ميثم الجنابيإن مأثرة عبد الحميد الزهراوي (1855-1916) الكبرى تقوم في دراما تجسيده الفعلي لحقيقة الفكرة السياسية التي تمثلها ومثلها وسعى لتأسيسها في الوعي الاجتماعي العربي الحديث. من هنا مفارقة دوره الفاعل في تأسيس الفكرة العربية (القومية) السياسية وصورته المغمورة في التاريخ العلني للعالم العربي الحديث. لكنها مفارقة تكشف بدورها عن أن الشخصيات الكبرى وأفكارها الحية عادة ما تذوب في مسار الحركة التاريخية وتتلاشى في أفق البدائل.

إن القيمة التاريخية والفكرية والثقافية لإبداع ونظرية الزهراوي بصدد الفكرة القومية تقوم في كونه أحد أكبر المفكرين الأوائل للفكرة القومية العربية وتأسيسها الفلسفي والسياسي والاجتماعي والثقافي.

فقد مثل عبد الحميد الزهراوي الحالة الحرجة لتوليف تيارات كان يصعب تأسيسها بمعايير المنهج الموحد آنذاك، وذلك لأن اغلب مكوناتها كانت تتسم بقدر كبير من التأمل والبحث والتجريب، والمقصود بذلك تيارات النهضة الأدبية والإصلاحية الإسلامية واليقظة القومية. وليس مصادفة أن نعثر فيه على ما يمكن دعوته بالصيغة الباردة لتوهج الفكرة السياسية الإصلاحية لمعاصره الكواكبي (1854-1902) وحرارة الفكرة السياسية القومية لنجيب عازوري. ووجد ذلك انعكاسه فيما يمكن دعوته بالصيغة المعتدلة والعميقة أيضا لتوحيد فكرة التربية السياسية وروح الجمعية (وليس الجماعة). وهذه بدورها ليست إلا الصيغة الذكية للفكر القومية السياسية. وليس مصادفة أن نعثر عليها مبثوثة في كل ما تناوله من قضايا، كما أنها تبرز في حصيلة استنتاجاته العملية الداعمة لتأسيس الفكرة القومية باعتبارها فكرة سياسية.

فقد تراكم تأسيس الفكرة العربية القومية بوصفها فكرة سياسية في مجرى توسع وتعمق وتنظيم الرؤية الواقعية والعقلانية والتاريخية والاجتماعية والسياسية تجاه مختلف القضايا وعند مختلف التيارات والشخصيات العربية التي سبقت الزهراوي على امتداد عقود عديدة من الزمن. وليس مصادفة فيما يبدو أن نعثر على صدى هذه الإحساس والإدراك العقلي والعقلاني الذي ميز كتابات ومواقف الزهراوي من القيمة التاريخية والروحية والسياسية والقومية للفكر النظري والمفكرين. إذ نراه يعير اهتمامه الكبير لدور من اسماهم برجال "الفكر والنوابغ الذي عليه مدار سلوك الأمة، بل مسالك الحياة الاجتماعية والسياسية". من هنا مناقشته لما اسماه بأسباب قلة آثارهم رغم كثرتهم، والتي حصرها في كل من التفرق حسب الجماعات، واختلاف مصادر المعلومات والفكر، بمعنى أن منهم من أستاذه الإنجليز، وآخر أستاذه الألمان، وثالث الفرنسيون، ورابع الأسلاف، وما إلى ذلك. الأمر الذي يضعهم في تضاد وصراعات وعدم قبول أحدهم بالآخر. بينما يشكل التقليد، وتمايز القابلية، وتغاير الإرادات، وتفاوت الأعمار، وتباعد الديار، وتباين المناهج، وصراع الأحزاب السياسية البقية الباقية من هذه الأسباب.

إننا نقف هنا أمام رؤية واقعية ومتفحصة ودقيقة للأسباب القائمة وراء مفارقة الظاهرة الفعلية والتاريخية لكثرة النخب وانعدام أو ضعف تأثيرها الفعلي. وفي الوقت نفسه تبرز ما يمكن دعوته بتناسب الأسباب وفكرة الأولوية. بمعنى إدراكه الحقيقة القائلة، بأن منظومة الأسباب الفاعلة في صعود الأمم وهبوطها لا تلغي مهمة إبراز الأولي من الثانوي، على العكس. أنها تفترض ذلك لما له من اثر جوهري بالنسبة للحلول العملية. وفيما لو انظرنا إلى ما وضعه الزهراوي بهذا الصدد، فإننا نقف أمام إبرازه لأولوية التفرق حسب الجماعات الذي يستدرج أو يفعّل البقية الباقية بالشكل الذي يجعل منها أسبابا إضافية للتخريب، مع أنها بحد ذاتها ليست أسبابا للتخريب، كما هو الحال بالنسبة لتنوع واختلاف "الأساتذة" و"مصادر العلوم والمعارف" وتغاير الإرادات وتفاوت الأعمار وتباين المناهج، أي كل تلك الأسباب التي يمكنها أن تفعّل المعرفة والوعي والإرادة والتنافس، ولكن في ظل تمسكها بفكرة الوحدة الكبرى، أي المرجعية الجامعة والعاصمة بالقدر ذاته لمسار الرؤية الواقعية والعقلانية. إذ لم تعن فكرة "التفرق حسب الجماعات" عند الزهراوي، بوصفها قوة مدمرة ومخربة سوى فكرة التفرقة المختلفة (وليس المتنوعة) ومن ثم انعدام ما سيطلق علية عبارة روح الجمعية، أي الروح القومية الاجتماعية الكبرى. فقد كان الزهراوي إلى جانب فكرة التنوع والاختلاف أيضا. لكنه وجد فيهما سببا يقف دون التطور السريع في ظروف التربية السياسية الضعيفة. ومن هنا أيضا استنتاجه القائل، بان مصادر العلوم العديدة والمختلفة لا تؤثر سلبا في حال استقلالهم بالتفكير. بعبارة أخرى، إن هشاشة الوعي السياسي وضعف فكرة الجمعية (أي الانتماء القومي الواضح والجلي بوصفه مرجعية جوهرية كبرى) وانتشار وهيمنة التقليد للقديم والجديد يجعل من المقدمات الشكلية للرقي المحتمل عوامل مخربة.

لم تكن هذه الرؤية واستنتاجاته العملية معزولة عما يمكن دعوته بالروح النقدي للزهراوي، أي الرؤية المنهجية التي حاولت أن تجعل من نقد النفس مقدمة العلم والعمل. وليس مصادفة أن يكون التيار العارم في فكره متشبعا بالحماسة النقدية، أي الرأي الشجاع أو الشجاعة المتروية. ومن الممكن العثور على ذلك في اغلب كتاباته وبنوعيتها أيضا، كما هو جلي في ربطها للعقل بالوجدان، والتاريخ بالمعاصرة، والحاضر بالمستقبل، أي كل ما كان يؤدي إلى تراكم ما يمكن دعوته بالرؤية الإستراتيجية تجاه إشكاليات الواقع والبدائل. في مقالاته العديدة إلى الشباب نراه يحاول البرهنة على ربط الاستقلال الفكري للشباب بالتعلم والعلم، باعتبارهما مكونات الشخصية الحرة والفاعلة. واعتبر الاستقلال الفكري معيار التمييز بين الحسن والقبيح في التاريخ والفكر على السواء. وفي الوقت نفسه نراه يشدد على ما اسماه بزمن الاستقلال الفكري وحدوده. بمعنى أن لكل فعل زمنه الخاص به وحدوده الفعلية. من هنا فكرته عن أن الاستقلال الفكري يتحدد ويرتبط أيضا بكيفية ومدى سبر تاريخ الماضي وتشريعاته ونتائجه وعلى مقدار معرفة الحاضر. ووضع هذه الحصيلة في استنتاجه عما اسماه بضرورة التعلم على أساس ترابط الأسئلة المتعلقة بماهية الأشياء ومكانها وكيفيتها، أي الإجابة على سؤال ماذا تتعلم وأين وكيف. وأجاب عليها بوضوح مباشر أيضا: تعلم العلوم كلها، في الجامعة والمدارس، وبالطريقة العلمية الصحيحة عبر تعميم الكتابة وتعلم العربية وتوسيعها.

وينطبق هذا على أسلوبه فيما كل ما تناوله من إشكاليات وقضايا ومشاريع. بمعنى تركيزه على جوهرية الرؤية النقدية بوصفها رؤية فاحصة ورزينة، عقلية وعقلانية من حيث تأسيسها النظري وأبعادها العملية وغايتها النهائية. لهذا نراه، على سبيل المثال، يقف بالضد مما اسماه "بالغيرة الدينية" التي حاولت تأجيج العداء بين الإسلام والنصرانية. إذ وجد في هذه الإثارة زمن الأزمات صفة مميزة لأولئك الذين ينسون تجارب التاريخ. وانطلق في فكرته هذه من أن الدين ليس سببا جوهريا في الصراع والغزو. وذلك لان الأمم جميعها  كانت غازية. إضافة إلى أن الغزو يجري، وكذلك الدفاع والخذلان وغيرها من الظواهر بين الأديان وبين أتباع الدين نفسه.

طبعا أن الزهراوي يدرك الأثر الفعلي والمحتمل للدين في إثارة الصراعات والخلاف، كما يدرك دوره في الصراع التاريخي بين عالم النصرانية  وعالم الإسلام، إلا انه سعى هنا لتأسيس أولوية الرؤية النقدية تجاه النفس من اجل تذليل إمكانية استغلال الدين بالشكل الذي يجعله أداة إضافية لتوسيع مدى الانحطاط والانغلاق. ولم تكن هذه الرؤية معزولة عن النقد غير المباشر لتاريخ الاستغلال السياسي للدين (الإسلامي) في توسيع مدى الاستبداد والانحطاط في عالم الإسلام نفسه. مع ما في هذه الرؤية من أبعاد سياسية قومية (عربية) دفينة. ومن الممكن رؤية هذه الأبعاد في فكرته القائلة، بأن "الدين ليس قوة في إثارة العصبية". ولا يمكن إغفال ما هذه الفكرة من خروج على مألوف التقاليد الإسلامية التاريخية والسائدة بالأخص في مراحل الانحطاط. لكنها كانت تحتوي في أعماقها على إبراز قيمة وأولوية الوعي السياسي الحديث وفكرة الجمعية (القومية). وذلك لأن الاتكال على الدين باعتباره مصدرا للعصبية كان يعني بالنسبة له البقاء ضمن حيز الضعف أو الانعدام الفعلي للتاريخ السياسي القومي الحديث. وبالتالي لم تعن فكرته عن أن "الدين ليس قوة في إثارة العصبية" سوى البحث عن "عصبية" جديدة تتجاوز "ضعف التربية السياسية". من هنا أيضا يمكن تتبع آراءه المتجانسة بهذا الصدد في مجرى تطبيقها على حالة الصراع الخشنة آنذاك بين "الشرق" و"الغرب"، أو عالم النصرانية وعالم الإسلام في تلك المرحلة.

فقد شدد الزهراوي على أن هجوم الغرب على الشرق "ليس هجوم دين على دين، وإنما هو هجوم قوة على ضعف، وعلم على جهل، وغنى على فقر". بعبارة أخرى، إننا نقف أمام وضوح في الرؤية تبحث عن سبب الخلل في النفس أولا وقبل كل شيء من خلال إرجاعه إلى أشكاله الجلية والواضحة والجوهرية أيضا، والتي وجدها في اختلاف بل وتناقض ثنائية القوة والضعف. ووجد ذلك تعبيره في نقده العام والدقيق لمقدمات ومظاهر الخلل والضعف الشامل للعالم العربي. إذ نراه ينتقد واقع التردي العربي في كافة الميادين والمستويات من خلال نقده لظاهرة غياب العمران، والاستيراد التام لكل شيء من الخارج، وانتشار الجهل، وسوء الإدارة، وانعدام الحرية. كما نراه ينتقد ظاهرة ما اسماه بانعدام الهيبة للرؤساء (العرب) بسبب خضوعهم للأستانة. وكذلك انعدام الأخلاق العامة الرادعة، والاهتمام بالمظاهر وانعدام الجوهر. ووضع كل ذلك وغيره في أساس موقفه من الغزو الأوربي للعالم العربي، باعتباره نتيجة لضعف النفس وقوة الآخرين. فعندما تناول، على سبيل المثال، قضية احتلال ايطاليا لليبيا، فإننا نراه يوجه نقده أولا وقبل كل شيء للنفس ثم للدولة (العثمانية) ثم للمجتمع الإسلامي، ثم للعرب (لفقدانهم جيشهم المستقل وأسطولهم..) ثم للحالة الاجتماعية (الأمراض..). من هنا نراه ينتقد بشدة أولئك الذين يردون كل أسباب الانحطاط إلى أوربا. بل ونراه يسعى بقوة للبرهنة على أن ماضي السلطة (العثمانية) وحاضرها يكشف عن عمق ومدى السفالة والرذيلة في الدولة والمجتمع على السواء، وإن الرذيلة فيه ومنه أولا وقبل كل شيء. ومن هنا استنتاجه الفكري والعملي الذي يكرر بمعايير المواقف السياسية ما سبق وأن توصلت إليه الفكرة الفلسفية عن مهمة معرفة النفس باعتبارها أولوية المعرفة. لكنه يضعها ضمن سياق التاريخ السياسي الحديث والحالة التي وصل إليها العالم العربي في ظل الهيمنة التركية والغزو الأوربي والضعف العرب الشامل. ووضع هذه الأولوية في استنتاجه القائل، بان من الضروري معرفة النفس أولا ثم معرفة الآخر. فهي المقدمة الوحيدة القادرة عل إدراك ومعرفة مقدمات وأسباب الضعف من اجل تلافيها. وذلك لان سيادة القوة على الحق نابع من اثر القوة، كما يقول الزهراوي. من هنا استنتاجه القائل، بان سبب الظلم ينبغي نسبه إلى النفس وليس إلى الغير. وأن مواجهة القوة ينبغي أن تكون بالقوة. وانه إذا كانت القوة هي التي تغتصب، فلم ولماذا وكيف نفتقدها. وجمع كل ذلك في فكرة جوهرية تقول، بان القوة نصير الحق، وأن القوة بالوحدة.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن فكرة "القوة بالوحدة" ترتبط أيضا بجوهرية فكرة الحرية والاستقلال والتقدم، من هنا يمكن رؤية الترابط العضوي بينهما على انه ترابط بين نقد الاستبداد العثماني والدعوة للاستقلال القومي. فمن الناحية الاجتماعية السياسية ليست فكرة الحرية والاستقلال والتقدم سوى مصدر وأسلوب القوة، وما يقابلها هو مصادر وأساليب الضعف. ومن هذه الفكرة كانت تتلألأ ملامح الفكرة الاجتماعية السياسية القومية، أي عندما أخذت هذه الفكرة تصبح رديفا أو موازية للفكرة القومية ومتغلغلة فيها. وليس مصادفة أن نراه يتساهل في نقد تأثير الدين (بوصفه مكونا ثقافيا) في الصراع "الشرقي – الغربي" (النصراني – الإسلامي)، مع انه كان كبير الفاعلية من حيث قدرته على التأليب ومن ثم تغطية المصالح أو تغليفها وتقديمها بالطريق القادرة على استقطاب القوى ومختلف مظاهر اللاعقلانية (من تضحية وما شابه ذلك). وينطبق هذا على كل ما تناوله في النقد من صيغ أيديولوجية يمكنها أن تحرف الوعي السياسي عن إدراك الأسباب الحقيقة والأولوية في البدائل.

إن  فكرة "القوة بالوحدة" التي قال بها عبد الحميد الزهراوي كانت وثيقة الارتباط بفكرة الحرية والاستقلال والتقدم. وهذه بدورها ليست الا الصيغة المعبرة عن نقد الاستبداد العثماني والدعوة للاستقلال القومي. فمن الناحية الاجتماعية السياسية ليست فكرة الحرية والاستقلال والتقدم سوى مصدر وأسلوب القوة، وما يقابلها هو مصادر وأساليب الضعف. ومن هذه الفكرة كانت تتلألأ ملامح الفكرة الاجتماعية السياسية القومية، أي عندما أخذت هذه الفكرة تصبح رديفا أو موازية للفكرة القومية ومتغلغلة فيها. وليس مصادفة أن نراه يتساهل في نقد تأثير الدين (بوصفه مكونا ثقافيا) في الصراع "الشرقي – الغربي" (النصراني – الإسلامي)، مع انه كان كبير الفاعلية من حيث قدرته على التأليب ومن ثم تغطية المصالح أو تغليفها وتقديمها بالطريق القادرة على استقطاب القوى ومختلف مظاهر اللاعقلانية (من تضحية وما شابه ذلك). وينطبق هذا على كل ما تناوله في النقد من صيغ أيديولوجية يمكنها أن تحرف الوعي السياسي عن إدراك الأسباب الحقيقة والأولوية في البدائل

حدد أسلوب الزهراوي هذا وحدة الرؤية الواقعية والعقلانية ومواقفه تجاه مختلف القضايا التي تناولها. بحيث يمكن رؤيتها في مواقفه من القضايا الفكرية الفلسفية والدينية والفقهية والروحية وغيرها. ففي سلسلة المقالات التي كتبها عن (التكاليف والعقول) حاول البرهنة فيها على أن ضرورة الالتزام بفكرة الحق في كل مسألة وإتباعه هي القاعدة، وليس الاعتماد على ما يقوله إنسان أي كان وعلى أي مذهب أو فرقة بعينها. كما نراه يرد على أولئك الذين قالوا بصعوبة فهم حقيقة القرآن، قائلا، بأن القرآن مفهوم معقول، وانه مشروح بأعمال النبي، وإن حكمة التكليف تقوم في تنوير عقولنا بمعرفة الله. وطبق هذا الأسلوب في موقفه من علاقة القرآن بالسنّة وعلاقة العادات والعبادات والمعاملات عندما أكد على أن القرآن والسنة ينطلقان ويعتمدان من مبدأ كون الحسن والضروري والنافع متوافق مع العقل والطبيعة. وضمن هذا السياق يمكن فهم فكرته عما اسماه بالتدين المتفلسف، أي التدين الذي يرتقي من حيث رؤيته وتأسيسه للفكرة والمواقف تجاه مختلف القضايا بقدر من التفلسف (العقلي والعقلاني) الهادي إلى إرساء أسس الاعتدال (العقلانية). من هنا فكرته عن أن حسنة هذا التدين المتفلسف تقوم في تأسيسه للتروي والتفكر، أي الاعتدال. لهذا نراه ينتقد الفكرة السائدة والواسعة الانتشار في التقاليد الدينية عن أن العقل يؤدي إلى الكفر. إذ وجد فيها أمرا مجافيا للعقل والدين والإيمان على السواء. بل نراه يتوصل إلى فكرة حادة ودقيقة وعقلانية بهذا الصدد تعارض وتناقض مع هذه الفكرة، كما في قوله بأن زعم البعض أن إتباع العقول يؤدي إلى الكفر هو مخالفة للحقيقة، وانه لا يؤدي إلى الكفر إلا عدم إتباع العقل.

وطبق موقفه هذا في مجرى تناوله قضايا الفقه وتراثه وحاضره ومستقبله وأهميته. إذ نراه يتناول بصورة نقدية تاريخ الفقه المدّون في تفريعات المعاملات والعبادات بشكل عام وحالة الجمود والتحجر الحالية بسبب ارتباطه بسلسلة الكتب والمدونات والقيل والقال وليس بالحياة والواقع ومتطلباتهما العملية. ووضع نقده المتنوع هذا في سلسلة تتكون من أربع حلقات هي أن زمن الفقهاء والفقه القديم ليس زماننا، وأن قول الرسول هو العمل بالرأي وما قالوه الفقهاء هو اجتهادهم وليس قول الله، وأن آراءهم المتضادة ليس لها من مبرر سوى منافعهم ومنافع السلطان، وأخيرا أن تعدد وتنوع المذاهب أدى إلى تفرقة المسلمين. ولم يكن هذا الموقف النقدي من الفقه والفقهاء معزولا عن التقاليد العقلانية النقدية العميقة في الفكر الإسلامي بشكل عام وعند الغزالي بشكل خاص. فقد كانت اغلب مواقفه النقدية تجاه الفقه والفقهاء مأخوذة من الغزالي. بمعنى تركيزه على أن الفقه الميت هو نتاج التقاليد المدرسية الميتة. من هنا دعوته للتجديد بالخروج من إطار الكتب إلى التجربة الفعلية للعالم المعاصر. وذلك لأن الفقه الحقيقي هو ليس معرفة غسل الفرج ومسح الخفين وما شابه ذلك. وطبق ذلك على موقفه من أصول الفقه من خلال تحديد مواقف ملموسة ودقيقه من القياس والإجماع والسنة والقرآن. إذ اعتبر القياس معقول مقبول وضروري، أما الإجماع، فلا إجماع فيه لأنه لم يحدث ولن يحدث ولا طابع ملزم فيه. أما السنّة فإنها أكثر تعقيدا، لهذا تفرق القوم بسببها، ولم يبق إلا القرآن فهو الحجة الكبرى الوحيدة. في حين وجد في اغلب ما كتب وأثير الجدل حوله في الفروع خزعبلات، لاسيما وأنها جميعا مبنية على الظنون، وبالتالي فهي غير ملزمة ولا مقدسة. بينما نراه ينتقد مختلف مظاهر البطالة والاعتماد على الآخرين في التصوف. ويقف إلى جانب المبدأ النظري والعملي القائل، بأن الزهد والنسك لا يمنعان العمل. وأن النبي محمد هو نموذج أمثل في الزهد والعمل. أما الغلو في التصوف فهو ابتعاد عن العقل والطبيعة والحق. فالكمال الإنساني مقرون بقانون الاعتدال. والكمال هو فضيلة، وكل الكاملون جامعون لخصال الاعتدال.

وإذا كانت بعض آراءه النقدية لا تخلو من شطط وعدم دقة في الموقف من الفقه والتصوف، فلأنها لم تكنن تسعى لتدقيق المفاهيم وأصولها ونتائجها ومظاهرها، بقدر ما كان يسعى إلى نقد الواقع المعاصر من أجل الخروج من حالة الفساد والخراب المادي والمعنوي الذي انحدر إليه العالم العربي في ظل سيطرة تقاليد الفقه والتصوف آنذاك، أي كل تلك الصيغة التي لازمت تحلل الدولة العثمانية واستشراء الجمود والاستبداد فيها. بعبارة أخرى، إننا نلحظ في نقده للجمود والتخلف والتقليد الوجه الآخر لنقد جمود وتخلف البنية السياسية للدولة العثمانية واستبدادها. ليس هذا الاستبداد سوى الوجه الآخر لاستبداد التقليد والنصوص الميتة وشخوصها المحنطة. من هنا موقفه من الاجتهاد واعتباره إياه المسألة الدينية الأهم والأنفع في مجال الإصلاح. وبالتالي لا يعتد بقول من يقول لا اجتهاد.

مما سبق يتضح، بأن الهاجس العميق في فكره النقدي العقلاني بهذا الصدد يقوم في إبراز جوهرية الوحدة المعقولة بمعايير الحياة الواقعية. من هنا يمكن فهم تشديده على جوهرية القرآن والعقل فقط في الأصول بوصفهما مصادر الوحدة الواقعية والممكنة، والنظر إلى كل ما له علاقة بفقه الجسد والروح بمعايير المنفعة ومتطلبات الحياة العصرية والعقل والطبيعة والحق. ومن ثم إشغال العقل فيها بوصفه أسلوب الاجتهاد الضروري. الأمر الذي حدد بدوره القوة الفعلية لنقديته العقلانية، وذلك لأنها كانت تجمع بقدر واحد استمداد طاقتها من رؤية باحثة عن الأسباب، وتوجيه يناسبها صوب التأسيس العملي السياسي لنتائجها. لهذا نراه، على سبيل المثال، يشدد على أن سبب تخلف العالم العربي يرجع إلى استخفاف الحكومات بالعقول في علم نظام الاجتماع.

ووجد هذا الأسلوب طريقه إلى كيفية تناوله لمختلف الإشكاليات الفكرية والسياسية الكبرى التي كانت تواجه الدولة العثمانية وموقع العالم العربي فيها. ففي موقفه من الحماسة المنتشرة آنذاك في الدولة العثمانية عن ضرورة إعلان الحرب على أوربا كلها نراه يحذر من أن ذلك مجرد طيش لأنه يؤدي إلى جعل العدو الواحد (الدولة الواحدة) أعداء عديدين. كما انه لا يمكن خوض الحرب ضدها وكل أسلحتنا (وليس الأسلحة فقط) منها. وبالتالي فان الحماسة وحدها لا تكفي ولا الشجاعة بهذا الصدد، بل حسن الرأي. وأخيرا، إن المحافظة على الحياة أفضل من الموت السريع.

وقد تكون مواقفه من العالم العربي وإدراك مصالحه الكامنة هي المجال والميدان الذي كانت تتراكم فيه هذه الرؤية النقدية الواقعية والعقلانية. إذ نقف أمام ظاهرة تغير مواقفه مع بقائها ضمن سياق الدفاع عن المصالح الكبرى والحيوية للعالم العربي. لهذا نراه يقف بالضد من أولئك الذين اعتبروا علاقة السلطنة بانجلترا خطأ سياسيا. بل نراه على العكس من ذلك يجد فيها حسنة انطلاقا من إدراكه لأفضلية انجلترا مقارنة بالدول الأوربية الأخرى. كما أن الصداقة معها سوف يضيق عليها إمكانية التدخل في شئون الدول والمناطق العربية. وبدون ذلك تتدخل بوصفها عدوا أيضا.

لم تكن هذه الرؤية الواقعية والعقلانية والنقدية معزولة عن أسسها الفلسفية، أي تلك الصيغة التي وجدت منفذها الجزئي والنسبي والعلني فيما أطلق عليه عبارة التدين المتفلسف، باعتباره أفضل التدين. ومن ثم يمكن اشتقاق عبارة الواقعية والعقلانية المتفلسفة منها، بوصفها الصيغة الضرورية لتأسيس الرؤية السياسية العملية بأبعادها الاجتماعية والقومية.

 بعبارة أخرى، إننا نعثر عند الزهراوي على صيغة أولية وجزئية، لكنها فاعلة بمعايير الرؤية السياسية عن وحدة العقلانية ومنظومة الرؤية. فعندما يتناول على سبيل المثال، مسالة الحب والكراهية، فإننا نقف أمام محاولة صياغة نظام للحب والكراهية على أساس فلسفي أخلاقي. ووضع ذلك في سلسلة الأسباب والبدائل تتكون من ستة عناصر وهي على التوالي:

ففي الاسباب وضع كل من

 

الشر- الأوهام الباطلة

الأوهام – الجهل

الجهل- قلة القراءة والكتابة

قلة القراءة – رداءة أصول التعليم

رداءة أصول التعليم بسبب التقليد الأعمى

التقليد هو اختلال شئون النفوس

 

اما البدائل فهي كل من

 

حب الحقائق

تنوير الأذهان

تكثير القراءة والتفقه بها

ضرورة الأصول النافعة في التعليم

ضرورة الفهم بالتفكر

ضرورة وصف العلاج لكي تشفي النفوس منها

 

 ووضع هذا الإدراك للسببية في فكرة البديل. بحيث يمكننا الحديث عن نظام رؤية يوحد في ذاته المتناقضات من اجل أحداث توازن في النفس عوضا عن اختلالها الدائم. وانطلق بذلك من المقدمة القائلة، بأن حياة الإنسان كنظام معروف بعد وجوده. فالحب هو اعتقاد خير راجع أو مناسب للنفس المحبة من الجهة المحبوبة. والبغض ضده. فهو اعتقاد شر راجع أو مناسب للنفس الباغضة من الجهة المبغوضة. الأمر الذي يجعل من الممكن إدخالهما في نظام. وان هذا النظام يبدأ بحب الذات، لأن الإنسان لا يحب في نهاية المطاف إلا ذاته. ومنه يمكن بناء نظام انطلاقا من أن حب الذات أصله طبيعي. مما يستلزم بدوره وجود حدّ (حقوق). من هنا ضرورة الحدود (القانون) لأن تجاوزها يؤدي إلى الشر. ولا يمكن الوقوف عند الحدود دون حب الآخرين (الغير). ولا يمكن حب الآخرين دون حب النفس. ورفع هذه المقدمة النظرية إلى مستوى التأسيس العقلاني للفكرة السياسية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الحب والبغض شيئان متضادان في الوجود (الإنسان). من هنا ضرورة الحدود (القانون) لان تجاوزها مضرة. وهو مصدر "الدفاع الذاتي" (من الانحلال الداخلي والعدو الخارجي). مما يستلزم بدوره محبة الآخرين كعلاج لإمكانية تجاوز الضرر. وهذا بدوره يستلزم التقيد بنظام المحبة الجامعة، أو الخير العام. وبالتالي فمتى كان الحب والبغض ناشئان من فكر سليم كانت السعادة. فالحب والبغض وجهان للخير والشر. الخير هو استعمال الإنسان ما خلق الله له من القوى والاستعداد لأجله استعمالا مشروعا (تابعا للشرع) يراعي فيه حق الغير، والشرّ ما هو ضد ذلك. ووضع هذه الفكرة في استنتاج اجتماعي وأخلاقي أوسع يقول، بأنه إذا كانت ذوات غيرنا مثل ذاتنا، فإن ذلك يستلزم أن نصلح لها ما يصلح لنا. وينطبق ذلك على كل ما له علاقة بالحياة والممات، أي بكل ما له علاقة بحاجات الفرد والجماعة بما في ذلك على مستوى الفكر والهواجس، بالألم والفرح، والخوف والرجاء. ثم رفع هذا الاستنتاج إلى مصاف التوظيف العملي من خلال إدراجه ضمن فكرة الإرادة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الإنسان العاقل يحب الحسن والاستحسان وبغض ضدهما. فالإنسان يحب الأشياء الجميلة، لكن حب الأشياء واستحسانها مرهون بالإرادة. وبالتالي، فإن جمال الإنسان يظهر بحبه أو استحسانه للجميل والخير. ووجد هذا الاستنتاج المتعلق بفكرة الإرادة طريقه إلى فكرة أخلاقية سياسية تؤسس للحرية والحق والاعتدال من خلال نقد حالة الجمود والاستبداد. إذ نراه يصور حالة الجمود بوصفها الصفة الملازمة لمعاصريه. وبالضد من ذلك كتب، بأنه إذا جرى تقرير أساس لبناء نظام الأخلاق والشريعة(القانون)، فإن الشيء الجوهري في الأخلاق هو ذم جمود النفس، وذم غلواءها، والدفاع عن الاعتدال. وهذا بدوره ليس إلا المقدمة التي تميز الإنسان عن غيره من الحيوان. فحب التمييز يميز سلوك الإنسان في كل شيء. لكن خصوصيته الكبرى تظهر في استخدام الفكر. فالحسن في حب التميز هو ارتقاء الحياة النوعية، بينما السيئ في حب التميز هو حرص النفوس على الاستبداد، أي الاستيلاء على حرية الغير.

إننا نقف هنا أمام لوحة فلسفية تغلّف الأبعاد السياسية لنقد الاستبداد، وتؤسس لفكرة الحرية والاستقلال الفردي والجمعي والقومي. وليس مصادفة أن يربط الزهراوي كل هذا التفلسف بفكرة القوة لما لها من أثر في صيرورة الأمم على امتداد التاريخ، وقيمة حيوية تامة في ظل الشروط الجديد لصيرورة الأمة القومية. إذ نراه ينطلق من تقرير الفكرة القائلة، بأن حب القوة طبيعية في الإنسان. ليس هذا فحسب، بل أنها أيضا لازمة من لوازم الكمال. فالقوة فاعل ومنبت في كل الموجودات الحسية والغيبية. ففي الحس هي قوة نفسية (ملكة)، وفي الغيبيات هي قوة غيبية (ملائكة). وبالتالي، فإن التقصير في طلبها هو مرض نفسي واجتماعي.

فقد قسم الزهراوي القوة تنقسم إلى قسمين، قوة طبيعة (جسد – عقل – قلب) وقوة صناعية (قومية – دينية – مدنية). وأن كمال القوة يجري من خلال تضافرها في روابط. بعبارة أخرى، إننا نقف هنا أمام محاولة تأسيس الفكرة الصناعية (الثقافية أو الحضارية) بوصفها استمرار ونفيا للمستوى الطبيعي. وفي الوقت نفسه النظر إليها باعتبارها ظاهرة تاريخية ملموسة. لهذا نراه يعتبر القوة القومية (رابطة القرابة) المرحلة الأولى، ثم تليها القوة الدينية ثم المدنية. فالقومية بالنسبة له ترتبط هنا بفكرة رابطة القرابة، بينما دينية برابطة الفكر والأفكار، أما المدنية فترتبط برابطة الأعمال لحب الزينة والتميز، أي للدولة المدنية والحضارة. وانطلق في تفسيره لهذه المراحل والمستويات من أن الرابطة القومية تنفع الإنسان، ولكنها لا تقضي على العداوة بينه وبين الآخرين. أنها رابطة بتراء، لأنها تجمع من جهة وتفرط من جهة أخرى. كما أنها لا تقر ولا تجّسد الحقيقة القائلة، بأن الإنسان واحد كيفما كان لونه ولسانه. ووضع هذه المقدمة في فكرة سياسية ثقافية عميقة مناهضة للإثنية البدائية التي عادة ما تميز الكثير من الحركات الجنسية (القومية الحديثة). وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه قد ترسخ في الوعي والذاكرة والتقاليد فكرة غير صحيحة تعتقد بأن الرابطة القومية رابطة طبيعية. بينما هي ليست كذلك. وتجارب التاريخ بما في ذلك الحديث تبرهن على ذلك. واستنتج من ذلك موقف عملي سياسي يقول بضرورة الوقوف ضد التعصب القومي لأنه ناقص. وبالأخص ذاك الذي يتميز بالإثم والعدوان.

أما الرابطة الدينية، بوصفها الدرجة الثانية، فانه عادة ما يجري التأسيس لها من قبل مصلحين ملهمين. كما أنها عادة ما تكون ردا على حالة الفساد والحطام والصراع. فكل امة تنتج مصلحيها. مما أدى ذلك إلى ظهور مصلحين تتوحد بأثر جهودهم شعوب ولغات. الأمر الذي جعل من هذه الوحدة (الرابطة) أقوى من أواصر الأبدان ووشائج الأوهام. وبما أن الذين أرادوا الإصلاح يتألف هداهم من توجيه النفس الإنسانية صوب عالم الغيب وتوفيق عواطف الإنسان، من هنا تعدد وتنوع الأديان بفعل تعدد وتنوع الأزمان. وبالتالي، فإن القوانين التي يجري سنّها، بأثر هذه المرحلة (أي قوانين الأديان والشرائع الدينية) عرضة للتغير. وذلك لأن ما كانت تقوم به من اجل تأليف القلوب في فترة ينقلب إلى ضده، كما أن ما قامت به لضرورة آنذاك قد لا تكون الآن ضرورة. وبالتالي، فإن الرموز التي أخذت في وقتها على ظاهرها كما هي عادة ما يجري تطويعها بشكل آخر. كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بأن الظروف تتغير ويتغير معها كل شيء. وأن الثابت الحق هو الفطرة، كما يقول الزهراوي1 .

 أما الرابطة المدنية، فإنها مبنية على أساس القاعدة القائلة، بأن الناس في حاجة أثناء اجتماعهم إلى ناموس فطري أو تعليمي. وتتميز هذه الرابطة بأثر التطور الاجتماعي الحديث بسيادة النظام والناموس والقانون والشريعة والمنهاج. فالمدنية هي التعاون في العلوم والأعمال. وأن علمها الأساسي، أي علم أسباب المدنية هو طب الاجتماع. وأن من يعمل بهذا الطب هو السياسي. وذلك لأن المدنية رابطة سياسية. والمدنية فعل لا يتناهى، يعمرها سياسيون ويبيدها سياسيون. وأن التاريخ يكشف ويبرهن على انه لا أمة متمدنة رأسا، بل في تدرج.

ووضع كل هذه المقدمة النظرية في أساس موقفه السياسي العملي من حالة الدولة العثمانية والعالم العربي فيها. فقد انطلق هنا من مقارنة المدنية وضياعها في أوربا وآسيا. واعتبر الفرق بينهما (زمنه) محكوم ببناء وضياع المدنية. وجعل من الاستبداد والحرية أقطابا وأضدادا لهذه الحالة. بمعنى انه ربط صعود المدنية بإزالة الاستبداد، ومن ثم بناء الحرية ونشر التعليم. لهذا نراه يتوصل إلى أن المدنية بالنسبة للعالم العربي (زمنه) تقوم في كل من محاربة الاستبداد وحب الوطن بالأعمال والخير العام، ومحاربة التقليد، والعمل من اجل الوحدة. أما الحصيلة الدقيقة لكل هذه المكونات فيقوم في استنتاجه القائل بضرورة ربطها بفكرة عامة. من هنا قوله بضرورة تحديد السياسة بقانون عام، والعمل من اجل بناء نظام عام ووطن عام وقوة عامة. وقد كانت تلك إحدى أعمق الأفكار النظرية السياسية العملية في تأسيسها للفكرة القومية العربية آنذاك.

***

ا. د. ميثم الجنابي

...................

1- وضمن هذا السياق ينبغي فهم الفكرة التي قالها الزهراوي عن أن الدين الكبير الحق يوّحد الناس بغض النظر عن الصور واللون والجنس ويقاربهم في القلوب ويهذب الأخلاق والنفس، لا تستمد فحواها من تقاليد الفكرة الدينية القديمة، بقدر ما تستمد حقيقتها من رمزية العبارة الداعية إلى تجاوز الطابع المطلق للفكرة الدينية عبر إرجاعها إلى أصولها التاريخية، ومن ثم النظر إلى الحاضر بمعايير الحاضر. ووجدها في الفكرة القومية الحديثة المتحررة من الإثم والعدوان.

 

مجدي ابراهيميظهر لي أن مسألة المفاضلة بين الولاية والنبوة في التفكير الإسلامي مسألة مفتعلة لا أساس لها من الصحة ولا صحة لها عندي من أساس مقبول، تكاد تكون أكذوبة ملفقة ظهرت في أوان الضعف الفكري وصراع العقائد والاتجاهات المذهبية التي تخدمها أمّا بالتأييد أو بالرفض، ولا يكاد المتأمل فيها على البديهة أن يقف على قناعة تعطيه تبريراً للقول بتفصيل الولاية على النبوة في بحوث الأقدمين من ذوي النزعات الصوفية.

ولا يمكن أن يكون الولي أفضل ولا أكمل من النبي، ولكي نحيط القارئ علماً بمسألة الولاية وما يتفرّع عنها من كرامات الأولياء، ونحيطه بالمسائل الشائكة التي لصَقت بالتصوف لصقاً وهو منها براء؛ بشأن المفاضلة بين الأولياء والأنبياء والملائكة، يجدر بنا الوقوف عند هذه المسائل وقفة نقدية طويلة؛ لنتتبّع أسباب ظهورها ومواطن الرأي فيها في التفكير الإسلامي؛ فلم يسمْ الولي وليّاً إلا لنصرة دينه والعناية بحقه وامتثال أوامره وترك نواهيه، فإذا خرق الله له عادة تدل على استقامته فهى عضد وعمدة؛ لصحة دعوى النبيّ الذي أمره ونهاه وامتثل هو ما حدّ له ولم يتعداه.

ومن أجل هذا؛ قال القشيري في شأن الكرامات، وهو باب طويل في أبواب الرسالة :"هذه الكرامات لاحقة بمعجزات نبينا صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنَّ كل من ليس بصادق في الإسلام لا تظهر عليه الكرامة. وكل نبيّ ظهرت كرامته على يد واحد من أمته؛ فهى معدودة من جملة معجزاته؛ إذْ لو لم يكن الرسول صادقاً، لم تظهر على يد من تابعه الكرامة.

فأمّا رتبة الأولياء فلا تبلغ رتبة الأنبياء عليهم السلام؛ للإجماع المنعقد عليه. ومن المؤكد أن هذا الرأي هو إجماع صوفية أهل السنة ورجال التصوف السُّنيِّ قاطبة بغير خلاف؛ فالهجويري، كما سيأتي تفصيله، يتابع القشيري، ويكاد يردد قوله حرفاً ومعنى، حين يرى أن تأييد الأولياء الدائم للنبيّ يستقى ممّا يظهره الله على أيديهم من كرامات وما يجريه لهم من منازل السعداء، تحمل الناس على إجلالهم وتعظيمهم بمقدار ما تحملهم على إجلال وتعظيم صاحب الشرع الذي يتبعونه ويوالونه المحبة متابعةً وتعظيماً لقدره، ومصافاة.

وهذا أبو يزيد البسطامي سُئل عن هذه المسألة فقال :"مَثَلُ ما حَصَلَ للأنبياء عليهم السلام كمثل زِقِّ فيه عسل ترشح منه قطرة، فتلك القطرة مثل ما لجميع الأولياء، وما في الظرف مثل لنبينا صلوات الله عليه ".

ويستدل من إشارة أبي يزيد على ضعف الرأي الذي يقول بمفاضلة الأولياء على الأنبياء، بل وكذبه وفجاجة القول به، وهى مفاضلة ولا شك كما قلنا تُلصق لصقاً في الغالب بالصوفية؛ كونهم لا يتحرّجون من هذه المفاضلة ولا يرون فيها قدحاً في مقام النبوة. وقد ساق المرحوم الدكتور أبو العلا عفيفي في كتابه "التصوف الثورة الروحية في الإسلام"، هذه المسألة مساقاً لا نوافقه عليه؛ إذ ربما يخرجها عن قصدها المعتدل ويلقي بها في زوايا الاهمال العلمي رغم تتبعه طيّب الله ثراه للفكرة في مظانها الرئيسية ولهذا قال : وقد ظهرت المفاضلة بين الإنسان والملائكة في الفكر الإسلامي عموماً وفي الفكر الصوفي بوجه خاص، وكان مبعثها من غير شك ما وَرَدَ في القرآن من قصة آدم ومطالبة الله الملائكة بالسجود له.

والقرآن صريح في أن "الإنسان" الذي أختاره الله خليفة في أرضه وأسجد الملائكة تعظيماً له، أفضلُ من الملائكة بما أودع الله فيه من الصفات وما عليه من الأسماء :

قال تعالى :"وإذْ قالَ ربُّكَ للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة" وهو آدم، وقال :"وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إنْ كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلَّا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم".

وليست هذه "الأسماء" إلا الصفات التي أودعها الله آدم وذريته. ولم يودعها كلها بل أودع بعضها في الملائكة. ولهذا كانت طبيعة الإنسان أكمل وأتم، ومرتبته في سُلم الوجود أعلى من طبيعة الملائكة؛ لأن فيه نزعات الخير التي يتمثل فيها الجمال الإلهي، بمقدار ما فيه كذلك نزعات الشر التي يتجلى فيها الجلال الإلهي، في حين أن الملائكة ليس فيهم من هذه الأخيرة شيء؛ فهم مجبولون على الطاعة والعبادة لا تجد المعصية إليهم سبيلاً؛ لأنهم لم تتهيأ لهم أسبابها. أمّا الإنسان فبذور الشر والمعصية أصيلة في جبلته، فإذا غالب شهوته وهواه وكبح جماح نفسه ومناه، وانتهى به الأمر إلى الطاعة، كان أفضل من الملائكة. ومن يكسب النصر في ساحات القتال خيرٌ ممن يمنح النصر منحاً. وإذا كان الإنسان من حيث هو إنسان أفضل من الملائكة، كان الأنبياء أفضل منهم من باب أولى؛ لأن الأنبياء خاصَّة البشر. كان هذا هو رأي أهل السُّنة وجميع مشايخ الصوفية.

أمّا المعتزلة؛ فالملائكة عندهم أفضل؛ لأنهم في نظرهم أعلى درجة وألطف طبيعة وأكثر طاعة. ولكن هذه الصفات ليست الصفات التي تقع بها المفاضلة، وإلا لكان إبليس وكانت له هذه الصفات جميعها أفضل خلق الله، مع أن الكل مجمع على لعنته بشهادة الله.

فمسألة المفاضلة بين الأولياء والأنبياء إذن سابقة في الفكر الإسلامي، ولم تكن حديثة عهد بظهور شخصيات صوفية بعينها، ولكنها جرت في الأوساط الفكرية إذْ ذَاَكَ لأفضلية الإنسان الذي أختاره الله خليفة في أرضه وأسجد له ملائكته تعظيماً له وتكريماً على الملائكة المجبولين للعبادة الموقوفين عليها في غير اختيار بين الخير والشر أو بين الهدى والضلال.

ويقول الدكتور أبو العلا عفيفي :" وظهرت مسألة المفاضلة بين الأنبياء والأولياء في التصوف، وكان أول من أثارها متصوفة الإمامية بالكوفة (رياح وكليب) من زهاد الزنادقة ثم ظهرت بعد ذلك من كلام متصوفة الشام كأبي سليمان الداراني المتوفى سنة 215هـ وأحمد ابن الحواري المتوفى سنة 230هـ. وكل هؤلاء يذهبون إلى تفضيل الأولياء على الأنبياء جملة. ولا شك أن هذا القول فيه غلوّ من جانب المرحوم الدكتور عفيفي؛ لأن كلاً من هاتين الشخصيتين اعتمدت من شخصيات الرسالة القشيرية، ولهما أقوال معتدلة، فكيف بتفضيل الأولياء على الأنبياء؟ ويمكن الرجوع إلى أقوال أبي سلمان الداراني، في الصفحات التالية: 368،378،458،481، 61،62,68،73,209،214،241،254،277،280،286،294،30453،343،344.

54٤. وأيضاً : لأقوال أحمد بن أبي الحواري ص 61، 62،68.

ثم يقول الدكتور عفيفي أيضاً : وكذلك يذهب هذا المذهب محمد بن على الحكيم الترمذي الذي يستشهد بالحديث القائل :" إن لله أولياء ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء".

ومع تقديرنا الشديد لجهود أستاذنا المرحوم الدكتور أبو العلا عفيفي؛ فإنّا لا نستطيع موافقته على قوله بأن أبا سليمان الداراني وأحمد ابن أبي الحواري كانا يقولان بتفضيل الأولياء على الأنبياء بوجه من الوجوه، لا لشيء إلا لأنهما كانا من رجال "الرسالة القشيرية"، وفضيلتها الاعتدال والمضيُّ قدماً على خُطىَ الشريعة؛ فلو كانا يقولان بمثل هذا التفضيل لما تركهما القشيري، وهو صوفي سنيُّ معتدل، بغير نقد أو اعتراض، ولكنه نقل عنهما أقوالهما وعزَّز رسالته في باب الولاية وغيرها من أبواب بما يقولان. أمّا الحكيم الترمذي فلم يعرف عنه مطلقاً أنه كان يرى تفضيل الولاية على النبوة ولا الأولياء على الأنبياء، ولم يكشف كتابه "ختم الأولياء" عن هذه النزعة فيه إلا أن يكون التفضيل للولاية من حيث هى مقام في النبوة، لا مطلق التفضيل كما هو الحال عند ابن عربي .

