جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (34)

الجدل حول حقيقة شخصية الشاب اليهودي المصلح يسوع الناصري، جدل قديم يمتد الى قرابة الألفين عاما، ولازال !

فمنذ منتصف القرن الميلادي الأول، ومع بروز جماعة بشرية اعتقدت بامتلاك يسوع الناصري خصائص الهية، ومن ثم بدأ الاعتقاد يتطور تدريجيا حتى بلغ ذروته في اعتبار هذا الشاب اليهودي هو الإله الخالق بصفته اقنوما من اقانيمه الثلاثة !

منذ ذلك الحين، نشأ الجدل حول اثبات او نفي هذا الاعتقاد بين الجماعة الايمانية الجديدة (المسيحيون) من جهة، وبين الجماعات اليهودية التي كانت لا ترى في شخص يسوع الناصري سوى أنه مدع ٍٍٍٍ كاذب للمسيحانية وقد لقي جزاءه !

وبنفس الوقت كان هذا الجدل محتدم ايضا بين أقسام الجماعة المسيحية ذاتها، بين الذين اعتقدوا بالوهية يسوع وبين بقية الفرق المسيحية التي لم تكن تعتقد بالوهيته ،مثل المسيحيين الابيونيين ، ولازال هذا الجدل بين الفرق المسيحية قائما الى يوم الناس هذا، كما هول الحال مع فرقة المسيحيين (الموحدين الإنجيليين) ونقاشاتها حول نفي الألوهية لشخص المسيح.

ورغم اتفاق الجميع، على أنه لا يوجد أي قول صريح ليسوع الناصري، يعلن فيه بشكل واضح ومباشر انه ( الله) ولا يوجد كذلك اي تصريح او تعليم صريح له يطلب فيه من الناس او من خاصته وتلاميذه، ان يتوجهوا إليه بالعبادة ، ومع ذلك فإن للمسيحيين القائلين بألوهيته، مجموعة من الادلة والبراهين ،التي يعتقدون انها كافية وواضحة ، لإثبات الالوهية له

مما يجعل الكرة في مرمى مليارات البشر، فإما ان تقتنع بهذه الأدلة وتعتقد بالوهية يسوع ،وتقبل به الها مخلصا، فتنال بذلك الحياة الابدية المنعمة، والا فان مصير من لايقتنع بذلك، الخلود في بحيرة النار والكبريت، وان كان صالحا او طيبا!

يستند المسيحيون المعتقدون بالوهية المسيح الى العديد من الادلة والاثباتات، ويقدمونها كبراهين قاطعة على صحة اعتقادهم، وهذه الادلة تختلف بطبيعتها، فمنها مثلا ،ما يستند إلى الأعمال الاعجازية المنسوبة للمسيح، ومنها ايضا ما يستند الى تحقق نبؤات العهد القديم في شخص المسيح، وهناك ادلة تعتمد على تأويل تصرفات او عبارات للمسيح او تلاميذه، من قبيل سجود بعضهم له، وغيرها من الادلة الاخرى.

لكن يبقى القسم الاهم والاقوى من بين براهين وادلة الوهية يسوع المسيح،هي تلك التي يقدمها المسيحيون على اساس انها اقوال وعبارات قالها يسوع بحق نفسه، وفيها اشارة واضحة على خصائصه الالهية، من قبيل :

(انا والاب واحد)

(الذي رَآني فقد رأَى الآبَ)

وغيرهما من الأقوال التي سنتطرق اليها في ما يلي من هذا المقال، والذي ليس مخصصا للمناقشة التفصيلية لادلة الوهية يسوع الناصري ، ولا تفنيدها، فقد تم رد بعضها في مقالات سابقة، وانما موضوع المقال هو حول ظاهرة ترتيب الادلة وتطورها ضمن السياق الزمني الذي نشأت فيه النصوص المسيحية المقدسة.

وهنا نحتاج الى التذكير مجددا الى ان العهد الجديد لم تُكتب كل اقسامه في زمن واحد، وانما تم كتابتها في ازمنة متلاحقة، واماكن مختلفة ، وعلى ايدي اشخاص مختلفين.

فاقدم اقسام العهد الجديد، هي الرسائل المنسوبة الى شاول الطرسوسي( بولس الرسول)، ويأتي بعدها في الترتيب الزمني الانجيل المنسوب الى ( مرقس) الذي يحتمل انه كتب بعد رحيل يسوع في فترة 30 الى 40 عام

وبعد ذلك يأتي في ترتيب الاقدمية الزمنية انجيلي ( متى ولوقا) ومن بعدهما يأتي آخر الأناجيل وهو الانجيل المنسوب الى

(يوحنا) والذي يعتقد انه تمت كتابته في نهاية القرن الميلادي الاول تقريبا، اي حوالي 70 عاما بعد المسيح، ويمتاز أنه كتب بلغة يونانية راقية ، وتضمن أفكارا فلسفية كانت شائعة في ارجاء الامبراطورية الرومانية وقتذاك.

وبالعودة الى العبارات والأقوال المنسوبة ليسوع الناصري، والتي يعتمدها الاخوة المسيحيون، كأدلة نصية على ألوهيته

فبالاضافة الى القولين المتقدمين، هناك اقوال عديدة اخرى منسوبة ليسوع ،قد يستشف منها، ايضا، انها تصريح يدل على امتلاك هذا الشاب اليهودي لخصائص إلهية ،تميزه عن بقية البشر ، مثل

(قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ) يوحنا 58/8

(وليس أحَدٌ صَعِدَ إلَى السماءِ إلا الذي نَزَلَ مِنَ السماءِ، ابنُ الإنسانِ الذي هو في السماءِ) يوحنا 13/3

(لانه كما ان الاب له حياة في ذاته كذلك اعطى الابن ايضا ان تكون له حياة في ذاته) يوحنا 26/5

(انا هو الطريق والحق والحياة ليس احد ياتي الى الاب الا بي) يوحنا 6/14

(اني انا في الاب والاب في) يوحنا 10/14

وهناك نصوص أخرى شبيهة ، وسأكتفي بما أوردت مراعاة للاختصار، وسنفترض ان تلك النصوص المنسوبة ليسوع الناصري قد قالها كما هي بالضبط ، بلغته الآرامية التي كان يتحدث بها، وسنفترض ان ترجمتها من الارامية الى اليونانية كانت دقيقة جدا، وكذلك الترجمة من اليونانية القديمة الى اللغات المعاصرة، ومع افتراض دقة الترجمة، سنفترض ايضا، ان المراد من كلام يسوع المسيح هو متطابق تماما مع التفسير المسيحي لها، وان يسوع كان يصرح بحقيقة ألوهيته !

ومع افتراض صحة نسبة هذه العبارات ، وان يسوع الناصري قد قالها بشكل علني وكررها، وسمعها الناس او على الاقل تلاميذه وأتباعه ومريديه، ستواجهنا مشكلة خطيرة وجديرة بالبحث والتدقيق ، وهذه المشكلة هي ، اننا لا نرى اي ذكر لهذه العبارات والأقوال المهمة في جميع النصوص المسيحية المقدسة السابقة في زمن تدوينها على انجيل (يوحنا) والذي هو آخر الاناجيل، وقد تم تدوينه بعد فترة لا تقل عن سبعين عاما؟!!

وهنا يبرز سؤال مهم جدا، وهو، هل يعقل ان يهمل المدونون المتقدمون على زمن كتابة إنجيل (يوحنا) في الرسائل والأناجيل التي كتبوها، اقوال مهمة جدا قد قالها يسوع المسيح، وتتعلق بأهم ركن من أركان الإيمان المسيحي ،وعليه يتوقف الخلاص والنجاة لكل اجيال البشرية والى ان يرث الله الارض ومن عليها ؟!

ونحن هنا نتحدث عن عبارات وتصريحات من المفترض ان يسوع قد قالها بشكل علني، ولا نتحدث عن حادثة او جزء من قصة ،قد يكون التفت اليها احد كتبة الأناجيل، ولم يهتم بها كاتب اخر، ولسنا بصدد حكاية ينقل لنا كاتب للانجيل مقطع منها، وينقل لنا كاتب إنجيل آخر مقطع ثاني!!..وانما بصدد اقوال وتصريحات للمسيح يتوقف عليها اصل الايمان وجوهره!

واذا اخذنا في الاعتبار ان غرض الاشخاص الذين كتبوا اجزاء العهد الجديد، من رسائل واناجيل، كان يتمحور حول هدف رئيسي مهم جدا، وهو تعريف الناس بشخصية المسيح وحقيقتها، وتثبيت كل ما يدعم الإيمان الجديد ويبرهن على صحته وان هذا الإيمان - حسب الادعاء المسيحي - قائم على الاعتراف بالوهية المسيح وقبول تضحيته من اجل البشرية، فكيف والحال هذه، نفهم ان الذين كتبوا الجزء الاعظم من العهد الجديد، لم يذكروا او يثبتوا في مدوناتهم، اهم واعظم، الحقائق التي قالها الاله المخلص الفادي، بشكل علني، ليعلن للناس عن حقيقته السماوية!!!

ولا نجد اي تفسير عقلائي يبرر اهمال هذه الاقوال الخطيرة، والمحورية في تأصيل المعتقد المسيحي ، في اقسام العهد الجديد المتقدمة زمنيا، وظهورها بشكل مفاجئ ومكثف في آخر الأناجيل!!

وخصوصا انه لا يمكن الادعاء ان الأشخاص الذين كتبوا الرسائل والأناجيل السابقة ، كانوا يعلمون انه في المستقبل( بعد حوالي خمسين عام) سيقوم شخص او اشخاص بكتابة انجيل رابع ، وسيذكر فيه أقوال المسيح حول طبيعته الالهية !!

ان التفسير الوحيد والمنطقي، لهذا الاضطراب هو ان السادة كتبة الرسائل والأناجيل السابقة لإنجيل (يوحنا) لم يسمعوا أصلا بهكذا أقوال منسوبة ليسوع المسيح، ولو ان تلك الأقوال التي تم اختراعها لاحقا ، وتم وضعها على لسان يسوع ، كانت معروفة وشائعة لما تردد كتبة الأناجيل المتقدمة زمنيا في تثبيتها في اناجيلهم ، كما فعلوا في قصة إطعام 5000 شخص والتي نجد ذكرها قد تكرر في جميع الأناجيل الاربعة، فهل يعقل ان كتبة الاناجيل يحرصون على ذكر حادثة اعجازية ليسوع ، ويهملون ايراد اهم واخطر الأقوال التي من المفروض ان يسوع قد صرح بها معلنا للبشرية ألوهيته ؟!!

من الثابت في دراسة التاريخ، ان الحقائق تتعرض بمرور الزمن الى التشويه والطمس، بينما الأساطير تتميز انها تكبر وتتضخم كلما ابتعدنا عن زمن الحدث، وهذا بالضبط، ما حدث مع شخصية الشاب اليهودي يسوع الناصري، حيث أخذت شخصيته تكتسب الطابع الأسطوري، والذي من أهم خصائصه في تلك الحقبة الزمنية، اضفاء صفات وطبيعة سماوية إلهية على الشخصية، ولا بأس من وضع نصوص او عبارات على لسان الشخصية لغرض تثبيت تلك الطبيعة الالهية، ومن اجل ان يتم سد الثغرات وردم كل الفجوات في القصة والتي من الممكن ان يستفيد منها الاطراف الاخرى التي كانت ترى ان يسوع الناصري مجرد إنسان مثل بقية البشر، قام الاشخاص الذين كتبوا انجيل (يوحنا) بلغة يونانية وبعقلية متأثرة بالثقافة اليونانية المتشبعة بالأفكار الوثنية وتأليه البشر او تأنيس الالهة، قاموا بأختراع النصوص التي اوردناها وما يشبهها ، وثبتوها في سرديتهم النصية، والتي أصبحت مع مرور الزمن كتابا مقدسا !!!

 

د. جعفر الحكيم

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (33)

انفرد إنجيل (متى) من بين بقية أقسام العهد الجديد، بإيراد قصة هروب العائلة المقدسة (مريم وزوجها يوسف وابنهما يسوع) الى مصر، هربا من بطش الحاكم (هيرودس) الذي امر بقتل جميع الصبيان في بيت لحم، وحفاظا على حياة الطفل يسوع، وقد أفرد هذا الإنجيل كل الاصحاح الثاني، لسرد تفاصيل تلك القصة.

يعتبر إنجيل (متى) أحد الأناجيل القانونية الأربعة المعترف بها من قبل الكنيسة المسيحية، ويرجح الباحثون المتخصصون زمن كتابته الى فترة 60-65 ميلادية والبعض الآخر يرجح انه كتب في الفترة 80-100 ميلادية، أي أنه تمت كتابته في فترة لا تقل عن ثلاثين عاما بعد رحيل يسوع الناصري على اقرب الاحتمالات.

ويرجح المتخصصون في بحوث العهد الجديد، ان إنجيل (متى) تمت كتابته باللغة العبرية، حيث انه كان موجها الى الشعب اليهودي، على العكس من الأناجيل الثلاثة الاخرى والتي كانت كتابتها باللغة اليونانية، اما بخصوص الشخص او الاشخاص الذين كتبوا هذا الانجيل، فالحال مثل بقية الأناجيل، حيث ظل الكاتب مجهولا، فيما تم لاحقا في أواخر القرن الثاني الميلادي نسبة الأناجيل الى اسماء الاشخاص الذين اصبحت تحمل اسمائهم تحت عنوان :

الإنجيل بحسب (مرقص، متى، لوقا، يوحنا) !

امتاز إنجيل (متى) عن بقية الأناجيل، بمحاولة كاتبه (المجهول) والذي كان يجيد اللغة العبرية (لغة اليهود) بمحاولاته اللافتة والمتكررة في ربط مسيرة حياة يسوع الناصري بنبؤات العهد القديم (الكتاب المقدس لدى اليهود)

وقد مارس من اجل ذلك اساليب مثيرة وجريئة مثل الاجتزاء وتحريف المعنى، بل وصل به الأمر الى اختلاق نبؤات لا وجود لها في نصوص العهد القديم!!...كما أوضحنا ذلك في مقالات سابقة حين تم التطرق الى نبؤات (العذراء) ونبؤات الناصري وكذلك نبؤة (من مصر دعوت ابني).... ولن أعيد تكرار شرح هذا الموضوع مراعاة للاختصار.

ان قصة الرحلة المزعومة للسيدة مريم وزوجها يوسف النجار وابنهما الطفل الرضيع يسوع الى مصر، من ناحية الوثوقية التاريخية، لا تعدو كونها قصة مختلقة، مستندة على خبر متناقض وقائم على كذبة تاريخية مفضوحة، على الرغم من انه قد تم، لاحقا، إعطاء قصة هذه الرحلة المزعومة عنوانا فخما، بإيحاء قداسوي مؤثر (رحلة العائلة المقدسة!)

ويبدو ان المؤسسين الاوائل للديانة المسيحية، قد استشعروا الحرج من غياب المصداقية التاريخية لهذه القصة، فحاولوا ابتكار ادلة وبراهين تضفي على القصة لبوس الوثاقة التاريخية، وإخراجها على انها حقيقة تاريخية ذات مصداقية!

فكان الحل، باختراع أسلوب فذلكي مخادع، يستند الى (حلم) رآه السيد (ثينوفيلس) البابا الثالث والعشرين من بطاركة كنيسة الاسكندرية (376-403 م) حيث روى هذا الشخص عن نفسه أنه بعد صلاة طويلة وتضرع للرب جاءته العذراء في المنام وقصت عليه أنباء رحلتها بالتفصيل وطلبت منه أن يسجل رؤيته لها !!

فكان ان كتب هذا البابا وثيقة (ميمر) التي وثقت مسار وتفاصيل الرحلة استنادا على (الحلم) وبعد 300 عام من حدوثها !!

وبعيدا عن (حلم) السيد (ثينوفيلس) وسرده لمسار ومحطات الرحلة، والتي أصبحت مشروعا سياحيا دينيا، تتربح منه الدول!

وبالرجوع الى نصوص إنجيل (متى) سيكتشف القارئ، وبسهولة، ان هذه الرحلة المزعومة، استندت على كذبة تاريخية سمجة ومفضوحة، حيث ان الكاتب المجهول للانجيل ادعى ان سبب هروب العائلة الى مصر هو اصدار الحاكم (هيرودس)

امرا بقتل جميع الصبيان في مدينة (بيت لحم) من عمر سنتين فما دون، وهذا الادعاء الخطير، لا اصل له، ولم يتم ايراد اي ذكر له في اي مصدر تاريخي، ولا وجود له في السجلات الرومانية المحفوظة والتي وثقت كل الأحداث والأوامر السياسية في الامبراطورية.

والامر الاخر، والاهم، هو ان القصة التي أوردها كاتب انجيل (متى) تتناقض مع سرديات إنجيل (لوقا)!!

فعند قراءة قصة ميلاد يسوع الناصري، في الإنجيليين، ومقارنتهما مع بعضهما، سيكتشف القارئ، ان انجيل (لوقا) يرسم مسارا مختلفا لمسير العائلة، حيث نجدها بعد ولادة الطفل يسوع في بيت لحم، قد ذهبت الى اورشليم ومن ثم توجهت مباشرة الى مدينة الناصرة، وهذا التناقض بالقصة في إنجيلي (متى ولوقا) يستوجب ان تكون عائلة يسوع موجودة في منطقتين مختلفتين ومتباعدتين في الوقت نفسه!!...وقد فصلت الحديث عن هذا التناقض في الحلقة 25 من هذه السلسلة .

وقبل الشروع في ذكر الأسباب التي دعت كاتب إنجيل (متى) إلى اختلاق قصة الرحلة إلى مصر، اجد من الضروري الاشارة الى حقيقة مهمة ومركزية في هذا البحث، وهي ان كاتب هذا الإنجيل، وكذلك بقية كتبة الاناجيل الاخرى، لم يكونوا مؤرخين تاريخيين، ولم يكتبوا نصوصهم لغرض التوثيق التاريخي او ارخنة الاحداث، وانما كانوا أشخاص مؤمنين بعقيدة مستحدثة يحاولون من خلال كتاباتهم إثبات صحة هذه العقيدة لغرض اعطائها صفة المصداقية والقداسة، الأمر الذي يؤدي الى تأكيد صوابية الاعتقاد الجديد، ويسهل عملية جذب واستقطاب اكبر عدد ممكن من الناس الى ذلك المعتقد.

من هنا، نتفهم المحاولات الحثيثة لكاتب إنجيل (متى) والذي كان موجها إلى اليهود ومكتوبا بلغتهم، في ربط الأحداث بنبؤات العهد القديم، من اجل ان يثبت لليهود ان يسوع المسيح، هو الشخص الذي كانت تلك النبؤات تبشر بقدومه، وقد استخدم هذا الكاتب كل الاساليب الملتوية - كما اسلفنا سابقا- من اجل انجاح محاولاته، والتي تهدف بالنهاية الى اقناع اليهود، بما يعتقده الكاتب عن يسوع، بدلا من الاعتقاد السائد لدى السواد الأعظم منهم بأن يسوع الناصري، ما هو الا مدعي آخر للمسيحانية، وقد انكشف زيف ادعائه وكذب دعوته، من خلال نتيجة مصيره البائس والذي انتهى بتعليقه على خشبة اللعنة !

لقد كان اختلاق قصة هروب عائلة يسوع الى مصر، احدى تلك المحاولات التي ابتكرها كاتب الإنجيل، والغرض منها هو ربط أحداث القصة بنصوص وردت في العهد القديم، من اجل اعادة صياغتها وإخراجها بمظهر النبؤة المتحققة في يسوع!

لذلك نجد الكاتب، وبعد ان اختلق كذبة أوامر (هيرودس) بقتل أطفال (بيت لحم) يربط الموضوع بنص من سفر (ارميا)، لا علاقة له بيسوع ولا بولادته، وانما يصف احداث تاريخية سابقة

(صوت سمع في الرامة نوح وبكاء وعويل كثير راحيل تبكي على اولادها ولا تريد ان تتعزى لانهم ليسوا بموجودين)

ونفس الأسلوب المخادع، يكرره كاتب الإنجيل عندما حاول ربط عودة عائلة يسوع من مصر، بنص قام ببتره، واجتزاء قسم منه، لكي يصوره كنبوة تحققت في يسوع!!!

(و كان هناك الى وفاة هيرودس لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني) متى 2/15

بينما النص الأصلي في سفر (يهوشع) يتحدث عن اسرائيل، وليس عن يسوع ولا اي شخص اخر !!

(لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي) سفر يهوشع 11/1

ان القارئ لإنجيل (متى) بتمعن، سيلاحظ طريقة تميز بها كاتب هذا الإنجيل، وكررها بشكل مكثف ومتقصد، وهذه الطريقة تتوضح من خلال أسلوب الكاتب الذي يحاول جاهدا، ان يصنع تطابق واحيانا تشابه بين قصة النبي موسى وقصة يسوع!

وكأنه يريد الايحاء لليهود، الذين توجه بكتابه اليهم، ان شخصية يسوع هي بمثابة موسى الجديد، نظرا لما لشخصية النبي موسى من مكانة مقدسة جدا في الوجدان اليهودي، ومن خلال هذا الربط بين الشخصيتين، أراد الكاتب اقناع اليهود ان يسوع الناصري، ليس مسيحا كاذبا، وإنما هو النبي (الشبيه بموسى) والذي بشر به في سفر التثنية 18 !

من هنا تتضح لنا الاسباب التي دفعت كاتب الإنجيل إلى اختلاق قصة الهروب الى مصر، ليصنع تشابهات اختلقها، تربط بين شخصية موسى وشخصية يسوع….حيث يكون يسوع ناجيا من مجزرة ذبح الأطفال كما نجى موسى !

وكذلك يكون يسوع في مصر، حيث كان موسى، ولم يكتف الكاتب بذلك، وانما نجده يجتهد في اختلاق وفبركة تشابهات اخرى عديدة، مثل ذهاب يسوع الى البرية (الصحراء) وصيامه أربعين يوما، كما صام موسى أيضا، وفي الاصحاح السابع عشر، يخبرنا الكاتب ان يسوع صعد الى جبل (كما صعد موسى للجبل) وهناك حصل حادث التجلي، وحصل ايضا لقاء يسوع بالنبي موسى وإيليا !!

لقد كانت الغاية من اختلاق قصة رحلة العائلة المقدسة، وكذلك فبركة الاحداث الاخرى التي ذكرناها، هي لغرض استدراج اليهود إلى العقيدة الجديدة، واقناعهم ان يسوع الناصري هو النبي الذي بشر به موسى في سفر التثنية

(أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتك مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به) تثنية 18/18

ومن أجل ذلك، حرص الكاتب على فبركة تشابهات مختلقة بين الشخصيتين، ليقنع اليهود أن هذه النبوءة تنطبق على يسوع الناصري، رغم ان النبوءة تتحدث بشكل واضح وصريح على أن ذلك النبي سيكون من اخوة قوم موسى (بني اسرائيل) والذين هم ابناء اسماعيل وكذلك أبناء عيسو (اخوة اسحق) وبقية ابناء ابراهيم، ولا تتحدث عن شخص من أبناء يعقوب (إسرائيل) كما هو الحال مع موسى وقومه اليهود، ولا مع يسوع الناصري والذي هو يهودي ايضا .

 

د.جعفر الحكيم

عدنان عويد(إذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزل على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن انزلهم على حكمك، فإنك لا تدري تصيب حكم الله فيهم أم لا. ).

من وصية النبي محمد (ص) إلى بريدة.

الحاكمية كمفهوم :

هي رؤية سياسية، يعتقد دعاتها بأن العقيدة الإسلامي هي المصدر الوحيد للتشريع أو الحكم بين الناس، القادر على إعادة إصلاح هذه الأمة بعد أن فسد أمرها، وأن كل الأفكار والمبادئ والنظريات الوضعية، هي مجرد رؤى جاهلية لا يقر بها الإسلام كنص مقدس، وتشريع اقره الله.

أول مرة طُرحت فيها الحاكمية في التاريخ العربي الإسلامي كان في معركة صفين التي تمرد فيها معاوية على الشرعية، الأمر الذي جعل بعض من كان يقاتل في تلك المعركة أن يرفع المصاحف على أسنة الرماح مطالباً المتقاتلين بضرورة الاحتكام إلى كتاب الله لحل الخلاف بين علي ومعاوية كما هو معروف تاريخياً، يومها قال لهم علي بن أبي طالب رداً على رفع المصاحف : (إن القرآن حمال أوجه)، ومع ذلك أصروا على التحكيم، ولكن بعد التحكيم خرج بعض من كان مع علي يُعيبون عليه قبوله هذا التحكيم ويعتبرونه مرتكباً للكبيرة، كونه قد تنازل عن حقه الشرعي في الخلافة بعد التحكيم وخالف الشرع، في حينها، ارتفعت بعض الأصوات التي تقول برفض التحكيم كلياً، واعتباره مخالفة لشرع الله، وبالتالي فالحل الوحيد لتجاوز الأزمة هو (حاكميه الله). حينها قال لهم علي ابن أبي طالب " (إن الحاكمية كلمة حق يراد بها باطل.. فوالله هذه الأمة لا بد لها من حاكم يسوسها فاجر كان أم مؤمن.).

منذ ذلك التاريخ تشكل تيار إسلامي ذو طابع سياسي سمي بالخوارج، وهو التيار الذي أصل الجذر التاريخي للتطرف الإسلامي الذي راح يفسر النص الديني وفقاً لهواه، ويحاسب الناس على ما يراه أهل الحل والعقد في هذا التيار من حرام وحلال. أو ما سموه بصحيح الإسلام. ومن عباءة الخوارج هؤلاء خرجت كل التيارات الإسلامية المتطرفة التي عرفها التاريخ الإسلامي، منذ ذاك التاريخ حتى اليوم.

الحاكمية أمام مبضع النقد

الحاكمية مفهوم ملتبس في دلالاته المعرفية والعملية، إلا أنها في سياقها العام تقول : (لا حكم على الناس إلا حكم لله)، وكل حكم يقول به الناس غير الحكم التي جاء به (القرآن) هو كفر وخروج عن الدين وتجاوز لحقوق الله.

أما قضية الالتباس في مفهوم الحاكمية فقد جاءت لاعتبارات تتعلق بطبيعة النص الديني نفسه، وبخاصة في الآيات المتشابهات وموقف الإنسان نفسه من هذا النص الديني، ودور مصالحه في تفسيره أو تأويله، أو حتى وضع بعض النصوص الدينية (الحديث) تمريراً أو تثبيتاً لهذه المصالح الدنيوية. وإذا ما نظرنا إلى تلك المواقف الإنسانية تجاه النص الديني المقدس لوجدناها قد شكلت عوامل الالتباس في مفهوم الحاكمية وتطبيقها عملياً على أرض الواقع، وبالتالي نستطيع الإشارة إلى أهمها هنا وهي:

أولاً: في حجة الوداع نزلت الآية القرآنية (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (المائدة – 3)

ففي تفسير هذه الآية اختلف الكثير من رجال الدين وفقهائه حول دلالات هذه الآية، هل هذه الآية تقول بأن الإسلام قد اكتمل بما يدعو إليه من إيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخرة، ومن تأكيد للأخلاق الحميدة التي بشر بها الرسول وفقاً لتعاليم الإسلام التي يريدها الله لعباده، وهي أخلاق أو قيم العدل والمساواة والمحبة والتسامح وغير ذلك؟. أم أن الآية تقول بأن الإسلام كدين قد اكتمل وفقاً لهذه الآية كدين ودولة معاً؟. وهذا رأي طلاب السلطة في تاريخ الدول الإسلامية منذ صفين حتى اليوم. وخير من عبر عن هذا الموقف من الدين بعد سقوط الخلافة الإسلامية عام 1924 على يد كمال أتاتورك، هي تلك الأصوات التي ارتفعت في مصر تطالب بعودة الخلافة كما فعل رشد رضا وبعض رجال التيار السلفي الأزهري. وهناك من وقف ضد هذه الرغبة كما هو الحال مع الشيخ الأزهري علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) الذي قال بأن الإسلام لم يتضمن مفهوم الدولة في متن نصوصه المقدسة، الأمر الذي كلفه رأيه هذا الكثير من المعاناة، حيث حُورب ، وفُصل من عمله. كما طرحه أيضاً (الإخوان المسلمون) كتنظيم سياسي، حيث جاء واضحاً في كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب، وكذلك تيار القاعدة بكل فصائله، وهو ما تمثله اليوم دولة الخلافة المعلن قيامها في سورية والعراق من قبل داعش والنصرة وكثير من الفصائل الإسلامية الجهادية في سورية أو غيرها.

ثانياً: إن مسألة الصراع على السلطة فتح في المجال واسعاً أمام شهوة طلابها كما أشرنا أعلاه، في الاشتغال على تفسير النص المقدس وتأويله ووضع الأحاديث التي تُرضي مصالحهم منذ بداية طرحها في تاريخ الدولة الإسلامية. وهذا ما أدخل الدين ذاته (العقيدة) وليس الحاكمية فحسب، في إشكالات معرفية كثيرة منها إشكالية القضاء والقدر ما بين الجبرية والقدرية، وإشكالية مرتكب الكبيرة كافر هو أم مذنب، حيث قرر الخوارج كفره، وقال المعتزلة بأنه بين منزلتين، بينما المرجئة فقد ردوا أمر تحديد ذنبه في العقاب إلى يوم الحساب. كما ظهرت إشكالية الافتراء على الدين نفسه، عندما تحولت الخلافة إلى ملك عضوض مع معاوية، وراح من بعده الخلفاء الأمويون والعباسيون يفترون على الله نفسه، عندما قالوا بان الله هو من اختارهم خلفاء له في قيادة هذه الأمة، وراحوا يفسرون الدين ومن ساعدهم من فقهاء ذاك الزمان بما يخدم مصالحهم، وليقيموا محاكم التفتيش، يكفرون من خلالها من يختلف معهم ويمنحون صكوك الغفران لمن يؤيد حكمهم. هذا إضافة إلى من قال ببطلان هذه الخلافة الأموية والعباسية كلها وهي خروج عن النص الديني الذي قال إن الخلافة أو الإمامة قررت بالوصية كما تقول شيعة علي ، أو بالإجماع والاختيار كما قال الخوارج. دون أن نغفل هنا ذاك الخلاف أيضاً بين من قال بأن الخلافة يجب ان تحصر بالبيت القرشي، وبين من قال هي حق لكل مسلم يمتلك صفات الوصول إليها حتى ولو كان عبداً حبشي.

ثالثاً: بعد ثلاثة قرون من الصراع على السلطة ومسألة الحاكمية، وما تركه هذا الصراع من اختلافات لم ترحم المسلمين يوماً، لا من الناحية الفكرية ولا العملية، حيث كفر الكثير وزندقوا لآرائهم الفكرية أو الدينية، كما قتل الكثير وصلب، وقطعت الرؤوس والأوصال، وسالت الدماء وهدمت البيوت وشرد أهلها، ومع وصولنا إلى نهاية القرن الثالث للهجرة مع الركن الربع من أركان الفكر السلفي (أحمد بن حنبل)، الذي أوقف ومن جاء بعده من تلاميذه الاجتهاد، وحُدد صحيح الإسلام بمراجعه الأصلية وهي : (القرآن والحديث والقياس وإجماع أهل المدينة أو أهل الحل والعقد في تلك القرون الثلاثة). ومع إيقاف الاجتهاد أوقف دور العقل وحرية الإرادة، كما أوقفت حركة التاريخ نحو الإمام، وأصبحت حركة تراجعية، نقطة نهايتها هو القرن الثالث للهجرة. وبالتالي أصبح كل جديد بدعه وكل بدعه ضلالة.. وبذلك حددت نهاية التاريخ في مسألة الدين والدنيا معاً. وأصبحت الحاكمية محكومة حتى هذا التاريخ بما قال به أنس بن مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وابن حنبل، وأخيراً من دون الحديث في القرن الثالث للهجرة كالبخاري ومسلم وإبن ماجه وأبو داوود وغيرهم ممن اشتغل على جمع الحديث أو رويه، ممن انطبقت عليه شروط الجرح والتعديل في مسألة الثقة في أخلاقه وانتمائه للبيت السلفي. كأبي حسن الأشعري، وأبي حامد الغزالي، وابن تيمية، وابن قيم الجوزية والشاطبي والقطني وغيرهم الكثير من فقها الخلافة الإسلامية، وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب والباز ومحمد سعيد مضان البوطي وغيرهم الكثير من رجال الدين السلفيين ومشايخه في تاريخينا المعاصر، الذي أنتج كل من يرفض الأخر ويكفره ويقول بالفرقة الناجية، كما أنتج كل تلك الفصائل الجهادية التي اتخذت من (القرآن والسيف)، أداتين أساسيتين لبناء خلافة الإسلام التي بشر بها الرسول محمد (ص). وفي مقدمة من راح يبشر في هذه الخلافة في تاريخنا المعاصر كما اشرنا اعلاه، (الإخوان المسلمون) وكل الفصائل التي تفرعت أو انشقت عنه ومنها القاعدة وتياراتها كداعش والنصرة وغيرهما.

رابعاً: من القضايا الإشكالية التي أثرت على مسألة الحاكمية هي قضية من هو المؤمن؟. هل المؤمن هو من آمن بقلبه ولسانه فقط؟، أم هو من آمن بقلبه ولسانه وجوارحه؟. أي هو من ربط في إيمانه بين قلبه وعقله وعمله؟. لقد تحولت هذه المسألة إلى حالات صراع طويل في تاريخ الدولة الإسلامية لم يزل قائماً بين رجال الدين ومشايخه... صراع بين من يرفض استخدام العنف ضد المختلف، ويعتبر الإسلام دين رحمة ومحبة وتسامح، وبين من يقول بأن هذا الدين هو الدين الحق، وهو خاتم الديانات، وكل من لا يخضع لعقيدته وتعاليمه فهو كافر ويجب أن يقام عليه الحد كما فعلت داعش في سورية والعراق. وهذا يدفعنا أن ننتقل إلى قضية إشكالية أخرى وهي:

خامساً: اعتبار بعض رجال الدين السلفيين المتطرفين أن الإسلام فقط هو الدين الإسلامي الذي بشر به محمد (ص)، وما عداه دين كفر، حيث راحوا يفسرون هذه الآيات القرآنية التالية وفقاً لفهمهم ومصالحهم هم.(إن الدين عند الله الإسلام). (آل عمران – 19. (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). (آل عمران- 85). وهم باقتصارهم الإسلام على الدين الإسلامي (المحمدي) فقط، قد تجاهلوا تلك الآيات التي تقرر أن المسلم هو كل من أسلم أمره لله وآمن بكتبه ورسله واليوم الآخرة ، وهذا ما تقرره الآيات التالية بصريح الدلالة: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. ). (النمل – 29-30-31). ( ووصى ابراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وانتم مسلمون.). (البقرة – 132 ). وكذلك قوله تعالى في سورة يوسف: (توفني مسلماً والحقني بالصالحين). (يوسف – 101 ). (فلما أحسّ عيسى منهم الكفر قال مَنْ أنصاري إلى الله ؟. قال الحواريون نحن انصار الله آمنا به وأشهد بأنا مسلمون.).(آل عمران – 52). وأخيرا لم تكن هذه الآية الكريمة التي جاءت مع حجة الوداع إلا تأكيداً على أن أتباع محمد ليسوا إلا مسلمين كغيرهم ممن أسلموا لله : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لك الإسلام دينا.).(المائدة – 3 ).

إن قول الله عز وجل (ورضيت لكم الإسلام دينا)، تشير دلالتها إلى أن الإسلام دين قد طُرح قبل الرسالة المحمدية، وقد جاء الرسول ليبشر به من جديد.

سادساً: وهنا تكمن إشكالية الحاكمية الأكثر خطورة على الدين والمجتمع معاً، وهي قضية تحديد الناسخ والمنسوخ بين الآيات المكيات والمدنيات من جهة، وبين قضية اختيار الآيات التي على أساسها تتم عملية تفسير النص المقدس الذي سيأخذ به وبالتالي تطبيقه على الواقع من جهة ثانية. ففي الوقت الذي نجد فيه الآيات المكيات تدعو إلى المحبة والتسامح وأن الرسول ليس إلا مبشراً، وليس له سيطرة على أحد، وتحديد من هو المؤمن ومن هو الكافر. نجد في المقابل الآيات المدنيات التي تدعوا إلى الجهاد، والقتل والصلب والتشفي بقتل العدو (الكافر). ودعاة الحاكمية أمام اشكالية هذه الآيات المكية والمدنية، راحوا يقولون بأن هذه الآيات المدنيات قد نسخت الكثير من الآيات المكيات، حيث يقول بعض دعاة الحاكمية بأن (الآية الخامسة من سورة (التوبة.) مثلاً وهي القائلة :( (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم)، قد نسخت أكثر من (500) آية محكمة من الآيات السابقة عليها التي تدعوا المؤمنين إلى الصبر، والاكتفاء بدعوى الفكر، وعدم الابتداء بالقتال، وترك الناس وشؤونهم العقدية، ورفض الإكراه على الدين.

من هنا نرى كيف مورست الحاكمية اليوم من قبل داعش في سورية والعراق، عبر محاسبة الناس وفقاً لتفسير أو تأويل النص الديني المقدس من قبل أهل الحل والعقد عندهم، ثم كيف حددت صفات الكافر أو المذنب، الذي مُورست بحقه عقوبة القتل أو الصلب أو الجلد. وهي أحكام لم تراع لا الحرية في التعبير، ولا الاختلاف في الرأي، ولا الشورى أو الديمقراطية أو كل ما يمت إلى الإسلام بصلة سوى صلة مصالح أهل الحل والعقد من دعاة هذه الحاكمية وفهمهم في تفسير النص المقدس الذي كلفوا أنفسهم هم وحدهم تفسيره وتطبيقه على العباد.

هكذا نرى أن الإسلام ليس خاصاً بالإسلام الذي بشر به محمد (ص) فحسب، بل هو دين الله لعباده الصالحين ... لكل عباده دون استثناء، وهذا ما يجعلنا نقف أمام تلك التصرفات اللاإسلامية التي مورست سابقاً وتمارس اليوم بإسم الإسلام وحاكمية بعض دعاته على أهل الكتاب من إخوتنا المسيحيين والأزيديين وغيرهم من الأقليات الدينية في خلافة داعش الموهومة .

من كل هذه المعطيات التي جئنا عليها كإشكاليات في فهم وتطبيق الحاكمية، يتبدى لنا أن (القرآن والحديث والقياس والإجماع) هي المرجعية الوحيدة لدعاة هذه الحاكمية كما يقول التيار السلفي كله في تياراته الثلاثة الدعوي والمدخلي والجهادي. وأن أهل الحل والعقد هم ممن يطالب بتطبيق هذه الحاكمية عملياً، وهم وحدهم الذين يحق لهم تفسير هذا النص وتأويله وتطبيقه على حياة الناس وفقاً للمرحلة التاريخية التي عاشها الجيل الأول من الصحابة أو حتى القرن الثالث للهجرة كما يقول ما يقول الإخوان وتنظيم القاعدة والتيار السلفي بعمومه. وبالتالي هذا يفرض إقصاء كل فكر وضعي يضعه الإنسان كونه فكر جاهلية يخالف النص المقدس، وهذا يقوم عليه محاربة الديمقراطية والعلمانية والليبرالية وما تتضمنه من تعددية ورأي ورأي آخر كون كل ذلك يمثل عالم الجاهلية والكفر.

إن المشكلة هنا إذاً، هي ترك أهل الحل والعقد الممثلين لهذه الحاكمية من يتحكم برقاب الناس ومصيرهم وفقاً لفهمهم (كبشر) لهذا النص الديني الذي لم يراعوا فيه إشكالية الآيات المتشابهات. وهذا يعني أن الحاكمية لم تعد لله، وإنما لمجموعة من رجال الدين الذين فوضوا أنفسهم حكم البشر بإسم الله، وراحوا يفرضون على الناس قناعاتهم وفهمهم للنص المقدس وفقاً لمصالحهم وشهوة السلطة لديهم، تحت ذريعة أن ما يحكمون به هو حكم الله الذي لا راد لحكمه المطلق، وهو الحكم ذاته الذي أعطاهم الحق في فرض الجزية على أهل الكتاب اليوم بعد أن أصبح للمسيحي ما للمسلم من حقوق وواجبات فرضها تطور الواقع وحقوق الإنسان والمواطنة، ثم اعتبارا لاختلاف في الرأي والسلوكية معهم كفراً وزندقة، وبالتالي لابد من ممارسة العقاب الذي يقررونه هم وفقاً لدرجة الذنب الذي ارتكبه، والذي يصل إلى درجات الجلد أو الصلب أو القتل أو قطع الرأس وتقطيع الأوصال من خلاف.

إن ما يقوم به الفصائل الجهادية وفي مقدمتها داعش اليوم من ممارسات ضد من هم تحت سلطة دولتهم الموهومه، هو التطبيق العملي لهذه الحاكمية من جهة، وأن من يقوم بتطبيق هذه الحاكمية ممن نعرف قيم بعضهم الأخلاقية والسلوكية السيئة، هم أهل الحل والعقد لها ثانياً.

ختاماً نقول: إن الحاكمية في رؤيتها وأدواتها وأهدافها، ليست أكثر من مواقف ارتجالية لشخصيات ركبت صهوة الدين وراحت تفسر النص المقدس وفقاً لمصالح خاصة بها، تحت ذريعة إقامة خلافة إسلامية موهومة بإسم الحاكمية لله، التي تريد تحقيق العدل والمساواة والمحبة، ونشر القيم الأخلاقية التي بشر بها الإسلام، للقضاء على عالم الجاهلية والكفر، عالم الفساد والظلم وعدم المساواة. إنها حاكمية قد حددت بداية التاريخ الإنساني ونهايته في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، وكل ما جاء بعدها بدعة وضلالة.. إنها حاكميه وضعت نهاية للتاريخ الإنساني. بيد أن ما نراه من سلوكيات وممارسات اخلاقية للكثير من دعاتها اليوم ينطبق عليه المثل الشعبي المصري الذي يقول : (أسمع كلامك يعجبني، أشوف عمايلك أستغرب.). أو قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ). الصف- 2 و3).

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

 

علي القاسميخلاصة: ترمي هذه الدراسة إلى إثبات أن ما يُعرَف بالنهضة العربية لم يكن مقتصراً على الشام ومصر، كما يروَّج في كتب التاريخ والكتب المدرسية؛ وإنما شمل جميع البلدان العربية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين، لتشابه ظروفها وأحوالها. فالنهضة حصلت في الجزائر كذلك، وكان من أبرز روادها الإمام عبد الحميد بن باديس، الذي لم يقتصر جهاده على استخدام الصحافة والجمعيات الوطنية وسائلَ لليقظة العربية كما فعل معظم رواد النهضة في الشام ومصر، بل أضاف إلى ذلك الوسيلة الأكثر نجوعاَ والأشد تأثيراً وهي التعليم الذي مارسه بنفسه ومن خلال المدارس التي أنشأتها جمعية علماء المسلمين في جميع أنحاء الجزائر، وبذلك بذر بذور الوطنية العربية الإسلامية التي أثمرت الحرية والاستقلال بالثورة الجزائرية المجيدة.

1 ـ تمهيد: لماذا العودة إلى موضوع النهضة العربية؟

قد يتساءل المرء: لماذا العودة اليوم إلى موضوع النهضة العربية التي وقعت في القرن التاسع عشر الميلادي ونحن اليوم في القرن الحادي والعشرين؟

الجواب ببساطة وصراحة: لأن أوضاع الأمة العربية الإسلامية اليوم أسوأ مما كانت عليه في العصر الذي استوجب يقظة عربية لتغييرها وإصلاحها وتحسينها.

كانت الأمة العربية آنذاك مقسمة إلى بلدان تحت حكم الإمبراطورية العثمانية أو البريطانية أو الفرنسية، ويهيمن الجهل على شعوبها التي ترزح تحت وطأة الفقر والمرض، وانتشرت فيها البدع والخرافات البعيدة عن روح الإسلام. وكانت لغتها العربية مهمشة مهملة.

وإذا نظرنا اليوم إلى تقرير التنمية البشرية الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنوياً ويرتب فيه الدول الأعضاء حسب تقدمها في مجالات الصحة والتعليم والدخل الفردي، نجد أن الدول العربية تقبع في آخر السلم (1)، في عداد الدول المتخلفة تماماً مثل الدول الأفريقية التي لا تمتلك لغة مشتركة، ومن أسباب تخلف الدول العربية اليوم أنها تستعمل لغة المستعمِر القديم، الإنكليزية أو الفرنسية، في التعليم العالي، والمؤسسات الاقتصادية والمالية، والإعلام، والحياة العامة. إضافة إلى قطاعات كبيرة من شعوبها تفهم الإسلام في ضوء التقاليد الطائفية البالية الموروثة من عصور الانحطاط، فتكثر فيها الحروب الأهلية، وتشن الحرب على بعضها ، مما يزيدها فقراً على فقر، وجهلاً على جهل، وتخلفاً على تخلّف.

وفي مثل هذه الأوضاع المزرية، أليس حرياً بنا أن ندعو إلى يقظة عربية جديدة، أو ندرس، على الأقل، النهضة العربية القديمة ونطَّلع على منهجيات روادها، والوسائل التي استخدموها في تحقيق يقظة العرب؟

لا بد لنا من إيجاد وعي تاريخي لدى العرب بطبيعة المرحلة الراهنة ومتطلباتها.

2 ـ النهضة العربية:

2.1. ماهية النهضة العربية:

تخبرنا كتب التاريخ الحديث، بما فيها الكتب المدرسية، أن النهضة العربية (التي تسمى كذلك باليقظة العربية أو اليقظة الفكرية أو حركة التنوير العربية) هي حركة فكرية حصلت في الشام ومصر خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، وقد أسهمت عوامل سياسية واجتماعية وثقافية في انبعاثها.

وفي طليعة هذه العوامل السياسية، الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798م، وضعف الدولة العثمانية، وسعي محمد علي باشا الذي تولى حكم مصر سنة 1805م إلى إنشاء دولة عربية مستقلة عن الدولة العثمانية. وأدت هذه العوامل إلى ظهور شعور وطني عربي.

أما العوامل الاجتماعية فأهمها بروز طبقة متوسطة شجعت الثقافة والتعليم. وتتلخص العوامل الثقافية بإنشاء المدارس، خاصة مدارس الإرساليات التبشيرية، ودخول المطابع، ونشر الصحف، وإرسال البعثات إلى أوربا، وحركة الترجمة من اللغات الأوربية، خاصة الفرنسية والإنكليزية، إلى العربية كما تجلت في ترجمات رفاعة الطهطاوي وسليمان البستاني وغيرهما، وإنشاء المكتبات العامة، وتشييد المسارح، كدار الأوبرا التي شُيدت في القاهرة بمناسبة افتتاح قناة السويس سنة 1869، والمسرح الذي أنشأه أبو خليل القباني (1833 ـ 1903) في دمشق.

وكان من نتائج هذه اليقظة الفكرية الدعوةُ إلى محاربة الجهل والشعوذة في المجتمع، والدعوة إلى تعليم المرأة، وصيانة اللغة العربية، وإحياء الهُوية العربية، ومقاومة الاستبداد في الحكم التي تجلت خاصة في مقالات عبد الرحمن الكواكبي (1271ـ1320ه/ 1855ـ 1902م) التي أصدرها فيما بعد في كتابه " طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" (1320ه/1902م) ودفع حياته ثمناً لذلك.

وتُبرِز الدراسات التاريخية التي تناولت النهضة العربية دورَ المفكرين والأدباء المسيحيين العرب، مثل بطرس البستاني (1819 ـ 1883م)، وإبراهيم اليازجي (1847 ـ 1906م)، وشبلي الشميل (1850 ـ 1917م)، وفرح أنطون (1874 ـ 1922م)، وجورجي زيدان (1861 ـ 1914م)، وغيرهم كثير في الشام. وقد هاجر بعضهم، هرباً من الاضطهاد العثماني إلى مصر التي كانت تتمتع بشيء من الاستقلال عن الحكومة العثمانية (2).

