النص الديني وآفة التقديس: القرآن كنموذج

القرآن كنص: دراسة تفكيكية نقدية للنص القرآني بعيداً عن القدسية

مقدمة: جذور المقدس الديني

علينا توخي أقصى درجات الحذر عندما نلج المنطقة المحرمة في الإسلام والمس بالمقدس الديني الأهم ألا وهو النص القرآني. ولكن لا يمكننا الإفلات من الأساسيات المهمة والضرورية في عملية البحث في النص القرآني والتغاضي عن أسئلة جوهرية من قبيل: كيف نشأ النص القرآني ومن أين جاء وكيف تشكلت قدسيته ومتى ظهر أولاً وكيف كتب أو دون وبأية لغة كان قد كتب وأي شكل أتخذ ومن كان الجمهور الذي تلقاه وكيف انتقل من جيل إلى آخر من نظمه وصنفه وجمعه وبوبه. الإجابة على هذه الأسئلة تعد كمن يخوض في حقل ألغام فلا يوجد إجماع مع وجود صعوبات تتعلق بالنص نفسه وبمادته اللغوية وغموضه، ولا تتوفر للباحثين سوى الرؤية التراثية من وجهة نظر إسلامية بحتة التي يمكن اللجوء إليها في أية مقاربة حتى ولو كانت نقدية حيث يتطلب مثل هذا الجهد الجرأة على التحدي لكشف الرؤية التبسيطية الساذجة المستمدة من معتقدات الإسلام والعقلية الخرافية السائدة فيه . لذلك لا بد من القيام بدراسة نقدية تحليلية جريئة ومحايدة وصريحة لمصادر القرآن لكي نتوصل لنتائج تاريخية صحيحة ومحددة ولن يحصل ذلك إلا بروح علمانية ودنيوية صرفة من قبل باحثين أكفاء غير متأثرين بعلوم الدين الإيمانية. أعمال أغناس غولدزيهر Ignaz Goldziher وهنري كوربان Henri Corbin عن تأثير الزرادشتية على الإسلام وأعمال جيجر Geiger وتوري Torreyو كاتش Katsch عن تأثير اليهودية وعمل ريتشارد بيل Richard Bell الطليعي عن تأثير المسيحية وأعمال ويلهاوسن  Wellhausen ونولدكة Noldeke وهرغرونج Hurgronje وروبرتسون سمث Robertson Smith عن تأثير الصابئية وتأثير المحيط في الجزيرة العربية في العصر الجاهلي وعمل آرثر جفري Arthur Jeffery عن المفردات الأجنبية في القرآن، كلها تجتمع لتجعلنا نتفق مع استنتاج زويمر Zwemer أن الإسلام " ليس اختراعا، ولكنه خلطة، ليس هنالك من جديد فيها ما عدا عبقرية محمد في مزج مواد قديمة ليكون وصفة لعلاج كل الآلام الإنسانية وليفرضها بواسطة السيف". ولقد جمع عصارة ما تفقتق عنه ذهنه وتجاربه واتصالاته في كتاب هو " القرآن" الذي قال عنه أنه من عند الله وبالتالي فهو كلام الله لذلك فهو مقدس، ومجموعة من الأحاديث والأفعال التي دمغت حياته وتناقلتها الأسلن في كتب السيرة والحديث واشهرها " صحيح البخاري" الذي أضفت عليه المؤسسات الدينية المتتالية منذ تدوينه إلى اليوم نوع من القداسة بمعنى أن كل ما جاء فيه صحيح. ولم قيقتصر الأمر على الطائفة السنية ذات الأغلبية الساحقة في الإسلام بل حدث نفس الشيء لدى الطائفة الشيعية الأقلية في الإسلام وورد في أدبياتها ونصوصها المعتمدة كالكافي وبحار الأنوار وغيرها الكثير من الحشو والوضع استناداً، ليس فقط لتراث محمد، بل وكذلك للأئمة من أهل بيته من حفيديه الحسن والحسين وكذلك دون تمحيص أو تدقيق.

والحال، يعيش العالم الإسلامي اليوم، حركة غير مسبوقة في انتقاد التراث الديني، تناولت جميع المرويات المنسوبة لمحمد وأخضعتها للمناقشة والتمحيص، إذ أن تلك المرويات تضمنت الكثير من التناقضات، والخرافات، التي تعارض مقتضيات المنطق السليم والعقل الواعي، سيما وإن الكثير مما جاء فيها معارضاً ومخالفاً لصريح النصوص القرآنية، في الكثير من المضامين، ثم إنتقل النقاش والجدل والنقد من الوسط الفكري، الذي يضم العديد من المثقفين والباحثين، إلى الوسط الديني أيضا داخل بعض الموؤسسات ذات الطابع الديني كالأزهر والمرجعيات الدينية الشيعية، حيث تخرج من هاته الموؤسسات فقهاء ومحدثون بدأوا يناقشون هاته المرويات ويمحصونها، وينتقدونها ويأخذون منها ما يعتبرونه صحيح مثبت ويرفضون مايعتبرونه موضوع ومزور ولايتوافق مع النص القرآني، فتم التعامل مع هاته النصوص على انها نصوص تاريخية، لا قدسية لها، وشرع هؤلاء في تمحيصها بنفس الآليات العلمية والعقلانية التي يتم بها مناقشة وتمحيص النصوص التاريخية. ومما ساعد على هاته الحركة الفكرية بخصوص انتقاد التراث الديني، ما يعيشه العالم اليوم من ثورة علمية غير مسبوقة أيضا، جعلت العقل البشري يتبوأ مكانة السيادة والريادة في جميع المجالات، فاتحا مستقبل البشرية جمعاء، على آفاق ِ واسعة من التقدم المذهل في شتى ميادين الحياة، بل إن تقدم الوسائل والوسائط والتكنولوجيا العلمية مكنت البشرية من التعرف على الماضي في كلياته، وحتى السحيق منه، وكأنها تعيش داخل تلك العصور البائدة، كما ساعدت تلك الوسائل على التحقق من مصداقية الروايات التاريخية، والأعمال المنجزة في هذا الصدد قبل قرون من خلال المنهج التفكيكي. ومن الكتب التراثية التي لقيت انتقادا كبيرا منذ تأليفها كتاب «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله وسننه وأيامه» الشهير بالجامع الصحيح أو صحيح البخاري حيث أنجزت العديد من الدراسات ُ والبحوث والتحقيقات التي تناولته بالانتقاد، لإبراز الأحاديث والآثار الواردة فيه، سيما الأحاديث المناقضة للعقل والعلم والقرآن، والأحاديث المنحولة والمأخوذة من الإسرائيليات، وغيرها من البحوث التي صار معها «صحيح البخاري» من  أكثر الكتب إثارة للجدل على مر التاريخ الإسلامي ورغم الحملة القوية التي واجهها صحيح البخاري من حيث انتقاد مضامين الأحاديث الواردة فيه، ومن حيث انتقاد بعض رجاله الذين روى عنهم مؤلف الكتاب أحاديثه، ومن حيث الانتقادات التي وجهت لمحمد بن اسماعيل البخاري نفسه، إلا أن فئة الشيوخ والفقهاء والمحدثين ظلت في مجملها متمسكة بالجامع الصحيح على أساس أن كل ما فيه صحيح، وأنه أصح الكتب بعد كتاب الله، بل تم حمل سلاح التفسيق والتكفير والزندقة في وجه كل من ينكر أحاديث في هذا الكتاب أو يوجه إليها سهام انتقاداته، حتى لو عارضت متونها كتاب الله الموحى إلى نبيه، فصار لدينا كتاب فوق النقد، وفوق العلم، وفوق العقل، بل فوق القرآن نفسه لدى معظم الشيوخ السنة مع كامل الأسف. لقد تضمن الكتاب المئات من الأحاديث تحبل بكوارث خطيرة، فمنها ما يسيء إلى مقام الألوهية، ومنها ما يسيء إلى مقام النبوة، ومنها ما يسيء إلى مقام الإنسان نفسه والمرأة على وجه الخصوص.

القرآن من الداخل:

"قل الحق ولو على نفسك" ترى من يطبق هذا القول اليوم في العالم الإسلامي؟ نحن أمة لا تزال أسيرة الماضي ومقدساته التي لا تستطيع الفكاك منها، فكل النصوص والأشخاص باتوا مقدسين وخطوطاً حمراء لا يسمح بالمساس بها، ناهيك عن انتقادها أو دحضها أو مناقشتها. فالنبي والصحابة وآل بيته مقدسون، بل وبعضهم معصومون عن الخطأ، والقرآن والحديث مقدسين، لا يحق لأحد أن يتساءل بشأنهما أو يشكك بأصالتهما وصدقيتهما مثل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وبالعقاب والثواب ويوم القيامة والحساب والجنة والنار والنعيم والجحيم، وغيرها من المسلمات، ومن يخرج عن ذلك فهو زنديق وكافر ومشرك ومرتد يطبق عليه الحد ألا وهو القتل.

من هنا، فإن من المحرمات التي لا يجب انتهاكها في زمننا الحاضر، والتي فرضتها الأورثوذكسية الإسلامية، كان موضوع قدسية النص القرآني الذي لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه ولا من فوقه ولا من تحته فهو كلام الله المنزل الكامل والشامل الخالي من أي نقص أو تناقض. والحال أن تراث الإسلام لا يقول بذلك لا من الناحية الفقهية ولا من الناحية الثيولوجية أو الكلامية أو الفلسفية أو المنطقية، بل ولا حتى من الناحية اللغوية، وهو مليء بالأمثلة التي تثبت عدم قدسية وكمالية النص القرآني خاصة فيما يتعلق بجمعه وتدوينه وتفسيره وتأويله، فبعد موت محمد أصبح أمام المسلمين ثلاث أولويات عاجلة، حسم مسألة الخلافة الدنيونية، وفيما بعد الدينية لو أمكن، وتأسيس القرآن ككتاب مقدس قانونياً ومصدراً وحيداً للتشريع، وجمع الحديث وتدوين السنة النبوية. فكان على المسلمين أن يجمعوا النصوص القرآنية المتفرقة من المصادر الشفهية والمكتوبة، وأن تؤسس هيكيلية نص من الحروف الساكنة وأن يستكمل العمل على مراحل لتثبيت نص مضبوط بعلامات للحركات والتنقيط والتشكيل لكي يكون مقبولاً كمقياس قانوني. ولقد استغرقت هذه المهمات ثلاث قرون تقريباً وفق سيناريو زمني وجغرافي معقد حيث من المفترض أن محمد لم يترك نصاً مكتوباً أو مدوناً كاملاً للقرآن كما تقول المصادر التي تشدد على أنه حفظ بصيغة شفهية في ذاكرة عدد كبير من مستمعيه وحفاظه وقرائه المباشرين من الجيل الأول من الصحابة، ومن ثم من قبل التابعين وتابعي التابعين وهلم جراً .إلى جانب نتف مما كتبه في حياة محمد من سميوا بكتاب الوحي ولقد تمت المهمة بعد موت محمد بعقدين من الزمن في زمن الخليفة الثالث عثمان لذلك صار الكتاب المجموع يعرف بالمصحف العثماني بيد أن النص النهائي للقرآن المضبوط والمشكل والمنقط أنجز في النصف الأول من القرن العاشر الميلادي بعد طرق متعددة لقراءته وتنويعات طفيفة في الضبط بالشكل حظي بالقبول والتسامح وأصبح مقبولاً كنص قانوني ملزم كما تقول الرؤية الإسلامية التقليدية، في حين إن الباحثين الغربيين في مجال الدراسات والأبحاث القرآنية، ومنهم جون وانسبورغ سنة 1977،وجون بورتو في سنة 1977 أيضاً، توصلا إلى استنتاجين متباينين. الأول حاول أن يثبت أن القرآن لم يجمع على هيئته الحالية حتى بعد مائتين او ثلاثمائة سنة بعد موت محمد، بينما الثاني حاول أن يثبت العكس وهو أن محمد حرص على تثبيت نسخة نهائية للقرآن في حياته مكتوبة بحروف ساكنة، ولكن لم يتم العثور على نص قرآني مرتب وفق التسلسل الزمني الكرونولوجي للنزول .أما المستشرق الألماني لولينغ فقد سعى للبحث عن القرآن الأصلي في كتابه المثير للجدل " تحد للإسلام" الذي نشره سنة 2003. ومن حيث توقف لولينغ بدأ لوكسينبرغ محاولاته لحل شفرة القرآن بمقاربة غريبة وجديدة في آن واحد بشأن التأثيرات السريانية والآرامية في اللغة القرآنية وهي الدراسة التي نشرها سنة 2004 وأحدث ضجة في وسائل الإعلام الشعبية والشعبوية ذات الإثارة الجماهيرية، وهي دراسة ابتعدت عن كامل التراث التفسيري الإسلامي التقليدي للقرآن وتقول بأن كل النسخ الباقية للقرآن، قديمه وحديثها، تتضمن كماً هائلاً من الأخطاء في القراءة، من وجهة نظر القراءة الفيلولوجية ذات النتائج التخمينية وليست اليقينية،لأنه لا يأخذ بالاعتبار الأبحاث المتراكمة على مدى قرنين من الزمن في سياق النقد النصي للقرآن، والنتيجة التي توصل إليها لوكسينبرغ هي أن اللغة التي استخدمها محمد في القرآن الأصلي الذي تلاه على مسامع المسلمين كانت متأثرة تأثراً عميقاً باللغة السريانية والآرامية التي أخفاها محمد بحذاقة منقطعة النظير في إعادة صياغة لغوية نثرية مسجعة خاصة به، والتي يمكن إعادة اكتشافها بتغيير التنقيط على المفردات القرآنية لكي نقترب من أصلها السرياني والآرمي، ويتوسل منهجية الاستبدال الدلالي. فالنص القرآني الذي بين يدينا الآن ما هو سوى نسخة مجزأة عن نص أصيل تقول الأسطورة الدينية أنه موجود في اللوح المحفوظ لا يمكن الوصول إليه ولا حتى من قبل الأنبياء والرسل، كما جاء في سورة البروج للآية 22 وسورة الأنعام الآية 19 وسورة القدر. قال الله في القرآن: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وقال إنا أنزلناه في ليلة القدر اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال أحدها وهو الأصح الأشهر أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجما في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامته بمكة بعد البعثة . وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسول الله بعضه في أثر بعض .وأخرج الحاكم والبيهقي أيضا والنسائي من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال أنزل القرآن في ليلة واحدة إلى السماء الدنيا، ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك بعشرين سنة ثم قرأ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا. وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه وفي آخره فكان المشركون إذا أحدثوا شيئا أحدث الله لهم جوابا. أخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس قال أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل نجوما، أي على أجزاء، وعن ابن عباس أنه سأل عطية بن الأسود فقال أوقع في قلبي الشك قوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر وهذا نزل في شوال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة وفي المحرم وصفر وشهر ربيع فقال ابن عباس إنه أنزل في رمضان ليلة القدر جملة واحدة ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام. فذلك هو القرآن الحقيقي والأصيل وليس النص الدنيوي المتداول اليوم والذي هو عرضة لكثير من الغموض والإشكاليات والاجتهادات والتأويلات والتفسيرات المتناقضة والمتباينة والذي وصفه الإمام علي بأنه" حمال أوجه". فالنص الحالي لم يملى على النبي حرفياً بل بواسطة الوحي والإيحاء لذلك نجد فيه المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ، وبالتالي فهو ليس ذلك المقصود بالآية: إنا أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون" فالكتاب المتداول اليوم بين الناس ليس هو " الذكر" المشار إليه في الآية، وبالتالي فهو ليس خالد ومطلق وثابت. فهناك قصة وتاريخ للنص المعروف باسم القرآن اليوم وفيه نواقص وإضافات وتحريفات كما تروي لنا الروايات التاريخية المتعلقة بهذا الموضوع، وبالتالي فهو نسبي. وتكفينا الإشارة إلى موضوع الآيات الشيطانية، الواردة في القرآن الدنيوي المتداول حالياً والتي استوحى منها الروائي والكاتب البريطاني من أصل هندي روايته الشهيرة " آيات شيطانية" التي أثارت ضجة في العالم الإسلامي بعد فتوى الخميني باستباحة دم الكاتب ووجوب قتله، والحال أن هذه الحادثة حقيقية حصلت في التاريخ الإسلامي ونقلتها كتب التراث . فلقد أكد الدكتور عفيف عبد الفتاح في كتابه روح الدين الإسلامي أن الرسول كان يفرق بين الملاك والشيطان إلا في حالة واحدة عندما امتدح النبي آلهة قريش ونطق الآية على النحو التالي:" تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" وهو يقصد بالغرانيق هنا الللات والعزى ومناة. ولقد أكد السيوطي في كتابه أسباب النزول ص 184 وابن هشام في سيرته النبوية جزء 2 ص 126 وابن كثير في تاريخه جزء 3 ص 229، بأن الشيطان هو الذي وضع على لسان محمد هذه الصيغة ليمتدح آلهة قريش عندما كان يقرأ على قريش سورة النجم . يقال أن هناك كتبة للوحي لم يكونوا أمناء ومخلصين ومنهم من ارتد عن الإسلام وآخرون مثل معاوية استخف بأصالة النص بل وأنكره إبنه يزيد ابن معاوية، وهو خليفة للمسلمين، حينما ردد مقطعاُ شعرياً يقول:" لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل". فبعد وفاة النبي كان القرآن موزعاً بين الصدور في ذاكرة الحفاظ والقراء، وعلى جلود الماعز وكرب النخيل والعظام والأقمشة وغيرها من الدعائم التي دونت عليها الآيات والسور القرآنية، ولم تنضج فكرة جمع النصوص القرآنية إلا في وقت متأخر في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وحول ذلك الحدث قصص وحوادث كثيرة تطعن بأصالة ومصداقية النص القرآني الحالي، سنتطرق إليها لاحقاً. فأقل ما يقال أن الجمع تم على نحو اعتباطي وعشوائي لأغراض سياسية وأيديولوجية مسبقة ومتعمدة وليس وفق توجيهات النبي أو وفق تسلسل نزول الآيات وحدث خلط مقصود ومتعمد بين الآيات المكية والآيات المدنية ونقل الكثير منها من سورها الأصلية إلى سور أخرى. هناك روايات غير مثبتة تقول أن أول محاولة للجمع حدثت في حياة النبي من قبل علي بن أبي طالب وبعد ذلك بقليل في زمن الخليفة الأول أبو بكر والمحاولة الثالثة تمت في زمن عثمان، وهناك محاولة أخيرة تمت بعد زمن طويل في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي. كانت هناك عدة نسخ للقرآن تبعاً لاختلاف القراءآت، وأشهرها نسخة عبد الله ابن مسعود التي أحرقت في عهد عثمان وبأمر منه. وتم إقرار نسخة زيد بن ثابت بالقوة وإحراق باقي النسخ ما عدا نسخة الإمام علي التي لم يتجرأ أحد على أخذها منه وحرقها، والمعروف أن زيد بن ثابت الأنصاري من قبيلة الخزرج كان كاتب من كتاب الوحي ومترجم للنبي من والى اللغة الفارسية والإغريقية والقبطية والإثيوبية حيث تعلم اللغات في المدينة ومن رحلاته المختلفة الى تلك البلدان، وكان سكرتيرا لأبو بكر وعمر وعثمان، وكان هو الذي يكتب الرسائل للملوك والأمراء في زمن النبي والخلفاء الثلاثة الأوائل . وتقول أسطورة دينية أخرى أن الملاك جبريل كان يلتقي النبي محمد سراً كل عام بهذا الصدد للقيام بمراجعة لما تم إنزاله على النبي خلال العام المنصرم وتدقيقه وتثبيته.

د. جواد بشارة

عدنان عويدأسس التفكير الفاشي: يقول "فلا ديمير جابو تنسكي" حول طبيعة الفاشية ومواقفها من الآخر: (كل إنسان آخر على خطأ وأنت وحدك على صواب، لا تحاول أن تجد عذراً من أجل ذلك، فالأعذار غير ضرورية وغير صحيحة، بوسعك ان تعتقد أي شيء في العالم، إذا اعترفت ولو لمرة واحدة أنه ربما يكون خصومك على صواب، لا توجد في الواقع إلا حقيقة واحدة، وهي بكاملها ملكك أنت، وإذا لم تكن واثقاً فابق في بيتك، وإذا كنت واثقاً لا تتطلع إلى الوراء هي ستأتي في اتجاهك).(1)

مقدمات في العنف والعنف المضاد في الدولة الاسلامية:

لم يأخذ المسلمون بحديث الغدير الذي اختلف انصار علي ومعارضيه على دلالات مفردة الموالاة، (اللهم والي من والاه)، حيث فسرها أنصار علي بـ (الولاية – الخلافة)، بينما فسرها معارضو علي بـ (المحبة والمودة). كما لم يقتنع معارضو علي بالدليل النصي المقدس الذي قال أنصار علي بأن الله قد أمر الرسول آنذاك أن يبلغ المسلمين ممن كانوا معه رسالته بشأن علي، وهي الآية التي على أساسها تمت خطبة أو حديث الغدير : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). (المائدة – 67).

كان الرسول على فراش الموت... والأنصار والمهاجرون في السقيفة يتداولون في أمر الخلافة. بينما علي كان إلى جوار الرسول، وبقربه أبو سفيان يؤلب العصبيات القبليات، محرضاً علي على أخذ الخلافة، وطالباً منه أن يمد يده ليبايعه، فكان رد علي عليه: (إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة)... ودعوة علي لأخذ الخلافة جاءت في الوقت نفسه، وفي المكان نفسه من عمه العباس، فشعر بأن دعوة عمه ستشكل موقفاً قبلياً، فرد على عمه قائلاً: إني لا أحب هذا الأمر من وراء رتاج).

لم يُبَايَعْ علي الخلافة، لا عن طريق الشورى (وأمرهم شورى بينهم)، ولا حسب وصية الغدير. بل بُويع أبو بكر بعد سجال حاد بين المهاجرين والأنصار:

قال الأنصار: (نحن أحق بها، لأنا من أوائل الذين آمنوا بالرسول ونصره.).

فرد المهاجرون: (نحن أحق بها، لأننا أسبق في الإسلام ومن هجر أهله وماله في سبيله ، ونحن قرابته أيضاً.).

قال الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير).

رد المهاجرون: (منا الأمراء ومنكم الوزراء.).

وهنا وضُع لأول مرة حديث على لسان الرسول من قبل دعاة السلطة ومريديها من القريشين لتثبيت أمرهم وشرعنته: (الخلافة في قريش ما بقي من الناس إثنان.). عن الصحيحين. (مسلم والبخاري).

لم يبايع "سعد بن عبادة وعشيرته، وتركوا السقيفة ليشكلوا أول معارضة للسلطة في الإسلام، وليكون سعد بن عبادة بعد أن رفض بيعة أبي بكر وعمر، أول قتيل في المعارضة أيضاً، وكانت طريقة قتله أول وسيلة تمارسها السلطة وينطبق عليها المثل الشعبي القائل: (تقتل القتيل وتمشي في جنازته). حيث شُيع بين الناس بأن من قتل سعد بن عبادة هو الشيطان كونه بال واقفاً، أو بال في حفرة.

أما معارضة علي، فقد تصدرت لها "فاطمة" زوجة علي وبنت رسول الله، إذ امتطت ظهر جملها وراحت تطوف في شوارع المدينة وأسواقها تطالب الناس البيعة لعلي، وتطعن ببيعة أبي بكر، فكان رد من صادفها من المهاجرين والأنصار بقولتهم الشهيرة: (لقد بايعنا الرجل). وانتهى الأمر.

من هنا ابتدأت مأساة العنف في الخطاب الإسلامي والدولة الإسلامية معاً، ومن هذا المنطلق الغائم لمفهوم السلطة وآلية الوصول إليها، وبالتالي حتى آلية عملها وغنيمتها، اندفع المتنافسون عليها إلى العنف، وتسخير النص الديني المقدس تفسيراً وتأويلاً ووضعاً أو انتحالاً خدمة لشرعنة هذه السلطة والحفاظ عليها، وبإسم ذلك رفع السيف وانتُهكت الأعراض وحُرقت المقدسات.

استلم أبو بكر الخلافة، فكانت الردّة عن الإسلام من بعض القبائل التي دخلت الإسلام بحد السيف، حيث كانت العصبية القبلية وروح الزعامة في أوجها، ولم يستطع الإسلام حتى التخفيف من غلوائها (ولن يستطع) رغم محاربته لها، فراحت هذه القبائل بزعمائها يحسدون قريش على زعامتها الدينية، هذا اضافة للخلافات بين المهاجرين والأنصار على هذه الخلافة، ثم لموقف اليهود وتحريضهم على الخلافة الإسلامية. هذا مع ظهور عدد ممن ادعى النبوة بعد وفاة الرسول وراحوا يبشرون بدعواتهم مثل: مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي في اليمن، وطليحة بن خويلد في غطفان.

إن الملفت في أمر السلطة هنا، أن أبا بكر قد أرسل كُتباً للقبائل المرتدة يطالبهم بالعودة إلى الإسلام، وإن رفضوا العودة، سيمارس بحقهم كل أساليب (العنف) من قتل وحرق وسبي لنسائهم وذراريهم، وأنه سيجبرهم على دفع ما كانوا يؤدونه للرسول من (ضريبة)، حتى ولو كان ثمن عقال بعير. والمؤسف أن هذا الوعد نفذ، وكان من أبز ضحاياه مقتل (مالك بن نويرة) وأخذ زوجته زوجة لخالد بن الوليد (سيف الله المسلول)، بعد أن أغراه جمالها، فكان هذا الجمال بقعة سوداء في تاريخ حروب الردّة.

انتقل أبو بكر إلى جوار ربه، وتذكر بعض المصادر أنه مات مسموماً، وبموت أو مقتل أبي بكر استلم عمر الخلافة بأمر من الخليفة أبي بكر قبل رحيله، دون قيد أو شرط. كان رجلاً عادلاً أعز الله به الإسلام، وكان أول خليفة يستخدم العقل في فتح النص الديني على كل مقاصده ونظمه وأحكامه، فقرأه قراءة تعمل على مجاراة الواقع ومستجداته، فكان له مواقف عقلانية مشرفة في ذلك، كموقفه من السرقة في عام الرمادة، وكذلك موقفه من المؤلفة قلوبهم، وأراض سواد العراق. ونتيجة مواقفه هذه وخاصة الايجابية منها تجاه الفقراء والمحرومين، وحرمان المؤلفة قلوبهم من الزعماء وشيوخ القبائل من حصتهم في الغنائم التي كانت تعطى لهم لشراء ضمائرهم حتى لا يرتدوا عن الإسلام، ثم لعدم توزيع أراضي سواد العراق المفتوحة على المقاتلين وتجار الحروب، وغيرها من مواقف اتخذها عمر ضد حركة وتنقل أغنياء قريش، ألب عليه المؤلفة قلوبهم وتجار الحروب الذين شكلوا طبقة غنية واسعة الثراء، فكانت النتيجة قتله على يد رجل مستعبد لاحول له. وقبل موته كلف ستة من الصحابة في اختيار الخليفة بعده، وبعد أن رفض تكليف ابنه عندما أشار إليه بعض انتهازي السياسة تكليفه إذ رد عليهم قائلاً: (يكفي آل الخطاب واحد يتحمل وزر هذه الأمة).
استلم عثمان بن عفان الخلافة، فقرب من حاربهم عمر ومنع مغادرتهم المدينة.. ووزع الأطيان والأموال على أهله وأصحابه، وتصرف ببيت مال المسلمين على هواه، حتى وصُف في كتب التاريخ بأنه (وضع أسناناً من ذهب) كناية على ثرائه، (وهو ثري في الأصل)، ولتبذيره وتصرفه بأموال المسلمين، الأمر الذي أغضب الفقراء والمحرومين، ومن وجد في غضبهم من المعارضة مصلحة سياسية... فطلبوا منه التخلي عن الخلافة أو القتل.. فقال رافضاً طلبهم : (هذا قميص ألبسني الله لي فلن أتخلى عنه)، وهو بذلك أول من جعل من السلطة تفويضاً إلهياً ... حُوصر في منزله وراح يقرأ القرآن.. لم تنفعه قراءته له ولم تحميه... قتله الفقراء ومن كان يقودهم من المعارضة.

بُويع علي بن ابي طالب، فوجد في المعارضة بعض المتطرفين ممن حرضوا على عثمان وراح يقول بأحقية علي بها، بل تجاوز الأمر ذلك مع "عبد الله بن سبأ" الذي راح يبشر بمذهب الوصاية، أي أن علي وصي محمد، وأنه خاتم الأوصياء بعد محمد خاتم النبيين، واتهم أبا بكر وعمر وعثمان بالتعدي على حق علي بالخلافة، كما روج بين المسلمين يومها نظرية (الحق الإلهي) التي أخذها عن الفرس، والتي تعني في هذا الموضع أن علياً يستمد حكمه من الله. (2). وهذا ما ألب خصوم علي عليه فوجدوا في هذا القول كفراً وخروجاً عن الدين الذي بشر به محمد، بل هذا الموقف ذاته من السبئي أغضب علي نفسه وأمر بقتله.

ابتدأت المعارضة المسلحة لخلافة علي مع عائشة وحرب الجمل، حيث كان طموح الزبيرين في هذه الخلافة، وتحريض آل الحكم من البيت الأموي وراء قيامها.. انتصر علي وصحبه في هذه الحرب، وإن كان طموح الزبيرين في الخلافة قد هدأ قليلاً بعد صفين، إلا أن طموح البيت الأموي صعد مع معاوية.

كان معاوية والياً على الشام، وقد حركته شهوة البيت السفياني للسلطة التي لم تطفئها عقيدة الإسلام، فالدماء الزقاء لم تزل تتدفق بقوة في عروقه وعروق البيت السفياني.. وقف معاوية ضد خلافة علي ورفض مبايعته، متهماً إياه بدم عثمان الذي تحول قميصه الملطخ بالدماء إلى راية للمعارضة الأموية، هذه المعارضة التي وجدت في قول علي ووعيده بحق من استفاد من خلافة عثمان، تهديداً لها، حيث جاء في تهديده: (ألا أن كل قطعة اقتطها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شيء ولو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء وفُرق في البلدان، لرددته إلى حاله، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق.). (3). أمام هذا القول لعلي كان الضيق أولاً على معاوية الذي وجد في علي تهديداً مباشراً له ولكل من حاباه عثمان من الأمويين. فكانت صفين ولعبة التحكيم بين أبي موسى الأشعري في سذاجته، أو موالاته لمعاوية غير المعلنة، وبين عمر بن العاص بحنكته ودهائه، وبعورته التي لم تزل تقبح وجه التاريخ... رفعت المصاحف، فكانت الطامة الكبرى على الإسلام والمسلمين معاً، حيث شُرعنة السياسية، وراح يُؤكد من جديدي هنا توظف الدين فيها كما وظفت في السقيفة. فقال علي قولته المشهورة : (القرآن حمال أوجه.).

مع صفين انفصل قسم من المقاتلين عن علي ومعاوية، وكانوا الخوارج، الذين وجدوا في صراع علي وماوية صراع بيوت قبيلة قرشي بين بعضهم على السلطة، وبالتالي هي حرب ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل.

ومع ظهور الخوارج قُتل علي، واستلم معاوية السلطة، وأكدها ثانية بعد عثمان كحق إلهي يمنحه الله لمن يشاء ويمنعه عن من يشاء. وقبل موته وهو على فرش الموت اجتمع حوله الولاة، فوقف أول انتهازي سياسي في الدولة الإسلامي وهو "يزيد بن المقفع" وكان والياً على شرق الأردن ليقول للولاة بحضور معاوية: (أمير المؤمنين هذا،- وأشار إلى معاوية- وإن مات هذا فهذا- وأشار إلى يزيد- وإن مات هذا فهذا، - وأشار إلى السيف.). فُسر معاوية من قوله وقال له: (تعال واجلس إلى جانبي فإنك والله خير المتكلمين). ويكون يزيد بن المقفع بقوله هذا قد أسس ومعاوية معاً للحكم الوراثي، واستخدام العنف بحق كل معارض. وهذا ما كان فعلاً بعد تولي يزيد السلطة حيث سالت الدماء دون حساب في عاشوراء، حيث نكل بالحسين وآل البيت العلوي من بعده، كما سالت الدماء وانتهكت بكارات العذارى في حراء، تلك المعركة التي نال فيها أهل المدينة الذين عارضوا خلافته وخلافة أبيه قبله، مالم تنله معارضة في تاريخ الدولة الإسلامية، حيث تذكر المصادر بأن آلاف النساء العذارى قد فكت بكارتهن، وقتل آلاف الرجال وسلبت أموالهم ودمرت بيوتهم، وقد تجلت في هذه المعركة الروح القبلية الثأرية التي دعا الإسلام إلى تجاوزها، فهذا قائد يزيد بن معاوية "مسلم بن قبة" في حملة (حراء) ينشد بعد انتصاره على أهل المدينة من الأنصار قائلاً:

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع السل

ثم جاءت بعد ذلك غزوة مكة في عهد عبد الملك بن مروان، ضد معارضي حكمه وعلى رأسهم "عبد الله بن الزبير" الذي قام بصلبه وحرق الكعبة ذاتها. ثم استوى بعد قتل الزبير على عرش الخلافة وقال: (من يقل لي بعد اليوم اتق الله سأقطع رأسه بهذا السيف.).

من هنا ابتدأ العنف المسلح بين السلطة والمعارضة، ومن هنا راح الطرفان يتخذان من الدين ونصه المقدس (القرآن والحديث) ذريعة أو حجة لشرعنة ما يمارسونه من عنف بحق بعضهم البعض. ومن هنا انشق الإسلام عقيدة وتشريعا بين إسلام جبري وآخر قدري، وعادت القبلية وعصبياتها تظهر على الساحة السياسية بين الأمويين والهاشميين (العلويين والعباسيين) من البيت القرشي بكل عنفها وجبروتها. ومن هناك تَدخل الأعاجم في السلطة وكانت الفرق والطوائف والمذاهب التي تقول كل واحدة منها بأنها وحدها الفرقة الناجية وما عداها كفرة وزنادقة، وراحت تشكل محاكم التفتيش وما يرافقها من عنف لقتل الناس على الهوية السياسية أو المذهبية أو الطائفية.

التأصيل التاريخي للفاشية في الدولة الإسلامية: ظهور الخوارج:

بعد التحكيم في صفين، انشق فريق من المقاتلين الذين وجدوا في الصراع بين علي ومعاوية صراع عشيرة وقبيلة على السلطة، وهم ليسوا أكثر من أدوات فيها، واعتصموا بعد انشقاقهم في منطقة (حروراء) قرب الكوفة ونادوا بأن تكون الخلافة شورى، والبيعة لله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسموا منذ ذلك اليوم بالخوارج.(4). وبناءً على هذا الموقف السياسي والعقيدي راح الخوارج بعد أن استفحل أمرهم وتبلور موقفهم السياسي والعقيدي ينظرون إلى غيرهم من المسلمين كفاراً تُستحل دماؤهم وأموالهم معتمدين في موقفهم هذا على الكثير من الآيات المدنيات والأحاديث التي تبرر قتل الكفار. وهم هنا يتطابقون في الحقيقة مع العقلية اليهودية التي رسمتها مبادئ (التلموذ).(5). أما أهم هذه الآيات والأحاديث التي اعتمدوا عليها في موقفهم هذا فهي، كقوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا). (النساء- 89). وقوله تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27). (سورة نوح). وقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). البقرة – 39).

أما في الحديث فقد اعتمدوا على قول الرسول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله .).رواه أبو هريرة. عن الصحيحين – مسلم والبخاري.

وقبل أن نناقش دلالات وأبعاد هذه النصوص المقدسة الداعية للقتال، دعونا نقف عند هؤلاء الخوارج كأول فرقة إسلامية مارست القتل بطريقة فاشية على المختلف معها فكراً وممارسة من خلال اعتمادهم على النص المقدس، ووفقاً لما فسروه أو أولوه لهذا النص. هذا وقد تفرق الخوارج إلى فرق وشيع كان أهمها: الأزارقة، نسبة إلى عبد الله بن الأزرق- والصفوية- نسبة إلى عبد الله بن الصفار السعدي- والإباضية – نسبة إلى عبد الله بن إباض- والبيهسية- نسبة إلى حنظلة بن بهيس- والرسيّة- نسبة إلى عبد الله بن وهب الرسي. وهناك أيضاً النجدية نسبة إلى نجت بن عامر...

أما أهم أهدافهم ومبادئهم بعد أن نصبوا من أنفسهم دعاة حق وعدل، ومدافعين عن الفقراء والمستضعفين، وحرباً على المستبدين الطاغين.

أولاً: اعتبار الخلافة حق لكل عربي حر، ثم تجاوزوا هذا الشرط وقالوا هي حق لكل مسلم ، وإذا جار استحلوا عزله أو قتله عند اقتضاء الضرورة ذلك.

ثانياً: رسموا الدور الذي يحب أن يقوم به الحاكم وهو إقامة العدل بين الناس، وتقسيم الفيء على الرعية حتى لا يستأثر به أحد، والمساواة بين الناس في الأرزاق، وتأمين حاجات العامة، وإفداء الأسير ومجاهدة العدو.

ثالثاً: أما بالنسبة لرؤيتهم في مسأة الايمان، فقد قالوا بأن العمل بأوامر الدين من صلاة وصوم وصدق وعدل تعتبر جزءاً من الإيمان، وليس الإيمان الاعتقاد بالله ورسوله ورسالته، فمن اعتقد أن لا إله إلا الله ثم لم يعمل بما فرضه الدين وارتكب الكبائر فهو كافر.

رابعاً: لقد كانوا قساة مع من يخالفهم رؤيتهم في العقيدة وأمر السياسة، ورحماء مع المشركين. لقد كانوا يأتون أفظع المنكرات وأكبر الكبائر كأنهم لا يدينون بإله ولا يعرفون شفقة. لقد قال صاحب أحد فرقهم وهو نافع: بأنه لا يحل لأصحابه المؤمنين أن يجيبوا أحدا من غيرهم إذا دعاهم للصلاة، ولا أن يأكلوا ذبائحهم، ولا يتزوجوا منهم، وهم في نظره مثل كفار العرب وعبدة الأوثان. وقال عن بلادهم هي بلاد حرب ويحل قتالهم وقتل أطفالهم ونسائهم لأنهم كانوا يعتقدون أن أطفال مخالفيهم مشركون، وأنهم مخلدون في النار.

خامساً: كما كان الأزارقة لا يجيزون التقية، وكانوا يستحلون الغدر بمن خالفهم، ويكفرون القعدة عن القتال ممن هم على رأيهم، وأوجبوا امتحان من ينضمون إليهم بتكليفهم بقتل أحد أسراهم، فإن قتله صدقوه، وإن مانع قالوا عنه منافقاً وقتلوه.

سادساً: أسقطوا الرجم عن الزاني المحصن لعدم ورود نص، وكذلك على من قذف الرجل المحصن، ولكنهم أقاموا الحد على المحصنات من النساء. (6).

تعتبر بقية تياراتهم تنوس بين قبول هذه المبادئ أو رفضها أو تعديلها أو الإضافة إليها.

إن مشكلة الخوارج وكل من آمن بهذه الدرجة من العنف سابقاً ولاحقاً، هي اعتمادهم على الآيات القرآنية والأحاديث المتعلقة بجهاد الكفار التي جئنا على بعضها في موقع سابق، حيث اعتمدوا هنا في تفسيرهم أو تأويلهم لهذه الآيات ثم العمل على تطبيقها بناء على القاعدة الفقهية التي تقول بضرورة الأخذ بعموم اللفظ بدل النظر بخصوص السبب. وهذا ما أدخلهم كما أدخل غيرهم ممن آمن بالعنف ضد المختلف/ الكافر، منطلقين من فهمهم الخاص لطبيعة الكافر وماهيته. أي منطلقين من فهمهم هم لمعنى الكفر الذي راحت تهمته تنال كل مخالف لهم أو لمصالحهم تحت ذريعة أنهم يخالفون تعاليم الدين الصحيح، بالرغم من اختلاف الأولين من الصحابة أنفسهم في تفسيره أو تأويله أو حتى الخوض فيه. لا سيما وأن هذا النص المقدس، أي النص القرآني قد جمع بعد أربعة عقود ونيف من وفاة الرسول. وإن الرسول نفسه لم يأمر بجمعه، وكان يقول في تعدد وجوه آيات القرآن : (القرآن ذلول ذو وجوه محتملة، فاحملوه على أحسن وجه).(7). وهذا الحديث يأتي مستنداً إلى الآية القرآنية التي تقول: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.). (آل عمران- 7).

ومن الآيات المتشابهات التي بررت مسألة القتل، نأخذ مثالاً على ذلك الآية التي ذكرناها اعلاه وهي : (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا .) النساء- 89. في الوقت الذي نجد فيه آيات تقول عكس ذلك تماماً، كالآية التالية التي تقول دلالاتها إن من يحاسب الكافر هو الله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.). التوبة -129. أو الآية القائلة : (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون.). النحل -101.

ربما يعلق البعض ويقول إن هناك آيات نسخت كقولهم في الآية الخامسة من صورة التوبة : (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). التوبة - 5). إذ أن هذه الآية قد نسخت برأيهم خمس مائة آية من الآيات المكيات. وهذا القول أي قول الناسخ والمنسوخ قضية إشكالية لا يحق لأي كان أن ينسخ على هواه ويقول كما يقول أبو حامد الغزالي إن الحديث ينسخ القرآن والقرآن ينسخ الحديث. علماً أن هناك مئات الآلاف من الأحاديث الموضوعة، وأبو حامد نفسه اعتمد على أكثر من ألف حديث ضعيف. إن النسخ يتم من قبل الله وحده وهو القائل: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مقتر بل أكثرهم لا يعلمون.). النحل-111. لذلك نؤكد بأن النسخ من حق الله وحده، والله أكد في القرآن ورود الآيات المتشابهات، وقال إن من في قلوبهم زيغ هم من يفسروها ويؤولوها كما يشتهون خدمة لمصالحهم الأنانية الضيقة. وبالتالي فإن كل الأحاديث اتي تقر بالقتال الواردة على لسان الرسول إن لم ينظر في خصوصية سببها، فهي موضوعة وتناقض قول الرسول ذاته وهو من قال : كما جاء عند مسلم والبخاري والترمذي : (لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني غير ذلك فاليمحه.). وهو القائل أيضاً : ("كل شيء مردود إلى كتاب الله والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف".). (من كتاب روضة الواعظين).
على العموم نود أن نقف هنا في ختام حديثنا عن هذه المسألة وخاصة فيما يتعلق بالتفسير والتأويل عند آراء بعض المشايخ وهي على درجة عالية من الأهمية.

ذكر القاضي أبو بكر العربي في كتابه (قانون التأويل): (إن علوم القرآن خمسون علماً وأربعمائة وسبعة وسبعين ألف علم، على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة ثم يتابع حديثه: لكل آية ستون ألف فهم وما بقي منها أكثر. فلكل كلمة حد وظاهر وباطن ومطلع.). (9). هذا مع تأكيدنا هنا أن هذا القول سلاح ذو حدين، ففي الوقت الذي نستطيع توظيفه ضد من يحاول أن يفسر النص أو يؤوله على هواه، هو سلاح أيضاً بيد القوى السلفية التي تريد إيقاف باب الاجتهاد، وإيقاف حركة الزمن عند القرون الهجرية الثلاثة الأولى. كما نود أن نذكر هنا قول عبيدة بن قيس الكوفي المتوفى سنة اثنان وسبعون للهجرة من أصحاب ابن مسعود عن سبب نزول بعض آيات القرآن حيث قال :

(عليك باتقاء الله والسداد، فقد ذهب الذين كانوا يعلمون فيما نزل القرآن.). (10). وقد روي عن أحمد بن حنبل قوله: (ثلاثة أشياء لا أصل لها، التفسير والملاحم والمغازي.(11). وإذا كان ابن حنبل لا يعتبر للمغازي أصلاً وهي جرت في زمن الرسول، فكيف يقول إن (الحديث الضعيف عندي أهم من الرأي.)؟. أعتقد أن هذه المسألة فيها نظر. وهذا الشعيبي يقول في الاتجاه نفسه: (ثلاثة لا أقول فيهن حتى أموت، القرآن والروح، والرأي.).(12). أما الأصمعي فكان شديد الاحتراز في تفسير القرآن والسنة، وإذا سئل قال: (قالت العرب معنى هذا كذا ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنة أي شيء.). (13.).

وبناءً على كل ذلك، فإن اعتماد حاكمية الخوارج ومن جاء بعدهم من القوى السلفية الجهادية المعاصرة على الآيات والأحاديث الدالة على القتل وتقطيع الأوصال للمختلف تحت ذريعة الفرقة الناجية، ومصادرة حق تفسير وتأويل القرآن كما يريدون، هو أمر يخالف قول نص الآية التي تقول: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). الأنبياء- 107). ويخالف نص الآية القائلة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.). سبأ 28. وغير ذلك من الآيات التي تقف ضد العنف وإجبار الناس على اتخاذ الدين بالقوة. كما يدخل في هذا الاتجاه قول الرسول نفسه في حديثه المشهور : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فالرحمة والقيم الأخلاقية النبيلة لا تفرض بقوة السيف ولا بتكفير الآخر وقطع الرؤوس.

الحاكمية في الخطاب السلفي الجهادي المعاصر:

تُعتبر السلفية الجهادية المعاصرة فكراً وممارسة، امتداداً طبيعياً لتيار الخوارج، من حيث تفسيرهم للنص المقدس واتخاذهم هذا النص مرجعاً تشريعياً وحيداً في إدارة حياة الفرد والمجتمع والدولة، مع اختلاف ظرفي الزمان والمكان لوجود كل منهما. فالعقلية التي تقوم بتفسير النص المقدس وتأويله بروح وثوقيه جامدة تؤمن بتكفير المختلف ومحاربته، وبالتالي العمل على لي عنق الواقع بحد السيف كي ينسجم مع رؤيتهم الدينية التي ترفض الاجتهاد، والبحث في النص المقدس عن المخزون الدلالي ونظمه ومقاصده وأهدافه الإنسانية الداعية إلى الرحمة والمحبة وتنمية حياة الإنسان، والسعي لتحقيق مقاصد الرسالة الدينة الحقيقية التي أرادها الله وبشر بها الرسول. بل إن هذه السلفية المعاصرة أمام مفاسد الواقع المتنامية ازدادت تمسكاً في وثوقيتها وسكونتيها، الأمر الذي ساهم بدوره في زيادة التحدي لهذا الواقع من قبل هذه القوى السلفية التكفيرية وتمسكها أكثر بالنص المقدس وتفسيره وتأويله كما قدمه لنا السلف في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، أو بتعبير آخر رفضها الشديد للآخر المختلف وزندقته وتكفيره، واستخدام كل الوسائل العلمية والتكنولوجية الحديثة في محاربته وتدميره أو التنكيل به، كما نرى اليوم على يد فصائل القاعدة مثل داعش والنصرة وغيرهما. واعتبار الواقع المعيش واقعاً كافراً لابد من تدميره وإعادة بنائه من جديد وفقاً لمتطلبات فهمهم وتفسيرهم للنص المقدس وحاكميته.

يعتبر "أبو الأعلى المودودي" المؤسس الرئيس لفكرة الحاكمية بصيغتها المعاصرة التي تمثلها الحركات الإسلامية الأصولية الجهادية، والمؤسس أيضاً للممارسة العنف ضد المختلف أفراداً ومؤسسات، وخاصة بعد أن وجد دعاة هذا التيار الجهادي السلفي في الدول العربية والإسلامية أنظمة شمولية وضعية استبدادية تدعي العلمانية، في الوقت الذي تنافق فيه كثيراً للدين والمتدينين، كما تدعي هذه الأنظمة بأنها هي وحدها من يمثل الدين الصحيح، في الوقت الذي تقوم فيه بممارسة الفساد من القاعدة على القمة، وتعمل على ظلم الرعية الذين لم يصلوا بعد إلى درجة المواطنين في دولهم، تحت شعارات دستورية براقة تقول بدولة المؤسسات والمواطنة ودولة القانون والديمقراطية وحرية الرأي والصحافة وتحرير المرأة وغير ذلك. الأمر الذي وجدت فيه هذه القوى السلفية الجهادية المجال الواسع للتبشير بأفكارها واستقطاب الأعداد الكبيرة من الناس الذين لم يزل الوعي الديني الفقهي الشفهي يهيمن على حيز واسع من تفكرهم، وذلك عبر التبشير من قبل دعاة راحوا يستخدمون كل الوسائل المتاحة من تلفاز وصحافة ومواقع الكترونية وأشرطة تسجيل، بساعدهم في هذا العمل التبشيري القوى والأنظمة السياسية الشمولية، كونها وجدت في هذا العمل التبشيري خير وسيلة لتجهل الناس وإقصاء عقولهم عن مشاكلهم الأساسية ومعاناتهم، بغية إقناعهم بأن كل ما يعيشونه من قهر وظلم واستلاب وجهل وتخلف، لا دخل للأنظمة الحاكمة به، وإنما مرده إلى قدر محتوم لا مناص لهم منه إلا بالعودة إلى الدين والدعاء لله كيف يرفع الغمة عنهم. هذا في الوقت الذي راحت فيه هذه القوى السلفية الجهادية تعمل في التوازي سراً على التبشير أيضاً بدولة الخلافة وحاكميتها التي ستحقق العدل والمساواة بين الرعية.

يقول أبو الأعلى المودودي في معرض تعريفه للجهاد: (الجهاد كلمة تشمل جميع أنواع السعي وبذل الجهد من أجل تغيير وجهات نظر الناس وتبديل ميولهم ونزعاتهم، وإحداث انقلاب عقلي وفكري بواسطة الكلمة وحد السيف من أجل القضاء على الحياة القائمة .. على نظام الحكم السابق الذي أسس نظام حكمه على غير قواعد الإسلام واستئصال شأفتها، وتأسيس نظام جديد على قواعد العدل، وهذه أصناف الجهاد.). (14). أما فهمه للحاكمية التي بنت عليها كل التيارات السلفية الإسلامية ومنها الجهادية مشروعها فهو: (ليس لفرد أو أسرة أو لطبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية، فالحاكم الحقيقي هو الله. وليس لأحد من دون الله حق التشريع، والمسلمون جميعاً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً لا يستطيعون أن يشرعوا قانوناً أو تغيير شيئاً من شرع الله. إن الدولة الإسلامية لا يُؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون الذي جاء به النبي من عند ربه، مهما تغيرت الظروف والأحوال والحكومات. لأن الدستور الإلهي سرمدي لا تغيير فيه ولا تبديل، فقد كتب له أن يبقى ثابتاً واضحاً إلى يوم القيامة.).(15). ثم يقول في موقع آخر عن الدولة غير الإسلامية: (كل دولة مؤسسة على فكرة غير فكرة الإسلام، يقاومها الإسلام ويريد القضاء عليها قضاءً مبرماً، ولا يعنيه الإسلام في شيء بهذا الصدد أمر البلاد التي قامت بها الحكومة غير المرضية أو الأمة التي ينتمي إليها القائمون بأمرها.).(16). وهذا الموقف ذاته نجده عند كل القوى الجهادية في عالمنا العربي وخاصة تنظيم (الإخوان المسلمون). ويأتي هذا الموقف المشدد تجاه الفرد والمجتمع والدولة واضحاً لدى سيد قطب في كتابه (معالم على الطريق)، الذي يعتر الكتاب المؤصل للسلفية الجهادية في عالمنا العربي بعد كتابات المودودي، كما نجده عند مؤسس حركة الإخوان حسن البنا الذي يقول : (علينا ان نقف عند هذه الحدود الربانية، حتى لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا به الله. ولا يكون عصرنا بلون لا يتفق معه.). (17).

يستوقفني هنا موقف فكري للحاخام اليهودي المقتول "مئير سهاته"، يشير فيه إلى تلك العقلية الوثوقية اليهودية تجاه مستجدات الحياة المدنية المعاصرة بما تحمله هذه الحياة من مشاريع تدعوا إلى حرية الإنسان وامتلاكه مصير نفسه، وتحديد أسس مشاركته في بناء دولته ومجتمعه على الطريقة التي تؤمن له إنسانيته، وخاصة موقفه من الديمقراطية والعلمانية ودولة المؤسسات: حيث يقول "سهاته": (لا حاجة لوجود دستور لأن التوراة هي الدستور، ولا حاجة لوجود برلمان لأن السلطة العليا هي للحاخامية، ويجب أن يهتم البرلمان بالسجون والجيش. - ثم يتابع – في دولة التوراة لاوجود لحرية الكلام ، ولا حرية للفرد في مخالفة تعاليم (الهالاخاه – الشريعة الدينية المتعلقة بالأحوال الشخصية.). إن الديمقراطية تغذي الكذب والغش وكل ما هو خاطئ ومريض في الطبيعة الإنسانية.).(18).

إن هذا الموقف السلفي الوثوقي المعادي لحرية الإنسان يتمثله أيضاً التيار الإسلامي الجهادي السلفي المعاصر، كما تمثل الخوارج قواعد التلمود. لقد جاء في المنطلقات الفكرية لحزب التحرير الإسلامي السوداني ما يؤكد هذه النظرة التي أدلى بها الحاخام "سهاته): (لا يسمح بمفهوم الديمقراطية في الدولة الإسلامية لأنه غير منبثق عنها.. ولا حمل للبشر في وضع أحكام لتنظيم علاقات الناس أو تخييرهم على اتباع قواعد أو أحكام غير ما تبناه الخليفة أو الإمام، فهو نافذ ويرفع الخلاف.). (19). أما موقف "سيد قطب" من العلمانية فقد جاء فيه:(إن العلمانية تسعى إلى حصر الدين الإسلامي في دائرة الاعتقاد الوجداني والشعائر التعبدية، وكفه عن التدخل في الحياة الواقعية، ومنعه من الهيمنة على كل نشاط واقعي للحياة البشرية كما هي طبيعته، هذه الطبيعة التي تمتاز بخصائص تغضب الصليبية العالمية والصهيونية العالمية وتدفع كل المعسكرات المتخاصمة للالتقاء على الخوف من البعث الإسلامي الوشيك الذي تحميه طبيعة الإسلام ...إن الجماهير تنظر إلى الإسلام كمخلص لها على قاعدة المنهج الرباني، عن علم بدل الجهل، وكمال بدل النقص، وقدرة بدل الضعف، وحكمة بدل الهوى.).(20). أما الشيخ القرضاوي أحد أعمدة تنظير الفكر السلفي الإخواني حيث يقول عن العلمانية: (إن الدعوة إلى العلمانية بين المسلمين معناها الالحاد والمروق على الإسلام.).(21).
هكذا إذا يفهم الدين بنصوصه المقدسة عند هذه القوى السلفية الجهادية، على أن "الواقع للدين وليس الدين للواقع" كما يقول سيد قطب في كتابه معالم في الطريق. وعلى هذا الفهم يجب أن يتهيكل الواقع دائماً بكل ما فيه من قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وفقاً لمفهوم التيارات الإسلامية الجهادية، أو الفرقة الناجية كما تفهم الدين وتفسره أو تؤوله.

ملاك القول : إن التيارات الجهادية السلفية التكفيرية المعاصرة في موقفها هذا من الدين والدنيا ، ترتكز على جملة من المعطيات الفكرية والمنهجية أهمها:

1- العودة دائما إلى الأصول كما حددها فقهاء السلف الصالح حتى القرن الثالث للهجرة، حيث تعتبر هذه الأصول هي النبع الصافي الذي علينا دائماً أن نستقي منه طريقة حياتنا وسبل نجاتنا.

2- النظر إلى البيئة الاجتماعية وفق منظور ديني عقيدي "(مؤمن كافر زنديق .. مع غياب كامل لمفهوم المواطنة.

3- النظرة الريبة دائماً لأصاحب الديانات الأخرى، ولكل الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة معها في الفهم الديني، على أنهم كفار.

4- احتقار المرأة وعملها، واعتبارها ضلعاً قاصراً وكلها عورة، وقد خلقها الله لتربية الأولاد وتامين حاجات الرجل الغريزية والبيتية.

5- رفض كل الفكر الوضعي الذي تتبناه الدولة الحديثة وكل قوانين مؤسساتها الوضعية، واعتبارها مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه، وبالتالي فأي دولة لا تتبنى حاكمية الإسلام (تشريعه)، هي دولة كافرة يجب ان تقاتل وتدمر.

6- التمسك بسلوكيات السلف الصالح بكل تفاصيلها، من حيث اللباس للرجل والمرأة، مثل تطويل الدقن وحف الشارب، ولبس الدرع والجلباب للمرأة، وتصل مسألة التمسك بقيم السلف حتى إلى رفض استخدام التكنولوجيا الحديثة كالتلفاز وغيره.

في مواجهة هذه القوى السلفية الجهادية الوثوقية التكفيرية، تقف أنظمة شمولية أصولية بلبوس معاصر، بغض النظر عما تحمل هذه الأنظمة أو أحزابها من أيديولوجيات ليبرالية أو اشتراكية أو قومية تدعي العلمانية والديمقراطية ودولة المواطنة والمؤسسات أو القانون، وهي بعيدة من الناحية العملية عن كل هذه القيم والمبادئ التي تدعيها. وغالباً ما تزايد هذه الأنظمة أيضاً على القوى الإسلامية ذاتها في تبنيها للدين الذي تعتبر نفسها هي الوحيدة التي تمثل وجهه الدين الصحيح من جهة، مثلما تعتبر نفسها وهي وحدها من يمثل العلمانية والديمقراطية من جهة اخرى، في الوقت الذي نجدها فيه تمارس العنف والقمع والعنف تجاه المختلف معها من يمين ويسار ومعتدل، تحت ذريعة الخيانة للوطن والارتباط بالمستعمر والصهيونية والتآمر على سلامة الوطن والمواطن.

د. عدنان عويّد - كاتب وباحت من ديرالزور- سورية

.......................

المراجع:

1- حمد سعيد الموعد- الأسلمة المعاصرة – قضايا وآفاق- دمشق- دار حطين – 1994- ص153 وما بعد.

2-حسن ابراهيم حسن- تاريخ الإسلام- دار الجيل- بيروت- 1991- ج1- ص 294و295. باعتماده على الطبري ج5-ص 70و71و72.

3- الدين في المجتمع العربي – (ندوة) – مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت – 1990- ص 208

4- - حسن ابراهيم حسن- تاريخ الإسلام- دار الجيل- بيروت- 1991- ج1- ص307.

5 - حسن ابراهيم حسن- المرجع نفسه- ص- 309.

6- - للاستزادة في هذا الموضوع يراجع –حسن ابراهيم حسن –المرجع السابق –ص 317 وما بعذ. كذلك يراجع أيضاً- أحمد أمين فجر الإسلام – دار الكتاب العربي- بيروت – 1969 -ص256 وما بعد.

7- النهج – مركز الدراسات والأبحاث الاشتراكية في العالم العربي- دمشق- العدد 9- لعام – 1997- ص-177.

8- عن الزركشي- النهج – المرجع السابق- ص-177

9 - النهج – المرجع السابق- ص- 179

10- حسن ابراهيم حسن- المرجع السابق- ص41

11- حسن ابراهيم حسن- المرجع نفسه- 410.

12- ضحى الإسلام- ص144.

13- ضحى الإسلام –ص 144.

14- أحمد سعيد الموعد- الأسلمة المعاصرة قضايا وآفاق- دار حطين- دمشق- 1994- ص174.

15- الأسلمة المعاصرة – مرجع سابق. ص 189.

16- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه- ص 193.

17- الأسلمة المعاصرة. ص161.

18- الأسلمة المعاصرة – مرجع سابق. ص – 188.

19- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه- ص 189.

20- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه- ص 299.

21- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه –ص 199.

مهدي الصافيان الفكر الحديث المتطور هو الذي يقدم الافكار والاراء والاطروحات المختلفة بطريقة علمية مختصرة تماشيا مع روح العصر الالكتروني، لهذا نحن لسنا معنيين بتقديم شرح مطول عن اسس وبدايات نشوء عقيدة الامامة او الاجتهاد، انما بما تمخض عن نتائج مانطلق عليه انحراف العقائد عند الحركات الاسلامية والطقوسيين الشيعة (وكذلك السنة والجماعة) .

بادئ الامر لابد ان نشرح لماذا اعتبرنا ان الاجتهاد عقيدة، او بالاحرى هي اخطر العقائد في الاسلام بعد وفاة الرسول محمد ص، اذ تحول رجل الدين الفقيه او المرجع او الدجال احيانا الى وكيل مطلق لله عزوجل على جماعته او اتباعه او طائفته، او عموم عباد الله المسلمين، يحلل ويحرم ويفتي وفقا لرؤيته وقناعاته الشخصية التي يربطها بما يسمى الاحكام المستنبطة، هذا الامر لايقتصرعلى المذاهب والفرق الشيعية، انما على جميع المذاهب الاسلامية (التي تنكر باب الاجتهاد او المؤيدة له)، فهي تعمل بالاجتهاد ضمنا، وان انكرت ذلك (حيث تعد اخطر تلك المذاهب على الاطلاق هي الحركات الارهابية السلفية من الوهابية، والدواعش، وجماعة اخوان المسلمين، فهي نتاج ظاهرة الخوارج والاجتهاد في الاسلام)،

فالاجتهاد يعد بمثابة العقيدة الرئيسية المتناقضة احيانا، اي يمكن ان تجد فيها فيها الاراء الباطنية الشخصية، وكذلك الرؤية والمعتقدات والاسس الظاهرة للمجتمع، مع انها مشتقة او نابعة من بقية العقائد، وهنا تكمن اغلب ان لم تكن جميع مشاكل المسلمين، وهي عقيدة الاجتهاد الفردي الشخصي ( اي خارج اطار العمل المؤسساتي او الاستشاري العلمي، او حتى التفسبر القراني العقلي والمنطقي) .

مرة اخرى نؤكد ان الغاية والهدف من هذا الرأي لايتعلق ولايستهدف اثبات او نفي او نقد تلك العقائد، انما هي فقط عبارة عن تحليل علمي منطقي كما نعتقد لتوضيح اسباب توارث ظاهرة الانحراف العقائدي الكبير عند الاسلاميين، وبعض رجال الدين (او عند الفرق المغالية)، وشرح اسباب تراجع اهم المذاهب الاسلامية عقلانية واعتدالا، والذي كان يقارن بأراء المعتزلة وفلاسفة العقيدة والمنطق،

ولماذا تعرضت تلك العقائد المهمة عند الشيعة للتحريف المتزايد، المتجهة او المنحدرة بقوة نحو التقديس المفرط لكل الروايات المنقولة عن ال البيت ع، وجعلها بموازاة القران الكريم او السنة النبوية كما فعل السلفيين السنة، على يد مجموعة من المجتهدين او المدارس الطقوسية العبثية، فالاولى هي مدرسة القبول والتشجيع والاستحسان والتشريع لممارسة الشعائر والطقوس الدخيلة على الاسلام والمذهب (التي لاترد الاحاديث الخرافية والاساطير الطقوسية)، والثانية مدرسة الفكر الاسلامي السياسي الحركي الحاكم،

استغلت هاتين المدرستين الكم الهائل من الروايات والاجتهادات القديمة الغير موثقة، اوالتي لم تنال نصيبا جيدا من البحث والتدقيق والتحقيق التاريخي العلمي، حيث جاءت كنتيجة طبيعية لحالة الاضطهاد الذي تعرض له التشيع العلوي، فقد كان ممنوعا وملاحقا ومحاربا من قبل السلطات العباسية، ولم يسمح العمل به اوالافصاح عنه رسميا، لهذا انعدمت شروط واسباب التوثيق التاريخي المطلوبة لتصحيح هذا العدد الكبيرمن الروايات القابلة للزيادة دوما، بقيت مسالة تصديق او رد تلك الاحاديث المروية عن ال البيت ع راجعة الى عقلية المرجع او رجل الدين او المسلم الشيعي عموما، تماما كما حصل مع السنة النبوية، التي هي ايضا تعرضت للتحريف الكبير في عهد مايسمى الخلفاء الراشدين، وعلى طول تاريخ الدولتين الاموية والعباسية، ومن ثم تصاعدت وتيرة الاجتهادات الشخصية او المؤسساتية التقليدية المنبثقة منها او تلك التي جاءت بعدهم، (الحركات الصوفية، ورسائل اخوان الصفا، وعلماء الفقه والفلسفة والفلك، وبقية الاراء والفرق الاسلامية المتعددة)، حيث أدخل عليها مايطلق عليه بالاسرائيليات، وسنة السلف الصالح من الصحابة، مما سمح للنفوس الضعيفة من اتخاذها كوسيلة مريحة لفتح بيوتات او جماعات دينية تتوارث تلك البضاعة او التجارة المربحة (والفاسدة اخلاقيا وشرعيا)، وبالتالي انعكست سلبا على الاجيال المتعاقبة، حتى وصلت الامة الى طريق مسدود لامنفذ فيه، ولامنه الا بصعود ركب الحضارة الانسانية العالمية، او البقاء في نقطة اللاعودة حتى الانهيار والتحلل والاندثار،

ولكن نعتقد ان ارادة الله عزوجل اقوى من هؤلاء الفاسدين، بان يجعل في هذه الامة عقولا مستنيرة تنهض دائما بها عبرالفكر والعلم والاطروحات العقلانية السليمة...