وإنّا لنأخذ على أستاذنا المرحوم عفيفي كذلك، متابعته في غير فحص ولا تحقيق لهذه الجزئية، للتوجهات السلفية فيما يتصل برياح وكليب؛ فإنَّ أول من أطلق هذا اللقب الجائر على الصوفية الأوائل : "زهاد الزنادقة" أو "الزنادقة الزهاد"، هو عبد الرحمن الملطي (ت 377هـ) في كتابه "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع" وهو أقدم مؤرخ للعقائد، حشوي غارق في الحشوية. كان أولُّ من أطلق الزندقة على تلك التوجهات الروحية في الإسلام، وتابعه في هذا الاتجاه السلفي المناقض للصوفية ابن الجوزي البغدادي (ت 597هـ) ثم الفقيه الحنبلي المتشدّد ابن تيمية (ت 728هـ).

ولم يكن "الملطي" صاحب "التنبيه" مؤرخاً دقيقاً للحياة الفكرية والروحيّة في الإسلام، وكتابه خليط مشوَّه من الحقائق والأكاذيب والتخريجات الصحيحة والفاسدة. أمّا أبو المهاجر رياح بن عمرو القيسي (ت177هـ) فهو بصري زاهد، تلميذ الحسن البصري، متأله، كبير القدر كما وصفه الذهبي، كان يعيش في حزن دائم وهمِّ مقيم، وكان من الخائفين، ومن البكائيين. ومن لمحاته الصوفية : أنه كان دائماً ما يفتش عن "نور الحكمة"، فكان يقول :"كما لا تنظر الأبصار إلى شعاع الشمس، كذلك لا تنظر قلوب محبي الدنيا إلى نور الحكمة أبداً".

وإنما يقصد بنور الحكمة :"تنقية القلب من حبِّ الدنيا، حتى يمتلأ بذكر الله". ويفسّرها قوله :" عجبت للخليقة كيف أنست بسواك، بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك"؛ فنور الحكمة المقصود هنا : امتلاء القلب بذكر الله بحيث لا يأنس بغير الله.

ولكن "الملطي" يذكر (رياحاً وكليباً) في صنف من الروحانية أو الفكرية المنتمين إلى الزندقة. يؤمنون "بالخلة" وهى نوع من المحبة مستمدة من قصة إبراهيم "خليل الله". ويرى "الملطي" أن هذه الخلة انتهت بهم إلى نوع من الإباحية، فإذا تمت الخلة، ارتفعت التكاليف وأُحِل للخليل ما في مُلك خليله، وهو تخريج هزيل مقلوب، يدل على عقلية ضعيفة متحجرة لا تنجم عن أفق واسع ولا تأويل قريب .

ولم يقف وصف "الملطي" عند هذا الحد، على (رياح وكليب) بل طال رابعة العدوية (185هـ) فجعلها ممّن أباحت نفسها لجليسها كما كانت تقول، وفسّر الإباحة تفسيراً مادياً خبيثاً. غير أن هذه النظرة التي تبناها "الملطي" ودافع عنها هى ولا شك نظرة متطرفة شديدة الإيغال في التخريج المتعسف بل وفي الأكاذيب الشنيعة، وليس لها أساس من الصحة، ولا صحة لها عندي من أساس مقبول؛ فلم يعرف عن رياح ولا عن كليب ولا حتى عن رابعة تلك الإباحية التي ينسبها "الملطي" إلى هؤلاء الزهاد الأوُّل. ولم يكن رياح ولا كليب ممّن يدعوان إلى نبذ التكاليف، فكيف يدعوان إلى تفضيل الولاية على النبوة أو الأولياء على الأنبياء؟

وإنما كان الأول، وهو تلميذ الحسن البصري، غارقاً في الأحزان والآلام والدموع. وكان الثاني (كليب) وهو - كلاب بن جري - على نفس المنهج لا يخالفه ولا يخرج عنه : قد اختلط عنده، كما وصفه أبو نعيم صاحب "حلية الأولياء"، "شدّة الخوف وطرب الشوق". ولم يقدح حزنه وآلامه في سمو روحه وصحة تعاليمه. وكان كما يظهر في مواقفه مع أصحابه من الخائفين : يبكون خوفاً من النيران، شديد الخوف بكّاءً، يطرب شوقاً لمحبة الله ولقائه (را : أبو نعيم : حلية الأولياء : جـ 6، ص 193. وأيضاً د. على سامي النشار : نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ؛ جـ 3 ؛ ص 257 وما بعدها).

كان لابد من تلك "الوقفة النقدية" إزاء ما جاء منها متعلقاً بسهوات الدكتور أبي العلا عفيفي رحمه الله؛ فلئن كنا غيورين على تراث الصوفية ندفع عنهم الظلم الظاهر وسوء التخريج، فلا شك أننا أغير الغيورين على تراث أستاذنا الجليل المرحوم الدكتور أبي العلا عفيفي، طيَّب الله ثراه، من أن تصيبه سهوات هو أعلى منزلة منها وأرفع قدراً في تقديرنا، فما زلنا في هذا الصدد نتابع تخريجاته لمسألة المفاضلة بين الأولياء والأنبياء هذه؛ لنراه يمضي في حديثه العذب سواء في التصوف عموماً أو في موقف ابن عربي من الولاية.

وبما أن أهل السنة يجمعون على تفضيل الأنبياء على الأولياء، ويرون أن الولاية امتدادٌ للنبوة وتأييد دائم لها؛ فلأن النبوة انقطعت بموت النبيّ، والولاية لا تنقطع. فالأولياء هم خلفاء النبيّ وورثته الروحيون الذين يحملون الشعلة المقدَّسة من بعده. وفي هذا يقول الهجويري :" وقد أراد الله أن يظل برهان النبوة قائماً إلى يومنا هذا؛ فجعل الأولياء وسيلة لإظهار هذا البرهان لكي يستقر الحق به، وتظل حقيقة نبوة النبيِّ ظاهرة". أما تأييدهم الدائم للنبي، ففيما يظهره الله على أيديهم من الكرامات التي تمكن لهم في نفوس الخلق وتحمل الناس على إجلالهم وتعظيمهم، وبالتالي على إجلال وتعظيم صاحب الشرع الذي يتبعونه؛ فالناس بعد النبي ليسوا بحاجة إلى نبي جديد، ولا إلى معجزة جديدة، تظهر على يد نبيّ، ولكنهم بحاجة إلى أولياء كاملي الإيمان مؤيدين بتأييد الله يُذكّرون الناس برسالة النبيّ إذا نسوها أو قصروا في إتباعها.

وليس من شك أن رأي الهجويري هذا هو نفس رأي القشيري الذي سبق وأوردناه في صحة متابعة الشارع وتعظيمه خلال ما يجريه الله على أيدي تابعيه من كرامات لاحقة بمعجزات النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وكذلك، أجمع جمهور الصوفية من أهل السنة على تفضيل الأنبياء على الأولياء، وعلى أن الولاية بداية النبوة، وعارضهم في ذلك مجسمة خرسان الذين ادّعوا أن الأولياء يصلون إلى حالة يفنون فيها عن أنفسهم ويبقون بالله، ويسمون هذه الحال بالولاية، وهى ليست حالاً للأنبياء. وكذلك المشبَّهة الذين زعموا أن في الولاية اتصافاً بأوصاف الألوهية عن طريق الحلول وما شاكله، وفي هؤلاء وأولئك يشير الهجويري - كما يرى أستاذنا الدكتور عفيفي - إلى تفضيل الأنبياء على الأولياء، ويقول :" وهذا هو رأي أهل السنة من الصوفية، ولكن يعارضه الحشوية من أهل خرسان الذين يتكلمون كلاماً مناقضاً في التوحيد، والذين لا يعلمون مبادئ الصوفية، ويدعون أنهم من أوليائهم. نعم! هم أولياء، ولكنهم أولياء الشيطان. يقولون إن الأولياء أفضلُ من الأنبياء، ويكفي في إبطال مذهبهم أن يقولوا : إن جاهلاً من الجاهلين أفضل من محمد المحتار. ويرى هذا الرأي أيضاً المشبَّهة الذين يدَّعُون أنهم صوفية ويقولون بالحلول ونزول الله إلى جسم العبد (را : الهجويري : كشف المحجوب ؛ ص 235؛ وأيضاً : أبو العلاء عفيفي : التصوف .. الثورة الروحية؛ ص 306، 307)

ويحاول الهجويري أن يثبت أفضلية الأنبياء على الأولياء بدليلين : أحدهما عقلي والآخر صوفي. أما العقلي فهو أن الأولياء أتباعُ للأنبياء، والأتباع أدنى منزلة من المتبوع، فلا يمكن أن يكون أفضل منه. وأما الدليل الصوفي فهو أن الأولياء على سفر إلى الله. أما الأنبياء فواصلون إلى الله منذ البداية. وصلوا إليه ثم عادوا برسالاتهم لدعوة الناس وتعليمهم. والواصل إلى نهاية الطريق أفضل من السالك الذي لا يزال يسير فيه حتى نهايته. ألا ترى أن "المشاهدة" أول درجات الأنبياء وهى آخر درجات الأولياء : فإنه إذا وصَلَ الولي إلى مقام الجمع استغرق في محبة الله واشتغل قلبه بمشاهدة فعل الله بحيث لا يرى في الوجود غيره. يقول أبو على الروذباري :"لو سقط عن الأولياء مشاهدة معبودهم لسقط عنهم وصف العبودية". ولكن هذه حال الأنبياء على الدوام سواء أكانوا في البدء أم في النهاية.

فإبراهيم عليه السلام في بداية حاله لما رأى القمر بازعاً قال هذا ربي ثم لما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي، هذا أكبر (الأنعام : 78)، لأن الحقيقة كانت غالبة على قلبه فلم ير شيئاً آخر سوى الله، أو لم ير شيئاً آخر بعين الغيرية، بل رأى ما رأى بعين الجمع. وهكذا يجعل الهجويري من الأنبياء صوفية من طراز غير طراز أولياء الصوفية. يجعل منهم صوفية واصلين إلى الله منذ بداية أمرهم، مشاهدين له في كل شيء بمحض طبيعتهم. أما أولياء الصوفية؛ فهم سالكون لا يزالون يشقون طريقهم إلى الله ويطلبون مشاهدته والوصول إليه. وليس السالك في الطريق كمن وصل إلى نهايته.

وهكذا يجعل الدكتور عفيفي من الهجويري لسان حال أهل السنة المعبر عنهم في هذا الموضوع ويتخذه شاهداً على صحة ما يقولون. ومن هنا، كان الأنبياء أفضل من الأولياء. وهذه الأفضلية أفضلية مطلقة لا يمكن أن تكون غير ذلك بوجه من الوجوه. ولا يمكن أن ينسب أحد إلى الصوفية قولهم بتفصيل الولاية على النبوة إلا أن يكون مدعياً عليهم ملفقاً لأقوالهم، وعليه من بعدُ وز الادعاء والتلفيق. أما المعتزلة فينكرون فكرة المفاضلة من أساسها، ويقولون لا مؤمن أفضل من مؤمن، والإيمان هو الأساس الجامع بين المؤمنين بل هم ينكرون الولاية نفسها ويقولون إنِّ المؤمنين أولياء الله لو كانوا مؤمنين حقاً، ولو كانت الولاية تقتضي الكرامة لأعطيت الكرامة لكل مؤمن؛ لأن الإيمان هو الأصل، والكرامة فرع عنه. والمشاركة في الأصل تقتضي المشاركة في الفرع.

 

د. مجدي ابراهيم

 

قراءة في مطلع سورة النساء

إذا فهمنا أنّ التقوى هي صيانة النفس؛ فإنّ آلة الصيانة الأولى هي المعرفة، أيعقلُ أن يطلبَ منا صيانة اجتماعنا الإنسانيّ تأسيساً على معرفةٍ أقلُّ ما يقالُ فيها إنها مشبوهة! لكونها لا تؤدّي إلا إلى خلل فظيعٍ في العلاقات الاجتماعية، وبالتالي إلى عطالةٍ حضاريّة مدمّرة!

يشكّل الفهم السائدُ للعلاقة المنسجمةِ مع التقوى حرجاً كبيراً لكلِّ مسلمٍ مؤمنٍ بالقرآنِ الكريمِ كتاباً نهائياً من الله إلى الناس كافة، بلسانٍ عربيّ مبين، إذْ يرى في ما تنص عليه الاتفاقيّات الدولية المتعلقة بحقوق المرأة والطفل[1]، وشرعةُ حقوق الإنسان[2] ، ما هو أقرب للتقوى؛ لما تدعو إليه من حقوقٍ في العيش الكريم، والاستقلال، والحريّة التي تجعل الفرد مسؤولاً، بغض النظر عن جنسه ولونه.

بناء عليه؛ إما أن يكون كتاب الله يخاطب عالماً لم يعد موجوداً وليس لكلّ زمانٍ ومكان، وإمّا أن تكون الفهومُ التي وصلتنا هي التاريخيّة وينبغي أن نكون في حلٍّ من الالتزام بمقتضياتها!

استجلاءً لذلك، عمدنا إلى الآيات الكريمات المعنيّة بهذا الشأن، وتعاملنا معها بالتحليل للوقوف على مدلولاتها وفق منهجيةٍ تحليليةٍ ترقب الأسلوب والتركيب النحوي والصرفي وتتوخى الدقةَ ما استطعنا إلى ذلك سبيلا بحثاً عن الدلالة الممكنة بحسب زعمنا، ولا ندعي أنها نهائية بل هي ما نستطيعه، إذْ  يسهل عند البعض أن يتخذَ موقفاً بإزاء هذه القضية، فيقول هذا الكتاب من تأليف محمّد "ص"، ولا يكلف نفسه الاطلاع على هذا الكتاب، ولا ينبغي له التحليل ولا التعليل ولا التأويل، وعتاده من الدراية باللسان العربيّ المبين أنه يرفع المضاف إليه والمفعول، ويزعم أنّ معرفة الصرف والنحو غير ذات أهمية في تحصيل المعنى.... كما يزعم البعض أنّ الأوامر والنواهي في القرآن الكريم هي لعرب زمن التنزّل، ولا دليل من لدنه على صحة ما يقول ولا على بطلان سواه، إلا بعض نتفٍ من الحكايات والسير والمغازي، غير المحققة علمياً.

لا نريد أن نفند آراء هؤلاء وهؤلاء لنرد عليها، ولا نرد على الفقهاء والمفسرين، بل نريد أن نمارس المنهجية التي نعتقد بصوابية مندرجاتها بغض النظر عن النتيجة التي نتوصّل إليها.

إذن؛ ما المعرفة العلمية التي يريدنا النص أن نؤسس عليها تقوانا؟ وما هي مظاهر التقوى؟ وما هي مظاهر عدمها؟. ما علاقة التقوى وعدمها بالأمن الاجتماعي والخلل الاجتماعي؟

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[3].

عندما يتعلق الأمر بالاجتماع الإنساني، يأتي التنبيه بواسطة النداء "يا أيها الناس" ومفردة الناس تنطوي على الرجال والنساء، والصغار والكبار، ومن مختلف الألوان والأعراق. وإنْ كان لهذا الأسلوب في التنبيه من دلالة، فهي في أنه يهيّء لإعلان شرعة تريدُ الاجتماع الإنسانيَّ على نحوٍ مخصوص؛ وإلاّ، فلماذا مناداة الناس!؟ أما القول بأن المقصودَ بالناس أهل مكة، أو العرب، فهذا لا يغيّر في المطلوب شيئاً.

الآية تعقّب على النداء هذا بالأمر "اتقوا ربكم" والتقوى هي تحصين الذات، وإذ يقع فعل التقوى على "ربّكم" فهذا يمنح الفعل معنى مأخوذاً من الأبعاد الدلاليّة العديدة للربوبيّة، فهي العناية والرعاية والتربية والهداية وما يمكن أن ينتمي إلى هذا الحقل. والناس ناس لأنهم في هذه الأرض مربوبون، أي في عناية ورعاية وتربية وهداية... ومفردة الناس لا تطلق على مفرد، وجذرُها "أ، ن، س" "وهو ظهورُ الشيء، وكلُّ شيءٍ خالَفَ طريقة التوحُّش"[4]، ما يعني أن مفردة الناس تُطلق على الجماعةِ المؤتلفة، فيكون ائتلافها عقداً اجتماعياً يحمي حقوق الأفراد المكوِّنة لهذا الاجتماع، وهو مظهر الربوبية في حياتهم. وإذْ يكون التنبيه بـ"يا أيها الناس" لإلقاء الأمر عليهم بتقوى الرب "اتقوا ربَّكم"؛ فهذا يعني أن خللا حاصلا يهدد الأمن الاجتماعي أو العقد الاجتماعي، ومردُّ هذا الخلل هو في فقدان التقوى، أي السلوك اليوميّ المخالف لما تقتضيه الربوبيّة. فما هو هذا الخلل؟ وكيف يتجلّى في النص؟

تتّصف مفردةُ " ربّــ " المضافة إلى ضمير المخاطبين"ـكم" بالاسم الموصول "الذي"؛ فهو أداة نحوية من شأنها هنا توجيهُ الأذهان لفهم الربوبيّةِ من زاويةٍ مخصوصة، فتأتي صلة الموصول "خلقَكم" لتحدد هذه الزاوية المخصوصة.

وقع فعْل الخلْق على المخاطبين في أول الآية "يا أيّها الناس"، وقد وصل أثر هذا الفعل إلى مركّبٍ وصفي "نفسٍ واحدةٍ" بواسطة حرف الجرّ " من ". وحرف الجرّ هذا مُختلَف بشأنِ معناه؛ فهو عند الغالبية من المفسرين حرف ابتداء الغاية لتكون هذه النفس الواحدة مبتدأ الوجود الإنسانيّ السلاليّ، وتدلّ مفردة النفس هنا بحسبهم على "آدم" أبي البشر[5]. ويشير هؤلاء المفسرون إلى قلة تقول بأنّ "من" بيانيّة أي إنها تبيِّن نوع المادة التي خلق منها الناس. والغرض من هذا البيان نفهمه من خلال فهمنا الحمولة الدلاليّة للأمر"اتقوا ربكم"؛ إذْ لا يمكن لأمر أن يُطلب تنفيذه في الوقت الذي يُنفَّذ فيه، بل يطلب تنفيذه عندما لا يكون معمولاً به في الناس. وأن يبيّن علةَ وجوب التنفيذ في بيان كون الناس من أصلٍ واحد، أو مادّة واحدة، أقوى من أن يكونوا سلالةً أو سلالات؛ وهذا يحيل على سلوك يوميٍّ للناس يعارض ما يقتضيه خلقُهم من أصل واحد، فإنّهم يجورُ بعضُهم على بعض تبعاً لمواقف ضمنيّة فاسدة؛ فالمطالبة بتقوى الرب الذي خلقهم من نفس واحدة ترمي إلى دفع الجور بالتزام قواعد سلوكية ذهنيّة وحركية مؤسّسَة على حقيقة أنهم من أصل واحد. والسلاليّةُ لا تخدم هذه الفكرة لأنّها تنطوي على التفريع، والتفريع يحيل على الاختلاف الذي هو حق بين الناس؛ فهم مختلفون ألوانا وأحجاما، هيئاتٍ وألسنا، نساء ورجالا، صغاراً وكبارا...إلخ؛ وهذا لا يقتضي أمرَ الناس بالتقوى؛ لأنّ الاختلاف ليس فساداً، ولا ينبغي أن يكون سبباً للفساد في الأرض.

إذن، النفس الواحدة، هي المكوّن الواحد لكل الناس المشمولين بـ"ـكم" المخاطبين، هي الحقيقة الأولى، و في اللسان "النَّفْس عين الشيء وكُنْهُه وجَوْهَره"[6]، ما يستدعي أن نفهم اختراع الناس كان من جوهر واحد، ومن الجوهر نفسه كان قرينُه؛ فالنص يواصل بيان الأمر بالتقوى فيظهر الربوبية للناس ليسلكوا بما تقتضيه معرفتُهم ـــــــ إضافةً إلى خلْقِهم من نفس واحدة ــــــ أنه خلَق منها زوجها، والزوج بحسب ابن سيدة في لسان العرب " الفَرْدُ الذي له قَرِينٌ"[7]، فالزوج قرين زوجه أو هي لزوجها قرين[8]. ولازمُ هذا البيان في سياق التنبيه على ضرورة تقوى الرب؛ هو في أنّ خللاً ما في العلاقة بين الزوج وزوجه مؤسّساً على اعتبارٍ يغالط الحقيقة التي تقول بأنّهما من نفس واحدة، من جوهر واحد؛ فلا اختلاف بينهما في الرتبة إنما في الهويّة. وإن كان لا بدّ لأحدهما من أن يكون سيداً فلا يكون مردّ ذلك إلى كونه رجلاً، أو إلى كونها امرأة، فالتقوى تقتضي أن يكون مردُّ ذلك التفاضل إلى الحقّ، وإلى الحقّ وحده.

بالنظر إلى ترتيب الأفعال في صلة الموصول، نلاحظ أن فعل الخلق واقعاً على المخاطبين﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قد سبق فعل الخلق واقعاً على زوجها ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، ويعطف عليه فعل البثّ واقعاً على الرجال والنساء ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾.

عندما يؤتى بالاسم الموصول "الذي " وصفاً لربكم؛ فذاك لغرضٍ محدد، وهو بيان ما يوجب فعل التقوى، والذي يوجب فعل التقوى هو الخلل القائم في سلوك الناس لاعتبار جهلهم حقيقةَ خلقِهم أو تجاهلها؛ فيأتي الفعل خلقكم من نفس واحدة هو المضاد الحيوي لهذا السلوك الذي يشي بأن بعض الخلق من جوهر مختلفٍ عن الآخر أو من حقيقةٍ أخرى غير الحقيقة التي خُلِقَ منها الآخر. ونفهم عندها أن مقاصد الآية ليست في بيان الترتيب الواقعي للخلق، بل في بيان ما يُلزم بالتقوى؛ لوقف التمييز ضد الآخر المختلف. وجاء فعل الخلق الثاني لا ليدل على حصوله بعد الفعل خلقكم، بل لبيان الحقيقة التي انطوى عليها الفعل خلقكم، وهي أن الفرد وقرينه من نفس واحدة، وحرف العطف "الواو" ليس للترتيب إنما هو للجمع مطلقاً. وإلى ذلك أشار ابن مالك في الألفية[9]:

واعْطِفْ بِواوٍ سَابِقًا أَوْ لاَحِقَا        فِي الْحُكْمِ أَوْ مُصَاحِبًا مُوافِقَا

وغاية الجمع هنا كما سبق وأشرنا هي في إبراز ضرورة التقوى مؤسّسةً على هذه المعلومة المهمة.

ويواصل النص المراكَمة، فيعطف الفعل "بثّ" على الفعل "خلق" بوصفه مظهراً آخر لإيجاد الناس، يقتضي الربوبيّة أيضا، فالمبثوث هو الرجال والنساء، وما هذا التفصيل هنا إلا بمقتضى خللٍ ما في العلاقة بين الرجال والنساء، وهذا الخلل كما تبيّنَ لنا مبنيّ على معلوماتٍ خاطئة تفيد بأنّ الرجل أعلى رتبة من المرأة، وهذا لا يتفق مع التنبيه "يا أيها الناس"، فهل الناس هم الذكور فقط؟! ولا يتفق مع الطلب الذي يأمر بتقوى الرب الذي خلق من نفس واحدة، ولا يتفق مع حقيقة أنّ الزوجين من جوهر واحد؛ وأن يعطف الفعل "بثّ" على فعل الخلق فذاك لبيان حقيقة الانتشار الإنسانيّ وتفرقه واختلافه، وأن يكون المبثوث رجالاً ونساء، فذاك تسييق للنظر في مقاصد الآية الرامية إلى تعديل العلاقة بينهما، وتصويبها بتأثير من معرفة الحقيقة التي لا تميز بينهما تميييزا في الرتبة وإن تفرّقا في الهويّة. فالبث كما يقول ابن فارس:"الباء والثاء أصلٌ واحد، وهو تفريق الشيء وإظهاره"[10] .

أمّا لماذا تقدّم الرجال بالذكر على النساء، فهذا تقديم المُلقي على المتلقّي في آليات البث الطبيعية، وهذه ليست فضيلةً للرجل، ولا نقيصة للمرأة؛ بل هي الطبيعة كذلك، إذْ لا ينزل المطر إلا بالتقاء غمامتين إحداهما سالبة والأخرى موجبة، فأيّ الغمامتين أرقى وأعظم!!! .

وأن يفرّق بين الرجال والنساء بمفردة "كثيراً" فذاك إمعان في التفريق بين عنصري النفس الواحدة، حفاظاً على هوية الرجل مختلفةً عن هويّةِ المرأة، والعكس. أمّا لماذا تقدّم ذكر الرجال على ذكر النساء ؛ فذاك لا يمنح الرجال مرتبة متقدّمة ولا النساء مرتبةً متأخرة؛ فالواو كما مرّ معنا لا علاقة لها بالترتيب. ومع ذلك نرى أن الذي يقتضي ذلك في هذه الآية الكريمة وفي سائر القرآن الكريم، هو طبيعة اللغة العربيّة بوصفها مسكن العرب ومظهر مواقفهم الذكورية، والله جلّ وعلا يخاطب الناس بحسب تقاليدهم القولية.

مفردة "كثيراً"  ليست وصفاً للرجال كما يحلو للبعض[11] أن يفهم، بل هي وصف للمصدر المحذوف "بثّاً"، وما حذفه إلا علامةً على عدم مقصوديته، بوصفه حدثاً مطلقاً غير مقيد بزمن، في الوقت الذي ينوب فيه الوصف "كثيراً " عنه، للدلالة على النماءالعددي[12]، وهو المقصود هنا. وتأخيره إلى ما بعد ذكر الرجال المبثوثين، أوْهَم بأنه وصفٌ للرجال،  وهذا لا يستقيم والوظيفة الدلاليّة الملحوظة هنا؛ إذ لو تقدم "كثيرا" وقال :" بثّ منهما كثيرا رجالا ونساء" لتغيّرت الدلالة وشطّت إلى غير مقصود الآية، فيكون الغرض إذّاك تأكيد البثّ ونمائه عدديا، وليس هذا ما يفيد تسويغاً للتقوى المطلوبة، بل المطلوب بيان المبثوث، وهم الرجال والنساء، لأن التقوى هي الاحتراز مما يغوي به التسلّط و الطغيان؛ لكون الفرق بالهوية بين الزوجين، قد يوهم بفرق في الرتبة الإنسانية.

ويؤكّد النص طلب التقوى مرّةً أخرى وذلك بإسناده أمراً مطلوباً إلى الناس المكنّى عنهم بواو الجماعة "واتقوا"؛ إلا أنه المرّةَ هذه يقع بهذا الفعل على لفظ الجلالة العلَم" الله" ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.

عندما ينبه النص الناس بأسلوب النداء، ويلقي عليهم أمراً بالتقوى، ويقع بتقواهم على ربّ الناس؛ فإننا بذلك فهِمنا أن النص يَعتمد نمطا إيعازياً/ برهانياً يرجع فيه إلى مفردةٍ تكتظّ دلالاتها للإضاءة على مقتضى الأمر بالتقوى. مفردة "رب" تشير إلى العلاقة مع المربوبين، وهي هنا، علاقة خلق وتفريع ونشر، وكلها منّة يلقيها النص على الناس ليعدّلوا سلوكهم البينيّ، إذن؛ اتقوا ربكم، تعني اتقوه باعتبار علاقته بكم، وقد ذكر المفسرون أنّ معنى اتقوا هو احذروا، وهذا المعنى لا يفيد في هذا السياق، بل هو يقدّم لنا الرب، ويقدّم لنا الله على أنّه ممتلئٌ بشهوة التعذيب والانتقام، وحاشا للرحمن أن يكون كذلك. بل معنى اتقوا ربكم، أو اتقوا الله أي اتخذوا ربكم أو الله وقاية لكم، وهذا ما عنينا به تحصين النفس من مغويات الجور. وقلنا إنّ هناك خللاً في العلاقة البينية تتنافى مع الخلق والتفريع والبث كما وردت من رب الناس. فاتقوا ربكم يعني إصلاح ذات بينكم بهذه المرجعية المعرفيّة.

أمّا اتقوا الله، فـــهي بما هي عليه من دعوة إلى تحصين النفس دلالة على أنّ علاقتكم بالله لا تستقيم وسلوككم البينيّ فيه هذا الخلل، فاتخذوا الله وقاية لكم في علاقاتكم وفي معاملاتكم. الله إلهكم بإرادتكم، أنتم اخترتم واقتنعتم، وينبغي أن تكونوا قد التزمتم بما يقتضيه خياركم وقناعتكم.

ووقوع التقوى على الرب أو على الله، فهو لاعتبارين، الأول مرتبط بالربوبية وهي علاقة الخالق بمخلوقاته، والثاني مرتبط بالإيمان. فالرب ربكم سواء آمنتم به أو لم تؤمنوا. أما الله فهو ليس إلهكم إلا إذا آمنتم بألوهيته. لذلك يطالب النصُّ الناسَ بالسلوك في علاقاتهم ومعاملاتهم ومواقفهم الضمنية والعلنية، باعتبار الربوبية، وباعتبار الألوهة. يعني أنتم مسؤولون عن الحياة المستقيمة، المؤسَّسة على قاعدة الأصل الواحد لكل بني البشر، سواء كنتم مؤمنين أو غير مؤمنين.

وتأتي مفردةُ "الأرحام" منصوبةً على الأرجح، لتعيّنَ موطن السلوك المستقيم الذي تغيَّته هذه الآيةٌ الكريمة، فعطف الأرحام على لفظ الجلالةِ؛ لتدل على أنّ تقوى الله جلّ وعلا تكون بالسلوك المستقيم مع الأرحام. فـ"اتقوا " واقعاً على الأرحام  تعني أن اتخذوا الأرحام وقايةً لكم من السقوط في الخلل والزلل المنافي للاستقامة المرجوّة في السلوك من جرّاء الإيمان بالله، وذاك منعكَسٌ جيّدٌ لتقوى الله الذي تساءلون به.

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، بمنظارٍ تداولي ننظر إلى الضرورة التي استدعت التأكيد بـ:"إنّ"، لنرى أنّها في الخلل الحاصل في العلاقات الاجتماعية وبخاصة مع الأرحام، فهي لا تقف على ما تقتضيه تقوى الله، ولا تلتزم ما يمليه الإيمان بالله الذي تساءلون به، فالتأكيد هنا لإزالة الغفلة عن ربوبية الله لخلقه، وقد تمثلت هنا في العلامة "رقيباً" يقول ابن فارس: "الراء والقاف والباء أصلٌ واحدٌ مطّرد، يدلّ على انتصابٍ لمراعاةِ شيءٍ. من ذلك الرَّقِيب"[13]

وفي اللسان"راعَيْتُ الأَمرَ: نَظَرْت إلامَ يصير"[14]. وهذا يجعلنا نفهمُ دلالة إدخالِ "كان" هنا ؛ فهي لإثبات استمرار الرقابة على الإنسان، إذ  تختص كان بمرادفة " لم يزل " كثيراً، أي: أنها تأتي دالة على الدوام، وإن كان الأصل فيها أن يدل على حصول ما دخلت عليه فيما مضى، مع انقطاعه عند قوم، ... أو سكوتها عن الانقطاع وعدمه عند آخرين"[15] ويطرأ سؤال هنا في علّة العدول عن "لم يزل" إلى "كان" لنجدَ أنّ الأصل في "كان" هو الدلالة على حصول ما دخلت عليه فيما مضى، وليس هذا أصلاً فيما دخلت عليه "لم يزل"، والحاجة إلى إثبات الدوام سابقاً وحاضراً ومستقبلاً تقصِّرُ"لم يزل" عن حقها، وأنّ "كان"  تلبي هذه الحاجة؛ فكان استخدام "كان" لإثبات الدلالة المرجوة.

 وعليه، يكون التأكيد بـ"إنّ" من جهة، وماضوية "كان" من جهة ثانية، لا تطلب مجرد التصديق بالرقابة الإلهية للإنسان، بل تنكر غفلةَ الناس عن حقوق الأرحام، وهذا تعظيمٌ لفداحة الخلل في العلاقات الاجتماعية التي نبهت إليها الآيةُ الكريمةُ في مستهلّها.

مظاهر الخلل

استضعاف اليتامى

﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾[16]

اتقوا ربكم، اتقوا الله، والأرحام، وآتوا اليتامى....

من مظاهر التقوى في الحياة الاجتماعية السليمة أن يأخذ كل ذي حق حقه. وعلى ما يبدو من ملفوظ الآية الكريمة، أن هذه الحياةَ كانت تضج بخلل فظيع يطول الفئات الضعيفةَ في المجتمع، ويأتي على رأس هؤلاء اليتامى والنساء،  "عجز اليتامى عن الدفاع، وعن تحصيل حقهم في الميراث، جعل الورثة الكبار يأكلون اموالهم وحقوقهم، ولا يؤدون لهم نصيباً في الإرث"[17].

ويعطف النص على تقوى الله أمراً ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ فالتشريع بما يخص الضعفاء يبدأ برفع الحيف عن اليتامى، وأكثر المفسرين يقولون إن الإيتاء هو الإعطاء، غير أنّ المراقب لاستخدام مفردة إيتاء في القرآن الكريم يجدها قد وردت واقعةً على الزكاة اثنتي عشرة مرّة، ما يشي بأنها تختص بالفرض والواجب وأن يكون الإيتاء علامة على رفع الحيف ففي ذلك إشارةٌ مهمة لحجم المسؤولية فالإيتاء في الغالب واجب وأثبت للمفعول بينما العطاء تفضُّل وأقل إثباتا للمفعول[18]. وبالنظر إلى الصيغة "آتوا" نجدها تختلف عن صيغة "أعطوا" بالمدّ في أولها ليكون الإيتاء مختلفاً عن الإعطاء بالإمهال، فالإيتاء لا يعفي الوليّ من ولايته، بينما الإعطاء ـ لكونه من دون إمهال ـ يعفي الولي من ولايته إذا ما تم أداء الفعل. والحرص القرآني على أن تكون رعاية اليتيم والقيام على شؤونه والإنفاق عليه من ماله من مظاهر التقوى في المجتمع؛ استخدم فعل الإيتاء بدلاً من الإعطاء .

ومن مظاهر التقوى أيضاً ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾  من يتبدّل الخبيث بالطيّب! أيعقلُ أن يكون امرؤ بكامل قواه العقليّة يُقدم على ترك الطيب من المعاملات، أو الأفكار أو الممتلكات....؛ لصالح الخبيث منها؟!

الجواب الطبيعيّ عن هذه التساؤلات هو :"لا". إذن لماذا هذا النهي هنا؟

ألا يعني أن السياق الذي ورد فيه الأمر بإيتاء اليتامى أموالَهم، هو نفسه السياق الذي تحصل فيه مسوّغاتُ هذا النهي؟

تأسيساً على الآية الأولى التي نبهت الناس إلى ضرورة التقوى، يمكننا أن نفهم الخلل الفظيع الذي ينتاب الحياة الاجتماعية، وكبراءُ المجتمع يحسبون أنهم في عيشةٍ راضية، هم لا يحسبون أنهم بحرمان اليتامى من أموالهم إنما يقومون بعمل خبيث، بل هم في سلوكهم مع اليتامى إنما يأخذون ما يمكّنهم من دفع الأخطار عنهم، فاليتيم لا يرث لأنه لا يستطيع أن يحمل السيف، ولئن فعلوا فإنما هم يهدرون أسباب المنعة، لذا؛ لا يرون في سلوكهم هذا إلا ما يعزز مكانتهم حيث تدعو الحاجة.

إذن؛ يرى الشارع أن الأمن الاجتماعي يتحقق بأن تؤدّى الحقوق إلى أصحابها، وعندما يُنزل عدم إيتاء اليتامى أموالهم منزلةَ الخبيث فذاك لأن الناس ينفرون من الخبث ويقبلون على الطيّب، وإذا لم يكن لهذا الأسلوب من فائدة سوى تحريض المتلقّي على سلوكه فهذه مزيةٌ تكفي؛ فلها تداعيات كبيرة في التأسيس المتين لمنهج يبدأ بتشكيل قواعد أو معاييير في النفس يرجع إليها المتلقّي لتقويم سلوكه.

الطلب بالنهي هنا أقوى من الطلب بالأمر، وهو يؤدّي هذا المعنى تماماً، فتعطيل فعل التبدّل مسنداً إلى واو الجماعة" الناس" مطلوبٌ لضمان حياة اجتماعية سليمة، والمفعول الواقع عليه فعل التبدّل معطّلاً، هو "الخبيث" في علاقته مع "الطيّب"، وطبيعةُ هذه العلاقة كما يدلُّ هذا المركّب، هي اتخاذُ الخبيث طيباً والطيب خبيثاً. فالطلب هنا بهذه الصيغة يفيد تعطيل هذا السلوك، كما يفيد اعتماد رائز يتعيّن بموجبه الخبيث والطيّب، وقد سبق طلبه "اتقوا". وهذا ما لا يفيده الطلب بصيغة الأمر.

ويعطف النص على هذا النهي نهياً آخر ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾

مع أنّ النهي عن التبدّل مسيّقٌ في سياق إيتاء اليتامى أموالهم؛ إلا أنّه بلفظه يتجاوز هذه الخصوصيّة ولا يهملها، فالخبيث عام وكذلك الطيب؛ والنهي عن إحلال الخبيث محلّ الطيب يفيد العموم إلى الخصوص. وعليه، يأتي المعطوف هنا ليزيل توهما قد تنشره الجملة السابقة، مفاده أن الكلام عام ولا يخص اليتامى، فالنهي عن أكل أموالهم يفيد التخصيص. و إنزال عدم إيتاء اليتامى أموالَهم، منزلةَ الطعام الذي يحتاجُ إليه، فذاك لتحريض المتلقّي على نفسه التي تزيّن له هذا السلوك بزينة الحاجة الغرائزية حتى ليبدو أن الامتثال لطلب الانتهاء شبه مستحيل. وفي هذا ترويض للإنسان على مواجهة الرغبات في عرضها أولا على معيار الخبث والطيب، وثانياً على معيار الحاجة وعدمها. إنه تأسيس لسلوك يوفر الأمن الاجتماعي اعتماداً على سلطان ثقافيّ يستهدف العادات والتقاليد والأعراف و....

"لا تأكلوا أموالهم"، نهيٌ يعمُّ "الناس" وهذا مطلوب، غير أنّ "إلى أموالكم" تخصص أصحاب الأموال من الأوصياء، فهؤلاء تحدّثهم أنفسهم بزيادة ثرواتهم ولو كان على حساب الضعفاء، ويجدون مبررات كثيرةً لذلك، كما درجت العادةُ إلى زمن التنزّل؛ أن لا يورَّث اليتيم والولد الصغير، والنساء، بحجةِ عدم قدرتهم على حماية القبيلة أو العشيرة أو القرية[19]، لذلك لم تقف الآية عند أكل الأموال، بل أوصلت أثر أموال اليتامى إلى أموال الأوصياء بواسطة حرف الجر"إلى"؛ إذْ يفيد هذا الحرف في أصل معناه انتهاء الغاية بمقابل "من"، ولكونه هنا رابطاً بين أموال اليتامى وأموال الأوصياء؛ فذاك ليدل على الجشع والطمع، وأن يقال إلى بمعنى ظرف المصاحبة "مع"، فذاك مردود إذْ لو كان "مع" يفي بالغرض؛ فليس هناك من ضرورةٍ تملي العدولَ عنه. قد يكون اللبس في ذلك من كون "مع" يفيد المصاحبة، والمصاحبة هي الملازمة والمرافقة، بينما "إلى" يفيد الضم أي جمع الشيء إلى الشيء، فلو أن الآية استخدمت "مع" لما تناسب معناه مع فعل الأكل الذي يشير إلى جشع الأوصياء وطمعهم؛ إذْ ليس لزاماً أن يكون مال اليتامى مع مال الأوصياء علامة سوء نية، بينما الأكل لا مندوحة له عن ذلك، وهذا ما اقتضى إيراد "إلى".

واختتام الآية الكريمة بالتأكيد ﴿إنّه كان حوباً كبيراً﴾ مناسبٌ لمقتَضيات أوامر الآية ونواهيها "آتوا/ لا تتبدّلوا / لا تأكلوا"، كل هذه العلامات في صيغها وسياقاتها تدل على خلل فظيع يجعل العلاقات الاجتماعية لا تُنتج إلا ظلماً واستتباعا، وتعِد بفشلٍ حضاريّ كبير. وهذا ما يؤكّده المركّب الخبري ﴿إنّه كان حوباً كبيراً﴾.

لماذا اختار مفردة حوب حكماً على فعلهم؟ فالحُوب هو الإثم بحسب المفسرين[20]، وهو في "اللسان":"الهلاك، والحزن، والوحشة، والوجع"[21] وهو في "المقاييس" : الإثم والحاجة والمسكنة[22].تأسيساً على ما سبق يمكن أن نلاحظَ قصور مفردة "إثم" بإزاء الخلل الاجتماعي الناجم عن غياب التقوى، فالأبعاد المعجمية لمفردة "حوب" تشير إلى فظاعة الواقع؛ لذا، لن يكتفيَ النص بدلالة الإثم فقط، بل يجد في الحوب إثماً وزيادة، نفهمها من السياق، ومن خلال الأبعاد المعجمية المذكورة، فلفظة إثم قد تطلق على الخمر والميسر، وتعطف على العدوان..... بينما لفظة حوب لم تطلق في القرآن الكريم إلا في هذا السياق. ما يعني أنه الحكم الملائم الذي يقتضيه غياب التقوى.

وتأتي "كان" بين معمولي "إنّ" زيادةً في التأكيد لما تفيده من الاستمراريّة؛ إذْ يستفادُ منها في الدلالةِ على سوء هذا الخلل الاجتماعي ماضيا وإلى الأبد.

استضعاف النساء

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ﴾[23].

تعيدنا هذه الآية الكريمةُ إلى التحقيق في المخاطبين بهذه الآيات من أول سورة النساء.

"يا أيها الناس"، تحتمل أن يكون المعنيُّ بـ" يا أيها الناس" من عايشوا تنزُّل هذه الآية في المحيط القريب جداً، كما تحتمل أن يكون الناس الناس قاطبة في كل مكان وفي كل زمان. ومن المرجح أن يكون المعايشون المحايثون هم المعنيين، لأغراض تتعلق بمفاسدهم ومحاسنهم، بهدف تخليق أمةٍ تستند في تطلعاتها وسلوكاتها على أسس معرفيّة يقينية، تمكّنهم من التقوى. وعليه يكون الضمير في الأفعال التالية:"اتقوا"، "خلقكم"، "تساءلون" "آتوا" "ولا تتبدّلوا" "ولا تأكلوا" كناية عن المستهدف المباشر بالخطاب، وهم المطالبون بالتقوى بوصفهم النواة الأولى للأمة المرجوة. وكذلك الضمائر في "عليكم" و"أموالكم" و"أموالهم. ولا يعني قولنا هذا أن المعرفة المؤسِّسة ينعدم مفعولها بانقضاء العصر، بل يعني أنّني يجب أن أعرفها حتى أتمكن من الفهم، وبالتالي أفهم مقاصد الخطاب تأسيساً عليها.

إذا فهمنا (آتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدلوا، ولا تأكلوا)، أنها مطالب يتوجه بها الخطاب إلى الأولياء والأوصياء، بهدف رفع الجور عن اليتامى المستضعفين، فهذا يعني أن الآية الثالثة من السورة نفسها إذْ تبدأ بـ" وإن خفتم" فالمخاطبون هنا هم أولياء اليتامى والأوصياء أنفسهم؛ فمن هم هؤلاء؟ أليسوا الجدّ العمّ والخال والأخ الأكبر وربما الصديق ..... والقاضي؟

ويستوقنا في هذا الأسلوب تعدية الإقساط إلى اليتامى بواسطة الحرف "في"، وهذا ما يجعل اليتامى ظرفاً مجازياً يتحقق فيه فعل الإقساط، ولذلك أهمية بيانية كبيرة، إذْ نلحظ من جرائها تحيّز الفعل وفاعله داخل اليتامى، ما يعني أنه من الأرحام أو ما بمنزلتهم. ولو أنّ النص عدَل عن "في" إلى أي أداة أخرى لعدل المعنى . وأن يكون المسندُ إليه في فعل الشرط هم من الأرحام فذاك يرقى  بالخطاب إلى مرقاة أخلاقية تبلغ حدّ الإلزام في الضمان الاجتماعي، على هذا النحو أو سواه.

لماذا الخوف من عدم الإقساط في اليتامى؟ طالما أنهم هؤلاء؟ أيكون مصدر الخوف أمراً له علاقة بالنساء وموقعهن في المجتمع فتأتي إباحة النكاح منهن نوعاً من التحصين في الظروف العصيبة؟ بخاصة وأنّ أكثر اليتمِ يكونُ من الحروب، وعليه فإنّ واجبات المجتمع تصبح كبيرة تجاه اليتامى والأرامل؟؟؟

ما هو هذا الأمر المتعلّقُ بالنساء؟

تُخلّف الحروب عدداً كبيراً من اليتامى، وهؤلاء هم أبناء رفاق الدرب المريرة والعسيرة، ومن يبقى حياً من جرّائها، ينظر في الأمر ويعرضه على نفسه، إذ كان من المحتمل أن يكون هو القتيل، وأبناؤه اليتامى؛ ويريد الآن تحت تأثير هذا الشعور أن يرعى أبناء رفيقه، أن يمسح رؤوسهم بكفه، أن يجلب لهم الهدايا، أتراه ينجو من ألسنة الناس لو تردد بين هذا البيت و ذاك  وذلك، ولا رجل في البيت، أليس في ذلك طعنٌ بكرامة المرأة واستخفافٌ بشرفها وعفتها؟ لذا؛ جاء جواب الشرط "إن خفتم"، "فانكحوا" .

أعتقد أن عدم الإقساط عائدٌ إلى عدم القدرة على القيام بالواجب، وهذا سبب وجيه للخوف، مع أنّه لن يصيب كلَّ من يتولى شؤونهم، لذا؛ استخدم أداة الشرط "إنْ" وهي أداة تفيد الاحتمال، وذاك لأنّ الخوف من عدم الإقساط هذا، لا يحصل مع الجدِّ مثلاً، أو خال اليتامى، بل غالبا ما يحصل مع الأخ عمّ اليتامى، أو الرفيق، أو الجار؛ فيأتي الأمر بالنكاح مثنى وثلاث ورباع، ليس أمراً موجها إلى شخصٍ بعينه في هذا السياق، بل هو أمرُ إباحةٍ شرطُه الخوفُ من عدم الإقساط مع اليتامى، إذ ينزع الحجّةَ من الرجل الذي يتذرّع بأنه متزوج ما قد يحولُ دون الإقساط؛ فيقدّمُ النصُ أصنافا من الرجال الغيارى على مجتمعهم، فصنفٌ منهم مقتدرٌ على الزواج باثنتين، وصنفٌ بثلاث، وصنف يتزوج بأربع، وبتقديري يمكن أن يكون هناك أصناف تتزوج بأكثر وأكثر، فالنص لا يضع حداً بأسلوبه هذا، وصنف يخاف الجَور فليكتف بواحدة، أو ما ملكت يمينه، أي ما يستطيعه. إذْ لا يمكن أن يكون الأمر أربع زوجات أو واحدة، ثلاث زوجات أو واحدة، زوجتين أو واحدة، بل الممكن ما يمكنكم القيام به.