كما تذكر تلك الدراسات بالعرفان دور المفكرين المسلمين في هذه النهضة مثل رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873م) وجمال الدين الأفغاني (1838 ـ 1897م) ومحمد عبده (1849 ـ 1905) ورشيد رضا (1865 ـ 1936م) وقاسم أمين (1863 ـ 1908م) وغيرهم.

2.2. نقد الدراسات التاريخية حول النهضة العربية:

أثناء دراستنا لعدد كبير من الكتب والمقالات التي تتناول النهضة العربية، عنّت لنا ملاحظاتٌ، نورد أهمَّها فيما يأتي:

2.2.1. الفترة التاريخية للنهضة العربية:

تشير معظم الدراسات التاريخية إلى أن النهضة العربية وقعت في القرنين الثامن عشر الميلادي والتاسع عشر الميلادي. وفي مقدمة المؤرخين الذين يقولون بالقرن الثامن عشر الميلادي المؤرخ البريطاني من أصل لبناني الدكتور ألبرت حوراني (1915 ـ 1993م)، وضمّن رأيه في كتابه الشهير " الفكر العربي في عصر النهضة 1798 ـ1939"،(3) معتبراً أن الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798م هي بداية النهضة العربية، وقد درس الفكر العربي في تلك الفترة من خلال أعمال الطهطاوي، والأفغاني، وشبلي الشميل وفرح أنطون، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وطه حسين (1917 ـ1973م). والذين قالوا بأن النهضة حصلت في بداية القرن التاسع عشر اعتمدوا على تاريخ تولي محمد علي باشا (1769 ـ 1849) حكم مصر سنة 1805م (4).

بيدَ أننا لا نتفق مع الرأي القائل بأن النهضة العربية وقعت في القرن الثامن عشر ولا مع الرأي القائل بأنها وقعت في بداية القرن التاسع عشر، بل نرى أنها وقعت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي والنصف الأول من القرن العشرين (حتى الحرب العالمية الثانية 1939 ـ 1945)، وذلك لسببيْن هما:

أ‌) إن جميع رجالات النهضة الفكرية الذين ذكرتهم تلك الدراسات التاريخية، بمن فيهم أولئك الذين درس أعمالهم ألبرت حوراني، عاشوا أو نشروا أفكارهم خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وليس في القرن الثامن عشر أو النصف الأول من القرن التاسع عشر.

ب‌) إن واقعة تاريخية مثل الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798م أو تنصيب محمد علي باشا والياً على مصر سنة 1805م قد تثير مشاعر كثيرة لدى المصريين والمسلمين، ولكنها لا تشكل بحد ذاتها نهضة عربية. فردود الأفعال للوقائع الاجتماعية والسياسية، تأخذ وقتاً طويلاً قبل أن تتحول إلى حراك فكري.

2.2.2. الرقعة الجغرافية للنهضة العربية:

تكاد أغلبية الدراسات التاريخية تجمع على أن النهضة العربية والدعوات الإصلاحية وقعت خلال القرن التاسع عشر في الشام ومصر فقط، ولا تذكر بقية البلدان العربية. غير أننا ندرك أن البلدان العربية كانت في القرن التاسع عشر الميلادي في وضع واحد من التخلف والجهل والتبعية للأجنبي على اختلاف هويته، وأن لغتها العربية كانت مهملة مهمشة، وأن الشعوب العربية خضعت جميعها لظروف ثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية متشابهة أدت إلى دعوات إلى الإصلاح وإحداث نهضة عربية. وأهمل أولئك المؤرخون الدعوات الإصلاحية والحركة الفكرية التي حصلت في بقية البلدان العربية. ولقد تنبه صديقنا الدكتور عمار الطالبي إلى هذه الحقيقة فقال:

" ولم يعالج أحد من المسلمين في النصف الأول من القرن العشرين ـ فيما أعلم ـ مشكلة الفكر الإصلاحي في المغرب الأوسط إلا أستاذنا مالك بن نبي، فإنه تناول هذه النهضة الحديثة وحللها تحليلاً علميا نقدياً..." (5)

وفي دراسة سابقة لنا أثبتنا أن النهضة العربية لم تقتصر على الشام ومصر، بل وقعت كذلك في العراق في النصف الثاني للقرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بفضل دخول الطباعة وظهور الصحافة وبروز طبقة متوسطة شجعت إنشاء المدارس. وكان من مفكريها محمود شكري الآلوسي (1856 ـ 1924م) والأب أنستاس ماري الكرملي (1866 ـ 1947م)، وغيرهما (6).

واليوم نبين في هذه الدراسة أن النهضة العربية انبعثت كذلك في الفترة ذاتها في الجزائر، وأن الأمام عبد الحميد بن باديس هو من رواد النهضة العربية الشاملة.

2.2.3. النطاق الموضوعي للنهضة العربية:

إن الدراسات التاريخية التي تناولت النهضة العربية في المشرق العربي، عدّتها يقظة فكرية أو حركة تنويرية محضة ليست لها أهداف سياسية، وأغفلت الجانب السياسي لهذه النهضة، أو عالجته بصورة منفصلة عن النهضة العربية.

وفي حقيقة الأمر، اشتملت النهضة العربية على شق سياسي تمثّل في الجمعيات الوطنية، التي هي بمثابة الأحزاب السياسية في أيامنا هذه. وكان معظمها سري أو اتخذ صورة النوادي الأدبية أو الجمعيات العلمية، لتفادي قمع السلطات العثمانية. وكان هدفها المطالبة بالحكم الذاتي للأقاليم العربية واستعمال اللغة العربية لغة رسمية فيها، ثم ما لبثت أن دعت إلى استقلال الولايات العربية عن الإمبراطورية العثمانية. ومن هذه الجمعيات:

أـ الجمعية السورية (جمعية العلوم والفنون) في بيروت، 1847، وكان من أعضائها بطرس البستاني وناصيف اليازجي. وكانت تعمل على إحياء التراث العربي للتحسيس بهوية قومية عربية.

ب ـ الجمعية السرية في بيروت، 1875، وكان من أعضائها فارس النمر وإبراهيم اليازجي، وكانت تحرِّض العرب على المطالبة بحقوقهم.

ج ـ جمعية العربية الفتاة في باريس، 1909، وكانت لها فروع في الشام، وقد انضم إليها بعض أولاد شريف مكة الحسين بن علي المطالب باستقلال الأقاليم العربية عن الإمبراطورية العثمانية.

د ـ المنتدى الأدبي العربي في الأستانة، 1909، الذي صمّم علماً للقومية العربية من أربعة ألوان، استناداً إلى بيت للشاعر صفي الدين الحلي:

بيضٌ صنائعنا، سودٌ وقائعنا       خضرٌ مرابعنا، حمرٌ مواضينا

هـ ـ حزب اللامركزية العثمانية في القاهرة، 1912. (7)

وقد شارك جلُّ رواد اليقظة الفكرية، مثل ناصيف اليازجي، وابنه إبراهيم اليازجي، وبطرس البستاني، في تأسيس هذه الجمعيات الوطنية. كما أن هذه الجمعيات اتبعت نفس طرائق رواد النهضة الفكرية في إيقاظ الوعي العربي، مثل إحياء اللغة العربية وآدابها، وإحياء التراث العربي، والتركيز على التاريخ العربي الإسلامي؛ وهي طرائق مشابهة لتلك التي استخدمها المفكرون الألمان خلال القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين لتحقيق وحدة الولايات الألمانية في دولة واحدة. (يُلاحظ أن المفكر النهضوي المسيحي جورجي زيدان لم يؤلِّف ثلاثة كتب عن اللغة العربية هي: اللغة العربية كائن حي (بيروت 1898م)، الألفاظ العربية والفلسغة اللغوية (بيروت 1889م)، تاريخ آداب اللغة العربية (4 أجزاء، مصر 1911م) فحسب، بل كتب كذلك في التاريخ الإسلامي كتابه الشهير: " تاريخ التمدن الإسلامي" (مصر 1902) إضافة إلى 23 رواية تاريخية مستمدة من التاريخ العربي الإسلامي، وذلك لغرض إيقاظ الشعور القومي العربي بهُوية متفردة، بهدف استقلال الأمة العربية.

وعندما انعقد (المؤتمر العربي الأول) في باريس، سنة 1913، الذي شارك فيه مفكرون وسياسيون وبعض أعضاء تلك الجمعيات الوطنية، طالب باللغة العربية لغة رسمية بالأقاليم العربية، كما أًوضح المؤتمرون إدراكهم أن الإمبريالية الأوربية تشكِّل خطراً على الولايات العربية العثمانية، فقد احتلت بعض الدول الأوربية بالفعل عدداً من الأقطار العربية مثل مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب (8).

وخلاصة القول في هذه النقطة، أن النهضة العربية في الشام ومصر لم تكن يقظة فكرية أو حركة تنويرية فحسب، بل حركة سياسية كذلك تسعى إلى استقلال العرب في جميع أقطارهم ووحدتهم.

2.2.4. وحدة المنهجية في النهضة العربية :

تعطي بعض الدراسات التاريخية التي تتناول النهضة العربية الانطباع بأنها ذات منهجية واحدة. وفي حقيقة الأمر، إذا كانت للنهضة العربية غاية واحدة هي تقدُّم العرب واستقلالهم ووحدتهم، فإننا نستطيع أن نفرّق بين تياريْن فكريين في النهضة يختلفان من حيث نظرتهما إلى السبيل والأساليب الواجب اتباعها لبلوغ تلك الغاية النبيلة:

أ ـ تيار سلفي:

يدعو هذا التيار ، دينياً، إلى العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح، ويدعو إلى محاربة البدع والشعوذة والطرقية، وفتح باب الاجتهاد، والتوفيق بين العِلم والدين.

ويدعو ، سياسياً، إلى الشورى ونبذ الاستبداد، ، ووحدة العالم الإسلامي، ومناهضة الاستعمار.

ويدعو، اجتماعياً، إلى نشر التعليم، وضرورة تعليم المرأة.

وكان من رواد هذا التيار المفكرون المسلمون مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا،

ب ـ تيار علماني:

ويدعو هذا التيار إلى فصل الدين عن الدولة، وإلغاء الطائفية في الحكم. ولا يعني بالضرورة أنه ضد الدين.

ويدعو، سياسياً، إلى تبني الديمقراطية، واحترام الحريات العامة، واستقلال البلدان العربية.

ويدعو، اجتماعياً، إلى نشر التعليم وتحرير المرأة وتعليمها.

ومعظم النهضويين المسيحيين كانوا من هذا التيار، مثل شبلي شميل وفرح أنطون وغيرهم، لأنهم كانوا يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية في الإمبراطورية العثمانية التي كانت تقوم، من حيث الأساس، على الأتراك المسلمين الأحناف. ولهذا، فإن المسيحيين العرب كانوا يطمحون إلى قيام دولة عربية يتمتع فيها جميع المواطنين بحقوقهم على قدم المساواة بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم أو عرقهم. وهذا هو الأساس في تقدُّم الدول؛ فالعدل أساس الملك. وهذا هو جوهر الإسلام.

.2.3. نقد الوسائل التي اتبعها رواد النهضة:

لتحقيق أهداف النهضة العربية، اتبع المفكرون في الشام ومصر الوسائل التالية:

أ ـ الصحافة: فقد أنشأ أولئك المفكرون الدوريات على اختلاف أنواعها. فأصدر جمال الدين الأفغاني وتلميذة محمد عبده "العروة الوثقى" في باريس، وأسس الكواكبي أول صحيفة عربية في حلب " الشهداء" باسم صديق له سنة 1877م وعندما أغلقت بعد مدة أصدر جريدة "الاعتدال" سنة 1879م باسم صديق آخر. وأصدر الطبيب شبلي شميل مجلة " الشفاء" الأسبوعية في بيروت سنة 1886م. وعندما انتقل اللبناني فرح أنطون إلى الإسكندرية في مصر هارباً من الاضطهاد العثماني أصدر مجلة " الجامعة" وشارك في تحرير عدة صحف أخرى. وحين انتقل رشيد رضا من طرابلس في لبنان إلى القاهرة، أصدر مجلة " المنار" سنة 1315ه/1898م قائلاً " إن الهدف من إنشائه صحيفة هو التربية والتعليم ونقل الأفكار الصحيحة لمقاومة الجهل والخرافات والبدع" (9)، وهكذا.

ب ـ ترجمة الكتب العلمية الأوربية، كما فعل سليمان البستاني في لبنان، ورفاعة الطهطاوي في مصر.

ج ـ نشر الكتب العلمية والموسوعات، كما فعل بطرس البستاني الذي نشر بين عامي 1876 و 1883م ستة أجزاء من " دائرة المعارف: قاموس لكل فن ومطلب".

د ـ إحياء التراث العربي: وهي حركة ترمي إلى إثبات إسهام العرب في حركة العلم العالمية وتأكيد ماضيهم العلمي المجيد، وركزت على تحقيق المخطوطات التراثية في اللغة العربية والإنسانيات، لتنشيط اللغة العربية ولإيقاظ الشعور بهُوية عربية متميزة.

هـ ـ الروايات التاريخية: ولعل أفضل مثال على ذلك الروايات التاريخية التي كتبها جورجي زيدان والمستمدة من التاريخ العربي الإسلامي، لتوعية القراء بتاريخهم المجيد، وهُويتهم العربية المتفردة.

و ـ المسرحيات التمثيلية: فقد استخدم رواد النهضة العربية المسرح وسيلة من وسائل التوعية والتثقيف، كتب بعضهم ، مثل فرح أنطون، عدة روايات تمثيلية.

وخلاصة القول إن رواد النهضة العربية في الشام ومصر وجّهوا خطابهم إلى الفئة المتعلمة من أبناء الشعب، من خلال الصحافة والمسرح والنوادي الأدبية. ولكنهم ـ مع الأسف ـ لم يولوا الاهتمام اللازم لقضية تعليم الجماهير العريضة من الشعب. والتعليم هو الأساس لكل نهضة يُراد لها الديمومة والازدهار.

لم تكن الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، وهي في طور انحطاطها، تعنى بالتعليم، فعندما فرض والي مصر محمد علي باشا (1769 ـ 1849م) ولايته على الشام كذلك عام 1832م، بادر إلى إنشاء المدارس الابتدائية في المناطق والمدارس الثانوية في المدن مثل دمشق وإنطاكية وحلب. ولكن الدول الأوربية الطامعة في استعمار البلاد العربية تألبت عليه وأخرجته من الشام سنة 1840م. وفيما عدا ذلك لم تكن هنالك من مدارس تذكر سوى مدارس الإرساليات الغربية التبشيرية التي تختلف أهدافها عن أهداف النهضة العربية.

إن رواد النهضة العربية ركزوا اهتمامهم على الصحافة لنشر آرائهم التنويرية وأفكارهم الإصلاحية، ولكنهم لم يشتغلوا في التعليم الذي نعدّه ويعدّه البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة أساساً لكل تنمية بشرية. لعل الاستثناء بين رواد النهضة العربية في مصر هو رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873م) الذي أسس مدرسة الألسن سنة 1835م، وفي الشام بطرس البستاني (1819 ـ 1883م) الذي لم يكتفِ بإصدار صحيفة " تغيير سورية"، وبتأليف أول دائرة معارف عربية، وبإنشاء الجمعيات الوطنية، وإنما أسس كذلك سنة 1863م "المدرسة الوطنية" العالية التي تقبل الطلاب من جميع الطوائف ومن مختلف الأقطار العربية وتعلّم طلابها التعلُّق بالأوطان ومحبَّة الإنسان، وبهذا استحق لقب " المعلم"، وهو أشرف لقب يسعى مصلحٌ إلى الافتخار بحمله. ولكن هاتين المدرستين عاليتان ترميان إلى تعليم اللغات الأجنبية لنقل المعارف إلى اللغة العربية. أما الجماهير الواسعة من الشعب التي كانت ترزح تحت وطأة الجهل فكانت بحاجة إلى تعليم أساسي عام. ولم يتسنَ لرواد النهضة العربية في المشرق الاشتغال عليه.

3. الاستعمار الفرنسي للجزائر:

3.1. طبيعة الاستعمار الفرنسي:

في يوم 14 محرم 1246ه (5/7/1830م) احتلت فرنسا الجزائر واستعمرتها استعماراً استيطانياً. وهذا النوع من الاستعمار هو أبشع أنواع الاستعمار وأخسُّها وأكثرها استهانة بالحياة البشرية والكرامة الإنسانية؛ لأنه يرمي إلى استئصال أهل البلاد الأصليين وتشريدهم وتهجيرهم وتقتيلهم والاستيلاء على أراضيهم ومساكنهم وممتلكاتهم وإحلال أغراب مكانهم، وإدماج الناجين منهم بحيث تصبح البلاد بلاداً أخرى. وهذا ما فعله الاستعمار الأوربي الاستيطاني، خاصة البريطاني، في أمريكا الشمالية وأستراليا، إذ قضى البريطانيون على الملايين من السكان الأصليين وأبادوهم جماعياً بطرائق خبيثة بحيث لم يبق منهم سوى آلاف معدودة.

بيدَ أن فرنسا الاستعمارية لم تستطع أن تحقق ذلك في الجزائر، ليس لأنها أقل همجية وإجراماً من بريطانيا الاستعمارية، فقد استخدمت كذلك أبشع أساليب الإبادة الجماعية واقترفت أخطر الجرائم ضد الإنسانية، بل لأن أهل الجزائر يختلفون عن السكان الأصليين في أمريكا الشمالية وأستراليا في ثلاثة أمور:

أ‌) تاريخياً، إن الشعب الجزائري ذو ثقافة عريقة تجسّدها الحضارة العربية الإسلامية (يُلاحظ أن الهنود الحمر في أمريكا الشمالية والأبورجين في أستراليا ، كانوا قبائل متفرقة متنافرة تتحدث لغات متعددة متباينة يصل تعدادها أكثر من ألف لغة، واللغة أساس الثقافة ووحدة الأمة). وكانت الجزائر قبل الاستعمار الفرنسي دولة لها هيبتها ومؤسّساتها السياسية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية، ولم يكن ارتباطها بالدولة العثمانية إلا ارتباطاً شكلياً.

ب‌) جغرافياً، إن الشعب الجزائري محاطٌ ببلدان تنتمي إلى الثقافة العربية الإسلامية ذاتها، وتربطه وشائج إنسانية بشعوب تلك البلدان. وكانت هذه البلدان العربية وما تزال تشكل العمق الإستراتيجي للجزائر. كما تبدّى ذلك واضحاً خلال الثورة التحريرية الجزائرية، إذ أمدته الأمة العربية الإسلامية خلال الثورة بالرجال والسلاح والكلمة المقاومة (10).

ت‌) خُلقياً، إن الشعب الجزائري شعبٌ مقدام شهم شجاع، قدّم على مذبح الحرية الملايين من أبنائه البررة، ولا يوجد شعب في الدنيا ضحى بمليون ونصف مليون شهيد في ثورة واحدة من أجل الحرية،

ما إن أسقطت قوات المستعمِر الفرنسي العاصمة الجزائرية حتى هبت الثورات في أنحاء الجزائر: ثورة أحمد بن محمد الشريف (1836م) الذي ظل يقاوم في مدينة قسنطينة في الشرق الجزائري حتى سنة 1837م، وعندما سقطت المدينة، أخذ يتنقل في الصحاري والجبال والوديان، محرضا القبائل على المقاومة (11)؛ وثورة الأمير عبد القادر(12) في الغرب الجزائري الذي استمرت مقاومته المسلحة 15 عاماً (من 1832 إلى 1847م)؛ وبعد ذلك حاولت القوات الفرنسية احتلال بلاد القبائل، فاندلعت ثورة الشريف محمد بن عبد الله (أبي بغلة) سنة 1851م الذي دعمته فاطمة نسومر في القبائل (13). فقام الجيش الفرنسي بتدمير مناطق القبائل: حرقَ المساكن والأشجار، دمَّرَ القرى والبلدات (أكثر من300 قرية)، وقتلَ النساء والأطفال، ونهبَ الممتلكات. واستمرت مقاومة الشعب الجزائري الأبي على شكل احتجاجات ومظاهرات وانتفاضات توِّجت بأخطر ثورة في التاريخ، هي ثورة التحرير الجزائرية التي اندلعت في 1 نوفمبر 1954م ودامت مشتعلة بضراوة أكثر من سبع سنوات حتى حقَّقت إعلان الاستقلال في 5 جويليه 1962م.

3.2. ـ أساليب الاستعمار الفرنسي لطمس الهُوية الوطنية الجزائرية:

لم تكن ثورة التحرير الجزائرية لتندلع وتحقِّق أهدافها ما لم تسبقها ثورة تحرِّر الإنسان الجزائري من الجهل والخوف والتهميش. فقد اعتمد المستعمر الفرنسي سياسات شريرة لتجهيل الشعب الجزائري وتفقيره وتخويفه والنيل من شهامته وشجاعته وإذلاله. فبُعيد احتلال الجزائر، أغلقت الحكومة الاستعمارية المدارس بحجة نضوب ميزانية التعليم، فأدى ذلك إلى انقطاع التلاميذ عن الدراسة وإلى هجرة الأساتذة. وشجعت السلطات الفرنسية البدع والسحر والخرافات لتخدير الشعب الجزائري وتجهيله ليسهل عليها اقتراف جرائمها بحق الإنسانية.

ومن ناحية أخرى، أعلنت الإدارة الاستعمارية "قانون الأهالي" الذي يُسقِط عن الجزائريين جميع الضمانات المألوفة لحريات الأفراد، بحيث يستطيع أي موظف فرنسي أن يوقف أو يعتقل أو يسجن المواطن الجزائري دون محاكمة، وأن يصادر أرضه ويستولي على ممتلكاته دون حكم قضائي، بل يستطيع إنزال العقوبات الجماعية بالأهالي دون الرجوع إلى محكمة. ولعل فقرات من عريضة بعث بها العالم المجدد الشيخ حمدان خوجة (1189 ـ1255ه/ 1775 ـ 1844م) إلى رئيس الوزراء الفرنسي وزير الحرب الماريشال سولت الدوق دود الماتي في 3 جوان 1833م تبين الظلم الذي حاق بالجزائريين. يقول حمدان خوجة:

" يشرفني أن ألفت نظر سعادتكم أن دخول الجيش الفرنسي قد كان متبوعاً بمعاهدة تضمن أمن كل شخص، كما تنص على حرمة المباني والأراضي والأمتعة، وعلى الاحترام الواجب لنسائنا ومساجدنا.

1ـ إن أول فعل بادرت بارتكابه السلطة ـ ظلماً وعدواناً ـ هو إيقافها القاضي والمفتي ونفيهما، من أجل الاستيلاء على أوقاف مكة والمدينة وعلى المؤسسات الخيرية التي قد سعى في تأسيسها آباؤنا, وجعلوها وقفاً في سبيل الله، ليكون مدخولها خاصاً بالفقراء والمساكين واليتامى والأرامل، حسبما يقتضيه نظام شريعتنا... وقد استولى على جميعها الحاكم الفرنسي بدون أي قانون، كما استولى أيضاً على جميع الدراهم التي كانت بأيدي الوكلاء والقائمين علها والمكلفين بتسييرها....

2 ـ تهديم بناياتنا الخصوصية والمؤسسات الخيرية والدينية....

3 ـ تهديم أحد المساجد المسمى " جامع السيدة" وقد أخذت السلطة أبوابه الخارجية، وأعمدته المرمرية الجميلة وألواحه الزجاجية الصينية، وأبوابه الداخلية الرقيقة، المصنوعة بخشب الأرز المجلوب من فاس...

4ـ إن السلطة استولت على مساجدنا ومعابدنا التي لم تنلها أيدي التهديم، ولم يبق للمسلمين من هذه الأماكن المقدسة سوى الربع فقط...

5 ـ إن السلطة قد استولت أيضاً على "جامع كشتاوة" وحولته إلى كنيسة...

6 ـ إن السلطة قد استولت على المؤسسات الخيرية التي تعرف بـ " الزوايا"، وهي أماكن مخصصة لإيواء الفقراء والمعوزين، ...

7 ـ إن المراحيض العمومية وبيوت الخلاء التي بنتها طبقة أهل الخير، من أجل المحافظة على نقاء المدينة ونظافتها، قد استولت عليها السلطة الفرنسية وآجرتها الخاصة من أبناء ملتها، بدل ما كانت وقفاً على جميع الناس..." (14)

ومارست تلك السلطات سياسة التمييز العنصري، فمنحت الجنسية الفرنسية لليهود الجزائريين ما يؤهلهم لممارسة الحقوق والحريات التي يتمتع بها الفرنسيون. وأعلنت أن الجزائر أرض فرنسية إلى الأبد.

وصادرت أفضل الأراضي الزراعية الخصبة، واستحوذت على الأوقاف الإسلامية لتمنع الإنفاق على المدارس والمساجد، وأخذت تستقدم آلاف المستوطنين الفرنسيين والأوربيين بصورة متزايدة ومنحتهم أراضي الجزائريين وممتلكاتهم، وأغدقت عليهم الهبات والمساعدات المادية والمعنوية.

وحاربت العقيدة الإسلامية بطرائق خبيثة، وأطلقت عمليات تنصير الشعب الجزائري ودعمتها بجميع الوسائل، وأغرت الجزائريين الذي يتعلمون الفرنسية بالإدماج الذي يؤهلهم لنيل حقوقهم، وهم في وطنهم. وأغرقت الشباب الجزائريين بالإدمان في المقاهي والحانات.

وسعت إلى التفرقة بين الجزائريين وإثارة النعرات العرقية والطائفية والجهوية والقبلية. وهذه من أهم السياسات الاستعمارية للتحكُّم في الشعوب، ويصطلح عليها باسم" فرقْ تسُدْ ".

وقد بلغت بها الوقاحة لحد إصدار قانون سنة 1935 م يعدُّ اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر، والفرنسية هي اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد. وقد صدر هذا القانون بعد قرن من العمل على نشر اللغة الفرنسية وتعميمها، وإضعاف اللغة العربية، واستخدام الدارجة بدلاً من الفصيحة إمعاناً في التجهيل، وفصل العرب عن إخوانهم الأمازيغ.

 

د. علي القاسمي

 

عدنان عويد(فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك أتباعك إلا من الذين هم أرذالنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل نظنكم كذابين.). هود – (27).

الدين في سياقه العام شَكَلَ عبر سيرورته وصيرورته التاريخيتين (النظرية العامة لهذا العالم... خلاصته الموسوعية، منطقه في صيغته الشعبية، مناط شرفه الروحي، وجزاؤه الأخلاقي، وتكملته المهيبة، وأساس عزائه وتبريره الشامل.). (1). إنه الرغبة الدفينة الطامحة لتحقيق كينونة الإنسان في عالم فقد مقومات هذا التحقق لأنه ليس لكينونة الإنسان (في صيغتها المثالية المطلقة) واقع حقيقي.

إن الدين في منظور التحليل السوسيولوجي (علم الاجتماع) وفقاً لهذه الرؤية، هو الوعي الشمولي لحياة الإنسان بكل علاقاتها في هذا الكون، وهو الوسيلة الفكرية التي من خلالها يعمل هذا الإنسان على تحقيق ذاته وتبرير وجودها ومشكلاتها المستعصية والدائمة الوجود وغير الثابتة. لذلك فالدين هو من يمنح الإنسان الصبر والسلوان، وهو أساس عزائه وتبريره الخيالي أو الوهمي لوجوده غير العقلاني في هذا العالم الفاسد. أي وجوده القائم على الظلم والقهر والاستلاب والتشيئ والاغتراب، الذي دفعه في مرحلة تاريخية من مسيرة حياته إلى عبادة أصنام أو ألهة يعتقد أنها سر وجوده وسبب شقائه وهنائه، يقوم هو بخلقها، وإن جاع اضطر لأكلها. وبناءً على ذلك فإن المنطق والعقل يتطلب العمل على تفكيك البنية الدينية ذاتها والبحث عن سر هذه الهيمنة شبه المطلة للفكر الديني على حياة الإنسان، ورسم ملامح هذه الحياة ماضياً حاضراً ومستقبلاُ. وعلى هذا الأساس تأتي مسألة نقد الدين أمراً مشروعاً تتطلبه القيم الإنسانية النبيلة والتي أهم ما فيها وعي الإنسان لنفسه وامتلاكه القدرة والإرادة في صناعة حياته وفقاً لما يراه هو ذاته مطابقاً لجوهر إنسانيته ومصالحه.

إذن إن النضال ضد الفكر الديني في شقه السلبي بما يحمله من قدرات تبريرية لتجسيد مسألة الجبر والوهم وسلب الإنسان في المحصلة حريته وإرادته في تقرير مصيره ورسم طرق الوصول إلى جوهر إنسانيته، هو نضال ضد ذاك العالم الذي يأتي الدين في شقه المنافي لحرية الإنسان وإرادته، ليشكل عبيره الروحي الذي يبرر ظلم الإنسان وقهره على أن هذا الظلم والقهر هو من خارج ظروفه الاجتماعية وعلاقاتها الاستغلالية، بينما الشق العقلاني والايجابي من الدين يقول: (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). (النحل . 118).

إن قضايا شقاء الإنسان وعذابه وقهره ومعاناته واستلابه وتشيئه وغربته التي تظهر عند الناس، وتُبرر من خلال الدين عبر مشايخه خدمة للسلطات المستبدة أو خدمة للقوى الاجتماعية المستغِلة، على أنها قدر محتوم على الفرد لا مناص منه، أو هي وسيلة تفرض على المرء لامتحانه وصبره وإظهار قوة إيمانه كما جرى لـ(أيوب) وصبره حسب ما اوردته التوراة، ما هي في الحقيقة إلا تعبيراً عن الشقاء الواقعي الذي يعيشه الإنسان، وهي من جهة أخرى احتجاج على هذا الواقع أيضاً وعلى القوى الاجتماعية المنتجة له. فالدين يأتي في موقفه التبريري لظلم الإنسان هنا وسيلة لتهجين وترويض الإنسان المقموع، حيث يتحول الدين في هذه الحالة إلى أفيون للشعوب تسخره القوى المستبدة والمستغِلة ضد الإنسان.

إن قراءة أولية لمقولة (أفيون الشعوب)، التي حُملت من قبل التيار السلفي التكفيري والقوى الطبقية المستغِلة الكثير من الغبن والتشويه، وفُسرت تفسيراً عاطفياً وذاتياً وارتجالياً وبالتالي مصلحياً، بناءً على رؤى ومواقف فكرية عدائية مسبقة، أكثر مما هي مواقف تقوم على التبصر ونقد هذه المعاناة الإنسانية نقداً عقلانياً وتبيان أسباب ظهورها وممارستها، وذلك بغية تقييد إرادة الإنسان المقهور والحد من طموحاتها الإنسانية الثورية أولاً، ثم الحد من تعميم ونشر الفكر التنويري العقلاني الذي يفسح في المجال واسعاً لهذا الإنسان المقهور كي يعي ذاته ومصالحه ومستغِليه ثانياً.

إن الدين عموماً وبكل تجلياته وأشكاله التاريخية وأهدافه في سياقه العام، هو موقف فلسفي من الحياة في شقيها الروحي والمادي معاً كما أشرنا في بداية حديثنا. فالدين يشكل رؤى فكرية جاءت أو أنتجت في مراحل تاريخية عديدة من حياة الإنسان كإجابات عن أسئلة كبيرة سألها الإنسان ولم يزل يسألها، تتعلق بعلاقته مع الكون والطبيعة من جهة، وبعلاقته بخالقه وبأخيه الإنسان بكل ما تحمله هذه العلاقة من ظلم واستغلال وعدل ورحمة ومساواة أثناء إنتاجه لخيراته المادية والروحية من جهة ثانية. فالدين على أساس هذه الوضعية التاريخية لحياة لإنسان، ظل يشكل نظرية عامة ووحيدة لفترات زمنية تاريخية طويلة من حياة المجتمعات البشرية، بسبب موسوعيته التي دخلت في كل مسامات حياة الإنسان، وفي شعبيته من حيث هو الوعي الأكثر حضوراً في عقل الإنسان (الفرد والمجتمع) وعواطفه ووجدانه وضميره. فبسبب جهل الإنسان للقوانين الموضوعية والذاتية التي تتحكم في حياته وما يحيط بها، جاء الفكر الديني ليحلل ويركب المنظومة الحياتية لهذا الإنسان ويضع لها معايير للجزاءات في الثواب والعقاب، أي وضع معايير للجزاء تتعلق بما يقوم به الإنسان أو يمارسه عبر نشاطه الحياتي من قيم الأخلاقية فاضلة تتعلق بالشرف والحماسة والفضيلة والنبالة والرضا والقناعة والشهامة والمروءة وغير من القيم الإيجابية من جهة، أو ما يمارسه من قيم إنسانية سلبية، مثل الأنانية والكره والحقد للآخر. او ظلم الناس وقهره والتعدي على الحقوق الأساسية للإنسان التي فرضها الله وهي حق الحياة والعرض والمال والايمان بالله والدفاع عن النفس.. فمن هذا المنطلق تأتي مسألة النضال ضد استغلال الدين. فالنضال هنا ليس نضالاً ضد القيم الدينية الايجابية التي تساهم في تأكيد القيم الإنسانية النبيلة، إن كانت هذه القيم نتاج الإنسان في مراحل سيطرة دياناته الوضعية، أم في مراحل ظهور وسيادة الديانات السماوية الثلاثة، وإنما هو نضال ضد دين الخيال والوهم والجهل والضياع والاستسلام للقهر والظلم الذي يرتكبه الإنسان المستغِل بحق أخيه الإنسان باسم هذا الشق من الدين. وبالتالي فصيغة النضال هذه بتعبير آخر، هي ليست نضالاً ضد الدين ذاته، بقدر ما هي نضال ضد الظروف الموضوعية والذاتية التي تساهم في إنتاج الظلم وتجذيره أو بلورته في المجتمع باسم الدين كا اشرنا في موقع سابق، أي ضد من يعتبر أن ما يقع على الإنسان من قهر وظلم هو قدر محتوم علىه، وقد كتب في لوح محفوظ لا خلاص منه إلا بصبر أيوب. أو بتعبير آخر هو نضال ضد القوى المستغِلة والسلطوية المستبدة التي تستغل الدين لمصالحها وتوظفه لتجهيل الناس وإبعادهم عن معرفة حقيقة واقع ظلمهم وغربتهم واستلابهم الذي يعيشونه ومن فرضه عليهم.

من هذا المنطلق، يأتي الدين من جهة أخرى كحالة إيجابية عندما نعلم بان الدين في صيغته الشعبية قد استغل ثورياً أيضاً من قبل المقهورين والمستضعفين عبر تاريخه الطويل، ليشكل احتجاجاً على الواقع المنتج للظلم والفساد. فكان حقاً زفير الفقراء المقموعين والمظلومين، وقلب عالم لا قلب له بسبب التفاوت الطبقي وما يولده هذا التفاوت من استغلال، وزرع لوجود علاقات اجتماعية لا روح إنسانية إيجابية لها أو فيها إلا روح قهر وظلم واستعباد القوى المستبِدة بإسم الدين. وهو في هذا السياق يأتي في المحصلة (أفيون الشعوب) أيضاً، كونه استغل لتحريك الشعوب من أجل الحصول على حقوقها المغتصبة، مثلما استغل من أجل استكانتها وإخضاعها ورضاها لقهرها وقمعها لمستغِليها.

إن تاريخ نضال الشعوب وفقاً للتحليل السوسيولوجي يبين لنا أن أول من آمن بالديانات هم الناس المحرومون والفقراء والضعفاء والمهمشون والعبيد، الذين وجدوا فيه ضالتهم المنشودة في تحقيق إنسانيتهم التي افتقدوها بفعل ما مورس عليهم من قهر واستغلال أسيادهم وسلطاتهم المستبدة، كما هو الحال على سبيل المثال للحصر عندما ظهر نبي الله موسى داعياً إلى العدل ضد قهر فرعون وظلمه، أو عندما ظهر السيد المسيح في عصر ظلم قياصرة الرومان. أو عندما ظهر الرسول محمد في عهد ظلم سادة قريش وكبار تجارها. بالرغم من أن هؤلاء السادة هم أنفسهم من دخلوا في الدين لاحقاً وعادوا ليستغلوه لمصالحهم في الديانات السماوية الثلاثة، أو غيرها من الديانات الوضعية.

إذاً إن الدين جاء وسيلة طبيعية مبررة أخلاقياً للنضال ضد ظروف قهرالناس من جهة، مثلما جاء هو نفسه من جهة أخرى الوسيلة الأكثر فعالية في تبرير إخضاع الإنسان تجاه واقع ظلمه وقهره وفقره، من خلال شرعنة هذا الظلم والقهر والفقر ً دينياً واعتباره قدراً محتوماً لا بد من الصبر عليه، حيث تصل دعوة الناس من أجل الرضوخ لقدرهم إلى الزهد ورفض الدنيا مقابل الآخرة، كما جرى في الخطاب الإسلامي الجبري الوثوقي ولم يزل. ففي كتاب إحياء علوم الدين للغزالي على سبيل المثال لا الحصر، جاءت أحاديث وتفاسير وتأويلات كثيرة تصب في هذا الاتجاه وبخاصة مسألة تبرير الفقر، منها: (يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بخمسمئة سنة). (أحب العباد إلى الله تعالى الفقير القانع برزقه.).وإن (الجوع عند الله في خزانة لا يعطيه إلا لمن أحبه. ). و(إذا رأيت الفقير مقبلاً فقل مرحباً بشعار الصالحين.). (2). هذا عدا الاستشهاد بآيات قرآنية ابتعدوا في تفسيرها أو تأويلها عن سياقها التاريخي وأسباب نزولها كالآية الكريمة : (أهم يقسمون رحمة بك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرية.). (3). والآية: (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق).(4). في الوقت الذي نجد فيه أحاديث تقول: ( بأن المال لا يجمع بالحلال قط، إما عن حرام أو عن شح وتقتير.). أو كما يقول السيد المسيح: (أهون ألف مرة أن يدخل بعير في خرم إبرة، من أن بدخل غني الجنة.). وفي هذا السياق التبريري لفقر الناس، يأتي استغلال الدين لمصلحة القوى المستبدة والمستغِلة واضحاً كل الوضوح.

يقول محمود أمين العالم في كتابه (الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر): لقد كتب الشيخ "عبد الحليم محمود"، شيخ الأزهر، حول موقف الإسلام من الغنى والفقر : ( من الأشياء التي تستدعي الكثير من التفكير أن عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، والزبير والطلحة، رضي الله عنهم، كانوا من أصحاب الملايين، وكانوا مع ذلك من المبشرين بالجنة، ولم يكن أبو ذر الغفاري أو بلال أو صهيب من المبشرين بالجنة؟!.). (5).

وكأني أجد في حديث الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الزهر إيماناً بمضمون الآية : (فقال الملأ الذين كفروا من قومهم ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك أتباعك إلا من الذين هم أرذالنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل نظنكم كذابين.). هود – (27). ولكن إيمان شيخ الأزهر بها يأتي بطريقة أخرى تختلف عن أسباب نزولها أول مرة بالسادة من كفار قريش، فمضمونها هنا ينطبق برأيي على السادة المعاصرين من حكام مصر والعالم العربي المستبدين الذين وظفوا الدين الإسلامي لمصالحهم الخاصة، وهم الذين لم يروا يوماً في الفقراء والمحرومين من الشعب الذي اغتنوا على حساب نهب قوتهم ومص دمهم، إلا سوقة وحشوية ودهماء، وإن كان لهم نصيب في نعيم الدنيا والآخرة، فهذا النصيب يأتي حتماً في المرتبة الثانية أو العاشرة بعد سادة القوم الذين بشروا بالجنة أيضاً كما بشر بها من سابقهم كما يقول شيخ الأزهر.

ملاك القول: من هذه المواقف التي تعمل على استغلال الدين يأتي نقد الدين، وخاصة عندما يتحول هذا الدين إلى إيديولوجيا براغماتية بيد الطبقات والقوى الحاكمة المستغِلة لتبرير ظلم الناس، فنقد الدين ليس نقداً لما يريده الله عز وجل في مقاصده الخيرة وعبوديته ووحدانيته، لأن الله شكل ولم يزل يشكل في عدالته طموح كل الفقراء والمحرومين والمضطهدين، وإنما هو نقد لكل ما يساهم أو يدعو إلى استغلال الإنسان والنيل من حقوقه الطبيعية وكرامته باسم الدين من جهة، مثلما هو نقد للوعي الزائف في الدين لدى الناس، والذي تحت ضغطه يمارس الإنسان نفسه قهر نفسه، وتحقيق غربته.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية.

.....................

1- راجع ماركس في مقدمة كتابه (نقد فلسفة الحق عند هيجل):

2- الغزالي- إحياء علوم الدين – المكتبة التجارية الكبرى- القاهرة – ص190.

3- الزخرف – 32.

4- النمل- 71.

5- محمود امين العالم- الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر- إصدار دار الثقافة الجديدة- القاهرة – 1986- ص 152.

 

 

عدنان عويدفي المفهوم: الثقافة الشفوية في سياقها العام، هي مجموعة الآراء والأفكار والمبادئ والرؤى والقصص والحكاية والأمثال الدينية والوضعية بما تتضمنه من مواقف سلبية أو إيجابية تجاه علاقة الإنسان بنفسه أو بالمجتمع، أو كل ما يحيط به في الطبيعة والمجتمع. وهي ثقافة أُنتج معظمها في الزمن الماضي، ولم تزل تُجتر وبتداولها الناس فيما بينهم للتعبير عن قضياهم الحياتية اليومية المباشرة في الفكر والممارسة، على اعتبارها قيماً (معيارية) ناجزة استطاعت أن تختزل التجربة الإنسانية وتضبط وتوجه في عصر إنتاجها حياة الفرد والمجتمع، وهي قادرة على تحقيق هذا الضبط والتوجيه في العصور اللاحقة كونها جزء من الفردوس المفقود.

إذن، الثقافة الشفوية بتعبير آخر: هي في معظم جذرها وأصولها وامتدادها ثقافة الأجداد (الأسلاف) الذين لم يتركوا شيئاً للأخلاف إلا وقالوا به، وحددوا الحلال فيه والحرام، ومارسوا جرحهم وتعديلهم على نمط شخصياتهم السلبية منها والايجابية فكراً وممارسة، ليس لعصرهم فحسب، بل ولكل العصور اللاحقة، أي اعتبار ما قالوا به ومارسوه هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما هو تال.

قبل الدخول في سمات وخصائص هذه الثقافة، لا بد لنا من التطرق قليلاً لجذور هذه الثقافة في تاريخنا العربي، حيث نجد لهذه الثقافة جذوراً تمتد في عمق تاريخنا، وظلت فروعها وأغصانها تمتد عبر السنين اللاحقة للدعوة الإسلامية لتعرش على وعي أبناء هذه الأمة حتى اليوم. علماً أن الدعوة الإسلامية جاء في صلب ما جاءت من أجله، هو إنهاء هذه الثقافة الشفوية وتحولها من ثقافة (الفم إلى ثقافة القلم) مع أول آية نزلت على الرسول (إقرأ) من جهة أولى، ولتضع حداً لتمسك الناس بما كان يفعل آياءهم بعجره وبجره من جهة ثانية،. إلا أن قوة الماضي ممثلة بما كان يفعل آباءهم ظلت مسيطرة تحت شريعة (هكذا وجدنا آباءنا يفعلون)، مع تأكيدنا للدور الذي تمارسه السلطات الاستبدادية في تاريخنا السياسي التي ساهمت في تسييد هذا النمط من الثقافة الماضوية التقديسية، بهدف تجهيل الناس والحجر على عقولهم، حيث وجدت هذه القوى المستبدة بسياسة التجهيل هذه سر بقائها واستمراريتها في السلطة. الأمر الذي دفع هذه السلطة عبر تاريخها إلى محاربة الثقافات الإبداعية التي وجدت فيها خطراً يهدد مصالحها إن كان أثناء قيام الدعوة الإسلامية من قبل كبار كفار مكة، أو من قبل الكثير من الخلفاء ومشايخ السلطان عبر تاريخ الدولة الإسلامية حتى تاريخ دولنا المعاصرة. كما سيمر معنا في هذه الدراسة.

الجذور التاريخية للثقافة الشفوية في تاريخنا العربي:

(وبعث في الأميين رسولاً منهم).. وهذا دليل قاطع على أن العرب في الجزيرة العربية على أقل تقدير لم يكونا أصحاب كتاب، أي كانوا مجتمعاً قبلياً جاهلاً (لم تتفش) فيه معرفة القراءة والكتابة ما يتعلق بالثقافة الإبداعية القائمة على القلم والكتاب والتفكير والتحليل والتركيب، ومن يجيدونها كانوا قلة قليلة، وهم على اطلاع بهذا الشكل أو ذاك على كتب الديانتين اليهودية والمسيحية كما يبدو كالراهب "بحيرة" وغيره القليل أو النادر ممن كان يكتب المعلقات ويعلقها على جدار الكعبة، وما تبقى من الذين اشتغلوا على المعرفة كان يشتغلون عليها شفهياً، وفي مجالات محدودة تتعلق بأخبار الأولين وأساطيرهم، وبالنسب والحسب، كالراوية (ابن جماد) على سبيل المثال لا الحصر. لذلك كانت هناك إشكالية كبيرة بالنسبة لتاريخ العرب والإسلام فيما يتعلق بمصداقية أو عدم مصداقية ما نقل إلينا من أخبار وصلتنا عبر التراسل الشفوي عن طريق هؤلاء الرواة حتى عصر التدوين الذي تم تحت عين السلطة الحاكمة بزمن الخليفة "المنصور" (136- 158 هـ)، حيث يذكر السيوطي نقلاً عن الذهبي أنه في سنة 143 للهجرة، أشرع علماء الإسلام في هذا العصر بتدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنف ابن جريج بمكة، ومالك (الموطأ) في المدينة، والأوازعي في الشام، وحماد بن سلمة في البصرة، وسفيان الثوري في الكوفة، وصنف ابن اسحق المغازي، وابن حنيفة الفقه والموقف من الرأي، .. ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس،(1) .

نعود لنقول: إن الثقافة الشفوية قبل عصر التدوين انعكست أثارها سلباً على حياة العرب والمسلمين سياسياً وعقديا واجتماعيا، بسبب ما جرى من تزوير وسوء تفسير وتأويل وأسباب تنزيل للنص الديني المقدس بشكل خاص خدمة لمصالح شخصية أو سياسية أو مذهبية، طال أكثر ما طال أحاديث الرسول التي لم تزل آثارها قائمة حتى هذا التاريخ.