عقيدة الامامة عقيدة طارئة على الاسلام، حصل الاجتهاد فيها بعد وفاة الامام الحسين ع او بطرح المدرسة الفقهية الجعفرية (الامام جعفر الصادق ع)، مع ان الالتباس حول احقية وضرورة خلافة ال البيت ع للرسول محمد ص، من انها تشريع الهي ملزم وفقا للاية الكريمة قال تعالى في سورة المائدة

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)

وكذلك ماورد في الحديث الصحيح عن اعلان الولاية للامام علي ع في غدير خم، او رواية الخلافة في قريش (الخ.)، هذه القضايا الخلافية تحولت بمرور الزمن الى عقائد متجذرة ومتصلبة، فالمذاهب السنية التي ترفض عقيدة الامامة، هي ذاتها مذاهب امامية متزمتة، تابعة لمؤسسي المذاهب، ولجميع الصحابة والخلفاء الراشدين، فقد اصبح ابو حنيفة، واحمد بن حنبل، والمالكية والشافعية ائمة في عرف اهل السنة، بل ذهبت الوهابية والحركات الاصولية السلفية الرافضة لفكرة الامامة عند الشيعة الى اعتبار كل ماورد عن الصحابة سنة، بمافيهم الطالح او الظالم والمنحرف من الخلفاء الامويين والعباسيين (وكذلك شارب الخمر، والدموي او السفاح) واعتبرت افعالهم وجرائم قطع رقاب المؤمنين والمعارضين والمخالفين والرافضين لظلمهم وانحرافاتهم سنة مارسها الدواعش وغيرهم من الحركات الارهابية الدموية المتوحشة، وهي حالة متطرفة واكثر تقديسا مما يعتقده الشيعة في ائمة ال البيت ع، الذين اتفق واجمع على تقواهم وورعهم وايمانهم وزهدهم المسلمين جميعا، لكننا نركز على حالة شاذة متوارثة في المذاهب الاسلامية، وصلت الى ذروة الانحراف عندما نجحت الثورة الاسلامية الايرانية في اسقاط نظام الشاه، واقامة ثالث اقوى نظام شيعي في التاريخ بعد الدولة البويهية والصفوية، ومن ثم تصاعدت حدة الخلاف بين المراجع الشيعة انفسهم، حول مفهوم وقواعد واسس اقامة النظام الاسلامي (في غياب الامام المعصوم، اي وفقا لعقيدة الغيبة للامام المهدي ع) الشيعي، وكذلك الاجتهاد الخاص بعقيدة ولاية الفقيه، وقد واجه قائد الثورة الايرانية السيد الخميني رحمه الله العديد من الخلافات بقوة مع بقية المراجع الايرانيين وغيرهم (ابرزها خلافات المرجع الشريعتمداري، والشيخ المنتظري، والسيد الخوئي، الخ.)،

الا ان سقوط نظام البعث في بغداد بعد٢٠٠٣، واستلام الحكم من قبل الحركات الاسلامية الشيعية والسنية، ودخول تلك الحركات والاحزاب الى معترك المحاصصة والتوافق والفساد السياسي مع بقية المكونات الاجتماعية، من الطوائف والاعراق الاثنيات الاخرى، واستلام حركة اخوان المسلمين الحكم في مصر بعد ثورات الربيع العربي، وبروز ظاهرة التجارة الدينية عبر الاستيلاء على الحكم بأستغلال العواطف والفطرة الشعبية السليمة، المندفعة والراغبة بالعيش في الدولة الاسلامية العادلة (وليست المتوحشة على شاكلة داعش او الفاسدة على غرارنموذج العراق)، وتصاعدة حدة الصراع الطائفي في سوريا، اتضح من خلال كل تلك الممارسات السلبية المفرطة والموغلة في الانحراف والفساد، ان الامرليس له علاقة باخلاق وتدين الافراد او رجال الدين، انما بالمنظومة الاخلاقية الاسلامية العامة، وبعقيدة الامامة او الاجتهاد،

ولعل الحالة اوالصورة الضبابية السابقة عن روابط علاقة التقوى والورع والتدين الظاهري مع افعال رجال الدين اثناء الاختبارات الحقيقية، اصبحت اكثر وضوحا بعد استلام السلطة، وزوال اغلب الاقنعة السوداء عن تلك الوجوه الشيطانية، ليرى الناس كم هي رخيصة حياتهم في عيون هؤلاء المنافقين، وكم هي عميقة الهوة بين الايمان الحقيقي وبين المنافع المادية لهذه الطبقة المتعالية او المتصنعة البعيدة عن قضايا وحاجات المجتمع الاساسية، كونهم جزء من القيادة الروحية المطلوب حظورها دائما في الشارع، لانقاذهم من اية حالات خارجة عن الاسلام كالظلم الحكومي اوالاجتماعي، ومن هنا يمكن فهم لماذا على سبيل المثال لاالحصرالغى حزب الدعوة الاسلامية فكرة او عقيدة فقيه الدعوة، فقد اعتبر مايسمى بقيادات الدعوة انهم ليس بحاجة لهذا الفقيه المجتهد المتسلط، بل هم على دراية ومعرفة كافية بالفقه والتشربع، اي لم تعد الدعوة بحاجة الى فقيه يحلل ويحرم او يجيز العمل او يرفضه،

نعتقد ان الامر ليس بهذه البساطة، انما هي احدى صور او حالات التمرد والفوضى الداخلية للحزب الاسلامي، وكذلك عدم قناعتهم بمفهوم او عقيدة الامامة والاجتهاد، المبنية كما قلنا على روايات غير محققة بشكل علمي رصين، مما ادى الى بروز ظاهرة الاجتهاد الشخصي للقيادات الاسلامية الحركية، والتي تؤكدها الافعال والتصرفات العملية لهذه الشرائح المنحرفة، فهي لم تتمرد لانها استخدمت الحجج والادلة العقلية والنقلية والعلمية لنقض فكرة او عقيدة او مفهوم

الامامة والاجتهاد، بل تمردت من اجل المنافع والمصالح المادية والطبقية (فرجل الدين يعد اكثر الناس وقارا واحتراما في العالم) الشخصية او العائلية والفئوية،

اذن مالعلاقة بين انحراف الحركات الاسلامية الشيعية، وعقيدة الامامة والاجتهاد، سنحاول بأختصار شديد توضيح انشقاقات المفاهيم والمعتقدات المتذبذبة،

فقد كانت على سبيل المثال لا الحصر اراء السيد محمد حسين فضل الله (فقيه الدعوة الروحي، الذي يقول انا بالطبع اكثر وعيا من شيوخ الطائفة بحكم المرحلة العصرية المتطورة حاليا) في مايخص عصمة الائمة مختلفة وخارجة عن التقليد السائد لدى مراجع او المدرسة الحوزوية الشيعية، ولكنه بقي الى حد ما داخل دائرة الحذر الشديد في الافصاح عن رأيه بهذا الموضوع المعقد والشائك، وكأنها عبارة عن تلميحات وتسريبات فقهية خفيفة، يراد منها فتح بصيص ضوء خافت في هذا النفق المظلم الذي دخلته الامة منذ قرون، وهكذا استمرت حالة الانعتاق التاريخي من الروابط او القيود المذهبية المتوارثة عند جميع المذاهب الاسلامية، ظهرت مدرسة اخرى اكثر جراة في التنظيراو التحديث الاسلامي الفقهي، كانت ولاتزال اكثر وضوحا وتنظيما وتحليلا وعقلانية من كل ماطرح سابقا، بفكر وابحاث السيد كمال الحيدري، الذي تعرض جراء اراءه وافكاره وتفاسيره المنطقية الى نفس الهجمة المتخلفة الشرسة التي واجهها ولايزال وهو في قبره السيد فضل الله،

هذه المنافذ والفضاءات او الفسحات المحدودة التي يراد لها ان تفتح طريقا للتنوير من بين هذا الكم الهائل المتراكم من التعمية المذهبية المتعمدة، الموجهة بقوة مفرطة من قبل تجار الدين ضد كل من يحاول ان يرجع الامور والقضايا والاجتهادات والتأويلات الدينية او المذهبية الى لغة العقل والمنطق السليم، مع ان الاصوات المتحررة من تلك القيود بدأت بالتزايد والتفاعل مع لغة العلم والمعرفة والحداثة الكونية...

وبالتالي يمكننا القول ان هذه العقائد المتأرجحة تسمح وفي جميع الاديان والطوائف بمرونة كبيرة لرجال التحريف والتزييف والتدليس من استغلالها لتمرير اجنداتهم الخاصة، وعادة ماتكون مصالح شخصية واجتماعية وعائلية، ولهذا توارثت بعض البيوتات الدينية تلك المهنة المربحة، فدليل عدم ايمان الاسلاميين بتلك العقائد هو الفساد واعتماد الرأي الشخصي كأحد وسائل الافتاء والتشريع، كظاهرة الحيل الشرعية، او قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، فالاجتهاد بحد ذاته يعد احد اهم الوسائل الثقافية الاسلامية المتغيرة، وبالتالي ادى بالتدريج ومع التطور العلمي والتكنولوجي الى فتح افاق التفكير الاسلامي العام، حتى بات بأمكان كل شخص ان يدعي الاجتهاد، وتقديم نفسه على انه عالم او مفكر او باحث او مرجع اومفتي (الخ.)، يمكن بسهولة ان يعرض نفسه على من يشتري تلك البضاعة، ليكون له موقع في القنوات الفضائية او الجامعات والمراكز والمؤسسات التكفيرية او الطائفية،

اي ان الامر ليس له علاقة بعقيدة راسخة لها مبادئها وشروطها واخلاقياتها وحججها وادلتها الشرعية، انما عقيدة مركبة ومتناقضة تسمح لهم بالتوسع طولا وعرضا فيها، وقد احرجهم كثيرا راي الدكتور الشحرور الذي يقول لايحق لاحد ان يحرم او يحلل، فالحرام لايأتي الا من عند الله وحده سبحانه وتعالى، بينما نحن نجد ان الحرام اصبح كالسلسلة المترابطة، او كالغزل الكثيف الذي صنع سجادة التحريم الارضي، فقد الحقت المذاهب الاسلامية العديد من المحرمات، وفقا لعقيدة الاجتهاد بالحرام االمذكور في القران (وكذلك عبر الاستنتاج من القصص والاحداث القرانية)، فصار الاجتهاد اشبه بالسيف المسلط على رقاب المسلمين (ذاك يكفر، وهذا يقول بموت المسلم ميتة جاهلية)، ان هذه العقائد الغير مثبتة قرأنيا بشكل واضح وصريح، تعطي اثارا عكسية لمن يتمسك بها ظاهريا،

وقد اثبت التاريخ ان اغلب الانحرافات والتجاوزات مصدرها رجال الدين والطوائف والحركات السياسية الاسلامية،

حيث يمكن ان تتغير القناعة والفتاوى تبعا للهوى الشخصي او نسبة للاوضاع السياسية والاجتماعية والمادية (الامثلة كثيرة اخرها الاصطفاف الارهابي السني التكفيري ضد الشيعة بعد٢٠٠٣)، وذلك هو اطار الانحراف المقدس (كما حصل عبر التاريخ في الاديان السماوية الاخرى اليهودية والمسيحية)، اي يصبح الانحراف بمرور الزمن جزء من العقيدة المقدسة...

التحليل العلمي لتلك الظاهرة يثبت ان الانسان بطبيعته يعمل على ايجاد المخارج وكسر القيود من اجل التحرر او الانعتاق من العبودية او لمنفعته ومصالحه الذاتية او حتى العامة، فعندما يجد ان الامامة والاجتهاد (عند الشيعة وكذلك بعض الفرق السنية المتطرفة) عقائد قابلة للزيادة والنقصان، سلبا وايجابا، كفتوى استغلال (سرقة) المال العام على انه مجهول المالك، وفق مبدأ ايجاد المخرج الشرعي، اي الحجة والدليل الشرعي المبررة لتلك الافعال المنحرفة عن جادة الحق والصواب او عن اصول الدين وعدالة الخالق عزوجل، قسم كبير من الاسلاميين الذين حكموا العراق بعد٢٠٠٣لم يكتفوا بالفساد المذهبي او العقائدي الشخصي، انما عمدوا الى تشجيع المكونات والكتل والطوائف الاخرى على المشاركة في عملية نهب الثروات وتدمير دواىر القضاء والرقابة والنزاهة والمتابعة والتدقيق، والى زعزعة عقائد المجتمع الدينية، الذين لاينتهون ولايغفلون ان يضعوا دائما فيما بينهم عمامة (غالبا سوداء) رجل الدين كدليل ظاهري يساق للعامة وللمراجع الكبار في الطائفة على ان بينهم فقيه ولايعملون بالاجتهاد الشخصي، فصار هؤلاء هم بمثابة الائمة والمجتهدين الذين يحق لهم الاجتهاد والافتاء بأمور ومصالح المسلمين، لا لشيء الا لترسيخ الحكم العائلي او الاسري، واستغلال الفرصة القارونية التاريخية، التي يعتقدون جازمين انها لن تتكرر ابدا، بغية كسب الاموال وتكديس الثروات الطائلة على حساب الدين والعقائد والمجتمع، فهم يعتبرون في الاصل ان الحقوق الشرعية القادمة من الخمس تذهب بعد وفاة المرجع لاولاده واصهاره احيانا، وهي بحاجة الى ثورة كما كانوا يقولون ذلك من على منابرهم الحزبية في دول المنفى قبل العودة للعراق، وهي دليل على عدم وجوظ قناعة راسخة بعقيدة الامامة او الاجتهاد..

عقيدة الخلافة عند اهل السنة، والامامة عند الفرق والمذاهب الشيعية، جعلت النظر والافتاء والتشريع عبر تلك العقائد من الامور التقليدية اليسيرة، اي ان ظهور او وجود تلك المذاهب تعد بحد ذاتها دليل على وجود انبثاق عقيدة متوارثة هي الاجتهاد، حيث ساق اهل السنة حسنات متفاوتة للمفتي في جميع الاحوال، سواء كانت فتواه صحيحة او خاطئة، وهكذا فعل الطقوسيين والمتطرفين الشيعة مع من لايؤمن اولايقلد مرجعا معينا، او يعترض على عقيدة الامامة التي تجدها عند بعض الفرق الشيعية مجرد قشرة مذهبية سميكة ليس لها علاقة بافعالهم وطقوسهم وتأويلاتهم، فهؤلاء ياخذون الروايات ثم يعاملونها على انها اية قرانية مقدسة، تبدأ

عقولهم المريضة بتفسير وتأويل وتوسيع دائرة الحديث ليصبح كأنه اية من كالكتاب الاسلامي المقدس، تحت قاعدة السنة النبوية الشريفة وسنة ال البيت ع المعصومين، او اراء الصحابة ااي السلف الصالح لواجبة الاتباع، مما ادى الى مايطلق عليه في عرف الحوزات الدينية بتزاحم المراجع فيما بينهم، واسموه بتحاسد العلماء، وهو ايضا دليل اخر على انهم لايتمسكون بعقيدة الامامة انما بالاجتهاد، ومن ثم ظهرت مرحلة اخرى من الاجتهادات والالقاب كلقب شيخ الطائفة او المرجع الاعلى او اية الله او روح الله ) الخ.)، هذه المؤسسات العريقة الممولة ذاتيا بشكل جيد واحيانا خاريجا، فالحقوق الشرعية، واموال الخمس ليست اموالا عادية، بل وصلت في عهد المرجع الخوئي رحمه الله الى ملايين الدولارات مع عدة مشاريع وابنية واستثمارات، حتى قيل ان له اموال لايعلمها في بعض دول الخليج (وقد تم مصادرة البعض منها لعدم وجود متولي شرعي او وكيل قانوني عنها)،

هذه الاموال تجمع مايسمى بحاشية ووكلاء المراجع، وهذه الفئة تعد من اخطر الفئات في تاريخ الاسلام والمجتمعات الانسانية،، اي فئة حاشية الخليفة او الملك او رئيس الجمهورية او المسؤول الحكومي او رجل الدين، وقد استولت على الحكم في اكثر من مرة في تاريخ الدولة العباسية (كما في عهد السلاجقة والمماليك، الخ.)، المغالطات الفقهية كثيرة ومتشعبة، ولكنها وصلت الى مرحلة لايمكن السكوت عنها، اذ بات تمويل الحزب او الحركة الاسلامية من اللجان الاقتصادية (مافيات الفساد وعصابات سرقة المال العام)، فلا يشترط رجل الدين الفاسد ان يعرف مصدر الحقوق الشرعية والتبرعات والهدايا، معتبرا وفقا لقناعاته الفقهية ان تلك اموال ستصرف في سبيل الله، بعد ان تمر بمراحل متعددة من الاستقطاعات والتقسيمات الشخصية والاسرية (تحت قواعد فقهية متعددة، سهم الامام، والعاملون عليها، والاقربون اولى بالمعروف)، عمليات تلاعب وخداع وكذب على النفس وعلى الاخرين، تصل تصرفات وافعال وحالات البعض منهم حد الانحراف عن الاسلام تماما...

الخلاصة ان عقيدة الخلافة او الامامة عند السنة والشيعية ادت الى اشاعة ظاهرة الاجتهاد حتى في مقابل القران والسنة النبوية (هناك الكثير من الحدود المبتدعة كقتل شارب الخمر او الملحد والمرتد او المراة الغير محجبة او المتبرجة او الرجم عند الحركات الاسلامية المتطرفة السنية والشيعية غير موجودة في القران الكريم ولم تمارس في عهد الرسول محمد ص)، وصل الحال ان يمارس العديد من المفكرين والمثقفين الاسلاميين دور الفقيه والمفتي او المجتهد، ولا نسجل اعتراضنا على تلك الحالة اذ لايشترط وكما نعتقد بمن يستطيع ان يفهم اسس التفسير والتأويل القراني ان يجتهد في بعض المساءل الدينية الغير معقدة، ليس من اجل ممارسة دور الفقيه في المجتمع، انما في سبيل فهم الدين وقواعد واصول الاسلام الصحيح، والتمييز بين الفكر الاسلامي الصالح وبين الارهابي الفكري المتطرف او الاستبداد الديني، وهي حالة طبيعية كونية لما وصلت اليه الحضارة الانسانية الالكترونية، من مستوى عال من التقدم العلمي والمعرفي، فأصبح فهم الانسان لاموره الدينية اكثر نضوجا من العقود او القرون السابقة، وبات التوثيق الالكتروني واسلوب التحليل الرياضي العلمي لحركة الارض والنجوم والكواكب والبحار والمحيطات والرصد المناخي والبيئي الخ.، متاحا للجميع، ومن خلال عالم الالكترون يمكنك تجميع الاحداث والوقائع والقصص والروايات والعهود والازمنة والعصور لمعرفة صحة هذا الراي او ذلك الحديث، مع ان العقل صار احد اهم معايير التصديق والتصحيح والتوثيق الديني العلمي للسنة النبوية، او الاحاديث المروية عن الصحابة او ال البيت ع، فوصية الرسول محمد ص بعرض احاديثه على القران للتأكد من صحتها من عدمه هو تصريح ضمني بأن السنة النبوية هي القران الكريم وليس كما يفعل الدواعش او الطقوسيين المغالين في عصمة وقدسية روايات ال البيت ع، اي بمعنى لاتوجد سنة للنبي الاكرم غير القران الكريم والفرائض التي وضحها في عهده (الصلاة والصوم والحج والزكاة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والاعنال الانسانية الصالحة)، اما ان يجد المجتمع الاسلامي نفسه غارقا في الفتن الطائفية، والاجتهادات الشخصية، التي ادت به الى ان يبقى في اطراف الكرة الارضية ثقافيا وعلميا وحضاريا، او ينهض بكل قوة لبناء دول متقدمة في جميع المجالات تفصل الدين عن القرار والادارة والتنمية والثقافة والابداع وحرية الانسان وخصوصا المراة عن البرنامج الحكومي او السياسي العام للبلد...

لقد طحنت فتوى الجهاد الكفائي ابناء الطبقات المحرومة من مجتمع العشوائيات، والطبقات الملتزمة بعقيدة الامامة او الاجتهاد، بينما تلاعب ومارس النفاق والخداع والانحراف عنها السياسيين الاسلاميين وبعض رجال الدين، تحت باب انهم لايقلدون او لايتبعون لهذا المرجع او ذاك، بقي اغلب هؤلاء المرائين المتلونين هم واولادهم ينهبون ثروات الشعب دون رادع قانوني او وازع اخلاقي او ديني، يستمدون شرعية افعالهم من فساد عقيدة الامامة والاجتهاد عندهم، فهم يعتقدون انفسهم بمثابة ائمة او مجتهدين قادرين على استنباط الحيل الشرعية، ليس بحاجة الى اراء او فتاوى او اوامر مراجع الدين، مع انهم يتعمدون ان يظهروا امام المجتمع بجلباب التقوى والتعظيم لرجال الدين او المراجع، ولسانهم لايتوقف عن ذكر الروايات والاحاديث الواردة عن ال البيت ع، بينما افعالهم وتصرفاتهم وسرقاتهم التي اوصلت الناس الى حالة اليأس، مرددة عبارات او هتاف بأسم الدين سرقونا الحرامية، وهذا اكبر دليل على انتشار قصص فسادهم بين المجتمع..بل حتى في اعتراض ونقد بعض رجال الدين الشرفاء على تصرفات هؤلاء المنحرفين، تجد انهم يذكرون دائما ان هذه الزمرة منحرفة عن طريق ال البيت ع، اي معنى انها لاتؤمن بتلك العقيدة

..هذه العقائد بحاجة الى اعادة فهم وبحث وتحليل قرأني، كي تصبح ملزمة شرعا للجميع دون استثناء بما فيهم مراجع الافتاء، او ان تتغير عقائدهم بالعتماد على القران الكريم والعقل والعلم لاستنباط الاحكام والاخلاقيات الانسانية العصرية..

 

مهدي الصافي

 

ميثم الجنابي"هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان"

سفيان الثوري

إن إمكانية الحجاج بالنسبة للسلطة الأموية المتمركزة من جديد، والعاتية في انتصاراتها الكبرى، أخذت بالبروز مع صعود قوة الاستبداد فيها. فقد تلمست فيه ملاكها السياسي و"جبرائيل" وحيها الاستبدادي[1]! فقد كشف الحجاج عن أن النار الابليسية المحترقة فيه لا تحرق غير معارضة السلطة أيا كان معدنها وحجمها، وأنها النار الدافئة التي تعوضها عن برود التعاطف الروحي من جانب الأمة! وهي المعادلة التي جسدها الحجاج حتى موته في العراق، بوصفه مركز المعارضة التاريخية والسياسية والروحية والأدبية للأموية، ومنطلق السيطرة العامة والتامة على ممتلكات الإمبراطورية في آسيا. بمعنى إننا نعثر في هذين الجانبين على وجهين لشخصية الحجاج، بوصفه النموذج الأكثر تعبيرا عن حقيقة الأموية. وليس مصادفة أن يبقيان مترابطين في سلسلة العبودية الذهبية. من هنا الإبقاء عليه مع بقاء الأموية، وانتفاء الحاجة إليه مع زوالها. بحيث لم يبق منها شيئا غير ترسبات الأملاح المتكلسة على حواشي التاريخ والذهنية الخربة والضمير المتهالك وراء جشع الغريزة. من هنا يمكن فهم سر الاعتزاز به من جانب الوليد بن عبد الملك بعد توليه خلافة أبيه عام 86 للهجرة. فقد أبقاه واقره على كل ما كان فيه زمن والده. وليس مصادفة أيضا أن يفجع بموته بحيث نراه يصرخ، بان الحجاج ليس فقط جلدة عينيه، كما كان يقول أبوه عبد الملك بن مروان، بل وجلدة وجهه كله! الأمر الذي جعل الحجاج يستهزأ في حياته بتهديد ولي العهد سليمان بن عبد الملك في حال استلامه الحكم! وهو استهزاء متراكم في مجرى اليقين الفكري والسياسي الذي لازم حياة الحجاج وشخصيته الموالية للسلطة. بحيث وجدت هذه المولاة انعكاسها النموذجي في وصيته التي قال فيها، بأنه لا يعرف غير "طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث!"[2]. كما لو انه يعيد يقين الأنبياء والقديسين عن دنس الأشياء العابرة والنزوات الصغيرة وملهاة الحياة وما فيها. وهو وصف لا يخلو من دقة فيما يتعلق بالحجاج، الذي تجرّد عن كل شيء باستثناء حب السلطة والاستعداد الدائم لخدمتها بكلّه، بحيث لم يبق فيه شيئا لغيرها! من هنا يمكن فهم سرّ ردوده الجريئة والمتيقنة تجاه "الرحمة الأبدية" له ولأعماله. وهو يقين ينبع من طبيعة التماهي بين السلطة والله. فالعبودية لله هي عين العبودية للسلطة. لها نراه يجيب على سؤال وجه إليه قبيل موته:

- ألا تتوب؟

- إن كنت مسيئا فليست هذه ساعة التوبة، وان كنت محسنا فليست هذه ساعة الفزع!

وأكمل أجوبته هذه بعبارة قال فيها "اللهم اغفر لي! فان الناس يزعمون انك لا تفعل!"[3]. بل وينسب إليه تمثله ببيتين من الشعر:

يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا

إيمانهم إني من ساكني النار

أيحلفون علي عمياء؟! ويحهم!!

ما ظنهم بعظيم العفو غفار!!

وهي صيغة نموذجية معبرة عن شخصية الحجاج، أي الإيمان الجازم بصحة وسلامة ما فعل. والبقاء حتى الرمق الأخير وفيا لنفسية وذهنية الاستعداد للاستعباد والاستبداد.

فقد توفي الحجاج عام 95 للهجرة[4]. وما بعدها لم يكن "تاريخه" غير حالات الانتقام والهجران في الوعي النقدي والضمير الأخلاقي والوجدان الصادق. وليس مصادفة أن يتلاشى قبره في واسط العراق وتبقى ذكراه باعتباره النموذج التام للرذيلة السياسية والأخلاقية. وهي الحالة التي شاركتها أيضا بعض مراحل الدولة الأموية عندما كانت تخرج بصورة نسبية على نفسية وذهنية الأموية، كما هو الحال في زمن سليمان بن عبد الملك وخلافة عمر بن عبد العزيز. إذ تنسب لسليمان بن عبد الملك (96-99 هجرية) انه سال مرة كاتبه يزيد بن أبي مسلم:

- أتظن أن الحجاج استقرّ في قعر جهنم أم انه يهوى فيها؟!

- يا أمير المؤمنين! إن الحجاج يأتي يوم القيامة بين أخيك وأبيك، فضعه من النار حيث شأت!

وهي إجابة لا يرتقي إليها من حيث الصيغة والمعنى والرمز والباطنية الجميلة غير مواقف وتقييم الخليفة عمر بن عبد العزيز إياه. فقد استكمل عمر بن عبد العزيز ما بدأ سليمان بن عبد الملك. ولكل منهما أسبابه الخاص. فقد كان سلوك سليمان لا يخلو من نزعة انتقام شخصية. لهذا نراه يأمر بسبه على المنابر. وعندما امتنع خالد بن عبد الله القسري، أحد ولاة العراق الحجاجيين، عن سبّه وذّمه أرسل عليه سليمان يأمره بذلك، فتكلم على المنبر قائلا: "إن إبليس كان من الملائكة ففسق! وكذلك الحجاج!". وهي الأخرى صورة بليغة، والوجه الآخر لتقاليد النزعة الاستبدادية وانحطاط الروح الأخلاقي المميز للنخبة العائمة في زبد الأموية، والسائبة في سديم الخوف المرعب من معنى الحرية وفكرة الحق، التي وجدت في شخصية الحجاج نموذجا لحقيقة الإسلام! كما قال مرة احدهم: "من خالف الحجاج فقد خالف الإسلام"[5]. وهو إسلام عبودي، أي لا يأخذ منه سوى غلاف العبارة الميت. مع ما يترتب عليه من تحويل الإسلام الى إذعان بلا عقل، وخضوع بلا قلب، واستسلام بلا ضمير. لكنه، شأن كل ما هو عابر بمعايير الحق والحقيقة، سرعان ما يندثر بوصفه ذرة في غبار الزمن، وسراب في خيال الأشباح. وهو سراب بدد كثافته المتبقية بعد موت الحجاج سلوك رجال الدولة الأموية.

إذ لم يكتف سليمان بن عبد الملك بسب الحجاج وشتمه على المنابر بل وأمر عامله على الطائف بقتل آل أبي عقيل، لا لشيء إلا لأنهم من أقرب الناس إلى الحجاج. وهي مواقف تممها الخليفة عمر بن عبد العزيز بطريقته الخاصة. فقد كان عمر بن العزيز يعارض ويندد بسلوك الحجاج أثناء حياته.

غير أن موقعه ومكانته ووظيفته في السلطة آنذاك لم تسمح له بتغيير شيئا ما يذكر بهذا الصدد. لكن الروح الأخلاقية تبقى أيضا وفية للقصاص بالقدر الذي لا يتعارض مع ثوابت الفكرة المتسامية ورؤيتها الشخصية. الأمر الذي ميز مواقف وتقييم وسلوك عمر بن عبد العزيز تجاه "بقايا" الحجاج في الذاكرة والواقع من خلال اقتلاع بقاياه بالقدر الممكن. فقد نفى أسرة الحجاج الى اليمن وكتب إلى واليها يقول "أما بعد، فأنني بعثت في عملك قدر هوانهم على الله"[6]. بينما نراه يعزل أحد عماله بعد أن علم بأنه قد سبق وأن عمل مع الحجاج. وعندما قال له الرجل:

- إنما عملت له على شيء يسير.

- حسبك بصحبته يوما أو بعض يوم شؤما وشرا![7]ً.

في حين وضعته تقاليد الذاكرة الشعبية في إحدى أرذل الشخصيات المتخيلة في قصة (نعم ونعمة) من قصص ألف ليلة وليلة. وما بينهما ترامت مختلف الآراء والتقييمات والأحكام والمواقف منه. فقد وضعته تقاليد الحديث تحت أسم المبير، أي الظالم والمستبد[8]. بينما كفّره جمهرة من رجال الورع والزهد الإسلامي مثل مجاهد وعاصم والشعبي وسعيد بن جبير. وهي أحكام ليست معزولة عن مواقفهم السياسية، أي عن حقيقة الرؤية الإسلامية التي لا تعزل فكرة الإيمان عن قيم العدالة والحق والحقوق. وهي قيم لم يجرؤ أحدا على انتهاكها بالقدر والحجم والكمية والنوعية في تاريخ الإسلام أكثر من الحجاج. وليس مصادفة أن يقول الحسن البصري بعد سماعه بموته: "اللهم عقيرتك! أنت قتلته! فاقطع سنّته! وأرحنا من أعماله الخبيثة"، بل ودعا عليه[9]. بينما نرى موقفه من الحجاج أشد وضوحا في معرض إجابته على إحدى الحالات النموذجية التي استتبعت موته في العراق. فقد حلف رجل بالطلاق قائلا: "إن الحجاج في النار". فلما جاء إلى امرأته، فإنها امتنعت عن العيش معه. وعندما ذهب للحسن البصري يستفتيه في أمره، فأجابه الحسن البصري: "إذا لم يكن الحجاج من أهل النار، فما يضيرك أن تكون مع امرأتك على زنى!". وهي المرة الوحيدة التي ينطق بها الحسن البصري بهذه الطريقة الجازمة التي جعل من نفسه فيصلا نهائيا وناطقا بالحكم "الإلهي". لقد وجد في الحجاج تجسيدا تاما ومطلقا للرذيلة، بحيث جعله يستغرب التشكيك بالحكم المتعلق بضرورة العقاب الأبدي للحجاج في الجحيم. وبغير ذلك تصبح جميع الرذائل مباحة! وقيل أيضا، بأنه حالما بشروا حماد بن أبي سليمان بموت الحجاج، فانه سجد وبكى من الفرح. الأمر الذي جعل حماد يقول: "ما كنت أرى أحد يبكي من الفرح"[10].

من هنا يمكن فهم أحد البواعث التي جعلت ابن عبد ربه يفرد في كتابه (العقد الفريد) فصلا بعنوان (من قال إن الحجاج كان كافرا) استعرض فيه أقوال مختلف الشخصيات الإسلامية الفكرية والفقهية. بينما أجاب الشعبي على سؤال وجه إليه مرة[11]:

- أكان الحجاج مؤمنا؟

- نعم! بالطاغوت!

وقال عنه أيضا "لو جاءت كل أمة بخبيثها وفاسقها، وجئنا بالحجاج وحده لزدناه عليهم"[12]. وأطلق عليه الدميري عبارة "اللعين الحجاج! أخزاه الله وقبّحه"[13]. بينما قال عنه ابن عبد البر: "لا يؤثر حديثه، ولا يذكر بخير لسوء سره وإفراطه في الظلم"[14]. وقد يكون التقييم الذي رسم الذهبي ملامحه الأكثر دقة بهذا الصدد. فقد كتب بهذا الصدد يقول: "أهلكه الله كهلا! وكان ظلوما جبارا ناصبيا سفاكا للدماء. وكان ذا شجاعة وإقدام وكر ودهاء"[15]. وتكلم الذهبي عما اسماه بسوء سيرته في حصاره لابن الزبير بالكعبة ورميه إياه بالمنجنيق وإذلاله لأهل الحرمين ثم ولايته على العراق والمشرق عقدين من الزمن وحروبه مع ابن الأشعث وتأخيره للصلوات الى "أن استأصله الله! فنسّبه ولا نحبه! بل نبغضه في الله، فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان. وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه"[16].

وقد تحول هذا الكم الهائل من التقييم النظري الرفيع إلى مسند الخيال الشعبي والأدبي الذي وجد أحد نماذجه الرفيعة في قصة (نعم ونعمة) ودخولها مسرح الذاكرة الفعالة في (ألف ليلة وليلة). بحيث أصبحت سمير الأسمار واللعنة التي ترافق ضحك الأطفال وشماتة الرجال وحقد النساء وغضبهن! فهي القصة التي تصوره رجلا غشوما ظلوما سارقا قاسيا عبدا للسلطة وفاقدا للضمير والوجدان أمام رغبة السلطان وغرائزه. لقد حولت قصة (نعم ونعمة) الحجاج الى نقمة وصبت عليها جام غضبها من خلال تطويع كل إمكانيات الخيال الشعبي. فبالقدر الذي استعمل كل الأساليب الدنيئة لاختطاف نعم من زوجها نعمة وتسليمها إلى عبد الملك بن مروان، فإنها استطاعت أن تبعثه في حبكة القصة بالاقتصاص منه من خلال جعله مرافقا طائعا وعبدا ذليلا للرهينة التي احتال من اجل اقتناصها والتقرب بها إلى مالكه عبد الملك بن مروان! فقد اشترطت المرأة من عبد الملك أن يكون الحجاج مرافقا وقائدا لبعيرها. وهي القصة التي تروي مختلف أصناف الاحتقار والتهكم به، التي يتقبلها الحجاج بوصفها جزء من مظاهر العبودية للسلطة. وهي مظاهر يجري تتويجها بالحادثة الطريفة التي تروي كيف أن المرأة (نعم) حالما وصلت من بلدتها الى قصر الخليفة رمت دينار على الأرض وقال للجمّال (الحجاج):

- يا جمّال! سقط مني درهم!

- هذا دينار!

- بل هو درهم!

- بل هو دينار!

- الحمد لله الذي عوّضنا بالدرهم دينارا! ناولني إياه!

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حبكة قصصية تسرد بطريقتها الخاصة رغبة الانتقام الأبدية من الحجاج. ومن ثم لم يكن دخولها (ألف ليلة وليلة) سوى الصيغة الأدبية للرغبة الجامحة في الإبقاء على صورته الخبيثة حية في الخيال والضمير والوجدان المعذب من ذكراه المريرة. لقد ادخله الوعي العراقي في قرآنه القصصي وجعله في متناول الشماتة النقدية والسخرية الجليلة والاستهزاء الذي لا يخلو من حقد النساء الجميل، أي جمعه لكل المكونات الضرورية لتفعيل ذاكرة الانتقام التاريخي الحي.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.................

[1] ينقل لنا ابن عساكر في كتابة (تاريخ دمشق) على سبيل المثال "نصيحة" الحجاج لعبد الملك بن مروان بمنع القصاصين من الحديث عن سيرة الخلفاء الراشدين، وبالأخص أبي بكر وعمر بن الخطاب. إذ وجد فيما يقوله القصاصون مصدرا للثورة والانتفاض على السلطة". بحيث نراه يتكلم عما في هذه القصص من "إفساد للناس على أمير المؤمنين". بحيث يستصدر عبد الملك بن مروان أمرا يمنع فيه الحديث عن سيرة أبي بكر وعمر بن الخطاب. وهو أمر ظل ساريا حتى خلافة عمر بن عبد العزيز، الذي أعاد ترتيب هذه العلاقة بطريقة سليمة من خلال اختياره الشخصي للقصاصين.

[2] ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق، ج4، ص68.

[3] ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق، ج4، ص82. ابن كثير: البداية والنهاية، ج9، ص138.

[4] المسعودي: مروج الذّهب ومعادن الجوهر،ج3، ص187.

[5]أبن حبان: الثقات، ج5، ص421. وهي كلمات تنسب الى احد أتباع الحجاج وهو أبو حسان المنذر. وهي عبارة يشم منها رائحة العبودية التامة. وذلك لأن أولها كره المخالفة، أي عدم الخضوع، وآخرها رفض المخالفة، أي أولها الحجاج وآخرها الحجاج! لأن حقيقة الإسلام هنا هو الاستسلام للحجاج فقط!

[6] ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق، ج4، ص 84.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص132.

[8] وفي وقت لاحق يجري ابتداع حديث "نبوي" مزيف عن ان المقصود بالمبير هو المختار الثقفي!

[9] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، 159.

[10] ابن سعد: الطبقات، ج6، ص280.

[11] عامر بن شراحيل الشعبي الحميري، 19-103هـ/640-721م): راوية، يُضرب المثل بحفظه. وُلِد ونشأ ومات بالكوفة. اتّصل بعبد الملك بن مروان، وأصبح احد ندمائه. كما عمل رسولا عنده إلى ملك الروم. وسُئِل عمّا بلغ إليه حفظه، فقال: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدّثني رجل بحديث إلاّ حفظته. وهو من رجال الحديث الثقات، استقضاه عمر بن عبد العزيز، وكان فقيهاً شاعراً. (الزركلي: الأعلام، ج3، ص251.)

[12] الأبشيهي: المستطرف في كل فن مستظرف،ج1، ص83

[13] الدّميري، كمال الدين محمد بن موسى: حياة الحيوان الكبرى، دار الألباب، بيروت/دمشق (ب-ت)ج1، ص81.

[14] ابن عبد البر: التمهيد، ج1، ص10.

[15] الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج4، ص343.

[16] نفس المصدر السابق، ج4، ص343.

 

ميثم الجنابي"هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان"

سفيان الثوري

إن ظهور الحجاج من عدم الوجود السياسي الى هرم السلطة الأموية هو التعبير النموذجي عن حالة الانتقال الحرجة والسيئة التي رافقت تحول الدولة ونظامها السياسي من إمبراطورية الروح الإسلامي وفكرة الحقوق الأخلاقية الى سلطة الملوكية القبلية ووثنيتها الجديدة. وهي الحالة التي جعلت من العابرين والطارئين "أبطال" الزمن السلطوي. وفيها ينبغي البحث عن سر صعود الحجاج العنيف واندثاره الأشد عنفا.

ولد الحجاج في أربعينيات القرن الهجري الأول، أي في مرحلة "النبوة" المقلوبة. فقد كان صعود الأموية في العام الأربعين من سيادة الإسلام الروحية والسياسية والدولتية يعكس طبيعة الانحطاط والشرخ الهائل بين التاريخ والدولة. وهو الشرخ الذي جعل من كليب (الاسم الأصلي) بن يوسف الثقفي حجاجا. فالحالة الطبيعية لتاريخه الشخصي لم يكن بإمكانها أن تتعدى المسير الهادئ في الطائف لتعليم الصبيان قراءة القرآن. بمعنى الاستمرار بمهنة أبيه. مع ما يترتب عليه في العرف الديني التقليدي من أجرة وثواب! وقد مارسها الحجاج، على خلاف أبيه، بوصفها مهنة مجبور عليها. لهذا لم تثر فيه شهية الحماسة التي نعثر عليها في ولعه المفرط بالسياسة والحرب والقمع والإرهاب. وهي صفات لا علاقة لها بثقيف. فقد احتوت هذه القبيلة، شأن كل بنية قبلية على إمكانيات متنوعة. لكنها أنجبت ثلاث شخصيات دموية كبرى هي المغيرة بن شعبة الثقفي وكليب بن يوسف الثقفي (الحجاج) ويوسف بن عمر الثقفي وقادة عسكريون قساة مثل محمد بن قاسم الثقفي. وبالمقابل أو بالضد منهم شخصية المختار بن عبيدة الثقفي. وجميعها تتسم بقدر كبير من القسوة المحكومة بقيم مختلفة ومتضادة. وهي قيم لا علاقة لها بثقيف بقدر ما أنها كانت النتيجة المترتبة على حدة وعنف الصراع السياسي الذي شوهه دهاء الأموية وعنفها الغريزي من اجل الاستحواذ على المال والجاه. وهي الصفة المغروسة والمغمورة في مسام الأموية وتقاليدها المروانية والسفيانية القديمة، أي تقاليد الجاه والمال التي كسر النبي محمد شوكتها الأولية دون أن يقتلعها من جذورها. مما جعل من "ثأرها" اللاحق منظومة تقترب من توحيد الإسلام بإفراده لخدمتها!

وهو إفراد استمد مقوماته من الأصول القبلية والعرقية وتقاليد المال والجاه المميزة للأموية. ومنها تراكمت نفسية وذهنية الدهاء السياسي الخالص. وبالتالي إمكانية تطويع واستغلال مختلف القيم، بما في ذلك النبيلة أحيانا لخدمة الغرض الأساسي – إعادة تنظيم الأصول المذكورة أعلاه بالشكل الذي يخدم تفعيلها الدائم وفاعليتها الحاسمة. وهي أصول تطابقت فيها الوسيلة والغاية، بحيث أصبحا في آن واحد آلة وآلهة. مما أدى بالضرورة الى أن يكون تفعيلها وفاعليتها قرضا للجسد واقتراضا للروح من جانب الجميع. وبالتالي فان الانهماك فيها يستلزم في آن واحد الاندماج الفعال في آلتها، والعبودية التامة لآلهتها. أما النتيجة فإنها كانت محسومة شأن الفكرة الجبرية للأموية – العمل من اجل ترميم وديمومة العبودية التامة لأصنام الوثنية الجديدة. وهي المقدمة الفعلية التي تفسر طبيعة "الاختيار" السياسي للشخصيات القادرة على لعب دور السدنة المخلصين للإلهة الجديدة وأصنامها. إذ لم يكن الحجاج استثناءا بقدر ما انه كان الفرد الأكثر فردانية في إفراد كل ما فيه لخدمة الأموية، ومن ثم الشخصية الأكثر "إخلاصا" ونموذجية في تعبيرها عن هذه الحالة الجديدة في صيرورة الدولة.

فالمعلومات التاريخية تشير الى أن أباه كان من إتباع بني أمية. واشترك معهم في الحرب على خصومهم، وبالأخص مع مروان بن الحكم. بينما كانت حياة الحجاج السياسية متوافقة وملازمة لخلافة عبد الملك بن مروان. وهي ملازمة لم تكن معزولة عن انتقال الحجاج الى الشام والالتحاق المباشر بالسلطة الأموية. وهو انتقال لم يكن معزولا عن الصراع السياسي الحاد آنذاك بين الأموية المنحصرة والمحاصرة في دمشق الشام، وبين الحركة الزبيرية التي توسع نطاق الاعتراف بها بوصفها خلافة شرعية على اغلب أمصار الدولة آنذاك.

فقد كانت الطائف في أواخر خلافة مروان بن الحكم وبداية حكم أبنه عبد الملك بن مروان خاضعة لحكم عبد الله بن الزبير. وهو حكم اتسم، رغم طابعه المعارض للأموية، بنفس أمراضها وأخطائها وخطيئتها. وهو السبب الذي يفسر هروب ومعارضة ومصارعة أتباعه الأوائل، الذين انظموا الى الحركة في بادئ الأمر وواجهوها بالعداء العنيف في وقت لاحق. وهي ظاهرة يمكن رؤية ملامحها الدقيقة والواضحة على كافة ممثلي الحركات السياسية والاجتماعية والفكرية الكبرى كما هو الحال بالنسبة للخوارج (وبالأخص الازارقة) والشيعة (وبالأخص المختارية). ومن حصيلة هذه المكونات التي استجابت لشخصية الحجاج النفسية والفكرية والسياسية، يمكن فهم سر انتقاله التام والشامل للأموية. بمعنى التلاقي التام والشامل في إعلاء شأن السلطة واستعمال كل الوسائل من اجلها. وهو الشيء الذي يمكن التحقق منه ببقاء العلاقة المتينة والراسخة بينه وبين المركز الأموي، للدرجة التي يمكن الحديث عن تطابق مطلق بينهما. وهو تحقق يمكن رؤية احد أشكاله النموذجية في وصيته التي كتبها قبل موته عندما جعل من السلطة الأموية بداية الأزل ونهاية الأبد الوجودي بالنسبة له، أما الله ومحمد فمجرد حلقات متممة. فقد كتب في وصيته قائلا بأنه يشهد أن لا اله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، و"أنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث"!! وهو موقف يعكس شخصية الحجاج الفعلية، التي وجدت فيها الأموية نموذجها العملي التام. وليس مصادفة أن "يفجع" الوليد بن عبد الملك بموته بحيث نسمعه يقول لمن جاءه يعزيه بفقدان الحجاج :"كان أبي يقول أن الحجاج جلدة ما بين عينيه! أما أنا فأقول أنه جلدة وجهي كله!". وهي الجلدة التي شدت أزر الأموية في أكثر الأوقات حرجا، وظلت حتى النهاية "أمينة" لها بصورة مطلقة. وقابلته بالطريقة ذاتها. فقد كان عبد الملك بن مروان يجلّ الحجاج ويثق به رغم معرفته بسلوكه العنيف والدموي. وتروي كتب التاريخ كيف أن إبراهيم بن محمد بن طلحة (احد المقربين جدا من الحجاج) سعى كل جهده لكي يستمع عبد الملك بن مروان لرأيه بالحجاج. وحالما وافق عبد الملك، عندها قال إبراهيم بن طلحة:

- تالله يا أمير المؤمنين! لقد عمدت الى الحجاج في تغطرسه وتعجرفه وبعده عن الحق وقربه من الباطل! فوليته الحرمين، وهما ما هما، وبهما ما بهما من المهاجرين والأنصار والموالي الأخيار، يطؤهم بطغام أهل الشام ورعاع لا روية لهم في إقامة حق ولا إزاحة باطل، ويسومهم الخسف، ويحكم فيهم بغير السنّة، بعد الذي كان من سفك دمائهم وما انتهك من حرمهم!

- كذبت! وظنّ بك الحجاج ما لم يجده فيك! وقد يظنّ الخير بغير أهله! قم فأنت الكاذب!

وهو موقف لا علاقة له بالكذب والصدق، لأنه ليس نتاجا لأحكام المنطق، بقدر ما انه محكوم بغريزة السلطة. وهي الغريزة الوحيدة الحية والفعالة والفاعلة في شخصية الأموية والحجاج. ومن ثم، فان شخصية الحجاج هي شخصية الأموية الحقيقية. وكلاهما شيء واحد. بمعنى التقاءهما في الوسيلة والغاية. وهو التقاء محكوم بالنفسية والذهنية التي تجعل من استعمال كل الوسائل أمرا ممكنا ومرغوبا بل وضروريا من اجل المصلحة الخاصة. ولم تكن هناك مصلحة خاصة بالنسبة للأموية غير الجاه والمال. وهي صفة لها تقاليدها الخاصة في العائلة السفيانية – المروانية، وجدت تعبيرها العنيف في مرحلة الخلل التاريخي الذي أحدثته العفانية التي جعلت من الممكن استعادة البنية القبلية وجوهريتها بالمنسبة للتحكم والتسلط. من هنا إعادة تثوير ما دعاه الإسلام بالجاهلية. بمعنى التحرر من فكرة القانون الاجتماعي والحق المجرد والقيم الأخلاقية الكونية. وهو السر القائم وراء قوة التجاذب المتبادل بين الأموية والحجاج. بمعنى الاستعداد للاستبداد و"الإخلاص" له في الحياة والموت والبعث، كما جسدها الحجاج في وصيته المذكورة أعلاه. وهي "وصية" اكتشفت الأموية في شخص عبد الملك بن مروان "ناريها الأبدية" المشتعلة في غريزة الحجاج الفائرة عندما قدمه إليه رئيس شرطته ابن زنباع1 !

إن انتقال الحجاج الى الشام وانخراطه في سلك الشرطة، في مرحلة تبدل القيم، وانهيار فكرة القانون والشريعة، وسيادة نفسية وذهنية القبيلة وقيم الجاهلية السيئة، يعكس أولا وقبل كل شيء شخصية الحجاج المادية والمعنوية. فقد أعجب به روح ابن زنباع المقرب من عبد الملك بن مروان. واستطاع الحجاج خلال فترة قصيرة من إعادة ترتيب نظام الشرطة وقواعد التزامها بالخدمة. بحيث جعل من الانضباط والحماسة في تنفيذ مهامها مهمته الشخصية. بل جعل منها شكلا من أشكال سريان الوحدة الخفية والعلنية لوحدة السلطة. لهذا نراه يعاقب الشرطة أنفسهم والتابعين منهم لابن زنباع في وقت لاحق بعد تعيينه فيها، بسبب ملاحظته عدم انضباطهم في العمل2 . وجعل من الانضباط أسلوبا لتجسيد ما يمكن دعوته بقواعد الطاعة التامة لأولياء الأمر. لكنها لم تتحول الى منظومة لأنها محكومة بفكرة الطاعة الشخصية السياسية فقط. بمعنى افتقادها لمعنى الحرية ومنظومة القيم الأخلاقية المحكومة بالقانون. وهي الفكرة التي عبّر عنها الحجاج نفسه عندما اشتكى عليه ولي أمره الأول وصاحب نعمته (روح بن زنباع) إلى عبد الملك بن مروان عما فعله بأفراد شرطته. إذ تروي الحكاية كيف انه أجتاز مرة فسطاط روح بن زنباع وهم يأكلون. فنهاهم فما انتهوا. عندها ضربهم وطوف بهم واحرق الفسطاط. وعندما شكاه روح بن زنباع الى عبد الملك بن مروان، فان الأخير استفسر منه قائلا:

- لم صنعت هذا؟

- لم افعله! إنما فعله أنت. فإن يدي يدك وسوطي سوطك. وما ضرك إذا أعطيت روحا فسطاطين بدل فسطاطه، وبدل الغلام غلامين، ولا تكسرني في الذي وليتني؟

بمعنى تحويل السلطة ومركزيتها الشخصية الى مصدر الحياة والموت، والأخلاق والقانون، والأقوال والأفعال. وهي الصيغة النموذجية للجبرية السياسية التي جعلت من الخضوع للسلطة رديفا للخضوع لله. كما أنها الصيغة التي وجدت في لقاء الحجاج بعبد الملك بن مروان "صدفتها" النموذجية، بمعنى التقائهما في الغاية والوسيلة والمصير الشخصي!

فقد تسلم عبد الملك بن مروان الدولة وهي مهددة بالانحلال. فقد واجه خطر عبد الله بن الزبير الذي كان يسيطر بالفعل على اغلب أمصار الإمبراطورية العربية الإسلامية. بل وأعلن نفسه بعد وفاة يزيد بن معاوية، خليفة للمسلمين سنة 64 للهجرة. ولم يبق سوى الأردن التي ظلت على ولائها للأمويين، وبايعت مروان بن الحكم بالخلافة3 . حيث استطاع لاحقا استعادة مصر وضمها للدولة الأموية. وعندما استلم عبد الملك بن مروان السلطة، فان المهمة الكبرى بالنسبة له كانت إعادة تثبيت السلطة المركزية وحدة الدولة. وهي المهمة التي شارك فيها الحجاج بحمية مفرطة.

فقد دخل الحجاج الى دهاليز السلطة وأروقتها من خلال جهاز الشرطة، أي احد أحط مؤسسات السلطة الأموية وأكثرها قسوة ورذيلة. وقد لمس فيه روح بن زنباع العزيمة والقوة والصبر. وقدمه إلى عبد الملك بن مروان، الذي كان يتصف بالقوة والمكر السياسي. وقد كان جهاز الشرطة آنذاك يتصف بالترهل والانحطاط! بينما استطاع الحجاج في غضون فترة قصير إعادة ضبطه وتفعيله لخدمة السلطة. وهو الأمر الذي دفع بروح بن زنباع لتقديمه لعبد الملك بن مروان لولاية الشرطة. وتروي كتب التاريخ بهذا الصدد، المحاورة التي جرت بينهما، وكيف أن عبد الملك بن مروان سأله قائلا:

- ليس هناك من احد إلا وهو يعرف عيب نفسه! فصف لي عيوبك!

- أعفني يا أمير المؤمنين!

- لست افعل!

- أنا لجوج لدود حقود حسود!

- ما في إبليس شرّ من هذا!4

ومهما يكن من أمر هذه المحاورة، بمعنى دقة حروفها، إلا أنها كانت تعج بالمعنى الفعلي للحجاج الذي كشف عن مكونات العبارة المقتضبة بانقباضه الحاد تجاه كل ما يتعارض مع فكرة العبودية التامة للسلطة. وهي الصفة التي جعلت من شرور إبليس فضائل قديس! وهو تحول وجد انعكاسه السريع والمباشر في تقريب الحجاج من "مركز القرار" السياسي، بعد أن كشف عن موهبته الفذة في تنفيذ كل ما تحلم وترغب السلطة به وتريده. فقد مدّ الحجاج رصيد القوات العسكرية لأهل الشام بسرعة بالغة بعد أن طبق جملة من التدابير القاسية. إذ فرض على كل رجل قادر على حمل السلاح "التطوع" في الجيش! وأمهل الجميع ثلاثة أيام، وما بعدها القتل وحرق البيوت ومصادرة الأموال.

أعطت أفعال الحجاج ثمارها السريعة بحيث جعلته ينتقل بصورة سريعة من جهاز الشرطة الى قائد القوات العسكرية لإحدى أهم المعارك التاريخية السياسية التي كانت تتوقف على نتائجها مصير الدولة الأموية. فبعد انتزاع عبد الملك بن مروان العراق من سيطرة مصعب بن الزبير، جرى تجهيز الحملة للقضاء على مركز الزبيرية في مكة. وهي المهمة التي نفذها الحجاج بحذافيرها. فقد استعاد مكة وقضى على ابن الزبير. وسلك في مجرى صراعه من اجل استرداد الحجاز سلوك الرجل العسكري والسياسي الحازم والمحكوم فقط بفكرة مركزية الدولة والسلطة الاستبدادية. لهذا نراه يضرب الكعبة بالمنجنيق ويحرقها، إي انعدام ما يسمى بالوازع الديني5 . بل على العكس انه وجد في ذلك تعبيرا تاما عن "الإرادة الإلهية". وحالما أنجز المهمة جرى تعيينه واليا على الحجاز (مكة والمدينة والطائف)، ثم أضاف له عبد الملك بن مروان اليمن واليمامة. (يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1- شخصية روح بن زنباع + علاقته بالشعر الخارجي عمران بن حطان (الروية الخيالية)

2 - تحكي القصة كيف انه مر إحدى المرات وشاهد الشرطة منهمكين في الأكل واللهو. وعندما نهاهم عن ذلك رفضوا الانصياع له. مما حدا به الى سجنهم وحرق سرادقهم.

3 - تعليق حول الشخصية الأردنية واضمحلال أسسها الثقافية من هنا منظومة البداوة المتوحشة فيها وانعدام الرؤية الإنسانية والحس القومي وهشاشة الدولة واستعدادها الدائم للخيانة باسم المال

4 - ابن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد، دار المسيرة، بيروت، 1981م، ج6، ص 210. وليس مصادفة أن يعتبر الذهبي شخصية الحجاج ذنبا من ذنوب عبد الملك بن مروان (السير، ج4، ص249.).

5 - من بين الأدلة النموذجية بهذا الصدد ما ترويه كتب التاريخ عن نزول الصواعق على جيشه وقتل بعض منهم في مجرى حصاره لمكة وضربها بالمنجنيق. فقد أثار ذلك في أوساط الجيش وسوسة العقائد الإيمانية عن "حرمة" مكة و"قداستها" و"الغضب الإلهي" على من يمسها وما شابه ذلك. إلا أن الحجاج ظل ثابتا، وطلب منهم التريث حالما تنقشع الغمامة! وفي اليوم التالي تنزل صواعق على جيش ابن الزبير وتقتل عددا منهم! ونفس الشيء يمكن قوله عن سلوكه ما بعد تهديم الكعبة. إذ نراه يعيد بناءها، بل ويبني مسجد ابن سلمة في المدينة ويأخذ بحفر الآبار وبناء السدود وما شابه ذلك من الأعمال العمرانية.

 

ميثم الجنابي"هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان"

(سفيان الثوري)

تقديم: إن التاريخ خلافا للأحلام والأوهام يصدق فيما يقول ويفعل، بمعنى إن كل ما فيه مما فيه. وهو الشيء الذي يجعله على الدوام موضوعا للجدل والخلاف، خصوصا حالما تتدخل في تفسير وتأويل أحداثه وشخصياته المصالح الضيقة والأهواء، أي المكونات الملازمة لبقاء الزمن واضمحلال التاريخ أو انعدامه في الوعي. مع ما يترتب عليه بالضرورة من ضمور الرؤية النقدية وفكرة الحرية. بينما الحقيقة لا تعقل بدون الرؤية النقدية وفكرة الحرية. لاسيما وأن مسار التاريخ الفعلي هو تذليل دائم للزمن العابر، أي كل ما يؤدي بالضرورة إلى جعل الحرية الملاذ الوحيد والنهائي للحق والحقيقة. فهو المجرى الوحيد القادر على ربط حلقات التاريخ في سلسلة وعي الذات والتحرر من رق العبودية لغير ما فيه. فالتاريخ الحقيقي روح.

فقد كانت العبودية وما تزال، بوصفها ظاهر الاستبداد بشكل عام والسياسي بشكل خاص، من بين أكثر المعوقات الكبرى أمام التطور الطبيعي والارتقاء الثقافي السياسي للأمم. فكلما يزداد الاستبداد السياسي كلمات تنشط عناصر الوعي التاريخي بمختلف مظاهرها. وفيما لو القينا نظرة متفحصة على نوعية ما يجري تقديمه من معلومات وأخبار وقضايا مثيرة للاهتمام وولع بالأفكار وتياراتها القديمة والمعاصرة، فإننا نلاحظ تلازم النظم الاستبدادية مع ظواهر انتشار الأفكار المتخلفة بمعايير العقل، والرديئة بمعايير الأخلاق، والقاتلة بمعايير الروح، والمدمرة بمعايير العلم، والمغلقة بمعايير المستقبل. ولا غرابة في الأمر! فالاستبداد هو رديف الجمود والموت. ومن ثم تتجسد عبره ملامح الجمود والانحطاط. وبالمقابل تصبح مقارعة الاستبداد والسعي لإزالته، المهمة الرئيسية للوعي العقلي والعقلاني والنزعة الإنسانية، أي كل ما يؤدي إلى نمو واستقامة المساعي الحثيثة لتأسيس فكرة الحرية ونظامها الاجتماعي السياسي المناسب. ومن الممكن رؤية ذلك على مثال "الربيع العربي". فحالما جرى سقوط وإسقاط بعض النظم الاستبدادية، أخذت بالبروز مظاهر التشدد وبعث وتقوية مختلف أشكال التيارات السلفية والحركات الارهابية. بينما توسعت أذواق القتل والتفجير والاغتيال بعد انتصار "الحرية المفطومة" لثورات "الربيع العربي". ولم يكن ذلك معزولا عن كون ثورات "الربيع العربي" لم تكن ثورة عربية واحدة. الأمر الذي أبقى على بقايا الاستبداد في العالم العربي واستفحال قواته بأثر هلعه الغريزي من فكرة الحرية والمستقبل. وهذا بدوره استمرار لحالة البقاء المتشبث بالسلطة من جانب البنية السياسية التقليدية القديمة. "فالربيع العربي" حدث في بقاع المناطق الثقافية للعالم العربي ونظمها السياسية الجمهورية. وبغض النظر عن فشلها النسبي في التحديث والعصرنة وبناء النظام الاجتماعي والسياسي والعقلاني، لكنها استطاعت أن تنشأ مجتمعات سياسية حيوية وثقافة واسعة تناسبها، في ظل ظروف صعبة وقاسية بأثر تخلف المبنية الاجتماعية والاقتصادية، وضعف النخب بشكل عام والسياسية بشكل خاص، وضغوط ومغامرات المراكز الكولونيالية القديمة والحديثة، ومؤامرات البنى التقليدية المميزة للدولة الملوكية بشكل عام وشبه الجزيرة العربية بشكل خاص. وبالتالي، فإن ثورات "الربيع العربي" هو دليل على نشاط وحيوية هذه المجتمعات وتأملاتها المستقبلية، بينما كان وما يزال "ثبات" النظم التقليدية الملوكية استمرارا لتقاليد الاستبداد الشامل. الأمر الذي جعلها دوما وما يزال مرتعا للمؤامرة والانحطاط الأخلاقي والسياسي والقومي. فدول الجزيرة العربية استبدادية مطلقة بالمعنى السياسي والاجتماعي. من هنا تخلفها المريع وكراهيتها المطلقة لفكرة الحرية والمصالح القومية العربية العليا.

وقبل ذلك، حالما جرى إسقاط الحكم الاستبدادي المطلق للصدامية، بأثر الغزو والاحتلال الأمريكي، الذي أكثر من ساهم به والتحضير له على مدار عقدين من الزمن (الحرب العراقية – الإيرانية، والحصار الشامل لاحقا بأثر غزو الكويت) السعودية ودول الخليج نفسها، نراها تبدأ بالتخطيط والعمل على تخريب مساعي الحرية الآخذة بالنمو في عراق ما بعد الاحتلال. طبعا، ان مساهمتها في "تحرير" العراق تحت بيارق الغزو الامريكي كان امرا لابد منه بالنسبة لهذه الدويلات المخصية. لكنها مع ذلك تحسست بفعل الغريزة، الخطر الكامن في النظام السياسي العراقي الجديد. من هنا استعانتها بالفكرة الطائفية والمذهبية لكي تكون غلاف الصراع ضد الحرية. ولا يخلو هذا الموقف من تحسس فعلي للواقع الجديد. وبالتالي، أصبح الصراع ضد الشيعة والتشيع مادة التخريب وأداة المواجهة الشرسة، وجرى استذكار الصيغ الموضوعة والمشوهة والمبتذلة لتقاليد "أهل السنّة والجماعة" عما يسمى "بالروافض" و"الصفوية"، و"المجوسية"، و"مؤامرات" الشيعة وشخصية العلقمي ما شابه ذلك. أما السبب الفعلي فيقوم في تحوّل شيعة العراق إلى القوة الحاملة للفكرة الديمقراطية والاجتماعية والوطنية والعربية. واستطاعت السعودية وقوى الخليج الأًخرى إلى تأليب "أهل السنّة" في العراق ضد الحكم الجديد. مع إنهم لم يكونوا بحاجة للتأليب، وذلك لأن الفكرة الطائفية السياسية السنيّة "الجديدة"، كانت محكومة (وما تزال) بنفسية ضياع السلطة. فالنظام الانتخابي والديمقراطي يجعل الشيعة بالضرورة القوة الحاكمة، بغض النظر عن طبيعة احزابها السياسية الحالية (والتي يتسم اغلبها بضيق الافق والأنانية والدناءة وضعف الأخلاق والعقل). من هنا يمكن فهم حالة الاستنفار الارهابي الشنيع وتمويله من جانب السعودية وقطر والإمارات والكويت. وهذا بدوره لم يكن إلا الصيغة الجديدة لتقاليد الانقلابات العسكرية، التي كان يخطط لها ويقودها ويموّلها انجلترا والولايات المتحدة، وينفذها "أهل السنّة" على امتداد تاريخ العراق السياسي الحديث!! إن هذ الظاهرة المعقدة نسبيا، كانت من حيث الجوهر نتاجا لنفسية وذهنية الاستبداد بالسلطة. من هنا توافقها مع مساعي دويلات الخليج المخصية "باسم العروبة" المزيفة. إلا أن الصراع العنيف ونتائجه قد أدت إلى هزيمة هذه القوى بمعايير الفكرة المستقبلية. ومن ثم تحوّلها إلى جزء من الماضي المنقرض. لكن رصيدها "التاريخي" مازال فاعلا ما لم يجر تذليل الخلل والإعاقة العقلية والأخلاقية الكامنة في مصادره التاريخية والفكرية ونماذجه السياسية.

فالتاريخ العربي، كان في أغلبه زمن الاستبداد. وما وضعه الكواكبي في "طبائع الاستبداد" يكشف عن حيوته لحد الآن بسبب بقاء حالة الاستبداد بل واستفحالها المدعوم بأموال البترودولار أو مال الصدفة الغبية! وبالتالي، فإن نقد الاستبداد مازال مهمة فردية واجتماعية ووطنية وقومية وثقافية كبرى. الأمر الذي يجعل من الضروري تتبع ونقد مصادره ومظاهره في كافة المجالات والمستويات. لاسيما وأن الاستبداد في العالم العربي متغلغل في كل مسام الوجود والوعي، بدأ من الحرف والكلمة، وانتهاء بالنظم السياسية والقيم الاجتماعية والاخلاقية، والقواعد القانونية، والعقائد والأديان، والايديولوجيات والأحزاب، والأذواق والعادات، والملائكة والشياطين، والأئمة والله! باختصار في كل شيء!

