلحةِ الكيمياوية عَلَى مقراتِ الحزب الشيوعي العراقي فِي منطقةِ زيوه عام 1987م. وَقد تحدث ابراهيم عَنْ حضوره الأمسية بقوله:  " وصلت إلى مكانِ الأمسية قبيل بدئها، سلمت على مديرها الشاعر هاتف بشبوش، فالتفت نحو " يحيى " الذي كان منشغلاً في إخراج أوراق أشعاره قائلا: سلام إبراهيم، وهو لا يعرف علاقتنا وجذورها، فترك السماوي اوراقه وعانقني بشدة طويلاً وكأنه ذلك الشاب المتحمس الثوري بشعره الطويل المتدلي حتى كتفه والمتهدج الصوت حينما يمس الحديث فكرة الظلم والفقر، وجدته هو.. هو.. عانقني وألتفتَ إلى الحضور قائلا: واحد وأربعين عاما من السماوة حتى كوبنهاكن، ومن عشرينيات عمرنا وحتى ستينياتها "، مضيفاً: " توادعنا ونحن في مقتبل الوطن، والتقينا وقد بلغنا من الغربة عتيّا ". وَيَبْدُو أنَّ لقاءَ سلام إبراهيم بصديقِ الأيام الخوالي كان محفزاً لإعادةِ بعض مَا تبقى مِنْ ذاكرةِ الزمن فِي ظلِ رحلةِ التيه العراقي المشبعة بمكابداتِ الاستبداد وَمعاناة الأهوال وَعذابات السجون وَالتشرد مَا بَيْنَ معسكرات اللجوء الَّتِي دفع ثمنها أبناء بلد مرت عليه حضارات عدة عبر تاريخه الطويل، حيث انبرى إبراهيم بتسجيلِ بعضٍ مِمَا يحضره مِنْ الحكايا الراكدة فِي قاعِ السنين، وَالَّتِي مِنْ جملتها قوله:   " انتقلت إلى بغداد لإكمال دراستي الجامعية، وكان يحيى أيضاً هناك، وكنا من وسط واحد اليسار الاشتراكي، لمست من خلال أشعاره التي أستنكرها أصدقائي رقة فتصورته شخصاً عاطفياً رقيقاً، يبكي لأبسط الأسباب، لم يخب ظني فحينما التقيت به في بغداد في جلسات معدودة كان مندفعا متحمساً ودودا، يشعرك بالألفة منذ اللحظة الأولى فتحس بأن لا حاجز مع هذا الكائن الذي لا يكف عن الكلام وإبداء الرأي بتفاصيل الحياة السياسية، ثم يبدأ بإنشاد أشعاره غزلاً بالمرأة ودفاعاً عن الفقراء والكادحين". ويضيف أيضاً: " كان طويل القامة رشيقا جدا بشعره الطويل المنسدل على كتفيه وقميصه الأبيض الضيق. وباختصار كان شديد الأناقة والوسامة. عرفت من خلال تلك الجلسات أنه يعمل متطوعاً في جريدة الحزب الشيوعي العراقي العلنية طريق الشعب ".

لأهميةِ هذه المرحلة فِي حياة السماويِّ، وجدت مِنَ الْمُهِمِّ تأمين اتصال بالناقد البارع والأكاديمي الألمعي الأستاذ الدكتور عبد الرضـا عليّ؛ لأجلِ استلال مَا متاح مِنْ دفترِ الذكريات، حيث رجوته التفضل - بما يسمح بِه وَقته - فِي معاونتي بتدوينِ شهادته قصد تعزيزِ البحث. وَقد كان الرجل لطيفاً ومهذباً؛ إذ أكرمني بمدادِ قلمه عَلَى الرغمِ مِنْ عدمِ استقرار وَضعه الصِحي بشهادةٍ وَسمها بـ " للصحبةِ ذكرياتٌ - شهادتي في السماويِّ يحيى بنِ عبّاس "، وهو الأمر الَّذِي فرض عليَّ أنْ أصوغَ لأستاذنا الكبير الدكتور عبد الرضـا عليّ الشكر بمدادِ الامتنان. 

يبدأ الأستاذ الدكتور عبد الرضـا عليّ  شهادته بالقول : "  كان قسمُ اللغةِ العربيّة في آداب الجامعةِ المستنصريّةِ – نهاية الستينيّات - يمورُ بمجموعة من الطلبةِ اليساريين المثقّفين الذين أصرّوا على الجمع بين العملِ والتعلّمِ، وكان أساتذةُ هذا القسمِ – تحديداً - من الرموزِ العلميّة، والمعرفيّة، وأساطين الثقافةِ الرصينة التي أسّست للشأن الثقافيّ، والتأليفِ العلميّ الجاد تأسيساً لا يختلف فيه منصفان، وهم الخالدون: مهدي المخزومي، وعليّ جواد الطاهر، وحسين عليّ محفوظ، وباقر عبد الغني، وهادي الحمداني، وابراهيم الوائلي، و محمود غنّاوي الزهيري، و يوسف عزّ الدين، وجلال الخيّاط، وعناد غزوان، ومحسن غياض، وكامل مصطفى الشيبي، وعليّ عباس علوان، وغيرهم ممّن شكّل وجوده في الجامعة أثراً في بناء ثقافةِ المجتمع، وإشاعة قيم الحريّة في أوساطهِ ".

وبصدد نشاطات قسم اللغة العربيّة يشير الأستاذ الدكتور عبد الرضـا عليّ  إلى ما مبين تالياً : " كانَ هذا القسمُ يُقيمُ أُمسيتينِ شعريّتينِ على مدار العام الجامعيّ الواحد : الأولى في منتصفِ العامِ الدراسيّ، والثانية في نهايتهِ يُشارك فيها شعراءُ القسم، وبعضُ الضيوفِ من شعراءِ العراقِ المبرّزين، وتكون تلك الأماسي برعايةٍ رمزٍ ثقافيّ، أو شاعرٍ معروف،  كالجواهري، أو شفيق الكمالي، أو لميعة عباس عمارة، أو غيرهم، مع حرصٍ شديد من لدن أساتذة القسم على حضورها تقييماً لتحكيم تلك النصوص، وتقويماً للتي تحتاجُ إلى تقويم يُجرى في أيامٍ تاليات ".

وحول المساهمين فِي الأماسي المذكورة آنفاً يقول الأستاذ الدكتور عبد الرضـا عليّ :  " لعلّ أبرزَ من شارك في تلك الأماسي شاعراً، أو عريفاً مقدّماً، أو داعماً : عبد الوهاب كريم، وحسين الرفاعي، وصبري مسلم، وعليّ جعفر العلاق، وعلوان الياسري - الذي غيّر اسمه من علوان إلى عليّ الياسري بأمرٍ قضائي - وحسين العلاق، وحميد سعيد، وطارق عبد عون الجنابي، ومحسن أطيمش، وكاتب هذه السطور، وغيرهم ممّن لمن تعد الذاكرة تتذكّرهم للأسف ".

أَمْرٌ شَدِيدُ الأَهَمِّيَّةِ بالنسبةِ للبحثِ الحالي أشار إليه الأستاذ الدكتور عبد الرضـا عليّ بقوله:  " في منتصفِ العام الأخير من دراستنا، وتحديداً في العام الجامعي - 1970 -1971م - صعد إلى منصّةِ الإلقاءِ في قاعة ساطع الحَصريِّ - في المبنى القديم  لكليّة التربية - شابٌ وسيمٌ، ذو وجهٍ صبوح، و قوامٍ رشيق، وشعرٍ ذهبيّ، كأنّه رمحٌ سمهريٌّ نقيٌّ، يزيّنُ عارضي وجهه عِذارانِ خُطّا على نحوٍ جميل، فقرأَ قصيدةً دلَّ بها على أنّ الله قد حباهُ موهبةً فطريّةً عظيمة، أو طبعاً (استكملتْ به نفسه فهم أسرارِ الكلام) واكتساباً معرفيّاً واسعاً، فألهبَ القاعةَ إعجاباً، فصفّقنا له كثيراً، واستعدنا بعض أبيات قصيدتهِ تلك منتشين، وحين سألنا عنه علمنا أنّه من طلبةِ المرحلةِ الأولى ".

يضيف الكبير الأستاذ الدكتور عبد الرضـا عليّ قائلاً:  " لم يمضِ يومانِ، أو ثلاثةُ أيّامٍ على المهرجانِ الشعريّ إلا وقرأنا مقالةً أدبيّة لأستاذِنا العلامةِ الدكتور عليّ جواد الطاهر- أستاذ النقد الحديث آنذاك - يُبشّرُ فيها بولادةِ شاعرٍ واعدٍ هو الطالب يحيى عبّاس السماوي ". وينهي الأستاذ الدكتور عبد الرضـا عليّ " أدامه الله وبارك جهده " شهادته بحدودِ موضوع هذه الحلقة مِنْ الدراسةِ بتقريضٍ ليس بوسعِ إمكانياتي الأدبية المتواضعة تقويم عذوبته وجمال تعابيره:

وما جـــــادَ الزَّمانُ بمـثلِ يحـيى

وليــــسَ بمـثلِهِ أبـــــــــداً يجودُ

رعـى اللهُ السماوةَ كـــــــلَّ حينٍ

ففي يحيى ابنــها سمقَ القصيدُ

فإنْ سألـتْ عــــن التجديدِ يوماً

أقولُ لها:(( القديمُ هو الجديدُ))

الوفاءُ خصلة اجتماعية خلقية، حضّ ديننا الإسلامي عَلَى التحلي بها؛ إذ أَنَّها مِنْ مكارمِ الأخلاق، وَإحدى صفات النفوس الأبيّة الَّتِي حين يبلغها الإنسان بمشاعرِه وَمحسوساته فإنَّه يصل لأحدِ مراحل بلوغ النفس البَشَريَّة لفضائلِها. وَفِي واحدةٍ مِنْ جملةِ مداخلاتِ السَماوي يحيى المعروفة بعذوبتها وجمال سبكها، وَالَّتِي خص بِها الأديبِ البصري وَأستاذ النقد ألأدبي الحديث الأستاذ الدكتور ضياء الثامري، يشيرُ أبو الشيماء إلى المبرراتِ المَوْضُوعِيَّة الَّتِي ألزمته كتابة إحدى قصائده قائلاً: " لَنْ أستحي من اعترافي لك بأنني كتبت قصيدتي هذه وفاءً لوالدي وعملا بنصيحته ... فقد قال لي والدي - طيب الله ثراه - قبل أن يتدثر بالتراب : إذا لم تكن لك فضيلة يتذكّرك بها الناس ، فاذكر أنت فضائل ذوي الفضل عليك، لأن الإعتراف بفضل ذوي الفضل فضيلة يا ولدي ..

أشهد الله أن لأخي وصديقي الأستاذ الدكتور عبد الرضا عليّ فضلا كبيرا ليس أقلّ من فضل الريح على المزمار، أو الوتر على الربابة ... بارك الله به نخلة غدت بمفردها بستانا، وبارك مَنْ أحبه، وتبارك من دخل خيمته المعرفية متأبطا الدفتر والقلم...ومدّ في ظلال واحات عمره لنزداد انتهالاً من معينه.

شكرا لك أخي الأستاذ الدكتور ضياء الثامري ، وشكرا لكل مَنْ وضع زهرة محبة في مزهرية قلب أستاذنا الناقد العربي العلم ".

طوَتْـكَ المسـافاتُ عاماً فـعاما  غـريباً ذبيحَ الخُطى مُـسْـتـضامـا

ولم تطوِ عن دجلةِ الخيرِ ليلاً كما الشمسُ تطوي الدّجى والظلاما

فحـيـنـاً تـلومُ عـثارَ الـطـريـقِ وحـيـنـاً تكونُ الطـريـقَ الـمُـلامـا

"  أبا  رافِـدٍ " والـفـراديـسُ بـيْــدٌ إذا الحُـرُّ فـيـهـا غـريـبٌ مُـقـامـا

عـرَفـتُـكَ تُـرجى ولا تـرتـجيهـمْ  وإنْ جَـرَّدَ الـمارقـونَ الـحُـسـامـا

شَــبَـبْـتَ على لـبَـنِ الـمـكـرُمـاتِ فكانت لك الـمُـبـتـغى والـمَـرامـا

وأبْـدَلـتَ بالـتـبـرِ خُـبـزَ الكفافِ وبالكوثـر الـمُـسـتطـابِ الـضّـرامـا

عجَنتَ بماءِ الجـبـيـن الـطحيـنَ وصـيّرْتَ مـن لـفـح جمـرٍ مُـدامـا

***

بدأتُ الأماني فـكنتَ الخِـتـامـا    ويَـمَّـمْـتُ  قـلـبي فكـنـتَ الإمـامـا

" أبا رافدٍ " ماعـذيـري وصوتي خفيضٌ أضاع الصّدى والكلاما ؟

متى تُضحِـكُ النخلَ شـمـسُ الأمانِ فـنطوي عـذاباتِـنـا والخِيـامـا ؟

أضاقَ العـراقُ على عـاشـقـيـهِ وأفـسَـح لـلـمـارقـيـن الـكِـمـامـا  ؟

كأنَ الحَـلالَ من الـموبـقـاتِ وأنَّ الـمـروءاتِ أضـحـتْ حَــرامـا !

وهل مثلُ بغـدادَ كـحْـلٌ لِعَـيـنٍ إذا صاهـرتْ بالـرَّغـيـفِ الوئاما ؟

**

نسَـجْـتُ الندى بُردةً والغماما  وشاحاً موشّىً بعطـرِ الخُـزامى

سكنتَ فـؤاديَ والمـقـلـتـيـنِ فعُدتُ المغـني وكـنـتُ الحُـطـامــا

جليسـايَ وجهُـك والرافـدانِ ..وأهـلُ الهوى والطيورُ الـنُّـدامى

سـلامٌ على حُـرّةٍ أرضعـتـكَ طيوبـاً.. وحُـرٍّ أبى أنْ يُـضـامـا

فيا توأمَ الـقصْدِ بئس الـقـصيـدُ إذا لم يُـمـسّـدْ  وجوهَ الـيـتـامى

ولم يغـرسِ الـوردَ لـلعـاشـقـيـن ولم يقـتحمْ بالـضياءِ  الظلامــا

ويا سادنَ الحرفِ والياسـمـيـن تقـبّـلْ من الأصغـرين الســلامـا

وعـذراً إذا خاطَ صوتي السكوتُ فإنّ الذهـولَ أضاعَ الكلامـا

لئنْ كرّمَـتْـكَ قـلوبُ الكِرامِ فـقـد كرّمَـتْ نفـسَـهــا والـكِــرامــا

***

لطيف عبد سالم

 

 

ghanem alanazلقد كانت زيارة الأندلس من امنياتى منذ سمعت عنها ونحن في المدرسة الأبتدائية. وقد زاد اشتياقي لها عبر السنين لكثرة ما قرأت عنها وعن الحضارة الأسلامية الرائعة هناك والتى كانت من أهم الروافد التي ساهمت في النهضة الأوربية الحديثة.

ولم تسنح لي الفرصة لزياتها الا في العام 2009 بعد ان جاوزت السبعين من عمري. لذلك فقد كانت زيارتي لها ليست ممتعة بقدر ما كانت مدهشة حقا لطول اشتياقي للأندلس ومعرفتي بأدبائها وشعرائها وعلمائها وفلاسفتها إضافة الى فنونها كفن العمارة الذي لا زال يدهش السياح من جميع أنحاء المعمورة حتى يومنا هذا.

إشبيليه

فما أن اقترابنا من إشبيلية ولاحت لنا منارتها الشاهقة من بعيد  حتى انتابني شعور بالفخر والإشتياق لها وكأنني أعرفها منذ زمن بعيد. فبدأت أتلهف لزيارتها وما هي إلا سويعات حتى وجدت نفسي واقفا بقربها بين المئات من السائحين من جميع الأجناس. لم يكن شعوي كأي سائح عادي بل شعرت بقرب ودفء وفرح هز كياني وكأنني ألاقي صديقا عزيزاَ بعد غياب طويل. فهرعت أسعى إلى بوابتها لأدلج في جوفها لأبدأ صعود ذلك الطريق اللولبي الذي كان يصعده ذلك المؤذن منذ ما يقارب الألف ومائتي عام والذي يحتاج إلى لياقة بدنية جيدة لارتفعها الشاهق. ويقال بإن الخليفة كان يصعد الى سطحها ممتطيا جواده وأن قسما من المؤذنين الذين بلغوا سن الشيخوخة أخذوا يصعدون الى سطحها على ظهور الحمير.

ما أن وصلت إلى سطحها ونظرت إلى ما حولها من الطرقات إلا وتخيلت ذلك المؤذن يرفع صوته بالأذان ورأيت جموع المصلين يملأون تلك الطرقات التي حولها سعيا لأداء الصلاة. إنتابني عندها شعور جميل هز كياني وكأنني أنا ذلك المؤذن وتلك الجموع حقيقة لا خيال ورحت في شبه غيبوبة عن من حولي من عشرات السياح وضجيجهم المعتاد.

لقد هدموا جامعها العظيم  وبنوا على ارضه كثيدرائية فخمة الا انهم لم يمسوا المنارة بسوء بل جعلوها برجا  للكثيدرائية وذلك بتعليق الاجراس في قمتها. ولكن هيهات ان يقلل ذلك من مكانتها الرائعة فقد طغت على الكثيدرائية بهيبتها بدلا من ان تكورن برجا لها.

بقيت على سطحها ما شاء الله لي أن ابقى أفحص آجرها وزخارفها ومتانة بنيانها قبل أن أنزل لأودعها كما يودع الأخ أختا عزيزة عليه.

قرطبه

وعندما وصلنا إلى قرطبة وجدت نفسي مسرعا في اتجاه جامعها الذي يعتبر تحفة معمارية تأخذ بالأبصار. دخلته لأجد نفسي مذهولا كأنني في غابة من الأعمدة التي تخيلتها كأشجار النخيل والتي يقال بأن عددها كان ما يقارب 1293 عمودا تحمل فوقها أقاسا خيلت إلي كأمواج البحر الصاخب.

وما أن أفقت من ذهولي حتى جلب انتباهي ذلك المحراب الرخامي العظيم والبديع في آياته القرآنية الجميلة والذي خيل إلي كشيخ جليل ذي هيبة ووقار. تخيلته يرنو إلي  وكأنه يدعوني فوجدت نفسي أسعى نحوه بلهفة واشتياق وكأن بيني وبينه صلة قرابة حميمة أو كأننا  كنا على موعد طال انتظاره. فسلمت على ذلك الشيخ الوقور وشعرت بمودة عظيمة له حيث خيل الي وكأنه أحد أجدادي منذ زمن بعيد. لقد كنت أعرف بأنه قد عاصر وعرف جميع خلفاء وعلماء وأدباء قرطبة  وعلم أخبارهم وأسرارهم عن قرب والذين لم أعرفتهم أنا إلا عن بعد. فطلبت منه أن يروي لي ما شاهده منهم وما عرفه عنهم ورحت  في شبه غيبوبة أصغي اليه وهو يحكي لي عن أخبارهم وقصصهم.

تخيلته يحكي لي عن ابن زيدون الذي قد أقاموا له في عصرنا هذا تمثالا بالقرب من الجامع وعن هيامه بوَلّادة بنت الخليفة المستكفي بعد أن فرق بينهما الوشاة والتي قال فيها أرق قصائده الغزلية التي في طليعتها قصيدته الرقيقة ذات الديباجة الرائعة التي تسيل شوقا وهياما والتي أدرج أدناه بعضا من أبياتها المختارة:

 أضحى التنائي بديلا  من تدانينا        و ناب  عن طيب  لقيانا  تجافينا

 إنّ    الزمان   الذي  ما  زال          أنساً   بقربهمُ   قد  عاد    يبكينا

 غيظ العدا من  تساقينا  الهوى         فدعوا بأن نغصّ فقال الدهر آمينا

 بنتم  وبنّا  فما ابتلت  جوانحنا         شوقاً   إليكم   ولا   جفّت   مآقينا

وتخيلته يروي لي قصة الخليفة وأظنه المعتمد بن عباد الذي كان شاعرا كذلك والذي كان ابن زيدون قد مدحه وكان ذا حظوة عنده لتجري بينهما مطارحات شعرية كثيرة. يقول  كان المعتمد في نزهة مع حاشيته فرأى ما نسجته الريح على سطح الماء فارتجل ما شطر بيته المشهور:

             نسج  الريحُ على الماء زردْ

وطلب من حاشيته ان يكملوا الشطر الثاني فلم يأتوا بشئ يستحق الذكر وإذا بأحدى الجواري تكمله بقولها:

أيُّ  درع  لقتالٍ  لو  جمدْ

وبقيت أصغي اليه مستمراً بأحاديثه عن حلقات العلم التي كانت تقام أمام عينيه ويحظرها كبار العلماء والفلاسفة والأدباء عبر القرون وعن العصر الذهبي لقرطبة ووقصورها وحدائقها الغناء ونهرها الخالد لينهي حديثه بأسى وحزن عن إنحطاطها وأخيراً عن سقوطها. وكان قد حان وقت الرحيل فدعوت له بالخير وكان الوداع حاراً وخيل لي بأن عيون شيخي كانت كعيوني مغرورقات بالدموع.

ذهبت بعدها الى الوادي الكبير نهر قرطبة الذي خلدته قصائد الشعراء والذي لا زال يعرف بذلك الأسم الى يومنا هذا فيدعونه اليوم (كوادي الكبير) ويكتبونها كلمة واحدة. وقفت على جسره أجول بنظري في واديه وضفافه فخيل لي أني أرى ابن زيدون في نزهة مفترشاً الزهور مع أصحابه يصدح بقصيدته (قرطبة الغراء) والتي منها هذه الأبيات:

سقى الغيث أطلال الأحبة  بالحمى

وحاك  عليها ثوب وشيٍ   منمنما

وأطلعَ    فيها   للأزاهيرِ   أنجماً

فكم  رفلت  فيها الخرائد  كالدمى

إذ العيشُ غضٌّ  والزمان  غلامُ

وعدت أصغي من جديد لأسمع ذلك الجمع يصدح بغناءٍعذبٍ إرق من الصبا مردداً ذاك الموشح الجميل الذي منه:

يا  غصن  نقا   مكللّلا   بالذهبِ

أفديك   من  الردى   بأمي  وأبي

إن كنتُ قد أسأتُ في هواكم أدبي

فالعصمةُ لا   تكون   إلا   لنبي

وما أن انتهى ذلك الغناء العذب حتى خيل لي أني أسمع أحدهم يدعو الساقي ويشتكي الظمأ ليبدأ إثر ذلك الجمع بالغناء من جديد بذلك الموشح البديع:

     أيها الساقي إليك المشتكى    قد دعوناك وإن لم تسمعِ

                    ونديمٍ  همتُ  في   غرّتهِ

                    وبشرب الراح من راحتهِ

                    كلما استيقظ  من  سكرتهِ

         جذب الزق إليهِ واتّكا    وسقاني أربعاً في أربعِ

                    ما لعيني عشيت بالنظرِ

                    أنكرت بعدك ضؤء القمرِ

                   وإذا ما شئت فاسمع خبري

 غشيت عيناي من طول البكا    وبكى بعضي على بعضي معي

وفي لحظة من اللحظات خلال ذلك الغناء خيل إلي أن زرياب ذلك العبقري الذي أطرب بغداد بعوده وغنائه كان بينهم منكبا يعزف على عوده الجديد الذي أضاف إليه وتراً سادساً.

أفقت بعد ذلك من حلمي الجميل لأودع ذلك الجمع الطروب لأتجول في طرقات قرطبة العتيقة قبل أن أودعها وقلبي مفعم بالفخر والحزن في آن واحد مردداً موشح لسان الدين الخطيب الجميل الذي يقول

فيه :-

 جادك  الغيث  إذا  الغيث هما     يا زمان الوصل في الأندلسِ

 لم   يكن  وصلكَ   ألا  حلما     في الكرى أو خلسة المختلسِ

إلى آخر ذلك الموشح الجميل والطويل.

 

غانم العنّاز

 

 

khadom almosawi2غادرت الجزائر العاصمة إلى دمشق اولا للعبور بعدها الى كردستان حسب خطط الحزب وطرق إرساله لاعضائه وكوادره ومستلزمات العمل بأنواعها. في دمشق كانت التوصية بالذهاب إلى مقر المكتب الرئيسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وكلمة سر، وهناك التقيت بالرفيق "علي" الذي اعرفه، من ايام الدراسة في موسكو، جالسا في الغرفة المخصصة لهذه المهمة. وعرفت منه اني سامكث مؤقتا في الفندق الذي استأجرت فيه غرفة وهناك رفاق آخرون في غرف اخرى لديهم المهمة ذاتها. والتهيؤ خلال أيام للذهاب الى الوطن. ومرت الايام سريعة، التقيت في مقر المنظمة الحزبية في الشام، بعدد من الرفاق الذين اعرفهم من الوطن ويعملون فيها أو في وظائف اخرى في سورية. وكان عندي بعض المال الذي جمعته من راتب عملي في الجزائر، و حُملت بمجموعة من التوجيهات الحزبية، ابرزها المنع من زيارة رفاق او اللقاء بهم، وكعادتي في "المشاغبة" خرجت مباشرة اسال عنهم وزرتهم في بيوتهم وحسب أوضاعهم قدمت لهم مساعدة مالية. ذكروني بها أكثر من مرة وامام جمع من الرفاق في ظروف أخرى وايام أخرى وأمكنة أخرى. هؤلاء الذين يمنع اللقاء بهم رفاق ضحوا بسنوات من أعمارهم في الكفاح من أجل اهداف الحزب والشعب، وتشردوا مثل غيرهم هم وعوائلهم او تركوا عوائلهم بانتظار عودة حقيقية، لا غودو!. وفي الغربة والمهاجر تعلموا دروسا أخرى واصبحت عندهم اراء ووجهات نظر في سبل النضال وكيفية مواجهتها او معالجتها وقد لا تتفق مع من هم في القيادة او (من هم!) في القرارات والتوجيهات.. هذه الحالة المؤلمة ليست فريدة وليست جديدة، وتترك دائما بصمات لها وآلام قاسية عند الطرفين اساسا، وبالتأكيد عند الطرف الممنوع اللقاء معه او العمل الحزبي المنتظم. وهي في كل الاحوال تعبر عن مدى ما كان عليه النضج السياسي والقدرات على الإدارة والقيادة والحفاظ على بناء الحزب ومنتسبيه وأهمية احترام الاختلاف والخلاف في الفكر والرأي وبعد النظر وخطط المستقبل القريب والبعيد.

فعلا بعد فترة عاد الرفيق علي ليخبرني بالتجمع عند كراج حافلات القامشلي صباح يوم محدد، وحمل ما غلا ثمنه وخف وزنه، فالدرب طويل والمسافات مديدة ولا تعرف ظروفها ومتطلبات السفر ومتقلبات الزمن والمناخ والسياسات. في القامشلي استقبلنا رفيق سوري وأخذنا الى بيته قبل أن يزورنا الرفيق العراقي المكلف في المدينة. وبتنا ليلة عنده ثم عبرنا الى تركيا ومنها الى الوطن. كنت أحمل دفترا او مذكرة مجلدة  صغيرة الحجم سجلت فيها عن تلك الأيام، يوميات في كردستان العراق، في الجزء الاول الذي طبع وحمل اسم (الجبال)، صدر عن دار الكنوز الأدبية عام 1996،  وكان الفنان عبد الاله النصير قد صمم الغلاف واختار لوحة للفنان بهاء الدين احمد، وفيه تفاصيل ما حصل وجرى بعد ذاك اليوم الذي اجتزنا فيه اخر حدود قبل الدخول الى حدود الوطن.

كتبت في مقدمته؛ كلمات: هذه فصول من رواية لم تنته، كتبت في كردستان العراق أواخر عام 1982 في غرفة طين، تحت ضوء فانوس وبطانية رمادية اللون، أي قبل سنوات غير قليلة، وهي تحمل ذكريات، ويوميات فيها حرارة التجربة، ونبض الحياة، وحماس وتداعيات تلك الايام، وصورا عن أولئك الناس الذين تقدموا في العطاء الإنساني والجود بأقصى غاية الجود. وهذه الصفحات لا نريد كشف الحساب قدر التسجيل والشهادة، لاؤلئك الذين حلموا بشمس عراقية تشرق في ارض الرافدين، لا في المهاجر والمنافي العديدة.

أن تجربة الكفاح المسلح في العراق غنية بالدروس والعبر، وتتطلب الدراسة والتوثيق، منذ الشرارات الاولى، وعبر المراحل التاريخية التي مرت بها، وهذه مهمة جليلة، وبالتاكيد، ليست من أهداف هذه السطور.

لماذا النشر الان؟ وقد ابتعدت الايام، وتزايدت الأسئلة عن التجربة وحولها، جديتها، شرعيتها الواقعية، قياداتها، تطوراتها، والنتائج التي آلت إليها..

لا اظن الكتابة عن التجربة عملا بسيرا، اذ لابد من المسؤولية، والمساءلة الموضوعية، والحكم التاريخي، حيث لا تزال دماء الشهداء تضرج اديم الارض، وسبابات الضحايا مرفوعة، تحت التراب، او في المهاجر البعيدة عن الجذر والمشتهى!!.

كانت هذه الصفحات قد أرسلت للنشر مساهمة في الاحتفال بعيد الحزب الشيوعي العراقي عام 1984 لكنها رفعت الى الرف، بحجة " كشف سر المكان" وتلك ذريعة غير مقنعة، لاسيما عند مقارنة المواقع بين لجنة الاحتفال ومآثر اؤلئك الذين سطروا هذه الفصول التي تعبر عن نفسها، مثلا، واليوم، في المنفى، وجدت لزاما علي أن أعيد النظر فيها وادفعها للنشر، ذكرى وفاء وتحية شهادة لكل الدماء الزكية، والأرواح النبيلة، والقيم الإنسانية التي ما تزال تعيش في الذاكرة والضمير والوجدان، مهما تباعدت المسافات والأزمان.

لقد استشهد عدد من أبطال هذه الفصول، وتاجل آخرون منتشرين تحت نجوم السماء، فعسى أن تذكر هذه الصفحات لهم شيئا من الجهد والعرق والحلم والامل الذي دفعهم إلى السير في تلك الطريق، وفي تلك الاحداث، وفي هذه اليوميات.

للشهداء والضحايا، الأحباء والاحياء، اهدي كتاب " الجبال", يوميات الرجال - الجبال، الذين صدقوا ما عاهدوا عليه، وقدموا ما استطاعوا إليه سبيلا، وعملوا ما لم يكن في حسابات اللجان والاركان.. للجميع اهدي هذه الفصول.

في كل فصل من الفصول مشهد مما حدث وحصل في تلك الايام، مختصر في يوميات نصير وشهادة للتاريخ. في الفصل الاخير من الكتاب، وهو الجزء الاول، من اليوميات، حيث صدر الجزء الثاني بعنوان: بشتآشان.. فصيل الاعلام، عن دار خطوات - دمشق 2007  كتبت: في القاعدة المركزية التي وصلناها ارحنا الركاب، من هذا الموقع النضالي سنواصل الدرب الذي روّته دماء الشهداء، خيرة أبناء الشعب، فلذات اكباد الامهات والاباء. في الفصيل المختص الذي نسبنا له، التقينا رفاقا ورفيقات جددا، لم نعرفهم سابقا، عرفتنا عليهم ساحة النضال، ارض المعركة، موقع امتحان الصلابة والتضحية ونكران الذات وصواب الاختيار.

في هذا الفصيل قابلت المرأة المناضلة، الرفيقة "خوشكا فروشته"، ولينا، الفتاة التي لم تزل تذكر دفاترها ومدرساتها، وتحن اليهن، وتتحدث عنهن بشوق طفولي. ژيان، الطالبة الجامعية التي تمكنت من التخلص من الملاحقات البوليسية، والوصول إلى الجبل، تاركة جامعتها وزميلاتها ومختبرها ومتقدمة الى السلاح والجامعة التي تختبر فيها قدراتها القتالية، كمشاركة نشطة في ساحات الوغى. الطفل وسام وامه، اول طفل ولد بين بنادق الانصار. وعائلة الشهيد، هكذا هو اسمها، ام صابرة وابنتان شابتان، استشهد والدهما واخوهما الكبير، والآخر في صفوف الانصار، رفاق ورفيقات، وكل واحد له قصته وحديث..

وتطول الفصول واليوميات، وتصبح الحاجة ماسة إلى صفحات او الى حلقة جديدة من يوميات جبلية لرواية لم تنته بعد..

كردستان- العراق، أواخر 1982 السويد، أيار 1995

في الأسطر السابقة والتواريخ في الختام تعبير عن معاناة النشر والكتاب والكاتب في هذه الايام، التي واكبت الاصدار وما تلاه، وهي في الاخير محنة ثقافة ومستقبل وأجيال وتاريخ.

ارسلت نسخة من الكتاب إلى الصديق الشاعر والكاتب والناقد والاكاديمي المعروف الدكتور عدنان الظاهر، فجاوبني بقصيدة، عنوانها "رجل الجبال" نشرت في مجلة الجسر التي كنت أرأس تحريرها ومواقع الكترونية وقراها في مناسبات ثقافية، كما ذكر ذلك في رسالة منشورة له. ومنها:

لمْ ...

يصعدْ قبلكَ موسى

كردستانَ جبالاً شُمّا

تتكابرُ ما فوقَ جلاميدِ الوديانِ الصمّاءِ

شاهقة ً بوصايا رب ِّ جليلِ الأنصارِ

لتصارعَ فرعونَ بني قحطانَ جنوبي ِّ الأنبارِ

بالشررِ المتطايرِ أعلى من سُروات النارِ

ها هم أولاءِ رفاقكَ مصطفون َ أمامكَ حرّاسا ً صفا ً صفا

تحت ظلام ِ الغابة ِ والرهبةِ ليلاً والنهرِ الجاري

تسعى للموتِ شهيدَ الدنيا

لا تخشى " وادي الموتِ " وحفّارَ قبورِ الأحياءِ ـ الموتى

لا تخشى أمرا

عند عبورِ خطوطِ الموتِ المتربصِ خطاً خطاً

نارُكَ أكبرُ من نارِ جبال الطورِ وسيناءِ

(........)

 

كاظم الموسوي

 

 

nabil alrobaei2ولد عام 1910 في الأعظمية، تعلم في حلقة دينية اللغة العبرية ثم التحق بالمدارس الحكومية، درس المحاماة وتخرج في منتصف الثلاثينيات، وفي هذا الأثناء كان يعمل نهاراً مدرساً للغة العربية في مدرسة منشي صالح ويدرس المحاماة مساءً. تزوج عام 1949م من إيلين إبراهام شماشا أنجبا ولدين وبنتين ليندا – كمال – فؤاد – وفيفيان، عام 1965م قتل ابنهُ كمال وهو في الخامس عشر من عمره في حادث باص مدرسة فرنك عيني. زاول المحاماة ومن الشخصيات البغدادية التي كان موكلاً عنها كل من : شركة سيارات شفروليت، سارة خاتون الأرمنية، ماري قنواتي مديرة مدرسة مناحيم دانيال.

كان مستشارا مدة زمنية قصيرة للطائفة الموسوية برئاسة الحاخام ساسون خضوري، وعشية عيد راس السنة العبرية عام 1969م تكفل عددا كبيرا من اليهود الذين تم إلقاء القبض عليهم وهم يحاولون الهروب من العراق عن طريق الشمال بمساعدة عدد من المحامين المسلمين.