عموماً نستطيع القول عن هذه الجذور الثقافية الشفهية وتأثيرها على حياة العرب والمسلمين، وخاصة ما يتعلق منها بتاريخ العرب بكل مضامينه العقدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، منذ بدء الدعوة الإسلامية، حتى هذا التاريخ بشكل خاص: إن الرسول نفسه لم يأمر بجمع القرآن قبل وفاته، حيث ظلت الآيات سائبة وموزعة بين صدور بعض الصحابة، وبين ما كتب منها على الجلد والعظم وورق البردي وعظام الجمال والحجارة وغير ذلك.. نعم لقد ظل القرآن دون جمع وبتداوله الناس شفهياً لمدة /43/ عاماً حتى أمر عثمان بجمعه وتقعيده. علماً أن مسالة جمع القرآن شابها الكثير من الغموض والشك، ما بين مصادر تقول بأن أبو بكر هو من أمر بجمعه، والبعض يقول عمر بن الخطاب هو من جمعه، وآخرون يقولون الذي جمعه هوعلي بن أبي طالب، وهناك من يقول بمصحف فاطمة، و مصحف حفصة، وأن مصحف حفصه هو المصحف المعتمد حتى هذا التاريخ.. إلخ، مع تأكيدنا أن القرآن عندما جمع، ظلت إشكالات أخرى متعلقة في قراءة النص الديني منها: لعدم وجود تنقيط، وبالتالي عدم التمييز بين الـ (ن- ت- ث و ج- ح- خ ) إلخ. وهناك أيضاً غياب لعلامات الترقيم، ومعرفة حالات الوقوف عند القراءة، وغياب للكسرة والضمة والفتحة والشدة، كل ذلك ساهم في خلق قراءات كثيرة للقرآن، حيث كان يقرأ على عشرة قراءة، ثم اختصرت إلى سبعة، أما الحديث، فالرسول الكريم أيضاً لم يأمر بكتابته ولا أقول جمعه، حيت اعتبر الرسول أن كل ما يقوله أو يمارسه هو من روح القرآن الكريم، ولا يريد لأمته أن تأخذ دينها من غير القرآن، إلا أن الذي حدث، أن الأحاديث راحت توضع وتسيل بمئات الألوف، وأخذ الناس يتداولون معظمها شفهياً بينهم عبر التاريخ، بالرغم من أن هناك علماً خاصاً بالحديث وضع فيما بعد مع مرحلة عصر التدوين منذ منتصف القرن الثاني للهجرة، لتقصي الصحيح من الكاذب في هذه الأحاديث، وهذه بادرة تسجل لعلماء الحديث حقيقة. بالرغم أيضاً من الموقف المذهبي الذي سيطر على صحة ما نقله أو رواه هذا الشخص أو ذاك من أحاديث بغض النظر عن متن الحديث وصحته. وما وضعت كتب الجرح والتعديل إلا من أجل ذلك ومن منطلق مذهبي.

إذن، إن أهم مصادر المعرفة في تاريخ العرب، وهي العقيدة المقدسة، ظل التداول فيها شفهياً بين الناس لفترة زمنية طويلة، واقتصرت قراءة وتفسير وتأويل وضبط هذه العقيدة من قبل القلة القليلة أيضاً من الفقهاء وعلماء اللغة، والذين غالباً ما دخل القسم الأكبر منهم وخاصة الفقهاء وكتبة التاريخ عباءة السلطة، حيث راحت توظف هذه العقيدة وسيرة رجالها (كتابة أو تدوين الحديث. وتفسير وتأويل النص القرآني، وكتابة التاريخ) لمصالح هذه السلطة السياسة أو تلك. وظل (التاريخ) مثلاً عند من راح يدونه، هو تاريخ السلطة، أو تاريخ الخلفاء والأمراء والملوك.

إن الملفت للنظر هنا، أنه، مع بداية التدوين، في منتصف القرن الثاني للهجرة، وظهور رجال النحو واللغة’ ظل الجانب الشفهي يمارس قوته على النحات ورجال النحو أنفسهم بشكل خاص، حيث كانوا يلجأؤون إلى الصحراء لأخذا صحة دلالات الكثير من الألفاظ وطريقة لفظها كما ينطق بها ابن الصحراء آنذاك، واعتبار ما ينطقه هذا البدوي هو الصحيح. كما أن كل من قام بتدوين السيير والمغازي وأخبار العرب في بداية الدعوة وفتوحاتها، اعتمدوا على الأخبار الشفهية والرواة والتراسل، لذلك يقول ابن حنبل : (إن من حضروا المغازي وأسباب نزول القرآن قد ماتوا). وهذا القول فيه تشكيك في مسألة صحة أو عدم صحة ما كتب في المغازي وحتى أسباب النزول.

نقول: مع عصر التدوين، أي منذ منتصف القرن الثاني للهجرة بدأ القلم يأخذ دوره عند الكثير من علماء الدين والفلاسفة ، وخاصة في مجالي التفسير والتأويل للنص المقدس، ومع القرن الثالث للهجرة بدأت سيطرة التيار العقلاني على الساحة الثقافية، فراحت تترجم كتب الفلسفة من التراث اليوناني، وخاصة في عصر المأمون الذي أصدر مرسوماً عند توليه الخلافة أمر فيه تبني العقل وسيلة في فهم الدين وشرح نصوصه المقدسة، حتى راح هو نفسه يتكلم في مسألة خلق القرآن ويرد على أهل النقل الذين يقولون أنه كلام الله. وظل باب العقل والثقافة الإبداعية مفتوحاً إلى زمن المعتصم والمتوكل. ولكن مع وصول (الواثق) إلى الخلافة، بدأ المشروع الفكري العقلاني يُحارب من جديد ويتراجع مع إصدار مرسومً من قبل الخليفة المتوكل يُحرم فيه استخدام العقل في المعرفة، وأن كل من يستخدمه هو كافر وزنديق ويجب أن يحاسب على فعلته، وأُخرج شيخ النقل ابن حنبل من سجنه، وتشكلت محاكم للتفتيش لكل من يتداول كتب الفلسفة أو يشتغل عليها، أو يقول بالعقل وحرية الإرادة. بيد أن هناك مراحل تاريخية لاحقة تم فيها تنشيط الجانب العقلاني في الثقافة الإبداعية، إلا أنها محدودة كما هو الحال عند وصول البويهيين إلى السلطة في منتصف القرن الربع للهجرة، حيث راحت تنشط حركة الفكر الفلسفي والاشتغال عقلياً على قضايا تفسير العقيدة وربطها بالعلم الوضعي، كما هو الحال عند ابن سينا والفارابي والكندي وإخوان الصفا، وغيرهم الكثير، حتى رحنا نجد مؤلفات فيما يسمى اليوم بعلم "لأنتروبولوجيا" وهي دراسات ظهر فيها الجانب العقلاني والتنويري واضحاً من خلال دراستها لحياة الإنسان وعلاقته بالبيئة وما تتضمنه من دراسات في علم النبات والحيوان، كما درسوا قضايا تختص بمسألة العقيدة والبعث ويوم الحساب وغير ذلك، هادفين من ذلك استخدام ثقافة القلم – العقل – في الخطاب الإسلامي وإظهار أن الدين ليس ضد العلم والتعلم وتسخير العقل. كما ظهر هذا التوجه الفكري فيما بعد في المغرب العربي، وظهر هناك عمالقة الفكر العقلاني كابن رشد وابن حزم وابن خلدون وغيرهم، إلا أن هؤلاء لم يسلموا أو تسلم كتبهم أيضا من سلطة التيار السلفي، ففي عهد " هشام بن الحكم" الذي استأثر بسلطانه حاجبه "المنصور بن ابي عامر"، المتوفى 393هـ، وهو الذي عمد إلى مكتبة والد هشام الحكم، وعزل عنها كل كتب الفلسفة والمنطق والنحو وحرقها أمام أهل العلم والدين. وفي عهد "يوسف بن تاشفين" حارب الفلاسفة و حرق كتبهم، وقرب منه السلفيين المتشددون. وهذا الموقف المعادي للعقل ظل سائداً بعد سيطرة المماليك والعثمانيين على الخلافة،، وما كتاب أبي حامد الغزالي "تهافت التهافت" إلا رداً على هؤلاء الفلاسفة والعقلانيين وهو الكتاب الذي رد عليه ابن رشد بكتاب تحت عنوان "تهافت التهافت". هذا وحتى كتب ومواقف المتصوفة الكبار الذين قالوا بوحدة الوجود، لم يسلموا على حياتهم من أصحاب هذا التيار السلفي ومنهم الحلاج والسهروردي وذو النون وغيرهم.

عموماً يظل موقف ابن حنبل ومدرسته السلفية بكل امتداداتها التاريخية إلى اليوم هو الأكثر سيادة وفعالية، وهو المنظر الأكثر حضوراً وقوة في محاربة هذا الفكر العقلاني، وتركيزه على النقل بدل العقل، وما تأكيده على أن الحديث الضعيف عنده أهم من العقل، إلا دليلاً على فرض وتجذير تيار الثقافة الشفهية، واعتبارها المصدر الأول للمعرفة، إي اعتماد ثقافة الفم بدلاً من القلم، وبالتالي مع هذه الثقافة التدميرية أوقف باب الاجتهاد وتحريك العقل، وظل ما أنتجه ابن حنبل والشافعي والمالكي والحنفي، أي (تيار أهل السنة والحديث)، وكذلك ما أنتجه أهل البيت وفقهائه في مجال الفقه والموقف من الدين والدنيا هو المصدر الرئيس،الذي ظل يحكم الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية حتى اليوم في الكثير من الدول الإسلامية التي تتبع المذهب السني والشيعي معاً.

مع انتهاء الخلافة الإسلامية وبدء ظهور الأحزاب السياسية المعاصرة، كالإخوان المسلمين، والقوى القومية واليسارية، بدأت تظهر الأيديولوجيات الوضعية الخاصة بها، والتي راح يُضفى عليها مع كلمات وخطب وأقوال قادة هذه الأحزاب، أو أقوال الملك أو الأمير الرئيس صفة التقديس، وتحولت إلى نمط من الثقافة الشفوية نستطيع تسميتها بـ (فقه القائد). أي تحول فقه القائد في طريقة تناوله واستهلاكه من قبل عناصر الحزب والمنظمات التابعة لها، أو من قبل الخطباء السياسين ومثقفي السلطة، إلى مواد تثقيفية تدخل في نطاق الثقافة الشفوية، التي تُتلى عليهم في اجتماعاتهم ومؤتمراتهم الحزبية والنقابية وندواتهم الثقافية وكلمات وخطب سياسيهم، من خلال الاستشهاد بها، كأقوال ورؤى لا يأتيها الباطل من فوقها أو تحتها لدى الكثير من عناصر تنظيم هذه الأحزاب ومسؤولي هذه الدولة اوتلك. هذا إضافة إلى ظهور الكثير من الكراسات التي تعمل عل تفسير وتحليل هذه الأيديولوجيات الوضعية وما يصرح به قادة هذه الأحزاب والملوك والمراء والرؤساء، حتى أخذت مع الأيام حالة الثبات والجمود والتقديس. وكان من نتائج هذا التحجر انهيار الكثير من هذه الأحزاب وأيديولوجياتها في الساحة العربية، ومن لم ينهار تبين عجزه الفاضح في التعامل مع ما سمي بثورات الربيع العربي فكراً وممارسة. هذا العجز الذي تجلى واضحاً لدى المعارضة والموالاة معاً.

سمات وخصائص الثقافة الشفهية:

تمتاز الثقافة الشفهية بجموعه من السمات والخصائص أهمها:

1- هي ثقافة ماضوية، أنتجت في الزمن الماضي في معظمها، وغالباً ما يطغى عليها الطابع الديني في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، كون الدين كان ولم يزل هو المصدر الوحيد للمعرفة، وحتى الثقافات الوضعية التي أنتجت في ذلك الوقت وخاصة الفلسفية منها إضافة إلى علوم الطب والكيمياء والتنجيم وغيرها، ظلت محكومة بالدين أيضاً، وهو الذي يحلل ويحرم التعامل مع هذه الظاهرة العلمية أو تلك.

2 - هي ثقافة جماهيرية، أو بتعبير آخر، هي ثقافة ظل يعاد إنتاجها واستهلاكها من قبل الجماهير الواسعة، فغالباً ما تجد الناس في كافة مفردات حياتهم اليومية يستشهدون بمقولاتها وقصصها وحكاياها وأمثالها الشعبية، خدمة لمصالحهم اليومية المباشرة، أو لإعطاء الفكرة التي يقولون بها أو العمل الذي يمارسونه المصداقية والشرعية، في المنزل والسوق والجامع والدائرة وغير ذلك من أماكن تواجدهم.

3- هي ثقافة تعتمد كثيراً على إيراد نص قرآني او حديث أو رأي صحابي او فقيه، إضافة إلى إيراد قصص وحكاية الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، كونها الأكثر قدرة على غرس المعلومة المراد توصيلها للمستمع، لذلك لا نستغرب أن نجد أحد مشايخ الدين يقول: إن القصص والحكاية جنود مجندة سخرها الله لنا كي نعلم بها الناس الدين.

4 - هي ثقافة تركز كثيراً على القيم الأخلاقية، وخاصة قيم السلف الصالح، الذين أسسوا بناء الدولة الإسلامية وحضارتها. وبالتالي هذه القيم تشكل الفردوس المفقود بعد أن راحت تتخلى عنها الأجيال اللاحقة، أو تجاوزه الزمن. وإذا أرادت هذه الأمة أن تعود لمجدها وعزتها، فهي لن تعود إلا إذا عادت إلى القيم الأخلاقية تلك، (ولن يُصلح حال هذه الأمة بعد أن فسد أمرها إلا بما صلح به أولها.).

5- حازت هذه الثقافة على صفة التقديس، كون معظم مكوناتها مرتبط بالدين، وأكثر من أسس لها هم رجال الدين الذين ضبطوا علم الجرح والتعديل الذي وضعوه لتحديد ما هو غث وما هو سمين في هذه الثقافة، وبالتالي فكل خروج عن سمينه أو صحيحه هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

6- هي ثقافة تقوم على التراسل (العنعنة)، كون أصلها شفهي، وخاصة ما يتعلق منها في الحديث النبوي وأقوال الأئمة.

7- هي ثقافة تحاصر الإبداع والمبدعين، الذين يريدون التجديد في علوم الدين والدنيا، وبالتالي يعتبر هؤلاء المجددون بنظر دعاة هذه الثقافة منحرفين إذا ما حاولوا طرح أفكار لا تتفق مع ما هو ثابت ووثوقي في هذه الثقافة، إن كان لدى المذاهب أو الفرق الدينية، أو لدى الأحزاب ذات الأيديولوجيات الوضعية.

8- هي ثقافة تعالج تناقضات المجتمع وصراعاته الطبقية القائمة على الاستغلال، من منظور أخلاقي، يقوم على وجود الضمير والوجدان لدى هذا الفرد أو الجماعة، عندما يمارس أو يمارسون عملاً صالحاً، والعكس صحيح. فهم يطالبون الأفراد والمجتمع بضرورة التمسك بأخلاق التضحية ونكران الذات والإثار والمحبة والتسامح، كما مارسها السلف الصالح الذين حققوا بها العدالة والمساواة بين الناس كما يدعون، وغالباً ما يتخذون من بعض الرموز الدينية قدوة للحاكم والرعية أيضاً في نشر العدل بين الناس، دون أن يضعوا في حساباتهم خصوصيات كل مرحلة تاريخية من حيث ظروفها الموضوعية والذاتية ومكوناتها الاجتماعية وحدودها الجغرافية، ودرجة تطور المجتمع فيها أو تخلفه.

9- هي ثقافة تدعو إلى التسليم والامتثال لكل ما أنتج من معارف أقرها السلف في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، أو ما جاء في فقه (القائد) في الأنظمة السياسية المعاصرة، وبالتالي هي تعمل على محاربت الحرية الفردية والإرادة الإنسانية والرأي الآخر.

10- هي ثقافة ذات توجهات أيديولوجية مغلقة، تعتبر الحقيقة قد أعطيت في الزمن الماضي مرة واحدة وإلى الأبد، وعلينا أن نعمل دائماً على إعادة إنتاجه، ولي عنق الواقع كي ينسجم معها. وهي ثقافة ضد النسبية والحركة والتطور والتبدل.

على عموماً نقول في هذا الاتجاه بالنسبة للثقافة الشفوية، هي ثقافة فرضت عبر تلك السنين الطويلة من سيادتها العقل الإيماني على المواطن العربي، بحيث لم يزل النص المقدس ممثلاً بـ (القرآن والحديث، وأقوال الأئمة والفقهاء وكبار مشايخ السلفية والقادة السياسيين المعاصرين)، يشكل المرجع المعرفي والسلوكي للفرد والمجتمع، أي هو الحكم أو المعيار على أقوال الناس وسلوكياتهم وبالتالي استغلاله والاحتماء به دوماً. إضافة لاستغلال الخوارق والخرافة، ومواجهة العلم والانتقال من الخاص إلى العام في التعاطي مع أحداث التاريخ والواقع، والانخراط بالموروث، والمحافظة على الشكليات، والتمسح بالرحمة والتسامح، وعند الضرورة أو عندما تسنح الفرصة التمسك بالجهاد انطلاقا من التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا ما ساهم في خلق حالات من الفوضى الفقهية في مسألة الوجوب والإباحة، وبين المعرفة والإباحة، ففي كلا الحالات نجد النص (المقدس) وأقوال الأئمة وفقه القائد سيد الموقف في الحكم أو التبرير، مع غياب فاضح للضبط المنهجي وللر أي الآخر، وبالتالي وجود سيولة وتسيب عقلي تجدهما غالباً في الحكم على الشيئي الواحد بالإباحة أو التحريم عند فقهاء العقل الشفوي.

الثقافة الشفوية والسلطة:

ظلت السياسة في تاريخ الدولة العربية الإسلامية تتحكم في المسألة الثقافية، وقد أشرنا في موقع سابق إلى مرسوم الخليفة المأمون في الدعوة إلى تبني العقل في الخطاب الثقافي، وإلى مرسوم الخليفة الواثق في تحريم استخدام العقل والاعتماد على النقل في هذا الخطاب، وقد عاني الكثير من رجال الفكر المهتمين في قضايا الدين والدنيا من توابع هذين المرسومين في عصرهما وكل العصور اللاحقة حتى تاريخه. حتى رحنا نجد في الفكر السلفي تيار قائم بذاته يعمل على تبرير فساد السلطة وضرورة الحفاظ عليها وعدم الاعتراض أو الاحتجاج على أوامرها، وهو التيار المدخلي، هذا التيار الذي شكل الحصن الحصين لاستمرا السلطات الفاسدة باسم الدين منذ العصور الوسطى حتى اليوم.

إن السلفية المدخلية لا تختلف في نهجها حقيقة عن كل التيارات السلفية الأخرى، فهي التي تطالب بعدم الخروج على الحاكم المسلم أو معارضته وإن كان فاسقاً، ولا إبداء الرأي والنصيحة له في العلن، ويعتبرون ذلك أصلاً من أصول العقيدة عند أهل السنة والجماعة، وهذا ما يقول به ابن حنبل : (فإن من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخرة أن يبيت ولا يراه إماماً عليه براً كان او فاجراً، فهو امير المؤمنين.)|(2). أما الباقلاني فيقول: (إن الإمام لايخلع لفسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار وتناول النفوس المحرمة وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود.).(3). وعلى هذه المواقف الفقهية (المقدسة) تجاه السلطة، نجد هذا التيار السلفي في صيغته المعاصرة يقول : إن الاعتراف بالحاكم المسلم والولاء له لا يكفي إذا لم يتم الاعتراف بمؤسسات الدولة الأخرى، مثل منصب المفتي مثلاً والمؤسسات الدينية، ممثلة بالأزهر أو وزارات الأوقاف. وعدم الخروج على فتاوى هذه المؤسسات وعلمائها الرسميين. كما يعتبر هذا التيار أن الجماعة المسلمة هي الدولة والسلطان، لذلك تشن هجوماً حاداً على الجماعات الإسلامية المعارضة للسلطة الحاكمة وتعتبرها خارجة عن الجماعة ومفرقة لصفها، فمحاربتها هي للحفاظ على وحدة الأمة، أي الدولة وسلطتها.

إذن بهذا الموقف السلفي الرجعي ألامتثالي، فرضت السلطة فرضاً على الناس، وفرض معها الثقافة الشفوية الاستسلامية الامتثالية بإسم الدين. وبهذه الثقافة أقصي الفكر العقلاني الإبداعي وثقافته القادرة على بناء الفرد والمجتمع بناء عقلانيا عبر تاريخ الدولة العربية الإسلامية، وتاريخ دولها المعاصرة اليوم

الثقافة الفردية الإبداعية:

إن ما يقابل الثقافة الشفهية الامتثالية المحاربة للعقل وحرية الإنسان، هناك الثقافة الفردية الإبداعية التي تشكل العتلة النهضوية لتسييد هذا العقل وهذه الإرادة، فمن خلال هذه الثقافة الإبداعية ومنتجيها وحامليها ومروجيها ومستهلكيها، التي ضحى قسم كبير منهم براحته وسعادته، بل حتى بحياته من أجل الحقيقة وتطبيقاتها في حياة الإنسان، قامت الثقافة المعبرة عن القيم الإنسانية النبيلة بكل مفرداتها في الماضي والحاضر، وسيظل أمرها في المستقبل أيضاً. فلولا هذه الثقافة الإبداعية العقلانية، لما كان هناك تطور في حياة الإنسان ولما وصلت المجتمعات إلى ما نحن فيه اليوم من علم على كافة مستوياته. كم كان لسقراط وكوبرنيك وغاليلو وهارفي وابن رشد، وابن سينا وجابر بن حيان والفارابي، ولعلماء الذرة والميكانيك وعلم الاجتماع والفضاء والزراعة وغيرها من علوم، كان للفرد المبدع فيها الدور الكبير في صيرورة هذه الحياة وسيرورة تقدمها؟. نعم أنها ثقافة العقل والقلم مقابل ثقافة الفم والنقل.. إنها ثقافة الحياة مقابل ثقافة الموت .

سمات وخصائص الثقافة الفردية الإبداعية:

1- هي في سياقها العام ثقافة إبداعية، مستقلة إلى حد بعيد عن السلطات الحاكمة، ومناقضة للثقافة الشفهية، كونها تعتمد كثيراً على القلم والعقل.

2- هي ثقافة حرة أيضاً كونها غير مقيدة بأيديولوجيا، وإن تقيدت في أية أيديولوجية، فهي تعمل دائماً على جعل هذه الأيديولوجيا وعياً مطابقاً يجب أن تنسجم دائماً مع خصوصيات الواقع دون الخضوع له كلياً، وإنما بمساحة الحرية التي تمتلكها، قادرة على إنتاج فكر تقدمي عقلاني يعمل على تطوير الواقع وتنميته. لذلك هي ثقافة تجديدية تنويرية ضد الثبات والإطلاق والتجهيل.. أي هي تؤمن بالنسبية وتعتمد كلياً على العقل النقدي.

3- هي ثقافة تؤمن بالعلمانية، وتعتبر الدين مكون أساسي من مكونات الثقافة والحضارة معاً، وله دوره في تربية أفراد المجتمع على قيم الفضيلة التي ينادي بها، ولكن يجب أن لا يدخل الدين في السياسة، فالدين لله والوطن للجميع، هذا إضافة لكونها في هذا الاتجاه العلماني أيضاً، تؤمن بأن الإنسان سيد نفسه وهو وحده القادر على تحديد مشاكله وتحقيق مصيره، إنها ثقافة ترفض تقديس الأشياء إذا ما تحول هذا المقدس إلى النيل من حرية الإنسان والحجر على عقله وفقده لجوهر إنسانيته.

4- هي ثقافة تؤمن بالديمقراطية كحل لخلق توازنات في المجتمع في كل مستوياته، فعلى المستوى الاجتماعي تحقيق المساواة بين الذكر والأنثى، و على مستوى الاقتصاد تحقيق الثروة الوطنية بشكل عادل بين أفراد المجتمع، وعلى مستوى السياسية تحقيق المشاركة الشعبية في إدارة الدولة، والتعددية وتداول السلطة. وعلى المستوى الثقافي العمل على نشر وتعميق وتجذير ثقافة التنوير والعقل، وما تتضمنه هذه الثقافة من تأكيد على العدل والمساواة واحترام الرأي والرأي الأخر وحرية الإعلام.

5- هي ثقافة تعتمد كلياً على المناهج العلمية في البحث وتقويم الظواهر، وبالتالي هي ضد التقويم العاطفي والوجداني للظواهر، أي هي ضد الذاتية المفرطة والارتجال والمواقف المسبقة والكسل العقلي. وبالتالي هي مع الفهم الجدلي والتاريخي للظواهر، أي هي تؤمن بالحركة والتطور والتبدل، مثلما تؤمن بالعلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون والجزء والكل والداخل والخارج، وأن أحوال الناس تتغير وتتبدل كما يقول ابن خلدون بتبدل نحلتهم من المعاش.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

.................................

1- للاستزادة في هذا الموضوع راجع-ياسين- عبد الجواد-، السلطة في الإسلام- العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، المركز الثقافي العربي- 1998

2 - المرجع السابق. ص86.

3 - المرجع نفسه- 86.

 

ميثم الجنابياحد أعلام الترجمة العظام والأطباء الكبار في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. أصله من الحيرة. أما حياته ومماته ففي بغداد. وقد لازم صعوده العلمي ودراما حياته الشخصية في أوج تطور الدولة العباسية وتأسيسها لما ادعوه بإمبراطورية الثقافة وطابعها الكوني. وقد تكون شخصية حنين بن اسحق احد النماذج الجلية بهذا الصدد.

لقد أتقن حنين بن اسحق (194-264 للهجرة) اللغات السريانية والإغريقية والفارسية والعربية. وهذب معارفه بالعربية على أيدي شخصيات كبرى مثل الخليل بن احمد الفراهيدي. كما انه طور مفرداتها العلمية وبالأخص في ميدان الطب. إذ ترجم اغلب مؤلفات جالينوس إلى العربية. كما ساهم في تنقيح وتدقيق اغلب ما ترجم إلى العربية في علم الطب. لكن اهتمامه لم يكن محصورا بالترجمة، إذ أبدع حنين في ميدان الطب أيضا بحيث جعله ذلك احد الأعلام الكبار. وترجم كذلك بعض الكتب الفلسفية. وتنسب إليه كتابات في مجال الفلسفة والتاريخ، مثل كتاب (نوادر الفلاسفة والحكماء وآداب المعلمين القدماء)، وكتاب (تاريخ العالم والمبدأ والأنبياء والملوك والأمم والخلفاء والملوك في الإسلام) انتهى به حتى زمان المتوكل.

جسّد حنين بن اسحق وحقق في ذاته فكرة الاندماج الثقافي وتنوع الأصول والمساهمة الفعالة في تأسيس كونية الثقافة الإسلامية. كما انه احد النماذج الرفيعة لوحدة الإرادة الإنسانية في تحديها لنقائص الأقلية ورذيلة الحسد المهني وبقايا الأموية في السلطة والحاشية. إذ تراكمت هذه المكونات في مجرى انتقاله من الحيرة الى بغداد، التي كانت تتمثل من حيث رمزيتها وواقعيتها الانتقال من إمكانية الصيرفة الى واقع العلم! والمقصود بذلك هو أن أهل الحيرة كانوا يتميزون آنذاك بمزاولة الصيرفة بينما كانت صناعة الطب حكرا على أهل جنديسابور. وهو "احتراف" مؤقت، لأنه طارئ بسبب مصادفات التاريخ الملازمة لصعود الحضارات وانحطاطها.

غير أن سيرة حنين بن اسحق تكشف عما في هذه المصادفات من تأثير على بلورة نفسية الانغلاق وأثرها السلبي في الموقف من العلم كما هو بوصفه حصيلة الإبداع الإنساني العام. وهي عمومية تستثير الإرادة الإنسانية لتجعل منها قوة عارمة في إعادة الاعتبار للعلم كما هو. لكن إعادة الاعتبار هذه عادة ما تدفع الرواد الأوائل الى تقديم قرابينها في مآس عديدة. وقد تكون شخصية حنين بن اسحق ضمن سياق تطوير العلم الطبي في الثقافة العربية الإسلامية احد النماذج الكبرى. إذ تروي لنا كتب التاريخ والسير كيفية انتقاله من الحيرة الى بغداد ومحاولاته التعلم في مدرسة أهل جنديسابور الطب. حيث كان يقرأ على يوحنا بن ماسويه. وكان المعروف عن حنين كثرة السؤال والاستفسار. مما كان يحرج أستاذه بحيث دفعه مرة إلى الاستهزاء به وطرده تخلصا من إلحاحه في السؤال وتخوفا من انتقال معارف الطب الى "أهل الحيرة"! وتنسب لأستاذه عبارة يخاطبه بها "ما لأهل الحيرة ولتعلم صناعة الطب"! وان من الأفضل له تعلم الصيرفة وخداع المشترين والمتاجرة بالمال المزيف! وقد مّست هذه العبارة أعمق أعماقه، ووضعته أمام تحد للنفس والإرادة. وفيها كانت تكمن فضيلة الرذيلة! لاسيما وأنها المعادلة الخشنة للوجود التي عاني منها حنين بن اسحق لاحقا وعلى امتداد حياته بحيث جعلته يعجب أيما إعجاب بأستاذه الروحي جالينوس القائل، بأن الأخيار من الناس قد ينتفعون بأعدائهم الأشرار!

لكن حقيقة الفائدة تتراكم في مجرى تربية الإرادة. وقد ربى حنين بن اسحق حقيقة الإرادة بوصفها سعيا علميا أخلاقيا. ومن الممكن رؤية ملامحها العديدة والمتعددة في كمية ونوعية المحن التي واجهها من جانب السلطة وحاشيتها. إذ تروي كتب التاريخ والسير والطبقات الامتحان الذي لاقاه على يد المأمون من اجل التأكد من أمانته العلمية والمهنية. انطلاقا من أن تقريب الطبيب من الملوك يحتوي بقدر واحد على قوة الشفاء والشقاء. لاسيما وان السفر الطويل لحنين بن اسحق إلى بلاد الروم وتعلمه اللغة الإغريقية وأصوله النصرانية كانت آنذاك تلعب دورا محتملا في استغلاله لصالح القوى المتصارعة. غير أن حنين استطاع تجاوز هذا الامتحان الصعب. وقد كانت عاصمته وحدة الأخلاق والعلم. انطلاقا من أن مهنة الطب ترمي الى شفاء الناس لا شقاءهم، وان حقيقة العلم تفترض التمسك بقيم الفضيلة والإنسانية. وقد أعجب المأمون بشخصيته وقرّبه بحيث جعله احد أطباء البلاط ومترجمي دار الحكمة. وقد شغل هذا الموقع لاحقا حتى مماته.

وقبل أن يصل إلى هذه الحالة فانه قد تعرض لمحنة زمن المتوكل أقسى وأصعب واشد إثارة لليأس من سابقتها. غير أن حنين اجتازها استنادا الى نفس المبدأ القائل بان العلم فضيلة والفضيلة علم. أحداهما للعقل والأخرى للإرادة. وكلاهما يصبان في مصب المصير الشخصي والتاريخي. فإذا كانت المحنة الأولى امتحان السلطة إياه من اجل اختبار إخلاصه للسلطة والعلم، فان الثانية كانت محنة الشخصية الصاعدة في وسط متميز بالصراع وحسد المهنة ورذيلة الانغلاق ونفسية وذهنية الأقلية. وقد اجتازها حنين بن اسحق بالشكل الذي جعله ارفع شخصيات العلم الطبي آنذاك وكبار المترجمين. وقد ترجم لهذه المحنة الشخصية في إحدى الرسائل الجميلة بوصفها إحدى الاعترافات الدقيقة عن خلجات نفسه وعذاباته وهمومه. لكنها تعكس بالقدر ذاته شخصيته الرفيعة ونبلها الكبير. وقد يكون ذلك احد الأسباب الخفية وراء تأليفه لكتاب (الطبيب الفاضل يجب أن يكون فيلسوفا) و(محنة أفضل الأطباء).

وليس ذلك معزولا عن المرجعية الفكرية والروحية القائلة بأن (العقل السليم في الجسم السليم) وكذلك مرجعية التجانس الضروري بين العقل والوجدان وغيرها من الثنائيات الكبرى التي تلازم ارتقاء الحضارة وتكاملها الذاتي. ففي مجراها عادة ما تتصارع وتتعايش، وتتحد وتختلف الأذواق والآراء والمواقف والشخصيات بقدر اقترابها أو ابتعادها عن إدراك هذه الثنائيات الكبرى وتحقيقها الفردي. وليس تجارب الشخصيات الكبرى سوى الصيغة الفردية لهذه الظاهرة التاريخية، التي تعطي لكل منهم مذاقه وموقعه في تاريخ الروح الثقافي. إذ تحتوي هذه التجارب على تنوع يصعب أحيانا إخضاعه لمنطق صارم. مع انه يتغلغل في كل مسام الأفراد والتاريخ والروح بصورة لا تخلو من أثر الدراما الدامية أحيانا للحقيقة القائلة، بان عصمة الأنا الكبرى محكومة بالعلم، وان العلم الحقيقي هو مصدر الرؤية الأخلاقية المتسامية. بمعنى أن العلم الحقيقي هو الذي يعصم الإرادة الفردية من التحلل والانهيار أمام تيار الزمن الفارغ وغبار السلطة والجاه والأهواء.

 

ميثم الجنابي

 

 

نعم إن هناك ثمة فرق بينهما وهذا ما نرصده في دلالة اللفظ في كتاب الله المجيد، وكذا نرصده في لغة العرب، ولكن بعض أهل التراث قد خالفوا في ذلك، من غير دليل سوى ذلك القياس الباطل والمظنة، حينما جعلوا اللفظين بمعنى واحد وهذا منهم خطأٌ بيَّن، وفي مقامنا هذا سنحاول التدليل على طبيعة الفرق بينهما ... أين وكيف ؟، فوحدة المعاني المُدعاة قد وفدت إلينا وقد هيمنت على لغة الكتاب المجيد بفعل سطوة الشعر ومريديه، وقد كان ذلك بفعل وأثر مضافات الخلفاء والسلاطين الذين وظفوا الشعر كوسيلة في الدعاية والإعلام، مما أثر سلباً على لغة الكتاب المجيد وفهم معانيه ودلالاته، ومن بين من تأثروا بهذه النزعة [الإمام الشافعي الفقيه والشاعر]، وأثروا حين أسترسل في الدمج بين لغة النص ومقولات أهل الشعر، مما أنتج في تراثنا مفهوم - الترادف -، ذلك المفهوم الذي حّرَف الكثير من المعاني والدلالات و جر إلى إرتكاب الكثير من الأوهام في الأحكام وفي الموضوعات .

هذه النزعة الخاطئة كان ضررها في فهم الكتاب المجيد ومعانيه جليٌ وواضح، وفي بحثنا عن معنى - بكة ومكة - تلمسنا ذلك ووجدنا كيف تسنى لبعض التراثيين الدمج بينهما ليكون معناهما واحداً، والحال إنهما صيغتان مختلفتان لفظاً ومعناً، واللسان العربي حين تناول تعريف هاتين الكلمتين أعطى لكل واحدة منهما معناً معيناً خاصاً، ففي وصفه لمعنى - بكة - قال: - إنها لفظ أصيل ثنائي المصدر من - بك يبك بكة أي زاحم مزاحمة - والمزاحمة صفة دالة على الكثرة أو من، وبما إن الموصوف بها الناس، لذلك قال للناس في وصف واقع الحال -، وهكذا قال أبن منظور: - وبك الرجل صاحبه يبكه بكاً أي زاحمه -، قال أبن دريد هي من أفعال الأضداد، قال الزجاج إن: - كل شيء تراكب فقد تباك -: - وتباك القوم أي تزاحموا - .

وفي الكتاب المجيد وردت الصيغة كمبني للمعلوم للدلالة عن الشيء المحكي عنه، ولم ترد بصيغة المبني للمجهول أو للمتصور أو الذي سيكون في المستقبل حتى يمكن ربطها في أماكن أخرى فلا تبادر هنا ولا توافق من حيث البناء اللفظي، ذلك لأن المولى حين وضعها في سياقها الموضوعي كان يريد معناها بحسب الوضع الطبيعي لها، وهكذا يكون كل لفظ في الكتاب المجيد دالا على معنى محدد مقصود يريده الله ويدعونا لتدبره، ومن هنا يتبين خطأ قول القائل: - إن القرآن حمال أوجه - فالقرآن لا يحتمل الوجوه المتعددة إنما له وجه واحد، دعانا لتدبره من خلال تأويله، ولذلك: - [لا يصح في القرآن أن تقول ويقولون] - إنما الصحيح هو قول واحد لمعنى واحد، يكون مُرادا من قبل الله بذاته لذاته لا يتعدآه إلى غيره، وأما ما نُسب إلى الإمام علي في هذا الشأن من الحوارية المزعومة مع عبدالله بن عباس بعد قضية التحكيم، فليس عندنا بشيء لسقوطها سنداً ودلالةً .

ونفي الترادف في الكتاب المجيد هذا المعنى مقصود وواجب تعميمه لكي يتسنى للجميع التعرف على كتاب الله وفهم معانيه، ومنع الترادف يكون بجميع فصول الكتاب وأبوابه، وهذا يعني: - إن الألفاظ في الكتاب المجيد إنما وضعت لمعاني محددة وخاصة وذات دلالة معينة لا تتعدها إلى غيرها - .

فمثلا لا يصح في الكتاب المجيد: - [أن نقول إن البيت الحرام هو المسجد الحرام، كما لا يصح القول بإن ذهب بمعنى مشى، ولا يصح أن نقول: - إن جاء بمعنى أتى وهكذا ...]، وهذه القاعدة تجري في الأفعال كما في الأسماء والصفات:

وحينما يقول الله: - [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ] – آل عمران 96 ..

هو لا يعني أبداً القول: - إن بكة هي مكة - ولو أراد ذلك لذكره من غير زيادة في اللفظ أو تحريف اللفظ، ثم إن للكتاب لغة واحدة وحرف واحد ولم ينزل على أحرف متعددة تبعاً لتعدد لهجات العرب وقبائلهم، ولو كان ماذكره بعض المفسرين في هذا المجال صحيحاً لسادة الفوضى وعم الإرتباك كما هو حاصل لدى بعض التراثيين، - فأول بيت - لا يعني البيت الحرام ولا يعني الكعبة المشرفة ولا يعني المسجد الحرام، ذلك لأن - لفظ البيت هنا يدل على المكان الذي يستقر به الناس ومع ضميمة مباركاً وهدى - فيكون المُراد به إعتباراً مكاناً خاصاً للعبادة في صيغتها المطلقة، وبكة كما هي في النص ليست من أسماء مكة ولا العكس، ولا يكون ذلك من أسمائها لا من باب العموم ولا الخصوص، وأما ما قيل هي عادة عربية في إستبدال الحروف تمشياً مع لهجات العرب وقبائلها كما يدعي مدع ذلك، فهذا ليس صحيحاً في لغة الكتاب -، ذلك لأن الكلام في النص إنما يتحدث عن [البيت الأول] الذي وضعه الله للناس لكي يعبدوه فيه ويوحدوه ولم يتحدث عن المسجد الأول، والبيت أصله ثلاثي صحيح من بات، ويعني المكان الذي يأوي إليه الفرد أو الجماعة ويتخذوه سكناً، وأما المسجد فأصله من سجد الفعل الثلاثي المصدر الدال على مكان السجود ومواضعه قال تعالى: - [وإن المساجد لله فلاتدعوا مع الله أحدا] - الجن 18 .

ولفظ - وضع - بمعنى جعل أو صيَّر، ولا يكون الجعل منفصلاً عن الوضع الطبيعي لواقع الحال والمُراد به هنا - الناس -، الذين يُراد لهم أن يهتدوا كجماعة ولذلك جعل لهم هذا - البيت - كمكان للعبادة، وهذا الوضع كان بإعتبار ما يُراد منهم فيه، نقول إعتباري وليس حقيقي، ودليلنا قوله تعالى: - [قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ...] - البقرة 144، فالمتأمل لهذا النص يشعر بأن - المسجد الحرام - لم يكن قبلة الناس التي إليها يتوجهون، وإنما وضع للمؤمنين بعد حالة التقلب التي عاشها النبي والرسول محمد، والتحول يجب النظر إليه بإعتبار ماهو مُراد بحسب واقع الحال التي عاشها النبي، أي في اللحظة التي تم فيها التحول تم الوضع الجديد أو الجعل الجديد، ونعود لنقول: - إنه في الإعتبار العقلي ليس من الحكمة أن يوضع - بيتاً - للعبادة من غير وجود عُباد، وهذه العملية في المنطق الطبيعي عبارة عن نسبة وتناسب .

وأما دلالة النص فهي في مقام وصف الحال الذي كان، والذي كان مرتبطاً بحاجة كان يدعوا لها الله، وحتى تتم على وجه أكمل وصحيح، كان يجب ان يكون للناس مكاناً يعبدون الله فيه فجُعل هذا - البيت - بمثابة المكان الذي يلبي هذه الحاجة، وهذه كما ترى صيغة وصفية وليست صيغة تقريرية ثابتة، هذا الكلام الوصفي كان مرتبطاً بالحاجة الواقعية التي كان يريدها الناس، فكان البيت في المكان الذي سماه - بكة - وفي التعريف فهو مكان مكتظ بالسكان ومزدحم، [وفي التاريخ القديم ليس سوى الحواضر المعروفة في العراق والشام ومصر هي ما يصدق عليها هذا الوصف كالمدائن ومدين وأور وبابل وآشور]، الحواضر التي كانت تحتضن دعوة الأنبياء والرسل، ولهذا نقول: - لا يُعقل أن يضع البيت للناس في مكة الخالية من الناس والبشر -، وبحسب هذا المنطق لا تكون - بكة - بمعنى - مكة - ولا تصح صفة وموصوفاً ولا دلالة وأسماً، كما إن - البيت الأول - الذي وضع للناس ليس هو - البيت الحرام - ولا هو كذلك - الكعبة المشرفة -، فالبيت الحرام التي قال عنها الله: - [رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ] إبراهيم 37، وبحسب الطبيعة والوضع لا يكون الوادي الذي لازرع فيه مكاناً مأهولاً، وبحسب المدوناة التاريخية والرُقم فإن موضوعة التوحيد وعبادة الإله الواحد لم تبتدأ في - مكة -، إنما كانت أولاً في الحواضر التي ذكرناها، فإبراهيم النبي ونوح النبي وتمام أنبياء بني إسرائيل وعامة أنبياء الملل الأخرى كانت هناك، نعم حصلت نقلة بحسب الكتاب المجيد عمل عليها إبراهيم النبي حين أسكن من ذريته بواد غير ذي زرع، هذه النقلة جاءت لا حقاً بحسب موضوعة العبادة لله والتوحيد، وجدلياً يكون مفهوم رفع القواعد من البيت يكون رفعاً لا حقاً بعد أن كثر الناس وأزدحموا - والقواعد هم من يتخذون من البيت مكاناً للتلهي، مُشكلين حاجزاً يمنع العُباد من أداء وظائفهم، والقواعد كناية عن هؤلاء الرجال والنساء، قال تعالى: - [وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ] 127 البقرة، - فإبراهيم النبي يرفع القواعد من البيت وليس للبيت -، وذلك لا يعني العمارة والبناء كما توهم غير واحد في ذلك، والنص مورد البحث في آل عمران يتحدث عن أول بيت وضع للناس، وفي صورة تقريبية قال إن فيه: - [فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ ....] - 97 آل عمران -، فإبراهيم النبي أقام في المكان الذي كان أول بيت وضع للناس، وبقرينة أول فيكون هذا البيت سابق لوجود إبراهيم نفسه، إنما أقام إبراهيم في بكة التي فيها - أول بيت -، وبحسب الملازمة التاريخية والدينية يكون البيت مرتبطاً بما يعمره من الناس، وبمفهوم التقابل يكون - البيت الحرام - هو ليس - أول بيت - وضع للناس، بل جاء الوضع لا حقاً بحسب مفهوم قوله فلنولينك، ثم إن الصحيح بحسب المدوناة التاريخية القديمة، ان المكان الذي عاش فيه ابراهيم أتخذه الناس مصلى وموضعا لعبادة الرحمن بعد ان دعاهم ودلهم ابراهيم على ذلك .

فإن قيل: - فأين موضع قوله تعالى: - [ولله على الناس حج البيت ..] من هذا ؟ .

قلنا: - إن الكلام هنا يفيد المغايرة، خاصةً بلحاظ وجود حرف العطف، أعني إن هناك شقين من الكلام الأول منه: - ويقرأ في قوله تعالى - إن أول بيت وضع للناس -، والثاني نقرئه في قوله تعالى: - ولله على الناس حج البيت -،

ولكل من هذين الشقين دلالته الخاصة، ففي الأول كان الكلام عن مطلق العبادة، وفي الثاني كان الكلام عن جزئية منها وهو الحج، [والحج ومناسكه أرتبط بفعل إبراهيم النبي وماقام به، وجرت على أثره تباعاً الحنيفية] .

قال أهل العلم: - إن النقلة التي حدثت مع إبراهيم النبي أرتبطت بتطور مفهوم العبادة نفسه لدى الناس -، كما وقد تبلورت الصيغة النهائية للحج مع النبي محمد .

.........

ولكن ماذا عن مكة ؟ وكيف جاء ذكرها في الكتاب المجيد ؟

لم تذكر مكة في الكتاب المجيد إلاَّ مرة واحدة وكانت على النحو التالي، قال تعالى: - [ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ]، الفتح 24 -، وفي هذا النص نلتقي بمراتب عده أولها معنى - كف - والمُراد منه، وثانيها معنى - أيديهم عنكم وأيديكم عنهم - والمُراد منه، وثالثها معنى - ببطن مكة - .

وفعل - كف - فعل ثنائي صحيح ومعناه منع أو صد أو صرف، والفعل يتضمن المن من الغير، وفي هذا النص يكون المن من الله، أي إنه هو من صرف ومنع الإعتداء أو الإقتتال، بوجود القرينة الظاهرة في قوله – أيديهم عنكم وأيديكم عنكم -، يعني إن الله صرف عنكم القتال والإشتباك مع العدو، ولأن لهذا الدفع والصرف محل ومكان قال إنه في - بطن مكة -، ولم يقل في - مكة - وكذلك لم يقل في المسجد الحرام ولا في الكعبة، وفي هذا نحن أمام مفردتين الأولى هي مكة إنما ما نريده هو التعرف على معنى لفظ - مكة -- وما سبقها أعني - بطن مكة -، فنحن إذن أمام مفردتين الأولى هي ( مكة ) - وماذا تعنى وماهي حدودها ؟ والمفردة الثانية هي - ( بطن مكة ) - وماذا تعني لغةً وحقيقةً ؟، ففي التعريف المعجمي المتداول جاءت مكة من - المك - وهو المكان الجدب الذي يحت حتا، قال أبن فارس في المقاييس: - [ - مَكَّ - يمك مكة، هو من - الميم والكاف - وهذا أصل ثنائي صحيح للكلمة، والذي - يَدُلُّ عَلَى انْتِقَاءِ الْعَظْمِ -، فيقال: تَمَكَّكَتِ الْعَظْمُ، أي أَخْرَجَتْ مُخَّهُ، وَامْتَكَّ الْفَصِيلُ مَا فِي ضَرْعِ أُمِّهِ: شَرِبَهُ .... ] -، ووفق هذا التعريف تكون اللفظة دالة على الشيء الذي يكون جافاً وناشفاً، وفيه إمارات التصحر بادية، واضحة، حتى إن الله لما ذكر المسجد الحرام الذي هو في مكة قال في وصفه بلسان إبراهيم النبي: - [رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ] 37 إبراهيم - أي إنه يقع في منطقة صحراوية قاحلة لا ماء فيها ولا زرع يجعل من الحياة ممكنة فيها . .

وأما قوله:- ببطن مكة - البطن لغةً تعني الجوف أو الشيء المتوسط، وقولنا - الشيء المتوسط - قول مجازي يناسب المعنى الدارج في ألسن الناس، وذكره مسنداً للدلالة على المسند إليه، قال الراغب في المفردات: - البطن أسفل الجسم -، وهذا بلحاظ ما عليه عامة الحيوانات من حال، والبطن بتعريف أبن خالويه: - هو لفظ مضاف إلى المكان وفي هذه الحالة يُراد به وسطه - أي وسط المكان، ولهذا قال بعض المعاصرين: - البطن هو المركز - لأهميته !!! ...

ولا بد لنا من القول إن - بطن مكة - لا الكعبة ولا المسجد الحرام -، وهذا القول بينه النص 24 من سورة الفتح حين قال: - ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ) -، فكف الأذى وقع من جهة التاريخ في منطقة الحديبية والتي إليها يُنسب – الصلح المعروف - والذي يشير إليه النص المذكور، وهذه القرينة الحالية تدل على أن المُراد بها ليس المسجد الحرام، والذي لم يقع فيه أي إشتباك بين المسلمين وغيرهم في عهد النبي محمد كما قلنا .