وتستوقفنا في هذه الآية الكريمة "ما طاب لكم" فـ"ما" هذه، مصدرية زمانية، وما كان بإمكاني الموافقة على مزاعم تقول بأنها لغير العاقل، وأنّ النصّ بهذا الأسلوب قد أنزل النساء منزلة غير العاقل! ولم أدر السبب الذي يقتضي هذا الإنزال!

قلنا "ما" مصدرية زمانية، أي فانكحوا مدةَ طيب النكاح لكم من النساء، وهذا الأسلوب لا يبدو تشريعاً للنكاح بقدر ما هو تكليف بمهمةٍ تتحرّز بالنكاح وهي كفالة اليتيم، وتوصيل أثر النكاح إلى النساء بواسطة حرف الجر "من" فذاك لبيان النوع الذي يطيب النكاح منه وهو النساء وليس إناث اليتامى فهؤلاء لسن نساء بل هن بنات قاصرات،لا يملكن أنفسهن، بالتالي لا يحق للولي أن يتزوج منهن بحجة الرعاية والاهتمام. في هذه الحال كيف يكون شأن الذكور من اليتامى؟ ألا يحتاجون رعاية واهتماما؟ هل تحلُّ مشكلة يتمهم بزواج أخواتهم القاصرات؟أم أن النصّ يستبعدهم فلا ينظر في شؤونهم؟ فلتتواضع العقليّةُ الذكوريّة قليلا حتى تتمكن من حسن القراءة. ما كان ينقص المفسرين والفقهاء شيء من الذكاء ـ والأمر لا يحتاج ذكاء حاداً ـ ؛ بل كان ينقصهم الخروج على السائد من القيم الذكورية التي جعلتهم لا يتوقعون أن للمرأة حقاً، وأنّ للطفل حقا، وربما هذا لم يكن ممكناً في ذلك الزمن لشدة تمكن الذكورية من الحياة ومصادرتها بالكامل.

ويأتي التعداد لا ليضع حداً للزيجات، كأنْ يقال كان العربُ قبل هذه الآية يجمع كل رجلٍ تحته عدداً غير متناهٍ من النساء؛ فجاءت هذه الآية لتضع الرقم أربعة هو الحدّ الأقصى؛ بل جاء التعداد ليضع مخرجاً للتحرّج مما يُتوهم أنه عائقٌ يحول دون الإقساط في اليتامى. والأسلوب الذي ورد فيه التعداد لا يشي بأنّ "رباع" هو ما يجب أن يقف عنده الرجل، فلو أنه قال انكحوا اربعاً وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، كنا حسبنا الأربع حداً نهائياً، أمّا انكحوا مثنى، وثلاث، ورباع، فتعني أنّ العدد مفتوح على ما ملكت أيمانكم، أي ما ملكت قدراتكم على العدل. إذْ يرى جمال زعيتر أن اليد اليمنى"ترمز إلى الخير والقوة والحياة"[24] فلكونها ترمز إلى القوة لا يعني أنها ترمز إلى استباحة استرقاق النساء. وقد درجت العادة في القراءة أن يحصروا دلالة ملك اليمين في النساء المملوكات بسبب السبي أو نظام الاسترقاق. ولا أدري كيف يمكن أن نبعد عنا الخوف من عدم العدل بنكاح السبايا أو الإماء! والأنكى أنهم يقولون بأنك لست مطالباً بالعدل مع هذا الصنف من البشر! أيكون هذا من عند الله، الذي يقول "خلقكم من نفس واحدة" !!!!!.

خلاصة

لم يكن الهدف من وراء هذه القراءة المتواضعة، تسفيه ما درج عليه الفقه الإسلاميّ بمختلف مذاهبه، بقدر ما كان بحثاً في القرآن الكريم عما يعزز الانتماء إلى العصر على أسس ترتكز على السرديّة الإسلاميّة التي شكلت العقل العربيّ على مدى قرون من جهة، ومنهجيات التحليل المعاصر من جهة ثانية. وما تبيّن لنا بتوسلنا القراءة المنهجيّة الحديثة، وبتأثير من إلحاح العولمة وتطاولها على الخصوصية، ليس نهائيا ولا يدّعي ذلك، ولا ينبغي له.

وقد خلصنا في نهاية بحثنا إلى جملة خلاصات هي:

إن الأوامر والنواهي في مطلع سورة النساء ارتكزت على تثبيت حقيقة مفادها أن الناس من نفس واحدة، سواء كانوا بيضاً أو سودا، يتامى أو أرامل نساء ورجالا.

الأمر الأولي الضروري الذي لا مندوحة عنه هو التقوى، وهي صيانة النفس بوصفها نفساً تتعرّض على الدوام للإغواء بالظلم بمختلف أشكاله.

لا يمكن أن يكون أمن اجتماعي إلا بالتقوى، ومظاهر فقدانها في المجتمع كثيرة إلا أنها في مطلع هذه السورة لها مظهران:

أكل مال اليتامى

استضعاف النساء واستتباعهن للرجل .

الأمر بالتقوى هو أمر بإعطاء كل ذي حق حقه،

الآية الثالثة لا تنطوي على دعوة للنكاح بأربع بل هي دعوة للإقساط مع اليتامى، وإباحة النكاح بأربع تأتي في سياق حفظ حق اليتامى وكرامة الأرامل.

وعليه لا تكون المرأة ملك يمين الرجل بمعنى الأَمة ـ على الأقل في هذه الآية الكريمة ـ بل فهمنا أن ما ملكت أيمانكم تعني ما هو مقدور عليه من عدد الزيجات. حتى لا تكون الحقيقة التي تأسس عليها هذا الحكم بلا فائدة، إذ ما معنى أن ينبهنا النص إلى كوننا جميعا من نفس واحدة ثم يحط من قدر النساء بإزاء الرجال!

وأخيراً تبيّن لنا أن "أو ما ملكت أيمانكم" بحسب أهل التفسير والفقهاء والرواة، لا قيمة لها في حل مشكلة الخوف من عدم الإقساط مع اليتامى.

أرجو أن لا يكون ما نقوله ثقيلاً إلا أنه هو ما بدا لي بحسب قدراتي.

 والله من وراء القصد.

 

د. سعد كمّـوني

...............................

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر بيروت، 1979.

ابن كثير، عماد الدين اسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر، الرياض، 1999.

ابن مالك، محمد بن عبد الله الأندلسي، متن ألفية ابن مالك، ضبطها وعلّق عليها عبد اللطيف بن محمد الخطيب، ط1، مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع، الكويت، 2006.

ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأفريقي المصري، لسان العرب، دار صادر، بيروت،د.ت.

اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة؛ الوثيقة ذات الرقم *0360793* الأمم المتحدة، 18/12/ 1979.

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بموجب القرار 217000، باريس في 10/12/1984.

البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1424هـ.

جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلّي، تفسير الجلالين، تحقيق فخر الدين قباوة، مكتبة لبنان ـ ناشرون، 2006.

جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار الساقي، ط4، بيروت 2001.

الجويني، عبد الملك، البرهان في أصول الفقه، تحقيق:عبد العظيم محمود الديب، ط4، دار الوفاء، المنصورة، مصر، 1418هـ.

الرازي، فخر الدين، التفسير الكبير/ مفاتيح الغيب، ط1، دار الفكر، بيروت، 1981،

زعيتر،جمال حسين، الجسد رموز ودلالات،دار العودة، بيروت، 2014.

السمرقندي، نصر بن محمد بن أحمد، بحر العلوم، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1993.

السيوطي، جلال الدين، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع من النحو والصرف، تحقيق أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1998.

الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن،تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط1، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة، 2001.

الفيروز ابادي، مجد الدين، محمد بن يعقوب ، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق محمد علي النجار، وزارة الأوقاف ، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، ط3، 1996.

الماوردي،علي بن محمد بن حبيب، النكت والعيون، دار الكتب العلمية، ومؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، د.ت.. 

 .....................

هوامش

[1]  ) تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والعادات العرفية والممارسات الأخرى القائمة على فكرة دونية أو تفوّق أحد الجنسين أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة) الجزء الأول، المادة الخامسة، الفقرة أ من اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة؛ الوثيقة ذات الرقم *0360793* الأمم المتحدة، 18/12/ 1979.

[2]  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بموجب القرار 217000، باريس في 10/12/1984.

[3]  القرآن الكريم، النساء، 4: 1.

[4]  ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، مادة "أنس"

[5]  السمرقندي، نصر بن محمد بن أحمد، بحر العلوم، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1993، 1/ 328. الماوردي،علي بن محمد بن حبيب، النكت والعيون، دار الكتب العلمية، ومؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، د.ت، 1/ 446 . ابن كثير، عماد الدين اسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر، الرياض، 1999. 2/ 207.الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ط2، دار ابن تيمية، القاهرة، د.ت. 7/ 515 . ......

[6]  ابن منظور، لسان العرب، مادة "نفس"

[7]  ابن منظور، لسان العرب، مادة "زوج"

[8]  الفيروز ابادي، محمد بن يعقوب ، بصائر ذوي التمييز، تحقيق محمد علي النجار،وزارة الأوقاف ، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 1996، ط3، 3/ 142.

[9]  ابن مالك، محمد بن عبد الله الأندلسي، متن ألفية ابن مالك، المكتبة الشعبية، لبنان، د.ت. ص37.

[10]  ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، مادة" بثث".

[11]  الرازي، فخر الدين، التفسير الكبير، ط1، المطبعة البهية المصرية، القاهرة، 1938، 9 /162.. البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، دار إحياء التراث العربي، بيروت،د.ت.،2/ 58. جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلّي، تفسير الجلالين، تحقيق فخر الدين قباوة،مكتبة لبنان ـ ناشرون، 2006، ص258.

[12]  ابن منظور، لسان العرب، مادة" كثر".

[13]  ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، مادة "رقب".

[14]  ابن منظور، لسان العرب، مادة "رعى"

[15]  السيوطي، جلال الدين، همع الهوامع، 1/ 437.

[16]  القرآن الكريم، النساء، 4: 2.

[17]  جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 5 /567.

[18]  الجويني، عبد الملك، البرهان في أصول الفقه، تحقيق:عبد العظيم محمود الديب، ط4، دار الوفاء، المنصورة، مصر، 1418هـ.1/ 161.

[19]  راجع جواد علي، م.س. ص.ن.

[20]  الطبري،، القرطبي، الرازي، .......

[21]  وَالْحُوبُ: الْهَلَاكُ ؛ وَقَالَ الْهُذَلِيُّ؛وَكُلُّ حِصْنٍ، وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ يَوْمًا سَتُدْرِكُهُ النَّكْرَاءُ وَالْحُوبُ؛أَيْ يَهْلِكُ. وَالْحَوْبُ وَالْحُوبُ: الْحُزْنُ؛ وَقِيلَ: الْوَحْشَةُ ؛ قَالَ الشَّاعِرُ؛ إِنَّ طَرِيقَ مِثْقَبٍ لَحُوبُ أَيْ وَعْثٌ صَعْبٌ. وَقِيلَ فِي قَوْلِ أَبِي دُوَادٍ الْإِيَادِيِّ؛يَوْمًا سَتُدْرِكُهُ النَّكْرَاءُ وَالْحُوبُ أَيِ الْوَحْشَةُ ؛ وَبِهِ فَسَّرَ الْهَرَوِيُّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى طَلَاقِ أُمِّ أَيُّوبَ: " إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ لَحُوبٌ ". التَّفْسِيرُ عَنْ شَمِرٍ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَيْ: لَوَحْشَةٌ أَوْ إِثْمٌ. وَإِنَّمَا أَثَّمَهُ بِطَلَاقِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ مُصْلِحَةً لَهُ فِي دِينِهِ. وَالْحُوبُ: الْوَجَع . ابن منظور، لسان العرب، مادة "حوب".

[22]  الْحَاءُ وَالْوَاوُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَتَشَعَّبُ إِلَى إِثْمٍ، أَوْ حَاجَةٍ أَوْ مَسْكَنَةٍ، وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ. فَالْحُوبُ وَالْحَوْبُ: الْإِثْمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] ابن فارس، المقاييس في اللغة، مادة "حوب".

[23]  القرآن الكريم، النساء، 4: 3.

[24]  زعيتر،جمال حسين، الجسد رموز ودلالات، ص.369.

 

ميثم الجنابيفكرة الأنا الثقافية الحرة (2)

لقد كان انتقاد الأفغاني لعناصر المُدافَعة الشخصية وشرف النفس والحكومة في آراء الدهريين، هو انتقاد اجتزائها التقليدي من بنية المدنية الأوربية، بوصفه فعلا يفتقد للعقلانية والنزعة الأخلاقية والإنسانية. وذلك لأنه لا يؤدي إلى صنع الوحدة والوفاق الضروريين لعالم الإسلام المجزأ والمتخلف آنذاك. كما أن عقائد المدافعة الشخصية وشرف النفس ما هي في الواقع سوى قيم الفردية البرجوازية المعقولة في منظومة المدنية الأوربية للقرن التاسع عشر. بينما لم تعن بالنسبة لعالم الإسلام وواقعه آنذاك سوى انحلال "هيئة الاجتماع الإنساني" و"المدنية" و"نظام المعاملات" و"صلات البشر"[1].

لقد أدرك الأفغاني قيم الوجود الاجتماعي (هيئة الاجتماع) والمدني (لبس المدنية سربال الحياة) والاقتصادي الحقوقي (استقامة نظام المعاملات) والأخلاقي (صفو صلات البشر من الكدورات). وبهذا كان انتقاده لعقائد الدهريين انتقادا لقيم اللاعقلانية في القومية الأوربية والنزعة الفردية وأخلاقياتها الأنانية، أي أن انتقاده لهذه العقائد جرى من خلال تحجيمها ضمن أطرها الواقعية باعتبارها قيما أكثر مما هي عقائد. وبالتالي فإن الترويج لها هو ترويج تقليدي لا علاقة له بإدراك حقيقة وواقع الوجود التاريخي الذاتي. من هنا فكرته عما اسماه "باعتقاد الإلوهية" و"فكرة الثواب والعقاب" نموذجا مثاليا أوليا للروح الأخلاقي وليس للروح اللاهوتي في موقفه المعارض لقيم التقليد. لقد كان انتقاده هنا يجري من خلال إبراز الطابع غير العقلاني وغير الأخلاقي وغير المدني في محاولات تحويل القيم المجتزئة والمقلدة إلى مبادئ مطلقة (متسامية)، وليس رفض إمكانية دمجها في التآلف العقلاني الإصلاحي. من هنا فإن آراءه ومواقفه بهذا الصدد كانت تحتوي على محاولة إعادة دمجها في نسيج الرؤية الجديدة لوحدة الاجتماعي والمدني، باعتبارها الصيغة المناسبة لفكرة الهوية الخاصة للمدنية الإسلامية ومدنية الإسلام. ومن ثم صياغة الوحدة المعقولة بين التاريخ والثقافة وتنشيطها في الفعل الواعي لأهدافه وغاياته. لهذا رد في إحدى خاطراته على أولئك الذين وجدوا في ارتقاء اليابانيين وتطورهم دليلا على ضرورة عزل الدين عن المدنية، بأن لليابانيين ديانتهم الوثنية. وهي شأن الديانات الوثنية لا تخلو من الآداب والأخلاق. رغم أن في أصولها ما لا ينفع في أحكام الدنيا. بينما الدين في أصوله يدعو إلى السعادة. ولكن "إذا بقي عقيدة مجردة عن الأعمال فلا يحدث منه أثر ولا ينتفع المتسمون به"[2].

تعكس هذه الآراء والمواقف عن أن الأفغاني لم يتجاوز هنا أفكاره الأولية في انتقاده للدهريين، ولا ما وضعه من آراء جديدة في فهم حقيقة الدين. لكنه أضاف إليها إمكانية وضرورة وضع فكرة الأصول في الدين باعتبارها ميدانا للعمل وليس محلا للعقائد الجامدة. فقد وجد في تجرّدها عن العمل ما يعادل الإبقاء عليها بهيئة أصنام عقائدية. ولا يعني ذلك في آرائه ومواقفه سوى أسلوب التأسيس الجديد لفكرة الرجوع إلى المبادئ الأولى، أي صياغة الفكرة القائلة بوحدة التاريخ ومساعيه الدائبة صوب الأمثل. من هنا محاولته جعل وحدة الحق والحقيقة معيارا أساسيا للتدليل على الدين، عندما رد على أولئك الذين وجدوا في الإسلام سبب تأخر العالم الإسلامي. وكتب بهذا الصدد قائلا، بأن "الأديان بمجموعها هي الكلّ، وأجزاؤها هي الموسوية والعيسوية والمحمدية. فمن كان من هذه الأديان كلها على الحق فهو الدين الذي يتم له "الظهور والغلبة". لأن الظهور الموعود به، إنما هو "دين الحق". وليس دين اليهود ولا النصارى ولا الإسلام، إذا بقوا أسماء مجردة. ولكن من عمل من هؤلاء بالحق فهناك "الدين الخالص"[3]. لقد احتوت هذه الفكرة في ذاتها على جوهرية وأولوية الحق، بحيث نراه يطابقها مع حقيقة الدين. أما الدين فإنه لم يعد بالنسبة للأفغاني رديفا للأديان التقليدية. لقد أراد القول، بأن كل ما هو موجود هو حق، وكل ما هو حق هو موجود. وهي فكرة لها رصيدها الكبير وتقاليدها العريقة في الكلام الإسلامي (المعتزلي). أما الحقيقة فهي لسان الموازنة فيما بين الأديان. لكن الحقيقة هنا ليست كيانا معطى مرة واحدة وإلى الأبد بقدر ما هي الكينونة المتجلية في تنوع المبادئ المتسامية ووحدتها في العمل. أما هذه المبادئ بالنسبة له فهي التي ترتبط بمفاهيم الإصلاحية والعقلانية والإنسانية في الإسلام باعتبارها مكونات جوهرية في الوقت نفسه للأصالة الثقافية. ذلك يعني، أن هذه المفاهيم أخذت تجمع في ذاتها وحدة الأصول والمبادئ المتسامية، مما جعلها تحتوي في آن واحد على الفكرة وفاعليتها. ومن ثم فهي تعادل ما وضعه عن وحدة الحق والحقيقة في "الدين الخالص". فعندما تطرق الأفغاني إلى الإسلام في دعوته البديلة، فإنه وجد في أصوله أسس السعادة الممكنة، أي أسس الوحدة الممكنة للروح والجسد، والعقل والوجدان. وليس هذا بدوره سوى الصيغة المعبرة عن وحدة الديني والدنيوي، والدنيا والآخرة. فالإسلام مبني، بنظر الأفغاني، على أساس من الحكمة متين، وبه تجري نيل السعادة في الدارين. أما بلوغها فمحال دون "صفاء العقول من كدر الخرافات" و"الاعتماد على فكرة التوحيد" لا على إنسان أو جماد. وأن تكون نفوس الأمم مستقبلة وجهة الشرف، وإلا تكون "ناقصة في فطرتها عن الكمال"، وأن "تكون عقائد الأمة مبنية على البراهين القويمة والأدلة الصحيحة"[4]. ذلك يعني، أن الفكرة الإصلاحية كما تحتاج إلى قيم الصفاء العقلي والفكرة المتسامية للتوحيد ومساعي النفوس نحو الشرف واليقين بإمكانية الكمال وبناء هذه القيم والأفعال واليقين على أساس البرهان العقلي، فإنها تحتاج أيضا إلى من يجّسدها بالشكل الذي يجعل من عقائدها عن الحق والحقيقة سلطانا أعلى. لهذا شدد على إننا "نحتاج إلى عمل جديد، نربي به جيلا جديدا، بعلم صحيح وفهم جديد لحقيقة معنى السلطان الأول على الأجساد والأرواح"[5]. وإن هذا العمل الجديد والجيل الجديد والفهم الجديد، الذي ينبغي أن يصنع السلطة الجديدة في الروح والجسد الثقافي للأمة، هو الإسلام العقلاني. من هنا تشديده على أن ما يميز الدين الإسلامي عن غيره من الأديان، انفراده في "دفاعه عن العقل واعتباره إياه شرطا في الإيمان"[6]. ولم يضع الأفغاني هذه الفكرة بتقاليد العبارة الخطابية، بل حاول أن يؤسس لها بمعايير وتقاليد العقلانية الفلسفية والأخلاقية ونماذجها النظرية الكبرى عن "المدن الفاضلة". فقد خطط، كما يقول هو عن نفسه، لأن يبرهن على أن "المدينة الفاضلة، التي مات الحكماء على حسرة من فقدها لا تختط في العالم الإنساني إلا بالدين الإسلامي"[7].

إن محاولة الأفغاني استعادة قيم المدينة الفاضلة على أسس إسلامية، باعتبارها الضمانة الوحيدة لتحقيق فضائلها الداخلية، كانت تحتوي على محاولة تأسيس عقلاني لوحدة الحلقة الوسطى المفقودة في المواقف من الإبداع الممكن للفكرة الإنسانية الإسلامية نحو السعادة. فقد احتوت هذه الفكرة في ذاتها على غاية الأحلام المثلى، أو على نموذج التجسيد الممكن للواجب في دراما الحياة وتاريخ الأمم. ومن ثم كانت تحتوي أيضا على توسيع الأبعاد الإنسانية وتعميقها بالصيغة التي تجعلها قادرة على إعادة لحمة الكلّ الإنساني وتناسق فضائله العليا. فهي الرابطة أو الحلقة الوسطى التي كانت تتطابق في آراء الأفغاني مع فكرة الإسلام الجديد في العلم والعمل والأجيال الجديدة، أي في إعادة بناء سلطانه المادي والمعنوي بالصيغة التي تجعله قادرا على صنع وتحقيق مشروعه الثقافي الجديد. إذ أن المدنية الغربية، كما يقول الأفغاني، لا هم لها سوى الاستعباد لا المساواة[8]. أنها لا تعرف حقيقة الاندماج المتناسق، لأنها تفتقد إلى وحدة الفضائل العقلانية الأخلاقية باعتبارها قيما واجبة، على عكس إمكانية الوجوب الإسلامي. ومن هنا رده على أولئك الذين وجدوا في انتشار الإسلام ودعوته للجهاد رديفا لقوة السيف والقتال، بأن ذلك لم يكن إلا بالقدر الذي يستجيب للقوة الغضبية المندمجة في فضائل النفس العقلية وأخذها بالعدل المطلق والمثال الحسن[9]. ومن هنا كان دخول الأمم إليه هو صيرورة أجزاء متكافئة في وحدة الأمة والدولة. وذلك لأن عالم الإسلام هو عالم السلام. بل نراه يضع هذه الفكرة في صلب دعوته لمدنية الإصلاح وأصالته الثقافية. ففي برنامجه الذي أعده لمجلة (العروة الوثقى) نراه يجعل من مهمة الدفاع عن الإسلام والمسلمين إحدى المهمات الأساسية. وكان يقصد بذلك معارضة الأفكار التي تزعم بأن المسلمين لا يمكنهم بلوغ المدنية المعاصرة في حالة بقائهم على أصولهم القديمة[10].

أما محمد عبده، فقد حاول أن يؤسس لوحدة الفكرة الإصلاحية الإسلامية العقلانية من خلال إرساء منظومة التنوير الثقافية. من هنا تتبعه لفكرة الأفغاني عن الإسلام في مبادئه وغاياته، أي إزالة ما اسماه بالشوائب العالقة فيما لا علاقة جوهرية له بمبادئ الإسلام. فالتخلف والنزعة الحربية وما شابه ذلك مما ينسب إلى الإسلام ما هو إلا نتاج الاستئثار بالسلطة، والجهل بالإسلام. ولم يقصد بالجهل والجهلة هنا سوى أولئك الذين لم يشذب الإسلام ويهذب أرواحهم وعقولهم[11]. إذ ليس القتل والقتال، كما يكتب محمد عبده، من طبيعة الإسلام، بل في طبيعته العفو والمسالمة… والقتال فيه لرد اعتداء المعتدين على الحق وأهله[12].

إن هذه الصيغة العامة للدفاع عن الإسلام ضد معارضيه آنذاك، هي محاولة اكتشاف وتأسيس الإسلام الثقافي، أو الإسلام الإنساني والإصلاحي والعقلاني. ولهذا أكد على أن الإسلام خلافا للأديان كلها، والتي عادة ما تبنى عقائدها الإيمانية على المعجزات والخرافات هو دين العقل[13]. ومن هنا تأكيده الخاص على طبيعة العلاقة بين العلم والإسلام، التي أسس لها بالطريقة التي يمكن اعتبارها مبادئ عامة للإسلامية الدنيوية، أي تلك التي وجدت في العلم وضرورته إحدى الخصائص المميزة لحقيقة السلام وحضارته. ومن هنا استفاضته النسبية في كشف واقع ارتباط تطور العلم في حضارة الخلافة بقوة الإسلام، تماما كما أن ضعف الإسلام أدى إلى انهيار العلوم (الطبيعية والإنسانية). ليس ذلك فحسب، بل وأن تطور الإسلام وقوته تكشف عن انه الضمانة الكبرى لحرية الفكر والإبداع. وان العكس هو الصحيح. بمعنى أن انحطاط الإسلام والجهل به أدى إلى انحطاط قيم المعارف العلمية وحرية الإبداع والفكر. فالإسلام هو الذي وضع فكرة العقل والإدراك وتأمل الوجود في صلب تصوراته، كما يقول محمد عبده. وأن رفضه الأولي والمبدئي لفكرة المعجزة، هو الذي مهّد لاهتمامه المبكر بالعلوم، بحيث جعل بعض الخلفاء (كالمأمون) "يضطهد" من يعارض العلوم والفلسفة[14].

إن الإسلامية الدنيوية عند محمد عبده، هي إسلامية الروح الثقافي. وهي الفكرة التي لم يجد محمد عبده حرجا حتى في رفع "امتحان" المأمون واضطهاده لمعارضي الفلسفة والعلوم إلى مصاف النموذج الرفيع، دون أن يعني ذلك قبول أساليبه العملية المباشرة. إذ لم يسع محمد عبده من وراء انتقاده التنويري للتجربة التاريخية إلى رفع شأن الماضي، ولا إلى التقليل من قيمة الأنا الثقافية، بقدر ما انه أراد توحيدهما فيما يمكنه أن يكون أسلوبا جديدا لإدراك حقيقة العلاقة المفترضة بين الديني والدنيوي في الإسلام المعاصر، أي التأصيل للأصولية الثقافية. فقد احتوت هذه الأصولية الثقافية في موقفها من وحدة الديني والدنيوي، أو ما اسماه محمد عبده بالجمع بين مصالح الدنيا والآخرة، على أصل معقول من وجهة نظر الواقع والآفاق. فالحياة في الإسلام، كما يقول محمد عبده، مقدمة على الدين[15]. إذ كيف يتسنى للمسلم "أن يشكر الله حق شكره إذا لم يضع العالم بأسره تحت نظر فكره، لينفذ من مظاهره إلى سرّه، ويقف على قوانينه وشرائعه، ويستخدم كل ما يصلح لخدمته في توفير منافعه؟"[16]. ونعثر في هذا الترتيب للأولويات على استيعاب عقلاني جديد لوحدة الديني والدنيوي. ومن ثم إدراج هذا الترتيب في إطار ينبغي أن يخدم تأصيل الأصالة الثقافية للعقلانية الإسلامية، عبر تأسيس الوحدة المرنة بين الماضي والحاضر، والحقوق والأخلاق، والروح والجسد، والمعرفة والمنفعة. فهي الثنائيات غير التقليدية للفكر الإسلامي، وفي الوقت نفسه هي ثنائيات إسلامية في وحدتها النموذجية. من هنا إمكانية فاعليتها المؤصلة للأصالة بالنسبة لمشروع الإسلام الثقافي وتقاليد الاعتدال المميزة لفكر محمد عبده. وهذه بدورها ليست إلا إحدى الصيغ العقلانية، التي كانت تبحث عن طريق مناسب لتأسيس وحدة الفضائل في الوجود الاجتماعي والسياسي والأخلاقي للأمم. أما صيغتها في إصلاحية محمد عبده العقلانية، فقد جرت من خلال تنشيط روح الاعتدال المتنور بذاته، باعتباره البديل الضروري للعالم الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص، بما في ذلك من وجهة نظر تحديه التاريخي للغرب الأوربي آنذاك. لهذا شدد على أن السلطة المدركة والعاملة بأحكام الإسلام والمتمسكة بما قرره الأولون وما اكتشفه الآخرون، وبأن القرآن لآخرتهم والعلم لدنياهم، قادرون على مزاحمة الأوربيين والفوز عليهم[17].

إن هذا التأصيل غير المباشر لفصل الدين عن الدولة، أو وحدتهما الجديدة في العلاقة المرنة لأولوية العلم والحياة في الوجود الاجتماعي السياسي لعالم الإسلام، ما هو في الواقع سوى التوليف النقدي البارع للفكرة المنطقية في تاريخ الإسلام الثقافي. وليس مصادفة أن يضع محمد عبده أصل "قلب (تغيير) السلطة الدينية" في صلب أصول الإسلام. ومن خلال هذا الأصل حاول البرهنة على أن الإسلام لا يقر بأي سلطة دينية لأي كان[18]. ولا يعني عدم الإقرار بالسلطة الدينية لأي كان سوى افتراض بدائلها في أصل العقل والعمل الحر. وأسس لهذه الفكرة فيما وضعه عن أصول العقل والحاكم العقلي. وبما انه لم يضع للعقل حدودا في الحياة، ولم يقيد أي من أفعاله العلمية بالقرآن، فإن اندفاع صيغة العقل الإسلامية يعادل اندفاع صيغته الثقافية المتجددة. وهي ذات الفكرة التي استحوذت على ذهنية الإصلاحية الإسلامية ككل. وإذا كانت هذه الفكرة توحي في مظهرها الخارجي كما لو أنها استعادة لفكرة التكرار والدوران التاريخية، فإن مضمونها الفعلي قد تباين عند ممثلي الإصلاحية الإسلامية. فقد اتخذت عند الأفغاني صيغة "إسلام الحق والحقيقة"، وعند الكواكبي صيغة "إسلام القومية والعقلانية"، أما عند محمد عبده فقد اتخذت صيغة ما يمكن دعوته بإسلام الزمن الثقافي. وهو إسلام لا معنى للتكرار فيه. إذ لا تعقل حقيقته خارج ارتباطه الصميمي بتراثه الخاص، باعتبارها ألفة الأنا المعتبرة بتاريخها. فعندما ناقش محمد عبده قضية الإسلام والمدنية، فإنه أشار إلى أن "الإسلام لم يقف عثرة في سبيل المدنية أبدا. ولكنه سيهذّبها وينقّيها من أوضارها. وستكون المدنية من أقوى أنصاره"[19]. وأن "القرآن الذي كان يتبعه العالم حيثما سار شرقا وغربا لا بد وأن يعود نوره إلى الظهور ويحرق حجب هذه الضلالات"[20].

إننا نعثر في الصيغة المذكورة أعلاه على موقف يذلل تقليدية الفكرة القائلة، بأن "الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ". بل نعثر فيها على نفي عقلاني لوحدة التاريخ الثقافي في سعيه لتذليل عثراته الخاصة وملء فجواته من خلال استناده إلى وحدة وجوده الحق. وهذا بدوره ليس إلا الاستيعاب الجديد للإصلاحية في تاريخها الخاص. مما حدد بدوره قيمة الزمن الثقافي لا التاريخي. وذلك لأن محمد عبده أراد ربط مراحل التاريخ الذاتي بما في ذلك في فجواته، باعتبارها عِبَراً. ومن ثم ضغط "تاريخ الحق" في روح التفاؤل، باعتبارها المقدمة الذاتية للأصالة والأصالة باعتبارها تفاؤلا. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "الذي مضى بيننا وبين مبدأ الإسلام ألف وثلاثمائة وعشرون عاما، وإنما هي يوم أو بعض يوم فقط من أيام الله… وإن آيات الله في الكون تشهد بأن ما بقي لهذا النظام العظيم يقصر عن تقديره كل تقدير"[21]. وإذا كان محمد عبده يدرك قيمة الحقائق المتباينة بين الزمن "الآلهي" والإنساني، فإن إقراره ببقاء النظام العظيم للكون والفساد أو الصيرورة الدائمة في الوجود، يستلزم بالضرورة الهبوط إلى تاريخ الثقافة، لا إلى روحها الإنساني المجرد، أي إلى حركة التاريخ المدركة لا إلى نهايته اللاهوتية. من هنا مقارنته القائلة بأن المسيحية (والغرب الأوربي) ظلت ما يزيد على ألف سنة قبل أن يظهر فيها العلم، أو تنشأ الحرية الشخصية أو تسري فيها الحركة العلمية وإلى ما فيه صلاح الجمعية الإنسانية، في حين انه لم يمض على المسلمين من يوم استحكمت فيهم البدع إلا اقل من ثمانمائة سنة[22]. وهي إشارة تتضمن في زمنها التاريخي تلميح غير مباشر إلى مرحلة سقوط الخلافة العباسية، وفي زمنها الثقافي إلى انهيار الكيان الثقافي الإسلامي الحق.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] إن هذه الفكرة النقدية العميقة التي بلوها الأفغاني قبل أكثر من قرن من الزمن لم تفقد قيمتها المنهجية والسياسية والاجتماعية لحد الآن، بل أنها تبدو أكثر حيوية وجوهرية بالنسبة للوعي النقدي الذاتي المعاصر. فالنزعة التقليدية في الوعي العربي الحديث والمعاصر ما زالت تتسم بطابع المراهقة بهذا الصدد. واكتفي هنا برديف معاصر للنقد الأفغاني القديم بنقد الاتجاه التفكيكي ومنهجه بشكل خاص. وبغض النظر عن أن التفكيكية بالنسبة لي ليست فلسفة عميقة بل أقرب ما تكون إلى أحد المناهج النقدية اللغوية وفلسفة الألسنيات، لكنها تتخذ في الذهنية العربية المستلبة هيئة الاهتمام المفرط والمغرم بولع "تفكيك" النصوص أو الثقافة العربية الإسلامية القديمة والحديثة في وقت لم يبلغ العالم العربي حالة التكامل في بنية الدولة والوطنية والقومية والأمة والثقافة. الأمر الذي يجعل من التفكيك تخريبا للعقل النقدي الفعلي والرؤية الواقعية والاحتمال المستقبلي. وهو أسلوب وذهنية يمكن أن نطلق عليهما صفة الذهنية القردية الفرحة بألعابها البهلوانبة الفارغة.

[2] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص199.

[3] المصدر السابق، ج1، ص293.

[4] المصدر السابق، ج1، ص173-176.

[5] المصدر السابق، ج2، ص456.

[6]المصدر السابق، ج1، ص177.

[7] المصدر السابق، ج1، ص178.

[8] المصدر السابق، ج2، ص439.

[9] المصدر السابق، ج2، ص439.

[10] المصدر السابق، ج2، ص524.

[11] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص31.

[12] المصدر السابق، ص82.

[13] المصدر السابق، ص72.

[14] المصدر السابق، ص97-111.

[15] المصدر السابق، ص87.

[16] المصدر السابق، ص92.

[17] المصدر السابق، ص31.

[18] وهي الفكرة التي حاول فما بعد علي عبد الرازق تدقيقها وتحقيقها الفكري السياسي في كتابه (الإسلام وأصول الحكم)

[19] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص144.

[20] المصدر السابق، ص144.

[21] المصدر السابق، ص145.

[22] المصدر السابق، ص167.

 

ان نظرة عامة في خمريات الششتري، يجد انها اشعار بسيطة وسهلة في ظاهرها، رغم وجود مصطلحات وتعابير صوفية كثيفة بدلالتها الرمزية الخاصة، مما ينم عن قدرة فائقة على مفاعلة التصوف بالابداع، فقد حاول استثمار الامكانيات التواصلية التي تتيحها اشعار الخمريات، وذلك يتبع ميراث السابقين بأعرافه وتقاليده، فإنه يتجاوزه، ويتجاوز كذلك ظاهر الشريعة، التي تحرم الخمر المادية تحريماً قاطعاً، فيلجأ الصوفي الى التأويل لايجاد أوجه التقاء بين جوهر الخمر، وما يحدث للصوفي من نشوة، وتغيب أثناء الفناء في الذات الالهية، وهكذا يكون السكر عند الصوفية مختلفاً عن السكر الناتج عن الخمر المادية في كونه يعقبه الصحو، ولا يعني الصحو هنا مفارقة حالة السكر بصورة تامة، وإنما الترقي الى حالة أرقى " لإن موضوعها نور خالص بل نور الانوار فلا عجب أن ينعكس سناها على سيماء العارفين والمحبين الالاهين"، فهي خمرة تشربت منها أرواح العارفين فلم يعرف الحزن طريقهم، لانه من أغترف من معين المحبة الالهية لايضمأ ابداً، بل إن المغترف لهذا الشراب الروحي يتجلى في باطنه" فرح ونشاط وهزة وانبساط"، لإنها "شراب الحقيقة يتجلى الله به على حقيقة بعض المخلصين الصادقين من عباده".

وإذا بدأت في تناول المز الصوفي للخمر في النص الصوفي الاندلسي، نجد أنفسنا أمام الششتري الذي صور نشوته بالحب الالهي بنشوة الخمر فأتخذ نفس لغة شعراء الخمر السابقين بما تحتوي عليه من دنان وسقاة، ولا شيء من ذلك" إنما هو جمال الذات الالهية دلع في قلبه وحواسه"، ليقول:

طاب شرابُ المدامِ في الخلوات                أسقني يا نديمُ بلآنياتْ

خمرة تركُها علينا حرامٌ                         ليس فيها إثمٌ ولا شبُهُاتْ

عُتقِّت في الدنِّانِ من قبل آدم                   أصلها طيبٌ من الطيباتْ

ومن علامات التحول العرفاني لرمز الخمر، الكلام على الاديرة المسيحية والرهبان والنواقيس، بما يذكرنا بالخمريات الحسية بالعصر الجاهلي، ويحدثنا الاستاذ عاطف نصر عن وجه الارتباط بين الطقوس المسيحية والخمريات الجاهلية، فيقول"ويرجع الارتباط الى إن نفراً من تجار الخمر كانوا من نصارى الروم، وأن نفراً من الجاليات المسيحية التي أختلطت بالعرب، كانوا يعاقرونها". اما الصوفية فقد اتجهت بهذا الارتباط متجهاً آخر، رمزت من خلاله بأهل الاديرة الى العرفاء الذين ورثوا مقاما عيسويا روحانياً، فهؤلاء الصوفية تذكروا هذه المدامة وأشرفوا بها على عالم الارواح المجردة عن الظلمات، فزج بهم في النور المحمدي الجامع لجميع مقامات الانبياء، ولا يفتأ الششتري يذكرنا بتجرد مدامته عما نعرفه من أغوار أذهاننا من صور محسة، فيقول:

ولمّا أتيت الدير أمسَيتُ سيّدا        وأصبحتُ منْ زهوي أجر به الذيلا

سَألت عن الخّمارِ أين مَحلَّهُ          وهلْ لي سبيل للوصُوُل به أمْ لا

فقال لي القسَّيسُ ماذا تُريدهُ         فقُلتُ أريدُ الخمرِ منْ عنده أملاَ

فقالَ ورأسَي والمسيحِ ومريّمِ      وديني ولو بالدَّرِ تَبذلْ بهِ بَدلا

فقلت أزيدُ التَبرَ للدر قالَ لا        ولو كانَ ذاك التُبرُ تكتاله كيلا

فقلت له أعطيك خُفي ومُصحفي   وأعطيك عُكازاً قطعتُ به السبلا

فقال شرابي ـ جلَ عما ـ وصفته   وخَمرتنا ممّا ذَكرتَ لنا أغلى

فقلت لهُ دَعْ عنك تعظيمَ وصفِها    فخمرتكم أغلى وخرقتنا أعلى

ولكنَّها راحٌ تقادم عهدِها            فما وصُفتْ بَعدٌ ولا عرفت قبلا

أقر بأنّ اللهَ لا ربَّ غَيرُهُ          وأنّ رسول الله أفضلهم رسُلا

عليه سلام الله ما لاح بارقٌ       وما دام ذكر اللهِ بينَ الورى يتلى

وهذه الخمرة مثل المحبة: قديمة أزلية ظهرت بواسطتها الاشياء وتجلت الحقائق، وأشرقت الاكوان "وهي الخمرة الازلية التي شربتها الارواح المجردة فانتشت، وأخذها السكر واستخفها الطرب قبل أن يخلق العالم"، ويؤكد ابن عربي هذا المعنى في قوله:

وأشرب سلافة خمرها  بخمارها        وأطرب على غرد هنالك ينشد

وسلافة من عهد آدم أخبرت             عن جنة المأوى حديثاً يسند

 جعل الخمر سلافة ـ فهي علوم ربانية ومعارف قدسية الهية تورث الابتهاج والفرح.

ويعلن احمد بن يحيى الالبيري عن أتجاهه التجريدي للخمر الحسية من متعلقاتها المادية، فجاءت تعبيراً جياشاً عن أفتراق الروح وهجرة النفس بوارد الجمال الالهي، فقد" سَكر سُكَّراً روحّياً حين طالعت روحه روعة الجمال الازلي المطلق"، أنه شراب بروضة الحب الالهي رحيقاً مصفى أمتزج بروحه فحنت قوى نفسه شوقاً الى عالم الحب الالهي، ليقول:

شربت بكأس الحب                    من جوهر الحب

رحيقاً بكف العقل                     من روضة الحب

وخامر ماء الروح                    فأهتزت القوى

قوى النفس شوقاً                      وأرتياحاً الى الرب

ونادى حثيثاً                           بالانين حنينها

الهي الهي                              من لعبدك بالقرب

أما ابن جنان فقد قدم نفسه وكينونته هدية للمحبوبة االتي أسكرت وعيه وتربعت على عروش احاسيسه فتألقت في اشعاره، وتوهجت في تراتيله سحراً وغيبوبة وانتشاء، فقد معها الشاعر تواصله بعالم الآدميين، فنظم في عرفهم ما يحتاج شرحاً وترجمة وتأويلاً، يقول:

له الكلّ مني بل هو الكلّ وحده       فمن أنا؟ لا أدري، حَسري ولا أدري

فنيت به لمّا سّكرِت بحّبه          فمحويّ إثباتي، وصحّويّ في سكري

سقاني بأكواس المحبةِ صرفها         فيا حّبذا المحبة من خمري

فيا من سقاني من مدامة لطفه         أدرها على حالات سري والجهر

اما لسان الدين بن الخطيب فلسانه يجول في الروحاني، فيستخرج ما بداخله من حالات وجدانية، ويعادل بينها وبين صور الخمر الحقيقية، إنه نزع عنها الثوب الحسي الذي ترفل فيه في فضاء الصورة الذهنية، وحرمها التحقق، وجعلها تنأى بجوهرها عن دلالة الوضع، فهذه الخمرة تتجاوز المعطى المادي، فهي إشراق أنوار التجليات الالهية على قلوب الذاكرين، يقول:

فأشرب على ذكر الحبيبِ وسقّني     صهباءَ تشرقُ في الظلام الداجي

من خمرة السرِّ المقدسة التي         كِلفت بطاساتها يدُ الحلاّج

وأرت له الاشياءُ شيئاً واحداً       فغدا يخاطبُ نفسه ويُناجي

إذ يصرح العرفاء إنه كلما أتسعت معاني العرفان كلما ضاقت اللغة العادية عن أستيعاب مضامينهم، وبذلك يصبح غي الشاعر، تهتكه، وتمزيقه أثواب الوقار أشياء محببة ومبجلة، وهذا ما نجده في قول الششتري:

زارني من أُحب قبلَ الصباح        فحلالي تهتُكي وافتضاحي

وسقاني وقال نم وتسلَّى             ما على من أحبَّنا من جُناحِ

فأدر كأس من أُحِبُّ وأهوى        فهوى من أُحبُّ عَين صَلاحِ

لو سَقَاها لميتٍ عادَ حيَّا             فهي راحي وراحة الارواحِ

لاتلمني فَلست أصغي لِعذلٍ          لا ولو قُطّع الحشا بالصياحِ

لقد نقل الششتري هذا " التراث الخمري بأكسير العرفانية الى رموز شعرية، لوّح بها الى معاني الحب والغيبة عن النفس بقوة الواردات، والوجد الصوفي العارم واليكر الالهي المعنوي بمشاهدة الجمال المطلق ومنازلة الاحوال والتجارب الذاتية العالية"، ليقول:

شربنا كأسَ من نهوى جهاراً                فهمنا عندَ رؤيته حيارى

وشاهدنا بها السَّاقي تجلىَّ                   فصرنا من تجليهِّ سكارى

طلبنا الأمن من ساقي الحُميَّا                فنادى لاحجابَ ولا ستارا

رأينا الكأس في الحانات تجلى              ظننا أنّ في الكاساتِ نارا

 

الاستاذ المساعد: ليلى مناتي محمود

كلية اللغات / جامعة بغداد

 

جدلية - الوصية والميراث – هذه الجدلية المصطنعة التي نشأت وكبرت بفعل فاعل أراد لها أصحابها أن تكون كذلك، هي جدلية سلبية قامت على أساس مقولة مكذوبة جاء فيها أن: - لا وصية لوارث -، مقدمة في ذلك خطاباً فقهياً وشرعياً مضطرباً ومخروماً، إن منتجي هذه المقولة أستغلوا بساطة وعاطفة العقل الإسلامي وتصديقه وميله للتسليم بكل ما يُنسب إلى النبي من أقوال، ولا يغرب عن البال إن مقولة: (لا وصية لوارث) إنما وردت بصيغة خبر نبوي كانت في أصلها عبارة عن دعاية إعلامية وتجييش سياسي مضاد، جاء لا حقاً في خصوص التخاصم في قضية الأحقية في الخلافة، فالقائلين بها إنما سربوها ونشروها من أجل تدعيم وتعضيد نظريتهم بعدم صحة الوصية لفاطمة من أبيها بأرض فدك الشهيرة - .

جاءوا بها محفوفة بطابع إجتماعي ولكنها تُخفي هدفاً و إتجاها سياسياً في رفض تولي علي بن أبي طالب الخلافة بعد رسول الله، هذا أن قرأنها بصورة موضوعية بعيدة عن التكلف والإيحاء الفقهي الركيك، ودالتنا على ذلك طبيعتها وكيفيتها .

نعم إن واضعوها لم يلتفتوا إلى إنها في الحقيقة تعارض نصوصاً صريحة في الكتاب المجيد جاءت لتؤكد على صحة - الوصية للوارث -، ومن بين هذه النصوص قوله تعالى: - [كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت، إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين] – البقرة 180، وقوله تعالى: - [يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ...] - النساء 11 .