في نهاية شهر كانون الأول من عام 1970م تم استدعاؤه من قبل مديرية الأمن العامة، بسبب هروب ابنته ليندا وابنهُ فؤاد إلى إيران للتحقيق معهُ عن تفاصيل الهروب التي كان يجهلها. تم اعتقاله في مطلع عام 1971م لمدة شهرين ونصف الشهر مع عدد من اليهود، ثم أفرج عنه بمساعدة رئيس محكمة التمييز آنذاك الذي كانت تربطهُ صداقة به(1).

عشيَة عيد الغفران من عام 1972م تمَّ اختطافه وهو ذاهب للصلاة كعادته في الكنيس، وحاول رئيس الطائفة آنذاك مير بصري الاستفسار عنهُ في وزارة الداخلية فجاء الرد أنه غادر العراق، فغابت أخباره ولم تعرف عائلته لحد الآن مصير جثمانه(2).

ستةٌ وأربعون عاماً خَلَت على اختفاء المحامي يعقوب عبد العزيز، وبعد هذه الفترة الطويلة لاختفائه ورحيل سلطة الدولة السرية وأزلامها لم يندمل جرحُ اختفائه، ولكنَ الجرح ما يزال مفتوحاً بسبب متابعة عائلته وأبنته لندا لأخباره وأسباب تغييبه في زنازين أنظمة البعث، وأكد الظن أن سبب اختفائه هو ديانته اليهودية و كونه مستشاراً لفترةٍ زمنية قصيرة للطائفة الموسوية برئاسة الحاخام ساسون خضوري.

أختفى المحامي يعقوب عبد العزيز أسوةً ببقية من اختفوا من أبناء الديانة اليهودية مطلع سبعينات القرن الماضي، أو من اعدموا شنقاً على أعواد المشانق من الأبرياء من أبناء هذه الديانة وعلقت اجسادُهم في ساحة التحرير وإعلان الحكومة في ذلك الوقت يوم عطلة رسمية ليشارك رعاع الشعب بهذا الكرنفال والتشفي بقتل أبناء العراق من الوطنيين، وكانت التهمة جاهزة هي مؤامرة التجسس لصالح إسرائيل، فأيَّ كراهية يحملها هذا النظام اتجاه أبناء العراق، الذي أمتَدّ على وجودهم في بلاد الرافدين زهاء أكثر من 2500 عاماً.

اختفى يعقوب عبد العزيز وترك زوجة وولداً وابنتين، وبعد هجرة عائلته عبرَ الطرق السرية من العراق جُمدَت اموالهم المنقولة وغير المنقولة، إذ تتذكر ابنته الإعلامية والناشطة المدنية (لندا) قائلة(3) :"بعد أقل من عامين على هروبي أنا وأخي أولاً ومن ثم والدتي وأختي الصغيرة إلى إسرائيل عن طريق إيران فُقدَت آثار والدي، ولم نتمكن من الاستفسار عن مصيره ونحن في إسرائيل (دولة العدو)، إنّ عدم محاولتي أن اتعامل مع الخسارة نظراً لوجودي في بلدٍ جديد يطرح تحديات لا حصرَ لها أمامي في تلك الفترة. لكن لم اسلم ابداً بحقيقةٍ القضاء على والدي فقط لكونه يهودي... في الأسبوع الأخير دق بابي أمرٌ مهيب : مؤتمر يدعو للاعتراف باليهود الذين هجرًوا أو اسقطت عنهم الجنسية كلاجئين، أي رسوم معادلة متساوية في التعويضات اسوة باللاجئين الفلسطينيين... اليهود والفلسطينيين كانوا ضحايا المعاناة، نحن يهود الدول العربية دفعنا ايضاً ثمناً باهظاً، لكن نشأنا على الكتمان، وقد أفاجيء البعض عندما اقول إننا نتعاطف ايضاً مع مقولة الشاعر الفلسطيني محمود درويش (وطني ليس بحقيبة وأنا لستُ بمسافر).

حكومة المنظمات السرية سعت آنذاك إلى إخفاء مكان والدي وجسده، ورفضت الكشف عن مصيره في حينها أو مكان احتجازه، وعائلته يعانون أقسى المعاناة لأنها لا تعرف مصيره، ويتساءلون هل سيفرج عنهُ في ظل الظروف والملابسات الغامضة؟ كانت عائلته تتطلع إلى عودته ورؤيته سالماً، لكن قلقهم كان يكبر خصوصاً زوجته واطفاله.

اختفى المحامي يعقوب عبد العزيز في دوائر الأمن ودهاليز السجون السرية بعد دفاعه عن مجموعة من ابناء جلدته كونه محامياً قديراً، كان على رأس دوائر الأمن، أزلام ذلك النظام المرعب المدعو ناظم كزار المعروف بساديته في التعذيب واخفاء جثثهم في أحواض التيزاب، وجراء ذلك اختفى الكثير من المعارضين للنظام في هذه الأحواض، كان ازلام السلطة واجهزتها الأمنية والمخابراتية التنفيذية يراهنون على النسيان، نسيان عائلة المغيّب يعقوب عبد العزيز تدريجياً، بل قد تصبح مجرد ذكرى، ولذلك نراهم يعمدون إلى التعتيم، لكن صدى الذاكرة لا يصدأ، إلا أن الفاعل والجاني يعتقد بعدم الاستدلال عليه في مقابرهم الجماعية خلف سجن أبي غريب أو قرية السكران، ولكن الاستدلال على رئيسهم ورئيس نظامهم المرعب وشيطانهم وراعي جرائمهم جرائم القتل والتغييب استدل عليه الأمريكان في حفرةٍ عفنة في تكريت، وأخرجوه كالجرذ الخائف المرعوب، ووضع أحدهم حذاءه العسكري على رأسه الكثيف الشعر، هذا الجبان الذي أرعب أبناء العراق، وجد مخذولاً خائفاً في حفرةٍ قذرةٍ، صاحب القلب الغليظ ومن مؤسسي دولة المنظمات السرية في العراق.

كان ازلامه من يترصدون ضحاياهم ومراقبتهم ليتم معرفة تحركاتهم والتخطيط لعملية الاختفاء دون ترك أي دليل يثبت إن الاختفاء كان على يد الأجهزة الأمنية العراقية.

المحامي يعقوب عبد العزيز كانَ شاهداً على التاريخ، تاريخ الاعدامات والعذاب والضحايا وقرابين ابناء الديانة اليهودية المسالمة التي رفضها وابادها التيار القومي العروبي البعثي، بسبب وطنيتها والتصاقها بأرض الرافدين.

يعقوب عبد العزيز لم يكن متآمراً، ولا حاملاً للسلاح، ولم يكن صاحب عملٍ سري في منظمة سرية، بل اختفى في وضح النهار على أيدي جلاوزة النظام واجهزته الأمنية، كما لم يكن متستراً بسواد الليل، فلماذا غيب من قبل اسياد البعث، فهو أحد ضحايا البعث ولا نعلم هل تمت تصفيته وفي أي اسيد أذيب جسده، كما ذوبوا جسد أحد معارضي النظام من التيار اليساري، وأنا أتساءل هل قتل عبد العزيز كونهُ وطنياً ومحباً لشعبه وابناء بلده وطائفته، أم قتل لأنه يدافع عن حقوق الضعفاء، أم قتل بسبب انتمائه لأرض الرافدين من قبل أزلام دولة المنظمات السرية، أم قتل بسبب مزاحمتهم على كرسي السلطة؟ لم يكن يعقوب بد العزيز يزاحمهم على كرسي الحكم.

أبكيك يا أبن بلدي في هذا الوطن المخيف، أبكيك لإنسانيتك واخلاصك، أبكيك كونك إنساناً مثقفاً عزَّ علينا نظيره ونحن نعيش اليوم بين عراقيين يتباهون بالسلطة والوجاهة وحب الظهور، لكن التاريخ لم ولن يسجل عن هؤلاء الحكام وأولئك أي شيئاً، بل سيسجل لعبد العزيز وأمثاله الكثير.

إن اختفاء المحامي يعقوب عبد العزيز يبقى وصمة عارٍ في جبين البعث وسلطته وزبانيته، فقد غيبت السلطة قانونياً لامعاً ومواطناً أبياً قاوم الظلم والطغيان، كما غيبت السلطة الكلمة الملتزمة والمواطنة الشريفة، رحل عبد العزيز يعتصرهُ الألم لضياع وطنه، واختفى إلى الأبد تاركاً الأقاويل عنه وعن مصيره الغامض إلى الأبد، كم كان مفرحاً عائلته وأصدقاءه والجميع حين يجدونه وهو عائد إليهم من بغداد.

إنها حكاية احاول أن أنهي بها ورقتي هذه التي أراها شهادة وفاء لحامل ميزان العدالة المبكرة، إذ كان في وسط دور العدل معروفاً، ولكن الأضواء لم تسلط عليه عند غيابه خوفاً من ازلام النظام وعيون الأمن، فضلاً عن أنه كان يملأ الدنيا مواقفاً شجاعة مشهوده له في الدفاع عن الحق، وإذا النظام استطاع أن يغيّب جسده فهو لم يستطع أن يمحو ذكراه التي تعيش في الحنايا والضلوع.

إن سلطة غاشمة تعمل على طمس رجل العدالة لم تتمكن من ذلك، لأن الأيام هي الدليل على سطوع اسم يعقوب عبد العزيز ، فارتفاع اسمه على كل لسان، وفي كل ذاكرة خيرة، لكن ازلام السلطة بعد ثلاثة عقود من الحكم سقطوا في وحل الابتذال وشراء الذمم، ويعقوب عبد العزيز عاش لمبادئه وصدق موقفه، وهو حي بيننا بينما الأحياء الذين اماتوه هم الموتى حقاً.

في يوم رحيلك أبى لندا دمعت العيون من قبل الأصدقاء، وبكتك القلوب، ومن تبكيه القلوب يظل حياً أبداً.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

......................

المصادر

1-  رسالة ابنتهً الصحفية لندا يعقوب عبد العزيز منوحين للكاتب نبيل الربيعي بتاريخ 30/5/2016.

2-  نبيل عبد الأمير الربيعي. معجم اعلام يهود العراق. الحلة. دار الفرات للطباعة والنشر والإعلام. ط1. 2016. ج2. ص32/33.

3-  لندا يعقوب عبد العزيز. مقال على موقع الحوار المتمدن بتاريخ 27/9/2012م.

 

 

jawad abdulkadom2تعرضت في نهاية سنة 2001م إلى سرقة أدبية صارخة، إذا استحوذ أحدهم على مقالة منشورة لي عن (جسر المسيب)، وأعاد نشرها في جريدة يعمل لديها مراسلا في الحلة، فرفعت دعوة قضائية ضده وضد الجريدة التي نشر فيها، وبعد أن تأكد للمحكمة فعل السرقة طلبت انتداب ثلاثة خبراء من نقابة الصحفيين العراقيين لتحديد مقدار التعويض المالي الذي استحقه، فانتدبت النقابة الخبراء من أعضائها، وبيتت معهم أمرا سيئا ضدي .

حضر الخبراء الثلاثة وقدموا تقريرهم إلى القاضي، وقد تجاهلوا فيه الغرض الرئيس من انتدابهم في هذه القضية وهو تحديد مقدار التعويض المالي الذي استحقه، وذهبوا إلى ما لم يطلب منهم، وعلى الرغم من إقرارهم بحصول السرقة إلا أنهم سخروا تقرير خبرتهم المليء بالمتناقضات من ألفه إلى يائه في الدفاع عن السارق وتبرير فعله وعدم استحقاقي لأي تعويض، ومما جاء فيه أن العمل الذي قام به السارق (ليس غريبا بحكم الحصار الثقافي المفروض على العراق الذي أخذ مداه في قطع التواصل بين المؤسسات الثقافية العراقية والخارج، وأن فعل) السارق (ينطوي ضمن ذلك)!!

وخاض القاضي وهو رجل معروف بنزاهته وإخلاصه نقاشا حادا مع رئيس لجنة الخبراء الذي قدم نفسه ومرافقيه ممثلين لنقابة يرأسها (الأستاذ الفاضل) !! يومذاك، ولم ينجح القاضي على ما بذل من جهد في إقناع اللجنة بعدم موضوعية تقريرها، فقبله على مضض، وهو يأمل أن يقدم المحامي الذي أوكلته لتمثيلي في القضية طعنا في عدالة اللجنة وتقريرها، فيصار إلى انتداب لجنة ثانية، ولكن المحامي لم يقدم طعنا حسب توجيهي له بعد أن استشعرت قبل أيام بمؤامرة نقابة الصحفيين وعدم الجدوى من استبدال لجنة الخبراء .

وهكذا صدر القرار برد الدعوى، وانتصر السارق والجريدة التي تبنت السرقة بفضل تواطؤ نقابة الصحفيين، وفي اليوم التالي فوجئت بحضور القاضي عصرا إلى داري من دون سابق معرفة ليقدم لي اعتذاره عن القرار غير العادل، وقال إنه اضطر لاتخاذه على ضوء تقرير لجنة خبراء نقابة الصحفيين المتحيز للسارق ومن معه وتبرير فعل السرقة الواضح، وعاتبني على عدم تقديمي طعنا به ليصار إلى انتداب لجنة خبراء ثانية، فأجبته إن لا فائدة ترجى من ذلك، لأن اللجنة الثانية ستأتي مستنسخة من اللجنة الأولى، وستقدم تقريرا مشابها لتقريرها حسبما اقتضت التوجيهات من الجهات المتآمرة !!

حزّ في نفسي حصول هذا الظلم الفادح، ورأيت أن المشكلة لم تعد مع السارق فقط، بل مع أعضاء لجنة خبراء نقابة الصحفيين الذي داسوا ضميرهم، وقدموا تقريرا مجافيا للحق والحقيقة، ورأيت أن أخرج هذه الدعوى من قاعة المحكمة الصغيرة إلى ساحة التاريخ الواسعة، وذلك عن طريق جمع أوليات هذه الدعوى وإصدارها في كتاب خاص يحمل عنوان (سرقة جسر المسيب ؛ تفاصيل الدعوى القضائية 1660/ب2/2001) ، وقد أعلنت عنه في نهاية صفحات كتابي المطبوع (الشيخ علي عوض الحلي – بغداد 2002م) .

وعلمت أن صدور مثل هذا الكتاب الذي يضم دعوى قضائية يحتاج إلى موافقة خاصة من وزارة العدل، فقصدت الدكتور عصمت عبد المجيد بكر في مجلس شورى الدولة، وكان قد صدر له قبل عام كتاب قيم وذات صلة بقضيتي حمل عنوان (الحماية القانونية للملكية الفكرية – بغداد 2001م) ، وقد حملت نسخة من الكتاب معي، وكنت قد استعنت بصديق أكاديمي مشترك هو الدكتور سعد عبد الجبار العلوش، فكان له الفضل في تحقيق هذا اللقاء .

ووصلت بسهولة إلى الدكتور عصمت عبد المجيد بكر، رحب بي بمودة، وجلست أمامه في مكتبه في الطابق السادس بوزارة العدل، وقد خامرني شعور منذ اللحظة الأولى بارتياح كبير إليه، ولمست ارتياحه لي أيضا، وتبادلنا مختلف الأحاديث، وكأننا أصدقاء منذ زمن بعيد، كان إنسانا مليئا بالطيبة والتواضع والخلق النبيل، وعالما جليلا في اختصاصه القانوني .

عرضت عليه أوليات القضية كلها وقد حملتها معي فضلا عن كتابه (الحماية القانونية) ، وتوقفنا عند تقرير خبراء نقابة الصحفيين الذي أثار استغرابه، واقترح عليّ مقابلة نقيب الصحفيين وعرض الأمر عليه، فكان جوابي ( (وماذا سيحدث لو وجدته في نوبة من نوبات جنونه) ) !! ولم يكن في المستطاع قول مثل هذا الكلام لولا الأمان الكبير الذي أحسست به في حديثي معه، والثقة المطلقة التي زرعتها شخصيته المحبوبة في نفسي، وأخبرته برغبتي في ظهور هذه الدعوى القضائية في كتاب خاص، واحتاج مساعدته في استحصال الموافقات الأصولية، فوعدني خيرا بها .

وكلما أردت الوصول إلى نهاية الحديث لكي استأذن منه بالانصراف، كان يفتح حديثا جديدا شائقا لكي يستبقيني جالسا معه لمدة أخرى، وتنوعت الأحاديث وكما يقال شرقت وغربت، فذكرت له أني قرأت لقاءً معه قبل مدة قليلة في مجلة (ألف باء) ، فأجابني أن أي صحفي لم يلتقيه لا من مجلة (ألف باء) ولا من غيرها !! فعجبت للأمر وما وصل إليه الانحدار للبعض في الصحافة العراقية يومذاك .

وبعد جولة في عالم الثقافة والقانون، حدثني بمحبة عن مدينته كركوك، وحدثته بمحبة أيضا عن مدينتي المسيب وما كتبته عنها، ووعدني بزيارة إلى المسيب عند ذهابه إلى كربلاء في قابل الأيام، ووعدته بتكرار الزيارة له مستقبلا، ولم يتحقق الوعدان بعد أن افترقت بنا السبل، وتباعدت المسافات بيننا، وبقي هذا اللقاء الحميم مما أعتز به كثيرا، وأذكره على الدوام، وأنا مسرور وفخور به .

تقول السيرة الذاتية الموجزة للدكتور عصمت عبد المجيد بكر إنه من مواليد مدينة كركوك سنة 1945م، وأنهى مراحله الدراسية الأولى فيها، وتخرج من كلية الحقوق بجامعة بغداد سنة 1967م، وحصل على الماجستير في القانون الخاص سنة 1973م، ونال الدكتوراه سنة 1979م، وعمل في الإدعاء العام، وباحثا في مركز البحوث القانونية، ومديرا عاما لعدد من دوائر وزارة العدل العراقية للمدة 1985- 1992م، ومستشار في مجلس شورى الدولة (درجة خاصة) منذ 25/5/1992م، ونائب رئيس مجلس شورى الدولة منذ 18/6/2006م، ورئيس مجلس شورى الدولة في 24/1/2007م، وعضو هيئة تعيين المرجع للفصل في تنازع الاختصاص بين القضاأين الإداري والمدني منذ عام 1992 ولغاية 2006م، وعضو الفريق الاستشاري لقسم الدراسات القانونية في بيت الحكمة منذ تأسيسه.

أشرف على عدد من رسائل الدراسات العليا في كليات الحقوق، ورسائل الدراسات المتخصصة في المعهد القضائي، وشارك في لجان مناقشة العديد من رسائل الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) في كلية الحقوق بجامعة النهرين، وكليات القانون في جامعات بغداد والموصل وبابل وصلاح الدين (أربيل) وكوية ودهوك والسليمانية وسوران، وأشرف على عدد من بحوث الترقية للقضاة وأعضاء الادعاء العام، وتولى تقويم العديد من أطروحات الدكتوراه والبحوث العلمية المقدمة للترقية العلمية في الجامعات العراقية، وكان من المحاضرين في معهد الإدارة/الرصافة ببغداد، وكلية القانون والسياسة بجامعة بغداد وكلية التراث الجامعة/قسم القانون والمعهد القضائي في بغداد سابقا.

وعمل مدير تحرير مجلة (الوقائع العدلية) التي كانت تصدر عن وزارة العدل العراقية، وعضو هيئة تحرير مجلة (العدالة) التي كانت تصدر عن وزارة العدل العراقية، ومجلة (القانون المقارن) التي تصدر عن جمعية القانون المقارن العراقية، ومجلة (الحولية العراقية) الصادرة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي (قطاع كليات القانون) ، ومجلة (الدراسات القانونية) التي كانت تصدر عن قسم الدراسات القانونية في بيت الحكمة.

وكان عضو هيئة تحرير مجلة التشريع والقضاء (بغداد) ، ومجلة القانون المقارن (بغداد) ، ومجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية بجامعة كركوك، وعضو الهيئة الاستشارية للمجلة العلمية جامعة جيهان الأهلية / أربيل، وأستاذ القانون في جامعة جيهان الأهلية / أربيل، ومحاضر في المعهد القضائي في أربيل، ومحاضر على طلبة الدكتوراه في القانون بجامعة سوران (حاليا) .

وناهزت مؤلفاته 53 كتابا رصينا في اختصاصه، وهي :

1ـ أثر النزعة الاجتماعية في تطور عقد الإيجار، دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، مطبوعة على الرونيو أيلول 1972.

2ـ اختلال التوازن الاقتصادي للعقد ودور القاضي في معالجته، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه، مطبوعة على الرونيو آذار 1978.

3ـ شرح قانون أيجار العقار رقم 67 لسنة 1973، بغداد مطبعة دار السلام، الطبعة الأولى 1974.

4ـ شرح قانون بيع وإيجار عقارات الحكومة رقم 17 لسنة 1967، بغداد مطبعة ابن زيدون، 1975.

5ـ قانون الاستملاك رقم 54 لسنة1970 المعدل بين الفقه والقضاء، بغداد مطبعة التايمس 1977.

6ـ شرح قانون إيجار العقار رقم87 لسنة 1979، بغداد مطبعة التايمس، 1981.

7ـ الضرورة الملجئة للسكن، دراسة في ضوء قرارات المحاكم، بغداد دار القادسية للطباعة، 1982.

8ـ أصول البحث القانوني، بغداد دار القادسية للطباعة 1982، الطبعة الثانية بغداد مطبعة الزمان1999، الطبعة الثالثة، بغداد المكتبة القانونية 2007. الطبعة الرابعة (طبعة منقحة ومعدلة) بيروت دار السنهوري 2018.

9ـ أحكام تخلية المأجور، دراسة في تطبيقات قانون أيجار العقار، من منشورات مركز البحوث القانونية (وزارة العدل) تسلسل (17) بغداد دار الحرية للطباعة 1988.

10ـ الأحكام القانونية لرعاية القاصرين، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، كلية القانون بجامعة بغداد، مطبعة الحكم المحلي 1989، الطبعة الثالثة بغداد (المكتبة القانونية) والقاهرة (شركة العاتك لصناعة الكتاب 2007.

11. أحكام رعاية القاصرين. (دراسة في قانون رعاية القاصرين العراقي مع الإشارة إلى تشريعات عربية والقانون العربي الموحد للأحوال الشخصية) .

12ـ نظرية الظروف الطارئة ودور القاضي في تطبيقها، من منشورات وزارة العدل (الثقافة القانونية) تسلسل (9) بغداد دار الحرية للطباعة 1993.

13ـ الوجيز في شرح قانون الإثبات، الطبعة الأولى، بغداد، مطبعة الزمان 1997، الطبعة الثانية بغداد المكتبة القانونية، 2007، القاهرة شركة العاتك لصناعة الكتاب.طبعة ثالثة منقحة ومزيدة بيروت دار السنهوري 2018

14ـ أحكام إيجار العقارات التجارية والصناعية (دراسة في ضوء القانون رقم 25 لسنة1996) بغداد مطبعة الزمان 1997.

15ـ وسائل أثبات عقد الإيجار في القانون العراقي، بغداد مطبعة الزمان 1997 (كراس) .

16ـ أصول التشريع (دراسة في إعداد التشريع وصياغته) سلسلة الموسوعة الصغيرة، (430) دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1999.

17ـ أحكام بيع وإيجار أموال الدولة، بغداد مطبعة الخيرات، 2000. الطبعة الثانية بغداد 2009

18ـ المدخل إلى البحث العلمي، سلسلة الموسوعة الصغيرة (453) دار الشؤون الثقافية العامة2001

19ـ الحماية القانونية للملكية الفكرية، بغداد بيت الحكمة، 2001، بالاشتراك.وفي عام 2007 صدر لنا (الحماية القانونية لحقوق المؤلف) بغداد، المكتبة القانونية.

20ـ شرح قانون أيجار العقار وتعديلاته في ضوء التطبيقات القضائية، بغداد مطبعة الزمان 2002.

21ـ الأحكام المستحدثة في القانون رقم (56) لسنة 2000، بغداد مطبعة الخيرات 2001.

21ـ شرح أحكام عقد الإيجار، بغداد، شركة الزاهر، 2002.

23ـ أصول تفسير القانون، بغداد مكتب صباح 2004م

24ـ مصادر الالتزام في القانون المدني، دراسة مقارنة، بغداد المكتبة القانونية 2007.

25ـ أثر التقدم العلمي في العقد ( تكوين العقد/أثبات العقد) دراسة مقارنة.بغداد 2007.

26ـ نظرية العقد في الفقه الإسلامي، دراسة مقارنة مع الفقه القانوني والقوانين المعاصرة. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 2009

27ـ أصالة الفقه الإسلامي (دراسة في العلاقة بين الفقه الإسلامي والقوانين القديمة وأصالة النظم والمبادئ في الفقه الإسلامي) دار الكتب العلمية بيروت، لبنان 2010

28 ـ مجلس الدولة (دراسة قانونية مقارنة) دار الكتب العلمية.بيروت 2011.ومكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع /عمان الأردن. 2012.

29ـ المدخل لدراسة النظام القانوني في العهدين العثماني والجمهوري التركي. دار الكتب العلمية بيروت. 2011م.

30 ـ أصول الإثبات (دراسة في ضوء أحكام قانون الإثبات العراقي والتشريعات المقارنة والتطبيقات القضائية ودور التقنيات العلمية في الإثبات) عمان/الأردن.دار أثراء للنشر والتوزيع. منشورات جامعة جيهان الأهلية/أربيل2011.

31ـ النظرية العامة للالتزامات (الجزء الأول في مصادر الالتزام) الذاكرة للنشر والتوزيع.عمان/بغداد .منشورات جامعة جيهان الأهلية.أربيل 2012.

32ـ النظرية العامة للالتزامات ( الجزء الثاني في أحكام الالتزام) الذاكرة للنشر والتوزيع.عمان.بغداد .منشورات جامعة جيهان الأهلية.أربيل 2012.

33ـ تنفيذ الأحكام والمحررات (شرح قانون التنفيذ رقم 45 لسنة 1980 في ضوء التطبيقات القضائية) الذاكرة للنشر والتوزيع .عمان.بغداد .منشورات جامعة جيهان الأهلية.2012.

34ـ المدخل إلى البحث القانوني. بغداد/عمان الذاكرة للنشر والتوزيع.منشورات جامعة جيهان الأهلية/أربيل 2012.

35 ـ أصول المرافعات المدنية .عمان الذاكرة للنشر والتوزيع. منشورات جامعة جيهان الأهلية /أربيل. 2013.

36 ـ أفكار وآراء قانونية (بحوث ودراسات، مقالات، تعليقات على الأحكام) الموصل ( العراق) مكتبة الجيل العربي للنشر والتوزيع 2013.

37ـ مشكلات التشريع (دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة) بيروت دار الكتب العلمية 2014.

38ـ الوجيز في العقود المدنية المسماة (البيع والإيجار) بيروت منشورات زين الحقوقية 2015.

39 ـ الوجيز في العقود المدنية المسماة ( المقاولة والوكالة) بيروت منشورات زين الحقوقية 2015

40ـ مبادئ البحث العلمي .بيروت منشورات زين الحقوقية 2015

41ـ دور التقنيات العلمية في تطور العقد.بيروت دار الكتب العلمية 2015.

42 ـ نظرية العقد في القوانين المدنية العربية. بيروت.دار الكتب العلمية 2015.

43ـ المسؤولية التقصيرية في القوانين المدنية العربية. بيروت منشورات زين الحقوقية 2016.

44 ـ طرق الإثبات. بيروت منشورات زين الحقوقية 2017.

45 ـ تنفيذ الالتزام في القوانين المدنية العربية.بيروت منشورات زين الحقوقية 2017.

46ـ النظرية العامة للإثبات في القانون المقارن. في المطبعة.

47 ـ الوجيز في العقود المدنية المسماة.التأمين. بيروت منشورات زين الحقوقية 2018.

48 ـ الوجيز في العقود المدنية المسماة. الكفالة. بيروت منشورات زين الحقوقية 2018.

49 ـ حقوق المؤلف في القوانين العربية.دراسة مقارنة مع الإشارة إلى الاتفاقيات العربية والدولية .بيروت منشورات زين الحقوقية 2018.

50 ـ الحماية القانونية للحقوق المجاورة لحق المؤلف.بيروت منشورات زين الحقوقية 2018.

51 ـ محاورات قانونية مع المؤلف حول مشروع السنهوري لتقنين الفقه الإسلامي في القانون المدني.. في المطبعة.

51 ـ نحو تطوير حماية حقوق المؤلف في القانون العراقي . في المطبعة.

53 ـ شرح أحكام قانون التنفيذ في ضوء آراء الفقه وأحكام القضاء.في المطبعة.

54 ـ شرح أحكام قانون المرافعات المدنية في ضوء آراء الفقه وأحكام القضاء. في المطبعة.

أما في مجال البحوث والدراسات والمقالات فقد كتب ونشر ما يقرب من ستين منها في الدوريات والمجلات المتخصصة، فضلا نشاطات ومساهمات علمية أخرى لا يتسع المجال هنا للخوض في تفاصيلها .

 

diaa nafie2نشرت المجلة العلمية لجامعة بطرسبورغ الروسية بحثين للمستعربة الروسية الدكتورة موكروشينا عن دور المرأة العربية ومساهمتها الكبيرة في عملية الابداع الادبي العربي، وقد اختارت المستعربة موكروشينا الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة انموذجا في مجال الشعر والروائية العراقية لطفية الدليمي انموذجا في مجال النثر.

الدكتورة أماليا أناتوليفنا موكروشينا مستعربة روسيّة، وهي في الوقت الحاضر تدريسية  في قسم - (نظرية التطور الاجتماعي لبلدان آسيا وأفريقيا) في الكلية الشرقية بجامعة بطرسبورغ (لينينغراد سابقا)، وتساهم – بنشاط وحيوية – في اعمال المؤتمرات العلمية للمستعربين الروس، والتي تجري عادة في مختلف المدن الروسية وجامعاتها، وقد التقيتها في المؤتمر الثاني عشر للمستعربين في معهد الاستشراق بموسكو (انظر مقالتنا – حول مؤتمر المستعربين في معهد الاستشراق بموسكو)، حيث ألقت بحثا متميّزا حول مسرحية مصطفى محمود (الانسان والظل)، والتي اختارتها هي بنفسها و قامت بترجمتها من اللغة العربية الى الروسية ونشرتها في بطرسبورغ بدعم من المركز الثقافي الروسي – العربي في تلك المدينة. تحدثّنا اثناء هذا اللقاء السريع عن طبيعة نشاطاتها العلمية في مجال حركة الاستعراب الروسية، وكان العراق  طبعا حاضرا في تلك الاحاديث، وعلمت منها انها قد نشرت بحثين حول الادب العراقي الحديث في مجلة (فيسنك  بيتربورسكوفو  اونيفرسيتيتا) (اخبار جامعة بطرسبورغ)، وهي مجلة متخصصة بنشر البحوث العلمية للتدريسيين الروس في تلك الجامعة وكذلك في الجامعات الروسية الاخرى، وأثار هذا الموضوع اهتمامي الشديد طبعا، اذ انه يقع  في صلب متابعاتي للعلاقات الروسية – العراقية في مجال الثقافة بشكل عام والادب بشكل خاص، وحاولت التوقف عند هذا الموضوع و الاستفسار منها حول ذلك بشكل اوسع، لكن طبيعة ذلك اللقاء السريع في اروقة المؤتمر المذكور لم تسمح لنا بالطبع ان نتحدث بالتفصيل عن هذين البحثين، فطلبت منها ان ترسلهما لي للاطلاع عليهما اذا كان هذا ممكنا، وقد نفّذت موكروشينا وعدها فعلا، واستلمت البحثين بالبريد الالكتروني كما اتفقنا، ووجدت انهما يستحقان ان نعرضهما للقارئ العربي حتما لكي يطلع عليها، اولا، لان هذا الشئ بحد ذاته يعد حدثا مهما وبارزا وغير اعتيادي بتاتا في مسيرة العلاقات الفكرية (ان صحّ التعبير) بين روسيا والعراق و التي جاءت بمبادرة من الجانب الروسي بالذات ودون اي تنسيق او دعم او تخطيط من الجانب العراقي، وثانيا، لأن الكتابة عن المبدعين العراقيين من قبل باحثين أجانب، ومن خارج العراق، و نشرها  في مجلة علمية خاصة بالبحوث والدراسات في جامعة مهمة وعتيدة مثل جامعة بطرسبورغ، كل ذلك يعني الكثير الكثير ويمتلك اهمية استثنائية جدا، خصوصا اذا كان هؤلاء المبدعين من (العيار الثقيل!!!) مثل لميعة عباس عمارة ولطفية الدليمي، (رغم انهما يعتبران طبعا رمزا للرشاقة والجمال في ادبنا الحديث).

ترسم المستشرقة موكروشينا في بحثيها صورة متكاملة عن لميعة عباس عمارة ولطفية الدليمي، حيث تبدأ بالحديث عن ميلادهما ودراستهما الجامعية، ثم تتوقف عند ابرز النتاجات الادبية لهما، وتعرض مواقفهما الفكرية، وتتوقف عند مكانتهما الآن في عالم الادب المعاصر عراقيا وعربيا....

في البحث الذي تناول لميعة عباس عمارة، والذي جاء بست صفحات من المجلة المذكورة، توجد ترجمات لعدة قصائد من شعرها، واول تلك القصائد هي قصيدة - (عراقية) الشهيرة، هذه القصيدة الغريبة للقارئ الاجنبي بلا شك بمضمونها المعروف وبشكلها الفني المتميّز، اذ انها مكتوبة على شكل حوار مباشر بين الشاعرة مع رجل، حيث ترفض كل ما يقترحه عليها، والسبب  لانها (عراقية!)، وهذه القصيدة مثيرة للقارئ الاجنبي بلا شك، وهناك اربع قصائد اخرى مترجمة في ذلك البحث، وهذه الترجمات تظهر للمرة الاولى بالروسية، وهي تكمل طبعا الصورة المتكاملة للشاعرة امام القارئ الروسي، وقد اخبرتني المستشرقة موكروشينا انها حاولت الاحتفاظ بتلك الاجواء الشعرية عند الترجمة، وان ذلك لم يكن سهلا بتاتا، فقلت لها انني اترجم الشعر ايضا على مدى اكثر من اربعين سنة، وبالتالي فانني اتفهم ما كنت تعانيه اثناء ترجمتها لشعر لميعة عباس عمارة.

اما البحث الخاص بلطفية الدليمي فقد جاء بسبع صفحات في المجلة المذكورة، وتناول ايضا سيرة حياة لطفية الدليمي وبداية نشاطاتها الابداعية في مجال القصة والرواية، وتحدثت عن مكانتها المرموقة في هذا العالم الابداعي، وتوقفت بالتفصيل عند روايتها – (سيدات زحل)، واشارت الى الطبعات الثلاث لهذه الرواية باعتبارها ظاهرة متميّزة في مسيرة الادب بشكل عام في العراق، وان ذلك يعد نجاحا باهرا لهذه الروائية، وتأسف الباحثة لأن القارئ الروسي لا يعرف ابداعها، اذ لم يقدمها المترجمون الروس الى هذا القارئ، ما عدا قصة لها ضمن كتاب (لؤلؤة الشرق) الذي ظهر عام 2015 في بطرسبورغ (انظر مقالتنا بعنوان – النثر العراقي المعاصر باللغة الروسية)، وان ذلك لا يمكن بتاتا ان يرسم صورة متكاملة لمكانتها الابداعية في الادب المعاصر عراقيا وعربيا.