ولو تأملنا صيغة - كف - وجملة: - [ايديهم عنكم وأيديكم عنهم]، نعلم إنه لم يحصل بين المسلمين والمشركين في عهد النبي محمد في – المسجد الحرام - قتال البته، وما أشار إليه النص 24 من سورة الفتح فقد حصل - ببطن مكة - التي هي كما قلنا منطقة الحديبية، وهي المكان الذي تم التوقيع فيه على إتفاقية الهدنة بين النبي ومشركي قريش، والحديبية هي منطقة تقع على الطريق بين مكة وجدة، وهي إلى مكة أقرب وهي متوسطة بين الحل والحرم، ولا بد أن نشير إلى إن حرف الباء في - ببطن مكة - متعلق بفعل كف، ويعني إن الكف قد حصل في بطن مكة وليس في المسجد أو توابعه .

قال أهل العلم لذلك جاءت جملة - [من بعد أن أظفركم عليهم] - تابعة في مقام التقرير للحال، والظفر أعم في الدلالة من النصر، لأن فيه تضمن حصول الفتح من غير قتال، قال صاحب عمدة الأصول: - والظفر يكون بمعنى الفوز حينما نحصل على المطلوب من غير قتال -، ومن هنا عَّد أهل الميزان: - الفوز بالمطلوب من غير قتال مطلوب بذاته لأنه يُغنينا عن الدماء والدمار - .

ونقول: - والفوز بالمطلوب من غير قتال إنما يهيء القاعدة التي من خلالها يتم إبلاغ الرسالة ونشر الدعوة من غير معوقات -، وهذا ما حصل للنبي بالفعل من خلال الصلح، والذي به أُتيح له أن يُبلغ رسالته من غير خوف، بل وخلق لدى الجماعة المؤمنة زوح جديدة مكنتهم من إداء رسالتهم وبث دعوتهم بين القبائل من غير مزاحمة ..

وللتذكير فقط نقول: - إن مكة أسم عام يطلق على كل هذه المنطقة التي تضم الحديبية والمسجد الحرام، وقد جاء وصفها في الكتاب المجيد على أنها - أم القرى والبلد الأمين، وهذا يفهم من السياق كصفة لموصوف معلوم كما في قوله على هذا النحو

قال تعالى: - [... وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا] – الأنعام 92 - .

وفي سورة التين قال: - [...وهذا البلد الأمين ..] - التين 3 .

و من هنا يتبين إن مكة هي عنوان عام لمطلق المكان، وأما المسجد الحرام فهو جزء منها أو فيها، والمسجد الحرام أُقيم بواد غير ذي زرع بحسب الوصف التالي: - [ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ .... ] إبراهيم 37 - .

وخلاصة الكلام: - وما تبين لنا من خلال البحث في لغة الكتاب ودلالته، إن بكة هي ليست مكة وإنهما مكانيين مختلفين وفي بلدين مختلفين في عصرنا هذا، وإنما جعلت مكة ومسجدها قبلة للناس بعد ذلك التحول الذي حصل لغاية معلومة ...

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

24 – من رمضان 1439 هجرية

 

 

مجدي ابراهيميأسفُ المرء كثيراً حين يرى البعض منّا يخلط خلطاً عجيباً بين "الحقائق" و"الأوهام"، أو بين "العلم" و"الخُرَافة" أو بين "الصدق" وما يناقضه من أكاذيب وافتراءات. والتصوف - موضوعُ هذه المُدَارسَة - كعلم يعتدُ به ويعتز من عارفي فضله أيَّما اعتزاز، وهو كحقيقة تتوافر فيها مقومات الصدق، يخضع كثيراً اليوم كما كان يخضع في الماضي البعيد لافتراءات المفترين وأكاذيب المُدَّعين وتوقح المتوقحين. ومن عجب العجاب إنك لترى فئات تضفي على التصوف طابع الدروشة والاتكال على الخرافة، وتحاربه باسم العلم الحديث أو العقلانية الفلسفية النظرية أو التجريبية العلمية، وتنأى بما تضفي عليه من هذا الطابع عن حقائقه وعلومه ومعارفه الذوقية !

قبل سنوات، عندما كنا نقرأ عن التصوف والصوفيّة كلمات ناقدة مستفزة كان الحماس يدفعنا بلا تردد للرد عليها فوراً. واليوم لم نجد في أنفسنا حماسة لمجرد دفع اللغط المنفّر الذي يسوقه الجهل أو المرض. وقد تبيّن لنا إذْ ذاك إنها مجرد آراء صادرة عن أناس لا يتعمقون الرؤية أو ينساقون وراء معتقداتهم النظرية أو توجهاتهم العقلانيّة أو يندفعون بدوافع مرضية أو بواعث غير علمية تصرفهم عن التتبع والنظر العلمي الدقيق لظاهرة التصوف في الوجدان البشري كونها ظاهرة حضارية.

ما من أمة من الأمم العالمية إلا ووجد في قمتها التصوف، في قمتها لا في قاعها، لكنه يستند إلى مضمون العقيدة التي يدين لها بالولاء؛ ففي أمم الشرق القديم، مصر وفارس والهند والصين تصوف، وفي حضارة اليونان تصوف، وفي الأديان الكتابية وغير الكتابية تصوف، وفي اليهودية فِرَقٌ صوفية، وفي المسيحية تصوف، وفي الإسلام تصوف؛ لأن التصوف لاشك عمل روحي متصل بالروح الإنساني على التعميم لا يخلو منه دين ولا معتقد. لكن أمثال هؤلاء الذين يسبّون التصوف ويسيئون إليه ويعتبرونه سذاجة ودروشة وسبباً مباشراً لتخلف المسلمين، هم لا يعرفون عن الإنسان إلّا كتلته المادية وأشياؤه المحسوسة، ويتحركون في إطار ما ينظرون ويحسّون ويلمسون، هم مفلسون في القيم الدينية، الإيمانية والروحيّة على التحقيق.

كثير من الفلاسفة وعلماء النفس، عدوا التصوف هو العبقرية الدينية فعلاً، بلا تحيز؛ إذْ كانوا ليسوا بصوفية حقيقيين بل فلاسفة نظريين وعلماء تجريبين ركزوا دارستهم على الحالات الصوفيّة كونها فوق طور الوعي العادي. والوعي العالي لا يُقارن بالوعي العادي مطلقاً ... لا في اللغة ولا في الإشارة ولا في العبارة ولا في الفكرة ولا في التَّوَجُّه. ولسنا بحاجة إلى ذكر أسماء أكثر من الإشارة إلى كتابات هنرى برجسون ووليم جيمس (W. James)، وجومز (Jomes) وإريك فروم، أو كتابات ليوبا، وباستيد، وأندرهل (Underhill)، وثولس، وغيرهم من علماء النفس الديني للوقوف على تلك العبقرية الدينية في أعمال المتصوفة وإشاراتهم الرمزية.

النصوص الصوفية الممتازة لا تصدر عن وعي عادي مطلقاً، وهل كانت نصوص النّفري وابن عربي والصدر القونوي وابن سبعين أو حتى نصوص ابن عطاء الله السكندري والنوري والجنيد من قبله، صادرة عن وعي عادي؟ من يقول بهذا يجهل التصوف كما يجهل الكتابة عنه، وبالتالي لا يستمرء تذوق أشارت الصوفية، فيخبط فيها خبط عشواء؛ فيجيء كلامه من ثمَّ لا يستحق عناء الرد عليه؛ لأنه كلام فارغ من المعنى مضيعة للوقت والجهد. من أجل هذا؛ عزفنا عن الرد، وفقدنا الحماسة حتى في قراءة النقد

ولما كنتُ من المختصين في هذا الفن العالي، فقد يسوؤني أن أرى مثل هذا اللغط العجيب دالاً على فراغ العقل والوجدان من القيم العلوية؛ ولا يتحرك قلمي دفاعاً عن حقائق التصوف ضد أباطيل خصومه؛ ولست في الحق مَعْنيَّاً كما قلتُ في هذه العُجالة بالرد على أولئك الخصوم؛ فإنّ هذا ليس من شيم الصوفية ولا من آدابهم، بمقدار ما يعنيني أن أقدّم بين يدي القارئ الكريم كلمة عن الطريق : أدبياته وأذواقه في إطار المنهج والغاية، ليرى معي عما إذا كان التصوف حقيقاً بتلك الصفة، أو كان هو على النقيض تماماً لما يصفه الواصفون بأوصاف يجهلون فيها الحقائق كما هى عليه ليأخذون بما تبقى لديهم من أباطيل.

وإنه لشيء بغيض جداً أننا نروح فننكر - وتاريخ التصوف الإسلامي كله مُعَرَّض من أهل الغفلة والافتراء للإنكار! - ننكر الحقائق الواضحة بذاتها من طريق غير طريقها، وبأدوات لسنا بقادرين على امتلاكها أو حتى الوقوف عليها، ناهيك عما إذا كانت تلك الأدوات ملكات نفس باطنة ومواهب تُفَاض فيضاً في عالم التجريب.

يَكشفُ التَّصوف مخلصاً على الدوام عن "عنصر القيمة في الوجود الإنساني"، وتشرق في أبوابه وموضوعاته مثل هذه"القيمة" التي يفتقدها الباحثون في غير أبواب التصوف وموضوعاته. التصوف ليس دروشة ولا حذلقة ولا إدعاء، ولكنه حياة روحية خالصة في رحاب القيم . لك - إنْ شئت - أن تفك خيوط الحيوات التي يعيشها المتصوفة حالاً بعد حال، ومعراجاً وراء معراج، وفي كل حال حياة، وفي كل معراج ثورة باطنة فريدة يتميز بها الصوفي بمزية الصمود في الطريق الذي ينشده، وفي الغاية التي يرومها؛ فماذا تراك واجداً غير القيم العلوية الكبرى تضبط تلك الحيوات بضوابط التفرد والاستقلال؛ والطلاقة الروحية النادرة، يعزُّ وجودها إلا من الأفراد، الأفذاذ، الأبطال، القدراء؟

التصوف أسلوبُ متفرِّد في "الحياة الروحية"، وحركة منظمة من أجل العمل خدمة لله، يصدُر عن أناس مُتَفرِّدين، لهم في الحياة منهج، وطريقة، وصعود، ومعراج؛ فالإرادة التي يتمتعون بها قيمةُ من القيم الكريمة الباقية. والكمالُ الذي يتوخونه قيمةُ من القيم الكبرى الباقية. وكل فضيلة من الفضائل الإنسانية هى في أرقى مباهجها قيمة علوية من قيم التصوف سواء عرفناها نحن أم لم نعرفها، أدركنا حقيقتها أم لم ندركها، لكنها في مجملها هى الفضيلة التي تصدر من المتصوفة عن إدراك وتهذيب.

والذوقُ الصوفيُ (لا الحدس الفلسفي) هو الأصل الأصيل في المعنى الذي يصيبه إدراك المتصوف العرفاني حيث لا يرى لغيره معنى آخر غير الحق الذي يراه باستمرار حقيقاً بالإتباع والممارسة والمعايشة والحياة، حضوراً وتجربةً على الدوام بغير انقطاع.

وللذوق الصوفي (لا الحدس الفلسفي) أدبٌ عرفانيٌ جليل هو هو العنصر الحركي ذو الفاعلية "القيميَّة" التي تحكم بدورها طبيعة "التجربة الصوفية" في مسيرتها الفاعلة، يخوض غمارها المتصوف غير مشغول بعوارض الطريق.

هذا الأدب العرفاني هو في الأصل إدراكُ وتهذيب أو - إنْ شئت قُلْتَ - تهذيباً وإدراكاً هو نفسه التهذيب الذي تتجلى فيه "فاعلية القيمة" بمقدار ما تتجلى فيه تماماً تلك الصورة المُعَبرة عن مدارك صاحبها : عن وعيه وطاقاته الروحيّة، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية؛ هو إدراك أولاً, ثم تهذيب ثانياً، بمعنى أن المتصوف في هذه الحالة يدرك الحقائق بوعي خاص به، هو ذلك الوعي المجمل الذي يتميز به عن غيره من جملة مدركين. فلئن كان هذا الإدراك العرفاني هو الوسيلة الوحيدة إلى التهذيب فيما لو كان التهذيب غاية يرومها العارفون؛ فهو هنا الكاشف لا محالة عن عنصر القيمة بإطلاق.

ولو إنك نظرت إلى الجهة المقابلة تجد أنه : لا إدراك إلا بتهذيب، حيث لا تدرك القيمة إلا بمقتضى ذلك التهذيب؛ فالتهذيب بدايةً فيه صورة أدبية تنقلها لنا شاعرية المتصوف ولطيفته الجوانيّة في عاطفة إيمانية نبيلة وقوية في آن، فهو من هذه الجهة وسيلة لاشك فيها تؤدي إلى الإدراك الذوقي حقيقة لا مجازاً؛ بخاصيّة العرفان الموقورة فيه والمستقرة في أعماقه الباطنة حتى إذا ما انتقلنا في التصوِّر درجة، نرى الإدراك الذوقي هذا هو بالضبط المعدن الأصيل لأدبيات أذواق الصوفية؛ فهو من تلك الجهة الأصل، أما الثمرة فهى التهذيب، وأنا أعني بالتهذيب هاهنا ذلك النظام الأخلاقي الكامل المتماسك - والكاشف أيضاً عن عنصر القيمة بوضوح لا غموض فيه - وهو الذي عُرفت به إشارات الصوفية ومواجيدهم الذوقية .

ومادام العرفانُ خاصية العارف الأولى والأخيرة، صارت الصورة الأدبية التي يعلمها هى هى الصورة الأدبية التي يدركها. وأقول؛ "يدركها"، وأنا أعني ما أقول، وأؤكد على هذا الإدراك؛ إذا نحن علمنا إن الإدراك يعنى هنا هو تلك الخاصة الذوقية يجيء دلالة وعلامة على إدراك العارفين. فالإدراك المقصود هنا إدراك ذوقي، وهو شيء آخر غير "العلم".

العلم شيء والإدراك شيء آخر، وليس بين العلم والإدراك لدى المتصوف فرقٌ كبيرُ. لكنما الفرقُ يظهر عند غير المتصوف : علمك بالشيء غير إدراكك له؛ فقد تعلم عن الشيء الكثير ومع ذلك لن تستطيع أن تتذوق من عبابه الفياض قطرة واحدة؛ فأنت من ثمَّ تعلم عنه علماً خارجياً بعيداً عن الإدراك. أمّا حين تدركه فأنت غائرٌ فيه من الداخل، عارفٌ بمعاناته، مدركٌ لمعطياته الباطنة بالفعل الذي لا زيادة لك فيه ولا وسع لديك أن تقدم سواه؛ خذ مثلاً على هذا مضروباً لك "بالإيمان" في أقرب مصادره ومسالكه : كلنا يدعي الإيمان، يدَّعيه بالكلمة مجرد إدعاء، ويروح فيعبِّر عن هذا الإدعاء بألفاظ يستوحيها بالكيفية التي تثبِّت له هذا الإدعاء؛ فمنَّا من يعلمه قشرة سطحية وظاهراً عرضياً؛ فيأتي علمه لفظاً ما جاوز الأشداق؛ فها هنا يكون مجال العلم وكفى.

ولكن مجال العلم غير مجال الإدراك، مجال الإدراك هذا يقتضي أن يغوص الفرد منا في الإيمان ليستغرقه من جميع أقطاره فيدركه إدراكاً ذوقياً وفق خبرة روحية هيأتها له حركة التجربة، وفي تلك التجربة يرسخ الإيمان في القلوب، لكنه إذْ يَرسخ لا مناص له من قوتين أساسيتين : أولاهما قوة "مانعة". وثانيتهما قوة "دافعة". وبغير هاتين القوتين لا محل للإيمان الراسخ في القلوب ولا مكان لتذوق حلاوته إذا نحن قطعنا النظر عن فاعلية القوة الأولى "المانعة" أو قطعناه عن فاعلية القوة الثانية"الدافعة". والقوتان هما مناط إدراك المدرك لفعل الإيمان، وهما أيضاً قوتان فاعلتان : إحداهما، وهى الأولى : مانعة حافظة حاجبة. والثانية : دافعة مثمرة حاصلة، وحصولها في أنها تسبِّب يقيناً مثل هذا الرسوخ المشار إليه سلفاً.

ولا يتأتى رسوخ الإيمان الحقيقي في القلب الصالح بغير تفعيل هاتين القوتين؛ فكلتاهما قوة إيجابية فاعلة, وليست أحداهما سلبية كما يُتوهم والأخرى إيجابية، ولكن كلتا القوتين إيجابية، وإيجابيتها في تقرير الحركة؛ إنْ من جهة المنع وإنْ من جهة الدفع، وهما معاً يعملان جنباً إلى جنب، وكلتاهما سيدة قرارها : تقرِّر الأولى فعل "المنع"، وتحقق الثانية فعل "الدفع". الأولى : مانعة للنفس من المعصية، وهذا عمل إيجابي في حد ذاته؛ وبمقتضاها يكون "التخلي" عن الآفات والشرور والقواطع والأغيار والأشواك والمعاطب وكل ما يقف حائلاً للمرء في طريقه. والثانية : دافعة للنفس إلى الطاعة وفعل الخيرات، وهذا فعل إيجابي كذلك ينمو ويذكو ويترقى، وبمقتضاه يكون "التحلِّي" بأفضل ما تتحلى به النفوس الصالحة.

الأولى : تحفظ النفس وتحجبها عن الشرور والآثام. والثانية تدفعها إلى الفضائل والخيرات، وهى في طريق هذا الدفع تثمر وتفيض وتعلو بصاحبها في سبيل الإدراك؛ فإذا بلغَتْ هذا المرتقي الكريم، فقد بلغَتْ من الإيمان مبلغه الراسخ في غير زعزعة وفي غير اضطراب، فيحصل من ثمَّ قوة مانعة عن أن تزيل رسوخ الإيمان من قلوب المؤمنين.

وليس يخفى أنه من تفاعل القوتين بعضهما مع بعض، شدَّاً وجذباً، ومنعاً ودفعاً، وتحلياً وتخلياً، تنشأ "الإرادة" وتتربَّى حتى تستقر طبعاً في النفس المريدة لا يزول.

وللحديث بقية

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيمنَفَذَ شَاعرُنَا العربي ببصيرته إلى حقيقة النفس البشرية عندما قال إنها باستمرار تنزع إلى الرغبات إذا هى وجدت المساندة من صاحبها؛ فيشتد بها هذا النزوع حين يدفعها إلى ذلك، لكنها في الوقت نفسه تكتفي بالقليل لو إنها ارتدعت وكفَّت عن النزوع إلى الكثير الذي تريده؛ فحيث يكون الرضى ترضى، وحيث تكون الرغبة ترغب، وما يُقال عن الرضى والرغبة يُقَالُ كذلك عن إرادة الامتناع، فحيث يكون المنع تمتنع، وحيث تكون الرغبة ترغب، وحيث تكون القناعة تقنع :

والنفسُ راغبة إذا رَغَّبتها       وإذا تُرَدُ إلى قليل تقنع

غير أن القانون في علوم الطائفة يبدأ بالصبر والمقاومة والإرادة: مَطَالبُ النفس القوية العجيبة لكن الذي يدفعك إلى الصبر هو "الحب"، والذي يدفعك إلى الحب هو "الإيمان": والصبر نصف الإيمان، والنصف الثاني فَتْحٌ من عند الله غير أنه توفيق، لكأنما الشاعر يريد أن يقول لك من بعيد: أصبر نصف دينك، وانتظر رحمة الله في النصف الآخر. إنما الصبر فضيلة عظيمة، هى الفضيلة الباقية من جوهر الإنسان، كانت موجودة ولا زالت في جميع الثقافات والحضارات الإنسانية، كانت تسمى إرادة جبارة، أو عزيمة فعالة، أو كانت تسمى تنبُّهاً وتركيزاً شديدين، وهما في الواقع عبارة عن "الصبر" بالاصطلاح الديني، وإنْ اتخذ هذا الاصطلاح أشكالاً من التعبير الفني في الثقافات المختلفة.

قلة الصبر على المكاره وابْتعَاث الإرادة في وادي الحمقاء لهو عينه الهلاك المحقق للذين فقدوا إرادتهم حين فقدوا الصبر ولم يتحلوا بالتصبُّر وركلوا الاصطبار؛ ومع فقدان الإرادة وفقدان العزم النافذ والتصميم الفاعل تنبعث الإرادة الإنسانية لتصير كما السائمة في وادي الحُمَقَاء !

وادي الحُمَقَاء .. وما هو وادي الحُمَقَاء؟!

هو وادي لأناس تصوَّروا جهلاً أو غَفْلةً أنهم أعرف الناس بالناس، وأعرف الناس بأنفسهم حتى إذا ما راجعت أحدهم في كلمة قالها أو فكرة تشبث بها أو رأي ارتضاه لنفسه أو حتى خطة من خططه المقلوبة، قال لك من فوره: إني لأعرف جيداً نفسي! وهو في الحق كاذب أو مخدوع؛ لأن درجة معرفة النفس على حقيقتها من الصعوبة بمكان بحيث تنعدم معرفتها أو تكاد. وفي الغالب لا تكاد أن تكون متاحة لكل أحد ولا لأي أحد من الوهلة الأولى: كل الأمور تهون، ولا تهون قط معرفة الإنسان لنفسه؛ فالأحمق هو الذي يدَّعي أبداً أنه أعَرَفُ الناس بنفسه فضلاً عن دعواه بأنه أعَرَفُ الناس بالناس، تقوده الدعوى هذه التي يقرر فيها أنه عَرَفَ نفسه حتى انقشعت عنه ظلماتها فإذا هى أمامه نور أو ما يُشْبه النور إلى جهل محقق مغموس بعكارة الغرور؛ لا معرفة فيه ولا هداية ولا بصيرة بكل تأكيد.

لم يكن "سقراط" يقولها عبثاً تلك الحكمة الخالدة التي وجدها مكتوبة على معبد دلْفس بأحرف من ذهب: " أعرف نفسك "؛ ولم يكن تمسكه بها نهجاً فلسفياً لمعرفة الحقيقة وكفى ولكنه كان فتحاً روحياً بالنسبة له في عالم المعرفة وعالم التفكير؛ إذ التفكير الذي لا يقود إلى عرفان المرء لنفسه هو تفكير أخْرَق مُركب مع الحماقة، وإنما صواب التفكير يعطي أن كل إنسان يحمل في باطنه "مبدأ المعرفة " وشرارتها المنقدحة في قلبه وله أن يطمر هذا وله أن يظهره، بإمكانه ذلك وفي مقدوره، لكن منهجية سقراط قضت أن يَتَوَصَّل المرء إلى ذلك النور المعرفي بطريقين: طريق التهكم وطريق التوليد. غير أن عرفان المرء لنفسه من المؤكد في جهله بها على الدوام؛ لأن هذه المعرفة نفسها فيما لو تحققت من جهة أخرى لتحققت معها معرفة الله، وقد أجمع الصوفية على أنه:" مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ ".

ليس هذا من التناقض في شيء، بل غاية المعرفة هى في هذا الجهل، غاية المعرفة في الحيرة التي تقف المرء على قلة معرفته بنفسه، فضلاً عن معرفتها بربه، إنها بئر غائر سحيقُ قلما يصبر الماهر على الغوص فيها حتى الأعماق، وما أصدق حكمة الأستاذ الإمام محمد عبده حين قال:" أخْفَىَ شيء على الإنسان نَفْسُهُ، وليس من السَّهل أن يعرف دخائلها ".

وبما أن الإنسان مسئولاً عن نفسه أمام ربه، كانت محاسبته لها تزيد من إيمانه، وإهماله لها أيضاً تنقص زيادة الإيمان، من أجل ذلك؛ قال الإمام محمد عبده في حكمة أخرى: " محاسبة النفس وخلجات القلب ركنُ كبير من أركان الإيمان، وقد جَعَلَهَا الصوفية شَرْطَاً مهماً في نجاح الإنسان"؛ لكأنما نجاح الإنسان - إنْ في الدنيا وإنْ في الآخرة - مُتَوَقفُ على مدى معالجته لنفسه تماماً كما هو مُتَوَقف في الوقت عينه على مدى قدرته في معاملة هذه النفس حين يضعها وجهاً لوجه أمام خالقها بحيث لا يطيعها في أمر ولا في نهي.

كان الإمام عبد القادر الجيلاني - طيَّبَ الله ثراه - (ت651 هـ) من الصوفية الأقطاب البارزين في أحكام الطريق شأنه شأن الشاذلي وأبي العباس المرسي؛ وهو صاحب كتاب "الغُنية لطلَّاب طريق الحق"، كتب كتابه "فتوح الغيب" مقالات جاوزت السابعة والسبعون، عبارة عن إشارات ومعاني ترشد إلى قيم السلوك الصوفي، كلمات ظهرت لمولانا من فتوح الغيب، فَحَلَّتْ - كما قال - في جنانه فأشعلت المكان فأنتجها وأبرزها صدق الحال، فتولى لإبرازها لطف المنان ورحمة ربِّ الأنام في قالب صواب المقال، لمريدي الحق والطلاب " (فتوح الغيب؛ مكتبة مصطفي الحلبي؛ الطبعة الثالثة؛ القاهرة سنة 1392هـ - 1973م ؛ ص 6).

تبدأ المقالة الأولى بعد خطبة الكتاب بعنوان " فيما لابد لكل مؤمن"، وهى إشارة هامة ولمَّاحة، مفرطة في ذكاء الروح: أن تجيء المقالة الأولى لتقول: لابد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء: أمْرُ يمتثله، ونهي يجتنبه، وقدر يرضى به، فأقل حالة المؤمن لا يخلو فيها من أحد هذه الأشياء الثلاثة، فينبغي له أن يَلْزم همُّها قلبه؛ وليحدِّث بها نفسه، ويؤاخذ بها في سائر جوارحه ". ثم تتعاقب مقالات الكتاب على صغر حجمه إلى أن تصل للمقالة الثامنة والسبعين معنونة بعنوان: " في أهل المجاهدة والمحاسبة وأولي العزم؛ وبيان خصالهم " (فتوح الغيب؛ ص 171).

كتابُ ممتع يُذَاق كالشهد الطيب كما تذاق مقالات العارفين؛ مُطَرَّز في النهاية بلمح من قصائده رحمة الله عليه، مسبوقة بشيء عن حياته ووصاياه لأولاده ومريديه، وتاريخ وفاته، ودخوله لبغداد، وشيء من سيرته رضى الله عنه. أما المقالة التي أريد أن أضعها هنا أمام قلب القارئ لا بصره بل بصيرته، ليذوق منها ما من شأنه أن يريحه من همِّ نفسه حين تجيء هذه النفس جماع الهموم التي ينبغي أن يرتاح منها صاحب الهمِّ النكِد الطويل، فهى المقالة السابعة من الكتاب، فيها على التحقيق "صفة العارف" وأهمها فكرة "إسقاط التدبير". هاهنا، رياض المعرفة وربانيتها، ومتاع الذوق وخصوصيته، ورقي الحياة الروحية العامرة بتجاريب أصحابها القادرين عليها الموفقين من الله إليها، هاهنا الرَّوْعة, وهاهنا الجلال، وهاهنا العلاج، هاهنا الطمأنينة القلبية، وهاهنا البصيرة الذوقية، وهاهنا الرياض المبهجة للعقل والقلب، هاهنا ما لا يحصى وصفه بلسان ولا تتسع لتصوره كلمات، وليس يُحسن بالمرء أصلاً رسمه بقلم، وإنما الأوصاف تقريبية لا تفصيلية، مرشدة ودالة لكنها لا تمسِّ الحقيقة في شيء.

التجربة هى التي تَقفُكَ على الحقيقة إنما الأوصاف لا تعطي الحقيقة ولا شيء منها مما تراه فيك أنت وحدك ولا يراه غيرك منك، جرِّب فقط لتدرك! ذُقْ مَذَاق القوم ثم أنظر ماذا ترى، واعْلم أن القوم ليسوا أهل أقوال ولكنهم أصحاب أفعال، وأن علومهم ليست علوم أفكار ولكنها علوم أذكار: جَرِّب .. ! فإن رأيت مَنْهَلاً أعذب من هذا المنهل فرُدَّه, جرِّب وكفى !

عنوان المقالة هو "في إذهاب غمِّ القلب"، هى السابعة كما قلنا في ترتيب مقالات الكتاب، ترانا نحيطها أولاً بلفظ الشيخ على حرفه هو، ثم نوالي التعليق عليها تباعاً بما أمكن، قال الشيخ:" اخرج عن نفسك وتنح عنها، وانعزل عن ملكك، وسلِّم الكل إلى الله، فكن بوابه على قلبك، وامتثل أمره في إدخال من يأمرك بإدخاله، وأنته بنهيه في صدِّ من يأمرك بصده، فلا تدخل الهوى قلبك بعد أن خرج منه، فإخراج الهوى من القلب بمخافته، وترك متابعته في الأحوال كلها، وإدخاله في القلب بمتابعته وموافاته، فلا ترد غير إرادته، وغير ذلك منك تمنِّ، وهو "وادي الحمقاء"؛ وفيه حتفك وهلاكك وسقوطك من عينه وحجابك عنه. أحفظ أبداً أمره، وأنته أبداً نهيه، وسلم أبداً لمقدوره، ولا تشركه بشيء من خلقه، فإرادتك وهواك وشهواتك من خلقه، فلا ترد ولا تهوى ولا تشته كيلا تكون مشركاً؛ قال تعالى:" فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لقَاءَ رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالحَاً وَلا يُشْركْ بعبَادة رَبّه أَحَدَاً " (الكهف: آية 110).

ولتنظر إلى هذه العبارات تجد مبدأ إسقاط التدبير يشملها تماماً لكأنه حقيقة ماثلة لدى أكابر الأولياء. نتابع قول الشيخ: ليس الشركُ عبادة الأصنام فحسب، بل هو متابعتك هواك، وأنت تختار مع ربك شيئاً سواه من الدنيا وما فيها والآخرة وما فيها؛ فما سواه عز وجل غيره، فإذا ركنت إلى غيره فقد أشركت به عز وجل غيره. فاحْذَر ولا تركن، وخف ولا تأمن، وفتش فلا تغفل فتطمئن، ولا تضف إلى نفسك حالاً ولا مقاماً، ولا تدع شيئاً من ذلك، فإن أعطيت حالاً أو أقمت في مقام فلا تختر شيئاً واحداً من ذلك؛ فإن الله كل يوم في شأن، في تغيير وتبديل، وأنه يحول بين المرء وقلبه، فيزيلك عمَّا أخبرت به، ويغيرك عما تخليت ثباته وبقائه، فتخجل عند من أخبرته بذلك، بل أحفظ ذلك فيك ولا تعده إلى غيرك؛ فإنه كل الثبات والبقاء، فتعلم أنه موهبة وتسأل التوفيق للشكر واستر رؤيته، وإنْ كان غير ذلك، كان فيه زيادة علم ومعرفة ونور وتيقظ وتأديب، قال الله عز وجل:" مَا نَنسَخْ منْ آيَة أوْ نُنسهَا نَأت بخَيْر مّنْهَا أوْ مثْلهَا, أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلّ شَيء قَديرٌ " (البقرة: آية 106). فلا تعجز الله في قدرته، ولا تتهمه في تقديره ولا تدبيره، ولا تشك في وعده، فليكن لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة: نسخت الآيات والسور النازلة عليه، المعمولة بها، المقروءة في المحاريب، المكتوبة في المصاحف، ورفعت، وبدلت، وأثبت غيرها مكانها، ونقل صلى الله عليه وسلم إلى غيرها، هذا في ظاهر الشرع. وأما في الباطن والعلم والحال فيما بينه وبين الله عز وجل فكان يقول:" إنه ليُغان على قلبي فأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة"؛ ويروى" مائة مرة ". (والغَيْنُ: غين أنوار لا غين أغيار أو أكدار كما قال الشاذلي؛ والحديث أخرجه مسلم من حديث الأغَرّ المزني إلا أنه قال "في اليوم مائة مرة "، وكذا عند أبي داود. وللبخاري من حديث أبي هريرة " إني أستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة". وفي رواية البَيْهقى في الشعب "سَبْعين" لم يقل أكثر (راجع الحافظ العراقي: المغني عن حمل الأسفار، على هامش الإحياء جـ3، ص242). وتظهر المؤثرات الروحيّة المباشرة في تصوف الجيلاني هنا تماماً كما هى في تصوف الشاذلي والمرسي وابن عطاء، وهى مؤثرات سنية بحتة موصولة بالغزالي مباشرة، إذْ تكاد العبارات الأخيرة من كلام الجيلاني تكون منقولة بحرفها من الغزالي)

وكان صلى الله عليه وسلم ينقل من حال إلى أخرى ويسير به في منازل القُرْب وميادين الغيب، ويغير عليه خلع الأنوار، فتبين الحالة الأولى عند ثانيها ظلمة ونقصاناً وتقصيراً في حفظ الحدود فيلقن الاستغفار؛ لأنه أحسن حال العبد، والتوبة في سائر الأحوال؛ لأن فيها اعتراف بذنبه وقصوره، وهما صفتا العبد في سائر الأحوال، فهما وراثة أبي البشر آدَم عليه السلام إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم حين اعتورت صفاء حاله ظلمة النسيان للعهد والميثاق، وإرادة الخلود في دار السلام، ومجاورة الحبيب المنان، ودخول الملائكة الكرام عليه بالتحية والسلام، فوجدت هناك نفسه مشاركة إرادته لإرادة الحق، فانكسرت لذلك تلك الإرادة وزالت تلك الحالة، وانعزلت تلك الولاية، فانهبطت تلك المنزلة، وأظلمت تلك الأنوار، وتكدر ذلك الصفاء، ثم تنبَّه وذكر صفي الرحمن، فعرف الاعتراف بالذنب والنسيان ولقن الإقرار فقال:" رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإنْ لَّمْ تَغْفرْ لَنَا وَتَرْحَمَنَا لَنَكُونَنَّ منَ الخَاسَرينَ " (الأعراف: آية 23) . وجاءت أنوار الهداية وعلوم التوبة ومعارفها، والمصالح المدفونة فيها ما كان غائباً من قبل، فلم تظهر إلا بها، فبدلت تلك الإرادة بغيرها والحالة الأولى بأخرى، وجاءته الولاية الكبرى والسكون في الدنيا ثم في العقبى، فصارت الدنيا له ولذريته منزلاً، والعقبى لهم موئلاً ومرجعاً وخُلْداً؛ فلك برسول الله وحبيبه المصطفى وأبيه آدم صَفي الله عنصر الأحباب والأخلاء أسوة في الاعتراف بالقصور والاستغفار في الأحوال كلها (فتوح الغيب؛ ص 16- 19).

ولنذكر ما كان قاله الإمام أبي الحسن الشاذلي:" أحْصَنُ الحصون ما أخبرك عنه في الاستغفار؛ وحقيقته أن لا يكون لك مع غير الله قرار، قال تعالى في كتابه:" وَمَا كَانَ اللهُ ليُعَذّبَهُم وَأنْتَ فيهم، وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفرُونَ" (الأنفال، آية 33). ولنلحظ: وحدة الاتجاه بين الشاذلي والجيلانى ممثلاً في إسقاط التدبير ورفض دعوى الإرادة في هذه المقالة؛ ووحدة المشرب الروحي الواحد، ووحدة القصد من وراء التأثر بذوق الطريق، لا بل تأثر ذَوْق الطريق نفسه بهما، وانتهاج هذا الذوق ليكون معبراً عن جانب عظيم في الإسلام، واقتفاء هذا الأثر على طول الخط؛ محافظةً على التصوف السُّني الخالص، واستخلاص أثره الباقي في الحياة الروحية في الإسلام.

هذه هى المقالة التي دبَّجها يَراع الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمة الله عليه في إذهاب غمِّ القلب وأنت ترى فيها أولاً: مقاصد العبودية ومطالبها صريحة في إسقاط التدبير؛ كما يُقَدّمها نظام التَّعَبُّد الصوفي لدى أعلام الحياة الروحيّة معراجاً روحياً فوق كونه تكريماً آدمياً: إزاحة الهوى أولاً، وتنحية الشركاء والأغيار ثانياً، والتغلب على إرادة النفس وشهوات الأهواء والمخالفات ثالثاً، والتوجه بكل الهمة إلى الله تعالى طلباً للمساعدة والتوفيق. هذا المعراج قد وَصَفَه الغزالي في "الإحياء" من قبل، وبين حالات الارتقاء فيه بالنسبة لمعراج النبي صلوات الله وسلامه عليه، والاعتبار به، وَشَرَحَ حالات تطوره الروحي شرحاً مستفيضاً بما لا مزيد عليه.

ثم ترى فيها ثانياً: أن الوادي الذي يهيم فيه الحمقاء هو وادي"دعوى الإرادة" في غير محل للإرادة وفي غير اعتبار لها؛ فالحمقاء هم الذين يريدون غير إرادة الله باعتمادهم على إرادة أنفسهم فيما تصوره لهم أهواؤها، فلذلك قال الجيلاني "فلا ترد غير إرادته، وغير ذلك منك تمن، وهو وادي الحمقاء". لكن هذه الإرادة إذا هى كانت على النحو الذي قرره الشيخ تصبح طلباً للكمال. وطلب الكمال صفة من صفات الروح الإنساني ولازم من لوازم تطلعه الروحاني، بل هو النتيجة الملازمة لكل تلك العواطف والميول والقوى التي رُكبت في هذا الفؤاد الخفَّاق الساكن بين الجوانح: طلب الكمال طلب للتحرير وتأكيد للذات من جانب المعرفة؛ لأنه مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ؛ ولأنه طلبٌ لحقيقة الإنسان الوجودية الأصيلة فيه؛ فمتى تحرَّر وَجَدَ نَفْسَهُ وَشَهَدَ حقيقته الأصلية ولازم إنسانيته في أرفع مطالبها، وترقى صعداً من لوثة التراب المجبول إلى أفق الأرواح والعقول.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

صحيفة المثقفمقدمة: إنّ الحديث عن فرص التسامح والتعايش بين الأديان والثّقافات والسعي إلى بعث قيم التسامح من جديد من بين المواضيع التي تشغل الساحة الثّقافية العربية والإسلامية بشكل كبير خاصّة في أيامنا هذه، بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي، فقد أصبح هذا الموضوع رأيا عاما خاصّة في ظل تصاعد وتيرة الحروب الثّقافية وتفشي ظاهرة الخطابات التكفيرية التي أصبحت هاجسًا خاصّة للدول الضعيفة، وهذا ماحدى بالدول العربية والإسلامية إلى تكثيف الجهود أكثر سعيًا للحفاظ على الهوية الإسلامية وترسيخ قيم الفكر الوسطي وقبول الآخر بإقامة ملتقيات وعقد ندوات للبحث والتخابر في سبل إماطة اللّثام عن المخبوء في علاقته بالقوى العالمية الامبريالية التي تحاول إلصاق التهم بهويتنا الإسلامية، فالتحول الاستعماري اليوم أخذ سبلاً جديدة ووسائل عديدة مختلفة عن تلك التي عهدناها مع الاستعمار التقليدي المباشر.

لقد تغيّر السباق من مضمار التسلح إلى مضمار السيطرة الثّقافية، لتصبح الثقافة السائدة هي الثّقافة الغالبة، والثّقافة التابعة هي الثّقافة المستلبة من طرف الثّقافة الغالبة، وهو حال ما نراه اليوم من تلك العولمة الفكرية والاستلاب الثّقافي لبنية الهوية الإسلامية التي تشهد غزوًا رهيبًا لمقوماتها من طرف الثّقافة الغربية التي تحاول ربط الفكر التكفيري بتاريخنا، بطرق وأسالب متعددة ومتنوعة خاصة مع تحول العالم إلى قرية كونية صغيرة الأمر الذي زاد من وتيرة هذا الغزو المنظم في نظامنا الاجتماعي والسياسي ناهيك عن نسقنا الثقافي الفكري المبثوث في نصوصنا التراثية، خاصة في ظل التحول العالمي إلى نظام القطب الواحد وبالتّالي الثّقافة الواحدة إثر بروز معالم النظام الدّولي الجديد بداية من تسعينيات القرن الماضي.

من خِلال ما سبق سنُحاولُ في هذه الورقة البحثية اماطة اللثام عن ما قدمه المفكر العراقي ماجد الغرباوي في هذا الاطار باعتباره مثقفا تنويريا درس التراث بطريقة جديدة، من أجل تحرير العقل الاسلامي من قيد التراث. وعمل على ارساء قيم التسامح والحرية وقبول الآخر. هذه الخطابات التي يفتقدها عصرنا اليوم خاصة ونحن في زمن الحروب الثقافية وسطوة المركزية الغربية الساعية بقوة إلى الفتك بتراث وتاريخ الهوية العربية والإسلامية وذلك من خلال أليات العولمة الثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها، والتي باتت تفرض علينا فرضا في اطار الحوار الحضاري وعمليات التّثاقف والاستيراد القسري لتلك الانظمة الفكرية التي لا تمت بأي صلة لهويتنا الحضارية والثقافية فضلا عن الدينية، وهو ما أحدث ردة فعل عنيفة تمثلت في تفشي الخطابات التكفيرية والغلو والتطرف. وهنا نسعى لبيان بعض الحلول التي قدمها ماجد الغرباوي والتي نرجو من خلالها بث روح التسامح ونشر الخطاب الفكري الوسطي الإسلامي الصحيح.

نحو طرح اشكاليات التّعايش بين الأديان والثّقافات:

يُعتبر الحديث عن التّعايش بين الأديان والثقافات أحد أبرز الاشكاليات التي باتت تطرح نفسها اليوم، خاصة وأن عصرنا أصبح يتخبط في نوع من التيه الكبير بسبب عدول الإنسان عن التمسك بالبوصلة الربانية، فضلا عن علو صوت الخطابات التكفيرية المنتشرة هنا وهناك وهو ما زاد من حدة الصراع بين الثّقافات والأديان، هذا الموضوع الذي أصبح يؤرق الحكومات ويقض مضاجع السياسيين فضلا عن المفكرين المشتغلين بهذا الميدان لعل على رأسهم المفكر العراقي ماجد الغرباوي، فأمام موجة الاختراقات الفكرية من خلال نظريات عنصرية تروج للعنف وتعمل على تفكيك أواصر قيم التعايش والتسامح تطرح العديد من الأسئلة كيف لنا أن نرسي قواعد التّسامح والتّعايش في عالم يسوده الكره والحقد؟ وما السبل والأدوات الكفيلة للتصدي للسياسات الغربية التي تتعامل بها مع الدول العربية والإسلامية والتي تسببت في ظهور موجة العنف والغلو؟ وهل يمكن الحديث عن نوع من التّوافق الحضاري والديني في كنف التعددية الثّقافية والإنسانية؟.

جميع هذه الأسئلة المثيرة تطرح نفسها وبقوة في فكر ماجد الغرباوي الذي عمل وبشدة على فك شفراتها وايجاد الحلول المناسبة لها لتحقيق قيم التسامح والتعايش بين الأديان والثقافات.

الآخر في التراث ودوره في النهضة المنشودة

هل كان لتواجد الآخر في تراثنا العربي الإسلامي دور في النهضة وبأي صورة كان وجد هذا الآخر؟ وما الضوابط والمنطق الذي حكم تواجده؟. سؤال نستهل به سبر بحر آراء ماجد الغرباوي وحديثة عن التّراث ومكان الآخر فيه وفرص التعايش التي حضي بها وكيف كان دوره في بناء نسيج الحضارة العربية الإسلامية، وهو ما يطرح أسئلة عميقة عن حقيقة تواجد الآخر في تراثنا العربي الإسلامي ودوره في النهضة المنشودة.

يعتبر مفهوم النهضة والفعالية الحضارية عموما وسبل قيامها أحد أبرز الموضوعات التي اشتغل عليها كبار مفكرينا بالوطن العربي والإسلامي ومنهم الغرباوي. فهذا المفهوم من المفاهيم الجدلية التي تستعصي على الباحث لتداخله مع العديد من العلوم خاصّة علم الاجتماع وتطرح العديد من الإشكاليات المتداخلة التي يتخبط فيها عالمنا العربي والإسلامي الذي يرزح تحت وطأة الفصل بين الحياة الاجتماعية وتوجيهات الدين وهو ما أكده ماجد في ارجاعه أن السبب الحقيقي يعود إلى "قطع خيوط التواصل بين العقيدة والحياة الاجتماعية. فعقيدة التوحيد التي كان يعيشها الانسان المؤمن في بدايات البعثة الشريفة ممارسة حياتية يومية تطبع سلوكه واخلاقه، صارت تدور في مدارات عقلية بعيدة عن هموم الحياة ومتطلباتها"(1).

أمام هذا الخطاب نتبين مدى الأهمية الكبيرة لأثر العقيدة في تنظيم سير حياة المسلم فما إن تهنا عن الطريق تاهت حضارتنا وأصبحت تحكمها الشهوات وابتعدنا عن روح الإسلام السمح الذي يحث على بعث روح التعايش ونبذ العنف، وهو ما جعل غياب الأفكار الداعية للتجديد والتسامح تغيب بشكل كبير لتحل محلها خطابات الغلو والتطرف وبالتالي فقدان روح الانبعاث النهضوي.

يعرف المفكر الجزائري مالك بن نبي الحضارة بقوله: "إن حضارة ما، ما هي إلا نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر الدفعة التي تدخل به التاريخ، ويبني هذا المجتمع نظامه الفكري طبقا للنموذج الأصلي لحضارته، إنه يتجذر في محيط ثقافي أصلي، يحدد سائر خصائصه التي تميزه عن الثقافات والحضارات الأخرى"(2) . وبتتبعنا لهذا القول المقتضب للحضارة يتبين لنا المرتكزات الأولية لبناء الحضارة من شروط روحية وأخرى مادية تحقيقا لتلك الفعالية المنشودة " مجموع منسجم من الأشياء والأفكار، بصلاتها ومنافعها وألقابها الخاصة وأماكنها المحددة، ومجموع كهذا لا يمكن أن يتصور على أنه مجرد تكديس، بل كبناء وهندسة، أي تحقيق فكرة مثل أعلى" (3) .

تجديد الخطاب الديني وفرص بعث التّعايش من جديد:

لطالما أكد ماجد الغرباوي على ضرورة تجديد الخطاب الديني الإسلامي فهكذا بوسعنا حسب ما ذكره أن نقيم نوعًا من الحركية الحضارية نحو تجديد بعث الخطاب الديني من جديد لتشمل النهضة جميع المجالات من فكر واقتصاد وسياسة وغيرها من المجالات، ليكون للفرد المسلم الدور الأبرز في هذا الحراك مستغلا الوسائل الضرورية لتفعيل حركة التاريخ وهندسة دورة الحضارة القائمة على التراث ومدى تواجد الآخر فيه بما يتلاءم والمعطيات الحضارية الموجودة بعيدا عن فكرة التكديس التي لم يكن لها وجود على مستوى الحضارة الإسلامية أيام الأندلس مثلا باعتبارها نموذجا تراثيا عالميا شهدت دورا كبيرا للآخر ومدى اسهاماته في قيام الحضارة الإسلامية، والتي ما كانت لتكون لولا فرص التسامح والتعايش التي قدمها الإسلام لهم، حيث كان التمازج الثقافي مع الآخر والعطاء العلمي والفكري في أوج ذروته وهو ما ذكرته المفكرة والفيلسوفة الألمانية زيغريد هونكه بعرضها لتلك النماذج التراثية العالمية التي قدمت الكثير للحضارة الإنسانية على اختلاف ثقافاتهم وتنوع مللهم ونحلهم.

ولكن بعد حين من الزمن انقلبت البوصلة الحضارية فلقد تعرض الإسلام والمسلمون في السنوات الأخيرة لحملة ظالمة من الافتراءات والمزاعم التي أرادت أن تلصق بالإسلام تهم التعصب والإرهاب، وترويع الآمنين، ورفض الآخرين، وغير ذلك من دعاوى لا أصل لها في الإسلام ولا سند لها من العلم ولا من الواقع التاريخي.