ولفظ - كتب - في لغة النص 180 تدل على الوجوب والإلزام، وقد ورد اللفظ بصيغة الفعل وبعبائر مختلفة و متنوعة منها قوله تعالى: [كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ..] البقرة 183، وقوله تعالى: - [كتب (ربكم) على نفسه الرحمة ..] - الأنعام 54، 12، واللفظ في صيغة الفعل (الأمر) وسواء قد أستخدم في باب الفرائض أم في أبواب أخرى فدلالته على الوجوب، وفي النص 180 من سورة البقرة ورد التأكيد على أن من يشعر بالموت أو حتى من قبل ذلك، [- إن ترك خيراً الوصية -]، ومفاد التأكيد في الفعل ورد بصيغة - إن ترك خيراً الوصية - وفعل - ترك - من أفعال الأضداد الذي يحتمل الأمر فيه السلب والإيجاب بحسب الوضع والطبع، وهكذا في مسألتنا هذه فهو يريد الإيجاب بدليل وجود صيغة المفعول - خيرا -، وكذا في الإشارة للمحل الواجب الذي ورد فيه الأمر بالوجوب وهو - (الوالدين والأقربين) -، والوالدين بحدود ما نفهم إنهما من أهل الميراث ومع ذلك تصح الوصية لهم، والقول بالوجوب بحسب المعنى المضمر لكي لا يُضام أحد من هؤلاء محل الوصية .

 والوصية: - هي عهد مكتوب أو تعهد مكتوب غايته الحفاظ على حقوق البعض خوفاً من البعض الأخر - وإضافة لفظ المكتوب إلى العهد من باب الإحتياط والإحتراز، والتعليل بالخوف مشعر بوجود تجاوز أو تجني يحصل بفعل توزيع الأنصبة لدى البعض، فجاء الفعل بمثابة الحماية من الوقوع بالخطأ، وأما الأصل الدلالي لفعل - وصى الثلاثي - فقد جاء مقروناً بحق التصرف في كل ما يمكن أن تصح معه (الوصية)، قال تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ..) - البقرة 132، قال أبن منظور أوصى الرجل إلى أحد ووصاه أي عهد إليه .

 ولم يفرق الكتاب المجيد في أصل الوصية بين قريب وبعيد ولا بين وراث وغيره، والوصية في الكتاب مؤلفة من جزئين (مادي ومعنوي)، ولا يصح فيها التنفيذ من غير القدرة والإستطاعة، شأنها في ذلك شأن باقي الفرائض، وشرط الحرية لازم في الموصي والموصى له ومع عدم التقييد نلتزم بالإطلاق .

 ولا تناقض بين الوصية واحكامها والميراث وشروطه، فقوله تعالى: - ووريث سليمان داوود - النمل 16، لا يناقض قوله تعالى: - ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب .. - البقرة 132، فسليمان الأبن هو الوارث لأبيه داوود وهو الوصي، ولا مانع من أن يوصي داوود لأبنه سليمان في ذلك في الشؤون المادية والمعنوية، فوصية يعقوب لبنيه جارية هنا أيضاً في مقام سليمان وداوود - أنظر 132 من سورة البقرة -، مع العلم إن داوود لا يورث سليمان العلم والنبوة، ولكن يورث له المال والمتاع وأشياء أخرى، بإعتبار إن العلم كسب والنبوة إصطفاء وهما لا يورثان، وأوصاه بالصلاة والزكاة وغيرهما من شمائل الأخلاق، وحدث هذا مع علي بن أبي طالب وصي رسول الله محمد بن عبدالله ووارثه، فقد أوصاه بتأدية الأمانات ورد الحقوق إلى أهلها، قال أبن منظور في اللسان: - (وقيل لعلي عليه السلام وصِيٌّ لاتصال نَسَبِه وسَبَبه وسَمْته بنسب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسَبَبه وسَمْته قلت كرَّم الله وجه أَمير المؤمنين عليّ وسلَّم عليه هذه صفاته عند السلف الصالح رضي الله عنهم) -، ولا يتعلق أمر الوصية هذا بموضوعة الخلافة و الحكم، فتلك قضية يبت بها عامة الناس حين يختارون وحين ينتخبون، ومع إن بعض القوم قد أحتجوا بحقهم في الخلافة كونهم من قريش أو بتعبير تاريخي - نحن الشجرة -، فرد عليهم علياً عليه السلام بنفس المنطق قائلاً - ونحن ثمرة هذه الشجرة -، ومع إن محتوى ومضمون هذه المحاججة لا تصح في قضية الحكم والخلافة، لأن المتعلق هنا هم الناس وليس القرابة أو النسب أو حتى الوصية، فالأصل في الحكم في الإسلام هو رأي الناس وما يعتمدون ويقررون فيه .

نعم ولا يمنع أن يأتي لفظ الوصية مقروناً بسياق خاص يدل عليه وعلى المُراد منه والمتعين (في باب المعنويات والقيم)، فحينما يقول الله تعالى: - [ووصينا الإنسان بوالديه حسنا..] - العنكبوت 8، في سياق ما هو غيره حينما يقول: - [شرع لكم من الدين ما وصَى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى، أن أقيموا الدين ولاتتفرقوا فيه ..] - الشورى 13، فالوصية بإقامة الدين كانت هدفاً مقصوداً بذاته لذاته، وقيام الدين هنا صيغة دالة على (تحرير الدين) من كل السلطات التي تحد من نشاطه وتقدمه، أي تحرير الخطاب من وضعه السكوني ليكون أكثر حيوية وحركية، وهذا بالضبط ماكان يريده الله وجميع أنبياءه ورسله، وهذا المعنى متعين في الحياة وليس لما بعد الموت .

 والوصية: - يجب أن يتشارك في تنفيذها وإجرائها كل قادر ومستطيع على الوفاء بها والقيام -، وتجب على جميع الأطراف من جهة التنفيذ، وعلى هذا المبدأ وصى إبراهيم بنيه ويعقوب، ولم يقل أحد: إن من لوازم صحة الوصية المعنوية أن تكون لما بعد الموت، ولم يدل الدليل من الكتاب على ذلك كذلك، ففعل الخيرات وإقام الفرائض شرطه (أن يكون الموصي والموصى له على قيد الحياة) .

 ولا يذهبن بكم الخيال إلى تحريف متعمد لمعنى قوله تعالى: (ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آباءك ابراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون) البقرة 133، عن ظاهره وخطابه الوارد في صيغة الإستطراد، وفي صيغة الموافقة والتأكيد على مواصلة النهج والمتابعة، وهذه الصيغة جارية في الكتاب كما هي جارية في لسان العرب، حين يُراد التأكيد على المؤكد بالفعل وبالقوة (في المعنى الكلامي)، وتدخل في هذا الباب كل دعوات الخير والصلاح والتقوى، يدل على ذلك قوله تعالى: (ولقد وصّينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ...) النساء 131، وفعل - أتقوا - من الوقاية والتي منها التقوى بمعنى الحماية والحرص والإحتياط بل وتأمين اللوازم والمعدات الواقية، و الفعل في أصله يتكون من المفاهيم القيمية والأخلاقية، التي تعم وتشمل في إرادتها جميع معتنقي الرسالات من - يهود ونصارى وصابئة ومجوس ومؤمنيين - .

نعم وتصح الوصية من الله للعبد في هذا الجانب، أعني مسألة الصلاة والزكاة وغيرهما من الفرائض، كما في قوله تعالى بلسان عيسى النبي: (.. وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً ..) مريم 31 .

 كذلك قد شمل الكتاب المجيد موضوعة الصراط المستقيم (أو الوصايا العشر) من موضوعات الوصية، كما في قوله تعالى: - [قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم:

1 - ألاَّ تشركوا به شيئا .

 2 - وبالوالدين إحسانا .

3 - ولا تقتلوا أولادكم من إملاق .

4 - ولا تقربوا الفواحش ماظهر منها وما بطن.

5 - ولا تقتلوا النفس التي حرم الله (ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) .

6 - ولا تقربوا مال اليتيم .

7 - وأوفوا الكيل والميزان بالقسط.

8 - وإذا قلتم فأعدلوا .

9 - وبعهد الله أوفوا (ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون) .

10 - وأن هذا صراطي مستقيماً فأتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، (ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) - الأنعام 151، 152، 153 .

 فالصراط المستقيم لفظة يكررها لسان المؤمنيين في الصلاة وغيرها كل يوم مرات في صيغة: (أهدنا الصراط المستقيم)، والتي هي نفسها - الوصايا العشرة - التي ذكرت في سورة الأنعام وفي الكتب المقدسة الأخرى، وبما إن أجزائها متعلقة بحياتنا لذلك فعلاقتنا بها علاقة دنيوية وليست أخروية، فالصراط المستقيم: - هو ليس ذلك الشيء المتخيل في ذهن وألسن الناس -، ولا هو الشيء المحكي عنه في الأخرة، والذي صنعته مُخيلة رواة جهلة وصانعي أخبار وقصص متهالكة، بل هو هذه الأشياء العشرة التي أوصانا بها الله لنعيشها في الدنيا ونتحرك معها ونلتزم بها، فهي السبيل الذي أختطه أو أنتخبه الله للناس في حياتهم، هذا من جهة .

 ومن الجهة المقابلة: هناك الوصية المادية الأكثر تداولاً وأهمية لدى عامة الناس، لما لها من إرتباط بقضاياهم المادية وعلاقاتهم العامة، ولكي لا يقع الناس في الخلط المتعمد ومن أجل حل التشابك في هذه الثنائية، عمد الكتاب المجيد إلى ترتيب الأولويات بحسب مجموعة صيغ أبتدئها في:

 1 - قوله تعالى: - [يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كن نساء فوق أثنتين فلهن ثلثا ماترك، وإن كانت واحدة فلها النصف ..] - النساء 11، إذن فالأمر الأول في هذا النص جاء في صيغة - يوصيكم الله -، وجملة (يوصيكم الله في أولادكم) جملة خبرية تدل على البيان والشرح والتعليل كذلك، أي في الكيفية التي يجب معها تقسيم الميراث على الأولاد، بحسب النسق والمقام التالي:

 النسق الأول: أن يكون ذكراً واحداً في مقابل أنثيين .

النسق الثاني: أن تكون نساء فوق أثنتين .

النسق الثالث: أن تكون أنثى واحدة .

 ففي الحصة الأولى: - إن كان ذكراً واحداً في وجود أنثيين -، قال (للذكر مثل حظ الأنثيين)، ولكن ماذا يعني هذا ؟، قال: يعني أن تكون القسمة بينهما متساوية بين هؤلاء الثلاثة، هذه هي القاعدة الأولى والتي على أساسها أقام الله مبدأ توزيع الثروة بالعدل، (ثم إن الله لم يقل - مثل حظي - بل قال مثل حظ -) والفرق بينهما لغة ودلالة معلوم لا يخفى على أهله، فيكون المُراد بحسب هذا النص: - إن ما للذكر الواحد من ميراث يساوي نصيب وحق كل واحدة من الأنثيين -، (أي أن يكون الميراث مقسوما على ثلاثه وليس على أثنيين)، بحيث يكون لكل واحد منهما الثلث من أصل التركة، أعني: - إن الرجل المتوفي لو ترك ذرية من ثلاث أبناء ذكر وأنثيين، فيكون لكل واحد من هؤلاء الثلاثة الثلث، أي للذكر ثلث وللبنت الأولى ثلث وللبنت الثانية الثلث الأخر -، بمعنى إن الله قد جعل حصة كل واحد من هؤلاء الثلاثة مساوية لحصة الآخر، فللذكر ثلث ما ترك وللأنثيين الثلثان كل واحدة منهما الثلث، وبذلك يكون لكل واحد منهم الثلث، ولهذا عبر النص عن ذلك بقوله: إن حظ الذكر مثل حظ الأنثيين سواء بسواء - .

 وليس كما يقول فقهاء التراث: - الذين قدموا للذكر مثل حظي الأنثيين، بحيث جعلوا من المطلوب عكس مُراد الله وقوله -، وهم في ذلك قد أنطلقوا من تفسير تاريخي وقبلي ذكوري، قد حرم المرأة حقها الطبيعي المنصوص عليه من قبل السماء، فالمرأة وبحسب النص المتقدم تعتبر - هي القاعدة - التي على أساسها يجري القياس ويتم التوزيع، أي إنها في الكتاب المجيد وفي أم الكتاب هي الثابت والذكر هو المتغير .

 وهذا المعنى أيضاً نشاهده في الحصة الثانية من النص، حين جعل الله حصة الأناث إن كن فوق أثنتيين، قال فلهن (الثلثين دائماً)، والكلام هنا في أصل التركة وفي شرط صحة الوصية، وهذا من دون النظر لعدد الذكور فالمهم هو قياس وتحديد حصة الأناث، وما يتبقى فللذكور سواء أكانوا واحداً أم أكثر، فهم شركاء في الثلث الباقي من أصل التركة .

 وهذا ما نجده جلياً في الحصة الثالثة حيث جعل الله للمرأة نصف التركة إن كانت واحدة، والباقي يوزع حسب مراتب العصب من الأبناء والأباء وغيرهم، المهم في بحثنا التركيز على ما تبناه الله في الكتاب المجيد، وليس كما يدعيه فقهاء التراث في تقسيم التركة لتوافق رغبة الذكر ..

2 - في قوله تعالى: - [والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج] - البقرة 240، لفظ - أزواجاً - ورد بصيغة المُنكر والدال على الذكر و الأنثى معاً، وصيغة - أزواجا - تدل على الإقتران المنبثق عن الميثاق الغليظ، واللفظ عام ولا قرينة فيه ولا قيد يخرجه عن وضعه هذا، وكذا لفظ - وصية - كذلك وسواء أقرأناها بالنصب أم بالرفع، فدلالتها و مُرادها على الأثنيين واحد - الزوج والزوجة -، ذلك إن لفظ - أزواجا - المُنكرة دالة كما قلنا على العلاقة المشروعة بين الذكر والأنثى والتي تقع وفقاً لميثاق غليظ، ويخرج من هذا الوصف كل ما يقع خارجاً كالنكاح الذي يتم بصيغ - المتعة أو بملك اليمين -، لذلك قال: يجب على الزوج الذكر و على الزوجة الأنثى الوصية لبعضهم البعض، مقرونة بهذا القيد (إلى الحول) وهو قيد إحتراز مهمته المراقبة والفحص لما بعد الوفاة، نعم تتجدد الوصية ويتجدد المتاع (كل حول)، طالما لم يخرج الأزواج من دائرة وظل ميثاق الزوجية لأي سبب كان .

 3 - قوله تعالى: - [كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربون] - البقرة 180، ويواصل الكتاب المجيد عرضه فيما يخص حماية الوالدين والأقربون من خلال تضمين تلك الحماية عبر الوصية لهم، وقد مر معنا: إن دلالة لفظ - كتب - تكون على الوجوب، شأنها في ذلك شأن باقي الصيغ التي وردت في أنساق مشابهة أخرى، وأما دلالة الوصف و المعنى في ذلك يكون: (إن من يحضره الموت فعليه واجبا الوصية)، وبما إن الموت في الغالب العام يأتي خلسةً، لذلك تجب الوصية في حال القدرة والتمكن قبل الفوات، وأما التنصيص على حضور الموت فبداع التذكير وعدم التفريط بالحق لمن هم أهله، وقد مر بيان ذلك فلا نزيد، والأقربون: - هم هؤلاء اسرتك وأهلك وارحامك وجيرانك -، وهؤلاء هم أولى بالمساعدة والعون في كل حال، ويتأكد ذلك أيام الازمات والحروب والمحن، والنظر في حال الموصى لهم لازم كما هو لازم معرفة إحتياجاتهم، فرفع العوز والفقر تتأكد شدة وقوة مع الأقربين بدليل ما ورد في الأثر عنه عليه السلام قوله: (الأقربون أولى بالمعروف) .

ونضيف فنقول: لا يجب التفريق في أصل الوصية بين كونها مادية أو معنوية مادمها تكون لحماية الموصى لهم، ويتوقف الأمر فيها سعة وقوة بحسب دورة المصالح والضرورات، وإلى ذلك نسترعي الإنتباه لماورد في سورة العصر عن الأهمية والتوكيد كما في قوله تعالى: - [والعصر إن الانسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر] - .

.

آية الله الشيخ إياد الركابي

4 رجب 1440 هجرية

 

 

 

ميثم الجنابيالأبعاد العملية والعقلانية في الفكرة الإصلاحية

إن تذليل إمكانية جعل الأفكار النقدية عقائد كان يتضمن النفي العقلاني الجديد لأرث "الدورة المئوية" وتقاليد الرجوع السلفي المتيقن إلى عقائد الماضي ونسخها المتجدد! فقد أنهكت هذه النزعة التقليدية عناصر الواقعية والعقلانية، وذلك لأنها أبقت عليها بوصفها عناصر وأجزاء منحلّة في قدسية العقائد. وبهذا المعنى كانت مواقف الإصلاحية الإسلامية وآراؤها تسير في اتجاه النفي الواقعي والعقلاني للتقليدية السلفية. وبالتالي تمثلها الواعي لعبرة التجربة التاريخية النظرية والعملية. فقد كان إدراكها المباشر انتقادا "مبرمجا" للتقليد. فإذا كانت النزعة التقليدية السابقة أسيرة الرجوع الدائم إلى الفكرة اللاهوتية وثباتها المؤسساتي والقييمي في مفاهيم "الجماعة" و"الفرقة الناجية" ومطابقتها مع "الأنا المجتهدة"، فإن الإصلاحية الإسلامية أخذت تكسر هذا التقليد من خلال تأسيسها لعقلانية الفكرة القائلة، بأن الأنا المجتهدة، بما في ذلك في جهادها، لا تلتزم بعقيدة ما غير عقيدة انتمائها للكلّ الإسلامي. أما هذا الأخير، فانه لم يعد كيانا ثابتا أو عقائد لا تقبل الجدل، بل الكينونة المتجددة للحقائق، والتي يجري اكتشافها في الأعمال النظرية العقلية والعملية السياسية (والأخلاقية). ومن هنا توسيعها لمدى النقد الذاتي. إذ حالما يبلغ الوعي الاجتماعي هذه الحالة، فانه يكون قد بدأ بإدرك ذاته الأولية. ومن ثم الأخذ بوضع العناصر التأسيسية للفكر النقدي في تناوله للظواهر الاجتماعية بمختلف أشكالها ومستوياتها، بما في ذلك وضع أنماط الفكر الكبرى أمام "محاكمة" عقلية وأخلاقية، باعتبارها المقدمة الضرورة لتحرير النفس من إسار التقليد.

وقد حدد ذلك الطابع الجوهري لمعارضة التقليد في الإصلاحية الإسلامية. وهي صفة تميز وتلازم على الدوام كل حركة إصلاحية كبرى. لكن خصوصية هذه الصفة هنا تقوم في كونها جرت تحت ثقل الإدراك النقدي والايجابي لأولويات الواقع التاريخي وقضاياه الاجتماعية والسياسية والأخلاقية الكبرى. وقد أدى ذلك أيضا إلى تجاهل أو هجر الطابع اللاهوتي للقضايا التقليدية وتقليدية القضايا اللاهوتية عن التوحيد وأصوله، والإسلام والإيمان، والكفر والشرك، والأمة والفرقة الناجية، عبر نفيها بمعايير الاستيعاب العقلاني والإصلاحي لمعضلات الفكر الواقعية. ونعثر على ذلك في ظاهرة ازدياد وتعمق قضايا الوجود الاجتماعي والفكري وموضوعاته مثل ماهية الدين وأهميته للمجتمع، والحوافز المدنية والحضارية في الإسلام، وأسباب الانحطاط الحضاري في العالم الإسلامي، وقضايا الإصلاح الديني وأساليب النهضة الممكنة، وموضوعات الأصالة الثقافية والتحرر السياسي، وقضايا الوحدة الإسلامية والاستقلال، وقضية الإسلام والقومية، وموضوعات وعي الذات الإسلامي والعربي، وقضايا السلطة والدولة، والحق والقانون، والدستور، والدين والدنيا، والإسلام والعلم وغيرها من القضايا.

كل ذلك يكشف عن ظاهرة اضمحلال قضايا الماضي وظهور القضايا الواقعية المعقولة. مما حدد بالضرورة بروز الروح النقدي للإصلاحية الإسلامية واشتراك شخصياتها الكبرى في معارضة التقليد في البداية والدعوة للاجتهاد الحر في النهاية. فعندما هاجم الأفغاني الدهرية (الهندية) فإنه حاول أن يكشف أولا وقبل كل شيء عن طابعها التقليدي المدمر. فهو لم يناقش من حيث الجوهر القضايا الفلسفية عن الله والعالم، والخالق والمخلوق وغيرها، بل في ما إذا كان بإمكان الدهرية الهندية أن تبدع شيئا ما نافعا. ولا يعني ذلك خلو جدله الفكري معهم عن تناوله مشكلات الفلسفة وأسئلتها الكبرى ونتائجها العملية في قضايا الأخلاق والدين. فقد كانت هذه القضايا في صلب تفكيره العملي. إلا أنها عكست مراحل تطوره الفكري الأول، أو ما اسماه بتثقيف عقله النظري في الهند. ولهذا غابت قضايا الإلهيات في كتاباته وخاطراته. بينما تعمق وجودها وانتشارها في قضايا الأخلاق وأولوية السياسة ومشاكلها. كل ذلك يكشف عن أن تجربة الجدل العقلي الأولي مع الدهرية هي تجربة الفكر العملي في بحثه عن مواطن الأصالة. فقد وجد الأفغاني في الدهريين الهنود ناسا "لا نصيب لهم من العلم، بل ولا من الإنسانية. فهم بعيدون عن مواقع الخطاب، ساقطون عن منزلة اللوم والاعتراض. نعم لو أريد إنشاء مسرح لتمثل فيه أحوال الأمم المتمدنة، مّست الحاجة إلى هؤلاء لإقامة هذه الألاعيب"[1].

حددت هذه النزعة المعارضة للتقليد مهمات تحرير النفس. وبالتالي شحذ مواقفها النقدية وإعلان ضرورة الاجتهاد، باعتباره حقا دائما. لهذا لم يناقش الأفغاني قضية الاجتهاد، وحدّه وحقيقته، بل وضعها في موضعها المناسب وبصيغتها المناسبة وفي إطارها المناسب باعتباره سؤالا يحتوى في ذاته على إجابته. من هنا قوله:ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ وأي نص سد باب الاجتهاد؟[2]. فقد نظر الأفغاني إلى هذه المشكلة من الناحية الفكرية باعتبارها مظهرا للعبث واللامعنى. لهذا أهملها ولكن من خلال تجذيرها في المواقف النقدية. من هنا إعارته الاهتمام للقضايا والجوانب المتعلقة بنقد "الذهنية الشرقية" من حيث كونها ظاهرة واقعية وتقليدية أيضا. إذ وجد في اندفاع الانجليز وسيطرتهم على بلدان الشرق، على سبيل المثال، نتاجا لمعرفتهم بخصوصية "الذهنية الشرقية" السائدة آنذاك، التي أعطت لكل ما هو جديد وغريب صفة المعجزة واسم الكرامة[3]. لكنه في الوقت نفسه لم يجد في هذه الذهنية شيئا ما ثابتا أو غريزيا، بقدر ما اعتبرها انعكاسا لسيطرة الأوهام والوهم. لهذا شبّه حال الشرقيين مع الانجليز كمثل شخص مار في مفازة يرى بها جثة أسد مطروحة على طريقه بينما يتوهمه سبعا ضاريا مفترسا قويا[4]. ووضع الأفغاني هذه المقارنة في مقدمة نقده الشديد لمختلف جوانب "الحياة الشرقية" ابتداء من تقاليدها ونظامها السياسي وتقاليد الاستبداد فيها وانتهاء بخلجات روحها الأخلاقي. فقد وجد في الكيان الشرقي جسدا مريضا وروحا خائرة، بحيث جعله ذلك يستصعب أحيانا إمكانية العلاج، بسبب ما اسماه بسقوط الهمم، وخور العزائم، وتفرق الكلمة، والاستسلام للخمول، وابتعاد النفوس عن مرامي العزة النفسية، وحرمانهم من لذة ما تنبسط به الروح عند نوال المنعة القومية والحرية الحقيقية[5]. الأمر الذي جعله أحيانا يعتقد بأنه لا مخرج لهم من هذا الضيق "إلا باشتداد الأزمة وقوة الضغط حتى يفقدوا بقية ما ترك لهم من شبه الراحة التي خلدوا إليها"[6]. بعبارة أخرى، انه أراد أن يصلوا إلى إدراك حقيقة الفقدان الكامل، وانه لا "راحة بعد اليوم"، من اجل عبور حاجز "الموت" إلى "الحياة". ولم تكن هذه الرؤية الوجدانية الدفينة سوى الصيغة المعذبة لفكرة البطولة التي تجد في ذروة صراعها المأساوي بريق الأمل الآتي، أو في موتها عناصر الإثارة الحية للأجيال.  

غير أن الأفغاني لم يترك هذه النزعة والرؤية النقدية سائبة في ميدان العاطفة المتحمسة، بل أدرجها في المسار الواقعي لعناصر اليقين الإصلاحي. ومن هنا هجومه على "رجال المنابر"، أو أولئك الذين لا يتقنون حتى الخطابة والكلام، أولئك الذين لا تتعدى معرفتهم ترديد العبارات المحفوظة عن ظهر قلب مثل: "أن الورد اللطيف فتح من عرقه الشريف"[7]. أما أمراء الشرق فأنهم بنظر الأفغاني ليسوا أكثر من قطط منفوخة لا تبالي بشيء غير "طنطنة الألفاظ وفخامة الألقاب"[8]. لكنه شأن مفكري الإصلاحية الإسلامية، وجه جلّ اهتمامه للبحث عن الأسباب الواقعية. ومن هنا تركيزه على الجوانب الأخلاقية والنفسية ونقد الذات باعتبارها المقدمة الضرورية لتنشيط الفعل الاجتماعي والسياسي وتنشيط الروح الفاترة. فعندما يقارن اختلاف العرب عن الأتراك، فإنه يركز على فكرة الإرث والأثر التاريخي والثقافي. فالعرب تركوا ما هو شاهد على عظم إبداعهم، بينما لم يترك الأتراك أثرا ملموسا رغم قرون السيطرة الطويلة والقوة الكبيرة. وهذا بدوره ليس إلا نتاج التباين الجوهري في رؤيتهم لقيمة وأولوية الإبداع، كما يقول الأفغاني. بمعنى صيرورة الخلافة الإسلامية العربية في ميدان الروح والثقافة، بينما تركت الخلافة التركية في ميدان الجيش والحرب. وفي الوقت نفسه يبحث في هذه الحالة والمفارقة عن عناصر إضافية لتوسيع وتشديد النقد العقلي للعرب أكثر من غيرهم، استنادا إلى أن ترك الآثار دون الحفاظ عليها نقيصة. من هنا استشهاده بمواقف الفرنسيين من هزائمهم أمام الألمان عام 1870. لقد أراد الأفغاني هنا إظهار قيمة النقد الذاتي العقلاني باعتباره مقدمة للعمل. ففي معرض تناوله قوة الانجليز وسيطرتهم الواسعة، حاول أن يكشف عن أن هذه السيطرة لا أساس لها متين غير سيطرة الوهم والخوف والجبن في أذهان وأنفس الشعوب المستعبدة. بحيث جعله ذلك يشير إلى وجود من يهاب دولة الانجليز في الدول العربية اعتبارا لما في سلطتها من الممالك الواسعة[9]. ووجد في هذا الوقع النتيجة التي لازمت وجود الانجليز في "القبة الوهمية" التي أحاطت بها الآخرين. ولا يعني ذلك من الناحية التاريخية والواقعية سوى كون السيطرة الأجنبية لا تحدث إلا حالما يحدث الانهيار الداخلي. وأن هذا الانهيار هو مفتاح دخول الغازي. فالانجليز دخلوا مصر، كما يقول الأفغاني، بمعونة المصريين أنفسهم، لأن مصر كانت مجزأة في حركة إعرابي، وقسم يحنّ إلى الماضي وقسم يخاف. بينما لا عزيمة مع الريب[10]. لهذا وضع مهمة محاربة الجبن إلى جانب تهديم أسس الوهم الاجتماعي والسياسي. فالجبن بنظره هو مرض من أمراض الروح، يذهب بالقوة الحافظة للوجود، والتي "جعلها الله ركنا من أركان الحياة الطبيعية"، كما يقول الأفغاني. إذ نراه يجد فيها ما اسماه بجرثومة كل فساد فردي واجتماعي والسياسي[11]. بمعنى وضعه الجبن في سلسلة الوجود الاجتماعي السياسي. ومن هنا بديله القائل، بضرورة "أن يكون أبناء الملة الإسلامية بمقتضي أصول دينهم أبعد الناس من صفة الجبن"[12]. ومن الصعب بلوغ ذلك دون الانتباه إلى ما في النفس من قوة، وما في الوهم من ضعف. لهذا لم يجد في الانجليز بالنسبة للأمم آنذاك سوى دودة وحيدة، على ضعفها تفسد الصحة وتدمر البنية. وحالما يزول هذا الوهم السائد عند الشرقيين عن الانجليز (أي رؤيتهم حقيقة القوة في ذاتهم وضعفها في مستعبديهم) آنذاك يمكن لحركاتهم أن تؤدي إلى استقلالهم بأمورهم وانقطاع سلسلة الانتقال من عبودية إلى أخرى[13]. بصيغة أخرى، إن الأفغاني حاول أن يربط مكونات النزعة النقدية في وحدة معقولة، أي التأسيس لعقلانية النزعة النقدية من خلال دمجها في مشروع البدائل المعقولة (المستقبلية).

فالأفغاني، شأن رجال الإصلاحية الكبار، لم يؤسس لمشروع وشرعية البدائل المعقولة في تقاليد العقلانية "الخالصة" أو تقاليد الكلام العقلية، التي حاولت أن تبني مقدمات هياكلها الفكرية والعملية على مقولات حدّ العقل وحقيقته. لقد اكتفي هنا، شأن موقفه من الاجتهاد، بالإشارة المتكررة إلى أهمية وقيمة الحجج والبينات العقلية ودمجها في أسلوب تحليله للظواهر وموقفه منها. فقد رفع قيم العقل ودافع عنه بالصيغة التي حوّله إلى عنصر جوهري في الديانة الإسلامية. من هنا توكيده على أن أول الأمور التي تنال بها السعادة هو صفاء العقول. وانه لا يمكن بلوغ الكمال حسب دين الإسلام إلا على "قاعدة الكمال العقلي والنفسي لا غير"[14]. ومن هنا ربطه نيل السعادة بسيادة العقل. ولكن إذا كانت هذه الفكرة تقترب في الكثير من جذورها المعرفية بتقاليد "تهذيب الأخلاق" الفلسفية (العقلانية) فان انكسارها في مواقف الأفغاني العملية قد أعطى لها بعدا اجتماعيا سياسيا وإصلاحيا جديدا. وذلك لان ربطه السعادة بالعقل جرى من خلال نبذ ما اسماه بالوساطة الدينية. ومن هنا دعوته لحرية العقل ودوره التنويري الفعال، كما هو جلي في تشديده على ضرورة أن "تكون عقائد الأمة مبنية على البراهين القوية والأدلة الصحيحة"[15]. وبهذا المعنى أيضا يمكن فهم الحوافز القائمة وراء "الغائية العقلية" في بعض آراءه وأحكامه كتلك التي حاول من خلالها البرهنة على أن غاية الكمال في الوجود هو الحكمة الإلهية في تجلياتها المعقولة. وعندما كتب قائلا بان من "نظر في عالم الوجود الكلي، عَلِم عِلْم اليقين، انه وأن وقع كثير من صور كمالاته تحت قوى طبيعية… إلا أن عامة أفعاله واقعة على ترتيب عقلي محكم. ونعني بالترتيب العقلي ما يكون مبنيا على مراعاة الغايات والحكمة وفوائد الكمال التي تعود على نظام الكلّ وتبقى ببقائه"[16]، فانه لم يضع هذه "الحقيقة الكلية" في جدول البيان اللاهوتي للعقائد، بل في أساس الرؤية العقلية للكلّ الفلسفي، أي كل ما يمكنه أن يخدم "برمجة" المشروع الإصلاحي العقلاني.

لقد أعطى الأفغاني للعقل في آن واحد هيئة الوسيلة المدركة والفاعلة. ففي الوقت الذي حاول أن يكشف عن قدرة العقل المعرفية، للدرجة التي يمكنه فيها كشف حقائق الأشياء، بما في ذلك "القيام بالمستحيلات". بحيث اعتبر من الممكن أن يصل الإنسان بمساعدة العقل إلى اختراعات توصله إلى القمر[17]. وسعى من وراء كل ذلك تأسيس فاعلية العقل العملية ومن ثم إدخاله في صرح الإصلاحية الفاعلة. فقد وجد في العقل القوة القائمة وراء تطور أوربا. واعتبر تخلصها من التقليد هو بسبب استنادها إلى العقل، بما في ذلك في أصول دينها.  وإن العقل هو الذي جعلها تقفز قفزاتها السريعة في المدنية والتجارة المعاصرة[18]. ونعثر على هذه الصيغة وانعكاسها المتنوع أيضا في مواقفه من الإصلاح الإسلامي. إذ وجد في السمو العقلي أساس المدنية الفاضلة. غير أنه بالخلاف عن الماضي لم يضع هذه الفكرة ضمن سياق وتقاليد الطوباوية الفلسفية، بل وضعها في أنساق الإصلاح العقلاني، أي تلك التي سعت إلى عقلنة الفعل الإرادي وتوعيته بالقيم الإصلاحية المتسامية وأولوياتها الاجتماعية السياسية. وإذا كانت بعض صياغاتها تستعيد في عباراتها ثقل التفكير القديم، ففي غاياتها تسعى إلى إعادة لحمة الكينونة الاجتماعية والثقافية بالصيغة التي تستقطب فعلها الواعي لحقيقة غاياتها. فعندما أراد التأسيس الأخلاقي للوحدة الاجتماعية والسياسية، فانه كتب قائلا: "أن الفضائل هي مناط الوحدة بين الهيئة الاجتماعية وعروة الاتحاد بين الآحاد. فتميل بكل منهما إلى الآخر، إلى من يشاكله حتى يكون الجمهور من الناس كواحد منهم يتحرك بإرادة واحدة ويطلب في حركته غاية واحدة"[19]. فمن حيث طابعها المقارن تستعيد هذه الفكرة نموذج المرحلة النبوية (صدر الإسلام)، أما من حيث واقعيتها فأنها تعكس التأسيس العقلاني للإرادة المشتركة باعتبارها وسيلة تذليل الفرقة وأسباب التخلف والتجزئة. بصيغة أخرى، لم يسع الأفغاني من وراء ذلك استعادة الهيبة التقليدية للوحدة على أساس واحدية الأمة في دينها ودنياها، بل وحدتها الحرة على أساس إرادتها وفعلها العقلي الأخلاقي.

وتوصل محمد عبده في مجرى تأملاته الفكرية ونشاطه العلمي إلى نفس هذه الآراء والمواقف. فإذا كانت عقلانية الأفغاني الإصلاحية وطابعها النقدي هي التجلي الأوسع لنقد الذات، فأنها اتخذت عند محمد عبده صيغة التجلي الأعمق. وذلك لأنها دفعت بآراء الأفغاني في هذا المجال إلى نهايتها "المنطقية" ولكن ليس في مضمار السياسة المباشرة، بل في ميدان الإصلاح التنويري. لهذا السبب خفتت النزعة النقدية في مواقف محمد عبده، أو بصورة أدق، أنها لم تنهمك في تناول القضايا التي شغلت الأفغاني.إذ لا نعثر عنده على موضوعات الشرقية والإسلامية، والقضية الوطنية والقومية، والقوة والسياسة، والجبن والرذيلة، والاستعداد للتضحية والعمل. وعوضا عنها تبرز موضوعات العقل والنظرة العقلية، والإسلام والعلم، والتربية والتنوير، والإصلاح القانوني وبعث التراث. وتنعكس في هذه القضايا أيضا خصوصية نقده الذاتي، كما هو جلي في ردوده على رسائل مجلة (الجامعة) في انتقادها للإسلام مقارنة بالنصرانية، أي كل ما جرى جمعه لاحقا في كتابه الشهير (الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية). إذ لم تكن انتقاداته اللاذعة للنصرانية شكلا من أشكال الجدل الديني اللاهوتي، بقدر ما كانت إحدى صيغ النقد العقلاني للنفس. لهذا نراه يهمل الإسراف بالشواهد التاريخية للكشف عن حقائق ما يريد قوله، باعتبارها غير ذي بال وأهمية. واكتفى بإبراز قيم العقلانية والإنسانية في الإسلام فكرا وعقائد، دون أن يهمل سلبياته التاريخية. انه أراد القول بأن ما بين إسلام واقعه وحقائق الإسلام بونا شاسعا. أما في انتقاده للنصرانية وأصولها، مثل التمسك بخوارق العادات، والسلطة الدينية، وترك الدنيا، والإيمان بغير المعقول، وادعاء احتواء كتابهم على علوم الأوائل والأواخر، وعدم التسامح، وما يقابلها ويعارضها في الإسلام وأصوله، ما هو إلا الصيغة غير المباشرة لإصلاحيته العقلانية النقدية. حيث استطاع صهر آرائه ومواقفه المباشرة وغير المباشرة في عقلانية الإصلاح وأولوية الروح المعرفي على الروح الإصلاحي السياسي. لهذا شدد في انتقاده لأسباب الجمود في العالم الإسلامي على ميادين اللغة والشريعة والعقيدة[20]. وبهذا المعنى يكون محمد عبده قد استكمل وتوسع بالطابع النقدي لإصلاحية الأفغاني في ميدان اجتهادها العقلي باعتباره جهادا معرفيا (تنويريا). ومن هنا أيضا تشديده على قيمة الاجتهاد ورفض التقليد. بحيث نراه يعتبر البدع المتجددة كلها كما هي تناج لسوء الاعتقاد الذي ينشأ "من رداءة التقليد والجمود عند حد ما قاله الأول بدون بحث في دليله ولا تحقيق في معرفة حاله، وإهمال العقل في العقائد"[21]. وهي الفكرة التي تستند إلى تقييمه للعقل باعتباره "من اجلّ القوى، بل وهو قوة القوى الإنسانية وعمادها، والكون جميعه هو صحيفته التي ينظر فيها وكتابه الذي يتلوه"[22].

لكنه شأن ممثلي الإصلاحية الإسلامية، لم يضع فكرة العقل وقيمته بعبارات الإطراء التقليدية، رغم أهميتها، بل حاول إبراز قيمته الثقافية في عالم الإسلام نفسه. وقام بذلك من خلال الكشف عن الأسس العقلية المتينة في عالم الإسلام وثقافته باعتبارها احد أعمدته الأساسية. فعندما تناول ما اسماه بحقيقة الإسلام فانه يتطرق إليها من خلال تحليل ما اسماه بالدعوتين. الأولى هي الدعوة إلى الاعتقاد بوجود الله وتوحيده، والثانية هي التصديق برسالة النبي محمد. بحيث ارجع التعويل في الدعوة الأولى إلى العقل، باعتباره الوحيد القادر على إثبات حقيقتها وقيمتها. فهو لم يسع هنا لإظهار قيمة العقل في الإيمان وأولويته فحسب، بل وصياغة وحدة الإيمان والعقل في عبارات المنطق ذاته. بحيث أشار إلى أن الدعوة الأولى يعول فيها على "تنبيه العقل البشري وتوجيهه إلى النظر في الكون، واستعمال القياس الصحيح، والرجوع إلى ما حواه الكون من النظام والترتيب وتعاقد الأسباب والمسببات ليصل بذلك إلى الاعتراف بوجود خالق للكون"[23]. ولا يعني هذا سوى إبراز جوهرية العقل وأولويته في إدراك وجود الله وتوحيده. لهذا أكد على أن "الإسلام لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي في الدعوة بالإيمان بالله ووحدانيته"[24]. ليس ذلك فحسب، بل وشدد على أن القرآن لا يقيد العقل بكتاب (مقدس) في قضايا معرفة الكون، باعتباره طريقا للتوحيد. أما في تأصيله لأصول الإسلام، فانه وضع في أصوله الأول والثاني كل من النظر العقلي وتقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض[25].

وبهذا يكون محمد عبده قد سعى لتأصيل عقلانية إسلامية بروح إصلاحي من خلال تذويب الاجتهاد في العقل الدائم، أو العقل الدائم في الاجتهاد، وبالتالي تأصيل العقلانية في أصول جديدة. وقد تضمن ذلك بحد ذاته خروجا على المألوف في تقاليد علم الكلام والعقائد. فهو لم ينهمك في تقليدية الأصول الإسلامية الكبرى، بل نظر إليها من خلال الأفكار الجدلية المناهضة للإسلام. وبالتالي، فإن الأصول التي سعى لتأسيسها لا تستند على رد الفعل، كما هو في ظاهر اندراجها في كتاب (الإسلام والنصرانية)، بل في معقوليتها المدركة لذاتها بوصفها أصولا تجديدية للإسلام. لهذا نراه تكلم عن هذه الأصول، باعتبارها أركانا للدين، ترجع إليها جميع الفروع[26]، أي طابعها العام والمنظومي. حقيقة أن هذه "المنظومة" بقت في إطار مبادئها العامة والمفككة لحد ما، أي أنها لم تستند إلى نظرية متكاملة في وعي الذات النقدي التاريخي والاجتماعي السياسي، بقدر ما بقيت في حيز إبراز الأولويات الكبرى.

لقد حاول محمد عبده تقديم الأصول الجديدة للإصلاحية، بوصفها عقلانية تنويرية. وليس مصادفة أن يشدد في دفاعه عن الإسلام، على قيم العقل والفكر المستقل بحد ذاته، بما في ذلك في الحالات التي يمكن أن تكون "مثالا" للمسلمين في مساعيهم الإصلاحية[27]. لهذا وضع في سلسلة أصول الإسلام أركان النظر العقلي، وتقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، والابتعاد عن التكفير، والاعتبار بسنن الله والخلق، وقلب السلطة الدينية، والتسامح، والجمع بين مصالح الدنيا والآخرة. ووضع في "اصل النظر العقلي" كونه وسيلة الإيمان والحق، وانه حجة على الإنسان ومعيار للحكم والسلطة. في حين إذا تعارض العقل والنقل اخذ بما دل عليه العقل. وجعل "الابتعاد عن التكفير" ابتعادا عن تقاليد الماضي وأسلوبا أمام الحرية الفكرية. في حين حاول البرهنة من خلال "اصل الاعتبار بسنن الله في الخلق" على انه "لا يعوّل بعد الأنبياء في الدعوة إلى الحق على غير الدليل"[28]. وأن طبيعة الدين تتوافق مع شرائع أو نواميس أو قوانين الوجود في الأمم والأكوان. وأن قلب السلطة الدينية يعني إزالة فكرة العصمة والوساطة الدينية بين الله والإنسان. وانه ليس هناك في الإسلام من يختص بفهم لا يناله الآخرين للكتاب (القرآن) والعلم. وأن هذه المعرفة ليست مزية لأحد دون آخر. وانه لا تباين بين الناس إلا بقدر "تفاضلهم بصفاء العقول وكثرة الإصابة في الحكمة"[29].

وحاول محمد عبده من خلال هذه الآراء ووحدة أصولها إبراز إصلاحيته العقلانية، وبالأخص في نتائجها العملية المستقبلية. وليس مصادفة أن يكشف عن نماذج هذه الأصول في الماضي، لأنه أراد أن يظهر ما هو جوهري من وجهة نظر المثال، أي الربط بين التاريخي والمثالي في آفاق الرؤية الجديدة. من هنا أيضا محاولته صياغة الكيان المعتدل للعقلانية الإسلامية في روحها وجسدها، وعقلها وضميرها. ويكشف هذا الاعتدال عن عناصره في مكونات الإسلام القديم والمعاصر والمستقبلي، أي في الإسلام النموذجي والمفترض. من هنا دعوته للاعتدال في العادات والعبادات، انطلاقا من أن الإسلام نفسه لم "يبخس الحواس حقها، كما انه هيأ الروح لبلوغ كمالها. فهو الذي جمع للإنسان أجزاء حقيقته واعتبره حيوانا ناطقا لا جسمانيا صرفا ولا ملكوتيا بحتا"[30]. وإذا كانت هذه الصيغة الظاهرية لوحدة الاعتدال في الروح والجسد، هي التعبير المناسب "للاهوت العقلاني" الإسلامي، فان عقلانيتها الواقعية (العملية) تظهر بجلاء في نماذجها التاريخية والروحية. فعندما تناول قضية الزهد في الإسلام، فانه يشير إلى أن سياسة الخلفاء الراشدين من الزهد شيء يوافق الدين (الإسلامي)‎، وان سلوك معاوية في البذخ هو الآخر موافق للدين، وذلك بفعل تغير الظروف. فهو لم ير في سلوك معاوية شيئا ما معارضا لما هو مباح في الإسلام فحسب،  بل واعتبره قوة فاعلة في "ترويج فنون الإبداع في الصنعة على اختلاف ضروبها"[31].

أما في ميدان الروح فانه حاول إبراز البديل الممكن للإصلاحية الإسلامية في قوتها الكامنة، والذي سعى لتأسيس بمقولات السياسة والفعل الاجتماعي المباشر في وحدة العقل والوجدان. فعندما تكلم عن التفاؤل القائم في زمنه عن إمكانية استعادة الإسلام قوته في المدنية المعاصرة، فإنه يشير إلى ضرورة صياغة الوحدة الجديدة للعقل والوجدان. بحيث نراه يجد فيها نتيجة لتطور العلم والدين (الإصلاحي) وأسلوبا في بناء الوحدة المتناسقة للثنائيات الضرورية في الوجود التاريخي والثقافي للمسلمين، أي الوحدة المتناسقة للدنيا والآخرة، والعلم والدين، والعقل والإيمان. لهذا وجد في وحدة العلم والدين وضرورة التقائهما أسلوبا يستلزمه في آن واحد منطق الحقيقة والأخلاق. وهي الصلة التي عبر عنها في فكرة وحدة العقل والوجدان، باعتبارها نتاجا للمساهمة التي يقدمها الدين للعلم والعلم للدين، أو الوحدة العريقة فيما يمكن دعوته بثقافة الحدود الإسلامية، التي أرسى تقاليدها تاريخ متشعب في بلورة نماذج الوحدة المعقولة للمعقول والمنقول، والتفسير والتأويل، والظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة. وقد سار محمد عبده في هذه التقاليد المتنورة، عندما أكد على أن "تطور العقل بمساهمات العلم تؤدي به إلى أن يبلغ قوته ويعرف حدود سلطته. فيتصرف فيما أتاه الله تصرف الراشدين ويكشف ما مكنه فيه من أسرار العالمين. حتى إذا غشيته سبحان الجلال وقف خاشعا وقفل راجعا، واخذ اخذ الراسخين في العلم"[32]. آنذاك يلتقي العقل مع الوجدان الصادق، أو القلب. إذ "لم يكن الوجدان ليكابر العقل في سيره داخل حدود مملكته، متى كان الوجدان سليما وكان ما استضاء به من نبراس الدين صحيحا"[33]. وهي العلاقة المعتدلة أو الوسطية المعقولة، التي أسست لها تآلفات الفكر النظري الإسلامي ابتداء من المحاسبي وانتهاء بالغزالي. من هنا توكيد محمد عبده على رفض ما يتفوه به السذج من أن هناك فرقا بين العقل والوجدان بمقتضى الفطرة والغريزة. وذلك لان الاختلاف في حالة وقوعه، ما هو في نظر محمد عبده سوى عرض عند عروض العلل والأمراض الروحية. إذ اجمع العقلاء على أن المشاهدات بالحس الباطن (الوجدان أو القلب) هو من مبادئ الرهان العقلي[34]. ثم دفع بهذه الفكرة صوب غايتها النهائية عبر توليف العقل والوجدان في عبارته القائلة، بأننا "منحنا العقل للنظر في الغايات والأسباب والمسببات والفرق بين البسائط والمركبات، ومنحنا الوجدان لأدراك ما يحدث في النفس من لذائذ وآلام، وهلع واطمئنان، وشمل وإذعان، ونحو ذلك مما يذوقه الإنسان ولا يحصيه البيان"[35]. وهي ذات النتيجة المميزة لإصلاحية الأفغاني العقلانية وطابعها النقدي، أي نفي تجارب العقلانية والصوفية في وحدة التقائهما.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص129.