ان العمل العلمي الذي قدمته المستشرقة موكروشينا في بحثيها عن لميعة عباس عمارة ولطفية الدليمي يعد كلمة جديدة في مسيرة الدراسات الروسية عن الادب المعاصر في العراق، وستدخل حتما ضمن البيبلوغرافيا الروسية حول الادباء العراقيين ومكانتهم في تاريخ  دراسة الادب العربي المعاصر في روسيا.

 لنصفق للمستشرقة الروسية أماليا أناتوليفنا موكروشينا (وهذا أضعف الايمان) تعبيرا عن شكرنا لها لتعريف القارئ الروسي بادبنا المعاصر واعلامه، وهو الشئ الذي يجب ان تقوم به مؤسساتنا الثقافية طبعا، ولكن..... 

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

asmaa mohamadmustafa2شخصيتان موسوعيتان تتميزان في طروحاتهما بالعلمية والثقافة الموسوعية والأكاديمية والمهنية، كلتاهما تهتم بالتاريخ والتراث والحضارة والمعاصرة وأهمية الحوار بين الحضارات والأمم والشعوب، وإيجابيتهما في التعامل مع التراث والتحاور مع الماضي بمايفضي الى حاضر أفضل، زاهٍ بالرؤى البناءة والأفكار الداعية الى بناء البلد بما يعيده الى مصاف الدول الحضارية التي تشع بالعلم والمعرفة .

هاتان الشخصيتان تتسمان بإهتمامهما بالآخرين، وهذا يتضح من خلال صفحتيهما في فيس بوك، مثالاً، واللتين تجد فيهما إشراقات المعلومة والفكرة الناضجة والإيجابية والداعمة للآخرين والنائية عن الأنانية وحب الذات .

عن المؤرخ الأستاذ الدكتور العلّاف إبراهيم، والصحافي والباحث الموسوعي الطاهر عكَاب سالم نتحدث .. كلاهما يسعى الى البناء الفكري والثقافي والأخلاقي وإفادة الجيل الجديد وترسيخ القيم السامية، ومن ذلك ما أشار اليه العلاف في احدى كتاباته قائلا : "من أكثر الصفات التي أبحث عنها وأكرس الاهتمام بها في منشوراتي الحب والوفاء والصدق والإيجابية والتفاؤل وزرع الخير والبناء والواقعية "، كما إنهما يهتمان كثيرا بالآخرين مايؤكد على حب الإنسان لأخيه مايحب لنفسه، وهذه حكمة مفضلة لدى الباحث عكاب سالم الطاهر وأشار اليها في سيرته الذاتية، وقد قال ذات مرة أنه عاهد نفسه على تسليط الضوء على الآخرين ترسيخاً لمبدأ الإهتمام بالغير ونبذ الأنانية، ومن هنا يتبين لنا إتصاف هذين الكبيرين في منجزهما وأخلاقهما بتواضع يليق بجليلي قدر مثلهما، وهو ما يتجلى عبر تسليطهما الضوء على الآخرين من المبدعين وبمختلف الأعمار والمستويات والمجالات، يكتبان عن الرواد والشباب، يدعمان الجدد، وحتى إبداعات البراعم الصغيرة لها من إهتمامهما نصيب، ويضيفان الى أضواء تجارب الآخرين الإبداعية ضوءا جديدا من خلال الدعم بالكلمة الهادفة، الناقدة، البناءة، ولهذا تزدحم صفحتاهما باستذكارات ومنشورات عن مختلف الشخصيات والكتب والأمكنة والمدن والحكم فضلا عن الأخبار والأحداث التاريخية المهمة وغيرها . 

هما موضوعيان في عرض أفكارهما، الى جانب تنورهما وتقدميتهما . ونذكر هنا، على سبيل المثال، أنّ الدكتور إبراهيم العلاف الذي أطلق عليه محبوه ومتابعوه لقب (شيخ الفيسبوك العراقي) و(رائد التدوين في العراق) ينشر بين وقت وآخر مايعبر عن رفضه سلبية التفكير وسوء الظن والأحكام العشوائية والأفكار الرجعية او المعيقة لبناء البلد، كما ينبه الشباب الى أهمية أن لايفكروا بطريقة متخلفة، وإنما يدعوهم الى أن يقبلوا على الحياة والعلم بعقول متفتحة تتقبل التطور والتقدم، ويبدو لنا هنا أنّ هذا الرجل الجليل بعقله الناضج هو أكثر شبابا من بعض الشباب الذين يقابلون الأفكار الحرة والتقدمية بعنف وتخلف وجهل وعنجهية .

هما دائما العطاء، تأليفاً أكاديميا وكتابة صحافية وتفاعلاً مع الآخرين، يعبران جسور الحياة حاملين معهما قناديل المعرفة يضيئان بها طريق الأجيال .. وكما يقول الصحافي اللامع غزير العطاء عكَاب سالم الطاهر في احدى كتاباته " نحن نعبر جسر الحياة .. وخلال عملية « العبور » هذه، نمر بمحطات، ونواجه شرائح من المجتمع، ونتحاور مع عينات .. نتوقف..نستريح .. ومن ثم نحث الخطى .. مشاهد كثيرة ومتنوعة من النشاط الإنساني، فيها العام والخاص .. الذاتي والموضوعي .. الحلو والمر .. الدمعة والابتسامة".

وختاما، نعرض سيرتي هذين العلمين العراقيين متمنين على الشباب الاستفادة من خزينهما المعرفي : فالدكتور إبراهيم خليل العلّاف هو مؤرخ وكاتب صحافي وأستاذ متمرس في مركز الدراسات الاقليمية – جامعة الموصل / العراق . مواليد محلة رأس الكور، الجانب الايمن من مدينة الموصل 1945. رئيس أسبق لقسم التاريخ في كلية التربية – جامعة الموصل 1980-1995 . مدير أسبق لمركز الدراسات الإقليمية - جامعة الموصل- العراق . رئيس أسبق لجمعية المؤرخين والآثاريين في الموصل . مُنح وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب في 15 تموز 1986 تقديراً لجهوده في خدمة التاريخ العربي . حصل على امتياز رعاية الملاكات العلمية للسنتين الدراسيتين 1999-2000 و2001- 2002. حصل على أكثر من جائزة تكريمية وشهادة تقديرية لجهوده في النشر العلمي وخدمة الوطن في مجال التاريخ . أمين تحرير موسوعة العراق الحضارية 1998-2003.عضو مجلس كلية التربية - جامعة الموصل 1998- 2003. عضو مجلس جامعة الموصل 1995- 1997 .شغل منصب رئيس قسم التاريخ في كلية التربية- جامعة الموصل 1980- 1995. شغل منصب مدير مركز الدراسات التركية سابقاً (الاقليمية حاليا) للمدة من 1995- 2003 ومن 2006 الى 2013 .عمل سكرتيراً لتحرير مجلة التربية والعلم التي تصدرها كلية التربية في جامعة الموصل لسنوات عدة .عمل رئيساً لتحرير مجلة أوراق تركية معاصرة . عمل عضواً في هيأة تحرير مجلات: آداب الرافدين وأوراق موصلية والموصل التراثية . عضو الهيأة الاستشارية لمجلة دراسات سياسية واستراتيجية التي يصدرها (بيت الحكمة) التابع لديوان مجلس الوزراء في العراق 2017 . عمل رئيس تحرير مجلة دراسات إقليمية. رئيس اتحاد كتٌاب الانترنت العراقيين . عضو إتحاد كتاب الأنترنت العرب . عضو جمعية الأنترنت العالمية . أصدر نحو 50 كتابا منها : نشأة الصحافة العربية في الموصل (1982) . تطور التعليم الوطني في العراق (1982) . التاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1516-1916 (1983) . التاريخ الوطن العربي الحديث والمعاصر (1987) . التاريخ العراق المعاصر (1989). قضايا عربية معاصرة (بالاشتراك) . تاريخ إيران وتركيا الحديث والمعاصر بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور خليل علي مراد . دراسات في تاريخ الخليج العربي والجزيرة العربية (1986) بالاشتراك مع آخرين . القدرات النووية في الشرق الأوسط (2006) . العراق والولايات المتحدة الاميركية (2006) . خارطة التوجهات السياسية في تركيا المعاصرة (2004) . تاريخ الفكر القومي (2001) . شخصيات موصلية (2007) . أوراق تاريخية موصلية (2006) . نحن وتركيا : دراسات وبحوث . مباحث في تاريخ الموصل (2013) . تاريخ الموصل الحديث (2004)، تاريخ الجيش العراقي وتطور دوره الوطني (بالاشتراك مع أساتذة آخرين) . مشكلة المياه والموارد المائية في الشرق الأوسط . أعلام من الموصل (2014) . له أكثر من (500) بحث ودراسة منشورة . اشترك بندوات ومؤتمرات علمية داخل العراق وخارجه. اشترك بتحرير العديد من الموسوعات داخل العراق وخارجه . كرم من قبل الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب ضمن العلماء الأعلام في الاول من يناير / كانون الثاني 2007 تقديرا لجهوده في خدمة حركة الثقافة العربية . قدم برنامجا تلفزيونيا من على قناة الغربية (الفضائية) بعنوان شذرات . يقدم منذ الاول من أيلول 2017 برنامجا تلفزيونيا من قناة (الموصلية ) الفضائية بعنوان موصليات.

أما الباحث الموسوعي عكَاب سالم الطاهر، فقد ولد سنة 1942، في ريف ناحية گرمة بني سعيد، قضاء سوق الشيوخ، محافظة ذي قار .أكمل الدراسة الابتدائية في مدرسة الگرمة سنة 1955، والدراسة المتوسطة في متوسطة سوق الشيوخ سنة 1959. والدراسة الإعدادية في اعدادية الناصرية سنة 1961، والدراسة الجامعية في كلية الهندسة / جامعة بغداد سنة 1971.

شغل العديد من الوظائف الإدارية والهندسية والصحافية، منها :مدير عام دار الثورة للصحافة والنشر / جريدة الثورة سنة 1975 . مدير عام الدار الوطنية للنشر والتوزيع والإعلان سنة 1979 . رئيس تحرير مجلة (ألف باء) سنة1981.

عضو نقابة المهندسين العراقيين، ونقابة الصحفيين العراقيين، والإتحاد العام للكتاب والادباء العراقيين، وإتحاد الصحفيين العرب.

أصدر 11 كتابا في حقول معرفية متنوعة، منها : من حقيبة السفر، موسوعة الشخصيات العراقية، على ضفاف الكتابة والحياة .. الاعتراف يأتي متأخرا، موضوعات في الكتابة : (اختراعها، أشكالها، موادها وأدواتها، كتابة الكتابة، قراءة الكتابة، المكتبات)، وآخرها كتاب: حوار الحضارات الصادر سنة 2017.

تعرض للملاحقة والاعتقال في العهد الملكي والعهود الجمهورية المتعاقبة.

متقاعد من الوظيفة. يمارس العمل الكتابي .. لاسيما الصحافي .

 

أسماء محمد مصطفى

 

lutfi shafiksaedركبنا (الريل) وهي الكلمة التي يطلقها الناس في ذلك الزمن على القطار  وهي مشتقة من الكلمة الإنجليزية (Rail Way)، لقد كان السفر في القطارات في ذلك الزمن له نكهة ومتعة خاصة وأثرا جميلا وعميقا خاصة في نفوس الأطفال لما يشاهدونه من معالم ومباني وصالات انتظار لم يألفوها داخل المدن إضافة لصخب المسافرين وضجيج عجلات القطارات الرائحة والآتية وصوت صفاراتها ودوي ماكناتها التي تعمل على قوة البخار الذي يولده الفحم الحجري الذي تنبعث منه رائحة نفاذة تملأ أجواء المكان وتبقى عالقة بالذاكرة.

جلس جميعنا تحت سيطرة الوالد في الدرجة الثالثة على مصاطب خشبية في أحدى حافلات القطار والذي كان يطلق على تسميتها (فاركون) وكان الوقت مساء وإن أهم  شيء يجب أن توفره الوالدة لهذه السفرة الطويلة التي تستغرق الليل بطوله وجزء من صباح اليوم التالي هو سلة تحوي متاع السفرة من طعام وماء، إن وجودنا في الحافلة  أشبه ما يكون بغرفة يشترك فيها عديد من الناس رجال ونساء وأطفال ومن جميع الاجناس تختلط أصواتهم التي تطلق لغات مختلفة فتشكل حالة من الهرج والمرج وخاصة قبل انطلاق القطار، إن التطلع من زجاج نافذة القطار المغلقة بإحكام  تشكل حالة من أجمل حالات المتعة والخيال  نتيجة تلك الصور المتحركة فوق رصيف المحطة تحت أضواء المصابيح الخافتة التي تغلفها ابخرة وأتربة ناتجة عن حركة القطارات.

لقد كان نظري يتركز في تلك اللحظة على الشخص المسئول عن إعطاء إشارة الانطلاق وهو يلوح بضوء فانوس يرفعه للأعلى إيذانا بحركة القطار بعد أن يقوم عامل آخر مختص بفحص عجلات القطار الفولاذية الضخمة  

 ويتأكد من سلامتها وذلك بالطرق عليها بمطرقة حديدية ويبدو أن خبرته الخاصة تمكنه أن يميزها من رنين صوتها فيما إذا كانت سليمة أم لا.

أطلقت ماكنة القاطرة عدة صفارات أعقبتها رجة مفاجئة جعلت من في (الفاركون) يندفع لأمام بحركة عفوية وعندها انطلقت القاطرة تنهب الأرض وأخذت أعمدة الضياء والمباني تركض إلى الخلف ثم تختفي تدريجيا ويسود ظلام دامس في الخارج يتخلله صوت انزلاق عجلات القطار الرتيب على السكة الحديد محدثة اهتزازا ممتعا يوفر فرصة جيدة للركاب لكي يذهبوا بنوم عميق عدا بعض الأطفال الذين تستهويهم الرحلة إضافة لعويل وصراخ الأطفال الرضع.

بين فترة وأخرى تجعر ماكنة القاطرة معلنة التقرب من أحدى المحطات التي سيتوقف عندها للتزود بالماء المطلوب لتأمين البخار في المرجل، ومع كل انطلاقة وترك محطة من المحطات  تكون البصرة والقرنة والعشار قد ابتعدت عنا ولم يبق منها سوى تلك الذكريات اللذيذة وكم تمنيت أن أنقل معي منها ما كان يعجبني من التمر والعنب (الملاسي ودك السبال) وصورة  القنطرة الرفيعة من جذع النخل التي كنت اعبرها متوجسا ومتشبثا بيد أختي (علية) التي تكبرني بعامين لكي نجتاز الترعة إلى الجانب الآخر لتشتري لي بعض الحلوى.

 أضن بأن الوالد كان أكثرنا تأثرا بفراق البصرة والعشار ولياليها الملاح التي كان يقضيها صحبة جوقة (الخشابة) متنقلا في (مشحوف) يمخر عباب شط أبي الخصيب وكأنه جندول مدينة البندقية أو أمتع منها.

إنني لو نسيت فإنني لا أنس بيتنا المطل على شط أبي الخصيب الذي كنت أتطلع من شرفاته على الجسر الخشبي المجاور وحركة البط واشعة الشمس التي تتلألأ على صفحة النهر ورائحة السمك التي تملأ الأجواء لدرجة كنت أشعر فيها أن تلك الأسماك قريبة من عتبة دارنا.

 تركنا مدينة القرنة التي منحتنا ولادة فرد إضافي لعائلتنا وهي أختي سعيدة وقد اسماها أبي بهذا الاسم تيمنا بالسعادة التي عشناها في تلك الربوع وفي ذلك الزمن الجميل إن هذه المولودة الجديدة عززت ارتباطنا بتلك البقعة الجميلة من ارض الوطن.

كم أتمنى لو أن عمري كان أكبر في تلك المرحلة لتمكنت حينها من معرفة عادات ناسها الطيبين واستيعاب ما كان يدور حولي وأسماء الأمكنة والشوارع والحارات والأسواق التي تعرفت عليها مؤخرا مثلما تعرفت على العديد من أبناء البصرة ذوي السحنة السمراء المحببة وحلاوة اللسان وقد ربطتني علاقة بالبعض منهم  في سجن السلمان الذي كان يظم الكثير من أبناء البصرة شعراء وأدباء وفنانين وكتاب وأساتذة وحاملي شهادات عليا وعمال بسطاء وخاصة عمال موانئ البصرة الشجعان ومن تلك الشخصيات التي بقيت راسخة في ذاكرتي الشاعر كاظم الحجاج والشاعر الشاب خالد الخشان والكاتب الموسوعي مصطفى عبود والعامل البسيط الأسمر بلون خشب الأبنوس جمعة البصري وغيرهم كثيرون، ومثلما تمنيت أن أكون أكبر من عمري في تلك الفترة أتمنى الآن أن أكون أصغر وبعمر حفيدي ذي الأربع سنوات واجتاز هذا الزمن المر زمن القراصنة وربما وأقول ربما أن تكون الأزمنة القادمة تحمل الكثير من المتغيرات العلمية والتكنلوجية تصحبها تطورات بطفرات متسارعة، كما رأينا خلال انتقالنا من زمن سلطة العسف والكبت والحرمان والانغلاق على العالم إلى عالم الاتصالات السريعة واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وكلنا يتذكر كيف استقبلنا (موبايل نوكي) وهو ما أطلق عليه تسمية (الطابوكة) لصغر حجمه وكذلك استخدام صحون (الستلايت) التي ربطتنا بالعالم المتمدن ولكننا مع الأسف أسئنا استخدامها وأساءت الينا مؤخرا بنقلها فضائيات  عكرت صفو حياتنا بما تبثه من تفاهات.

وصلنا إلى وجهتنا بغداد عند الساعة العاشرة صباحا على ما أضن وتوجهنا إلى بيت خالتي أم يونس نستقل عربة يجرها حصانان وكم كان صوت حوافر الحصانين تطربني وهي تضرب أسفلت الشارع في وقت كان الحصانان يهزان رأسيهما وبحركات متناغمة مع رنين الأجراس المعلقة في رقبتهما وبين الفينة والأخرى ينطلق صوت الحوذي الذي يرفع كرباجه في الهواء مطلقا صرخة (ديخ) يحث فيها الحصانين على الانطلاق بسرعة والأطفال يركضون خلف العربة ويصرخون (عربنجي وراك) مشيرين إلى وجود طفل متشبث خلف العربة.

وصلنا إلى بيت خالتي الكائن في محلة قمر الدين وهي من المحاليل القديمة في باب المعظم من بغداد تنتهي قبالة بناية وزارة الدفاع القديمة، إن بيت الخالة يقع في (دربونه) ضيقة مغلقة تظم أربعة بيوت صغيرة عدا بيت واحد  يتصدر(الدربونه)  فهو واسع يشغله ضابط برتبة عقيد بمنصب آمر كتيبة مدفعية سمين الجثة وبالكاد يتمكن من ولوج  (الدربونه) لدرجة أن وجوده يعيق مرور الآخرين.

    في صباح كل يوم يجلب أحد مراسلي الضابط المذكور حصانا ليعتليه ويذهب بواسطته إلى الكتيبة بشرط أن يساعده المراسل على امتطاء ذلك الحصان المسكين الذي يأن تحت ثقله.  

إن المكوث في بيت الخالة يشكل محطة استراحة وزيارة موقتة لقضاء فترة العطلة المدرسية الصيفية إضافة لذهاب الوالد إلى مكان وظيفته وهو مأمور نفوس قضاء الحي في لواء الكوت لغرض استئجار دار لنا قبل أن نذهب الى ذلك القضاء.        

كان بيت خالتي صغيرا جدا لا تتجاوز مساحته عشرين مترا مربعا  والدخول اليه يتطلب النزول درجيتين والبيت يتكون من حوش صغير في وسطه بالوعة أشبه بالسبتي تنك وعلى يمين الحوش طرمة مرفوع سقفها بعمودين وما يطلق عليها البغداديون (دلكات) وعلى يسار الحوش حوض صغير فوقه حنفية واحدة هي المصدر الوحيد لتأمين مياه الشرب والطبخ والاستحمام أما المطبخ فهو مكان تحت الدرج يظم دولاب خشبي يظم المؤنة وأدوات الطبخ وإن أداة الطبخ الوحيدة هي ( البريمس) وأداة تحضير الشاي هي ما يطلق عليها عند البغدادين (أبو الفتايل) إن هاتان الأداتان البسيطة هي التي توفر طعام الافطار والغذاء لجمهرة من البشر يكون تعدادهم خلال زيارتنا لبيت الخالة هو ثلاثة عشر نسمة ومنهم خالتي التي تحسن القراءة والتحدث بثلاث لغات الكردية والتركية والعربية وتهتم كثيرا بقراءة القصص وكتب التاريخ ودواوين الشعر وتحفظ بعض القصائد من شعراء عديدين بالرغم من عدم تحصيلها الدراسي واقتصر على الكتاتيب وزوجها الحاج سعيد ضابط من العهد العثماني وينتمي لعشيرة النعيم العربية وأصيبت ساقه في أواخر حياته بمرض (الكنكرينا) وتوفي أثرها وكان من مؤسسي أول جريدة عراقية هي جريدة الزوراء  أما الأبن البكر يونس فهو صحفي لامع بالرغم من أنه لم يكمل الدراسة واقتصر تعليمه على الكتاتيب والمله وكان يكتب افتتاحيات بعض الصحف في ذلك الوقت وألف كتابا بعنوان (شقاوات بغداد)والابن الذي كان عمره مقارب لأعمارنا يوسف فقد كان شعلة من الذكاء ومتفوقا بعلوم الرياضيات وهناك طرف آخر في البيت هو أبراهيم الملقب إبراهيم الأسود لسحنته السمراء وكان من أبرز لاعبي كرة القدم ويترأس فريق اللاسلكي المتميز والذي كان يفوز على الفرق الإنجليزية التابعة للجيش البريطاني المحتل للعراق والموجود في معسكر الهنيدي والذي تحول أسمه لاحقا إلى معسكر الرشيد وكان إبراهيم يشغل غرفة صغيرة مع شقيقته في رأس درج البيت وهما من أبناء الحاج سعيد من وزجته الأولى وإن شقيقة إبراهيم تدعى ناجية وهي التي تقوم بأعداد الطعام والتسوق بالرغم من نحول جسدها وتوفيت بعد أصابتها بمرض السل ولم يتجاوز عمرها الثلاثين عاما ولم تتزوج وقد يتساءل المرء كيف كان ينام هذا العدد الغفير وكيف كانوا  يستحمون ويقضون حاجاتهم فالتصور متروك للقارئ ولكن مع كل هذه اللمة والزحمة فقد كانت الألفة والعلاقة قائمة بين الكل بأحسن وجه وقد كان يومهم حافل وهم يضحكون ويتبادلون النكات والنوادر ولا يعكر صفو حياتهم الخوف والتوجس من المجهول ومثال على ذلك فإن صوت بائع التين الذي يتجول في الحارة ظهرا وعلى رأسه طبق التين وينادي (وزيري يا تين لاوي يا تين) ينعشهم ويحصلوا على كمية منه بملاليم  قليلة وبالإمكان قياس السعادة وتأمين لقمة العيش عندما نعرف أن خمسة بيضات دجاج بأربعة فلوس وإن الصمونة البيضاء والمحمصة الكبيرة التي رائحتها تفتح الشهية يوفرها بائع الصمون صباحا إلى عتبة الدار بفلسين وقس على ذلك بقية المواد من خضروات وفواكه وخاصة الرقي والبطيخ والعنب الأسود والجبن الأبيض وما يطلق عليه جبن العرب الذي هو عشاء أكثرية ساكني هذه المناطق من بغداد ولا أنس كذلك نداء أم القمير وهي تنادي فجرا بأعلى صوتها (كيمريو) وبعشرة فلوس يمكن للعائلة أن تؤمن وجبة قيمر عرب للإفطار مع الشاي أو يكون البديل وخاصة في يوم الجمعة باقلاء مع الدهن الحر والبيض توفره (حبه أم الباكلة) التي تتخذ لها مكانا ثابتا في الزقاق ومهمتها تنقيع خبز الزبائن في قدر الباقلاء الكبير والذي تتصاعد منه رائحة الباقلاء المسلوقة الشهية ولدى (حبه أم الباكلة) طريقة فريدة وظريفة بالتعرف على خبز كل زبون وذلك بربط خيط بلون معين لكل خبز وهي تنادي عند أخرجه من القدر خيط أحمر أو خيط أخضر وهكذا يمكن للزبون أن يعرف حصته من (قدر حبه ام الباكله).

كانت بغداد بالنسبة لي في هذا الوقت وفي عمر لم يتعد السابعة هي عبارة عن ذلك ازقاق الضيق والعشرة الطيبة التي توفرها بيت الخالة ولم تكن لي علاقات مع صبية الحارة ولم أكن قد دخلت أحد مدارسها والمرة الوحيدة التي شكلت معلما مهما في ذاكرتي هي عندما أخذني كل من أخي علي الذي يكبرني ستة سنوات وابن خالتي يوسف الذي يكبرني بسنتين إلى السينما وهي المرة الأولى التي أذهب اليها واصبت خلالها بالهلع والاستغراب مما شاهدته في وقتها فلم أكن أعي بأن ذلك هي صور متحركة  فقد كنت أظن أنها حقيقية وإن الشخاص الذين يتحركون أمامي لا أدري أين يختفون ومنهم من يدخل إلى غرفة وآخرين يخرجون ويتغير المشهد بظهور نساء جميلات بملابس شبه عارية لم اعهدها وبعظهم ينطلق بالغناء بعبارات غير مفهومة وغير متداولة بيننا ذلك هو فيلم الوردة البيضاء للموسيقار محمد عبد الوهاب مع فاتن حمامة من انتاج السينما المصرية خلال أعوام الثلاثينيات وقد عرفت تلك التفاصيل بعدة مدة وبعد أن كثر الذهاب إلى السينمات في وقت لاحق سيرد ذكرها في الفصول القادمة وإلى الفصل الثالث من المرافئ.    

    

لطفي شفيق سعيد

 

mohamad suhaylahmadولد جان موريس كليمنت كوكتو في كنف اسرة ثرية  في الخامس من يوليو/ تموز 1889 ببلدة صغيرة صغيرة تقع بالقرب من باريس .وقبل ان يتم العاشرة من عمره ؛ فجع بانتحار ابيه  وبهذا بدأت علاقة كوكتو مع الغياب في سن مبكرة. في عام 1900 يلتحق بمدرسة اهلية ما يلبث ان يطرد منها في 1904.اثر ذلك يهرب الى مرسيليا حيث يقطن في حي الضوء الأحمر تحت اسم مزور ، غير ان الشرطة تكتشفه وتعيده الى كنف عمه . وفي سن (17) او (18) يقع في غرام ممثلة تدعى (مادلين كارليه) كانت في الثلاثين من عمرها اي اكبر منه باثنتي عشرة سنة ؛غير انها تبتر تلك العلاقة في سنة 1908 . ويقترن اسم كوكتو فيما بعد بشخصية ادوار دي ماكس الممثل التراجيدى الذي كان يتمتع بسطوة نسبية في عالم المسرح الفرنسي  في تلك الحقبة  وهو الذي يشجع كوكتو على الكتابة الابداعية بدءاً بالشعر. وهو الذي يشجع كوكتو على الكتابة الابداعية بدءاً بالشعر. وفي العام 1909يلتقي كوكتو براقص البالية الروسي الشهير سيرجي دياغليف الذي بدوره يحفز كوكتو على ولوج عالم الباليه بل ويتحداه ان يكتب نصا معدا للباليه فيكتب كوكتو نصا مدهشا قياسا بحداثة تجربته . ويلتقي كوكتو ايضا بالمؤلف الموسيقي ايغور سترافنسكي الذي كان حينذاك منهمكا بانجاز عمله الشهير (طقوس الربيع) . وفي ربيع 1914يزور كوكتو سترافنسكي في مقر اقامته بسويسرا وهناك ينجز كتابه الاول (بوتوماك) .وفي صيف 1914تندلع الحرب العالمية الاولى ، وعلى الرغم من ان كوكتو لم يخدم في الجيش ، الا انه يعمل في مركبة اسعاف بعد ان يتعرف الى مجموعة من جنود البحرية  ويقع في الأسر غير انه يعود لحياته المدنية في 1915.

 في عام 1917 يلتقي كوكتو ببيكاسو حيث يسافر الاثنان الى روما للالتقاء بدياغليف . في هذه المرحلة يقوم كوكتو بتعضيد دياغليف عن طريق إعداد عمله الراقص (الموكب Parade) في حين يسهم بيكاسو في اعداد الأرضية المشهدية .ولسوء الحظ  يفشل العرض الاول فشلا ذريعا ليتحول الى ما يشبه الكارثة ، ومع ذلك فان العمل الراقص نفسه سيلاقي نجاحا منقطع النظير بعد سنين . اثر ذلك يستأنف كوكتو علاقاته مع عدد من الفنانين المعروفين ما يدفعه لتأسيس دار للطباعة وهي الدار التي ستضخ بعضا من كتب كوكتو المؤلفة وكتبا اخرى من تأليف سترافنسكي وآخرين . أما في عام 1918 فيلتقي كوكتو بروائي صغير في السن(15 سنة) يدعى ريمون راديغيون سيكون له تأثير بالغ الاهمية على حياة  وفن كوكتو ! لكن الأخير يموت بحمى التايفوئيد عام  1923ليشكل رحيله صدمة كبرى لكوكتو تدفعه  به الى أتون تعاطي الأفيون . في هذه الفترة يكتب كوكتو واحدة من اهم مسرحياته (اورفي) ورواية ؛ اضافة لعدد من القصائد المطولة .

دم الشاعر

ويشهد عام 1930 ظهور فيلم كوكتو الأول (دم الشاعر) والفيلم عبارة عن تقريظ لأسطورة كوكتو الفردانية نفسها . تدور قصة الفيلم حول شاعر يحكم عليه بالتجوال في ردهات فندق (دراماتيك فولي) عن اقترافه لجريمة تحويل احد التماثيل الى مخلوق حي . وفي بواكير الثلاثينات يكتب كوكتو ما يعتقد انها واحدة من اجمل نصوصه المسرحية (الآلة الجهنمية) يدور موضوعها المحوري حول تعاطي الأفيون ، كذلك يؤلف كوكتو (الصوت البشري) و(فرسان المائدة المستديرة) و(العلاقات الحميمة) 1938 وغيرها .

بدايات النهاية

  خلال السنوات الخمس عشرة سنة القادمة ستبدأ مسيرة كوكتو بالانحدار بسبب تعاطيه للمخدرات . ولقد كانت عودته لعالم الكتابة مرهونة أصلا بإيحاءات صديقه المقرب الممثل الفرنسي الشهير (جان ماريه)، ومع ذلك وفي عام 1945يخرج كوكتو فيلمه المميز (الجميل والوحشي) أو (الحسناء والوحش) حيث يلعب جان ماريه اكثر من دور في ذلك الفيلم  . ويبرز (ماريه) من جديد عبر فيلم كوكتو (اورفي) .

 وفي عام 1945 وبسبب رحيل صديقته الروائية (كولييت) يحتل كوكتو موقعها في الأكاديمية البلجيكية ، وفي 1955 ينتخب رئيسا للأكاديمية الفرنسية . ومع مجيء عام 1959 يخرج فيلم (عهد اورفيوس)بالتعاون الفني مع بيكاسو ؛ يول برينر وجان بيار لوي .ويموت الفنان اثر نوبة قلبية وهو في الرابعة والسبعين من عمره في الحادي عشر من اكتوبر 1963اثر سماعه للنبأ الحزين المتعلق برحيل صديقته المغنية الشهيرة اديث بياف .

كوكتو في الميزان

منذ البدء انضوى كوكتو تحت لواء جلّ المدارس الفنية والأدبية الطليعية وتعرف على مارسيل بروست الذي اظهر اهتماما كبيرا بموهبته .خلال الحرب العالمية الثانية اخذ عليه النقاد انه لم يظهر امتعاضا للاحتلال الألماني لفرنسا بل على العكس ارتبط بعلاقة صداقة مع الكاتب الالماني المعروف ارنست يونغر الذي كان  آنذاك ضابطا في جيش هتلر ، وكانت له صلة ببريكر النحات المفضل لهتلر .وبسبب مواقفه هذه هاجمته المقاومة الفرنسية وكادت ان تفتك به حيث هاجمه احد أعضائها بينما كان يعبر ساحة الكونكورد وأوشك ان يفقد إحدى عينيه ، غير ان بعض الأدباء الفرنسيين المرموقين مثل اراغون وايلوار ابدوا استعدادهم للدفاع عنه  إنْ هو حوكم بتهمة الخيانة العظمى تلك التهمة التي وجهت الى بعض الادباء الفرنسيين الذين تعاملوا مع القوات النازية خلال فترة الاحتلال . ورغم فضل كوكتو على الكثير من المواهب الادبية والفنية ؛ كدوره حيال الروائي ريمون راديغيون وجان جينيه وماس جاكوب ، الا انه لم يتمكن من فرض وجوده كأديب وشاعر وسط مبدعي عصره امثال سارتر وكامو واندريه جيد وقد سبب له هذا الشعور ايذاءاً نفسيا بالغا .

 عن كوكتو يقول الروائي الفرنسي باسكال بروكيز : انها للعنة حقيقية ان يكون الإنسان متعدد المواهب الى درجة الإفراط مثل جان كوكتو !

 

محمد سهيل احمد

 

 

latif oqayliيقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.

مَا قَدْ لا يَعْرِفُهُ الكثير مِنْ القراء، أنَّ مدينةَ السَماوة الَّتِي أنجبت العَديد مِن الشعراءِ وَالأدباء وَالفنانين وَغيرهم مِن المبدعين فِي مجالاتِ الحياة الأخرى، كانت إلى عهدٍ قريب قضاء تابعاً لمتصرفيةِ - محافظة - الديوانية، قبل أنْ يرفعَ مستواها الإداري - فِي اليومِ السادس وَالعشرين مِنْ شهرِ حزيران عام 1969م - بقرارٍ حكومي الى درجةِ لواء، ثم مَا لبث أنْ أصبحت ثاني أكبر محافظة فِي العراق مِنْ حيث المساحة وَالأقل مِنْ ناحيةِ السكان عَلَى خلفيةِ تطبيق " قانون المحافظات " فِي الأولِ مِنْ شهرِ تشرين الأول عام 1969م، وَالَّذِي أفضى أيضاً إلى تغييرِ اسْمها إلى محافظةِ " المثنى " نسبة إلى اسْمِ القائد الإسلامي المثنى بن حارثة الشيباني.  