فالحضارة الإسلامية التي انطلقت من تعاليم الإسلام منذ أربعة عشر قرناً من الزمان قد ضربت أروع الأمثلة في التسامح والتعايش الإيجابي بين الأمم والشعوب من مختلف الحضارات والثقافات والأديان والأجناس، ولا تزال هذه التعاليم الإسلامية حية وقادرة على صقل عقل الأمة وتوجيه سلوكها وتعاملها مع كل البشر في كل زمان ومكان بعيدا عن خطابات الغلو والتطرف المقيتة وهو ما عبر عنه ماجد بقوله "خطاب الغلو نجح في ترسيخ بديهيات عقيدية، من خلال منهج مراوغ، يعتمد الاستدلالات الساذجة، ويستغل رثاثة الوعي، وانحطاط الثقافة، والبيئة المثيولوجية، فيشاغل وعي المتلقي بمضامين غرائبية خرافية عن الرموز الدينية، يغفلون معها سؤال الحقيقة. أي السؤال عن ذات الرمز وحقيقته قبل الحديث عن خصائصه ومعجزاته وكرامته. فعندما يشاغل النص الوعي الرث بأحاديث خارقة، مذهله، غرائبية لا يلتفت لسؤال الحقيقة، بل تصبح لديه منظومة بديهيات، ومبادئ عقيدية مسلّمة، تندرج ضمن اللامفكر فيه، والمقدس، الذي يحرم مقاربته، فضلا عن نقده. هذه البديهيات هي التي تمرر روايات الغلو، لتراكم مزيدا من المعرفة المشوهة، العقيمة"(4) .

فهذا هو الخطاب الديني المقيت الذي يدعو إلى ركود العقل والأخذ بالنص بكامل حذافيره دون إعمال للعقل أو الاعتناء بما يسمى بفقه الواقع ومتغيراته الثقافية والحضارية، وهنا يتم تغييب الدور الحقيقي للمثقف الحر الواعي وهو ما جعل ماجد يقول: "وباختصار إن الأمة بحاجة أولا إلى وعي رسالي تتجاوز به أزمتها، كي تتمكن من تحدي الممنوع، ولا يتحقق لها ذلك إلا بإعادة تشكل وعيها داخل فضاء معرفي، يستظل بمرجعيات تجدد باستمرار فهمها للنص الديني، في ظل المستجدات الحياتية المتأثرة بالظروف الزمانية والمكانية"(5).

فما إن تم تغييب دور المثقف برزت اثر ذلك خطابات الغلو والتطرف وانعدمت قيم التسامح والتعايش تلك القيم الإنسانية السامية التي لطالما دعا ديننا الحنيف وسنتنا النبوية إليها انطلاقا من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾"(6) فإذا ما تم تغييب هذا الشعار فإن الفوضى والتشتت والحروب والغلو وشتى أصناف التطرف سيكون سيّد الموقف ولذلك لابد من تجديد الخطاب الديني وبعث سبل التسامح و التعايش فيه من جديد بعد كل هذا السبات العميق الذي ميز خطابنا الديني وهو ما يجعلنا نبحث في سبل تجديد تراثنا وبشدة.

تجديد التراث وسبل بعثه من جديد عند ماجد الغرباوي

يولي ماجد الغرباوي موضوع تجديد التراث أهمية كبيرة لما للتّراث من دور كبير في حفظ الهوية العربية الاسلامية خاصة وأنه يمثل الانطلاقة الأولى لأي نهضة فقد كان ماجد الغرباوي يطمح إلى انشاء استراتيجية نهضوية نابعة من تراثنا الديني تعترف بأهمية تواجد الآخر ودوره في اثراء الحضارة الإسلامية النائمة على فكرة التعددية الثقافية فالتراث منبع وأصل الهوية بدونه نفقد مقومات وجودنا فالهوية هي: "مركب من المعايير، الذي يسمح بتعريف موضوع أو شعور داخلي ما. وينطوي الشعور بالهوية على مجموعة من المشاعر المختلفة، كالشعور بالوحدة، والتكامل، والانتماء، والقيمة، والاستقلال، والشعور بالثقة المبني على أساس من إرادة الوجود" (7).

ولعل هنا يبرز كنموذج كبير لخطاب التعددية الثقافية نموذج العصر الأندلسي ذاك العصر الذهبي الذي تميز بانتشار كبير لمختلف التيارات الفكرية والدينية ورغم ذلك سادت قيم التسامح وكان الحب والتّعايش سيد الموقف فكان يعيش المسلم جنب اليهودي دون ترهيب أو تقتيل وهو ما جعل ماجد الغرباوي يدعو وبشدة إلى ضرورة تجديد التراث قائلا "ينبغي اعادة النظر في الوعي الذي تكون في اطار بعض النصوص الدينية والمرويات التاريخية" (8). وقد ضرب ماجد الغرباوي في ذلك مثالا بارزا في خطاباتنا التراثية وهو نموذج ما يسمى بالفرقة الناجية الذي يشكك بصحته دائما. حيث يقول بأن هذا الحديث: "لعب دورا كبيرا في تشظي الأمة، والإصرار على احتكار الحقيقة ورفض كل الفرق والمذاهب التي تحتفظ بوجهات نظر اجتهادية مخالفة، حتى بات الجميع إلا ما ندر يعتقد بخطأ المخالف مهما كان نوعه"(9). وهذا ليس من روح الإسلام السمح الذي يحترم باقي الأديان أو مختلف التوجهات الفكرية ويدعو إلى تعددية ثقافية في كنف الامة الواحدة.

لقد كان ديدن الإسلام منذ ظهوره قبل أربعة عشر قرنا من الزمن يرغّب أهل الكتاب من غير المسلمين بالإسلام داعيا إلى مكارم الاخلاق ومثمنا إياها لذلك شاعت حينها خطابات تحث على افشاء الخير ودحر نوازع الشر وخطابات التكفير البغيضة فعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الناس معادن في الخير والشر خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)(10).

يقول ابن حجر رحمه الله: قوله: (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام)، وجه التشبيه أن المعدن لما كان إذا استخرج ظهر ما اختفى منه ولا تتغير صفته؛ فكذلك صفة الشرف لا تتغير في ذاتها بل من كان شريفاً في الجاهلية فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس؛ فإن أسلم استمر شرفه وكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في الجاهلية (11). وفي هذا يقول الإمام النووي رحمه الله: ومعناه أن أصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية إذا أسلموا وفقهوا فهم خيار الناس (12).

لكن عصرنا اليوم انقلبت فيه كل الموازين فخفت الوعي بمدى أهمية التسامح والتّعايش بين الأديان المختلفة وهذا ما يدعوا إلى ضرورة الوعي العميق بضرورة ابراز مثل هذه النماذج الدعوية لإعادة الأمور إلى جادة الصواب وحصر خطابات الغلو والتطرف فحسب ما ذهب إليه ماجد الغرباوي أنه "من دون الوعي لا يمكن تنطلي مؤامرات التزوير على الواقع والتاريخ والدين والحقيقة. ومن دون الوعي لا يمكن النهوض بمشروع حضاري مستقبلي يعتمد مرجعية فكرية وثقافية، مؤسس في ضوء المبادئ الإسلامية. إذن فالوعي أساس في نجاح المشروع الإسلامي، وهو من مهام المثقف الرسالي، الذي ينهض بهذا الدور، انطلاقا من مسؤوليته في تكوين عقل الأمة وتجديد هويتها الثقافية" (13) تلك الهوية الثقافية التي تعاني منذ زمن بعيد تيها كبيرا غياب العقل وسلب الإرادة وأفشى نوازع الغلو والتطرف، وهو ما جعلنا نغيب عن الساحة الحضارية بالعالم فلا دور لنا إلا تلقي الأوامر وتطبيقها بحذافيرها من طرف القوى العالمية فلا اهتممنا بتراثنا ولا بواقعنا الراهن فبتنا مأسورين مدحورين مقيدين لا حراك لنا وهو ما يدعونا إلى ضرورة التساؤل عن ما موقع المثقف الواعي من كل هذا.

دور المثقف الواعي في ايجاد فرص التعايش:

قديما قال الشاعر:

اقرأوا التاريخ إذ فيه العبر... ظل قوم لا يدرون ما الخبر.

بيت شعري على قلة حروفه لكن معانيه تحمل الكثير من الدلالات والسياقات التاريخية والحضارية التي تختزل العديد من الملامح المشكلة لتطور الأمم، لتميط لنا اللثام مبرزة تلك الملامح الكاشفة لبواطن ما اكتنف التاريخ من أحداث

وصراعات بشرية، مشكلة بذلك منعرجات حضارية خطيرة رفعت أمما عاليًا في السماء وأسقطت أخرى أرضًا في حين أخرجت الكثير من سياقها تمامًا معلنة أن لا مكان لها على الركح الحضاري لتحولات العالم وسياقاته، فالركح يا سادة شعاره "كن أو لا تكن" حكر على الأقوياء لا مكان فيه للضعفاء والجدير فيه بحمل وسام البطولة الحضاري من يثبت وجوده لا استسلامه.

يقول ماجد الغرباوي "ثم إن المثقف الإسلامي وعى الإسلام وعيا حضاريا اعتمادا على التراث وليس منفصلا عنه، من دون أن يعيش وهم الماضي، بل ينطلق منه لبناء المستقبل، فيستمد منه القيم لتكون أساسا في ممارساته الاجتماعية والسياسية، فلا يشعر بالغربة من القيم السائدة، وإن كان من ضمن اهتماماته إلغاء ما هو غريب عن قيم الإسلام والإنسانية" (14). فهذا هو جوهر الإسلام القائم على الجد والاجتهاد والوعي العميق بالتراث ودوره في الحراك الاجتماعي القائم على التعدد والتنوع وهو ما يفتح اشكاليات قيم التسامح والتعايش على مصراعيها وهنا يبرز الخطاب الواعي للمثقف الإسلامي الذي يحسن التعامل مع هذه الإشكاليات.

إن تكريس مفاهيم وقيم التسامح والدعوة إليها منهج متأصل في نصوصنا القرآنية وسيرتنا النبوية وكان للمثقف الإسلامي الواعي الدور البارز فيه وفي هذا تحدث ماجد كثيرا عن فكرة التعددية الثقافية وفق الرؤية الإسلامية التي تختلف اختلافا كليا عن مثيلتها الغربية. فالتعددية الثقافية وفق النظرة الغربية كما يرى ماجد الغرباوي "قامت باختزال الدين إلى مجرد تجربة روحية باطنية بمعزل عن الحياة يستطيع أن يعيشها كل إنسان، وفصلت ما بين الشريعة والدين" (15) وهو ما يعترض عليه المثقف الإسلامي الواعي وبشدة فديننا يتدخل في كامل تفاصيل حياتنا اليومية بل هو البوصلة التي توجهنا وتسير حياتنا بوعي وتبين لنا سبل التعامل مع الآخر وكيفية التعامل مع اشكاليات التعددية الثقافية التي لطالما أستفاض ماجد الغرباوي بالحديث عنها في مختلف كتبه.

وهو نفس الأمر الذي ذهب له المفكر المصري محمد عمارة بحديثه عن التعددية الثّقافية ودور المثقف في ايجادها حيث يرجع محمد عمارة أصول قيم التعددية الثقافية إلى السنة النبوية بالضبط في ميثاق المدينة المنورة التي اعتبرها عمارة بمثابة "الإعلان الإسلامي عن شرعية ومشروعية التعددية الإسلامية في هذه المساحات من الفكر وتطبيقاته وفي الأدوات اللازمة لذلك ومنها التنظيمات . تلك هي سنة الإسلام التي شرعت وقننت لمبدأ التعددية في الفكر الإسلامي وفي الممارسات الإسلامية منذ صدر الإسلام والتي بناء عليها وتطبيقا لمنهجها كانت تيارات الاجتهادات الإسلامية مصدرا لثراء الفكر الإسلامي على عهد الازدهار الحضاري الذي سبق عصر التراجع والجمود" (16). ولعل هذا يحيلنا إلى تساؤل آخر أكثر عمق هو كيف لنا أن نخرج من شرنقة ذلك الجمود والانسداد التاريخي الذي جثم على صدر الأمة لمدة طويلة جدا خاصة في ظل التخبط الكبير الذي يعاني منه سواء العالم الإسلامي أو العالم أجمع لعل ذلك الترياق نجده في الهدية النبوي في سنة التخلية قبل التحلية، ففي الهدي النبوي يوجد ما يسمى بالتخلية قبل التحلية ومن ثم يتحتم علينا تنقية الجو الاجتماعي العربي والإسلامي من الشوائب التي تشوبه وتعكر صفو عالمية رسالتنا القائمة على التعددية الثقافية والإنسانية، ومختلف قيم التسامح والتعايش بين مختلف الثقافات والأديان كحق انساني مشروع، ومن ثم يأتي دور التحلية فيتم التركيز على بعض الأمور المهمة التي تستلزم منا زرع قيم فرص التسامح والتعايش من تعددية ثقافية ودينية في اطار الأمة الواحدة، علما أن مثقفنا الإسلامي الواعي يملك كل المقومات والأسس لذلك انطلاقا من البوصلة الربانية والهدي النبوي القويم.

ولذلك لما غاب الوعي الحقيقي لدى المثقف بمجريات فقه الواقع فغاب عنا الفقيه الرباني الذي يحسن التعامل مع متغيرات العصر ومتطلبات المعرفة الجيدة بخبايا متغيرات النص أمام الأسئلة الفقهية الجديدة التي تطرحها التعددية الثقافية حيث يقول ماجد الغرباوي "في ظل هذه الظروف تشكيل عقل المسلم، وأعيد فهم الدين من خلال قوالب جديدة، فأصبح الدين مجرد علاقة خاصة بين العبد وربه، لا صلة له بالحياة الاجتماعية. ولما سارت تلك النظرة إلى الفقه، تقوقع في دائرة الفردية، واخذ الفقيه يفكك بين الموضوعات ويفتي بمعزل عن مقاصد الشريعة وغاياتها، ففقدت الأحكام بالتدريج مداليلها الاجتماعية، بعد أن اعتبرت الفرد وحدة مستقلة لا تربطه أي علاقات أو وشائج اجتماعية. بل تطور الحال إلى حد عجز معه الفرد أن يحدد موقفه من بعض القضايا الحياتية المهمة في ضوء الشريعة، لأن الفقيه لم يتصد للفتوى في تلك المجالات" (17) وهنا يبرز لنا ذلك النموذج الرباني الامام الماوردي الذي عرف بمعرفته الشديدة كفقيه بمدينة البصرة المعروفة لتعدديتها الثقافية وتواجد مختلف الثقافات بها حيث كان الفقيه الوحيد تقريبًا من يحسن وفي ضوء الشريعة ايجاد الفتوى الملائمة لتلك القضايا العويصة الشائكة.

ولذلك فإن مسؤولية المثقف الإسلامي اليوم كبيرة تجاه المنظومة الفكرية الغربية التي تروج لنوازع العداء ونشر قيم التطرف من مثل قول برنارد لويس: "إنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية الإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعات خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال عندهم، ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك، إما أن نضعهم تحت سيادتنا أو ندعهم ليدمروا حضارتنا" (18)

أمام هذا الخطاب الشديد العدائية فإنه يتعين على المثقف العربي والإسلامي العمل من أجل تغيير تلك الصورة النمطية لنا تجاه الآخر الغربي وإزاحة الغشاء الذي يعمي بصيرتنا عن انماط الاستعمار الجديد الساعي إلى نشر الفوضى بأوطاننا وجعلها معادلا موضوعيا لكل ما يمت للهوية الإسلامية بصلة .

فالخطابات الثقافية الغربية التي راجت أثناء وبعد ثورات الربيع العربي تكشف عن تلك الرسائل التي تمرر من خلالها تلك النظرة الفوقية المشبعة بالمركزية الغربية Central Western التي رسمها الاستشراق التقليدي، ويعمل الاستشراق الجديد على ترسيخها حاليا، لترتسم في أذهاننا بأن خلاصنا مرتبط ببرنارد ليفي ومن قبله لورنس العرب... وغيرهم، وكأن مجتمعاتنا العربية لا تتعلم من التاريخ، فإذا بنتائج ذلك انتشار رهيب لخطابات التكفير وشيوع الخراب والدمار بالكثير من هذه الدول، ولعلّ هذا ما جر المفكر الفلسطيني الأمريكي إلى القول في كتابه "تمثيلات المثقف": "من المهام المنوطة بالمثقف أو المفكر أن يحاول تحطيم قوالب الأنماط الثابتة والتعميمات الاختزالية التي تفرض قيودا شديدة على الفكر الإنساني وعلى التواصل ما بين البشر" (19) .

وبعودة قليلة عبر الزمن إلى الوراء بالضبط إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ذاك الحادث الذي أحدث بلبلة كبيرة بالعالم وغير مجريات وموازين كثيرة بالعالم وزادت من حدة الصراع بين الإسلام والغرب فانتشرت الإسلاموفوبيا إلا أنها علمتنا ان التعايش أمر ضروري ومطلب ملح لدى كافة الأديان وفي هذا يقول ماجد الغرباوي "نبوءة هنتنغتون فهي وإن قامت أساسا على رؤية لتاريخية الصراع بين الحضارات، إلا أنها انتهت بالعودة إلى الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من التاريخ، لابد من تعايش بين الحضارات، وفهم أعمق للفروض الدينية والفلسفية لكل منها، ودعوة لتحديد العناصر المشتركة بين الحضارات، تمهيدا للتعايش والتواصل الذي لا بديل له. إنه لدرس بليغ أن تنتهي أعتى النظريات التي تؤصل للصدام إلى التأصيل للتعايش وتحقيق القدر الأكبر من الوئام" (20).

ولذلك لابد على المثقف الإسلامي الوعي نشر اهمية منح فرص التعايش بين الأديان وتبني روح التسامح لدى المجتمعات المختلفة مهما وصلت حدة تلك الاختلافات فالتسامح tolerance يعني الاستعداد الذاتي لاتخاذ الموقف المتسامح دون أيه ضغوطات أو اضطرار، لا يمكن اعتبار التسامح فضيلة إلا عندما يمكن للشخص ألا يكون متسامحاً. فهو قريب من مفهوم "العفو". والقول المعروف "العفو عند المقدرة من شيم الكرام" يشير إلى المقدرة على العفو، وليس في مقدرتنا أن نتحدث عن موقف متسامح في تراثنا الإسلامي في حال شخص يضطر، وهو مضطهد وفي موقف ضعيف، أن يتحمل الآخرين، وهذا الشخص الذي يتحمل الظلم فإنه، في حال الضرورة ووفقاً للعرف الاجتماعي، له الحق في المعارضة والحق في الدفاع عن نفسه في وجه الاضطهاد والتمييز العنصري.

خاتمة:

من خلال ما طرحناه آنفًا في ورقتنا البحثية هذه من إشكاليات وتساؤلات حول أحد أهم اشكاليات الفكر الاسلامي المعاصر التي تشتغل على خطابات قبول الآخر في تراثنا الإسلامي والتي عمل المفكر ماجد الغرباوي على ايجاد السبل الكفيلة بحلها، وسعيًا منا لإيجاد الحلول المناسبة للوقوف في وجه هذا التسونامي الاستعماري الفكري الجديد إن جاز التعبير الجارف للهويات الدينية والثقافات المتنوعة بوطننا العربي الإسلامي تحت أغطية كثيرة تختزل معادلة الصراع الحضاري العالمي، نطرح في خاتمة مقاربتنا هذه بعض الأفكار والتوصيات التي نرجو أن تسهم في ترميم التصدعات الجاثمة على الخارطة الهوياتية للتنوع الطائفي والديني والثقافي بوطننا العربي، لتحقيق سبل انعتاقنا من مد المركزية الغربية المحرضة على العنف والإرهاب والتكفير وويلاته، وإرساءً لدعائم سبل تحقيق التعايش الثقافي والديني وفق المنهج الإسلامي الصحيح الذي بينه محمد عمارة، نطرحها في النقاط التالية:

1- ارساء قواعد التعايش السلمي وتعلم سُبل التّعايش بين الثقافات والأديان المختلفة لن يكون برفع الشعارات الزائفة، وإنما يتحقق ذلك بتضافر جهود جميع الأطراف داخل العالم الإسلامي باستخدام لغة العصر وأدواته في نشر الفكر الاسلامي الوسطي، وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني المختلفة، ونشر ما يحث عليه الدين الإسلامي من قيم التسامح والتعايش بين المذاهب، خاصّة في المناهج التعليمية تعليمًا وتربية لهم على اتقان فن حقوق الانسان، تحت اشراف مختصّين في المجال وليس مجرد درس يتم إلقاؤه وفقط لتنتهي المهمة عند ذلك، فالأمر أكثر من ذلك بكثير.

2- من الضّروري بعث سبل تجديد الثّقافة العربية خاصّة الخطاب الديني، وتفعيل دوره في الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية بجميع طوائفها بعيدًا عن جدل التعصب للعرق أو المذهب...الخ، وقوفًا في وجه الخطابات الفلسفية الجديدة المغلفة بقيم الاستشراق ذات الطابع الاستعماري الجديد، وهذا كله تأسيسًا لنوع جديد من الاستشراف المستقبلي لأمة اسلامية جديدة ولدت من رحم الانبعاث الحضاري الإسلامي القويم، بعيدًا عن الصراع الديني المدعم من أطراف خارجية تكن الحقد والكره لكل ما يمت للإسلام بصلة.

3- لقد أنتجت فلسفة ما بعد الحداثة انسانًا غربيًا ثاناتوسيا، مخربًا للعالم ناسفًا للقيم حقوق الانسان وشتى أنواع التعايش الثقافي و الديني السلمي القائم على مبدأ قبول الثقافات والأديان ضاربًا بكل ذلك عرض الحائط، ومرسيًا بدل ذلك مفاهيم جديدة من قبل: الهدم، التشظي، المركزية الغربية، الإسلاموفوبيا...إلخ، ساعية إلى نشر هذه المفاهيم وترسيخها في الأذهان، تحت غطاء وأقنعة مختلفة تختزل معادلة صراع الأديان بمختلف أبعادها.

4- تعتبر أحداث 11- 09- 2001 بمثابة النبوءة التي أكدت نظرية صراع الحضارات الهنتنغتونية والتي اتخذت منها الولايات المتحدة الأمريكية مطية لشحذ الهمم وتفعيل الحراك العالمي ضد الهوية الثقافية الاسلامية، وهو ما جعلها تقرع طبول الحرب معلنة المعركة ضد محور الشر كما قال جورج بوش آنذاك، لتعلن بعدها عودة ما سمي بالحروب الصليبية من جديد ونتائج ذلك ماثلة أمامنا في كثير من الدول لعل على رأسها العراق وسوريا حاليًا من انفراط كبير لمد الصراعات الأيديولوجية المفتتة لكيان الدول والناشرة للفتن الطائفية، التي أصبحت تفتك يومًا بعد يوم بقيم التعددية الثقافية للأمة العربية والإسلامية .

5- فرق كبير بين نظرة الفلسفة الغربية الوضعية في نظرتها لقضية التعددية الثّقافية ووجهة نظر الهدي النبوي الذي بينه محمد عمارة في التأسيس لهذا الحق المشروع فالقوى الغربية انطلقت من اكراهات حتمتها عليها الشعوب ما اضطرها لوضع ميثاق عالمي لحقوق الانسان منها حق التعدد الثقافي و الديني، فضلا عن السياسات الاستعمارية في الاتخاذ من هذه الفلسفة مطية للسيطرة على الشعوب، اما الهدي النبوي فقد كان امرا تلقائيا تلبية لنداء الفطرة فضلا عن تنفيد أمر رباني صالح للتطبيق في كل زمان ومكان على اختلاف الثقافات وتنوع الأديان.

6- العنصرية والتفرقة بين الأديان والشعوب والأعراق والثّقافات في الدول الغربية نابع من فلسفة عنصرية متأصلة في الفكر الغربي بداية بأفلاطون وصولا لفوكوياما و هنتنغتون وغيرهم الكثير ترى أن الانسان الغربي أسمى وأعرق ثقافة وأرفع دينا وهو ما جعل العديد من الفلاسفة الغربيين المنصفين أمثال جان جاك روسو وايريك فروم وروجيه غارودي ونعوم تشومسكي... يوجهون نقدهم اللاذع لما وصلت له الحضارة الغربية من عنصرية تجاه الدين الاسلامي فهذا الأخير - نعوم تشومسكي- يعتبر أبرز المفكرين الذين يقفون في وجه السياسات الغربية التي تتخذ من فزاعة حفظ حقوق الأقليات الدينية والثقافية لتقسيم الشرق الأوسط وتفتيته مقيمة شرق أوسط جديد يخدم مصالها وفقط.

7- لابد من تضافر جهود جميع الدول العربية الإسلامية سواء على مستوى الحكومات أو على مستوى الشعوب، وتُحدث فيما بينها تعاون وتنسيقات عالية المستوى، وتكثيف الجهود أكثر على مستوى النخب الثّقافية بما أنها فئة تنويرية بإقامة مؤتمرات وندوات للتباحث في سبل بعث الهدي النبوي في نظرته لفكرة التعددية الدينية والثقافية، إلى جانب العمل على دعم منظمات المجتمع المدني والعمل على تغلغلها داخل النسيج الاجتماعي للمجتمعات العربية والإسلامية حتى تنتشر التوعية أكثر بمخاطر الفتن الطائفية وأثر ذلك على الهوية الإسلامية ومدى تماسك المجتمع تجنبا للانزلاقات الوطنية نحو العنف والدموية.

8- انتشار دواعي حوار الأديان وتمازج الثّقافات وتلاقح الحضارات والمعرفة الكونية...إلخ، كلها تقريبًا صنعت لأغراض سياسية بحتة ساعية إلى إحكام السيطرة على العالم، ونشرًا للنموذج الثّقافي الأمريكي، بدعوى أنها هي الأجدر بقيادة العالم كما أعلن عن ذلك صامويل هنتنغتون على اعتبار أنها ثقافة مركز القوة في العالم، فهي مجرد شعارات رنانة زائفة مزركشة بصورة بهية من الخارج، في حين هي انتهازية استعمارية من الداخل.

 

بقلم الأستاذة: خولة خمري – الجزائر، تخصص تحليل الخطاب ومناهج النقد. مركز الوفاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب – ماليزيا

بالاشتراك مع الاستاذ الباحث: عباس أعومري - الجزائر- باحث أكاديمي

.......................

* ورقة مشاركة في المؤتمر العلمي التاسع للنهوض بالبحث العلمي خطوة أساسية في بناء العراق الموحد. تحت شعار: "النهوض بالبحث العلمي خطوة أساسية في بناء العراق الموحد"... 2-3 شعبان 1439 هـ 17-18 نيسان 2018م، كلية المعارف الجامعة، كليةٌ أهليةٌ عراقيةٌ، بعنوان: (التّسامح وفرص التّعايش بين الاديان والثّقافات بين الواقع والمأمول.. دراسة نقدية في فكر ماجد الغرباوي.)

...............................

الهوامش

1 - ماجد الغرباوي :اشكاليات التجديد - سلسلة قضايا إسلامية معاصرة-، دار الهادي للنشر والتوزيع، ط1، 1421ه، 2001م، بيروت، لبنان، ص 37.

2 - مالك بن نبي: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، دار الفكر، سوريا، ط9، ص4 .

3 - المرجع نفسه:ص42.

4 - http://www.almothaqaf.com/c/c1d-2/925135

5 - ماجد الغرباوي: الضد النوعي للاستبداد "، اصدار مؤسسة المثقف العربي، نشر العارف للمطبوعات، ط1، 2010م، ص 74- 75.

6 - سورة الحجرات: الآية 13.

7 - إليكس ميكشيللي : الهوية، ترجمة علي وطفة، دار الوسيم للخدمات الطباعية، دمشق، ط1، 1993. ص 15.

8 - التسامح ومنابع اللاتسامح - فرص التعايش بين الأديان والثقافات-، الناشر الحضارية للطباعة و النشر، ط1، بغداد، العراق، 1429ه- 2008م، ص60.

9 - المصدر نفسه.

10- المصدر نفسه.

11- البخاري (3383)،كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى:{لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين}، ومسلم (2378)، كتاب الفضائل، باب من فضائل يوسف.

12- "فتح الباري" (6/529).

13- "شرح النووي لصحيح مسلم" (15/135).

14 - ماجد الغرباوي: اشكاليات التجديد، مصدر سابق. ص67- 68.

15 - ماجد الغرباوي :اشكاليات التجديد، مصدر سابق، ص 67.

16 - ماجد الغرباوي: الضد النوعي للاستبداد "، مصدر سابق، ص 152- 153.

17 - محمد عمارة : http://klmty.net/472766-%D8%AF-

18 - ماجد الغرباوي : اشكاليات التجديد، مصدر سابق. ص 110.

19- عبد الحكيم منصور: حكومة العالم الخفية - الماسونية والثّورات العربية بين الحقيقة والافتراء- دار الكتاب العربي، القاهرة، 2012، ص242.

20 - نجيب الحصادي: جدلية الأنا والآخر، الدار الدولية للنشر والتوزيع، ط1، القاهرة، 1996. ص 56- 57.

21 - ماجد الغرباوي: التسامح ومنابع اللاتسامح - فرص التعايش بين الأديان والثقافات-، مصدر سابق ص9.

 

المصادر

1- القران الكريم

2- عبد الحكيم منصور / حكومة العالم الخفية / الماسونية والثورات العربية بين الحقيقة والافتراء/ القاهرة 2012

3- ماجد الغرباوي / اشكالية التجديد / دار الهدى للنشر / ط1 / 2001 : بيروت

4- ماجد الغرباوي / الضد النوعي للاستبداد / مؤسسة المثقف العربي / دار المعارف للمطبوعات /ط1 2010

5- مالك بن نبي /مشكلة الافكار في العالم الاسلامي / دار الفكر / سوريا /ط9

6- ماجد الغرباوي / منابع التسامح واللا تسامح / فرص التعايش بين الاديان والثقافات / الدار الحضارية للطباعة / ط1 بغداد 2018

7- نجيب الحصادي / جدلية الانا والاخر / الدار الدولية للنشر والتوزيع /ط1 : القاهرة 1996

8- اليكس ميشكيللي / الهوية / ترجمة علي وصفة / دار الوسيم / دمشق ط1 / دت / 1993

 

 

مجدي ابراهيمالإيمان في منحى من مناحيه إنْ هو إلا "تقدير" في الذات المؤمنة، وامتياز في الذات العارفة: هو تقدير لها يرتد إلى القدرة؛ فمن امتياز الذات العارفة واقتدارها أن تترقى بالقدرة لتصل إلى الإيمان لتنال التقدير. وما القدرة في البداية إلا جهد الكسب، وما التقدير في النهاية إلا توفيق الوهب. وليس للقلب البشري إلا أن يتوتر بين الجهد المكسوب والوهب الذي يأتي من عين الجود. فمثل هذا التوتر هو عينه "التجربة الروحية": الارتقاء في تحصيل الإيمان بفعل "القدرة"، أي بفاعلية المجاهدة والمكابدة، والممارسة العملية، والمعايشة الحياتية لأصول الدين وفروعه، ولآدابه وقوانينه، ثم الانتظار والترقب لفيوض التقدير: والتقدير معرفة، واتصال، وفناء في الذات الإلهية مما ينفتح في سر القلب من جَرَّاء الاتصال بالغيب: هو إنْ شئت قلت: الوَهْب اللَّدُنِّي والتوفيق الإلهي.

ولما كان الإيمان تقديراً وقدرة؛ لأنه اقتدار، صار تعبيراً عن قدرة الإنسان التي لا تحد وتجسيداً لإرادته التي لا تنازع؛ لأن الإيمان في جميع مستوياته التي يحد الإيمان بها إنْ في مجال الفكر أو القلب، وإنْ في ميدان العمل العقلي أو الذوق الوجداني؛ إنما هو اقتدار يتشكل في إطار فكري نظري أولاً ليُعرف، ثم يُذَاقُ بالتجربة بعد المعرفة كيما يُمارس. وبالإطار الفكري النظري قد يستولي من الظاهر ليكون قشرةً سطحيةً على تقدير الناس في أول مقام.

فالعقلُ وحده بمعزل عن الإيمان ليس كفيلاً ولا كافياً أن يعطيك تصوِّراً صادقاً أو صحيحاً عن العقيدة الإيمانية فيما لو كانت على استقرار الرسوخ والتمكين؛ أو هو قد يعطيك عقيدة فكرية بحتة لا شأن لها بتعقُّل الإيمان إلا من خارج. والإيمانُ شعورُ وفهمُ واستدلالُ - كما يذهب القديس أنْسِلم - شأنه في ذلك شأن القديس أوغسطين الذي نادي بـ "تعقل الإيمان"؛ لأن الإيمان يُوَلِّدُ في النفس المحبة، ومن خصائص المَحَبة أن تدفع إلى استعجال الرؤية الآجلة بالاستدلال.

كان "كانط" يقول:" إنّ الدين هو شعور بالأمر الإلهي، وليس بواسطة العقل؛ إذْ العقل عنده لا يوافق حقيقة الأشياء. وعلى ذلك يكون الدين بهذا المعنى شعوراً إلهامياً محضاً. فالإيمانُ من ثمَّ شرطُ التَّعقل؛ وقد قال"أشعيا": "إنْ لم تؤمنوا فلن تفهموا "؛ فالذي لا يؤمن لا يشعر بموضوع الإيمان؛ والذي لا يشعر لا يفهم. والشعور بالإيمان يفوق مُجَرَّد سماع الحديث عنه، والتَّعُقُّل وسط بين الإيمان في الحياة الدنيا، ومعاينة الله في الآخرة؛ هو اقتراب من علم الله !

إنما العقل المحدود المفصولُ بالكلية عن شعور الإيمان الديني العميق، والمعزولُ عن فهم دخائله ومراقبة خلجاته وطواياه، لا يَمَسُّ الحقيقة الدينية في شيء؛ فعقيدتُه محضُ فكر خارجي يُصلح للعلم والتفكير المحسوس: يصلح للصخور والمعادن والأحجار وري الأرض وحفر المجاري ومدِّ القنوات ونقل المزابل؛ ولا يُصْلح لتأمل الحقيقة الإلهية.

هنالك فرقٌ؛ وفرقٌ كبير؛ بين العقل المُروَّض على التعامل مع الحقيقة الإلهية، والتي موضعها القلب إيماناً، ومُدْركُها الفكرُ تعقُّلاً وعرفاناً؛ وبين العقل العابث المخلوط بأهواء صاحبه، إنْ هو أدرك فلا يدرك إلا الهوى، وإنْ هو أصاب فلا يصيب إلا الدَّنِيَّة من الدين والدنيا على السواء. هذا العقل المغموس بعكارة النفس الملوَّثة إذا تَعَرَّض للإيمان أفسد معانيه. إنه فريد الدين العطار؛ الشاعر الصوفي الفارسي البديع هو الذي صور عجز العقل (باعتباره ملكة الاستدلال) عن إدراك الحقيقة الإلهية تصويراً يفوق الروعة ويعلو على خيال الملهمين؛ وذلك حين قال:" ذهبنا وراء عالم العقل والفهم، العقل لا يُجدي عليك، إنما يأتي بما يأتي به غربالٌ من بئر، إنما يحاول العقل أن يدرك هذا العالم، ولكن هذا العقل الذي يفقد نفسه بجرعة من الخمر لا يقوى على المعرفة الإلهية. العقل أجبن من أن يرفع الحجاب ويسيرُ قدماً إلى الحبيب.

ولن يكون هذا الإيمان مُحَدَّداً بكيفية معينة ما لم يتم تحديده (داخلياً) على طريقة ذات معنى يتلازم مع الكينونة البشرية، يمكن للفرد أن يتهيأ له ويستعد، أو بعبارة أخرى؛ لن يكون الإيمان سوى مجرَّد فورة باطنية ما لم يُكيّفه صاحبه في مستوى التوجه؛ وتكييفهُ شوقٌ دائمٌ إلى الحقيقة الإلهية، وإلحاح إدراك للغيب المجهول، ومحاولة استكناة خفاياه. ولن يتاح لفرد - كائناً ما كان - أن يتذوق في قلبه حلاوة الإيمان، وهو - من بعدُ - لم ينفرد في نفسه بتلك "الصفة" - صفة العارف - المطروحة في أعمق أعماقه الداخلية، والمبطونة في أصدق دخائله الوجدانية والشعورية، وهو معزول في نفسه عن نزوع الشوق الغالب لمعرفة الحقيقة الإلهية حتى ولو توافرت فيه أجل الصفات وأعظمها، وحتى ولو أنفرد بصفات ظن أن هذه "الصفة" على التحديد دونها. فليس له من مطمع، من بعدٌ؛ أن يتذوق طعم الإيمان ولم تغالبه نفسه إذْ ذَاكَ إلى الشوق الدائم لمعرفة الغيب المجهول.

تلك الصفة المبطونة داخل كل فرد من أفراد البشر، وهذه الصفة المطمورة في الأغوار الجُوَّانيَّة هى عندي "صفة العارف"، ففي كل إنسان نورٌ عرفاني يسري في كيانه فيما لو تحرَّر فعلاً هذا الكيان، يستمد أشكالاً وألواناً عديدة حين يظهر، تندرج هذه الصفة في الوعي بكل جميل وبكل جليل وبكل ذي قيمة: الوعي بكل تقدم وترقِّ وقوة ومنعة، الوعي بالطموح الغالب على الأفراد والأفذاذ، عندما يريد أحدهم أن يحقق قيمة ما من القيم الوجودية الباقية، الوعي على الجملة بمجمل القيم في هذه الحياة الدنيا، بكل بما فيها ومَنْ فيها. لاحظ أن الوعي قدرة فاعلة وهو اقتدار أيضاً.

إن فكرة الوعي الفردي ذاتها تنبثق من "صفة العارف" حين تظهر، لا بل كل قيمة من القيم، وكل فضيلة من الفضائل، وكل إبداع ثقافي أو خَلْق أدبي أو فكري أو حضاري، كل إبداع فني أو كشف علمي، مهما كان شكله أو جنسه أو لونه، كل إبداع على التعميم إنما هو لون باطني خفي من ألوان"صفة العارف" هذه، سواء أُدْركَ أم لم يُدْرك؛ لأنه نشاط روحي ولون من ألوان الوعي الفردي. والوعي جزء غائر دفين في تلك الصفة العرفانية، هو منها في صميم الصميم.

ولما كانت هذه الصفة يتشكل منها قيم الوجود الروحي في الإنسان، صارت على وجه العموم هى الأصل الذي يستمد منه الوعي الإنساني جذره المتجذر في الأغوار النابتة منه فروع، أشكال هى وألوان، يستمد منه الوعي الإنساني مدده فيتوجه وجهات في الحياة مختلفة، شأنه في ذلك شأن المنبع تتفرع عنه جداول، كل جدول منها يقوى ويشتد بمقدار قوة استمداده من ذلك النبع؛ فهنالك جدول للأدب، وآخر للعلم وثالث للفن ورابع للفكر وخامس للإبداع الثقافي على التعميم.

وهكذا، وهكذا إلى آخر الفروع المختلفة للنشاط الإنساني؛ تستمد منابعها من أصل المنبع: الوعي الغائر الباطن المطمور في جوف العرفان.

إذا كانت هذه الصفة ظاهرةً جليةً قامت بتنشيط الوعي كله في جوهر الإنسان وباطنه. أما حين تكون خفيّة مطمورة تتوارى تحت كثافة الظلمانية الغليظة؛ فليس يظهر منها نور قط يشع على الإنسانية بجديد؛ فالأدب هاهنا تقليد ومحاكاة وإتباع، والفكر عقيم وبليد وفقير، والعلم مادة كثيفة صماء، إذا أنفرد بالسبق وحده يقضي على القيم الإنسانية إذا لم يكن يقضي على الإنسان في جملته وتفاصيله: على حيويته الرُّوحيّة، ويهدد قناعاته الخلقية، ويفجعه بشؤم المصير.

وتاريخ الاستخدام الخاطئ لمنجزات العلم والتكنولوجيا تكشف عن تحدي الإنسان لإنسانيته، وتقضي على الأخلاق من حيث يظن بها توفير الوقت والجهد، ما لم يكن هاهنا وعي من الرقابة الباطنة: رقابة الضمير والخلق الروحي المتين.

والأمر الذي يجعل الوعي غائباً لا نمو فيه ولا تطور، ولا تقدم يُرْجى من ورائه؛ هو انطماس "صفة العارف" وتواريها تحت كثافة الظلمانية الخبيثة المدمرة. على حين أن قهر تلك الظلمانية بأساليب من المقاومة والمجاهدة والمكابدة واعتياد الرياضات الروحية ينمِّى الفردية على قدرة التوجه إلى أعلى والاتصال بمطالب الروح، كما يُقْدِرها على الاستقلال الفكري والروحي، ويهبها تحرر الكيان الآدمي فيتحرَّر بمقتضاه جميع لواحقه وفروعه؛ فيقتدر الإنسان على الخَلْق الفكري والأدبي أو على سائر أنشطته الحيوية، بمقدار ما يُقْدِر الوعي فيه بالبروز والجلاء والظهور.

والإيمان هو الأساس لترقي صفة العارف ولتأسيس مشكاة النور العرفاني في بواطنه وخوافيه: الإيمان القلبي الذي هو الأصل والمصدر لكل نشاط واعي، بغيره تضيع جميع المحاولات الحياتية الجادة والنافعة، وبغيره يمكنك أن تصف تلك المحاولات في غير تردد بالعبث واللهو والفراغ العقلي والفكري وضياع الوقت والجهد فيما لا ينفع ولا يفيد. ونسوق هنا من "نوادر الأولياء" حادثة دَوَّنَها الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ونقلها عنه شيوخ الطريق من شُرَّاح ومفسرين؛ شواهد ممَّا يستملح ويستظرف في "كرامة الإيمان" الذي لا ينبغي أن يُخَالط بمعصية.

قال ابن عربي: " دَعَانا بعض الفقراء إلى وليمة بزقاق القناديل بمصر، فأجتمع بها جماعة من المشايخ، فَقُدّم الطعام، وعمَّروا الأوعية، وهناك وعاء زجاج قد أتخذ للبول ولم يستعمل فقرَّب فيه ربُّ المنزل الطعام فالجماعة يأكلون، وإذا الوعاء يقول: مذ أكرمني الله بأكل هؤلاء السادة مني لا أرضى لنفسي أن أكون بعد ذلك اليوم محلاً للأذى ثم أنكسر نصفين. فقال ابن عربي: فقلت للجميع أسمعتم ما قال الوعاء؟! فقالوا: نعم. قال فقلت: وما سمعتم!!, فأعادوا القول الذي تقدَّم.

قال، فقلت: قال قولاً غير ذلك. قالوا: وما هو؟ قلت: قال كذلك قلوبكم قد أكرمها الله بالإيمان، فلا ترضوا بعد ذلك أن تكون محلاً لنجاسة المعصية وحُبّ الدنيا؛ جعلنا الله وإياكم من أولى الفهم عنه والتلقن منه " (شرح الرندي على الحكم العطائية؛ جـ2, ص 51).

تلك صفة العارف أن ينطق عنك وأنت ساكت، وهذه هى صفة العارفين أن يدفعوا عن الإيمان كل لوثة من كدورات الدنيا وكل معصية تلحق بصفائه ونقائه. الإيمان شرط كل ما تقدَّم في الصفة العرفانية؛ لأنه أولاً شرط الحقيقة الأصلية في الإنسان: روحه وجوهره وفطرته وتصافيه؛ ولأنه ثانياً يخرق حُجُب الغفلة ويفعِّل فواتح الضمير، بمقدار ما يهيئ العقول والقلوب إلى اليقظة التي لا غفلة فيها، ونحن إذا قلنا "يقظة" فقد قلنا في الوقت نفسه "وعياً"؛ وأحطنا الوعي في قولنا بالتنبُّه الشديد والإدراك العالي لسائر ألوان النشاط الإنساني تفعيلاَ لهذا النشاط؛ كيما يدرك الحقائق الوجودية والمعرفية، ولا يغفل أو يتغافل عنها بوجه من الوجوه.

إنما الحقائق الوجودية والمعرفية "قيم": قيمٌ لا مناص لها من أن تتفَعَّل في الضمائر وتستوطنها من الباطن لتفعل في صاحبها أفاعيل الحركة الناشطة بوجوب التحقيق والتطبيق، وتتردد على العقول والقلوب فتدركها أحياناً حتى لكأنها تقبض على هذا الإدراك قبض الظافر الغانم، وفي تلك الحالة يكون الوعي ايجابياً فاعلاً في أقصى حالات نشاطه. أما حين تتجاهلها أو تغفلها فلا تدرك منها شيئاً، ولا تريد أن تدرك مع التجاهل ومع الغفلة شيئاً؛ فهنا تنطمس بصيرة الوعي حتى لكأن الإنسان في هذه الحالة يُشْبه الحيوان في النكوص والتردي، بل وفي الخيبة والخذلان.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيمحين نريد تحديد صفة العارف في حديث الولاية؛ نحددها خلال ما تعترك به الدنيا وتضج فيه من ناحية، ومن ناحية أخرى خلال ما يبرز لنا واضحاً من قواعد تأسيسية في الطريق نفسها، ليس يمكن الاستغناء عنها في مراحله المتطورة وارتقاءاته الصاعدة في معارج الروح والأخلاق : لسنا بمعنيين هنا بتحديد "صفة العارف" كما أرادها القوم وكما حَوتها كتبهم ومقالاتهم فهذا مما شك فيه إنْ كان من الأهميّة بمكان فهو موجودٌ متوافر في مصنفاتهم لمن شاء أن يطلع عليه. ولكننا عنينا بصفة العارف تحديداً تلك القيمة الباقية من الإنسان فيما لو نهج طريق العرفان واستطاع بمثل هذا المنهاج أن يحدد صفة العارف لا من خلال أقوال الصوفية فيها فحسب، ولكن أيضاً من خلال ظلالها وآثارها في الحياة الحية الواقعة تُعَاش أو ينبغي أن تعاش وفق خَصَال العرفان : أحولاً كانت أو أخلاقاً، ماذا عَسَاهَا تكون صِفَةُ العَارِفْ هذه؟

الإمام أبو القاسم الجنيد (ت 297 هـ) قال وهو يصف العارف: (مَنْ إذا نَطَقَ عَنْكَ وَأنْتَ سَاكت!). وهو وصف موغل في تجسيد الولاية كونها سراً ينطق عن السر، وإنْ كان موغلاً في الوقت نفسه في البعد عن العقلانية التي يشكُل معها النطق بالأسرار لأنها تأخذ بالعموم ولا تأخذ بالخصوص، وتتوجه إلى العقول ولا تتوجه إلى الأسرار، ولكن منذ متى تقاس الولاية بمقياس العقول المحدودة بحدود ما تفكر فيه؟ والولاية بعيدة بعيدة عن حدود العقول المحدودة بحدود ما تفكر فيه، فما يطابقها أو ينطبق عليها في عملية البحث من حيث كونها منهجاً، ليس هو العقل بل البصيرة، أعلى من العقل وأرفع في ملكات الإدراك. وإذن؛ فلابد من معرفة الجهة التي نتحدَّث فيها أو المنقطة التي ينطلق القول منها، ومعرفة ما يناسبها من عمليات الإدراك لكيلا نخلط بين حابل ونابل أو بين منهج ومنهج حين نحاكم أحدهما بالآخر في البحث والفحص والتنقيب. وعليه؛ فلا يفهم من قول الجنيد هذا ما يفهمه صاحب العقل المحدود حين يرى إشارته تتوغل بعيداً عن العقلانية فيحكم بالعقل عن أشياء صدرت من منطقة الذوق، فلا يكون حكمه صواباً بالقياس إلى من يريد أن يقيس الشيء وهو يجهل كيف يقاس. وفي إطار قيم المعرفة منهجاً وتحققاً تجئ صفة العارف متصلة بالإنسان حيث كان، ولكنها لا تتصل حين تتصل إلّا بالإنسان الأعلى من حيث مراقيه المعرفيّة لا من حيث هبوطه ونكوصه وترديه.