غير ان الاستبداد السياسي يبقى في نهاية المطاف القوة المحددة لأغلب مظاهره. وهذا بدوره ليس معزولا عن استعداد "الوعي الجماهيري" أو وعي العوام للانسياق وراء أوهام "القوة" و"العظمة" للاستبداد نفسه. غير أن مفارقة هذه الظاهرة تقوم ليس في الطابع المستلب لهذا النوع من الوعي الجماهيري، بل وبأثر البطش الظاهري والباطني للاستبداد نفسه الذي جعل الانسان والجماعة أشبه ما يكون بنشارة الحديد المندفعة صوب مغناطيس القوة والبطش، أي صوب مغناطيس الاستبداد نفسه. وليس مصادفة أن نسمع صياح وعياط ونواح أيتام الاستبداد نفسه بعد إعدام الطاغية صدام حسين، أو كما نراه في بعث شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي لكي "يلّقن اهل العراق" ما يستحقونه من التعذيب والسجن والقتلّ. حيث ظهرت آنذاك الكثير من الكتابات المدافعة عن "مآثر" الحجاج! ولم يكن هذا في الواقع سوى الوجه الآخر لسيادة أو بقاء العبودية السياسية وأخلاق العبيد. اذ عثر على كتابات تحتوي على عباراتمثل "ليت الحجاج برجع الآن للعراق ليدعوا أصحاب العمائم السود والبيض وقواد جيوشهم ورعاعهم إلى المسجد ليعيد مخاطبته إياهم: "أنا ابن جلا وإطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني"، و"يا أهل العراق! يا أهل الشقاق والنفاق"، واستكمالا بعبارات مثل "استوثقوا واستقيموا، واعملوا ولا تميلوا، وتابعوا وبايعوا، واجتمعوا، واستمعوا، فليس منّي الإهدار والإكثار وإنمّا هو هذا الِسّيف". وبعضهم ينادي الله بعبارة "اللهم اعطنا حجاجا أو أبعث الحجاج من قبره وأرسله إلى العراق الآن، لأن العراق بحاجة قصوى لحجاج". كما ظهر من قال وسيقول نفس الكلام عن زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، والقذافي، وعلي عبد الله صالح..... ففي هذه العبارات النموذجية تنعكس نفسية وذهنية العبودية المترسخة في أعمق اعماق "المثقفين" وأمثالهم من مرتزقة السلطة.

يعكس هذا النمط من الثقافة والمثقفين تقاليد ما اطلقت عليه الثقافة الاسلامية القرّاء السفهاء، وعلماء السوء، والمأجورين وغيرها من الاوصاف. وعموما هي "ثقافة الجهل والجهلاء". وجميعها يشير إلى حقيقة جلية وهي إن أنصاف المتعلمين، ومرتزقة الثقافة منهم بالأخص هو جزء، وقد لا يكون صغيرا، من بقايا ثقافة الانحطاط والعبودية الصلفة، أي تلك الثقافة المنحطة التي يمكن اعتبار الحجاج الثقفي احدى امثلتها "النموذجية" الكبرى.

***

إن الظهور السريع لشخصية الحجاج الثقفي على مسرح الزمن السياسي للأموية وانهياره المريع أمام التاريخ الروحي للكينونة العربية الثقافية يعكس أولا وقبل كل شيء طبيعة الانقلاب الحاد والعاصف من الخلافة إلى الملك (الملوكية)، أي من إمبراطورية الدولة الإسلامية الى إمبراطورية السلطة القبلية. وقد لازم هذا التناقض الأموية واستحكم في أعماقها حتى النهاية. وهي نهاية كانت محكومة ببدايتها. فقد كانت الأموية النموذج الصارخ لافتعال الفتنة والعيش بمعاييرها. من هنا صراخها الداخلي الذي جعل الحياة وما فيها ولولة وعويل. مما طبع كل مظاهر حياتها بابتسامة الموت الشاحبة. مع ما يترتب عليه من سيادة القلق الداخلي وتناثره المرعب في الأعصاب والأنساب!

فقد كانت الأموية النموذج التاريخي للحالة التي تحوّل فيها القلق إلى سيد المواقف. وليست هذه الحالة معزولة عن سيادة زمن السلطة. وفيها يمكن رؤية الصعود السريع والهبوط المريع، لأنهما كلاهما من هوية واحدة، هي هوية الزمن العابر، وانعدام التراكم الطبيعي. وقد استمدت هذه الحالة مقوماتها وآلية فعلها من طبيعة وكيفية الصعود الأموي للسلطة، مما جعل من السلطة بداية ونهاية الوجود الفعلي لكل شيء.

ومن مفارقات التاريخ الغريبة أن يكون مولد الحجاج بن يوسف الثقفي عام 41، أي في "عام الجماعة"! فمن الناحية الفعلية لم يعن "عام الجماعة" سوى تتويج "الإجماع" بخيانة مضمونه الحقوقي. وهو المعنى الذي اخمد كل الاحتمالات الرمزية للوفاق الاجتماعي الحر بوصفه توفيقا للعقل والوجدان. كما أنها المقدمة التي جعلت من فكرة "الجماعة الإسلامية" فكرة عبودية، بوصفها الصيغة اللاهوتية لفكرة الاستبداد السياسي المميزة للأموية. وفيها ينبغي البحث عن مصادر الإرهاب الشامل الذي ميز شخصية الحجاج وعبوديته التامة للسلطة الأموية. مما جعل منه سبيكة لا مثيل لها في تمثيل الاستبداد. مع ما ترتب عليه من انتهاك شامل لفكرة الحق والحقوق والإنسانية. بمعنى تجسيده لفكرة المسخ والممسوخ الثقافية التي تجعل من الإعدام أسلوب الوجود الحق! وليس مصادفة أن تكون عقوبة الصبر (الإعدام) هي الأكثر قربا إلى نفسية وذهنية الحجاج الغريزي! حيث تشترك المعطيات التاريخية في إبراز الكمية الهائلة من البشر الذين تعرضوا إلى عقوبة الإعدام، إضافة الى عدد السجناء والمشردين والمنفيين والمجبرين على التنقل والهرب والإقامة الجبرية. ويوصل بعض المؤرخين عدد من أعدمهم أبان حكمه للعراق والمشرق الى مائة وعشرين ألفاً. إضافة الى خمسين ألفا ممن توفي في السجون1 .

وقد استخدم الحجاج أساسا أسلوب القتل السريع بقطع الرقاب. لكنه استعمل أيضا كل ما وصلت إليه قريحته وخياله المريض، بما في ذلك مختلف أساليب التعذيب. ومن تتبع مختلف أساليبه التي تشير اليها كتب التاريخ يمكن التوصل إلى "استفادته" من تجارب الدول والأمم جميعا. بحيث جعل أحيانا من التعذيب أسلوبا للترفيه و"الكرم" المريض كما نراه على سبيل المثال في القصة المروية عن استعمال الحيوانات الضارية في تنفيذ عقوبة الموت. حيث أطلق على لص أسد جائع بعد أن شد يد اللص اليمنى وأعطاه السيف ليمسكه بيده الأخرى (وهي أيضا طريقة للتعذيب والترهيب، باعتبار اليمنى اليد العملية، أما اليد الأخرى فهي مجرد اضافية!). وقد تمكن اللص من قتل الأسد، مما دفع الحجاج للإفراج عنه. وهو إفراج لا علاقة له بفكرة الحق. ومن ثم لم يكن الحق والحقوق بالنسبة للحجاج (والأموية عموما) سوى القصاص المقرون بالرغبة الفردية للحاكم. وهو واقع يعطي لنا إمكانية القول، بأنه لم توجد في الفترة الأموية فكرة إسلامية عن الحق والحقوق، باستثناء مرحلة عمر بن عبد العزيز. بل أن انعدامها اللاحق هو استمرار للأموية التي بذرت بذورها الأولى العفانية (من عثمان بن عفان).

وتمم ذلك بسلسلة من الإجراءات القمعية التي صنعت أحد أشد وأعنف النظم القمعية والإرهابية في التاريخ العراقي. إذ ربط في كل واحد أساليب القتل والتعذيب والقمع والإكراه. بحيث لم يرحم حتى الأطفال والعجائز والشيوخ2 . وجعل من مدينة واسط عاصمته من تحدي المعارضة. بحيث جعل الدخول إليها تحت رقابة أمنية مشددة. بمعنى الدخول إليها بموافقة رسمية!

لم تكن شخصية الحجاج القمعية فريدة من نوعها بقدر ما أن نموذجيتها تقوم في "تهذيب" منظومة الإرهاب والقمع إلى أقصى درجاتها الممكنة وتقديمها على أنها الصيغة المثلى لفكرة الدولة والأمة والدين. الأمر الذي "حرره" من كل التزام أخلاقي وقانوني. وضمن هذا السياق كان الحجاج التجسيد التام للرغبة الأموية الدفينة، أي للصيغة المطلوبة من جانب "الارستقراطية" القرشية التي وجدت في الحجاج الثقفي مهمة "تثقيفها"!، أي جعلها أكثر حدة في قدرتها على العقاب الشامل والقتل الكيفي. إذ نراه يدفع أساليب من سبقوه، وبالأخص زياد بن أبيه إلى ذروتها، بما في ذلك أساليبه الأخرى مثل تتبع ومعاقبة أهل المعارضين وأقربائهم وغيرها من الأساليب.

لقد جعل الحجاج من العراق سجنا كبيرا لأهله. وصمم كل ما من شأنه تفعيل طاقة وأساليب السجن الكيفي والأحكام العرفية، بحيث أوصل البعض عدد السجناء الذين خرجوا منه بعد موته الى ثمانين ألفا، ثلاثين منهم من النساء. وجعل من الجماعات أفرادا مجزأة. ودفع بالتجزئة الظاهرية صوب استكمالها الباطني من خلال تحويل السخرة الى "نظام" مقبول، أي جعل من السلطة مالكة "البلاد والعباد"، كما نراه على سبيل المثال في جعله السخرة أسلوبا في تنفيذ مشاريعه "العمرانية".

لم يكتف الحجاج بتحويل العراق الى سجن، بل وانهمك في بناء السجون الكبيرة. وتنقل كتب التاريخ عنه بناءه لأحد اكبر السجون في الكوفة، بحيث جعله بدون سقوف وغرف. ومن ثم تحويله الى مكدس للسجناء. وقد اختلفت روايات المؤرخين للأعداد التي خرجت منه بعد موته، إلا أنها تجمع على أن عددهم لم يقل عن عشرين ألف سجين. بينما يوصله البعض الى مائة وعشرين ألفا، بما في ذلك أعداد كبيرة من النساء. ومهما يكن من العدد المشار إليه أعلاه إلا انه يعكس حجم ونوعية الإرهاب والقمع الذي مارسه الحجاج. وقد يكون هناك بعض التهويل في العدد، وبالأخص تجاه النساء، إلا أنها معطيات لا تتعارض من حيث الرؤية النقدية لممارسة الحجاج مع الواقع. فقد وسع الحجاج مختلف أساليب الإبادة الجماعية التي اتبعها زياد بن أبيه، بما في ذلك قتل وإعدام النساء.

ويمكن اعتبار الحجاج الثقفي من بين اوائل من فكر واهتم ونفذ أساليب السيطرة الشاملة التي تقترب مما ندعوه اليوم بالنزعة التوتاليتارية في الحكم. ووجد ذلك تعبيره في وضعه لقواعد الحياة العامة والخاصة، أي التدخل في شئون المجتمع والأفراد بالشكل الذي يحيّد أية إمكانية لتجميع القوى والمعارضة. لهذا نراه يمنع التجمهر. بل بلغ به الأمر انه كان يمنع الناس من الركوب مترادفين، وألزم كل رجل أن يركب وحده. وبلغ به الاستهتار حدا بحيث اخذ يفرض عيش الجنود عند العائلات بدلاً من عيشهم في ثكنات ومعسكرات خاصة بهم.

أما ما يسمى بمشاريعه العمرانية، فإنها لم تكن في الواقع سوى أحد أساليب تشديد القمع، الامر الذي نراه في خرابها السريع وتدميرها لفكرة العمران والاقتصاد. وذلك لأن مشاريعه "العمرانية" كانت مجرد أدوات ومسامير في جهاز القمع والإرهاب المنظم. وهو السبب القائم وراء أساليب السخرة في "البناء". فالسخرة إرهاب. وفي الحصيلة لا تفعل إلا على تخريب الروح والجسد الاجتماعي والاقتصادي. وليس مصادفة أن تؤدي أساليبه في تسخير الفلاحين (النبط بشكل خاص) إلى تخريب الزراعة والري. بحيث انخفض الإنتاج الزراعي إلى درجات مريعة في حكم الحجاج. والتعويض الوحيد كان يجري عبر "الفتوحات" أي الغزو المنظم للخارج. وهي المفارقة التي يمكن رؤيتها في الجدل الفكري والسياسي بين قواد الجيش والمعارضة التي اكتملت لاحقا في تمرد ابن الأشعث3 .(يتبع.....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

1- المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي: مروج الذهب و معادن الجوهر، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1991، ج3، ص187.

2- الأبشيهي، شهاب الدين محمد بن أحمد: المستطرف في كلّ فنٍ مستظرف، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1989م، ج1، ص82-83.

3- مقارنة سريعة: إننا نعثر في شخصية صدام حسين على ما يمكن دعوته بتناسخ الأرواح. فقد استعمل نفس أساليب الحجاج في قمع المعارضة، وقتل وسجن وتهجير الملايين، وجفف الاهوار، ودمر الزراعة، وانهارت كل مشاريعه "العمرانية" و"خططه الانفجارية"، التي فجّرت العراق من الداخل. لقد أراد صدام، شأن الحجاج، تعويض خسائره الاقتصادية المريعة باحتلال الكويت للتعويض عنها. غير إن صدام ليس الحجاج، كما انه ليس عامل إمبراطورية كبرى في بداية قوتها الصاعدة. مما يبرهن مرة أخرى على الخلاف بين النسخة الاصل والمقلدة. فالأخيرة تبقى، مهما سعى صاحبها لتلوينها، مجرد نسخة باهتة. لأنها بلا معاناة! وكما أدى سلوكه الإرهابي والقمعي إلى ثورات وتمرد في العراق لم ينته إلا بانتهاء الأموية وإزالة آثارها ومحوها من الواقع والذاكرة العراقية، كذلك الحال بالنسبة لصدام. فقد تحول الى "هدّام"، واخيرا جرى نسف قبره بحيث لم بيق له أثر في العراق غير ذاكرة تمقت كل ما فيه.

***

 

ميثم الجنابيلقد تبلورت شخصية داوود الطائي (ت-165 للهجرة) بين عوالم اليأس والرجاء، أي بين ضغط العالم الواقعي المليء بالرذيلة الباعثة على التخلي عما فيه، بوصفها الحالة الملازمة للقلوب النقية والوجدان العارم. لكن السقوط في اليأس هو عين الاندثار الخائب، اي الفاقد للمعنى. كما انه يتعارض مع احد الأفكار والمبادئ الجوهرية للإسلام المعارضة لليأس والقنوط. فاليأس والقنوط ضروريان لتهذيب الإرادة وما دعته الصوفية بانتصاب القلب في طلب الحق. ولا يمكن بلوغ ذلك دون الرجاء أو الأمل المتنور بأضواء الحقيقة، والذي نعثر عليه في إحدى العبارات الجميلة والعميقة التي قال بها داوود الطائي:"اليأس سبيل أعمالنا هذه، لكن القلوب تحّن إلى الرجاء".وما بينهما تكاملت شخصيته وفردانية مساره الفكري والروحي.

ولد داوود بن نصير الطائي في الكوفة. ثم رحل إلى بغداد وأخذ عن علماء وفقهاء عصره بمن فيهم أبو حنيفة النعمان. غير ان تأثره الأكبر كان بزهاد عصره مثل الحسن البصري ومتصوفة زمانه كإبراهيم بن ادهم. وبعد عودته إلى الكوفة اعتزل الناس واختلى بمكابداته ومعاناة إشكاليات عصره بمعايير الروح. واحتل، شأن كل متصوفة زمانه، موقعه المناسب لصيرورة وتكامل الفكرة الصوفية. وما وراءها كانت تتراكم أيضا مختلف الصور والانطباعات التي أضفت عليه هالة من السمو الأخلاقي والرفعة المعرفية. فقد قال عنه احد أقرانه:"لو كان داوود في الأمم الماضية لقص الله شيئاً من خبره". كما كان سفيان الثوري يعظمه ويقول "أبصر داوود أمره". بينما قال عنه ابن المبارك" هل الأمر إلا ما كان عليه داوود!". بينما حصر سفيان بن عيينة شخصيته بوصفه أول "من جمع بين العلم والعمل". وقال عنه بهذا الصدد "كان داوود ممن فقه ثم علم ثم عمل ثم أقبل على العبادة، وتخلى ولزم الصمت". بينما يورد بن السماك هذه المحارة التي جرت مرة بينهما، اذ قال له ابن السماك:

- لو جالست الناس!

- إنما أنت بين اثنين، بين صغير لا يوقرك، وبين كبير يحصي عليك عيوبك. إنما الزاهد من قدر فترك.

في حين وصفه أبو نعيم الأصفهاني بعبارة ظاهرية تقول :"رأيت داود الطائي وكان من أفصح الناس وأعلمهم بالعربية. يلبس قلنسوة طويلة سوداء"، أما شخصيته الباطنة فوضعها بالعبارة التالية: "أبصر معتبرا، وسبق مبتدرا، وتشمر منتصبا، وانتظر مرتقبا"، و"أفناه الفرق وألهاه القلق". الأمر الذي جعله، شأن اغلب المتصوفة، إشكالية بأثر الخلاف النوعي الذي حققه بذاته لذاته عما هو حوله. وقد أجاد ابن السماك في تصوير هذا الجانب بعباراته القائلة:"إن داوود نظر بقلبه إلى ما بين يديه فأعشى بصر قلبه بصر العيون. فهو يبصر ما تبصرون، وهو لا يبصر ما تنظرون إليه. تتعجبون منه وهو يتعجب منكم". "كان حيا وسط موتى"، و"كل ما كان يقوم به في الظاهر هو على عكس ما يظنه الآخرين".

يعكس هذا الخلاف الظاهري لداوود الطائي عمن حوله جوهر الخلاف الباطني عما هو ظاهر في كل من الرؤية والموقف والحياة. وجوهر الخلاف لا يقوم في التعارض والاختلاف بينهما بقدر ما يقوم في تكامل الوجود الصوفي بالوجد الصوفي، اي تكامل النفس عبر نفيها بمعايير النفي الصوفي، أو التكامل الذاتي بمعايير الوجد الصافي. وقد كانت الخلوة أو الانعزال الصوفي هو طريق البداية أو توبة الأبد التي تجعل من مهمة التركيز الذاتي أسلوب تكامل الشخصية بمعايير العلم والعمل. فهو من بين الأوائل الذين أسسوا لسلوك الخلوة بوصفها انتقالا من العلم النظري إلى العلم العملي. وضمن هذا السياق يمكن فهم سلوكه عندما توصل إلى حقيقة الإدراك الذاتي لماهية العلم والمعرفة بوصفهما طريقا للعمل. فعندما بلغ هذه المقام المعرفي دفعه صوب الاجتهاد الذاتي بوصفه حالا جوهريا. من هنا يمكن فهم موقفه عندما رمى كتبه في نهر الفرات بعد رجوعه إلى الكوفة. فهو سلوك الاجتهاد الحر، اي المتحرر من بطون ومتون الكتب عبر وضعها على محك السلوك الفردي، أو وضع السلوك الفردي على محك الحقيقة. فعندما يبلغ المرء الحد الضروري من المعرفة، فان البقية عمل لا غير. والعمل هنا هو علم ولكن من طراز آخر، يبدأ بالخلوة وينتهي بحال الحرية الأبدية. من هنا قوله "كفى باليقين زهدا، وكفى بالعلم عبادة، وكفى بالعبادة شغلا".

اذ للخلوة العلمية أثرها الخاص في التأمل العميق، بحيث نرى انعكاسها في كل أحواله وموقفه. فعندما قال احدهم له:

- يا أبا سليمان ألا تسرح لحيتك؟ فأجابه

- أنا عنها مشغول!

ووصف محمد بن الحسن التقاءه بداوود الطائي قالا:"أتيت داوود الطائي لأسلم عليه، فقعدت على باب الحجرة، وقلت له:

- أنت وحدك هاهنا رحمك الله؟ فأجابه:

- رحمك الله وهل أنس اليوم إلا في الوحدة والانفراد؟!".

وعندما قيل له مرة في الوحشة، أجاب:"حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا". وتوصل بأثر هذه الممارسة إلى القول:"توحش من الدنيا كما تتوحش من السباع"، وان يطالب في موقف آخر قائلا:"فر من الناس فرارك من السبع، فإنه ما خالط الناس أحد إلا نسي العهد". ومن هنا أيضا قوله "صم الدنيا واجعل الفطر موتك. واجتنب الناس غير تارك لجماعتهم"[1]، أو أن يختتم كل هذه المعاناة الجوهرية للأنا المتصيرة بمعايير الحق بفكرة تقول "اجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطر على الموت". ووجد ذلك انعكاسه في تلك اللحظة التي صورها ابن السماك عندما صوف حالة داود الطائي في موته قائلا:"وجدنه في بيته على التراب وتحت رأسه لبنة[2]. وهي الصورة التي أيدها عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي في شهادته على حال داوود الطائي في موته قائلا:"دخلت على داود الطائي في مرضه الذي مات فيه وليس في بيته إلا دن يكون فيه خبز يابس، ومطهرة، ولبنة كبيرة على التراب يجعلها وسادة وهي مخدته".

لقد كانت حالة موته الخاتمة المتجانسة لدخول الطريق والخروج منه. فقد قيل عن إن سبب دخوله التصوف هو انه سمع امرأة تنوح، إي سماع الوجد الخالص للوجدان برنينه على أوتار عالمه الروحي الآخذ في التصّير، بوصفه طريقه الخاص في بلوغ الحق. فقد كان التجرد عن رق الاغيار، كما تقول المتصوفة، هو أسلوب كل من يدخل طريق الحق. كما انه أسلوب لا صغيرة فيه ولا كبيرة، بمعنى مساواة الكل بالكل. وهي الذروة الروحية والأخلاقية التي ينبغي أن تذلل كل جوانح النفس الهائجة من اجل الهدوء في حضن الحق. فهي السكينة الوحيدة القادرة على شحذ الوجدان بغليان الروح الباحث عن المعنى. فعندما دخل عليه مرة محمد بن بشر، فوجده يأكل الخبز بدون ملح، فقال له:

- لو أكلته بملح!

- إن نفسي لتدعوني إلى الملح منذ سنة! ولا ذاق داود ملحا ما دام في الدنيا![3]

ومن المعروف عنه انه كان يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز. فقيل له في ذلك فأجاب:"بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية"[4]. بينما ينقل لنا أبو حنيفة عنه هذه الحادثة الطريفة. فقد قالت مولاة له:

- يا داوود! لو طبخت لك دسمًا

- افعلي!

فطبخت له شحمًا ثم جاءته به، فقال لها:

- ما فعل أيتام بني فلان؟

- على حالهم!

- اذهبي به إليهم!

- فديتك إنما تأكل هذا الخبز بالماء.

- إني إذا أكلته كان في الحش، وإذا أكله هؤلاء الأيتام كان عند الله مذخورًا.

وقد وصف أبو سليمان الداراني الحالة العامة لداوود الطائي قائلا: ورث داوود من أمه دارًا فكان ينتقل في بيوت الدار كلما تخرّب بيت من الدار انتقل منه إلى آخر ولم يعمره حتى أتى على عامة بيوت الدار. كما ورث من أبيه دنانير فكان يتقوت بها حتى كُفّن بآخرها. وليس مصادفة ان يرد يوما على رجل دخل عليه فقال له:

- إن في سقف بيتك جذع مكسورا

- ابن أخي! أنا لي في البيت منذ عشرين سنة ما نظرت إلى السقف[5].

إننا نقف هنا أمام إحدى الصيغ النموذجية لتربية الإرادة وتقويمها بمعايير الروح الأخلاقي، والتأمل العملي لمعنى الوجود الفردي والعام من اجل بلورة نوعية الهموم العميقة والالتزام بنتائجها. من هنا قوله "لو أملت أن أعيش شهرا لرأيتني قد أتيت عظيما. وكيف أؤمل ذلك وأرى الفجائع تغشى الخلائق في ساعات الليل والنهار؟[6]. وبالتالي، فإن "من خاف الوعيد قصر عليه البعيد، ومن طال أمله ضعف عمله. وكل ما هو آت قريب...". وضمن هذا السياق يمكن فهم معنى وحقيقة قوله "إن أهل الدنيا جميعا من أهل القبور". وإن الإنسان الحق هو الذي يتحرر من ذل المعاصي، أي ذاك الذي تتكامل فيه حقيقة المعنى الأخلاقي للوجود، كما في قوله "ما أخرج الله عبدا مِن ذلّ المعاصي إلى عزّ التقوى إلاّ أغناه بلا مال، وأعزّه بلا عشيرة، وآنسه بلا بَشَر". وهو المعنى الباطن ومن ثم الحقيقي الذي تتكامل فيه الشخصية الصوفية، أي تلك التي بلورت التقاليد الصوفية حدودها في الفكرة القائلة، بأن حقيقة التصوف ومن ثم المتصوف تقوم في بذل الروح. من هنا قول داوود الطائي عن أن سيماء المرء ليس في وجهه بل في عمله وسرّه. الأمر الذي يستلزم منه دوما أن "لا يحسد الأخيار ولا يعيب الأشرار، ولا يقبل من السلطان عطية ولا من الأمراء هدية"[7].

إن هذا التجرد المتسامي يعكس ما يمكن دعوته بوحدة الخوف والرجاء أو التحدي والأمل.ووضع داوود الطائي هذه العلاقة الكامنة في صيرورته الصوفية بعبارة تقل الذاتية "اليأس سبيل أعمالنا، ولكن القلوب تحن إلى الرجاء"[8]. وحددت هذه الوحدة المتناقضة، أو بصورة أدق هذه الوحدة الحية للمتناقضات الأفكار الجوهرية التي ادخلها للتصوف وهي كل من فكرة العلم والعمل، وفكرة القلب المهموم، وفكرة الأحوال ووحدتها.

فقد شكلت فكرة العلم والعمل المقدمة الجوهرية للطريق الصوفي والفكرة الصوفية بشكل عام. وبالنسبة لداوود الطائي فقد تراكمت في مجرى التأمل النظري والأخلاقي للمعرفة. اذ أدت به التجربة العقلية التي بلورها اهتمامه الأول بالفقه والكلام وعلوم اللغة والأدب إلى ما أعتقده ذروة المعرفة، بمعنى إدراك الحد الضروري الفاصل بين كمية العلوم والمعارف وحقيقة المعرفة بوصفها تحقيقا للحقيقة. وتوصل في مجرى تجربته الفردية إلى ان حقيقة العلم هي عمل، وحقيقة العمل هي علم. الأمر الذي دفعه في أول أحواله العميقة بهذا الصدد بعد رجوعه إلى الكوفة ان يجمع كتبه ويرميها في نهر الفرات. بمعنى الوقوف عند الحد الضروري الذي يستلزم تحويل العلم إلى عمل. فعندما سأله مرة احد الأشخاص عن مسألة، أجابه: "أليس المحارب إذا أراد أن يلقى الحرب أليس يجمع له آلته؟ فإذا أفنى عمره في جمع الآلة فمتى يحارب؟ إن العلم آلة العمل، فإذا أفنى عمره فيه فمتى يعمل؟!". ولا يعني ذلك بالنسبة لحال داوود الطائي سوى الانتقال من تقاليد العقل النظري إلى العقل العملي المهموم بمعايير القلب الزاهد والمتلون بأشعة التصوف. من هنا صعود فكرة القلب والعمل بها، أو ما أسميته بمرجعية القلب المهموم. ووجد ذلك انعكاسه في الأقوال والأعمال والمواقف الحياتية. اذ ينقل عنه كون بيته كان دارا واسعة خربة، بلا باب. وعندما قيل له:

- أنت في دار وحشة. فلو اتخذت لبيتك بابا.

- حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا[9].

بينما نسمعه مرة يقول عن نفسه "كيف يتسلى من حزن، مم تتجدد عليه المصائب في كل وقت؟"[10]. وليست هذه العبارة سوى الصيغة المباشرة والمكثفة عن فكرة الهمّ الموحد، كما في قوله "اللهم همّك عّطل عليّ الهموم، وحال بيني وبين السهاد". وأن "كل نفس ترد إلى همتها، فمهموم بخير ومهموم بشرّ". وبالتالي، فان البديل الأسمى هنا هو العامل حسب قواعد الفكرة التي بلورها بعبارة تقول "ما اخرج الله عبدا من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه بلا مال، واعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس"[11]. وليس مصادفة ان تكون حياته الظاهرية كمية من الطرائف الرقيقة بمعايير القلب المهموم. اذ ينقل عنه، على سبيل المثال، انه في ليلة مقمرة تفكر فقام فمشى على السطح وهو شاخص حتى وقع في دار جاره. فوثب صاحب البيت عريانا من الفراش، فاخذ السيف ظنا انه لص. فلما رأى داوود رجع فلبس ثيابه ووضع السيف، واخذ بيده حتى رده إلى داره. وعندما قيل له بذلك، قال "ما دريت" أو "ما شعرت"[12]. ومن المعروف عنه انه ورث عن أمه أربعمائة درهم فمكث يتقوت بها ثلاثين عاما. فلما نفدت جعل يأخذ من سقف البيت ما يبيعه حتى بقي في نصف سقف[13]. وفي إحدى المرات شاهده شخص وهو بجبة مخرقة، فقال له:

- لو خطتها!

- أما علمت انه نهى عن فضول النظر؟![14]

وقال احدهم جئت إلى داود الطائي فسمعته يخاطب نفسه، فظننت أن عنده إنسانا يكلمه. فتوقفت طويلا، ثم استأذنت بالدخول عليه، فقال:

- ما بدا لك من الاستئذان علي؟

- سمعتك تتكلم فظننت أن عندك إنسانا تخاصمه!

- لا! ولكن كنت أخاصم نفسي[15]

و مرض مرة فقالوا له:

- لو خرجت إلى روح يفرح قلبك!

- إني لاستحي من ربي أن انقل قدمي إلى ما فيه راحة لبدني[16].

وعندما قال له مرة احد الأشخاص

- كيف تقرأ هذا الحرف؟ (فلما تراءى الجمعان) أو (ترى الجمعان)

- غير هذا انفع منه[17].

وعندما سأله شخص عن حديث نبوي فأجابه:"دعني! إنما أبادر خروج نفسي".

إن هذا التنوع في المواقف يعكس وحدة الهموم الداخلية أو ما أسميته بمرجعية القلب المهموم، الذي تتحول فيه كل مظاهر الوجود والموقف منها إلى جزء من تأمل الحقائق الكبرى والعيش بموجبها. الأمر الذي عادة ما يؤدي إلى الغربة الغريبة عما هو حوله رغم اندماجه الجوهري فيها. وهي الحالة التي عادة ما تلازم وجد ووجود كل أولئك "الغرباء" في السلوك الظاهر. مع ما يترتب عليه من اتهامهم بالخرافة والجنون. فقد قال البعض عنه "كنا في البداية نضحك منه، ونعتقد انه مجنون. فما مات حتى سادنا"[18].

لقد كان "جنون" الطائي هو عين اليقظة الباطنية بوصفها الأشعة المتلازمة شأن ألوان قوس قزح. وفي ألوان سلوكه تتوحد ما يمكن دعوته بالأنا المتكاملة بذاتها. وهذه بدورها مسار لا ينقطع ولا يتقطع من وحدة الأحوال التي بلور داوود الطائي معالمها النظرية الأولية، حما نراها في فكرته عن قهر النفس بأضدادها مثل قهر الكلام بالصمت، والشهوة بالخلوة، والتقليد بالتفكر. فقد كان داوود الطائي، كما ينقل عنه، شديد الانقباض يعالج نفسه بالصمت. وكان قبل ذلك كثير الكلام. فأخرجته تلك المعاملة إلى التفكر. وبالتفكر ملك نفسه. وبهذا يكون داوود الطائي من بين أوائل المتصوفة الذين أرسى أسس الصيغة أولية لفكرة الأحوال مثل الخوف والرجاء، وهموم القلب، والانهماك الدائم في الآن الدائم، أي فكرة الوقت بوصفه حالا، وكذلك فكرة بصيرة الاعتبار، أي الصيغة العقلانية الأخلاقية لفكرة الحدس.

وبهذا يكون قد استكمل ما هو مستعد له، بحيث تسامت شخصيته في المخيال الاجتماعي الى درجة قال بها احدهم: رأيت الليلة التي مات بها داوود الطائي نورا وملائكة صعودا، وملائكة نزولا. فقلت:

- أي ليلة هذه؟ (فسمع صوتا يجيبه)

- ليلة مات فيها داود الطائي! وقد زرفت الجنة لقدوم روحه[19].

فالأرواح المتسامية لكبار المتصوفة تبقى حية في جنة العوام و"جنون" الخواص، بوصفها السبيكة المحيرة والمثيرة للتأمل الحي والإبداع الحر.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص343.

[2] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص340.

[3][3] الغزالي: الإحياء، ج4، ص407.

[4] الغزالي: الإحياء، ج4، ص409.

[5] الغزالي: الإحياء، ج4، ص409.

[6] الغزالي: الإحياء، ج4، ص456.

[7] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص336.

[8] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص359.

[9] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص343.

[10] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص356.

[11] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص356.

[12] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص358.

[13] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص346.

[14] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص352.

[15] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص350.

[16] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص355.

[17] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص357.

[18] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص360.

[19] القشيري: الرسالة القشيرية في التصوف، ص178.

 

 

صالح الطائي(موضوع كتبته بمناسبة إعلان الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي اليوم)

الصلاة عمود الدين، وهي أول ما أقر من أحكام العقيدة. وسورة الفاتحة عمود الصلاة، وهي أول ما تعلمه النبي (صلى الله عليه وآله)؛ لا تصح الصلاة المكتوبة إلا بالإتيان بها، ومع ذلك تجد المسلمين يختلفون في زمن نزولها إلى حد المهزلة والإسفاف، دون أن يلتفتوا إلى هذا المعنى. إذ أورد الشوكاني والسيوطي، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وميسرة وابن عباس والحسن وقتادة (رض)، قولهم: إنها مكية. وقد أخرج الواحدي في أسباب النزول، والثعلبي في تفسيره عن علي (رضي الله عنه) قال: "نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش"(2).

وأخرج أبو بكر بن الأنباري في المصاحف، عن عبادة، قال: "فاتحة الكتاب، نزلت بمكة". وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في دلائل النبوة، والثعلبي والواحدي من حديث عمر بن شرحبيل، أن رسول الله لما شكا إلى خديجة ما يجده عند أوائل الوحي، فذهبت به إلى ورقة، فأخبره، فقال له: إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد يا محمد، فأنطلق هاربا في الأرض، فقال: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه يا محمد، قل: بسم الله الرحمن الرحيم، حتى بلغ ولا الضالين الحديث".

بل قدمها أبو ميسرة، فوضعها في بدايات الطور المكي، كما في قوله: "أول ما أقرأ جبريل النبي فاتحة الكتاب إلى آخرها". ونجد ابن عباس يؤكد أنها نزلت بمكة بعد (يا أيها المثر)"( 3).

ومع ذلك تجد بينهم من ادعى أنها مدنية النزول، فمع أن نزولها في مكة من البديهيات، طالما أنها يجب أن تُقرأ في الصلوات، والصلاة نفسها فرضت في مكة قبل الهجرة، إلا أن جماعة منهم انبروا، وادعوا أنها مدنية!. واستدل من قال إنها نزلت بالمدينة بما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وأبو سعيد بن الأعرابي في معجمه، والطبراني في الأوسط من طريق مجاهد بن أبي هريرة: "رن إبليس حين أنزلت فاتحة الكتاب. وأنزلت بالمدينة"(4). ونقل السخاوي عن أبي هريرة، ومجاهد، والزهري، وعطاء بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، قالوا: "نزلت فاتحة الكتاب بالمدينة. والأكثر على خلاف ذلك"(5).

وأراد قسم آخر منهم تسوية الأمور بالتراضي، وفق قاعدة تسطيح العقل الإسلامي، فادعوا تكرار نزولها، لهذا، أخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو نعيم في الحلية وغيرهم من طرق، عن مجاهد، قال: "نزلت فاتحة الكتاب بالمدينة، وقيل: إنها نزلت مرتين، مرة بمكة، ومرة بالمدينة، جمعا بين هذه الروايات"(6).

والقسم الرابع منهم، أراد أن يحل الإشكال على طريقة أبي بكر بن العربي في كتابه العواصم من القواصم، فادعى أن نصفها الأول نزل بمكة، ونصفها الآخر، نزل بالمدينة، حكى أبو الليث السمرقندي: "أن نصفها نزل بمكة ونصفها الآخر نزل بالمدينة"(7).

واكتفى الكرمي بقول: "مكية وقيل مدنية وهي سبع آيات"(8).

تجد كل هذا الاختلاف والخلاف الغريب حول مكان نزول سورة فاتحة الكتاب، في الوقت الذي كادوا أن يتفقوا فيه على أن الصلاة فرضت على المسلمين في صبيحة ليلة الإسراء في مكة قبل الهجرة، جاء عن أنس بن مالك(رض): قال النبي(صلى الله عليه وآله): "ففرض الله عز وجل على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك، حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت استحييت من ربي"(9). وقال ابن كثير: "فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف، فرض الله على رسوله (صلى الله عليه وسلم) الصلوات الخمس، وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك، شيئا فشيئا"(10). وهناك بينهم من تحدث عن إجماع العلماء على أن الصلوات الخمس لم تفرض إلا في هذه الليلة(11).

وفي الأثر أن أبا سعيد بن المعلى، وهو صحابي من الأنصار قتل ببدر(12)، ترك قراءة الفاتحة في صلاته، فدعاه النبي، لأن صلاته باطلة، فأعلمه مكان الفاتحة وشأنها(13).

تؤكد هذه الروايات بلا أدنى شك أن الفاتحة قديمة النزول لأنها من شروط صحة الصلاة التي فرضت في مكة. ومع ذلك يأتي من يروي أن أنصاريا كان يصلي بدون قراءة الفاتحة وأن النبي استدعاه وهو يصلي لكي يعلمها له، عن أبي هريرة أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) خرج على أبي بن كعب، فقال: رسول الله: يا أبي، وهو يصلي، فألتفت أبي، فلم يجبه. وصلى أبي، فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله: وعليك السلام، ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعونك؟ فقال: يا رسول الله إني كنت في الصلاة، قال: فلم تجد فيما أوحي إلي أن (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)؟ قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله. قال: تحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله: كيف تقرأ في الصلاة؟ قال: فقرأ أم القرآن، فقال رسول الله: والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها"(14). وفي خلاصة القول نجد أن (الفاتحة) التي رُحِّلتْ حسب بعض أقوالهم إلى الطور المدني، هناك من يذكر أنها أول السور نزولا، بل سبقت (اقرأ) و(المدثر) في النزول(15).

ولأن المسلمين في غابر وحاضر تاريخهم لا يقوون على رد الحجة بالحجة غالبا، ويلجئون إلى الطريق الأصعب عادة، تجدهم يلجئون إلى التأويل والتعليل، ففيما يخص الحديث الذي أخرجه البيهقي وغيره، قال الرومي: إن هذا الحديث لا يدل على أن الفاتحة كانت أول ما أنزل، بل فيه دلالة على أن جبريل خاطب الرسول غير مرة.. وهذا الحديث مرسل لا يقوى على مناهضة حديث عائشة المرفوع(16).

المهم أن الذي تسبب بهذه الفوضى هي الأحكام الفقهية التي ولدت بعد عصر البعثة بزمن طويل، فمع أن فاتحة الكتاب أحد أهم أركان الصلاة المفروضة إلا أنهم اجتهدوا قبالة هذه الحقيقة مما خلق فجوة تتيح لمن يريد تأخير نزولها إلى الطور المدني أن يقول ذلك دون خوف، ومن يريد أن يقدمها إلى الطور المكي يقول ذلك دون خوف، فبعدما اختلفوا فيما إذا كان يتعين للقراءة في الصلاة فاتحة الكتاب، أم تجزئ هي أو غيرها؟ فقال الإمام أبو حنيفة ومن وافقه من أصحابه وغيرهم: إنها لا تتعين، بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة، واحتجوا بعموم قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}(17)، وبما ثبت في الصحيحين، من حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته أن رسول الله، قال له: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، قالوا: فأمره بقراءة ما تيسر، ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها، فدل على ما قلناه. وذهب آخرون إلى أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، ولا تجزئ الصلاة بدونها، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وجمهور العلماء؛ واحتجوا على ذلك بحديث: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج"(18). واحتجوا أيضا بما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن".

ثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم ذهبوا: أنه تجب قراءتها في كل ركعة. وقال آخرون: إنما تجب قراءتها في معظم الركعات، وقال الحسن وأكثر البصريين: إنما تجب قراءتها في ركعة واحدة من الصلوات، أخذا بمطلق الحديث: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: لا تتعين قراءتها، بل لو قرأ بغيرها أجزأه، لقوله: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}(19).

وقد طُبِّق أسلوب التعليل على باقي الروايات للغاية نفسها، إذ هناك حديث عن جابر بن عبد الله، يذكر فيه أن (المدثر) هي أول ما أنزل من القرآن: حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الصمد حدثنا حرب حدثنا يحيى قال: سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل أول؟ فقال: يا أيها المدثر، فقلت: أنبِئتُ أنه اقرأ باسم ربك الذي خلق، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل أول؟ فقال: يا أيها المدثر، فقلت، أنبئتُ أنه اقرأ باسم ربك الذي خلق، فقال: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله، قال رسول الله: "جاورت في حراء، فلما قضيت جواري، هبطت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فإذا هو جالس على كرسي بين السماء والأرض، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا علي ماء باردا، وأنزل علي يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر"(20).

حيث عللها العسقلاني بقوله: "المراد بالأولية في قوله " أول ما نزل سورة المدثر " أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي، أو مخصوصة بالأمر بالإنذار، لا أن المراد أنها أولية مطلقة، فكأن من قال: أول ما نزل اقرأ، أراد أولية مطلقة، ومن قال: إنها المدثر، أراد بقيد التصريح بالإرسال، قال الكرماني استخرج جابر " أول ما نزل يا أيها المدثر " باجتهاد وليس هو من روايته، والصحيح ما وقع في حديث عائشة، ويحتمل أن يكون قوله في هذه الرواية " فرأيت شيئا - أي جبريل - بحراء ، فقال لي : اقرأ فخفت ، فأتيت خديجة فقلت : دثروني فنزلت يا أيها المدثر " قلت : ويحتمل أن تكون الأولية في نزول يا أيها المدثر بقيد السبب، أي هي أول ما نزل من القرآن بسبب متقدم وهو ما وقع من التدثر الناشئ عن الرعب، وأما اقرأ فنزلت ابتداء بغير سبب متقدم(21).

وقال الطبرسي في تفسير سورة العلق: "وأكثر المفسرين على أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن، وأول يوم نزل جبرائيل على رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو نائم على حراء، علمه خمس آيات من أول هذه السورة. وقيل أول ما نزل من القرآن قوله: (يا أيها المدثر) وقيل أول سورة نزلت على رسول الله فاتحة الكتاب(22). وبالتالي يتضح من هذه الخلاصة وهذا الإيجاز الشديد أن هناك أقوالا غاية في الغرابة، ولكنها اعتمدت مصدرا تشريعيا لبعض الفرق الإسلامية.

إن الخلاف في هذه الجزئية يمثل نموذجا للخلاف الذي استشرى بين المسلمين حول مباني العقيدة، والذي أسهم في خلق الكتل، التي صارت كل واحدة منها تسعى لتكون الكتلة الأكبر فيتسنى لها قيادة المجتمع حتى ولو قادته إلى النار! ولذا لا تستغربوا إذا ما كان السعي وراء تشكيل الكتلة الأكبر قد امتد إلى يومنا الحاضر طالما أنه يملك قوة الموروث.

 

صالح الطائي

.....................

هوامش

(1) الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، ج1/ص17، والسيوطي، الدر المنثور، ج1/ص6.

(2) الواحدي، أسباب النزول...

(3) السخاوي، جمال القراء وكمال الإقراء، ص5354.

(4) الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، ج1/ص17.

(5) السخاوي، جمال القراء وكمال الإقراء، ص5253.

(6) الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، ج1/ص1718.

(7) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1/ص101.

(8) الكرمي، مرعي بن يوسف بن أبي بكر، قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن، كتاب إلكتروني بدون ترقيم.

(9) البخاري، صحيح البخاري، ص87، حديث: 349.

(10) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج5/ص67.

(11) ينظر: موقع الإسلام سؤال وجواب، جواب: 143111.

(12) العسقلاني، ابن حجر، (ت: 852ه)، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، 1425ه 2004م. ج4/ص2247، ترجمة: 10011.

(13) ينظر: السخاوي، جمال القراء، ص115.

(14) السخاوي، المصدر نفسه، ص114115.

(15) البيهقي، دلائل النبوة، ج2/157158، السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج1/ص1920، والسيوطي، الخصائص الكبرى، ج2/ص119.

(16) الرومي دراسات في علوم القرآن، ص253.

(17) المزمل: 20.

(18) الخداج: الناقص.

(19) ينظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1/ ص108 109.

(20) العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن سورة المدثر، باب قوله: وربك فكبر، ص545546، حديث: 4640.

(21) العسقلاني، المصدر نفسه، ص456.

(22) الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج10/ ص306307.

 

ميثم الجنابيتقديم عام للبحث: إن إحدى القضايا الجوهرية الضرورية بالنسبة لتأسيس وعي الذات الثقافي والرؤية العقلانية، والنقدية الواقعية تفترض "تنقية" التراث مما علق به من تشويه متنوع الأشكال والمواقف، إضافة إلى "تفسيره" المعاصر بمعايير الماضي المتكلسة وبعض قيمه السقيمة. وهي المهمة التي أسعى لتحقيقها من خلال إعادة النظر النقدية بمختلف جوانب التاريخ العربي الإسلامي. وسلسلة المقالات والأبحاث التي اكتبها وانشرها تحت عناوين (شخصية ومصير) و(شخصيات من التراث) و(شخصيات صوفية) وغيرها ترمي الى هذه الغاية.

إن مهمة هذا النوع من الكتابة تقوم في حلّ التحنيط المذهبي والعقائدي للشخصيات التي لعبت دورا هائلا في إرساء أسس الثقافة العقلية والعقلانية، والعاملة من أجل تأسيس فكرة الحق والشرعية والنزعة الإنسانية وفكرة الحرية. إضافة إلى تأسيس نمط نوعي آخر في التعامل مع التراث وشخصياته. إذ أغلب ما يكتب بهذا الجانب من مقالات وأبحاث "لا تحصى" مجرد تكرار سمج وممل لمعلومات تطفح بها الكتب التقليدية. ومن ثم يمكن اختصار كل الف مقال وبحث في مقال وبحث واحد، وهذا بدوره مجرد استفراغ مباشر لما في بطون الكتب التاريخية!

بينما المهمة الحالية والمستقبلية تقوم في تحليل ونقد الشخصيات التاريخية الثقافية الكبرى من أجل إعادة دمجها في الذهنية المعاصرة. وهي مهمة تهدف بقدر واحد إلى إرساء أسس الرؤية النقدية والعقلانية تجاه الماضي لما له من أثر كبير بالنسبة لبلورة الوعي الاجتماعي والسياسي الحديث، وكذلك بالنسبة لبلورة وعي الذات الثقافي والقومي المعاصر.

إذ لم يتعرض التاريخ الإسلامي وتراثه الهائل إلى مخاض النقد العقلاني العميق والمتناسق والمنظومي. فالتيارات الدنيوية (العلمانية) أما لا تفقه فيه شيئا أو أنها تعتقد، لأسباب منهجية وسياسية مستلبة، بأنه غريب عنها بالقدر الذي هي غريبة عنه، مما أدى إلى تصنيع اغتراب مزدوج، ملأته "اجتهادات" الفكر الديني المعاصر "بحداثة" مفتعلة أو بنكوص أشد صوب بنية تقليدية أشد تحجرا. الأمر الذي أدى ويؤدي بصورة متزايدة إلى تشويه الوعي الاجتماعي بمختلف مجالاته ومستوياته.

وفيما يخص سفيان الثوري فقد حقق في ابداعه الفكري وحياته العملية احد النماذج المعتدلة والعميقة لنقد الاستبداد السياسي ومذاهب التفرقة والصراع غير العقلاني، أي أحد النماذج الكلاسيكية في مواجهة تقاليد الاستبداد والعنف الذي رافق صعود الخلافة الأموية أولا والعباسية لاحقا، ومن ثم في اغلب نماذج السلطة الإسلامية على امتداد زمنها. الأمر الذي جعل التاريخ الإسلامي يجري في شقين متوازيين ولكل منهما عالمه الخاص، ألا وهو زمن السلطة والسلطان، وتاريخ العقل والوجدان الصادق. إذ طغى زمن السلطة على مظاهر الحياة والعقائد والسلوك والإيمان، بينما بقي تاريخ الروح والعقل الحر يفعل في قاع الوعي النقدي والضمير الحي. وهي الحالة التي مازال العالم العربي يعاني منها، بمعنى عدم خروجه من "مرجعياتها" القذرة.

حدد كل ذلك ما يمكن دعوته بهيمنة وسيادة الفقه والابتذال الديني العقائدي لكل شيء من جانب الفكر الخنوع والمراوغ والرياء غير المحدود "لعلماء السوء" كما وصفهم الغزالي في عدد من مؤلفاته. وقد تكون مدارس الفقه الإسلامي السائدة (باستثناء نسبي لأبي حنيفة) وتيارات الكلام (باستثناء المعتزلة)، وتيارات الفكرة السياسية (باستثناء الخوارج والشيعة الأوائل، أو ما يطلق عليهم تسمية الروافض). اذ استجاب و"يستجيب" جميعها بصورة مباشرة عبر دعم مختلف أصناف الفكرة الداعية لتقديس الخليفة والخلافة والإمامة وعدم المساس بها رغم جلاء خروجها على أحكام الشريعة (القانون)، أو بصورة غير مباشرة من خلال التأسيس لما يسمى بسد "باب الاجتهاد" وتعظيم التقليد ومحاربة العقل أو التقليل من شأنه مقارنة "بالشرع"، والانتقاص والذم لمضمون ووظيفة العلوم النظرية والفلسفية والطبيعية، أي كل ما يؤدي إلى اخماد العقل النقدي والروح الحر والضمير الحي في مواجهة إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة والثقافة. وكان هذا في أغلبه من نصيب ما يسمى "بأهل السنّة والجماعة". فقد كان إلهها ومعبودها الخنوع أمام السلطة بشكل عام والجائرة بشكل خاص. بينما حقق التيار الآخر، أو ما اسميته بتيار التاريخ العقلي والوجدان الصادق، أي المخلص لمبادئ "الإيمان الحي"، الذي يمكن اعتبار سفيان الثوري وأمثاله أحد نماذجه الأولية الكبرى في التاريخ الثقافي لعالم الخلافة الإسلامية، أي كل ذلك الرعيل الذي بلور روح الثقافة الإسلامية الحية والكونية ونزوعها الإنساني والعقلي والعقلاني.

وما زالت هذه الحالة سائدة لحد الآن كما نراها في الكمية الهائلة من مزابل الفتاوى الحنبلية وبالأخص مزبلة ابن تيمية والوهابية المحدثة وما قبلها من وهابية البدو النجدية ومشايخ النكاح والسفاح، و"زعماء وقادة" الاستبداد والانحطاط.

***

سفيان الثوري- أصله ومنشأه وحياته الشخصية

هو ابو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري التميمي (97-161 للهجرة). ولد في الكوفة وتوفي في البصرة. وتربى في عائلة تتسم بالعلم والمعرفة والأدب الإسلامي الرفيع. فقد كان والده من محدثي الكوفة الثقات، ومن أصحاب الشعبي وخيثمة بن عبد الرحمن. وكلاهما من ثقات الحديث الكوفيين. كما يشار إلى أثر أمه في تربيته وسمو اخلاقه. إذ ينسب اليها مخاطبته اياه في نشأته الاولى:"اذهب فاطلب العلم حتى أعولك بمغزلي. فإذا كتبت عشرة أحاديث فانظر هل تجد في نفسك زيادة فاتبعه، وإلا فلا تتعن". وأثر كل ذلك على تربية حب المعرفة وطلب العلم وسمو الروح الاخلاقي. فقد قام برحلات عديدة الى مختلف مناطق الخلافة من اجل طلب العلم والعرفة. بحيث قال عن نفسه مرة انه حالما أراد طلب العلم، فانه خاطب ربه قائلا:يا رب! لا بد لي من معيشة!" ووجد جوابه في رؤيته عن تلاشي واندثار العلم فقرر البحث عنه وفيه. ووجد في ذلك كفاية الكفايات. وهكذا ظل كما يقول عن نفسه مدى الحياة. وفي مجراها كانت حياته تترامى ما بين العمل والهروب من السلطة والعيش بمعايير المعرفة والعلم. وليس مصادفة أن يقال عنه بانه كان نموذجا لوحدة العلم والعمل. فقد كانت حياته علمه، وعلمه عمله.

حقق سفيان الثوري في ذاته وحياته ومماته الخصائص الجوهرية للكوفة في مراحل صعودها وصمودها في الصراع الدامي لصيرورة الخلافة العربية الإسلامية. فقد كانت هي صانعة القواعد الأولية للتفكير السياسي والروح النقدي واللغة العربية، أي المكونات الجوهرية المميزة لمراحل الانتقال الكبرى في تاريخ الإسلام وعقوله الثقافية، أو ما ادعوه باللحظة التأسيسية للتاريخ الذاتي.

وهذا بدوره لم يكن معزلا عن تاريخ وحالة التشيع المميزة للكوفة التي نشأ بها وترعرع. وبغض النظر عن ابتعاده ونقد للأبعاد المذهبية الضيقة في التشيع العملي، إلا أن وهج المواجهة النقدية والعملية والسياسية للطغيان والاستبداد كان محكوما بأثر التشيع. اما الأحكام القائلة بانه ترك التشيع حالما ذهب إلى البصرة متأثرا بأيوب السختياني وعبد الله بن عون فلا نصيب لها من الصحة. لقد كان ذلك بأثر تطوره الفكري العقلي والروحي والعملي الذي اوصله الى صيغة متميزة في الموقف من الاعتدال والتسامح والتشدد والوحدة والوسطية.

فللمدن تاريخها الخاص واثرها المخصوص في صيرورة شخصياتها الكبرى، تماما بالقدر الذي تتكامل هي في علمها وعملها وخيالها الشعبي باثر دورهم الظاهري والباطني في كينونتها التاريخية الثقافية. إذ كانت الكوفة من حيث صيرورتها الاولية الكف الذي لم يستطع الاستبداد الاموي كسر اصابعه، بل تحول الى كفوف تتراءى من خلالها انكفاء السلطة وراء العنف والقهر والاستبداد، ومن ثم التمتع من وراء هذا الستار الواقي للروح بالعزف على اوتار قصائد التحدي وعزة المروءة والفتوة. فقد كانت الكوفة في ذروة فتوتها العقلية والعلمية والروحية والسياسية. إذ مرت بذبذباتها المميزة لمراحل الانتقال العاصفة في تاريخ الخلافة من مقتل الحسين بوصفها الهزيمة الروحية الكبرى لفكرة الحق في التاريخ الاسلامي الأول الى اعادة الاعتبار للنفس بعد هذه الهزيمة في انتصار شعار وفكرة الثأر للروح الخذول كما جسدتها ثورة المختار الثقفي. لهذا أمتلئ كيانه وكينونته باثر هذا التاريخ المرير والجليل. فقد ولد هو في نهاية القرن الاول للهجرة فيها، كما ولد المختار الثقفي في بدايته. لقد كان ذلك قرن العظمة والانحطاط، الذي كسر واعاد لحم انكساراته في شخصياته الكبرى وابداعهم النظري وسلوكهم العملي. بحيث وجد تعبيره في شخصية سفيان الثوري. فقد نشأ في كوفة الروح والمعنى. إذ كانت الكوفة في ذلك العصر ليس فقط مركزاً من مراكز العلم، بل ومركز الرفض الروحي والاخلاقي والسياسي للاستبداد وانحراف الخلافة صوب الملوكية، والشورى صوب الاستبداد السلطوي. وفي هذا يكمن سر الروح المعارض لسفيان الثوري. إذ أرست فيه الكوفة وتقاليد التشيع الاول روح التحدي والمواجهة للسلطة حتى النهاية. لكنه سلك ذلك بطريقته الخاصة بوصفه مثقف الروح الحر والاخلاص للحق والحقيقة

جسّد سفيان الثوري احدى الحالات المأساوية في تاريخ فكرة الحق والدولة والسلطة. والقضية هنا ليست فقط في نوعية حياته المتخفية والمشردة والطريدة والسرية، وموته المخفي عن عيون الانام والانعام، بقدر ما كانت تكمن في تعرض الدور التأسيسي لفكرة الحق الشرعي والاجتهاد الحر والنزعة الاخلاقية الصارمة الى مهانة قاسية من جانب السلطة. فالروايات المحققة بهذا الصدد تقول، بانه حالما مات سفيان جرى بالليل للدفن خوفا من تتبع عيون السلطان. فحملناه بالليل". ليس ذلك فحسب، بل وجرى دفنه بسرعة بحيث لم يشهد دفنه بالصلاة عليه!!. وقد كانت تلك خاتمة العلاقة التي اختتم بها حياته الفردية والعامة، اي حياته الشخصية وعلاقته بالدولة وسلطانها واعوانها. فقد هرب اخر حياته الى البصرة وعمل بالبساتين. وتنقل احدى الروايات كيف ان الطبيب الذي فحصه وهو في مرضه قائلا: "أرى بول رجل قد احرّ الخوف كبده والحزن جوفه"، وفي رواية اخرى عن احد المقربين منه قال فيها "مرض سفيان فذهبت بمائه إلى الطبيب فقال: هذا بول راهب، هذا رجل قد فتت الحزن كبده، ما له دواء".

اذ اختفى وتخفى سفيان الثوري اواخر حياته نحو سنة هربا من السلطة. وتنقل لنا الروايات المحققة بهذا الصدد الحالة المحزنة والفريدة في غياب الشخصية الفكرية الرفيعة التي ابت الخنوع والانكسار وفضلت الاختفاء بالجسد والبقاء بالروح. بمعنى البقاء والمواقف مع النفس والعالم بمعايير الاخلاص للحق. وتنقل لنا الراوية المشهد التالي: غدونا على قبره ومعنا جرير بن حازم، وسلام بن مسكين من أئمة العلم. فتقدم جرير وصلى على قبره ثم بكى وقال:

إذا بكيت على ميت لمكرمة    فابك غداة على الثوري سفيان

وسكت، فقال عبد الله بن الصرباح:

أبكي عليه وقد ولى وسؤدده       وفـــضله ناظر كالغســل ريان

لقد بكاه ذوي الاخلاص وطير الخلاص، كما نعثر عليه في احدى الصور الواقعية التي قد لا تخلو من الخيال المرهف والرمزية المتسامية، التي تحكي كيف انه شاهد بلبلا محبوسا لابن صاحبه فقال له:

- لو خلى عنه!

- هو لابني. وهو يهبه لك

- لا! ولكن اعطيه دينارا

فأخذه وخلى عنه. فكان البلبل يذهب فيرعى ويجيئ بالعشى. فيكون في ناحية البيت. فلما مات سفيان تبع جنازته فكان يضطرب على قبره. ثم اختلف اليه بعد ذلك ليالي الى قبره. فكان ربما بات عليه وربما رجع الى البيت. ثم وجوده ميتا عند قبره فدفن الى جنبه وقبل معه في القبر.

اننا نعثر في هذه الصورة الواقعية - الخيالية على رمزية الحرية والأنا المتسامية، أي كل ما لازم شخصيته. أما لماذا جرت هذه الحالة التي تبدو في كل مكوناتها سلوكا معارضا ومضادا لعلاقة الإسلام ومنطق الحق، فإن سببها يكمن أولا وقبل كل شيء في طبيعة السلطة ونوعية تبلورها في ظل الهيمنة الأموية التي حرفت مسار التاريخ المحتمل للخلافة بكل ما فيه، مع ما ترتب عليه من حالة وضعها سفيان الثوري في عبارة تقول "هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان!"

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

عدنان عويدما هو الإسلام الذي نريده؟. أو ماذا يريد منا الإسلام الصحيح؟.

يتبين معنا من كل ما جئنا إليه في هذه الدراسة من رؤى وأفكار ومواقف أيديولوجية أو سياسية دينية تتعلق بالخطاب الإسلامي وتياراته، أو طبيعة الصراع الذي دار ولم يزل دائراً بين ممثلي هذه التيارات الفقهية والمذهبية والكلامية حتى هذا التاريخ، والذي كان سببه كما بينا في موقع سابق من هذه الدراسة هي السلطة أو الخلافة ممثلة بمصالح الطبقة الحاكمة وفقهائها ممن في قلوبهم زيغ، الذين اتكأوا على الآيات المتشابهات كثيراً، بغية الفتنة وتأويل النص لمصالح أنانية ضيقة، ضاربين عرض الحائط مضمون الآية السابعة من سورة آل عمران التي جعلنا منها منطلقاً لهذه الدراسة، ومتناسين أيضاً حديث الرسول الذي يلتقي مع هذه الآية وهو: (القرآن ذلول ذو وجوه متعددة، فخذوه على وجهه الحسن.). وهذا في الحقيقة ما يبعث فينا التساؤل عن طبيعة الإسلام الذي نريده، أو ماذا يريد منا الإسلام الصحيح؟. وما هي مقاصده وأهدافه التي نطمح إلى تجسيدها في واقعنا كي نتجاوز واقعنا المتخلف حضارياً، ووعي أبنائه الذي سيطرت عليه الثقافة الشفوية بلبوسها الفقهي السلفي المفوّت حضارياً وتاريخياً بسبب رفض الكثير من دعاته فتح باب الاجتهاد، منذ أن رُسمت لنا هذه الثقافة وجُذرت في وعينا مع نهاية النصف الأول للقرن الثاني للهجرة، (تاريخاً، وفقهاً، وعلم كلام، وتفسيراً ومغازي وحديثاً). أي مع بداية ما سمي بعصر التدوين في تاريخ الدولة الإسلامية، والذي حقق في معطياته الثقافية ورجاله صفة التقديس، بل إن النص المقدس نفسه (القرآن) تنحى عند بعض مريدي مشايخ ذاك العصر أمام ما أقره مشايخ الفكر والفقه السلفي التكفيري من السنة والشيعة من دعاة الفرقة الناجية سابقاً.

تستوقفني هنا مقولة رائعة في دلالاتها للمصلح الديني الكبير " مارتن لوثر" تقول: (لا يمكنني أن أتحمل أية قاعدة أو صيغة جاهزة يُفرض علينا التقيد بها من أجل تفسير الكتابات المقدسة، ذلك أن كلام الله الذي يُعَلِمْ كل حرية لا يمكن أن يكون سجيناً.).

وهذه المقولة لها ما يؤكد جوهرها الفكري في الآية القرآنية التالية : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.). (البقرة -260).

نعم.. إن مثل قول "مارتبن لوثر" في الدعوة لحرية الرأي والعقل، ورفض اليقين حتى في العقيدة، كان وراء ثورة دينة حطمت كل التفكير اللاهوتي السكوني الجبري المعادي للدين والمتدينين، بعد أن حُجر على النص المقدس وعلى إرادة وحرية الإنسان معاً مئات السنين، فكان وراء تحرير النص وحرية الإنسان وإرادته تطور العالم الحر ووصوله إلى مصاف التقدم والرقي في مجال استخدام العقل. الذي أمرنا الله نحن المسلمين أن نأخذ به كما جاء في الآية التالية : (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ). (الأعراف - 179). إلا أن هذا التقدم والرقي بنظر رجال الفكر السلفي من دعاة الفرقة الناجية والحاكمية، لم يزل ينظر إليه حتى اليوم فكر زناديق وكفرة، كونه لم يفتتح برضى الشريعة الإسلامية أو وفق فهم دعاة أصحاب الفرقة الناجية لها. وهذا في الحقيقة ما يدعونا نحن أمام هذا الحجر ذاته الذي يمارس على عقولنا وإراداتنا منذ مئات السنين، أن نحقق ثورة حقيقة في خطابنا الإسلامي التقليدي الوثوقي الذي أوقف باب الاجتهاد وجعل الواقع مرتبطاً بما حدده لنا فقهاء الفرقة الناجية، الذين اعتبروا كل ما يوافق العقيدة والشرع في خطابنا الإسلامي الذي (فهموه هم) بأنه حلال وشرعي ومباح، وكل ما يخالف فهمهم حرام ومنافي للشرع ومحرم، وبالتالي هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

إن أول وأهم أسس هذه الثورة التي نريد تجديد خطابنا الاسلامي عبرها هي : رد الاعتبار للإيمان الصحيح المبني على العقل وحرية التفكير والاعتقاد بعيداً عن أي قسر أو إكراه، (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي). (البقرة – 256). .. (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل.). (يونس – 108). أو الرضوخ لأي تقليد أعمى يفرضه عليك الآخرون دون النظر فيه ومعرفة مدى قدرته على تحقيق مصالح الناس وموافقته لخصوصيات العصر، أو المرحلة التاريخية المعيوشة.