بالاستنادِ إلى مَا تقدم ذكره آنفاً، فإنَّ تحقيقَ الحلمِ الَّذِي كانت تعول عليه عائلة السَماوي يحيى، والمتمثل بانتظامِ ابنها فِي " دارِ المعلمين الإبتدائية "، لا يمكن حدوثه إلا عن طريق التواجد فِي مدينةِ الديوانية الَّتِي كانت تشكل يومذاك مركز ذلك اللواء، مَا يعني تنعمها بالحصةِ الأكبر مِن الدوائر الرسمية قبالة شحتها أو عدم توفر بعضها فِي المدنِ الأخرى وإنْ كانت مناظرة لها مِنْ حيث الدرجة الإدارية، حيث أنَّ المعاهدَ وَالمدارس الرسمية كانت قليلة وقتذاك، فضلاً عَنْ تركزِها فِي مراكزِ الألوية والمدن الحضرية، وهو الأمر الَّذِي يقضي بضرورةِ سفره إلى مدينةِ الديوانية؛ جراء تيسر المعهدِ المذكور آنفاً، وَالَّذِي يتيح له إكمال دراسته، لكن المذهل فِي الأمرِ أَنَّ السَماويَ حين اجتاز مرحلة الدراسة المتوسطة بنجاح، استبدل رغبته بتطلعاتِ والديه، حيث ذهب إلى إدارةِ ثانوية السَماوة مِنْ أجلِ مواصلة دراسته فيها بدلاً مِنْ السفرِ لمدينةِ الديواني لتقديمِ أوراقه إلى دارِ المعلمين الإبتدائية.

تَـعِـبـتُ مـن الــغِــراسِ بـلا حَـصـادِ

ومـن جـرحٍ يـعــزُّ عـلـى الــضِّــمـادِ

 

لــئِــنْ عـانـدتُ أوجـاعـي فــعــذري

حــبــيــبٌ لا يــمــلُّ مــن الــعِـــنــادِ

 

شــربــتُ زفــيــرَهُ خـمـراً فــأحــيــا

بِــلــذَّتِـهِ الــهــشــيــمَ مــن الـــرمــادِ

 

مَـلـكـتُ مـن الـطـبـاقِ الـسـبـعِ خـمـسـاً

بـهِ والـــمُــسـتــحــيــلَ مــن الـــمُــرادِ

 

لـهُ نـســجَ الــفــؤادُ الــنــبــضَ ثــوبــاً

وأضـحـى كـالــشــغــافِ مـن الــفــؤادِ

 

بـلــغــتُ بـهِ الــهــيــامَ فــلــيــتَ أنـي

جـنحـتُ الى الـجـنـونِ عـن الــرَّشــادِ

 

أتـانـي والـــرُّقــادُ الــى شــــروقٍ ..

وغـادرَ والـــشـــروقُ الــى رُقــادِ ..

 

ومـا خـوفـي عــلـى عــيــنـيَّ لــكــنْ

أخـافُ عـلـى الـلـيـالـي مـن سُــهـادي

***

أَمْرٌ شَدِيدُ الأَهَمِّيَّةِ أنَّ عزوفَ السَماوي عَنْ الإقدامِ عَلَى الدراسةِ فِي دارِ المعلمين الإبتدائية بمدينةِ الديوانية، لَمْ تَكُن دوافعه فِي واقعِها الموضوعي مرتبطة بظرفٍ قاهر كالتفكير بالأعباءِ الاقتصادية الَّتِي تترتب عَلَيها رحلته المفترضة إلى الديوانيةِ فِي ظلِ تواضعِ مدخولات عائلته، فوالده كان مستعداً للتضحيةِ بكُلِّ شيء فِي سبيلِ مَا يراه مصلحة لابنِه، وَالَّذِي لا يتعدى - بحسبِ مَا تواضع مِنْ أحلامه - أكثر مِن حصوله عَلَى شهادةِ دار المعلمين الإبتدائية، ووالدته كانت تمني النفس بتكحيلِ عينيها فِي مشاهدةِ وليدها معلماً؛ لأجل أنْ يكون محط أنظار المحلة وَتقدير الأهالي وَاهتمامهم مثلما هو حال خاله عَلَي " رحمه الله ". كذلك لَمْ تَكُن لتلك الدوافع علاقة بحساباتٍ أخرى، وَلاسيَّما مَا يعود مِنْها إلى انفعالاتٍ مردها إلى تأثيرٍ عاطفي قد يفرض عَلَيه ضرورة البقاء فِي مدينتِه.

المتوجبُ إدراكه أنَّ السببَ الحقيقي وراء قيام السَماوي فِي اتخاذِ قراره بمواصلةِ الدراسة فِي المرحلةِ الثانوية، وَالَّذِي ترتب عَلَيه غضب والدته الحميم " طيب الله ثراها " وَحزنها، يرجع إلى طموحِه بدخولِ " الجامعة " لكي يصبح مدرساً للغةِ العربية؛ نتيجة تأثره بابن مدينته وَأستاذه مدرس مادة " اللغة العربية " فِي المرحلةِ المتوسطة الأستاذ شمخي جبر، وَالَّذِي كان لطول قامته وَرشاقته وأناقته، فضلاً عَنْ  كونِه ضليعاً فِي اللغةِ العربية دورٌ  كبيرٌ  فِي تمتعه بـ " كاريزما " جميلة، حيث كان مهاباً وَمحبوباً مِن الطلبةِ وَالمدرسين عَلَى حدٍ سواء، مَعَ العرضِ أنَّه تسنم فيما بعد منصب مدير عام التربية فِي محافظةِ بابل. وَأكاد أجزم أنَّ الأستاذَ شمخي جبر الَّذِي جعله يقرأ قصيدته الأولى فِي غرفةِ المدرسين، بالإضافةِ إلى نشره قصيدته الثانية فِي مجلةِ المدرسة كما أسلفنا، كان الشخص الثاني الذي تأثر به السَماوي يحيى بعد والده الَّذِي كان معلمه الأول ومثله الأعلى.

داويـتُ جُـرحـي ـ والـزّمانُ طـبـيـبُ ـ

بـالـصّـبــرِ أطـحـنُ صـخـرَهُ وأذِيـبُ

 

لا أدّعـي جَـلَـداً .. ولـكـنْ لـلـهــوى

حُـكْـمٌ يُـطـاعُ بـشـرْعِـهِ الـمـحـبـوبُ

 

أسْــلـمْــتُـهُ أمـري ... وأعْـلـمُ أنـنـي

حَـطـبٌ ... وأمّـا دربُـهُ فـلـهــيــبُ

 

طـاوَعْـتُـهُ رُغْــمــاً عـلـيَّ ... لأنـهُ

كُـلّـي : صِــبـاً وفـتـوَّةٌ ومَــشِــيـبُ

 

جَـرَّبْـتُ أنْ لا أسْـتـجـيـبَ فـعـابَـنـي

شَـرَفي وهـدَّدَ بالـخِـصـامِ نـســيـبُ

 

هو من غصوني طيـنُهـا وجذورُهـا

هـل للغـصونِ من الـجـذورِ هُـروبُ ؟

 

حـيـناً يُـنيـبُ ضُحايَ عن ديـجـورِهِ

قـسْـراً وحـيـنـاً عن ضُـحـاهُ أنـوبُ

 

ورأيـتُ أنّ الأصـغـريـن تـعـاضـدا

ضِـدّي وشــدَّ إلى الـبـعـيـدِ قـريـبُ

 

كُـتِـبَ الـوفـاءُ عـلـيَّ دون إرادتـي

فـالـلـوحُ قـبـل ولادتـي مـكـتـوبُ

 

أجـفـو نـعـيـمَ الـمـارقـيـن وإنْ سعى

ليْ مـنهُ صـحـنٌ بالـرحـيـقِ خضيبُ

 

ثُــلـثـا دمي مـاءُ الـفـراتِ وثـلـثـهُ

طـيـنٌ بـدمـعِ الـمُـتْـعَـبـيـن مَـذوبُ

**

ما أظننا نغلو فِي القولِ إنَّ تلكَ الواقعة - الَّتِي حالت دُون بلوغ المرامي العائلية المتعلّقة ببوصلةِ التوجهات المُسْتَقْبَليَّة لابنِهم - تُعَدّ انعطافاً حقيقياً فِي مسارِ حياة السَماوي، حيث أفضى إلى إحداثِ تغييراتٍ جوهرية فِي نمطِ حياته نحو مَا متاح مِن الآلياتِ الَّتِي مِنْ شأنِها زيادة مخزونه الثقافي وَالفكري؛ لأنَّها كانت تعبيراً عَنْ رغبتهِ فِي بناءِ شخصيته، وَالعمل عَلَى إنضاجِها قصد تكاملها بالاستنادِ إلى مَا يحقق تطلعاته وَأهدافها الطموحة.

حزنُ أمه " رحمها الله " بسببِ صرفه النظر عَنْ الدراسةِ فِي دارِ المعلمين الإبتدائية، قابله فِي الجانبِ الآخر موقف أبيه " رحمه الله " المتمثل بتركِ حرية الإختيار لابنه فِيما يبغي، وَهو الأمر الَّذِي ساهم فِي جعلِه أكثر قوة وَكفاءة وَثقة بالنفس. وَفِي ظلِ تلك الظروف الَّتِي أصبحت مِنْ شظايا العمر، انتظم " الفتى المتمرد " فِي الدراسةِ بثانويةِ السَماوة وَهو يشعر بسعادةٍ وَنشوة نفسية مستمدة مِنْ تحليقه فِي عوالمِ أحلامه، وَالَّتِي قد يبدو القليل مِنْها لِمَنْ هو بمثلِ سنه صعب التحقق، وَلاسيَّما مَنْ يحيا فِي وطنٍ تكبل شعبه جدائل الليل وَتتضح ملامح البؤس فِي وجوه أبنائه. وَلَعَلَّنا لا نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ أحلامَ السَماوي لَمْ تكن رهينة التحليق فِي عوالمٍ مجهولة، فثمة ما يجعله مؤمناً بإمكانيةِ تحقيقها وهو " الحب " الذي أبى أنْ يفارقَ قلب السَماوي، وَلَمْ يختزل مداده يوماً، عَلَى الرغمِ مِما أَحَاقَ برحلته فِي الحياةِ مِنْ مواجهةٍ دائمة مَعَ أعاصيرِ الطغيان وَعسس الاستبداد، مَا جعل حياته محفوفة عَلَى الدوامِ بالمخاطرِ أكثر مِمَا ينبغي. وَالمتوجبُ إدراكه أيضاً هو أَنَّ السَماويَ حتى فِي منفاه كان متميزاً، إن لَمْ يكن متفرداً بعد أنْ ساقته الأقدار إلى الاستقرارِ فِي أبعدِ شبرٍ مِنْ سطحِ كوكبنا، فكان أنْ عاشَ الغربة مرتين، بَيْدَ أنَّه لَمْ يترجل عَنْ صهوةِ الشعر، وَلَمْ يتوقف بوحه عَن الوطنِ - الَّذِي تغنى بعذوبةِ فراته وَهام بكُلِّ ذرّةٍ مِنْ ترابِه - وَلا عَنْ قضايا الإنْسَان. وَلعلَّ فِي إحدى دراسات الشاعر المصري الدكتور حسن فتح الباب حسن النقدية مَا يؤكد هذه الرؤية، وَالَّتِي يقول فِيها: " .. وما أكثر المثقفين العراقيين وفي طليعتهم الشعراء مثل محمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري الذين عانوا مرارة الإضطهاد في وطنهم وقسوة الشعور بالإغتراب، فحطوا رحالهم في المنافي لينجوا من القتل أو السجن، ولكن هذه المنافي كانت بلدانا عربية أو دولا مثل إنجلترا تقيم بها جالية عربية وإسلامية كبيرة فلم يشعروا بالغربة إلآ قليلا . أما يحيى السماوي فلم يجد ملجأ يأوي إليه إلا هناك في أبعد بقعة من الكرة الأرضية، ومن ثم تضاعفت مأساته الوجودية. ومن هذه البقعة النائية جاءتنا قصائده التي تصور عشقه للوطن والحرية وتوقه الى الخلاص من أعدائها، واشتدّ حزنه وألمه حين تحرر العراق من الطاغية السفاح ليقع في قبضة الغزاة الأمريكان الذين يتشدقون بحقوق الإنسان وفي مقدمتها الحق في الحياة والحرية والعدالة وهم أعدى عُداتها ".

قـدْ ثـابَ لـو أنَّ الـجـنـونَ يَـثـوبُ

وأجـابَ لـو أنَّ الـقـتـيـلَ يُــجـيـبُ !

 

صَـبٌّ ولا كالـعـاشـقـيـن : ضـلوعُـهُ

نـخـلٌ .. وأمّـا قــلــبُــهُ فـشـعـوبُ !

 

قـد كان أقـسَـمَ أنْ يموتَ على هوىً

وإنِ اسْـتهـانَ بـعـشـقِـهِ الـمحـبـوبُ

 

ضـاقـتْ بـهِ قـبـلَ الـدِّيـارِ صَـبـابـةً

وتــقــاذَفَــتْـهُ مـلاجـئٌ .. ودروبُ

 

مـا إنْ يُـكـحِّـل بالـشـروقِ جـفـونـهُ

حـتى يُـخـيـطَ الـمـقـلـتـيـن غـروبُ !

 

يمـشـي بهِ الوَجَعُ الجـلـيـلُ ويـرتعي

دمَـهُ اشــتــيـاقٌ : أنْ يُـطِـلَّ حـبـيـبُ

 

تـلـهـو بـزورقِـهِ الـرّيـاحُ وتـسْـتـبـي

أيامَـهُ ـ فـي الـغـربـتـيـنِ ـ خـطـوبُ !

 

"ليلاهُ" في حُضـنِ الغريبِ سـبـيـئةٌ

أمّـا الـعــشــيـرُ : فـبـائِـعٌ ولـغــوبُ !

 

أجَـلِ الـبـلادُ نـجـيـبـةٌ يـا صـاحـبـي

والـنهــرُ والـنـخــلُ الجـريحُ نـجـيـبُ

 

لكنّ " بعضَ " رؤوسِــنا ياصـاحـبي

جُـبِـلـتُ عـلى فَـسَــدٍ فـلـيـسَ تـثـوبُ !

 

غـرسـوا بـنـا سُـلَّ الـشّـقـاقِ فـلـيـلُـنـا

مُــتـأبِّــدٌ ... ونـهـارُنـا مـعــصــوبُ !

 

بِـتْــنـا لـفـأسِ الـطـائـفـيّـةِ مَـحْـطـبـاً

فـلـكـلِّ حـقـلٍ " مـالِـكٌ " و " نـقـيـبُ " !

 

عِـلَـلُ الـعـراقِ كـثـيـرةٌ .. وأضـرُّهـا

أنّ الـجـهـادَ : الـذَّبـحُ والـتـســلـيـبُ !

 

وطـنٌ ولـكـنْ لـلـفـجـيـعـةِ ... مـاؤهُ

قــيـحٌ ... وأمّــا خـبـزُهُ فــنـحــيــبُ

 

مـســلـولـةٌ أنـهـارُهُ ... ومـهـيـضــةٌ

أطــيـارُهُ .. ونـخــيــلُـهُ مـصـلــوبُ !

 

" قومي هـمو قـتلـوا أميمَ أخي " ولا

ذنـبٌ ســوى أنّ الـقــتـيــلَ لـبـيــبُ !

 

أكـذوبـةٌ تـحـريـرُنـا يـا صــاحـبـي

والــشّـاهـدانِ : الـقـتـلُ والـتـعـذيـبُ

 

أكــذوبـةٌ حُــريّـةُ الإنــســان فـي

وطـنٍ يـسـوسُ بـهِ الـبـلادَ غـريـبُ

 

مُـدُنٌ تُـبـادُ بـزعْــمِ أنَّ مُـخَـرِّبـاً

فـيهـا وطـبعُ "محرري" الـتخـريبُ !

 

وحْـشــيَّـةٌ تـنـدى لـقـســوةِ نـابِـهـا

خَـجَـلاً : ضـبـاعُ بـلادهِ والـذِّيـبُ !

 

أكـذوبـةٌ أنْ يــسـتـحـيـلَ غــزالـةً

ذئـبٌ وبـيـتـاً لـلأمـانِ حـروبُ

**

 المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ ثانويةَ السَماوة لَمْ تكن غريبة عَلَى السَماوي، فقد كانت البناية هي ذات بناية مدرسته المتوسطة، فضلاً عَنْ أَنَّ أغلبَ المدرسين هم نفسهم فِي المرحلتينِ الدراسيتين، وَأصبح " الفتى " المهووس بنظمِ الشعر سعيداً فِي الصفِ الرابع الثانوي، بالإضافةِ إلى تميزِه عَنْ بقيةِ أقرانه بالتفوّقِ فِي درسِ اللغة العربية حتى أَنَّ المدرسَ المرشد اختاره " فارس الصف  " أكثر مِنْ أسبوع، حيث كان مرشدو الصفوف يختارون طالباً مَا بَيْنَ فترة وَأخرى ليُكتب اسمه فِي لوحةٍ معلقة فوق السبورة تحمل عنوان فارس الصف.   

الْمُلْفِتُ أَنَّ اجتيازَ السَماوي الصف الرابع عام، فرضَ عَلَيه بعد نجاحه اختيار أحد الفرعين : العلمي أو الأدبي لمواصلةِ دراسة الصفين الخامس وَالسادس، لكن شاءت الظروف أنْ يكون عدد الطلاب الراغبين فِي الفرعِ الأدبي قليلاً، فَلَمْ يُفتح لهم صفٌّ فِي الدراسةِ الصباحية واقتصرت دراستهم فِي الثانويةِ المسائية، وَالَّتِي لَمْ يكن راغباً بها لأسبابٍ قد يكون مِنْ بَيْنَها أَنَّ الطريقَ الموصل لَهَا لايمرّ عَلَى الجسرِ وَشارع النهر فِي الصباحاتِ الجميلة، ورُبَّما لأَنَّ النظرةَ الشائعة آنذاك تفضي إلى أَنَّ طلبةَ الدراسات المسائية هم مِمَنْ فشلوا فِي الدراسةِ الصباحية ورسبوا سنتين متتاليتين، فَلَمْ يَعُد بمقدورِهم عَلَى وفقِ لوائح إدارة التَّرْبِيَة مواصلة الدراسة الصباحية. وَفِيمَا يتعلق بميله للدراسةِ فِي الفرعِ الأدبي، لا مناص مِنْ القولِ أَنَّ واقعَ الحال يؤكد أَنَّ السَماويَ جدد لعبة الجري وراء مَا بوسعِه المُسَاهَمَة فِي تحقيقِ مَا يصبو إليه مِنْ أهدافٍ وَتطلّعات؛ إذ يمكن القول إنَّ أمراً واحداً جعله يزدادُ إصراراً عَلَى اختيارِ الفرع الأدبي، وَهو أَنَّه كان أذكى الطلاب فِي درسِ اللغة العربية، وَفِي الوقت ذاته كان أقلهم ذكاء فِي درسِ الرياضيات والجبر والهندسة؛ لذا اختمرت فِي ذهنِه فكرة السفر إلى مدينةِ الديوانية مِنْ أجلِ إكمال دراسته فِي مدارسِها، تعبيراً عَنْ الأبجديةِ التربوية المؤكدة عَلَى أَنَّ الطّموحَ يُعَدّ مِنْ أهمِّ الحوافز الَّتِي تشجّع الإنسان وَتحثّه عَلَى تحقيقِ غاياته وَتطلعاته، فكان لزاماً عَلَى الفتى - الشغوف بالشعرِ وَالمتطلع إلى رسمِ معالم مستقبله وَالوقوفِ عَلَى قدميِه فِي أروقةِ الجامعة المفعمة بالحياةِ وَالجمال - مغادرة مدينته السماوة الَّتِي جعلتها الأقدار لاحقاً " جنته وجحيمه معاً "، وَسافرَ تغمره نشوة التأسيس لغِده المشرق إلى مدينةِ الديوانية، لينتظم بالدراسةِ فِي ثانويةِ الجمهورية عام 1968م.

ما لـيْ أبـثُّـكَ يـانـديـمَ قـريـحـتـي

شـجَني وفـيـكَ من الهموم سـهـوبُ ؟

 

هــل نحـنُ إلآ أمّـةٌ مــغـلـوبـةٌ

رأتِ الـمـشـورةَ مـا يقولُ مُـريبُ ؟

 

مـا نـفـعُ تـوحـيـدِ الـلـســانِ لأمّـةٍ

إنْ لـم تُـوحَّـدْ أذرعٌ وقــلــوبُ ؟

 

هيَ أمَّـةٌ أعـداؤهـا مـنها... مـتـى

طارَ الجـناحُ وبـعْـضُهُ معـطـوبُ ؟

 

مِن أيـن نـرفـلُ بالـنعـيـمِ وبـيـنـنـا

لـصُّ الـرّغـيـفِ ومارقٌ وكـذوبُ ؟

 

ومُـدجَّـجٌ بالـحـقــدِ يـنـخـرُ قـلـبَـهُ

ضَـغَـنٌ لـه نحـو الـدِّمـاءِ دبـيـبُ ؟

 

أعـمى الـبصـيـرةِ فيهِ من أحـقـادِهِ

مَـسٌّ ومن صـدإِ الظنونِ رسـيـبُ ؟

 

"لا يسلمُ الشرف الرفيع من الأذى "

حتى يُـعـيـدَ طـريـفَـهُ الـمـسـلـوبُ

***

لا مناص مِن القولِ إنَّ الإنتقالَ إلى مدينةِ الديوانية، يُعَدُّ حدثاً شَدِيد الأَهَمِّيَّة بالنسبةِ للسَماوي وَلأسرته؛ إذ منحه الواقع الجديد فضاء حرية أوسع ممَا كان عليه فِي مسقطِ رأسه مدينة السَماوة، فقد أصبح بمقدورِه السفر إلى بَغْدَاد العاصِمة مَا بَيْنَ وقت وآخر لاقتناءِ مَا بحاجته مِن الكتب وَالمطبوعات، والى مدينةِ كربلاء أيضاً حيث كان يعمل مُدرّساً مَنْ كان قدوة له فِي الشعرِ، وهو الشاعر الكبير محمد علي الخفاجي " طيب الله ثراه "، إلا أَنَّ السَماويَ الَّذِي جُبل عَلَى حياةٍ لا تخلو مِن التحدّي مذ أنْ تفتحت عيناه عَلَى ضجيجِ الحياة فِي صوبِ الغربي، وَبدأ بفخرِ الطين وَتسلق الباسق مِن النخيل وَعبور نهر الفرات سباحة لأكثرِ مَنْ مرةٍ فِي اليوم، فضلاً عَنْ سهره فِي بعضِ الأحيان الليل بطولِه إلى أنْ تطلَ شمس الصباح فِي محاولةِ نظم قصيدة، لَمْ تكن دراسته فِي الديوانيةِ تجري بصورةٍ أو بأخرى فِي معزلٍ عَنْ الصعوبات، فقد تحمّل والده رحمه الله عبئاً كبيراً فِي توفيرِ مصاريف الدراسة عَلَى صعيدِ إيجار الفندق وَالطعام، وَمِنْ ثم إيجار البيت الَّذِي استأجره فِي حي المتقاعدين مَعَ زميلينِ صديقين مِن أهالي السماوة، وَلاسيَّما بعد طرده مِن القسمِ الداخلي بسببِ اكتشاف الإدارة انتمائه لاتحاد الطلبة. وَمَعَ اشتدادِ المضايقات عَلَى الفتى المفتون بسحرِ الأدب وَالشغوف بجزالةِ اللغة، وَالمتحفز لإنضاجٍ مرتكزات البِيئَة الَّتِي تمكنه مستقبلاً مِن الوصولِ إلى مراده وَتحقيق طموحاته وَأهدافه بعيدة المدى، يتضحُ جلياً أَنَّ الثوابتَ وَمثل السياسة الَّتِي آمن بِهمَا السَماوي جعلته - عَلَى الرغمِ مِنْ صغرِ سنه - يَبدُو فِي ظلِ تلك الظروف العصيبة كَمَنْ هضم جيداً مضمون العبارة التالية: " إذا خَلت الحياةُ مِن الصعوبةِ لَمَا استشعرنا بجمالِها "، فلا عجب أنْ ينفتحَ صهيل الروحِ بوهجِ الحرف وَأناقة الأداء، بالإضافةِ إلَى مَا مِنْ شأنه المُسَاهَمَة فِي ترسيخِ القيم الإنسانيَّة.

خـرجـتُ مـن ثـيـابـكـم مـقـبـرةِ الأحـيـاءْ

مُـقـاتـلاً .. ســيـفـي دمـي

جـيـوشـيَ الـعـشـاقُ والأطـفـالُ والـنـسـاءْ

خـرجـتُ لـلـفـضـاءْ

أبـحـثُ عـن جـزيـرةٍ جـديـدةٍ

أبـحـثُ عـن ســمـاءْ

غـيـر الـتـي كـان أبـي يـعـبـدهـا

فـقـد رفـضـتُ الـيـومَ أنْ أعـانـق الـمـوتـى وأنْ أقـلّـد الأشـيـاءْ

أنـا هـو الـنـهـرُ الـذي جَـفَّ ... أريـدُ الـمـاءْ

أنـا هـي الأرضُ الـتـي تـبـحـثُ عـن سـمـاءْ

***

قبل أنْ يسدلَ الستار عَلَى فصولِ دراسته فِي مدينةِ الديوانية، اعتزم عاشق السَماوة أواخر أعوام العقد السادس مِن القرنِ الماضي - وَهو لَمْا يَزل منتظماً بالدراسةِ فِي ثانويةِ الجمهورية - إصدار أول مجموعة شعرية له، وَالَّتِي وسمها باسْمِ " عيناك دنيا "، الأمر الَّذِي ألزمه إستعطاف أبيه " رحمه الله " أنْ يتدبّر لَهُ مبلغَ خمسين ديناراً مِنْ أجلِ طبع مجموعته الشعرية البكر، وَالَّتِي كانت بحسبِ السَماوي يحيى المعروف بتواضعه " لا تعدو كونها غزلاً ساذجاً لمراهقٍ فِي مقتبلِ العشق "، مَعَ العرضِ أَنَّ مبلغَ الخمسين ديناراَ كان كبيراً جداً يومذاك بالنسبةِ لبقّالٍ فقير، فساعدته الطيبة أمه بأنْ باعت حجلها الفضي وَسوارها الذهبي الوحيد وَمحبسها الذهب، وَرُبَّما يكون خاله رسول " رحمه الله " قد تبرّع أيضاً ببضعةِ دنانير. يُضافُ إلى ذلك أنَّ " عيناك دنيا "، الَّتِي تُعَدّ باكورة أعمال السَمَاوي الشعرية الإبداعية كان قد رسم لوحة غلافها مدرّس مَادة التربية الفنية - المقيم فِي إيطاليا حالياً - " الفنان رسمي كاظم الخفاجي "، وَكتب مقدمتها مدرّس مَادة اللغة العربية الدكتور حاكم مالك الزيادي " رحمه الله "، فِيما انبرى الشاعر الكبير محمد علي الخفاجي " رحمه الله " لكتابةِ كلمة الغلاف. وَمِن الْمُفِيدِ الإشارة هُنَا إلى أَنَّ للشاعرَ الخفاجي كبير الفضل عَلَى الشاعر يحيى السَمَاوي، فهو الَّذِي تعهّده بالرعايةِ والتوجيه، فضلاً عَنْ إشرافِه بنفسه عَلَى طباعةِ مجموعته الشعرية المذكورة آنفاً بمطبعةِ النعمان فِي مدينةِ النجف الأشرف. وَفِي هَذَا السياق يشير السَمَاوي إلى الشاعرِ الراحل محمد علي الخفاجي بقولِه: " إنَّه أستاذي وَأخي وَصديقي وَحبيبي، وَهو أول نافذة ضوئية فِي ليلِ عمري ".

أراني ملزماً أمام حالة تكاتف أساتذة السَماوي بثانويةِ الجمهورية فِي مهمةِ إنجاز طباعة مجموعته الشعرية " عيناك دنيا "، القول إنَّه إذا كان مِن المسلَّم به أَنَّ فِي وسعِ المعلمين والمدرسين إكساب تلامذتهما وَطلبتهما المعرفة والعلوم وَمَا مِنْ شأنِه ترسيخ الفضائل الإنسانيَّة، إلى جانبِ غرس القيم الأخلاقية، فالمتوجب إدراكه أيضاً هو إلزامية " نزع القبعات " تحية لأساتذةِ السَمَاوي وَغيرهم مِن أجيالِ المعلمين وَالمدرسين الَّذين نذروا أنفسهم فِي سبيلِ نفضِ غبار الجهل عَمَا تعاقب مِنْ أجيالِ الدارسين، وَتفانوا مِنْ أجلِ تكريس المبادئ وَالقيم السامية الَّتِي تكفل علو مكانة المعلم فِي المدرسةِ وَالمجتمع؛ إذ لَمْ يفسحوا المجال أمام مَا هو مخجل وَمذل مِنْ السجايا وَالصفات السيئة، وَالَّتِي أفضت فِي زمانِنا إلى دفنِ التعليم فِي جنازةٍ رسمية يتقدمها المفسدون وَالطارئون عَلَى إدارةِ التَّرْبِيَة، فضلاً عَنْ أولياءِ أمور الكسالى مِن الطلبة. يُضافُ إلى ذلك حرصهم عَلَى إخمادِ فورة مَا مِنْ شأنِه إضفاء شرعية عَلَى مَا هو متداول الآن مِنْ سلوكياتٍ غير منسجمة مَعَ نظامِ مفهوم أخلاقيات المهنية فِي المجالِ التربوي مثل عدم احترام الوقت وَاعتماد سبل خبيثة لإجبارِ الطلبة عَلَى التدريسِ الخصوصي وَتقبل الهدايا، بالإضافةِ إلَى التعاملِ بالرَشَاوَى وَالانغماس بسلوكياتٍ يَنْدَى لها الجبين كسرقةِ مَا متَاح مِنْ موجوداتِ المدرسة، وَهو الأمر الَّذِي أساء لأقدمِ مهنة عرفها البشر بفضلِ تعليم أبينا آدم " عليه السلام " الملائكة مَا لَمْ يعلموه، فلا غرابَة فِي أنْ يتجرأ بعض الجهلة بمشاركةِ " الجاحظ " فِي السخريةِ مِن المعلمِ وَالسعي للانتقاصِ مِنْ شأنِه، حتى وصل الأمر فِي أيامنا إلى أهانته وَالتلذذ بالاعتداءِ عَلَيه. وَمِنْ وجهةِ نظرٍ شخصية متواضعة: أكادُ أجزم أنَّ مَا ظهر مِنْ معاييرٍ لاختيارِ المعلم فِي زمَاننا يزيدني يقيناً بأنَّ مَا قدمه أساتذة السَمَاوي فِي ثانويةِ الجمهورية مِنْ جهدٍ طيب حيال معاونته فِي إنجازِ مؤلفه البكر، يسمو بهم إلى درجةِ القديسين؛ لأنَّهم تعاملوا مَعَ مهنةِ التعليم بوصفِها رسالة إنسانيَّة يرتكز نجاحها عَلَى التضحيةِ وَالتجرُّد.

أفـرَغْـتُ قــلــبـي مـن ســواكَ حـبــيــبـي

فاطـفِـئْ بـمــاءِ رضـاكَ جـمـرَ ذنـوبـي

 

أطْـمَـعْـتَــنـي بـالـعـفـو مـنـكَ فــلـيـتــنـي

بــدءَ الــشـروقِ عـرفــتُ حَـتْـمَ غـروبـي

 

لـو كـنـتُ ذا لُـبٍّ : جَـنـحـتُ بـمـركـبـي

عـنْ جُـرفِ صــهــبــاءٍ ومــوجَــةِ كُـوبِ

 

دائـي عـــصِــيٌّ لا شِـــفــاءَ لِـــبُـــرئِــهِ

إلآ رضــاكَ فــمـا سِــواكَ طـــبـــيـــبـي

مِنْ المؤكّـدِ أنَّ قليلاً مِن التأملِ فِي ذاكرةِ بعضٍ مِنْ معاصري السَمَاوي كفيل ببلورةِ صورة واقعية عَنْ نشاطِه الأدبي أيام دراسته فِي مدينةِ الديوانية، فثمة بعض الحكاياتَ الَّتِي يتداولها أصحابها أحياناً فِي مجلسٍ خاص أو عام بوسعِها المُسَاهَمَة فِي إغناء مباحث الدراسة وَتقريب محتواها إلى المتلقي، ولعلَّ مِنْ بَيْنَها مَا سجله القاص والروائي سلام ابراهيم فِي صفحته عَلَى قناةِ التواصل الاجتماعي، وَالَّذِي نصه : " في عام 1970 إنتشر يحيى السماوي في مدينة الديوانية مثل بركان. وقتها كان طالبا يدرس في ثانوية الجمهورية وأصدر ديوانه الغزلي الأول " عيناك دنيا "، غزل بالأنثى شديد العذوبة سيمّيز شعره حتى الآن. كان يكبرني بعدة سنوات، يسكن بيتاً مستأجرا فهو قادم من السماوة لغرض الدراسة وكانت قضاء صغيراً تابعاً للديوانية ". ويضيف قائلاً : " وكنت وقتها دخلت الوسط الأدبي لتوي، أحببت أشعاره بالرغم من ترّفع أصدقائي الشعراء عن مثل هذه الأشعار وكانوا لتوهم قد أطلق سراحهم من السجون وكتبوا أشعاراً عامية جددت بالقصيدة العراقية، حينما أبديت أعجابي بها أمامهم وكنت طيرا في الأدب لم ينبت جناحه بعد، لخصّوه بأنه يقلد " نزار قباني ".

المذهلُ فِي الأمرِ أَنَّه حين صدرت الذاكرة الوجدانية فِي رحلةِ السَماوي يحيى بن عباس " مجموعته الشعرية عيناك دنيا "، فوجئ أبوه " رحمه الله " أَنَّه قد اختار لقب " السماوي " وليس اسم العشيرة " الحسناوي "، وَحين عاتبه بتوبيخٍ حميم، أجابه : " أنت ستموت، وأنا سأموت، والعشيرة ستندثر، أمّا السَماوة فستبقى أبد الدهر، ومَا بقيت السماء ". وَضمن هَذَا المعنى حدثني السَماوي ذات صباح بغداي قائلاً: " لصديقي الأديب عباس حويجي العوفي قول مَا زلت أحفظهُ عَنْ ظهرِ حب قاله قبل أكثر مِنْ أربعين عاماً نصّه (الجنة تبدأ من وطني). وَقد استعرت هَذَا القول مِنه أو تناصصت مَعَه. العراق بالنسبةِ لي هو السماء الثامنة، وأما السماء التاسعة فهي السَماوة ".

وأنا ‘‘السماوة‘‘ حيثُ نَخلتُها

سَعَفٌ وعِذقٌ غيرُ منتَضِدِ

 

والمستجيرُ ببِئرِ غربته

هلاّ مدَدتِ إليه من مَسَدِ

 

إن قد عُدمتِ الحبلَ يُنقِذهُ

مُدّي له طوقا من الرَّشّدِ

 

هل تسألينَ الآن كيفَ أنا؟

أنا في الهوى: بَدَدُ على بدَدِ!

لطيف عبد سالم

  

 

lutfi shafiksaedقد تكون بدايات سيرة حياتي هي في سن الخامسة من العمر وإن تداعياتها لم تترسخ في أعماق ذاكرتي بشكل واضح وإن ما صاحبتها من احداث في تلك السن بدت لي أشبه ما تكون بانعكاسات وردود أفعال غريزية تتخللها مشاهد وصور مشوشة وسريعة، اكتشفت بعدها وبمرور الزمن أنها أكبر وأوسع وأعم مما كنت اتصورها وهي السنوات المتمثلة من الولادة بمدينة بغداد وما بعدها في مدينة الخالص التي كانت تسمى في ذلك الوقت (دلتاوه).