فالمحبة والمجاهدة والمعرفة والأخلاق والتحرُّر من عبادة السّوى؛ قيم باقية من خصال العارف تنطلق منها وتعود إليها، وتسمو الحياة بسموها في ضمائر أصحابها؛ وهى من الأصالة بحيث لا يمكن التغاضي عنها؛ فالعارف مجاهد، والعارف محب، والعارف ذو خلق متحرر من عبادة السوى. فهذا الفهم يضعنا في مواجهة العرفان كصفة خاصَّة بالأولياء والعارفين، يتحتم بروزها ليس فقط لدى هؤلاء الأولياء والعارفين بل من وجهة نظرنا كذلك في وقائع الأحياء على التعميم.

إن حُبَّ الله لهو أعظم آيات الامتنان الإلهي، لكنه لن يتحقق بإرادة الإنسان، بل يتحقق بهبة التوفيق. ليس الحب الإلهي الخالص المُخَلَّص من شوائب الزيف آية من آيات الفضل المسبوغ وكفى؛ بل هو كذلك في الأصل هبة إلهية يمنحها الله عطية وتوفيقاً من عنده لخاصة عباده، أختارهم واصطفاهم خاصة لأفضاله وخالص عطاياه. فما من حيلة وما من دعوى، وما كان عطاء ربك محظوراً قط، وما كانت هباته موقوفة ولا ممنوعة، فهو (أي الحب الإلهي) اصطفاء فوق كونه فضلاً مسبوغاً.

على أن الفرق بين الاصطفاء والفضل المسبوغ هو أن الأول تخليص خالص، وانتقاء إلهي كان في عالم الذَّر كما في قوله تعالى:" إنا أخْلَصْنَاهم بخالصة ذكرى الدار. إنّهم عندنا لمن المُصْطَفين الأخْيَار "(سورة ص : آية 46 - 47) ؛ بمعنى أن الله تعالى قد نقاهم من النقائص، وخَصَّهُم بخلة خاصّة وجعلهم من المخلصين المختارين لطاعته حين خصهم بخصائص القربة.

أما الفضل المسبوغ فهو لا يحرم منه أحد، ولا يختص بمخلوق دون مخلوق، ولكن نعمة الإيجاد تتطلب فيه نعمة الإمداد. ثم هو قد ينال جميع خلق الله بمقتضى الرحمة الإلهية، ومن قبَلهَا، وبغير استثناء مخلوق من إمداد الخالق. وفضل الله المسبوغ على عباده عام لا خاص، شامل لا محدود، واسع لا ضيق فيه. والمحبة الإلهية فوق كونها من فضل الله المسبوغ، فهى كذلك هبة تندرج في أعلى صفاتها تحت الاصطفاء الإلهي وتخصيص التقريب كما جاء في قوله تعالى :"والله يَخْتَصُّ برَحْمَته مَنْ يَشَاء، واللهُ ذو الفَضْل العَظيم"(سورة البقرة : آية 105) .

وفي تلك الخاصَّة الإلهيّة لن تتدخل إرادة مخلوق في إرادة الخالق؛ إذْ الأمر كله على التحقيق إرادة ربّ لا إرادة عبد. وهذا الفهم هو المهم في كل توفيق ممنوح. لكأنما أول خاصَّة عرفانية تقابلنا هى هنا خاصة المحبة؛ لأنها فيما يقول الإمام أبي الحسن الشاذلي:" أخذت من الله لقلب عبده عن كل شيء سواه، فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل مُتَحَصّناً بمعرفته، والروح مأخوذة بحضرته، والسّرَّ مغموراً في مشاهدته، والعبد يستزيد فيُزَاد، ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته فيُكسى حُلل التقريب على بساط القربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم، ومن أجل ذلك قالوا : أولياء الله عرائس ولا يرى العرائس المجرمون"؛ أو يقول:" المحبة سّرُ في القلب من المحبوب، إذا ثبت قطعك عن كل مصحوب"، وينبه محذراً فيقول:"حرامٌ عليك أن تتصل بالمحبوب، ويبقى لك في العالمين مصحوب "، غير أنه سبحانه إذا مَنَعَكَ ممَّا تحب، وَرَدَّك إلى ما يحب، فهى علامة صحبته لك". (يراجع : ابن عباد المحلي : المآثر الشاذلية؛ ص 90 - 91)

وإذا كانت هذه هى خَاصَّة المحبة عرفانية في الأساس؛ فإنها لتندرج في المعرفة فيجيء بمقتضاها نطق العارف مخبراً عن كل شيء، فقد سئل عبد الرحمن الفارسي عن كمال المعرفة فقال:" إذا اجتمعت المتفرقات، واستوت الأحوال والأماكن، وسقطت رؤية التمييز"؛ وعلق السرَّاج الطوسي على تلك الإشارة حيث قال :" ومعنى ذلك أن يكون وقت العبد وقتاً واحداً بلا تغيير، ويكون العبد في جميع أحواله بالله ولله مأخوذاً عمَّا سوى الله، فعند ذلك يكون هذا حاله" (السراج الطوسي : اللمع، ص 62) بمعنى أن تصير جميع الهموم هماً واحداً بلا تغيير، وتسقط جميع الشواغل إلا شاغل واحد هو تحقيق العبودية لله، وهى التي عبر عنها ذو النون المصري بعدم الالتفات إلى الخلق فقال:" إنْ التفت العارف إلى الخلق عن معروفه بغير إذنه، فهو مخذول بين خلقه "، مخذول؛ لأنه مادام قد أختار طريق العرفان ثم ألتفت فقد خَان؛ والخيانة خُذلان؛ ولأنه في هذه الحالة لن يكون مشغولاً بالتحقيق في مقام العبودية، وسيكون في الغالب موزع القوى مشتت الهَمِّ غير مجموع بالعين ولا هو بالمأخوذ كلية، وستكون فيه بقية من اختيار لا توصله إلى درجة العارف كصفة خاصة به.

وهنا قد نصل بالعرفان إلى مذهب "إسقاط التدبير" في تصوف السَّادة الشاذلية عامة، وتصوف أبي العباس المرسي وابن عطاء الله السكندري خَاصَّة؛ فلن يكون اختيار العارف في تلك الحالة القصوى من العرفان إلا بمراد الله لا بمراده، وقد قال يحيي بن معاذ الرازي (ت 258 هـ) مادام العبد يتعرَّف (أي لم يبلغ درجة العرفان بَعْدُ) فيُقال له : لا تختر شيئاً، ولا تكن مع اختيارك حتى تعرف (أي حتى تبلغ من العرفان مبلغه الذي لا يتناهى)؛ فإذا عرف وصار عارفاً بمعنى أنه تحقق من العرفان فيُقال له إذْ ذَاك : إنْ شئت اختر وإنْ شئت لا تختر؛ لأنك إنْ اخترت فباختيارنا اخترت، وإنْ تركت الاختيار فباختيارنا تركت، فإنك بنا في الاختيار وفي ترك الاختيار".

أَفَكَثيرٌ على العارف - وهذه حالته على هذا الوصف - إذا هو نطق، نطق عنك وأنت ساكت؟ كلا! إن حركته وسكونه بالله، فمن نطقه ينطق بالله، وكذلك في سكونه يخبر عن المسكوت عنه فيما لو كان مأذوناً له بالنطق فيه وبالإخبار عنه، وذلك لأنه في الحركة والسكون ليست له إرادة وليس له حظ فيهما.

هذه الصفة، "صفة العارف" هى التي عبر عنها الإمام الشاذلي أيضاً لما أن قال : من انقطع عن تدبيره إلى تدبير الله، وعن اختياره إلى اختيار الله، وعن نظره إلى نظر الله، وعن مصالحه إلى علم الله لملازمة التسلم والرضا، والتفويض والتوكل على الله؛ فقد آتاه الله حُسْن اللب وعليه يترتب الذكر والفكر وما وراء ذلك من الخصائص " (المآثر الشاذلية؛ ص 98)؛ لكأنما الذكر والفكر من المراحل التالية لصفاء اللُّب بترك الاختيار النفسي وإسقاط شواغله إلى حيث اختيار الله تعالى وموالاته على الصفاء، فهما العلامتان اللتان يدلان على معقول النظر واستقامة العمل كما وصفهما بحُسْن اللُّبّ. غير أن هذه الصفة في المطلق لا تتأتى أبداً بغير تحقيق الإيمان ولا تأسس إلا عليه.

ليت شعري : ما الذي يُقدّمُه الإنسان على أسمى جزء موجود فيه، إذا أنعزلت عنده مَدَارك الذَّوْق وراح يدرك كل ما يناله ببصر المحسوس والملموس، ويكتفي بذلك فقط، وينكر ما دونه من مدارك وأذواق؟ إنه ليبدو مخلوقاً تافهاً حقيراً إذا لم تكن المعرفة منذ البداية قد وَقَرَتْ فيه، وإنه لينقلب من فوره إلى وضاعة ما بعدها وضاعة إذا هو لم يقدر وجوده الروحي، ولم يعرف أن هذا الوجود هو في الأصل مُقَدَّمَاً - وينبغي أن يكون مُقَدَّمَاً عنده - على كل وجود سواه، وأن وضاعته لتزداد وشرهه المادي ليتفاقم إذا هو لم يعد يمتلك قدرة التحقق بأسس العرفان.

إنما قصدت هنا تحديداً ذلك العرفان الذوقي بهذا الوجود الروحي أو بتلك الطبيعة الموجودة فيه : طبيعة الروح السامية المتعالية التي تستقر في محيط الإيمان. إنها من غير شك لطبيعة روحانية تسمو على كل طبيعة سواها، ترتفع ما أرتفع الإيمان في معدن الذات المؤمنة وأزدان.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيمعشنا ساعات نورانيّة في ظل مناقشة رسالة علميّة ممتازة في الأسبوع الماضي بعنوان (الجهاد لدى المدرسة الشاذليّة) رسالة نوقشت مؤخراً بكلية الآداب - جامعة المنصورة، مقدّمة من الباحث أحمد عبد المعبود يوسف لنيل درجة الماجستير في الآداب من قسم الفلسفة بإشراف الأستاذ الدكتور إبراهيم إبراهيم ياسين أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف ورئيس قسم الفلسفة الأسبق، وصاحب المؤلفات البديعة في حقل التصوف الإسلامي والتصوف الفلسفي، وعضوية كل من الأستاذ الدكتور عامر النجار أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف بكلية الآداب - جامعة قناة السويس؛ والأستاذ الدكتور مجدي محمد إبراهيم، كاتب هذه السطور ورئيس قسم الفلسفة ووكيل كلية الآداب لشئون الدراسات العليا والبحوث جامعة العريش (مصر).

ربما يكون من اللافت للنظر أن يكتب أحد أعضاء لجنة المناقشة عن رسالة شارك في مناقشتها؛ فأيَّا ما كانت قيمة الرسالة من الوجهة العلمية مقبولة؛ فكتابة أحد أعضاء اللجنة عنها شيءٌ يدعو إلى الغرابة في الأعراف الجامعيّة، ولكن الذي يرفع الغرابة لدى من يتبادر إلى ذهنه فيدور بخلده مثل هذا الخاطر هو أن التقاليد الجامعية وأصولها العريقة ليست تمنع من تشجع الباحثين الجادين على العمل المتواصل، وهو عين الجهاد، وبخاصّة فيما لو توافرت لديهم الإمكانات مع الاستعداد مثلما توافر في الباحث الذي كتب في موضوع الجهاد مثل هذا الكم الكبير بجهد ملحوظ في رسالته أقترب من أربعمائة صفحة.

عندما كتب عبد الرحمن بدوي رسالته للماجستير قال طه حسين، وقد كان أحد أعضاء لجنة مناقشته "هذا رجل أشعر بضاءلتي إذا ما اقترن اسمه باسمي"، ومن يومها انفتحت كل طاقات عبد الرحمن بدوي المعرفيّة بكلمة واحدة من رجل عظيم في مثل قامة طه حسين فقدَّم للمكتبة العربية ما لم يستطع سواه أن يقدّمه لها. وإذا كان الزمان قد تغيّر فالناس غير الناس، والاستعداد غير الاستعداد، ولست أنا بطه حسين، ولا الباحث بعبد الرحمن بدوي؛ فنحن في مسيس الحاجة إلى تشجيع الجادين في مجال البحث العلمي، وبخاصّة أولئك الذين نلمح لديهم الاستعداد للمواصلة مع حضور القيم العلميّة الفاعلة من جانبهم .. هذه واحدة.

أما الثانية؛ فقد ارتهنت عندي بموضوع صادف قبولاً في نفسي أنا شخصيّاً وهو الحديث عن الإمام أبي الحسن الشاذلي (ت656هـ) : شيوخه ومدرسته وتلاميذه، فقد كتبتُ عنه وعن تلميذه أبي العباس المرسي كتاباً مطولاً تناولت فيه هذه الشخصية المركزية الثانية في المدرسة الشاذليّة (أبو العباس المرسي؛ مذهبه وآراؤه الصوفية)، فهو من هنا له ولتلاميذه ومدرسته في قلبي مكانة تجعلني أبادر بمعرفة كل من حصَّل عنه شيئاً من بين بطون الكتب والمصادر.

أما الثالثة؛ فهى تلك الترجمة لأعلام المدرسة الشاذلية سواء في القديم أو الحديث فلم يغفل الباحث عن ترجمة شيوخ الشاذلي مثل ابن حرازم (ت633هـ) وأبو محمد عبد العزيز المهدوي (ت621هـ) وأبو سعيد الباجي (ت 638هـ) وأبو الفتح الواسطي (632هـ) وعبد السلام بن مشيش ( ت 622هـ). أو تلاميذه؛ كأبي العباس المرسي، وأبي القاسم القباري، وأبي محمد سلامة، وأبي الحسن بن على الحطاب، وعمرو بن الحاجب. أو زملائه : عز الدين عبد السلام، وتقي الدين بين دقيق العيد، وعبد العظيم المنذري، وابن الصلاح، وجمال الدين العصفوري، ونبيه الدين بن عوف، ومحي الدين بن سراقه، والعلم ياسين تلميذ بن عربي ممّن شهدوا صولات الشاذلي وجولاته في المدرسة الكاميلية بالقاهرة.

لكي نتحقق من المرجعية العلمية للطريقة الشاذلية تحقيقاً علمياً دقيقاً، يلزم الرجوع فيها إلى مصدرين أو إنْ شئت قلت طريقين : الأول، طريق أبو محمد ماضي بن سلطان خديم الشيخ أبي الحسن الشاذلي وتلميذه بالمباشرة ومنه إلى ابن الصباغ السيد الحميري صاحب "درة الأسرار" تلميذ الشيخ ماضي ثم الفروع. والطريق الآخر : طريق أبو العباس المرسي وارث سرّ الشيخ أبي الحسن الشاذلي وأفضل أصحابه على الإطلاق، ومنه إلى ابن عطاء الله السكندري ثم الفروع؛ فجميع ما كتب عن الطريقة الشاذلية ومؤسسها يستند إلى هذين المصدرين، وكل الكتابات الأخرى عالة عليهما، ولا يستغني باحث في تراث هذه المدرسة عن الطريقين ولا عن المصدرين ولا يؤثر طريق منهما على طريق، ولا مصدراً على مصدر لأنهما في الأصل طريق واحد.

حقيقة؛ وسَّعَ الباحث من دراسته فشمل مفهوم الجهاد من جميع معانيه؛ إذْ لم يجعله مقصوراً على العناية بجهاد النفس وتزكيتها وكفى، ولكنه أبرز الدور المرموق للمتصوفة إلى جانب جهاد النفس جهاداً في ميادين الحرب كما جرى مع الشاذلي نفسه في معركة المنصورة ضد الصليبين، من أجل إعلاء كلمة الله تعالى، وركز على أشهر الطرق الصوفية، وهى الطريقة الشاذليّة في محاولة للوصول إلى حقيقة موقفهم من الجهاد كونه مفهوماً وسلوكاً يمارس في إطار توجهات العقيدة الدينية التي يتنسبون إليها ويدينون لها بالولاء.

لم يكن بدُّ من الباحث أحمد عبد المعبود أن يجيء هدفه مشمولاً على إلقاء الضوء على الجهاد لدى المدرسة الشاذلية وفروعها المختلفة إنْ في القديم أو في الحديث، وإظهار مواقف أئمتها وأعلامها من مفهومه بمعناه الواسع الأمر الذي يقدح بالجملة فضلاً عن التفصيل في صحة نسبة التكاسل والانكفاء على النفس وخلق الحيل الهروبية والتقاعس عن الجهاد ممَّا يتنافي في المجمل مع أخلاق الصوفية عامة، والمدرسة الشاذليّة خاصّة، بمقدار ما يتنافي على الجملة مع آرائهم وآدابهم وتوجهاتهم الروحيّة.

فالتصوف بغير شك عملٌ متواصل وجهادٌ عنيف واقتدار يملك صاحبه القدرة على المواجهة في شتى ضروب الحياة. ومن أجل ذلك ركز الباحث في رسالته على المنهج التحليلي لبسط وتحليل الآراء وتقديم تفسير لها مضافاً إليه المنهج التاريخي في بعض المواضع لسرد الأحداث التي يقتضيها المنهج وتتبع الفكرة مع ملاحظة تطورها من مرحلة إلى أخرى، ولم يفته استخدام المنهج المقارن كلما دعت الضرورة إليه. هذا ما يشير إليه الباحث في المنهج المتبع في رسالته ويؤكد عليه، وهى خطوة أوليّة ضروريّة ما في ذلك شك. ولكن مع هذه الإشارة المهمة إلى أهميّة توظيف المناهج العلمية هنا، فاته أن يستخدم المنهج النقدي في إطار التحليل؛ وإني لأعتقد أن غياب هذا المنهج لديه لم يكن متعمداً بمقدار ما كان يُستَبدل في ذهن الباحث وهو يكتب رسالته بمنهج آخر لم يشر إليه من قريب أو من بعيد؛ وهو المنهج الأنسب والأهم في الكتابة عن التصوف في الإسلام عموماً، وهو المنهج النادر جداً استخدامه لدى الباحثين في حقل الدراسات الصوفيّة. هذا المنهج بغير شك هو المنهج الذوقي الأصيل لكل بحث صوفي، عارف بإشارات العارفين، مخلص في تناول نصوصهم بالتحليل والمقارنة واسترداد الفكرة لديهم إلى أصولها من الكتاب والسُّنة.

ظهر تأثر الباحث بالمنهج الذوقي بمقدار ما ظهر لديه استخدامه وتحقيقه؛ وهو منهج كما قلت أصيل عندي، ولكن من غير أن يشير إلى توظيفه في إطار النصوص التي تناولها بالعرض والتحليل، وهو من مزايا الرسالة على التعميم. فالنّص الصوفي لا يؤدلج. النص الصوفي يتذوق، ولسنا بحاجة شديدة إلى كثير عناء بكشف استخدامه لدى من يدرسون ويكتبون؛ فهو عندي من الأهمية بمكان؛ لأن الفارق أوضح بكثير بين أدلجة النص الصوفي من جهة وكشف ممكنات هذا النص في إطار فضاءاته المتنوعة. ومهمة الباحث في التصوف على وجه العموم فيما أتصوَّر أن يضفي من ذوقه الخاص وفكرته المستقلة تخريجاً لإشارات العارفين على هذا الذي أمامه ممَّا يقرأ أو ينظر أو يستسيغ أو يرفض بشرط أن تتوافر لديه إمكانيات التذوق للمقروء، ولا عليه في أن يجئ أمره من بعدُ رافضاً أو موافقاً. وعندي أن هذا المنهج الذوقي خاصّة لهو المنهج المناسب إنْ لم يكن الوحيد في تقديري لمعالجة موضوعات التصوف بعرفان يلائمها ويتناسب مع استبصارها الذوقي بالترقي إلى إدراك مواجيد أصحابها كلما ترقى المستخدم له في نفسه أولاً وقبل كل شئ.

أما أدلجة النص الصوفي وتحويله إلى نص عقلي يجوز عليه ما يجوز على النصوص الفلسفيّة والعقليّة من نقد أو تخريج، فهذا خبط عشواء لاختلاط مناهج العقل بمناهج الذوق والاستبصار. إذا أردنا أن نكون نقدة على الأصالة في هذا المجال فلا مناص لنا من أن يجيء نقدنا من الباطن نتمثل الوعي الصوفي ونتفهمه ذوقاً ومعرفة ومعايشة من الداخل، نحسّه ونستشعره ولا نخبط إزاءَه خبط عشواء كيما نقدّم رؤيتنا كليّة جامعة لتكون أقرب إلى الوصف والتصوير والتحليل والمقارنة منها إلى عشوائيّة النقض الهدام الذي يفسد النص الصوفي فلا يُبقي ولا يذر؛ لأنه لم يفهم منه دلالة ولا عبارة فضلاً عن غيبة وعيه بالإشارة أصلاً، أو بالاصطلاح الصوفي الدقيق أن نتعرف - قبل أن توقَّح - على مذهب أهل التصوف تماماً كما سَن الكلاباذي كتابه "التعرف لمذهب أهل التصوف" بتواضعه الشديد ليكون نموذجاً يحتذي حقيقةً إزاء علوم القوم ومعارفهم؛ لأن التَّعرف الصحيح للتصوف أسلم للباحث من الإنكار العقيم يستند عليه معول الهدم النقدي، وهو في الحق ليس نقداً بمقدار ما هو "توقح" يسفر عن ظلمة روحيّة وكدورة عقلية، ويكشف عن لوثة معرفيّة إزاء علوم الصوفية ومعارفهم.

هكذا أتصوّر حين يعمل النقد الفلسفي عمله السلبي إزاء النّص الصوفي فيفسده بغير تفرقة فيه بين غث وسمين. فالنقد في ميدان التصوف ذاتي جُوَّانيَّ من الداخل، ليس كالنقد في مجال الفلسفة يتسلط على كل فكرة ما بالهدم والتخريب، بغير تفرقة فيها بين نقد ونقض؛ فمَن حَرَمَ الذوق في حقل التصوف أنىَ له أن يمضي على بصيرة من إدراك لإشارات العارفين؟ وما يُقال في مجال الفلسفة نقداً لا يقال بنفس الكيفية في مجال التصوف.

وإذا كان التصوف تجربة ليس هو بالفلسفة، ولا هو بالنظرية؛ فمن المؤكد - رغم اتفاق المشرب الواحد والمنهج الواحد بين جميع الصوفيّة بغير استثناء - أن لكل متصوف خصوصيته، يضيف من خلال تجربته ما ليس موجوداً في تجارب سواه؛ حتى لو كان هذا السِّوى شيخه في التربية والترقية برغم وجود وحدة الروح التَّصوفية في الإسلام. ومن هذه النقطة الجوهريّة يجيء التأثير في مجال الفلسفة ليس هو التأثير القائم في حقل التصوف، ولن يكون، فيما لوعَوّلنا التعويل كله بدايةً على التجربة الصوفية واختلافها بالكلية عن الفكرة الفلسفيّة؛ فمن السهولة بمكان تحديد مصادر الفيلسوف ومعارفه التي أستقى منها فلسفته، وكذلك الأمر يُقال في المتكلم، في حين يصعب قوله في المتصوف؛ إذ ذاك يصعب تحديد مصادره من خلال أقوله. إنما التأثير في مجال التصوف انتقال سرّ إلى سرّ ووراثة حال عن حال وليس هو بتبني فكرة نظرية ووراثة مقال عقلي؛ وذلك لأن الصوفي يعطي من ذاته، ويجود من تجربته الخاصَّة، ويفيض من تلك التجربة فيما عَسَاهُ يتصور ويرتأى من مقبول الآراء. الصوفي يأخذ علمه عن الله مباشرة لا عن ميت بل عن الحي الذي لا يموت كما جاء في إشارة أبي يزيد البسطامي طيّب الله ثراه.

الصوفي ابن وقته، ومعنى كونه ابن وقته, يعني ابن حاله، وابن تجربته، وابن معاناته الخاصَّة، فكرته هى نفسه، ورأيه هو ذاته، وإشاراته ومعارفه وشذراته من أنفاسه خاصّة. يلزم لهذا كله من أجل ذلك كله، أن يكون منهج البحث في حقل التصوف مستمداً من طبيعة هذا العلم يوافقه ويوائمه وينهج في معالجة قضاياه نهج من يتعرف أولاً لكي لا يتوقح حتى إذا أقدَم على النقد وهو مشروط عندي بهذا الشرط، كان نقده ذاتياً نابعاً من الداخل في إطار ما يعلم وفي ضوء ما يفهم لا في إطار يخلو من الذوق ومن العلم ومن التّعرُّف، ولا في ضوء ما من شأنه أن يسقط الفهم حين يقدّم النقد عن المقروء والمكتوب.

أنا شخصياً كنت بيني وبين نفسي مغتبطاً للباحث وأنا اقرأ رسالته؛ إذ لم يشر إلى استخدام المنهج النقدي بمعناه الفلسفي، وحاول أن يتذوق المقروء من نصوص الصوفيّة، وإنْ أخذنا عليه ملاحظة شكليّة تنصب في المجمل على مجاوزة النقد إلى الاستغراق في فهم النص والحرص على تقييده، وهى ملاحظة تحسب له ولا تحسب عليه؛ فما أيسر أن يتداركها في مستقبل بحثه العلمي، ولكن ما أصعب أن ينغرس فيه ما ينبغي أن ينغرس في الباحث من مهمة البحث في حقل المعارف الذوقية؛ وهى مهمة مشروطة بشرط التعاطف مع الآراء الصوفيّة والمصالحة معها، والإحساس بالأقوال التي تدور في فلكها وتوافر الملكة البحثية، وكيفية استخدامها استخداماً صحيحاً والشعور بفاعلية الحركة الصوفية في ضوء التجربة قولاً وتسليكاً، وأخيراً استخدام المنهج الذوقي، فلئنْ لم يكن أشار إليه توظيفاً، فلم تفته الإشارة إليه تحقيقاً.

قسّم الباحث أحمد عبد المعبود رسالته إلى خمسة فصول تسبقها مقدمة وتلحقها خاتمة، جاء الفصل الأول في المدرسة الشاذليّة : الجذور والنشأة ومواجهة إشكاليّة تعدد الطرق الصوفية، ثم تناول حياة الشيخ الشاذلي ونسبه وتصحيح النسب، ورفع الخطأ في كتب الأقدمين ممّن وقع فيه العلماء حينما أسقطوا من النسب بما لا ينبغي لهم إسقاطه، ثم تكلم عن أصول الطريقة الشاذليّة الخمسة. وتناول في الفصل الثاني الجهاد وضرورته اللغوية والشرعية وتوابعه من الرباط والخنانقاه وأنواعه وأقسامه. وأفرد الفصل الثالث للحديث عن أنواع الجهاد الأصغر ومكانته في الإسلام مشيراً إلى معناه في القرآن والسنة، والحكمة من مشروعيته، ومركزاً على جهاد رسول الله، صلوات ربي وسلامه عليه، وجهاد الصحابة وجهاد الصوفية وجهاد الشاذليّة.

ثم يأتي الفصل الرابع ليتناول الجهاد الأكبر : مفهومه وخصائصه وأشراطه وأقسامه مركزاً على مجاهدة النفس لدى الشاذليّة وفيه نقطتان مهمتان : أمراض النفس القاطعة للسالك عن الوصول، والنقطة الثانية وهى وسائل الوصول. أما ألفصل الخامس والأخير فقد تضمّن أسباب المجاهدة ووسائلها وشمل كسائر تقسم الفصول السابقة تمهيداً ومبحثين. الأول، أسباب المجاهدة، ويلزم لها شيخ ناصح أمين، ويتوسّع الباحث في علاقة الشيخ بالمريد وحاجته إليه، إذ البحث عنه من جانب المريد من علامات الفلاح ليذكر من بعدُ حق الصحبة وشرائطها وفوائدها ثم لا يغفل دور العلم في المدرسة الشاذليّة وقواعد التعليم، وهو دورٌ من الأهميّة بمكان بحيث كان ينبغي ألا يترك في نهاية الرسالة بل يتصدَّرها. وجاء المبحث الثاني ليذكر أهم ما جاء عن الذكر في القرآن الكريم، وعند الصوفية ثم يفصله لدى المدرسة الشاذلية من حيث أنواعه وآدابه، وبخاصة فيما لو علمنا أن ابن عطاء الله السكندري أفرد كتاباً خاصّاً من كتاباته البديعة للذكر هو كتاب "مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح" خصيصاً لتنوير القلوب على النهج الشاذلي الأمثل.

ثم يأتي الصمت في الكتاب والسنة وأقسام الكلام وشروطه وفوائد الصمت فيما لو كان ذكراً يجري به القلب مجراه الموصول بالله. ومن الصمت يتنقل إلى الخلوة فيتناولها في الكتاب والسُّنة، ويفرِّق بينها وبين العزلة ويعرض لآراء الشيوخ في تفضيلها عن الجلوة والاختلاط، ويبيَّن آدابها وقواعدها العمليّة ممّا أجمع عليه الرواد والأقطاب لمن يريد أن يسلك بها منازل الوصول، ثم يعرج بالحديث عن آفاتها وما يعترض المريد السالك منها، ولكن في الوقت نفسه يجلو ما لها من فوائد يتحقق بها السالكون طريق الله. ومن الخلوة يلزم أن يتحدَّث عن الجوع (الصوم) كما في الكتاب والسنة، وفي المقابل يذكر أمراض الشبع وفوائد الجوع، وتلك هى في المجمل حلية الأبدال (العزلة والصمت والجوع والسّهر) يتخللها الذكر جميعاً، الأربعة التي وصل بها الأبدال إلى منازل الوصول كما جاء في حلية الأبدال لابن عربي أو هى قواطع الطريق كما سَمَّاها الغزالي قبله.

وحينما ينتهي الباحث إلى الخاتمة يعرض نتائج دراسته موجزة؛ لتكشف عن فهم لأسس الطريق الصوفي، وعن امتلاء داخلي بالمعاني الروحيّة كما حققها العارفون، وعن قدرة الباحث لتمحيص المذاقات الصوفيّة في إطار من عملية مسح شامل مكثف لجميع ضروب الجهاد الديني سواء كان بمفهوم الجهاد الأصغر أو بمفهوم الجهاد الأكبر، مع ترجمة حافلة للشيوخ الذين لا يكاد أغلب الباحثين يعرفوا عنهم شيئاً ممَّا يستحق أن تكتب عنهم رسائل علمية خاصَّة، مستعيناً بذلك بالمصادر والمراجع والمواقع والموسوعات الالكترونية لتوضح غرضه لتجيء الرسالة في المجل تطبيقاً عملياً لجهاد الباحث في مجال العلم؛ يعكس؛ فضلاً عن أمانته العلمية وإخلاصه الشديد، حبُّه للإسلام وللصوفيّة وللشاذليّة التي يتنسب إليها ويسلك طريقها تربية وترقية ووصولاً بفضل الله من أجل الله إلى طريق الله.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

ميثم الجنابي"المتصوف الكبير من تتوحد فيه المتناقضات بمعايير الحق والحقيقة"

إن البداية المحققة بمعايير التاريخ هي اللغز الفعلي بمعايير الوحدة المحيرة والمدهشة للأزل والأبد. فالإنسان يولد بالصدفة ويموت بالضرورة وحتميتها. وهي المفارقة التي تشبه دخول الطريق الصوفي والخروج منه. بمعنى مصادفة الدخول وحتمية الخروج إلى فضاء المطلق لكي تستكين الروح بتذوق المعنى. وقد وضع المتصوفة هذه الحالة فيما يتعلق بدخول إبراهيم بن ادهم في الطريق الصوفي بحكاية اقرب إلى مفارقة الخيال منها إلى الواقع، لكنها أكثر واقعية من الخيال بمعايير الذهنية الصوفية ورمزية المعنى القائم فيها. اذ ينقل عن احد المقربين منه (ابن بشار) قوله، كيف انه أمسى مع إبراهيم بن ادهم ليلة ليس لهم ما يفطرون عليه. عندها قال له إبراهيم بأن الله أنعم على الفقراء والمساكين من النعيم والراحة بحيث لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة، ولا حج، ولا صدقة، ولا صلة رحم. وبالتالي لا ضرورة للغمّ، لأن رزق الله آت لا محالة. بالتالي فإنهم الملوك الأغنياء، وذلك لأنهم تعجلوا الراحة، بحيث لا يبالون على أي حال كانوا به مازالوا يطيعون الله. بعدها قام إبراهيم إلى صلاته، وقام ابن بشار. فإذا برجل قد جاء بثمانية أرغفة وتمر كثير فوضعه وقال:كل يا مغموم! عندها فرقها إبراهيم على من حوله وأكل هو الآخر منها. بعدها خرج وأتى قبر فترحم عليه وقال: هذا قبر حميد بن جابر، أمير هذه المدن كلها. كان غارقا في بحار الدنيا ثم أخرجه الله منها. اذ بلغني أنه سرّ ذات يوم بشيء ونام فرأى رجلا بيده كتاب ففتحه فإذا هو كتاب بالذهب: لا تؤثرن فانيا على باق، ولا تغترن بملكك، فإن ما أنت فيه جسيم لولا أنه عديم، وهو ملك لولا أن بعده هلك، وفرح وسرور لولا أنه غرور، وهو يوم لو كان يوثق له بغد، فسارع إلى أمر الله فإن الله قال: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. فانتبه فزعا وقال:هذا تنبيه من الله وموعظة. فخرج من ملكه وقصد هذا الجبل فعبد الله فيه حتى مات.

نعثر في هذه الحكاية المروية على لسان إبراهيم بن ادهم صدى دخوله للطريق الصوفي. اذ يروى عنه أن أباه كان من أهل بلخ. وكان من ملوك خراسان. كان يحب الصيد. في إحدى المرات وهو يصيد متابعا أرنبا أو ثعلبا، فإذا بنداء من وراءه يقول له "ليس لذا خلقت ولا بهذا أمرت". فتوقف ينظر. ثم سار. وهكذا تكرر القول ثلاث مرات (على مثال اقرأ النبوية). عندها جاءه نداه الباطني "جاءني نذير من رب العالمين. والله لا عصيت الله بعد يومي هذا". فرجع إلى أهله وترك كل شيء وساح إلى العراق فلم يعجبه، ثم إلى الشام. فقد قالوا له إن أردت الحلال فعليك ببلاد الشام. وإن أردت الحلال الصافي فعليك بطرسوس. وهناك استقر يعمل بحراسة البساتين وحصاد الأرض. من هنا قوله "ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام". أفر بديني من شاهق إلى شاهق، فمن رآني يقول: موسوس. وعندما سألوه مرة منذ كم قدم إلى الشام؟ أجاب منذ أربع وعشرين سنة، ما جئت لرباط ولا لجهاد، جئت لأشبع من خبز الحلال. ومن هنا أيضا حصيلة موقفه في مخاطبته لشقيق البلخي "لم ينبل عندنا من نبل بالحج والجهاد، وإنما نبل عندنا من كان ما يدخل جوفه الرغيفين[1]. وفي عبارة أخرى "يعقل ما يدخل بطنه". وكلاهما يحملان نفس المعنى.

كما نعثر في هذه الصورة التي قدمتها حكايات التصوف (الرمزية في اغلبها) عن توحيد خاص لكيفية دخول سدهارتا غوتاما (بوذا) طريق التصوف، وقراءة النبي محمد، بأثر وحيه الداخلي لحقائق الوجود الكبرى. ولكل منهما انكسار خاص للإرادة وإعادة تأهيلها بمعايير "الفكرة البوذية" و"الفكرة المحمدية". فالقصة المروية عن بوذا (ولد عام 568 قبل الميلاد) تبدأ بالرفاهية والترف وتنتهي بالعزلة والخلوة التامة وهو في السادس والعشرين من العمر. وينحدر سدهارتا من نسب رفيع وعائلة أمراء غنية. وبأثر هذه الخلوة توجه صوب الزهد في الحياة والتقشف الشديد والسلوك المعرفي والتأمل العميق لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي. وأبدع منظومة فلسفية نظرية وعملية تهدف إلى "خلاص الإنسان" من كدر الوجود وآلامه. بعبارة أخرى، إننا نعثر في الصيغة الشكلية لسدهارتا غوتاما وإبراهيم بن ادهم على نمط متشابه. لكن الفرق بينهما يقوم في أن انتقال إبراهيم بن ادهم إلى الخلوة والعزلة وتأمل الوجود جرى بمعايير الرؤية "الربانية الإسلامية"، بينما انتقل سدهارتا من الوجود إلى العدم التي شكلت بدورها نقطة التحول التأسيسية للبوذية ومبادئها الكبرى، اي كل ما أدى إلى بلورة فكرة الطريق الخاص في إدراك حقائق الوجود وتنقية القلب واستقامة الإرادة.

ولكل منهما فلسفته النظرية والعملية الخاصة، لكنهما يشتركان في طريق بلوغ الحقيقة. اذ لا تعني بوذا سوى المتنور بالحقيقة، بينما في التصوف هو المتوحد، والفاني في التوحيد، والقطب الصوفي. وفي كلتا الحالتين هو مسار لن ينتهي في الطريق. ففي البوذية عبر التناسخ، وفي التصوف عبر سلسلة الإرادة الرابطة للشيخ والمريد بوصفها سلوكا عمليا وطريقا فرديا في الطريق. وليس مصادفة ان يرد مرة على من سأله: كيف كان بدء أمرك؟ بعبارة: غير هذا أولى بك!

بمعنى إن الجوهري في وجوده ليس بداية الطريق بل السير به حتى "النهاية". فدخول الطريق حكاية بينما السير به إرادة ودراية. ومن ثم فهو تجربة فردية وفردانية. ووجد ذلك انعكاسه في وعيه الذاتي وسلوكه العملي ووعي الآخرين إياه وتقييمه، أي رسم معالم شخصيته الفردية والفردانية.

ومن الممكن الاكتفاء، فيما يتعلق بتقييم القدماء إياه بما وضعه أبو نعيم الأصفهاني في (حلية الأولياء) عندما وصفه قائلا: "الحازم الاحزم والعازم الالزم. أيد بالمعارف فوجد. وامدّ بالملاطف فعبد. كان شرع الرسول نهجه"[2]. إننا نعثر في هذا التقييم البلاغي الجميل والتحديد الدقيق لبعض صفاته الجوهرية على صيغة ترفع إبراهيم بن ادهم إلى مصاف الفكرة الصوفية المتكاملة بذاتها. أما في الواقع فقد كان إبراهيم بن ادهم اقرب ما يكون إلى الحلقة الرابطة بين حالة الزهد ومقام التصوف، أو الحالة الانتقالية من تقاليد الزهد الرفيع (العملية الفكرية) إلى مصاف البداية الأولية للتصوف وبلورة مفاهيمه الأولية وقيمه وطرقه في تنقية الإرادة والقلب.

وقد جّسد إبراهيم بن ادهم في شخصيته توحد المتناقضات بمعايير الحق والحقيقة، شأن كل المتصوفة الكبار. ففي مظهره قيل عنه بأنك إذا رأيت إبراهيم بن ادهم كأنه ليس فيه روح. ولو نفخته الريح لوقع. اسود. متدّرع بعباءة. وفي مظهر آخر قيل عنه "كأنه إعرابي لا يشبع من الخبز والماء. إنما هو جلد على عظم، لا تراه مجالسا احد. فإذا أتى منزله وجلس إليه إخوانه ضاحكهم وباسطهم"[3]. وعندما سأله احد الأشخاص ما هي كنيته أو كيف يكنّيه، أجابه "إن كنّيتي قبلت منك، وإن دعوتني باسمي فهو أحب إليّ"[4]. وهي العبارة التي تتلألأ فيها فكرة الأنا المتحررة أو المكتفية بذاتها.

ووراء هذه المظاهر الشخصية التي يبدو فيها إبراهيم بن ادهم كما لو انه من عالم منزو بذاته هش العود بعيدا عن هموم الوجود، تبرز حقيقته الباطنة التي وضعها الأصفهاني بعبارة الحازم الاحزم، والعازم الالزم، أي ذاك الذي اتسمت شخصيته بالحزم والالتزام بما فيها بلا بقية. اذ تشير الروايات إلى اشتراك الدائم في الغزوات والحروب بمعايير الفكرة المتسامية وليس بمقاييس الفوز والغنيمة. بحيث نعثر في الكثير من السرديات الجميلة عنه عما يمكنه ان يكون "تهورا" بالنسبة للشجعان والفرسان، بينما يبدو الأمر عاديا بالنسبة للشخص الذي يبدو في مظهرا عودا ضعيفا يمكن الإطاحة به بنفخة بسيطة. فقد غزى في حياته غزوتين. كل واحدة اشد من الأخرى. ولم يأخذ سهما ولا نفلا، وكان لا يأكل من متاع الروم[5]. ففي إحدى المرات حين عاين العدو رمى بنفسه في البحر يسبح نحوهم، فلما رأوه على هذه الحال هربوا[6]. ومرة أخرى في إحدى الغزوات حدثت عاصفة ثلجية فهربت جماعته. وبقي هو لحاله، فألقى بكسائه ومكث تحت الثلج. وفي الصباح التالي، شاهدوا خيولا قادمة نحوهم، فاعتقدوا انه العدو، فقال احدهم

- خيل قد أقبلت بسروجها ليس عليها ركاب وخلفها فارس يطردها بقناته!

- انه إبراهيم بن ادهم. انزلوا لكي لا ننفضح مرتان!

فإذا بإبراهيم بن ادهم ومعه 360 فرسا (على عدد أيام السنة؟). عندها خاطبهم "جاءتكم الشهادة ففررتم"[7].

صنعت هذه الأحداث وأمثالها الإطار الذي رسمت فيه صورة "الناجي المنجي" لمن حوله. بحيث نعثر على صداها الأسطوري في تلك الرواية القائلة، بأنه كان في غزوة بحرية فعصفت عليهم الريح بحيث اشرفوا على الغرق، فسمعوا مناديا ينادي بأعلى صوته:"تخافون وبينكم إبراهيم؟!"[8].

وما وراء هذه الصورة المبجلة والأسطورية أيضا كانت تكمن في الواقع شخصيته الواقعية والمتسامية، التي جعلت من كل أفعاله وأقواله وجدا للحق والحقيقة، مع ما ترتب عليه بالضرورة مواقفه ومعناها الحقيقي أو الباطني من العبادات، بوصفها إحدى الحدود الجوهرية في الثقافة الإسلامية. سواء تعلق الأمر بمظاهر العبادة ومستلزماتها بالنسبة لفكرة الجماعة، أو معناها الباطني أو الحقيقي بالنسبة لسمو الروح الأخلاقي وتهذيب أسلوب المعرفة، كما نراها على سبيل المثال في قوله:"اهربوا من الناس هربكم من السبع الضاري، ولا تخلفوا عن الجمعة والجماعة"[9]. بمعنى أهمية الظاهر (الجماعة) وجوهريتها مع البقاء فيها ومعها بمعايير الأنا المتسامية. وهو الأمر الجلي في كل مواقفه وسلوكه المتعلق بالمعرفة ووجدها الذاتي، أي في الصيغة الظاهرية للزهد الصوفي الأول.

فقد كان يقول في كل حجة إذا حج عشر مرات "مرحبا بيوم المزيد، والصبح الجديد، والكاتب الشهيد، يومنا هذا يوم عيد، اكتب لنا فيه ما نقول"[10]. كما انه صلى خمس عشرة صلاة بوضوء واحد[11]. وكان إذا دعي إلى طعام وهو صائم، أكل ولم يقل إني صائم[12]. إننا نعثر في هذه الصيغ والمواقف على مفاهيم متميزة من حيث المظهر والمعنى والغاية. فالحج الظاهري هو الطواف ورمي الحجارة وأشكال أخرى معروفة بنمط الشعيرات الدينية تدعو الله للحصول على شيء من مغفرة الذنوب والحصول على مقاعد وثيرة في جنة الخلد وما شابه ذلك من متطلبات الجسد والنفس الشهوانية، لكنها بالنسبة لإبراهيم بن ادهم هي معاناة من اجل المزيد في ميدان المعرفة والسمو الأخلاقي والروحي. ولم يتمسك بمظاهر الوضوء التي أشغلت الفقهاء في الجدل العقيم حول صحة الصلاة من عدمها، بينما كانت كل هذه الأشياء مظاهر لا قيمة لها بحد ذاتها، وان حقيقة الوضوء هي سكون القلب إلى الحق. كما أنها تشير من جهة أخرى إلى نظافة الروح والجسد من تعاطي الرذيلة أيا مكان شكلها وحجمها. بينما كان يفطر صومه تحببا إلى قلوب من دعاه. بمعنى التخلي عن زيف ورياء الصوم وأمثاله من عبادات العوام. لهذا قيل عنه لم يكن إبراهيم بن ادهم كثير الصلاة، بل كان صاحب تفكر[13]. وانه كان يلبس في الشتاء فروا ليس تحته قميص، ولم يكن يلبس خفين ولا عمامة. ويصوم في السفر والحضر، ولا ينام الليل، وكان يتفكر.

بعبارة أخرى، إن الشيء الجوهري في شخصية إبراهيم بن ادهم هي الفكرة المجردة أو المتسامية، وما سواها حراشف تنتزع نفسها أو تتساقط مع مجرى الزمن ويبقى مصباح الحقيقة يضيء الليل والصباح، اي الحركة الدائبة للوجد والوجود، أو الروح والجسد. وليس مصادفة ان يعرف عنه عدم اهتمامه بجمع الحديث "النبوي" وروايته. بل لم تكن رواية الحديث من شأنه. فلذلك قل حديثه[14]. وعندما سألوه مرة عن صراع علي ومعاوية، فأجاب "من عرف نفسه اشتغل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره"[15]. وعندما سأله احد الأشخاص مرة كيف ينبغي قراءة إحدى الآيات هكذا أو هكذا، أجابه بترك هذه الأشياء إلى ما هو أفضل منها.

لقد رمى إبراهيم بن ادهم كل هذه الأشياء أمام المسير في طريق الحق، اي أمام أقدام الإرادة الساعية لتنقية القلب والعمل بمعايير الحق للحق. ووجد في ذلك معنى الحقيقة والوجود وتواجد به في السلوك والذوق. ووجد ذلك انعكاسه وتعبيره في قوله "قد رضينا من أعمالنا بالمعاني، ومن طلب التوبة بالتواني، ومن العيش الباقي بالعيش الفاني". إذا نراه، على سبيل المثال، يدخل في إحدى المرات النهر حتى ركبتيه ثم شرب وحمد، ثم خرج ومد رجليه وقال لصاحبه:"لو علم الملوك وأبناءهم ما نحن فيه من السرور والنعيم لجالدونا على ما نحن فيه بأسيافهم"[16]. بينما كان مرة في يوم صائف وعليه جبة فرو مقلوبة متقلبا في اصل جبل، رافع رجليه على الجبل وهو يقول:"طلب الملوك الراحة فأخطئوا الطريق"[17]. وبالمقابل كان بعد صلاة المساء ينادي على البيوت "من يريد يطحن؟" فكان يخرج إليه المرأة والشيخ الكبير فيطحن الليل كله بلا كراء. وحالما لا يكون حصادا، يؤجر نفسه في حفظ البساتين والمزارع. بينما اشتهى احد أصحابه شهوة فباع حماره واشترى له ما كان يرغب به. وعندما سأله رفيقه:

- أين الحمار؟

- بعناه!