[2] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص329.

[3] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص365.

[4] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص366.

[5] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص456.

[6] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص190

[7] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص335.

[8] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص493.

[9] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص366.

[10] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص369.

[11] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص372.

[12] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص373.

[13] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص369.

[14] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص175.

[15] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص176.

[16] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص257.

[17] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص265.

[18] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص176.

[19] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص376.

[20] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص121-140.

[21] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص134.

[22] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص65.

[23] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص67.

[24] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص69

[25] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص72-73.

[26] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص39.

[27] مثل إشارته لمن اسماهم بأفاضل النصارى، ويقصد به مارتن لوثر، الذي أطلق على أرسطو كلمة الخنزير والدنس والكذاب، بينما كان المسلمون يسمونه بالمعلم الأول.

[28] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص73-75.

[29] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص79.

[30] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص90.

[31] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص96-97.

[32] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص146.

[33] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص147.

[34] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص147

[35] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص147.

 

عامر عبدزيد الوائليمدخل: هنالك تعريفات متنوعة لهذا الحقل من حقول البحث؛ فهناك من ينظر الى الاستشراق وكل منهم ينطلق من الآخر وبتأثير الآخر(من عرب وعرب مسيحيين ومسلمين متأثرين بالغرب)، فإذا كان الآخر أي الغربي تصدر عنه في دراسته للذات العربيّة الاسلاميّة مجموعةٌ من النتاجات الفكريّة والإعلاميّة والسياسيّة، والاستخباريّة، في مجال العقيدة والاجتماع والسياسة والفن يمكن أن ينسب إلى حقل الاستشراق ؛ والى جانب المسلمين نجد كذلك: (الدراسات الصينيّة أو الدراسات الهنديّة أو الدراسات اليابانيّة).

الاستشراق هي حركة غربيّة تركز على استكشاف الثقافة الشرقيّة ودراستها عن كثب، وتوضيح النظرة الغربيّة لهذه الثقافة الشرقيّة، وتدل على مدى تصوير الغرب للبنية التحتيّة للحضارة الشرقيّة، ويوحي مفهوم الاستشراق إلى السلبيّة بناءً على ما ترتب على التفسيرات القديمة للغرب فيما يتعلق بالحضارات الشرقيّة وثقافتهم.

 كما يمكن تعريف الاستشراق بأنّه عبارة عن قيام علماء غير مسلمين من الغرب بإجراء دراسات ذات أبعاد أكاديميّة تركز على دراسة الدين الإسلامي، وجوانب حياة المسلمين المختلفة في: (التاريخ، والشريعة، والحضارة)، إذ تستهدف دراساتهم المسلمين من العرب وغير العرب(1).

ومع أنّ مصطلح الاستشراق ظهر في الغرب منذ قرنين من الزمان على تفاوت بسيط بالنسبة للمعاجم الأوروبيّة المختلفة، لكنّ الأمر المتيقن أن البحث في لغات الشرق وأديانه وبخاصة الإسلام قد ظهر قبل ذلك بكثير، ولعل كلمة مستشرق قد ظهرت قبل مصطلح استشراق، فهذا آربري Arberry في بحث له حول هذا الموضوع يقول "والمدلول الأصلي لاصطلاح (مستشرق) كان في سنة 1638م أحد أعضاء الكنيسة الشرقيّة أو اليونانيّة" وفي سنة 1691م وصف آنتوني وود Anthony Wood صمويل كلارك Samuel Clarke بأنه (استشراقي نابه) يعنى ذلك بأنه عرف بعض اللغات الشرقيّة. وبيرون في تعليقاته على Childe Harold's Pilgrimage يتحدث عن المستر ثورنتون وإلماعاته الكثيرة الدالة على استشراق عميق"(2).

وبحسب تعريف جويري، في كتابه: علم الشرق وتاريخ العمران، يقول "...إنّما هو من جمع بين الانقطاع إلى درس بعض أنحاء الشرق وبين الوقوف على القوى الروحيّة الأدبيّة الكبرى التي أثّرت في تكوين الثقافة الإنسانيّة، فهو من تعاطى درس الحضارات القديمة، وبإمكانه أن يقدر شأن العوامل المختلفة في تكوين التمدن في القرون الوسطى مثلاً أو النهضة ...(3).

يظهر من هذه التعريفات بأنّ القضيّة المركزيّة التي أسّس لها الاستشراق عموماً هي أن الغرب غزا الشرق لهدفٍ مزدوج: ليعرف ماهيّة الشرق، طبعاً لكل لون استشراقي أهدفه الخاصة. وليعيد خلق الشرق، وهذا شأن الاستشراق الرسمي، الاستعماري والثقافي، كيف يراه هو؟، أو صياغة صورة للشرق كما يريدها الغرب (بحسب وظن إدوارد سعيد). ويكمن الاستدلال على صدق هذا التصور من خلال دراسة المراحل التي مرّ بها الاستشراق وتعدُ مراحل أساسيّة، وهي:

الاستشراق الاستعماري (Colonial Orientalism): تعد هذه المرحلة أولى مراحل الاستشراق، وتضم كل ما جاء به الاستشراق منذ ظهوره مروراً بالحركة الرومانسيّة الغربيّة ووصولاً إلى عام ألف وتسعمائة وستين ميلادي. ويرى رضوان السيد "على أنَّ بداية التعرُّف الأوروبي على الإسلام ثقافيًّا ابتدأتْ مع ترجمة الفرنسي"أنطون غالان"(1646-1715 م) كتاب ألف ليلة وليلة، وما تركته من أثر في نفوس المثقفين الأوروبيين في القرن الثامن عشر الميلادي، عصر الرومانسيّة الأوروبيّة بامتياز."(4).

أمّا الاستشراق ما بعد الاستعماري (Post Colonial Orientalism): فهي المرحلة التي بدأت أطوارها من بعد عام ألف وتسعمائة وستين ميلادي، وسلّطت الضوء على الجوانب الثقافيّة واللغويّة التي يمكن التأثير فيها من خلال إدخال التغيرات الجذريّة عليها.

يبدو بعد التحولات الكبيرة أي بعد حقبة الاستعمار وظهور حركات ما بعد الاستعمار وهي قد جعلت الاستشراق غير مرغوب فيه من حيث المنطلقات الأيديولوجيّة والمنهج الذي تعرض الى نقود منهجيّة ؛فظهر شكل جديد من الاستشراق هو الاستشراق الجديد (New Orientalism): هو أحدث ما وصل إليه الاستشراق ومرحلته التي تزامنت مع مطلع القرن الحالي، واستهدف الأمور الدينيّة للأفراد.

أقسام بحوث الاستشراق: تسعى دراسات الاستشراق إلى التركيز على مجالات محدّدة في حياة الشرق والمسلمين خاصة، وتشمل كلاً ممّا يأتي: (التاريخ والاقتصاد والجغرافيا واللغة والآداب وعلم الإنسان والفنون والأديان والفلسفة وعلم الآثار)(5).

مصطلح "الاستشراق الجديد " يمثل عتبة جديدة في العلاقة بين الأنا الغربيّة والآخر الشرقي فإنها عتبة تحاول من أن تخلق تمفصل بين الخطاب الاستشراقي القديم وآخر جديد اذ تناسلت العديد من الأعمال والدراسات التي ظهرت إلى الوجود مع نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين، وقد اعتمدت هذه الدراسات على العديد من المناهج العمليّة والحقول المعرفيّة مثل: (اللسانيات والأنثروبولوجيا، الإثنوغرافيا، السوسيولوجيا، والاثنولوجيا....) وكثير من العلوم المساعدة الأخرى التي ترتبط بالدراسات الاجتماعيّة والإنسانيّة. وإذا كانت هذه النتاجات والأبحاث التي قام بها العديد من الدارسين والباحثين الأجانب، إذ شكلت مجموع ما يصطلح عليه بـ"الإسطوغرافيا الاستعماريّة" أو"الدراسات الكولونياليّة" التي ظلّت موسومة بطابع استعماري وتم توظيفها كتمهيد أوّلي نحو غزو للعديد من المناطق، ومنها منطقة شمال إفريقيا، فإنها في مقابل ذلك، تعد مرجعاً وتراكماً مفصلاً ومدققاً يحمل قيمة علميّة واضحة بحكم ما ارتبط بها من معطيات وحقائق مهمّة حول الجوانب المختلفة التي تهم المجتمعات التي خضعت للسيطرة الاستعماريّة، كما أن هذه الدراسات لا تزال تحتل موقع الصدارة على مستوى القيمة الموضوعيّة والعلميّة التي تنفرد بها، وكذا طبيعة المناهج التي وظفتها والنتائج والخلاصات التي انتهت إليها.

وتعد الأبحاث والدراسات الفرانكفونيّة صاحبة السبق على مستوى تناول مختلف مظاهر الحياة العامّة لدى المجتمعات المغاربيّة بصفة عامة، والمجتمع المغربي بصفة خاصة، ولكن على الرغم من ذلك فالدراسات الانجلوساكسونيّة والأسبانيّة كان لها وقعها الخاص على واقع هذه الأبحاث والكتابات، لاسيما بعدما خاض هذا المضمار العديد من الدارسين والباحثين المرموقين الذين شكّلو اتجاهاً جديداً داخل حقل الدراسات الكولونياليّة، من أبرز هؤلاء، نجد: (جاك بيرك وروبير مونطاي وأرنست غيلنز وجون واتروبوي ورايمون جاموس ومولييراس وبول باسكون وايميليو بلانكوايثاكا ودايفيد هارت.).. (6).

وعلى الرغم من أنّ علماء الإنثروبولوجيا لا يعدون أنفسهم من المستشرقين وغالباً ما ينظرون الى المستشرقين التقليديين بازدراء ؛ وسبب ذلك هو أن تدريبهم داخل حقل علم الانثروبولوجيا أقوى من تدريبهم في لغات وآداب وتاريخ الشرق الأوسط .لكنّهم مع ذلك يقعون من ضمن تعريف إدوارد سعيد للمستشرق:" كل من يدرس أو يكتب أو يبحث في أمور الشرق " (7)، ثم أنّه يعرف الاستشراق بوصفه " أسلوب تفكير يعتمد على تفريق أنطولوجي وإبستمولوجي بين "الشرق " وبين "الغرب" ويرى بأنّ الاستشراق عبارة عن "مؤسسة منظمة للتعامل مع الشرق تعليمه ووصفه بل وحكمه " (8).

فإنّ الاختلاف في مستوى المنهج وتقدمه على مناهج المستشرقين لا يعني تبرئة الانثروبولوجيا من ارتباطها بالاستشراق الجديد، وارتباطها به وبالسلطات الداعمة للبحوث والغايات نفسها القائمة على معرفة الآخر ومن ثمّ حكمه والهيمنة على مقدراته ؛ لهذا تجد رجال الاستشراق الجديد يحتلون مكانة مهمّة في الخطاب الغربي من خلال رسم الاستراتيجيات واحتلال مكانة مهمة في المؤسسات الغربيّة السياسيّة والعلميّة .

تأتي هذا المقاربة من أجل دراسة المنهج الانثروبولوجي في الغرب عامّة ودراسة أرنست غيلنز ؛ اذ سوف نحاول من أن نتناول الأمر من خلال ثلاثة مباحث: الأوّل في تأصيل المنهج والثاني في عرض قراءة أرنست غيلنز ويأتي المبحث الثالث بمثابة مقاربة نقديّة لدى مجموعة من الباحثين في مجال الأنثروبولوجيا .

المبحث الاول: التأصيل المفهومي للأنثروبولوجيا وتياراتها

لقد شكّل هذا المنهج الانثروبولوجيّة مكانة مهمة في العلوم الانسانيّة بكل تحولاتها من ناحية، ومن ناحية أخرى يعد أحد مناهج الاستشراق الجديد .ومن هنا تأتي أهميّة تناوله في هذا البحث. في بعدين الأوّل تعريف بالانثروبولوجيا، والثاني يتناول الانقساميّة وأهم ملامحها ومرجعياتها الاستشراقيّة.

أوّلاً: الأنثروبولوجيا:

هي علم دراسة الإنسان طبيعياً واجتماعياً " وأيضاً، علمُ الجماعات البشريّة وسلوكها ونتاجاتها. علم الإنسان من خلال أنّه كائنٌ طبيعي واجتماعي وحضاري. علمُ الحضارات والمجتمعات البشريّة.

هذهِ التعريفات هي "للأنثروبولوجيا العامّة"، ويمكنُ من خلال التعريف الرابع بأن نعرِّفَ "الأنثروبولوجيا الاجتماعيّة" على أنها: علم الإنسان من خلال كونه كائنٌ اجتماعي." والمشكلة تكمن في تعدد فروع الأنثروبولوجيا فيحددها في ثلاثة تخصصات رئيسة فقط، وهي: الأنثروبولوجيا الطبيعيّة، الأنثروبولوجيا الاجتماعيّة، الأنثروبولوجيا الثقافيّة " (9) .

يبدو أنّ العتبة المهمة في هذا الحقل من العلوم الانسانيّة هو (الميدان) بوصفه مخبراً للانثروبولوجيا كما يذهب كثير من العلماء الى التأكيد على هذا الامر، وهذا ما سوف نستشفه من النماذج التي سوف ندرسها فهي في المجمل كانت تعتمد على البحث الميداني في بناء تصوراتها وتأكيد توصيفاتها ؛فقد كان لزاماً على الباحث الذي يقوم بالبحث في حقل الانثروبولوجيا من أن يختار عيّنات الدراسة - في حقل ما- من خلال دراسة شعوب معيّنة كانت تمثل نمطاً من أنماط العيش سواء كان بدائياً يقوم على أشكال التضامن الميكانيكي إلى أشكال التضامن العضوي أم غير بدائي، كما ذهب إلى هذا "إميل دوركايم " (1858-1917)م(10) في التأسيس الى مفهوم إنقساميّة (segmentarité) في ميدان علم الاجتماع ؛ فقد بيّن بأنّ المجتمعات الإنسانيّة تنتقل بالتدريج خلال صيرورتها التاريخيّة، من أشكال التضامن الميكانيكي إلى أشكال التضامن العضوي.

وهذا ما نجده في منهج البحث  الأنثروبولوجي إذ يذهب الباحث إلى موطن الشعب الذي اختاره موضوعاً للدراسة ؛ لكي يقوم بعمله، فيستمع إلى أحاديثهم ويزور بيوتهم، ويحضر طقوسهم ويلاحظ سلوكهم العادي .. ويسألهم عن تقاليدهم، ويتآلف مع طريقة حياتهم حتى تصبح لديه فكرة شاملة عن ثقافتهم، أو يحلّل جانباً خاصاً من جوانبها. أي أنّه يجمع معلوماته من الميدان حتى يصل الى توصيف مقولاته الواصفة لحياة تلك الشعوب المنعزلة، فهذه الدراسات لا تعدم أمرين:

الأوّل منهما أنّ لها غايّة سياسيّة تسعى من أجلها تلك الدراسات فهي تقوم على دراسة تلك الشعوب ليس من أجل غايات علميّة فحسب ؛ بل أنّ هناك مسوغات سياسية من أجل تقديم تصور علمي عن طبيعة تلك الشعوب حتى تسهل للدول الداعمة للبحوث من أجل تسهيل الطريق امامها في السيطرة على تلك الشعوب من قبل الدول الغربيّة.

الأمر الثاني: إنّ هذه البحوث لا تقوم بعملها من دون خلفيّة علميّة سابقة تقوم عليها برامج البحث في الميدان فالبحوث إمّا أنها تؤكد على الفرضيّات السابقة أو تقدم لها نقداً وتقويماً على أساس ما يظهر في الميدان من نتائج .

أمّا على الصعيد الاول فيجعل البحث العلمي مرتهن الى الخطاب السياسي الذي يقدم دعماً ويسخر جهود الباحثين ؛من أجل غايات الهيمنة على مقدّرات الآخر، عندما عمدت الأنثروبولوجيا الأنجلوسكسونيّة، وبالضبط البريطانيّة، إلى دراسة مجتمعات حوض البحر الأبيض المتوسط وافريقيا بعد الحرب العالميّة الثانيّة إذ ركزت بشكل رئيسي على ظاهرة السلطة داخل هذه المجتمعات.

أُطروحتنا هنا تؤكد على إبراز الغايات السياسيّة التي توجه هذا الحقل المعرفي الذي يدّعي الاستقلاليّة فإنّه يظهر لنا بأنه محكوم بالأحكام المسبقة فضلاً عن الاستراتيجيّة السياسيّة لدى المؤسسات الاكاديميّة والجهات السياسيّة التي تؤكد على توجيه البحث من أجل معرفة الآخر ومن أجل تحقيق أهداف سياسيّة وهو بهذا جزء من المشروع الاستشراقي القديم الذي عمل في المغرب بمراحل الطويلة ؛ لكن من سمات هذا المنهج أنّه جزء من منظومة مدعومة من قبل بريطانيا من أجل تحقيق مقاصدها السياسيّة في الشرق وخصوصاً في منطقة المغرب العربي التي هي جزء من مشروع الاستشراق الغربي، وهذا ما عمدت إليه الأنثروبولوجيا الأنجلوسكسونيّة، وبالضبط البريطانيّة.

ثانيا: منهج الانقسام وأبعاده الاستشراقيّة:

ويعد مفهوم الانقسام من أهم سمات هذا المنهج إذ عدّ ه " بول باسكون " (1923-1985م) بعد بحث واستقصاء مفهوم (الانقساميّة) الى معنى لا يقترب الى مجال الفيزياء والعلوم بل وجده مفهوماً مأخوذاً من مصطلحات علم الحيوان، - كما عرضنا سابقا- يعد إميل دوركايم أول باحث وظّف مفهوم " الانقساميّة " اذ يعد عامل الانشطار يفهم حين يصبح الجيل الواحد مصدراً لأجزاء جديدة: (أبناء)، وهؤلاء بدورهم – كل على حدة – يشكل (وحدة سلاليّة) جديدة، تتفرع عنها هي الأخرى وحدات سلاليّة جديدة، وهكذا دواليك.

أمّا عامل الانصهار، فيبدو حين يصبح هذا الانشطار نفسه مصدراً لتعيين "أجزاء" أو "أقسام" جديدة من داخل النسق الانقسامي. بهذا الشكل إذن، يصبح كل جيل من الأجداد يجسِّد مستوى من الانقسام والتداخل: فالمستوى الأول هو القبيلة، والثاني هو القسمة أو الفرع القبلي (ويصطلح عليه "الخمس"، والثالث هو الوحدة السلاليّة؛ وصولاً إلى أدنى مستوى إذ الوحدة العائليّة ثم الفرد.

لكن، يبقى السؤال المطروح هو: كيف تشتغل كل من آليتي "الانشطار" و"الانصهار" هاتين (سوسيولوجياً)؟ وكيف تعملان على بنية (Structuration) مستويات الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة وأشكالها من داخل المجتمع الانقسامي؟ أو بمعنى أدق، كيف يعمل النسق الانقسامي على وفق هاتين الآليتين على إنتاج وإعادة إنتاج نفسه، على الرغم من عوامل الصراع والتوتر التي تتهدّده؟ هنا بالذات يقدم الانقساميون مقولتي (التعارض) و(التحالف) كنموذجٍ للتحليل، وكقاعدة تؤسس للنسق الانقسامي وتمدّه بشروط الاستمراريّة. فإذا كانت الصراعات وأشكال النزاع التي يشهدها المجتمع الانقسامي- عبر مختلف مستوياته البنائيّة – تمثِّل واقعا مرتبطا أشد الارتباط ببنيات ذلك المجتمع، وتناقضاته الداخليّة – كما يؤكد الانقساميون طبعاً- فإن ذلك لا ينفي وجود أشكال من التماسك والاتحاد أيضاً. فالصراع في مستويات أدنى، لا ينفي أبداً وجود أشكال من التعاون والتحالف في مستويات أعلى، وبصورة تلقائيّة(11).

لقد كانت الدراسات الميدانيّة هي التي أكّدت على هذا المفهوم ثم وبعد مرور حوالي عشر سنوات على تلك الدراستين طرح لبريتشرد من جديد موضوع المجتمعات العربيّة القبليّة، مع الباحثين الأنجلوسكسونيين، من خلال الاعتماد على فرضيّات الأنموذج الانقسامي، ومنطلقاته .

مرد ذلك إلى أن البريطانيين رغبوا في دراسة الأنظمة السياسيّة المحليّة، بهدف المزيد من إحكام الطوق عليها وهكذا برز في ميدان الأنثروبولوجيا أنموذجاً تحليلياً جديداً للمجتمعات (البريّة)، كتحليل طفق يمارس جاذبيّة وإغراء لا يستهان بهما في مجال العلم الأنجلوسكسوني والذي سيبلغ أوجّه في التطبيق على يد ثلّة مهمّة من الباحثين أقصد بذلك: غيلنر، وواتربوري 1939م،(12) ورايمون جاموس تحديداً، إلا أنّه في محاولتنا هذه سنركز على الباحث غيلنر كأنموذج لهذا التحليل." (13)

أمّا على صعيد الأحكام المسبقة فهناك إسقاط خطابات فكريّة غربيّة على شعوب أخر, إسقاط يفقد تلك البحوث من قيمتها التجريبيّة ويجعل منها مرتهنة الى الأحكام الثقافيّة والحضاريّة التي انطلق منها الباحث سواء كان عالماً بها كباحث يخدم مشروع غربي موجه سياسياً .

أمّا موقف الباحثين العرب في مجال الانثروبولوجيا ؛فنلمسه من الاصطلاح اذ من الملاحظ بأنّ مفهوم الانقساميّة عندما انتقل إلى اللغة العربيّة لم يصادف توافقا بين الباحثين فيما يتعلق بالمصطلح. نلامس هنا بعض التفاوت الذي قد يحصل بين المفهوم والمصطلح . ففي تونس استُعمل مصطلح التجزؤيّة مقابلا له وبالمغرب عرّبه عبد الكبير الخطيبي بلفظة التجزيئة بينما استعمل أحمد التوفيق عبارة الانقساميّة، وهي التي نالت الموافقة لدى العديد من المؤرخين. هذا على مستوى الاصطلاح أما على مستوى النظريّة فإنّ النظريّة الانقساميّة تقوم على مبدأين أساسيين:

مبدأ التعارض الأفقي المؤدي إلى التوتر والصراع بين الوحدات المتساويّة في المستوى الأفقي من ضمن المنظومة الانقساميّة من جهة.

ومبدأ التكامل المفضي إلى التعاون بين الوحدات المتسلسلة في المستوى العمودي وتحالفها من جهة أخرى. وللتبسيط، يمكن استحضار المقولة الشهيرة في نظام العصبيّة الخلدوني ؛ وقد تعرّضت هذه النظريّة لكثير من النقد من قبل باحثين مغاربة وغير مغاربة. ومن بين المغاربة نخص بالذكر جرمان عياش وعبد الله حمودي وعبد الله العروي، كل من منطلقاته الخاصة. والنقد الأساسي لهذه النظريّة بأنّها نشأت لتعالج مجتمعات تفتقر إلى بنيَة الدولة وبالآتي فهي تفسِّر التوصل إلى حالة من الاستقرار في المجتمعات القبليّة عن طريق الصراع بين الوحدات المكونة لها مما يؤدي في النهاية إلى التوازن فيما بينها، في حين أن للمغرب مجتمعاً قبلياً ودولة بمواصفات خاصة. انطلاقاً من هذه الدراسات واعتماداً على الرصيد المهم من الوثائق المخزنيّة التي تتصل بالعلاقات بين المخزن والقبائل، تبيّن بأنه بالإمكان تجاوز هذه النظريّة مع الاستفادة منها فظهر من الإجرائي أن أستعمل عبارة الدولة الانقساميّة لتوصيف الدولة المخزنيّة قبل الاستعمار، وهي دولة تتكيف مع النظام القبلي وتستفيد من إيجابياته وسلبياته إما عن طريق التحكيم أو بتأجيج الصراعات بين الوحدات القبليّة أو بتعديد التحركات المجاليّة(14).

لعل هذا ما تمخضت عنه مجموعة من الأبحاث والدراسات أنجزها بعض رواد البحث الأنثروبولوجي الأنجلو سكسون، حول عدد من قبائل المغرب. لقد بدأ اهتمام هؤلاء بالمغرب منذ الحرب العالميّة الثانيّة، غير أن نشاطهم تعزّز أكثر، وأصبح ملحوظاً خلال الستينات من القرن العشرين. ويمكن تفسير ذلك في إطار انشغال جيو- استراتيجي لبعض الدول الرأسماليّة: كإنجلترا والولايات المتحدة تحديداً؛ بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لقد كان الهدف الأساس هو مراقبة، وعن كثب، مجمل التطورات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي تشهدها البلاد، والهدف طبعاً هو تيسير السبل الكفيلة بدمج المغرب – وعلى غرار باقي بلدان المنطقة- في منظومة السوق الرأسماليّة – الإمبرياليّة"(15).

وقد شخّصت تلك الدراسات الانقساميّة بأنّ القبيلة بالمغرب أنموذج لنسق انقسامي قائم الذات.، فكل قبيلة تنقسم على فروع، وهذه تنقسم بدورها على أجزاء، إلى أن تصل إلى مستوى الوحدات العائليّة. ويبقى عامل النسب هو المهيمن من داخل هذا المجتمع، إذ اقترح (غيلنز) حصر مفهوم الانقساميّة واستعماله، في المجتمعات التي تعتمد على النسب وحده فقط؛ لتقعيد العلاقات بين القسمات– كعلاقات اجتماعيّة وسياسيّة " (16) ؛ إنّ أغلب الدراسات الانقساميّة كانت تؤكد على أمرين:

أوّلهما إنّه يقدم الحلول لما تظهر من مشاكل ،عن الإدارة والحكم المحلّي، في المجتمعات البدائيّة والمحليّة ‏التي وصفناها كونها تعتمد على التضامن الميكانيكي . أمّا الثاني فإنّه يقدم معالجة مشكلات التغيير الحضاري السريع في هذه المجتمعات، والمساعدة في التكيّف المناسب. وبالآتي لابد من أن تقترح تلك البحوث حلولاً يمكن أن تطبقها السلطات السياسيّة التي تستثمر نتائج تلك البحوث ؛ (ولكي يحقّق عالم الأنثروبولوجيا النجاح لأهدافه وبحوثه ودراساته، فقد جرى التقليد أن يقوم بأبحاثه الميدانيّة لدى الشعوب (البدائيّة)(17) التي تعيش خارج التيار التاريخي للثقافة الأورو- أمريكيّة، أو الثقافات الأخرى المتحضّرة التي تعرف الكتابة، وذلك بغية المقارنة وإيجاد أوجه التشابه والاختلاف في السياقات التاريخيّة التطوّريّة للثقافات الإنسانيّة المختلفة)(18) بمعنى أنّ تلك البحوث سوف تهون فهم التطور في الحقل الاجتماعي والتحولات التي تطرأ على أشكال التعاون البشري في انتقالها من العلاقات البدائيّة الميكانيكيّة، وما خلّفته من أشكال وعلاقات تجعل السلطة ضعيفة في ظل مجتمعات تعتمد على العلاقات العشائريّة وصولا الى أشكال اكثر تطوراً في المجتمعات المعاصرة تعتمد على أشكال من العلاقات مختلفة تماماً، وبالآتي أصبح علم الأنثروبولوجيا بشكل عام تخصص علمي يبحث في أصول الشعوب المختلفة، وخصائصها، وتوزّعها وعلاقاتها بعضها ببعض، ويدرس ثقافاتها دراسةً تحليليّة مقارنة، ترصد الأنثروبولوجيا انتظام وتغير العقائد والأعراف والتقاليد في مجتمع تسوده موجهات دينيّة أو اجتماعيّة أو عرقيّة.

المبحث الثاني: حياة ومنهج إرنست غيلنر

حياته ومؤلفاته:

من أبرز الأمثلة على هذا المنهج هو إرنست غيلنر (1925- 1995م) ،ولد في 9 ديسمبر 1925م في باريس من أصل يهودي- تشيكوسلوفاكي. هاجرت عائلته من باريس الى براغ. وبعد الغزو النازي لتشيكوسلوفاكيا سنة 1939م هاجرت عائلة غلنر الى لندن وهو في الثالثة عشر من عمره. وقد درس الفلسفة والعلوم السياسيّة والاقتصاديّة في كليّة باليول (Balliol College) بجامعة أكسفورد (Oxford). بداية من سنة 1947م اقتحم مجال التدريس في الجامعات الانكليزيّة بدءاً بجامعة أدنبرغ ثمّ بجامعة لندن للعلوم الاقتصاديّة والسياسيّة. تطوّر في مسيرته العلميّة من الفلسفة الى علم الاجتماع ومنه الى الأنثروبولوجيا الاجتماعيّة. وانطلاقاً من 1954م قام بالعديد من الرحلات إلى شمال إفريقيا ؛لينجز عدداً من البحوث الإنثروبولوجيّة حول الأمازيغ بجبال الأطلس ومنها موضوع أطروحته للدكتوراه التي أنجزها تحت إشراف الأستاذ جون ماك ميراي (John Mac Murray) سنة 1961م إذ حملت عنوانا "الزاويّة لدى البربر: تنظيمها ودورها". هذا فضلاً عن احتكاكه المباشر بالثقافة الإسلاميّة وتعرّفه على عادات المسلمين وعقائدهم وقد ألّف في هذا الغرض مؤلّفات عدّة منها "أولياء الأطلس" (Saints of Atlas) سنة 1969.م.(19)

2- الانثروبولوجيا الإسلاميّة عند إرنست غيلنر:

وضح غيلنر في كتابه " مجتمع مسلم" الذي نقدِّمه إلى القارئ العربي، وبشكل واضح، إنّه يسعى إلى تقديم نظريّة أو نموذج تفسيري لدراسة المجتمعات الإسلاميّة أو العربيّة بشكل عام. وعلى الرغم من أن هذا الطموح كبير، إن لم نقل فضفاض، فإن فيما أكد عليه، باستمرار، في ثنايا متنه إذ كان يعتقد بإمكانيّة ذلك، بل وتمكنهِ من إنجاز مسودة أوليّة مهمّة في هذا الاتجاه. وبطبيعة الحال يرى غيلنز أنّ ما يقدمه إنما يمثل منظوراً ينطلق من مفاهيم أو نظريات ونماذج العلوم الاجتماعيّة عموماً، وعلى وجه الخصوص المنظور الأنثروبولوجي الاجتماعي على الطريقة البريطانيّة!(20).

ولسنا في مجال تناول مسألة أنثروبولوجيا الإسلام من خلال الإمكانيّة أو الأهميّة كموضوع علمي يمكن تقديمه بالدراسة والتحليل، فلقد تناول ذلك العديد من النقاد لعل أبرزهم طلال أسد(21) في نقده لكتاب إرنست غيلنز الذي نقدّمه هنا، وستكون لنا عودة إلى ذلك لاحقاً. إن ما يهمنا هنا – إن سلمنا بإمكانيّة وأهميّة دراسة ” المجتمعات الإسلاميّة”، وهو يوردها “بالمفرد” على اعتبار أنّها تشكل نموذجاً واحداً متشابهاً في كافة أنحاء العالم – هو كيف قدم غيلنز نموذجه النظري.

المرجعيّات التي وظّفها في قراءته:

اعتمد غيلنر على مصادر عديدة في تقديمه لأنموذجه، لكنه اعتمد بشكل محوري وأساسي على مقدمة ابن خلدون، لقد وظف غيلنز التأويل الذي جاء به ابن خلدون للعصبيّة التي تعرف عادتنا بالعصبيّة لكن هذا التأثر لم يكن اعتباطياً بل له مقاصده الثانويّة أو موجهات القراءة الاستشراقيّة التي تعتمد على المنهج الانقسامي وأحكامه المسبقة المتولدة عن قراءات سابقة في أماكن أخرى في العالم لهذا جاء على تصور محدد (لرؤيّة ابن خلدون، يقوم في الأساس انطلاقاً من أن آراء وتفسيرات ابن خلدون لمجتمعات شمال أفريقيا إنما يعتمد على البناء القبلي القائم على العصبيّة والغزو ومن ثم الانقساميّة المستمرّة)(22). إنّ العصبيّة التي درسها ابن خلدون والتي تقوم على توصيف العصبيّة أو العصبة التي لا تعني مطلق الجماعة وإنما الأفراد الذين تجمع بينهم رابطة الدم أو رابطة الحلف أو الولاء بالإضافة إلى شرط الملازمة بينهم من أجل أن يتم التفاعل الاجتماعي، وتبقى مستمرة ومتفرعة بوجود هؤلاء الأفراد واستمرار تناسلهم، فينشأ بين أفرادها شعور يؤدي إلى المحاماة والمدافعة وهم يتعصبون لبعضهم حينما يكون هناك داعٍ للتعصب، ويشعر الفرد بأنه جزء لا يتجزأ من أهل عصبته، وفي هذه الحالة يفقد شخصيّته الفرديّة إذ تذوب في شخصيّة الجماعة، وهو شعور جماعي مشترك لدى أفراد العصبة فهو ذو صبغة جمعيّة أساسيّة بين الفرد والمجموعة، وليس بين فرد وآخر فقط، وفي حال تعرض العصبة إلى عدوان فيظهر في هذه الحالة "الوعي" بالعصبيّة، وهذا " الوعي العصبي" هو الذي يشد أفراد العصبة إلى بعضهم وهو ما يسميه ابن خلدون " بالعصبيّة " التي بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجتمع عليه وبالآتي يكون ((والتقارب بين الهويّة والعصبيّة كبير " فالعصبيّة " إنما تكون من " الالتحام بالنسب أوما في معناه " ومن الولاء والتحالف والصحبة . وابن خلدون يرى " إذ النسب أمراً وهمياً لا حقيقة له , ونفعه إنما في هذه الوصلة والالتحام .))(23)؛ فالتأكيد على الرابطة فيها تصور الى تحول وليس ثابتاً كما تريد أن تؤكد عليه الدراسات الاستعماريّة، ومنها دراسة غيلنز في هذا الكتاب الذي نتحدث عنه . ومن هنا يصح القول بأنّ تصوراته تنتمي الى ((تلك النصوص بوصفها قراءات وليدة فضاء استعماري تقوم على منطق الثبات والهويّة بالمقابل فن المنطق الجديد يقدم ممكنات تقوم على مفهوم نقد الثبات والقول بالنسبي والعلاقة المتغيرة بحسب تغير المحيط، فالقيم البدويّة هي قيم ليست سلبيّةً في ذاتها بل هي قيم كانت تستجيب لتحديّات معيّنة لم تعد تستجيب لمنطق الحداثة والعلم لهذا تحولت إلى عائق أمام بناء ثقافة تعدديّة.)).(24)

تأثره الحقيقي والعميق يقوم، على نسخة منقّحة من النظريّة الانقساميّة البريطانيّة حسبما قدمها (ايفانز بريتشارد E.Pritchard)).الذي كان يرى بأنّ مهمّة الأنثروبولوجي تنحصر بدراسة السلوك الاجتماعي الذي يتّخذ غالباً شكل نظم وأنساق اجتماعيّة كنظام العائلة ونسق القرابة والنظام السياسي والإجراءات القانونيّة والعبادات الدينيّة وغيرها من النظم والإجراءات إلى جانب دراسة العلاقة بين تلك النظم والأنساق. (25) ،وهي النظريات الانقساميّة الأكثر شيوعاً وشعبيّة، في السبعينيات، التي كانت تفسر لنا حقل المجتمعات المغاربيّة. اذ حاول غيلنز أن يستلهم أفكار"إيفانز بريتشاد"، في تطبيق تلك الأفكار المستمدّة من المجتمع الأفريقي أن يحاول استلهامها في توصيف المجتمع الصحراوي وإقليمه القائم على التنقل في المغرب كمجتمع قبلي متنقل حاول تشخيصه بالسمات الآتية: إنّ الإسلام ذو رسالة إلهيّة كاملة وخاتمة مما يحول من دون تقديم بعض مجالات الحياة إلى سلطات دينيّة.ثم صعوبة إمكانيّة تقديم صور بديلة للنظام في دفاعه عن موقف الإسلام من الحضارة والصراع بينهما، إذ مجمل التغيرات التي طرأت على الإسلام جراء الحداثة هي تغيرات طارئة ولم تمس الجذور((بأن ما يحدث من تغييرات طرأت على الإسلام جراء الحضارة، بأنه أحدث تغييراً فعلا إلا أن الإسلام لم ينحط))، وصحيح بأنه ليس مصدراً للحداثة إلا إنه المستفيد منها، وذلك ما يدعوه لأن يعالج الفكر الديني كمنهجيّة وليس كعقيدة في تحليل كثير من استنتاجاته وتفسيرها.(26)

من ناحية ثانية كان أمين الى المرجعيّات الغربيّة التي كان يقوم بإسقاطها على واقع مختلف اذ اعتمد غيلنز كذلك على مجموعة متباينة من المفاهيم والأفكار من مصادر متعددة مختلفة تتراوح من هيوم وآراءه في الدين(27) إذ يرى هيوم بـ"أن الدين في المجتمع يتأرجح بين فكرة التوحيد (وحدة الوجود) والتعدديّة، وتبعاً له يرى غيلنز بأنّ هذه الصورة من أقوى الاستعارات التي يمكن من خلالها فهم حركة التدين في المجتمع الإسلامي تاريخياً، وأن مما تميزت به الحركة التاريخيّة للمجتمعات الإسلاميّة في العصر الحديث تحرك البندول في اتجاه طرف الإسلام الأصولي/‏‏‏ النصّي." (28) وإلى توليفة توفيقيّة لمفاهيم "ماكس فيبر" أيضاً الذي كان له أثر في كثير من الدراسات الاجتماعيّة والانثروبولوجيا اذ انصبت كل أعماله على عامل واحد هو الدين، وكانت تتّخذ مسارين اثنين: الأول، تبيان الإسهامة الإيجابيّة للمسيحيّة، أو لإحدى تأويلاتها، في تشكيل مصير الرأسماليّة. الثاني تبيان المعوقات التي أسهمت بها الديانات الأخرى، في منع بروز الرأسماليّة، في مناطق أخرى غير أوروبا.(29)؛ولعل هذا ما يظهر في كتابة الأخلاق البروتستانتيّة التي استعرض بها بروز "التقليد" المتعلق بشكل معيّن من الاقتصاد، وقد أخذ هذا مثلاً على ذلك العلاقة بين روح الحياة الاقتصاديّة الحديثة وبين الأخلاق العقلانيّة لدى البروتستانيّة النسكيّة (30).(ومن ثم كانت موضوعة الدين قد برزت لدى فيبر في تناوله "السلطة الكاريزميّة" التي سوف يكون لها أثرها في غيلنز في توصيفه للمجتمع المغربي ،فهذه السلطة عند فيبر، تقوم على أساس وجود شخص يمتلك صفات استثنائيّة غير اعتياديّة، فالشرعيّة التي يتمتع بها حكم هؤلاء الأفراد تنبع من اعتقاد الناس بصفاتهم الخارقة التي قد تستمد جذورها من شيء غيبي، مثل الاعتقاد بالقوى الروحيّة التي يتمتع بها الحاكم أو التي قد تظهر بوساطة المعجزات أو بوساطة انتصاراته المتتالية في الحروب، أو في مختلف المجالات الأخرى التي هي في صالح أفراد الشعب، ولكن مثل هذه السلطة قد تتلاشى إذا لم يكن هناك شيء من الدلائل على صحة الصفات الخارقة أو غير الاعتياديّة التي يتمتع بها الحاكم، والأمثلة التي يوردها (فيبر) على ممارسي هذه السلطة تشمل: (الأنبياء والسحرة والقادة المشهورين، ورؤساء بعض الأحزاب لمن يتبعهم من الأفراد.. تتميز بالقوة الخارقة والخاصيّة المقدسة لشخص الزعيم وبالنظام المبني على هذه القداسة التي تدفع الأعضاء إلى التسليم بالقيمة الخارقة لرجل أو لفرد يتميز بهذه السلطة) (31).

امّا تأثره بإميل دوركهايم (1858-1917م)، فقد جاء ؛ لأنه الأخير كان له رؤية حاول من خلالها تفسير نشأة المجتمع وما يجعله ممكنا من جهة، ومن جهة أخرى إلى تسليط الضوء على دور المجتمع في انبثاق الفكر المنطقي. ويراهن دوركهايم، على الدين كمفتاح لحل هاتين الإشكاليتين. إذ يؤكد دوركهايم على أنّ التمثلات الدينيّة تمثلات جمعيّة، تبنّى دوركهايم منهجاً تجريبياً، حاول من خلاله استخلاص تلك الإجابات من دراسات ميدانيّة، تناولت بالأساس الحياة الدينيّة لما يسمى بالمجتمعات "البدائيّة"، وخصوصاً الممارسات الطقوسيّة الطوطميّة. وفي كتابه الأشكال الأوليّة للحياة الدينيّة، يعبر دوركهايم عن قناعته بأنّ الدين يشكل الرحم الذي ولدت فيه الحضارة ،فالدين في رأي دوركهايم "يتضمن في نفسه منذ البدايّة كل العناصر التي أدّت إلى انبثاق مختلف تمظهرات الحياة الاجتماعيّة..".(32).

تلك المرجعيّات كانت حاضرة ومتحكمة في فكر غلينز وهذا ما ظهر في كتابه عن الإسلام في المغرب، قد تبدو في الوهلة الأولى متطابقة تماماً مع التيار العام السائد بين المسلمين. فبالنسبة له يقدم الإسلام كمسوّدة اجتماعيّة لنظام اجتماعي، تعاليم الإسلام فيه تفصيليّة وتغطي كافة نواحي الحياة. وهذه المسودة ذات الطبيعة القانونيّة الأخلاقيّة، تتطلب من المسلمين الالتزام بها والإذعان لموجهاتها. وبذلك يتشكّل المجتمع وتتم صورته على هذا الأساس. والإسلام في نظر غيلنز يتميّز عن غيره من الأديان في قدرته وتفوقه على فرض تعاليمه ومعتقداته على أتباعه، وهو ذو شخصيّة مستقلة عن تصرفات أتباعه في نصوصه المقدّسة التي لا يمكن لكائن من كان، تغييرها أو تحويرها أو العبث بها. كل هذا يمكن رصده في كتابة (المجتمع المسلم) بقسميه النظري إذ رصد الباحثون بها تعدداً في الموضوعات وهذا ما جاء في الفصل الاوّل و في الفصول الأخرى المتبقيّة ومرد هذا الى ما عرف عن غيلنز من تعدد في الاهتمامات، فهو بالإضافة إلى أنّه من أبرز علماء الأنثروبولوجيا البريطانيين، فقد كان أيضاً معروفاً بإسهاماته الفلسفيّة وبالذات في حواره ونقده للمدرسة الإنجليزيّة العاملة في مجال فلسفة اللغة. فضلاً عن ذلك، فإن لغيلنز جهوداً معروفة في مجال دراسة علم الاجتماع السوفييتي (سابقاً)، وعلى وجه الخصوص اهتمامه بالبداوة في وسط آسيا ومقارنتها ببداوة الشرق الأوسط عموماً. وله اهتمام متميز بقضايا الحداثة وما بعد الحداثة، فهو من أكبر نقّادها وأبرزهم، وبخاصة في علاقتها بالدين، وربما كانت مداخلته وجدله مع أكبر احمد في إحدى كتبه الأخيرة عن: "العقل والدين وما بعد الحداثة " وفي هذا الكتاب تكامل مع كتابه السابق من خلال الرؤية التي ينطلق منها نحو فهم الإسلام وهي الرؤية التي تؤكد على الثابت، وهو الشريعة وتهمل المتحول وهي الطقوس لهذا فهو، يسعى في الوقت نفسه الى أن يقدم فيها نقده اللاذع للنسبويّة الغربيّة المطلقة، وكذلك الأصوليّة الوثوقيّة الإقصائيّة للآخرين، والتي يرى بأن أفضل من يمثلها الإسلام السياسي، وهذا ما يظهر بكتابة الثاني ،فهو يصف بنيَة المجتمع الإسلامي بالقول: " قد يكون المقوم المركزي والأكثر أهميّة فعلاً في الإسلام هو انشطاره داخلياً الى إسلام نخبوي رفيع يمثل ثقافته العليا الفقهاء والعلماء والمفكرون، وإسلام شعبوي قاعدي يمثِّل العامة ثقافته الدنيا ." فهو يحلل هذا القول عبر تأكيده على التغيرات التي أصابت البنيَة السياسيّة في الإسلام في حقبة التحديث وظهور الاستقلال بالقول:" كان الخطر الذي يدهم الحاكم المسلم متمثلاً في اندماج وتكتل هاتين القوتين: حركة احيائيّة تصر على الحفاظ على الحقيقة الدينيّة المتشددة يؤازرها دعم مجتمعات محليّة ريفيّة ذاتيّة الحكم، متلاحمة ومسلحة وتملك الخبرة العسكريّة مارست هذه المجتمعات المحليّة في العادة شكلاً ثقافياً مختلفاً من الإيمان القاعدي (الشعبي) ." بمعنى أنّه يرصد التحولات الحديثة ؛لأنها جمعت بين فكر تحديثي إصلاحي الى جانب محافظتها على الفكر الشرعي بإطاره العام كما هو في المؤسسات الدينيّة الى جانب الاسلام الشعبي كما هو في الطرق الصوفيّة والأولياء ، وبالآتي فهو يريد إرجاع الصراعات داخل الإسلام الى نمط من الصراع بين تراثين: تراث شعبي وتراث رسمي . ويرى بأنّ الفرق بين النمطين: يعتنق الإسلام النخبوي الرفيع الفقهاء والعلماء في المراكز الحضريّة (وينتمي هؤلاء غالباً الى طبقة التجار إذ تجتمع بين: (الثقافة والعلم والتجارة) وتعكس الميول والقيم الطبيعيّة للطبقات الوسطى المدنيّة وتشمل هذه القيم: (النظام، والتقيد بالقوانين والقواعد، والرزانة والرصانة، والتعلم وتنفر نفوراً شديداً من الحالات الهستيريّة والإسراف في الاهتياج العاطفي والوجداني . والاستعمال المفرط للاستثمارات السمعيّة البصريّة المساعدة على نشر الدين) . يشدد هذا النمط العالم الرفيع من الإسلام النخبوي على الطبيعة التوحيديّة، أمّا الإسلام العام أو إلاسلام القاعدي الشعبي بثقافته الدنيا فمختلف تماما . وإذا ما عرف القراءة والكتابة فهو يفعل ذلك بشكل رئيسي يستعمل الكتابة لأغراض السحر. وليس كأداة للعلم والثقافة وهو يشدد على الشعوذة أكثر من التعلم، والنشوة والوجد والانجذاب الصوفي أكثر من التعقيد بالقانون والنظام . (33) فهذا الكتاب يدعم كتابه الأوّل ويؤازره في التأكيد على الجانب الثابت والصلب هو الشريعة وهي التي تعارض الحداثة والقوانين الوضعيّة لهذا نجده، يقول: "الفكرة الرئيسة، أو النظريّة التي يتمحور حولها الكتاب تدور حول أن الإسلام يشكِّل مسودةً لنظام اجتماعي، لأنه يعبر عن وجود مجموعة من القواعد الأزليّة والمنزلة، المستقلة عن إرادة البشر التي تحدد النظام الصحيح للمجتمع، وهي القواعد الموجودة والمحفوظة والمتاحة للجميع وليست في يد طبقة أو هرميّة دينيّة، مما ينفي الحاجة إلى "كنيسة" من دون أن يلغي هذا وجود "الفقهاء" في المجتمع "(34).