في عام 1939 كان عمري لا يتجاوز ست سنوات والمكان هو قضاء القرنة وهي مدينة من مدن البصرة أتذكر منها دارنا وشجرة السدرة الكبيرة التي تختبئ فيه العصافير مساء كل يوم بعد رحلة نهارية في بساتين المدينة الوارفة كانت تلك السدرة طالما اطعمتني من نبقها اللذيذ في وهج الصيف الحار إضافة لأشباح (الطنطل والسعلوة) التي اتصور أنها تخرج منها ليلا والتي كانت جدتي أم أمي تخيفني بهما لكي انام. كانت جدتي حمدية تحبني من دون أخوتي الآخرين وكانت تأويني في فراشها في بداية المساء وتقص لي بعض القصص بلغتها التركية والتي لم أفهم منها شيئا إلا أنني بمرور الزمن بدأت أفهم الكثير منها ولكنني لا اتقن التحدث فيها. وفي أحد المرات أن سافرت إلى بغداد لزيارة بيت أختها أي خالتي وكنت صحبة أبي في توديعها إلا أنني تشبث بعباءتها محاولا أمنعها من السفر وصرت أجهش بالبكاء  ومما ذكرته جدتي عند عودتها بأن صوت صراخي وبكائي بقي يرن في أذنيها حتى عودتها وقد جلبت لي من بغداد لعبة تعتبر عجيبة وغريبة في ذلك العهد وهي زورق بخاري يسير في الماء لوحده بقوة البخار الناتج من حرارة شمعة صغيرة تثبت تحت صفيحة معدنية تقوم الشمعة بتسخينها مما ينتج عنه تسخين الهواء فيدخل الماء من أحد الأنابيب الخلفية ثم يخرج من الأنبوب الثاني ساخنا محدث صوتا نتيجة دفعه للماء ومن ثم يندفع الزور ق إلى أمام في الطشت المملوء بالماء نتيجة رد الفعل وما يشبه المحرك التربوني في الطائرة إلا أنني لم اتمتع بهذه اللعبة العجيبة فقد كان أبي يأخذها إلى المقهى ليثير أعجاب وتعجب الذين يتحلقون حول الطشت المهيأ لهذا الغرض والدهشة تعقد لسانهم ويعتقدوا أن ذلك الذي يشاهدونه هو نوع من السحر إن تصرف أبي هذا لم يعجب جدتي سيما وهي تجدني ابكي بسبب عدم تمتعي بالزورق فأخفته في مكان لا يمكن العثور عليه وعلمت منها أنها تخفيه داخل كيس الرز وبالمناسبة فقد كانت جدتي هي المشرفة عن غرفة المؤنة وخزنها.

 وفي أحد المرات حضر أبي من دوامه مبكرا وجلس القرفصاء على أرضية الغرفة التي تفترشها حصيرة من القصب الأصفر اللامع والذي يبدو بريقه واضحا عندما تسقط عليه اشعة شمس النهار أو ضوء المصباح النفطي في الليل، أخذ أبي مكانا قصيا في زاوية بعيدة عني إلا أنني دهشت عندما شاهدته يجهش بالبكاء ولم يجرأ أحد أن يسأله عن سبب بكائه إلا أننا شاركناه بالبكاء وكانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها أبي يبكي وهو المعروف عنه صلابة وقوة شخصيته ولا يبادلنا الكلام كثيرا وقلما نجده يضحك أو يتبسم وقد يكون سبب ذلك انتمائه لسلك الشرطة العراقية التي تأسست في ظل الاحتلال البريطاني للعراق عام 1918 ومنحه رتبة (قومسير) أي مأمور مركز شرطة القرنة، وبعد مضي فترة من بكاء أبي الغريب انطلق صوته حزينا ومنكسرا ليعلن: (لقد قتل الملك غازي) .

كانت صورة الملك غازي معلقة على حائط الغرفة بإطار جميل ويبدو بمقتبل العمر يرتدي بزة عسكرية ويضع احدى يديه فوق قبعة كبيرة والأخرى على مقبض سيف تتدلى منه أشرطة عديدة ويبدو شكله جميلا ووسيما يستهوي من يتطلع اليه وكنت ممن يميل إلى ذلك ولذلك فقد شاركت الباكين بكاءهم.

مضت فترة على إعلان أبي نبأ مقتل أو موت الملك غازي لا أتذكر مدتها حينها جلبت انتباهنا أصوات وصرخات أطلقها من هم في الشارع المقابل لدارنا اختلطت تلك الأصوات بوقع أقدام المارة اهتزت لها جنبات الدار ربما كانت دارنا مبنية من الطين وجذع النخيل وهي شكل غالبية البيوت في ذلك الزمن ،أطل من في الدار من شباك الغرفة إلى الخارج ليعرفوا سبب تلك الضجة وتبين من خلال أهازيج تلك المجاميع وهتافاتهم أنهم يرددون عبارات تعكس أسفهم على موت الملك وبقيت تلك البكائية والأهازيج عالقة في ذاكرتي وتبينت بعد حين من الزمن مقاطع منها هي (الله واكبر يا عرب غازي انفقد من داره وارتجت اركان السما من صدمته السياره).

أمضينا فترة قصيرة في مدينة القرنة وعلى ما اعتقد لم تتجاوز السنة وبعدها انتقلنا صحبة الوالد إلى مدينة العشار وفي دار واسعة وكبيرة وسطها باحة واسعة تسمح باللعب فيها ومن عادتنا وبتأثير من توجيهات الوالد والوالدة أننا لا نلعب خارج الدار ولم نختلط بأبناء المحلة.

كانت حياتنا في تلك الحقبة من الزمن رغيدة وكانت دارنا عامرة بالفواكه من كل لون لما تتميز به مدينة العشار من بساتين النخيل والاعناب وأهلها الكرماء وإن ما يصلنا من تلك الفواكه كانت من خيراتها وبدون ثمن، وكل ما كان يعكر صفو راحتنا هو كثرة البعوض الذي ينتشر مساء مما حدى بأهلنا أن يؤمنوا ناموسية لكل فرد منا تغطي اسرتنا المصنوعة من جريد سعف النخيل ولأجل تجنب ازعاج البعوض واقلاق راحتنا تم معالجته والقضاء عليه بطريقة فذه وذكية وذلك بإدخال يعسوب إلى الناموسية قبل النوم حيث يقوم ذلك اليعسوب بالتهام البعوض الموجود داخل الناموسية وعندها ننام ملأ جفوننا نهنأ بأحلامنا الطفولية.

كان أبي في تلك الفترة في عز شبابه ولم يتجاوز العقد الرابع من العمر وكان بهي الطلعة أنيق الملبس ويعتني كثيرا بهندامه المدني والعسكري وكانت صوره التي أتذكر منها تعكس تلك الاهتمامات وهو الذي ينحدر من أب وجد عاشا في الموصل وذكر لنا مرة بأنه ينتسب لقبيلة طي العربية ولو أنه لم يهتم كثيرا لهذا الأمر لأنه كان مدينيا أكثر مما هو عشائريا وقضى كل حياته في الوظائف الحكومية كنا نحتفظ بعض الصور له وهو يرتدي في ذلك الزمن قبعة واسعة اشبه بقبعة رعاة البقر الأمريكان وينتعل خذاء مغطى بقطعة من قماش (الشاموا) وكان يألف حياة مدينة أبي الخصيب ويقضي أوقاتا ممتعة بالسهر في بساتينها ونهرها الذي تحيط جانبيه أشجار النخيل وكان من عادته أن يعود متأخرا بعد منتصف الليل وخلالها كنا نسمع صوت المشاجرة التي تطلقها الوالدة محتجة على تصرفه وهي التي لم تغادر دارها مطلقا وكانت تدخل الدار الجديدة ولا تخرج منها إل بعد الانتقال إلى مدينة أخرى كانت الوالدة لا تحسن القراءة والكتابة ولكنها ربة بيت مثالية تحفظ الكثير من القصص والأحاديث والأمثال العربية والتركية التي ورثتها عن أم تركية من مدينة كركوك وأب شيخ (هماوندي) من سكنة جبال حلبجة كان يشغل في أواخر حياته وظيفة مدير كرنتينة كركوك وخلال أحدى مرات نقله رواتب المنتسبين تصدى له لصوص وتم قتله وسلب المبالغ التي في حوزته هذا ما تحدث به الوالدة الينا وحيث كان عمرها آنذاك عندما توفي والدها لا يتجاوز السادسة. ومما أحفظ للوالد أيضا كيف غادر سلك الشرطة ففي أحد أمسيات مدينة العشار وخلال تجواله بهندامه المدني الأنيق وقع بصره على مفتش الشرطة الإنكليزي الذي حظر لتفتيش شرطة القضاء وكان يستقل عربة يجرها حصانان فأثار شكله المتغطرس حفيظة الوالد مما دفعه أن يصعد إلى العربة التي يستقلها المفتش ويتبول عليه فثارت ثائرته وأمر بتوقيفه وارساله مخفورا إلى بغداد ومن حسن الصدف وحظه أن مدير الداخلية العام في تلك الفترة هو ابن خاله وزوج عمته المدعو الحاج سليم علي والد الفنان جواد سليم فأطلق سراحه وأمر بتعينه في وظيفة مدنية في دوائر النفوس بعنوان مأمور نفوس.   

عاد أبي من رحلته إلى بغداد وشددنا الرحال اليها بالقطار الصاعد من البصرة إلى بغداد وخلالها لا أنسى ذلك المشهد الذي ظل راسخا في ذاكرتي وجعل الحزن يلازم حياتي بسببه وهو فقدان عزيزة علي لم تكن تلك العزيزة إنسانة بل كانت غزالة جميلة ورقيقة تلتهم الطعام والحلوى من كفي واداعب جلدها الناعم واتلمس وبرها الذهبي الأخاذ ونعومة بطنها الأبيض وعينيها الحور ورائحتها الزكية التي تنطلق منها رائحة المسك. لقد فقدت تلك الأليفة بسبب تعليمات التنقل في القطارات حيث نصت على تأمين شهادة من الطب البيطري عند استصحاب الحيوانات الأليفة ولم يسنح وقتنا لتأمينها وعندها اكتملت مأساة فقدان تلك العزيزة فقد صادف وجود جزار في محطة القطار وينم مظهره وعدته المتمثلة بالسكين على ذلك وأظن أنه اشتراها بمبلغ زهيد وعندها تراءت لي صورتها وهي تأن وتتوسل بعينيها الواسعتين لئلا يذبحها ذلك القصاب.

 

لطفي شفيق سعيد

.........................

ملاحظة: أرجو أن يعذرني من يجد في كتابتي بعض الأخطاء الاملائية واللغوية والتنسيق لأن امكانيتي لا تتعدى ما أتمكن عليه بسبب كبر السن وطريقة تعاملي مع اللابتوب والمهم أن أنقل الحدث خلال ثمانين عاما مضت.

 وإلى الفصل الثاني من هذه المرافئ.

 

 

ali almirhig

يُمثل (الطهطاوي) نقطة بداية المشروع النهضوي الإصلاحي أو ما يمكن تسميته بالسلفية التجديدية، ومن ثم جاءت جهود خير الدين التونسي ومحمد عبده والكواكبي المُتأثرين بأطروحات الأفغاني لتُتوج آرائهم في الدفاع عن الإسلام، والنظر إليه على أنه دين علم وتعقل وتحرير لعباد الله من الأرستقراطيين الذين هيمنوا على الدين ومٌعطياته لكل عباد الله الذين يرومون تحرراً وخلاصاً من هيمنة المُتسلطين، فلم يكن سبب تأخر المسلمين سوى تركهم وتخليهم عن أمر الدين الذي كان أصلاً في تقدمهم وتحقيق نهضتهم الأولى، ولأن المُسلمين اليوم تناسوا دعوة الإسلام أو جهلوه وما عرفوه حق المعرفة، فنجد مآلهم في ذيل الأمم يعيشون التخلف وهم به مُتيمين.

ركز أصحاب هذا الإتجاه على الجمع بين العقل والنقل أو بين الحكمة والشريعة أو الدين والفلسفة.

الدين عندهم هو دافع إلى الكمال كونه يرفع أو يسمو بالإنسان إلى عالم اللاهوت والإبتعاد عن مغريات الدنيا المادية وشهواتها، وهو دين الخلاص.

شكل الطهطاوي بداية الوعي العربي بأوربا والغرب عموما، وهناك بعض أصحاب الاتجاه العلماني ممن تأثروا بمقولاته، ومن الذين تأثروا به علي عبد الرازق وأحمد لطفي السيد وطه حسين ومن تبعهم.

يُمكن أن يُعَد المعتزلة والفلاسفة المسلمون جذراً لتوجهاته الفكرية، لا سيما (الكندي) و(ابن رشد) في الجمع بين الحكمة والشريعة أو بين العقل والنقل اذ يقول ابن رشد:"الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له" بمعنى أن الدين حق والفلسفة حق وان النتيجة التي يوصل اليها طريق البرهان لا تختلف عن النتيجة التي يوصل اليها طريق ال

يدعو أصحاب هذا الإتجاه الى تبني كل ما لا يتعارض مع الدين، ولكن موقف الطهطاوي من حرية المرأة وحُريتها كان موقفاً مُرتبكاً ومتردداً بين الأخذ بالتوجهات الغربية وبين الإلتزام بما يعتقد أنه من مُتطلبات الشريعة، وهذا واضح حينما نُقارن بين ما جاء في كتابه (تخليص الإبريز) من موقف ناقد للمرأة وبين ما جاء في كتابه (المُرشد الأمين للبنات والبنين) من موقف مدافع عنها.

كان الطهطاوي من المؤيدين لفتح باب الاجتهاد، متوافقاً بدعوته هذه مع قول الأفغاني: "متى سُدّ باب الاجتهاد.. فمالك إنسان، وأبو حنيفة إنسان، والشافعي إنسان، وأنا إنسان..."، فكلاهما يدعوان إلى تأويل النص القرآني، فالنص عندهم قابل للتأويللأنه جاء ليُخاطب الناس في جميع، لذلك كان الطهطاوي يميل لتأويل النص القُدسي في حال اعتقادنا بتعارض ظاهره مع مُقتضيات العصر، فمتى ما تعارض النقل مع العقل، وجب تأويل النقل بما يتطابق مع العقل. ومن أهم محطات حياة ىالطهطاوي أنه:

ـ في عام 1817م درس في الأزهر العلوم الدينية والشرعية وعلوم اللغة العربية.

ـ في عام 1826م رشحه أستاذه الشيخ حسن العطار كإمام للبعثة العلمية التي أرسلها محمد علي باشا إلى فرنسا، فشكلت هذه البعثة المنعطف الكبير في حياته الفكرية، فتعلم اللغة الفرنسية وشاهد الحياة الباريسية واطلع على الثقافة الفرنسية فعرف أفكار مفكري عصر التنوير مثل فولتير وموتسكيو جان جاك روسو. ومن هنا بدأت طموحاته تكبر ولاحظ الفارق الكبير بين ما هم عليع من تقدم وما نحن عليه من تخلف.

ـ في عام 1831م كتب الطهطاوي كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز)، وفي هذا الكتاب قدم لنا تجربته في أعوام الرحلة، فكان الأشهر من بين كتبه الأخرى لما فيه من رؤية واضحة لطبيعة الحياة والثقافة والعلم في فرنسا مقارنة بما نحن عليه وما علينا فعله.

ـ في عام 1835م أسس الطهطاوي مدرسة الألسن لتعليم اللغات والترجمة.

ـ في عام 1850م نفاه الخديوي عباس إلى السودان.

ـ في عام 1863م أصدر أول مجلة مصرية بعنوان روضة المدارس.

ـ أهم كتبه: تخليص الإبريز في تلخيص باريز(1831)، مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية (1869)، المرشد الأمين للبنات والبنين، أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوفيق بني اسماعيل، نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز، وجميع هذه المؤلفات جمعها د.محمد عمارة تحت عنوان الأعمال الكاملة، وله أكثر من (25) كتاباً مترجماً.

ذهب الطهطاوي إلى باريس على رأس بعثة علمية بوصفه مرشدا دينيا لها. وقد تمت الموافقة على اختياره من قبل محمد علي باشا وهذا واضح من إهداء مطول لـ "ولي النعم" "وعظيم الشيم" (الحاج محمد علي باشا) الذي رشحه لكي يكون مرشدا دينيا للبعثة.

كتب الطهطاوي هذه الرحلة بناءً على طلب شيخه حسن العطار، حتى يستفيد منها من يريد الذهاب بعده أو من يريد معرفة أخبار الأمم .

في بداية هذه الرحلة نرى الطهطاوي يقوم بتقسيم الأمم إلى عدة مراتب:-

الأولى : مرتبة الهمل المتوحشين – ومثالهم بلاد السودان

الثانية: مرتبة البرابرة المنشينين – ومثالهم عرب البادية الذين عندهم نوع من الاجتماع ولكن لم تكتمل درجة الرقي عندهم في أمور المعاش والطبائع البشرية والعلوم العقلية والنقلية.

الثالثة : مرتبة أهل الأدب والظرافة والتحضر والتمدن والتمصر والمستطرفين ومثالهم بلاد مصر والشام واليمن والروم والعجم و الإفرنج و المغرب وسنار وبلاد أمريكا ، وجميع هؤلاء الأمم أرباب عمران وسياسات وعلوم وصناعات ... وهذه المرتبة تتفاوت في علومها، فالبلاد الإفرنجية قد بلغت أقصى مراتب البراعة في العلوم الرياضية والطبيعية وما وراء الطبيعة أصولها وفروعها ولبعضهم مشاركة في العلوم العربية وتوصلوا إلى دقائقها وأسرارها (ص  13تخليص الإبريز ).

غير إنهم لم يهتدوا إلى الطريق القويم ولم يسلكوا سبيل النجاة أبداً وكما إن البلاد الإسلامية قد برعت في العلوم الشرعية وفي العلوم العقلية وأهملت العلوم الحكمية بجملتها فلذلك احتاجت إلى البلاد الغربية في كسب ما لا تعرفه(ص14).

لذلك يدعو الطهطاوي إلى الاهتمام بالعلوم لاسيما الحكمية بقوله" إن العلوم لا تنتشر في عصر إلا بإعانة صاحب الدولة لأهله ، وفي الأمثال الحكمية( الناس على دين ملوكهم) " (ص  15 تخليص الإبريز).

وقد" قويت شوكة الإفرنج ببراعتهم وتدبيرهم ومعرفتهم في الحرابات وتنوعهم واختراعاتهم" (ص15 تخليص الابريز) ،وقد وجد الطهطاوي إن دولة الغرب إنما قامت على أساس العلوم وهو على أنواع عندهم فضلا عن الحساب والهندسة والجغرافية والتاريخ والرسم هناك علم تدبير الأمور الملكية وعلم تدبير العسكرية وعلم القبطانية والأمور البحرية وعلم فن المشي في مصالح الدول الدبلوماسية وفن الحياة وصناعة القناطر والجسور والميكانيقا( الميكانيكا) وهندسة العساكر وفن الرمي بالمدافع وتركيبها وفن السبك والمعادن لصناعة المدافع  والأسلحة وعلم الكيمياء وفن الطب وفروعه  وعلم تاريخ الطبيعيات وفروعه وصناعة النقاشة وفروعها، وفن الترجمة ينظر (ص 19-20 تخليص الإبريز).

كل هذا الإعجاب لهذه العلوم  الذي يبديه الطهطاوي بعلوم الغرب إلى انه لم تفارقه نزعته الدينية المتطرفة القائمة على تكفير الآخر وما يؤيد ذلك قوله " (ص59 تخليص الابريز)

لأن طلقت باريس ثــلاث           فما هذا سوى لوصال مصــر

فكل منهما عندي عـروس          ولكن مصر ليست بنت كـــفر

وقوله في موضع آخر عن باريس "أغلبها نصارى أو كفرة" ويروي عن إمرأة مسلمة إنها تحولت إلى المسيحية ويقول عنها " تنصرت وماتت كافرة" (ص56،  تخليص الإبريز)

ولكن هذا لا يمنع من أن الطهطاوي كان معجباً وشديد الإعجاب بما وصلت إليه بُلدان الغرب من تقدم في العلوم، وهو يحاول أن يكون مُنصفاً، على الرغم من تشكله الديني المتشدد الذي ضعف بشكل تدريجي  بسبب سفره إلى فرنسا، وأصبح أكثر تقبلاً للرأي المختلف، بل وأصبح من أوائل دُعاة الإصلاح  في العالمين العربي والإسلامي  فيقول عن الغرب "لا ينكر منصف إن بلاد الإفرنج الآن في غاية البراعة في العلوم الحكمية وأعلاها في البحر...وإذا رأيت كيفية سياستها علمت كمال راحة الغرباء فيها ومراعاة خاطرهم ولو إختلف الدين... وبالجملة في بلاد الفرنسيين يُباح التعبد بسائر الأديان فلا يُعارض مسلم في بناء مسجد ولا يهودي في بناء  بيعة "(ص32 تخليص الإبريز).

طبائع الغرب

"مما يستحسن في طبائع الغرب دون عداهم من النصارى حبهم النظافة الظاهرية  فإن جميع ما إبتلى الله سبحانه وتعالى به قُبط مصر من الوضم والوسخ أعطاه للإفرنج من النظافة ولو على ظهر البحر"(ص 34  تخليص الإبريز).

ولم يتساءل الطهطاوي لماذا أُبتليَ قُبط مصر بالوساخة، هل الله إبتلاهم أم "ولي النعم"، بعبارة الطهطاوي، وهذا التوجه مما لا يتسق باعتقادنا والنزعة الإصلاحية التي يتبناها الطهطاوي، كونه مُصِر على رأيه هذا تجاه أقباط مصر، لا سيما بقوله عنهم "أنهم يميلون بالطبيعة الى الجهل والغفلة"( ص 76 تخليص الإبريز).

وان الإنسان حينما "يجيء من البلاد الشرقية الى بلادهم (الغرب) لا يدخلها إلَا بعد خضوعه للكرنتينه (المصحة)، أي يمكث أياماً معلومة لإذهاب رائحة الوباء ولكنهم يجيؤن الإنسان بسائر ما يحتاج ويناولهم الثمن فيضعونه في ماعون فيه خل ( للتعقيم) ونحو مع التحفظ التام " (ص46 تخليص الإبريز).

كانت البلاد جميلة وأبنيتها محكمة ومُتقنة ومُمتلئة بالرياض، وحينما وصلنا مرسيليا وبعد دخول الكرنتينه أحظروا لنا الكراسي التي لم نعتد (نحن) الشرقيون الجلوس عليها ومدوا الطبليات ووزعوا الملاعق والشوكات لكل ملعقة وشوكة ولا يجوز عندهم أن يأكل الإنسان بيده أصلا ولا بشوكة غيره أو سكينته أو يشرب من قدحه أبدا...

ومن طباعهم الذهاب إلى القهاوي و القهاوي عندهم  ليست مجمعاً للحرافيش، بل هي مجمع لأرباب الحشمة وهي مزينة بالأمور العظيمة النفيسة التي لا تليق إلَا بالغنى التام وأثمان ما فيها غالية جداً"( ص 52 تخليص الإبريز)

والفرنسيون لا سيما الباريسيين يتميزون بذكاء العقل ودقة الفهم وغوص ذهنهم في العويصات ... وليسوا أُسراء التقليد أصلاً، بل يُحبون دائماً معرفة أصل الشيء والإستدلال عليه حتى إن عامتهم يعرفون القراءة والكتابة..." (ص76 تخليص الإبريز)

ومن طباعهم التطلع والتولع بسائر الأشياء الجديدة وحب التغيير والتبديل في سائر الأمور، وهم محبون لأوطانهم وقد يلقون بأنفسهم في المهالك لمصلحة تعود على أوطانهم  ينظر (ص 77 تخليص الإبريز)

موقفه من المرأة

وأما النساء فمن عادتهن في هذه البلاد "كشف الوجه والرأس والنحر وما تحته والقفا وما تحته واليدين إلى قرب المنكبين" (ص53 تخليص الإبريز)

فأنه يرى إن الرجال عندهم  عبيد النساء وتحت أمرهن سواء كُنَ حمَالات أم لا. قال بعضهم إن النساء عند الهمل مُعدات للذبح وعند بلاد الشرق كأمتعة البيوت وعند الإفرنج كالصغار المُدلعين، وترى الطهطاوي مؤيد لقول الشاعر"

إعصي النساء فتلك الطاعة الحسنة        فلن يسود فتى يعطي النساء رسنه

يعقـنه عن كثير من فضـــــــــائلـه        ولو سعى طالبــا للعلم آلف ســــنه

يبدو أن موقف الطهطاوي هذا نابع من فهم خاص للشريعة القائم على الأيمان بأن"الرجال قوامون على النساء" فضلاً عن تساوق هذا الموقف مع تربيته الشرقية التي تُقلل من أهمية المرأة وتُحجم دورها وتجعله قاصراً على إداء الأعمال المنزلية وطاعة الزوج وتحقيق رغباته وشهواته.

نظام الحكم

بعد أن يستعرض الطهطاوي كيفية تشكيل الدولة في فرنسا وكيفية تكوينها من الملك والوزراء المختصين الذين تفتقد وجودهم دول الشرق يشير إلى طبيعة السياسة في فرنسا .

تسير هذه السياسة وفق قانون مفيد بحيث إن الحاكم هو الملك بشرط أن يعمل بما هو مذكور في القوانين التي حددتها (الشرطة) (الدستور) والقائمة على أسس العدل والأنصاف وقد إنقادت الحكام والرعايا إلى (الدستور) حتى غمرت بلادهم وكثرت معارفهم وتراكم غناهم وارتاحت قلوبهم. (ص 99ـ100، تخليص الإبريز).

وبعد أن يستعرض الطهطاوي الدستور الفرنسي نجده يقف عند المادة الأولى التي "تقول سائر الفرنسيس متساوون قدام الشريعة"  ويعلق على ذلك قائلا " معناه سائر من يوجد في بلاد فرنسا من رفيع ووضيع لا يختلفون في إجراء الأحكام المذكورة في القانون حتى إن الدعوة الشرعية تقام على الملك وينفذ عليه الحكم كغيره فأُنظر إلى هذه المادة فإن لها تسلط عظيم في إقامة العدل وإسعاف المظلوم وإرضاء خاطر الفقير بأنه العظيم نظراً إلى إجراء الأحكام، ولقد كانت هذه القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية وهي من الأدلة الواضحة إلى وصول العدل عندهم إلى درجة عالية وتقدمهم في الآداب الحاضرة وما يُسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يُطَلق عليه عندنا العدل والإنصاف، وذلك لأن معنى الحُكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين بحيث لا يجور الحاكم على إنسان، بل القوانين هي المُحكَمة والمُغيَرة، فهذه البلاد بلاد حرية (ص تخليص الإبريز 113).

"وقد ضمنت الشريعة لكل إنسان التمتع بحريته الشخصية...ومن الأشياء التي تترب على الحرية عند الفرنساوية إن كل إنسان يتبع دينه الذي يختاره يكون تحت حماية الدولة ويعاقب كل من تعرض لعابد في عبادته" (ص117 تخليص الإبريز).

هذه القوانين التي جاءت في الدستور الفرنسي" ليست مُستنبطة من الكتب السماوية إنما هي مأخوذة من قوانين أُخر غالبها سياسية" (ص119 تخليص الإبريز).

موقفه من الحرية

تنقسم الحرية إلى خمسة أقسام حرية طبيعية وحرية سلوكية وحرية دينية وحرية مدنية وحرية سياسية ، والطهطاوي يفهم الحرية الطبيعية بأنها مُتعلقة بوجود الإنسان في هذا العالم وحريته في مُمارسة الغريزة كالأكل والشُرب والمشي وهذه الحرية تقف حدودها عند الضرر بالنفس أو بالآخرين. أما الحرية السلوكية فهي المُتعلقة بتمام الأخلاق وحسن السلوك التي يقتضيها حكم العقل وبالشرط السابق نفسه بالحرية الطبيعية وهو عدم الإضرار بالنفس أو الآخرين (ص127 تخليص الإبريز).

والحرية الدينية كما فهمها الطهطاوي بأنها مُساوقة لحُرية العقيدة والرأي والمذهب بشرط أن لا تخرج عن أصل الدين. أما ما يُراد منها في الغرب فهو حرية ممارسة العقائد الدينية، أي للإنسان أن يختار الدين أو العقيدة التي تطمأن لها نفسه ولا تتدخل الدولة في آراءه أو عقيدته، وينطبق ذلك أيضاً على الحُرية السياسية التي يفهمها الطهطاوي في ضوء وضعه وعلاقته بالحكومة، فهو يفهم الحرية السياسية بأنها حُرية أرباب الإرادة الملكية في إجراء أصولهم وقوانينهم وأحكامهم على مُقتضى شرائع بلادهم.

هذا الفهم باعتقادنا يتعارض مع ما هو معروف، و المُراد من الحرية السياسية في الغرب هو حرية أبناء المجتمع في تبني الرؤية السياسية التي يعتقدون بأنها تنفعهم وتنفع أوطانهم، وهذا مُرتبط بحُرية الإنتماء الحزبي والتعددية السياسية وان أرباب الإرادة الملكية إنما يخضعون لإرادة شعوبهم.

أما المساواة فهي قرينة الحرية، وكلاهما مُلازم للعدل والإحسان، وأما التسوية ( بعبارة الطهطاوي) بين أهالي الجمعية، فهي صفة طبيعية في الإنسان تجعله في جميع الحقوق البلدية كإخوانه، وهي جامعة للحرية المدنية والحرية الملكية، على الرغم من أن الناس قد يتباينوا في الصفات العضوية، بل الصفات الطبيعية وهذا ما إقتضته الحكمة الإلهية، ولكن هذه الحكمة جعلتهم متساوون في الأحكام لا فرق بين الشريف والمشروف والرئيس والمرؤوس(يُنظر: ص 130 تخليص الإبريز).

المواطن والوطن

حينما يقال عن شخص بأنه وطني فمعنى ذلك "أنه يتمتع بحقوق بلده وأعظم هذه الحقوق الحرية التامة في الجمعية التأنسية (الاجتماع الإنساني)، ولا يُنعت الوطني بوصف الحرية إلَا اذا كان مُنقاداً لقانون الوطن ومُعيناً على إجرائه في انقياده لأصول بلده يستلزم ضمناً ضمان وطنه له التمتع بالحقوق  المدنية والتمزي بمزايا البلدية والإنتماء للبلد)، فبهذا المعنى هو وطني وبلدي، يعني أنه معدود عضواً من أعضاء المدينة، فهو بمنزلة أحد أعضاء البدن وهذه اعظم المزايا عند الأُمم المتمدنة" (ص94 المرشد الأمين).

"والوطن يستوي فيه النوع الإنساني، فتجد الحزبيين ولو إختلف البعض مع الآخر يتحدان بالنسبة للأجنبي لحماية الوطن أوالدين أو النوع" (ص125 المصدر نفسه).

ومن أسباب تمدن الأوطان "التمسك بالشرع وممارسة العلوم والمعارف وتقدم الفلاحة والتجارة والصناعة وإستكشاف البلاد التي تعين على ذلك وإختراع الآلات والأدوات من كل ما يُسَهل أو يُقَرب الطرق التمدنية بإيجاد الوسائط والوسائل. فما أعان على التعليم والتعلم الذي هو رُكن عظيم من اركان التمدن المطابع الاهلية... وما اعان على سعة دائرة التمدن في بلاد الدنيا ترخيص جميع الملوك للعلماء وأصحاب المعارف في تدوين الكتب الشرعية والحكمية والأدبية والسياسية ثم التوسع في حرية، ذلك بنشره طبعاً وتمثيلاً وخصوصاً جرائد الوقائع لا سيما في بلاد أوربا بقانون حرية إبداء الآراء بشرط عدم مايوجب الاختلال  في الحكومة بسلوك سبيل الوسط بغير تفريط ولا شطط (ص125 المرشد الأمين).

ومن أعظم معين على التمدن حرية الملاحة والسياسة في البر والبحر"(ص126 المرشد الأمين).

الغناء والموسيقى

يُعَد الطهطاوي من هواة الموسيقى والغناء ومن الذين يعتقدون بعلاقة الموسيقى بالروح والغناء الشجي لبسط النفس، وهذا الموقف بإعتقادنا تأتى للطهطاوي من حضوره لحفلات الاوبرا في باريس، إذ نجده يقول حول أهمية الغناء مُستشهداً بأقوال بعض الحكماء بأن فضل الغناء كفضل النطق على الخرس والدينار المنقوش على قطعة من الذهب، وفي كلام بعضهم إن الغناء يُحرَك الهوى الساكن ويُسكن ألم الهوى المُتحرك، وفي كلام بعضهم الصوت الشجي يُوصل إلى نعيم الدنيا والآخرة وإصطناع المعروف كما قال أفلاطون: هذا العلم يعني علم الموسيقى لم يضعه الحكماء للهو واللعب بل للمنافع الذاتية ولذة الروح الروحانية، وبسط النفس وترطيب اليبوسات وتعديل السوداء وترويق الدم، وقال بعضهم سُمَيت الأنغام والألحان لأن النفس تستغني به عن الملاذ البدنية في حال سماعها (ص157 المرشد الأمين).

والموسيقى والرقص في بلاد الغرب والإفرنج (بعبارة الطهطاوي) من الأمور المُثيرة عندهم والتي تستحق الإحترام، لأنها تنقل حضارة الشعوب وتحترم الإنسان وتبتعد عن الأمور المُخلَة بالحياء لا سيما الأوبرا، وحتى الرقص عندهم، فهو دائماً غير خارجٍ عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر، فأنه من خصوصيات النساء لتهييج الشهوات، وأما في باريس فأنه نمط مُختلف لا يُشم منه رائحة العهر أبدا" (ص139 تخليص الإبريز).

العشق والحب

العشىق قسمان عشق الحواس وعشق القلب وعشق الحواس المُجرَد عن عشق القلب الشهواني الذي ينتهي بالوصال ولذة الإتصال، وأما عشق القلب الذي هو العشق الحقيقي فهو حب حقيقي يرسخ في النفس (ص 198 المرشد الأمين).

والحب يعمي بصيرة العاشق ويشوش ذهن الوامق ويملك روحه.

والحب ليس بمُستنكرٍ في الدين ولا بمحظور في الشريعة وقد رُوي عن النبي (ص) عن إبن عباس (رض) من عشق وصبر فعف وكتم فمات فهو شهيد وشرط الشهادة الكتم والعفه (ص 200 المرشد الأمين).