إن مثل هذا التأسيس سيعمل ويجب أن يعمل على تأكيد أهمية الفرد واستقلاليته الذاتية بعيداً عن أية نمذجة لهما وفقاً لقياس المذاهب والمدارس الفقهية والفكرية السكونيّة الرافضة للتغير والتطور، والمكفرة للمختلف والداعية إلى قتله وتحليل دمه وماله باسم الفرقة الناجية، هذه المذاهب الجمودية في رؤيتها التي أوقفت حركة التاريخ لمصلحة فهمهم للنص المقدس في مراحل زمنية تجاوزها التاريخ نفسه فكراً وممارسة وقضايا، فرضت على وعي المؤمن صورة لخالق هذا الكون، بأنه لا يعرف إلا النار وجهنم والعقاب الصارم في كل لحظة... صورة الإله الذي يحاصر المؤمن بالخطيئة والذنب إلى درجة لا يترك له أملاً في هذه الحياة، متناسين قوله تعالى: (إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون.). يونس. (44).

إن التأسيس الذي جئنا عليه هو الذي سيفتح النص المقدس على كل دلالاته الإنسانية بعد أن يتم البحث في مخزونه الإنساني وقيمه الروحية القائمة على المحبة والعدل والمساواة، وذلك لا يتم إلا من خلال أخذنا واستلهامنا مضامين الآيات المحكمات من القرآن الكريم. وبعيداً عن التعامل بمزاجية ومصلحية مع ما نسخ منه وما لم ينسخ، كما حاول أصحاب الفرقة الناجية التعامل معه، فالذي نسخ الآيات وبدلها هو الله، والله يقول في الآية السابعة من آل عمران كما بينا سابقاً، إن هناك آيات محكمات وأخر متشابهات، والراسخون في العلم يقولن آمنا بها وكلها من عند الله، ولم يقولوا ننسخها ونؤولها كما نريد وكما يريد أصحاب من في قلوبهم زيغ. بل يقولون علينا أن نأخذ بالآيات التي تدلنا على العدل والمحبة والمساواة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعلينا أن ننظر دائماً إلى روح النصوص المشبعة بالإنسانية وليس النصوص المشبعة بالقتل والذبح وحصار الاخرين أطفالاً ونساءً وشيوخاً، و وحصارهم وتجويعهم فقط لآنهم لا يلتقون معهم في فهم الدين. وعلينا أيضاً أن نقر بأن الأحكام تتجدد بتجدد الأزمان، لا كما يقول بعض المتكلمين من هذا التيار الجمودي: (بأن النص ينطق ولا يستنطق.). وعلينا أن نفتح باب الاجتهاد على مصراعيه كي يتفق هذا الدين العظيم مع تطور الواقع الذي نزل أساساً من أجل تغييره، وما تجربة "عمر بن الخطاب " في الاجتهاد في عام الرمادة والمؤلفة قلوبهم وتوزيع أراضي السواد، إلا دليلاً على هذا الموقف العقلاني من النص الديني وإمكانية فتحه على كل مخزونه الإنساني. وهذا حديث للرسول يتوافق والفهم الحقيقي للدين وقابليته لفتح باب الاجتهاد، حيث يقول الرسول: (من سن سنة في الإسلام حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن يُنتقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده دون أن يُنتقص من وزرها شيء.). (عن أبي هريرة –رواه مسلم).

من هذا المنطلق العقلاني في تعاملنا مع النص المقدس وما أحاديث الرسول المتفقة مع هذا النص، ومع الرؤى الفكرية العقلانية التنويرية لفلاسفة ومشايخ الدين العقلانيين كابن رشد والفارابي وابن حزم وابن خلدون ومحمد عبدو والأفغاني والكواكبي وعلي عبد الرازق وماجد الغرباوي وغير هم الكثير ماضياً وحاضراً، ستولد حركة فكرية نقدية تجديدية تعطي الأهمية أولاً للعقل وللتجربة الحياتية المباشرة للفرد والمجتمع. إن مثل هذا التأسيس سيؤدي في نهاية المطاف إلى بناء الدولة العقلانية القائمة على فكرة المواطنة والمؤسسات والقانون والمشاركة السياسية وفقاً لـ (وأمرهم شورى بينهم)، ووفقاً لما قال به أول خليفة وهو "أبو بكر" : (وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني.). أو كما قال الخليفة الثاني "عمر بن الخطاب": (إن رأيتهم فيّ اعوجاجاً فقوموني.). وليس بناء الدولة القائمة على الملك العضوض أو خلافة حاكمية الفرقة الناجية التي تقول بأن أصحابها هم النخبة التي اختارها الله فقط لتحقيق شريعة الله على هذه الأرض.

إن الإسلام الذي نريده في نهاية المطاف، هو الإسلام المبني على كل ما جئنا إليه أعلاه، وهو الذي كونه يساهم في توسيع دائرة المباح بما يخدم حياة الإنسان وتطوره، وتقليص دائرة الإلزام التي تحجر على حرية الإنسان وإرادة وتضييق مصالحه وحاجاته الإنسانية، وتعمل على سجن النص المقدس نفسه والإنسان معاً بقوالب فكرية جاهزة تجاوز الزمن الكثير منها فكراً وممارسةً، دون أن نغفل أو ننكر أن هناك مواقف فقهيةً عقلانيةً بين طيات كتب فقهاء السلفية، لها أهميتها، وعلينا تبنيها والأخذ بها طالما هي تعتمد على العقل والمنطق، كما علينا أن نقدر لهؤلاء الفقهاء والمتكلمين تلك الجهود العظيمة في عملهم الشاق والدؤوب في تأصيل علوم الدين وفي مقدمتها قواعد وأصول الفقه، في مرحلة تاريخية حلت فيها الفوضى الفقهية ودخول الدين عبر تفسيره وتاويله الكثير من الرؤى والأفكار الغريبة عن الدين بسبب ثقافات الشعوب الكثيرة التي انضوت تحت مظلة الخلافة الإسلامية وراح مفكروها ورجال دينها يمارسون الشعوبية على العرب والإسلام معاً.

علينا أن نقدر جهود كل من عمل من فقهاء ومتكلمين وفلاسفة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، على الخروج من دائرة (القياس الجزئي على الجزئي). إلى دائرة (القياس الجزئي على الكلي أو العام) كما فعل "ابن حزم". أو من طور في مفهوم الاجماع، ولم يعد يقتصره على علماء أهل المدينة فقط، بل فتح الباب التاريخي له فهناك من رجال الدين وعلمائه المعاصرين من أكتسب معارف العصر بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية وراح يوظف هذه المعارف في خدمة النص الديني كي يوافق خصوصيات العصر ومصالح الناس المتطورة والمتبدلة، أو أعاد قراءة الحديث من جديد وعمل على تناول كل حديث يتفق ورح الآيات المحكمات، أو روح العلم والمنطق والعقل، رافضاً تقديس ما قدسه أهل الفرقة الناجية، وكل ما يقف عائقاً أمام حرية العقل والإرادة الإنسانية أو مستخدماً قواعد واصول الفقه الفرعية مثل المصالح المرسلة، والاستحسان، وسد الذرائع، ومراعات الخلاف، واعتماد المصلحة وتقديمها، وغيرها من القواعد والأصول، التي فسحت في المجال واسعاً أمام الراي واحترام العقل والإنسان ومصالحه الخيرة. ففي مثل هذا التوجه، سيرتفع سقف التكاليف فوق فضاء واسع من الحرية واحترام الآخر، واحترام العقل الإنساني دون أن ينتقص ذلك من حرارة الإيمان بالله شيئاً.

إن الله عز شأنه يريد بالناس اليسر ولا يريد بهم العسر. وبالتالي حد الدين من التنطع في الدين، وهذا ما أشار إليه حديث الرسول الكريم أيضاً بقوله: (إن أعظم المسلمين بالمسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم عليه، فحرم عليهم من أجل مسألته.). (رواه مسلم).. أو قول الرسول أيضاً : (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وعفا عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا فيها.). [حديث حسن، رواه الدارقطني في سننه:].

نعم الأصل في الأشياء الاباحة كما تقول القاعدة الفقهية. وأهم شيء في هذا الأصل هو تأكيد حرية الإنسان من أجل تحقيق مقاصد الدين الحقيقة في بناء الفرد والمجتمع والدولة وفقاً لحاجات الزمان والمكان.

إن حاجات الإنسان ليس لها حدود، فالإنسان أساساً هو مركب حاجات مادية ومعنوية/ روحية، وتنميتها تأتي وفقاً لمفاهيم العدل والمساواة والمحبة بين الناس، التي يفرضها تطور الزمان أيضاً، فجوهر العدل والمساواة والمحبة واحد، وجوهر كل القيم النبيلة واحد، إن كان ما جاء به النص المقدس، أو وفقاً لما يراه العقد الاجتماعي، والناس أدرى بأمور دنياها كما يقول الرسول. نعم إن الناس أدرى بشؤون دنياهم، ومصالحهم تتحقق عبر التداول أو التشاور بينهم، والشورى في التعبير السياسي المعاصر هي الديمقراطية، والديمقراطية مشاركة في بناء المجتمع وتداول سلطة، وليست قميص عثمان. فهذا كتاب الله يعلمنا الشورى وتداول الراي حيث تقول الآية الكريمة على لسان بلقيس: (قالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ.). (النمل – 29 حتى 33).

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحت من ديرالزور- سورية

.............................

1- د.فرج فوده- الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1992- ص 65

2- - عبد الجواد ياسين- السلطة في الإسلام – المركز الثقافي اعربي – ط1- 1998- ص 284.

3 -عبد الجواد- المرجع نفسه- ص 291.

4- عبد الجواد ياسين – المرجع نفسه- ص 291.

5- حسن ابراهيم حسن – تاريخ الإسلام- ج1- ص 410.

6- عبد الجواد ياسين – مرجع سابق- ص 27.

7- أبو يعلي الفراء- الأحكام السلطانية- دار الكتب العلمية بيروت- 1983- ص 20. يراجع أيضاً عزيز العظمة- العلمانية من منظور مختلف-ص 42.

8- التفتزاني- شرح العقائد النسفية- ص448.

9- التفتزاني- شرح العقائد النسفية- ص448.

10 - فرج فودة – الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- ص58. نقلاً عن السيوطي –ص82 .

11- فرج فودة – الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- ص58. نقلاً عن الطبري. ج2- ص 108 و109.

12- يراجع موضوع القضاء والقدر عند السلفية كتاب (القضاء والقدر)- تأليف عبد الحليم محمد قنبس، ووخالد محمد العكك- دار التاب العربي –دمشق دون تاريخ نشر.

13- محمد سعيد العشماوي- الإسلام والسياسة- سينا للنشر – 1987-ص80 وما بعد.

14 -عبد الجواد ياسين مرجع سابق. ص128.

15- جواد ياسين المرجع نفسه- ص128.

16- جواد الياسين – السلطة في الإسلام- مرجع سابق. - ص 69

17- قول معوية وأبي جعفر – جواد ياسين مرجع سابق.

18- أحمد امين فجر الإسلام – ج دار التاب العربي- بيروت -1969- ج3- ص 380 وما بعد.

19- يراجع عن مسألة القضاء والقدر وحرية الإنسان (ونظرية البداء) – كتاب – آية الله الشهيد المطهري- الإنسان والقدر- منظمة الإعلام الإسلامي 1303هـ.

20- أحمد امين فجر الإسلام –مصدر سابق- ص267.

21- فجر الإسلام المرجع ذاته- ص 263.

22- نهج البلاغة – بيروت- 1982- راجع من ص477 حتى 479.آخر الجزء الثاني.

23- أميل توما- الحركات الاجتماعية في الإسلام – الفارابي- بيروت- 1981- ص 101.

24- أحمد أمين – ضحى الإسلام- دار الكتاب العربي- بيروت- 1969- ص173.

.

عدنان عويدالإشكالات الفكرية، عقيدة وفقهاً في الخطاب الإسلامي السلفي:

دعونا بدية نشير إلى مسألة على غاية من الأهمية تتعلق بمن جعلوا من أنفسهم حماة الدين والمعبرين عن وجهه الصحيح، حتى وصل الأمر إلى اعتبار بعضهم أنهم وحدهم من امتلك ناصية الحقيقة في فهم الدين والتعبير عنه، ووصل ما قالوه أو أفتوا به أو فسروه أو أولوه كذلك عند مريديهم إلى درجة التقديس.

نقول: من السقيفة ظهر علينا التزوير والانتحال والتقول على لسان الرسول في أهم مسألة في الخطاب الإسلامي وهي مسألة (الخلافة)، التي حصرها بعض المتصارعين على السلطة في السقيفة بأنها في قريش فقط، ليأتي فيما بعد من يضع الأحاديث في هذا الشأن خدمة للبيت الأموي والعباسي. فقد جاء في الصحيحين عند مسلم والبخاري: (لايزال هذا الأمر في قريش ما تبقى من الناس إثنان)، وهذا الحديث في الحقيقة يخالف تعاليم الإسلام من جهتين. الأولى: بأن الإسلام لم يحدد طبيعة الحكم وشكله ونظامه. والثانية: لأن الله سبحانه وتعالي يقول (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (13 - الحجرات) وكذلك قول الرسول: (لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى.). (رواه أحمد والطبراني). وهذا الخليفة عمر ابن الخطاب يؤكد ذلك في حديث له كما تذكر المصادر التاريخية بقوله: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته.). (1). فمسألة الأخذ بكل حديث وفقاً للسند وليس للمتن، ترك إشكالات ليس لها حدود في الخطاب الإسلامي. فكيف نستطيع التصديق مثلاً بأن كل ما جاء في الصحيحين صحيح لا غبار عليه حتى يتحول في المحصلة كل ما فيهما من أحاديث إلى نصوص مقدسة؟. فلنتابع مع النووي حديثه عن الصحيحين ونضعهما في ميزان العقل والمنطق ونرى مدى توافق ما قيل عن الصحيحين وقوانين العقل . يذكر النووي في التغريب: (ذكر الشيخ ابن صلاح أن ما روياه أو أحدهما مقطوع بصحته. والعلم القطعي حاصل.).. كما زعم إمام الحرمين "الجوني" إجماع علماء المسلمين على ذلك وقال: (لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن كل ما في الصحيحين مما حكما بصحته من قول النبي (ص)، لما ألزمه الطلاق.). ويذكر السيوطي أن قول ابن صلاح هذا قول أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة وأكثر أهل الكلام من الأشعرية والشافعية كأبي اسحق وأبي حامد السفراييني والقاضي أبو الطيب وأبي اسحق الشيرازي، ومن الحنفية كالسرخس، ومن المالكية كالقاضي عبد الوهاب، ومن الحنابلة كأبي يعلي وابن الخطاب وابن الغفران.). (2). والملفت للنظر في كيفية جمع "البخاري" للحديث تجعلنا نقف كثيراً عند صحة ما جاء في صحيحه، حيث يذكر "محمد بن الأزهر السجستاني" بأنه: (كنا في مجلس سليمان بن حرب والبخاري معنا يسمع ولا يكتب. فقيل لبعضهم ماله لا يكتب، فقال أحدهم: يرجع إلى بخارى ويكتب من حفظه). (3) .وقد روى الخطيب البغدادي عن البخاري قوله: رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته في مصر ، فقيل له يا أبا عبد الله، بتمامه؟. فسكت.) (4). وتذكر المصادر بأن البخاري قد جمع 7275 حديثاً، بما فيها المكرر، ولو حذف المكرر لظل 4000 حديثاً، وقد اختارها من300000 حديث. (5).

أما ما هو أخطر من هذه المسألة بالنسبة لدور بعض رجال الدين وعلمائه، هو موقفهم من السلطات الظالمة والفاسدة، من حيث تبرير فسادهم وظلمهم وعدم الاحتجاج على الحاكم والاعتراض على حكمه، تحت ذريعة إبعاد البلاد عن الفتنة، بينما نجدهم وأتباعهم يسلطون سيوف التهديد والوعيد للناس الضعفاء من العامة إذا ما أخطأ أحدهم أو ارتكب ذنب لا يقره الشرع وفق فهمهم هم له.

بعد عصر التدوين الحقيقي ، بعد 145 عاماً من الهجرة كما يذكر السيوطي نقلاً عن الذهبي فيما يتعلق بعصر التدوين وبدايته، حيث راحت كتب الفقه والسير والمغازي والتاريخ تدون. (6). علماً أن التدوين في معظم حالاته كان برأيي هو أقلام السلطة قبل أن يكون للحقيقة أو للدين كما أشرت قبل قليل.. فهذا بعض ما كتب عن موقف الفقهاء من الخلافة والخلفاء وتبرير حكمهم حتى لوكان فاسداً وظالماً.

يقول ابن حنبل: (السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين، البر والفاجر، ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين). (7). أما الأشاعرة فهذا الباقلاني يقول: (إن حدوث الفسق في الإمام بعد العقد له لا يوجب خلعه، وإن كان مما لو حدث عند ابتداء العقد لبطل العقد له.). (8) . أما النسفي وهو من الماتريدية فيقر بصراحة: (بأن الحاكم لا ينعزل بالفسق. أي بالخروج عن طاعة الله تعالى والجور، أي الظلم على عباد الله تعالى، لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الرشدين والسلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم.).(9). وهذا موقف آخر لرجال الدين الذين في قلوبهم زيغ يذكره السيوطي في (تاريخ الخلفاء)، عن الخليفة "يزيد بن عبد الملك"، وهو الذي ملأ الدينا مغاني وشراباً ومجنوناً وخلاعة طوال أربع سنوات حكمه، بأنه عندما ولي الخلافة جاء بأربعين شيخاً فشهدوا له بأن ما على الخليفة حساب ولا عقاب.). (10).

فعلى هذه المواقف الفقهية التي يدلي بها فقهاء السلطان، تضيع القيم الأساسية للدين الحنيف، وتتحول المسائل الفقهية من دائرة محاربة الفساد وحل قضايا الناس، إلى دائرة تبريره من خلال التلاعب بالنص المقدس ابتغاء تحقيق مصالح خاصة، أو التوجه نحو فقه الحيض والنفاس.

دعونا هنا نأخذ مثالاً عن مواقف بعض الصحابة الذين يعتبرون من الثقات لدى أهل الحديث، وهو أحد العبادلة الأربعة " عبد الله بن عباس" ابن عم النبي. وهو الذي كلفه علىّ ولاية البصرة في العراق، وبعد فترة من ولايته بلغ عليّ أن عبد الله تطاول على بيت مال المسلمين في البصرة، فأرسل عليّ يستوضح الأمر ويطلب من عبد الله أن يقدم له حساباً عن أموال بيت المسلمين، إلا أن عبد الله رفض، وبعد عدة رسائل متبادلة يقوم عبد الله بأخذ ما تبقى في بيت مال المسلمين في البصرة وقدره كما يذكر الطبري (ستتة ملاين درهم). ثم يهرب إلى مكة ويشتري داراً وثلاث جاريات من حور العين. وعندما ألح عليه عليّ أخيراً برد المال، أرسل لعلي يقول له: (لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملن هذا المال إلى معاوية يقاتلك به.).(11).

والأمر هنا برأي على درجة عالية من الخطورة في مسألة مصداقية كل الأحاديث التي رويت عن عبد الله بن عباس، ولو صحت هذه الرواية، أو كانت حقيقية!. فالذي يعتبر المطالبة بمال المسلمين من قبل علي هي أساطير، والذي يحلل لنفسه أموال المسلمين، كيف سيكون موقفه من الدين الحنيف، وأي مصداقية هذه ترتجى منه.؟!. هذا مع تأكيدي هنا أن التاريخ هو أقلام السلطة.

أما لوعدنا إلى المتكلمين وأصحاب المنطق والرأي من رجال دين وفقهاء ومتكلمين، لوجدنا تلك التناقضات والصراعات العجيبة حول تفسير آيات القرآن وتأويله، فيما يتعلق بوحدانية الله وقدمه وخلقه ومشيئته وعدله، وفي قضائه وقدره، وفي مرتكب الكبيرة ، وفي تحسين العمل وتقبيحه، وهي صراعات أودت بحياة الكثير منهم، مثلما أدت إلى خلق أحزاب ومذاهب وتيارات فكرية راحت تكفر بعضها وتحلل دماء وأموال بعضها، وكل منها تقول بأنها هي من يمثل الإسلام الصحيح، والمؤسف أن أكثر هذه الفرق والمذاهب قائمة حتى هذا التاريخ.

ماهي أبرز الفرق والمذاهب الإسلامية واختلافاتها:

التيار السلفي:

لقد اتفق السلفية جميهم (حنابلة وأشاعرة ومالكية وشافعية وما تريديّة، واليوم الوهابية وغيرهم). وأكدوا على صفات الله كما جاءت في القرآن، وكما أثبتها الله عن نفسه في القرآن والسنة، فيثبتون له كل ما ثبته لنفسه من الأسماء والصفات بتسليم مطلق دون نقاش أو إبداء رأي فيها. عدا الأشاعرة منهم الذين قسموا هذه الصفات بين صفات خبرية وصفات معنوية، وقالوا إن الصفات المعنوية هي الخلق والقدرة والإرادة والبصر والسمع والكلام، وهي صفات ترتبط بذات الله أو هي عينه. أما الصفات الخبرية فموقفهم منها لا يختلف عن بقية القوى السلفية الأخرى. والسلفية يتجنبون التشبيه، (ليس كمثله شيء)، وفي قولهم بالصفات أرادوا الوصول إلى القول بالتوحيد، وبأن الله قادر على كل شيء وله الأمر بكل شيء، وبالتالي ليس للإنسان حرية أو إرادة على الاختيار والفعل دون أمر الله، على الرغم من أن الأشاعرة حاولوا الخروج عن هذه المسألة قليلاً، أي في مسألة القضاء والقدر بطرحهم نظرية (الكسب)، والتي فحواها أن القضاء والقدر بيد الله وحده، ولكن الناس يمارسون أفعالهم بأنفسهم وفقاً للإرادة التي أجراها الله في نفوسهم.(12). ممثلة هذه الإرادة بحديث النفس لدى الإنسان وليس تقريراً لعقله أو إرادته الحرة. وهم بذلك كما يقول ابن تيمية: (حاول أبو حسن الأشعري الخروج من الجبر فوقع فيه). كما يرى التيار السلفي أن الخير والشر من عند الله (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.). (التوبة -51 - 52). كما يقولون بان علم الله أزلي أحاط بكل شيء ، وكل شيء عنده في لوح محفوظ. وهم يميزون بين المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية، فما أراده الله للكون خلقه بكل ما فيه وهو دائماً في خلق مستمر، وما أراده شرعاً فهو أمر فيه الخير وفيه الشر، دعا عباده إليه فعلوه أم لم يفعلوه. وهم يقولون أيضاً بأن الإيمان هو قول اللسان وإخلاص القلب وعمل الجوارح، ولا قول ولا إخلاص ولا عمل إلا بنية، ولا نية ولا قول ولا إخلاص ولا عمل إلا بموافقة السنة. والسلفية عدا (الجهادية) لا يكفرون أحداً بذنب او معصية إلا أن يزول أصل الإيمان الذي أقرته السنة. ومرتكب الذنب عندهم ومنهم الأشاعرة زنديق حتى يتوب، وهو سيعذب في جهنم بحسب ذنبه. لقد أنكرت السلفية السببية في الظاهرة، وقالوا لا وجود لها، وكل شيء يتم بمشيئة الله، وبالتالي كل قوانين الطبيعة والمجتمع تسير بإرادة الله ومشيئته، أو كما يقول أبو حامد الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين)، (بأن الأسباب في الظواهر وراءها ملائكة سخرهم الله لتأدية ما يقوم به الناس، فالشيطان يقوم بدور تأدية أعمال الشر، ويدخل الملائكة هنا كمحررين للظواهر.). (13). وبذلك ينفي الغزالي الحقيقة ويجعلها وهماً. والسلفية وفق هذا الإيمان هم يكرسون الفهم الجبري الذي قال به الجهمية بكل معطياته، وفقاً لرأي "جهم بن صفوان" (إن الإنسان ليس يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا اختيار وإنما يخلق الله الأفعال فيه على حسب ما يخلق كافة الجمادات.). (14). أما أبو حسن الأشعري فيقول في هذا الاتجاه: (إن جميع الموجودات من أشخاص (العباد) وأفعالهم، وكذلك سائر المخلوقات وحركتها، كلها مخلوقة لله.). (15). هذا وأن الزمن عند السلفية هو آنات أو ذرات متقطعة لا وصل بينها، والمتصل عندهم هو الزمن الإلهي فقط بسبب خلق الله المستمر. وهم بذلك ينفون تاريخية الظاهرة.

لقد حارب التيار السلفي بعمومه العقل واعتبر دعاته زنادقة، كما جاء في فتوى ابن صلاح المشهورة: (من تمنطق تزندق). أو كما يقول ابن حنبل: (الحديث الضعيف عندي أهم من الرأي). و (إن أصحاب العقل زناديق). أما لأشاعرة فرغم أنهم استخدموا العقل وآمنوا به، إلا أنهم استخدموه لتثبيت النص وليس للحكم عليه. واعتبروا أن ما أصل له الشافعي وابن حنبل في تحديد مراجع أصول الدين من قرآن وحديث وإجماع وقياس ، وكل ما تركه السلف الصالح من أثر حتى القرن الثالث للهجرة، هي الأساس والمنطلق لكل ما هو تالٍ، وهي وحدها من يحدد شرعية الحسن والقبيح في أعمال الناس. أي قالوا بالحسن والقبيح الشرعيين وليس العقليين. وبذلك سدوا الطريق أمام الاجتهاد وحكموا على الحلال والمباح فقط بما ورد فيه نص مقدس في القرآن أو الحديث أو أي أثر أو إجماع للسلف الصالح حتى القرن الثالث للهجرة، وكل ما جاء بعد ذلك بدعة وضلالة وكفر، إن لم يوجد له شبه أو دليل في هذه المراجع. وهذا ما أكد عليه ايضاً الشافعي الذي أصل للفقه السلفي بقوله: (المحدثات من الأمور ضربان أحدهما: ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً فهذه بدعة.). (16). وبهذا الموقف الفقهي اعتبر الشافعي ومن سار على دربه من التيار السلفي ومدارسه ومذاهبه، عدا المذهب الحنفي إلى حد ما، أن المصالح المرسلة (حكم هوى)، ولم يأخذوا بالاستحسان، وسد الذرائع، كون العقل يدخل فيها. واخيراً من القضايا التي اتفقوا عليها عدى المذهب الحنفي، هو الأخذ بالحديث وفقاً للسند أكثر من المتن، وذلك لاعتبارات عدة أهمها: إن السلفية تعاملوا مع مسألة الجرح والتعديل وفقاً لأغراض سياسية وكلامية ومذهبية، فكل من لم يقل بآرائهم هو غير ثقة، وبالتالي بموقفهم التكفيري لرأي الاخر، اعتمدوا كثيراً على الحديث حتى ولو كان ضعيفاً، أما ابن حنفية، فقد رفض الاعتماد كثيراً على الحديث عدا المتواتر منه، واعتبر المتن الذي يتفق مع النص القرآني هو مرجعه وثقته، وما تبقى أحاديث آحاد، وهي ضنية، (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ). (سورة يونس – 36).

أما في السياسة فقالوا بالشورى (وأمرهم شورى بينهم)، ومع سيطرة الأموين على السلطة بالقوة وتحويلها إلى ملك عضوض واعتبارها أمراً مقدراً من عند الله كما قال معاوية في خطبته عند توليه الخلافة: (الأرض لله ... وأنا خليفة الله، ما أخذت فلي وما تركت للناس فبفضل مني.). وكما قال أبو جعفر المنصور أيضاً: (يا أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة، وعنكم ذادة، نحكمكم بحق الله الذي أولانا سلطانه الذي أعطانا، وأنا خليفة الله في أرضه، وحارس ملكه.). (17). ومع تولي الحكام البويهيين والأتراك والمماليك والعثمانيين، تحولت الشورى عند فقاء السنة ممن في قلوبهم زيغ، إلى غلبة وانتصار بحد السيف، وقبول البيعة للخلافة حتى ولوا بموافقة شخص واحد، كما يقول الماوردي بالأحكام السلطانية، وابن جماعة وغيرهما ممن كتب في السياسة، أو من برر ظلم الحاكم وفساده وعدم الاحتجاج عليه كما مر معنا في موقع سابق.

المعتزلة:

لقد آمنوا بوحدانية الله، وقالوا بأن مشيئته تقع في الكليات، أما الجزئيات فهي من شأن البشر، وذلك لتأكيدهم على حرية الإنسان وإرادته في اختيار أفعاله. (وهديناه النجدين). (سورة البد – 11). كما آمنوا بالسببية واعتبروا أن هناك قوانين موضوعية تتحكم في سير وآلية عمل الظواهر، وهي من خلق الله ويستطيع الإنسان بحرته وإرادته استخدامها. لقد أنكرو التجسيد والصفات وقالوا تأكيداً لقول الله عن ذاته: (ليس كمثله شيء). (الشورى- 11). واعتبروا الحسن والقبيح أمراًن عقليان وليسا شرعيان، وبذلك رفضوا القول بأن يقوم الله بفعل الشر، وسموا لذلك باهل العدل. نظروا إلى مرتكب الكبيرة (الذنب)، في المنزلة بين المنزلتين، فهو عاصي ليس بكافر ولا مؤمن وقابل للتوبة. كما قالوا بخلق القرآن، وأنه ليس قديماً، فالمعتزلة يقولون هو كلام الله، ولكن له حروف وكلمات، وبالتالي هو مخلوق: (إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). (يوسف -2). والجعل عندهم يعني الخلق. بينما السلفية قالوا في هذا الشأن، إن القرآن كلام الله والكلام صفة من صفات الله ، وكل ما هو صفة هو قديم.

لقد آمن المعتزلة بأهم قضية في الفكر الإسلامي وهي قضية العقل ودوره في تسيير حياة المسلم والإنسان عموماً، لقد اعتبروا العقل منحة من الله للإنسان لكي يتميز به عن كل المخلوقات ويمارس خلافة الله على الأرض، وعلى هذا الموقف من العقل فهم في تعاملهم مع النص المقدس يرون الوقوف عند هذه النصوص ولا يسمحون بتأويلها لأنفسهم، وبالتالي أنكروا صفات الله وقالوا: إن معرفة صفات الله وذاته فوق العقل البشري، وليس هناك من قدرة لدى الإنسان أن يدرك بها كنه أو كيفية هذه الصفات. وقالوا وفقاً لذلك وبناءً على الآية السابعة من صورة آل عمران التي جئنا عليها وهي موضوع هذه الدراسة أصلاً: إن كل ما جاء بالقرآن من عند الله، ولا نتكلم فيما لم يجئ، ولا نبحث فيما إذا كانت صفات الله هي عين ذاته ولا غير ذاته. وهم لا ينظرون في كيفية صدور المحدثات عن القديم (الله)، ولا كيف يتصل علم الله القديم والمعلومات المحدثة، ولا نحو ذلك لأنها فوق طاقة العقل البشري، هذا العقل الذي منح القدرة فقط على إدراك البرهان على وجود الله والنبوة العامة ونبوة محمد على وجه الخصوص. (18). كما قللوا من الاعتماد على الحديث أمام اعتمادهم على الرأي، منطلقين من أن الحديث مرتبط بالأشخاص، والأشخاص بشر لهم أهواؤهم ومصالحهم، وبالتالي ما يقولون به أمر ضني.

الشيعة الجعفرية ومن يلتقي معها من فرق الشيعة:

لقد التقت الشيعة الجعفرية مع المعتزلة في الكثير من القضايا العقلانية، أهمها: هم يعتبرون صفات الله عين ذاته. وأن القرآن مخلوق. وأنكروا حديث النفس الذي يقول به الأشاعرة (نظرية الكسب). كما انكروا رؤية الله بالبصر في الدنيا أو الاخرة. قالوا بالحسن والقبيح العقليين، وقدرة العبد على الاختيار (نظرية البداء).(19).، وهي نظرية تقر بالقضاء والقدر من عند الله لكنها تعتبر النص المقدس مفتوحاً في دلالاته ومخزونه على المطلق، وهو جاء لخدمة الواقع وتطوره طالما أن هذا التطور والتبدل لا يسئ لتعاليم الله ومقاصد الدين. كما قالوا بأن الله عادل ولا يصدر عنه قبيح. وأن أفعال الله معللة بالعلل والأغراض.(20). كما أنكرو الجبر في صيغته الجهمية حيث يقول علي بن ابي طالب: (إن الله لا يقضي وجوباً، ولا يقدر حتماً. فلو كان الأمر كذلك لما كان هناك عقاب ولا ثواب ولما كان هناك وعد ولا وعيد. إن الله يأمر تخيراً وينهي تحذيراً ولا يقضي وجوباً، ولم يبعث الأنبياء والرسل عبثاً.).

هذا وللشيعة الجعفرية قضايا فقهية خاصة بمذهبهم منها العصمة لآل البيت، وأن أئمة آل البيت لهم رؤيتهم الخاصة بهم في الخطاب الديني ذاته، وبتكليفهم بأمر الإمامة كما حدده جعفر الصادق بقوله: (خلق الله العالم وانتقل النور إلى نبينا محمد (ص)...ثم انتقل النور إلى غرائزنا ولمع في ائمتنا، ونحن أنوار السماء وانوار الأرض، فينا النجاة ومنا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج، فأئمة الأئمة ومنقذوا الأمة، وحجج رب العالمين فاليهنأ بالنعمة من تمسك بولايتنا، وقبض عروتنا.). (21). هذا مع الإشارة بأن هذا القول فيه مغالاة كثيرة، خاصة وأن الإمام الغائب جاء بعد جعفر الصادق بزمن ليس بالقصير، وأن علي ابن أبي طالب، نفسه قد أنكر العصمة بقوله: (.. فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست من نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي.).(22). كما قالوا بالتقية وفقاً للآية التالية (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم .). النحل- (106). وقد جاءت تقيتهم هذه لكثرة ما عانى الشيعة من الاضطهاد من قبل الأمويين والعباسيين. كما أغرق الشيعة في التفسير الباطني للآيات لتأكيد صحة خلافة علي وآل بيته. واختلفوا مع السنة على أحاديث الرسول، ففي الوقت الذي رفض فيه السنة كل الأحاديث التي وردت عن آل البيت، نجد الشيعة يأخذون من الأحاديث التي قدمها السنة والتي تتفق ورؤيتهم للدين وللوصية وغير ذلك. وقال الشيعة بالغيبة (غيبة الإمام الثاني عشر)، وعودته ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملأت جوراً، وعلى الرغم من أن مفهوم العودة ظل مرتبطا بالشخص الغائب، إلا أن هناك تطوراً فكرياً قد حدث على ما يبدوا لدى بعض المجددين في الإسلامي بشكل عام والفكر الشيعي بشكل خاص من علماء وفقهاء الشيعة الذين راحوا يقولن بأن العودة تعني عودة دولة العدل وقيادتها من قبل المحرومين والمضطهدين. كما قالوا بولاية الفقيه، وهذا المبدأ حدث عليه تطور كبيرً بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، حيث ارتبطت مسألة اختيار الولي الفقيه بمسألة الشورى في حال اختياره، ممثلة هذه الشورى بمجلس من الفقهاء.

الخوارج:

قال الخوارج بالتوحيد والقضاء والقدر كله من عند الله، وقالوا بشورية الخلافة وهي حق حتى للعبد الحبشي طالما هو مسلم ومؤمن ويؤدي حقوق الله وما يأمره به الإسلام. قالوا بأن الإيمان ليس في القلب فحسب، بل هو في عمل الجوارح، ومن لا يطبق ما يؤمن به فهو كافر. كفروا المختلف معهم فكرياً وسلوكياً واحلوا قتله وقتل ذريته، فالكافر عندهم لا يلد إلا فاجراً كفاراً. كما قالوا بأن مرتكب الكبيرة كافر. كانوا متشددين في الدين إلى درجة التزمت. شكلوا العديد من الفصائل، تلتقي كلها في الكثير من تعاليمها مع فرقة الخوارج الأولى (الحرورية)، من هذه الفرق من ابتعد قليلاً عنها أو اقترب قليلاً منها، وهناك من أضاف إلى تعاليمها أو تخلى عن بعضها. ومن أهم فرقهم الأزارقة ولأصافره والنجدية وغيرها.

ملاك القول:

إن كل الذي جئنا عليه من خلافات بين هذه التيارات الاسلامية ومذاهبها وفرقها، جاء بسبب تدخل السلطة في الدين أولاً، إما للحفاظ عليها أو للوصول إليها، وثانياً بسبب تسخير الكثير من رجال الدين ومشايخه لتوظيف علمهم في تفسير النص أو تأويله، أو حتى وضع الحديث خدمة لمصالح سياسية أو أنانية ضيقة، وبالتالي ظل فقط القلة القلية ممن تمسك بدينه الصحيح من رجال الدين، على مبدأ (القابض على دينه كالقابض على جمرة من نار). هذا وقد قدم الكثير من رجال الدين المتمسكين بديهم حياته على مذبح الخلافة من أجل مبادئه وقول الحقيقة، (كجعد بن درهم وغيلان الدمشقي ومعبد الجهني)، وهناك الكثير ممن شوه وفق مبدأ الجرح والتعديل، الذي كانت تقاس فيه أخلاق وفكر رجال الدين وفقاً لدرجة قربهم من السلطة أو الخلافة. فهذا أبن حنبل عاش محنة الرأي في زمن سيطرة المعتزلة على الخلافة زمن المأمون والمعتصم والواثق، كما لاقى، غيره من أصحاب الرأي المحنة ذاتها في عهد الانقلاب السني زمن المتوكل وبحضور ابن حنبل ذاته ورغبته، حيث ظل قائماً وفاعلاً وخادماً لسلطة المتوكل المعادي لأهل الرأي. علماً أن الحنابلة ظلوا أيضاً يدافعون عن السطات الحاكمة عبر تاريخهم كما مر معنا في موقع سابق. ونحب أن نشير هنا أيضاً إلى موقف أبي حسن الأشعري الجبري السلفي من المعتزلة وأصحاب الرأي حيث راح يكفرهم ويزندقهم ويخرجهم من دين الإسلام، وهو المعتزلي الذي ظل أربعين عاماً معتزلياً، إلا أنه قلب حبرياً وتبنى المذهب الحنبلي مع غيره الكثير من علماء ومشايخ الدين، بسبب محاكم التفتيش التي وضعت للقدرية بعد انقلاب المتوكل السلفي. يكتب أبو حسن الأشعري في (الإبانة في أصول الديانة) رأيه في المعتزلة ومواقفهم الفكري التي لا تتفق مع الفكر السلفي الحنبلي بعمومه والأشعري منه على وجه الخصوص بأنهم – أي المعتزلة-: (إن كثيراً من المعتزلة وأهل القدرية مالت قلوبهم وأهواؤهم ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلاً لم ينزل به من سلطان، ولا أوضح به برهاناً، ولا تلقوه من الرسول ولا عن السلف المتقدمين، فخالفوا رواية الصحابة عن النبي في:

1- رؤيتهم الله بالأبصار.

2- أنكروا شفاعة رسول الله.

3- وجحدوا عذاب القبر.

4- وأنكروا أن الكفار في قبوربهم يعذبون. وقد أجمع في ذلك الصحابة والتابعون.

5- وقالوا بخلق القرآن نظيراً لقول إخوانهم المشركين.

6- وقالوا بأن العباد يخلقون الشر نظيراً لقول المجوس الذين يثبتون خالقين، أحدهما يخلق الخير، والآخر يخلق الشر.

7- وزعموا أن الله عز وجل يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، وذلك خلافاً لما أجمع عليه المسلمون ورداً لقوله تعالى: (وما يشاؤون إلا أن يشاء الله والله فعال لما يريد.). (23).

فلنتصور معاً كيف يفكر التيار السلفي بشكل عام، وأبو حسن الأشعري ومن يتبعه اليوم من المسلمين الذين يتبنون الفكر الأشعري السلفي بشكل خاص، وهم الذين يشكلون النسبة الأكبر في الساحتين العربية والاسلامية، بهذه الطريقة الأسطورية اللاعقلانية في الخوض بقضايا يجب على المعتزلة الإقرار بها لأن السلف الصالح اعترف بها، مثل عذاب القبر ومشاهدة الله وشفاعة الرسول وغير ذلك من مسائل لا يعلم بها إلا الله وحده.

أما الخلافات الفقهية فهي لا تخرج في الحقيقة عن تاريخ وأسباب الخلافات الدائرة لدى علماء الكلام، إذ ظهر العديد من هذه المذاهب مثل: (مذهب حسن البصري، وأبو حنيفة، والشافعي ، وأحمد بن حنبل، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، ومالك، وسفيان بن عيينة، واسحق بن راهَوَيّه، وأبي الثور، وداود الطاهري، وابن جرير الطبري).(24). وقد ارتبط هذا العلم (الفقه) بعلم الكلام، وكان للسلطة دور كبير في توجهه، فقد عانى بعض الفقهاء من عنت السلطة ومحاولتها توظيفه لمصلحتها، فهذا ابن حنفيه يقتل مسموماً في عهد الخليفة المنصور العباسي كونه رفض استلام القضاء في عهده، وكذا الحال مع أنس بن مالك، الذي وضع حديثاً او قال بحديث لم يرض الخليفة المنصور، فكانت النتيجة أن عراه المنصور من كل ثيابه وصلبه في الساحة وجلده أمام العامة جزاءً لفعلته. ولكن هناك فقهاء راحوا يوظفون الدين ونصه المقدس تفسيراً وتأويلاً من أجل تبرير مفاسد السلطة، كما مر معنا في موقف سابق .

ونظراً لهذه الخلافات الفقهية، تجري بين الأهالي حروب أهلية دموية ممن يتبع هذا المذهب أو ذاك. فهذا الطبري يذكر في تاريخه عن حوادث عام 554 للهجرة، عن صراع دامي جرى في مدينة استراباذ، بين الشيعة العلوي، والشافعية عندما ولي على المدينة والياً شافعياً هو " محمد الهروي"، وكان قاضيها شافعياً أيضاً، فثار العلوية ومن معهم ضد الشافعية ومن معهم، وقد اتنصر العلوية على الشافعية وسال دم كثير.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحت من –ديرالزور- سورية

 

علي رسول الربيعيتأخذ مسألة الأنفصال وتقرير المصير منحىً حاداً حول العالم اليوم، اذا تكثر دعوات العديد من الأقليات الى الأستقلال السياسي عن الدولة التي هي جزءً منها. إنها تعبير عن صدع خطير في وحدة ومصير الدول. والسّؤال هنا هو حول ما إن كان يُسمح لأقلّيّة تريد الاستقلال السّياسيّ بالانفصال لتشكيل دولة خاصّة بها، حيث يفضي القبول بهذه الفكرة إلى اتّجاهين متعارضين:

أ‌) إذا كانت هذه الأقلّيّة تعتبر نفسها أمّة منفصلة فيبدو أنّ المبدأ يدعم مطلبها، فسكّان الكيبك أو، سكّان كاتالونيا، أو الكورد في تركيا والعراق مثلا، يرون أنفسهم أنّهم يمتلكون هوّيّة خاصّة منفصلة عن الكنديّين أو الإسبّان أو العرب العراقيين، وهم يرغبون في الاستقلال السّياسيّ على أساس ذلك، إذن نحن ملزمين، من ناحية المبدأ، باحترام حقّ تقرير المصير وبتأييد مطالبهم. لكنّ ستواجهنا تحدّيات بمجرّد أن تبدأ هذه الهوّيّات في التّكاثر، إذ لا توجد طريقة من شأنها المساعدة على استيفاء جميع مطالب هذه الأقلّيّات طبقا لحقائق الجغرافيا والاتشار السّكّانيّ. وهو ما أشار إليه آلن بوكنان حيث يقول: "إنّ المبدأ الوطنيّ المعياريّ وصفة للتّجزئة لا حدود لها". فقد أشار وهو محقّ إلى أنّ هذه العمليّة قد تأتي بكلفة أخلاقيّة غير مقبولة على شكل تمزّقات ونزوح، وحتى بإبادة لجماعات وجدت في الإقليم .

ب‌) أنّ فكرة تقرير المصير نفسها ستفسح للكنديّين والإسبّان أو العراقيين – التي أخذناهم كمثال هنا- حقّ الدّفاع عن مصيرهم أيضا، وحقّ المطالبة بتحديد مستقبل الإقليم الجغرافيّ الذي حُدّد تاريخيّا بوصفه كنديّا أو إسبّانيّا أو عراقيًاً حفاظا على الوضع السّياسيّ القائم. فهذه الفكرة تتحوّل بشكل حاسم وفاصل في الممارسة العمليّة إذا ما استخدم مبدأ "تقرير المصير" كدعوة إلى تقرير مصير الدّولة نفسها وليس الأمّة. إذ يأتي حقّ تقرير المصير هنا ليدعم مطالبة الدّولة بحقّ ممارسة السّيادة داخل حدودها القائمة. لكن هذه الطّريقة في التّفسير هي من جهة تفقد الفكرة حكمها الأخلاقيّ الأصيل وكثيرا من مناشداتها التي تأتّى برؤية مجموعة من النّاس يتقاسمون هوّيّة مشتركة يرغبون في ارتباط بعضهم ببعض، وفي اتّخاذ قرارات بشأن مستقبلهم على أساسها. وهي من جهة ثانية تدفع التّمييز الحاسم بين الأمم والدّول من خلال معاملة الأمم كمجموعة من النّاس ،الذين هم في الواقع، تحت ولاية قانونيّة لدولة معيّنة ولكنها معرضة إلى الانهيار.

تكشف مسألة تقرير المصير عن أنّها توظّف إمّا كوصفة لإثارة فوضًى سياسيّة تكون سببا في إراقة الدّماء، أو كوسيلة للدّفاع عن حقوق أنشاء دولة. والهدف من إثارتها هنا هو استنطاق الوقائع القائمة للبحث عمّا إن كان ممكناً بناء موقف متماسك بشأنها يتجنّب كلاّ من الموقفين المتطرّفين انطلاقا من مبدأ الوطنيّة.

من أجل النظريّة في الانفصال

قبل البدء في المسائل الجوهريّة يجدر التّوقّف للتّساؤل عن الغرض من وضع نظريّة في الانفصال، فقد اقترح بعض المختصّين تحديدا شبه قانونيّ للانفصال يمكن إدراجه في دستور الدّولة أو في ميثاق الهيئة الأمميّة. ويقصدون بذلك تحديد الشّروط والأوضاع التي يمكن تقنينها رسميّا لتكون مساغا مقبولا تحتكم إليه كلّ جماعة تحاول الانفصال عن دولة قائمة، ولأجل أن يعامل مطلب الانفصال بطريقة مستقلّة من قبل محكمة دستوريّة أو دوليّة تفاديّا للاقتتال الدّاخليّ وهو ما يفسح مجالاً للنّقاش حول المعايير. فمن ناحية وعن سبيل المثال، من المرجّح أن يكون هناك تحيّز باعتبار الأغلبيّة المطالبة بانفصال الإقليم المعنيّ لصالح المعايير الإجرائيّة التي لا يكون تطبيقها مثيرا للجدل نسبيّاً، على حساب المعايير الأخرى التي تواجه صعوبة في التّطبيق لما تنطوي عليه من مضامين وأحكام متنازع حولها كادّعاء التّعرّض للقمع، أو للتّمييز بتجاهل اللّغة، أو بتدمير الثّقافة والتّراث الخاصّين. ومن ناحية ثانية، يتعيّن التّفكير في الآثار المحفّزة على اختلاف تعاريف حقّ الانفصال كما يشير إلى ذلك بوكينان؛ فالضّرورة تقتضي السّؤال عن إمكانيّة وكيفيّة إدراج هذا الحقّ في دستور الدّولة الذي من شأنه أن يضبط سلوك كافّة السّلط وطرق إدارة الشّأن العامّ سواء داخل الدّولة القائمة أو على صعيد الإقليم المطالب بالانفصال. ويتوجّه السّؤال الابتدائيّ لأثر هذا الحقّ، ولنتيجة إدراجه في الدّستور إن كان سيجعل الدّولة القائمة مستعدّة لنقل السّلطة للمناطق المرشّحة للانفصال بما قد يتعزّز فيها من مطالب انفصاليّة أو تكون أقلّ استعداداً لذلك. غير أنّه يبدو من الخطأ أن يهيمن الانفصال على تّفكير الطّرفين المعنيين بالمسألة، إذ ينبغي وضع المبادئ الأساس أوّلا، ثمّ السّؤال عمّا يمكن أن يترتّب عن هذه المبادئ العامّة من نتائج ومن أثر على سلوك مختلف الفاعلين السّياسيّين.

ومقابل هذه النّظريّة القانونيّة يمكن اعتبار نظريّة الانفصال نظريّة في السّياسة تقدّم معنى يوضّح تلك المبادئ التي ينبغي أن تقود التّفكير بمطلب الانفصال، سواء من قبل انفصاليّين أو من قبل مواطنين في الدّولة القائمة نفسها أو أعضاء المجتمع الدّوليّ الذين قد يُطلب منهم التّدخّل لصالح هذا الطّرف أو ذاك. فالمتعيّن هنا وفي مثل هذه الحالة هو الدّليل الذي يبرّر مطلب الانفصال ويدعم أيّ قرار قد يتّخذ بشأنه سواء تعلّق الأمر باستفتاء شعبيّ حرّ يخيّر سكّان الإقليم المعنيّ بين الانفصال وبين البقاء ضمن الدّولة القائمة والإبقاء على وحدتها وتماسك مكوّناتها، أو تعلّق الأمر بغير ذلك من المبادرات السّياسيّة. فالدّليل الملموس الذي يقبل الملاحظة والقياس حول استجابة المواطنين لمطلب الانفصال، ويبيّن بوضوح تامّ مبرّراته وأهدافه لازمة من اللّوازم السّياسيّة ومن ضروراتها، وفي غيابه لا يكون مطلب الانفصال مقبولا من النّاحية القانونيّة ولا مستساغا من قبل أعضاء المجتمع الدّوليّ بالنّظر إلى النّواحي السّياسيّة.

قد يدفع منتقد بعدم جدوى السّؤال المطروح لانعدام الحاجة إليه مادامت المسألة تسوّى إجرائيّاً إمّا بالتّصويت والوصول إلى تحقيق أغلبيّة مساندة أو معارضة أو بإعمال طرق أخرى، فالسّؤال حول المبادئ يبقى غير ضروريّ. لكنّ هذه الطّريقة في التّفكير والتّحليل ليست هي الطّريقة المعتمدة في صنع القرار الدّيمقراطيّ، فالملاحظ ، مثلاً، أنّ النّاخبين يوافقون على ما أقرّه الدّستور للحزب الذي يفوز في الانتخابات من إمكانيّات في تدبير الشّأن العامّ بتشكيل الحكومة لأجل تنفيذ ما وعد به من برامج ومبادرات، ولأنّ نتيجة أيّ استفتاء ينبغي أن تكون ملزمة سياسيّا، لكن هذا لا يمنع من طرح المبادئ الواجب اعتمادها كقواعد مرجعيّة يُحْتكَم إليها عند الاقتضاء كما هو الشّأن بالنّسبة لمبادئ العدالة الاجتماعيّة مثلا. قد يخطئ النّاخبون في بعض الأحيان بتأييد حزب يبيّن عمله الحكوميّ أنّ سياساته أقلّ عدالة ولا تحقّق المصالح والانتظارات، ومع ذلك تبقى الثّقة سائدة في الإجراءات الدّيمقراطيّة من حيث إنّها إجراءات تستوجب الإتّـباع. كيف تختلف الأمور عندما تكون المسألة متعلّقة بالانفصال؟ فحتى لو أعتقدنا يتعيّن أن يتمّ الحلّ إجرائيّاً تبقى هناك أساب معقولة للانفصال وأخرى غير معقولة، ومن غير المناسب ألاّ توضّح تلك الأسباب.

لن تكون النّظريّة الإجرائيّة البحتة حلاّ معقولا ولا مرضيا للانفصال بأي حال من الأحوال، لأنّه إذا اعتبرنا تصويت الأغلبيّة لصالحه كافياً للتّبرير فسيطرح السّؤال مباشرة من جهة، عن كيفيّة تحديد الدّوائر الانتخابيّة ومن ثمّة عن مشروعيّة التّصويت ومصداقيّة النّتائج. ومن جهة ثانية، عن كيفيّة تحديد الإقليم المعني بالانفصال الذي سيشكّل نفوذ الدّولة الجديدة. فالمرجّح من النّاحية العمليّة أن يتمّ التّفكير بشكل مسبق في مناطق تُحدَّد إداريّاً بالفعل، مثل منطقة كوردستان بالعراق، ومنطقة الكيبك بكندا لكي يتمّ تحديد القاعدة الانتخابيّة الحقيقيّة بشكل علميّ واقعيّ وعمليّ يساعد على تحديد "الشّعب" المستهدف بالاستفتاء. فالخلفيّة النّظريّة تستدعي ضمنا كلّ الظّروف التي من شأنها أن تجعل الاستفتاء مخرجا مناسباً لمعضلة سياسيّة قائمة، أيً الموازنة بين الانفصال كمطلب مبرّر وبين الانفصال كأمر غير مبرر لتحقيق السّلميّة وتفادي الحرب الأهليّة. فبالدّسترة واحترام الخلفيّة النّظريّة لكلّ سلوك سياسيّ من النّاحيّتين القانونيّة والسّياسيّة يمكن التّعامل مع مثل هذه الحالات بواقعيّة وفعّاليّة تميّز المعقول والمقبول منها عن غير المعقول والمقبول. وعلى أساسها أيضا، يمكن الرّدّ على اقتراح فرد أو مجموعة أفراد يطالب بتنظيم استفتاء للاستقلال. فأن يقترح المسيحيّون في سهل نينوى في العراق الأنفصال، مثلا، يعتبر اقتراحا غير جدّيّ وغير مبرّر، فيكون الرّد وفقاً لما تمّ تشريعه من قواعد آمرة.

إنّ إنجاز نظريّة في الانفصال ليس بالمهمّة البسيطة، لأنّ تقسيم دولة وإنشاء واحدة جديدة مسألة في غاية الجدّيّة، فهي تطرح أسئلة جوهريّة تتعلّق بالسّلطة السّياسيّة، بالهوّيّات التّاريخيّة، بالعدالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وبحقوق الأقلّيّات. ولكي تكون نظريّة كافية عليها أن تعالج جميع تلك المسائل بكفاية مفاهيميّة وإجرائيّة، يعني هذا أنّ عليها أن تتبنّى تعدّد المعايير وألاّ تكتفي بالبحث عن الشّروط الضّروريّة الكفيلة بتبرير مطلب الانفصال. إذ عليها أن تراعي مختلف المعايير التي تنسحب على كلّ الاتّجاهات مهما كانت متعارضة لأجل أن تصل إلى رأي محكم وقرار حكيم يوازن بين المطالب المتصارعة، ويساعد بنجاعة على حلّ المسائل المعروضة بما يستدعي احترام وحدة التّاريخ والمصير. باختصار شديد عليها أن تسعف في وضع الهوّيّة الوطنيّة في اعتبار كلّ الأطراف، وفي التّحسيس بما تقدم تلك الهوّيّة من أجوبة ومن جاذبية.

مبدأ الهوية الوطنيّة

يمثّل مبدأ الهوية الوطنيّة (مبدأ الجنسيّة) أحد العناصر الثّلاثة التي يشترك فيها سكّان إقليم أو جماعة وطنيّة، ومطلبا مقنعا لتقرير المصير السّياسيّ. فبالرّغم من أنّ الدّولة ذات السّيادة ليست هي الوسيلة الوحيدة والممكنة لتقرير المصير إلاّ أنّها كانت وما تزال الوسيلة الرّئيسة لتحقيقه، لذلك يحقّ لإقليم أن يطالب على أساس هذا المبدأ بالانفصال عن دولة تعاقديّة. مع أنّ هذه المطالبة ليست بالضّرورة هي الإمكانيّة الوحيدة ولا الوسيلة التي يتعيّن أن تهيمن على غيرها من الوسائل، لذلك يمكن أن تُبطلها اعتبارات أخرى سنأتي على ذكرها لاحقاً. وللإشارة فقطّ، ليس الغرض من هذا المبحث تعداد الأسباب المؤيّدة لتقرير المصير، لكنّ الغاية هي النّظر في بعض تداعيات هذا المبدأ.

إنّ الأقاليم التي تقطنها أمّة متجانسة (عرقيّاً) حالة استثنائيّة إلى حدّ بعيد في العالم اليوم، فالمقصود بالدّولة الأمّة أو (القوميّة الوطنيّة) بحسب المتداول والمشهور من التّعاريف جماعة من النّاس يعتبرون أنفسهم أنّهم ينتمون إلى الجماعة نفسها، فيعترفون ببعضهم البعض، ويقرّون بالتزامات خاصة تُجاه بعضهم البعض، ويطمحون إلى استقلال سياسيّ بحكم ما يشتركون فيه من خصائص يؤمنون أنّها تشكّل قاعدة لانتمائهم، وهي التّاريخ المشترك، والارتباط بالمكان الجغرافيّ، والثّقافة العامّة التي تميّزهم عن غيرهم من الجيران. اذا أخذنا هذا التعريف بالاعتبار ونحن ننظر إلى تلك الكيانات التي توصف عموما بأنّها دولة أمّة أو (قوميّة) فمن المحتمل أن نجدها مؤلفة ممّا يلي:

1- أقلّيّات لا تشارك الأغلبيّة في الهوّيّة الوطنيّة مثل المهاجرين الأتراك في ألمانيا.

2- أقلّيّات تقيم في إقليم ترى نفسها أنّها تشكّل أمّة، وتطمح لدرجة أكبر من الحكم الذّاتيّ مثل الأكراد في تركيا.

3- تجمّعات سكّانيّة مختلطة تنحدر من أمم مجاورة مختلفة وتتجمّع في مناطق معيّنة مثل الرّومان والهنغار في ترانسالفانيا.

4- تجمّعات سكّانيّة تحمل هوّيّة مزدوجة أو متداخلة، تعيش في مناطق معيّنة كأقلّيّة قوميّة داخل دولة كبيرة مثل الكاتلون في إسبانيا.

وإذا أردرنا تطبيق مبدأ الهوّيّة الوطنيّة (الجنسيّة) على ما يناسب حالة أو أكثر من هذه الحالات المذكورة فينبغي أن يتوجّه السّؤال لماهية السّلطة السّياسيّة بنيةً وأداءً بما يحقّق هذا المبدأ بالنّسبة لكلّ جماعة مادام الحلّ البسيط لها المتمثّل في الأمّة المتجانسة أو الدّولة الواحدة غير ممكن في مثل هذه الظّروف. لا شكّ في أنّ هذا التّطبيق سينطوي لا محالة على أحكام تتعلّق بالكيفيّة التي يتصوّر بها النّاس هوّيّاتهم، وبالكيفيّة التي تربط هوّيّة جماعة معيّنة بهوّيّات أخرى. ومثاله مقارنة بين وضع الكرد في العراق أو في تركيا مع الكاتالونيّين في إسبانيا. فعلى الرّغم من أنّ الكاتالونيّين ينظرون لأنفسهم في دولة أسبانيا كشعب متمايز عن الأسبان إلاّ أنّهم لا يضمرون أيّ عداء عميق أو متأصّل للأسبانّ، ويقدّرون ما يجمعهم بهم من التّداخل الثّقافيّ المتمثّل في الاعتقاد الملّيّ المشترك (الكاثوليكيّة)، ومن مستوًى معيشيّ أعلى قليلا من المتوسّط الإسبّانيّ إذ تعتبر كاتالونيا تقليديّا أكثر المناطق الإسبّانيّة نموّا وازردهاراً اقتصاديّاً، كما يعترفون بما يعاملون به من نظرة التّقدير من قبل الإسبّانيّين في المناطق الأخرى التي يعيشون فيها. وفي مثل هكذا ظروف لا يعدّ إشكاليّاً أن ينظر أغلبية من الكاتالونيّن إلى أنفسهم بوصفهم كاتالونيّين وإسبان في الوقت نفسه. لكنّ تختلف الحالة الكرديّة في بعض أوجهها عن الحالة الكاتالونيّة، مع ما يوجد داخل الحالة الكرديّة من اختلاف في الوضعيّة بين العراق وتركيا. ففي تركيا مثلا يقلّ نصيب الفرد الكرديّ من الدّخل عن نصف المعدّل الوطنيّ، بينما لا يوجد هذا التّمييز في العراق، لأنّ الأكراد متساوين مع باقي العراقيّين. في تركيا تقمع اللّغة والثّقافة الكرديّة من قبل الدّولة، بينما يتمتّع أكراد العراق بما يتمتّع به جميع العراقيّين من الحقوق. ويشترك كرد تركيا وكرد العراق فيما لهم من تاريخ حافل بالصّراع المسلّح مع الدّولة عراقيّة كانت أو تركيّة. واذا التفتنا الى الحالة التركية فسنلاحظ أن القيادات التّركيّة المتعاقبة التزمت لسنوات كثيرة بالمثل الأعلى لأمّة تركيّة متجانسة وموحّدة، ولم تترك مجالا للتّعدّديّة الثّقافيّة خلافا لما كان في العراق، ونظرا لأوضاع الكرد في تركيا طالبوا بالاستقلال فكان مطلبهم يختلف نوعيّا عن الكاتالونيّين مثلا. واذا لم يحدث هناك أيّ تحول مأساويّ في الوضع التّركيّ السّائد كالتّحوّل الذي حصل في الدّولة العراقيّة منذ حصول الأكراد على الحكم الذّاتيّ وحتى إعلان الفيدراليّة، فإنّه لا توجد أمامهم فرصة للحصول على اعتراف بهوّيّتهم الثّقافيّة المميّزة، إلاّ أن يعمل التّرك والكرد معا سويّاً على تحقيق ديمقراطيّة وعدالة سياسيّة واجتماعيّة. وهذا يعني أنّ الانفصال ليس حلا وحيدا بالضّرورة. فتطبيق مبدأ الجنسيّة على مشكلة كهذه يقتضي البدء بالنّظر إلى ما لهوّيّات كلّ المجموعات من محتوى فعليّ لاكتشاف ما إن كانت المجموعة (س) لها هوّيّة متميّزة تجعلها متناقضة مع المجموعة (ص) التي تخضع لمؤسّساتها السّياسيّة عن سبيل المثال. وبقدر ما لا يكون ذلك كذلك، فإن أيّ مطلب يمكن أن تقدّمه الجماعة (س) من أجل الاستقلال السّياسيّ لا يكون معزّزا بما يكفي من المبرّرات، وهو ما يعني أنّ مطلبها لن يثبت بشكل حاسم في نهاية المطاف كما هو مبيّن أعلاه بسبب العوامل التّعويضيّة.

فإحدى العوامل التي يجب النّظر إليها بجدّيّة هي المطالبة المُنافسة من قبل المجموعة (ص)، وهي الأمّة الأكبر حجما التي ستقسّم أراضيها الحاليّة إذا ما تمّ المضيّ قدماً في الانفصال. لذلك فإنّ مطلب الانفصال لا يكون وجيها مقبولا ومشروعا عندما لا يساوق بين الطّريقة التي ترى عبرها الجماعة الصّغيرة علاقتها بالجماعة الكبيرة، وبين الطّريقة التي ترى عبرها الجماعة الكبيرة علاقتها بالصّغيرة. لقد أكّدت الحالات التي سبق أن كانت تحت المناقشة أنّ الجماعة الكبيرة ستهوّن دون تردّد ممّا يميز الأقلّيّة: ستعمد إلى النّظر إليها باعتبارها جماعة تمتلك تباينا واحدا إلى جانب مشتركات كثيرة بدلاً من النّظر إليها بوصفها ذات هوّيّة مستقلّة وخاصّة، ستتّجه حتما إلى اعتبار أنّ الجماعة (س) ليست جماعة متميّزة ولكن جماعة تتكلّم لغة مختلفة أو لها ثقافة خاصّة. فبينما ينظر الكرد لأنفسهم كأمّة مميّزة عن الأتراك ، ينظر هؤلاء إلى الكرد باعتبارهم مجرّد أتراك يتحدّثون لغة مخلفة، وما يناظر هذه الحالة نجده عند الأسكتلند والإنجليز، وعند المقدونيّين واليونان. قد يكون هناك إغراء للتّفكير في مثل هذه الحالات بأنّ الغالبيّة سارت باتّجاه خاطئ، فإذا كانت الجماعة (س) لا تعتبر نفسها منتمية للجماعة (ص) فإنّ هذه تتجاهل الهوّيّة المشتركة مع نظيرتها (س) وقد تصل إلى حدّ رفض أيّ مواجهة للحقائق بهذا الخصوص. لكن نادرا ما تكون هذه المسألة بمثل هذا الوضوح، إذ على افتراض أنّ الجماعتين (س) و(ص) تشتركان في الهوّيّة الوطنيّة باعتبار الارتباط السّياسيّ لفترة طويلة من الزّمن وهو ما يؤكّد بالفعل أنّ لهما معا سويّا صفة مشتركة حقيقيّة، يكون من المرجّح أنّ الجانبين اعترفا حقّا بالهوّيّة الوطنيّة كهوّيّة جامعة، وأنّ الجماعة (س) أدركت ذلك بإحجامها عن التّلويح باللاّفتة القوميّة. وبالتّالي، فإنّ السّؤال هو كيف يمكن أن تكون للأقلّيّة هوّيّة خاصّة مميّزة وفي الوقت نفسه شعور بالانتماء لمجتمع أكبر.