- فعلى أي شيء نركب؟

- على عنقي![18]

ففي كل هذه الصور المتنوعة تتوحد شخصية إبراهيم بن ادهم بوصفة وحدة واحدة مجردة عما دعته المتصوفة لاحقا بالتحرر من رق الاغيار، اي التحرر من العبودية للغير أيا كان هذا الغير. ومن ثم تبرز حقيقة الأنا بوصفها "أنا الحق". من هنا تنوعها في المواقف وتوحدها بالهموم الباطنة. فقد كان يعمل على سبيل المثال بفلسطين. فإذا مر به الجيش إلى مصر وهو يسقي الماء، قطع الدلو وألقاه في البئر لئلا يسقيهم. وكانوا يضربون رأسه وهو يتخارس.كما نسمعه يقول، "لولا ثلاث ما باليت أن أكون يعسوبا، ظمأ الهواجر، وطول ليلة الشتاء، والتهجد بكتاب الله"[19]. وعندما سأله مرة احدهم عن سقف البيت اهو من الخشب أو الحجارة، فقال "لا ادري". وعن الجارية التي تخدمهم أهي سوداء أم بيضاء، فأجاب "لا ادري". بمعنى الانهماك الذاتي الذي يحرر المرء من تتبع ما لا قيمة له أو على الأقل ما لا يشكل بالنسبة له هما يستحق التأمل. والأخير هو على الدوام تجربة تلقائية محكومة بهموم الحق والحقيقة، اي تحررها من الافتعال أيا كان شكله ونوعه ومستواه. وهذا بدوره ليس إلا النتاج الذي يلازم تتبع الحق والحقيقة والانغماس فيهما حتى النهاية، أو الفناء فيهما كما تقول المتصوفة. وفي هذه الحالة تتوحد المواقف أيا كان محتواها المباشر بوصفها حلقات في سلسلة اليقين الحر، اي المتحرر من الجهل والتقليد والتكلف فيهما. الأمر الذي يؤدي إلى ان تكون المواقف أفكارا والأفكار مواقف.مثل قوله "المواساة من أخلاق المؤمنين"، وان "من لم يواس الناس بماله وطعامه وشرابه فليواسيهم ببسط الوجه والخلق الحسن".اذ نعثر في هذه الأفكار على مواقفه الاجتماعية والأخلاقية، والتزامه الشخصي تجاه إشكاليات الإنسان الروحية.وان لا شيء غريب وفيه عليه ما يخص الروح والجسد، ولكن بمعايير الحق والحقيقة. ففي موقف من السياحة قال مرة "ما قاسيت شيئا اشد على من مفارقة الأوطان". وفي حالة أخرى قال "عالجت العبادة فما وجدت شيئا اشد علي من نزاع النفس إلى الوطن"[20].وعلى الرغم من يقين الوجود الدائم، نراه يقول مرة "الدنيا دار قلقة"[21]. و"إنما أبداننا جربة، إن شاء ادخل فيها مسكا أو عنبرا، وان شاء اخرج منها درا وجوهرا. المشيئة لله والقدرة بيديه"[22]. وهي الصيغة الأكثر عمقا لفكرته السابقة، وذك لأننا نعثر فيها على ما يمكن دعوته باللغز الأبدي للوجود والعدم. الأمر الذي حدد بدوره موقفه من الموت في إحدى عباراته القائلة:"إن للموت كأسا لا يقوى على تجرعه إلا خائف وجل طائع"[23]، اي إلا ذاك الذي يخاف الله بمعايير الحق من وجل وطاعة وغيرها، اي ذلك الذي يتلاشى بينه وبين الله حجاب الوجود والعدم. فعندما سأله مرة احد الأشخاص:

- لم حجبت القلوب عن الله؟

- لأنها أحبت ما ابغض الله. ومالت إلى دار الغرور.

من هنا فكرته القائلة: "لا تجعل بينك وبين الله منعما"، اي وسيطا. ومن ثم ضرورة معرفة الأشياء كما هي. ولا سبيل حق لذلك غير الجمع بين أضدادها، أو كما قال "إذا أردت أن تعرف الشيء بفضله فاقلبه إلى ضده".

تصنع حصيلة هذه المواقف خيوط الهموم الجوهرية لأنا الحق، أي تلك التي لا تكلف فيها ولا تقليد ولا جهل "متعلم". أنها الخيوط التي تصنع لباس الروح وليس فروة الجسد الخرافية (من الخروف والخرافة). فقد وضع إبراهيم بن ادهم الصيغ الأولية أو البراعم الخفية لتدقيق وتحقيق الأفكار والمواقف، ومن ثم أسس التأمل المدقق للسلوك والفكرة. وليس مصادفة أن نرى ملامح الأفكار الكبرى تأخذ بالبروز عند مريديه أمثال شقيق البلخي وحاتم الأصم.

وبغض النظر عن انه لا توجد في آراء ومواقف إبراهيم بن ادهم أبعادا "نظرية" خالصة، إلا أنها كانت تتمثل مع ذلك التجربة العلمية لعصره بمعايير "الوحي الذاتي"، أي الوحي الصادق. فقد كان انتقاله للتصوف "مفاجئا". ونعثر على هذه المفاجأة في اغلب أقواله وأعماله ومواقفه. فقد كانت أعماله ومواقفه تحصل دون "أولويات" مستتبة في الوعي بوصفها تراكما للتجارب الصوفية في العلم والعمل. وفي هذا الناقض الظاهري تنعكس ملامح الإدراك والوحي الصادق فيما يمكن دعوته بأولويات الوجود والحياة، والنظر إليها بعيون المعنى الدامعة، والمستغربة من جهل القائلين لما فيها وبها! لهذا كان يجيب على من يسأله عن العلم والعلماء بإجابات متنوعة لكنها موحدة بإظهار أولوية الأدب، اي العقل العملي المتسامي. مثل قوله "من حمل شأن العلماء حمل شرا كبيرا"[24]، و"كان همي هدى العلماء وآدابهم"[25]، و"ما يمنعني من طلب العلم إنما لا اعلم ما فيه من الفضل، ولكن اكره أن اطلبه مع من لا يعرف حقه"[26]. وبهذا يكون إبراهيم بن ادهم أول من أرسى أسس الفكرة الصوفية عن الموقف من علاقة العلم بالعمل، وعلماء الحق وعلماء الرسوم. كما انه من بين أوائل المتصوفة الذين بلورا ما يمكن دعوته بتصنيف الأبعاد الباطنية للأفكار والقيم والمواقف.

وقد حدد ذلك بدوره الأبعاد الصوفية لمفاهيم والقيم السائدة سواء ما يتعلق منها بقضايا العلم أو العمل أو الإيمان والعبادات والموقف من السلطة والإنسان والحق وغيرها. ومن الممكن الاكتفاء ببعض منها مثل قوله "أثقل الأعمال في الميزان أثقلها على الأبدان"[27]، وانه "لا يقل مع الحق فريد، ولا يقوى مع الباطل عديد"، وأن "راس العبادة التفكر والصمت"[28]، و"اجعل طوافك وحجك وسعيك كنومة غاز في سبيل الله"[29]. وما وراء هذه الأفكار العملية الجزئية نلاحظ تراكم الأفكار الصوفية بهيئة "آداب السلوك" لنيل المعرفة والسمو الذاتي، كما في قوله:"لا ينال المرء درجة الصالحين حتى يتجاوز عقبات: ان يغلق باب النعمة ويفتح باب الشدة؛ تغلق باب العز وتفتح باب الذل؛ تغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد؛ تغلق باب النوم وتفتح باب السهر؛ تغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر؛ تغلق باب الأمل وتفتح باب الاستعداد للموت"[30].بعبارة أخرى، إننا نقف هنا أمام إحدى الصيغة الأولية لمستلزمات أو محددات الطريق الصوفي وقواعد العملية من تدرج ووحدة من الشدة والذل والجهد والسهر والفقر والاستعداد للموت، اي كل ما سيجري لاحقا تهذيبه في تراكم التجارب الصوفية.

وفي مجال القيم نراه ينظر، على سبيل المثال، للورع باعتباره "تسوية كل الخلق في قلبك، واشتغالك عن عيوبهم بذنبك. وعليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل"[31]. بل نراه يعتبر "قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع تكثر الهم والجزع". الأمر الذي جعله يقول "الفقر مخزون في السماء، يعدل الشهادة عند الله، لا يعطيه إلا لمن أحبه.". من هنا استغرابه كما في احد أقواله "ما لنا نشكو فقرنا إلى مثلنا ولا نسأل كشفه من ربنا؟". وعندما قال له رجل: إني لا أقدر على قيام الليل، فصف لي دواء! فأجابه: لا تعصه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل". وان يتوصل بأثر ذلك إلى موقف يقول "اطلب مطعمك ولا عليك أن لا تقوم بالليل وتصوم النهار"[32]. بينما حدد موقفه من السلطة قائلا:"إذا بات الملوك على اختيارهم، فبت على اختيار الله وارض به"[33]. وفي احد مواقفه الاجتماعية أجاب على من قال:اللحم غلا، بكلمة "أرخصوه"!، أي لا تشتروه. وتنطبق آراءه ومواقفه هذه، بمعنى الكشف عن أبعادها الباطنية والروحية على كل ما تناوله وتعرض إليه. ففي موقفه، على سبيل المثال من البخل نراه يجرده من مظاهر وثقل المال والجسد، ليرفعه إلى مصاف الموقف المتسامي وبالضد من أعراض الوجود العابر. بحيث نسمعه يقول "البخل هو الذي يبخل بنفسه عن الله، إلا وان العبد إذا جاء بنفسه لله أورث الله قلبه الهدى والتقى"[34]. وفي مجال الموقف من السلطة والتسلط والسلطان الذي لا يخضع لمعايير الحق والحقيقة انتهاكا لحقيقة ومعنى الكينونة الإنسانية نفسها، كما في قوله "كل ملك لا يكون عادلا فهو واللص سواء، وكل عالم لا يكون تقيا فهو والذئب سواء".

وفيما لو اختصرنا القضايا الكبرى المميزة لسلوك ومعرفة إبراهيم بن ادهم فمن الممكن حصرها في ثلاث وهي المعرفة الوجدانية، والمعرفة الباطنية، ومعرفة السلوك المتسامي (الصوفي). ووجدت هذه المعارف أسلوبها الجلي والمحقق فيما يمكن دعوته ببروز التصنيف في التحقيق، اي تصيف مراتب وأعماق الفكرة عبر وضعها في ترتيب وتصنيف جوانب وأغوار المعرفة الذاتية. ففي هذا التصنيف الصوفي يتجلى تدقيق وتحقيق الفكرة بوصفه أسلوب العلم والعمل. من هنا معرفة (تدقيق وتحقيق كافة قضايا ومستويات الظاهرة. وهي بلا حدود، أو على الأقل أنها تتدقق وتتحقق دوما بطريقة فردية، أي دائمة. ومن الممكن الاكتفاء ببعض منها مثل قوله "ثلاثة لا يعرفن إلا في ثلاثة مواطن. لا يعرف الحليم إلا عند الغضب؛ ولا الشجاع إلا في الحرب إذا لقي الأقران؛ ولا أخاك إلا عند حاجتك له"[35]. وعندما قالوا له مرة "ندعو الله لكنه لا يستجيب لنا!" فقال: ماتت قلبوكم في عشرة أشياء: عرفتم الله ولم تئدوا حقه؛ وقرأتم الكتاب ولم تعملوا به؛ وادعيتم حب الرسول وتركتم سنته؛ وادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه؛ وتقولون نحب الجنة ولم تعملوا لها؛ وتقولون نخاف النار ورهنتم أنفسكم بها وتقولون إن الموت حق ولم تستعدوا له؛ واشتغلتم بعيوب الناس ونبذتم عيوبكم؛ وأكلتم النعمة ولم تشكروا؛ ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم"[36]. وفي احد مواقفه من القلب قال "القلب على القلب ثلاثة أغطية وهي الفرح والحزن والسرور. الفرح إذا فرحت بالموجود فأنت حريص، والحريص محروم؛ والحزن إذا حزنت على المفقود فأنت ساخط والساخط معذب؛ والسرور إذا سررت بالمدح فأنت معجب، والعجب يحبط العمل"[37]. واستكمل هذه الأفكار والمواقف بعبارة تقول "كثرة النظر إلى الباطل تذهب بمعرفة الحق من القلب".

غير ان الانجاز التاريخي والفكري الأكبر بالنسبة لصيرورة التصوف الذي قام به إبراهيم بن ادهم يقوم في ميدان المعرفة العملية المتسامية للفكرة الصوفية كما نراها في تحديده لفكرة الزهد، والخلوة والاعتزال، والتوبة، والأنس، والمحبة وغيرها من المفاهيم التي سيجري ترتيبها ودمجها لاحقا في جوهر الفكرة الصوفية العملية للطريق والطريقة. فقد ارتبطت فكرة وممارسة الزهد الصوفي بشخصيته. فقد كان الزهد السابق جزء من سلوك شخصي، أو منظومة أخلاقية يمكن رؤية مقدماتها في الفكرة الإسلامية الأولى ونموذج النبي وبعض الصحابة. غير ان ما يميز الزهد الصوفي هو تطابقه في البداية مع الحال ولاحقا بالمقام. وقد بلور إبراهيم بن ادهم أولى الصيغ الفكرية والعملية للزهد عندما أدرجه ضمن تنوع أصنافه ومستوياته. اذ نراه يتكلم عن ثلاث أصناف من الزهد هو زهد فرض (الزهد في الحرام)، وزهد فضل (الزهد في الحلال) وزهد سلامة (في الشبهات)[38].

ذلك يعني ان للزهد الصوفي منظومته الخاصة به. لها بدايتها وغايتها. ومن ثم محكومة بمفاهيمها وقيمها وأساليبها الخاصة. وبالتالي، فان الانتقال إلى الزهد كان يعني بالنسبة للتصوف الانتقال إلى نمط جديد في العيش والسلوك والفكرة والغاية. وفي جميع أشكال ومظاهر هذا الانتقال الفردي والفرداني بقدر واحد، نعثر على بداية التوبة بوصفها فكرة الرجوع إلى الأصل،اي كل ما كان يمهد لفكرة الطريق.

الأمر الذي جعل منها مبدأ وأسلوب ومقام. فالتوبة الواعية والتوبة الداعية تحتوي بذاتها على فكرة بداية السلوك ثم بداية الطريق ثم مقام لابد منه، أي فكرة - منظومة لها حدودها ووظيفتها في صنع الإرادة (والمريد) أما أساليبها اللاحقة فهي جزء من صيرورة التجارب الصوفية. وقد بلور إبراهيم بن ادهم بعض الأفكار والمواقف بهذا الصدد مثل "إذا أدمت النظر في مرآة التوبة بان لك شيء من المعصية"[39]، و"من أراد التوبة فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة الناس وإلا لم ينل ما يريد".

ان التكامل بمعايير الفكرة الصوفية يفترض بالضرورة أما السياحة في الوجد والوجود والزمان والمكان، وأما بالعزلة والخلوة، أو بالجمع بينهما. وقد جمع إبراهيم بن ادهم بينهما بالشكل الذي بلور مواقف العملية والنظرية بهذا الصدد. فعندما سألوه مرة العزلة والخلوة بعبارة "لم لا تخالط الناس؟ أجابهم: إن صحبت من هو دوني أذاني بجهله، وإن صحبت من هو فوقي تكبّر عليّ، وإن صحبت من هو مثل حسدني، فأشتغلت بمن ليس في صحبته ملل ولا وصلة انقطاع ولا في الأنس به وحشة. وضمن هذا السياق يمكن فهم رده على من قال له "لو تزوجت" بعبارة "لو أمكنني أن أطلق نفسي لفعلت"! من هنا فكرته القائلة، بأن "حب لقاء الناس من حب الدنيا" ولهذا "زهد الزاهدون في الدنيا اتقاء أن يشركوا الحمقى"[40]. من هنا مطالبته المبتدئ والمريد بعبارة "اقلوا من الإخوان والأخلاء"، وانه "لم يصدق الله من أحب الشهرة".

وبالمقابل رفع من شأن الأنس بوصفه وجدا ذاتيا خالصا. من هنا قوله "إذا خلوت بأنيسك فشق قميصك"[41]. بحيث جعل من الأنس الذاتي بالحق ومحبته كلا واحدا. من هنا قوله "اللهم انك تعلم أن الجنة لا تزن عندي جناح بعوضة إذا أنت أنستني بذكرك، ورزقتني حبك، وسهلت عليّ طاعتك. فأعط الجنة لمن شئت"[42]. لهذا نراه يعتبر "لو أن العباد علموا حب الله لقلّ مطعمهم ومشربهم وملبسهم"، وذلك لان "السابق بالخيرات يساوي السابق مضروب بسوط المحبة، مقتول بسيف الشوق، ومضطجع على باب الكرامة"[43]. ويستحيل هذا كل دون قهر الارادة بمحبة الحق كما في قوله "اشغلوا قلوبكم بالخوف من الله، وأبدانكم بالدأب في طاعة الله، ووجوهكم بالحياء من الله، وألسنتكم بذكر الله، وغضوا إبصاركم عن محارم الله". ومن الممكن رؤية موقفه بهذا الصدد وأفكاره المتميزة أيضا والتي كشف عنها في إحدى المحاورات التي دارت بينه وبين شقيق البلخي. فقد ابتدأ إبراهيم الحوار بالسؤال التالي:

- على أي شيئا أصّلتم أصلكم؟

- أصلنا على إنا إذا رزقنا أكلنا، وإذا منعنا صبرنا.

- هكذا تفعل كلاب بلخ!

- فعلى ماذا أصّلتم؟

- أصّلنا على إنا إذا رزقنا آثرنا، وإذا منعنا شكرنا"[44].

في حين نراه ينظر إلى الصبر، باعتباره احد المنازل الضرورية والجوهرية في تنقية الارادة والسير بطريق الحق. من هنا قوله "إن أدنى منازل الصبر ان يروض العبد نفسه على احتمال مكاره الأنفس.... إذا كان محتملا للمكاره أورث الله قلبه نورا... سراج يكون في قلبه يفرّق بين الحق والباطل والناسخ والمتشابه"[45]. وهي الغاية التي تبلغ ذروتها بالأولياء، الذين رفعهم إبراهيم بن ادهم إلى مصاف المرجعية الروحية والعملية الشاملة كما في قوله "ان الله يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم. وذلك لان الحكماء هم العلماء وهم الراضون عن الله إذا سخط الناس، وهم جلساء الله بعد النبيين"[46]. واتخذ من نموذج مثالا في السلوك الموجه للمريد والباحث عن الحق والحقيقة. من هنا قوله مخاطبا إياهم "كن لهم أرضا يطئون عليك وإن ضربوك وشتموك وطردوك"[47]، و"اتخذ الله صاحبا وذر الناس جانبا"، و"افتح باب الاستعداد للموت"[48]. بل نراه يتوسع ويدقق نصائحه للمريد في السلوك الظاهر والباطن بالشكل التالي:

- لا تطمع في السهر مع الشبع

- لا تطمع في الحزن مع كثرة النوم

- لا تطمع في الخزف لله مع الرغبة في الدنيا

- لا تطمع في الأنس بالله مع الأنس بالمخلوقين

- لا تطمع في الهام الحكمة مع ترك التقوى.

- لا تطمع في الحصة في أمورك مع موافقة الظلمة

- لا تطمع في حب الله لك مع محبة المال والشرف

- لا تطمع في عين القلب مع الجفاء لليتيم والأرملة والمسكين

- لا تطمع في الرقة مع فضول الكلام

- لا تطمع في رحمة الله مع ترك الرحمة للمخلوقين

- لا تطمع في الرشد مع ترك مجالسة العلماء

- لا تطمع في الحب لله مع حب المدح

- لا تطمع في الورع مع الخوض في الدنيا

- لا تطمع في القناعة والرضا مع قلة الورع[49].

اننا نرى فيما سبق ما يمكن دعوته بوضع إبراهيم أسس التأمل المدقق للسلوك والفكرة الصوفية. وليس مصادفة أن نرى ملامح الأفكار عند مريديه مثل شقيق البلخي ولاحقا حاتم الأصم.

توفي إبراهيم بن أدهم سنة 162 للهجرة. وقيل انه مات وهو مرابط مجاهد في إحدى جزر البحر المتوسط، ولما شعر بدنو أجله قال لأصحابه: أوتروا لي قوسي. فأوتروه. فقبض على القوس ومات وهو قابض عليها يريد الرمي بها. وقيل إنه مات في حملة بحرية على البيزنطيين ودفن في مدينة جبلة على الساحل السوري، وأصبح قبره مزاراً. وقيل أنه مات بحصن سوقين ببلاد الروم وأقيم في موضع وفاته مسجد سمي جامع السلطان إبراهيم (بن ادهم) وهو أهم مساجد جبلة اليوم. وقيل مات في إحدى غزواته في الجزيرة. فحمل إلى صور ودفن فيها. وعموما، فانه أينما مات وكيف مات تبقى مجرد ذكريات عابرة لكنها ذات قيمة لمعرفة شخصية إبراهيم بن ادهم. أما مصيره فهو جزء حيوي في تاريخ فلسفة المعنى الصوفية وروح البحث عن الحق والحقيقة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص368-369.

[2] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص367.

[3] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص9.

[4] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص21.

[5] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص388.

[6] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص 379.

[7] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص8.

[8] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص6.

[9] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص31.

[10] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص38.

[11] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص22.

[12] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص10

[13] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص17.

[14] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص14.

[15] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص15.

[16] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص370-371.

[17] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص28.

[18] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص.382

[19] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص23.

[20] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص380.

[21] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص11.

[22] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص36.

[23] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص13.

[24] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص27.

[25] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص27.

[26] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص27.

[27] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص16.

[28] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص17.

[29] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص19.

[30] القشيري: الرسالة القشيرية في التصوف، ص8.

[31] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص16.

[32] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص31.

[33] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص22.

[34] السلمي: طبقات الصوفية، ص18.

[35] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص398.

[36] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص35-36.

[37] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص34.

[38] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص26.

[39] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص26.

[40] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص21.

[41] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص36.

[42] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص35.

[43] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص37.

[44] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص37.

[45] السلمي: طبقات الصوفية، ص 16.

[46] السلمي: طبقات الصوفية، ص17.

[47] السلمي: طبقات الصوفية، ص18.

[48] السلمي: طبقات الصوفية، ص22.

[49] السلمي: طبقات الصوفية، ص20-21.

 

 

بنو اسرائيل هم الاسباط من ذرية يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم عليهم السلام جميعا. وهم اثنا عشرة سبط (يوسف او منسى – ابنه -، بنيامين، لاوي، روبين، يهودا، شمعون، زبولون، ياساكر، دان، نفتالي، جاد، عشير) .

ان مجتمع بني اسرائيل كان مجتمعا موحدا لله، خاضعا لتعاليم دين ابراهيم الخليل . لكن القرآن الكريم يكشف لنا ضعف النفس الانسانية في ذلك المجتمع – مع ايمانها -، وكان الداء الاول الذي تسبب في انهيار هذا المجتمع لاحقا هو (الانا) . حيث تنافس ابناء النبي يعقوب في التقرب الى ابيهم والحظوة عنده، فسوّلت لهم نفسهم قتل اخيهم النبي (يوسف الصدّيق) . وهذا الامر يثير فينا تساؤلا اكبر: كيف كان تعاملهم مع الاخرين من بني اسرائيل الذين لم يكونوا من ذرية يعقوب النبي ؟!، {اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ }يوسف9، {قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ }يوسف10، وكما هو واضح لم تكن نفوسهم خالية من الايمان ابداً، بل نراهم خلف هذه الآيات قوما مؤمنين تدغدغهم (الانا).

ان (الانا) التي توّلدت في ذلك اليوم جعلت من بني اسرائيل مجتمعا (مغلقا) في الغالب، وهذا ما يتعارض مع مبدأ هجرة الهداية الابراهيمية . ومع ذلك كان ليوسف ان يصل الى مراتب دنيوية عالية بالاضافة لمقامه في الاولياء، وقد كاد الله له من خلال وصوله الى ارض مصر في زمن الهكسوس، وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الجزء: ١٢ | يوسف (١٢)| الآية: ٢١]، وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ [الجزء: ١٣ | يوسف (١٢)| الآية: ٥٤]، قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ [الجزء: ١٣ | يوسف (١٢)| الآية: ٥٥] .

لكن رغم ذلك كان لوجود اسحق ومن بعده يعقوب دورا هاما في التأثير الاخلاقي والسلوكي على المجتمعات المحيطة، التي رأت في المجتمع الاسرائيلي الاول مجتمعا صالحا، يختلف عمّا رأته من مهاجرين سابقين .

ان مساهمة اسحق في حفر الكثير من الآبار في الارض الكنعانية، وفتحها امام كل الاقوام اوجد تصورا آخر لدى الاقوام المحيطة بالمجتمع الابراهيمي، يقوم على اساس المقارنة بين الصالحين والطالحين من قادة الاقوام المتجاورة، وشكّل سهما مهما في نظرية تولي الصالحين للقيادة .

ان المجتمع الفرعوني المصري كان يشكل اخطر العقبات التي تواجه نشر العقيدة الايمانية الابراهيمية، لان ذلك المجتمع كان في الواقع يتعبد بالشريعة السحرية، ويمارس طقوس السحر الاسود ، لذلك كان بحاجة (الهجرة الايمانية)، التي تزيل عنه الدنس وغبار الاوثان، وتوقظه من غفلة الجهل بالرب الحقيقي . لذلك كان على بني اسرائيل ان يهاجروا، وسنة الهجرة البلاء، فحدث القحط في كنعان، وتوجه اخوة يوسف الى ارض مصر كباقي الاقوام المحيطة، فعرفهم يوسف، وخطط لتنفيذ مهمة الرب، ونجح عبر استغلال (دين الملك) ان يثبت حقوقه التي صادرها القريب قبل البعيد، وتاب اخوته، فطلب الى الملك الهكسوسي ان يستقدم بني اسرائيل الى مصر، فرحب الملك باولياء الله من آل يعقوب، واسكنهم احسن ارضه، واكرم مثواهم .

كان يعقوب النبي يستشرف المستقبل ويدرك القادم، وهو يعلم مقدار تأثير سحر المعتقدات الفرعونية في حال انهار الهكسوس وعاد الفراعنة للحكم، لذلك جمع بنيه واوصاهم وبيّن حقيقة الرب الخالق، لماذا ؟، فهي خطوة قلّما فعلها احد الانبياء، ذلك انه ادرك مقدار الشبهة التي سيوجدها مفهوم الرب الفرعوني على العقل الاسرائيلي .

{ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (القرآن الكريم : البقرة، 127 – 134)

لكن من الطبيعي ان يدفع المجتمع الاسرائيلي ضريبتين عند انتصار الفراعنة على الهكسوس، الاولى لأنهم كانوا موحدين يدينون بعقيدة تجرّم عقيدة الفراعنة، والثانية لأنهم كانوا جزءاً من المجتمع الهكسوسي ذاته .

كان الفراعنة هذه المرة اقوى لسببين انهم عرفوا العربة الحربية من الهكسوس وانهم اسقطوا اهم القوى المنافسة في المنطقة، فكان على بني اسرائيل (يعقوب) ان يدفعوا ثمن علاقتهم بالهكسوس،فاستعبدهم الفراعنة واذلوهم .

توفرت في بني اسرائيل صفتان مهمتان يحبهما الشيطان هما : (الانا) و(امراض الاستعباد النفسية)، فتأثروا كثيرا بالمجتمع الفرعوني المصري ووجد البعض فيه ضالتهم،وكذلك وجد الشيطان جنودا ورجالا كان يبحث بجهد عن مثلهم .

ان العالم الجديد الذي يخدم رغبات الشياطين هو القائم على تحالف الفرعون وهامان وقارون، وهو ثلاثي كان فيه فرعون هو السلطة المتواصلة مع العالم الآخر، وهامان هو الاداة التنفيذية والعلمية، وقارون هو الكيان المادي الشره للمال والثروة واللذات . لقد تم اختيار قارون لهذه المهمة لاسباب ذاتية وموضوعية، فهو يحمل خصائص (الانا) التي انحدرت بالمجتمع الاسرائيلي، كما انه عنصر داخل المجتمع الايماني المعادي للمجتمع الفرعوني، وهو ايضا قريب من العائلة الابرز والاهم في مجتمع بني اسرائيل الموحد، هو اذاً ابن المجتمع الديني والمرجعية الدينية لمجتمع بني اسرائيل .

قال تعالى : (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77))

(فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80)) (القصص).

لقد كان قارون احد اهم الاسباب لاختراق المجتمع الايماني الاسرائيلي، وقد كان تملكه من قبل الشيطان هو الباب الذي خرج منه المئات بل الآف الذين يحملون صفة قارون في المجتمع اليهودي المعاصر، والذين يؤدون ذات الدور .

من لطيف الروايات التي تربط اساليب القارونيين قديما باساليبهم حديثا هي : (عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لما أتى موسى قومه أمرهم بالزكاة، فجمعهم قارون فقال لهم : جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحملوا أن تعطوه أموالكم . فقالوا : لا نحتمل أن نعطيه أموالنا فما ترى ؟ فقال لهم : أرى أن أرسل إلى بغي بني إسرائيل فنرسلها إليه، فترميه بأنه أرادها على نفسها، فدعا الله موسى عليهم فأمر الله الأرض أن تطيعه، فقال موسى للأرض : خذيهم . فأخذتهم إلى أعقابهم، ...) (المستدرك على الصحيحين) .

وكانت الفترة بين نزول يعقوب مصر وظهور موسى عدة قرون، تغير خلال ذلك المجتمع الاسرائيلي بصورة كبيرة وانحرف، الا انهم لازال فيهم الكثير من المؤمنين، ولازالوا المجتمع الايماني الاكبر في العالم، فكان من الضروري ان يستنقذهم الله من براثن فرعون وهامان وجنودهما ويريهم ويري بني اسرائيل من آياته،فبعث فيهم موسى عليه السلام،الا ان مهمة موسى كانت صعبة ومضاعفة، لانه سيواجه فرعون ومن خلفه الشياطين، وكذلك عليه ان يبين لبني اسرائيل حقيقة ما يجري، لأنّ العقائد المصرية الفرعونية اقترنت بالسحر وكانت معقدة جدا، لذلك انبهر لها طائفة كبيرة من بني اسرائيل في ظلّ غياب الجو الاجتماعي المناسب .

كتب الباحث محمد حسن المبارك ما نصه : (لا شك أن بني اسرائيل خلال وجودهم في مصر تأثَّروا كثيرا بالثقافة الوثنية التي كانت سائدةً هنالك، إلاَّ أنهم وبعد خروجهم من مصر استرفدوا الكثير من المعطيات الوثنية لدى المصريين القدماء، محاولين بذلك إدخاله على دينهم اليهودي الذي اختلطت به وثنيات وأساطير كثيرة، فقد عرفوا تقاليد كابالا المصرية القديمة ونقلوها من جيل إلى جيل كتعاليم شفوية .

فالحضارة الفرعونية المصرية تعد من أقدم الحضارات الإنسانية، وكان الفراعنة على رأس السلطة،حيث يحكمونها بمطلق القسوة والدكتاتورية، ثم يأتي فريقان مهمان كانا يحيطان بفرعون، وهذان الفريقان هما "الملأ" المذكور في القرآن الكريم . وهما:

ـ الجيش والذي يمثل القوة المادية لفرعون.

ـ السحرة أو الكهان، والذين كانوا يمثلون الفكر والفلسفة التي يعتمد عليها فرعون، مع اشتغالهم بالسحر أيضاً وتأديتهم لطقوس سحرية معينة من السحر الأسود، بالإضافة إلى اشتغالهم ببعض العلوم الطبيعية كعلم الفلك والرياضيات والهندسة .

و قد تكونت خلال هذه الحضارة الطوطمائية قاعدة هائلة من الثقافة السحرية السوداء، وقد انتقلت تلك الثقافة تدريجياً الى بني اسرائيل من خلال إقامتهم عدة قرون في مصر، وتشكَّلت في تعاليم كهنوتية وفلسفية وسحرية عُرفت في التاريخ اليهودي فيما بعد بثقافة الكابالا، والتي قاموا من خلالها بنقل التراث الوثني لمصر القديمة إلى الأجيال الأخرى ...) .

لقد كانت بعثة موسى ضرورة تحتمها الحاجة الواقعية المركبّة، حيث الطغيان الفرعوني وشريعته المعقدة السحرية، وكذلك الانبهار الذي عاشه المجتمع الاسرائيلي امام هذه القدرات المادية الخارقة لهذه الشريعة . فالمجتمع الاسرائيلي عانى ضغطاً نفسياً وفاقة للمادة، بسبب الاستعباد والاستغلال الفرعوني، لذلك صار معيئاً في جزء واسع منه للدخول في عالم المادية الظلموتية .

بعث الله تعالى موسى كسفينة يركبها من يريد النجاة من بني اسرائيل، وكذلك كدليل يري فرعون وجنوده وملأه وشعبه انّ القدرات الخارقة لشريعة الفراعنة ليست حكراً عليهم، ولا تعني انّ المنتج لها اله، لكنها تلاعب بفيزياء الطبيعة، التي أوجدها الخالق الأكبر، وهو الله جلّ شأنه .

من هنا كان لموسى مهمة كبيرة، تدعمها المعجزات الكبرى، الموافقة لما عليه ذلك المجتمع من اعتقادات وممارسات، لكنها في الطرف الاخر الصالح . وقبل خروج موسى بشعب بني اسرائيل ومن معهم اظهر امام الملأ الحقيقة كاملة .

[ وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الجزء: ١ | البقرة (٢)| الآية: ٥٣]، [ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الجزء: ٨ | الأنعام (٦)| الآية: ١٥٤]، [كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ [الجزء: ٣ | آل عمران (٣)| الآية: ١١] .

وفي سورة يونس : (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ * قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ * قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍۢ * فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ * فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ * فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍۢ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ * وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) .

وفي سورة الاعراف : (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ * وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرْعَوْنُ إِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ * قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـَٔايَةٍۢ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌۭ مُّبِينٌۭ * وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ * قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٌۭ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ ۖ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍۢ * وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوٓا۟ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَٰلِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا۟ ۖ فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ سَحَرُوٓا۟ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍۢ * وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا۟ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُوا۟ صَٰغِرِينَ * وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ * قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌۭ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا۟ مِنْهَآ أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٍۢ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا ۚ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ * وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَٰهِرُونَ * قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوٓا۟ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَٰذِهِۦ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ ۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا۟ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍۢ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٍۢ مُّفَصَّلَٰتٍۢ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ * فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ * وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟ ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُۥ وَمَا كَانُوا۟ يَعْرِشُونَ) .

وهذه الآيات من سورة الاعراف القرانية كاشفة عن عدة نقاط :

١ - جهل فرعون بحقيقة اله موسى، واختلاط اللاهوت في ذهنه، نتيجة للتلاعب التاريخي الكبير الذي اصاب عقيدة التوحيد والخلق في مصر .

٢ - إيمان المصريين بالسحر تماما، لذلك جعلوا كلّ أية خارقة يرونها فرعاً عن السحر، وبالتالي استخدموا لمواجهة موسى كبار السحرة في مجتمعهم .

٣ - انّ السحرة لم يكونوا يمارسون طقوسهم دجلا، بل كانوا يَرَوْن ما يفعلون جزءاً من شريعة صادقة تربطهم بالإله، لذلك آمنوا عند اللحظة الاولى التي اكتشفوا فيهم انهم كانوا مخدوعين، وحين عرفوا حقيقة وجود عوالم كانت تؤثر فيهم، وانّ الله الخالق اكبر من ذلك كله .

٤ - انّ المادية وحبّ الملك والدنيا طغت في نفس فرعون، ما جعله في هستيريا منعته من اتبّاع رأي المختصين - السحرة -، وصار يتوعد بالقتل والابادة .

٥ - انّ المنتفعين من ملأ فرعون واصحاب رأس المال والنفوذ كانوا يريدون إبادة كل الذي يتعلق بموسى قبل انهيار منظومتهم النفعية .

٦ - كان على المجتمع المؤمن ان يمرّ بابتلاءات وامتحانات متعددة، تستلزم الصبر والاستعانة بالله الخالق .

٧ - وهي نقطة مفصلية، حيث كشفت الآيات انهيار النفس الإسرائيلية في بعض جوانبها، نتيجة الضغط والمادية، وبالتالي تذمّرها، وبداية الانشقاق داخل المجتمع الإيماني التوحيدي . لذلك جائت الآيات اللاحقة من سورة الاعراف لتعرّفنا مدى المادية والتشوه الفكري والعقائدي الذي اصاب هذا المجتمع : (وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍۢ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍۢ لَّهُمْ ۚ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَٰهًۭا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٌۭ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًۭا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ * وَإِذْ أَنجَيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ * وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيْلَةًۭ وَأَتْمَمْنَٰهَا بِعَشْرٍۢ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّۭا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًۭا ۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ * قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِى وَبِكَلَٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُۥ فِى ٱلْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْعِظَةًۭ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍۢ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَٰسِقِينَ * سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ * وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلْءَاخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ * وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ * وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا۟ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا۟ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ * وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًۭا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنۢ بَعْدِىٓ ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ * قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ) .

ولسنا بحاجة الان لمعرفة حقيقة عقيدة (العجل) ومن أين جاء بها بنو اسرائيل، بعد ان عرفنا عمق هذه العقيدة في الديانة الفرعونية القديمة . ومن هنا وَمِمَّا سبق نعرف مدى تأثير الحضارتين السامية والفرعونية إحديهما في الاخرى، وبالاتجاه المعاكس .

لكن مع ذلك فالمجتمع الاسرائيلي تضعضع وانشقّ، لكنّه لم ينحرف بالكامل، بل ربما بقيت الأغلبية على ايمانها في الجملة . الا انّ الملاحظة المهمة هو انّ الانحراف دبَّ في الكهنوت الرجالي الاسرائيلي، حيث كان صاحب بدعة (العجل) احد مساعدي موسى ذاته، وهو (السامريّ)، (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ * فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى * قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًۭا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ) كما في سورة طه . لكنّ موسى مع ذلك لم يكن شديداً في مخاطبة السامريّ، ربما لانه من اصحاب التاريخ الكبير في حركة بني اسرائيل (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَٰسَٰمِرِىُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةًۭ مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى * قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًۭا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًۭا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا * إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًۭا) كما في نفس السورة السابقة .

 

علي الإبراهيمي

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي 31

بموتك يارب نبشر !

(فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز، وشربتم هذه الكأس، تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء) 1كو 11 : 26

الله مات من اجل خطايانا !

امثال العبارات المتقدمة تتردد كثيرا في الكنائس أو البرامج التبشيرية المسيحية وعلى ألسن المكرزين، وهي تعكس أساس مهم من أسس الإيمان المسيحي، الذي يقوم على عقيدة الفداء والتجسد والصلب من أجل تحقيق الخلاص للبشر.

في الميثولوجيا المسيحية، كان اقتراف آدم وحواء لخطيئة (الأكل من الشجرة) سببا بوضع (الله) في موقف صعب جدا! لانه يحب ان يعفو عن الخاطئين، لكن عدالته الصارمة تستوجب إنزال العقوبة، وبسبب ان الخطيئة كانت تجاه الله الغير محدود، من خلال كسر قانونه، لذلك فإن الله لا يستطيع الغفران مالم تكن هناك كفارة غير محدودة عن ذلك الذنب!

لأن الله بطبعه لا يغفر من دون أن يكون هناك ذبيحة يسفك دمها لكي يتنسم الرب رائحة الرضا !!

( وكل شيء تقريبا يتطهر حسب الناموس بالدم وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة) عبرانيين:9-22

وأمام هذه الورطة لم يكن امام الله الا ان يقرر ان يكون هو الذبيحة التي سيقدمها الله لنفسه، لكي يرضى الله !!

فقرر ان يتجسد بهيئة انسان هو (يسوع الناصري) وان ينزل الى دنيا البشر، و يجري الاقدار والأحداث حسب الخطة التي وضعها، والتي تقضي بأن يقوم البشر، بقتل الله (المتجسد) دون ان يعرفوا انه الله !!.. وبذلك يرضى الله بدم الذبيحة (الغير محدودة) التي قدمها لنفسه، والتي هي بنفس الوقت تمثل الله نفسه، فيكون وقتها الله قادر على غفران الخطيئة التي دخلت الى عالم البشر بسبب الأكل من الشجرة الكارثة !!!

وبذلك قام الإيمان باعتبار الشاب اليهودي يسوع الناصري هو الله المتجسد الذي جاء الى الدنيا ليحمل خطايانا!

ورغم ان يسوع الناصري قال عن نفسه بشكل واضح وصريح ومباشر انه انسان !!

(وَلكِنَّكُمُ الآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي، وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللهِ) يوحنا 40/8

ورغم ان يسوع الناصري لم يقل ابدا عن نفسه انه انسان متأله ولا اله متأنسن، ولم يطلب من أحد أن يعبده

ورغم ان الكتاب المقدس، ينفي تماما أن يكون الله انسان !

(لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ) سفر العدد 19/23

مع ذلك، يقوم الاعتقاد المسيحي على الإيمان بالوهية الشاب اليهودي المصلح يسوع، مع الاعتراف انه كان انسان كامل، لكن مع اعطاء صفة الالوهية الكاملة ايضا، باعتبار ان اللاهوت قد اتحد مع الناسوت في شخص هذا الشاب !!

ولسنا بصدد مناقشة هذا المعتقد في هذا المقال، لكن من الضروري التأكيد على ان الجميع متفق على ان يسوع الناصري، لم يأتي الى هذه الدنيا من خلال الهبوط المفاجئ من السماء !

وانما خرج الى الدنيا بعد ان ولدته أمه السيدة مريم التي حملته في رحمها، الذي مكث فيه الأشهر اللازمة لعملية التكون الطبيعي للجنين من مراحل الخلايا البسيطة الى مرحلة الجنين المتكامل.

وبعد الولادة، ومرحلة الرضاعة، بدأ الطفل يكبر وينمو مثل اي انسان طبيعي، حتى بلغ عمر الثلاثين وبدأ كرازته.

وهنا يجب ان نشير الى الخلاف الكبير الذي حدث بين الكنائس المسيحية منذ ما قبل زمن مجمع ( خلقيدونية) الشهير

حيث انقسمت الكنائس الى قسم يعتقد ان يسوع الناصري، كان بطبيعة واحدة متحدة ( لاهوت وناسوت) وهذا القسم مثلته الكنائس الشرقية( القبطية، الارمنية والسريانية)، وقسم اخر مثلته الكنيسة الرومانية والبيزنطية، الذين اعتقدوا أن الرجل كان بطبيعتين منفصلتين !

وعندما نصل الى المرحلة الاهم في مشهد الحدث، وهي لحظة موت يسوع الناصري على الصليب، هنا ينبثق السؤال الاهم

من الذي مات على الصليب؟

الإنسان؟ ام الله؟ ام كلاهما؟!

ان هذا التساؤل ليس جديدا، وإنما كان موضوع جدل قديم ومستمر الى يومنا هذا بين المسيحيين وغيرهم

وهذا الموضوع بالذات نجد فيه، اضطراب وتناقض مع ارتباك في المفاهيم لدى متابعة الردود المسيحية حوله!

ووجه الاضطراب يكمن في ان نصوص الكتاب المقدس، حددت بشكل واضح ومباشر وصارم طبيعة الله الذي لا يموت!

فالنصوص الكتابية تقول بشكل صريح ان الله حي ابدي و لا يمكن ابدا ان يموت، حيث يقول الله عن نفسه:

(حي أنا إلى الأبــد) سفر التثنية 32/40

(ألست أنت منذ الأزل يا ربُّ إلهي قدوسي لا تموت) حبقوق 1/12

(لَكنَّ الرّبَّ هوَ الإلهُ الحَقُّ، الإلهُ الحَيُّ والمَلِكُ الأزَليُّ) ارميا 10/10

وهناك الكثير من النصوص الاخرى في الكتاب المقدس تؤكد على ان الله حي ولا يموت ابدا !

وهنا نواجه استحقاق تكرار السؤال السابق!.... من الذي مات على الصليب؟!

ومرة اخرى، عندما نبحث في الاجوبة المسيحية على هذا السؤال، نلاحظ اضطراب وارتباك وتناقض، لأن القول إن الرب المتجسد (يسوع) مات بلاهوته مع ناسوته، سينتج لنا تناقض صريح مع ما قرره الكتاب المقدس عن عدم موت الإله!

اما القول ان الذي مات هو (يسوع الإنسان) فقط...فإن هذا يعني أن خطة الله لم تتحقق، لانها كانت تقضي ان يقدم الله نفسه للموت، اي أن الموت يجب ان يطال اللاهوت الذي هو وحده الذي يستحق أن يكون الذبيحة المناسبة للتكفير عن الخطيئة!

بعض الردود المسيحية، حاولت اللجوء الى طريقة التفذلك المتنطع!..من قبيل ان الذي مات هو يسوع الإنسان، لكن روحه اللاهوتية فارقت فقط جسده وبقيت مرتبطة مع اللاهوت...وبذلك يكون الموت قد طال يسوع الإنسان مع روحه الالهية!!

وهذا تنطع متكلف جدا، ومحاولة التفاف ساذجة على معنى الموت!!!...لان الموت حتى بالنسبة للبشر العاديين، لايعني ابدا فناء الروح او تلفها، وانما يعني مفارقة الروح للجسد، وعندما يحدث هذا الأمر يتحقق الموت في الإنسان، ويعتبر ميتا

ونفس الأمر ينطبق على يسوع (الإنسان) فقد حل الموت على جسده (الناسوتي) بمفارقة روحه لذلك الجسد، بغض النظر عن طبيعة روحه او المكان الذي قضت فيه فترة الموت، حاله حال بقية البشر حيث تموت أجسادهم بمفارقة الروح لها.

في هذا المقال، لا اريد ان استعرض واناقش كل الردود والتوضيحات والتأويلات العقدية المتكلفة، التي قدمها اللاهوتيون القدماء منهم والمعاصرون، لأن معظم هذه الردود متوفرة على الشبكة العنكبوتية، وانصح المهتمين، بالاطلاع عليها و دراستها، لمعرفة مستوى التنطع والجمع بين المتناقضات من أجل الخروج بتأويل لمفهوم عقدي لا يتسق مع المنطق!

والحصول على اجوبة تمثل قمة التناقض اللامنطقي، من قبيل :

الله حي لا يموت….لكنه مات!!... من اجل خطايانا !!!

اللاهوت لا يمكن ان يموت ابدا... لكن الناسوت مات…. وبذلك يكون اللاهوت قد مات !!!

ويبقى التناقض الاغرب والاعجب... هو انه بعد القول ان اللاهوت يعتبر قد مات ..بموت الناسوت !!

يرجع ويقول لك…. ان الله (اللاهوت) قد اقام (الله الميت) من الموت …!!

(وَإِلَهُ السَّلاَمِ الَّذِي أَقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ، رَبَّنَا يَسُوعَ) عبرانيين 13/20

وهذا الوضع يستوجب أن يكون هناك إلهين!!... أحدهما ميت (يسوع) والآخر حي...قام باحياء الإله الميت!

وعندما يتم الاعتراض على هذا القول، لمخالفته الصارخة والفاضحة لمعنى التوحيد الذي حدده الكتاب المقدس

(اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ) تثنية 4/6

(فيعرف جميع الأمم انك انت الاله وليس آخرسواك ) سفر يهوديت 19/9

وقتها ..سيأتيك الجواب التقليدي….. انتم لا تفهمون... هذه وحدة جامعة !!!!