وسُأل بعض الأطباء عن ماهية العشق فقالوا: إن وقوعه بأهله ليس بإختيار منهم ولا بحرص لهم عليه ولا لذة لأكثرهم، ولكن وقوعه بهم كوقوع العلل المُرتفعة والأمراض المُتنلقة، فلا ينبغي إنكاره على من إبتلى به، بل يُستحب مساعدته من غير تعنيف ولا زجر، كما فعل الصحابة والخلفاء الراشدون، وقال بعضهم المحبة أخذ جمال المحبوب بمحبة القلب حتى لا يجد مانعاً للالتفات لسواه ولا يُمكنه الإنفكاك عنه ولا مُخالفةٍ لمُراده ولا وجود للإختيار عليه لوجود سلطان الجمال القاهر للحقيقة بتحيله المُستغنين عليه دون إختيار منه ولا مُهلة ولا روية، فإن مُغازلة الجمال لا يشعر بها آخذته لا يقدر عليها وحقيقة ما يتولد عنها لا يُعبر عنها فتنقضي الأعراض وتُفنى الحقائق والأمراض، فلا يبقى مع غير المحبوب قرار ولا مع سواه إختيار، وقد قيل إن العناية أن تُحب ويُحبك من تُحب، ومن الشقاء أن تُحب ولا يحبك من تحب (ص201 المرشد الأمين).

موقفه من الدين عند الغرب

فـ"الفرنساوية على الإطلاق ليس لهم من  دين النصرانية غير الإسم، لأن سائر تعبدات الأديان التي لا نعرف حكمتها من البدع والأوهام ولا يُعظَم القسسة في هذه البلاد إلَا في الكنائس عندما يُذهب اليهم ولا يسأل عنهم ابداً فكأنهم ليسوا الا أعداء للانوار والمعارف" (ص 185، تخليص الإبريز).

لذلك نجد شيوع العلوم النظرية والعقلية عندهم، ويعتقد الطهطاوي، أن إعتقاداتهم نتيجة إحتكامهم للعقل أصبحت مخالفة لسائر الكُتب السماوية، وقد أثرت كتب الفلسفة في إعتقاداتهم لأنها محشوة بكثير من هذه البدع ... ويجب على من أراد الخوض في لغة الفرنساوية المشتملة على شيء من الفلسفة أن يتمكن من الكتاب والسنة حتى لا يتغير بذلك ولا يفتر إعتقاده وإلا ضاع يقينه"(ص 190. تخليص الإبريز).

نتيجة لاهتمام الغرب بالعلوم نظراً وعملاً نجد أن لفظ العالم عندهم مُختلف عن لفظ العالم عندنا، فالعالم عندنا هو من له دراية ومعرفة واسعة بالعلوم النقلية (الفقه والشريعة)، أما العالم عندهم فـ"لا يُفهم منه أنه يعرف في دينه، بل أنه يُعرف علماً من العلوم الأُخر"(ص193 تخليص الإبريز) كلعلوم الطبيعية وفنون الصناعة.

وهو أول مفكر مثل الإتجاه التوفيقي، لأنه حاول التوفيق بين الموروث والوافد، أو بين متبنيات الماضي ومُعطيات الحاضر عبر العودة للدين (الماضي) بوصفه المُشكل لنهضتنا الأولى وتعشيق نتاجاته مع مُعطيات الحاضر، أي تبنيه لفكرة تآلف وتعضد فكر الماضي بروحه التقدمية التي مثلتها النهضة المٌحمدية مع روح الحداثة ونزوعها التغييري الذي مثلته  الحضارة الأوربية التي كان من سماتها التنوير وتنمية العقل لإستيعاب قيمة المٌغايرة عبر مُسايرته للحركات والتيارات التقدمية، الذي تبيَن أثره على الطهطاوي في رحلته العلمية ومُعايشته المُجتمعية للحضارة الأوربية في نهضتها. ودليلنا على تأثره بنتاج هذه الحضارة هو انبهاره بها وبمُنجزاتها، ومن أهمها:

1ـ أنه إنبهر بما وصلت إليه الحضارة الأوربية من تقدم علمي وحضاري، فأثارت إستغرابه ودهشته وتعجبه لما يمتلكه الأوربيون من إصرار على التقدم وصناعة الحياة بطرق أفضل.

2ـ إنبهر بالنظام وإحترام الفرنساوية للقوانين، وتشديدهم على التعددية الدينية وتقديرهم لحُرية الرأي، فلكل إنسان عندهم الحق في تبين المُعتقد الذي يشاء. أي ترك الحُرية له في إختيار مُعتقده الديني والسياسي والفكرية الذي يشاء.

ومن الأمور الأخرى التي لاحظها الطهطاوي هي الفصل بين الدولة والدين، ولم يكن مؤيداً لها بُحكم ثقافته الأزهرية وبُحكم قُربه من محمد علي باشا ذو النزوع الإنفرادي في الحكم.

3ـ إنبهر الطهطاوي بما أظهره الفرنساوية من تقدير لحُرية التعبير وحرية الرأي وحرية الإعلام والصحافة، وقد أكد على بالدرجة دور الصحافة الحرة والإعلام الحُر في بناء الدولة المدنية، فهما العين الأخرى لمراقبة الحكومة والسلطة ونقدها وتقويمها.

4ـ إنبهر الطهطاوي بقدرة الفرنساوية على إعطاء النساء حُريتهن في التعبير والملبس وحق القبول والرفض لحياتهن، إذ أنه رأى في أوربا عامة وفرنسا خاصة بأن للمرأة الحرية الكاملة في إقامة العلاقات وحضور المنتديات ولا تمييز بينها وبين الرجل.

كل ما سبق ذكره يتعارض مع الدين ولا سيما حرية المرأة، ولكنه مع ذلك، كان يصف المجتمع الأوربي بأنه مجتمع حضاري مُتطور من حيث الثقافة والفكر والتقنية، فلذلك هناك أمور كانت قد أثارت إعجابه خلافاً للأمور السابقة.

اما أهم النقاط التي كان الطهطاوي معجباً بها في الدول الأوربية عامة وفرنسا خاصة فهي :

1ـ تطبيق القانون وإحترامه والإلتزام بالنظام العام التي أُعجب بها الطهطاوي ونظر إليها على أنها السبب الرئيس فيما وصلت إليه أوربا من تقدم وإزدهار وتطور حضاري.

وأيضا من النقاط الأخرى التي كان الطهطاوي مُعجباً بها في الحياة السياسية الفرنسية هي رفض الفرنساوية إعطاء السلطة المُطلقة للحاكم، أي أن الحاكم له صلاحيات محدودة لا يمكن أن يتجاوزها، وهذا ما حدده الدستور الفرنسي. وبعبارة أخرى، أن الحاكم مُقيد طبقاً للدستور.

2ـ وجود الدستور في البلدان الاوربية والتزام الحكومة والشعب بهذا الدستور بوصفه عقداً اجتماعياً بين الحاكم والمحكوم هو ما أعجب الطهطاوي، وإن لم يُصرح به بحكم ميوله لإستمرار سلطان محمد علي باشا وآله من بعده، لأنه ولي النعم، الذي أنعم عليه بعطايا وهباة كُثر.

 

د. علي المرهج

...................

المصادر:

الطهطاوي: تخليص الإبريز في تلخيص باريز، طبعة دار الأندلس بيروت ،بلا تاريخ

الطهطاوي: المرشد الأمين ، مطبعة المدارس الملكية بمصر ،طـ1 1289هـ ،أعاده المجلس الاعلى للثقافة بمصر 2002

ali almirhigللبصرة طعم التمر بحلاوته، وللبصرة طعم الحلاوة بمعاشرة أهلها، وللبصرة شط العرب وللبصرة المرفأ والميناء والراح والمُستراح، وإن لم أزور البصرة إلَا مرةً واحدةً حينما قررت اللجنة العلمية عام 2001 بجامعة الكوفة في كلية الآداب بقسم الفلسفة أن يكون أحد أساتذة الفلسفة وعلم الكلام مُناقاشاً لي من كلية الآداب/قسم الفلسفة بجامعة البصرة هو الأستاذ الدكتور محمد جواد الموسوي، أستاذ الفلسفة المؤسس للقسم في هذه الجامعة، فذهبت لتسليمه الأطروحة، فكان في غاية الخُلق والتفلسف. وقد كانت زيارتي هي الأولى والوحيدة لهذه المدينة، ولكن من محاسن القدر، قبل مُناقشتي للدكتواره في جامعة الكوفة أنني كُنت قد قُبلت في كلية الآداب جامعة بغداد في الماجستير، وكان من زميلتي أخت عزيزة من البصرة هي اليوم د.مها الغرابي كما أتذكر كتبت عن الأيديولوجي واليوتوبي في فلسفة إفلاطون بتوجيه من أستاذها الدكتور محمد جواد الموسوي. وهي من الحريصين والملتزمين بالدرس الفلسفي، وبعد سنين عرفت الدكتور عقيل عبد حسين العاشق للفلسفة، والأخ (أبو لواء) حازم البصري. ولا أنسى أخي الشاعر المٌميز "صفاء ذياب" الذي عاش معي الأيام الصعبة ببغداد، إبن قلعة سكر، البصري الهوى صاحب مكتبة شهريار المكتبة الأشهر اليوم في البصرة.

البصرة ظهر منها الجاحظ والفراهيدي وسيبويه والحسن ابن الهيثم والحسن البصري وأبو الأسود الدؤلي وإبن سيرين في العصور الإسلامية.

وقد قرأت لشعراء وكتاب ورائيين كبار من هذه المدنية، أولهم السياب وثانيهم البريكان، وممن يُشار لهم بالبنان الروائي الكبير محمد خضير والشاعر الألق كاظم الحجاج والشاعر والإعلامي المميز طالب عبد العزيز والأكاديمي والروائي الصديق د.لؤي حمزة عباس، ومن كان له رؤية في الفكر السياسي مؤلف كتاب "صورة الآخر" الدكتور محمد عطوان، ومن تميز في رؤاه الفلسفية النقدية د. سنا صباح في قراءتها لفلسفة نتشه، التي أعتز بأنني كُنت المُشرف على أطروحتها في الدكتوراه، ومن كان له هم التغيير في إعادة صياغة المشكل العراقي وفق الحل الفلسفي الكندي للسياسة هو الدكتور قيس ناصر، الذي كُنت رئيساً للجنة مناقشته بموضوعه هذا حول التعددية الثقافية في الفلسفة الكندية، وآخرون من طلاب الفلسفة من البصرة ممن درستهم ولا زالوا يكتبون رسائلهم.

من البصرة عرفنا كوميديا الموقف والضحك بجنون يملؤه الفنون مع سليم البصري الذي كتب ومثل أجمل دراما عراقية هي مسلسل "تحت موس الحلاق"، وأكملت دراما البصرة وحضورها الفنانة الأجمل في تاريخ الدراما العراقية "سليمة خضير"، وزادت جمال الحضور للبصرة أختها المُطربة "أمل خضير"التي إشتهرت بأغنيتها "الدنيا كرستال وذهب" التي لحنها المُلحن الكربلائي المُتميز محسن فرحان، وإستمرت بأغانيها العذبة التي منها: "يا ألف وسفه ويا حيف" و "فدوه فدوه فدوه" و "أتوبه من المحبه"..إلخ.

وللبصرة طعم أنغام الخشابة بإيقاع سعد اليابس، ومن البصرة شُغفنا بفؤاد سالم بأغانيه الأشهر "الشوك للبصرة" و "على درب اليمرون" و "ماتدرين ماتدرين" و "محلاها العيون" و "صابرين" و "ردتك تمر ضيف" و "ويلي ينغم"...إلخ، ورياض أحمد إبن التنومة، الذي أطربنا بمواويله المستقاة من أشعار مُظفر النواب وعريان السيد خلف، وأجمل ما فيه هو إتقانه للشجن في الطور الصُبي الذي أتقن الغناء فيه، فصار كل من يُغني طور "الصُبي" مُقلداً لتنغيمات رياض أحمد.

وأطربتنا سيتا هاكوبيان الأرمنية الأصل عراقية النشأة والمولد، التي بدأت بأغنية الوهم من شعر الكبيرة "نازك الملائكة"والتي نعتها الكثيرون بأنها "فيروز العراق". كان لموسيق صوتها بألحان البصري طارق الشبلي طعم العراق بنكهة لبنانية فيروزية، إستخدم فيها الشبلي الآلات الغربية من دون خدش للأُذن العراقية، فإخترقت سيتا شغاف قلوب العراقيين، لأنها صوت النقاء الذي ينطق بالحب، فهي من غنت "إصغيرة جنت وإنت صغيرون"  و غنت أغنيتها التي عزفت على أوتار المحبة "إبهيدة" وبفرح يملأ القلب غنت "لالي لالي لالي يا كمر لالي" وهي كلمات تُضيء بقايا العُتمة في الروح التي  أتمتها بأغنيتها "دار الزمان وداره وضيع عليه أخباره" لتهدأ أخبار الزمان بأُغنيتها الأشهر "إبهيده" ولتطأن الحبيب بأُغنيتها "شوكي" شوكي، شوكي خذاني".

كانت أغلب أغاني "فيروز العراق" من ألحان العذب "طارق الشبلي" الذي لحن للمطرب محمد الشامي "إيفر بيه هوى المحبوب يا يمه". ومن البصرة كانت أغنية ربيعة "هو وهاي وهو"  وأغنية البصرية الجميلة "سهى عبدالأمير" التي جُنت بسبب ظلم نظام زبانية صدام الذين أتخذوا منها غانية لا مُغنية، وهي التي أطربت أبناء جيلها بأغانيها ومن أهمها:"خلاني حُبك حايره" التي ذاع صيتها في الثمانينيات من القرن المُنصرم.

المهم ما أروم قوله أن للبصرة طعم التنوع في تمورها، فمنها اللغوي الكبير، ومنها الأديب المفوه، ومنها الروائي الذي حكي حكايا المرفأ والميناء وبقايا الأمل في البصرة الفيحاء، ومنها الشاعر الأكبر في شعر التفعيله أو ما سُمي بالشعر الحُر، ومنها المٌطربون الذين ساحوا بنا بسماء العشق والوله وما خفي من الوجدان بجما التطريب وبعذب الألحان. فهنيئاً للبصرة أنها بكل الحُزن والألم الذي مر بها منذ حربنا مع إيران، فخراب البصرة صار مثلاً يُقال لما ألم بها من ألم من نتاج الحروب المستعرة التي ختمها الأمريكان، فضُرب مثلاً طريق الموت في حربنا معهم، فخسرت البصرة سواد الأرض وإخضراها، ولكنها لم تخسر أبنائها الشُجعان ممن رسموا خريطة التضحية في دفاعهم عن عراق موحد ليس فيه خُسران، سوى خُسرانهم هم لأمول البترودولار التي وعدوا بها، ولكنهم وإن تمنوا الحصول عليها، ولكنهم صبروا وتصابروا من أجل الحفاظ على عراق موحد يُخذل به من ظن أن يتفرق رغم إختلاف مذاهبه والأديان، لأن فيه شعباً لا يرى في الذلة قبولاً ولا يقبل أن يُهان، فتوحده رغم التحديات صار أمراً مقضياً، رغم أنف المملكة العربية السعودية وإيران، والبصرة مثال التعايش السلمي بين سنة وشيعة، وهو أمر لا إخبار فيه بقدر ما فيه من رد على الطائفيين الذين لعبوا على وتر الطائفية فصار لعبهم في خبر كان.

وإن هامك الشوق للعراق فتذكر البصرة.

 

 

latif oqayliليس خافياً أنَّ لدراسةَ التَعَلُّم تاريخاً طويلاً بدأ مِنْ تصوراتِ أرسطو وامتد إلى مَا عرف - وَمَا يزال مستمراً فِي الظهور - فِي عالمِنا مِنْ نظرياتِ التَعَلُّم، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها الرأي القائم عَلَى أنَّ التَعَلُّمَ عملية أساسية فِي الحياة لَا يكاد يخلو مِنْها أي نشاط بشري، إنْ لَمْ تكن جوهره؛ لاعتباراتٍ مَوْضُوعِيَّة تتعلق بمَا يمكن أنْ تحققه هذه الفعالية مِنْ نتائجٍ بوسعِها اكساب الإنْسَان مجمل خبرته الفردية، وَالمُسَاهَمَة فِي تنميةِ مهاراته وَتطوير قدراته الذهنية، إلى جانبِ تمكينه مِنْ مواجهةِ أخطارِ البيئة، وَالَّتِي تقتضي بلا ريب سعي الإنْسَان لتكثيفِ محاولاته الرامية إلى الاستزادةِ مِن التَعَلُّمِ قصد قهر الطبيعة مِنْ حولِه وَبُلوغ السيطرة عَلَيها مِنْ أجلِ تسخيرها، وَهو الأمر الَّذِي ألزم القيادات الإدارية التعامل مَعَ وظيفةِ التَعَلُّم بوصفِها النشاط الَّذِي يمثل الضرورة الأكثر إلحاحاً لإنتاج مَا تباين مِنْ أنماطِ السلوك الَّتِي مِنْ شأنِها المعاونة فِي التسريعِ بمهمةِ النهوض  بدورٍ أكبر لبلدانِها بعد أنْ أصبحت عمليةَ التَعَلُّم تُعَدّ أحد الجوانب المهمة مِنْ حياةِ كُلّ فرد وَكُلّ مجتمع مِن المجتمعاتِ الحديثة. وَلا يخامرنا شك فِي توجه الحكومات الساعية لتطويرِ بلدانها إلى ترسيخِ دعائم القاعدة المادية لوظيفةِ التَعَلُّم بإقامةِ المؤسسات الاجْتِماعِيَّة المسؤولة عَنْ إدارتِها وَتوجيهها؛ بغية أنْ تصبحَ بلدانها منتجةً  للعلمِ وَالثقافة وَالفنون، بالإضافة إلى تمسكِ إداراتها بوضعِ الآليات الَّتِي مِنْ شأنِها المحافظة عَلَى تلك الثروات بوصفِها مِنْ مقوماتِ الحضارة الإنسانيَّة، وَالَّتِي تفرض عَلَى الإداراتِ الحرصِ عَلَى سلامةِ انتقالها بسلاسةِ عبر الأجيال؛ لأَنَّها تُعَدّ أحد العناصر الأساسية لعمليةِ التَّنْمِيَة، فضلاً عَنْ كونِها بمثابةِ الطَّاقَة الَّتِي تغذي مثابرةَ المجتمع عَلَى التواصلِ مَعَ التطوراتِ العِلْميَّة وَالتِقْنِيَّة الَّتِي    تعيشها البَشَريَّة وَالتفاعل مَعَ إفرازاتِها. والمتوجب إدراكه أيضاً هو استحالة تحقق عملية التَعَلُّم بصيغتها المؤثرة إيجاباً فِي مساراتِ عملية البناء الاجْتِمَاعِيّ وَالاقْتِصادِيِّ مِنْ دُونِ الركون إلى التَّخْطِيطِ العِلْمِيّ السليم، مَا يعني إلزام القيادات الإدارية الإبتعاد عَنْ تركِ تلك العملية الحاسمة عرضة لعواملِ المصادفة وَالعَشوائيَّة؛ بالنظرِ  لمكانةِ وظيفة التَعَلُّم وَأهميةِ دورها فِي الحياة، وَالَّتِي لَمْ تَعُدّ بحسبِ المتخصصين ترفاً فكرياً، بل أصبحت أولوية مهمة فِي التَّخْطِيطِ الاستراتيجي بعد أنْ أدركتها الإدارات عَلَى اختلافِ مشاربها، وَجهد العلماء والباحثون وَالدارسين مِنْ أجلِ سبر أغوار طبيعتها وإماطة اللثام عَنْ المتطلباتِ المؤثرة فيها ايجاباً وسلباً؛ سعياً فِي محاولةِ الوقوف عَلَى الاستراتيجيات الَّتِي بوسعِ آلياتها تحديد أهداف التَعَلُّم بوضوح وَمهنية عالية تقوم عَلَى أفصلِ طرق الأداء، وهو الأمر الَّذِي أفضى إلى تعدد الرؤى حيال وظيفة التَعَلُّم، حيث نجمت دراسة مظاهرها عَنْ ظهورِ مَا تباين مِن الاتجاهات والتيارات الفكرية، وَالَّتِي تبلورت عَلَى شكل ما يعرف اليوم باسمِ " نظريات التَعَلُّم ".

ليس خافياً أنَّ الطينَ الَّذِي برعت يدا الكثير مِن العراقياتِ فِي استخدامِه بمهمةِ صُنعِ مِا يشارُ إليه فِي المناطقِ الريفية باسْمِ "التنور"، لَمْ يكن التعامل معه وليد عصر الحداثة، فصناعة الفخار تُعَدّ مِن النَّشَاطُاتِ البَشَريَّة الموغلة فِي القِدمِ في بلادِنا؛ إذ كان الفخار مِن الحرفِ القديمة الَّتِي شكلت جزءاً مِنْ تراثِ العراق وَحضارته، فضلاً عَنْ أنَّ بعضَ أنواعها مَا تَزال تستخدم إلى يومنا هَذَا عَلَى الرغمِ مِن التطورِ الَّذِي شهدته الصِناعة الحديثة للأواني وَالخزفيات، بالإضافةِ إلى مَا منحته إنجازات العراقيين مِنْ إبداعاتٍ متمازجة مَعَ روحِ العصر فِي الشكلِ والمضمون مِنْ أجلِ إخراج الخزف مِنْ حرفيةِ الموضوع إلى حقولِ الفنون التشكيلية. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ اِنتشارَ الفخار بشكلٍ واسع فِي أرضِ الرافدين كان تعبيراً عَنْ تاريخِ تلك الحضارات وَدرجة رقيها، حيث وجدت شواهد هَذَا الفن فِي أماكنٍ كثيرة مِنْ بلادِنا، فضلاً عَنْ الجميلِ وَالمتقن مِن الأعمالِ الفخارية كالأواني المستخدمة للزينةِ وَالأعمال المنزلية المزينة بالزخارفِ الَّتِي نقشت عَلَى سطحِ الأواني. ولعلّ مِن المناسبِ أنْ نشير هُنَا إلى أنّ دراسةَ عالم الآثار العراقي الدكتور بهنام أبو الصوف الرائدة فِي الخزفِ العراقي القديم - الَّتِي  تُعَدّ المدخل النظري للتطبيقاتِ العملية والدراسات النظرية اللاحقة - كانت نتائجها تؤكد أنَّ أنواعَ فخار الوركاء ( الحمراء، الرمادية وَالسوداء ) تُعَدّ بوصفِها أنواعاً لصِناعةٍ واحدة يعود تاريخها إلى أواخرِ عصر العبيد، فضلاً عَنْ أنَّ بعضَها عرفته تقاليد صِناعات الفخار العريقة فِي العراق منذ الألف السادس قبل الميلاد، وأنَّ جميعَ تلك الأنواع " عُملتْ محلياً مِنْ طينةٍ مَحَلِّيَّة، وأحرقتْ بكورِ فخارٍ مَحَلّيّ ". 

يبدو أَنَّ سرَ تعلق السَماوي بطينِ السَماوة هو بالضرورةِ تعلّق بالطفولة، وَمِنْ ثم بملاعبِ الصبا قبل أنْ يتحول إلى تعلقٍ بالإنسان باعتباره ابن التراب وإليه سيعود، فليسَ مصادفة أَنَّ طينَ السَماوة هو الَّذِي حفظ لنا " ملحمة كلكامش " الَّتِي تُعَدّ أقدم ملحمة عرفها التاريخ الإبداعي الإنساني، وَليس مصادفة أنّ " الطين الحرّيّ " هو الَّذِي جعل البيوت الطينية معشِبة السطوح. وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ مِنْ بَيْنَ الأمثال الَّتِي كان السَماوي يسمعها فِي طفولته، مَـثَـلاً يطلقه  قائلوه عَلَى أي شيء يريدون وَصفه بالأصالةِ وَالإباء وَالنقاء فيقولن عَنه : " هَذَا  كالطين الحرّي "، وَلَمْ يكن يعرف خصائص  الطين الحرّيّ إلا حين شغِفَ باللعبِ به ليصنعَ منه عربات وَخيولا، حتى إذا صارَ صبيّاً، صنع منه هو وَصديق طفولته " جاسم علي هداد / أبو ثبات " دومينو فخراها فِي نارٍ هادئة، مَعَ العلمِ أنَّ جاسم علي هداد هو الَّذِي عَلمه لعبة الدومينو الَّتِي أدمنها حيناً مِن الدهرِ عندما  أرغمته الظروف بعد انكشاف مصيدة الجبهة الوطنية، عَلَى إطعام كتبه إلى النيران؛ خشية أنْ  يتخذ منها " زوار نصف الليل " دليلاً عَلَى ارتكابه جريمة قراءة الفكر وَالأدب التقدميين. وَالْمُلْفِتُ أَنَّ طينَ السَماوة جعل الشاعر يعتز به إلى حدِ تجاوزه نجماً يستقر فِي السَماءِ ويضيء كوكبنا وَمِنْ جملته مدينة السَماوة، وَالَّتِي أكاد أجزم أَنَّ فضاءاتها مَا تَزال مظلمة بسببِ إهمال ولاة الأمور.

طينُ " السَـماوةِ" لا نجـمُ السّـماواتِ

يَــشــدُّ أمـسـي ويـومـي بالـغَــدِ الآتـي

.

أهـكـذا العـشـقُ ؟ يَـجْـفـوني وأتـبَـعـُـه

فـما أصَخْـتُ إلى صـوتِ انـكسـاراتي !

.

أهـكذاالعـشـقُ؟ يا خَـوفي عـلى وطـني

مني .. ومنه عـلى شـمسـي ومـشـكاتي

.

مُــشـَـرَّدٌ  وهـمـومُ الـنـخـلِ أمْـتِـعَــتي

حَـمَـلــتـُها .. وجـراحـاتي مَـحَـطـاتـي

.

هُــويَّــتي ؟ غَـجَــريٌّ لا بـــلادَ  لـــهُ

إلآ ظِـــلالُ  بـــلادٍ فــي الـهُــوِيّــاتِ

.

خطـيئةُ العصر في وجهي مُكـَثـَّفـةٌ:

أنـا ابـنُ دجلةَ.. لكنْ : في السِـجـِلّاتِ

.

عـشـقـتُ دجـلـةَ حتى كـدتُ ألـعَـنـُهـا

وألعـنُ الـوطـنَ الـمـخـبـوءَ في ذاتـي

.

نَـخَـلـتُ أسْـطــرَ قامـوسي لـعـلَّ بـهـا

مـا قـدْ يُـزيــنُ بـأفــراحٍ عــبــاراتــي

.

وجدتُ لـفظَ (عـراقٍ) في صحـائـفِـهِ

كما الـفـرات.. ولكـنْ : دون ( راءاتِ )

 **

مَا أظننا نغلو فِي القولِ إنَّ شدةَ ميل السَماوي فِي طفولتِه الأولى  إلى توظيفِ الطين فِي ممارسة هوايته المتمثلة بتشكيلِ مجسمات تحاكي الواقع، عززت - عَلَى الرغمِ مِنْ تواضعِ تطبيقاتها الفنية - رغبته فِي تلقي المعرفة بوقتٍ مبكر، وزادت مِنْ اهتمامِه فِي محاولةِ الوصول إلى معرفةِ الأشياء، فضلاً عَمَا وفرته له مِنْ وضعٍ نفسي لملامسةِ المفاتيح الأساسية للمهارات، وَالَّتِي ساهمت بالتوافقِ مَعَ غيرها مِن العواملِ إيجابية الإثر بإتاحة الفرصة - فِي مراحلِ حياته اللاحقة مَا بَيْنَ السماوة وَمنفاه بمدينةِ " أديلايد " الاسترالية - لإقامتِه ببيئةٍ معرفية بمحتوى مثرٍ وهادف، مكنته مِنْ إتقانِ مهمة ابتكار الفكرة الَّتِي بوسعِها تعزيز ركائز جسر التواصل الإنساني مَعَ عقلِ المتلقي أكثر مِنْ عاطفته، وَنسج مضامينها عَلَى الورقِ فِي صورةِ موازييكٍ مبهر الجمال بفضلِ مهارته العالية وَمَا أتقنه مِنْ حرفية فِي عالمِ اللغة. وَضمن هَذَا المعنى يقول الكاتب العراقي الدكتور عبد الجبار العبيدي: " لم يَعُدَ شعر الشاعر السَماوي شعراً عادياً لوصفٍ أو تخيلٍ أو قصدٍ معين في رأسهِ يقول، بل شعره مغزىً لحياةِ امةٍ لا زالت تعاني مِنْ آلامها كما عانى جميل بثينة مِنْ حبهِ الشريف ". وَفِي السياقِ ذاته يقول الأديب وَالقاص العراقي حمودي الكناني: " إنَّ السَماويَ يكتب ليستفز الآخرين، ويحملهم عَلَى الوقوفِ فِي مضافتِه ليأكلوا مِنْ خبزه ". ويؤكد الكناني أيضاً إنَّ السَماويَ " شاعرٌ كبيرٌ تناول كُلّ أغراض الشعر وَأجاد فِيها، فهو مقاتل بارع يحمل سلاحاً مِنْ صنعٍ خاص يرمي به فيصيب, يخترق الاجساد دون أنْ تحسَ حرارة الرصاصة، وَعندما تمد يدك لتتلمس أثر دخولها تخرج معفرة بخضابِ روحه الَّتِي خبزتها السَماوة بتنورِها المصنوع مِن الطينِ الحري ".

                **

مــرافـئي خـَـذلـَتـْني يـا شِــراعــاتـي

فـعـانـقي يـا ريـاحَ الصَّــبـر رايـاتـي

.

بـَـردانُ أوقِــدُ أجْــفــانـي وأوردتــي

عـطشـانُ أحـلِـبُ أحداقي  لِـكاسـاتي

.

ومن رمادِ هَـشيمي شِـدتُ ليْ وطـنـاً

حَـمَـلـتـُهُ حــيـثــمـا تـنـأى مـسـافـاتي

.

كأنما النـّأيُ عـن أهـلي وعـن وطـني

أو الــتـشــرّدُ أضحى مـن هـِـوايـاتـي

.

عـلى فـمي خَـبَـزَ الحِـرمـانُ أرغِــفـةً

طـحـيـنـُها قــَلـَقـي والــنـــارُ آهــاتـي

.

وما ندمـتُ على جـيلـيـنِ في سَـغـَبٍ

فـقـد ربحـتُ مـن الـدنـيـا خـَسـاراتـي

.

لـقـد بـدأتُ طريـقي ـ وهـي شـائـكـةٌـ

مُـكـابـِـراً أتـَـسَــلــّـى باحـتِـراقــاتـي

.

فـكـيـف يـخـذلـني نـفيٌ وقـد نـُفِـيَــتْ

دنـيـايَ عـن مُـقـَلي مـنــذ الـبـدايـاتِ ؟

.

وما خـشـيـتُ مـن المـاضي ونـكـبـتـهِ

لكـنْ خـشـيتُ عـلى قـومي مـن الآتي

.

نـأى عـن الـشـمـسِ ربّـانٌ بمركـبـنـا

فـَحَـتـْمُــنا : حَـطـَبٌ في نـار مــأسـاةِ

               **

لأنَّ النصَ الشعري مِنْ وجهةِ نظر الشاعر السَماوي هو " بناءٌ هندسي فني معماري وَنبضٌ شعوري "، فقد ألزمه ذلك إيلاء هذا البناء - اللغة - الإهتمام الكبير عَلَى اعتبارِ أَنَّ اللغةَ هي الإناء لمادةِ المعنى والمداليل الَّتِي تتشكل مِن النفثاتِ الشعورية لحظة المخاض الشعري القابلة للتمدد، بمعنى أَنَّ السَماوي فِي كثيرٍ مِن الأحيانِ يكتب القصيدة عَلَى مرحلتين، أولهما كتابتها بوصفِه شاعرا، والأخرى كتابتها كناقد؛ إذ يجد نفسه ملزماً بحذفِ أو أضافة أو إعادة صياغة بعض الجمل الشعرية مِنْ أجلِ أنْ يكون البناء الهندسي أكثر استكمالاً لشروطِ الفن الشعري، فالشعرُ بحسبِ السَماوي جميل، لكن عذابَ كتابته يبقى الأكثر جمالاً، وَلعلَّ خير مصداقٍ عَلَى مَا تقدم هو أنَّ السَماويَ يحيى قد يمضي ليلاً بكاملِه للتأكدِ مِنْ فعلٍ ورد فِي بيت أو جملة شعرية فِي قصيدةٍ حين كتابتها كوقوفِه حائراً مَا بَيْنَ الفعلين " مضى و سرى " فِي جملةِ "مضى به ليلا " و " أسرى به ليلا " فِي بيتِ شعر؛ إذ لَمْ يغمض له جفن حتى اتصل بصديقِه الشاعر فاروق شوشة - مِنْ جملةِ الوظائف العلمية الَّتِي شغلها رئاسته للمجمعِ اللغوي فِي مصر - عَلَى الرغمِ  مِنْ كونِه كان متأكداً مِنْ أنَّ " مضى به كان الأصح " عَلَى صَعيدِ فقه اللغة وَدلالة الفعل وَالفاعل. وَلعلَّ دلالة فعل السَماوي هُنَا هو أنَّ هناك مَنْ يجهدُ وَيعطي تفانياً لقيمةِ منجزه الإبداعي، مَا يعني - بحدودِ بحثنا - أنَّ التميزَ عَلَى صَعيدِ الأدب مرتهن بذلك الميل الإضافي الَّذِي ترجمته الواقعة المذكورة آنفاً، وَالَّتِي ساهمت مِنْ دُونِ أدنى شك فِي وصولِ منجزه الشعري إلى مَا امتد مِنْ براري الأدب بعذوبةٍ وَأمان. وَيتجلى جهد السَماوي فِي الاهتمامِ بجمالِ النص الشعري وَسلامته لغوياً مَنْ خلالِ مَا أسرني به ذات صباح بغدادي عَنْ إعجابِه بالحكمةِ الصينية الَّتِي تقول: " إنَّ الله يهب كل طائرٍ رزقه ... لكنه لا يلقي به في عشّـه ".

.

في يدي ورْدٌ .. وفـي روحيَ جُرْحُ

فـالـنقيـضـانِ أنـــــا : لـيـلٌ وصُـبْحُ

.

والصَّديقانِ أنــــــا : شـمـسٌ وظِـلٌّ

والـعَـدُوّانِ أنــــــــا : ثأرٌ وصَـفـْحُ

.

لا أنـا الصّاحي فأغـْفو عــن أسىً

أو أنــــــا النائمُ جـذلانَ فـأصْحـو

.

لمْ تــــــزلْ صفحةُ عـمري زَبَداً:

تكتبُ الأحلامُ ... والأقـدارُ تمحو

***

لَعَلَّيّ لَا أبعدُ عَنْ الواقعِ إذا قُلْت إنَّ التجربةَ الشعرية الثرية جداً للشاعرِ يحيى السَماوي، تعود جذورها فِي واقعِها الموضوعي إلى أيامِ انتظامه فِي مرحلةِ الدراسة المتوسطة، وَالَّتِي كان شغوفاً بها لأسبابٍ لا علاقة لها بتحقيق حلم والديه بدخولِ دار المعلمين، إنَمَا لأَنَّ مدرسته فيها " مكتبة " كان يراها كبيرة وقتذاك، فضلاً عَنْ مشاركته الطالبات الجميلات - فِي ذهابهن إلى متوسطةِ السَماوة للبنات وَإيابهن مِنْها - الطريق عند ذهابه إلى مدرسته، وَالَّذِي يلزمه عبور الجسر الحديدي وَالسير بمحاذاةِ النهر.