وهو يرجع الأمر الى التاريخ بقوله: "وقد يقوم سواد الناس في المدن بأعمال الشغب تحت قيادة فقيه عالم يحظى بالهيبة والاحترام ؛لكنّه لايشكل تهديداً خطيراً داهماً للسلطات الرسميّة القائمة الخطر الحقيقي الذي يتهددها يكمن في التحالف بين فقيه يتمتع بالاحترام وقبائل طرفيّة تتمتع بقوة عسكريّة . كانت هناك صفة طاغيَة على الحقبة الكلاسيكيّة من الإسلام إذ كانت الدولة مجزّأة بين دولة مركزيّة يحكمها إسلام عالم وأطراف تتمتع بالإدارة الذاتيّة . وبالآتي يصف كل ثوراتها أنها ثورات إصلاحيّة لا نهائيّة أو دوريّة إذ ظلّ يصحح دائماً السلوك الأخلاقي للمؤمنين ويصلحه(35).

المبحث الثالث: المواقف النقدية من المنهج الانقسامي لدى إرنست غيلنز

لقد كان الكاتب إرنست غيلنز الذي نتناول فكره وخصوصاً كتابه عن الانثربولوجيا فالاسلام معروف في الأوساط العلميّة وقد كان موضوعاً لدراسات وانتقادات عديدة. تناولت جوانب عديدة من ما قدمه غيلنز. فبعضها تناول أطروحة غيلنز الأساسيّة بالنقد والدراسة.

و غيلنز يعرض أفكاره بوصفها أفكاراً ” موضوعيّة ” نزيهة من أي تحيّز أو تحامل على المجتمعات التي يدرسها، بل إنّ بعض علماء الأنثروبولوجيا المسلمين كانوا يعدّونه من أبرز المناصرين للرأي المسلم أو على الأقل المدافعين عنه والمتفهمين لدوافعه! وما يجعل لمثل هذه الآراء أهميتها، أن غيلنز كان دائم الحضور في المحافل السياسيّة البريطانيّة والأوروبيّة المهمة، ولعل شغله لمنصب كرسي الدراسات الأنثروبولوجيّة في جامعة كمبريدج ومن ثم إبراز اهتمامه بدراسة الإسلام، عامل مهم للغايَة في تاريخ الدراسات الأنثروبولوجيّة عموماً وفي تاريخ كامبريدج على وجه الخصوص! (36).

طلال أسد:

في مقاله “البحث عن مفهوم لانثروبولجيا الإسلام” والذي يرى فيه طلال اسد أن غيلنز بسط الإشكاليّة التي يدرسها بشكل مخل وتجاهَل حيويّة تاريخ المسلمين وطبيعة تعاملهم مع النصوص الإسلاميّة الأساسيّة، وهو يرى بأنّ ما قدّمه غيلنز عبارة عن نص مقدس يعمل في الهواء، إذ هو غيّب المسلمين بوصفهم كائنات تتفاعل وتعيش تعاليم النص المقدس. ويقترح أسد في هذا المضمار، إعادة النظر في نوعيّة الخطاب الإسلامي برمته، الأمر الذي يتجاهله غيلنز في نظره، ويرى أسد بأنّ من أهم مميزات هذا الخطاب أنه استطراد تفسيري تراكمي على النص المقدّس (القرآن والسنة) فضلاً عن السوابق التاريخيّة والظروف والسياقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة التي يمر بها المجتمع، ومن تفاعل هذه الأمور تتولد عمليّة التفاعل مع النصوص المقدسة والتعامل معها.

وحاول بأن يؤكد على نقده في توظيف المستشرقين لمفهوم الانقساميّة في المجتمع المغربي والذي استمر عليه غيلنز عندما أكّد على أنّ سمات المجتمع المسلم التقليدي مبنيّة على أساس ثلاثة مفاهيم مختلفة جداً .فدين القبيلة المعياري هو "دين الدراويش والمرابطين " وفي كلمات غيلنز يتجسد لنا مفهوم دوركايمي في الأعياد . ويجعلها مبهمة كشيء مقدس ومرئيّة رائعة وأصيلة لذا فإن مفهوم الدين يشمل هنا الإشارة إلى قراءة الطقوس الجماعيّة على اعتبار كونها عمل مقدس – والأمر نجده كذلك عند دوركايم باعتبار الدين تمثيلاً رمزياً للبنيات الاجتماعيّة والكونيّة .

أمّا في المفهوم المستعمل لوصف دين فقراء الحضر فهو مختلف كلياً وهو مشتق بوضوح من الكتابات المبكِّرة لماركس عن الدين وذلك على أساس أن الدين "وعي زائف " فيكتب غيلنز:" للمدينة فقراؤها وهم بدون جذور وغير مستقرين ومغتربين وما يحتاجونه من الدين هو الاندماج والتماسك أو الهروب وذوقهم يميل إلى القساوة والإثارة مع انخراط في الطرف الديني والذي هو نسيان أيضاً .

أمّا حينما نلتفت إلى دين البرجوازيّة فإننا نواجه أفكاراً تنظيميّة نجدها جديدة أيضاً، إذ يعلِّق غيلنز فيقول:"إن البرجوازي الحضر الذي هو أبعد ما يكون عن تذوق الاحتفالات العامة، ويفضل المتعة العاقلة في التقوى التي تقوم على العلم، وهو ذوق أكثر تجانساً مع كبريائه ورسالته التجاريّة" (37).

هنا يقول طلال اسد:"هذه الطرق المختلفة في الحديث عن الدين – القبلي والحضري – هي ليست مجرد جوانب مختلفة للشيء نفسه . إنها بناءات وصيغ مختلفة تحاول أن تقدِّم أشياء مختلفة، وترفض افتراضات مختلفة حول: (طبيعة الحقيقة الاجتماعيّة وأصول الاحتياجات و مبرر المعاني الثقافيّة)، ولهذا السبب، فإنها ليست مجرد تقديمات مختلفة، بل إنّها بناءات متباينة، وعند الإشارة اليها فإننا لا نقارن بين متشابهات"(38).

كذلك يعيب أسد على غيلنز الأسلوب التلفيقي الذي تعامل به في دراسة المجتمعات الشمال أفريقيّة الذي يقدمه في كتابه، وعلى وجه الخصوص كيفيّة استعمال غيلنز لمفهوم الدين ووظائفه عند ماركس ودوركايم وفيبر وجعلها كما لو كانت مفاهيم منفصلة يمكن استعارتها بعيداً عن المنظومة النظريّة التي تنتمي إليها. (39)، وهكذا أرجع تلك الاستعارات التي قد تبدو في ظاهرها معبرة ومنتجة أو حتى ذكيّة، إلا أنّها في حقيقتها تناصات تم توظيفها من دون تبيئتها مع المحيط المدروس "المغرب" بل تمّ إسقاطها بشكل لم يراع تباين البيئات الثقافيّة والاجتماعيّة بين الغرب والمغرب كما ظهر في تبين مرجعياتها كما كشفها طلال أسد فهي ليس نتيجة توصل لها بعد تجارب ميدانيّة ؛ بل إسقاط نتائج متولدة من مجتمع مختلف تم نقلها وإسقاطها على مجتمع مختلف في مداخلاته ومخرجاته .اذ لم تزل تلك الدروس حاضرة كما كشفها أسد . ونتيجة هذه الممارسة جعلنا نتردد في قبول مجمل الأطروحة؛ بسبب هذه الأجزاء المنتزعة من سياقاتها.

سامي زبيدة:

ينتقد غيلنز انطلاقاً من زاويّة مختلفة تماماً، فهو يرى بأنّ نموذج غيلنز أو أطروحته، إن صدق فإنما يصدق على المجتمعات البدويّة في شمال أفريقيا التي درسها في الأصل ابن خلدون والتي لم يضف غيلنز الكثير إليها على ما قدّمه ابن خلدون! ومن ثم تعميم إطروحة غيلنز على المجتمعات الإسلاميّة أمر يحتاج لإثبات. وفي الواقع يقدِّم زبيده اعتراضاته الواحد تلو الآخر مؤكداً على أنّ المجتمعات البدويّة لا تشكل سوى جزء أو صنف من أصناف أخرى ظهرت في العالم الإسلامي والشرق الأوسط على وجه الخصوص. وفي هذا السياق يقدم كنموذج “المجتمع العثماني” وهو مجتمع تميّز بنظام اجتماعي وسياسي حضري مركب متميز ببيروقراطيّة واسعة وحياة حضريّة مركّبة. صحيح إن مثل هذا المجتمع قدّم نماذج نظريّة لدراسته من مثل مجتمعات الاستبداد الشرقي أو المجتمعات المائيّة أو أسلوب الإنتاج الآسيوي وخلافه، فضلاً عن إمكانيّة دراسة أمثال هذا المجتمع، وعلى الرغم من تعدد صوره ونماذجه، بوصفها مجتمعات إمبراطوريّة. بطبيعة الحال يمكننا إضافة مجتمعات الجزيرة العربيّة ذات البناء والتاريخ الاجتماعي المختلف، وكذلك مجتمعات جنوب وجنوب شرق آسيا وكذلك وسط آسيا، والأقليّات المسلمة في آسيا وأوروبا وأفريقيا، والتي تقدِّم نماذج مجتمعيّة ربما كان من الصعب أن نتصور بأنّ أنموذج غيلنز يمكن أن يقدِّم تحليلاً لبنيتها وأسلوب الحياة فيها. وفي رأينا يظهر بأنّ آراء زبيده في هذا الخصوص صائبة. وإن كانت كل ما تفعله هو أنّها تجعل أطروحة غيلنز محصورة في دراسة مجتمعات شمال أفريقيا! (40).(41).

عبد الله حمودي وغيره:

ظهرت مجموعة أخرى من الدراسات النقديّة من الباحثين المغاربة الذين اعترضوا على صلاحيّة الأُنموذج الانقسامي لدراسة مجتمعات شمال أفريقيا، مقدمين في نقدهم العديد من الأمثلة التاريخيّة والاجتماعيّة على عدم صلاحيّة النموذج النظري أو مصداقيّته لتفسير ما كان يجري فعلاً في تلك المجتمعات. وإن كان النقد مركز على الأدوات والمفاهيم وليس بمجمل الأطروحة. ومن تلك الملاحظات على الأدوات الملاحظات الآتيّة:

 أ‌- إسقاط الأنموذج: ونعني بذلك أنّ الانقساميّة سقطت في فخ الأنموذج الذي كان دوركايم قد رسم معالمه فيما سبق واستكمل انجازه ايفا نز بريتشرد في إطار مجتمع نيلي له خصوصيّات تميزه عن المجتمع الإسلامي في منطقة برقة.

ب‌- إهمال البعد التاريخي والتراتب الاجتماعي: يضاف إلى ما سبق أنّ التناقض البارز الذي وقع فيه الانقساميون هو التناقض مع واقع القبائل التي قاموا بدراستها وهذا هو الذي أدى بهم إلى فصل القبائل عن سياقها التاريخي العام.

ج- إهمال أشكال الملكيّة: وفضلاً عن ذلك إن ما يبعث على الاستغراب والدهشة لدى الباحثين ذوي المنحى الانقسامي إهمالهم لمسألة تحليل أشكال الملكيّة داخل المجتمعات القبليّة؛ وذهولهم الشديد عن البت في تأثير الإسلام على نظام الملكيّة.

د- نقد نظريّة الجد المشترك: حينما ركزت النظريّة الانقساميّة على مسألة الجد المشترك الذي تنحدر منه القبيلة فإنها بذلك جانبت الصواب كثيراً. فالواقع يثبت بما لا يدع مجالاً للارتياب، أنّ الجد المشترك المزعوم قد لا يكون جداً فعلياً.

هـ- المرابطون وطوبى التحكيم: يتبين مما سبق بأنّ غلينز يعطي أهميّة قصوى للمؤسسة المرابطيّة في الحفاظ على توازن القبيلة؛ في حين تفيد بعض الدراسات التي أنجزت في حقل التاريخ الاجتماعي المغربي بأنّ الصلحاء كانوا رجال حرب من الدرجة الأولى؛ فقد كانوا يكلّفون بمهام إخماد الفتن؛ وشد أزر السلطان عبر التعاون مع ممثلي المخزن المحليين لإخضاع السكان إما، بالترهيب وأمّا بالترغيب.

وقد تناولها "عبد الله حمودي" (مواليد 1945) في دراسته النقديّة لانقساميّة غيلنز؛ بين كيف أنّ هذا الأخير لم يفطن لأمر وجود عائلات كبرى تحظى بالتقدير الكبير من لدن العطاويين وهم المعروفون بـــ "اختارن" مفرد "أختار" وتعني الكلمة الشيخ أو الكبير/كبير القوم . فـــ " اختارن" هم الذين يحتكرون الرئاسة ؛نظراً لعراقة نسبهم وكرمهم. يقول حمودي في هذا الإطار: "يحدّد النسب ظاهرياً القسمات الاجتماعيّة باعتبارها مفهومة للمجموعات البشريّة ولمستويات الانقسام التي تحتلها وكذلك لنقاط الانصهار والانشطار".

أمّا بخصوص الصراعات يرى الأستاذ حمودي بأنه بسبب الصراعات القبليّة المستمرة يحدث أن تستولي قبيلة ما على أدوار أو على قبيلة أخرى فيتم إدماج المجموعات المغلوبة من ضمن المجموعات الغالبة؛ ومنح أعضائها حق اللجوء، والضيافة وفي نهايّة المطاف إعطاء أسماء جديدة للمناطق التي تم إخضاعها. ويردف حمودي قائلا: " بهذا الأسلوب يبرر الغزاة شرعيّة وجودهم واستحواذهم على أراضي القريّة، كما يحاولون إعطاء صورة متجانسة بالنسبة للخارج عن المجموعة التي يشكلونها مع “مستقبليهم"، وفي النقطة التي تناولت توظيف غيلنز لمفهوم " الصلحاء "يرى عبد الله حمودي: بأنّ صلحاء زاوية التي درسها غيلنز كانوا يتميزون بقدرة هائلة على إخماد الفتن بالقتال الضاري الشيء الذي يجرنا إلى القول بأنّ "الأكرام" زعيم عسكري يقود جموعه التي يرتكب بها أحياناً مجازر وحشيّة في حق المعارضين الأمر الذي يضحي معه خطراً على السلطان نفسه. وهو ما يقذف بنا إلى القول بأن مسالمة الصلحاء، وأدوارهم التحكيميّة بين القسمات المتنازعة؛ تظل في تقديرنا في غايَة النسبيّة، كما لاحظ ذلك غيلنز.

إدوارد سعيد:

بطبيعة الحال لا بدّ لنا من التعريج وبشكل سريع على الجدل الساخن الذي دار بين إدوارد سعيد وغيلنز والقائم على التناول الإيديولوجي الشخصي بين طرفين والذي يوضح كيف أن كليهما حاول بأن يكون "الممثل" الرسمي لوجهة النظر التي يقدمها أو يتبناها، ولا حرج في ذلك أن يلحق بالآخر الغمز في النوايا أو الطعن في عمق المعرفة وعلميّة التناول.

على الرغم من أنّ علماء الانثروبولوجيا لا يعدون أنفسهم من المستشرقين وغالباً ما ينظرون الى المستشرقين التقليديين بازدراء ؛ وسبب ذلك هو أنّ تدريبهم داخل حقل علم الانثروبولوجيا أقوى من تدريبهم في (لغات وآداب وتاريخ الشرق الأوسط).لكنهم مع ذلك يقعون من ضمن تعريف إدوارد سعيد للمستشرق:" كل من يدرس أو يكتب أو يبحث في أمور الشرق " (42)، ثم إنّه يعرِّف الاستشراق بوصفه " أسلوباً للتفكير يعتمد على تفريق أنطولوجي وإبستمولوجي بين "الشرق " وبين "الغرب" ويرى بأنّ الاستشراق عبارة عن "مؤسّسة منظمة للتعامل مع الشرق تعليمه ووصفه بل وحكمه"(43).

فإنّ الاختلاف في مستوى المنهج وتقديمه على مناهج المستشرقين لا يعني تبرئة الانثروبولوجيا من ارتباطها بالاستشراق الجديد، وارتباطها به وبالسلطات الداعمة للبحوث والغايات القائمة على معرفة الآخر نفسها ومن ثم حكمه والهيمنة على مقدراته، لهذا نجد بأنّ رجال الاستشراق الجديد يحتلون مكانة مهمّة في الخطاب الغربي في رسم الاستراتجيات واحتلال مكانة مهمّة في المؤسّسات الغربيّة السياسيّة والعلميّة . ومن هنا يمكن بأن يكون العريف سعيد يشمل الاستشراق الجديد عموماً وغيلنز خصوصا، فالرجل له ارتباط كبير بالاستشراق ،فقد عرف بتعدد اهتماماته، وبسبب أسلوبه الذي لا يخلو من نبرة أنويّة، وأسلوب كتاباته الذي يسعى فيها إلى إسقاط أحكام وتنبؤات على المستقبل ،و ليس فقط إلى تناول الواقع ،وبنبرة وثوقيّة بها قدر كبير من الجرأة والاعتزاز بالنفس. وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار المكانة العلميّة والمنصب الأكاديمي الذي شغله غيلنز، أدركنا كم هو مهم بأن نقدر صدى وقيمة ما يعرضه من أفكار وآراء سواء في كتبه أو مقالاته الصحفيّة أحياناً.

ثارت طائفة كبيرة من الجدل والنقد في كتاب الاستشراق وأعمال إدوارد سعيد الأخرى، فقد رأى إرنست غيلنز، بقوله: إنّ زعم إدوارد سعيد بأنّ الغرب قد سيطر على الشرق لمدة أكثر من 2000 عام أمر مستحيل، فلقد كانت الإمبراطوريّة العثمانيّة حتى أواخر القرن السابع عشر الميلادي تُشكِّل خطراً كبيراً على أوروبا.(44)

 

أ. د. عامر عبد زيد الوائلي

............................

هوامش البحث

(1) http://mawdoo3.com/

(2) ا. ج آربري. المستشرقون البريطانيون .تعريب محمد الدسوقي النويهي. لندن، 1946، ص8.

(3) م.أ. جويري، علم الشرق وتاريخ العمران، الزهراء، الربيع الاول 1347ه ،ص11-14. بواسطة علي مراد، معجم اسماء المستشرقيين، www.alkottob.com

(4) رضوان السيد، المستشرقون الالمان –النشوء والتأثير والمصائر، نشر المدار الإسلامي، ط1، 2007م، ص11.

(5) http://mawdoo3.com/

(6) محمد زاهد، أيت ورياغر، قبيلة من الريف المغربي: أسئلة الأنتروبولوجيا ومداخل الإثنوغرافيا.

(7) ليلى أبو اللغد، المجالات النظريّة في أنثروبولوجيا العالم العربي ،ص 89. وانظر ادوارد سعيد، الاستشراق، نقله الى العربية كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، ط1، بيروت، 1981، ص 269.

(8) ليلى أبو اللغد، المجالات النظريّة في أنثروبولوجيا العالم العربي، وانظر ادوارد سعيد، الاستشراق، ص 196.

((9 حسين فهيم، قصة الأنثروبولوجيا فصول في تاريخ علم الانسان، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ط1، الكويت، 1986م، ص 18.

(10) قد صوّر دوركايم النتيجة في نظرته الى الطوطميّة بوصفها تعبيراً مادياً عن حقيقة مجردة، ترمز إلى شيئين ،فهي الصورة الخارجيّة المحسوسة لما يسمى بالإله الطوطمي من جهة، ورمز خاص للعشيرة تميزها من باقي العشائر من جهة اخرى، وعلى هذا الأساس ظن دوركايم أن الإله والجماعة ليسا سوى شيء واحد ،أي أن إله العشيرة هو العشيرة نفسها، ومن ثم لم تعبد العشيرة إلهاً بل عبدت نفسها .

(11) لطفي الإدريسي، أهم نتائج الطرح الانقسامي بخصوص القبيلة المغربيّة ،دراسة سابقة .

(12) انظر: جون واتربوري، أمير المؤمنين " الملطية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة: عبد الغني ابو العزم واخرون، مؤسسة الغني،ط1، الرباط، 2013.

(13)) ونظر: M iddelton (J)- Tait (D): 1958 ; Tribes without Rulers , Studies in African Segmentary Systems ; London ; Mair (L) M 1962, Primitive government.

(14) عبد الرحمن، بعض مفاهيم العلوم الإنسانيّة من منظور المؤرخ ،.المودن 15 نوفمبر 2015م.

(15) المصدر نفسه إذ يبين بأنّ: "دراسة (إرنست كلنر) حول قبائل الأطلس الكبير – الأوسط المواليّة لزاويّة أحنصال، وقبله (د.هارت) الذي يعد أول من درس واقع القبائل المغربيّة من خلال أنموذج التحليل الانقسامي؛ حيث قام بدراسة ثلاثة قبائل هي: (آيت عطا) بالأطلس، (دكالة) بالجنوب و(بني ورياغل) بالريف الأوسط. وأخيرا (رايمون جاموس) الذي ركز دراسته الشهيرة حول "العرض والبركة"، على إحدى قبائل الريف الشرقي، والأمر يتعلق بقبيلة "قلعيّة".

(16) لطفي الإدريسي، أهم نتائج الطرح الانقسامي بخصوص القبيلة المغربيّة ،الحوار المتمدن-العدد: 2907 - 2010 / 2 / 4 - 07

(17) البدائيّة: هناك تقسيم ينظر الى تاريخ البشريّة بالشكل الآتي: المرحلة الوحشيّة التي تتميز بالعيش على النباتات والحيوانات البريّة واستعمال آلات العصر الحجري والمرحلة الثانيّة البربريّة التي تتميز بظهور الزراعة والآلات المعدنيّة ونوع من الحياة الجماعيّة في القرى والحواضر والمرحلة المتمدينة التي بدأت عندما اكتشف الإنسان فن الكتابة .أنظر:أشلى مونتاغيو، البدائيّة، ترجمة محمد عصفور، عالم المعرفة ،الكويت، ص54.

(18) مبروك بوطقوقة، المنهج الأنثروبولوجي والدراسات الميدانيّة

: https://www.facebook.com/profile.php?id=100006738151849

19 http://www.mominoun.com

(20) إنّ توجه الانثروبولوجيين البريطانيين نحو دراسة البناء الاجتماعي والوظيفة قد جاء متأثراً بالاتجاه التجريبي عامة وبأفكار المدرسة الفرنسيّة لعلم الاجتماع. وهكذا توجهت المدرسة الانثروبولوجيّه البريطانيّة نحو دراسة الأنساق الاجتماعيّة Social Systems والبناءات الاجتماعيّة Social Structures مما جعل من مفهوم الانثروبولوجيا الثقافيّة عندهم يتطابق مع مفهوم الانثروبولوجيا الاجتماعيّة Social Anthropology على خلاف المدرسة الأمريكيّة التي اتخذت موقفاً متطرفاً حيال التميز بين الأنثروبولوجيا الثقافيّة والانثروبولوجيا الاجتماعيّة كما يبدو ذلك جلياً من تركيزهم على دراسات الثقافة وإهمال دراسة السلوك الاجتماعي وكما في أعمال رالف لنتون وكلاكهون وبواس . انظر: عيسي شماس، مدخل إلى علم الإنسان، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2004م، ص16.

(21) د. طلال اسد: أستاذ الانتربولوجيا بجامعة هل البريطانيّة، له العديد من المؤلفات منها الانتربولوجيا، والاستعمار. ودراسة عن بدو الكبابيش في السودان فضلاً عن كونه محرر من محرري الاقتصاد والمجتمع.

(22) انظر: عبد الرحمان المودن، بعض مفاهيم العلوم الإنسانيّة من منظور المؤرخ، . 15 نوفمبر 2015م في دراســات.

(23) ابن خلدون ،المقدمة ،بيروت ،دار القلم ،1989م.ص130.

(24) عبد العزيز قباني ،العصبيّة بنيّة المجتمع العربي ،دار الافاق الجديد ،بيروت ،ط 1، ص19.

(25) عالم انثروبولوجيا انجليزى كبير أسهم في تطوير الانثروبولوجيا الاجتماعيّة. كان بروفيسور في الانثروبولوجيا الاجتماعيّة في جامعة اوكسفورد فى انجلترا من سنة 1946 – 1970م. عمل محاضراً في جامعة القاهرة سنة 1932 م. عمل دراسات وابحاث مهمه عن قبيلة الأزاندي والنوير فى افريقيا

. https://arz.wikipedia.org/wiki

(26) الشخصيّة العراقيّة وانثروبولوجيا الدين/ في ضوء أطروحات آرنست غيلنز، 2015م-04-22:  http://www.baytalhikma.iq/News_Print.php?ID=302

(27 (Hume ,A Treatise of Human Nature .Edited by LA Selted-Bigge (Oxford:the Clarendon pres,1896.

(28) عبدالله بن عبد الرحمن الوهيبي، حول الاستشراق الجديد مقدمات اولية، مجلة البيان، ط1، الرياض، 1435هـ، ص 105.

(29) انظر: علي ليلة، ماكس فيبر والبحث المضاد في أصل الرسماليّة، المكتبة المصريّة، ط1، الإسكندريّة، 2004م.

(30) ماكس فيبر، الأخلاق البروتستانتيّة وروح الراسماليّة، ترجمة، محمد علي مقلد، مركز الانماء القومي، ط1، بيروت،ص12.

(31) 2-J. Beckford, Religion and Advanced Industrial Society (London: Unwin-Hyman, م1989)p:32.

(32 (LaCapra D., (2001), Emile Durkheim. Sociologist and Philosopher, Aurora, Colorado: The Davies Group, Second Ed., p. 236

(33) ارنست، غيلنز، العقل والدين وما بعد الحداثة، دار المدى للطباعة والنشر، ط1، بيروت .

(34) محمد م الأرناؤوط: عرض لكتاب مجتمع مسلم لأرنست غيلنر ترجمة أبو بكر أحمد باقادر 2005م، موقع أرنتروبوس.

(35) ارنست، غيلنز، العقل والدين وما بعد الحداثة، ص34

(36) محمد م الأرناؤوط: عرض لكتاب مجتمع مسلم لأرنست غيلنر ترجمة أبو بكر أحمد باقادر 2005م، موقع أرنتروبوس.

(37) انظر: طلال اسد، فكرة انثروبولوجيا الإسلام، ضمن الفصل الثاني من تحرير وترجمة ابو بكر أحمد باقادر، انثروبولوجيا الإسلام، دار الهادي، ط1، بيروت، 2005م، ص 49-53.

(38) المصدر نفسه، 70-74.

(39) محمد م الأرناؤوط، عرض لكتاب مجتمع مسلم لأرنست غيلنر ترجمة أبو بكر أحمد باقادر 2005م، موقع أرنتروبوس.

(40) محمد م الأرناؤوط، عرض لكتاب مجتمع مسلم لأرنست غيلنر.

(41) ليلى أبو اللغد، المجالات النظريّة في أنثروبولوجيا العالم العربي، ضمن الفصل الثالث، من تحرير وترجمة ابو بكر أحمد باقادر، انثروبولوجيا الإسلام، دار الهادي، ط1، بيروت، 2005،ص85-

(42) ليلى أبو اللغد، المجالات النظريّة في أنثروبولوجيا العالم العربي ،ص 89. وانظر ادوارد سعيد، الاستشراق، ص 269.

(43) نفس المصدر والصفحة .

(44) إدوارد سعيد.. مثقف فى مواجهة العالم http://almadasupplements.com/news.

 

مجدي ابراهيمكُنّا في المقالة السابقة طرحنا نماذج لفلسفة التخريج عند صوفية الإسلام فضربنا عليها هنالك بمثالين؛ ووعدنا في نهاية المقالة أن لحديثنا بقيةً، وها نحن ننتقل إلى مثال ثالث، يُوَضِّح افتراق دلالة الظاهر عن دلالة الباطن في لغة الخطاب الصوفي، وقيام فلسفة التخريج لديهم قياماً غير مشكوك فيه عندنا، وذلك لكشف غَوْر المعنى الباطن من مُوحيات اللغة الظاهرة؛ لا بل أبعد غوراً ممَّا تعطيه دلالة الباطن : عبارةً وإشارةً:

كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ت 656هجرية) يقول :"مراكز النفس أربعة : مركز للشهوة في المخالفات. ومركز للشهوة للطاعات. ومركز في الميل إلى الرَّاحَات. ومركز في العجز عن أداء المفروضات : (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) (التوبة : آية ٥).

يبدو في الظاهر أن سياق الآية لا علاقة له قطعاً بما يقوله الإمام الشاذلي. وانفصال العلاقة معناه : "التباس الدلالة". غير أن وجه الإشارة يجيز مثل هذا التخريج ولا يمنعه. ولنذكر مساق الآية الكريمة أولاً ثم نحاول تخريجها بما تفرضه علينا لغة الإشارة، وتكشفه لنا لغة المجاز. ولنقرأ سياق الآية ثانية في قوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

إنَّا لنفهم من سياق الآية، أنه إذا انقضتْ أشهر العهد الأربعة : فاحْبِسوا المشركين في المكان الذي يَتَحَصَّنون فيه، وأقعدوا لهم في كل طريق وممرِّ ومكان، كونوا لهم وعليهم وفيهم رُقباء، فإنهم العدو فاحذروهم وأقيموا لهم بالمرصاد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة فلا تتعرّضوا لهم بقتال ولا بنزال، ولا تأسروهم ولا تقطعوا لهم طريقاً، خلّوا سبيلهم إذا التزموا التوبة. ويجيء التعقيب : "إنّ الله غفور رحيم".

هذا ظاهر ما يُسَاق من فهم الآية؛ فما علاقته أصلاً بمراكز النفس كما أورده شيخنا، وما علاقة مراكز النفس به؟

لا توجد علاقة من حيث الظاهر أو هكذا تبدو الرؤية لكل ذي نظر عجول، وعند التأمل يظهر لك الفارق بين دلالة العبارة الظاهرة، ودلالة الإشارة الباطنة؛ فالعلاقة هنا علاقة تشابه بين قتل المشركين كافة كمَا دَلَّت عليه الآية، وبين جهاد النفس في مراكزها الأربعة، والتشابه هو بالطبع :"الأساس الدائم للمجاز أو الاستعارة أو المماثلة".

هنالك يَبْرُز أساس المجاز كونه يأتي لنقل كلمة عن مدلولها الأصلي (الحقيقي) إلى مدلول آخر لعلاقة المُشَابَهة أو غير المُشَابَهَة فتجيءُ "المعاني الإضافية" مُرتبة في نفس صاحبها؛ لتخرج بدقائق الكلام من باطن النفس إلى ظاهرها اللفظي، مع ما يضاف إلى هذا كله من تخريج ذوقي هو أساس علم الإشارة.

وإنَّا لنميل إلى القول هنا "بالمجاز المُجمل"، وهو كما عرفَّه الجرجاني :"ما خَفِيَ المُراد منه بحيث لا يدرك بنفس اللفظ إلا ببيان من المجمل سواء كان ذلك لتزاحم المعاني المتساوية الأقدام، كالمشترك؛ أو لغرابة اللفظ، كالهلوع، أو لانتقاله من معناه الظاهر إلى ما هو غير معلوم. فترجع إلى الاستفسار ثم الطلب ثم التأمل ( را: الجرجاني : التعريفات، ص 180).

ومعنى "المشترك"؛ فيما يقول الشوكاني، هو اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين أو أكثر، وضعاً أولاً من حيث هما كذلك، فخرج بالوضع ما يدل على الشيء بالحقيقة، وعلى غيره بالمجاز، وخرج بقيد الحيثية المتواطئ؛ فإنه يتناول الماهيات المختلفة لكن لا من حيث هى كذلك بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد. هذا عن اللفظ المتواطئ. واختلف أهل العلم باللغة في اللفظ المشترك، فقال قوم إنه واجب الوقوع في لغة العرب، ومنع وقوعه آخرين، وقالت طائفة بجواز وقوعه. وما يعنينا نحن إلاّ الذين أوجبوه؛ لأن الألفاظ متناهية والمعاني غير متناهية. والمتناهي إذا وزِّع على غير المتناهي لزم الاشتراك، ولا ريب في عدم تناهي المعاني (إرشاد الفحول بتحقيق الحق من علم الأصول، ص 19).

وبما أنّا نكتب فلسفة التخريج عند الصوفية، مستخلصين معالمها واقفين على أركانها؛ فيلزمنا قراءة لغة الخطاب الصوفي، إذْ قد تقرَّر عندنا ما كان الجرجاني قد قررَّه سلفاً من "مجاز مُجمل" مفاده : انتقال اللفظ من معناه الظاهر إلى ما هو غير ظاهر ولا معلوم، والأخذ بمعنى الاشتراك فيما جوَّزه علماء اللغة على ما قاله الشوكاني فيما تقدّم .

إنّ عبد القاهر الجرجاني الذي وضع في كتابه "دلائل الإعجاز" علماً مستقلاً من علوم البلاغة هو علم المعاني، فَبَيَّنَ أصوله وصور فصوله وحدودها وشُعَبها تصويراً دقيقاً؛ بمقدار ما وضع في "أسرار البلاغة" نظرية البيان؛ ليقول إنَّ "المجاز" عمل عقلي لا عمل لغوي، وإن حُسْنه من المؤكد يرجع إلى المعاني الإضافية التي يلاحظها الحاذق البصير في تراكيب العبارات وصياغاتها وخصائص نظمها وصور نسقها وسياقها؛ وإنه لا بد أن يُفْهَمَ في كل مجاز معنى الكلمة ومعنى ثانياً وراءه.

وأنك إذا قلت "كلَّمْتُ أسداً" لم تكن فقط بصدد عمل لغوي، وإنما أنت بصدد عمل عقلي داخلي؛ فقد تصرَّفت بالكلمة تصرفاً جديداً، وهو تصرُّف أسعفك به العقل، إذْ لم تُطلق المُشبّه به على المشبّه إلا بعد ادّعائك دخوله في جنسه.

وعليه، يكون الأساس في المجاز هو نقل كلمة عن مدلولها الأصلي (الحقيقي) إلى مدلول آخر (مجازي)؛ لعلاقة المُشابهة أو غير المشابهة.

فمرجوع الجمال من ثمَّ في الصّور البيانية من المجاز والكناية والاستعارة لا إلى مدلولاتها ومضامينها، وإنما إلى تلك المعاني الإضافية فيها؛ أي ترتيب معاني الكلام الإضافية في نفس صاحبها أولاً ثم الخروج بدقائق الكلام من باطن النفس إلى ظاهرها اللفظي.

ولمّا كان المجاز من أسرار العربية فقد وصفه ابن قتيبة في " تأويل مُشكل القرآن" حيث قال :" وللعرب المجازات في الكلام ومعناها طرُق القول ومآخذه، ففيها الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والإخفاء والإظهار والتعريض والإفصاح والكناية والإيضاح ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الإثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم وبلفظ العموم لمعنى الخصوص ...".

وخليقٌ بالمطلع على هذه المباحث أن يتقرَّر عنده ما كان تقرَّر سلفاً لدى علماء العربية من أن أسرارها لتكمن في المجاز والكناية والاستعارة : المعاني الإضافية، وأن ألفاظ اللغة على حضورها وحلاوة تذوقها لترتد إلى باطن النفس شعوراً وتذوقاً وصدوراً، وأن جمال الكلام البليغ ونظمه وما يترتب فيه؛ ليتأتّى وفق ترتيب معانيه في النفس الشاعرة بانفتاح اللفظ من واقعه ومحسوسه إلى حيث فضاءاته الروحانية والذوقية.

وهذا هو المقصود عندنا "بفلسفة التخريج عند الصوفية". إنما الألفاظ في ذاتها من حيث هى ألفاظ مٌجَرَّد أحجار تتحوَّل إلى كريمة بمقدار ما تتحول في النفوس كرامة المعنى لتحَمِّلها المعاني، وبمقدار ما تستشعر القلوب كرامتها وعزتها؛ لينظمها اللسان من طريق الذوق والمعرفة والحَصَافة والإدراك في سياق هادف.

نعود بعد هذه الوقفة إلى إشارة الشيخ أبي الحسن الشاذلي في مراكز النفس الأربعة فنقول : على إشارة الباطن يلزم للمجاهد لنفسه أن يقعد لها كل مرصد، وأن يقاتلها حيثما وجدها، لا .. بل يقتّلها تقتيلاً أينما ذهبت له بالعداء مذاهبها كقتال المشركين حيثما وُجدوا، فهى كالعدو، بل هى "العدو" على التحقيق، ولمَّا كانت عدواً وَجَبَ حَصْرها بأسلحة الجهاد المعروفة عند القوم، وحَبْسها في مراكزها الأربعة وتضييق خناق هذه المراكز عليها بالمراقبة والتَّرَصُّد حتى تفيء مع القعود لها كل مرصد، لأمر الله. وبمثل هذا تجيئ الدلالة ظاهرة مع كونها خفية في لغة الخطاب الصوفي في خصوصيتها، وهذه هى فلسفة التخريج لديهم : طاقة عاملة من طاقات الروح.

ويُلاحظ أن الشيخ مع ذلك لم يكمل الآية : (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ)؛ لأن العهد بالنفس هو النكوص والتردِّي وممانعة الاستقامة. ومن أجل ذلك أخذ من الآية جزءها الذي تحتمله الإشارة : أعني "القرينة المجازيّة"، وقد يكون الجزء الباقي له إشارة أخرى ليس المقام ممَّا يناسبها قرينة ومجازاً.

وحين يكون الحَذر واجباً، واتهام النفس في جميع الأحوال أمراً مفروضاً. وحين يكون الحكم عليها بالعلم الظاهر(الشَّرع) المؤيَّد بحقائق الباطن ممَّا يستوجبه قانون الطريق وترومُه قصداً إشارات العارفين، قال الشيخ أيضاً في موضع آخر :" موت النفس بالعلم والمعرفة، والاقتداء بالكتاب والسُّنة، وإنْ أردت جهاد النفس فأحكم عليها بالعلم في كل حركة، واضربها بالخوف عند كل فترة، واسجنها في قبضة الله أين ما كنت، وأشكُ عجزك إلى الله تعالى كلما غفلت وهى التي: (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا).

مرة أخرى نقابل نفس المشكلة : "التباس الدلالة"، لا علاقة كذلك من حيث الظاهر بين كلام الشيخ وبين ما تعطيه الدلالة الظاهرة في الآية القرآنية؛ فالتي :"لم تقدروا عليها" هى مَغَانم غزوة حنين بعد الفتح كما جاء في التفسير. وأحاط الله بها، أي جعلها تحت قبضته وحَفظها لكم. وفي "معاني القرآن" للفرَّاء :" قد أحاط الله بها، أحاط لكم بها أن يَفْتَحها لَكم " (را: معاني القرآن ج ٣ ص 67).

وإذن؛ فما الذي استشفه مولانا الإمام إشارةً من هذا المعنى ليجريه علاجاً للنفس؟ هو بغير شك الأمر الباطن في معرفة النفس حين لا تنقاد إلى أمر الوسطية والاعتدال إلا بعد مشقة فادحة وجهاد كبير: فالعجز عن جهادها والخلود بها إلى أرض الشهوات وإتباع الهوى، وقلة مساعدة النفس بالتحلي بالفضائل، وركونها دوماً إلى هواها، وانتصارها على صاحبها، وغفلتها عن الله، ورقابة الله لها في كل لحظة؛ هى التي: (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا)؛ فلزم اللجوء والافتقار في شأنها إلى الله على الدوام. ذلك هو ولاشك خطاب الصوفي في لغته الخاصّة : إشارة بعيدة ورمز لمَّاح.

*    *     *

ومثالٌ أخير : وقف أحدهم عند قوله تعالى : (فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (البقرة: آية 269)؛ فقال : إنمّا قال تعالى ذلك؛ لكثرة "الوجوه المَبْطونَة في الكلمات". ولكن قبل أن نستطرد مع هذه الوقفة علينا أن نتوقف عند صاحبها؛ فالذي وقف هذه الوقفة المُلهمة كان أميِّاً لا يكتب ولا يقرأ، وكان يتكلم، كما وصفه تلميذه، على معاني القرآن العظيم والسّنة المشرّفة كلاماً نفيساً تحيَّر فيه العلماء، وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والإثبات، فكان إذا قال قولاً لابد أن يقع على الصفحة التي قال … ذلكم هو الشيخ "علىُّ الخواص" شيخ الشعراني وأستاذه ومعلمه أسرار الطريق ودروب السير فيه (الطبقات الكبرى، ج 2 ص 135).

وإنما أثبتنا هذا عن "الخواص" لئلا يتوهم متوهم أن العرفان بمعاني القرآن متوقف على آلة النظر بالعقل، فهذا جهلٌ بالله، وتحجيرٌ على قدرة الله الذي يقول للشيء كن فيكون؛ فالعلماء الذين يتشدَّقون بالعقل ما لهم آلة لفهم كلام الله تعالى إلّا بالفكر والنظر.

أمّا العارفون، فطريقهم إلى فهمه : الكشف والتعريف الإلهي. وممَّا يزيدك قناعة بفتوح الله على عباده هو أن تنظر إلى "علىِّ الخواص" هذا الأمِّي الذي لا يعرف القراءة والكتابة، انظر إلى الثقة العلويّة بما لديه من عند الله، وانظر إلى "الإبداع" الخالص الذي لا يعرف للتقليد طريقاً، وانظر إلى الخصوصيِّة والتفرُّد .. ماذا تراه يقول؟

إنه ليقول: "لا يُسمى عالماً عندنا إلّا من كان علمه غير مستفادٍ من نقل أو صدر، بأن يكون خضريَّ المقام. وأمّا غير هذا، فإنما هو حاكٍ لعلم غيره فقط، فله أجر من حَمَلَ العلم حتى أدَّاه، لا أجر "العالم"، (والله لا يضيع أجرَ المحسنين)؛ فمن أرادَ أن يعرف مرتبته في العلم يقيناً لا شك، فليُردَّ كل قول حفظه إلى قائله، وينظر بعد ذلك إلى علمه، فما وجده معه، فهو علمه. وأظن أنْ لا يبقى معه إلّا شيء يسير لا يسمى به عالماً (را : طبقات الشعراني : جـ 2، ص 137).

وإنّه ليُفرّق بين العلم والكشف تفرقة فاصلة جديرة بالنظر والاعتبار، خالصة من الالتفات إلى الأغيار، مبدعة بمقدار صدورها من شمس الحقيقة. وعنده إنما يكون الكشف هو علمك بالحقائق على ما هى عليه في نفسها. والعلم هو علمك بالأمور على ظاهرها ( را: الشعراني : درر الغواص على فتاوي سيدي عليّ الخواص، مكتبة الغنيمي؛ القاهرة  1425هـ - 2014م ؛ ص 64).

في الواقع؛ إن ما عبَّر عنه الخواص إنما هى "علوم الحقائق" لا تستفاد من فكر ولا نظر ولا عقل، ولا آله من هذه الآلات، ولكنها علوم وهب وتوفيق، علوم أذكار لا علوم أفكار، وهى التي يعوَّل عليها في فهم "الوجوه المبطونة" في كلمات القرآن الكريم. وقد أجابَ لما سئل عن قولهم : القرآن بحر لا ساحل له. فقال : معناه أنه يقبل جميع ما فسّره به المفسرون؛ وذلك أن المتكلم به، وهو الله تعالى عالم بجميع تلك المعاني والوجوه التي تدل عليها هذه الألفاظ بالنظر إلى كل شارح، فما من شارح يقصد وجهاً في شرح تلك هذه الآية أو تلك إلّا وذلك الوجه المقصود للمتكلم به وهو الله تعالى، بخلاف ما إذا كان المتكلم من الخلق؛ فإنّ الشرح لكلامه لا يتعدّى مرتبة المتكلم من القصور، وإنْ كان اللفظ بعينه. (را : الشعراني : درر الغواص؛ ص 70).

اقتضاه هذا أن يفرِّق أيضاً بين "الفهم" و"العلم"؛ وذلك لإمكان القول إنّ الفهم في الكلام على قسمين : أحدهما مكتسب من مادة. والآخر: موهوب من غير مادة. فالذي وُهبَ من غير مادة، لا يُقال فيه فهم، وإنما يُقالُ فيه علم.

وأمّا المكتسب من المادة، فهو الذي يقال فيه "فهم"، وهو تعلُّق خاصُّ في العلم. فإذا علم السامع "اللفظة" من اللافظ بها أو رأى الكتابة ففهم منها أمراً؛ فمردَّه إلى حكمين : أحدهما : أن يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة مع تضمُّنها في الاصطلاح معاني كثيرة خلاف مُراد المتكلم بها. فهذا يُسمى فهماً؛ لأنه كان اكتسبه عن مادة. والثاني : لا يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة على التفصيل، ولكن يحتمل عنده فيها عدّة وجوه (مبطونة) يدل عليها الكلام، لا يعلم مراد المتكلم من تلك الوجوه، ولا يدري : هل أرادها كلها أو أراد بعضها، فمثل هذا لا يُقال في حقه أنه أُعطى الفهم في القرآن، وإنما يُقَال فيه أنه أعطى "العلم" بمدلولات تلك الكلمة أو الكلمات.