لعلّ الخطأ المغري هنا هو ما قد يغلب على ظنّ الأغلبيّة من شعور بغياب الإحساس بالهوّيّة المشتركة عندما تعلن الأقلّيّة عن الرّغبة في الانفصال وإنهاء الاتّحاد السّياسيّ، يقارن بعض الكتّاب ذلك بطلاق الأزواج عندما تقرّر أمرأة إنهاء ارتباطها بزوجها الذي ما يزال يعتقد أنه يشكّل معها أسرة، ولا يدرك بحكم الموقع في تلك العلاقة أنّ الاتّحاد يستمر بموافقة الطّرفين. لكنّ هذا التّشبيه غير ملائم، ففيما يخصّ الإرادة الواحدة التي يمكن أن تنشأ عن علاقة بين طرفين، فإنّ علاقة الأمم بعضها ببعض ليست كالعلاقة بين الأفراد لأنّ الأمر يختلف حتما عندما يتعلّق باتّحاد إقليم مع أقاليم أخرى، أو جماعة بنضيراتها ضمن دولة أكبر، أو يتعلّق بنقل السّلطة أو بإدارة دولة مستقلّة. فنقطة كهذه تحتاج إلى معالجة هادئة ومتّزنة لما تثير من قضايا حسّاسة سيشار إلى أهمّها ضمن الفقرات التّالية من هذه الدّراسة. إذ لا ينطوي الانفصال كما هو معلوم على الجانب السّياسيّ فحسب، بل يتعدّاه إلى جوانب استراتيجيّة أخرى كالجانب الجغرافيّ بتقسيم الأراضي وما يستتبع هذا الجانب من جوانب اقتصاديّة واجتماعيّة أيضاً. وهو ما يقتضي البحث عن أفضل السّبل لفهم حقوق القوميّات في الأراضي التي تقطنها والتّعامل معها على أساس العدل والإنصاف. قد يبدو أنّ ما على المحكّ في مثل هذا الموضوع هو حقوق الملكيّة، فعن سبيل المثال: أنا أملك قطعة الأرض هذه، وأنت تملك تلك، وهكذا الكلّ يملك أراضي الإقليم الذي له مسمّى معين. وإذا كانت هذه هي النّظرة التي تؤطّر التّفكير في المشكلة، فإنّ الجماعة التي تقطن منطقة متّصلة وتطالب بالانفصال ستكون مضطرّة إلى تأكيد حقوق الملكيّة المشتركة لإنشاء مطالبة تجزم بملكيّة الأرض التي تسعى لأن تؤسّس عليها الدّولة. لكن والحال كما قال بوكانان، لا يمكن فهم العلاقة بين شعب والأراضي التي يقطنها على هذا النّحو وبهذه الشّروط فقطّ. إنّنا عندما نقول أراضي كردستان، مثلاً، لا نعني أنّ الأكراد يمتلكونها كما يمتلك الفرد عقّارا محدّدا، وإنّما نعني أنّ للكرد مطالب مشروعة في ممارسة السّلطة على أراضٍ يقطنها غالبيّتهم، وتعرف باسمهم في إطار حكم ذاتيّ للمنطقة يشمل كلّ الصّلاحيّات كتحديد السّياسات، وتقرير الأحكام، وصيانة الحقوق وفي مقدّمها حقّ الملكيّة. لكنّ الكرد لم يعودوا مقتنعين بحكم ذاتيّ فقطّ وإنّما يسعون إلى بناء دولة قد يتجاوز إقليمها حدود العراق إلى الدّول المجاورة، ومن ثمّة فهم يستلهمون من الحالة الآيسلنديّة التّأسيس للدّولة عبر التّأسيس لمؤسسات جديدة تماما حتى مع ما قد يُحدِث مثل هذا التّأسيس في المنطقة من زلزال سياسيّ.

لا شكّ أنّ الشّعب الذي يقطن إقليماً محدّداً يشكّل مجتمعا سياسيّا، لذلك فهو يؤسّس لمطلب الانفصال عبر ما يرسي من أعراف من خلال الممارسة السّياسيّة، فضلا عن قرارات تدبير الأشغال العامّة وتشريع القوانين، وتشريع الحقوق الجماعيّة والفرديّة، بالضافة الى الانخراط فيما يشكّل سمات الإقليم ومظهره المادّيّ المميّز. يأخذ هذا مع مرور الوقت أهمّيّة رمزيّة، كدفن الموتى في أماكن معيّنة، وإقامة الأضرحة والآثار الدّنيويّة وغيرها من الأنشطة ممّا ينشئ روابط بالأرض لا تزعزعها عروض بديلة، وهو ما يبرّر في المحصّلة مطلب ممارسة السّلطة السّياسيّة على الإقليم على نحو يلغي مستقبلا كلّ مطالبة منافسة تستند إلى التّاريخ في المجادلة باستلحاقه وحكمه. بالعودة إلى حالة المجتمع المتعدّد حيث الأقلّيّة (س) ترغب في الاستقلال عن الأغلبية (ص) على أراضي الإقليم الذي تقطن به يبرز السّؤال عمّا إن كان ممكنا لـ (س) تقديم مطلب مشروع قانونيّا ومبرّر سياسيّاً لكي تستمرّ في فرض السّيطرة على الإقليم المعني؟ يعتمد الجواب على نوعيّة العلاقة بين الجماعتين وكيفيّة تطوّرها تاريخيّاً. فقد تكون هنالك حالة متطرّفة تعبّر من خلالها الجماعة (س) عن عدم الرّغبة في أن تكون جزءا ضمن الجماعة (ص) التي تعتبرها قوّة احتلال، ومثاله علاقة سكّان دول البلطيق الأصليّين بالأغلبيّة في الاتّحاد السّوفيتيّ سابقا. حيث لم يكن هناك مجتمع سياسيّ حقيقيّ بين الجماعتين (س) و(ص)، ولم تكن مشاريع جماعيّة مشتركة وحرّة بين الطّرفين. فمن الصّعوبة الإقرار بشرعيّة مطالب الجماعة (ص) بأراض تقطنها جماعة (س) إلاّ بقدر ما تملك فيها من استثمارات ماليّة، وفي مثل هذه الحالة تدفع الجماعة (س) تعويضات للجماعة (ص) مقابل تلك الاستثمارات إن هي أعلنت الانفصال. وفي حالة متطرّفة أخرى نجد الجماعة (س) رغم امتلاكها خصائص أو سمات تميّزها عن الجماعة (ص) إلاّ أنّها مع ذلك تشعر بالحرّيّة والمساواة في مجتمع تعدّديّ، غير أنّ القوميّة الجديدة التي تسعى لبنائها وإحراز الاعتراف بها ليست نتيجة استغلال تاريخيّ وإنّما ناجمة عن التّطوّرات الثّقافيّة التي تجعلها تريد الآن السّيطرة على ماجريات الأحداث في إقليمها الخاصّ درءا لما قد يهدّد لغتها بالانقراض أو يهدّد سماتها الثّقافيّة بالمسخ والتّشويه. ففي مثل هذه الحالة يقف مطلب الجماعة (س) على أرضيّة حقوقيّة صلبة تجعله شرعيّا، لا ترقى مطالب الجماعة (ص) إلى منافسته وإبطاله حينما تسعى إلى تجريد الأقلّيّة (س) من جزء من الأراضي تحت طائلة الدّفع بالمساهمة في تنميتها أو بزعم امتلاكها. فقد يثبت مطلب الجماعة (س) في النّهاية إذا لم يكن هناك حلّ توافقيّ للمسألة لأنّه الأقوى، غير أنّ هناك سبب قويّ في مثل هذه الحالة لإيجاد حلّ يعطي الجماعة (س) شكلا من الحكم الذّاتيّ الذي لا يصل إلى الاستقلال. وتنطبق هذه الحالة فيما أعتقد على الأسكتلند والولش في بريطانيا، والكاتالون والباسك في إسبانيا وكندا وممكن جداً أن تنطبق على الكرد في تركيا والعراق.

ننهي هذه المناقشة بالقول: إنّ الاحتكام إلى مبدأ الهوّيّة الوطنيّة أو "الجنسيّة" وتقديمه مبرّراً لتقرير المصير يقتضي تطبيق معيارين على أيّ انفصال محتمل: يقضي الأوّل بتشكيل هوّيّة منفصلة بوضوح عن هوّيّة الأمّة الأوسع، والتّحرّر من الشّراكة معها. بينما يتطلّب الثّاني القدرة على التّحقّق من مطلب الانفصال بتبريره قانونيّا، وإثبات شرعيّة ممارسة السّلطة على الإقليم المعنيّ بالانفصال سياسيّا إذ لا يمكن تطبيق هذه المعايير آليّاً، لأنّ تطبيقها يتطلّب حكماً ودرجة من الفهم التّاريخيّ. وفي حال استيفاء كلا المعيارين يكون لدى الجماعة المعنيّة مطلب حقيقيّ وواقعيّ يسمح لها بالانفصال. لكن يبقى هذا المطلب غير حاسم متى ما تدخّلت عوامل أخرى ذات وزن ومقبوليّة في الاتّجاه المعاكس، حيث تفضي النّظرة الأوّلية على المطلب المناهض للانفصال إلى القبول به حتما ودون تردّد. وفيما يلي عرض لبعض العوامل الأخرى التي قد تحتسب في الحكم النّهائيّ.

مسألة الأقلّيّات والأعداد

الحالة البسيطة هي جماعة وطنيّة غير متجانسة تضمّ أقلّيّة (س) تقطن أقليم محدد تسعى للانفصال عن الدّولة التي تشكّل فيها (ص) الأغلبيّة. لكن الحالة المعقدة هي أن يوجد في الإقليم المطالب بالانفصال بقيادة الأقلّيّة (س)، وحتى بافتراض شرعيّة المطالبة طبقاً للمعاير المذكورة آنفا، أعداد من الأغلبيّة (ص)، وأخرى لا تنتمي لـ (س) ولا لـ (ص). وهو ما يعني أنّ هذا الانفصال ليس تحوّلا من مجتمع غير متجانس وطنيّا إلى مجتمع متجانس وطنيّا؛ وإنّما يعني في الواقع استبدال نمط غير متجانس بآخر غير متجانس أيضا.

إنّ الافتراض الذي يقود المناقشة هنا هو أنّ لكلّ عضو قيمة بصفته مواطن دولة تحتضن أمّة؛ فلئن كان الفرد عضوا ينتمي لأقلّيّة لا يعني ذلك بالضّرورة أنّ الأمر كارثة ولا خيارا أو قدرا سيّئاً. فكيف إذن ينبغي أن تقدّر الأمور قبل الانفصال وبعد حصوله بإعمال هذا المبدأ قاعدة ومعيارا؟ يأتي إحصاء الأفراد الذين يعيشون في دولة ويشكّلون فيها أقلّيّة وطنيّة إحدى المخارج المقترحة، لكن السّؤال الذي يواجهنا هنا يتعلق بمن هي الجهة المخوّلة التي لها صلاحيّة تحديد معايير الانتماء ثمّ الإشراف على الإحصاء، وفي الحالة المتوخاة حيث ستفضّل تلك الأقلّيّة الاستقلال بافتراض أنّ الجماعة (س) هي التي تشكّل الأغلبيّة في الإقليم الذي يطالب بالانفصال، فإنّ الدّولة الجديدة ستتشكّل من أكثريّة هي الجماعة (س) إلى جانب أقلّيّة لم تستوف المعيار هي من الجماعة (ص) أو غيرها من أصحاب الهوّيّات المغايرة. فإذن، بناء الدّولة الجديدة (س) لم يغيّر وضع الانفصاليّين كثيرا عمّا كانوا عليه في دولة الأغلبيّة (ص)، لأنّ التّركيبة الاجتماعيّة المنسجمة لم تتحقّق، كذلك الحال بالنّسبة للأقلّيّات الأخرى في كلتا الدّولتين.

لا يأخذ هذا الاقتراح بالاعتبار سوى الحقائق السّياسيّة للحركات الانفصاليّة التي تفترض على وجه الخصوص، أنّ معاملة الأقلّيّات القوميّة في الدّولة (س) الجديدة لن تكون أسوأ من معاملتها في الدولة (ص) الأصليّة، إذ ستقابل معاملة الأقلّيّة (ص) في دولة (س) بمعاملة الأقلّيّة (س) في دولة (ص)، كما سيقابل الحكم الذّاتيّ الذي سيعطى للأقلّيّة (س) في الدّولة الأصليّة (ص) بما سيمنح من استقلال ذاتيّ للأقلّيّة (ص) في الدّولة الجديدة (س) والعكس صحيح. لكن في كثير من الحالات يكون هذا الافتراض غير واقعيّ إلى حدّ بعيد، حيث يرى عالم الاجتماع دونالد هورويتز أنّ الانفصال يزيد من حدّة الصراع بين الجماعات دائما. فمن أجل تبرير مطلب الانفصال قد تلجأ الجماعة (س) الى المبالغة في السّمات التي تجعلهم يختلفون عن الجماع (ص)، ومتى ما نجحت في ذلك، فمن المرجح أنّها سترغب في تطهير الدّولة الجديدة من التّأثيرات المهلكة بتذويب العناصر المنتمية للجماعة (ص) من خلال حملات القمع وعمليّات الإخضاع الثّقافيّ وفي الحالة المتطرّفة عبر التّطهير العرقيّ الذي يشاهد اليوم في بورما. إنّ التّأثير الجانبيّ للانفصال قد يكون محفّزا لنزاعات جماعية جديدة، ويشير هورويتز إلى كيفيّة تطوّر الانقسامات الإثنيّة الجديدة في أفريقيا وفي أماكن أخرى بعد تفكّك الدّول الأكبر حجما. فالاختلافات التي لا تحظى باهتمام كبير في الوحدة الأكبر، قد تلوّح بالحدوث إلى أبعد حدّ في الوحدة الأصغر حجما بما تنتج من تصوّر للمجتمع السّياسيّ على أساس التّجانس الثّقافيّ ولو بالقسر، وهو ما يفضي إلى سلوك طريق الاقتتال الدّاخليّ بين الجماعات الفرعيّة.

ومن الخطأ البالغ افتراض عدم وجود تغيير في الموقف الأقلّيّ لجماعة (س) التي تعدّ نفسها مجرّد ما تبقّى من دولة (ص) نتيجة التّواجد في هذا المكان، يبدو واضحا أنّها تشكّل أقلّيّة صغيرة تعتقد أنّ تأثيرها السّياسيّ سيكون أقلّ ممّا لو كانت مستقلّة. فقد لا تكون هناك أي دوائر انتخابية تنتخب أعضاءها بانتظام للبرلمان، وقد تجرّد من الحقوق الخاصّة كالحقوق الثّقافيّة باعتبار أنّه لم يبق منها سوى فئة قليلة جدّا تستدعي القلق بشأنها بالإضافة إلى الاهتمام الخاصّ. كما قد يجادل قادتها السّياسيّون في الدّولة (ص) بأنّ وجود الدّولة (س) يوفّر حماية نوعيّة لتلك الجماعة ولثقافتها، إذ سيغيّر إنشاء دولة (س) الهوّيّة السّياسيّة لأعضاء الجماعـة (س) ممّن بقي منهم خارجها. فقد يعزّز وجود تلك الدّولة إحساسهم بقيمتهم الذّاتيّة في بعض الأحيان النادرة، أو قد يشعرون بمزيد من الاستبعاد من قبل جماعة (ص) غير أنّ هذا الشّعور سيكون بالمثل [إذا كنت تعتقد أنّك لا تنتمي لهذه الأرض فلماذا لا تنتقل إلى أرض (س)؟]. ومن ثمّة، سيكون من المرجّح أن تزداد حالة من تقطّعت بهم السّبل من جماعة (س) نتيجة الانفصال.

للأسباب المذكورة يبدو أنّ اقتراح تسوية مسألة الأقلّيّات عن طريق الإحصاء وعدّ الرّؤوس غير كافٍ على الإطلاق، إذ يتعيّن إصدار أحكام تتعلق بكيفيّة تغيير وضع المجموعات المختلفة عبر إنشاء دولة جديدة. والسّؤال في مثل هذه الحالة يتناول البحث عمّا إن كان مبدأ الهوّيّة الوطنيّة (أو الجنسيّة) يرشد إلى حلّ واقعيّ وعمليّ، ولا بدّ في هذا الصّدد من توضيح حقيقة أنّ المبدأ لا ينادي بإنشاء دول متجانسة ثقافيّا أو عرقيّا. ولكنّه يدعو إلى تقاسم هوّيّة وطنيّة مشتركة واحدة وموحّدة تترك قدر الإمكان مساحة للتّنوّع الاجتماعيّ المبنيّ على الاختلاف والمغايرة في العرق واللّغة، في الملّة والمذهب، كما في الرّأي السّياسيّ وما إلى ذلك. والمؤكّد أنّه إلى جانب مبدأ الجنسيّة يأتي إقرار مبادئ أخرى كمبادئ حقوق الإنسان مع ما تتضمّن من مبادئ تحمي حقوق الأقلّيّات، ومبدأ العدالة، ومبدأ المساواة وغيرها. فتنزيل هذه المبادئ في الواقع اليوميّ بوضعها موضع التّنفيذ يخلق ارتياحا في الأوساط الاجتماعيّة على اختلافها. كما أنّ وضعها بالاعتبار عند النّظر في قضايا معيّنة خصوصا عندما يتعلّق الأمر بمطلب الانفصال يساعد على الحكم، وعلى تقدير ما إن كانت حقوق تلك الأقلّيّات أفضل أو أسوأ لقبول أو ردّ المطالبة بالانفصال.

والواضح أنّ هذه التّقديرات صعبة، لكن الفعل الوحيد الذي لا يمكن ارتكابه هو قبول الوعود والتأكيدات التي قد يقدّمها الانفصاليّون هكذا ببساطة كما هي، ودون ضمانات. فالفلاسفة السّياسيّون الذين كتبوا عن هذا الموضوع يميلون في الواقع إلى "القبول بالانفصال شريطة أن يلتزم الانفصاليّون باحترام حقوق الأقلّيّات في الدّولة الجديدة التي هم بصدد إنشائها وتشكيلها". لكن كيف يمكن تطبيق هذا الشّرط على حالة فعلية؟ ما هي القيمة الحقيقيّة لتعهد يقدّم بهذا الخصوص؟ علما أنّه بمجرّد تشكيل الدّولة الجديدة والاعتراف بها تدخل حيّز التّنفيذ قواعد آمرة قويّة تقضي بعدم التّدخّل الدّوليّ في الشّأن الدّاخليّ، واذا وضعنا هنا في الاعتبار تجربة يوغوسلافيا السّابقة فسنجد أنها أكّدت لنا أنّه من الصّعب جدّا السّيطرة على الانتهاكات واسعة النّطاق لحقوق الأقلّيّات من الخارج. فهناك خطورة كبيرة في السّماح للانفصال بالحدوث لما قد يكون من تغاضٍ ضمنيّ عن سوء معاملة الأقلّيّات في الدّولة المشكّلة حديثا، وهو أمر لن يكون من الممكن القيام بشيء حياله في مراحل لاحقة من سوء المعاملة تلك.

قد يقود مبدأ الهوّيّة الوطنيّة نفسه إلى التّفكير في وجهات نظر أخرى، وجهات تستدعي رؤية كامنة تدعو إلى أن يتقاسم مواطنو الدّولة هوّيّة وطنيّة شاملة تتيح مجالا للاختلاف الثّقافيّ. لكن إلى أيّ مدًى يمكن تحقيق هذه الرّؤية المثاليّة على حالة معيّنة؟ بل إلى أيّ مدًى تتضمّن الهوّيّة المعنيّة بطبيعتها عناصر يمكن أن ترتبط بثقافة مجموعة إثنيّة معيّنة؟ فإذا كانت الهوّيّة الوطنيّة للـجماعة (ص) غير متبلورة نسبيّا وكانت هوية الجماعة (س) تتضمّن عنصرا دينيّا أو عرقيّا أقوى عن سبيل المثال، فمن الواضح أنّ هناك فرصة متاحة بشكل أفضل للجماعة (س) بسبب ما لها من هوّيّة مشتركة يمكن أن تتطوّر في الدّولة الأصل (ص) على العكس ممّا قد يحصل لها في الدّولة الانفصاليّة (س). وللإشارة لا يعني هذا المعيار بالضّرورة تأييد الوضع الرّاهن أو تزكيته، وإنما يقصد به التّنبيه إلى حقيقة أنّه في كثير من الحالات لاسيما منها تلك التي تكون فيها الدّولة القائمة راسخة منذ وقت طويل، الشّيء الذي مكّنها من إرساء آليّات جيّدة للتّعامل مع التّعدّديّة حيث يغدو مطلب الانفصال غير واقعيّ وغير مبرّر بما يلزم من النّاحية السّياسيّة. إذ لا يتوقّع أحد بخصوص قضيّة الكرد في العراق مثلا أن تقوم دولة كردستان المستقلة في حماية الحقوق الخاصة بالأقليات في كردستان بكفاءة وفعالية أفضل من ما حاصل من أنتهاك لحقوق هذه الأقليات في العراق، وأيضا لا يتوقّع أحد بخصوص قضيّة الكيبيك مثلا، أن تقوم دولة الكيبيك المستقلّة بحماية الحقوق الخاصّة بالأقلّيّة النّاطقة بالأنجليزيّة على الأقلّ بنفس الكفاءة والفعاليّة التي تقوم بها كندا اليوم في حماية حقوق المتحدّثين بالفرنسيّة. بتعبير أكثر وضوحا يصعب أن نتصوّر تطوّر هوّيّة وطنيّة متفتّحة ومتقبّلة لغير الكرد في كردستان بسبب غياب تقاليد أحترام حقوق الأنسان والأقليلات في الشرق الأوسط عموما وفي العراق خصوصا، أو للنّاطقين بالأنجليزيّة في كيبيك، على نحو ما تطوّرت به الهوّيّة الكنديّة للمتحدّثين بالفرنسيّة في جميع أنحاء كندا بفضل التّرويج النّشط للحديث بها الذي أدى إلى أن تكون الثّقافة الفرنسيّة عنصرا مؤسّسا في تلك الهوّيّة.

لا يوجد سبب يدعو إلى الاعتقاد بإمكانيّة احترام حقوق الأقلّيّات عندما يتعذّر التّعايش السّلميّ في المجتمعات المختلطة ومع اندلاع حرب أهليّة تصبح المصالحة أو التّوافق أمرا غير ممكن بسبب ما تأصّل من عداء متبادل، وحينئذ لن تنجح أيّة صيغة لتقسيم الإقليم. إذ يكون من الضّروريّ التّفكير في تبادل السّكان ابتداء لأجل إنشاء كيانات متجانسة وطنيّا، فاقتراح كهذا سيرحّب به معظم اللّيبراليّين لأنّ خلافه يذكِّر بالشّبح المرعب للتّطهير العرقيّ وبالتّرحيل القسريّ. لا شكّ أنّ كثيرا من التّحوّلات السّكّانيّة قد حدثت في الواقع بشكل أو بآخر تحت طائلة الإكراه الفعليّ، لذلك ينبغي أن نكون مستعدّين للتّفكير في عمليّة تخضع لإشراف دوليّ تكون أقل كلفة من النّاحية الإنسانيّة وأقلّ ضررا من النّواحي الاجتماعيّة. بحيث يتمّ منح المرحّلين حوافز ماليّة لتبادل الممتلكات والعقارات إذا كان البديل عن ذلك هو ما شهد العالم من أحداث دامية في البوسنة، وعلى نطاق أصغر بكثير في أيرلندا الشّمالية.

وعموما ينبغي عند معالجة مسألة الأقلّيّات ألاّ يكون المبدأ هو السّماح بالانفصال عندما تطالب به أغلبيّة إقليميّة، بل يتعيّن حثّ كلّ الأطراف على البحث عن الوسائل العمليّة التي تحقّق التّعايش بشكل أفضل، وتوفّر فرصا فعليّة لخلق دول ذات هوّيّات وطنيّة متجانسة نسبيّا تحمي حقوق الأقليّات داخليّا من النّواحي الاجتماعيّة والثّقافيّة وغيرها. للإحصاء أهمّيّة في معرفة الخريطة السّكّانيّة والإحاطة بالوضع الاجتماعيّ والثّقافيّ لمختلف الفئات، وينبغي أن تحتسب العواقب لأكثر من ذلك عندما تبدو الأوضاع سيّئة للغاية بالنّسبة للأقلّيّات حيث قد يكون من الضّروريّ تشجيع بعض السّكّان على نقل مساكنهم قدر الإمكان.

مسألة العدالة والتّوزيع

يرد التّساؤل عمّا إن كانت الاستجابة للمطالب الانفصاليّة المتعلّقة بتطبيق مبادئ العدالة التّوزيعيّة تحقّق نتيجة أفضل في الاستجابة للانفصال، عندما يبدو أنّ المطالبة بتطبيقها أمر مستخف به لاسيما في فترات الرّكود الاقتصاديّ التي تؤثّر سلبا على الأوضاع الاجتماعيّة داخل الدّول بما فيها المستحدثة نتيجة الانفصال، والتي من المرجّح أن تؤثّر على حجم التّبادل بتغيّر نمط التّوزيع الاقتصاديّ بينها. من الملاحظ عند تتبّع المناقشات التي تناولت هذه المسألة أنّها تعطي لمبادئ العدالة بعدا استراتيجيّا، ومكانا بارزا في نظريّة الانفصال المشروع. ومن ثمّة يأتي السّؤال عن الدّواعي والاعتبارات الفعليّة التي تحتّم تعديل الاستنتاجات المتوصّل إليها بخصوص هذه المبادئ.

يشير بوكانان، إلى إنّ المسألة الأولى التي يتعيّن تسويتها هنا هي نطاق المبادئ المعنيّة. بمعنى هل ينبغي اعتماد مبادئ العدالة التّوزيعيّة كأعراف موجّهة في تحكيم القانون الدّوليّ مع ما يكتنف تطبيقها على الصّعيد العالميّ من صعوبات ومشكلات، أم أعتمادها كمبادئ لها نطاق محدود يتأتّى من التّطبيق العمليّ لها عبر المؤسّسات المحلّيّة؟ يحلّل بوكانان هذه القضيّة برسم التّباين بين "العدالة كمعاملة بالمثل" وبين "العدالة التي تركز على الموضوع"، حيث يرى أنّ التزامات الأولى لا تقع إلاّ بين مساهمين في مشروع تعاونيّ، بينما لا تفرض الأخيرة أيّة قيود من هذا القبيل. غير أنّ مبادئ العدالة التّوزيعية لاسيما المبادئ المقارنة منها مثل المساواة والحاجة والاستحقاق، لها بالفعل نطاق محدود لا تعيّنه الممارسة التّعاونيّة التي تستهدف تحقيق منفعة متبادلة؛ بل تعيّنه مواضعات مجتمع يعترف فيه الأعضاء بعضهم بالبعض وبالانتماء إليه جميعا على السّويّة. يتجنب هذا الرّأي طبعا ما يعتبره بوكانان الضّعف الرّئيس للعدالة بوصفها معاملة بالمثل حينما يعتبر أنّه لا يمكن الاعتراف بالتزامات العدالة تُجاه أولئك الذين لا يستطيعون الإسهام في خطّة للتّعاون الاجتماعيّ، مثل ذوي الإعاقة الخطيرة. وإذا كان نطاق مبادئ العدالة يحدّده ما يتواضع عليه المجتمع المعنيّ من حدود، فإنّ هذه المبادئ ستشمل حتما أولئك أفراد الذين لا يستطيعون المساهمة في النّاتج الاجتماعيّ لسبب أو لآخر، إذ ستطبّق عليهم مثلا مبادئ المقارنة مثل مبادئ المساواة والحاجة والاستحقاق، لها بالفعل نطاق محدود. وعموما الأمّم ليست هي المجتمع الوحيد الذي يمكن أن يُحسب على هذا المنظور، وإن كانت هي الأهمّ.

إذا كانت هذه هي الصّورة فكيف أذن نحكم على عدالة مطلب الأنفصال؟ لا شكّ أنّ الأصل يقضي بالحفاظ على مبدأ الوحدة في مجتمع تخضع مؤسّساته لدرجة أوثق من مبادئ العدالة التي يوافق عليها المواطنون، ومتى ما حدث الانفصال نتيجة سبب من الأسباب، أو تحت أيّ ظرف من الظّروف تتشكّل بالتّبع جماعتان سياسيّتان يتجّسد بشكل أو بآخر في كلّ واحدة منها إحساس بالعدالة بين الأعضاء، لذلك يكون من المزايدة الباطلة اعتبار الانفصال سببا لتحقيق العدالة. إذ يحاجج الموقف المؤيّد للانفصال بسخط الأقلّيّة (س) بسبب ما عانت من ظلم في الدّولة الكبيرة، إمّا لأنّ المبادئ التي اشتركوا فيها مع الأغلبيّة لم تنعكس بشكل كافٍ في سياسات الدّولة، أو لأنّ تلك المبادئ التي تقاسمتها داخل الجماعة (ص) قد نُفّذت بطريقة تمييزيّة. ويحاجج الموقف الرّافض للانفصال بما جنّدت الدّولة الأكبر من موارد وفّرت الحماية من أنواع العوز والحرمان لجميع الأعضاء في كلتا الطّائفتين. والحقيقة التي لا تقبل المراء والمجادلة أنّ الجماعة (س) والجماعة (ص) سيتلقّيان معا معاملة مختلفة بعد الانفصال سواء من قبل الحكومتين أو من قبل المؤسّسات الدّوليّة، وهو سبب آخر ينضاف لمعارضة الانفصال والوقوف ضدّه. وينطلق ذلك من مقدمة هي أن مبادئ العدالة النسبية تطبيق داخل المجتمعات وليس فيما بين مجتمعات في دول أخرى. فأنه ليس من الظلم مثلا أن الألمان يتمتعون في متوسط دخل أعلى أو رعاية طبية أفضل من الإسبان، لذلك إذا كان الباسكيون ينفصلون عن إسبانيا، فلن يكون هناك أي ظلم إذا كانوا يحصلون على مستوى معيشي أعلى (أو أدنى) من مواطنيهم السابقين.

يعني هذا بشكل عامّ أنّ حجّة العدالة ستتعزّز بإعلاء الوطنيّة كانتماء ومبدأ جامع بدل التّعويض بالحجّة الأصليّة لتقرير المصير، لكن عندما تتعارض الهوّيّة الجماعيّة لمجموعتين أو أكثر داخل الدّولة بشكل جذريّ، فيعني ذلك أنه من المحتمل جداًّ سيحصل مجتمع الأقلّيّة على معاملة غير عادلة لواحد أو لكلا السّببين المبيّنين أعلاه. ومن المرجح أن تنافر الهوّيّات الخاصّة يأتي كمحصّلة طبيعيّة لما يعتمل داخل الثّقافات العامّة من تناقض، وبالتالي فهم مختلف نوعا ما لما تتطلبه العدالة. وبالمثل عندما يوجد قدر كبير من العداء بين المجتمعات المحلية، سيشعر الزعماء السياسيون في مجتمع الأغلبية بإغراء قوي لممارسة سياسات تمييزية لصالح أتباعهم. إنّ الهوّيّات الجماعاتيّة تتقارب بشكل أوثق على المستوى الوطنيّ كلّما تحقّقت العدالة، وليس محتملا أن يدعم مبدأ الجنسيّة ولا العدالة التّوزيعيّة مطلب الانفصال.

عند التّفكير في ظروف أخرى يمكن أن تلجأ إليها العدالة للاعتراض على حالة انفصاليّة يبدو أنّ لها ما يبرّرها من نواحي أخرى تبرز حالتان هما:

أولا، أنّ الانفصال كما لاحظ العديد من الباحثين قد يكون غير عادل إذا حرم الدّولة الأصليّة من بعض الموارد القيّمة التي تمتلكها أو التي تمّ إنشاؤها بمجهود جماعيّ مثل ثروة طبيعيّة نصّ عليها دستور الدّولة السّابقة للانفصال بوصفها ملكاً عامّا لكلّ المواطنين، أو استثمار ماليّ كبير قامت به تلك الدّولة في إنشاء محطّة لتوليد الكهرباء على أراضي الإقليم المطالب بالانفصال. حيث يمكن من حيث المبدأ حلّ هذه المسألة من خلال نقل الدّفع من الدّولة الجديدة (س) إلى ما تبقّى من الدّولة الأصل (ص) بالرّغم من صعوبة الاتّفاق على شروط دقيقة بهذا الخصوص. كما يمكن عندما يفرض انسحاب الجماعة (س) معاناة على الجماعة (ص) أن يعقد الطّرفان اتّفاقيّة ذات صبغة دوليّة تستمرّ من خلالها الجماعتان (ص) و(س) في التّعاون وفق الظّروف والشّروط والشّرعيّة المتوقّع معها استمرار ذلك التّعاون حسبما يرى غوتييه. فقد يكون لدى الجماعة (ص) بعض المطالب بالتّعويض التي تنخفض تدريجيّا مع تقدّم الزّمن وتوالي السّنين، لذلك فإنّ من الأفضل اعتبارها من مسائل العدالة الانتقاليّة التي لا ينبغي أن تُخلَط بالفكرة المرفوضة أعلاه التي ترى أنّ الانفصال سببا لتحقيق العدالة، فالموقف النّسبيّ للطّائفتين اللّتان تشكّلتا بفعله لا بدّ من أن يحتكم إلى تطبيق مبدأ المقارنة مثل المساواة والحاجة والاستحقاق عند كليهما.

ثانيا، عندما يكون الانفصال سببا مباشرا لأن تبقى الدّولة الباقية قليلة الموارد لا تقدر على حماية مصالح أعضائها وتأمين متطلباتهم الأساس، فيضطرّها ذلك إلى الرّضوخ والانصياع لأجندات القوى الدّوليّة أو الإقليميّة كأن يختار إقليم غنيّ الانفصال عن أقاليم فقيرة وهامشيّة، وهو أمر يستحقّ التّفكير لأنّه يلقي الضّوء على المبدأ العامّ الذي يستند إليه هذا الافتراض وهو أنّ سعي الجماعة (س) إلى تقرير المصير يتعيّن حتما ألاّ يفضي إلى حالة تحرُم الجماعة (ص) من تحقيق العدالة فيما بين أعضائها ما يجعلها محقّة في المطالبة بالحقّ في تقرير المصير أيضا. وهذا يذكّر إلى حدّ ما بشرط ويلمان الذي يرى ضرورة أن تكون الدّولة الانفصاليّة والدّولة الباقية كلاهما "كبيرتين، ثريّتين، متماسكتين ومتّصلتين جغرافيّا بما فيه الكفاية لتشكيل حكومة تؤدّي بشكل فعّال الوظائف اللاّزمة لخلق بيئة سياسيّة آمنة". ومع اعتبار عدم جدوى الإصرار على مطالبة كلّ دولة بالوصول إلى مستوى من الشّرعيّة اللّيبراليّة قبل تشكيلها يبقى مهمّا بالفعل أن يكون لكلّ من الدّولتين (س) و(ص) ما يلزم من الأراضي والموارد التي تمكّنها من إنشاء مجتمع سياسيّ قابل للحياة؛ أمّا كيفيّة القيام بذلك عمليّا فهذا يعتمد على الثّقافات السّياسيّة المتحصّلة لدى الجماعتين.

الخلاصة

لقد حاولت الدّراسة أن توضّح ما يوفّر مبدأ الهوّيّة الوطنيّة (أو مبدأ الجنسيّة) من وجهات نظر حول قضيّة الانفصال، ومن رؤًى تتجنّب الوقوع في مغبّة تجاهل مطالب الانفصاليّين دون انحياز لطرف على حساب آخر، ودون أن يكون في الأمر ما يرغم على الدّفاع عن الدّولة القائمة. ففي بعض الأحيان تحتاج الحدود إلى تغيير، لكنّ القيام بذلك لا يصحّ ولا يتحقّق إلاّ بتطبيق المعايير ذات الصّلة، وليس فقط عبر المطالبة الصّاخبة والتّجييش المنفعل للعواطف القوميّة، إذ من غير الطّبيعيّ أن تنادي أغلبيّة إقليميّة تريد الانفصال بالاستقلال دون أن يكون لها الحقّ في القيام بذلك. فهي تحتاج إلى قياس قوّة مطالبتها، وقياس المدى الذي تطوّرت إليه هوّيتها، كما تحتاج إلى قياس قدرتها على تحمّل كلفة الانفصال وإلى معرفة كيف يمكن أن يكون مصيرها عند تطوّر هوّيّة أقلّيّة منفصلة داخلها، بالإضافة إلى استيعاب مختلف النّظم الممكنة التي تتطوّر من خلالها مختلف الجماعات والمجموعات وغير ذلك ممّا يتطلّب مستوى من المعرفة العلميّة ومن الحذق السّياسيّ ناهيك عن التّمكّن من فهم الواقع والإمساك بخيوطه المعقّدة والمتشابكة. فبهذه الطّريقة لا بغيرها يمكن أن يكون الانفصال الصّريح مبرّرا من النّاحيتين القانونيّة والسّياسيّة، وبديلا مقبولا عن الأشكال التّوافقيّة الأخرى المتوفّرة داخل حدود الدّولة القائمة كالحكم الذّاتيّ الجزئيّ، الفدراليّة، الحكم الذاتيّ المحليّ، وما إلى ذلك من أشكال.

 

د. عليّ رسول الرّبيعيّ

............................

Reference

Buchanan, A,. Secession, Boudler, colo., Westview Press, 1991, p.49.

Buchanan, A,. ‘Theories of Secession’, Philosophy and Public Affairs,26, 1997, pp 31-61.

Crawford, J., Thr Creation of State in International Law, Oford, CLARENDON Press, 1979, ch,3.

Gauthier, ‘Breaking Up: An Essay on Secession’, Canadian Journal of Philosophy,24, 1994.

Horowitz, D.L., ‘Self-Determination: Politics< Philosophy and Law’, in Shapiro, I., and Kymlicka, W., (eds), Namos XXXIX: Ethnicity and Group Rights, New York, New York UniversityPress, 1997, and Moor, M., (ed0 Self-Determination and Secession, Oxford, Oxford University Press, 1998.

Keating, M., Nation aginst the State: The New Politics of Nationalism in Quebec, Catalonia and Scotland, Basingstoke, Macmillan, 1996.

Ladas, S.P, The Exchange of Minorities: Bulgaria, Greece and Turkey, New York, Macmillan,1932.

Mapel, D.R., and Nardin, T., The constitution of International Society: Diverse Ethical Perspectives, Princeton, Princeton university Press, 1998.

McDowall, D, The Kurds: A Nation Denied, London, Minority Rights Group, 1992; Kreyenbroek, P.G and Sperl, S (ed), The Kurds: A Contemporary Overview, London, Routledge, 1992.

Moore, Margaret, ‘On National Self-Determination’, Political Studies, 45,1997

Nielsen, K, ‘Secession: The Case of Quebec’, Journal of APPLIED Philosophy, 10, 1993, PP 29-43; وايضا Gauthier, ‘Breaking Up: An Essay on Secession’, Canadian Journal of Philosophy,24, 1994, pp,356-72.

Norman, W,. ‘The Ethics of Secession as the Regulation of Secessionist Politcs’ in Moore (ed) National Self-Determination and Secession, Oxford, oxford University Press, 1998.

Petropoulos, J.A., ‘The Compulsory Exchange of Populations: Greek-Turkish Peace-making, 1922-1930’, Byzantine and Modern Greek Studies,2, 1976.

Steiner, H., ‘Territorial Justice’ in Georgy, Caney, S, D and Jones (eds), National Rights, International Obligations, Boulder, Colo., Westview Press, 1996

Wellman, C.H., ‘A Defense of Secession and Political Self-Determination’, Philosophy and Public Affairs, 24, 1995.

عدنان عويدقال الله تعالى في كتابه العزيز: (هو الذي أنزل إليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ولا يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا ألوا الألباب.) .. آل عمران (7).

يقول الفيلسوف الكندي، العربي – الإسلامي عن تجار الدين:

(... ذباً عن كراسيهم المزورة التي نصبوها (لأنفسهم) من غير استحقاق، بل للترؤس والتجارة بالدين وهم عدماء الدين، لأن من تجر بالشيء باعه، ومن باع شيئاً لم يكن له. ومن تجر بالدين لم يكن له دين.).

قبل أن نقدم رؤيتنا المتواضعة في مسألة هؤلاء الذين أخذوا بالآيات المتشابهات والتأويل ابتغاء الفتنة أو تأويله لتحقيق مصالح أنانية ضيقة. دعونا نقف قليلاً عند تعريف أو تحديد مفهومي المسلم والمؤمن كما نص عليهما النص المقدس (القرآن)، وهو المرجع الأساس وربما الوحيد في النظر بمسألتي التشريع والعقيدة، الذي منه اشتقت كل الدراسات الإسلامية الفقهية وعلم الكلام وغيرها. هذا إذا أخذنا بالحديث الشريف القائل: ( من كتب عني غير القرآن فاليمحه.)، صحيح مُسلم . وذلك حتى لا نفسح في المجال لمن يقول بأن كل ما قاله الرسول في غير القرآن هو من عند الله وخاصة في أمر الحياة اليومية المباشرة، انطلاقاً من تفسيرهم الخاطئ لما جاء في النص القرآني بأن الرسول (وما ينطق عن الهوى إن هو وحي يوحى)، (النجم -3). وبناءً على ذلك وضعوا مئات آلاف الأحاديث على لسان الرسول وادعوا وتبنوها بناءً على تفسيرهم الخاطئ لهذه الآية. حتى أن حجة الإسلام أبو حامد الغزالي اعتمد على (1000) حديث ضعيف منها، وراح يقول بأن الحديث ينسخ القرآن والعكس صحيح. أو كما قال ابن حنبل : (الحديث الضعيف عندي أهم من الرأي.). والرسول نفسه أكد عندما سئل عن تأبير النخل قائلاً : (أنتم أدرى بأمور دنياكم.). وأمور الدنيا بحاجة للعقل والرأي والتدبير، وأعتقد ، بل أجزم أن الرسول قد قال ذلك كونه الأدري بما أنزل إليه من عند الله، وما لم ينزل عليه وهو من عنده، ومن يعود إلى خطبته في حجة الوداع يؤكد ذلك. وبالتالي هو أدرى أيضاً بالذين في قلوبهم زيغ.

من هو المسلم، ومن هو المؤمن كما حدده النص القرآني؟:

نقول في هذا الاتجاه: إذا كان "الإسلام" في مفهومه العام هو الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخرة،. وأن مقاصد الدين الحنيف قد حددته الآية الكريمة التالية: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتائي ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.). النحل (90). أو كما حدده حديث الرسول المشهور المتكئ على النص القرآني وهو: (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه). رواه مسلم والبخاري). فبذلك يكون المسلمون ليسوا هم من نزلت عليهم الرسالة التي بشر بها الرسول محمد فحسب، بل المسلمون هم كل من آمن بمضمون الآية التي جئنا عليها أعلاه، وعلى مضمون الحديث، من سلم الناس من يده ولسانه. وهذا التحديد لمن هو مسلم جاء بيناً في العديد من آيات القرآن الكريم مثل: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليّ وآتوني مسلمين). (النمل 30). وكذلك جاء في سورة يوسف:( توفني مسلماً والحقني بالصالحين).بوسف (101). وقول الآية التالية في سورة آل عمران أيضاً: ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله؟. قال الحواريون نحن انصار الله آمنا بالله واشهد بانا مسلمون.). آل عمران. (52). أما هذه الآية فهي تبين بكل وضوح بأن الإسلام ليس الدين الذي نزل على الرسول محمد فحسب، وإنما هو دين الله الذي نزل على كل ملائكته ورسله.. تقول الآية الكريمة: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لانفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون. ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.). آل عمران. (84 و 85).   أما المسلمون الذين اتخذوا الإسلام الذي نزل على الرسول محمد ديناً لهم ، فقد نزل فيهم قوله تعالى قبل وفاة الرسول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً.). (المائدة -3). وبهذا يكون الإسلام وفق هذه المعطيات هو الدين الوحيد الذي نزل على كل الأنبياء بغض النظر عن الزمان والمكان الذي نزل فيه هذا الدين، وموافقته لقضايا عصر نزوله، إلا أن جوهره واحد وهو: الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به.

أما المؤمنون وفق هذه الآية، فهم كل من آمن بمضمون ومقاصد الإسلام الخيرة وفقاً لمفهوم الإسلام الذي جئنا عليه أعلاه أولاً، ثم هم الذين يجاهدون في سبيل الله حق جهاده ثانياً. والجهاد هنا هو جزاء الذين يعيثون في الأرض فساداً ويعتدون على مقاصد الدين الأساسية وهي حق الحياة والأرض والعرض والنفس والمال، كما تقول الآية: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفون في الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم.). المائدة 33.

بيد أن المشكلة هنا في مسألة دلالات مبدأ الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر التي تبررها بعض القوى أو التيارات الإسلامية الجهادية المتطرفة، فهي لا تأتي ذريعة لاستخدام عقاب الناس ومحاسبتهم وتعزيرهم ، قطعاً للرؤوس وتكفيراً للآخر المختلف في الهوية، وهو يمثل الفرقة الناجية التي عليها أن تحارب الناس أجمعين لأنهم كفار، وان عقابهم من قبل هذه الفرقة أو هذا المسلم تكليف شرعي من عند الله. ففي مثل هذا الموقف العدائي من قبل المتنطعين في الدين، خروجاً عن مفهوم النهي عن المنكر. فمفهوم الجهاد بشكل خاص، هو عدم الاعتداء على الناس وإباحة دمهم وأموالهم بدون حق. وهذا الفهم الحقيقي يكلف به المؤمنون من المسلمين، عبر مؤسساتهم الشرعية، التي تقررها الدولة، ووفقاً لدراسة معطيات الذنب المرتكب وما يحيط به وما هي دوافعه... وغير ذلك. وبالتالي هذا يدفعنا للوقوف قليلاً عند هذه المسألة الإشكالية. فهذا الرسول يقول عن مسألة الجهاد ودلالاته بعد معركة بدر: (عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) (النسائي والبيهقي وهو حديث مشهور). فحرب الأعداء بالمال والنفس هو الجهاد الأصغر، أما الجهاد الأكبر فهو مجاهدة النفس على الشدائد، ومكابدة الذات على المكاره، ومساعدة الناس على السمو والرفعة، ومعاهدة الروح على البذل والعطاء، وتنقية القلوب وإحياء النفوس على كل ما هو جميل. ونختم هنا حول قضية الجهاد في هذه الآية الكريمة وهي من الآيات العامة والمحكمة في دلالاتها بالنسبة لتحديد من هم الذين يجب أن يقاتلوا، وكم هي سعة رحمة الله وعفوه في قوله تعالى: ( عسى أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم. لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين.). الممتحنة- (7و8).

أما هؤلاء المتنطعين في الدين الذين يدعون بأنهم يقاتلون من أجل الله ودينه من خارج سلطة الدولة، وعلى الطريقة التي يفسرون فيها النص الديني ويؤولونه لمصالحهم أو مصالح من يسخروهم لتحقيق مصالح سياسية أو اجتماعية أو مادية، فإن الله لغني عنهم وعن جهادهم، وهو ليس بحاجة لمثل هؤلاء المتنطعين، أو المرتزقة ممن يدعون الإيمان. فالله تعالى يقول: (ومن يجاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين.). العنكبوت (6). أو في قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون.). المائدة (105).

إن الإسلام في صيغته العامة هذه هو دين يسر ومحبة وعدالة: (وما جعل عليكم في الدين من حرج). المائدة (78). وهو لا يأمر وجوباً، ويلزم الناس فوق طاقتهم، بل يسهل عليهم تجاوز بعض ما حرم عليهم إن اضطروا: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه). البقرة (173). ولكن الاضطرار هنا محكوم بقدره، أي عدم تجاوز حدود المباح وفق هذه الآية حتى لا يتحول المباح هنا إلى ضرر أكثر من نفعه.

أما الموقف من الديانات الأخرى، فالإسلام والمسلمون المؤمنون في نهاية المطاف لا يميزون بين أنبيائه ورسله وكتبه، فكلها من عنده وكلها تدعوا إلى وحدانية الله وتحقيق الجوهر الحقيقي للإنسانية كما بينا في موقع سابق، وكما جاء في الآية الكريمة التالية: (قل آمنا بالله وما أنزل على ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من عند ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون). عمران 84.

الذين في قلوبهم زيغ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله:

جاء في الآية القرآنية التالية ما يحدد أو يبين من هو المسلم الحقيقي، والمؤمن بدور الإسلام ومقاصده الإنسانية. تقول الآية الكريمة: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا ألو الألباب.). آل عمران (7).

إن قراءة دقيقة لمضمون ودلالات هذه الآية، تبين لنا الجوهر الأساس للنص القرآني الذي يجب على كل مؤمن بهذا النص أن يتعامل معه انطلاقاً من هذه الآية. هذه الآية (القدرية في مضمونها) التي تقرر بأن القرآن يحمل بين طياته آيات محكمات، أي بينات واضحات لا غموض فيها أو لبس أو تشابه، وهذه الآيات هن من يشكل الجزء الأكبر من آيات القرآن، أما ما تبقى من الآيات فهن آيات متشابهات، أي فيها الغموض وفيها المفارقة أحيانا ولا نقل التناقض، وفيها تعدد الدلالات في المفهوم. فمن الآيات البينات على سبيل المثال للحصر: (قل هو الله أحد الله والصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد). صورة الإخلاص-1-2-3-4-). فهذه آية بينة، (وكذلك الآيات (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خلق الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ   عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ        ). (العلق -1-2-3-4-5). أما الآيات المتشابهات فلنأخذ بعضها كالآيات التالية : (والذين كذبوا في آياتنا صم وبكم في الظلمات، من يشاء الله يضلله ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم). (الأنعام 39). وهذه الآية جبرية في دلالاتها، في الوقت الذي نجد آية أخرى تقول بحرية الإرادة التي يمارس فيها الإنسان أعماله بنفسه أو بقدره، وليس جبراً كالآية التالية: (قد جاءكم بصائرُ من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وما أنا عليكم بحفيظ.). (الأنعام – 104). أو كالآيات التالية في الموقف من اليهود والنصارى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين.). المائدة (51). والآية المتشابهة التالية: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسون ورهباناً وأنهم لا يستكبرون.). المائدة. (82). وهنا أيضاً الآية التي تفضل اليهود على العالمين: (ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين.). الجاشية (16). وغير ذلك من هذه الآيات. كما نجد التشابه في مستويات ودلالات أخرى بالنسبة للنص القرآني، من حيث تعدد الدلالة في الآية الواحدة كالآية التالية: (الرحمن على العرش استوى ..). (طه -5)، فدلالات الاستواء هنا غير واضحة، لا في مكانها ولا في طبيعتها. في الوقت الذي نجد فيه آية أخرى تشير إلى حالة الاستواء بكل وضوح كالآية التالية : (وانشقت السماء يومئذ واهية . والْمَلَكُ على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية.). الحاقة (16 و17). ففي هذه الآية يبدو التجسيم أو التجسيد واضحاً بالنسبة لمكان الله وعرشه وحملته. والآية التالية تؤكد بان وجود الله في السماء، ومن هناك يتدبر أمر الخلق : (يدير الأمر من السماء إلى الأرض ثم يُعْرِجُ إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما يقدرون.). السجد (5). وفي آية أخرى يشير فيها إلى سمعه وبصره : (قال لا تخافا إني معكما أسمع وأرى.).طه (46). وأمام كل هذه الآيات التي تشير إلى التجسيد الصريح عن مكان وجود الله وسمعه وبصره واستوائه، نجد آية أخرى تنفي كل هذه الصفات التجسيدية لتقول: (فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير.). الشورى (11). فهذه الآية في الحقيقة تنفي التجسد أو التشابه (الصفات) كله في مضمونها، ففي الوقت الذي تشير إلى قدرته على الخلق وإلى سمعه وبصره، تقر أيضاً بأن الله ليس كمثله شيء. أي هو خارج نطاق الوصف. ومن يكن خارج نطاق الوصف سيجرد في النهاية من كل ما يدل على محسوستيه الشخصية بأية صفة كانت.

إذن من خلال هذه الآيات المتشابهات تأتي إشكالية التعامل مع النص المقدس، من حيث تأويله أو تفسيره لمصالح سياسية أو مذهبية أو شخصية، آو الأخذ به ابتغاء الفتنة بين المسلمين أنفسهم، أو بين المسلمين وغيرهم. وبناءً على ذلك نبه الله إلى خطورة التعامل مع هذه المتشابهات وقال بأن الذين في قلوبهم زيغ هم من يحاول التعامل معها أو الأخذ بها ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وكذلك نبهنا الرسول الكريم عن هذه الآيات المتشابهات بقوله: (القرآن ذلول ذو وجوه ، فاحملوه على أحسن وجوهه.) (رواه القرطبي، وابن عباس). أما الراسخون في العلم من المسلمين المؤمنون من أولي الألباب، أي المؤمنون بالله وبدور الإسلام كدين محبة ورحمة وعدالة ومساواة، فهم الذين يقرون أو يعترفون بوجود هذا التشابه أو الوجوه المتعددة في النص الديني، لذلك هم يؤمنون به من جهة كونه كله من عند الله، وعليهم التسليم به، وعليهم في المقابل أن يأخذوا من هذه الآيات كل آية واضحة بينة (محكمة) كما امرهم الله ورسوله. أي الآيات التي لا تفرق بين المسلمين وتحارب الفساد والظلم والاعتداء على حقوق الله وحقوق المواطنين.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحت من –ديرالزور- سورية

 

هنالك رؤيتين متباينتين كلياً عن الأصل الذي أوجد كوننا المرئي أو المنظور، الأولى علمية والثانية ثيولوجية. الأولى عقلانية دنيوية بشرية تقبل الخطأ والصواب وقابلة للتطور، وتستند على معطيات علمية ونظريات ومعادلات رياضياتية وعمليات رصد ومشاهدات فلكية وتجارب مختبرية وبالرغم من ذلك فهي ليست قاطعة ومطلقة. والثانية تستند على مسلمة الإيمان، وهي غيبية ماورائية تدعي أنها منزلة من السماء في نصوص إلهية مقدسة لا تقبل الطعن أو النقاش أو المراجعة والتمحيص، لأنها إلهية المصدر نقلها الأنبياء والرسل عن الله، وهي قاطعة ونهائية ومطلقة وثابتة لا تتغير و لا تتطور. الأولى تقول أن الأصل هو مادة مكونة من جسيمات أولية لا متناهية في الصغر تتحرك وتتفاعل وتتجمع في تركيبات متنوعة لتخلق هيئات أكبر فأكبر وتخضع لقوانين فيزيائية جوهرية كالجاذبية الكونية أو الثقالة الكونية والقوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الشديدة والقوة النووية الضعيفة. والثانية تقول بأن الأصل نشأ عن إرادة ربانية أردت أن تخلق الكون " من العدم؟" بطريقة " كن فيكون" ومع ذلك استغرق الله ستة أيام لخلق الكون بما فيه من سماء وأرض وشمس وقمر وليل ونهار وكائنات حية وجماد ونبات وحيوان وبشر، وقبلهم ملائكة وجن، كما ورد في الكتب المقدسة أو المنزلة وهي العهد القديم أو البابيل أو التوارة، والعهد الجديد أو الأناجيل، والقرآن. يقول رجال الدين والمؤسسات الدينية في كل مكان على الأرض، أن الرؤية الثانية هي الصحيحة، وهم لا يؤكدون ذلك فحسب، بل يفرضونه بالقوة تحت التهديد والترغيب والتلويح بالعذاب الدنيوي" كمحاكم التفتيش السيئة الصيت" والوعيد بالعقاب الآخروي والتهديد بعذاب جهنم والنار الخالدة والجحيم لمن لايؤمن بذلك.

ووفق طرح الثيولوجيين بمختلف مشاربهم، لم يكن العالم موجوداً منذ الأزل، الله وحده هو الأزلي وكان موجوداً وحده و لا شيء غيره، فهو الوجود الكلي المطلق. وفي لحظة ما قرر الله أن يخلق الكون، ويعتقد هؤلاء الثيولوجيين أن الله خلقه " من العدم" وهذا يعني ضمناً أن هناك شيء إسمه" العدم" كان موجوداً إلى جانب وجود الله، ولا ندري هل هو من خلقه أيضاً أم لا، أي هل العدم جزء من ملكوت الله أو مستقلاً عنه؟ والحال أننا نعرف، علمياً، أنه لا يوجد شيء إسمه " العدم" إلا في صيغ ومفاهيم فلسفية. وبالتالي لا يمكن لله أن يأخذ شيئاً من شيء غير موجود. والتفسير الوحيد الممكن والمقبول، من وجهة نظر ثيولوجية ودينية بالطبع، هو أن الله أخذ جزءاً من ذاته وصنع منه الكون.

من جهة أخرى يقول الثيولوجيون أن الله يتصف بالكمال والتمامية والكلية، وما يؤخذ منه كجزء لا بد أن يكون ذا صفة كلية تامة وكاملة وتتصف بالكمال، على غرار الكل الأصلي، والحال أن رجال الدين والمؤسسات الدينية تعترف بأن العالم المادي الظاهر لا يتصف بالكمال والتمامية بل يشوبه القصور والنقص. ويقولون أيضاً أن الله خلق بحرية وبكامل إرادته هذا الكون بما فيه وبما يحتويه، وبالتالي فهو مسئولاً عنه وعن النتيجة والهيئة التي ظهر بها هذا الكون المرئي، أي هو مسئول عن خلقه، وإذا كان هناك ثمة نقص فالمسؤولية تقع على عاتق الصانع أو الخالق. مثلما يقولون أن الله خلق للإنسان العقل لكي يختار ولكن إذا أخطأ العقل في اختياره فمن المسئول عن ذلك الاختيار؟ العقل أم من خلق العقل؟. يؤكد رجال الدين أن الشر مصدر الشيطان أو إبليس وأتباعه، لكنهم يتجاهلون حقيقة أن الشيطان أو إبليس وأتباعه هم مخلوقات خلقها الله بنفسه، لكنهم تمردوا عليه وعصوا أوامره مما جعلهم يعيثون فساداً في الكون الذي خلقه الله وتضليل مخلوقاته وبعلمه " لأنه يعلم كل شيء" كما يقول الفقهاء ورجال الدين، فمن غير المعقول أن الله لا يعرف سلفاً بنوايا جزء من ملائكته، وعلى رأسهم إبليس، وبالتالي يحصل الإغواء الشيطاني للبشر بموافقة ضمنية من الله لأنه قادر على منعهم عن ممارسة الشرور ضد البشر لو شاء ذلك، ولو لم يكن موافق ضمنياً لما أتاح لهم ذلك ومنحهم القدرات الخارقة لإتيان الأعمال الشريرة وجر البشر للعصيان والكفر وممارسة الشر. فإما أن يكون الله لم يرد منع الشر أو إنه لم يستطع ذلك وعجز عن منع ظهور الشر، ففي الحالة الأولى يكون مسؤولاً عن الشر، وفي الحالة الثانية تنتفي عنه صفة الكمال والكلية والقدرة اللامحدودة، وهذا ما يرفضه الثيولوجيين ويتهمون من يقول به بالكفر والزندقة. ولقد ورد في الإنجيل أن الله لم يمنع وقوع الشر. :" قال الملك"يسوع" لمن على يمينه، تعالوا أيها المباركون من أبي خذوا المملكة التي أعدت لكم منذ بدء الخليقة، وقال لمن كان على يساره، إبتعدوا عني أيها الملعونون في نار جهنم الخالدة التي أعدت للشيطان ومن تبعه من الملائكة ". فمنذ خلق العالم يكون الله قد خلق السماء وفيها الجحيم أي أن المهندس الأول الخالق يعرف مسبقاً كما يقول الثيولجيين، أن هناك من بين مخلوقاته " من بين أبنائه" من سيتمرد عليه ويعصيه، من ملائكة وبشر وحدد سلفاً من سيذهب للنار ومن سيذهب إلى الجنة ولم يفعل شيئاً لمنع العصاة والمتمردين، لكن ذلك جعل نتاج خلقه ناقص وغير متقن، وإنه أعد النار الخالدة منذ البدء للذين دنسوا عملية خلقه، وهم من مخلوقاته في نهاية المطاف. وعندما يواجه رجال الدين والمؤسسات الدينية بهذه المفارقة يردون بكلمة" هذا سر الله الغامض أو هذا لغز لا يعرف جوابه إلا الله. ومن أهم الألغاز التي يعجز الثيولوجيون الإجابة عنها أو شرحها وتفسيرها وتبريرها هو وجود الشر وتغلغله في ثنايا الوجود الإنساني والبشري وقد يتعدى التبرير حدود الأسطورة، فلا يمكن لرجال الدين إنكار وجود الشر لكنهم حائرون في البوح عمن خلقه ولماذا، فالله خلق النفس الأمارة بالسوء ومنح الشيطان القدرة على الهيمنة على البشر ونشر الشرور بينهم. وقد يحتج البعض أن الله خلق العقل وحباه بالذكاء وملكة التفكير وحرية الاختيار، حسناً وماذا لو اختار العقل الذي خلقه الله طريقاً مغايراً لما أراده الله ورسله وأنبيائه؟ فمن المسؤول هل هو العقل أم الله؟ فالعقل لم يخلق نفسه بنفسه كي يكون مسؤولاً عن اختياراته بل هو من صنع الله . وهل نجح آلاف الأنبياء والرسل في صناعة جنس بشري عاقل يستطيع التمييز بين الخير والشر؟. فماذا يقولون عن مئات الألوف من الحروب بل لعلها ملايين منذ ظهور النوع الإنساني وحتى بعد تحوله لحالة البشر العاقل الواعي؟ وماذا عن جرائم القتل والذبح والتمثيل بالجثث واكل الموتى في المجاعات وغيرها؟ هل ينكر المؤرخون أن البشر اعتادوا على أكل البشر في الكثير من حقب التاريخ البشري والفتك بشعوب كاملة وإبادتها بإسم الله والدين؟

النصوص الأسطورية والحقائق العلمية:  

كلما حقق العلم تقدماً وإنجازاً في عالم المعرفة والبحث عن حقيقة الكون، كلما تبين أن ذلك يتعارض ويختلف كلياً مع ما جاءت به الأديان السماوية والوضعية، وروته من قصص عن موضوع خلق الكون والكائنات، ولتفادي هذه الهوة وتهدئة ذوي العقول المضطربة والحائرة تقد بعض رجال الدين وأنصاف العلماء بموضوعة الإعجاز العلمي المقحم في القرآن وأبرزوا الآية التي تقول أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ(الانبياء 30) فما هي العلاقة أو الصلة بين نظرية الإنفجار العظيم والرتق والفتق بين الأرض والسماء؟ السماء بنظر الكثير من الفقهاء ورجال الدين هي القبة أو الغطاء الفوقي الذي يغطي الأرض والحال لا توجد سماء بل يوجد فضاء في كل مكان بين المجرات والنجوم والكواكب، وفوق الأرض وتحتها وعلى جانبيها، شرقها وغربها، شمالها وجنوبها. هل كان محمد وصحابته قبل 1500 سنة تقريباً يعرفون أن الكون المرئي نشأ عن انفجار نقطة لامتناهية في الصغر عرفت بالفرادة الكونية، وصاغوا هذه المعلومة بآية وفسرها المفسرون على أنها عبارة عن فصل بين السماء والأرض وتقسيم السماء إلى سبع سموات، وكذلك الأرض. الحقيقة العلمية تقول أنه لم يكن هناك سماء و لا أرض عند حدوث الإنفجار العظيم قبل 13.8 مليار سنة وليس خمسة أو سبعة آلاف سنة. بينما يذكر النص الديني أن الفتق حصل لكينونتين موجودتين أصلاً ومندمجتين ببعضهما أي كانتا بمثابة " كتلة" واحدة وتم الفصل بينهما ورفع السماء وأبعدها عن الأرض {اللَّه الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَات بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا الرعد 2}، ومن ثم يستطرد النص القرآني في وصف ما طرأ على السماء والأرض من تغيرات وتطورات وتعديلات لا علاقة لها بما نعرفه عنهما من الناحية العلمية، أَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (النازعات 31) ولكن في أية أخرى تناقضها يقول فيها النص القرآني إن الله خلق الأرض وأكمل أقواتها ثم استوي إلى السماء وهي مجرد دخان فسواها سبع سماوات (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " سورة البقرة 29)

أحتاج تكون الأرض إلى 4 مليار سنة أو أكثر وتقول الآية أن الله خلق الأرض في يومين من ألأيام الستة التي احتاجها الله لخلق الكون برمته:" قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ(فصلت 12) أي انه خلق الأرض وأكمل التعديلات عليها في أربعة أيام ثم استوي إلى السماء وسواها ورفع سمكها وهذا يناقض الآية الأولى (النازعات 31) التي تذكر انه عدل السماء ثم رجع يعدل الأرض (والأرض بعد ذلك دحاها)ويناقض أيضا آية (الأنبياء 30) في كونهما مخلوقتان ثم فصلهما كما يقول ! بمعنى انه خلق السماء والأرض ثم قام بالتعديل (الفتق) رغم انه في موضع آخر هنالك تسلسل في الخلق والتعديل (الأرض ثم التعديل (الأقوات) ثم السماء ثم التعديل (رفع السمك) حسب تسلسل آية فصلت 12. أما التوراة فقد سبق القرآن بهذه الأطروحة الخرافية عن نشأة الكون والإنسان من خلال سلسلة من الأسفار الأسطورية لا سيما سفر التكوين الذي يتحدث عن الخليقة وكيف خلق الله العالم والإنسان في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع ففي :" ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻷﻭﻝ : ﺧﻠﻖ ﺍﻴﺎﻩ ﻭﺍﻟﻨﻮﺭ ﻭﺍﻟﻈﻠﻤﺔ ﻭﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻭﺍﻷﺭﺽ وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺜﺎ:ﹶ ﺧﻠﻖ ﺍﹶﻠد ﻟﻴﻔﺼﻞ ﺑ المياه وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ: ﺧﻠﻖ ﺍﻟﻴﺎﺑﺴﺔ والنباتات وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ: ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻭﺍﻟﻘﻤﺮ والنجوم وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﺎﻣﺲ: خلق ﺍﻴﻮﺍﻧﺎﺕ وفي   ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ: خلق ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ وفي   ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ: ﺍﺳﺘﺮﺍﺣﺔ الله، كما جاء في كتاب الباحث في التاريخ القديم الدكتور خزعل الماجدي تحت عنوان " أنبياء سومريون : كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين؟. ولقد فصل الدكتور الماجدي مقتبساً نصه من التوراة، في عرض عملية الخلق كما وردت في العهد القديم : في البدء خلق الله السماوات والأرض . وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله: ليكن نور، فكان نور . ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة. ودعا الله النور نهاراً والظلمة دعاها ليلاً، وكان صباح يوماً واحداً وهكذا يستمر الله في عملية الخلق وبعد الانتهاء من خلق النباتات والفصل بين الليل والنهار ثم خلق الحيوانات، يقرر خلق الإنسان في اليوم السادس، والذي خلقه على صورته ليسود على باقي الكائنات الموجودة على الأرض وسماه آدم ومن ضلعه خلق له زوجة أنثى سماها حواء ثم يروي لنا باقي الأسطورة عن الجنة والثعبان وإغرائه لحواء بأكل الثمرة المحرمة من شجرة المعرفة أو شجرة الشر والخير، فطردهما الله من الجنة بسبب هذه " الخطيئة " قبل أن يأكلا من شجرة الحياة ويحصلا على الخلود فعاقبهما الله وطردهما من الجنة، التي لا ندري أين توجد هل في السماء أم على الأرض"، وجعلهما على الأرض ليكدحا فيها من تعبهما. عاقب الله آدم وحواء والحية التي قال لها :" لأنك فعلت هذا أنت ملعونة من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية . على بطنك تسعين وتراباً تأكلين كل أيام حياتك" لماذا الحية وليس أي حيوان آخر؟ وكيف تسللت إلى الجنة بدون علم الله؟ وبأي لغة تحدثت مع حواء لتغريها؟ وهل هو الشيطان تنكر بهيئة الحية ليغوي حواء، وإذا كان هذا ما حصل فما ذنب الحية لكي تعاقب؟ هذه هي صورة الخلق الرباني التي لا يمكن للعلم أن يقبلها وللعقل أن يتبناها ويصدقها.