وَلعلَّ مردَّ تيقني حول البدايات الشعرية الَّتِي شكلت الواجهة الشعرية للسَماويِّ يحيى هو تمكنه مِنْ كتابةِ أول قصيدة مستوفية شروط النظم لغةً وَسلامة وزن حين كان طالباً فِي الصفِ الثاني متوسط، وَالَّتِي نظمها تغزلاً بطالبةٍ أطلق عَلَيهَا اسماً مستعاراً هو " نهلة ". وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ قراءته تلك القصيدة فِي درسِ الإنشاء وَالتعبير كانت مثيرة لسخريةِ طلاب الصف بخلافِ سعادة مدرس اللغة العربية الَّذِي حازت عَلَى رضاه وأعجب بِها أيما إعجاب. يُضافُ إلى ذلك أنَّ مدرسَ اللغة العربية الأستاذ شمخي جبر في مرحلةِ دراسته المتوسطة، وَالَّذِي نشر لَهُ بعدئذ قصيدة فِي مجلةِ " الشذى " الَّتِي أصدرتها المدرسة بالتعاونِ مَعَ مديريةِ التَّرْبِيَة فِي ظلِ إمكانياتٍ خاوية تكاد لا تذكر، وَلا يمكن مقارنتها بضخامةِ إمكانياتِ وزارة التربية حالياً، وَالَّتِي عَلَى الرغمِ مِنْ ثرائِها المالي، لمْ تفلح حتى بإصدارِ نشرةٍ جدارية كانت تزهو بها - فِيما مضى - جدران أبعد مدرسة طينية بأصغرِ قريةٍ فِي العراق. وَلا مفاجأة فِي القولِ إنّ هذا النشر هو الَّذِي شجع الفتى يحيى السَماوي عَلَى اللوذِ بمطالعةِ ما يتاح له مِن المطبوعات الأدبية وَالعامة وَمَا مِنْ شأنِه المُسَاهَمَة فِي صقلِ معرفته بقواعدِ نظم الشِّعْر، فضلاً عَنْ تحفيزِه للإكثارِ مِنْ نظمِ القصائد وَإرسالِها إلى بعضِ الصحف مثل " كل شيء " و " المتفرج " وَغيرهما مِنْ أجلِ نشرها.

بالاستنادِ إلى مَا استعرضناه فِيمَا تقدم، يمكن القول إنَّ شاعريةُ السَماوي يحيى، فضلاً عَنْ المتاحِ مِنْ المراحلِ الأولى لمحاولاته الساعية إلى إنضاجِ تجربته الأدبية فِي واحدٍ مِنْ أهمِ فصول مسار تكاملها، كانت مدهشة للغاية وَمعبّرة جداً بفعلِ طبيعة أحداثها المليئة بالإثارة، وَالَّتِي تفرض عَلَى المتلقي التفاعل مَعَ حيثياتها بشعورٍ وجداني نحو جذور الذاكرة الجمعية، إلى جانبِ إدراكه ما اعتمده الشاعر السَماوي مِنْ مرتكزاتٍ قصد إنضاج وَعيٍ بانت ملامحه لاحقاً مِنْ خلالِ تطابق إفرازاته مَعَ ثيماتِ نصوصه الشعرية. وَمْنْ هنا  فليس بالأمرِ المفاجئ أنْ يذهبَ الباحث وَالأديب وَالكاتب العراقي الدكتور هاشم عبود الموسوي إلى أبعدِ فضاءات ألق السماوي وعطاء أبناء مدينته حين يؤكد - مِنْ وحي تخصصه فِي هندسةِ العمارة وَجمالها الأخاذ المقترن بشغفِه فِي عوالمِ الأدب بقوله: " ستبقى السماوة مِن المتنبي إلى يحيى السماوي، تمنح الأدب العراقي روائعَ لا تنسى "، مؤكداً أيضاً " إنَّ يحيى هَذَا المولود شاعراً، لا أعتقدُ أنَه يكتب القصيدة، وَإنما القصائد هي الَّتِي تكتبه، وَهي الَّتِي تأتي إليه ". وَيبدو جلياً أنَّ للدكتورَ الموسوي ما يبرر رؤيته عَنْ خطاب السَماوي النصي، حيث يقول: " أسلوبٌ وَرصانة لَمْ نعد نجدها عند أدبائنا المعاصرين، متفرداً بها يحيى "، ويختتم الموسوي رؤيته النقدية بقوله: " إنَّ السَماويَ مدرسةٌ عراقيةٌ تذكرنا بعظمةِ الشعر وَالشعراء، لا حرمنا الله مِنْ فيضِ قريحته ".

مِنْ البديهي أَنْ تؤدي تلك النَّشَاطُات الأدبية الَّتِي كان يمارسها - فِي أيامٍ لا يعرف فِيها الناس الهواتف النقالة وَالشبكة الدُوَليَّة وَغيرهما مِنْ تِقنياتِ الاتصال الحديثة - إلى رغبةٍ متنامية فِي الولوجِ أكثر بشعابِ الأدب وَتصفح مَا أتيح له مِنْ دهاليزِ فنّ القريض، فأصبح مثابراً عَلَى الكتابةِ وَالقراءة بعد أنْ استحوذَ شغف المطالعة عَلَيه وجعله يركن إلى الاستمتاعِ بقراءة كل مِا وقع تحت يده مِنْ المطبوعات، وكأنَّه فِي سعيٍ دائم للبحثِ عَنْ عطورٍ تفوح مِنْ رائحةِ أوراقها الصفراء حينئذ؛ بالنظرِ لتطلعه بشكلٍ دائم إلى معرفةِ المزيد مِن المَعْلُومَاتِ حول أحد أبرز فروع الأدب العربي المتمثل بالشِّعْر، بالإضافةِ إلى سعيه الدائم للنهلِ مِن مشاربِ بعض العلوم الأخرى؛ لأجلِ الاطلاع وَالتّعرف عَلَى كلّ شيءٍ جديد فِي الحيَاة، حتى اصبح ميله لإقتناءِ الكتاب تقليداً ثابتاً يمارسه منذ عقود فِي حَلّهِ وتَرْحالِه. وأراني ملزماً بالتنويه هُنَا إلى أهميةِ المطالعة للكتّابِ وَالعلماء وَالمثقّفين وَالسّياسيين على حدّ سواء.

لعلّ مِن المناسبِ أنْ نشيرَ إلى أنّ السماويَّ كتبَ عَن قصيدته الغزلية المذكورة آنفاً بعد عقود وهو فِي غربته بأبعدِ أصقاع الأرض نصاً طويلاً وسمه بـ  " لي ما يبرر وحشتي هذا الصباح "، وَالَّتِي ضمنها مجموعته الشعرية " الأفق نافذتي " الصادرة عام 2003م:

.

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ

كأنْ أَغضُّ الطَرْفَ عن وردِ الحديقةِ

وابتهاجِ ابني بأفْراخِ الحَمامِ

.

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ

فإنَّ أمي تشتكي صَمَماً وقد عَشِيَتْ

لماذا لا أكفُّ عن اتصالي الهاتفيِّ بها

وإرسالي المزيدَ من التصاويرِ الحديثةِ

هل يرى الأعمى من القنديلِ أكثرَ من ظلامِ؟

***

لي ما يبرر وحشتي هذا الصباحَ

فإنَّ جارَتَنا «حسيبةَ»

باعت الثورَ الهزيلَ

وقايَضَتْ ثَوْبَينِ بالمحراثِ

وابنتها - التي فُسِخَتْ خطوبتُها - اشترتْ نولاً

ولكنَّ الخِرافَ شحيحةٌ..

كادَتْ تُزَفُّ إلى ثريٍ جاوَزَ السبعينَ

لولا أنَّ داءَ السُكّريّ أتى عليه

ولم يكن كتبَ الكتابَ

فلم تَرِثْ غيرَ العباءَةِ والسِوارِ

وَوَهْمِ بَيْتٍ من رُخامِ

***

فقرُ الطفولة كان مِنْ وجهةِ نظر يحيى السماوي: " عيشاً وَلا أحلى أيام ذلك الفقر الثري بمكارمِ أخلاقه وَطمأنينته وَقناعة إنسانه "، مضيفاً: " كان كُلِّ جار يبعث بصحنٍ مما يطبخه إلى جارِه، فتجد كل بيت وكأنه طبخ عدة أكلات، وَعَلَى الرغمِ مِنْ أنه كان طعاماً فقيرا لا يتعدى المثرودة وَحساء البصل وَالطماطم وَطبيخ الحميض وَالحرش أبو زريدة - صغار السمك - لكنه كان أكثر عافية مِنْ طعامِ اليوم؛ إذ أَنَّ الأطفال أبناء الفقراء كانوا أقوى، وكانت أجسامهم أسلم بنية مِنْ أبناءِ الأغنياء. ويستشهد السَماوي بحادثةٍ طريفة مِنْ أيامِ عبث طفولته البريئة يوم كان منتظماً فِي مدرسةِ المأمون الابتدائية، حين تمكن مِنْ زميله ابن مدير ناحية الوركاء وأشبعه ضرباً وجعله يبكي طول الدرس، عَلَى الرغمِ مِنْ أنه كان أطولُ مِن السَماوي وأكبر مِنه، وَرُبَّما - بحسبِ السَماوي - كان فطوره  يتكون من بيض وَقيمر وَمربّى برتقال وَليس كفطوره الَّذِي لَمْ يكن يتعدى الخبز والشاي، وفِي أحسنِ الأيام كان ما تسمّيه أمه رحمها الله " القرصاع " وهو عبارة عَنْ طاسة - وعاء معدني يستخدم فِي العراق لشربِ الماء - كاملة مِن العجينِ الرقيق المخلوط ببيضةٍ واحدة، حيث تصنع منه والدته أرغفة تقليها بالدهن وَتوزعها عَلَى عيالها. وللقارئ الكريم أنْ يتخيل " بيضة واحدة عَلَى طاسةِ عجين لثمانيةِ أطفال "، لكن الأَدْهَى مِنْ ذلك هو أنَّ طعامَ الفقراء عَلَى وفقِ رؤية السَماوي يحيى لَمْ يكن سبباً لإصابةِ الناس حينئذ بمرضِ فقر الدم.    

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ

كأنْ أَغضُّ الطَرْفَ عن وردِ الحديقةِ

وابتهاجِ ابني بأفْراخِ الحَمامِ

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ

فإنَّ أمي تشتكي صَمَماً وقد عَشِيَتْ

لماذا لا أكفُّ عن اتصالي الهاتفيِّ بها

هل يرى الأعمى من القنديلِ أكثرَ من ظلامِ؟

***

لي ما يبرر وحشتي هذا الصباحَ

فإنَّ جارَتَنا " حسيبةَ "

باعت الثورَ الهزيلَ

وقايَضَتْ ثَوْبَينِ بالمحراثِ

وابنتها - التي فُسِخَتْ خطوبتُها - اشترتْ نولاً

ولكنَّ الخِرافَ شحيحةٌ..

كادَتْ تُزَفُّ إلى ثريٍ جاوَزَ السبعينَ

لولا أنَّ داءَ السُكّريّ أتى عليه

ولم يكن كتبَ الكتابَ

فلم تَرِثْ غيرَ العباءَةِ والسِوارِ

وَوَهْمِ بَيْتٍ من رُخامِ

***

لي ما يُبرّرُ وحشتي هذا الصباحَ

كأنْ أصيخ السَمْعَ

للماضي الذي لم يأتِ بَعْدُ

وأنْ أُعيد صياغةَ النصِّ الذي

أَهْمَلْتُهُ عامينِ

لا أدري لماذا لا أكفُّ

عن التَلَفُّتِ للوراءِ

ولا أَملُّ من التأَمُّلِ في حطامي

***

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ

فإنَّ «نهلةَ» جاءها طفلٌ له رأسانِ..

 نَهْلَةُ كانتِ القنديلَ في ليلِ "الطفولةِ"ِ

ضاحَكَتْني مرةً ... فكبرتُ!

أذكر أنني - في ذاتِ وجدٍ -

قد كتبت قصيدةً عنها...

وحين قَرَأْتُها في الصَفِّ

صَفَّقَ لي المُعَلّمُ

غير أَنَّ بَقِيَّةَ الطلابِ

أَضْحَكَهُمْ هُيامي

***

لي ما يبررُ وحشتي هذا الصباحَ

يقولَ «رفعتُ» في رسالته الأخيرةِ:

إنَّ «محمود بن كاظمَ» بات - بعد العفوِ - حُرّاً

غير أَنَّ حديثَهُ يُفْضي الى رَيْبٍ بعقلٍ

فهو يُطْنِبُ في الحديثِ

عن التقدمِ للوراءِ

أو

التراجعِ للأَمامِ

***

 فِي هَذِه المرحلة الدراسية كان حسهُ الوطني يتبلور أيضاً عَلَى وَقعِ مَا شهدته بلاده مِنْ أحداثٍ جسام، حيث كان الصبي يحيى - له مِن العمر حينئذ أربع عشرة سنة - وَبعض أفراد عائلته مِنْ بَيْنَ أبناءِ السماوة الأصلاء الَّذين هبوا لإنقاذِ ثلة مِنْ خيرةِ أبناء العراق الَّذين حشروا فِي قطارِ الموت عَلَى خلفيةِ اشتراكهم فِي حركةِ الشهيد حسن سريع، حيث فوجئ السَماوي فِي اليومِ الرابع مِنْ تموز عامِ 1963م - يومها كان صبياً فِي الصفوفِ الأولى مِنْ دراسةِ المرحلة المتوسطة - بعمِه بائع اللبن المرحوم " عبد الأمير " وأبيه يحملان سطلين مِن اللبن " الخضيضة " وَالماء يطلبان منه مساعدتهما بحملِ " رقية " كبيرة اختارها أبيه مِنْ كومةِ الرقي فِي دكانه الصغير الواقع فِي سوقِ السماوة المسقوف. ويشير السَماوي إلى أنَّ المرحومَ " عبد الحسين افليسْ " الَّذِي يُعَدّ أحد أشهر الشيوعيين فِي السماوةِ يومذاك، كان يصيح فِي السوقِ وهو يهرول:" يا أهل الغيرةْ والشرفْ ساعدوا إخوانكم الأحرار فِي المحطة ". وَعند وَصول يحيى صحبة أبيه وَعمه المحطة وجدوا أهل السماوة قد حطموا أبواب عربات قطار الشحن، وثمة نحو ( 500 ) رجل كانوا منهكين عَلَى أرصفةِ المحطة وَهم فِي الرمقِ الأخير يحيط بهم أهل السَماوة وَيحرسونهم حاملين " التواثي " وَالسكاكين وَالعصي، فيما كانت النسوة يحملن الخبز وَالمتيسر مِن الطعام، وَالصبية - يحيى أحدهم – أنيطت بهم مهمة توزيع الماء.

***

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباح

وما سَيَذْبَحُ في رياضِ فمي

أزاهيرَ ابتسامي

.

فـ «حَمادةُ الحمّالُ» مات حمارُهُ

وأنا أُرَجِّحُ أنْ يكونَ "حمادةُ الحمّالُ"

قد قتل الحمارَ

تَدَبُّراً لـ "بطاقةِ التموينِ"

والسوقِ التي كسُدَتْ

وللحقلِ الذي ما عادَ يعرفُ خضرةَ الأعشابِ

كان «حمادةُ الحمّالُ» مُخْتَصّاً بنقلِ الخضرواتِ

وكان أشْهَرَ في " السماوة "»

من وزيرِ الخارجيةِ..

غير أَنَّ حكومةَ «البطل المجاهدِ» عاقَبَتْهُ

لأنه

تَرَكَ الحمارَ يَبولُ تحتَ مِنَصَّةٍ

رُفِعَتْ عليها صورةُ " الركن المهيبْ "

.

و«حمادةُ الحمّالُ» يجهلُ في السياسةِ..

لم يشاركْ في انتخابِ البرلمانِ..

وحين يُسأَلُ لا يُجيبْ

.

ويُقالُ:

إنَّ كبير مسؤولي الحكومةِ في السماوةِ

كان يخطبُ في اجتماعٍ حاشدٍ

في عيدِ ميلادِ " ابنِ صبحةَ "

ثمَّ صادفَ أَنْ يَمُرَّ " حمادةُ الحمّالُ "

فاحْتَفَلَ الحمارُ

( وربما ارتبكَ الحمارُ )

فكانَ

أنْ غَطّى النهيقُ على الخطيبْ

.

ولذا

أُرَجِّحُ أنْ يكون " حمادةُ الحمال "

قد قَتَلَ الحمارَ

او الحكومةُ أَرْغَمَتْهُ

بأَمْرِ قائدِها اللبيبْ

.

فـ «حمادةُ الحمّالُ» مَتَّهَمٌ

بتأليب الحمارِ على الحكومةِ

و" المهيبْ "

***

 مِنْ ذاكرة حادثة قطار الموت، يروي السَماوي مشاهدته في المحطةِ خاله رسول وَجارهم المعلم مكي كريم الجضعان وهما  يمارسان دور الممرضين بإشرافِ شابٍ وسيم - اتضح فيما بعد أنه الطبيب الجراح الشهير رافد أديب - وَالَّذِي طلب مِن الأهالي عدم تقديم الماء للسجناءِ قبل وَضع قليل مِن الملحِ أو الدواء؛ لأجلِ المحافظة عَلَى سلامتِهم. وَبعد سنوات عديدة شاءت المصادفة أنْ يراجعَ السَماوي طبيباً جراحاً تقع عيادته قريباً مِنْ ساحةِ الطيران فعقدت الدهشة لسانه؛ إذ أَنَّ الطبيب كان نفس ذلك الشاب الوسيم، وَالَّذِي عالجه ورفض استلام أجور الفحص، واكتفى بأنْ طلب منه نقل تحياته إلى أهاليِّ السَماوة.

بحسبِ الشاعر وَالناقد هاتف بشبوش " هَذِه المحطة البطلة، أصبحت رمزاً عظيماً، لَمْ يعجب النظام السابق، فبنى محطة ثانية للقطارِ خارج المدينة، وتركها لتصبح فِي البدايةِ اسطبلاً للخيلِ وَالحمير، ثم تقدم المهندس أحمد فزاع حين كان مديراً لبلديةِ السماوة بمشروعِ تحويلها إلى فندقٍ وَمطعم سياحي وهو ما كان "، لكن عند زيارتي إلى مدينةِ السَماوة مؤخراً وجدت أَنَّ معالمَها قد اندثرت.

***

لي ما يُبَرّرُ وحشتي....

بغداد تُطْنِبُ في الحديث عن الربيعِ

ونشرة الأخبارِ تُنْبِئُ عن خريفٍ

قد يدوم بأرضِ دجلةَ ألف عامِ!

.

وأنا ورائي جُثَّةٌ تمشي..

ومقبرةٌ أمامي!

***

khadom almosawi2لم يكن خبر رحيل الصديق الرفيق صلاح عيسى، (14تشرين اول/ أكتوبر 1939 في قرية "بشلا" بمحافظة الدقهلية- 25 كانون الاول/ ديسمبر 2017) الكاتب والمؤرخ والصحفي اليساري المعروف بكتاباته العديدة والمتنوعة، ومن بينها ما اختار هو لها عنوان "مشاغبات"، لم يكن هينا وقعه علي. لقد تفاجات به.. أجل.. فقد كان خبرا حزينا ودعت فيه نهاية عام ثقيل الخطى.

تعرفت عليه أواسط السبعينات في بغداد وهو يزورها ضمن وفد ثقافي كبير، والتقينا اكثر من مرة في المحروسة، مصر التي في خاطري، ولاسيما حين شغل تحرير جريدتي "الأهالي"، التي تصدر كلسان حال حزب التجمع اليساري ومن ثم "القاهرة" التي تصدر عن وزارة الثقافة. وكانت الاحاديث والأسئلة والاراء التي نتبادلها، تدور كلها عن قوى اليسار وتطوراتها وعن فلسطين ومركزيتها وعن احلام التغيير وعن احوال قضايا التحرر الوطني في الوطن العربي. وكل مرة يهديني نسخة من اخر مطبوع له أو يتحدث لي عن مشروع جديد، إضافة لمشروعه الدائم الذي أراده وبذل جهودا له عن تاريخ شعبه ووطنه. مرة عرفّني في مكتبه على رفيق قادم من الجنوب العربي ودخلنا في حوار ومشاغبات يسارية سياسية تذكرنا فيها مسيرة نضال طويل سرقت تضحياتها.. وقد يكون من المصادفات الغريبة فعلا، قبل أيام معدودة كنت مع رفيق اخر اتذكره عبر الهاتف، ونحن نتحدث عن المرض والغياب، واقول له عن الراحل يوم زرته وكان قد خرج حديثا من المستشفى بعد أن اكتشف انسداد شرايين له وانقذ منه باعجوبة، كما أنه كتب مقالا عن فقدان رفاق وأصدقاء له تباعا بأن الجرس بدأ يدق انذارا لكل ابناء ذلك الجيل، الذي خاض صعوبات الحياة والنضال والسجون، واثرى بتجارب قاسية مرت عليه وعاشها بصلابة المناضل المشاغب العنيد. ولربما كان هذا سببا للمفاجأة.

وداع الرفيق من بعيد ليس سهلا كخبر رحيله اول سماع له وخصوصا حين تنهال الذكريات، ورغم بعد المسافات تبقى حرارة الوداع ساخنة ودامعة، كما هو الاحساس الممزوج بالدفء الرفاقي، وسلسلة التذكر والتاسي توشح وتعلو على الحزن والوداع. فالفقيد صلاح ليس اسما عابرا في سماء الكتابة والنضال والمعتقلات. كان وسيبقى اسما وعلما فيها وعنها يذكره من حمل مثله جمر الايمان بقضايا الشعب والامة، ودفع الثمن المطلوب او المبالغ فيه في مجتمعاتنا وبلداننا وزمننا راضيا مرضيا. ناقلا كل ما عاشه وتعذب فيه بلغة السهل الممتنع، المتميزة بالعمق والبساطة والفصاحة. ونشرها بكتب ومقالات، مؤرخا وحاكيا ورائدا لاسلوب وصياغة وتعبير وتاليف.

قد لا يضيف جديدا لمعرفة الراحل وتجربته القول بأنه كان يجسد قناعاته في عمله الاعلامي، ليس في كتاباته ومشاغباته وحسب وانما في سلوكه العملي. اذكر اننا تحدثنا عن كاتب من مصر منعت كتاباته عن النشر في أية صحيفة مصرية، فلجأ اليه، وهو يدرك الفرق بينهما سياسيا وايديولوجيا، ولكنه كان واثقا بأن أمله فيه لن يخيب، اذ قدّر فيه شهامة رجل مباديء وصاحب قيم، وتحمل الراحل فعلا المسؤولية وأخذ ينشر له كل ما يصله منه في الجريدة "شبه الرسمية"، وكذلك نشر حلقات متواصلة عن تاريخ حركة سياسية ممنوعة، وغيرها، وكانت سلطات عليا تتصل به وتطلب منه التوقف عن النشر ولم يرضخ لها وواصل النشر والمشاغبات التي احب، واعجبت بها، ورددتها أمامه كصفة ابداع وكفاح يشهد لها، كما حدثني عنها ونحن نقارن بين ما حصل ويحصل في بلداننا وخارجها.

الغائب صلاح عيسى لم يتبجح عن ما فعله ووقف أمامه شامخا، كيساري نبيل، عارفا ما تحمله من خلفها من ضغوط ومن مشاحنات سياسية وأمنية صعبة ودقيقة في ظروفها وموقعها وزمكانها، مقاوما كل تحريات او سخط بعض زملاء المهنة أو السلطات. وظل كما هو أمينا لنفسه، صادقا لخياراته، وفيا لاحلامه. لم تغيره تقلبات الأوضاع السياسية ولا المعتقلات والسجون التي تعلم منها الصبر والإبداع وتسجيل الهوامش والحكايات والتباريح وما عجب من شخصيات وأعلام. ظل كإنسان واضح الصورة وشاهد العصر وكاتب المشهد، كما خبره ونقله لزائره او قارئه او دارسه او المعبر عنه وله، بمشاغباته او غضبه او تفاؤله او قناعاته.

في الكلمات التي قيلت في وداعه وعند قبره.. المكان الاخير، أثبت أصحابها ثوابت الفقيد، ومصداقيته في عمله أو في كتاباته او في علاقاته، ورسموا في حزنهم وألمهم صورة اليساري المشاغب النبيل، الشيوعي الوطني القومي جذورا وامتدادا ورسوخا، أعطوه ما كان يعطيه لهم وشخّصوا ما كان عليه وما اراده لهم وللشعب والبلاد والامل في غد اجمل وابهى وافضل، بالرغم من صراع الاجيال وتغيّر الاحوال.

سجل صلاح عيسى في كتاباته ومواقفه ما يخلده ويبقيه رمزا وطنيا يساريا مشاغبا، مؤمنا أن الكاتب لا يموت اذا اخلص في نصوصه من أجل الفقراء والكادحين والمثقفين المواكبين له ولاحلامه في مستقبل مشرق للمحروسة التي احب وكافح ومات فيها.

الكتب، المقالات، المواقف للفقيد..الجورنالجي ..المثقف العضوي.. شهادة حية له ولذكراه العطرة ورصيده التاريخي ..

سنفقده حين نزور مصر، كما يفتقده اليسار وحكايات الوطن.

(الراحل حصل على بكالوريوس في الخدمة الاجتماعية عام 1961 ورأس لمدة خمس سنوات عدداً من الوحدات الاجتماعية بالريف المصري بدأ حياته كاتبا للقصة القصيرة ثم اتجه عام 1962 للكتابة في التاريخ والفكر السياسي والاجتماعي. تفرغ للعمل بالصحافة منذ عام 1972 في جريدة الجمهورية. أسس وشارك في تأسيس وإدارة تحرير عدد من الصحف والمجلات منها؛ الكتاب والثقافة الوطنية والأهالي واليسار والصحفيون، وترأس تحرير جريدة القاهرة، ومجلس ادارتها. اعتقل لأول مرة بسبب آرائه السياسية عام 1966 وتكرر اعتقاله أو القبض عليه أو التحقيق معه أو محاكمته في عدة سنوات ما بين 1968 و1981 وفصل من عمله الصحفي وحوصر  اقتصاديا.

أصدر أول كتبه؛ "الثورة العرابية" عام 1979، وصدر له 20 كتابا في التاريخ والفكر السياسي والاجتماعي والأدب منها: تباريج جريج، مثقفون وعسكر، دستور في صندوق القمامة، حكايات من دفتر الوطن، رجال ريا وسكينة، محاكمة فؤاد سراج الدين، البرجوازية المصرية وأسلوب المفاوضة، جنرالات بلا جنود، ومجموعة شهادات ووثائق في تاريخنا وزماننا، شخصيات لها العجب).

 

كاظم الموسوي

 

 

jawad gloomمنذ اول عهدي بعملي في الصحافة خريف عام / 1969 وانا في المرحلة الأولى بكلية الاداب / قسم اللغة العربية اختار لي رئيس التحرير ان اكتب موضوعا عن المطرب الكبير ناظم الغزالي (1921—1963) وقال لي ضاحكاً وهو يمرّ عابرا غرفتنا الصغيرة باتجاه مكتبه القريب منا :

هذا الاقتراح الذي أقوله لك من وحي ما تسمعه أنت من أغاني الغزالي في جهاز تسجيلك الحديث (الكاسيت) الذي اشتريته أول نزوله الى أسواق بغداد حتى وأنت مكبٌ على القراءة والكتابة ولم تعبأ من إرهاق ميزانية جيبك وأنت في أول خطواتك  للعمل معنا .

فرحت كثيرا وأحسست ان ما اسمعه هو مبعث سُعدي وانا أتجاوز العتبة الاولى من صرح الصحافة العالي وقررت ان يكون موضوعي عن هذا المطرب المتفرد اللامع  الذي جنّ جنوني لصوته وعليَّ ان أذهب لملاعب صباه في أحياء منطقة "الحيدرخانه" وأكتب مقالي ميدانياً قريبا من عقر داره .

أخذت حقيبتي وفي داخلها اوراقي واقلامي وانسللت الى أزقة الحيدرخانه سائلا عن بيت محمد ناصر الغزال / اسم ناظم الغزالي الحقيقي فأجابني احد عارفيه وصديق فتوته وجاره القريب من بيت أمّه :

عن اي بيت تسأل يا هذا !! ، وهل محمد ناصر اليتيم الابوين منذ اول عهده بالفتوة كان له مأوى ثابت استقرّ به ايها الصحفي اليانع ، هذا طائر غرّيد لايقف على شجرة او جدار الا وينتقل الى اخر، فقد تنقل من بيت الى بيت هائما هنا وهناك مثل رياح لاتستقرّ في ايّ مكان؛ فمرة تراه يزور امه العمياء هناك وهو يشير الى غرفة متهالكة في احد الازقة ويقيم معها ردحا من الزمن، وأخرى يأوي الى دار عمه السيد محمود غزال غير البعيد عندما ماتت امه وهو في السادسة عشر من العمر، لكن هذا العمّ لم يطقه نظرا لتوجهاته الفنية الواضحة في مسلكه حتى أنه حين اكمل الدراسة المتوسطة بصعوبة بالغة بسبب الفقر المدقع انضم الى معهد الفنون الجميلة؛ ولما علم عمّه بتوجهه الدراسي نحو الفن طرده شرّ طردة ؛ فهولا يريد ان يحوي في بيته على ممثل أراجوز على حدّ وصفهِ فيكون أضحوكة للناس، فاضطر محمد اليتيم المُتيّم بالفن الى حزم حقيبته الرثة القديمة ليطرق باب شقيقه ويتوسل اليه ان يأويه حتى اكمال دراسته في المعهد وتارة اخرى يضطر الى الاقامة والسكن في بيت خالته السيدة "مسعودة" التي كانت في بعض الاحيان تقوده بنفسها لتوصله الى المدرسة المأمونية الابتدائية وظلّت تؤدي دور شقيقتها الام في مرحلة دراسته الاولى  .

وبشقّ الانفس استطاع ان يكمل دراسته في معهد الفنون الجميلة (تأسسَ المعهد سنة / 1936) وفي قسم المسرح سنة / 1948 وانضم الى فرقة الزبانية ذات المنحى الفكري اليساري النزعة والتي كان قد أسسها الاستاذ الفنان  ناجي الراوي مع رهط من الفنانين اذكر منهم فخري الزبيدي ورضا الشاطئ وناظم الاطرقجي وفنانة اتذكر اسمها الاول (ليلى ....) وكان الراوي ايضا استاذا محاضرا لمادة المكياج في معهد الفنون الجميلة  سنة / 1947، وبعد الراوي صار يديرها الفنان الكبير حقي الشبلي ومثّل في عرضين هما " أصحاب العقول " و " فتح باب المقدس " ولفت انظار متابعي ومتلقي العروض المسرحية حيث كان دوره يتطلب إداء وصلات غنائية خلال تقديم ادواره التمثيلية فأبهر السامعين بما قدمه من تجديد غنائي غير مألوف بسبب تأثره بالموشحات الاندلسية وإضفاء سمات الموشّح وتلوين جماليته في أصناف المقامات وتأثره الواضح بموسيقى جميل بشير الحداثوية المبتكرة لكنه في نفس الوقت أغضب مقلدي المقامات العراقية الصارمين والتقليديين واتهموه بتغريب الاغنية التراثية العراقية واللامبالاة في الايقاعات الثقيلة التي يتسم بها الغناء العراقي القائم على المقام حتى اتهموه بالضعف والارتخاء وضعف صوته وعدم قدرته على إجادة الغناء التقليدي المقامي القديم لكنه لم يعبأ باتهاماتهم واستمر في تجديده حتى بلغ اسماع العرب بشدوه الجميل المبهر وبلغت حنجرته كل الوطن العربي من مشرقه الى مغربه لا بل وصلت انغامه المستساغة الى شعوب الشرق غير العربي حتى سُمّي سفير الأغنية العراقية بلا منازع ليس بصوته فحسب انما ايضا بإناقته المتميزة وطلعته البهية وحضوره الملفت لما يمتلك من كاريزما جاذبة واختياره عطرَه المنتقى بعناية حينما يلبس أجمل الازياء لنفسه واضعاً وردة جميلة في صدره تناسب ربطة عنقه وبدلته المنتقاة وفقاً لذوقه الراقي وشياكته المتميزة المماثله لرقيّ أغانيه  حيث كان لايرتاد الاّ الاماكن الرفيعة المستوى ولا يشتري الا من دور الازياء الفخمة المعروفة الصيت، وقد حدثني مرةً صديق لي وهو ديبلوماسي متقاعد كان يعمل في السفارة العراقية في النمسا اذ كان يسكن في احدى اجمل ضواحي العاصمة فيينا يقع بالقرب من منتجع " كالنبيرغ " السياحي الفخم، وفي قمة المنتجع يُعرّش هناك مطعم ونادٍ للنخبة الراقية من الزائرين من الملوك والشخصيات السياسية والفنية العليا ومن كبار الاثرياء في العالم ويتمنى صديقي الديبلوماسي هذا لو ارتاده ليسعد هناك ولايكتفي بالنظر اليه من بعيد؛ وشاءت الصدف ان يزوره واحد من النخبة الراقية فعزم على دعوته الى المطعم الاسطوري لتحقيق رغبته مهما كانت كلفته؛ وكم كانت دهشته حينما جاء مالك المطعم مرحّبا مفتخرا حينما عرف ان الزوار الجدد من العراقيين وقال مباهيا ان مطربكم الراقي ناظم الغزالي قد زارنا يوما الى هنا وأراهم توقيعه وتاريخ زيارته وهو سعيد بان هذا المطرب السامي كان احد روّاد ناديه ومطعمه .

وعلى اثر هذه الشهرة انهالت الدعوات اليه لاقامة الحفلات في معظم العواصم العربية والاوربية ونظم رحلات فنية الى الولايات المتحدة وفرنسا وايطاليا والنمسا ودول اخرى ونال نصيبا وافرا من الانتشار والذيوع اذ كان مريدوه ومعجبوه يتزاحمون للحصول على تذاكر الدخول لحفلاته الغنائية وتودّد اليه الكثير من صنّاع الفنّ والشعر وانهالت عليه العروض من قبل متعهدي الحفلات لكنه لم ينهك ابدا وبقي صلب العود وأخذ صوته يشيع اكثر فأكثر .

لم يتزوج ناظم الغزالي الاّ مرة واحدة وتعلق بقلب المطربة سليمة مراد التي تكبره بأكثر من عقد ونيف من السنوات وهو يخطو في اول الثلاثينيات من عمره وبقي محافظا على عهد زواجه الذي استمر قرابة العشر سنوات بالرغم من التفاف الكثير من المعجبات حوله وتودّد الفنانات العربيات له وكانت عفّته واخلاصه لرفيقة عمره سليمة الباشا مثالا يحتذى سيما واننا نعرف ان الوسط الفني لايخلو من الميل والانجذاب وتبادل الحب بل وكثرة الفضائح بين الجنسين .

كان زواجهما في مطلع سنة / 1952 عصريا جدا اشبه بما نسميه اليوم المساكنة والمعايشة معاً بلا عقد رسمي موثق من محاكم الاحوال الشخصية تماما على طريقة مانسميه اليوم " البوي فريند " او " الكير فريند " الشائعة الان في الكثير من دول العالم وبالاخص المتحضرة منها فهو عبارة عن توافق وانسجام روحي وعيش مشترك دون قران رسمي مكتوب بشهادة الشهود مما نعرفه اليوم في مجتمعاتنا وهذه الحالة تعتبر سابقة جديدة غير مألوفة في مجتمعاتنا وقتذاك .