وقد أجمع العارفون على أن كلام الله واسع، حَمَّال أوْجُه كما وصفه الإمام عليّ، رضى الله عنه، يقبل جميع ما فسَّره به المفسرون، لأنه خاطبهم بجميع ما يقبله استعدادهم. فما من وجه مقبول فهمه عبادُه المؤمنون إلا وهو مقصود له تعالى من تلك الكلمة بالنظر إلى فَهْم مَنْ فَهمَ من كلامه تلك الوجوه المقصودة لله أو لذلك الشخص الذي فهم منها ما فهم حيث لم يخرج في فهمه عمَّا يؤديِّه الكلام من التَّجَوِّز؛ فإنْ كان خَرَجَ عَمَّا يؤدِّيه كلام العرب فلا علم ولا فهم. هذا من خصائص كلام الله. أمَّا كلام المخلوقين فقد يكون بعض الوجوه غير مقصود لصاحب الكلام (را: الشعراني : لطائف المنن، ص 85).

ولمَّا كانت الآيات قد وَرَدَتْ في القرآن على التنوِّع والتّفرُّق : آيات لقوم يعقلون، وآيات لقوم يؤمنون، وآيات لقوم يتفكرون، وآيات لقوم يسمعون، وآيات للعالمين، وآيات للمؤمنين، وآيات للموقنين، وآيات لأولي النّهي، ولأولي الألباب، ولأولي الأبصار؛ صار من أوجب واجبات العبد أن يلتزم أدب الفهم في كلام ربَّه عز وجل؛ لينال من توجهات الخطاب ما كان تحقق به وانطبق عليه. وأدب الفهم هو أن يعقل على الدوام أن فيه مجموع ما تفرَّق من آيات : نعته الله بالعقل، والإيمان، والتَّفكّر، والتقوى، والسمع، والقلب الذي هو اللبّ، والأبصار؛ حتى إذا ما نظر في كل صفة هو موصوف بها، وكل نعت هو منعوت به، بعد أن يكون قد مشى حيث مشى به الشرع، ووقف حيث وقف به الشرع، وعقل فيما قيل له فيه هاهنا أعقل، وآمن فيما قيل له فيه هاهنا آمن، ونظر وفكَّر فيما قيل له فيه هاهنا انظر وتفكر، وسلَّم فيما قيل له فيه هاهنا سَلِّم، حتى إذا ما كان هذا دَيْدَنَه في طريق العرفان، ظهر بأوصافه ونعوته في العالم، فكان ممَّن جُمِع له القرآن وأعطي الفرقان من طريق الوهب والتوفيق بعد مكابدة مفاوز الطريق (الشعراني : لطائف المنن؛ ص 86).

والعارفون ليس لهم آلة إلى فهم كلام ربهم أو غيره إلّا بالكشف والذوق لا الفهم والفكر. ومرادنا بهذا الكشف؛ هكذا يتكلم الشيخ الخواص؛ هو كشف العلوم والمعارف الحاصل بالنفث والرَّوْع لا الكشف المعهود في الحسّ بين أرباب الأحوال. فإن العلوم ليست محسوسة حتى يكشف عنها كما يكشف عن الأماكن البعيدة في الكشف الصوري، وقد جعل الحق تعالى لعلماء الشريعة نظير هذا الكشف بواسطة الاجتهاد والأدلة المعلومة بينهم. وأن الله تعالى قد أخبر في كتابه عن أقوام إنْ هم إلا كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون، وأخبر صلوات الله عليه أن أقواماً من أمته يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، فكيف تكون هذه الأقوام متقرّبين إليه؟ وكيف يتقرّبون بعدم العلم الذي هو الجهل، هذا عجيب! (را: الشعراني : دُرر الغواص : ص 8).

 

*    *     *

عندي أن الفهم عن الله لا يتسنى لأحد إلاّ بمقدار ما تتعلَّق به إرادة الله لتفهيم العبد على مقدار إخلاصه. وبهذا أو بمثله يكون فهم القرآن على نورانيّة الصلة الروحيّة، وهو ما يُسمى عندي بملكة "التعلَّق" عند العارف. فالعارف يحظى بملكة خاصّة ينفرد بها هى ولا شك أقوى وسائل التحصيل الذوقي للمعرفة التي هى في الأصل ذوقية صرفة.

وبملكة التعلُّق هذه، يتجاوز الصوفي (العارف) عالم الظاهر المحدود؛ ليتصل في لحظة كاشفة بما ليس ظاهراً ولا محدوداً، ممَّا لا يتناهى، وممَّا لا تقع معرفته في حدود التصوِّر المحدود. التجربة في هذه الحالة هى التي تقودك؛ تأخذك وتستوفيك وتملك عليك بالكلية جميع أقطارك. التجربة هى التي تفعل؛ فيوحي فعلها فيك لغة الإشارة.

في بطن التجربة الصوفية وحدها يكشف العارف في تجربته عن لغتها الرمزية الخاصَّة؛ لغة الحبّ، ولغة التسامح لا التَّمزق، ولغة الفناء في المحبوب تعطيها الإشارة لا العبارة، أي لغة المعنى تحصيلاً وتذوقاً وشعوراً بمعطيات الحَال، يحيط  الحال صاحبه معنىً خالصاً قد لا يتسع له اللفظ المعتاد، وإنْ أتسع له اللفظ المعتاد أفسده، وإنْ ساقته العبارة العادية خَرَجَتْ به عن المقصود. وهو حين يكشفها لا يكشفها في باطن التجربة وكفى بل بعد منازلة الحال وعياً غير عادي ولا معهود.

*    *     *

تلك كانت أمثلة طفيفة على عقيدة فكرية نعتقدها في فلسفة التخريج عند الصوفية، يُستفاد منها القيمة الكامنة من وراء ذلك التراث المهجور : تراث الروح، تتمثل فيه كل ما للشرق من يقظة نفس وقوة ضمير إذا نحن أردنا للشرق أن يستعيد قوته العصماء غير مغبون ولا محتقر ممّن لا يعرف له قيمة واحدة ولا فضيلة واحدة يعزونها إليه.

ولنا كذلك أن نعتقد؛ ونحن أحرار فيما نعتقد، أن الحياة في كل عصر من العصور، وحياتنا هذه التي نعيشها على وجه الخصوص، غير جديرة بأن نحياها ما لم نمل عليها شئنا أم أبينا مثل هاته القيم الروحيّة التي تعلمناها ولم نزل نتعلمها من أقطاب العارفين، ومن أهل الله الكمَّل الذين عرفوا الصلاح وذاقوه، وكرعوا من مناهل أذواق الصالحين؛ فإنهم جميعاً علمونا أن الوجود المادي في الإنسان إنْ لم يكن يتبع الوجود الروحي يخضع له وينقاد ويأتمر بما يفرضه من قيم علوية، فلا تجد أبداً معنى للحياة ولا تنتظر للآدمية كرامة ولا قيمة ولا أصلاً يرتكز عليه وجود الفرد في دنياه وأخراه. هذه حقيقة مصيريّة تامة المعالم لا شك فيها ولا نكران، تبقى ما يبقى للإنسان تطلع إلى مسائل المصير، وتختفي أو تكاد إذا عاش كالسائمة كما تعاش السوائم تنقاد لمطالب الغريزة، ولا تزيد.

لا جَرَمَ أن قيم الحياة الحيّة كلها مَرُّدها إلى ذلك الإحساس بالزمن وتقدير العمر البشري، كما علمتنا همم العارفين، ولا تزال تعلمنا، ضرورة التنبيه لا الغفلة، والمبادرة إلى العمل الدائب المتواصل لا الركون إلى طوارئ الاستكانة والخمول، والتمكين في كل حال لا التلوين مع الأحوال، واليقظة التي تصدر عن ثورة الروح الداخلية وحماسة الضمير لا التي تصدر عن إدعاءً ليست له من مصادر الروح همة ولا فاعلية ولا تكميل.

فما أكثر المظاهر والظواهر وذركشات الأحداث.

وما أخلد القيمة في ذاتها إذا هى صدرت عن ينبوع متدفق من عالم الروح.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيوعي الذات النقدي والعملي في الإصلاحية الإسلامية 

إن تحول الإسلام إلى قوة مستقلة قائمة بحد ذاتها على مسرح الوجود التاريخي كان يعني انه قد بدأ بامتلاك ذاته الجديدة وإدراك حدوده الخاصة. ولم يكن ذلك معزولا عن التأثير المباشر وغير المباشر للنهضة العربية ومساعيها الحثيثة لتهشيم الأسس التقليدية للذهنية السائدة في الوجود والفكر. وبالتالي الخروج من عالم الوحدة المغلقة وانعدام الكيان السياسي المستقل إلى آفاق البدائل الممكنة. أما الأخيرة فقد كانت من الناحية الواقعية الإطار الأوسع لتجارب النظر (العقلي) والعمل (السياسي) في تيارات الفكر واتجاهاته الكبرى، أي الصيغة المدركة لذاتها في مشاريع البدائل من الإصلاح حتى الثورة. من هنا كان تحول الإسلام إلى قوة مستقلة في الوجود الاجتماعي التاريخي للعالم العربي هو المساهمة الأكثر عمقا واتساعا في إدراك الذات ووعيها النقدي. إذ لم تضع هذه المساهمة آنذاك في تصوراتها وأحكامها أشياء أكثر مما ندعوه بحدود الرؤية التاريخية والروحية. وطافت بين هذه الحدود وبين كمية ونوعية القيم الكبرى والمبادئ المتسامية.

وقد تضمنت هذه الرؤية على وحدة جديدة في النظر إلى الحاضر والماضي والمستقبل يقوم مضمونها في البقاء ضمن مكونات الوجود التاريخي للعالم العربي والبحث فيها عما يمكنه أن يكون مدى لأفقها المنظور. ومن الممكن التعبير عن هذا التحول في هذه الرؤية بالعبارة التالية: إذا كانت الاتجاهات الفكرية والسياسية السابقة للحركة الإصلاحية الإسلامية تجمع كل ما يمكن جمعه من أجل قول فكرة واحدة، فإن الإصلاحية الإسلامية انطلقت من فكرة واحدة لقول كل شيء.

وتضمن هذا "الانقلاب" في ذاته تحول الإسلام إلى قوة مستقلة وبقاؤها في الوقت نفسه في الأعماق المغمورة لمشاريع البدائل الفكرية. وهذا بدوره كان الانعكاس غير المرئي لتمركز الثقافة الفكرية الروحية بعد قرن من المحاولات المرهقة في الدين والدنيا والروح والجسد، التي سبقت ظهور الملامح الدقيقة للفكرة الإصلاحية الإسلامية الكلاسيكية. وإذا كانت الحصيلة المادية لهذه العملية هو الهجوع الظاهري للجسد، فإن حصيلتها المعنوية تقوم في استثارتها كوامن الكلّ العربي. فالانطلاق من فكرة واحدة لقول كل شيء يفترض تمركزا في الغايات والأهداف، وتركزا في القيم والمفاهيم بحيث يجعل من الممكن التقاؤهما في الفعل، أي التقاء الغايات بالقيم والأهداف بالمفاهيم. ولم يكن هذا الالتقاء فعلا إراديا بقدر ما كان نتيجة ملازمة لتعمق وعي الذات النقدي.

فقد كان تمركز الثقافة وتركزها في فكرة واحدة لقول كل ما يمكن قوله من خلالها، هو الأسلوب المتطابق مع إدراك حقائق الأولويات الضرورية. فقد كانت هذه "الحقائق" النتائج المتراكمة في مسار الحرية الباحثة عن مبادئ كبرى أو مرجعيات للعمل، والتي أدت في الوهابية الأولى والحركات الصوفية آنذاك (أو ما ادعوه بالتصوف الفاعل) إلى خروج الذهنية العربية من عالم الوحدة المغلقة إلى الآفاق الأرحب في تأمل النفس. لكن الحدود الذاتية والمحدودية التاريخية للوهابية الأولى و"التصوف الفاعل" قد أدى بهما إلى الدوران في فلك معتقداتهم الأساسية. ومن ثم اقفل على "حقائقهما" إمكانية التثوير الدائم. وبالتالي لم يمكن بإمكانهما إبداع نماذج كبرى ودائمة لوعي الذات النقدي. فقد استدرجت الوهابية الأولى، على سبيل المثال، في فكرتها عن التوحيد كل ما يمكنه أن يكون موضوعا لنقدها، لكنها أبقت على "حقائقها الأولية"، باعتبارها مقدمة أزلية ونهاية أبدية لكل بديل محتمل. وينطبق هذا أيضا على "التصوف الفاعل". وذلك لأن حركته كانت تدور في فلك تصوراته التقليدية.

ومع ذلك استطاعت هذه العملية أن تبلور قيم المفاهيم ومفاهيم القيم، وسمو الغايات والغايات المتسامية، مما كان يعني أيضا فسحها الطريق أمام صيرورة العناصر النقدية في العلم والعمل، دون أن تدخل هذه العناصر في مسار النقد الذاتي. فهي لم تتأمل الإمكانيات الجديدة القائمة في حدودها الذاتية. وذلك لأن هذه الحدود كانت بالنسبة لها مجرد يقينيات جبرية. أما أفعالها فهي التجسيد الفردي لنداء الحقيقة (أو الحقائق). وحدد هذا بدوره مسارها الخاص في مناهج الإصلاح التقليدي، أي إلغاء إمكانية الرؤية النقدية تجاه تقاليد الإصلاح نفسها. لهذا توقفت العناصر العقلانية العملية الأولى عند مبادئها. وهي الأسباب القائمة وراء اضطرارها لتوظيف كل ما يمكن توظيفه من أجل قول فكرة واحدة. بينما كان التفكيك الفعلي لهذه الحلقة المفرغة هو نفيها، أي السير في الاتجاه المعاكس لتاريخ الإصلاح التقليدي من خلال إدراك الحدود الواقعية للواجب، وحدود المثال في العمل. بمعنى الانطلاق من البداية المعقولة للوجود التاريخي والنظر إلى الماضي والمستقبل بوصفهما كفتين معقولتين في ميزان الحاضر. وقد تطابقت هذه الحالة مع قيم ومفاهيم العقلانية العربية الصاعدة في اجتهادها، وقيم ومفاهيم الإصلاحية الإسلامية في جهادها. وترتب عليه لاحقا التقاء هذه القيم والغايات، والمفاهيم والأهداف في الفعل الإصلاحي العقلاني، الذي جعل الجهاد اجتهادا والاجتهاد جهادا. وقد أنهى هذا الالتقاء في مستواه النظري مرحلة كبرى في مسار العقلانية العربية الحديثة. إذ استطاع تجاوز تقليدية الماضي من خلال نفي انجازاتها الكبرى المتراكمة في مجرى زمن معقد ودموي رافق ظهور وتطور الوهابية والتصوف الفاعل.

فغياب الوهابية من هجوم الرؤية النقدية المباشرة للأفغاني كان بمعنى ما النفي الأوسع لها، ولكن من خلال التنشيط الفكري والعملي لقضاياها الأساسية ورؤيتها الدينية وحلولها العملية. واحتوى هذا الموقف بدوره على دفع لانجازاتها في ميدان العمل والسياسة والوحدة والأمة وغيرها من القضايا إلى غاياتها القصوى من خلال ربطها بقضايا التحديث والحداثة. ونعثر على هذا الموقف في تقييم الأفغاني المباشر لشخصية وانجازات محمد على باشا. فقد وجد فيه ليس مجرد رجلا كبير العقل والدراية، بل وهائل الهمة والإقدام. وبغض النظر عن أن محمد علي باشا، كما يقول الأفغاني، "لم يتوسع في دروس العلم، ولم يجبل في مصانع السياسة، إلا أن طبيعته الفطرية كانت فائضة بحب الحضارة وبث العلوم، وتأسيس قواعد العمران مع تدفق همته لبلوغ الغاية مما يميل إليه"[1]. لهذا نالت مصر زمنه ما كانت "تقف دونه أفكار الناظرين، إذ طرقت أبواب السعادة من كل وجه فتقدمت فيها الزراعة تقدما غريبا واتسعت دائرة التجارة، وعمرّت معاهد العلم فتقاربت أنحاؤها"[2]، أي وحدتها الوطنية. ووجد الأفغاني في هذه الانجازات نموذجا للاحتذاء والاقتداء.

إن تركيز الأفغاني على انجازات محمد علي في قضايا الفعل السياسي والدولة الموحدة جرى من خلال إظهار أولوية الأبعاد العصرية وبدائلها العملية. بمعنى تذليل الضيق الثقافي المميز للوهابية. والشيء نفسه ميز أيضا آراء ومواقف محمد عبده. فقد وجد في الوهابية "فئة زعمت أنها نقضت غبار التقليد، وأزالت الحجب التي كانت تحول بينها وبين النظر في آيات القرآن ومتون الأحاديث لتفهم أحكام الله عنها"[3]. لكنه في الوقت نفسه نراه يبرز فيها ضيقها الخاص، من خلال وصفها بالتقليدية الجلفاء (اليابسة أو الخشنة). من هنا توكيده على أن هذه الفئة (الوهابية) مع ادعائها نفض غبار التقليد، فهي "أضيق عطنا وأحرج صدرا من المقلدين، وإن أنكرت كثيرا من البدع"[4]. وبغض النظر عن مساهمتها في إزالة الكثير مما أضيف إلى الدين وليس منه، كما يقول محمد عبده، إلا أنها "ترى وجوب الأخذ بما يفهم باللفظ الوارد والتقييد به بدون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين، واليها كانت الدعوة، ولأجلها منحت النبوة. فلم يكونوا للعلم أولياء ولا للمدنية السليمة أحباء"[5]. أما الكواكبي، فانه تجاهل أراء الوهابية المباشرة، وتناول نتائجها في مجال تأسيسه للعقل والسياسة في مساعيهما للوحدة، بالصيغة التي عمقت آراء الأفغاني وعبده في مسارهما العقلاني الإصلاحي.

لقد سارت هذه العملية المعقدة لتوسع وتعمق الرؤية النقدية العقلية صوب الإصلاحية العقلانية عند الشخصيات الكبرى للإصلاحية الإسلامية في دهاليز الرؤية التأملية والفاحصة للتجربة الشخصية النظرية منها والعملية. بمعنى أن عناصر الفكرة الإصلاحية ومبادئ الإصلاحية الإسلامية الجديدة قد تراكمت في مجرى معاناة فردية حرة للعقل والضمير الفردي والاجتماعي والقومي الإسلامي. وليس مصادفة أن يكون اهتمام هذه التجارب النقدية والتأسيسية الأولية بالتصوف بشكل عام و"التصوف الفاعل" بشكل خاص.

فقد مرت جميع الشخصيات الكبرى للحركة الإصلاحية الإسلامية الحديثة بتجارب صوفية أولية مختلفة المستويات. إذ تأثروا جميعا بأقدار متباينة بالتصوف وتقاليده الروحية والفلسفية الكبرى. وعندهم جميعا يمكن رؤية طبيعة هذه التجربة وتحولها الظاهري والباطني، الذي وجد انعكاسه فيما يمكن دعوته باستبدال التجربة الصوفية الفردية بفردانية تمثل الكلّ الاجتماعي بمعايير القومية (العربية) والأمة (الإسلامية). مع ما ترتيب عليه من نفي فكري خاص وجد تعبيره النظري والعملي في توسيع وتعميق أولوية الرؤية الإصلاحية تجاه القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية الكبرى. وقد كانت هذه العملية شكلا من أشكال انحلال التقاليد القديمة "للخلق الدائم" و"تناسخ الأرواح"، أي تحلل ما يمكن دعوته بآلية "التشخصن التاريخي" لرموز الإسلام الكبرى في الجسد المعاصر.

لقد قدم رجال الإصلاحية الإسلامية صيغة جديدة لهذا الخلق والتناسخ عبر نقل تجسيدهما من الحالة الفردية إلى الكينونة الاجتماعية. ولم يكن هذا في الواقع سوى الأثر المباشر وغير المباشر لنوعية الأثر الذي تركه التصوف في الحركة الاجتماعية والسياسية الفاعلة للإصلاحية الإسلامية. وهو أمر جلي ويمكن العثور عليه في تجارب شخصياتها الكبرى بمختف الميادين بشكل عام، وفي إبداعها الفكري بشكل خاص. ووجد ذلك تعبيره الأكثر دلالة في توسع "مآثر" العقلانية الإصلاحية عندهم، بمعنى تمويت الميت وإحياء الحي في تجارب الثقافة الإسلامية وتقاليدها المتنوعة. فعندما حاول الأفغاني‎، على سبيل المثال، تقييم آفاق الوحدة الأفغانية الإيرانية، فإننا نراه أول الأمر يتطرق إليها بمعايير وذوق الفكرة الصوفية الخالصة. بمعنى "شخصنتها" على نموذج الشاه (الإيراني)، بحيث نراه يصوّره بعبارة "الرجل العظيم القدر، الرفيع الشأن، الواسع العرفان، الذي لا تحجبه شئون الكثرة عن ذات الوحدة، ولا تقف به أطوار التلوين دون منازل التمكين، ولا تشغله مظاهر الفرق عن مقامات الجمع. يتجلى له الواحد في مراتب الكثرة، وتتجلى حقيقة الأحدية في المنازل العددية. فالاتحاد مشربه والائتلاف مذهبه"[6]. وهي صيغة نموذجية تختزل العرفان الصوفي ولغته واصطلاحاته عبر تطبيقه على واقع سياسي وتاريخي صرف. ومن ثم تحتوي على صيغة نظرية ومجردة للنظر إلى الواقع من اجل إصلاحه ورفعه إلى مصاف المتسامي. وأبقى الأفغاني على هذه الصيغة والأسلوب في آرائه ومواقفه، باعتبارها مرجعية فكرية أخلاقية. أنها تعكس طبيعة وحجم الهموم الخفية التي كانت تعتمل في نفسية وذهنية وشخصية الأفغاني. وبالتالي تعّبر في رمزيتها المجردة وتشير إلى فكرة العمل وما ينبغي نفيه وتذليله. وقد كانت شخصيته وعوالمها الباطنية والظاهرية هي ميدان تطبيقها الأول، كما نراه بجلاء على مثال مساره الشخصي.

فقد أشار في إحدى خاطراته إلى انه حالما تأمل أوضاع أهل الأرض للبحث في أهم ما هم فيه مختلفون، فإنه وجده في الدين. آنذاك أخذ يبحث في الأديان الثلاثة، كما يقول، "بحثا دقيقا مجردا عن كل تقليد، منصرفا عن كل تقييد، مطلقا للعقل سراحه" فوجد بعد البحث والتنقيب أن الأديان الثلاث (الموسوية والعيسوية والمحمدية) على تمام الاتفاق في المبدأ والغاية. وإن ما ينقص في الواحد من أوامر الخير المطلق استكملته الثانية[7]. بعبارة أخرى، إن تأمله الأول للخلاف أوصله إلى مكامن الوحدة. ووجد في أصول الوحدة عملية تاريخية متكاملة، بوصفها جزء من مسار الخير المطلق، الذي تشكل الفكرة (الديانة) التوحيدية نموذجها التام. ووضعه ذلك أمام مهمة التنظير لفكرة وحدة الأديان، باعتبارها المقدمة المناسبة لوحدة أهاليها (أتباعها)، ما زالت الأديان متحدة في أصلها وغاياتها.

وسواء كان استنتاجه هذا مبنيا على أساس التأمل النقدي أو التوظيف العصري للفكرة الصوفية نفسها عن وحدة الأديان، أو استنتاج مبني على أساس التأمل العقلي "لمنطق الإيمان"، فان محاولة تجسيده اللاحقة في برنامج عملي للخروج من مضيق الخلاف إلى بحر الوحدة سرعان ما تعرض إلى هجمات الأمواج العاتية لملائكة الروح وشياطين الجسد البشري المتناسخة في مصالح الأفراد والجماعات والدول المتحاربة.

إن هذه الاستنتاجات التأملية المتسامية سرعان ما اصطدمت بواقع الخلافات العميقة وعوالمها الخفية الفاعلة في ما وراء الغايات والأصول في الأديان من اختلاف القوى وتعارض المصالح. وهو إدراك له مقدماته النظرية في الطابع النقدي والعقلاني في مواقفه من مثالية التصوف وأخلاقه الرفيعة ورؤيته الخاصة بصدد فكرة وحدة الأديان. لقد سار الأفغاني هنا في الاتجاه الواقعي والعقلاني لنقد الصوفية وليس في اتجاه تفنيد فلسفتها الأخلاقية وغاياتها النهائية. وحاول أن يحدد في الوقت نفسه ملامح الفكرة الصوفية نفسها في مكونات وروافد صيرورته الشخصية وكينونته الروحية وتحقيقها في مواقفه الجديدة. بحيث نسمعه يقول، بأنه حالما "جمع ما تفرّق من فكره" ونظر إلى الشرق وأهله، فاستوقفه الأفغان (أول أرض مس جسمه ترابها) ثم الهند (حيث تثقف فيها عقله) فإيران (بحكم الجوار) ثم جزيرة العرب (من حجاز مهبط الوحي ومشرق أنوار الحضارة) ومن يمن وتبايعتها (ملوكها) واقيال (قادة) حِمْيَر فيها ونجد (منطقة نجد) وعراق وبغداد (وهارونها ومأمونها) (الخلفاء) والشام (ودهاة الأمويين فيها) والأندلس (وحمراءها) (مدينة الحمراء)[8]. باختصار انه حاول الخروج من مضيق الانغلاق الصوفي إلى رحابه الواسعة. ومن ثم البحث في التاريخ الواقعي للماضي عن خلفية الانبعاث الجديد. وبالتالي وضع الحاضر في ميزان الماضي بالصيغة التي حولت الماضي إلى حاكم معنوي، تماما بالقدر الذي لا يعني تذليل العجز الواقعي للتصوف عن تقديم بدائل واقعية عصرية، سوى رفع شأن رموزه الأخلاقية.

وتوصل محمد عبده إلى نفس النتيجة وإن بطريقته الخاصة. فقد ابتدأت ثقافته الروحية والعقلية في أحضان الشاذلية، وبقدر غير مباشر بالسنوسية. ففي مساره الشخصي يبدو كما لو انه تجسيد للفكرة التي صاغها في يوم ما أبو الحسن الشاذلي (ت – 656 للهجرة) عندما قال: "سبحان من قطع كثيرا من أهل الصلاح عن مصلحتهم كما قطع المفسدين عن موجدهم". لكنه جسّد ذلك في تجارب العقلانية الإصلاحية. مما جعل من نزعته النقدية نموذجا أقرب إلى الحد الوسط ما بين روحية الشاذلي في تصوفه وعملية الأفغاني في اصلاحيته السياسية. فإذا كان الله قد خاطبه، كما يقول الشاذلي عن نفسه، بتحوير لقبه من الشاذلي إلى "الشاذّ لي"، فإن محمد عبده لم يشذّ عن شيوخه إلا في الميدان الذي جعل من طابعه العملي العقلاني أقرب إلى الروح الصوفي. فقد صاغ الشاذلي بريق الأمل بالنسبة لأولئك الذين يواجهون انغلاق المستقبل بعبارة "لا طريق إلا الطريق (الصوفي) والإصلاح"[9] بينما رفع مهمة التمسك بالكتاب (القرآن) والسنّة (النبوية) فوق الكشف (الصوفي) في حالة تعارضهما[10]. ولم يجد في طريقته رهبانية، كما أنها ليست في أكل الشعير والنخالة، بل في الصبر على الأوامر واليقين في الهداية. وطالب المريد على الدوام بأن يلزم جماعة المؤمنين وإن كانوا عصاة فاسقين. وأن يقيم عليهم الحدود ويهجرهم رحمة بهم لا تعززا عليهم وتقريعا لهم[11]. وقد أبقى محمد عبده في تجربته اللاحقة على كل ما بلوره الشاذلي من أفكار عن الصراط المستقيم والإصلاح والأخلاق المتسامية وجوهرية الكتاب والسّنة وقيم الجماعة واليقين في الهداية. وإذا كان محمد عبده لم يرتق في منازل الشاذلية إلى "ميدان الروح الرباني" أو "باب ميدان السر" ودرجة "الأبدال والنواب"، فلأنه سلك، إن أمكن القول، طريق المحبين فيها لا المحبوبين. فقد واجه الواقع كما هو وليس بمعايير التقاليد القديمة للطرق الصوفية، بما في ذلك "التصوف الفاعل" منها. بمعنى انه نقل مواجهة الواقع وأبداله ونوابه في طريق وميدان السياسة والفكر. مع ما ترتب عليه من ضرورة مواجهة الواقع بمعايير العقل والإرادة الفاعلة (القوة)، والتي وجد أسلوبها الأمثل في إصلاحية عقلانية. لهذا أشار في معرض انتقاده للمقلدين والتقليدية إلى أن مجرد محاولة الشيخ السنوسي وضع كتاب له في أصول الفقه زاد فيه بعض مسائل على أصول المالكية أثار ردود فعل قوية، رغم أن ما فيه يدل على انه يفهم الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة[12].

ونعثر على موقف مشابهة عند الكواكبي. فهو لم ينصح أتباعه أو مؤيدي اصطلاحيته العقلانية السياسية باتخاذ أفعال المتصوفة مثالا عمليا للسلوك، بمن في ذلك أوائل المتصوفة وأواخرهم والمعاصرين منهم، مثل من اسماهم "بالسادات السنوسية في صحراء أفريقيا"[13]. وبالتالي، لم يكن نقده اللاذع للتصوف سوى جزءا من مشروعه العملي. بمعنى توظيفه الفكري في الاتجاه الذي يعطي للإصلاحية شرعيتها الايجابية باعتبارها نفيا حقيقيا للإرث الصوفي. ولهذا فرّق بين ما اسماه بحقيقة التصوف وتصوف الغلاة. وهو الفرق الذي يعبر عن موقفه من التصوف المعاصر له. فالمتصوفة الأوائل، كما يقول الكواكبي، لا شيء عندهم "إلا التوسل بالأسباب العادية الشاقة لتطهير النفوس من أمراض إفراط الشهوات، وتصفية القلوب من شوائب الشره"[14]. وبهذا المعنى كان التصوف صفة مميزة لأكثر الصحابة والتابعين[15]. وحاول من خلال هذه الفكرة اعتبار التصوف الغالي انحرافا عن مبادئ الإسلام الأساسية. فالتصوف الغالي بنظره، هو نتاج لعمل أولئك الذين "لم يرضوا بالشرع المبين فابتدعوا أحكاما سموها علم الباطن أو علم الحقيقة أو علم التصوف. علما لم يعرف شيئا عنه الصحابة والتابعون وأهل القرون الأولى المشهود لهم بالفضل في الدين"[16]. من هنا اعتباره الإفراط فيه وزياداته المنافية لبساطة الإسلام نتاجا لازم تأثر التصوف بتوسع الفقهاء في شروحهم والمتكلمين في العقائد. حيث أضافوا لكل ذلك اقتباسات من قواعد الإلهيات الفيثاغورية، وجمل من لاهوتيات الأديان والوثنية ألبسوها لباسا إسلاميا. وإذا كانت هذه العملية قد بلغت ذروتها في القرن الرابع الهجري، فإن القرن الذي تلاه استكمل غلو المتصوفة في مقاماتها عن النبوة والولاية والقطب. بحيث أصبح التصوف، كما يقول الكواكبي، فلسفة مشبعة بأحكام تشبه الحِكَم مبنية على زخرفة التأويلات والخيال والأحلام والأوهام[17]. لهذا لم يجد في الحقيقة الصوفية سوى رديفا للسرّ النصراني. أما وحدة الوجود الصوفية فليس إلا الحلول النصراني[18]. وبغض النظر عن سطحية هذه المقارنة وعدم دقتها إلا أنها تكشف في اتجاهها الفكري عن نزوع عملي موجه أساسا ضد غلو التصوف المعاصر له، أي التصوف الطرائقي "المسّيس" (من السياسة) في مساعيه لتكريس الخرافات والأوهام والأحلام وكل ما لا يعبر عن حقائق الإسلام الإصلاحي. من هنا حكمه على متصوفة زمانه باعتبارهم مدلسين في الدين. بل نراه يصفهم بعبارات مثل أولئك "الذين يدعون الكرامة على الله والتصرف بالمقادير واستمالتهم العامة بالزهد الكاذب والورع الباطل والتقشف الشيطاني وتزينهم لهم رسوما تميل إليها النفوس الضعيفة الخاملة سموها آداب السلوك"[19]. ومن هنا أيضا استشهاده بأثر هذا التصوف الكاذب والباطل والشيطاني والخامل في الوعي الجماهيري المعاصر له، والمستند إلى دعاوى باطلة في كرامات الأولياء وإهمال العمل ومسئولية الفرد الشخصية.

إننا نقف هنا أمام موقف واضح المعالم في غاياته يسعى لتفنيد أسس الغلو الصوفي عبر نقد كل ما ينافي العقل والمعقول فيه. ومن ثم هدم الأسس النفسية والفكرية لآثاره الاجتماعية من خلال إبراز الزيف القائم فيه وفي أوهامه العالقة وترهاته الظاهرية، بما في ذلك عبر إبراز حقيقة التصوف الأخلاقية الأصلية. وبهذا يكون الكواكبي قد سار من حيث الجوهر في نفس المسار العام للأفغاني ومحمد عبده، أي البحث عن المعقول والأخلاقي باعتبارهما مقدمات علمية وعملية ضرورية للعمل الاجتماعي الحر، ومصدرا من مصادر وعي الذات النقدي.

وبهذا تكون إصلاحية الجهاد والاجتهاد العقلانية (الإسلامية) قد سارت في طريق الاختزال العلمي والعملي لتجربة قرن من الزمن. وهي الحصيلة التي وجدت انعكاسها في رؤيتها النقدية للواقع. فهي لم تعد تحكم في آرائها على الحاضر بعيون الماضي، ولم تصنع من نماذجه المثالية نظاما لاهوتيا صرف، بل حاولت اختزال مثالية الماضي في نموذجيته، أي إعلاء شأنه باعتباره نموذجا لا يلزم العمل المعاصر بشيء غير إلزامية التأمل الحر. وبهذا تكون قد دفعت ثقافة "كسر الأصنام" و"هدم القبور" إلى نهايتها المنطقية من خلال تحويل سهامها إلى كيانها الخاص. وبالتالي بناء حريتها الجديدة في العمل باعتبارها بؤرة مشعة، وليس تصنيمها (من الصنم) في قطبية الوجود الحق. وقد أدت هذه العملية إلى تعميق نقد الذات العقلاني وقطع دورة الإنتاج التقليدية للعقائد. بمعنى أن الإصلاحية الإسلامية الحديثة لم تجعل من أفكارها النقدية عقائدا.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.................

[1] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص466.

[2] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص466.

[3] محمد عبده: الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية، الجزائر، 1987، ص116.

[4] محمد عبده: الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية، ص116

[5] محمد عبده: الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية، ص116-117.

[6] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص32.

[7] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص294.

[8] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص295-296.

[9] الشعراني: الطبقات الكبرى، بيروت، دار الجبل، 1988، ج2، ص5.

[10] الشعراني: الطبقات الكبرى، ج2، ص5.

[11] الشعراني: الطبقات الكبرى، ج2، ص6.

[12] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص114.

[13] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص231.

[14] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص230.

[15] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص231.

[16] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص198.

[17] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص232.

[18] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص162، 193.

[19] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص163.

 

ميثم الجنابيإن الشخصيات الكبرى جزء من تاريخ الأمم، أي جزء من وعيها الذاتي. وبالتالي، يتوقف على فهم انجازها الحقيقي إرساء أسس التوحيد الاجتماعي والقومي الثقافي. وسواء كانت الشخصية عقلانية وذو نزوع إنساني أو بما يعارضها أو بالصد منها. فالأولى تعمق وعي الذات التاريخي الثقافي، والثاني تستثير وتشحذ وعي الذات النقدي العقلي. ومن ثم كلاهما يسهمان في إرساء طبقات التراكم العقلي والعقلاني للأفراد والجماعات والأمم. 

غير أن هناك اشكالية تتسم بقدر كبير من التعقيد تتلخص في نوعية الموقف من هذه الشخصيات الكبرى بالارتباط مع تباين واختلاف منهج الرؤية والمواقف القيميية. وهذا بدوره مرتبط، إلى جانب الخلاف المحتمل في كل ما له علاقة بالإنسان وتجاربه التاريخية، بنوعية ومستوى التجارب النظرية في تقيمها ومواقفها من تاريخها الذاتي. فانعدام أو ضعف الرؤية العقلية والعقلانية والنزعة الإنسانية عادة ما يثير ويؤجج نفسية وذهنية الخلاف البدائية، أي نفسية وذهنية التقليد والعيش بمعاييرها والحم بمقاييسها. وليس مصادفة أن لا يجتمع العرب في مرحلتهم التاريخية الحالية وضعف تكاملهم الذاتي على مستوى الاجتماع والثقافة والنظام السياسي والفكرة القومية، بما في ذلك تجاه أعظم شخصياتهم التاريخية. وقد تكون الشخصية الوحيدة المجمع عليها هو النبي محمد فقط. مع أن الإجماع على عظمة الشخصيات الروحية والثقافية تفترض ادخال ما لا يقل عن بضعة آلاف منهم ممن يشكل من حيث إبداعه التاريخي رصيدا هائلا للحكمة العقلية والعقلانية والإنسانية. فلا إجماع حول قيمة الفلاسفة الكبار، ولا شيوخ الصوفية الملهمين، ولا أئمة الفقه ولا فحول الشعراء وعظماء الأدباء ورجال السياسة المؤسسين. ولعل الموقف من ابن خلدون يدخل أيضا ضمن هذا السياق الذي يكشف عن خلل الرؤية العقلية والعقلانية، وضعف الأسس الفعلية لوعي الذات القومي والعلمي. من هنا تداخل المواقف السياسية والاجتماعية بل والعرقية والإثنية في جدل المواقف من تقييمه. مع أن المواقف السياسية لا يمكنها أن تكون مصدرا للأحكام العلمية الدقيقة، دع عنك حالما تتطعم بغباء الجهل المعرفي، وبلادة الحس الذوقي، والتطفل الشاذ على فتات المعلومات "المنتخبة" من مزابل الحكاية والرواية. 

وليس مصادفة أن نقف أمام نوعين من التقييم والمواقف، متضادين. فرجال العلم والمعرفة الكبار، بل عظماء المؤرخين وفلاسفة التاريخ الأجانب من غير العرب أعتبره من بين أعظم الشخصيات التاريخية الكبرى. فقد قال عنه أرنولد توينبي، بأن ابن خلدون ابتكر وصاغ فلسفة للتاريخ هي بدون شك أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم. وقال عنه لاكوست الباحث الفرنسي المحترف بدراسة شخصية وإبداع ابن خلدون من ان كتاب ابن خلدون يمثل ظهور التاريخ كعلم، وهو أروع عنصر فيما يمكن أن يسمى بالمعجزة العربية. ووصفه روزنتال في تقديمه لترجمته الخاص للمقدمة إلى الانجليزية كلمات كبيرة من الإطراء العميق والكبير. وقال عنه روجيه غارودي أن ابن خلدون هو عالم وفنان ورجل حرب وفقيه وفيلسوف يضارع عمالقة النهضة عندنا بعبقريته العالمية منذ القرن الرابع عشر.

إن هذه التقييمات وكثير غيرها مما يصب ضمن هذا السياق من المواقف والتقييم مبنية على أساس المعاناة التاريخية العميقة والمتنوعة للفكرة العلمية وقيمة المنهج وعوالم السياسة التي تحمل بين تعرجاتها كل الاحتمالات والممكنات. ولكن مع ذلك كيف يمكن فهم قيمة الرجل السياسي المحنك والمهموم بفكرة الدولة وقيمة الحضارة والتمدن البشري؟ فقد كان ابن خلدون رجلا ذو تجربة سياسية كبيرة وهائلة تراكمت في ظل ظروف صعبة وقاسية وصراعات داخلية وخارجية عنيفة. فقد تمرس في الحكم وإدارة الدولة والنظام الحقوقي والاعتبار بالتاريخ. كما كان دبلوماسيا ماهرا. باختصار، انه كان يجمع في ذاته رجل السياسة والعلم. وهو جمع نادر جدا لم يكن له مثيل حتى ذاك الوقت. ولعل المقارنة الوحيدة الممكنة هنا هو ما سيقوم به مكيافيللي الناضج بعد حوالي قرن من الزمن. غير أن الفرق بينهما يبقى كبيرا وهائلا. فقد حقق ابن خلدون فكرته السياسية في مجال فلسفة التاريخ والثقافة بينما مكيافيللي في ميدان النصائح السياسية العملية. فقد تراكمت شخصية ابن خلدون في ظل احتكاك شديد بين السياسة بوصفها فكرة المصالح وبين العلم بوصفه فكرة العقل النظري المجرد والمتسامي. من هنا نرى ملامحه العربية الإسلامية بوصفه أحد العلماء الكبار الذي واجه صراعات ومحن وفتن المرحلة بقدر هائل من الصبر والتأني والحكمة والروية. إذ عاش في ظل صراعات عنيفة في المغرب بين إمارات البربر (الموحدين والمرينين والحفصيين) على اشده. بينما كان المشرق العربي يعاني من أهوال الغزو التتري المغولي. وضمن هذه الحالة الحرجة في التطور التاريخي لإمارات ودويلات البقايا المتحطمة للخلافة التنقل والعمل بين الأندلس والمغرب ومصر والشام، أي في كل ربوع العالم العربي في مرحلة انهياره التاريخي وسقوطه المزمن. بل إن أحد أعظم أعماله (المقدمة) قد تفرغ له بعد أن تفرغ من الحياة السياسية المباشرة. فقد انجز كتابه الشهير على مدار أربع سنوات قضاها في كنف اصدقائه من بني عريف، الذين انزلوه بأحد قصورهم في "قلعة ابن سلامة" بمقاطعة وهران بالجزائر. وفيها تمكن من تصنيف (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر). وقدم له بمقدمة تحولت إلى مقدمة مستقلة قائمة بذاتها. انجزها وهو في نهاية العقد الخامس من عمره.

وما بعدها كانت حياته السياسية تحقيقا لما وضعه فيما يتعلق بالموقف من السياسة باعتباره اسلوبا وأداة لبلوغ المصالح، التي كانت تتطابق في ذهنيه ونفسيته وشخصيته مع فكرة الدولة والأمة، لا كما يصنفها صغار المتعلمين وأنصاف المثقفين والجهلة من يسار ثوري أحمق عبر إرجاع كل ما فيه إلى مهاترات المواقف السياسية المبتذلة على أساس قربه من السلطان وخنوعه أمام تيمورلنك! أما في الواقع فليس في سلوكه ما يوحي بالخنوع والجبن وخدمة السلطان أيا كان. فقد عمل معظم إن لم يكن جميع المفكرين والفلاسفة الكبار مع السلطة. وقد كن ذلك جزء من ثقافة المرحلة التي لم تعش بمعايير الحرية السياسة المعاصرة والفكرة الثورية المسطحة. مع إن المشكلة كانت قائمة. غير أن ابن خلدون لم ينحدر ولا في أية مرحلة من مراحل حياته إلى ممارسة ما لا يتفق مع فكرته العلمية عن التاريخ والسياسة. وهذه تفترض العمل بما يضمن مصالح الأمة والدولة وليس السلطة والأفراد. وهي فكرة تتخلل كل ما وضعه في المقدمة. فالسياسة بالنسبة له ليست فكرة أخلاقية، بل فكرة عملية محكومة بمسار التطور التاريخي وقانون صيرورة الدولة والنظام السياسي والحضارة. وحياته الشخصية لم تخل من مآس ودرامية كبيرة وعميقة. غير أن هذه الجوانب تبقى شخصية مع انه لا أمور شخصية في الشخصية الكبيرة. وبالتالي، فإن ما قام به وسلكه تجاه السلطات والدولة والحالات الحرجة في مسار التاريخ العربي في الشام وغيرها ينبغي فهمه ضمن هذا السياق.

فالمواقف "النقدية" التي أول من وضعها طه حسين وتابعها وتوسع في جوانبها السياسية والأخلاقية أعداد كبيرة من أصحاب الرؤية الراديكالية لا قيمة علمية كبيرة فيها. بل في أغلبها هي أقرب ما تكون إلى إهانة للعلم. والسبب هو أن أغلب هذه الكتابات والمواقف من جانب أهل الأدب ولكن ليس بالمعنى العربي الإسلامي الكلاسيكي، بل المعاصر. إذ أغلبهم ليسوا أدباء بالمعنى الدقيق للكلمة، ولا يرتقي أي منهم الى مصاف احمد فارس الشدياق وأحمد أمين ومن بمستواهم وأمثالهم. وأغلب من يمثل هذه الرؤية والمواقف والأحكام هم من لصق بمختلف فنون الأدب أو ممن ينتمي إلى بعض فنونه المعاصرة، وأغلبها في الشعر والقصة والرواية. وبالتالي، فإن أحكامهم جميعا بدون استثناء لا يعتدّ بها ولا تصلح لأن تكون مصدرا للمعرفة العلمية والفكرية الرصينة. وذلك لأن أغلبهم أو جميعهم يتسمون بضعف المعارف أو انعدام الرؤية المنهجية العلمية وسوء فهم للثقافة التاريخية العميقة والفكرية النظرية بشكل عام والفلسفية بشكل خاص. وبالتالي فأحكامهم أهواء لا قيمة علمية فيها ولها. ولكنها واسعة الانتشار لأن الوعي السائد لحد الآن في العالم العربي هو وعي وجداني أو ديني إيماني أو لاهوتي أو شعري أو بياني أو سفسطي في أغلبه، أي بلا أصول علمية دقيقة ومحكّمة.

ففيما يخص طه حسين، فإن مواقفه الايجابية والسلبية من ابن خلدون تتسم بقدر واحد من البهرجة المبتذلة المميزة لأغلب ما كتبه في مجال التاريخ الثقافي والفكري. وبغض النظر عن أن كتابه عن ابن خلدون هو مجرد رسالة للحصول على شهادة الدكتوراه، بمعنى أولية في مسار البحث العلمي لكنها كانت تعكس نوعية ذهنيته المتميزة بالأحكام السريعة والنقد الاهوج والمخالفة المتعمدة لسد نقص المعرفة العميقة والقراءة المتأنية للأعمال النظرية الكبيرة[1]. ولا يشذ كتابه (رسالة الدكتوراه التي انجزها عام 1917) بالفرنسية والتي نشرت بالعربية تحت عنوان (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية.. تحليل ونقد). وفيها يشدد على أهمية وعظمة ابن خلدون الذي اعتبره إلى جانب المعري أكثر من جرى الاحتفاظ بذكراهما في كل تاريخ الآداب العربية منذ عصر الجاهلية إلى عصرنا، ممن قام بعمل خارق وعبقري ومبتكر من العرب والمسلمين. المعري بأعماله "اللزوميات" و"رسالة الغفران"، والثاني في "مقدمته". وإن قمة هذا العمل بالنسبة له يقوم في "خطته التي خالف بها من سبقه من المؤرخين، حيث لم يتبع الترتيب السنوي كمؤرخ، بل قسّم التاريخ إلى فصول"، والمعلومات المهمة التي قدّمها عن البربر. وهو ايضا حكم متسرع ولا علاقة له بادراك قيمة ومعنى الكل الثقافي الذي كان المعري وابن خلدون شخصيات كبيرة فيهم ولكنهما ليس اكثرهم عبقرية واثر وقيمة. بل هناك المئات بل الالاف الذي يرتقون الى مستواهم ومن أهم وأعلى وأعمق قيمة وأثرا في التاريخ الثقافي العربي والإسلامي ككل. لكن شف طه حسين بهما بشكل عام وبالمعري بشكل خاص جعله يعتقد بأن اختياره لهما يعني إنهما الذروة التي تستحق أن يتسلق لبلوغها كل ذي عقل! وهو حكم لا يخلو من مراهقة فكرية!