نظرية الانفجار ليست قاطعة لكنها أفضل ما تقدم به العلم عن هذا الموضوع لحد الآن، وبالإمكان نقدها وتفنيدها بالأدلة العلمية ومن الممكن أن يكتشف العلماء نظريات أخرى في تفسير خلق الكون فماذا سيكون موقف القرآن حينئذ؟ هل سيتشبث بصحة النظرية لأن "الإعجاز العلمي للقرآن" أقرها؟ لا بد من إعادة النظر وتمحيص مصداقية ما روته الأديان وكتبها المقدسة من قصص وأخبار وأطروحات أحاطتها بنوع من الهالة المقدسة والغموض المتعمد والرهبة من مناقشتها أو محاولة دحضها أو التشكيك بها تحت طائلة التكفير. والحال أن أغلب تلك النصوص الدينية مأخوذة، إن لم نقل مسروقة، من نصوص قديمة سبقتها بآلاف السنين أنتجتها حضارات قديمة كالسومرية والأكدية والآشورية الكلدانية والبابلية في بلاد ما بين النهرين والفرعونية المصرية وهي نصوص وثنية أفرزتها أديان لحضارات سبقت التوحيد، ما يعني أن النصوص الدينية المقدسة ليست منزلة بل موضوعة ومؤلفة من قبل بشر.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

في هذا البحث سنسلط الضوء على العلاقة الممكنة والمفترضة بين [المعجزة والتاريخ]، أعني: بين اللامعقول وبين التاريخ [واللامعقول في المنطق هو الذي لا يمكننا تصوره وإدراكه]، إذن فنحن هنا سنعمل وفق نهجنا العلمي و في كيفية جعل اللامعقول مقبولاً ومنطقياً ومتماشياً مع حركة ونظام الطبيعة، ونقول: هل يحق للتاريخ أن يسجل لنا ما يعتبره حدثاً غير طبيعيا؟، أعني هل اللامعقول (المعجزة) هي قضية تاريخية؟، وهل يقبل التاريخ الإعتراف بها ضمن قضاياه ومسائله؟ .

[ولكن بعض من المتكلمين يرون: - بإن المعجزة في حقيقتها هي - وسيلة إيضاح على نحو ما - وهي كذلك إنما تستهدف شيئاً ما تريد إيصاله أو الوصول إليه]، ولو تتبعنا هذا الرأي بدقة لرأيناه قائماً بالفعل على معنى (نوع الفاعل ونوع التجربة ومحلها، ولازم ذلك حاجة وضرورة ووجود المقتضي وعدم المانع).

ولكن ماهي المعجزة؟ وقبل بيان ماهيتها، هناك تعريف لغوي بسيط لها، وهو: [إنها من فعل عجز بمعنى - تعب ولم يقدر -، والهاء فيها للمبالغة وجمعها معجزات، وأسم الفاعل إعجاز الذي هو مصدر للفعل أعجز، قال الراغب: أعجزت فلان أي جعلته عاجزاً] .

ولم يرد في الكتاب المجيد لفظ المعجزة على هذا النحو، ولكن ورد الدليل عليها بصيغة - آية أو آيات -، وبدليل الموافقة نفهم إنها في اللامباشر وردت على نحو قوله تعالى: [فأتوا بسورة من مثله وأدعوا شهداءكم ..] – البقرة 23 -، وهي هنا دعوة لمن حاجج في الله أو في كتابه من غير هدي، قال فليأتي بمثل هذا الكتاب أو ليأتي بسورة من مثله، والمضمر في النص هو تحدي المنكر والتدليل على عدم قدرته وإستطاعته [مع العلم منه تعالى بذلك، ولكن الكلام موجه فيه على أصل التجربة ومحلها]، هذا التحدي القرآني أعطى للأصولي الفرصة و الدافع ليستل من هذا المعنى تعريفاً لمثل هذه الحالة، فقال: [إن جعل شيء ما على نحو غير مألوف و في الواقع الموضوعي هو إعجاز بعينه]، و كل شيء يكون كذلك فهو معجز وإن لم يتسمى بذلك، وعندهم [لا مشاحة في الإصطلاح أو التسمية مادام يؤدي الغرض أو يشير إليه]، وأما مفهوم – جعل شيء ما غير مألوفاً - فهو بلغة الأصولي يعني: الحصول على شيء ما في الطبيعة على نحو غير مألوف !!، وقد خالف في ذلك نفر من أهل الكلام فقالوا: [محال عقلي أن نجعل من اللامعقول ممكناً وموافقاً لقانون الطبيعة]، وتكفل في الرد على ذلك أهل المنطق فقالوا: ليس محالاً عقلياً لأن عبارة - جعل شيء ما خارجاً عن العادة المألوفة -، هي عبارة فضفاضة صحيح تبدو لأول وهلة، ولكن عموم اللفظ ودلالة المعنى يسريان على كل موجودات الطبيعة، إن توفرت الأسباب والعلل التي تجعل منها ممكناً ولا ضير في ذلك في مقامي الثبوت والإثبات .

وبالعودة للتعريف الأصولي للمعجزة، فإننا نرى فيه شيئاً ناقصاً وليس تاماً، بدليل [إن الأصولي جعل من المعجزة حركة غير مألوفة]، وعبارة - غير مألوفة - هي ما تثير الإفهام، ولكنها تكون ممكنة إذا قلنا بنسبية معنى - غير مألوف -، فيكون حصولها في محل ما ولسبب ما، أي أن حصولها في الواقع يكون بنفس الشروط الموضوعية للقانون الطبيعي، ولذلك تكون صحيحةً وهذا مذهب بعض الإلهيين .

ثم إن تحقق الشيء الغير مألوف لدى الإلهيين لازمه: [إرادة ومشيئة وإذن]، وشرط الإرادة والأذن شرط لازم في حدوث المعجزة في مقام الإثبات، فيكون حدوث المعجزة واقعاً شرطه اللازم إرادة قاهرة مع حاجة إليها، ليكون الأذن بها ممكناً على نحو الواقعية، ذلك لأن مخالفة نظام الطبيعة وناموسها ليس بالأمر اليسير أو الممكن، لأن المخالفة تؤدي إلى إنهياره وتفككه، وهذا محال إلاَّ بأذن منه تعالى [بإعتباره صاحب الأمر والتكوين] .

ولكي نوضح الفكرة نقول: [إن إرادة الله هي صاحبة الأمر في الفعل، وهي الفاعلة في الوجود]، وبذلك تكون إرادة الله منسجمة مع القانون الطبيعي ولا تناقضه، وفرضية حدوث شيء ما خارجاً على قواعد القانون الطبيعي لا زمه أن يكون هذا الحدوث جزءا من القانون نفسه لا خروجاً عليه، ومتلازمة ذلك [عدم التناقض وعدم التضاد]، وفي هذه الحالة تحتفظ الطبيعة بنظامها من دون خلل أو تزاحم يؤدي إلى تفككها، وفي هذا الإتجاه يجري مفهوم المحو والإثبات لغايات محددة وفي زمن ما، قال تعالى: [يمحو الله ما يشاء ويثبت ...] - الرعد 39، ولا يعني مفهوم المحو والإثبات المعنى الدارج في الإزالة والتثبيت، بل يعني [إحلال فعل ما لأمر ما متعلق بغاية ما لا تناقض فيها ولا تضاد مع الواقع الموضوعي]، وكما المعجزة حدوث غير مألوف في أو ضمن قانون الطبيعة، كذلك يكون المحو والإثبات حدوث غير مألوف في أو ضمن قانون الطبيعة، فحدوث أمر ما من أجل غاية ما لا بد أن تكون أعلى و أهم، قال تعالى: [وما نرسل بالآيات إلاَّ تخويفا] - الإسراء 59 -، في حال نظرنا للآيات بمعنى المعجزات التي يكون حصولها في بعض الأحيان للتخويف والتصديق، ولنقل: - إن رفع التناقض بين حدوث أمر ما في الطبيعة وبين القانون الطبيعي لا يكون إلاَّ بالقدرة والإرادة والمشيئة الإلهية - قال تعالى: [إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون] - يس 82 -، فالأمر بالشيء لا يكون من غير قدرة على ذلك وإرادة في فعله، وفي مسألتنا هذه تستخدم في التنفيذ والإجراء ثلاث صفات قاهرة هي: - [القدرة والمشيئة والإرادة] -، وتحقق هذه الصفات على أمر ما يجعل من حدوثه ممكناً لقوله تعالى: [إذا أردنا شيئاً .. أن نقول له: كن فيكون] !!!، طبعاً مع [وجود الحاجة والضرورة و المقتضي وعدم المانع]، وعندها تكون القابلية على التحقق ممكنة، وشرط [المقتضي وعدم المانع] شرط موضوعي لازم لتحقق الشيء، وفي هذا تقول الفلسفة الدينية: [ولا يتحقق الحصول على الشيء الغير مألوف إلاَّ بالحفاظ على ماهية النظام وكماله، ونفي حالتي التناقض والتضاد فيه]، وفي هذا المعنى الفلسفي: تكون (المعجزة) عبارة عن شيء يعبر عن مشيئة الله وعقله وإرادتة .

* * *

ومن أجل إثبات صحة المعجزة (الآية) وجعلها بمستوى القضية الصادقة وإنها ليست وهماً أو خديعة كما ظن بعضهم، نقول: إن المستند في ثبوتها وفي إثباتها هو الممكن العقلي، إضافة إلى سلسلة نصوص من الكتاب المجيد دالة ومشيرة إليها، وحدوث المعجزة (الآية) لا يتكرر في العادة إلاَّ لمرة واحدة [يعني إنها ليست حالة مضطردة دائمة الحدوث والتكرار]، وهي لا تحصل إلاَّ من أجل إثبات شيء أجل وأكبر [كما في قضية كلام عيسى النبي في المهد، وكذا أحيائه للموتى، وكما في قضية نار إبراهيم التي صارت بردا وسلاماً وغيرها ...]، فإحياء الموتى موضوعياً لم يكن بفعل عيسى نفسه بل حدث ذلك بأذن الله، وعيسى صاحب التجربة أو محب التجربة إنما فعله هو مجرد - وسيلة إيضاح - لقدرة الله أو وسيلة تدليل على قدرة الله، لكن فعل الإحياء في الظاهر كان بواسطة عيسى أو على يد عيسى النبي، كان ذلك بعد الأذن ..

* * *

وللتنويه:

[نقول يمكن تقسيم فعل النبوة إلى قسمين أو إلى مرحلتين:

الأولى: هي المرحلة التجريبية، والتي تحصل المعرفة عليها من خلال التجربة، وهذا ما قام به معظم الأنبياء من أجل إثبات نبوته للكافة، أي إن فعل بعض الأنبياء كان يحتاج إلى وسيلة توضيح ومشاهدة عيانية من أجل التسليم والتصديق ولذلك كانت التجربة، (والمرحلة التجريبية عاشها العقل النبوي، لما كان في حالة التطور وعدم الإكتمال، أعني إن عقل الإنسان بما فيهم الأنبياء كان في حالة تطور نحو الكمال، وهذه المرحلة أمتدت من عهد نوح حتى النبي محمد) .

الثانية: وهي المرحلة التجريدية، والتي تحصل بفعل التفكير المجرد القائم على الحدس العقلي والعلمي، وهذه المرحلة مع نبوة محمد التي أعتمدت في الأصل على الفكر وإعمال العقل والعلم، وهي موضوعياً أبتدأت مع نهاية المرحلة الأولى، أعني مع تطور العقل الإنساني وبلوغه الكمال في التطور، لذلك كان محمداً خاتماً للأنبياء] .

فكانت نبوة الأنبياء السابقين تعتمد على التجربة، كما حدث مع نوح وعيسى وإبراهيم وموسى وغيرهم، دلت على ذلك مقالة الحوارين لعيسى: [هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة ..] - المائدة 112 -، هذه الحالة التجريبية لم تحصل مع محمد النبي، بل كانت آيات القرآن هي ذلك الشيء الذي دُعي الناس جميعاً لتدبرها وفهمها فهماً عقلياً علمياً مجرداً .

* * *

ونعود لنستوضح العبارة الكلامية القائلة: إن عقله عين إرادته، ولكن كيف يكون ذلك؟، أي كيف يكون عقله في إثبات أمر ما هو عين إرادته في تحقيق ذلك الأمر؟، قالت المعتزلة في هذا الشأن: لا خصومة عنده بين العقل والإرادة، وكذا قالت الإمامية: محال أن نتصور أن يكون عقله مخالفاً لإرادته، يأتي ذلك من كون إرادته تسير وفقاً لكمال طبيعة خلقه .

وفي بحثنا عن المعجزة نقول: - الصحيح ما قالت به الفلسفة و بإن الحقيقة والوجود لا يكونان إلاّ بأمر منه -، يعني إن العقل يُسلم في هذه المسألة في مقامي الثبوت والإثبات، والذي يترتب على ذلك كون القوانين الطبيعية لا تصدر إلاَّ عن طبيعتة وكماله، ولهذا فما يحدث من شيء إلاّ وفقاً لذات الطبيعة لا على خلافها، والحدوث على الخلاف كما هو معلوم ممتنع ضرورة .

والتعريف القائل: بإن المعجزة هي عبارة عن حدوث غير مألوف ولكنه واقع بفعل الإرادة والمشيئة إذ بهما توجد وبدونهما تنعدم، قول صحيح بحدود كون ــ الوجود و العدم ــ منه تعالى فيكون الأمر بالشيء متعلق بعقله وتدبيره وطبيعته، وهذا هو معنى القول التالي: ليس في الوجود شئ إلاّ وله سبب وعلة معينة، والعلة والسبب قد يكونان على نحو المباشرية من الله سبحانه وتعالى، او يكونان على نحو اللامباشرية منه ـ أي من خلال الأثر الطبيعي ـ .

وحينما يقول الله تعالى: [إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير، فأنفخ فيه فيكون طيراً (بإذن الله)، وأبرىُ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى (بإذن الله)، وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم] آل عمران 49.

أولاً: أستخدم النص لفظ - أخلق - ولم يستخدم لفظ - أجعل -، ومعناه الإنشاء من العدم [ليس التحول الدينامكي الداخلي الذي جرى للإنسان حينما تحول من بشريته]، ولذلك قرن النص مع فعل - أخلق - مادة الخلق، التي هي الطين والتي هي المادة الحيوية المستخدمة في خلق كل كائن حي، طبعاً مع التنويه إلى إن النص لم يقل طيراً بل قال - كهيئة الطير -، أي إني أخلق شيئاً شبيهاً بالطير أو له هيئة الطير في القدرة على الطيران .

وثانياً: إن هذا الفعل أعني - أخلق - لم يكن بفعل عيسى المباشر إنما كان بإذن من الله [فعيسى في هذه الحالة مُجري التجربة أو مُجري الوسيلة التي توضح للناس كيفية الخلق] .

وثالثاً: إن في هذا القول جدل معرفي واضح بين القوم الذين ينكرون نبوة عيسى وبين الدليل الذي يثبت هذه النبوة، وإثبات نبوة عيسى جرى تقريرها في عالم الإمكان، وعالم الإمكان: هو عالم محكوم بقوانين المادة في الزمان والمكان .

ورابعاً: إن الجدل جرى تقريره حول مادة ـ أخلق ــ وفعلها، والتي هي من أفعال الله حصراً، ولم يستثنى من هذه القاعدة فعل عيسى بدلالة قوله (بإذن الله)، فيكون فعل عيسى هذا مجرد إعتبار ومجاز ليس إلاّ، هو من جهة ــ الخلق ــ ومتعلقاته وشؤونه أمر ملازم لأصل الخلق الأول، ولكنه إن حدث من إنسان فإنه يُنسب إليه تجوزاً وإعتباراً .

لذلك جاء التأكيد من جهة كون الفعل منه على نحو الحقيقة ومن عيسى على نحو المجاز، ودليل ذلك التأكيد القائل ـ بإذن الله ــ أي أن شرط تحقق فعل ــ الخلق ـ صدور الأمر الإلهي وتحقيق الإرادة الألهية وبدونهما يمتنع حدوث الخلق قطعاً، ولكن نسبة الفعل إلى عيسى من جهة الواقع الموضوعي نسبة حقيقية، إذ الفعل صدر منه على نحو المباشرية، وصدور الفعل وتعامله معه على وجه الحقيقة جعل المتيقن للناس حدوث الأمر منه، ولكن عيسى نسب هذا الفعل منه إلى ــ الله وإذنه ــ، ولولا تلك النسبة لأصبح القول مجرداً إدعاء كاذب وعار عن الصحة، فالصحة في الفعل إنطباقه على مصاديقه الممكنة ــ بإذن الله ــ .

أقول: فعل ــ أخلق ــ مع خطاب الجمع - لكم -، وهناك فعل ــ أصنع ــ الذي يساوق فعل اخلق، ولكن فعل أصنع يهتم بالجودة والإتقان، والمادة في الفعلين واحدة وهي اللازمة لخلق كل كائن حي، فالصنع متعلق بالهيئة والخلق متعلق بالإيجاد من العدم، ثم يأتي بعد ذلك فعل ــ فأنفخ فيه ــ، وهو فعل تجريدي يحتاج لفهمه تدبر وإمعان نظر علمي وعقلي،

قال تعالى: [ثم سوآه ونفخ فيه من روحه] - السجدة 9 - .

وقال تعالى: [فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين] - الحجر 29 .

وقال تعالى: [والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا] - الأنبياء 91 .

وقال تعالى: [ومريم أبنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا] - التحريم 12 .

والنفخ عندي بمعنى الإذن بالعمل و الحركة، أي أن النفخ من مستلزمات كون المادة محل التجربة تستطيع الحركة والفعل، والنفخ من لوازم الإرادة .

وفي ذيل النص نلتقي بقوله: [... وأُنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم] - آل عمران 49 -، هذا المقطع من النص ليس له علاقة بموضوعة - المعجزة - التي هي محل البحث، ففي ذيل النص يظهر إن الكلام عن (العلم بالغيب) - والعلم بالغيب ليس هو علم الغيب -، فعلم الغيب بحسب كل النصوص هو ما أختص به الله وحده، ولكن العلم بالغيب هو العلم الذي يحصل للنبي بواسطة الوحي، دل على ذلك قوله تعالى: [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلاَّ من أرتضى من رسول] - الجن 26 و 27 -، وجملة - من أرتضى من رسول - جملة عامة مطلقة و - رسول - فيها مُنكراً دالاً على ذلك أعني شمولها للنبي الرسول وللملاك الرسول، وفعل – أُنبئكم - فيه إخبار صادق ليس فيه إحتمال الكذب هكذا تقول اللغة العربية في تعريفها، وكما قلنا إن علم الغيب مما أختص به الله ومن مصاديقه حسب الوصف التالي: [إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم مافي الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت ..] - لقمان 34 - .

.

***

وفي الكتاب المجيد يأتي قوله تعالى بلسان إبراهيم: [ربي أرني كيف تحيي الموتى؟، قال: أولم تؤمن، قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي، (قال: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، ثم أجعل على كل جبل منهن جزءاً، ثم أدعهن يأتينك سعياً ..] - آل عمران 260 -، يدخل هذا النص فيما نحن بصدده، فجدل الإحياء بعد الموت عمل غير مألوف، والسؤال من إبراهيم يحتمل كونه يريد الجواب لنفسه وربما كان يريده لغيره، وهو يعيش حالة المحاججة والرفض لفكرة الله وقدرته، وقيل: إنه من باب إياك أعني وأسمعي يا جاره، فالسؤال - بأرني - جوابه مضاف بعنوان - ليطمئن -، والإطمئنان سواء أكان فعلاً أم مصدراً يرتبط - بماهية الشيء - والوصف في الفعل تبيان لما يكون عليه الفعل دون مخالفة للطبيعة ونظامها، وحسب رأي عامة المفسرين: إن إبراهيم النبي صحيح إنه كان في مقام المستفهم، ولكنه كان في الوقت نفسه في مقام المجيب لما كان يحيط به من واقع رافض، والإستفهام عن الإحياء بعد الإماتة، مرتبط جدلاً بعامل القدرة على الفعل، في حال المقتضي وعدم المانع من جهة الطبيعة، ومطلق الفعل إن نظرنا إليه فهو لا يتعدى الأمر النسبي المظنون والذي يجري في صيغة فعل - ليطمئن -، ولا نظن إنه لم يكن كذلك ولكن ربط الفعل بنفسه ليعطي للسؤال قيمة توافقية يُرضي بها جميع الأطراف، وهذه عادة شائعة بين أهل اليقين .

ثم كانت التجربة على نحو: [فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ..]، - وصُر يصر صراً - بمعنى شد يشد شداً، وهو هنا مصدر صررته من باب قتلته إذا شدّدته، (وصرهن إليك) أي اضممهن إليك، لماذا؟، لتتعرف على أشكالهن وهيئاتهن، ولكن لماذا؟ كيلا لا يلتبس عليك منهن أحد بعد الإحياء، ثم قال: [ثم أجعل على كل جبل منهن جزءاً ..]، ويواصل النص فعله التجريبي فيقول: - جزَّئهن أجزاء - أي قطعهن قطعاً، وقرُئ في قراءة - بضم الصَّاد وكسرها وتخفيف الراء -، يقال: صارَه يَصُورُه ويَصيره، أماله، وصار الشئ: قَّطعه، وقوله: - إليك - متعلق بصرهن على الأول، ويأخذ على الثاني بإعتبار تضمينه معنى الصمّ .. وكل هذا يجري في مجال التجربة والإستدلال خاصةً مع وجود السؤال (أرني)، وجوابه الذي جاء على نحو: (أدعهن يأتينك سعياً)، فالمقطع أجزاء المتباعد في المكان عودته إلى هيئته الأولى ضرب من المستحيل، مما يوحي للقارئ أن ذلك خرق للقانون الطبيعي، ولكن الجواب كان في إمكانية ذلك في مقامي الثبوت والإثبات، وأسم الله المضاف في ذيل النص، يرتبط هنا بشيئين هما [الحاجة والضرورة والمقتضي وعدم المانع، القدرة والإرادة والمشيئة والأذن]، وشرط ذلك كله السير وفق القانون الطبيعي وعدم مخالفته، ومنه يتبين أن معنى قوله: ــ أرني ــ هو من أجل حصول حالة الإطمئنان قال: - لكي يطمئن قلبي ــ، ونفاذ ذلك في عالم الطبيعة شرطه حصول القدرة والإرادة القاهرة مع الحاجة والمصلحة من ذلك، لكي لا يكون العمل فردي وعبثي .

***

في مفهوم - المعجزة - يجب التركيز على المعنى النسبي لها، المحدد بالزمان والمكان المعينين ولا يتعداهما لمطلق الزمان والمكان إلاّ في الحال التجريدي العقلي المحض، كما في الحوارية االتي جرت بين إبراهيم النبي وبين ذاك الذي حاجه في ربه، كما في سورة البقرة قوله: [ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله المُلك، إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأُميت، قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فإت بها من المغرب، فبهت الذي كفر ...] - البقرة 258 -، لنتأمل جملة - في ربه - من النص، فإننا نرى مفهوم التحدي في القدرة، فيقول إبراهيم: إن ربي يحيي ويمت - وهذه جملة خبرية ومعناها القدرة على الإحياء بعد الموت [وهي تكون إنشائية بلحاظ ما يترتب على القدرة من فعل بعد الإرادة والمشيئة]، وفي مقابل هذا الإخبار وَرَدَ إخبار آخر من الذي (آتاه الله الملك)، [مع التنبيه إن مفهوم إتيان الملك من قبل الله، لهذا الشخص يكون لا على نحو مباشر، بل على نحو وصفي إعتباري من حيث مفهوم مطلق الملك، فالمالك الحقيقي هو الله ومايكون للمخلوقين فعلى نحو مجازي، يقودنا ذلك لما تفوه به إبراهيم النبي عن حقيقة الموت والحياة، وطبعاً جملة - أنا أحيي وأميت - منه جملة وصفية تفيد الجدل والمراء، ذلك لأن لفظ - أنا - منه مقدر على نحو ما يملك في الظاهر، على أساس إنه يستطيع هبة الحياة لمن يريد وينزل الموت لمن يريد وهذه مبالغة في التصور الممتنع واقعاً .

بدليل إن ماهية الموت والحياة شأنية متعلقة بالله بدليل فعل - بإذن الله - كما يبدو في قوله: [وما كان لنفس أن تموت إلاَّ بإذن الله كتاباً مؤجلاً] - آل عمران 145 - .

وكما في قوله: [الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا] – الملك 2 -، وإستخدام فعل - خلق - في مقام الموت والحياة دليل على الأهمية التي يعجز معها الفعل الإنساني مهما بلغ درجات في العلم، ونفس هذا الفعل في مقام نفي قدرة كل الطواغيت والظلمة الذين يستخدمون فعل الموت بداعي التخويف والإرهاب، والقاعدة تقول: [كل نفس ذائقة الموت، ونبلوكم بالشر والخير فتنة] - الأنبياء 35 -، وهذا تعليل وشرح لما تقدم ورد لما ذهب إليه القائل - أنا أحيي وأميت - .. .

***

في الجدلية التاريخية التي ذكَّر بها الكتاب المجيد، هو ذلك التساؤل من قبل العُزير في الكيفية التي تتم بها عملية الإحياء بعد الموت، فكان الجواب من قبل الله على نحو تجريبي مشاهد أي بصيغة - وسيلة الإيضاح -، لنقرأ قوله تعالى: [أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)، ولننظر لجملة: - أنى يحيي هذه الله بعد موتها -، وسؤالها في معنى الإحياء بعد الموت، فكان الجواب من جنس السؤال، ومن أجل البيان أحتاج إلى فعل منجز - فأماته الله مائة عام ثم بعثه -، فالموت لمدة معلومة ثم البعث من جديد، لازمه ليكون مثبتاً المشاهدة العيانية، ولكن كيف؟ قال: - وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً -، إذن فالسائل أنطلق من مقدمة تقول: بتعذر إمكانية إعادة الحياة لهذه القرية وهي كناية بمعنى ــ أهل القرية ــ سكانهاـــ والتعذر مترتب أثراً على المقدمات العقلية التي أختزلت في القول السابق، لذلك جاء الإحياء بالطريقة التركيبية وبالكيفية التي رسمها القرآن، أي الطريقة الأكثر انسجاماً مع واقع الحال بقرينة السؤال وطبيعة الجواب . .

إذن فالعرض القرآني تصدى للإجابة عن دور القدرة الإلهية في تشكيل الحياة بعد الموت، ولأن منطق الفهم الإنساني يقوم على الدليل التجريبي لذلك جرى تطبيقه في ميدان الظاهرة التي دار البحث فيها .. يبقى كيف علم بأنه مات مائة عام؟ هنا لابد من التذكير بما قاله الطبرسي في المجمع قال: - علم إنه مات مائة عام بشيئين -:

الأول: بإختيار من إرادة الآية (المعجزة) في نفسه وحماره وطعامه وشرابه وتقطع أوصاله، ثم إتصال بعضها إلى بعض حتى رجع إلى حالته التي كان عليه في أول مرة .

والثاني: إنه علم ذلك بالآثار الدالة على ذلك، لما رجع إلى وطنه .

يقول ابن عربي: - إنه علم بذلك بإخبار من السماء، كما كان الحوار عن الموت والحياة تم من قبل السماء -، ويبقى مفهوم الزمن وإثباته على نحو خاص، فالدال عليه الكتاب كما مر .

إذن فالمعجزة أو (الآية) صحيح إنها لم ترد لفظاً في الكتاب المجيد، ولكنها جاءت دلالة فيه بتعبير آية أو آيات، وكلها دالة على القدرة على الفعل حين يكون لذلك حاجة وضرورة بإضافة المقتضي وعدم المانع، مع الإرادة والمشيئة فيكون الفعل القاهر المتشيء في الزمان والمكان المعين، إلاّ في قضية التجريد فهي القضية التي تدور مع العقل والعلم وتطورهما، والتاريخ قد سجل هذه الظواهر معتبراً حدوثها حقيقة وليس وهماً، وهي لا تعد من أفعال السحر أو التمويه والخداع، بل هي فعل حقيقي ثابت، كما كان ينظر إلى ما قدمه - دارون في نظريته عن التطور - وفي لحظة على أنه معجزة في الزمان والمكان المعينين، وكذلك كل فعل وعمل لا يكون له مثيل ويصح القول فيه إنه غير مألوف، يجوز لنا أن نسميه ونطلق عليه بالمعجز والمعجزة، حسب النوع والكيفية التي مر بها وحدث ...

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

في كل الحقب نعود ونسأل: ماهو الزمن؟ ماهي طبيعته؟ هل له ماهية؟ هل هو موجود بذاته؟ هل هو ذلك الذي وصفه لنا الفلاسفة الإغريق؟ أم هو زمن نيوتن المطلق الثابت؟ أم زمن آينشتين القابل للتمدد والتقلص والاستطالة والانحناء والتسارع والتباطؤ ؟ هل هو زمن اللامتناهي في الكبر الماكروسكوبي، أم زمن اللامتناهي في الصغر مادون الذري أو الكمومي ــ الكوانتي؟ مما لاجدال فيه أن " الزمن" يحتل قلب لغز غامض وغريب لا يستطيع أحد فك طلاسمه. لكن العلم لم يستسلم وبقي يتحدى الزمن ويحاول أن يسبر أغواره. واثبت العلم أن الزمن لا يسير بسرعة واحدة ثابتة بل بسرعات مختلفة حسب المكان والحركة والسرعة ودرجة الحرارة . هل هناك نظرية للزمن يمكنها وصفه؟ نعم هناك نظرية متداولة لكنها صعبة ومعقدة سأحاول أن ألخصها هنا. منطلقين من مسلمة " تباطؤ الزمن مع السرعة" التي صاغتها النظرية النسبية لآينشتين فكلما أسرع جسم ما تباطأ الزمن بالنسبة لهذا الجسم بينما يبقى يسير في إيقاع ثابت مع الأجسام الأخرى من هنا نشأت مفارقة " التؤأم" وإمكانية السفر عبر الزمن وبالأخص الذهاب نحو المستقبل.

تطورت الفيزياء وعلم الفلك حسب توجيه الفيلسوف والعالم الإغريقي آناكسيماندر Anaximandre لفهم كيف يجري الزمن وماهو نظامه وكيف تحدث الظواهر وفق النظام الزمني فعل الفلك القديم وصف حركات النجوم والكواكب في إطار الزمن وداخله. المعادلات الفيزيائية تصف كيف تتغير الأشياء داخل الزمن. من معادلات نيوتن التي أسست لديناميكية مروراً بمعادلات ماكسويل التي وصفت الظواهر الكهرومغناطيسية، ومعادلة شرودينغر التي أوضحت كيف تتطور الظواهر الكمومية أو الكوانتية إلى نظرية الحقول الكمومية التي تصف ديناميكية الجسيمات الأولية مادون الذرية وبالطبع معادلات آينشتين ومفهومه الثوري للزمان واندماجه بالمكان في وحدة منسوجة سماها " الزمكان"، ما يعني أن جميع الأشياء تجري وتتطور وتتغير ضمن ووفق نظام الزمن. فهناك زمن مختلف في كل نقطة في الفضاء الكوني فلا يوجد زمن واحد بل عدد لامتناهي من الأزمان. وإن الزمن الذي تشير إليه ساعتك أو ساعة الحائط في بيتك يسمه الفيزيائيون بالزمن الذاتي أو الزمن الخاص temps propre، ولقد اكتشف آينشتين ذلك وعلمنا كيف نكتب معادلات تصف تطور هذا الزمن الخاص أو الذاتي بالنسبة لزمن الآخرين وعلمنا كيف نحسب الاختلاف والفرق بين زمنين. تهشمت الخاصية التفردية للكون وتركت المجال لتعددية زمنية شبكة العنكبوت الكونية . فنحن في الحقيقة لا نصف تطور الأشياء داخل الزمن بل نصف تطور الأشياء داخل أزمان محلية ذاتية خاصة وعلاقة بعضها بالبعض الآخر كعلاقة وتشابك خيوط العنكبوت . فنسبية آينشتين العامة لاتحثنا عن زمن واحد مطلق ثابت الاتجاه بل عن أزمان لا تعد ولا تحصى فبين حدثين لا توجد مدة زمنية وحيدة بل مديات متباينة حسب السرعة والاتجاه والحركة والمسافة، وتتمايز أشياء العالم وفق إيقاعات مختلفة للأزمان الخاصة المحلية أو الذاتية المتفاعلة مع بعضها البعض. ماذا يترتب على ذلك؟ أهم حصيلة إستنتاجية نخرج بها هو أن " الحاضر" غير موجود، وسنرى بعد قليل أن الماضي والمستقبل لا معنى لهما هما أيضاً . لقد أدرك آينشتين أن الكتل تعمل على تباطؤ الزمن وكذلك السرعة وهذا ما حطم إدراكنا وفهمنا واستيعابنا المألوف والكلاسيكي للزمن. فالزمن " الحاضر" بالنسبة لشخص واقف على سطح الأرض ليس هو نفس الزمن " الحاضر " لشقيقه التؤأم الذي غادره قبل ثواني على متن مركبة تسير بسرعة تقرب من سرعة الضوء. فحاضر الشقيق المسافر يغدو بالنسبة للشقيق الواقف على الأرض مستقبلاً فلو أمضى الشقيق المسافر ساعة في رحلته بسرعة 290000 كلم في الثانية وعاد لشقيقه الذي ينتظره على الأرض يكون حاضر الشقيق الأرضي قد تحول إلى ماضي ومر عليه أكثر من عشر سنوات وهو ينتظر عودة شقيقه المسافر الذي لم يمر عليه سوى ساعة واحدة فقط. فالمدة الزمنية للشقيقين تختلف من واحد لآخر بسبب السرعة فالذي يتحرك يشيخ على نحو أبطأ بكثير من الذي يقف منتظراً، وكذلك المدة الزمنية لرجل يعيش فوق قمة جبل تقل عن المدة الزمنية لشخص يعيش في سفح الجبل.

ماذا يحدث " الآن" في مكان قاصي بعيد؟ فلو كان الشقيق المسافر في لحظة " الآن الأرضية متواجد على كوكب ب بروكسيما تابع لنجم بروكسيما الذي يبعد عن شمسنا أربع سنوات ضوئية ونصف، السؤال في هذه الحالة لا معنى له. فلو كان الشقيق متواجد آنياً في لحظة " الحاضر" بجانب شقيقه على الأرض لكان الحاضر مشتركاً بينهما وله معنى فهو ينظر له أو يهاتفه لو تواجد في مكان قريب جداً منه، ولكن لو نظر الشقيق الواقف على الأرض إلى شقيقه على كوكب بروكسيما ب في اللحظة الراهنة " الحاضر الأرضي" فإنه يتلقى ضوءاً قادماً من شقيقه على الكوكب البعيد استغرق أربع سنوات ونصف السنة لكي يصل إليه فالضوء رغم سرعته الهائلة، 300000 كلم/ثانية، إلا أنه يحتاج للوقت لكي يسافر وينتقل من نقطة إلى أخرى في المكان أو الفضاء الكوني لذلك الشقيق الأرضي لايرى " حاضر" شقيقه على الكوكب بروكسيما ب بل ما كان عليه قبل أربع سنوات ونصف السنة عندما انطلق الضوء منه راحلاً إلى شقيقه على الأرض وهكذا.

ماذا يحدث عندما لا يحدث شيء؟ كم من الوقت لازم لــ " دائماً" تسأل آليس في بلاد العجائب ويجيبها الأرنب: ربما ثانية أو اقل وربما الدهر كله" فهناك أحلام تستغرق بضعة لحظات وأخرى تبدو متجمدة في الأبدية " الزمن مطاطي قابل للتمدد ففي بعض الأحيان تجري الساعات الطويلة كأنها ثواني معدودات والعكس صحيح تبدو الثواني والدقائق كأنها قرون. ومع ذلك نعتقد أن الزمن يجري حسب إيقاع ثابت وبسرعة ثابتة، بعد أن قسمناه إلى قرون وسنوات وأشهر وأسابيع وأيام وساعات ودقائق وثواني. فكلمة زمن حسب أصلها الهندو – أوروبي تعني " التقسيم " لكن الساعات بين الشروق والغروب تختلف حسب الموسم والمكان والموقع على سطح الكرة الأرضية . هناك في الماضي تفسيرين لــ " متى" حسب الأحداث المقصودة كما قال آرسطو أو نيوتن الذي اعتبر الزمن بمثابة كينونة تجري بمعزل عن الأشياء حتى عندما لايحدث شيء، وهذا ينطبق على المكان أيضاً حسب رؤيتهما المتباينتين. فنيوتن يصف المكان الآرسطي بأنه نسبي ظاهر وعادي مبتذل وهو تحديد لما يوجد حول شيء ما . بينما يصف نيوتن المكان بذاته بأنه مطلق وحقيقي ورياضي بمعزل عن الأشياء التي فيه فهو موجود حتى عندما لا يوجد شيء. فنيوتن يعتقد أن هناك فضاء فارغ بين شيئين، في حين يعتقد آرسطو أن المكان الفارغ أمر عبثي لأن المكان ليس سوى نظام للأشياء يوجد بفضلها وبالنسبة لها أي وفق نظام الأشياء فلو لم توجد اشياء تتحرك وتتمدد وتنتقل وتتفاعل فيما بينها وتتصاب بعضها البعض ، لما وجد المكان بينما يرى نيوتن أن الأشياء تتموضع داخل فضاء أو مكان مستمر في وجوده حتى لو كان خالياً من الأشياء أي فارغ. ومن ثم جاء آينشتين ونسف هاتين الرؤيتين بمفهومه للـ " الزمكان" .

مكونات الزمن الأولية أو الأساسية:

إلى جانب اللوحة الغريبة لفيزياء النسبية، تغدو الحالة أكثر تعقيداً وغموضاً وغرابة عندما يتعلق الأمر بالوحدات الكمومية أو الكوانتية ونأخذ في الاعتبار الخصائص الكمومية أو الكوانتية للزمكان. أما المجال التخصصي الذي يقوم بدراسة ذلك فهو " الثقالة الكمومية " أو " الجاذبية الكوانتية " gravité quantique، لا توجد في الوقت الحاضر نظرية متكاملة ومعترف بها ومثبتة بالتجارب المختبرية وبالمشاهدات الرصدية ومطبقة في الوسط العلمي بهذا الإسم ولكن هناك محاولات نظرية عرفت بإسم الثقالة الكمومية الحلقية أوالجاذبية الكوانتية الحلقية gravité quantique à boucles، أو نظرية الحلقات التعاقبية théorie des boucles. وكل اتجاه يتبع مساراً مختلفاً فمسار هذا الاتجاه يختلف عن مسار نظرية الأوتار مثلاً، وهناك تنافس شرس، إن لم نقل حرب غير معلنة، بين مختلف المسارات والنظريات الفيزيائية المعاصرة والعلم يتقدم بفضل هذه النقاشات الشديدة وفي المستقبل سوف يتضح من كان على صواب ومن كان على خطأ.

لا يوجد تعريف لماهية وطبيعة الزمن، ويعرف فقط بأنه " خطي" ومتصل أو متواصل ومستمرcontinu، ولكن عندما نكمم الزمن quantisé يأخذ قيماً مختلفة ويغدو كما لو إنه بات " محبباً granulaire. فالتحبب la granularité هو إحدى خصائص الميكانيك الكمومي أو الكوانتي mécanique quantique، والمقصود بذلك الحبيبات الأولية اللامتناهية في الصغر أو مكونات الجسيمات الأولية. وهناك مستويات تسمى في الفيزياء " النطاقات" لكافة الظواهر فعلى سبيل المثال للحقل الكمومي يسمى المستوى أو النطاق بــ " نطاق أو مستوى بلانك échelle de Planck" والزمن الأدنى الذي لا يوجد زمن أقصر أو أصغر منه يسمى " زمن بلانك temps de Planck" والمكان الأصغر الذي يمكن قياسه هو مكان أو طول بلانك longeur de Planck وقيمته التقديرية صغيرة جداً وهي 33- 10، أماقيمة زمن بلانك، على سبيل المثال فتقدر بــ 44-10 من الثانية وفي هذا الزمن تظهر التأثيرات الكوانتية أو الكمومية على الزمن. فعلى هذا النطاق يتوقف مفهوم الزمن الكلاسيكي المألوف . وهناك ندخل عالم " كمكمة أ تكميم الزمن quantisation du temps ولم تعد هناك قيمة رقمية t للزمن في المعادلات الرياضياتية .

الخصائص الأخرى للميكانيك الكمومي أو الكوانتي هي اللاحتمية indétermination واللادقة incertitude     والإحتمالية probabilité، والتذبذب أو التقلب fluctuation والتراكب superposition، فلايمكن تحديد موقع وسرعة إلكترون بدقة متناهية في نفس الوقت. فبين ظهور للإلكترون وظهور آخر له لا يوجد له موقع محدد كما لو إنه منتشر في سحابة الإحتمالية أي هو في حالة تراكب في المواقع . فنحن لانستطيع أن نعرف أي يتواجد إلا عندما نقوم بعملية رصد أو حساب mesure للإلكترون أو في حالة تفاعله مع غيره من الجسيمات الأولية، فالتفاعل interaction يقوم بنشر حالة اللادقة واللاحتمية.

لو أمعنا النظر علمياً في مفهوم الزمن لتبين لنا أنه لا يوجد " حاضر" فماذا يعني مفهوم " الآن" إذن؟

لم تفلح فيزياء القرن العشرين في وصف الواقع بدقة من خلال " الوقت الحاضر présentisme" والمقصود به زمن حاضر شامل ووضعي مستقل وهو غير موجود في حقيقة الأمر. يمكننا الحديث عن " حاضر نسبي" بالنسبة لمراقب في حالة حركة، وهذا يعني أن ما هو " حاضر بالنسبة لي ليس بالضرورة حاضر بالنسبة لك، حسب حركتك وموقعك وسرعتك، وما هو واقع بالنسبة لي يختلف عما هو واقع بالنسبة لك، في حين أننا نستخدم نفس المصطلح للتعبير عن حالة موضوعية قدر الإمكان. يترتب على ذلك ضرورة التخلي عن مفهوم " الأبدية éternalisme" التي تقول أن الماضي والحاضر والمستقبل هي أزمنة واقعية موجودة، وإن الزمكان برمته موجود أيضاً ككينونة مستقلة عن الأشياء، فلا شيء يتغير و لا شيء يجري حقاً. ومن يدافعون عن هذا المفهوم " أي الأبدية" يستشهدون بآينشتين الذي كتب رسالة عزاء لوفاة صديقه الحميم ميشيل بيسو Michel Besso وشريكه في الفكر والتأمل والنقاش منذ أيام دراستهما في جامعة زيورخ، والتي أرسلها لذويه وبالأخص لشقيقة ميشيل، ومات بعده بأشهر قليلة، قال فيها :" هكذا سبقني مرة أخرى بقليل بمغادرته هذه العالم الغريب. وهذا لا يعني شيئاً . فبالنسبة لمن يعتقد من بيننا بالفيزياء، فإن التمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس سوى وهم مستمر على نحو عنود وملح". ولقد عرفت هذه الفكرة في أوساط العلماء بــ " الكون الكتلة univers bloc" أي يتعين التفكير بقصة الكون بمجملها وبكليتها كأنها كتلة واحدة وفريدة فكل شيء فيها حقيقي وواقعي وإن المرور من لحظة زمنية إلى لحظة زمنية أخرى ليس سوى شيء وهمي . وهذه قطعاً ليست الطريقة الوحيدة الباقية لدينا للتفكير بالعالم، فطريقة تفكيرنا التقليدية التي ترى الكون عبارة عن حقب زمنية متعاقبة لا يعني أن لا شيء يتغير، بل يعني أن التغييرات ليست مرتبة على نحو خلافة تعاقبية ثابتة ومنظمة ووحيدة une unique succession ordonnée، فالبنية الزمنية للعالم هي أكثر تعقيداً من مجرد تعاقب خطي للحظات، ولكن في نفس الوقت هذا لا يعني أن هذه البنية الزمانية غير موجودة أو وهمية. فالتمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس وهمياً لكنه نسبي. أي أن البنية الزمانية للعالم ليست " آنية حاضرة présentisme " فالعلاقات الزمنية بين الأحداث أكثر تعقيداً مما نعتقد، لكن لا يعني هذا أنها غير موجودة. فمفاهيم " الواقع" و " الآن " و " موجود " و " وجود" غامضه ولغزية ولها آلاف المعاني، وفعل " وجد" ومشتقاته لديه ملايين، بل مليارات، المعاني والتفسيرات والتأويلات، والأمر مرتبط بكيفية استخدامنا للفعل والصفة، ولا يتعلق الأمر بطبيعة الأشياء المطلقة. فهذه المفاهيم تختلف بالنسبة لمن يسكنون على الجزء العلوي للكرة الأرضية أو الجزء السفلي للكرة الأرضية وما حول الكرة الأرضية. فالعالم الذي نعيش فيه غير عادي وغير بسيط بل غاية في الغموض والتعقيد وهو غير مألوف لكنه ليس عالماً يفتقد للمعنى. فلو حسبنا الزمن الضروري لكي ينفجر فيه ثقب أسود " نظرياً ورياضياتياً بالطبع " بمروره بالمرحلة الكمومية أو الكوانتية، سوف نستنتج أنه، خلال هذه المرحلة، في داخل الثقب الأسود وجواره القريب، لا يوجد هناك " زمكان " وحيد ومحدد، بل مجرد حالة تراكب كمومية أو كوانتية لشبة من السبينات spin، أي الدورانات الذاتي المغزلية كحالة الإلكترون الضائع في غمامة أو سحابة من الاحتمالات، بين اللحظة التي بعث فيها واللحظة التي يصل فيها إلى شاشة القياس في تجربة يونغ ولوحه ذو الشقين المزدوجين، حيث يمر بعدة أماكن محتملة قبل بلوغه الشاشة، نفس الشيء بالنسبة للتفكك أو التحلل الكمومي أو الكوانتي quantique désintégration للثقب الأسود حيث يخترق مرحلة يمر فيها الزمن بحالة تقلب كمومي fluctuation quantique عنيفة حيث تحصل عملية تراكب كمومية أو كوانتية quantique superposition لأزمنة مختلفة، قبل عودته للحالة الحتمية بعد الإنفجار. فهناك ما يعرف بالزمن الحراري temps thermique،فالطاقة هي التي تتحكم بالتطور داخل الزمن في الحالة الماكروسكوبية ــ أي النطاق ما فوق الذري ــ فالحالة الماكروسكوبية، التي تتجاهل التفاصيل الدقيقة في اللامتناهي في الصغر ومادون الذري، تعمل على تفرد singularise متغير رياضي خاص يمتلك بعض مزايا وخصائص الزمن الذي نعرفه. فالزمن تحكمه نوع من الضبابية والغموض والشواش واللاتحديد والاهتزاز والتردد والتخبط flou، وكان العالم بولتزمان Boltzmann قد استوعب أن سلوك الحرارة يمكن فهمه على أنه نوع من الــ flou بالمعاني المدرجة أعلاه، ففي كأس من الماء يوجد عدد لامتناهي من المتغيرات الميكروسكوبية مادون الذرية التي لانراها والأنتروبي هو عبارة عن عدد من الإعدادات الميكروسكوبية الممكنة للماء، وإن هذا الــ flou يقوم بتحديد وفرض متغير رياضي آخر هو الزمن. فالزمن الذي تحدده حالة ماكروسكوبية هو الذي يسمى بالزمن الحراري temps thermique، لكنه ليس زمن كوني شموالي بل محدد بحالة ماكروسكوبية، أي بــ "الــ flou" أي بــ لاتكاملية incomplitude في الوصف. وهناك الزمن الكمومي أو الكوانتي temps quantique. وهو الذي يحصل إبان التفاعلات الكمومية أو الكوانتية. فالاحتمية الكمومية أو الكوانتية كضفة ذاتي للأشياء، تنتج الــ flou على غرار شواش بولتزمان الذي ينطوي على أن عدم القدرة على التنبؤ imprévisibilité في العالم تكون مثابرة ومستمرة حتى لو تمكنا من قياس كل ما هو قابل للقياس والحساب. فالصفة الزمانية مرتبطة بــ " الــ flou" والذي يعني أننا نجهل التفاصيل الميكروسكوبية ما دون الذرية للعالم. فلو أردنا أن نقيس فقاع صابون طائرة فسوف نلمس أن سرعة واتجاه هذه الفقاعة ليست ثابتة بل تعتمد على متغيرات variables متنوعة مثل درجة الحرارة والضغط الجوي وتيار الهواء وقوة الريح الخ.. وبالتالي من الصيغ صياغة معادلة رياضياتية تسمح لنا بإجراء عملية الحساب للنقطة المضبوطة التي ستتواجد فيها الفقاعة في وقت معين . في حين لو كانت سرعتها موحدة وثابتة واتجاهها محدد ومعروف فسيكون من السهل حساب إدخال عامل الزمن في العملية الرياضياتية وحساب النقطة التي تتواجد فيها الفقاعة بعد عشر ثواني من انطلاقتها مثلاً. فهناك إحداثيات للطول والعرض والارتفاع وللبعد الرابع الزمن حسب نسبية آينشتين. فالفقاعة في علم الكونيات وعلم الفلك لدى الفيزيائيين تستبدل بالنجوم وتوابعها من الكواكب وتجمعاتها في مجرات وتجمع هذه الأخيرة في حشود وأكداس وسدم كلها في حالة حركة وبسرعات معينة، وهذه تنطبق كذلك على البروتونات والإلكترونات في لذرة والفوتونات في العالم الذري ومادون الذري. فهناك معادلات رياضياتية لمثل تلك الحسابات وأبعاد أربعة حيث وصف الزمكان الآينشتيني بأنه فضاء بأربعة أبعاد. فتنقل الفقاعة في عالمنا الواقعي يفترض به ألا يغير من حجم الوعاء المكاني الذي تتنقل فيه الفقاعة وهو مكان إقليدي ذو ثلاثة أبعاد سواء كان مسطح أو كوري أو إهليجي . فحسب المعادلة التي وضعها آينشتين فإن الحجم لجسم متحرك يتنقل، يتغير ويتعدل ويتكيف صعودا ونزولاً، زيادة ونقصان، في أبعاده المكانية، ولكن هل ينطبق ذلك على البعد الرابع أي الزمن؟ يعتمد ذلك على تعريفنا للزمن وفهمنا لماهيته وطبيعته وجوهره وهو هو فقط مجر حساب لعملية التنقل والحركة لحجم مكاني معطى داخل حجم مكاني آخر؟ فلو حسبنا انتقال الفقاعة بعد عشر ثواني ربما يكون عقرب الثواني في الساعة تحرك عشر ملليمتر ولكن في نفس هذا الوقت تحركت الأرض 30 كيلومتر مضروب بعشرة في حركتها الدائرية حول الشمس فإحداثيات الزمن يعبر عنها بالضرورة على شكل علاقة السرعة بالزمن vitesse – temps   أو vt، وهذا ما أثرى مخيلة كتاب الخيال العلمي بشأن إمكانية خلود الإنسان إذا ما انطلق بسرعة تقارب الضوء في الفضاء الخارجي " لأن الزمن اندمج مع المكان أبدياً، فهل سيغوص الإنسان في المستقبل داخل اللانهاية حتى لن يشيخ ابداً ؟ هذه الفرضية عرفت بــ " رحالة أو مسافر لانجفان voyageur dd Langevin، على إسم عالم الفيزياء الفرنسي بول لانجفان التي صاغها سنة 1920، بخصوص السفر عبر الزمن بسرعات فائقة تقرب من سرعة الضوء في الفضاء ما بين النجمي . ووفقاً لمبدأ تباطؤ الزمن مع السرعة في نسبية آينشتين تحدث لانجفان عن مسافره في الفضاء الخارجي الذي ترك الأرض بسرعة قريبة من سرعة الضوء لمدة سنة ذهاب وسنة غياب أي ازداد عمره سنتين فقط وعند عودته إلى الأرض وجد أنها مر عليها قرنين من الزمن حيث اختفى جيله الذي تركه على الأرض وحل محله أجيال أخرى " وقد أثار هذا الموضوع سجالاً واسعاً بين العلماء في سنوات الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن الماضي بالرغم من سلامة الطرح اللانجفاني رياضياتياً . سنعود لاحقاً لتفاصيل هذا الموضع في دراسات قادمة .

 

د. جواد بشارة

 

لم يحدد لنا المعجم اللغوي معنى السُنة على نحو دقيق، ولكنه أطلق لنا معناً يمكننا توظيفه بين ما هو لساني وبين ماهو إصطلاحي، وأقرب التعاريف التي وجدناها هو القول بأنها - [طريق] -، أي السُنة هي طريق وهي في هذه الحالة لا تكون فاعلاً، ولفظ - طريق – حين يكون مُنكراً يكون عاماً، ولكن يمكن الإستفادة من معناه لمن يشتغل فيه أو عليه في الإجتماعي كما في الطبيعي، والسُنة التاريخية متعلقة موضوعاً بفعل الفاعل الذي أنتجها، ولهذا يكون الحكم عليها وفقاً لذلك، وهي دائماً من صنع الإنسان سواء (في الخير أو في الشر)، والفاعل بحسب موضوعها المتقدم وكما نرى هو - العدل أو الظلم -، ولكن في السُنة الطبيعية فالذي يتحكم فيها قوانينها الخاصة، ويكون الفاعل في صنعها هو قانونها الخاص بها [هي الطبيعة نفسها]، وقانون الطبيعة هو عينه القانون السببي [العلة والمعلول] الموضوعي .

ولهذا فالتمييز بين ماهو تاريخي وبين ماهو طبيعي يكون من خلال القانون المنتج لهما، وفي المنطق العلمي: يكون مجال البحث عن كل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى، فالسُنة التاريخية: كما قلنا مجال بحثها يكون في - علم الإجتماع ومشتقاته -، ولكن كيف يكون ذلك ؟، قالوا: بما إن السنن هنا هي من إنتاج فعل الإنسان، وهي لم تكن بالفعل لولا حاجات الإنسان إليها، الحاجات الإقتصادية والسياسية والدينية وغيرها [لذلك فمجال البحث عنها وفيها علم الإجتماع ومشتقاته]، والترابط بين علمي الإجتماع والتاريخ مصيري لحدود قصوى قال أبن خلدون،

لكن السُنة الطبيعية: في المنطق العلمي مجال بحثها علم الفيزياء والفلك وغيرها من علوم الطبيعة، لهذا هما متمايزان مختلفان من حيث الماهية والجوهر .

بيد إننا هنا نبحث عن - صلة وصل - بينهما وذلك نجده جلياً في - موضوعة الخصوص والعموم -، ولكن كيف يكون ذلك ؟،

نقول: حسب المنطق العلمي فإن أصل الحركة واحدة ومجالها ــ ممكن الوجود ــ أعني الطبيعة، والإفتراق يكون في الفاعل المنتج لهما، ففي السُنة التاريخية: [يكون الفاعل هو الإنسان، وفي السُنة الطبيعية يكون الفاعل هو الطبيعة نفسها]، وموضوعياً قوانين الطبيعة تختلف عن قوانين فعل الإنسان وإرادته، ولو أفترضنا جدلاً صحة نظرية الوحدة التي ذهب إليها غير واحد من المثاليين، فسيكون علينا لزاماً إلغاء حالة الإختلال في النظم والبناء العام، وهذا غير ممكن بحسب النظرية العلمية للتطور، [يقول ألبرت أنشتاين إن الطبيعة (الكون) حدثت نتيجة للإنفجار العظيم، وهو نفسه (أي الإنفجار) هو من أسس قوانين الطبيعة ونظامها، ونفس الشيء قاله القرآن المجيد ولكن بصيغة ثانية سماها (النفخ في الصور)]، ومفهوم النفخ في الصور هو مفهوم نظري تجريدي يتحدث عن خلق الكون من شيء ما غير محسوس [وهكذا قال ستيف هوكنز تعليقاً على نظرية الإنفجار العظيم]، وعندنا لم يكن الإنفجار هذا عبثياً إنما جرى بصورة منتظمة، أدى إلى جعل - قانون التطور - صيرورة دائمة متقنة ومتوازنه وليس فيها خلل يؤدي إلى طغيان البعض على البعض الأخر .

وفي القديم مال إلى هذا الرأي - ملا صدرا الشيرازي - معتبراً الطبيعة بما فيها من خلق وتكوين ونظم، إنما كانت بفعل الموجد الأول قال أبن سينا، ولذلك فقوانين الطبيعة لم تكن بهذه الدقة لولا طبيعة الخلق من الموجد الأول (وهكذا الإرادة منه منذ البدء كذلك قالت الأشاعرة)، وما يحدث في عالم الطبيعة هو نتيجة لذلك، فالعلل الطبيعية التي وجدت في هذا الكون وفي داخله إنما كانت بفعله، ولذلك قالوا بالتبعية: أي إن فعل الإنسان يدخل ضمن هذه النظرة سواء أكان فعله في الخير أم في الشر، أنظر النص التالي: - [إنا هديناه السبيل (وفي نص أخر النجدين) إما شاكراً وإما كفورا] - الإنسان 3، إذن فهذه النظرة لا تعترف بالقوانين الذاتية المنفصلة .

فالعدل: عندهم ليس فعلاً ذاتياً في الطبيعة أو إنه تطور مع الزمن، بل إنه وجد مع الإرادة في ذلك لتكون الطبيعة متوازنة ومعتدلة وممكنة الحياة فيها، ولذلك قالوا: لم يكن الأمر بالعدل إلاّ ليكون سُنة يستقر على أساسها النظام والقانون في الطبيعة، وما التاريخ إلاّ راصد ومشير وشاهد على ذلك، قال تعالى: [وما خلقنا السماوات والأرض ومابينهما إلاّ بالحق] - الأحقاف 3 -،

فطبيعة الخلق من جهة وحتمية الخلق من جهة أخرى، ليست عبثية ولكنها كانت لسبب ما، وفي المنطق الإلهي يكون (فعل الخلق وسببه) من الحق، وليس كالطبيعة التي لا ترتبط بسبب في تطورها كما تقول - الداروينية -، والحديث في النص عن [الخلق وليس عن التطور] فالخلق هو النفخ أو هو الإنفجار، وأما التطور فهو من لوازم النظام الجيني أو البنيوي [والذي تقول به الأحياء التطورية]، وفي القرآن: تعتبر عملية التطور عملية دورية مستمرة، لكن كيف وأين بدأت ولماذا ؟، وهنا الجواب يكون: عن معنى الطبيعة عن ماهيتها وعن صلتها بالإنسان، وهل هي حقل لتجاربه أو هي وعاء لذلك ؟، [وبالمناسبة نحن نتكلم هنا عن الإنسان وليس عن البشر]، وبين الإنسان والبشر جدُ فارق، أي بين الحيوان الأول وبين هذا الذي تطور في وعيه وعقله ليكون - خليفة لله -، وبحدود علمي: إن القرآن المجيد لم يعط صورة تفصيلية لهذا التطور من البشر إلى الإنسان، ولكنه نوه إلى ذلك ببعض الإشارات، في إعتبار البشرر سابق للإنسان كما نقرأ ذلك بقوله: - [إني جاعل في الأرض خليفة ....قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟) ...] البقرة 30 -، السؤال كما تقول لغتنا العربية، إنه من فئة الأسئلة الإستنكارية، أي إن الملائكة أستنكرت على الله أن يجعل خليفته من هو قاتل وشرير، ولو تتبعنا نظرية التطور لوجدنا إن الأصل في البشر هو الشر، ولكن ماهو المضمر هنا والذي لم نلاحظه في الكتاب المجيد ؟، إن المضمر هو ذلك الزمن الذي لم يُحكى عنه في عملية التطور والتحول، وكم من الوقت أستغرق هذا التحول الجيني والعقلي معاً - أنظر رينيه ديكارت -، أعني إن الكتاب لم يعطنا تفصيلاً عن الزمن الذي أستغرقه فعل التحول بين [فعل خلق وفعل جعل]، ولكن وحسب نظرية الأحياء التطورية: فإن هذا الزمن حدث بعد التدمير للعالم الأول، حدث هذا من خلال التناقض والصراع من أجل البقاء قبل ملايين السنيين وقيل بسبب فعل الطبيعة نفسها .

ولنناقش الفكرة تجزئياً ونقول: هل أرتبط خلق الطبيعة والكون والإنسان بحاجة مقدرة عند الله في التخطيط المنطقي لما تكون عليه صورة الطبيعة ؟، والجواب عند عامة الإلهيين نعم: أن صورة الخلق مرتبطة بضرورة حتمية متعلقة بنظام كلي مسبق في العقل الإلهي !!، وهي لا ترتبط بنظام ذاتي للتطور الغير مسبوق بسبب !! .

وبما إننا نبحث هنا في نظام السنن في القرآن المجيد، لذلك نقول: إن القرآن يطرح موضوعة السببية في الخلق، أي إن الخلق ليس عبثيا أو جاء بلا سبب وليس الأمر فيه متروكاً لنظام التطور الذاتي المرحلي، الذي ينبني على التناقض والخلل الجيني، قال تعالى: [وما خلقت الجن والأنس إلاّ ليعبدون]، ومفهوم الخلق كان لسبب وهو العبادة والتي هي عند الملا صدرا ليست الطقوس والشعائر، إنما هي العمل المرتبط بما يحقق للحياة غايتها وهدفها، وفي هذا المجال يكون قوله تعالى: [ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليماً حكيما] - الفتح 4، مرتبطاً بهذه الغاية وهو محكوماً بقانون السببية، فالكائنات الغير مرئية وجدت لسبب ما وهو حفظ نظام الطبيعة في الإستقرار والتوازن، ونقول: [إن وجود هذه الجنود أو الكائنات الغير مرئية، إنما هي حالة حمائية لحفظ نظام الطبيعة من الإختلال]، وبعبارة منطقية: حفظ نظام الطبيعة بكائنات حية غير مرئية، يحقق للطبيعة قدرتها على حفظ نظامها وصيانته من الإنهيار، وهذا الشيء قال به الفيزيائي الفذ - دايرك - حول نظرية الأشباح التي تملئ الفراغ الكوني، هذه الصورة التي يعبرون عنها بالتجاذب الكهرومغناطيسي، والتي وجدت من أجل هذا التوازن في الطبيعة، قال تعالى: [ولله ملك السموات والأرض] الفتح 14،

- ومفهوم ملك - حين جاء منكراً ففيه دلالة مطلقة على معنى النظم والسيطرة على النظام الكوني، ولا تكون السيطرة والنظم من غير قدرة عاقلة واعية تضبط حركة الكون وتحافظ على وحدة النظام الكوني، وحين ينسب الله المالكية في هذا الشأن وذلك للأهمية، ولا شأنية للإنسان في ذلك إلاّ على النحو الإعتباري المجازي وهذا ليس محله هنا .