وقصة زواج الغزالي معروفة لدى العراقيين حيث التقيا في حفل باحد البيوتات البغدادية صدفة وتبادلا نظرات الاعجاب وازداد ميلهما لبعض بعد ان أدّيا وصلتهما الغنائية فولدت قصة الحب غير المتكافئ عمرا في العام / 1953 لكنه كان خير كفءٍ للعريس الذي ارتضى بهذه الفنانة القديرة ذات الصيت الذائع ونهلَ الكثير من تجاربها الفنية في غناء المقام العراقي وأصوله ونظمه الفني ليزيد من ثرائه الغنائي ثراءً آخر .

اما ما يشاع من ان هذه الفنانة قد دبّرت مكيدة قتله وانها السبب في انهاء حياته وهو في بداية العقد الرابع من عمره فلا تعدو كونها ضربا من الهراء والكذب وهو الذي كانت ترى فيه زوجا وحبيبا وأنيساً وهي تتقدم في العمر وليس لها سواه ظلا ظليلا لها حتى انفصم ظهرها وهزل عودها وبقيت أسيرة الوحدة بعد موته وعزلت نفسها عن المجتمع الفني تماما واستقرت في بيتها مانعةً ايّ فرد من الاسرة الصحفية من الاقتراب منها او اجراء مقابلة معها واتذكر اني وقتها  بذلت مافي وسعي لاقناعها بمقابلتي والحديث معي بعد وساطات شتى ولكن ذهبت كل مساعيي في الدنوّ منها ادراج الرياح ولم تقابل احدا من الصحفيين حتى ماتت وحدها كمدا وحزنا على رفيق حياتها ببيتها اوائل السبعينات من القرن الماضي .

قد لايدري البعض من القراء ان الغزالي امتهن التمثيل قبل الغناء في بداية حياته الفنية وكان بارعا في تقمص اية شخصية بما في ذلك الشخصيات المركبة والمزدوجة والتجريدية والغريبة الاطوار وقد رأى فيه حقي الشبلي مستقبلا باهرا وضمّه الى فرقته الشهيرة " الزبانية " التي كان معظم منتسبيها من فناني اليسار العراقي لكن الرياح جرت وفق ما تشتهي قلوب واسماع المتلقين حينما طالبوه بوصلات غنائية كلما اعتلى خشبة المسرح وظل يغني إكراما لمحبيه وتنفيذا لمطالبهم .

كما برع ناظم في الكتابة الصحفية وظل ينشر مقالاته التي وصفت وقتذاك بانه من الماهرين في اجادة الصياغة الكتابية وفق منظور اللغة الثالثة او ما تسمى الان باللغة البيضاء باعتبارها مزيجا من الفصيح تتخلله البساطة والاسترسال الواضح بحيث يسهل على القراء بمختلف مستوياتهم فهم واستيعاب مايقرأون، ومن يراجع  ما كتبه الغزالي في صحيفة (النديم) تحت عنوان اشهر المغنين العرب يدرك مدى تفوقه ووضوح اسلوبه وخزين ثقافته الفنية وهو يستعرض حياة وميزات المطربين والموسيقيين الذين برزوا في العراق بدءا بزوغ القرن العشرين حتى بداية الستينات من القرن الماضي حيث كانت اول مقالة فنية تاريخية ينشرها الغزالي في الصحيفة المذكورة  سنة / 1952 وتلتها مقالات فنية اخرى طوال عقد من السنوات ولم توقفه مشاغله الفنية وكثرة الحفلات التي كان يشارك فيها وسفراته العديدة الى مختلف الاقطار من الاستمرار في الكتابة والتواصل مع الصحافة التي كان يعتبرها تترافق مع مسيرته الغنائية، بل سعى الى تجميع كل ماكتب في النديم ليضمها في مؤلف شهير سماه طبقات العازفين والموسيقيين كان ينوي طبعه قبيل وفاته .

ذلك هو ناظم الغزالي مطربا صاعدا ونجما متألقا في عالم الغناء الطربي وأديبا مقاليا من الطراز الرفيع ومؤرخا للفن السماعي غناء وعزفا وممثلا يلفت الانظار، مات وحيدا ببيته صبيحة يوم خريفي من تشرين الاول عام / 1963 بعد رحلة فنية مضنية الى اوروبا حيث حطّ رحاله في لبنان فترة وجيزة ثم التوجه بسيارته الى بغداد إذ استقر اول وصوله لبيته متعبا بعد سفرة اوروبية ناجحة لكنها جدّ متعبة  وشاء الموت ان يأخذه منا ومن رفيقة عمره وهو مازال غضّا في اول الاربعينات من عمره حيث مضى رائق الاصوات الى العالم الاخر وكأن الصدوح العذب ليس له عمر مثل عمر الانذال واللئام والسطحيين ممن يسمون أنفسهم فنانين الذين ملأوا ساحاتنا الفنية أعمالا هابطة رثّة فاقدة للمتعة والجمال والفائدة المرجوّة .

 

جواد غلوم

 

abdulhusan shaaban2حين تكون قريباً من إنسان ما يصعب عليك رؤية جميع مزاياه، قد تحتاج إلى أن تبعد عنه أحياناً، لترى ما كنت قائلاً عنه، حتى لأن ما هو اعتيادي وربّما يتبين بنظرك يصبح فريداً ومتميّزاً.

ما إن افترقنا وتغيّرت الأماكن في نهاية السبعينات، هو في براغ وأنا في بغداد، بدأت أشعر بفرادة الرجل وقيمته، إبداعياً وإعلامياً وشخصياً، وكنت أتهيأ لزيارته في مدينة القباب الذهبية " براغ" العام 1981 على أمل أن يجتمع شملنا مجدداً  جاءني الخبر صاعقاً: لقد رحل أبو كَاطع في حادث سير مؤسف. هكذا وبكل بساطة، غاب مثل شهاب... قلت مع نفسي لعلّه فعلها هذه المرّة واختفى وكأنه يمارس لعبته التي ظلّت ملازمة له طيلة عقد من الزمان، يختفي ويظهر، ثم يختفي، لكنه هذه المرّة قرّر الرحيل  وكدتُ أن أطلق صرخة غوته  على لسان فاوست لأردّد: قف أيها الزمن ما أجملك، لكن الزمن مضى سريعاً دون أن يلتفت، فقد كان متربصاً، مخادعاً ماكراً ولعيناً مثل الموت.

وكما يقول الشريف الرضي:

ما أخطأتك النائبات            إذا أصابت من تحبّ

أو كما قال الجواهري:

يظلّ المرء مهما أدركته      يد الأيام طوع يد المصيب

وقد كتب لي السيد حسين الصدر في إحدى المرّات معزّياً بقوله :

سيف المنايا مرهف الحدّ  يردي ولا تقوى على الردّ

أعود لفرادة أبو كاطع ومغايرته:

" إنه فك رموز الحرف بفضل والدته التي كانت تعرف قراءة القرآن، واستطاع أن يعلّم نفسه بنفسه، فلم تسنح له ظروف الحياة للدراسة النظامية والأكاديمية". وهكذا كان عصامياً بامتياز واعتمد على قراءاته الذاتية.

* أصبح لذلك الفتى الفلّاحي - القروي المنشأ، علاقة بعالم الحرف وعقد صداقات عديدة بينه وبين القلم، لم يفرّقه عنها سوى الموت اللئيم.

* جمع بين العمل الإذاعي والصحافي والروائي. فقد كان برنامجه الشهير " احجيه بصراحة يبو كاطع " من إذاعة بغداد 1959 وما بعده، جامعاً، مثلما كان عموده في صحيفة " طريق الشعب" التي كان القرّاء، يقرؤونها بالمقلوب، أي من عمود أبو كاطع بالصفحة الأخيرة، ليقيسون بها درجة حرارة الجو السياسي.

* وكانت  رباعيته " الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس حميّد  مدخلاً جديداً وساخراً في فن القص، وفي الوقت نفسه في تدوين جزء مهم من تاريخ الدولة العراقية في الريف.

* كانت الرواية قبل أبو كَاطع، هي رواية المدينة، حتى وإن تناولت الريف، لأنها ستتحدث عن رؤية المدينة الريف. أما بعد أبو كَاطع فقد كان الريف حاضراً. وإذا كان غائب طعمه فرمان  وفؤاد التكريتي ومحمد خضير وعبد الرحمن مجيد الربيعي وقبلهم عبد الملك نوري وذو النون أيوب وغيرهم روائيو المدينة، فإن أبو كَاطع كان روائي الريف بكل تناقضاته، ناقلاً حديث الدواوين والمضايف والمجالس، ليحصل منه مادة للرواية والأقصوصة والحكاية والعمود الصحافي، أي حياة الفلاحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق المحرّم والحب واللوعة والظلم والقسوة، إضافة إلى العادات والتقاليد الاجتماعية، مسلّطاً الضوء على الريف والخداع والاستغلال.

* اتهم من محكمة الثورة بالمتاجرة بالسلاح، وكانت تلك التهمة تعني أغلظ العقوبات، وحسب تندّراته كانت عقوبتها " أقلن .. أقلن الإعدام".

* كان أبو كاطع رؤيوياً- حسب غوركي عن أحد ثوريّ عصره " إن نصف عقله يعيش في المستقبل " والتاريخ لا يرويه المؤرخون فحسب، بل الفنانون هم من يقومون بذلك.

* كان ساخراً وسخريته حزينة - ووجد في السخرية وسيلة يستثمر فيها ما اختزن في ذاكرته من حياة الريف أو ما استحضره من خيال وما كان يحلم به من رؤى. وقد نقل حياة الريف من داخل الريف وليس عنه إلى المدينة . لم يكن طارئاً أو متطفّلاً على الريف، بل كان من صلبه ولم يكن متفرّجاً.

* في كتابه الأيام قدّم طه حسين الشاب الريفي القادم من قرية المينا، المتشبّع بالثقافة الأزهرية كنقيض للحضارة الغربية التي تخيفه. أما الطيّب صالح ففي روايته " موسم الهجرة إلى الشمال" جسّد علاقة الريفي بالمدنية الأوروبية، حين وضعه بين سيقان فتاة شقراء، مضيفاً تناقضاً وازدواجية جديدة على أصوله الفلاحية ذات المسحة السوداء وحاضره الانكليزي.

* رواية أبو كاطع كسرت احتكار الرواية لصالح الريف على حساب المدينة، حين رسم صورة ضاحكة جديدة لابن المدينة وأوهامه وأكاذيبه وألاعيبه.

* اعتمد أبو كَاطع الاسلوب المباشر والخطاب ذو التوجه الآيديولوجي، خصوصاً في رباعيته : الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس حميّد، لكن مثل هذا التوجه خفّ في روايته "قضية الحمزة خلف" وقصة "موت الكلبة مرزوكة"، وحكاية "الضبع الأكبر" التي نشرتها لأول مرّة، وقد يكون تأثر بـ جورج أرويل وروايته " مزرعة الحيوان" .

* استخدم أبو كَاطع اللهجة الشعبية أو المحكية بأسلوب باذخ دون أن يلتفت إلى ما قيل بشأنها من انتقاص للغة العربية أو الفصحى، لأنه كان يريد إحداث التأثير المطلوب . وكان يجدها أكثر تعبيراً، وإن حافظ على اللغة العربية، لكنه كان يلجأ إلى العامية لتطعيمها وحاول في حكاية " يوم القيامة أو يوم الحساب أو شيء قريب من هذا " أن يستخدم اللهجة السورية، لاسيّما حين يتمازح مع صديقه السوري عصام، فأكثرَ من كلمات " تقبرني" أو "العمى" أو "لكان" وهذه بمثابة لازمات يرددها بمتعة.

* ظل محلياً وصميمياً عراقياً إلى أبعد الحدود وهنا ندرك الأفق اللغوي، خصوصاً حين يسعى المبدع لتخطي حدود المكان إلى عالم أكثر شساعة.

* سخريته لم تكن للفكاهة فحسب، بل كانت سخرية جادة . وحسب كارل ماركس، فالموقف من السخرية يعني اتخاذ موقف جاد من الحياة، وهي سلاح من الوزن الثقيل لا يخشاه الحكام والمستبدون، بل البيروقراطيون، وقد استخدمها أبو كَاطع  بشكل راقي مصحوبة بحِكَم وأشعار وأمثال شعبية.

* لعلّ قلمه وشخصيته المملّحة " خلف الدواح - كعود الفرحان" كان مثل ريشة  ناجي العلي وشخصية" حنظلة" الأثيرة، وكان ناجي العلي قد استشهد في لندن العام 1987.

* حين تقول حنظلة فإنك تعني خلف الدواح، وعندما نستذكر أبو كاطع فأنت في ناجي العلي أيضاً، ولا يمكن تصوّر حنظلة دون فلسطين ، مثلما لا يمكن الحديث عن خلف الدواح دون الريف العراقي والعراق كلّه.

هي السخرية في الحالتين:

وجوه ومؤخرات

زهور وتوابيت

حمامات وبنادق

طاغون ومظلومون

هي السخرية المشتركة والهوّية المشتركة للظالمين والطغاة والفاسدين ، مثلما هي هوّية المضطهدين والمهمّشين والضحايا، وإن اختلفت الألوان والأشكال والاجتهادات.

لقد كان أبو كَاطع مدرسة حقيقية في فن النقد والتحريض والتعبئة، فيها الكثير من عناصر الجذب والإقناع والجد بقدر ما فيها من دعابة وسخرية وضحك.

ولا أدري إلى أي حد يمكن أن نستذكر الروائي تشارلز ديكنز صاحب رواية " قصة مدينتي" A take of two cities ، فقد امتاز هو الآخر بالدعابة البارعة والسخرية اللاذعة، وصوّر جانباً من حياة البؤساء والفقراء وحظي بشعبية لم ينلها مجايلوه.

 

عبد الحسين شعبان

نادي العلوية - بغداد 10/9/2017

 

 

1485 ahmadalwasهكذا عرفتهُ الترانيمُ، يبحرُ بأشرعةِ المعرفةِ في بحار التراث، فيمنحُ التأويلات فتنتَها، ويمنحَ النصَّ أفقاً جديداً، وعند انكسارِ التردّدِ يقيمُ صلاتَهُ على تخومِ المعنى، عرفتهُ الصلواتُ الخمسُ ولم يهجرها يوماً ليبرهنَ على أن الدينَ هو الإنسان، أنَّ المعرفةَ هي الإنسان، وأنَّ الوهمَ هو السقوطُ في فخِ الجهلِ، هكذا تهجّدَ بالحرفِ وهو يحرثُ بابتسامتهِ قلوبَ العارفينَ، ويضيءُ للمريدينَ طريقاً جيداً بين بين. لا شرقيٌّ حدَّ العمى، ولا غربيٌّ حدَّ التغربِ والاغتراب، يبذرُ في صباحاتِ الإنسانِ بسمتَهُ المضيئةَ ليضللَّ الكونَ بحكمتهِ التي تفضحُ هذي الخرائب التي تركت روحَ الإنسان نهباً للظلام. أسَّس قضاياهُ المعاصرةَ قبل ربعِ قرنٍ، وما يزال يراها نبتةً وليدةً، فيسقيها من ماء المعرفةِ ما يجعلها أن تكون رائدةً في مجال الفكر الإسلامي المعاصر.

مفتونٌ بالرحلةِ .. زوادتُهُ فكرُهُ الإنسانيّ، ومعرفتُهُ، يطيلُ انتظار النهاراتِ ليمنحها وجهَها الأنيق، يعلّقُ فوقَ جيدِ الأيامِ ناقوسَ البشارةِ، وكأنَّهُ عارفٌ بخبايا الإنسان، فيتبعهُ في الغربِ المريدونَ، ويحبُّهُ في الشرقِ الغريبونَ، يكتبُ بأناملهِ البيضاء على عباءة الليل أسماءَ النور، ليفيض الحبُّ بين البشر، يرتقي معراجَ التصوّفِ تارةً، والعرفانِ تارةً أخرى ليقطفَ لنا تفاحةً هي الدليلُ على النجاةِ بالدينِ والإنسانِ والحياةِ والوجود، وهو يدركُ أن الصعودَ صعبٌ بلا تضحياتٍ، هكذا كان الدكتور عبد الجبار الرفاعي في حياتهِ يؤثّثُ لإنسانِ الله في أرضِ المارقين، تائقاً إلى لهفةٍ تسوِّرها الأمنياتُ التي أعار لها حلُمُهُ أجنحةً لعلّها تنقذُ ما تبقى، أو تهرِّبُ ما يمكنُ تهريبهُ، لأنَّ الطريقَ الى الله محفوفةٌ بالجناة.

مُمْعِنٌ في جنونِ البداياتِ، يتأمَّلُ شِرْكَ الطبيعةِ، منذُ أنْ بَدَأ يدجِّنُ أحْلامَهُ حاصَرَتْهُ تخومُ المعرفَةِ، وأخذتْ خطاهُ المكتباتُ بعدَ أن هجرَ ضفافَ (الرفاعي). بدأ يدوّنُ ما يدوّنُ وهو يطوفُ بأحلامهِ الكبيرةِ هذا العالمِ، بحثاً عن معرفةٍ لا تتركُ الأراملَ يحدِّقْنَ في سلال الألم ويعصرهنَّ الشجنْ، لا يكرهُ أحداً غيرَ التعصبِ الذي شنَّ عليهِ حياتهُ، كرهَ الأيديولوجياتِ التي تشبهُ المقص الذي يفرِّقُ ولا يجمعُ .. فأعلنَ دينَ الحبَّ.

أبحرَ في مرافئِ الفلسفةِ قرابةَ نصفَ قَرْنٍ من الزمنِ وفتَّشَ في قضاياها، ولم يشأ أن ينزلَ مرساتَهُ إلى الآن، ولم يبحْ حتى لظلهِ بمخاطر الرحلةِ والطريق، عوَّد نفسهُ أن يكونَ مثلَ شجرةٍ تعوَّدَت الثمرَ كما تعوّدَت الحجرَ في الوقتِ نفسهِ. إنهُ واحدٌ متعدّدٌ، يتكاثرُ مثلَ صدىً في كاتدرائيةٍ في جبلِ المعرفةِ. لا يهدأ في مكانٍ ولا يستوعبُهُ شكلُ الحياة، يرى في دينِ اللهِ طاقةً محبوسةً يتوجبُ إطلاقُها من أسْرِها، لذا لا يؤمنُ إلّا بدينِ الإنسانِ، وهو ذلك الدين الذي تُستردّ به حريةُ الإنسان. ولا يتركُ شيئاً على هيئتهِ، حيثُ يفضحُ النقائضَ في النصِّ، ويعرِّي الحقائقَ وهو يشتغلُ على الكتابةِ، كمَنْ يبني جسَدَهُ وروحهُ بالكلمات، ويضعُ أمامَهُ خرائط َ الطريق، وعندما يبدأ الكتابةَ ينسى ذلك كلَّهُ ويصوغُ شيئاً لا يتصلُ بالخرائطِ ولا بالطريقِ، ذاهباً إلى النصِّ مثل عارفٍ كبيرٍ في أرض مجهولة. تنتابهُ فوبيا من عيونِ الآلاتِ التي تحدّقُ بهِ، والتي لم تزلْ عالقةً في ذاكرتهِ مثل حلمٍ قديم. سرقناهُ في غفلةٍ من نفسهِ، ومن الكتابةِ، ومن الوقتِ أيضاً، لنتحدث معه في الحب والإيمان والدين والدنيا.

 

أحمد جليل الويس

 

 

moamar baktawi2تقديم: ظل المسرح المغربي -ولفترة طويلة- يعيش على المسرح المشرقي، يقدمه كما هو، أو يعرضه مقتبسا، أو على الطريقة الغربية، يتصرف فيها بكل حرية قصد تقريبها من الجمهور. وهذا الأمر جعل بعض الباحثين المغاربة يؤكدون أن تطور المسرح المغربي لم يعتمد على التراث الفلكلوري، الذي يمتاز بقيمه الخاصة، ممّا جعله في مراحله الأولى محاكيا للمسرح المصري، محصورا في المسرح الأرسطي في صورته الكوميديا الفرنسية وممثلها (موليير).

ولم يكن المسرح هو الرافد الثقافي الوحيد الذي أعجب به المغاربة وتأثروا به. فالتعاون الثقافي والأدبي والتعليمي بين المشرق والمغرب منذ ما قبل زيارات الفرق المسرحية، قد عمل على تمتين الجسور الثقافية بين الضفتين، وهو ما هيأّ المناخ لاستنبات المسرح العربي في التربة المغربية. وقد تم ذلك التعاون في مجال التعليم والتكوين "من المدرسة الابتدائية إلى الجامعات، وفي المدارس الحرة والمعاهد الأصلية. وكانت الأشرطة والمنشورات المختلفة، والأغنية والفرق المسرحية الآتية من مصر تجد إقبالا كبيرا عليها بالمغرب".(1).

 وقد ساعد على ذلك بلوغ النهضة الشرقية في الثلاثينات طور النضج والإنتاج، ولاسيما في مصر التي كان تأثيرها واضحا في المجالات العلمية، والأدبية، والفنية.. عن طريق الكتب، والمجلات، والصحف التي كانت تصل إلى المغرب، وتتلقفها الأيدي بشغف كبير. وقد اعتبر الأستاذ عبد الله كنون تلك النهضة بمثابة "مدرسة تخرج فيها الجيل الأول من رجال العلم والأدب والوطنية الصحيحة، الذين بثوا أفكارهم في النشئ الجديد، ومهدوا السبيل للنهضة المغربية العتيدة، فكانوا صلة الوصل بين الماضي الغابر والحاضر الزاهر."(2).

كان من مظاهر ذلك التلاقح، ازدهار الحركة الشعرية منذ نهاية ثلاثينات القرن الماضي، واكتساب الشعراء المغاربة مفاهيم جديدة حول الأدب، والعملية الشعرية. وانتقل الشعر من حالة الجمود إلى حالة التعبير الفني المحلق في آفاق أرحب، من حيث الصور الشعرية واللغة الفنية. وقد تغيرت كثير من المفاهيم في أذهان الأدباء والشعراء، بسبب التصور الجديد للشعر وللثقافة الأدبية، نتيجة الاطلاع على الإبداع المشرقي الجديد نثرا وشعرا، ولاسيما على مدرسة الإحياء، وبعض المدارس الشعرية الجديدة، ك(الديوان) و(أبولو)، ثم اطلاعهم على المقالات الأدبية، والنقدية والمسرح الشعري. ويمكن إرجاع هذه الحركية الشعرية في الأربعينات إلى العوامل الآتية:

* بلوغ الوعي في تلك المرحلة إلى مستوى متقدم، مما ساعده على الكشف عن أبعاد جديدة. 

*  استمرار احتكاك المغرب بالمشرق على نحو أشد.

* مواصلة نشر الدراسات الأدبية والنقدية، في صور أكثر فهما لبعض القضايا الأدبية والفنية والشعرية.

* ظهور صحف ومجلات أخرى عززت الحركة الأدبية في مناحيها الجديدة، مما أدى إلى ظهور جيل جديد كان يكتب باستمرار في هذه الصحف والمجلات.

1- الحركة الوطنية  تتبنى المسرح

ومن هنا اعتبر المسرح وسيلة ناجعة في التوعية الاجتماعية والسياسية، وفي إيقاظ الحس الوطني والديني، والقومي. ويرى د. محمد الكغاط في التقارب بين ميلاد الحركة الوطنية، وميلاد المسرح المغربي.. تأكيدا "للفكرة التي تربط بين بداية تكون الفكر الديموقراطي وظهور المسرح" (3)

لقد عبّر المسرحون المغاربة منذ البدايات، عن رغبتهم في التحرر من القيود الاجتماعي والاقتصادية والسياسية التي كانت تكبلهم، فلجأوا إلى المسرح كمتنفس ومواجهة. والجدير بالملاحظة أن بعض زعماء الحركة الوطنية، ك(عبد الخالق الطريس) و(علال الفاسي) وغيرهما من الذين زاوجوا بين العمل السياسي والفكري الثقافي، قد استهواهم المسرح، ومارسوه، أو شجعوا على ممارسته كتابة وتمثيلا. وهذا ما أضفى عليه المزيد من الشرعية الوطنية والاجتماعية، وميز الكفاح السياسي الطويل الذي اقترن بالكفاح في الميدان الثقافي، الذي لم يكن يقل تأثيرا وفعالية عن الأول.

2 - محمد القري ضحية المسرح

من أهمّ الرواد الذين زاوجوا ما بين العمل السياسي والمسرحي: محمد القري الملقب ب(دفين الصحراء) الذي مات "في السجن تحت التعذيب الوحشي للفرنسيين"(4). وقد كانت موته يوم حداد وطني. وتبرهن قسوة وبشاعة ما تعرض له (القري)، على خوف الإدارة الاستعمارية من سلطة الكلمة في المسرح الذي وظف كسلاح للمقاومة والتوعية.

ويروي الرواد الذين عاصروا (محمد القري) أمثال الزغاري، وابن الشيخ، والمنيعي.. أنه كان يوقع بعض مسرحياته باسم (عبد الواحد الشاوي) -وهو اسم مستعار- تلافيا لملاحقة السلطة الاستعمارية ورقابتها. يقول عنه محمد أديب السلاوي: "كان من أبرز المؤلفين المسرحيين.. وكان في نفس الوقت أحد القادة البارزين للحركة الوطنية المغربية، وأحد مؤسسيها النافدين، إذ لعبت مسرحياته دورا حاسما في تعزيز جانب الثقافة الوطنية.."(5) ومن الطبيعي أن تتأثر مسرحيات (القري) بالخطاب السياسي الوطني والثقافي، الذي كان يشكل أحد المقومات الأساسية لفكر الحركة لوطنية المغربية. وهذا ما وسَم مسرحيات تلك المرحلة بسمة الواقعية النضالية والإصلاحية.

لقد ساهم (محمد القري) وغيره من الرواد في نشر الوعي المسرحي، وتشجيع شباب المدارس والمعاهد الأصيلة على تكوين الفرق المسرحية، ولممارسة التمثيل بصفته فنّا قائم الذات من جهة، ولخدمة القضية الوطنية من جهة ثانية.

وهذا كلّه عمل على تطوير الثقافة المغربية الوطنية إبان الحماية. وقد ساهم فيها (القري) برصيد مسرحي مهم، توزع مابين الترجمة والإبداع، ذلك بأنه "لم يكن منفصلا عن النضال الجماهيري. ومن ثمة جاءت الميزة الأساسية لانطلاقته في الثلاثينات من هذا القرن."(6) ويرجع له الفضل في تأسيس أول جمعية ثقافية مغربية بفاس. وكان من بين أهم أهدافها: مدّ الجسور بين الثقافة المحلية والثقافة العربية، والتعرف إلى الثقافة والفكر الغربيين، للاستفادة من معطياتهما للحاق بركب التقدم، التي سارت فيه الدول الغربية  القوية.

ولا شك أن الظروف السياسية والفكرية والاجتماعية، التي سبقت ظهور انطلاقة المسرح المغربي في العقدين الأولين من القرن العشرين، كان لها أثر كبير في توجه المسرح مستقبلا، نحو معالجة القضايا المصيرية للمغرب: كالاستقلال، والإصلاح الاجتماعي، ومحاربة البدع والتقاليد السلبية، والجهل والتوعية السياسية.. ولعل الحرب التي خاضتها قبائل الريف في الشمال، والقبائل الصحراوية في الجنوب ضدّ الاستعمار الإسباني، كان لها أثر قويّ في توجّه (محمد القري) المسرحي نحو دعم نضالات الشعب المغربي، والمساهمة في الحياة الثقافية بفن جديد ذي إمكانيات فعالة، في المرحلة الحرجة التي كان يمرّ بها المغرب.

وإذا ما استعرضنا عناوين المسرحيات التي قدمها (محمد القري) مثل (شهيد الصحراء) و(المنصور الذهبي) و(المثري العظيم)، سنجد أنها تؤشر على نضج  الوعي الوطني والقومي لديه. وقد عبر عنهما باستلهام التاريخ المغربي والعربي الإسلامي وعلى الوعي الاجتماعي. ونلمس ذلك أكثر في مسرحياته الاجتماعية، مثل (اليتيم المهمل) و(أدب العلم) و(الأوصياء) و(الانتقام)، التي كانت كلها تعبر عن رؤية نقدية  إصلاحية  للمجتمع.(7)

استنتاج

نستنتج مما تقدم في هذا المقال، أن المسرح في المغرب بدأ بداية توعوية نضالية. فمباشرة بعد ما تعرفه المغاربة، احتضنوه واستخدموه وسيلة أدبيةّ، وفنية ملائمة للمرحلة التاريخية والسياسية للبلاد. وهكذا التزم رواد المسرح بالقضايا التي كانت تؤرق بال الشعب المغربي، وبثوه الفكر الوطني المناضل، والمعاني  والمشاعر القومية والإسلامية، التي تصّب في إطار الكفاح من أجل الاستقلال والتوعية. وبذلك تميزّ هذا المسرح منذ عشرينات القرن الماضي بالتحامه بالحركة الوطنية.

 

معمر بختاوي 

.........................

المراجع والمصادر

1- د.عزيز الحسين: شعر الطليعة في المغرب، منشورات عويدات، بيروت، باريز، ط 1، 1987،ص 52.

2- عبد الله كنون: أحاديث عن الأدب المغربي الحديث، دار الثقافة، البيضاء، ط 3، ص40.

3-د. محمد الكغاط: بنية التأليف المسرحي بالمغرب، من البداية إلى الثمانينات، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط 1، 1986، ص44.

4- عبد الرحمن بن زيدان: المقاومة في المسرح المغربي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء ، ط 1، 1985، ص 37.

5- محمد أديب السلاوي: المسرح المغربي، البداية والامتداد، دار وليلي للطباعة والنشر، مراكش، ط 1، ص37.

6- المسرح المغربي، البداية والامتداد، مرجع سابق، ص 38.

7- يرى محمد أديب السلاوي أن معظم نصوص محمد القري لم تصلنا. المرجع السابق، ص 41 .  

 

 

ghanem alanazعهد سعيد مضى: لقد مضى اكثر من ستين عاما عندما كنت واقفا في عام 1956مع صديقي الدكتور فاضل علي القاضلي في شارع The Mall (المال) الشهير في لندن، الذي يؤدي الى قصر الملكة، بين جموع اللندنيين لاستقبال موكب الملك فيصل الثاني وهو جالس بجانب الملكة اليزابيث الثانية ملكة بريطانيا في عربتها التي تجرها الخيول المطهمة في طريقهما الى قصر بكنكهام الشهير. فقد كان الملك فيصل في سن العشرين وكانت الملكة الشابة اليزابيث في الثلاثين من عمرها وكانت الصفوف مرصوصة من قبل المرحبين بالتصفيق والهتافات للملكة وضيفها الملك.

لقاء الأمير عبد الإله

لقد كان عهدا زاهيا يحترم فيه المواطن حيث لم تنس السفارة العراقية في لندن ان تقوم بارسال بطاقات الدعوة لطلاب البعثات في بريطانيا لحضور حفلة الشاي التي اعدت للامير عبد الاله خال الملك والوصي سابقا على عرش العراق.

ذهبت الى تلك الحفلة وانا في سن التاسعة عشر في شيء من الحذر والترقب عن كيف سأتصرف بحضور الوصي على عرش العراق.؟ حيث انني حتى ذلك الوقت، لم اكن قد رأيت ملكا ولا وزيرا ولا حتى محافظا، لاستقبل بحفاوة من قبل احد موظفي التشريفات في السفارة العراقية لاجد نفسي بين مجموعة من الطلاب من امثالي في قاعة الاستقبال. فقد وقفنا في عدة حلقات من الطلبة نشرب العصائر وكان الوصي في حديث مع احدى تلك الحلقات. ولم يمض الا قليل من الوقت حتى اتى الوصي الى مجموعتنا فيا لها من لحظات ممزوجة بالفرح والشعور بالفخر مع شيء من الرهبه.

لقد قدم الرجل الينا ليصافح كل واحد منا ويسأل عن اسمه وجامعته ودراسته وغير ذلك ليهدئ من روعنا. لقد كان الرجل كريما رحيما لتتبدد الاجواء الرسمية بسرعة ليدور الحوار معه في جو هادئ في سؤال وجواب وحتى بفكاهة من الفكاهات.

 فيا لها من ذكرى جميلة اعيشها الآن وانا اشاهد هذا الفيديو.

https://www.facebook.com/muhannad.alsheikhly/videos/10212327977047499/?fref=mentions

عهد رذيل أتى

كما لا يسعني الآن ايضا الا مقارنة ذلك العهد الذي يتنازل فيه الوصي الى مستوى الطلبة للسؤال عن احوالهم ودراستهم بطريقة ابوية سمحة هيّنة تنم عن الاهتمام بهم والخوف عليهم في بلاد الغربة بعيدا عن اهلهم.

حيث لم يكن في ذلك الزمان ما نراه اليوم من وسائل الاتصالات من تلفونات وحاسبات وغير ذلك التي تمكن طلبة البعثات من التواصل مع اهلهم يوميا ان ارادوا ذلك. فلقد أمضى معظم الطلاب في ذلك الزمان طوال سنين دراستهم البالغة خمس سنوات دون مكالمة اهلهم وانا واحد منهم.  

 أقول لا يسعني الآن الا مقارنة ذلك العهد والعهود التي تلت ذلك خصوصا في وقتنا الحاضر الذي اصبح فيه الحكام يعيشون خائفين خلف جدران اسمنتية في منطقتهم الخضراء لا يبرحونها الا محاطين بالعربات المسلحة لا بل المدرعة ضد الاسلحة والقنابل والتفجرات.

فيا ترى لماذا ذلك؟

هل لانهم خدموا شعبهم الذي اوصلهم الى مراكز السلطة ليستقبلوا بالهتاف والترحاب بدلا من القنابل والمتفجرات والمظاهرات؟

أم هل لانهم قاوموا الغزاة دفاعا عن الوطن ؟ ام لانهم مهدوا السبيل للغزاة ليدمروا البلاد ويفتكوا بارواح العباد لينشروا شريعة الغاب ومبادئ الخيانة والغدر بمواطنيهم واهلهم.؟

أم هل انهم حافظوا على ارواح مواطنيهم وسلامة ممتلكاتهم ليطلبوا بالمقابل ان يسلموا على ارواحهم وممتلكاتهم؟

أم هل هم حافظوا على اموال الشعب وثروة البلاد من السرقات والاختلاسات؟ أم انهم خانوا الامانة ونهبوا المال العام بدل ذلك ليعيش المواطنون اصحاب الثروة الحقيقيون على الفتات؟

 أم انهم نشروا العدل والأمان بين الناس وحموهم من القنابل والمتفجرات الاخرى التي تزرع في الاسواق والمناطق المزدحمة التي تفتك بالمواطنين الابرياء من رجال ونساء واطفال ومن جميع الملل والاديان.؟ هذا ان لم يكن للبعض منهم يدا في تلك الجرائم.؟

فيا ترى الى متى سيصبر المواطنون على حكم جائر غاشم غادر وظالم.؟

ويا ترى متى سيستفيق هؤلاء الحكام من غفلتهم هذه؟ نرجو ان يكون ذلك قريبا.

والله الموفق

 

 بقلم : غـانـم الـعـنّـاز