 

د. جعفر الحكيم

 

ميثم الجنابيينحدر محمد بن سيرين (ت- 110 للهجرة) من عائلة تمارس مهنة صنع القدور النحاسية. وكان أبوه مولى لأنس بن مالك، بأثر السبي الذي تعرضوا له من إحدى غزوات خالد بن الوليد. وهي مصادفة تحتوي في أعماقها على إمكانية تأثره بمجرى الأحداث السياسية التي عصفت في تاريخ الخلافة. وهو تأثر لا جبرية فيه، لكنه يحتوي بفعل الصعود الهائل للروح والجسد الإسلاميين على إمكانيات عديدة في التأثر بمجرياته. وقد وجد ذلك سبيله الى مخيال محمد بن سيرين بحيث جعل منه أولى الشخصيات الإسلامية الكبرى في إبداع الصيغ الواقعية لعالم الخيال، أي "احترافه" تفسير الأحلام واستعداده الكبير لتأويلها. وهي حالة لم تكن معزولة فيما يبدو من فورة النفس الثقافية التي انهمكت بتفسير كل ما يجري من أحداث. وإذا كان أغلبية الصحابة والتابعين، بوصفهم مثقفي الأمة الكبار منهمكين في أحداث "الساعة" وتحديد مواقفهم من مجرياتها إضافة الى الغوص في بواطن النفس الأخلاقية واللاهوت المتبختر في معترك القوى واحترابها العنيف، فان ابن سيرين طاف على أمواج العوام والخواص في أحلامهم.

فهو العالم الجديد الذي أبدع فيه ابن سيرين رؤية الثقافة الإسلامية الصاعدة وتمثل احد نماذجها لجميلة. وليس اعتباطا أن يجمع في ذاته لقب التابعي الجليل وإمام عصره في تفسير الأحلام. بعبارة خري، لقد جعل ابن سيرين من أحلام الناس عينة تأويله المعرفي. فهو لم يخضع الأحلام في تفسيره إياها الى قواعد ثابتة وعقيدة ثابتة، بقدر ما انه أخضعها لما يمكن دعوته لمبدأ الظن العقلي والاجتهاد النسبي والغاية الأخلاقية. بمعنى أن شاغله هنا لم يكن بناء منظومة قائمة بحد ذاتها في تفسير الأحلام، بقدر ما كان يقوم في مجارة الأمة في أحلامها اليومية من اجل بناء أحلامها الواقية من رذيلة الانسياق وراء الغريزة والابتذال المادي والمعنوي.

فقد كان تفسيره للأحلام وثيق الارتباط اجتهاده الشخصي في ميدان الفقه والتفسير والحديث. بمعنى أن الصيغ المتنوعة لتفسيره للأحلام وثيق الارتباط بما جمعته التجربة الثقافية الإسلامية. من هنا الثقل النسبي للقرآن في تفسير الأحلام. وهو ارتباط لا علاقة له باللاهوت، بقدر ما انه كان الصيغة الأولية لتمركز "الكتاب" في الوعي الثقافي. إضافة الى ما فيه من قيمة متسامية بالنسبة لوعي الصحابة والتابعين والأمة، أي للخواص والعوام.

بمعنى أن تفسيره للأحلام كان إحدى الصيغ الثقافية الأولية في الموقف من النفس وتجاربها الحياتية وآمالها ورغباتها ومعاناتها، أي مختلف تجارب الوعي الباطن. وهي تجارب سوف تضعها الثقافة الإسلامية اللاحقة، ضمن سياق فكرة الفراسة. وسوف تعطي مختلف الاتجاهات رؤى مختلفة عنها لكنها تشترك في إعلاء شأنها بوصفها إحدى خصال الإيمان. وفيما لو جرى وضع هذه العبارة ضمن سياق الرؤية العقلية والمعاصرة، فإنها كانت تشير الى قيمة الحدس والرؤية النقدية في الموقف من الأشياء والأشخاص والأفكار بوصفها "هبة إلهية"، أي قيمة عليا في الإنسان.

وضمن هذا السياق يمكن اعتبار ابن سيرين احد مؤسسي فكرة وقيمة الفراسة الثقافية عندما جعل من الأحلام، أي تيار الباطن الملهم لمختلف أصناف التأويل، موضوع وميدان إبداعه الفكري. من هنا مبدأ ابن سيرين في مواقفه من تفسير الأحلام عندما كان يشدد على أن ما يقوله بهذا الصدد هو مجرد ظنون، أي اجتهاد عقلي خاص. من هنا قوله "إنما أجيب بالظن. والظن يخطئ ويصيب".. لهذا كان يتردد في الإجابة على أسئلة الناس من اجل تفسير أحلامهم، لكنه كان يجيب المتسائل قائلا "اتق الله وأحسن في اليقظة. فانه لا يضرك ما رأيت في المنام".

غير أن إجاباته كانت تحتوي أيضا على عقيدته المتنامية في شخصيته وتجاربها الحياتية، أي الجمع بين البساطة والموقف الأخلاقي المتسامي. إذ تنقل لنا كتب التاريخ والسير ملامحه الشخصية بعبارات تقول، بأنه كان قصيرا بدينا، مصابا بالصمم، طيب المزاج والمرح، رفيع الأخلاق. وليس مصادفة أن يجري استغلال هذه الصفات بحيث جرى وضع تفاسير للأحلام على لسانه يقل بها. وهي الحالة التي لحظها الذهبي عندما قال، بان "ابن سيرين جاء في التعبير بعجائب يطول ذكرها، وكان له في ذلك تأييد الهي. غير أن ليس كل ما ينسب إليه يصح عنه". وهو تقييم دقيق. وذلك لان اغلب تفاسيره كانت تسير صوب إلزام النفس بقيم الخير. وليس مصادفة أن ترفعه الثقافة الى مصاف الشخصية الجليلة ولكن بمعايير الرؤية الحسية والواقعية، بمعنى تخليصه من عبارات اللاهوت المفرطة بطابعها التقليدي الجاف. كما نراه على سبيل المثال في العبارات التي قيلت عنه مثل "كان ابن سيرين إذا حدّث كأنه يتقي شيا أو يحذر شيئا"، وانه "ما رأيت رجلا افقه في ورعه ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين"، وانه "كان إذا سئل عن شيء في قضايا الحلال والحرام يتغير لونه ويتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان"، و"كنا إذا نتذاكر معه الموت يتغير لونه ويصفر وكأنه ليس بالذي كان" وان ابن سيرين "كان إذا ذكر الموت مات كل عضو فيه". وهي صور تكشف عما فيه من وحدة داخلية تتزاوج فيها الواقعية والسمو الأخلاقي. بحيث ارتقت وحدة المعرفة والموت الى مصاف البؤرة الشخصية في الموقف من النفس والآخرين والأحداث.

بعبارة أخرى، لقد أصبحت المعرفة والموت عنده شيئا واحدا لأنهما يضعان المرء أمام المهمة الأصعب. فالمعرفة بالنسبة له ليست لهوا، كما أن المعرفة هي المهمة الأعقد بالنسبة لفراسة الروح العاملة بمعايير الصواب والخطأ. وبالتالي، فان إقراره بفكرة أن الاجتهاد ظن، لم يغير من قيمة الالتزام الأخلاقي بنتائجه التي عادة ما تجعل من الخطأ شيئا اقرب إلى الخطيئة في ضمير المثقف الكبير. لهذا قيل عنه بأنه "لم يعرض له أمران في دينه إلا اخذ بأوثقهما"، وانه "كان إذا ذكروا عنده رجلا بسيئة فانه يذكره بأحسن ما يعلم". من هنا قوله "ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوء ما تعلم وتكتم خيره". وهو مبدأ حدد مواقفه الشخصية. إذ ينقل عنه، بأنه كان إذا دخل على أمه لم يكلمها بلسانه تخشعا لها. في حين نراه بصورة مغايرة ومكملة عندما أرسل عليه ابن هبيرة والي العراق. فنسمع يجيب على سؤال ابن هبيرة بعد أن دخل عليه:

- كيف تركت أهل مصرك؟

- تركتهم والظلم فيهم فاش!

- وماذا رأيت منذ قربت من بابنا؟

- رأيت ظلما فاشيا!

وعندما غمزه ابن أخيه، التفت إليه ابن سيرين قائلا:"إنك لست تسأل، إنما اسأل أنا"! وفي نفس الوقت كان معروفا عنه، كونه حالما يدخل الى وليمة عرس وأمثالها، فانه كان يقول:

- اسقوني شربة سويق!

- يا أبا بكر أنت تذهب الى الوليمة أو العرس تشرب سويقا؟!

- إني اكره أن احمل حد جوعي على طعام الناس.

وهي مكونات تعكس شخصيته التي يمكن تأطير حجمها بالنسبة للثقافة آنذاك في توليفه وحدة المكونات الواقعية والنقدية تجاه النفس والعالم، التي وجدت تعبيرها الجميل في تفسير الأحلام. من هنا عدم خلوها من الطرافة أيضا شأن كل نفس نبيلة. وقدم الكثير من النماذج المثيرة لتسلية النفس وانقداح شرارة وهجها المتفائل. فعندما قال له احد الأشخاص بأنه رأى وكأن لحيته بلغت سرته، أجابه "أنت رجل مؤذن تنظر في دور الجيران!". وعندما قال له رجل بأنه رأى في منامه كأنه يطير بين السماء والأرض، أجابه "أراك تكثر الأماني!". بينما نراه يفسر ما ينسب الى الحجاج الثقفي من نادرة تقول، بأنه كتب الى مالكه عبد الملك، يخبره بأنه رأى في منامه كأن حوريتان أتتاه، فاخذ إحداهما وفاتته الأخرى، فأجابه عبد الملك "هنيئا لك يا أبا محمد!". وعندما بلغ ذلك ابن سيرين، قال "اخطأ! هذه فتنتان! يدرك إحداهما وتفوته الأخرى".

***

ميثم الجنابي

 

 

مجدي ابراهيمالأصل في فهم القرآن هو "التدبر"، وليس الأصل فيه تسطيح المفهوم؛ لأن فهم القرآن أولى وأحرى بالاهتمام من أن يجيء جرس اللفظ وحسن الصوت عالياً على المعنى بغير أن يكون هناك إدراك للعوامل الداخلية التي سببت ارتفاع الصوت وحُسْنه أو جرس اللفظ وحلاوته، فما يكون في خارج اللفظ ليس هو في الحقيقة ما يكون في داخله، إذا تَسَطحتَ معنا المفاهيم وغابت دلائل التدُّبر المنشود في معناه وفحواه.

والذي يقرأ القرآن على التؤدة والتمهل يأخذ منه نصيباً من الفهم على قسطاس الحضور والتدبر؛ فتتلاشى شيئاً فشيئاً عنده أنصبة التسطيح للمفاهيم التي ينساق فيها وراء جرس اللفظ وتواجد الوقع. وليس معنى هذا أن جرس اللفظ لا معنى له وأن تواجد الوقع لا فائدة من ورائه، كلا بل في هذا وذاك كل الفائدة وكل المعنى إذا جاءت ثمراته في مراحل تالية على المرحلة التي لا بد فيها من فهم التدبر للمعنى: كيف جاء على رقي النموذج الذي يدركه القارئ، ومتى أصابت منه قواه الداخلية سبَّبت مثل هذا الوقع المتواجد حلاوةً في اللفظ وفي المعنى على حدٍ سواء؛ فموسيقى الألفاظ الناشئة إنما هى حلاوة معنى مُدْرك مَرَدَّها إلى فهم وتدبر, أو هكذا ينبغي أن تكون في ملكوت القرآن.

على أن التدبر ليس مجرد كلمة عابرة، ولكنه استعداد لفهم أكبر قضية وأشرفها من قضايا الغيب (الإيمان)، فيها فضائل العلوم والأسرار، وفيها الفتوحات الإلهيّة والتنزلات الصمدانيّة، فيها أعلى أنواع الاستعداد لتلقي المعرفة عن الله بالمباشرة، وفيها الكشف عن وجه الحق في كل موهوب لا مكسوب، وفيها أسرار الحق المبثوثة في ظوهر الموجودات وباطنها وحكمها الساري قدراً على الأشياء.

التدبر، معرفة، وإحاطة، وإطلاع، وحضور. والتدبر تأمل في آي الذكر الحكيم. والتأمل في القرآن هو الذي يُقصد لذاته وليس المقصود القراءة لمجرَّد القراءة؛ فقراءة القرآن دون تأمل وتدُّبر نقصٌ شنيعٌ يربأ عنه العارفون بالله هو ذلك النقص الذي يطلبه القلب اللاهي عن فهم معاني القرآن:" أفلا يتدبَّرون القرآن أم على قلوب أقفالها".

من أجل ذلك؛ لا تجدي نفعاً قراءة القرآن بقلب لاهٍ، وإنما جدواه الحقيقية النافعة هى أن يكون قارؤه على طريقة من الإدّكار الفطن تدبُّره، ولا يقف على معناه واقف كائناً ما كان إلا بمقدار ما يفتح الله به عليه من عرفان الأسرار التي هى من عند الله لا من عند هوى النفس البشرية؛ لأن أهواء النفس البشرية قاصرة عاجزة لا تدرك حقائق العرفان بمحض إرادتها، وإنما الإرادة الفاعلة - لا هوى الأمنية - تدرك تلك الحقائق بمحض الموهبة الإلهية المُفَاضَة فتحاً مُبيناً من عند الله.

وللتدبُّرِ في أي الذكر الحكيم جلال وجمال: الجلال منه مهيب، رهيب، مُخَوِّف، قهَّار. والجمالُ فيه: مرغوب، مُحَبَّبٌّ، مُرَجَّى، غفار وستار. والنفس الإنسانية بين حالين في تدبرها، حالة كونها خائفة، وحالة كونها راجية. وفي سورة الإنعام على سبيل المثال لا الحصر آية تدعو إلى جلال التدبر يهتزُ لها الشعور هزات نابضة بالجلال الرهيب المهيب في قوله تعالى:" قُلْ تعالوا أَتْلُ مَاَ حَرَّمَ رَبُّكُم عَلَيْكُمْ أَلَا تُشْرِكُوا بهِ شَيئاً، وبالوالدين إحْسَاَنَاً، وَلاَ تَقْتِلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقَكُم وَإيَّاهُم، وَلَا تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَاَ بَطَنَ، وَلاَ تَقْتِلُوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بالحَقِ ذَلِكُم وَصَّاَكُم به لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ. وَلاَ تَقْرَبُوا مَاَلَ اليَتِيمِ إلَّا بالَّتي هىَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشَدُّه، وأوْفُوا الكيْلَ والميزانَ بالقِسْطِ لاَ نُكَلِّف نَفْسَاً إلاَّ وسْعَهَا، وإذَا قُلْتُمْ فاعْدِلوا وَلَو كانَ ذَا قُرْبَي وبعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلكم وصَّاَكُمْ به لَعَلَّكُم تَذَكَّرُون. وأنَّ هذا صِرَاطي مُسْتَقِيماً فاتَّبِعُوه, ولا تتبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بكم عَن سَبِيلهِ, ذَلكُم وَصَّاَكُم به لَعلَّكم تَتَّقُون".

فما حَرَّم ربنا علينا إنما هو قضايا خمس كلها من كبائر الموبقات والذنوب إذا اقترفها إنسان, كان كمن يرتكب الكبيرة. ولا شك أن قوة "المنع" عن ارتكاب الكبيرة من إنسان يرتكبها لا بد وأن يتوافر فيه زاجر أقوى من كل قوة هو زاجر التوفيق في الإيمان؛ فلا إيمان بغير أن يكون هنالك زاجرٌ عن المعاصي والذنوب. ومعلومٌ أن الإيمان مكانهُ القلب، والقلب الفارغ من الإيمان من شأنه أن يلهو ويعبث ثم يضيق ذرعاً بتطبيق أركان الإيمان من أوامر ونواهٍ. ولا يتأتى هذا التطبيق الرشيد إلا بجهاد شريف يُنَاقض الجهل المركب والإصرار على الغفلة؛ فإن الجاهل جهلاً مركباً ذلك الذي يدرك أن الجهل في جميع الأحوال قيمة، وأن بقاء الجاهلين على حالة الجهل المقدس أهم وأعلى من إدراك العَالمينَ !

الجاهل جهلاً مركباً هو الذي يُقدِّس جهالته؛ لأنه لا يعرف نفسه إذْ لم يجاهد فيها الآفات والرذائل ولم يجتهد في الحصول على قيمة باقية من وراء الجهاد؛ فهو الذي يتبع نفسه هواها ويتمنى على الله الأماني. والجهاد الحق جهاد نفس شرهة وكفاح أمراض مستشريّة, ولا يتحقق معنى الإيمان بغير جهاد لنوازع الجسد تحجب الفكر عن الحقائق الإيمانية، فضلاً عن الحقائق الكونيّة المُصَفَّاة؛ فلا فكر على الحقيقة بغير جهاد، ولا إيمان ولا دنيا لمن لا يحيي ديناً من حيث إنه لا إيمان ولا دنيا لمن لا تحيا فيه فريضة التفكير.

قال الإمام علي كرم الله وجهه في هذا الصدد:" خيرُ العَمَلِ مَا أكرَهْتَ نَفْسَكَ عليه". وقال أيضاً:" ميدانكم الأول أنفسكم، فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإنْ خُذِلْتُم فيها كُنتم على غيرها أعجز, فجربوا معها الكفاح أولاً".

هذا المعنى يُفَسّر لك العجز العربي والإسلامي اليوم: انسياق دائم كما تُسَاق السَّوَائم وراء الأهواء، وتلبس غير معهود ولا معقول بمطالب المادة، وقلة حيلة في التعامل مع الآخرين شعوباً وأنظمة لا لشيء إلا لأن الواقع العربي اليوم مخذولٌ في نفسه، وخذلان النفس هوانٌ ما بعده هوان؛ لا يقاربه خذلان الآخر مِمَّن لم تتوافر لنا القدرة عليهم ما دامت نصرتنا على أنفسنا خذلاناً وهواناً وعجزاً؛ فمحاربة النفس بالإضافة إلى أنها تمكننا من القدرة على الغير, تعطينا طريقاً إلى معرفة الله، والانتصار عليها طريق الإيمان في كافة الأحوال.

فإذا نحن عدنا من هذه الوقفة إلى القضايا الخمس التي أشارت إليها الآية المباركة والتي حرمها الله على عباده، وجدناها كلها من الكبائر لا يرتدع عنها أحدٌ إلا برادع الإيمان؛ ففيه وحده مِكْنَة التجنّب من ارتكاب أدناها إلى التحقيق. وهذه القضايا تحيطها الوصية الإلهية بسياج محفوظ من "إرتجاء العقل"؛ فما يوصي الله به في تلاوة ما حرم على عباده إنما هو وصية محاطة برجاء أن يكون العبد المنفذ لها عاقلاً معصوماً عن الغفلة أو يكون على أقل تقدير محفوظ عن الغرق في مستنقعها الآسن, وتتضمّن القضايا الخمس الآتي:

(1) التحريم القطعي للشرك بالله في (ألا تشركوا بالله شيئاً).

(2) والإحسان للوالدين في (وبالوالدين إحساناً).

(3) والنهي عن قتل الأولاد من خشية الفقر والإملاق.

(4) وتحريم الاقتراب من الفواحش في (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن).

(5) وتحريم قتل النفس في (ولا تقتلوا النفس التي حَرَّم الله إلا بالحق).

فهذه القضايا الخمس هى مما يُوصي الله به في قوله تعالى:" ذَلِكُم وَصَّاَكُم به لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ".

ولنلحظ التعقيب على الحكم: إيمان بالعقل، وحَثُّ على استخدامه لتتحقق فوائد الإيمان، لكأنما كان رجاء الإيمان ها هنا مُعَلقاً على وصية إلهية يُرجى فيها استخدام العقول العاقلة عن ربها مطالب العزة وفقه الحكم بالعقل. ولا تنتهي تلاوة ما حَرَّم إلى هذا الحد، بل يستطرد في تلاوة غيرها من الأحكام إلى حيث تكون الوصية في هذه المرة لا لأولئك الذين يعقلون، ولكن لمن يذكَّرون؛ فانتقال الوصية من مجال "إرتجاء العقل" إلى مجال "إرتجاء التذكرة" له مدلوله في تخريج مفهوم الآية. وهذا المدلول لامناص له من أن يؤدي إلى تعميق الإيمان حسبما يشير إليه السياق الواضح والمحدد من تلاوة ما حَرَّم الله على عباده. لكن هذه الوصية التي يرتجي منها التذكرة تشمل على أربعة أركان:

الأول يقول "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هى أحسن حتى يبلغ أشده". فإذا أنتهي هذا الركن بتقرير النهي عن اقتراب مال اليتيم، يأتي الركن الثاني بتقرير الوفاء في الكيل والميزان "وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نُكلف نفساً إلا وسعها".

ثم يجيء الركن الثالث ليؤكد هذه الحقيقة:" وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى". والمعنى من هذا هو: أي لو كان المتعلق به قولكم قريباً لكم لا تجاملوا أحداً في الحق، بل العدل أقرب إلى أن تكونوا على منهاج الحق فيما تعاملون به الناس سواء بسواء من غير أن يكون هنالك اعتبار لقريب أو ما يشبه القريب.

ويأتي الركن الرابع والأخير ليقول "وبعهد الله أوفوا"، ثم تنتهي الأركان الأربعة بتعقيب على الحكم يُوصي الله به عباده:" ذلكم وصَّاكم به الله لعلكم تذكرون".

ويلاحظ في سياق الدلالة من أحكام القضايا الخمس السابقة أن الوصيّة كانت منصبة على الذين يعقلون:"ذلكم وصَّاكم به لعلكم تعقلون"، وهنا في هذه الأركان يجيء سياق الدلالة من الوصية تعقيباً على الأحكام:" ذلكم وصّاكم به لعلكم تَذَكَّرُون ".

لاحظ إرتجاء التذكرة في الأركان هنا جاء مُعَلَّقاً على إرتجاء العقل في القضايا هناك في حين كان التعقيب على الأحكام "تذكرة"؛ لماذا؟ لكأنما الإنسان إذا هو عقل وصية ربه في الحالة الأولى؛ حالة القضايا التي تتعدد فيها ذكر ما كان حرم الله على عباده, صار يسيراً عليه فعل التذكرة في الحالة الثانية.

فحينما قال المولى تبارك قوله (لعلكم تذكرون)، كأنه يريد أن يقول لعلكم تذكرون ما قد علمتموه من الوصية الأولى، فإذا كنتم عقلتم وصيتي الكبرى وأوجبتم على أنفسكم تنفيذ ما يمكن أن يكون فيها من زواجر ونواهي, ومن أوامر وتكليفات هى إنْ فعلتموها كانت لا شك في صالحكم، صار ما أقرره في هذه الأركان يسيرة عليكم تأديته في الحالة التي إذا ما أنتم قمتم فيها بواجب الوصية الأولى؛ فإذا الفعل ها هنا ليس فيه عُسر ولا مشقة.

والتذكرة هنا لا تحتاج إلى العناء الذي ربما كانت ظواهره بادية عليكم حال كونكم تنفذون الوصية الأولى؛ فموجب الوصية قطعاً ها هنا لا يحتاج فيه الفعل إلى شيء غير التذكرة وكفى. وإذا تجمّعت الحكمة من وراء إرتجاء التذكرة مع الحكمة من وراء إرتجاء العقل، كانت هنالك نتيجة مؤداها أن تخلص - بمقتضى الإيمان - سريرة الإنسان، تخلص من ماذا؟ تخلص من العوالق والقواطع والأغيار التي تنخر فيها كما السوس مفسدة لها في كل حال؛ لتتوحد السريرة خالصة مع الله؛ فإذا التوحيد شهادة حقيقية ليس فيها مجاز؛ وإذا هو واقع مُحَققٌ لا صورة هزيلة فارغة من المعنى أو من المضمون.

ليس للفكر دين. التفكير فريضة إنسانيّة، ولا يمكن أن يكون غير هذا؛ إذْ ليس للفكر دين؛ لأنه لو كان للفكر دين لأصبح في معزل عن الإنسان من حيث أنه كائن مفكر ولصار الدين هو الحاكم الأول والأخير على فريضة التفكير لديه؛ وإنما الإنسان الذي يفرز الفكر هو الذي يفرز العلم ويناقش الدين بعمل العقل والتفكير؛ ولأن العمل العقلي في كل حال هو الذي يستوجب في كل حال فريضة التفكير.

ولكن الفكر الذي على هذا النحو سرعان ما يتحوَّل إلى وثن يعبد وإلى صنم يقدس. ربما يُقال في هذه المسألة: ما قيمة الدين من أساسه إذا كان في مستطاع الإنسان أن يتخذ من فكره ديناً يتكئ عليه ويستند على مقرراته المعرفيّة فلا حاجة به إلى دين أو عقيدة؟ وبما أن التفكير فريضة إنسانية؛ فالأديان تنحصر في تفكير الإنسان المحدود وتتقزم بما لدى الإنسان من عقائد التفكير.

تدور الأسئلة التي من هذا النوع كثيراً على أذهان المتسائلين، ولكن الذي يوقفها عند حدودها هو التفكير في مسائل المصير والتأمل الدقيق في أجواء الإيمان؛ فالإنسان مهما كان وأيَّا ما كان فهو محدود التفكير ومحدود العمر، وهو بطبيعته كائن محدود العقل، محدود الزمن، إذا هو فكر كثيراً في مصيره لا يلبث إلا ويعود عليه مثل هذا التفكير بتقرير الإيمان والدخول فيه دخولاً يتغشاه من الباطن ويتعمقه بعيداً عن السطح الظاهر؛ ليصل به إلى حقيقة امتداده فيما وراء الحياة المحدودة، والزمن المحدود، والعقل المحدود، والعمر المحدود، ولا يصل إلى تلك الحقيقة إلا بما يتقرّر لديه من مقررات الإيمان .

بيد أنه لو أقتصر على فكره مجرداً عن الدين والإيمان سرعان ما يقدس هذا الفكر فيصبح تفكيره (دجمة) مقدَّساً، مُجَرَّد وثن يعبد كأنه يؤمن به إيماناً خالصاً كمَا يؤمن المؤمنون بالإله الواحد، فلا يستطيع الخروج من ذاته تفكيراً وتعبيراً إلى حيث رحابة الكون وأفق اللانهائي اللامحدود واللامتناهي. والقرآن يقوده بالإيمان والعقل معاً إلى هذا الرحاب العلوي الأكرم ويخلصه من غواشي التفكير المحدود بتحرير اللطيفة الباطنة الجُوّانيَّة عن سطوات الأغيار.    

ولا خُلاص لهاته اللطيفة الجُوَّانيَّة إلا أن يكون خلاصها الوحيد في عقل يعقل وصيّة ربه على قانون الجهاد في سبيله، وضبط النفس والانتصار عليها؛ ليلزمها شرف البقاء دوماً في رحاب المعيّة. فالعقل من ثمَّ هو أشرف معنى من معانيه، وهو هنا أكمل ما يكون كاملاً حين يتصف به الإنسان الكامل في الفهم عن الله. والإنسان الكامل في توخي العبادة وملازمة السلوك القويم بمقتضى فكرة التوحيد وفي إطارها؛ فلا هو بالعقل الذي يستقبل ثم يرفض، ولا هو بالعقل الذي يسمع ولا شأن له بالتطبيق، ولكنه العقل الذي يحيل إلى البصيرة ويقود إلى الإيمان على أكمل ما يكون الإيمان في متابعة السبيل كما يصفه ربّ العزة في قوله تعالى:" وأنَّ هذا صِرَاطي مُسْتَقيماً فاتَّبِعُوه ولا تتبعوا السُّبَل فَتَفَرَّقَ بكم عن سبيله، ذَلكم وصَّاكم به لعلكم تَتَّقونَ".

أمامنا الآن ثلاثة محاور أساسية كبرى في الإرتجاء هى بمثابة تعقيبات أحكام تتسلسل بعضها عن بعض.

(1) محور أول في إرتجاء العقل.

(2) ومحور ثاني في إرتجاء التذكرة.

(3) ومحور ثالث في إرتجاء التقوى.

والأساس الصالح والركيزة الفاعلة في هذه المحاور هو "العقل"؛ فلولا العقل ما كانت التذكرة، ولولا اجتماع التذكرة التي تستقي روافدها وأركانها من العقل لمَا كان هناك تناسق في الصفة التي يتصف بها الإنسان من نشدان الكمال المعصوم في إتباع السبيل في غير تشتت وتَفَرُّق.

هو ذاكر لأنه عاقل، ويسير عليه فعل التذكرة بعدما اتصف بالرشاد والعقلانية، لكنها عقلانيّة ممزوجة بالنور تأخذ من مشكاة القلب ليرقيها، معجونة بخميرة الإشراق الروحي، وليست هى بالمعزولة عن هذه أو تلك بحال، ولا هى كذلك بالعقلانية البعيدة عن مثل هذا النور بشطط العقل الأهوج الغافل البليد.

فإذا تمَّ الرجاء في عقله سَهَلَ أن تتمَّ التذكرة عنده لتمام الرجاء في عقله سابقاً، ثم إذا أنت قرنت العقل مع التذكرة قرانة لزوم وارتباط كاللزوم الضروري والارتباط السّببيّ بين القضايا والأركان ثم التعقيبات على أحكامها، نتجت عن ذلك نتيجة مؤداها أن رياض الإيمان هو هو الفاعل في كل هذه القضايا والأركان يرتد من فوره إلى التقوى؛ وهو المُراد بوصية أخرى ثالثة هى بمثابة اللازمة الضرورية من مقدمتين سبقت أهمهما إحداهما؛ فالأهم كانت في إرتجاء العقل، ثم إرتجاء التذكرة بعد العقل بالطبع؛ فَلَزَمَ عن هذه وتلك, ذلك "الإيمان", وهو المراد بقوله تعالى:" ذلكم وصَّاكم به لعلكم تَتَّقونَ".

والتقوى لا مَحَاَلَة هى لب لباب الإيمان.

أي نعم! لب لباب الإيمان هو التقوى، ولماذا كانت التقوى؟ لأن للتقوى أنوراً هى ثمرة الجهاد مع التذكرة، تشع في باطن السريرة الإنسانية، فتلزمها كمال البقاء على الصراط المستقيم؛ فبعد أن يؤدى العقل الغرض الشريف ممّا هو مكفول له أن يؤديه، فيكتمل الرجاء فيه كلما عقل عن الله مراده وحكمه، وبعد أن تفي التذكرة بأركانها واحداً واحداً؛ يجيء الأمر صادراً بوصية التقوى (= أعلى الوصايا) في أن هذا صراطي مستقيماً فأتبعوه؛ فإذا أتبعتموه في مجال التذكرة ومن قبلها مجال العقل، كنتم لاشك من المتقين الذين يعرفون للاستقامة معنى ودلالة؛ أي كنتم لا شك - بمتابعة السبيل - من الذين هداهم الله إلى الإيمان الحق، فكان الإيمان الحق حقيقاً بأن تكونوا، بمزاولته، من المتقين.

ولا بأس آخر الأمر من الاستئناس بما وَرَدَ في "لطائف الإشارات" للإمام أبي القاسم القشيري (ت 465هـ) في تفسير الآية حيث ذكر أن الآية المباركة تضمَّنت عشرة أشياء أولها الشرك، فإنه رأس المحرَّمات, والذي لا يُقبَل معه شيء من الطاعات, وينقسم ذلك إلى شرك جليِّ وشرك خفي؛ فالجلي عبادة الأصنام، والخفيّ ملاحظة الأنام بعين استحقاق الإعظام. والثاني من هذه الخصال: ترك العقوق، وتوقير الوالدين بحفظ ما يجب من أكيدات الحقوق. والثالث: قتل الأولاد خشية الإملاق، وإراقة دمائهم بغير استحقاق. والرابع: ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما بدا واستتر، ويدخل في ذلك جميع أقسام الآثام. والخامس: قتل النفس بغير الحق، وذلك إنما يكون لفقد شفقة الخلق. والسادس: مجانبة مال اليتيم والنظر إليه بعين التكريم. والسابع: بذل الإنصاف في المعاملات والتوقي من جميع التبعات؛ أي: الاحتراز عما فيه تبعة. والثامن: الصدق في القول والعدل في الفعل. والتاسع: الوفاء بالعهود الإلهية. والعاشر: متابعة السبيل بما تشير إليه لوائح الدليل. قال القشيري: "فمن قابل هذه الأوامر بجميل الاعتناق سعد في داريه وحظى بعظائم منزلته". فاللهم حقق .

نعم، لقد صدق نظر العرفان الذوقي بمقدار ما لديه من صدق الموافقة والمتابعة, وكذبت أنظار المتعالمين من ذوي الدعوى العريضة في غير تحقيق ولا استشراف؛ فلئن خَرَّج القشيري دلالات هذه الآيات المباركات، فلقد خَرَّجها من ذوق عرفاني ودلالة معرفيّة غير أنها إشاريّة، ولم يخرجها دعوى عريضة لمجرد النظر العابر في سطح المفهوم .

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

                      

عدنان عويد(قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ. ).

إذا كان التيار السلفي الجبري المعادي للحداثة قد اعتمد على النص الديني المقدس أو من قام على تفسيره وتأويله من فقهاء العصور الوسطى، فكذلك تيار العقل وحرية الإرادة والمناصر للحداثة لم يخرج عن هذه لقاعدة أيضاً. لذلك دعونا ننظر في هذا التيار من الخطاب الإسلامي التنويري وآلية تفكيره ومرجعياته الفكرية.

(قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ . ). (1).

جاء شيخ إلى علي بن أبي طالب عند الإعداد لمعركة صفين يسأله قائلاً: (أكان المَسيرُ بقضاء الله وقدره). فكان رد علي عليه ( لعلك تظن قضاءً واجباً وقدراً حتماً، ولو كان الأمر كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد ولما كانت تأتي من الله لائمة لمذنب ولا محمدة لمسيء. وهذا رأي إخوان ألشياطين وعبدة الأوثان. وشهود الزور. وخصماء الرحمن. وأهل العماء عن الصواب في الأمور، إن الله أمر تخيراً وانهى تحذيراً، ولم يكلف جبراً، ولا بعث الأنبياء عبثاً.).(2)

هذا هو موقف أمير المؤمنين من الجبر، والعقل وحرية الإرادة. فليس هناك قضاء واجب، ولا قدر حتم، وإنما هناك إنسان حر في اختياره وإرادته، وما أوامر الله في نصه المقدس إلا من باب التخيير، وما النهي عند الله إلا نذيراً لهذا الإنسان ونهيه عن فعل الشر وظلم الناس، وما التكليف عنده إلا تخيراً وليس جبراً على الإنسان، ومن يقول أو يمارس غير ذلك فهو ليس بمسلم. فجوهر الدين كما يفهمه أصحاب العقل وحرية الإرادة هو ما جاء في النص المقدس ذاته: (يأيها الذين آمنوا إركعوا واسجدوا واعبدوا بكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم من حرج.).(3). وعلى هذا الأساس في عدم الإحراج في الدين يأتي هنا موقف "ابن الجوزي" في التقليد الذي يبطل العقل وحرية الإرادة حيث يقول: (في التقليد إبطال لمنفعة العقل، لأنه خُلق للتدبير والتأمل، وقبيح من أعطي شمعة ليستضيء بها أن يطفئها ويسير في الظلام.).

هذا هو الفرق بين أن تأخذ العقل شعلة للمعرفة بكل معطياتها وبالتالي تستطيع عبره أن تؤكد ذاتك كإنسان قادر على معرفة ورسم الطريق الدال على مصالحك في خيرها وشرها، وبين أن تطفئ هذه الشعلة وتسير في ظلمة قاتمة وتترك أمر قيادتك للآخر الذي سيأخذك إلى ما يريد هو أو ما اعتقده هو الصح، أو ما تشتهيه مصالحه. فالفرق شاسع إذن بين النور والظلة...بين المعرفة والجهل .. بين العقل والنقل. وأخيراً بين أن تكون حراً في اختياراتك أو مجبر عليها

إن السير على هدّي العقل وحرية الارادة في تاريخ الدولة العربية الإسلامية لم يأت من فراغ، بل جاء متكئاً على النص المقدس ذاته، هذا النص الذي أعطى شرعية التفكير والتدبير في أمور الحياة للإنسان وفي مقدمتها الإيمان بالله ذاته، حيث لا جبر عليه في حريته: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.).(الكهف – 29) وأيضاً: ( قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، وإن ظل فإنما يظل عليها، وما أنا عليكم بوكيل.)، (يونس -108)، مروراً بالتأكيد على حرية الإرادة في أمور الحياة، واعتبار أن كل ما يصيب الإنسان هو من عند الإنسان ذاته: (ذلك بما قدمت أيديكم والله ليس بظلام للعبيد.). آل عمران – 182).) وصولاً إلى حرية العقل والتفكير التي لم تخلوا سورة من القرآن إلا وأكدت عليها، ومنها أول آية نزلت وهي: (إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم...).) سورة العلق). وعلى هذا الأساس انطلق القدرية عموماً والمعتزلة على وجه الخصوص منذ السنين الأولى للدعوة يؤكدون على أهمية العقل بالنسبة لمعرفة الحق والباطل. فهذا القاضي "عماد الدين عبد الجبار أحد شيوخ المعتزلة في كتابه (طبقات الاعتزال)، يقول عن أهمية العقل بالنسبة للدين والدنيا معاً: ( لأن به يُميز بين الحسن والقبيح، ولأن به يُعرف الكتاب حجة، وكذلك السنة والاجماع، وربما تَعجب بعضهم من هذا الترتيب، فيظن أن الأدلة هي الكتاب والسنة والاجماع فقط، أو يظن أن العقل إن كان يدل على أمور فهو مؤخر، وليس الأمر كذلك، لأن الله لم يخاطب إلا أهل العقل، لأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والاجماع، فهو الأصل في هذا الباب.). (4).

من هذا الفهم السامي للعقل ودوره في فهم الدين والدنيا، جاء نضال أهل العقل في تاريخ الخلافة الإسلامية، وفهمهم لضرورة تسخير العقل كي يبحث عن حلول لمستجدات الحياة التي لم يرد فيها نص مقدس، أو حديث، أو إجماع، وذلك عبر فتح باب الاجتهاد القائم على استخدام العقل. بل إن أصحاب العقل وحرية الإرادة من شيوخ المعتزلة قد أكدوا على (الفكر قبل ورود السمع)، بعد أن عرفوا كيف كان الكذب والتدليس والتزوير في وضع الحديث أو تأويل النصوص المقدسة خدمة لمصالح شخصية أوسياسية. وهذا ما أشار إليه أحد شيوخ المعتزلة وهو " ابراهيم النظام" بقوله: (وكيف نأمن كذب الصادق، وخيانة الأمين، وقد ترى أن الفقيه يكذب في الحديث، ويدلس في الإسناد، ويدعي لقاء من لم يبلغه، ولولا أن الفقهاء المحدثين والرواة الصلحاء المرضيين يكذبون في الأخبار ويغلطون في الآثار، لما تناقضت آثارهم ولا تدافعت أخبارهم.). (5).

لا شك أن العقلانيين المناصرين للحداثة من القدريين (أهل العقل والعدل)، قد اتخذوا من تجربة الخليفة "عمر بن الخطاب في فتح دلالات النص على الواقع المتغير والمتبدل درساً في التشريع لمقتضيات العصر، وهو الذي فتح باب الاجتهاد في مسائل المؤلفة قلوبهم، والسرقة في عام الرمادة، وتوزيع أراضي سواد العراق على ألمقاتلين حجة ودليلاً لما آمنوا به . فعمر كان رائداً في استخدام العقل وفتح دلالات النص على ما يخدم الإنسان ويراعي تطور حياته ومستجداتها. وهذا ما نسميه في فكرنا المعاصر (الحداثة)، أي منح الإنسان القدرة على استيعاب مستجدات المرحلة التاريخية المعيشة، والبحث عبرها عن السبل والوسائل القادرة على تجاوز عقبات تحقيق مصالح الإنسان في حريته وعدالته ومساواته، وتأكيد إنسانيته في كل مرحلة تاريخية.

إن هذا الموقف الحداثي في تاريخ الخلافة الاسلامية وخطابها الديني الذي واجهه كما بينا سابقاً الخطاب الجبري الرافض لدور عقل الإنسان وإرادته، وأراد لهذا الإنسان أن يطفئ ضوء الشمعة التي مُنحت له كي يستضيء بها، ليبقى أسير الوهم والظلام والامتثال والاستسلام الذي رسمه له فقهاء السلطان منذ بداية العصر الأموي عندما اعتمد الأمويون على الجبر وناصروا شيخه الموالي لهم " جهم بن صفوان" الذي تراجع عن مواقفه وانتقد سطة الأمويين وفسادهم وموقفهم المعادي للموالي، فقدم حياته ضحية لمواقفه هذه، علماً أن الجهمية في مواقفها الجبرية الأولى المعادية للفكر والعقل معاً والمؤيدة للسلطات الاستبدادية لازالت سائدة حتى اليوم

إن الجبر في كل مدارسه السلفية عند (الحنابلة والأشاعرة والماتريدية والوهابية.. )، يريد حملته الاجتماعيون للواقع دائما أن يكون تحت سيف النص المقدس الذي اختاروه من بين نصوص ألقرآن وفسروه وأولوه ليس (وفقاً لأسباب النزول بل وفقاً لعموم اللفظ)، بعد أن نسخوا ما يخالف النصوص الجبرية من نصوص قدرية لا تتفق ومصالح من هم تحت أمرتهم. فهذا الغزالي يقول عن مسألة النسخ: (يجوز نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقران لأن كل ذلك من عند الله.)، ناسياً أو متجاهلاً بأن الرسول لم يأمر بكتابة الحديث أصلاً، وأن هناك آلاف الأحاديث الموضوعة على لسان الرسول، متجاوزاً في ذلك الغزالي ومن مارس النسخ على هواه، حدود الله ودوره في عملية النسخ هذه وهو القائل" ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها.). (لبقرة- 106)، وذلك خدمة لمصالح أنانية محددة، متجاهلين مصالح الناس، ومتجاهلين من خلال تمسكهم بجبريتهم حالة حركة وتطور وتبدل الواقع الذي هو في حالة سيرورة وصيرورة مستمرتين، وأن مصالح الناس وحاجاتهم ليست ثابتة، بل هي مفتوحة على المطلق. وللحقيقة نقول إن الغزالي نفسه ورد عنده ألف حديث ضعيف كما تذكر بعض المصادر.

إن الفهم الديني للحداثة هو الفهم الذي يقر بأن النص الديني المقدس في حالة صدام مع الواقع دائماً في حركته وتطوره وتبدله، وهذا يتطلب من الفقهاء وعلماء الدين العقلانيين البحث دائماً عن حلول لمستجدات الواقع، كي تتحقق حالة التوازن المطلوب بين مصالح الناس وبين النص المقدس.

يظل الموقف العقلاني / الحداثي للخطاب الإسلامي في تعامله مع النص المقدس موقفاً حضارياً – حداثياً، طالما هو قادر على فتح هذا النص على دلالاته لإنسانية المطلقة، والبحث في مخزونه عن كل ما يخدم حرية الإنسان وإرادته وتحقيق مصالحه اللامحدودة، والقدرة على التطابق مع قضايا الحياة المعيشة في كل مرحلة تاريخية تمر بها الإنسانية. ففي مثل هذا التعامل العقلاني مع النص المقدس، سيشكل هذا النص بالضرورة في مجتمعنا العربي قوة تحفيز روحية وعملية للجماهير، واستلهاماً للحس الوطني، بعيداً عن الوعظ والتكرار واجترار ما قاله أو مارسه السلف حتى القرون الهجرية الثلاثة الأولى، على اعتبار أن هذه القرون الثلاثة هي من يمثل الإسلام الصحيح فكراً وممارسة.

ملاك القول : إن في مرتكزات الخطاب الديني الإسلامي الحداثي كما يراها النص الديني الدال على حرية الإنسان وإرادته، وكما يراها فقهاء الشعب وليس فقهاء السلطات ألاستبدادية، هي أن الدين في معطياته العامة عبادات ومعاملات، وإذا كانت العبادات علاقة خاصة بين الفرد وربه، وحدودها هي حدود الله وأحكامه، ولا دخل لأحد فيها، كون الله وحده هو من يعرف دواخل الإنسان وسرائره إن كان مؤمناً به أو كافر من جهة، ثم إن كل ما يؤديه الإنسان من طقوس دينية هي لله وحده وليس لعباده كما (الصيام لي وأنا أجزي به) من جهة ثانية، لذلك ليس هناك من سلطة دينية في الإسلام تجبر الناس على اتباع هذه الفرقة الناجية أو تلك، سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، وما للخليفة أو القاضي أو المفتي أو لشيخ الإسلام من سلطة فهي سلطة مدنية كما يقول الشيخ "محمد عبده". ) إذ لم يجعل الإسلام لأحد من هؤلاء سلطة على عقائد الناس وتقرير الأحكام).(6).

أما بالنسبة للشق الثاني وهو المعاملات (التشريع)، فإنها تخص الناس أنفسهم في الدرجة ألأولى ممثلة في القوانين المدنية والجنائية والأنظمة السياسية ولاقتصادية والاجتماعية والعلمية وغيرها من علوم وضعية، فالناس هم الذين يقررونها بمحض إرادتهم، وبما يتفق ومصالحهم العامة والخاصة، وبما لا يتعارض معها، وبمقتضى العقل والعلم بكل ما تعنيه هذه العبارة من معنى، والناس وحدهم من يقررون تطبيق حدودها أو يسقطونها أو يعدلون فيها أو يضيفون إليها ويطورونها وفق المفهوم السابق وفي ضوء متغيرات الزمان والمكان، فحدود القاتل والمقتول والسارق والمسروق والظالم والمظلوم وهي حدود الناس، وهم وحدهم من يقرر تقاسمها عقوبة ومثوبة. فحدود المعاملات في النص المقدس محدودة وهي لا تتجاوز عشرات ألآيات جاءت مطابقة لزمن نزولها، في ذلك العصر، وهناك أمور كثيرة فرضها الزمن والتاريخ على الفرد والمجتمع لا بد من البحث عن حلول لها، والناس (أدرى بأمور دنياهم.).

إن ممكنات الإسلام الروحية والأخلاقية والعملية والحضارية اليوم، كما يقول الكاتب والباحث "عبد الرزاق عيد" تكمن في تجديدها.فعندما تصبح الوطنية هي أساس النشاط الديني، وليس الحاكمية والإمارة وتطبيق الشريعة كما فسرها وفهمها التيار السلفي الجبري. وكذلك عندما يصبح العداء للمستعمر (الغرب) كونه مستعمر وليس مسيحي كافر، وعندما يكون العداء للدولة ليس على علمانيتها وإنما على ظلمها للرعية وفساد حكامها وتفريطها بالأوطان وحقوق الأمة والمواطنة، وعندما تصبح كل مكونات الدولة بكل أطيافهم الدينة مواطنين لا يقيمون وفقاً للفرقة الناجية، أو وفقاً لكونه مسلم مؤمن ومسيحي كافر، وعندما تصبح المرأة نصف المجتمع ولم تخلق من ضلع ناقص، وعندما نفهم الديمقراطية على أنها آلية عمل وبناء لمشاركة كل أبناء الوطن وليست فكراً غربياً أو وضعياً تغريبياً كافرا، وعندما يفهم الدين على أنه نص مقدس جاء لمصلحة الإنسان وخيره وعدالته ومساواته، وأن الاختلاف في تفسيره وتأويله يجب أن يأتي بناءً على خدمة مصالح المجتمع، وليس لخدمة قوى اجتماعية محددة تعمل على توظيف النص الديني خدمة لمصالحها، عندها سيكون الإسلام حداثياً وسيتمكن الإسلام والإسلاميون من إيجاد مجال مشترك مع كل مكونات المجتمع أو أطراف الأمة، فالسماء كما يقول "عيد" لا تظللهم وحدهم، بل تظلل الجميع، وللسماء وحدها حق تقرير المصير يوم الحساب.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

..........................

الهوامش

1- الأنعام- 104

2- حسن ابراهيم حسن- تاريخ الدولة الإسلامية- القاهرة – 1991 – ج1– 244-345.

3- الحج- 77و78.

4-الثقافة الجديدة – العدد 27- 1997- ص 48.

5- المصدر نفسه – ص 46.

6- محمد عبده- الأعمال الكاملة- جمع وتحقيق " محمد عمارة" بيروت- المؤسسة العربية للدراسة والنشر- 1974 – ص285-286.