قال تعالى: [ولله ميراث السوات والأرض] الحديد 10

أعجبني هذا النص لأنه يتحدث عن المستقبل، فالميراث في عرف المتشرعة هو عبارة عن الأشياء المتبقية بعد فقدان المالك الإعتباري، والنص هذا يرتبط حكماً بما سبقه في قوله تعالى: { له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور } (الحديد / 5) .

أي إن المتبقي من الوجود المخلوق الثابت منه والمتحول هو لله في نهاية الوجود الحتمي الذي يكون ذاتياً من خلال إنعدام الكتلة في السموات والأرض، قال تعالى: - [يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش] – القارعة 4 و5، قال شيخنا الأستاذ: [إن المتبقي هو عبارة عن شأن يختص بمالكه أصالة على نحو الحقيقة لا الإعتبار]، بدليل إن قوله تعالى: [ولله خزائن السموات والأرض] - المنافقون 7، شأنية خاصة بالله وحده ولا شأنية فيها للإنسان .

وبما إن الحديث عن الميراث والمالكية فلا بأس من النظر إلى قوله تعالى: [وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه] الحجر 21، والخزائن جمع خزينة وهي الصندوق الذي تحفظ به الأشياء، وهي هنا كناية عن القدرة الكاملة التامة على كل ممكنات الوجود،، وهذا النص في مقام التعريف بخزائن الله، وهو تعريف يُراد به بيان السُنة الطبيعية، وجعل ذلك كله شأنية خاصة بالله وحده ولا دخل للإنسان فيه .

ونعود لنقول: مفهوم الخلق والتكوين في الفعل وعلى نحو مطلق هو من شؤونات الله، المتعلقة بقدرته للعوالم الكونية المطلقة ولا شأنية للإنسان فيها، بل إن الإنسان هو جزء من ذلك الخلق والتكوين .

قال تعالى: { خلق السموات والأرض بالحق وصوّركم فأحسن صوركم } (التغابن / 3) .

وقال تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأٍ مسنون } (الحجر / 26) .

وقال تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } (المؤمنون / 12) .

وقال تعالى: { وبدأ خلق الإنسان من طين } (السجدة / 7) .

وقال تعالى: { خلق الإنسان من صلصال كالفخار } (الرحمن / 14) .

وقال تعالى: { أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم } (يسن / 77) .

وقال تعالى: { وهو الذي خلق من الماء بشراً .. } (الفرقان / 54) .

وقال تعالى: { والله خلق كل دابة من ماء ..} (النور / 45) .

قال الله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6]

قال تعالى: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [نوح:14

وكما قدمنا فالخلق أرتبط مفهوماً بالبشر وليس بالإنسان، كما في سورة الفرقان 54، والجعل كان للإنسان أي إنه بعدما أنتهى من خلق البشر عبر مراحل، جعل له صورة حسنة تتناسب ووضعه الطبيعي المخلوق من أجله، كما يظهر ذلك في قوله تعالى: [الذي خلقك فسواك فعدلك] - الإنفطار 7 -، وفي ذلك يكون المعنى قريب مما ذهبت إليه - الأحياء التطورية -

.

* * *

تنبيه:

مما تقدم يتضح لنا: إن السُنة الطبيعية تفترق عن السُنة التاريخية في نواحي عدة، فالسُنة الطبيعية أعتبرها العلم حتمية الوقوع، والفاعل في إنتاجها هو الله أو هي قدرة الله، وهي ليست من شؤونات الإنسان وفعله، وأما السُنة التاريخية فهي فعل ناتج عن الإنسان، أي إن الفاعل في إنتاجها وصُنعها هو الإنسان، وفي متعلقات السُنن يكون الفعل آصالة بيد الله ووكالة بيد الإنسان، في قضايا المالكية والإرثية والخازنية .

***

يذهب بعض المثاليين للقول بالإتحاد بالفعل، وهو قول ليس دقيق من وجهة نظر علمية ذلك لأن الكلام فيهما يتعلق دائماً بالماهية وبالكيفية، وحين يكون ذلك كذلك نفهم معنى الإفتراق في قوله تعالى: [قل من يرزقكم من السماء والأرض] يونس 31، وفي سورة فاطر قوله: [هل من خالق غير الله يرزقكم] فاطر 3 -، في هذه النصوص نلتقي مع الله حين يتحدث عن قدرته بالفعل والقوة، ويرجع كل شيء له على نحو مباشر وما يكون من الإنسان فبشكل غير مباشر، فالثروة هي منه ولكنها تكون للإنسان على نحو الفعل والمباشرية والإنتفاع، نلحظ ذلك في العبارة التالية قوله: [ومما رزقناهم ينفقون] البقرة 3، فالرزق هو عبارة عن كل ما ينتفع به من مال أو غيره، وهو صفة وصف وتقدير في الأموال والأشياء، لما ينتفع منه وبه أي إن إيجاده في الأساس هو شأن إلهي، ولكن حق الإنتفاع والزيادة والإستثمار فهي من فعل الإنسان، يدل على ذلك ما قاله تعالى .

تعتبر المادة (الثروة) في الفلسفة الدينية ظرف لصفة التفويض في الإنتفاع، وهي تكون للإنسان وكالة إذا كان قادراً على ادائها بحدودها المعلومة، وفي هذا يكون الرزق عنوان ثانوي يكون فيه الإنفاق شرط في صحة التفويض، ولهذا جاء الوصف على نحو الأسم ـــ بالرازق ــ، ليؤكد على إنه المفوض والفاعل في ما يملك على نحو حقيقي، ويواصل الكتاب المجيد فكرته عن التفويض

بقوله: [قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ومما رزقناهم رزقناهم ينفقون] إبراهيم 31 فالتوزيع العادل مرتبط بقوله ــ رزقناهم ــ والضمير المتصل هنا يعود على الرازق الحقيقي صاحب الملكية أصالة وهو ــ الله ـــ، وفعل الإنفاق يكون في الطبيعية من عمل الإنسان وعلى نحو مباشر، ولكنه في الواقع يشير إلى إن الفعل مجرد تفويض من الله، وتوزيع الثروة شرطه اللازم ليكون مؤدياً للغرض ومنفذاً لمعنى التفويض أن يكون ــ بالعدل ــ، والعدل شرط مسبق في صحة الإنفاق، قال الطبرسي: العدل ملاك صحة الإنفاق وشرطه، ومن غيره يكون الظلم والجور والتعسف، وهذا هو المنهي عنه قطعاً، لذا ورد [التقديم للتعليل المتأخر]، وفي أصول الفقه: يعتبر شرط الإنفاق شرط تكليفي، وهو القرينة الدالة على صحة أداء التكليف، والتلكيف تحرير للصفة بحيث يرى أثرها الواضح في الواقع الموضوعي أعني أثر الإنتفاع وكيفيته .

وفي موضوعنا السنني إيجاد صفة التفويض متناسبة مع حاجة المنتفع، أي جعل الصفة محلاً للضبط والربط بحدود الحاجات والضرورات، ولا يتم هذا من غير [واقع موضوعي ملائم، وشرط إعتباري صحيح]، ولا يخرج هذا من باب [الإيمان مع العدل] ومن غيرهما يقول الطباطبائي يكون الخلل مترتباً أثراً في الواقع وفي الشرط، والخلل سبب مباشر في حدوث السنة التاريخية على نحوها السالب، قال شيخنا الأستاذ: [لعل التمايز اوضح ما يكون في الصفات الإلهية عموماً، تلك الصفات المرتبطة بعالمها الخاص الذي تتحرك فيه]، والصفات: عبارة عن عناوين كلية لمفهوم ـــ الذات ــ كما طرحت في علم الكلام، على نحو: [ــ الصفات عين الذات ــ]، وفي علم الكلام أيضاً: يكون المتحرك والفاعل هو المتجلي والظاهر، وبيان التجلي عند صاحب حكمة الإشراق: يتمظهر بأبرز المصاديق كما في قوله تعالى: (ربي أرني أنظر إليك ؟ قال لن تراني، ولكن أنظر إلى الجبل ــ ميدان التجرية ومكان إختبار الظهور والتجلي ــ فسوف تراني (في أي هيئة ؟)، قال: [فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرَّ موسى صعقاً]، والتجلي في لغة العرفاء: هو مظهر الكشف عن واقع حال القدرة في الميدان، قال أبن الجنيد: [والتجلي ظهور في القدرة لا ظهور في الذات]، والتناسب هنا بين الذات والصفة تناسب في ميدان الرؤية العينية المشار إليها في التعبير الكلامي آنف الذكر .

وللتوضيح نقول: إن التجلي هو مظهر ظهور الذات على نحو [صفةً]، وذلك لتعذر ظهور الذات واقعاً لقوله: - [ليس كمثله شيء] - الشورى 11 -، والظاهر من هذه الصفة هو ما نطلق عليه بالطبيعي والتاريخي، والطبيعي هو المجسد بالقوانين للنظام الكلي العام، والتاريخي هو المُجسد للحركة ضمن قوانين العليّة، وجدل الله والإنسان هو جدل دائم في الطبيعي والتاريخي، والذي نفهمه عبر السُنن سواء بالفعل الخالص أو الفعل المشترك، والفعل الخالص نشير به للطبيعي [من جهة عموم القانون وخصوص الإرتباط]، والفعل المشترك يكون سريانه بين ما هو طبيعي وماهو تاريخي [من جهة خصوص القانون وعموم الإرتباط]، يقول شيخنا الأستاذ: (إن المشيئة والفعل في الطبيعي يكون بأمر الله، ولكن المشيئة والفعل في التاريخي ترتبطان بحركة الفاعل الإعتباري)، وقد عرفه أستاذنا رضا الصدر: - فعل الإنسان يكون في ساحة المتحول وليس الثابت -، والمتحول من لوازمه التبدل والإنتهاء ولكن بحسب الشرط الموضوعي للواقع، قال تعالى: [ومن نعمره ننكسه في الخلق] يس 68:، وجدلية طول العمر مع فقدان التوازن والقدرة على الحياة، لازمة من لوازم التبدل في الطاقة وإنتهاء للكتلة، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى وبنحو ما: [فإذا جاء أجلهم لا يسأخرون ساعة ولا يستقدمون] - الأعراف 43 - وطبعاً لا يستثنى من هذا القانون ما يحصل في الحروب، وفي الكوارث التي تحصل بفعل الطبيعة، ومنطق التقديم والتأخير المرموز له بالنص المتقدم، ليس معناه إلغاء دور الإنسان في الصنع على نحو مباشر، ولنتأمل الفكرة عينها في صراع النقائض والأضداد في الدوام والزوال والبقاء والهلاك والحق والباطل والخير والشر والحلال والحرام

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

عدنان عويدمدخل: لا يمكن لأي دارس للواقع العربي بشكل عام، أن ينكر دور ومكانة الوعي الديني كمكون فكري/ عقيدي وثقافي وتأثيره على سير حركة المجتمع بكل مكوناته الدينية والطائفية من جهة، وعلى طبيعة حياة هذه المكونات الاجتماعية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً من جهة ثانية. وانطلاقاً من هذا التأثير البالغ الأهمية يأتي موقف الأحزاب التقدمية بشكل عام، وموقف حزب البعث في سورية بشكل خاص من الدين، فمنذ تأسيس هذا الحزب عمل على مراعاة الشعور الديني لدى المواطنين، ومحاولة استيعاب المتدينين بشكل عقلاني في صفوف الحزب، مع تأكيده ضمناً على ضرورة تحييد الدين وعدم الزج به في المشروع السياسي، على اعتبار أن الدين في نهاية المطاف يعتبر بنظر أصحاب المشروع الإسلام السياسي عقيدة مقدسة ثابته في رؤيته ومقاصده من الحياة، وأن السياسة مصالح، والمصالح غالباً ليست ثابته وليست مقدسة أيضاً في أحيان كثيرة. ومن هذا الموقف البراغماتي من الدين، جاءت مسألة طرح العلمانية (فصل الدين عن السياسة)، لتأكيد مقولة (الدين لله والوطن للجميع)، واعتبار المواطنة هي الأساس، كصيغة سياسية تسعى إلى تحقيق التوازن في المجتمع، مراعياً – أي حزب البعث – البنية الاجتماعية السورية المتعددة الطوائف والمذاهب والديانات. بيد أن طبيعة التناقضات والصراعات الكثيرة التي ظهرت داخل الحزب، بسبب وضع المنطلقات النظرية للحزب على الرف في أوقات كثيرة بعد استلام الحزب السلطة، ثم غياب الوضوح الفكري والطبقي في البنيتين التنظيمية والفكرية للحزب بعد أن جرت عملية التنسيب المفتوح للمواطنين دون النظر إلى البنية الطبقية والفكرية للمنتسب، الأمر الذي أعطى للصراعات الدائرة داخل الحزب تأثيرها السلبي على حياة الحزب التنظيمية والفكرية وعلى حياة المجتمع بشكل عام، على اعتبار الحزب قائداً للدولة والمجتمع، هذا التأثير، حال في الحقيقة بين الحزب وقدرته على تحقيق التوازن والاستقرار في البنيتين الاجتماعية والفكرية داخل الحزب من جهة، وعلى قدرته في تحقيق فكرة المواطنة كونه مؤسسة سياسية تقود الدولة والمجتمع من جهة اخرى.

نعم لم يستطع الحزب طوال تاريخ نضاله أن يحقق المواطنة بمفهومها العقلاني، وظلت سياسته اتجاه المكونات الاجتماعية للمجتمع السوري تقوم على خلق حالة من التسويات الرضائية على مستوى القبيلة والعشيرة والطائفة والأيديولوجيا عند تشكيله للقيادات السياسية الحزبية والحكومية في المركز وفي المحافظات. مثلما فشل في الوصول إلى اتخاذ مواقف جريئة تجاه البنية الفكرية السائدة لا من حيث تطبيق العلمانية التي نادى بها منذ تأسيسه، ولا بالنسبة لاحتواء الخطاب الديني وتأثيره على الحياة السياسية والاجتماعية في الحزب والدولة. الأمر الذي جعله يتراجع كثيراً من الناحية الفكرية، وكثيراً ما وضع المنطلقات النظرية للحزب التي أقرها في المؤتمر القومي السادس (1966) بما تحمل من بنية فكرية تتبنى العلمية والثورية على الرف كما قلنا أعلاه، ويستغرق في ممارسة التكتيك البراغماتي على حساب مبدئية الاستراتيجية.

إن حالة الخلل الفكري والتنظيمي لحزب البعث وشهوة السلطة التي أصابت القوى السياسية المتحكمة بحياة الحزب، بعد أن تحول الحزب إلى قائد للدولة والمجتمع، وبالتالي تحوله إلى حزب شمولي/ كلياني، جعلت قياداته عبر الكثير من محطات مسيرتها النضالية ترتمي كثيراً في أحضان الدين ورجال الدين ويأتي في مقدمة هذه القيادات مؤسس الحزب نفسه "مشيل عفلق" الذي تخلى عن مسيحيته وأعلن إسلامه. أما التوجه نحو الدين والعمل شيئاً فشيئاً على إقصاء الفكر العقلاني والتنويري عن الساحتين الحزبية والاجتماعية، فقد جاء بعد أحداث الثمانينيات من القرن الماضي، وظهور الدور المؤثر للإخوان المسلمين والثورة الإسلامية الإيرانية في مجرى الحياة داخل المجتمع العربي بشكل عام والمجتمع السوري بشكل خاص. فأمام المد الإسلامي هذا راحت السلطة تفسح في المجال واسعاً امام رجال الدين في المؤسسة الدينية الرسمية كي يمارسوا دورهم من باب عقلنة الوعي الديني عند المواطنين بغية إقناعهم بطبيعة النظام السياسي القائم أولاً، ثم مواجهة الفكر الإخواني وتياره الذي كان وراء أحداث ثمانينيات القرن الماضي ثانياً، وبدلاً من أن تتكئ القيادة السياسية على الكوادر الحزبية المثقفة والمشبعة بقيم الحزب العقلانية والتنويرية، والقادرة فعلاً على استيعاب الوعي الديني وإمكانية التأثير على مجراه العام في حياة المواطنين دون المساس بالحرية الدينية والعقيدة، وفقاً لما كان يرمي إليه الحزب عند قيامه، رحنا نجد القيادة السياسية التي استمرت أكثر من عقدين من الزمن بعد انعقاد المؤتمر القطري السابع للحزب في نهاية سبعينيات القرن الماضي دون تغيير، تعمل على إقصاء ذوي الكفاءات العقلانية التنويرية داخل الحزب والتركيز على قيادات هشه ثقافياً وذات أرضية فكرية دينية، ساهمت هي ورجال الدين معاً على محاربة الفكر التقدمي وحوامله الاجتماعية داخل الحزب وخارجه. مثلما راحت المؤسسة الدينية الرسمية بتيارها (المدخلي) تعمل على تجذير الفكر الديني السلفي بصيغته الأشعرية والوهابية، والصوفية الطرقية بعد أن سمح لها بنشر الفكر الديني السلفي، عبر إعطاء الدروس الدينية في آلاف المساجد من قبل آلاف الداعيات والدعاة، مع الدعم اللامحدود من قبل المؤسسة الدينية لتحقيق أهدافها، حتى فقد الحزب في نهاية المطاف قدرته على ضبط توازنه التنظيمي والفكري من جهة، والتوازن الفكري والاجتماعي للدولة والمجتمع معاً من جهة ثانية. وكان من أبرز نتائج هذا التوجه الفكري الغيبي والامتثالي المنافي للروح العقلانية التنويرية، هو ما نراه اليوم من فوضى فكرية وأخلاقية واجتماعية وسياسية ليس لها مثيل في العالم كله. وهذا هو الشعب السوري برمته يدفع اليوم الثمن غالياً بما أصابه من هذه الفوضى التي دمرت الحجر والبشر معاً، ويأتي في مقدمة هذه الفوضى انتشار الفساد الذي استشرى ليدخل كل مسامات الحياة داخل المجتمع والدولة .

انطلاقاً من هذا المدخل نقول: إن من يتابع الفكر السلفي في حركته الفكرية والعملية في عالمنا العربي والإسلامي المعاصر، يجده يشتغل في اتجاهات ثلاثة، وكل اتجاه منها يعمل لمصلحة الاتجاه الآخر، بل هو عماد له من أجل اكتمال رسالة هذا الفكر وتطبيقه في الواقع. وهذه الاتجاهات الثلاثة هي: الاتجاه الدعوي، والاتجاه المدخلي، والاتجاه الجهادي. ونظراً لوضوح كل من التيارين الدعوي والجهادي في نشاطهما، فإن اللبس وعدم الوضوح والتناقض يظهر جلياً في نشاط التيار المدخلي، أو ما يسمى بالتيار (الديني الرسمي) على اعتباره قريباً من السلطات الحاكمة ويعمل لمصلحتها أو خدمتها في تأدية مهام تتعلق بعمل الدولة ذاتها كونها الراعية للفرد والمجتمع والمسؤولة عن استقرار قيمه المادية والروحية، وعدم السماح باستغلال القيم الروحية، وفي مقدمتها الدين، حفاظاً على استقرار المجتمع وعدم الدفع به إلى متاهات قد ينتج عنها حروب أهلية تتخذ من الدين وسيلة لتحقيقها. وهذا الدور الايجابي للدولة تجاه الدين تظهر حياديته، وبالتالي إيجابياته لدى الأنظمة العقلانية التي يهمها فعلاً بناء الدولة والمجتمع بناءً عقلانياً يقوم على أهم مسألتين في بناء هذه الدولة العقلانية التنويرية، هما الديمقراطية والعلمانية.

على العموم دعونا نقف عند تحليل دور ونشاط هذا التيار أو الاتجاه المدخلي للفكر السلفي في الخطاب الإسلامي ودوره في زيادة مأزق الدول العربية والإسلامية بشكل عام وسورية التي لم ترتق بعد إلى دولة التعددية وتداول السلطة بشكل خاص، أو الوصول بتعبير آخر إلى دولة الديمقراطية والعلمانية والمواطنة، هذا التيار الذي من أهم ثوابته القبول بالنظام السياسي والاجتماعي للدولة التي يمارس نشاطه فيها، بغض النظر عن طبيعة هذا النظام وشكل الحكم فيه، وعن طبيعة المجتمع ومكوناته الدينية والعرقية. بيد أنه- أي التيار المدخلي- راح مقابل هذا القبول، يعمل على اختراق هذا النظام والعمل على إعادة هيكلته والتأثير فيه من خلال المؤسسات الرسمية للدولة نفسها وفقاً للمنظومة الفكرية والقيمية الدينية السلفية الذي يؤمن بها دعاة التيار السلفي عموماً، وبالتالي العمل على تكريسها باتجاهاتها الثلاثة. وذلك انطلاقاً من رؤيتهم لمفهوم الدولة الإسلامية المراد تطبيقها وفقاً للشريعة الإسلامية ونصوص (الحاكمية)، كما بينها أحد أهم التيارات السياسية السلفية الجهادية وهو تيار " الاخوان المسلمون"، على لسان سيد قطب في كتابه: (العدالة الاجتماعية في الإسلام) حيث يقول: (فما يعتز به الإسلام أن لا يكون بينه وبين هذه النظم مشابه، وما يضيره ألا يكون. فالإسلام يقدم للبشرية من النظام المتكامل لا تجد مثله في أي نظام عرفته الأرض، من قبل الإسلام ومن بعده سواء. والإسلام لا يحاول ولم يحاول أن يقلد نظاماً من النظم، أو أن يعقد بينه وبينها صلة أو مشابهة، بل اختار طريقه منفرداً فذاً، وقدم للإنسانية علاجاً كاملاً لمشكلاتها جميعاً.).(1).

إذن إن التيار الديني المدخلي السلفي، - وغالباً الأشعري والوهابي - نجده في الوقت الذي يظهر فيه للسلطات الحاكمة موافقته على تقديم الخطاب الديني بما يتفق ومهام الدولة العلمانية، و ما تريده سلطاتها الحاكمة من الخطاب الديني وفقاً لمصالح مشروعها، فهو يعمل في الوقت نفسه وبشكل ممنهج على جعل هذه النظم السياسية والبنية المجتمعية التي ينشط داخلها، أن تتماشى مع المعايير القيمية المشتقة من الخطاب الإسلامي، أي مع نصوصه المقدسة من (قرآن وحديث وأثر فكري أو عملي أجمع عليه الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين حتى القرن الثالث للهجرة.). أو بتعبير آخر هم يمارسون نشاطهم الديني بناءً على الثقة التي منحتها لهم الدولة أو السلطات الحاكمة بما يتاح لهم من وسائل فكرية ومادية (مؤسسات) تضعها تحت تصرفهم الدولة، من أجل شرعنة النظام وقيمه الذي يمارسون نشاطهم فيه. ثم إعادة هيكلة هذه النظم والقيم وفقاً لخطابهم السلفي ذاته كما بينا في موقع سابق. وما جرى في الدول العربية تحت مسمى الربيع العربي يبين لنا هذا الدور المزدوج في أهدافه الذي تركه هذا التيار في ظهور تلك الأعداد الهائلة من الشباب المسلم المتأثر بالفكر السلفي التكفيري الذي كان يتلقى ثقافته الظلامية الامتثالية الوثوقية التكفيرية المشبعة بالعصبويّة الطائفية والفرقة الناجية، في جوامع الدولة وعبر وسائل إعلامها التي تشرف عليها المؤسسات الدينية الرسمية.

وقبل أن أسلط الضوء على التيار المدخلي في سورية دعونا ننظر في هذا المثال الحي والواضح كل الوضح للتيار المدخلي ودوره في الدفاع عن سياسية الحكومات المصرية ووقوفه إلى جانبها في السراء والضراء، بينما هو يقوم بمحاربة الفكر العقلاني التنويري وتصفية رجالاته، أو اقصائهم خارج الوطن كما جرى لفرج فوده وحامد أبي زيد على سبيل المثال لا الحصر.

عندما كان عبد الناصر في السلطة وهو من ظل يحارب الكيان الصهيوني حتى آخر لحظة من عمره، نجد شيخ الأزهر آنذاك "محمد شلتوت" وهو الممثل الرسمي للتيار المدخلي في مصر زمن عبد الناصر يقف ضد الكيان الصهيوني والدولة الاسرائيلية كونها دولة معتدية ومحتلة للأراضي العربية ومشردة للشعب الفلسطيني. أما في عهد السادات الذي عقد اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني، فنجد شيخ الأزهر آنذاك "عبد الحليم محمود" يقف مع كامب ديفد ويبين شرعيتها وضرورة السير في ركابها. هذا في الوقت الذي ظل مشايخ الأزهر يعملون على تلقين الفكر السلفي في جامعة الأزهر لطلابهم، الأمر الذي جعل من جامعة الأزهر قلعة للفكر السلفي الإخواني المعادي لمفهوم العروبة والدولة العربية.

بعد عرضنا هذا المثال عن طبيعة التوجه السياسي للتيار المدخلي في مصر، سنتناول دور هذا التيار المدخلي في سورية من خلال التعرض لما كان يقوم به بعض قادة هذا التيار المدخلي، إن كان على مستوى شرعنة النظام والدفاع عنه أو عدم نقده أو الخروج عليه تحت فتوى عدم الخروج على السلطان خوفاً من الفتنة كما قرر دعاة الفكر السلفي التقليدي، أمثال ابن حنبل وأبو حسن الأشعري وأبو حامد الغزالي وابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهم من دعاة هذا التيار عبر تاريخ الدولة الإسلامية حتى اليوم. ثم العمل على إعادة هيكلة قيم وذهنية المواطنين وفقاً لما يريده أصحاب هذا التيار أو هذا الخطاب الديني السلفي الذي جيش كل هذه الفصائل المسلحة ضد النظام.

إن ما سنقوم بعرضه هنا من رؤى وآراء صادرة عن منابر المؤسسة الدينية الرسمية في سورية، يؤكد لنا بأن سورية راحت عبر نشاط تيارها المدخلي السلفي لأكثر من أربعة عقود تتحول شيئا فشيئاً إلى قلعة للفكر السلفي، الذي يروج له عبر(23)ألف جامع، و(143)مدرسة شرعية، و(60) الف داعي وداعية، والعديد من المعاهد الدراسية العليا الدينية، ومئات معاهد تحفيظ القرآن والفقه السني، بعقلية تعمل على تفسير وتأويل النص المقدس والترويج له بعيداً عن إعطاء أي دور للعقل والإرادة الإنسانية في الحكم على هذا النص ، أو النظر فيه بما يتوافق ومستجدات الحياة التي تفرض على رجال الدين ومشايخه وعلمائه في هذا التيار أن يفتحوا باب الاجتهاد كي ينسجم هذا النص مع تطور الحياة ومع طبيعة المكون الديني نفسه للمجتمع السوري. الأمر الذي جعل الرئيس بشار الأسد يخاطبهم بعد فوات الأوان بضرورة إدخال الفلسفة إلى الخطاب الديني، أي إدخال العقل كحاكم على النص من أجل فتح باب الاجتهاد بعد أن أغلقوه كل تلك السنوات الطويلة، وأن من نتائج هذا الإغلاق ما تمر به سورية اليوم من مآسي بإسم الدين والفرقة الناجية التي سمحت لعدو الداخل والخارج أن يشتغل عليها لتدمير سورية بأجندة طائفية.

لنتابع بعض النشاطات الفكرية التي مارسها بعض قادة هذا التيار المدخلي في سورية على صفحات المنابر الثقافية الدينية التي وفرتها الدولة لهم من أجل تحقيق المحبة والاستقرار بين مكونات المجتمع السوري المتعدد الطوائف والمذاهب والديانات ، ويأتي في مقدمة رجال هذا التيار المدخلي الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي زعيم هذا التيار والمثل العلى لشباب الرحمن ممثلين بـ (القبيسيات) وذوي (الكلابيات القصيرة).

تعتبر مجلة" نهج الإسلام" من أهم المنابر الثقافية الدينية التابعة لوزارة الأوقاف التي صدرت في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي بعد حوادث ثمانينيات. فلوا تتبعنا بعض ما نشر في هذه المجلة من رؤى وأفكار هدامة منذ السنوات الأولى لصدورها، سيؤكد لنا ما قلناه بحق هذا التيار في نشر الفكر السلفي التكفيري الظلامي الوثوقي وموقفه المعادي ليس للعقل وحرية الإرادة فحسب، وإنما عداءه لنظام الدولة نفسها ومكونها الاجتماعي والسياسي وكل الفكر التقدمي الذي لا يمكن لسورية في تعدد طوائفها ومذاهبها أن تعيش مستقرة بدونه. لأن لا حياة في سورية دون علمانية وديمقراطية تحترم الآخر وحقه في المشاركة بقيادة شؤون وطنه. أو بتعبير آخر، لا حياة في سورية إلا بتحقيق دولة المواطنة والديمقراطية والعلمانية، وعندما نؤكد على العلمانية هنا، كونها لا تعني الإلحاد ومحاربة الدين، وإنما هي في أبسط صورها بالنسبة لمسألة الدين هي فصله عن السياسة، وتعميق المحبة والتسامح بين أبناء الديانات، وعدم الرجوع إلى الطائفة والمذهب والعشيرة والقبيلة كمرجعيات تقليدية لحل قضايا الفرد والمجتمع، بل العودة إلى الدولة ومؤسساتها التي تعتبر المواطنة هي القاسم المشترك بين مكونات المجتمع، وهي وحدها القادرة على رفع وعي الفرد في ممارسة حقوقه وواجباته المشروعة تجاه الدولة والمجتمع التي كفلها له الدستور وليس الفرقة الناجية. فجوهر العلمانية هو الدين لله والوطن للجميع.

في العدد الثالث والعشرين / آذار/ 1986 من مجلة (نهج الإسلام) الرسمية الصادرة عن وزارة الأوقاف السورية، ص48 وما بعد، نجد رسالة موجهة من الشيخ "محمد سعيد رمضان البوطي " وبموافقة وزير الأوقاف "محمد الخطيب" إلى الشيخ "عبد العزيز الباز" الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية، يشكر فيها الباز على تكليفه لجنة من هيئة البحوث السعودية للاطلاع على كتابه (الإسلام ملاذ كل المجتمعات الإنسانية)، وتبيان الملاحظات التي لا تتفق ووجه الإسلام الصحيح الذي يدافع عنه الباز وتياره وهو التيار السلفي في صيغته الوهابية. فمن يطلع على مضمون الرسالة والملاحظات التي بينتها اللجنة المكلفة من الباز لدراسة كتاب الشيخ البوطي، ثم رد البوطي على هذه الملاحظات، يدرك المطلع ذاك التناغم بين فكر الشيخ البوطي والفكر الوهابي، عدا قضية واحدة اختلفوا فيها وهي قضية الكرامات، أي إدخال البوطي البعد الصوفي في الفكر السلفي، هذا مع تأكيدنا أيضاً على أن هذا الفكر الصوفي أيضاً لا ينسجم والتوجه العقلاني والعلماني للنظام السوري، كونه فكر امتثالي غيبي يحارب العقل والحياة برمتها. وإن من أسباب مقتل البوطي هو موقفه هذا من الفكر الصوفي، ومحاولته إدخاله إلى صلب الفكر السلفي التكفيري. وهذا ما قاله من قام باغتياله عندما نشر التحقيق مع من قتله على الفضائية السورية.

والشيخ البوطي ذاته نجده في مكان آخر أكثر خطورة من خلال عدائه للعلمانية في كتابه (العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر)، وهو كتاب مقرر لطلاب الشريعة في جامعة دمشق: حيث يقول عن العلمانية، وهو هنا يتبنى رأي دار الافتاء الوهابية في السعودية ذاتها حول العلمانية: ( أما الدين الإسلامي فيحوي في أصله إلى جانب مبادئ الاعتقاد، الأحكام التي تضبط شؤون الدولة وتتكفل بإقامة أنظمتها وقوانينها، فحجزه عن ممارسة صلاحياته ومسؤولياته، هو تغيير لجوهره وإبطال لكثير من مضمونه - ثم يتابع ناعتاً من يؤمنون بالعلمانية ضمناً، ويتقربون إلى الإسلام قولاً - قائلاً: (إن التظاهر بالخضوع له – أي الدين - بعد ذلك كذب عليه ومخادعة له ولمشرعه.). وهو في هذه الموقف الفكري يواجه النظام السوري ذاته الذي يقول بالعلمانية ويعتبرها أحد المكونات الأساسية للنظام. بل هو لم يتوان أمام اعتبار الإسلام بداية ونهاية كل شيء، ويدفعه هذا الاعتقاد إلى نزع الأخلاق عن العرب قبل الإسلام وعن العروبيين المعاصرين كما ذكر في إحدى حلقاته التي تبث للأسف أسبوعيا على قنوات التلفاز السوري وهي بعنوان، (لن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) حيث يقول: (إن العرب ليس لديهم أخلاق قبل الإسلام، وإن القوميين العرب الذين يقولون بأن العرب كان لديهم أخلاق قبل الإسلام هم كذابون.). هذا في الوقت الذي يُعتبر فيه حزب البعث الذي احتضنه حزبا عروبياً، وهو المنادي بالآمة العربية الواحدة ذات لرسالة الخالدة. مع ضرورة الإشارة هنا، بأن هذا الموقف الذي يتخذه البوطي من القومية العربية ليس جديداً، بل هو قديم يعود إلى ستينيات القرن الماضي، ففي مقال له بعنوان )حقائق عن نشأة القومية)، صادر بكراس مستقل عن لجنة مسجد جامعة دمشق- قسم النشر (41)، 1963 .يكتب البوطي عن القومية ودعلتها وارتباطاتهم بالماسونية والصهيونية والاستعمار، سأقتبس منها بعض أفكاره وأترك للقارئ أو المهتم العودة إلى هذا المقال ليتبين موقف البوطي ومن يقف معه ويتبنى فكره في كرههم للعروبة والقومية العربية.!.

يقول البوطي: (وإننا لو رجعنا واستقرأنا تاريخ دعاة القومية في بلادنا فإننا لن نجد صعوبة في كشف تآمرهم على بلادهم وقومهم، وبروز حقيقتهم سافرة وهي أنهم عملاء للاستعمار بكل ما في هذه الكلمة من معنى....( ويتابع في النص ذاته) قوله: إن مقدمة نشأة القومية في عالمنا الإسلامي تبدا مع بدء التجمع الصهيوني وسعيه استلاب فلسطين...ويقول في مكان آخر: .. إن كلا القوميتين (ويقصد العربية والطورانية)، اتجهتا في الهجوم على عدو واحد ليس له أي شأن في الأمر، ألا هو الخلافة الإسلامية المتمثلة في السلطان عبد الحميد.).(2).

لنتابع موقفاً فكرياً آخر في مجلة "نهج الإسلام نفسها، وفي العدد /23/ السابق في الصفحة /52/، يكتبا الشيخ "فتحي الدريني"، في مقال له عن : (البعد السياسي لمعجزة الإسراء والمعراج) قائلاً: (إن هذا الحدث العظيم كان فتنة للناس بصريح النص القرآني وابتلاءً لصدق من آمن لقوله تعالى: " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس"، وهكذا يتبدى لنا البعد السياسي في تصفية القوم سياسياً، وتمييز مؤمنهم من كافرهم، أو ضعيف الإيمان منهم إذا ثبت أن بعض المؤمنين قد ارتد إثر بلوغه نبأ الإسراء والمعراج. وهذه التصفية السياسية الكاملة ضرورية جدا ليعلم المتخاذل من المبطل من المؤمن الصادق الذي يعتمد عليه في بناء الدولة ودفع الأخطار عنها، وتحمل الجهاد في سبيل تدعيم أركانها ...) وهكذا نرى أن التيار المدخلي في سورية يربط الإيمان بالجهاد ربطاً محكماً، بحيث لا يتحقق إيمان صادق عميق راسخ دون أن تكون هناك عقيدة الجهاد جزءاً دينياً يستلزم هذا البعد السياسي بداهة في مثل قوله تعالى: ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ويقتلون وعداً عليه حقاً.). هذه الفريضة كانت أولى مشاهدة معراج الرسول. وبناءً على هذه الترويج الفكري لمسألة الجهاد المدخلي في سورية يتبين لنا مسألتان كنا قد أشرنا إليهما في موقع سابق. الأولى: إن التيارات الثلاثة للسلفية وهي الدعوي والجهادي والمدخلي كلها تعمل لخدمة الخطاب السلفي التكفيري والفرقة الناجية، والثانية، هي أن قسماً كبيراً من السوريين الذين حملوا السلاح في هذه الأزمة هم نتاج هذه التوجهات الفكرية التي كانت تحقن في عقولهم يومياً عبر المنابر الثقافية التي وظفتها الدولة لهم.

أما في العدد/ 24/ من مجلة "نهج الإسلام"، لعام 1986، وفي الصفحة /67/ يكتب الشيخ "عبدالرحمن عيسى" مقالاً بعنوان: (الفكر الإسلامي نهج إلهي إنساني جامع)، يقول فيه: (وبعد فإن منطلق الفكر الإسلامي في فحوى آيات الله في القرآن المجيد، المفسرة لحقائق الوجود، وليس في تنطعات المفكرين في الغرب وخططهم الثقافية المبتورة والمجذومة، التي لم تفتح باسم الله ولم يوقع عليها رسول الله، فهي مردودة على ذويها لا لكونها باطلة أو غير صحيحة، بل لوجود الاستغناء عنها بكتاب الله المهين.. فإن إخفاق النظم الوضعية مؤشر على تقدم الإسلام ليؤدي دوره المرتقب والموعود وليشل فاعلية أهل الجحود، وليعطي البشرية دفقة حب وتصفية وعطاء بعد ليل كالح.). فكل ما جاء في هذا القول هو دعوة واضحة وصريحة من قبل رجال وعلماء هذا التيار المدخلي لرفض الفكر الوضعي، واعتباره فكراً كافراً يجب أن يقصى من الوجود.

ماذا تبقى لنا أن نقول أمام معطيات هذا الفكر السلفي الذي راح يفرض نفسه في السر والعلن، ليمنحنا تحت ما سمي بالربيع العربي، مئات الفصائل المسلحة باسم الإسلام، كان من أبرز ملامح نشاطها الذي بشر به الخطاب الإسلامي الأشعري والوهابي السلفي، القتل والتدمير وتكفير الآخر وتعميق الطائفية وإرجاع سورية مئات   السنين إلى الوراء، والذي يتحمل النتيجة في الحقيقة هم من فسحوا المجال واسعا لهذا الفكر السلفي التكفيري الوهابي أن ينتشر بين صفوف شبابنا، بهدف خدمة مصالح أنانية ضيقة، كان دعاتها يعتقدون بأنهم باللعب على ورقة الدين يستطيعون تسيير الدولة والمجتمع وفقاً لمصالحهم.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

....................................

1- - سيد قطب- العدالة الاجتماعية في الإسلام- سوريا- مطبعة عيسى البابي وشركاه- ط6- 1964- ص94.

2- يراجع المصدر لهذه الرسالة : كتاب القومية والوحدة – القسم الأول- الجزء الثاني- المقالات – تحرير وتقديم محمد كامل الخطيب- دمشق – وزارة الثقافة – 1994- ص 694 و697 و 700.

3- يراجع المصدر لهذه الرسالة : كتاب القومية والوحدة – القسم الأول- الجزء الثاني- المقالات – تحرير وتقديم محمد كامل الخطيب- دمشق – وزارة الثقافة – 1994- ص 694 و697 و 700.

 

 

سؤال يواجهنا في العادة عندما تواجهنا أشياء وحوادث ومشاكل في حياتنا الإجتماعية، وقد أختلف الناس في الإجابة على هذا السؤال بين مؤيد ورافض، وذلك تبعاً لفهم كل واحد منهم في التاريخ وماذا يعني له؟، وهل إن التاريخ هو مجرد سجل رقمي للحوادث والقضايا؟، أم إنه ذلك الشيء الزمني الذي يعبر عن الماضي بكل تفاصيله؟، والتاريخ في الحالين هل يمكنه أو هل يجوز له أن يعود بحرفيته أو بشخوصه أو بأحداثه؟، ثمة أناس قالوا نعم، وثمة أخرين قالوا لا [ونحن من هؤلاء الذين قالوا لا]، وحجتنا في ذلك العقل وما صح من النقل المعتبر، ومع ذلك لا يزال الجدل محتدماً و قائماً، بين هؤلاء وهؤلاء حول ما إذا كان التاريخ يُعيد نفسه أم لا؟ .

ونفس الجدل نلاحظه لدى المتكلمين في قضايا العقيدة والشريعة، كذلك وحتى لدى المشتغلين بحقول العلوم والفنون، وبما إننا نعرف التاريخ على إنه عبارة عن هذا الخليط بين السجل للأحداث والقضايا، وبين كونه الماضي بكل تفاصيله وأجزائه، وهذا التعريف نظرنا إليه من وجهة معرفية خالصة ..

وهنا نقول: مفهوم السجل للماضي يعني سجل للزمان والمكان، وهذا الشيء يرتبط موضوعياً بمفهوم - الصورة والحدث -، الذي من خلاله نرى الماضي كيف كان وكيف سار وكيف تأسس؟، وصورة الماضي رأيناه بعين وعقل الذي تخيلها أو الذي رسمها في ذلك الوقت، وهذه الصورة في كثير من الأحيان هي تخيليه كما ألمحنا وليست واقعية أو دقيقة من جهة الضبط التاريخي، وفي هذه الحالة لا يمكننا إعتبارها حقيقة موضوعية، ولكي تكون كذلك لا بد من تسليط كل الأضواء المتاحة و الكاشفة لنتبين دقتها وصحتها وموافقتها لموضوعة - الزمان والمكان - المحكي عنه، وفي هذه الحالة يتجدد الطرح على نحو أخر، وهل الذي وصلنا عبر الصورة مطابق أو موافق للحقيقة؟، بحيث يمكننا إعتباره قدوة و مثل يمكننا التأسي به والإقتداء؟، بمعنى هل يمكن إعادة الصورة بشرطها الموضوعي الذي كانت عليه؟ والجواب ببساطة لا يمكننا ذلك موضوعياً، بدليل إن الماضي قد مات حسب التقرير القرآني - تلك أمة قد خلت ...!!! .

ولو طُرح السؤال بلغة الفيلسوف: فسيكون على النحو التالي: هل يمكن تصور قوانين الوجود والقيمة في الأين والمثال واحدة في - الماضي والمستقبل -؟

وبمعنى أدق: وهل يعني ذلك إن حركة القوانين الطبيعية لا تخضع لعملية التطور ونظام الصيرورة والتبدل؟

ولو أفترضنا جدلاً .. صحة القول التالي: إن الماضي بكل ما فيه قابل لكي يُعيد نفسه، فهذا الإفتراض الجدلي من لوازمه - جعل التكرار في الماهية والكيفية من لوازم الشيء، ولو سلمنا بصحة هذا الإفتراض فإن ذلك يلغي مفهوم - التطور -، الذي اشار إليه النص بقوله - كل يوم هو في شأن -، كما إن التطور بمفهومه العلمي هو سيرورة في الإرتقاء والنمو والتكامل [وهذا ما أشار إليه دارون]، والتطور: هو عملية داخلة في بنية الشيء وفي ماهيته، ولأنها كذلك فهي بحركة الشيء وبفعله، وعالم الوجود وعالم الإمكان من خواصه الذاتية - التطور - ولذلك يكون قابلاً للحياة وللعيش .

ولنقل إن هذه النظرة للتطور أستندت على - جدل الإنسان والطبيعة ، هذا الجدل الذي يصطدم مع فكرة ومفهوم ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ، بمعنى إنه يجعل من القابلية على التطور غير ممكنة

..

أضف إلى هذا إن ساحة رصد - (الزمان والمكان) ليس فقط فيما هو ذهني وعقلي بل هو مادي أيضاً، أعني إن مجال الرصد هنا في أصل الحركة للصورة المتخيلة، وكما قلنا فالضابط في رصد الحركة هو ــ الشأنية ــ، والشأنية عبارة عن توثيق وشاهدية، ولكي تكون االشأنية ممكنة القبول يلزمها الإقناع والموافقة - ..

* * *

ونعود لنناقش مفهوم الإعادة التاريخية، وفعل إعاد يعني أرجع كما تقول المعاجم، ومصدر الفعل إرجاع ولكي يكون ممكننا في قضايا التاريخ، يلزمه إرجاع أدوات الفعل التاريخي وعناصره والقوى التي صنعته أو إنتجته ، وإرجاع أدوات الفعل االتاريخي تخضع بالضرورة لأدوات الفعل الطبيعي أعني في الماضي، ولكن هل يكون ذلك ممكنا من الناحية المعرفية؟، من الناحية المعرفية يمكن دراسة الحدث التاريخي والتعرف على الطبيعة الموضوعية التي أنتجته، ولكن أبداً لا نستطيع الجزم بتمام الموافقة على صحة ذلك، لأن ليس لدينا تاريخا ضبطت كل عناصره وأدوات فعله .

ثم إن إعادة الفعل التاريخي ومحاولة تكرار تجربته حتى على نحو خاص غير ممكن، ولا يتولد من هذا الفعل شيء يمكننا إلزام به الفرد أو الجماعة – لأن ذلك بمثابة إلزام بما لا يلزم -، ومن الناحية العلمية يكون الإلزمام بما لا يلزم أحد مناقضات التطور .

ولنعد إلى أصل الفكرة نحن نبحث في موضوعة الماضي، ماضينا نحن الذي هو: - عبارة عن تاريخ للفرق والطبقات والطوائف والمقالات -، هذا الماضي المضطرب الذي تتداخل فيه قضايا السياسة والإجتماع كما قضايا الفقة والعقيدة، وهو تداخل صنعته أيدٍ لها علاقة بالقرار السياسي والديني الرسمي وغير الرسمي، إنه تاريخ مجزأ يسود فيه الإختلاف والتعددية والسلبية، ولكي نقرئه بحيادية وموضوعية يلزمنا ما يلي :

أولاً: التحرر من هيمنة الماضي وأحكامه التي أنتهى أوانها، بمعنى إن الماضي بما فيه مرتبط حكماً وموضوعاً بواقعه وزمانه ومكانه .

وثانياً: نفي فكرة ومفهوم ـ التارخ يُعيد نفسه ـ، والنفي بمعناه العلمي الإيمان بالتطور الطبيعي سواء في الفهم المجرد أو في طبيعة المادة .

وثالثاً: وفي قرائتنا للتاريخ لا بد من الإيمان بأن التنازع والإختلاف يولد دائماً التناقض والكذب وعدم المصداقية، وفي أحيان كثيرة التحريف والتزييف، ولا مجال لقوانين العلم والعليَّة وسيادتهما .

ورابعاً: إن التاريخ الذي يصنع التباعيض والأجزاء والتناحر، حريّ بنا أن نضعه في ميزانه الطبيعي وضمن عالمه الخاص، وأن لا نعمل جاهدين من أجل إعادة وترتيب مواضيعه التي أنبنى عليها .

* * *

ولكن كيف لنا أن نفهم دعاة مفهوم ـ التاريخ يُعيد نفسه ــ؟، يمكننا فهم ذلك من خلال تركيبهم لما هو كلامي على ما هو فقهي، ففي علم الكلام الشيعي هناك مقولة تقول بمبدأ ــ الرجعة ـ [والتي عرفتها المدرسة الشيعية: بأنها رجوع جماعة من الأموات إلى الحياة الدنيا قبل يوم القيامة، في صورتهم التي كانوا عليها، ولا يرجع إلاّ من علت درجته في الإيمان، أو من بلغ الغاية في الفساد،ثم يصيرون بعد ذلك إلى النشور وما يستحقونه من الثواب والعقاب] .

هذه الفكرة كما يبدو مصطنعة أختلقتها أخبار كاذبة، ومعلوم إن التاريخ الإسلامي معبء بكثير من هذه الأخبار، والتي تحكمت في قسط وافر من معارفنا، وقد قام بالترويج لها والنشر وعاظ ورجال دين متخلفين، ليضللوا فيها الناس ويُبعدوهم عن التعرف على قضاياهم الإجتماعية والسياسية والإقتصادية الملحة .

وجزء من مفهوم - الرجعة ـ عند هؤلاء تعني العودة المادية لأئمة أهل البيت !!!، أي أنها عودة أشخاص معينين لخصوص سبب معين، وجزء أخر منها عودة أناس آذوا أئمة أهل البيت، والغرض من العودة والسبب هو [إثبات أحقية اهل البيت بالخلافة وبطلان دعوى مخالفيهم] .

فلو أفترضنا صحة هذا الزعم، فإنه سيرجع الإمام علي إلى الدنيا، وسيرجع معاوية كذلك والهدف من رجعتهما هو في [إثبات إن علياً على حق ومعاوية على باطل]، ولننظر هنا إلى أصل العودة والغاية منها وهو في إثبات أحقية علي بالخلافة !!، ولكن السؤال الذي يُطرح هنا، هو إن االعودةوالرجوع في زمن ما، ولناس ما وبالتالي فهي عودة ورجوع لا يعلم به إلاّ من شاهد ذلك و صادفه، وهي في هذه الحالة حجة على من شاهدها وحدثت في وقته، ولا حجية لها على من لم يشاهد ذلك بالدليل العملي، ثم إن هذه الفكرة قد جرى بحثها طويلاً في الكتب الكلامية، وأقر جمهور العلماء بأن علياً كان على الحق ومعاوية كان على باطل، حتى أصبح هذا الحكم هو حكم الكافة في هذه المسألة هذا أولاً .

وثانياً: إن الإيمان بالرجعة الشخصانية على النحو الذي قدمناه يستلزم إبطال مَبِدئيْ ــ الثواب والعقاب .

وثالثاً: إن الإحتجاج بالقرآن في هذا المجال ليس على ما ينبغي، إذ القول بأن للعُزَيْر وحماره ــ رجعة ــ، قول بعيد لما نحن فيه، إذ الأمر فيه يتعلق بقدرة الله، وإذا تعلق الأمر بالقدرة فإن مجال البحث أختلف تماماً في الماهية والكيفية .

ولأنها كذلك فهي فكرة تخالف:

1 – الدين والعقل .

2 – وإنها تحتمل ظرفاً زمانياً مكانياً معيناً .

إذ الأصل الذي أنبنى عليه فكر ـ الرجعة ــ كان كذلك، وهو في المفهوم الشيعي المتداول وفي كتب الأخبار والعقائد يعود لمقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ في مستويي الخطاب ..

مع إن هذا الأصل من ترسبات الفكر التوراتي وتأثيره في الأدب والفكر الإسلامي، وربما كان ذلك مما قرره بولس قبل كتابة الأنجيل إلى أتباعه تحت شعار ــ عودة الأبن إلى أبيه ـ .

***

ولكن هل إن مقولة ـ التاريخ يُعيد نفسه ــ هي من السنن الطبيعية والتاريخية؟

وقد عرفت السنة: بأنها طريقة ونهج يجري أتباعها ضمن علل وأسباب طبيعية، وهذه العلل والأسباب هي نسيج حركي معين يرتبط بوعي مكاني وزماني خاص، ولهذا فهي حركة في الزمان والمكان، وحضورها في وعينا عبارة عن حضور زماني ومكاني يرتبط بعلل وقوانين منتظمة، نقرأ ذلك في قوله تعالى - سنة الله في الذين خلو من قبل]، وهي بهذا المفهوم ضد الفوضى واللا نظام بقرينة المقابلة .

فالسنة الطبيعية تجري بتوافق مع نظام التطور في أتساق وضمن مجموعة قوانين وإرادات ناظمة، وهذا النسيج المتكامل هو الذي يتحكم بعملية التحرك فيها . قال تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} (يس / 40)، فحركة الشمس ضمن دائرتها في درب التبانة منتظمة بحيث لا تكون سابقة ولا متأخرة، وجميل جداً أستخدام لفظ - سبح - يعني حركة منتظمة، لا يجوز فيها الفوضى والتراكم والتدافع المخل بوحدة النظام .

نعم في معنى السُنة الطبيعية يلزم التسلسل الطبيعي والذي جاء تبعاً – للأنفجار العظيم -، والذي لا يناقض أبداً معنى قوله: {.. إنا بنينا السماء بأيد وإنا لموسعون} (الذاريات /47) .

فالسعة المشار إليها هنا هي ليست ضد القانون وضد الإرادة، والصفة بل هي منها بضميمة قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} (يس / 82)، والكينونة هنا ليست ضد الحركة هناك، فهما في سير واحد يُعطي للتطور قيمته وأهميته، وفي نفس الوقت هو دحض فاعل لمقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ .

إذن فالسُنة هي شاهد يمكن تحليله بذاته، خاصة في عملية المراقبة الواعية للعناصر الفاعلة في السنة، والتحليل عنصر زماني يقوم على مبادئ العلة والمعلول، وهذه المبادئ هي الحصانة من التسويف والتراكمية في الزمانية المركبة من النقل والعقل .

إن إعتبار مقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ جزءاً من القانون الطبيعي، أدى بنا إلى أفكار أرثوذكسية مغلقة في مطلق الزمان والمكان، وهذا الأعتبار هو نتيجة واقعية للخلط المعرفي بين التحليل التاريخي وبين الإعتماد التاريخي، ونريد بذلك: إنتاج الفكر أعتماداً على القواعد والمقدمات المنطقية العقلية، وبين إعتماد التاريخ كوعي فوق الوعي الزماني والعلمي .

وعليه فما يقوله بعض الفقهاء بصحة مقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ وإعتبار ذلك حجة في قضايا الفعل الإنساني في مطلق الزمان وبتعبيرهم ــ حذو القذة بالقذة ــ إعتبار ليس على ما ينبغي، كما إن الكتاب المجيد يدحض الفكرة تحت مظلة - تلك أمة قد خلت -، ومنها أستمد الأمام زين العابدين ذلك ليقول - من تساوى يوماه فهو مغبون -، وهكذا يروى عن الشافعي قوله – أنا كل يوم رجل -، وبحسب المفهوم العلمي للتطور ضمن قانون الحذف الزمني، والمُراد به نهايات المراحل وعدم الإستفادة منها .

***

ولكن هل رفض مقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ هو جزء من مفهومنا عن الثقافة الحديثة التي فيها كل شئ نسبي وليس شئ مطلق؟

مفهوم النسبية ونظريتها الخاصة من مقولات العالم الفذ ألبرت أنشتاين، وهو مفهوم ضمنه النص التالي - كل شيء هالك -، ولكن في مقابل هذا تأتي مقولة - التاريخ يعيد نفسه -، لتلغي قوانين الطبيعة وما يصنعه الإنسان عبر جدلية ــ الفكر واللغة ــ، والتي هي حركية في المستقبل الذي يصنع أو هو تاريخ الإنسان، فتاريخ الإنسان متألف من جزئين ماضي ومستقبل ولا معنى للحاضر فيه مطلقاً .

* * *

إن النظرة العقلانية للتاريخ والقائلة: إنه عبارة عن مجموعة أعمال فيها الحسن وفيها القبيح ــ الباهر والفاشل ــ، نظرة تستمد قيمتها من أنها تخدم غرضاً وتعرض حقيقة وغرضاً من الأعراض التي هي أبعد ما تكون من التاريخ نفسه .

كذلك قال جان مريتان: إنه لا يمكن أن يكون للتاريخ غاية في نفسه (1)

لقد كان بروتاغوراس محقاً حينما [جعل الإنسان هو مقياس لكل شئ، فبه ومنه ومعه تعرف المصالح والمفاسد لأنها له أولاً وبالذات وقيمتها معلومة فيه لأنه مظهر التجربة]، هذه الواقعية في النظر إلى الإنسان تجعله مصدر التطور المرتبط بالواقع الموضوعي، وهنا نكون قد دمجنا بين التصور المادي والتصور الميتافيزيقي للإنسان، مع أنهما عند البعض على طرفي نقيض بناءً على المعتمد من المقدمات عند كل طرف .

***

ولكن هل هناك تمايز بين إرادة الله وإرادة الإنسان؟، والسؤال لا يتعلق بمعنى الإرادة التكوينية، بل بما نسميه إرادة الفعل الناتج عن الحاجة والمصلحة، وفي هذا هناك نوع من الإتساق بين الإرادتين، أعني إن أبداع الإنسان في شيء ما ناتج عن موهبة إلهية مكنونة في عقل الإنسان، هي هبة من الله عند الصنع الأول، وبعبارة كلامية:

ـ الأبداع في المريد الثاني ناتج عن الأبداع من المريد الأول ـ، بمعنى أن إرادة الأبداع عند الأول سابقة عن الإرادة عند الثاني، وهذه الجدلية الكلامية تخضع لجدل الإنسان والوجود منذ النشأة الأولى، وحين نطبقها نظرياً فهي جدلية بين - فكر ولغة -، والحكم على الإرادة عند الأول أعني إثباتها يحتاج إلى فكر يستدل به الثاني على ذلك، والاستدلال ظاهرة علمية فيزيائية مرتبطة بأدوات معرفية أساسها الفكر و اللغة، والذين رفضوها عند الأول [كما هو رأي ريتشارد دوكنز]، إنما أعتمدوا في رفضهم على مايلي: - (إن الأفكار تأتي لعقل الإنسان قبل أن تعبر عن نفسها في الحديث، وأنها تولد دون أدوات اللغة، أي دون إطار اللغة، وبعبارة أخرى إنها تولد عارية) ..

إلاّ أن هذا خطأ ووهم كبير، فمهما كانت الأفكار التي تأتي إلى عقل الإنسان، لا يمكن أن تولد أو توجد من دون لغة أو من دون أدوات اللغة، أي على أساس الألفاظ والجمل اللغوية، فليست هناك أفكار عارية متحررة من أدوات اللغة، أو متحررة من المادة الطبيعية التي هي اللغة، فاللغة هي الواقع المباشر للفكر ولا يمكن أن يتحدث عن الفكر بدون لغة إلاّ المثاليون من المعتكفين وحدهم.

ويُعلق ــ بولتزير ــ قائلاً: (لقد لاقت هذه الأفكار تدعيماً باهراً في العلوم الطبيعية بفضل الأبحاث الفسيولوجية التي قام بها العالم ــ بافلوف ــ فقد أكتشف ــ با فلوف ــ أن العمليات الأساسية في النشاط المخي هي الأفعال المنعكسة الشرطية التي تكون في ظروف محددة، والتي تطلقها الإحساسات سواء الخارجية او الداخلية، وأثبت ــ با فلوف ــ أن هذه الإحساسات تقوم بدور الإشارات الموجهة بالنسبة لكل نشاط الكائن العضوي الحي، وقد أكتشف من ناحية اخرى ان الكلمات بمضمونها ومعناها يمكن أن تحل محل الإحساسات التي تحدثها الأشياء التي تدل عليها، وهكذا تكون الكلمات إشارات للإشارات، أي نظاماً ثانوياً في العملية الإشارية، يتكون على أساس النظام الأولي ويكون خاصاً بالإنسان .

وهكذا تعتبر اللغة هي شرط النشاط الراقي في الإنسان وشرطه نشاطه الإجتماعي وركيزة الفكر المجرد، الذي يتخطى الإحساس الوقتي، وركيزة النظر العقلي . فهي التي تتيح للإنسان أن يعكس الواقع بأكثر درجة من الدقة، وبهذه الطريقة أثبت ــ بافلوف ــ أن ما يحدد أساساً شعور الإنسان ليس جهازه العضوي وظروفه البيولوجية، بل يحدده على عكس ذلك المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان))

فاللغة: إذن هي أساس الفكر، وحيث أن اللغة ليست إلاّ ظاهرة إجتماعية، ولكن هذه الفكرة تطرح سؤالاً على غاية من الأهمية وهو: هل أن اللغة هي التي خلقت من الإنسان كائناً مفكراً بصفتها ظاهرة إجتماعية كما يقرر ــ بولتزير ـ؟

أم أنها وجدت في حياة الإنسان المفكر نتيجة لأفكار كانت تريد الوسيلة للتعبير عنها وعرضها على الآخرين؟

ويبدو إن الإجابة على ذلك لا تكون واضحة دون الإلتفات إلى آراء ـ بافلوف ــ وطريقته في تفسير الفكر تفسيراً فسيولوجياً ــ فبافلوف ــ أستطاع أن يوضح بالتجربة، على أن شيئاً معيناً إذا أرتبط بمنبه طبيعي أكتسب نفس فعاليته، وأخذ يقوم بدوره، ويحدث نفس الإستجابة التي يحدثها المنبه الطبيعي ..

وقد أفترض ــ بافلوف ــ من أجل ذلك نظامين إشاريين:

الأول: النظام الإشاري الذي يتكون من مجموعة المنبهات الطبيعية والمنبهات الشرطية التي لا تتدخل فيها الألفاظ .

الثاني: النظام الإشاري المشتمل على الألفاظ والأدوات اللغوية بصفتها منبهات شرطية ثانوية فهي منبهات ثانوية أشترطت بمنبهات النظام الإشاري الأول، واكتسبت بسبب ذلك قدرتها على إثارة إستجابات شرطية معينة .

***

تعتبر الحركة والسكون مقولتان أساسيتان في علم إجتماع ــ أوغست كونت ــ، فالسكون عنده عبارة عن مطالعة الموضوع الذي أطلق عليه ــ كونت ــ أسم الإتفاق الإجتماعي، فالمجتمع يشبه تركيب أعضاء الكائن الحي الكلي الذي ينتمي إليه، فكذلك شؤون أجزاء المجتمع لا يمكن إحلالها إلاّ بالمجتمع الكلي خلال لحظة معينة من التاريخ ..

والحركة عنده عبارة عن الوصف البسيط للمراحل المتتالية التي تطويها المجتمعات البشرية، وهذا الإتجاه في فهم التاريخ نطلق عليه ــ بفلسفة التاريخ ــ والتي هي: [العلم بالتحولات والتطورات التي تنقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى .. والقوانين المتحكمة في هذه التطورات والتحولات] .

وبعبارة أدق: [هو العلم بصيرورة المجتمعات لا بكينونة المجتمعات، وهي كالتاريخ العلمي علم كلي لا علم جزئي وعلم عقلي لا علم نقلي، ولكنه خلافاً للتاريخ العلمي علم بصيرورة المجتمعات لا بكينونتها، وهو بالضرورة لا يعني إرتباط أحداث هذا العلم بالماضي، بل يعني تفهم تيار انطلق في الماضي ومازال مستمراً وسيبقى يواصل مسيرته في المستقبل .

والزمن ليس ظرفاً عنده بل هو بعُد من أبعاده، والظاهر أن أية نظرية للتقدم تعتبر وليدة إذا كانت ترى الحاضر أو المستقبل القريب بوصفه الغاية النهائية .

بيد أن المؤرخين البرجوازيين لا تزعجهم الإخفاقات الماضية لنظريات التقدم المختلفة وحسب، بل هم واعون للإتجاه القائم في العلم والذي قد يمتلك بعض المعايير الفعلية للتقدم التاريخي، ولكن ليس مطلقاً او ملموساً كما هي حال مادية ماركس التاريخي .

إن الفلسفة البرجوازية تركز في التاريخ على مكافحة الجبرية لأنها في الواقع ترفض الإتجاه الجبري في التاريخ، على أساس إنه حامل للنذر العلمية والتطورية في مجال صراع الطبقات .

وهذا الإتجاه في مكافحة النزعة الجبرية قام على الرد المعاكس في التعلق بالوجودية القائلة بأن الشرط المسبق للخلاص هو تقديم فكرة البديل فالمستقبل دائماً موضع إختيار، إذ يمكننا دائماً إن نختار بين طريق وآخر .

وبالتالي فإن الماضي ليس هو وحده موضع الدراسة العلمية، وهذا التصور قانونه التطور التاريخي إذ إن الفكر لم يكن سوى ظاهرة نشأت من اوضاع إجتماعية معينة مما يولد حالة من التفسير لمجمل الظواهر الفكرية على انها وليدة عوامل إجتماعية ساهمت في إنتاج الأفكار والظواهر، وهي لذلك جدلاً تأتي بمرتبة متأخرة من ناحية الوجود، فالتاريخ لايسجل الوجود الفكري إلاّ كونه ظاهرة ناتجة عن عوامل إجتماعية خاصة .

وهذا السبق للوجود الإجتماعي على الوجود الفكري يستتبع محاولة من التدليل السكيولوجي للتفسير المادي للمجتمع والتاريخ)

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

كيف يكون الله مطلق القدرة والخيرية والمحبة للبشر ورغم ذلك يسمح بوجود الشر.. هذا هو السؤال الذي يطرحه الناس على رجال الدين ولا يحصلون على إجابة وافية ومقنعة أبداً.

هل ما ورد في الكتب المقدسة المنزلة من السماء والتي يقال أنها تنقل كلام الله، يتطابق مع الحقائق العلمية التي توصل إليها العلم الحديث في كافة المجالات لا سيما علم الكونيات الكوسمولوجي وعلم الفلك وعلم الفيزياء النظرية وفيزياء الجسيمات الأولية وميكانيك الكموم أو الكوانتوم وعلم الأحياء وعلم الكيمياء الحيوية وعلم التكنولوجيا المتقدمة وتكنولوجيا النانو وعلم الحفريات الأثرية الآركيولوجيا الخ ..؟ المقصود بالنصوص والكتب المقدس هي التوراة والإنجيل والقرآن، وهناك تسمية أخرى هي العهدين القديم والجديد بالنسبة للأول والثاني والقرآن، التي يفترض أن لها مصدر واحد هو الله الخالق في السماء. التوراة أو العهد القديم يعرف في الغرب تحت إسم La Bible وهو مأخوذ عن اللغة الإغريقية القديمة BIBLIA التي تعني " الكتب" بالجمع وليس " الكتاب" وبالتالي فإن ال " La Bible " هو تجميع لعدد من المؤلفات صاغها وكتبها عدد من المؤلفين المجهولي الهوية، يعتقد أنهم من حاخامات اليهود الذين كانوا موجودين في بابل القديمة بعد السبي اليهودي ونقل اليهود إلى بابل، وإن تلك المؤلفات كتبت في حقب زمنية مختلفة ومن بينها كتب في التاريخ وفي الشعر وفي الرواية وكتب في الفلسفة والتأملات الصوفية، وتجدر الإشارة إلى أن أياً من تلك الكتب لم يصل إلينا بنصه الأصلي كمسودة ولم يعثر عليه من قبل أي شخص ولم تصل إلينا تلك النصوص كما كتبت في الأصل. وما يميزها عن غيرها من المؤلفات هي إدعاء الفقهاء ورجال الدين والمؤسسات الدينية اليهو – مسيحية – الإسلامية، أنها دونت بوحي مباشر وبإلهام مباشر من الله. وبالتالي فهي ليست مؤلفات عادية بل هي كتب مقدسة إلهية المصدر.

لا يمكننا وصف تلك النصوص السردية بأنها مقدسة أو مدنسة، لاهوتية أو ناسوتية، بل يمكننا فقط وصفها بأنها، إما حقيقية أو مزيفة، صحيحة أو خاطئة، ويمكن التحقق من صحتها إذا ما تمكن العلم من تأكيد حقيقة ما روته حوادث بأنها حدثت بالفعل في سياق التاريخ البشري وبالتالي هي ليست خرافات أو أساطير، وإذا تبين أنها لا تتطابق مع الحقائق التاريخية فهذا يعني أن مصدرها ليس ربانياً أو إلهياً أي هي ليست كلام الله لأن الله لا يخطيء وفق منطق الأديان ذاته. ولقد أجريت تنقيبات أثرية في مدينة أريحا القديمة في فلسطين ومدينة أور في العراق للتأكد من صحة ما ورد في التوراة بشأن هذين الموقعين وكانت النتائج الأولية سلبية ومخيبة لآمال الثيولوجيين وعدم مطابقته للنصوص التوراتية التي تحدثت عن احتلال يشوع Josué للأولى ومغادرة أبراهام " إبراهيم " للثانية، وهل حقاً أن الله اختار من بين شعوب الأرض العبرانيين باعتبارهم شعب الله المختار وكشف لهم كيف أنه صنع أو خلق الكون والأرض والسموات والبشر من خلال قصة آدم وحواء والشيطان والملائكة الخ.. وإنه كلف بني البشر بمهمة مقدسة هي خلافته على الأرض ونشر رسالته الدينية بين كافة الشعوب الأخرى. وهل حقاً اختار الله أشخاصاً بعينهم وفق ما ورد في الكتب المقدسة المنزلة من الله، وزودهم بحقائق قاطعة وقوى وإمكانيات هائلة جعلت بعضهم يجترح المعجزات، وينصبهم رسلاً ووكلاء عنه ويمنحهم حق الحكم بإسم الله على البشر؟. لقد أثبت البحث العلمي أن هناك العديد من الملوك السومريين حولهم كتبة التوراة إلى أنبياء توراتيين مرسلين من الله كما جاء في كتاب الباحث الكبير الدكتور خزعل الماجدي المعنون " أنبياء سومريون: كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين؟ ".

جاء في التوراة " في البدء خلق " الإلوهيم ELoHYM" الله" السموات والأرض " في أول جملة في كتاب العهد القديم أو التوراة La Bible في سفر التكوين Genèse، وهذه الكلمة الأخيرة مأخوذة من الكلمة الإغريقية GENESIS التي تعني " ولادة " و " جيل"، ولقد اختارها المترجم الإغريقي للنص الديني التوراتي باعتبارها تصف أصل العالم.لا أحد يعرف شيئاً عن هذا المترجم وكل ما نعرفه أنه عاش في القرن الثالث قبل الميلاد وكرس نفسه لترجمة كتب اليهود المقدسة إلى اللغة الإغريقية بطلب من ملك ينتمي للسلالة الإغريقية التي كانت تحكم في مصر آنذاك. ولم يتورع في الخيانة والخروج على النص أو الأصل العبري الذي وردت فيه كلمة برشيت BRECHYT العبرية وهي مكونة من الضمير ب B ويعني " في " وكلمة رشيت RECHYT وهي تحريف لكلمة RECH والتي تعني "رأس" وبالتالي يمكننا أن نستنتج أن الكلمة العبرية تقصد في الرأس أو في المقدمة أو في البدء، ويقابلها في اللغة المصرية القديمة الهيروغليفية M HAT ومن خلال الرموز الهيروغليفية رسم أو صورة بومة وصورة أو رسم للنصف الأمامي لأسد جالس وقدميه ممدتين إلى الأمام مستلقياً على بطنه ويقابل البومة حرف م M الذي يعني " في " ونصف جسد الأسد يقابله لفظ HAT الذي يعني " أمام أو قبل وفي البداية والبدء أو في المقدمة" الخ.. من المرادفات، أما الذراعين الأماميين الممتدتين فيقابلها لفظ أو صوت A وصورة أو رسم نصف الدارة نحو الأسفل التي تمثل لفظة أو صوت ت T . والحال أن العديد من الملوك المصريين من السلالة 12 XII الذي حكموا مصر في بداية الألفية الثانية قبل الميلاد يحملون إسم مون م حات AMeN-M HAT أي" آمون في البدء أو آمون كان البداية". والكل يتذكر إسم توت عنخ آمون وهي تسميات تثبت، قبل مرحلة ظهور موسى ببضعة عقود، أن عقيدة التوحيد كانت معروفة وخرجت من العقيدة الشركية التعددية المصرية القديمة أي أن التوحيد ذو منشأ مصري وليس عبري عندما فرض الفرعون آخناتون عبادة إله الشمس وحده عكس الإدعاء العبري أن البشر بدأوا موحدين يعبدون إلهاً واحداً هو الله monothéisme ثم انحطت العقيدة تدريجاً وتبعثرت وتحولت إلى الشرك polythéisme، وهذا ما ثبت من دراسة الحضارات القديمة التي لم تترك مكاناً مميزاً للفكر التوحيدي وللعقيدة التوحيدية لا المحلية ولا العالمية الشاملة. ﺍﻟﻠﻐﺎﺕ ﺍﻷﻭﺭوﺑﻴﺔ ﺗﺤﻔﻞ ﺑﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺗﻌﺎﻟﺞ تاريخ الأديان نشأة وكياناً ﻭﻓﻠﺴﻔﺔ، ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﻨﻬﺞ ﻧﻘﺪﻱ .ﺇﺫ ﺻﺪﺭﺕ ﻛﺘﺎﺑﺎﺕ ﻭﺑﺤﻮﺙ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺗﺘﻨﺎﻭﻝ ذلك الشأن بدءاً ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ ﻋﺸﺮ ﻭﻟﻢ ﺗﺘﻮﻗﻒ، ﻭﺑﻌﻀﻬﺎ ﻛﺘب من ﻗﺒﻞ ﻛﺒﺎﺭ الكتاب المؤمنين ﺑﻌﻘﺎﺋﺪﻫﻢ ﻭﺃﺩﻳﺎﻧﻬﻢ ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻞ ﺟﻮﻥ ﺩﻭﻟﻴﻤﻮ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺠﻨﺔ Histoire du Paradis ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1992 "ﻭﺟﻮﻥ ﺑﻮﺗﻴﺮﻭ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﻭﻻﺩﺓ ﷲ   Naissance de Dieu الصادر سنة 1982ﺣﻴﺚ ﺗﻨﺎﻭﻝ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩﻳﺔ   ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻴﺔ كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه الباحث الدكتور فالح مهدي المعنون "البحث عن جذور الإله الواحد" والذي أضاف " ﻟﻠﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﺍﻹﻫﺘﻤﺎﻡ ﺑﺎﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺤﺚ، ﺇﻗﺘﻀﻰ ﺍﻟﺨﻮﺽ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩﻳﺔ ﺑﺈﻋﺘﺒﺎﺭﻫﺎ ﺍﻟﻌﻤﻮﺩ ﺍﻟﻔﻘﺮﻱ ﻟﻜﻞ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ، ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻀﻢ ﺍﻟﻤﻨﺘﺞ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻭﺍﺩﻱ الرافدين. ( ﻧﺴﺒﺔ ﺍﻟﻰ ﻭﺍﺩﻱ ﺍﻟﺮﺍﻓﺪﻳﻦ ﺃﻱ ﺍﻟﺴﻮﻣﺮﻳﻴﻦ، ﺍﻷﻛﺪﻳﻴﻦ ﻭﺍﻷﺷﻮﺭﻳﻴﻦ (ﺃﺻﺒﺢ ﻣﻦ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ ﺍﻵﻥ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻬﺪ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ ﻗﺪ ﺗﺄﺛﺮ ﺑﺎﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ ﻁﺎﻍ .

التوحيديون يقولون " كان هناك الله" والمشركون يقولون " كانت هناك آلهة " والماديون يقولون " كانت هناك المادة" قبل بدء الوجود. أما العلماء فلا يجيبون بهذه الطريقة لأن تجاربهم وأبحاثهم محدودة بالزمن وبالتطورات العلمية والتكنولوجية ونتائج التجارب المختبرة والمشاهدات الرصدية لأن أي رد قاطع من قبل العلماء يعني الخروج من نطاق العلم الدخول في حقل الفلسفة لذلك تتنوع الإجابات وفق القناعات الشخصية والمفاهيم والمدركات الشخصية لكل عالم فهناك من بينهم ربانيون أو إلهيون أو ماديون، مؤمنون أو ملاحدة وهناك اللا أدريون وهناك من يرفض أصلاً الخوض في هذا الموضوع الشائك وكان هذا هو حال العالم الفيزيائي الشهير ألبرت آينشتين عندما سأله حاخام يهودي سؤال استفزازي : هل تؤمن بوجود الله؟ رد آينشتين إنني أؤمن بإله سبينوزا، ذلك الذي يعبر عن ذاته في أعلى درجات التناغم في الوجود، وليس الإله الذي يشغل نفسه بمصائر وأعمال الكائنات البشرية فلا يمكنني أن أتصور الله على صورة ذلك الكائن الذي يجزي ويعاقب مخلوقاته ويفرض العقاب والثواب على البشر ويرسم أهدافه وغاياته على ضوء أهداف وغايات البشر، فالله هنا باختصار ما هو إلا إنعكاس لضعف وهشاشة الإنسان . وإذا كان هناك أمر في أعماقي يمكن أن أطلق عليه مشاعر دينية فإنه يتمثل بالإعجاب اللامتناهي وغير المحدود بهندسة الكون ".

هنالك شبه توافق واتفاق جماعي تقريباً بين العلماء على فكرة أن هناك دائماً شيئاً ما موجود إلى جانب فكرة الأزلية والأبدية. كما أنهم توصلوا إلى قانون " التطور" وإن كل شيء يتغير أو في حالة تغيير وتطور دائم ولا شيء يبقى على حاله إلى أبد الآبدين. فالكون اليوم يختلف عما كان عليه بالأمس أي قبل مليارات السنين ولن يبقى على حاله في الغد أي بعد مليارات السنين. إن ما يعطينا الشعور بالاستقرار والركود هو بطء عملية التطور التي تحدث على مدى مليارات من السنوات . وإن كل ما يوجد في الطبيعة إن هو إلا تجمعات وتركيبات لجسيمات أولية غاية في الصغر، أي البروتونات والإلكترونات والفوتونات وما تحتها من الكواركات غير المرئية والأوتار التي تنتج الجسيمات الأولية من خلال تردداتها وذبذباتها المختلفة والمتنوعة كما تقول نظرية الأوتار الفائقة.

إن موضوع الله والكون موضوعاً حساساً ومسألة عويصة من الناحية الدينية والفلسفية والعلمية لأنها قابلة لمختلف الاجتهادات والتأويلات خاصة عندما يتعامل الباحث ومعه القارئ مع كتب ونصوص مقدسة لا يسمح عادة بمناقشتها أو الطعن في مصداقيتها. فهناك إشكالية تتمثل في عدم العثور على أية براهين عن حقيقة حدوث الوقائع والقصص والحكايات التي وردت في العهد القديم واستنسخها القرآن فيما بعد بطريقته الخاصة وبأسلوبه الفريد المعتمد على السجع النثري . والباحثون المعاصرون يستندون في استنتاجاتهم على ما قدمه علماء الآثار في فلسطين القديمة وعلى وثائق رافدينية وفرعونية قديمة أيضاً. إلى جانب أبحاث لمفكرين وباحثين معاصرين ومتخصصين من المستشرقين ومن بينهم الخبير بالحضارات الرافدينية الفرنسي بوتيرو الذي يكشف في كتابه المشار إليه أعلاه " ولادة الله" عن العلاقة بين اليهودية والثقافة البابلية التي أثرت بالفكر اليهودي والكتابات اليهودية ومنها بالطبع التوراة، لأن هذه العلاقة هي العمود الفقري لكل فكرة التوحيد كما يقول الدكتور فالح مهدي. لقد بات معروفاً أن حضارة وادي الرافدين ، أي السومريين والأكديين والآشوريين، احتوت على الكثير من النصوص التي تحدثت عن فكرة التوحيد والإله الواحد قبل التوراة والإنجيل والقرآن، كما ثبت أن أصل قصة الطوفان والنبي نوح في الكتب السماوية هي أسطورة رافدينية كتبت قبل 1500 عام من ظهور العهد القديم وهي ملحمة جلجامش والتي أخذها اليهود المقيمين في بابل بعد السبي اليهودي على يد نبوخذنصر حيث تم تقديم الدليل القاطع على سرقة اليهود للإرث البابلي وادعوا أنه منزل من الله على نبيهم . فهناك فرق بين الإله الذي صنعته الآيديولوجية الدينية وبين الإله الكوني. أي ذلك الذي يعرفه آينشتين واستمد ماهيته وتعريفه من سبينوزا وهو الذي يجسد أعلى تناغم في الوجود وليس الإله الذي يشغل نفسه بمصائر الكائنات البشرية ويتدخل بكل صغيرة وكبيرة عندهم، ويجزي أو يعاقب مخلوقاته ويغضب عليهم ويهددهم ويرغمهم على عبادته، فإله الأديان محدود ومختزل بينما إله الأكوان كامل ولا محدود ولامتناهي، ولقد تناولت هذه المسألة باستفاضة في كتابي " إله الأديان وإله الأكوان" الذي سيصدر قريباً عن دار مزيوبوتاميا. وفي المقابل هناك من علماء الكونيات والفيزياء النظرية ممن لا يعتقدون حتى بوجود إله مثل العالم البريطاني ستيفن هوكينغ الذي عرض نظريته ورأيه في كتاب شهير صدر قبل بضعة أعوام باللغة الانجليزية تحت عنوان " التصميم العظيم" وترجمته بالفرنسية كانت" هل هناك مهندس عظيم لهذا الكون؟" حيث وضعنا هوكينغ أمام مشكلة فلسفية عويصة، فإذا كان الكون قد خلق بفعل الصدفة فمن خلق الصدفة؟ ويقودنا هوكينغ بمهارة عجيبة إلى مسألة نزوع الإنسان لمعرفة سبب وجوده وما إذا كان بمحض الصدفة أم أن هناك خالق له وللأرض التي يعيش فوقها والتي خلقت من أجله ومن أجل سعادته كما تقول الكتب السماوية. يقف المرء مبهوراً أمام قدرة الدين، أي دين، في تحريك الملايين من الناس حتى في الدول العلمانية المتقدمة والمتطورة فما بالك بالدول النامية أو المحكومة بالفكر الديني والعقل الخرافي؟ وبالتالي فإن الدين ما هو إلا علاقة مع الكائن العلوي، ورغم ذلك بقي الدين عصياً على التعريف بسبب تنوع الثقافات . قبل عشرة أعوام تقريباً من وفاة عالم الفيزياء الفذ البريطاني ستيفن هوكينغ Stephen Hawking نشر هذا الأخير كتابه الذائع الصيت "The Grand Design التصميم العظيم" ومنذ صدوره أحدث الكتاب ضجة في الأوساط العلمية والدينية والجماهيرية، لأنه تناول مسألة الكون والله وقال بالحرف الواحد أن الكون ليس بحاجة إلى إله خالق لكي يوجد. كانت الصراعات الدينية متأججة وفي أوجها، تشعل الشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا وآسيا الوسطى. كان هناك طائفة دينية متشددة ومتعصبة بجنون تهدد بحرق القرآن مما حث قادة العالم وزعمائه السياسيين للرد على ذلك الخطر الكامن ووقف تداعيات مثل هذا الفعل الشنيع خوفاً من انعكاساته التراجيدية وتطور إلى حروب دينية بين الأديان السماوية الثلاثة تحرق الأخضر واليابس، لكن هذا لم يمنع من اندلاع سجال واسع في الصحف والقنوات التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة للحديث عن كتاب فيزيائي نشره عالم طبقت شهرته الآفاق، وتناولت وسائل الإعلام بعناوين بارزة ومستفزة مأخوذة من الكتاب ذلك الحدث مثل :" لم يخلق الله الكون" وإن " الانفجار العظيم ماهو إلا نتيجة حتمية وطبيعية للقوانين الفيزيائية" كما قال ستيفن هوكينغ في كتابه هذا. لقد استعدى هذا العالم ضده أسقف كانتيربري في بريطانيا وزعيم الحاخاميين في المملكة المتحدة ورئيس لجنة الحوار بين الأديان في المجلس الإسلامي في بريطانيا، الذين وحدوا كلمتهم وجهودهم لمواجهة هذا الانحراف والدعوة إلى إلغاء الله من التفكير البشري وهذه الانعطافة المعادية لله حسب تعبيرهم والتي يقودها ستيفن هوكينغ ورسخها في كتابه المشار إليه أعلاه. عرف عن ستيفن هوكينغ كيف يجد الجمل والعبارة المختصرة وذات الدلالة العميقة والتي تضفي على كتبه وأبحاثه مسحة تفوق ما تتميز به النصوص المقدسة. ففي كتابه الشهير " موجز تاريخ للزمن الصادر سنة 1988 وردت فيه عبارة رسخت في الأذهان تقول:" إذا اكتشفنا النظرية الكاملة والشاملة عن الكون فسيكون ذلك بمثابة انتصار مطلق للعقل البشري عند ذلك سوف نتعرف على حقيقة تفكير الله . وفي كتابه التصميم العظيم Le grand Dessein قام بتركيبة أو خلطة مبسطة لمجمل النظريات العلمية الكوسمولوجية الكونية وللنظريات الفيزيائية المعاصرة وقدمها بلغة مبسطة ومفهومة من قبل القاريء البسيط واختتم استنتاجه أنه يقد لا تكون هناك حاجة أو فائدة ترجى من معرفة تفكير الله يكفينا أن نعرف العلم وقوانينه لنصل إلى الحقيقة ونمتلك الإجابة عن أي تساؤل يطرح. فالنظريات والاكتشافات والتجارب والمشاهدات والانجازات التكنولوجية التي تحققت بعد عام 1988 ونجحت في أن تزيح " الله " عن عرش التفكير البشري. ولقد استعرض ستيفن هوكينغ في كتابه هذا، خطوة بعد خطوة، أسس الفيزياء المعاصرة وصاغ أمل البشر في قهر الجهل والخرافة وخوض معارك معادية للأديان وللمؤسسات الدينية التي تستغل الجهل والخرافة وتسخر النصوص الدينية لإخضاع الناس بوسائل الترهيب والترغيب، على مر القرون.

وكعادة الكتب العلمية المبسطة، يبدأ كتاب ستيفن هوكينغ بعرض أسس وقواعد النظرية النسبية لآينشتين la relativité ونظرية الكموم أو الكوانتوم la théorie quantique. فالأولى تعلمنا ألا نصف العالم المحيط بنا وفقاً لمرجعياتنا الذهنية والأخلاقية والتربوية التي يغلب عليها الطابع الديني والعقل الخرافي. فعند تقريب المغناطيس من علبة، تتولد جراء ذلك شحنة كهربائية داخل العلبة سواء كنا على جانب العلبة أو المغناطيس، فوجهة النظر لا يجب أن تؤثر على كيفية شرحنا لما يحدث فليس في ذلك أية خدعة أو سحر وإنما هو قانون علمي صرف. وكذلك ما يتعلق بفكرة آينشتين أنه لا يوجد شيء يمكنه اللحاق بسرعة الضوء أو تجاوزها فمن المستحيل بلوغ سرعة الضوء وهي 300000 كلم/ثانية، وهي المسلمة التي قادتنا لتحقيق العديد من الاكتشافات المذهلة. وأمام دهشة الجميع، علماء وفيزيائيين وفنانين وشعراء وجمهور واسع من الناس، اتضح أن المدة الزمنية la durée، والطول la longueur والتزامن الآني la simultanéité في الأحداث، تعتمد كلها على الحركة. ليس فقط الحركة الثابتة بل والمتسارعة أيضاً كما تقول النسبية العامة، وأخذ آينشتين في الاعتبار الجانب " الهندسي la géométrie" للكون برمته، أي محاولة صياغة النموذج الكوني الكوسمولوجي، والظواهر الكونية الغامضة الأخرى كالثقوب السوداء.

لقد هزت النسبية قواعد العالم الكلاسيكي أما الميكانيك الكمومي أو الكوانتي فقد زعزع أركانه. فالنموذج الفيزيائي في فيزياء الجسيمات واللامتناهي في الصغر، وهي الحقل الذي يدور فيه عالم الكموم أو الكوانتوم، وانطلاقاً من قوانين ومعادلات الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، قدم لنا نيلز بور Niels Bohr و فيرنر هيزنبيرغ Werner Heisenberg و إروين شرودينغر Erwin Schrödinger نموذجاً فيزيائياً في سنوات العشرينات من القرن المنصرم، يقوم على إزدواجية طبيعة الجسيم الأولي، حيث تسلك الإلكترونات، تارة كموجات، وتارة أخرى كجسيمات أولية حبيبية. واستدعى الأمر التخلي عن مبدأ السببية الجامد، ولقد حاول علماء آخرون بعد الحرب العالمية الثانية كريشارد فاينمان Richard Feynman وزملائه الجمع بين النسبية والميكانيك الكمومي أو الكوانتي ولم ينجح أي منهم في مسعاه لغاية اليوم. وكانت نتيجة ما أفضت إليه محاولات فاينمان أي المحتويات النسبية والكمومية أو الكوانتية للحقول الكهربائية ظهور أحد نماذج الفيزياء النظرية . فأختزل الحقل الكهربائي إلى مجرد تبادل للفوتونات . وحسب فاينمان فإن تفسير أي حدث، أو أية صيغة للحدث ممكنة الحدوث يجب أخذها في الحسبان ومن ثم يجب جمع تلك القصص أو الأحداث الممكنة الحدوث . كيف تتفاعل الإلكترونات فيما بينها؟ يجيب فاينمان أن بوسع الفوتون أن يرحل أو ينتقل من إلكترون إلى آخر أو يمكنه أن يتحول إلى طريق آخر من خلال تغيره إلى زوج من الجسيمات يمكنها أن تعود لتصبح فوتوناً وإنهاء رحلته . إن هذه العملية هي الأكثر تعقيداً، ويمكنها أن تنتج في طريق رحلة الانتقال للفوتون وهي تحدث بالفعل . وكما يقول علماء الفيزياء : كل ما هو غير ممنوع يكون إجباري الحدوث. وهذا ما ركز عليه ستيفن هوكينغ في كتابه المذكور وتطوير هذه الفلسفة القائلة " بأن كل ما يمكنه أن يحدث سوف يحدث بالفعل ".

قاومت الجاذبية كل محاولات الدمج مع النظرية الكمومية أو الكوانتية لحقول أو مجالات القوة champs de force، ولكن في سنوات الثمانينات فرضت نظرية جديدة نفسها ألا وهي نظرية الأوتار la théorie des cordes.

الفكرة الأساسية للنظرية تقول بأن المكونات الأولية الجوهرية للعالم وحجر الأساس للمكون الأولي للكون المرئي أو المنظور، ليست نماذج من انفجارات مصغرة بل قطعة من المادة أحادية البعد، نوع من الخيوط أو الحبال cordelettes الخاضعة لتوتر أو شد كبير وشديد وهائل. ومن شأن هذه الشبكة من الخيوط أو الحبال أن تتذبذب بطرق مختلفة على غرار وتر آلة الكمان الموسيقية، وإن مختلف النوتات تتوافق مع مختلف أنواع الطاقات. ومن ثم تعلمنا أشهر معادلة فيزيائية وضعها آينشتين عن العلاقة بين الكتلة والطاقة وسرعة الضوء وهي E = mc2 أي إن الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء ومن خلالها نتعرف على مختلف أنواع الترددات والذبذبات التي تقوم بها الأوتار الأولية ذات الكتل المختلفة.

في سنوات الثمانينات من القرن الماضي القرن العشرين، بزغ أمل في أن يحل نوع من الحبال أو الأوتار محل عدد من الجسيمات الأولية المختلفة، وبدت للعلماء إمكانية لتوحيد النظريات الفيزيائية في نظرية واحدة شاملة وموحدة وكان الحلم يتمثل في أن الإتساق الذاتي الرياضياتي mathématique l’auto-consistance لا يدع أي بديل آخر سوى نظرية واحدة هي الصحيحة والتي أعطيت تسمية النظرية م «Théorie M» ومعها ستنتهي مهمة الفيزياء المعاصرة في البحث عن حقيقة العالم والوجود. لكن تعقيد الواقع والثغرات الكبيرة في النظريات الفيزيائية القائمة وعدم توافقها مع استمرار التناقضات والمفارقات والألغاز الغامضة، حال دون التوصل إلى تلك النظرية المنشودة. وتوصل علماء الفيزياء إلى أن نظرية الأوتار الفائقة بإمكانها طرح العديد من الحلول أكثر مما كان متوقعاً منها وتمتلك الكثير من التوقعات والتنبؤات القابلة للبرهنة التجريبية وهي حلول على مدى مفتوح قد يصل احتمالها إلى نسبة 10500 وربما إلى عدد لانهائي من الحلول، وكل حل يعطي صورة مختلفة عن الجسيمات الأولية وعن القوانين المقبولة. وأمام هذا الأفق اللامحدود والمفتوح على اللانهاية، فقد بعض علماء نظرية الأوتار الأمل بينما حاول آخرون المثابرة وإعادة التفكير في وضع النظرية ومعادلاتها الرياضياتية بغية الوصول إلى الهدف المنشود ألا وهو النظرية الموحدة والوحيدة théorie unique. وشحذ آخرون سكاكينهم للطعن في جدية ومصداقية زملائهم ودعوا إلى التخلي عن هذه النظرية وترك القوانين تأخذ مجراها الطبيعي لكي تظل على ما هي عليه الآن وببساطة وبلا تعقيد . من تداعيات وتبعات هذه النظرية الأنيقة والمعقدة أطروحة تعدد الأكوان «multivers» ومن بين العلماء الذي مالوا إلى هذه الأطروحة الراحل الفذ ستيفن هوكينغ. وهي الفكرة القائلة بوجود عدة أكوان وعلى أشكال مختلفة فهي، متداخلة ومتوازية ومتعاقبة دورياً ومتفاعلة فيما بينها على نطاق اللامتناهي في الكبر، ولكل كون منها قوانينه الخاصة وثوابته الخاصة ومكوناته الخاصة ويجدون في هذه الأطروحة امتداد لرؤية ريتشارد فاينمان Feynman التي تقول أن كل الصيغ الممكنة الحدوث أخذت في الاعتبار وقد حدثت بالفعل ولكن ليس فقط لوصف الإمكانيات المتعددة التي يوفرها الفوتون تجاه الإلكترون A أ وما يقدمه هذا إلى الإلكترون ب B، بل لوصف وتفسير قصة الكون المرئي برمته ومعه جميع قوانينه، كما أوضح ذلك ستفين هوكينغ في كتابه " التصميم العظيم " أو هل يوجد مهندس معماري للكون؟ ويجيب على ذلك بأن الكون المرئي ظهر على نحو عفوي ويتكرر ظهوره بكل طريقة ممكنة متوفرة أمامه وإن أغلب تلك الأصول الممكنة البديلة تتناسب وتتوافق مع صفات وخصال ومزايا وخصائص أكوان أخرى غير كوننا المرئي فهي نسخ عنه بمواصفات مختلفة وبعضها يشبه كوننا في بعض خصاله والأغلبية تختلف عنه كلياً .

كيف قيض لنا أن نتواجد في كون تجعل قوانينه الذرية المادة والحياة قابلتين للوجود وكيف نفسر ذلك؟ فلو كانت الشحنات الكهربائية المتباينة والمتناقضة بين البروتونات والإلكترونات ليست متساوية ومتعارضة لما كنا هنا موجودون نناقش موضوع وجودنا وحياتنا وكوننا الذي نعيش فيه،فهل مرجع ذلك هو تنظيم إعجازي دقيق أم نتيجة لتدخل إلهي ؟ يرد هوكينغ، ليس في الأمر معجزة، كما لا توجد معجزة إلهية في أن يتواجد كوكبنا الأرض، خلافاً لباقي كواكب المجموعة الشمسية في نظامنا الشمسي، في المنطقة المثالية المطلوبة لتوفر الحياة وتوفر المياه في حالة السيولة ودرجات الحرارة المعتدلة فهذه الحالة موجودة بكثرة وبعدد مهول في الكون المرئي وتمتاز بها كواكب كثيرة في مجرتنا درب التبانة وفي باقي مجرات الكون المرئي. ولقد توصل العلماء المنضوين تحت مظلة أطروحة تعدد الأكوان إلى تفسير إختلاف الأصول للأكوان المتعددة، بما فيها كوننا المرئي، وعزوه إلى إختلاف التخلخلات والتقلبات الكمومية أو الكوانتية les fluctuations quantiques، فيمكن لكون مختلف أن ينشأ، على نحو لانهائي، بمجرد اختلاف فوتون واحد يتحول إلى زوجين من الجسيمات الأولية المتناقضة مثل الإلكترون ونقيضه البوزيترون une paire électron-positron قبل أن يعثر على شكله الأصلي القديم أي الفوتون.فالشرارة الأصلية تنقدح وتحدث فقط لأن الميكانيك الكمومي أو الكوانتي يخبرنا بوجود عدد لانهائي من الاحتمالات التي تؤدي إلى ظهور عدد لا نهائي من الأكوان . وبوسع الفيزياء المعاصرة أن تشرح، ليس فقط كيف يعمل الكون المرئي، بل وكذلك توضيح سبب وجوده وبدون أية مساعدة ربانية أو إلهية فقط بموجب قوانين ومعطيات الفيزياء الكمومية أو الكوانتية مع ما يلزمها من فيزياء الجسيمات الأولية وما توفره نظرية الأوتار الفائقة من معطيات رياضياتية .

الأديان وتعدد الأكوان:

هناك شعوب لديها تجارب عميقة ومتنوعة وثرية مع الأديان كالصين حيث تعايشت البوذية مع التاوية مع حضور الكونفوشيوسية والإسلام والمسيحية بكافة طوائفهما ومدارسهما الفقهية، ونفس الشيء في الهند وانتشار الثقافة الهندوسية وتعاملها مع تعدد الآلهة حيث يوجد في الهند 33 مليون إله، مع وجود الديانات والثقافات المسيحية والإسلامية والبوذية واليهودية، فالسائد هناك هو وحدة الوجود الصوفية، فكل شيء هو الله ونحن جزءاً منه، فالله المطلق ليس منفصلاً عن العالم والوجود بل هو مكون من كل شيء موجود في هذا الوجود. والبوذية لا تعترف بوجود إله لكنها تستند إلى مفاهيم ومبادئ المستنير بوذا، فالبوذية لا تدعو لعبادة الإله الواحدة ولا تعارض تعدد الآلهة . أما الإيمان في الثقافات القديمة، فقد نشأ داخل زمان وفضاء معينين وإن تجربة المقدس الفرعونية والرافدينية، السومرية والأكدية، تلقي ضوءاً على ثقافة المكان في هذه البقعة من العالم وتتميز التجربة المصرية الفرعونية عن غيرها في اعتبار الملك الفرعون إله ذو مظهر مهيب. أما في العصر الحديث فقد عد الدين بمثابة حالة اغتراب الإنسان عن ذاته كما يقول فيورباخ أو هو إنجاز متخيل للكائن البشري كما يقول ماركس فيما اعتبر فرويد الدين مجرد تعبير عصابي، مرضي، لذلك اعتبر الدين في اللغة اللاتينية مفهوم يعني التجميع والاستقبال والتوحيد . وهو بالتالي مؤسسة هدفها توجيه التشريف إلى الرب والاحتفاء به، إلى جانب كونه مجموعة من الطقوس والشعائر تهدف إلى تقديم الثناء والتبريك والقرابين إلى سلطة عليا مقدسة، لذا فهو عبارة عن الشعور الداخلي بذلك المقدس مع الإيمان بتلك القداسة، كما يخلص الباحث الدكتور فالح مهدي في كتابه البحث عن جذور الإله الواحد. وهناك تعريف أوضح لماركس للدين غير عبارة الدين أفيون الشعوب، والأصح هو الدين أفيون الشعب بالمفرد، والتي يعني بها أن الإيمان الأعمى الذي ينتفي فيه التفكير والقدر على التمحيص والنقد تؤدي بالمؤمن أن يغفو ويرقد رقدة الموتى عما يحيط به من أهوال ومصائب، ليس هذا فحسب، بل تقوم الأيديولوجية الدينية بترويضه وجعله طيناً وعجيناً يتم التلاعب بوعيه وتوجيهه كيفما ارتأت تلك اليديولوجية، أما تعريفه الأكمل والأوضح فيقول فيه :" الدين هو النظرية العامة لهذا العالم، قيمته الموسوعية، منطقه بشكله الشعبي، نقطة شرفه الروحانية، ولعه وحماسه البالغ، عقوبته الأخلاقية، طمأنينته وتبريراته الكونية، والتي تمثل الإنجاز المتخيل للكائن الإنساني والسبب في ذلك يكمن في أن الإنسان لا يمتلك الواقع الحقيقي" كما جاء في كتاب البحث عن جذور الإله الواحد للدكتور فالح مهدي والذي يعرف الدين بأنه نظام يستند في قيامه على المخيلة والتمثيل، إذ يقوم منذ لحظة ولادته بتقديم تفسير للعالم بل الكون كله ودور الإنسان فيه، باعتبار أن الله أو الآلهة، خلق هو، أو خلقت هي، كل شيء من أجله أو أجلها، أي خلقا " المخيلة"، ويرسما عبر مجموعة المعادلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطقسية، الطريق الذي يجب عليه أن يسلكه" التمثيل التصوري للإله"، مستندين في ذلك إلى مؤسسات أيديولوجية تقوم بخلقها وتطويرها". لذلك لا نجد هناك عقيدة بدون طقوس ولا يمكنها أن تستقيم وتستمر بدون تلك الشعائر والطقوس. من هنا يعود الباحث إلى نظريته الأثيرة عن المكان ودوره، ويربطها بمفهوم الدين ويقول أن الدين هو تفسير، بل ترجمة متخيلة للنظام الكوني أوجده الحيز الدائري، حيث ساعد هذا الحيز الدائري على وجود نظام العقائد بكل أشكالها، وعبر ثقافة المكان نشأ وترعرع الدين وأصبحت له اليد الطولى في كل ما يمت إلى الإنسان بصلة. ودليله على ذلك أن " الحيز الأفقي" الذي تعيشه الإنسانية في الزمن الحاضر، أفقد الدين الكثير من بريقه، حيث استطاع الإنسان المعاصر، بفضل التركيبات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القائمة، والتطور العلمي وسيادة الثقافة الحرة، أن يجيب على الأسئلة الوجودية والجوهرية التي تقلقه وتتعلق بوجوده ومصيره ونظام حياته دون الحاجة إلى اللجوء للمعبد والمسجد والكنيسة أو الرجوع للمؤسسات الدينية. أما تولستوي فيقول أن الدين الحقيقي هو ذلك الذي يقيم علاقة ما بين العقل والمعرفة الإنسانية، ما يعني إلغاء دور المؤسسات الدينية، مثلما كان يعلم الفيلسوف والمفكر الفرنسي الشهير فولتير. فلكل دين عقيدة جامعة ووظائف تعمل على رسم وتوجيه حياة المؤمن وتحدد له ماهو ممنوع وماهو مسموح، أو الحلال والحرام بالمفهوم الإسلامي. ويطرح تعريف مكمل للدين بأنه مجموعة من المباديء والإرشادات الأخلاقية والسلوكية التي تتحكم بالإنسان من خلال الطقوس والشعائر التي يتم تدوينها وتوجيهها، مؤطرة بنقطتين جوهريتين هما الإيمان بمفهوم الخالق العلوي الأعلى الموجد لكل شيء، والذي يأخذ عدة صور وأسماء كيهوه بالنسبة لليهود والله بالنسبة للمسلمين وبراهما بالنسبة للهندوس الخ ... وهو مفهوم جوهري موجود في أغلب الديانات حتى في الديانات القديمة فإنليل هو الخالق عند السومريين والذي يتحول إلى مردوخ عند البابليين، بل وحتى عند الأقوام البدائية كما يقول عالم الأديان ميرسيا إلياد. وفي كل الأديان هناك أولاً وقبل كل شيء يتوجب قبول مبدأ " الطاعة" والتسليم بالأوامر والتوجيهات المباشرة وغير المباشرة التي تصدرها المؤسسات الدينية بإسم الخالق وهي بطبيعتها ذات طابع أيديولوجي قسري وقمعي يأخذ طابع القدسية، ولقد أشار سبينوزا إلى ذلك في كتابه " رسالة في اللاهوت والسياسة " حيث أكد على مفهوم الطاعة باعتباره ركيزة جوهرية في قيام الإيمان.

وبعد الطاعة يأتي مفهوم أو مبدأ " الإيمان" الذي ينطوي على التصديق والثقة بالأشياء التي نأمل بها واليقين بأشياء لم نرها كما هو واضح في العقيدة المسيحية . والإيمان هو الثقة العميقة بمعتقد من المعتقدات لا سيما الأمر الروحاني الذي لا يمكن التأكد منه مادياً وينبغي تقبله وأن يكون المرء المؤمن على يقين من وجوده وصدقيته حتى لو لم يره أو يثبت لديه وجوده. هناك أسباب عديدة للتوحيد وانتقال الإنسان من تعدد الآلهة إلى إله واحد متعال لا تدركه الأبصار، فاطر السماوات والأرض، العالم القدير الخالق الخ.. حسبما أوردته صيغ القداسة الإسلامية كما في غيرها من الأديان السماوية؟ لماذا ظهرت الأديان التوحيدية في منطقة محددة واحدة هي الشرق الأوسط؟...وفي هذا المجال تجدر الإشارة إلى كتاب المحلل النفسي الشهير سيغموند فرويد " موسى والتوحيد" والذي عرض فيه أطروحة غريبة تقول أن موسى هو أمير مصري خرج من مصر مع أتباعه بعد فشل تجربة الفرعون المجدد والجريء أخناتون الذي فرض عبادة إله الشمس آتون فقط ونبذ باقي الإلهة وهي أول محاولة للتوحيد في العصر الفرعوني. ويتساءل المؤلف {ز فالح مهدي، هل يوجد توحيد قبل العهد القديم؟ ففي الألفية الثالثة قبل الميلاد كان النظام الديني والعقائدي قائماً على مفهوم تعدد الآلهة وتعدد اختصاصاتها لا سيما في الحضارة الرافدينية لكن محرري العهد القديم، أي من صاغوا التوراة والأسفار الخمسة لموسى في حقبة السبي البابلي تأثروا بها إلا أنهم ألغوا فكرة التعدد وتبنوا فكرة التوحيد وعبادة إله واحد خفي لا يرى هو أكبر وأقوى وأكثر عظمة من جميع الآلهة المعروفة آنذاك، وذلك للتغلب على إحباطاتهم النفسية. ولقد نجح كتاب العهد القديم في تأويل وتوظيف النصوص والأساطير والملاحم الرافدينية وعلى ٍرأسها ملحمة جلجامش بما يخدم هدفهم في عبادة الإله الواحد واختلقوا شخصية النبي نوح وعبادته للإله الأعلى الواحد القهار الذي غضب على البشر وقرر إبادتهم من خلال الطوفان وإنقاذه هو وعدد من أفراد عائلته وزوجين من كل الموجودات الحيوانية والنباتية لإعادة إعمار الأرض بالحياة الجديدة المبنية على عبادة الله الواحد وعدم الشرك به. فالرقم الطينية المكتشفة تقول بحدوث طوفان فعلاً وتروي قصته بعيداً عن القداسة الدينية التوراتية إلا أن اليهود عملوا على توظيفها دينياً ورمزياً وأسطورياً من أجل هدف محدد يقول أن مصير المشركين الهلاك ومصير المؤمنين الموحدين النجاة . ففي النص السومري أن الآلهة الشريرة قررت إغراق الأرض للتخلص من الإنسان وشروره وتحدياته للآلهة ومحو أثره من على وجه الأرض، إلا أن الآلهة الخيرة قررت إنقاذ أتونابشتم وزوجته من تلك الكارثة ومنحهما الخلود. وجهت الآلهة الخيرة تابعها المخلص الأمين أوتونابشتم ببناء سفينة أو فلك ضخم ووضع عائلته ومقتنياته وأقاربه وحيواناته الأليفة والبرية داخل الفلك والإبحار نحو يابسة جديدة بعد غرق الأرض التي يعيش فيها. حور كتاب التوراة النص واختزلوا الآلهة بإله واحد واستبدلوا أوتونابتشم بنوح وألغوا فكرة الخلود فالله الواحد هو الوحيد الخالد الذي لا يموت، وبذلك ولدت فكرة التوحيد وعبادة الإله الواحد التي كررته واتبعته الديانات التوحيدية الأخرى، المسيحية والإسلام فهم يعبدون نفس الإله ولكن بصفات وتعريفات وتسميات وسمات متباينة ومتغايرة.

يأخذنا الكاتب الدكتور فالح مهدي في رحلة شيقة في الفصل الثاني من كتابه القيم في قراءة خاصة ومعمقة وتحليلية للتوراة لاسيما الأسفار الخمسة وعلى رأسها سفر التكوين. ويسرد لنا قصة الخلق كما وردت بالنص في التوراة في سفر التكوين في الإصحاح الأول، ومن ثم يقارن النص بالنصوص الرافدينية حول نفس الموضوع، أي ما عرف بقصة الخلق البابلية والتي كتبت بقرون طويلة قبل الأسطورة التوراتية .

بنت الأساطير الرافدينية تصورها لعملية خلق الكون استناداً على العناصر المعروفة مثل العدم والظلام الدامس. وعندما قررت الآلهة خلق الكون أوكلت الأمر إلى مردوخ الذي غدا نتيجة لذلك سيد الآلهة ويقوم بشق تيامات، إلهة المياه الجوفية، إلى نصفين من القسم السفلي يصنع الأرض ومن القسم العلوي يصنع السماء ثم يواصل عملية خلق العناصر الأخرى كالنور والرياح وبناءاً على ذلك جاء خلق الإنسان حسب الأساطير الرافدينية القديمة بمزج الطين بدم أحد الآلهة الذي اقتصر دوره على ذلك فقط إلى آخر الأسطورة... ولم تكن عملية الخلق البابلية سهلة على شاكلة كن فيكون، بل كانت عملية شاقة وخطيرة خاض فيها الإله مردوخ معركة عنيفة سالت فيها دماء كثيرة انتهت بمقتل تيامات التي تمثل الظلام والفوضى وبمقتلها خرج النور إلى الوجود وأقيم النظام بديلاً للفوضى . كلتا العمليتين، الرافدينية والتوراتية لا تتفقان بالطبع مع قصة ظهور الكون المرئي في العلوم الحديثة إذ أن الأمر استغرق مليارات السنين حسب نظرية الانفجار العظيم البغ بانغ. وهناك قصة للطوفان في نص سومري يتحدث عن الآلهة نينتور وأنليا وخلقهما لذوي الرؤوس السوداء، أي السومريين، باعتبارهم الشعب الذي اختارته الآلهة يقابلهما في التوراة شخصان هما آدم ونوح.  

ثم يقوم الباحث الدكتور فالح مهدي بقراءة أنثروبولوجية ل "أدبا أو أدفا" السومري و"آدم" العبري أو التوراتي، فالأول خلقه الإله أيا ليحكم البشر وكان ملكاً على مدينة أريدو والثاني خلقه الله العبري أو التوراتي يهوه ليكون أب البشر كما وردت القصة في العهد القديم وتبنتها المسيحية والإسلام. يركز المؤلف على أوجه التشابه بين المصدرين أو النصين والشخصين لغوياً والتركيز على أهمية المكان وتعرضهما للاختبار وما لديهما من مشتركات سلوكية وصفات مشتركة والنتيجة التي توصل إليها الباحث هي أن قصة آدم عبارة عن مادة مركبة من مجموعة أساطير سابقة لنصها الوارد في العهد القديم . وبعد تقديم هذا العرض الوافي يلج الباحث مرة أخرى ليغوص تحليلياً في علاقة نوح التوراتي والطوفان الرافديني، حيث يأخذنا الدكتور فالح في رحلة ممتعة أخرى في أعماق الماضي الغارق في القدم وهو يحلل قصة الطوفان الرافدينية وطريقة العيش ونظام بناء المساكن والمشاحيف والقوارب التي ماتزال بعض ملامحها موجودة اليوم في أهوار الجنوب العراقي وطرق بناء السفن وهيكيليتها أو شكلها الهندسي وأحجامها والمواد المستخدمة في بنائها، ثم يقوم بالشيء ذاته وهو يشرح كيف رويت أسطورة الطوفان في العهد القديم وتفاصيلها ونوع الفلك الذي صنعه نوح، بغية المقارنة وإثبات الأصل والفرع بينهما حيث ثبت له أن التوراة أو العهد القديم هو الذي سرق نص الأسطورة وفكرتها من النصوص الرافدينية السابقة له. وفي سياق بحثه يركز الدكتور فالح على مسألة مهمة وهي أن قصة النبي موسى كما رويت في العهد القديم تشبه بحذافيرها قصة سرجون الأكدي التي تسبقها بقرون وكيف أن والدته وضعته في قفة من القصب مقيرة ورمته في الماء حيث حمله النهر إلى سقاء الماء الذي رباه كأنه إبنه حيث أحبته الآلهة عشتار وساعدته على تولي العرش، مثلما هو الحال في قصة موسى . ويفرد حيزاً لا بأس به ليقدم لنا قصة الطوفان السومري وهي الأقدم بين 3000-2800 قبل الميلاد، وتروي قصة طوفان حصل قبل ذلك التاريخ بزمن طويل في فترة ممعنة في القدم وتم تداولها شفهياً ثم ثبتت على الألواح الطينية بعد نشأة الكتابة وهي الأسطورة التي أقحمت في ملحمة جلجامش كما يقول الباحث مما وفر الدليل على وجود علاقة بين العهد القديم والثقافة البابلية، حسب استنتاجات العالم فنكيل، حيث صار ينظر للطوفان كموجة غضب سماوية سوداء مدمرة اكتسحت كل شيء في طريقها وسمحت للآلهة بإعادة صنع الحياة فوق الأرض على نحو أفضل. ومن ثم يشرع الباحث في إقامة مقارنة بين أسطورة نوح والأساطير الرافدينية، حيث يقول النص العبري أن الله قرر أن ينهي الحياة فوق الأرض، هكذا وبدون مقدمات، بسبب فساد الإنسان، ولكن ما هو الفساد الذي ارتكبه الإنسان حتى يستحق مثل هذا العقاب القاسي وهو الإبادة التامة من على سطح الأرض؟ لم يرد نص ديني مقدس، لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن، عن أسباب قرار الله في إحداث الطوفان وإغراق الأرض وما فيها عدا جماعة نوح وحيواناته. وعلمنا أن لنوح ثلاثة أبناء هم سام، الأصل في سلالة الساميين الذين منهم العرب والعبرانيين، وحام أبو الكنعانيين وبافث، ومن أبناء نوح انبثقت منهم شعوب الأرض الجديدة ما بعد الطوفان . وفجأة يصنع نوح من العنب نبيذاً لا ندري كيف تعلم ذلك، وهو ليس بالأمر السهل، ثم يسكر وينام عارياً، ثم يراه إبنه حام وهو عاري فيعاقب الله حام لأنه نظر إلى عورة أبيه، والحال أن الذي يجب أن يعاقب هو نوح وليس إبنه وردد القرآن نفس القصة بكافة حيثياتها التوراتية دون أن يغير فيها كثيراً رغم الارتباك البادي على النص العبري. أما في النصوص الرافدينية التي دونت قبل ألف عام من طوفان التوراة، فإن الطوفان حدث بناءاً على أوامر الإله انكي، ولم يكن السبب فساد الإنسان بل تعب وانزعاج الآلهة من ضجيج البشر، نوح ينفذ أمر الله بدون نقاش أو تردد بينما يعترض أتونابشتم للوهلة الأولى ويناقش إلهه أيا ويطالبه بإعلامه بأسباب قراره وماذا سيقول للناس في المدينة وكيف سيرد على تساؤلات الناس وشيوخهم ووجهائهم فيرد عليه إلهه " قل هكذا إني علمت إن انليل يبغضني فلا استطيع العيش في مدينتكم بعد الآن ولن أوجه وجهي إلى أرض انليل وأسكن فيها بل سأرد إلى ابسو وأعيش مع أيا ربي وعليكم سينزل وابلاً من المطر غزيراً. وفي ترجمة أخرى للنص الرافديني قام به العالم الفرنسي المتخصص بحضارات العراق القديمة بوتيرو يقول أوتونابشتم:" عندما فهمت ما طلب من توجهت إلى ربي أيا سائلاً: الأمر الذي كلفتني القيام به يا مولاي سأطبقه وسأنفذه، ولكن كيف سأواجه مدينتي، شعبي، والشيوخ؟ عندها فتح أيا فاه وتكلم موجهاً كلامه لي، أنا عبده:" ستقول لهم ياشيخي الفطن التالي: يلازمني الخوف من أن إنليل لا يودني كثيراً، لذا لن يطول بي المقام في مدينتكم ولن يبقى اثر لقدمي فوق إقليم إنليل بل سأهبط إلى الابشو وسأقيم برعاية مولاي أيا عندها سينزل عليكم إنليل مطراً غزيراً.

وبعد أسطورة سفر التكوين التي تناولت الخلق والتكوين وخلق الله للأرض والسماء في ستة أيام واستوائه على العرش كما جاء في العهد القديم والقرآن وتعامل مع الشخصيتين الأساسيتين وهما آدم ونوح. يركز الباحث الدكتور فالح مهدي فيما بعد على شخصيتي إبراهيم الذي عاش في حدود 1700 سنة قبل الميلاد، وموسى وسفر الخروج . مما لا ريب فيه أن ظاهرة النبوة كانت معروفة في الحضارات القديمة التي سبقت حقبة العبرانيين ولكن في نفس المنطقة تقريباً وهي فلسطين وسوريا والأناضول وبالطبع مصر والعراق. نقطة الإنطلاق في الإيمان التوحيدي والخروج من الشرك والتعددية تبدأ في النص العبراني من إبراهيم الذي تمرد على النمرود وحاول هذا الأخير حرقه وهو حي كما تقول النصوص الدينية التوحيدية ثم تأتي شخصية موسى لتكون هي الشخصية المركزية لجميع الأيديولوجيات التوحيدية فهو الذي طالب شعبه بعبادة إله واحد لكنه خاص ببني إسرائيل لذلك عرف العبرانيين بشعب الله المختار، ونفس المكانة يحتلها موسى في الديانات التوحيدية الثلاثة وهي اليهودية والمسيحية والإسلامية، ولقد تم التركيز عليه كثيراً في القرآن. خرج موسى من مصر إلى فلسطين لإنقاذ نفسه وأتباعه، وخرج عيسى من فلسطين إلى مصر لإنقاذ نفسه، وخرج محمد من مكة إلى المدينة لإنقاذ نفسه وأتباعه.

يعتبر سيغموند فرويد مصر هي مهد ديانة التوحيد في كتابه الشهير موسى والتوحيد. ويستند في ذلك إلى قصة الفرعون آخناتون 1353-1337، الذي فرض عباد إله الشمس آتون وإلغاء عبادة آمون إله القمر، والحال أن التوحيد اليهودي حدث بعد ثمانية قرون من وقع الحدث الأخناتوني كما يقول الدكتور فالح مهدي ، ومع ذلك فإن التوحيد العبري يعيد نفس طقوس ومراسيم وشعائر الملكية الفرعونية بل وحتى أيديولوجيتها باستناده للتوراة التي تعني الشريعة التي يجب اتباعها بعد أن انزل عليه الله محتويات الألواح العشرة، ولكن لا يوجد اثر لأخناتون في التوراة التي تعتبر العمود الفقري للعهد القديم رغم إنه شخصية تاريخية مشار إليها بوضوح في النصوص الفرعونية بينما لايوجد نص تاريخي مثبت عن وجود شخصية موسى تاريخياً فلا يوجد أي اثر لشخص اسمه موسى في النصوص الفرعونية والسجلات المصرية التي عرف بأنها تدون كل شيء . شكك الكاتب في مصداقية وصلاحية الأطروحة الفرويدية عن موسى لأنه لا يستند إلى أية قاعدة تاريخية صلدة و لا يمكن الأخذ بها في دراسات الدين المقارن، بل إن أسطورته مأخوذة من نصوص أسطورية بابلية تناولت ولادة سرجون الأكدي كما ذكرنا أعلاه، استلهمها اليهود السبايا في بابل وأقحموها في نصوص العهد القديم . يسرد المؤلف أسباب ميوله للأطروحة البابلية بدلاً من الأطروحة الفرويدية قائلاً :" ولد موسى ووضع في قفة وهو الأمر البعيد عن الأعراف المصرية بينما هو أمر معروف في الثقافة الرافدينية بشأن ولادة سرجون الأكدي، وإن نوع القفة أو الطوافة التي وضع فيها موسى لم يكن معروفاً في مصر وبعيد عن هندسة السفن في مصر خاصة وإنها قفة أو طوافة طليت بالزفت أو القير غير المتوفر و الذي لم يألفه المصريون ولم يلجأوا إليه في بناء سفنهم فكان القير أو الزفت يستورد من سوريا وفلسطين إذا دعت الحاجة إليه. أشار الكاتب إلى أن موسى ملتحي كما جاء في النص العبري وهو نمط من أنماط وأدب اللياقة والهندام والوقار لكنه بعيد كلياً عن الإتكيت المصري في حين كان ذلك معروفاً ومنتشراً في وادي الرافدين، حمل موسى ألواحاً دونت فوقها وصياه العشرة والحال إن المصريين لم يلجأوا البتة إلى ألواح الطين بل إلى ورق البردي. يقول النص العبري أن إبنة الفرعون كانت تستحم في نهر النيل في لحظة مرور القفة أو الطوافة التي يوجد فيها الطفل موسى والحال أن ذلك بعيد عن آداب المجتمع المصري وتقاليده، فإبنة الملك لا تستحم في ماء النهر بل في حمامات وأحواض خاصة فاخرة تعجز العين عن وصفها فهي أميرة وإبنة الفرعون الذي هو إله فوق الأرض فلا يمكنها أن تغتسل كباقي الناس في ماء النهر وأخيراً نسي كاتب النص العبري أن النيل في ذلك الوقت كان مليئاً بالتماسيح الخطرة .

من هنا يقول المؤلف أنه على المستوى التاريخي، لم يبدأ التوحيد عند اليهود مع موسى، فالاكتشافات المتعلقة بالنقوش وبالدراسات المعمقة للعهد القديم أكدت على نحو قاطع أن الدين اليهودي، في الألفية الأولى، لم يختلف عن أديان جيرانه. وإن لرب إسرائيل إسم متميز هو يهوه، أي ذلك الإسم الذي رفضت التلفظ به اليهودية المتأخرة، لأنه يشير إلى أنه جاء من ضمن عالم متعدد الآلهة فهو رب الأرباب. فالإسم للرب أو للإنسان، يراد له أن يفيد في التعريف بمن يحمل ذلك الإسم وتمييزه عن أقرانه. لذا فإسم " يهوه" وجد أصلاً لتمييز ذلك الرب عن بقية الآلهة. ففي أثناء تواجد مملكة إسرائيل ويهوذا، من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد، لم يكن يهوه إله اليهود الوحيد، بمعنى آخر أن التوحيد لم يرس دعائمه بعد عند العبرانيين. لقد اعتبر يهوه إله إسرائيل كما كان حال مردوخ إله البابليين، وكيموش إله المؤابين القريبين من يهود تلك الفترة. فاليهود والعبرانيين وغيرهم كثير، عبارة عن قبائل رحل سكنت شرق البحر الميت والصحراء السورية، ولكل قبيلة أو قوم إلهه الخاص به. لم يحتفى بيهوه كإله أعزب، إذ كانت له أنيسة، عبارة عن إلهة تشاركه حياته. ولقد أشارت العديد من الكتابات والشواهد الآثارية، إلى وجود اشيراح Asherah كإحدى الإلهات ضمن المجموعة التي يطلق عليها السامية الغربية هي التي كانت إلى جانب يهوه، وهناك دلائل لوجودها عند الأوغاريتيين، قدماء الفلسطينيين وعند سكان وادي الرافدين وبعض تلك الوثائق والنقوش تعود إلى القرن السابع والثامن قبل الميلاد والتي وردت فيها عبارة مثل :" أبارككم باسم يهوه الشاهد على ما أقول ورفيقته اشيراح " أو " أبارككم باسم يهوه رب السامرة وبإسم رفيقته اشيراح" .. وبالتالي كانت فكرة تمجيد وعبادة يهوه وحده قد حصلت بعد تطور طويل وصراع سياسي وأيديولوجي بين يهود الشمال الذين يعبدون بعل، ويهود الجنوب ممثلين بهذا الملك ولا يعبدون إلا يهوه، وكذلك كرد فعل ضد العنف الآشوري الذي يشترط الخضوع التام للملك الآشوري،كما جاء في كتاب " تحقيق حول الإله الواحد " الذي قدم له توماس رومر في سلسلة عالم الكتاب المقدس منشورات بايارد 2010 في باريس. ففي سفر التثنية هناك تأكيد على أن الرب الوحيد الجدير بالعبادة هو يهوه وليس الملك الآشوري وربه. والتشبث بعبادة إله واحد تم بعد السبي البابلي لليهود أي بعد حوالي ستة قرون قبل الميلاد. فهدم أورشليم لم يكن نتيجة لضعف يهوه بل بالعكس فلقد مكن يهوه البابليين في ذلك لمعاقبة " شعبه" الذي لم يطعه ولم يتعبد له وحده، ما يعني أن قوة يهوه وعظمته تشمل حتى أعداء شعبه الذين أعانهم وساعدهم على تحقيق السبي، ولقد استفاد علماء وفقهاء ومعلمي ورجال الدين اليهود على الأساطير العراقية القديمة التي اطلعوا واستفادوا منها في تحرير نصوص العهد القديم. لقد لعبت بابل دوراً جوهرياً في إخراج ذلك الكتاب المقدس من شكله البسيط ومنحته التعقيد الذي شهدته تلك الحضارة المتقدمة، فتضمن منهجية ونمط تفكير جديدين، ولقد انتبه كبار المختصين في دراسات العهد القديم إلى ذلك التأثير العظيم الذي وصل إلى حد النقل الحرفي الفج لنصوص رافدينية كما لاحظنا ذلك في قصة الخلق وملحمة الطوفان التي شكلت العمود الفقري للكتب أو الأسفار الخمسة الأولى للتوراة المنسوبة لموسى، كما جاء في بحث الدكتور فالح مهدي المهم السابق في كتابه " الخضوع السني والإحباط الشيعي، نقد العقل الدائري. فحتى نجمة داود السداسية اليهودية هي في الأصل نجمة بابلية. وفي الأجزاء الأولى من سفر التكوين، تم التعبير عن يهوه بأنه رب الكون وخالق كل شيء وسمي " الإلوهيم" وهي تعني الرب ولكن بصيغة الجمع أي الأرباب ولقد أكد محررو ذلك الجزء من أن كل آلهة الشعوب الأخرى ما هي إلا تعبير وتجسيم للإله الأوحد يهوه. واستمدوا من الزرادشتية فكرة الجنة والنار، والوعد بحياة أفضل بعد الموت، كما شاع لدى يهود السبي البابلي الذين حررهم فيما بعد الملك قورش الفارسي، في حين أن يهود مستعمرة الإلفانتين éléphantine المصرية كانوا يعبدون إلى جانب يهوه، إلهين آخرين هما آنات وأشيم بيتال، بما ينسجم مع المعتقدات المصرية المتمثلة بالثالوث،كما جاء في كتاب " تحقيق حول الإله الواحد المشار إليه أعلاه.

ثم ينهي الكاتب بحثه عن جذور الإله الواحد في عرض الصلوات والقرابين والشعائر التي قدمها البشر للإلهة على مر العصور وأهميتها النفسية والفلسفية بغية العثور على علاقة مباشرة مع الكائن الأعلى التي قد تؤثر في سلوك الله، ووضع الدين في خدمة الآيديولجيات، وإن المخيلة البشرية هي حجر الزاوية لحياكة القصص والأساطير وهي بديهية أنثروبولوجية قابلة للتعميم على كل أديان العالم فالأساطير والخرافات مادة تتكرر في كافة الأديان، خاصة تلك التي تتحدث عن المقدس والمسخ والوحوش الخرافية والشياطين والجن والعفاريت والأبطال الأسطوريين، وهي بالتالي نتاج للأوهام الفردية والجماعية حيث يتمتع الوهم الديني بديناميكية تتوافق وتنسجم مع نظامه المنطقي الداخلي الخاص به الذي يفرز له مدوناته ونصوصه الأسطورية والخرافية ويضفي عليها طابع القدسية، فالأديان برمتها ما هي إلا أنظمة إدارية للمقدس كما يقول الدكتور فالح مهدي . لا يتفق المؤلف الدكتور فالح مهدي مع أطروحة الباحث الفرنسي باسكال بويير في كتابه المهم " وخلق الإنسان الآلهة " الصادر عام 2003 والذي قرأته بإمعان ووجدته علمياً جاداً أتفق مع أغلب ما جاء فيه وبالذات لأنه أدخل معادلات علمية في الشأن الديني توصل من خلالها إلى أن الآلهة من ابتكار الإنسان بغية إعانته ومساندته في ما يواجهه من تحديات، فكل ذلك الابتكار الذهني البشري ناجم عن النشاط العقلي للإنسان الذي يعبر عن حاجته ومواجهته لألغاز وجوده، فالدين نشاط ذهني محض يدفع المرء لكي يفكر ويتأمل ويبحث عن إجابات للغز الكون المحيط به ولغز الموت المتربص به ولغز الأسئلة الوجودية التي تؤرق حياته . يتسرع الكاتب في القول أنه مع كل التقدم العلمي المذهل حقاً، فقد بقي أصل الكون لغزاً حقيقياً، ذلك إن الإنفجار الكبير، مما يطلق عليه البغ بانغ، لا يؤخذ به علمياً باعتباره ذاك الذي أنجب الكون. فالسؤال المتعلق بولادة الكون بعيد كل البعد عن إيجاد إجابات مقنعة لحل ذلك اللغز الذي يشكل إحدى أم التحديات أما علماء الطبيعة والفيزياء، ولكن لا ينبغي أن نتسرع في الحكم على أشياء ومواضيع نجهلها ولم نتعمق فيها كفاية فلا يكفي قراءة كتاب أو دراسة لكي نصل إلى هذا الاستنتاج التعسفي فهذا المجال واسع وغني رغم تعقيده وقدم الكثير من الإجابات في العقود الثلاثة المنصرمة ومنها أن نظرية الانفجار العظيم ثبتت علمياً ومختبرياً واتفق بشأنها كل الوسط العلمي تقريباً وتدرس اليوم في الجامعات والمدارس والمعاهد المتخصصة، فهذا مجال علمي دقيق لا ينبغي الخوض فيه على عجل وتسرع . لقد أثبت العلماء أن كافة الأشياء في الطبيعة، الحية وغير الحية كالجماد، ما هي إلا تراكمات تتزايد تعقيداً شيئاً فشيئاً من الجسيمات الأولية من الكواركات وما هو أدنى منها، المكونة بدورها للبروتونات والإلكترونات والفوتونات التي تتراكب وتجتمع في تركيبات مختلفة ومتنوعة لإنتاج جسيمات متعددة ذات وظائف محددة فالفوتونات على سبيل المثال ما هي إلا حبيبات للشحنة الكهربائية الموجبة بينما تكون الإلكترونات عبارة عن حبيبات الشحنة الكهربائية السالبة، والفوتونات هي جسيمات الضوء المرئي أو غير المرئي. إن ابسط تلك التركيبات المادية هي تركيبة ذرة الهيدروجين حيث أن ذرتها الأصغر كتلة من بين جميع العناصر الأخرى، تحتوي فقط على بروتون واحد وإلكترون واحد. ويدور الإلكترون بلا توقف حول البروتون كما يدور القمر حول الأرض ولكنه لا يدور بالضرورة حول محوره بنفس المسافة المدارية فيمكنه أن يبتعد عن البروتون المركزي للذرة طارداً جسيم أو أكثر من فوتونات الضوء ويمكنه أن يقترب ويبتلع جسيم أو أكثر من جسيمات الضوء الأولية أي الفوتونات. فالهيدروجين موجود، ليس فقط على الأرض بل في كل مكان في الكون المرئي. ومن الهيدروجين وتفاعلاته النووية ظهرت باقي العناصر في الكون، وتكونت الذرات والمجالات والحقول الكهرومغناطيسية وخلقت الحركة الدائمة الجاذبية أو الثقالة.

يتبع

 

د. جواد بشارة