لقد لاحظ بعض الجوانب التي يمكن تعريضها للنقد، لكنها بقت في اغلبها ضمن اطار "المبالغات" التي وجدها في بعض ما نقله ابن خلدون من وقائع تاريخية، لكنه لم يفهما ضمن سياق الفكرة التي حاول ابن خلدون الكشف أو البرهنة عليها كما هو الحال بالنسبة زواج الخليفة المأمون العباسي، والبذخ الذي كان فيه. ومع انها وقائع معقولة جدا لم يعرف حياة الخلفاء العباسين في اوج تطورها. لقد كانت الدولة انذاك غنية جدا حتى حالما يجري مقارنتها بالدول الغنية الحديثة. ومع ذلك فان توجيه الاهتمام صوب هذه الصغائر لأنه لا شيئ جدي يمكن نقده بمعايير العقل النظري. اما مقارنة ما وضعه ابن خلدون بمن قبله من مؤرخي اليونان والرومان، فإنها تصب في فضيلة الأوائل عليه. بينما الحقيقة هي بخلاف ذلك تماما سواء ما يتعلق بنقل الاخبار أو تدقيقها وتحقيقها، دع عنك ما وضعه ابن خلدون من مقدمة لا مثيل لها فيمن سبقه. فابن خلدون أراد ان يجعل من التاريخ علما وليس رواية وحكاية، إضافة إلى فلسفته التاريخية. أما ما يسمى بالقوانين الضرورية للمؤرخ التي ينبغي أن يتبعها فهي أمور تبدو صغيرة مقارنة بما وضعه ابن خلدون، وينطبق هذا على ما اسماه بفكرة الصدفة والمصادفة التي يدخلها ابن خلدون ضمن ما يمكن دعوته بالأسباب الخفية المؤثرة في مجريات الأحداث التاريخية، الأمر الذي يفسر كما يقول طه حسين ما اسماه "بقصور العقل البشري" الذي أسقط ابن خلدون في ضعف أمام نقاد العصر الحديث. وهو استنتاج مبني على جهل برؤية ابن خلدون لفكرة الصدفة والضرورة. فهو لم يقل اطلاقا بأهمية وفاعلية الصدفة في الحياة التاريخية ومسار التاريخ. على العكس انه اعطى لها بعدا يعادل معنى الوجه المجهول للضرورة. وهي فكرة لم يكن بإمكان طه حسين ملاحظتها أو فهمها. أما استنتاجه عن أن معظم أخطاء ابن خلدون تعود لجهله بالعوامل أو إهماله لتقدير النتائج، فهو استنتاج خاطئ أيضا.

فقد نظر ابن خلدون إلى باطن أو حقيقة التاريخ في كونه "نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الواقع وأسبابها عميق". ذلك يعني إن حقيقة علم التاريخ تلازم بالضرورة ارتقاءه إلى مصاف العلم النظري،أي اولوية وجوهرية النظر العقلي والتحقيق الفعلي والتفسير السببي لكل ما هو كائن وموجود أو ما هو ثابت ومتغير بالاستناد إلى مبادئ دقيقة فصلها ابن خلدون في مقدمته.إننا نقف هنا أمام رؤية تستند إلى معرفة ماهية الأشياء وكيفيتها وأسبابها، إي إلى الاسئلة الجوهرية بالنسبة للبحث العلمي. انه يشير بصورة دقيقة إلى ضرورة النظر والتحقيق والتعليل لما هو موجود، ومعرفة المقدمات والأسباب الأولية، وآلية الأسباب الفعلية وفعلها في الوقائع التاريخية). غير أن مشكلة لطه حسين تقوم في انه يقرأ النصوص دوما بعيون عمياء! أما الجدل حول ما إذا كان ابن خلدون عالما اجتماعيا أم لا فهو جدل معاصر لا علاقة له بحقيقة ومضمون نظريته الفلسفية عن التاريخ. أما استنتاجه عن أن إطلاق لقب عالم اجتماع على ابن خلدون هو مبالغة فهي إشكالية المصطلح المعاصر ولا علاقة له بابن خلدون. مع انه دون شك يعتبر واضع علم الاجتماع بالمعنى التاريخي. أما أن يكون "علم الاجتماع" بالمعنى الخلدوني والمعاصر يختلفان اختلافا كبيرا، فهو امر طبيعي ولا يرتقي حتى إلى مصاف اكشاف صغير. إذ أن الجميع تعرف إن الفرق بين رياضيات العالم القديم والمعاصر شاسعا جدا. لكن الرياضيات القديمة هي رياضيات دون شك. أما المقارنات التي يقدمها حول بعض القضايا بين ابن خلدون وبين ارسطو أو مونتسكيو فهي مقارنات فجة ولا قيمة علمية فيها. أما الخاتمة التي وضعها لحصيلة ما كتبه عن ابن خلدون فلا علاقة له بها. فمن حيث مضمونها وليس من حيث ما ورد فيها احيانا من كلمات التبجيل، أقرب ما تكون إلى اعتبار ابن خلدون شخصية عادية. وإن مصر كانت عظيمة على الدوام وعقلية وعقلانية! وأنها كانت "تمصر" كل من يقدم إليها. والأتراك المماليك أصبحوا مصريين من حيث التربية والشخصية. ولولا انهم لم يعرقلوا تطور العلوم(!؟) لكانت مصر في تطورها أقرب إلى ذهنية الأوربيين(!).وإن نهضة مصر الأخيرة هي "بأثر الحملة البونابارتية المبارك"![2]. وهي امور واستنتاجات يصعب هضمها ضمن هذا الخليط الغريب والمعقول والمميز لذهنية طه حسين المتغربة والمغتربة، أي المليئة بعثرات العقل الناشي والمندهش بوجدان المراهقة التاريخية.

بينما كان كتاب محمد عابد الجابري (العصبية والدولة. فكر ابن خلدون. معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي) أرقى وأعمق مما وضعه طه حسين بما لا يقاس، لكنه يبقى في نهاية المطاف ضمن سياق الاستعراض والتحليل الجزئي. كما انه يحتوي على أفكار تتناقض في نتائجها مع الفكرة التاريخية والعلمية حول معالم الخلاف بين عقلانية المغرب وصوفية المشرق. وهذا توسع في التخريف مقارنة بما وضعه طه حسين في خاتمة كتابه. كما انه يجري من حيث صيغته الأولية بقاعدة "خالف تعرف". وهو امر جلي فيما سيضعه لاحقا حول (نقد العقل العربي). وفيه أيضا نعثر على خلل المنطق العلمي والضعف الفلسفي، رغم انه يبقى من الكتب الفلسفية الجيدة والكبيرة في التاريخ الفكري العربي الحديث.   

اما الاراء والأحكام المبنية على اساس العلاقة بين المثقف والسلطة الشائعة الانتشار بين مختلف تيارات اليسار، والتي وجدت في ابن خلدون نموذجا لفارس الخيانة! بينما توسع الآخرون بالصورة التي جعلت من ابن خلدون الخائن الأكبر فيما تعرضت له دمشق من غزوة المغول والتتر والمذابح التي جرت بأثرها. تماما كما اتهمت التيارات السلفية الجبانة نفسها في تاريخ المواجهة العربية الحديثة والمعاصرة تجاه قوى الغزو الكولونيالي الحديث، ابن العلقمي في سقوط بغداد وما قام به شيعة العراق في فتح ابواب العراق للغزو الأمريكي، الذين هم كانوا في مقدمة حصار العراق لسنوات مديدة وتوفير الغطاء المادي والمعنوي والسياسي واللوجستي!! وعموما هذا هو ديدن الخونة الفعليين.

بعبارة أخرى، إن القضية أكثر وأكبر تعقيدا من أن يجري ارجاعها إلى ابن خلدون الذي لا علاقة له بتاريخ الأحداث في الشام قبل وأثناء وبعد الغزو الهمجي لتيمورلنك. وعموما إن أحداث التاريخ الكبرى والعاصفة، بما في ذلك سقوط دمشق قد أّرخ لها هو نفسه بمعايير الاستشراف المستقبلي الذي وضع أسسه في فلسفته عن التاريخ. فالأحداث التاريخية والمعلومات الدقيقة عنه تكشف عن ان القضية أوسع وأعمق ولا علاقة لابن خلدون بها. فهو ليس الوزير الأكبر ولا حاكم أو سلطان دمشق. فأغلب حياته في المغرب والأندلس ومصر. وقد كان وجوده في دمشق من مصادفات الزمن لا غير.

وقد كان تركيز الأديب الكبير سعد الله ونوس في مسرحيته حول هذه الواقعة التاريخية التي صور فيها ابن خلدون أو جعل منه نموذجا لخلل المثقف واستعداده لبيع الضمير مقابل الحياة والمال ليست في محلها. وضمن هذا السياق سار الروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف، الذي استنبط من مسرحية (منمنمات) لسعد الله ونوس إشكالية المثقف والسلطة ودوره الضروري في حياة الأمم. حيث كتب بهذا الصدد يقول، بأن "العلاقة بين المعرفة والسلوك، ودور الثقافة والمعرفة، وهل يجب أن يكونا في خدمة القوة والسلطان أو في زيادة وعي الناس وصقل أرواحهم، العلاقة بين الطموح المشروع للمثقف وإغراءات السلطة والمال، ثم ماذا يعني المثقف...هل هو مجرد تقني أم صاحب وجهة نظر وضمير؟"[3].

إن اشكالية المثقف والسلطة غاية في التعقيد. وتحتاج إلى حصافة فكرية ورزانة عقلية وفهم تاريخي عميق بالشخصية وملابسات فعلها التاريخي. وقد وضعت أنا أحد اكبر الاعمال الفكرية الفلسفية والتاريخية التراثية بهذا الصد تحت عنوان (الأشباح والأرواح - تجارب المثقف والسلطة). وهو بثلاث مجلدات كبيرة صدر منها المجلد الأول (قبل شهر تقريبا). والبقية في طريقها للنشر. ففي مجرى البحث النقدي والمتعدد الجوانب والمبني على معارف عميقة وواسعة تتعلق بكل ما ابدعه وسلكه المثقفين فقط يمكن اطلاق الحكم وليس من خلال حادثة طارئة، مهما كان مظهرها مؤثرا ومؤلما بالنسبة للوجدان.

أما ما جرى ويجري كتابته من جانب ممثلي الأقليات العرقية والإثنية والدينية فلا يعتد به، وذلك لأنها تستظهر ما في باطنها من عقد عادة ما تلازم الأقلية في موقفها من القومية الكبرى. وهي ظاهرة عالمية وتاريخية، لا تخص قومية أو أمة دون أخرى. فالأقلية غير المندمجة بمعايير الروح الثقافي تعاني على الدوام من انفصام تزيده مرارة عدم الاكتمال والتكامل بمعايير التاريخ والفكرة العامة. وهي ظاهرة مرتبطة بما يمكن دعوته بغلبة القوة البدائية للأقلية بمختلف أشكالها. وهذا بدوره أحد مظاهر النتاج السيئ للتاريخ الدرامي للأقوام جميعا. إذ عادة ما ينحصر اهتمام هذه "المقالات" أو بصورة أدق هذه الأقوال على ما يمكنه أن يشفي غليل الاحقاد الصغيرة. من هنا التركيز على ما يسمى بإبراز ابن خلدون لبدوية وهمجية العرب وعدم قدرتهم واستعدادهم لبناء الدولة والعلوم والحضارة. ويقابلهم من يسعى لتفسير موقفه على انه قد يكون من أصول ليست عربية! وكلاهما يلتقيان بالغباء والرذيلة.

إن ابن خلدون، كما يحبذ هو القول، عربي من أصول حضرمية، أي من العرب الأصليين! كما أن كل مقدمته مبنية على أساس تحليل نتاج الثقافة العربية الإسلامية وحضارتها. كما انه يضع العرب وإبداعهم الحضاري في مصاف الأمم التاريخية الكبرى آنذاك والمشهورة ضمن التصنيفات العامة بهذا الصدد، أي الحضارة الفارسية واليونانية والرومانية. والعرب هم الذين كّملوا وطوروا ما فيها.

فكلمة العرب بالنسبة لابن خلدون، بوصفها مصطلحا سوسيولوجيا تدخل فيها كل الأقوام في بداية تطورها. لهذا نراه يدخل فيها العرب في بداياتهم والبرير (الامازيغ) والأكراد وغيرهم. فهو يشير الى هذه الأسماء بعينها. ومن غير المعروف لماذا أدخل الأكراد. يبدو من خلال السماع عن طبائعهم الخشنة وشدة البداوة. فباستثناء مرة واحد لا نعثر على أي أثر لهم في كتابه (المقدمة). بينما الأمر يختلف بالنسبة للبربر. فهو يضعهم ضمن القبائل والأقوام الأشد بداوة وتوحشا بما في ذلك في دول الأندلس والمغرب الكبير الحضارية. لكنه في الوقت نفسه يقيم بين اماراتهم انذاك معززا مكرما. لقد كان البربر انذاك يفهمون المعنى الدقيق لكلمة البداوة والتوحش بوصفها كلمة ذات أبعاد اجتماعية لا علاقة لها بالقوم والإثنية.

إن مضمون (المقدمة) كله مرتبط من حيث أبعاده النظرية والفعلية بتاريخ الثقافة العربية الإسلامية. من هنا حديثه عن الأمم الحضارية الكبرى التي أدخل فيها إلى جانب العرب الفرس والروم واليونان. أما الفهم السيئ لما في بعض عباراته بهذا الصدد فهو نتاح القراءة المسطحة وانعدام العقل النظري والثقافة الفكرية المتعلقة بدراسة التاريخ بشكل عام والثقافي بشكل خاص. لكن الخلل الجوهري يقوم هنا في أن الأغلبية إن لم يكن جميع من كتب عنه لم يفّرق بين الأبعاد الاصطلاحية والمنهجية في معنى كلمة (العرب). وهو ما سأشرحه في مجرى تحليل ودراسة ما وضعه في (المقدمة) في بحث كبير. وبغض النظر عن موقفه وكيف يبدو بالنسبة لذهنية الآخرين، فإن ما وضعه ابن خلدون أو ما توصل إليه من أحكام تخلو من أية أبعاد قيمية. إذ هي معدومة في كتابه (المقدمة). ومن ثم فإن كل ما فيها يبقى في نهاية المطاف جزءا من اجتهاده الشخصي، ومن ثم لا يعني صحته بالضرورة. فالتاريخ الثقافي العربي الإسلامي يعرف ما يسمى بالحركة الشعوبية التي سعت للانتقاص من العرب في أحد مراحلهم التاريخية ووصفهم بالتوحش ومختلف أصناف الرذيلة. مع إنها حالة ومرحلة تلازم تاريخ الأمم الكبرى كلها بدون استثناء. وهو أيضا من اكتشافات وتحقيق ابن خلدون حول الانتقال من البداوة والتوحش إلى المدنية والحضارة، باعتبارها الحالة الضرورية والحتمية بالنسبة للشعوب والأمم الحضارية الكبرى كلها بدون استثناء. وفي نفس الوقت هناك مئات بل آلاف العلماء والمفكرين والفلاسفة والفقهاء والأدباء والشعراء والمؤرخين وغيرهم ممن رفع شأن العرب الى مصاف "الأمة المقدسة"، بحيث رفعت لسانها إلى مصاف "لغة اهل الجنة"! وأيا كانت هذه الأحكام فإن العبرة، فيما لو استعملنا مصطلح ابن خلدون نفسه، تقوم في ما قرره التاريخ الواقعي والفعلي عن أن الحضارة التاريخية والكونية الكبرى ظلت تحمل أسم الحضارة العربية الإسلامية. اذ لا حضارة ولا ثقافة إسلامية بدون مقومها الجوهري العربي. والعربي هنا كان يعادل وما يزال المعنى الثقافي وليس العرقي أو الإثني. فالعرب والعروبة والعربية بعد الإسلام هي فكرة ثقافية وليست عرقية أو اثنية. وفي هذا تكمن أحدى خصائصها الكبرى والجوهرية.

لقد سلك ابن خلدون بما يتوافق مع رؤيته الفلسفية عن التاريخ. فحتى في حال افتراض وجود الشر في سلوكه الحياتي الشخصي، وهذا ما لا يتحرر منه أي شخص، باستثناء شيوخ التصوف وأقطابها، هو القدر الذي لابد من ملازمته للخير الكبير والكثير. وإن ابداع ابن خلدون لفلسفته التاريخية هو الخير الكبير والكثير الذي يحرر قيمته وأثره ومعناه من كل ما جرى ويجري وصفه من جانب صغار العقول وأنصاف المتعلمين ووجدان الأدباء الصادق.

إن القيمة التاريخية الفعلية لابن خلدون تقف ما وراء الفضيلة والرذيلة بمعناها السياسي الجزئي والمباشر. انها تسبح وتمرح وتفعل وتؤثر في ميدان الفكرة النظرية التاريخية. ومن ثم عبرتها الفلسفية والثقافية والتاريخية. وهي جوانب يمكن رؤيتها في أعمق أعماق أفكاره بصدد نسب الخير والشر في المسار الحضاري وانعكاسه بما في ذلك في علاقة السلطة بأتباعها بما في ذلك تجاه رجال العلم والمعرفة والثقافة والفكر.

  فقد توصل ابن خلدون بهذا الصدد إلى فكرة تقول بأن احدى المكونات الجوهرية التي ترافق وتلازم انتقال المجتمع والدولة من البداوة إلى الحضارة، أي كل ما يرتبط بهيمنة وسيادة واستبداد الملك (السلطة والدولة) هو توسع مصادر الثروة وثرائها. وهذا بدوره يؤدي إلى الترف الذي يحصل على انعكاسه المتنوع في أبهة الحضارة وبهائها وازدهارها. وهذا بدوره ليس إلا الوجه الناصع منها والذي يكمن خلفه عدد هائل من الرذائل. والرذيلة بدورها جزء من ثقافة الدولة والمجتمع والحضارة. لهذا لم ينظر إليها ابن خلدون بمعايير ومقاييس الرؤية الأخلاقية وأحكامها المجردة (وهي الفكرة التي سيطورها مكيافيللي ولكن بمعايير قواعد العمل السياسي وليس بمعايير الرؤية التاريخية الفلسفية)، بل اعتبرها ضرورية أيضا من وجهة نظر المسار التاريخي الطبيعي للوجود الإنساني. وليس مصادفة إن يفرز في احدى ملاحظاته الدقيقة والنقدية في الوقت نفسه مفارقة الظاهرة الملازمة لتطور الثقافة والحضارة من أن السعادة والكسب يحصل غالبا لأهل الخنوع والتملق. وهي رؤية تاريخية وواقعية تتوافق مع منهجه العلمي والتاريخي الدقيق، أي الذي يقر بالظواهر كما هي ويحللها بمعايير تطورها الذاتي. انه يكشف عن رؤية نقدية لإحدى مفارقات الوجود الطبيعي والتاريخي للإنسان. ويحللها من خلال تطور الدولة وأدواتها المرتبطة بفكرة الإكراه. بمعنى أن الإكراه هو الوسيلة التي من خلالها يجري بناء الدولة ووحدة البشر. وبالتالي، فإن رذيلة الإكراه بمعايير الرؤية الأخلاقية هي فضيلة بمعايير الرؤية التاريخية والسياسية (وهي فكرة سيقول بها ماركس). غير أن للإكراه في الدولة عند ابن خلدون بعدا إيجابيا. إذ حالما يستتب الملك والسلطان ويكبر يصبح الجميع بالنسبة له سواء. ومن ثم يفّضل من يخضع له ويأتمر بأمره في كل شيئ. من هنا "سعادة" المتملقين وتعاسة أهل الشموخ والإباء. وليس مصادفة أن يكون "الكامل في المعرفة" سيئ الحظ كما يقول العامة، وذلك لأنه "حوسب بما رزق من المعرفة"[4]. وينطبق هذا على كافة أهل المعرفة والفقه والعلم وما إلى ذلك. وهنا يبدو سرّ الشكوى التاريخية والمعنوية التي يوجهها أهل العلم والمعرفة من تعاسة الواقع وسوء الحظ. وسبب ذلك الإكراه يقوم في أن التعاون المبني عليه "لا يحصل إلا بالإكراه عليهم لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع"[5]. والسبب الأعمق لذلك يقوم في أن الإنسان وأعماله تصدر عن روية واختيار، ومن ثم تختلف مواقفهم ومشاربهم، وبالتالي لا سبيل إلى وحدته إلا بالقوة والإكراه لكي يجري حفظ الوجود، أو كما يقول ابن خلدون "لابد من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم لتتم الحكمة الإلهية في بقاء النوع"[6]. وبالتالي أعطى لعلاقة الجهل أو المعرفة والإكراه بعدا فلسفيا كما في علاقة الخير الشر القائمة في الوجود. فالخير هو من "العناية الربانية" بينما الشر أحد أعراض الوجود الضرورية كسائر الشرور الداخلة في "القضاء الإلهي" (كما سيقول به هيغل). فوجود الكثير من الخير يلازمه شر قليل وهو "معنى وقوع الظلم في الخليقة"[7]. وفيما لو جرى إزالة اللون التقليدي اللاهوتي في العبارة، فإن معنى "القضاء الإلهي" هنا هو قانون الوجود الطبيعي.

من كل ما سبق يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أن الأوصاف التي تلصق بابن خلدون معنى الرذيلة هو نتاج الرؤية المسطحة والغبية لحمقى "المثقفين"، وفي المقابل نعثر عند اغلبهم على تعظيم لمكيافيللي! مع أن الخلاف بينهما شاسع، لكنه يسير ضمن سياق العقل التاريخي والثقافي للأمم.

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1]  إن الانطباع الذي تولد عندي بعد قراءة كل ما كتبه طه حسين، هو انه لم يستمع لما كان يسمعه ممن يقرأ له حتى النهاية. والأسباب كثيرة. فمن الصعب الاستماع إلى كتب نظرية كبيرة جدا. لهذا كان يلتقط بعض مما يرسخ في الذاكرة من عبارات قابلة للفهم السريع. وليس مصادفة أن يكره الفلسفة لصعوبة فهمها، بل انه كان "يقرف" من الفلسفة الألمانية، وذلك لأنه لا يمكن فهمها بمجرد الاستماع اليها. بل انه وجد في كتابات العقاد الفلسفية اشياء متعبة ومرهقة مع انها سهلة بالنسبة لطبلة الصفوف الأولى لكلية الفلسفة. بل في اعتقادي انها معقولة حتى بالنسبة لطلبة المدارس الثانوية المتعلمين جيدا. بعبارة أخرى، انني اشك في انه استمع إلى كتاب نظري فلسفي حتى النهاية، أي انه لم يقرأ أي كتاب حتى النهاية. ومع أن لطه حسين ملكة ذهنية وذاكرة حافظة إلا انها لا تكفي في مجال العلم النظري. من هنا توجهه صوب التاريخ والأدب. فهنا مرتع الرواية والحكاية. أما الملكة الفعلية لطه حسين فتقوم في قدرته على ركوب موجة الشهرة من خلال "المفاجئات" التي يقدمها للثقافة التقليدية. وقد عاش طول عمره على هذه البضاعة تحت عنوان النقد والنزعة النقدية. وما قدمه وكتبه طه حسين لا نقد علمي ومنهجي ومنظومي فيه. فهو أقرب ما يكون إلى قاعدة "خالف تعرف" الواسعة الانتشار والصفة المميزة لأنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين. وقد كان طه حسين ينتمي من حيث الجوهر إلى هذا الصنف من الكتاب.

[2] طه حسين: فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، تحليل ونقد. سلسلة المئويات، مصر، القاهرة، 1925، ص184.

[3] عبد الرحمن منيف: لوعة الغياب. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. المركز الثقافي للنشر والتوزيع.الطبعة الثالثة 2003.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص311.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

 

مجدي ابراهيميُوجب التصوف على دارسه فضيلتين أساسيتين أولهما: اللغة. وثانيتهما: قوة الخيال. وبغير هاتين الفضيلتين لا يستطيع الباحث أن يساير أقاويل الصوفية ورموزهم الخفيّة التي تتطلب لمعرفتها والوقوف على مراميها لغة رفيعة. وبقدر رفعة هذه اللغة التي رمز بها الصوفية في إشاراتهم ولطائفهم المتعددة بعدد أنفاسهم، يكون "التخريج" أصلاً من أصول الفلسفة الذوقية؛ هذا إنْ جاز أن يكون للذوق فلسفة، وهو لا يجوز عندنا إلا باعتبار "وضوح الرؤية" تجيء بعد التفسير والتخريج.

وفلسفة الذوق تفسير له تماماً كما تقوم للفن فلسفته، فيجيء النسق من الفلسفة والمادة من الفن أو يجيء النسق من الفلسفة والمادة من الذوق فلا يخرج هذا عن إطار التفسير وفق ما تراه الفلسفة جديراً بالتفسير. ولا تعدُّ عبارات الصوفية وأقاويلهم فضلاً عن إشاراتهم من جملة مغاليق الرموز والإشارات إلا لأنها تفسّر بلغة عادية مألوفة، وإني لأعني بكلمة "عادية" أن اللغة لا تفي التفسير حقه من كل ما ينبغي أن يُقام عليه تفسير؛ وأعني بكلمة مألوفة هو كل ما يفسّره الذوق العادي لا العالي. فلا يجب، من أجل هذا، أن تنهض اللغة العادية، ولا بمقدورها أن تنهض، لتفسير أقاويل الصوفية وعباراتهم الرمزية لا لشيء إلا لأنها لغة موضوعة للإشارة لا للعبارة إلى حسِّ فصاعداً منه إلى ما بعده أحياناً، وأحياناً أخرى وقوف عنده وكفى.

فلا اللغة العادية المشيرة إلى وقائع العالم الخارجي بمستطيعة أن تفسر شيئاً مما يقوله صوفيٌ لا ينظر ألبتة إلى الحواس والمحسوسات نظرة غيره إليها، بمقدار ما ينظر إليها غيره منها. وإنمّا هو ينظر إلى الحسّ باعتباره صفة من صفات "الذات" واسماً من أسمائها فقط لا غير، ولا ينطلق مثل هذه الانطلاقة الرحبة إلا بملكة روحية فريدة يتجاوز بها عالم المحسوس إلى ما بعده. ولأجل هذا؛ كَثُر الرمز في التصوف؛ لأن اللغة العادية لا تفي بالتعبير عن سريّة معاني التصوف الخفيّة، وما يستشعره الصوفي في حالاته الروحيّة من أذواق ومواجيد.

غير أن تخريج المفهوم المقبول من الرموز والإشارات شبيهٌ بتخريج المذهب من الآيات والأحاديث، كما يفعل كبار الصوفية؛ لأن تخريج اللفظ المقبول من الإشارات والرموز قائمٌ على دعائم ذوقية تماماً كما يقوم المذهب على دعائم من الآي والحديث؛ ففي هذه المشابهة تكمن فلسفة التخريج التي نعنيها، وهى لا تعني سوى إيثار الباطن من القول على ظاهره، والمُضِيُّ معه إلى حيث يكون المقصود؛ فلئن كانت صلة الظاهر من مُرَاد اللغة هى صلة عامة بجميع الناس؛ فكذلك صلة الباطن من مرادها لا تكون لجميع الناس ولا لعامتهم. ومن هنا فقد يكون السبب الذي من أجله كان الصوفية ولا يزالون لا يتكلمون بلسان عموم الخلق، ولا يخوضون فيما يخوض فيه الناس من مسائل علم الظاهر هو: الضَّنُ بما يقولون على مَنْ ليسوا أهلاً لفهمه أو لمراده. فإذا تَيَسَّر للخاطر أن يصرف عن مراد القول كل ظاهر، جَازَ له العلم بمراد الباطن منه على وجه من وجوه الحقيقة كما كان يقول ابن عربي:

فاصْرِفْ الخَاطِرَ عن ظَاهِرِهَا       واطْلُب الباطنَ حتَى تَعْلَما

وبما أن اللغة العادية قاصرة عن أن تعبّر عن تلك المعاني الذوقية التي يدركها الصوفية في أحوالهم ومواجيدهم؛ فقد لزم لقوة الخيال أن تتسع ولا تنقبض عن التفكير في لغةٍ أبعدُ ما تكون عن اللغة العادية، وأقربُ ما تكون إلى الإشارة والرمز، وأدنى ما تكون إلى العاطفة والشعور يومئ بها الصوفي إيماءً إلى تلك المعاني التي لا يدركها على حقيقتها إلا من ذاق للقوم مذاقهم وجرب أحوالهم وهى في جملتها قوة توضع للمعاني وليست بقوة مقصودة لذاتها. وربما كانت إشارة ابن خلدون دقيقة في هذه الجزئية حين قال:"إنَّ أوضاع اللغة إنما هى للمعاني المُتَعَارِفَة" (مقدمة ابن خلدون بتحقيق د. على عبد الواحد وافي ج ٣ ص 1163).

فإذا نحن لم نجد لفظاً نودعه معنى لهذا الوجدان الغائر الثائر على الدوام، كُنَّا كمن يَسْتعير اللفظ من دلالته الحقيقية إلى دلالته الرمزية، أو من مستوى الواقع المُقرَّر المفهوم إلى مستوى الدلالة الغائبة الخفيّة. ومن هنا؛ سَادَ بيننا التعبير الشائع بضرورة قراءة ما بين السطور. ولقد استخدم هذه اللغة الصادرة عن قوة الخيال كثيرٌ من الصوفية على اختلاف مشاربهم بين تصوف سني وفلسفي: المحاسبي، والمكي، والبسطامي، والحلاج، والنفري، والجنيد، والغزالي، والقشيري، ووسّعها ابن عربي توسيعاً ذهب به إلى أبعد من غايته الموضوعة لها.

على أن التخريج في إشارة الرمز غير التأويل في قانون العقل والمباحث الفلسفية؛ لأن تأويل العقل قائمٌ على صرف اللفظ من دلالته الحقيقية المباشرة إلى دلالته المجازية، أو هو كما عرّفه ابن رشد (595 هـ) في فصل المقال:"إخراج دلالة اللّفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخلَّ ذلك بعادة لسان العرب في التّجوِّز".

أمّا التخريج في قانون الذوق؛ فنحسب أن شرطه يمضي مع مضاء المتذوق لعبارات الصوفية إلى منتهاها إنْ كان لها منتهى تنتهي عنده ثم تسرى فيه العبارة أو القول يقوله المتصوف، وكأنه هو الذي يقوله لا أحد غيره، وأن العبارة التي قليت هو الذي قالها لا أحد سواه من جملة قائلين؛ فإذا تحققت هذه الوحدة في المقولة وأحسّ أنه يستوعب معناها ويدرك على الحقيقة مرماها مما هو أمامه من ضروب الأقوال المرموزة والإشارات الملغزة، نهضت طواياه من فوره على الرغم منه تؤول المقصود من وراء العبارة ينطق بها الصوفي أو الإشارة تسنح بها خواطره في حالة وَجْدِه التي هو عليها، بحيث يمكن أن نستدل بما نفهمه من جملة ما يتراكم على الذوق من معاني هى في صميمها مُجَرَّد أقوال قيلت بلطف رائق في المباني من شأنه؛ بعد التعميق واستلهام موارده، أن يتبع لطف الأواني، كأن يشير ابن الفارض إلى ذلك بقوله:

ولطفُ الأواني في الحقيقة تابعٌ     للطف المعاني والمعاني بها تنمو

وهذا يُشْبِه قولنا: لو لم تكن هنالك في الذهن معاني، فلا تنتظر أن تجدَ على الأوراق مباني. وعليه؛ فالإبداع الصادر من خلال الذوق لا جَرَمَ يكون مصدراً من مصادر إدراك الذوق لمفهوم من المعنى واحد أو لعدة مفاهيم متضامنة.

وليس التأويل المقصود هو أن تختفي فيه الإشارات اختفاءً لا يدع للناظر فيها للوهلة الأولى إضمار المعنى ومقصوده بين طوايا العبارات. ولكن التأويل هو إظهار كل مقبول من القول تتسع له الإشارة ولا يتصادم في معناه الداخلي بين معقول يسيغه العقل وتقرّه شرائط البرهان، ومنقول يوجد على حالته في غير مساس، وعلى طريقة تناوله كما هو عليه أمام أنظار الباحثين تماماً كما ذَهَبَ إلى ذلك أو نحوه الغزالي في "قانون التأويل" حيث قال:"بين المعقول والمنقول تصادم في أول النظر وظاهر الفكر، والخائضون فيه تحزَّبوا إلى مفرط بتجريد النظر إلى المنقول، وإلى مفرط بتجريد النظر إلى المعقول، وإلى متوسط طمع في الجمع والتلفيق"( را: قانون التأويل منشور مع معارج القدس ، تحقيق محمد مصطفى أبو العلا ، مكتبة الجندي القاهرة 1388-1968م، ص 235).

والمتوسطون كما يعرض لهم الغزالي هم فرق خمس، أهمها هى الفرقة الخامسة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول، الجاعلة كل واحد منها أصلاً مهماً، المنكرة لتعارض العقل والشرع وكونه حقاً. ولعلَّ الغزالي يميل إلى هذه الفرقة؛ لأنها الفرقة المُحقة التي تنهج منهجاً قويماً لا تكذِّب العقل؛ لأن من كذب العقل فقد كذَّب الشرع؛ إذْ بالعقل عرف صدق الشرع، ولولا دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبي والمتنبي والصادق والكاذب. وكيف، على تساؤل الغزالي، يكذب العقل بالشَّرع، وما ثبُت الشرع إلا بالعقل؟

وعلى هذا؛ فالتخريج يأخذ من العقل بمقدار ما يأخذ من النقل. وهو، من بعدُ، غير الظن والتخمين، مادام التخريج في ذاته غير التأويل؛ لأن التخمين والظن جهل، وهو وإنْ كان قد رخص فيه، فقد رخص فيه لضرورة العبادات والأعمال والتعبُّدات التي تدرك بالاجتهاد. وما لا يرتبط به عمل؛ على ما قال الغزالي، إنما هو من قبيل العلوم المجردة والاعتقادات؛ فمن أين يتجاسر فيها على الحكم بالظن؟ وأكثر ما قيل في التأويلات ظنون وتخمينات، والعاقل فيه بين أن يحكم بالظن وبين أن يقول: أعلمُ أن ظاهره غير مراد؛ إذْ فيه تكذيب للعقل، وأمّا عين المراد فلا أدري، ولا حاجة بي إلى أن أدري، إذْ لا يتعلق به عمل ولا سبيل فيه إلى حقيقة الكشف واليقين. من أجل ذلك؛ يُوصي الغزالي بالكف عن تعيين التأويل عند تعارض الاحتمالات؛ فإنّ الحكم على مراد الله سبحانه، ومراد رسوله صلوات الله وسلامه عليه بالظن والتخمين خطر.

فإنما تعلم مراد المتعلم بإظهار مراده، فإذا لم يظهر؛ فمن أين تعلم مراده إلا أن تنحصر وجوه الاحتمالات ويبطل الجميع إلا واحداً فيتعين بالبرهان. (را: قانون التأويل ص 241-242).

فالتخريج على هذا أسلم من التأويل؛ إذ كان التوقف في التأويل أسلم. نعم: من طالت ممارسته للعلوم وكثر خوضه فيها، يقدر على التلفيق بين المعقول والمنقول في الأكثر بتأويلات قريبة ويبقى لا محالة عليه موضعان: موضع يضطر فيه إلى تأويلات بعيدة تكاد تنبو الأفهام عنها. وموضع آخر لا يبين له فيه وجه تأويل أصلاً؛ فيكون ذلك مشكلاً عليه؛ كأن يجيء هذا المشكل من جنس الحروف المذكورة في أوائل السور القرآنية المباركة إذا لم يصح فيها معنى بالنقل.

ومن ظن، هكذا يقول الغزالي، أنه سَلَمَ عن هذين الأمرين؛ فهو إمّا لقصوره في المعقول وتباعده عن معرفة المجالات النظرية فيرى ما لا يعرف استحالته ممكناً. وإمّا لقصوره عن مطالعة الأخبار ليجتمع له من مفرداتها ما يكثر مباينتها للمعقول (قانون التأويل: ص 239).

*    *     *

من ذلك ترى؛ أن الغزالي أباحَ في قانون التأويل قدرة القادر على التلفيق بين المعقول والمنقول، أو على الجمع بينهما، إذا ما طالت ممارسته للعلوم، لكنه من جهة أخرى إذْ يبيح القدرة على التأويل لمن يشتغل بالعلوم والمباحث العقلية؛ مع طول الزمن وتعوِّد الدُّربَة، يأخذ عليه لا محالة أنه ممنوٌّ بموضعين، يضطر في أحدهما إلى وضع تأويلات بعيدة لا تحصلها الأفهام، وقد لا يتبيِّن في الموضع الآخر وجه التأويل أصلاً ... فلا يبقى بعد هذا إلا أن يكون "التخريج" أتمَّ من التأويل، إنْ لم يكن بغير شك أكمل منه.

ومادام غرضنا من "التخريج" هو تذوق العبارة واستلهام المشرب ومعايشة الحالة الشعوريّة لمن شاءت لنا مداركنا أن تعمل فيها عمل الإدراك، وتباين الأغراض الباطنة قبل الظواهر والأعراض؛ فقد وَجَبَ أن نعدَّ التخريج فلسفة ذات مقاصد روحيّة لا تغفل مطلقاً في شروطها شرط الإشارة اللطيفة والانطباع المباشر وإضافة البعد الذاتي الذي تفرضه مقومات الحالة الوجدانية في جوف صاحبها، ولا تلغيه.

*    *     *

ورُبَّ قول يُقال في باب من أبواب الحقائق الروحيّة؛ كأن يكون باب المعرفة مثلاً؛ فلا يعنى هذا القول من وجهة النظر العامة غير الضرب في متاهات لا يدركها مدرك بما توافر له إدراكه من إحاطة، فلا يتسع لظاهر القول ولا يتحقق من خوافيه؛ لأن الوظيفة الفنيّة التي قيل بها مثل هذا القول تقبل التأويل على قانون التأويل الذوقي (أي على قانون التخريج). فالإدراك العقلي المنطقي وَحْدَهُ لمثل هذه الإشارات واللطائف مفصولاً عن ذوق الشعور والوجدان لا ينتهي إلى وضوح واضح، بل ينتهي إلى غموض مُشْكِل. وعلى الذين يؤولونها، من بعدُ، أن تتسع صدورهم لما فيها من بواطن المعاني وخفايا الإشارات يقبلونها على حسب الاستعداد، وبمقدار قوتهم في تعلقهم بالمعنى الباطن.

خُذْ مثلاً على هذا، قول البسطامي حين سُئل عن المعرفة .. ما هى؟ فقال:"إنّ الملوكَ إذا دَخَلوا قَريَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَةً أَهْلَهَا أذلةً. وَكَذَلكَ يَفْعَلُونَ"(النمل: آية 34).

فظاهرٌ من الجواب أنه لا علاقة بينه وبين السؤال على الإطلاق. وعند التأمل ندرك أن المعنى الذي أراده أبو يزيد هو لبّ لباب الجواب الذي أجاب به، وإنْ كنتَ لا ترى فيه من حيث الظاهر علاقة ظاهرة ولا سبباً مباشراً مقبولاً أو معقولاً، ولكنك إذا تمّت لك النقلة الباطنة من خارج القول إلى داخله؛ فهمتَ ما يريد؛ فقد جرت عادة الملوك إذا نزلوا قرية أن يستعبدوا أهلها ويجعلوهم أذلة لهم ولا يقدرون أن يعملوا شيئاً إلا بأمر الملك فيما يأمر به وفيما ينهي، وكذلك المعرفة: إذا دخلت القلب لا تترك فيه شيئاً إلا أخرجته، ولا يتحرّك فيه شيء إلا أحرقته (را: السّراج الطوسي، اللمع في التصوف؛ ص 128).

هذا ما يجيب به البسطامي ويؤوّله السّراج الطوسي  مُفسّراً، وهو صاحب أقدم مرجع في تنظير التصوف وتقييد قواعده النظرية. ولكن بعد قراءة هذا التفسير الذي رأيناه عند الطوسي لم يزل السؤال قائماً: هل حالُ المعرفة في القلب، كحال الملوك إذا هم دخلوا قرية: الفساد والإفساد، وجعل العزيز من أهلها ذليلاً؟

مع ملاحظة أن ما أجاب به البسطامي إنما هو ضربٌ من التفسير كثيراً ما يلجأ إليه الصوفية في إشاراتهم الذوقيّة؛ لأنه كذلك مع ما فيه تجاوز العبارة الظاهرة هو ضرب من التفسير الإشاري للقرآن: معمولٌ به في عرف المفسرين، وبخاصّة أصحاب النزعات الروحيّة الخالصة كالإمام أبي عبد الرحمن السّلمي في كتابه المعروف بحقائق التفسير، والقشيري في "لطائف الإشارات"، وابن عربي في الكثير مما ذكره في الفتوحات المكية.

والتفسير الإشاري، جملة وتفصيلاً، إنما هو ضربٌ من فلسفة التخريج عند الصوفية يقوم على فهم طريقتهم في استعمال دراسة أصول الكلمات (etymology) للوصول إلى استخلاص معنى روحي لها. وما التّخريج إلا ذَوْق يخرِّج به صاحبه ما يعتمل في جوفه من مشارب وأذواق. وبمقدار ما يكون التعميم لتلك المشارب والأذواق سارياً في دوائرهم المعرفيّة تصيرُ فلسفة التخريج على هذا التعميم أساساً صالحاً يختص به المتصوفة دون غيرهم من الفِرَق الإسلاميّة.

*    *     *

قلنا إنّ فلسفة التخريج لدى الصوفيّة تعتمد مباشرة على قانون الذوق، وأن من أخص وظائفها الفنية هو تشبع المتذوق بإشارات الصوفية ولطائفهم، حيث يمكن له تجريب أحوال القوم وتذوق مذاقاتهم، وأنّ الإدراك العقلي وحده لمثل هذه الإشارات لا ينتهي بها إلى وضوح واضح بل ينتهي إلى غموض مُشْكل. وتوقفتْ بنا المساحة المحدّدة عند قول البسطامي حين سئل عن المعرفة؛ فأجاب بقوله:"إنّ الملوكَ إذَا دَخَلوا قَريَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَةً أَهْلَهَا أذلةً. وَكَذَلكَ يَفْعَلُونَ". فاعترضنا بسؤال على تخريج السّراج الطوسي لإجابة أبي يزيد البسطامي فقلنا: هل حال المعرفة في القلب كحال الملوك في القرية؛ الفساد والإفساد، وجعل العزيز من الأهل ذليلاً؟

ونظراً لأهمية فلسفة التخريج التي نعتمدها عند الصوفية قانوناً يستمد خصائصه منهجاً من معدن الذوق، نستكمل ما توقفنا عنده فنقول: هَبْ أن المعرفة هاهنا قد دخلت القلب كما يدخل الملوك القرية، أيكون المراد؛ كما أراده الطوسي, إنها لا تترك في القلب شيئاً إلا وتخرجه، ولا يتحرّك في القلب شيء إلا وتحرقه وكفى؟

المعنى لا يزال غامضاً والإجابة ليست شافية. إنما الاجتهاد يجعلنا نفي "التخريج" حقه من الجلاء والوضوح أزيد وأوفى ممّا أراد الطوسي تفسيره. فلئن كانت إشارة البسطامي تقول: إنّ حال المعرفة في القلب كحال الملوك في القرية إذا هم دخلوها أفسدوا فيها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ولا يزالون يفعلون؛ كذلك المعرفة إذا هى دخلت قلب العبد واستمكنت فيه، وتعلق بها وتعلقت به، أفسدته كما يفسد الملوك بقوتهم وسطوتهم وغلبتهم قرية صغيرة.

ولكن معنى الإفساد هنا هو التحويل من حال إلى حال، انقلاب من الضد إلى ضده، من الأمن والاستقرار إلى القلق والاضطراب، حتى إذا نحن شئنا أن نتصوّر قلب العبد كقرية دخلها ملوك أفسدوها فقد يلزمنا التصور أن نفهم المراد من وراء هذا القصد، ومراده هو: أن المعرفة إذا دخلت قلب العبد واستقرّت فيه، قلبته، وأفسدت فيه ما كان يعتقد أنه عز بأن جعلته ذليلاً ليعز بالذل بعد المعرفة، وليكون ذُلّه عزاً حين يذوق حلاوة المعرفة. فإنّ العز الذي ينبغي أن يفسد هو عز الجهل والاستنامة والبعد عن طريق الحق، وعدم الاهتداء إلى طريق الله، وهو شئ كان قبل المعرفة، وكان القلب معه يعتقد أنه عز، غير أن اعتقاده هذا عين الجهل وعين الوهم وعين الغبن؛ فإذا جاءت المعرفة قلبت هذا العز الموهوم إلى ذل معصوم من الوهم معصوم من الجهل والغبن، بمعنى أنها حوّلت استقرار القلب على الجهل وطمأنينة الغفلة والكنود والبلادة وتسويف الأعمال والبعد عن طريق الحق تعالى إلى قلق المعرفة وإلى اضطراب في حال العارف. وهذا ضرب من العز يأتي بعد ذلّ الجهالة الذي كان قبل حلول المعرفة في القلب عزّاً عند صاحبه.

*    *     *

وعلى هذا تتمُّ لنا النقلة المعرفية المقصودة من فلسفة التخريج على المعنى الذي يحمل وضوح الرؤية من مجمل أقوال الصوفية وإشاراتهم الذوقيّة: أعني النقلة الباطنة من خارج القول إلى داخله، والتي تيسّر لنا بالضرورة فهم ما يريد صوفي حين يقول من الأقوال قولاً، وحين يشير إلى حالة هو لا شك يعانيها، أو إلى وارد يعتريه عنوةً تحت سلطان الحال.

خُذْ مثلاً ثانياً على ما استنبطوه من قوله تعالى:"سَنُرِيهُمْ آيَاتَنَا في الآفَاقِ وَفي أَنْفُسِهُم حَتى يَتَبَيَّنَ لَهُم أنَّهُ الحَقُ"(فصلت: آية 53). معناه وفق هذا التخريج المقصود، سنريهم نعوتنا وصفاتنا في الملكوت حتى يتبين لهم إنه الحق، وما سواه باطل لا جَرَمَ، ولذلك قال النبي عليه السلام "أصدق كلمة قالت العرب ما قال لبيد:" ألا كل شيء ما خلا الله باطلٌ" فهذا الاستنباط يحتاج منا إلى تخريج فكيف نخرّجَهُ؟ إننا نحمله على معنيين من التخريج لا ثالث لهما أولهما: يحمل معنى وحدة التوحيد التي يعتقدُها الصوفية فيشهدون فيها الحق الباطن في دخائل النفس في حال الفناء، وهو حال ممزوج بالعاطفة القوية والروحانية الطليقة الجامحة. وثانيهما: يحمل معنى وحدة الوجود التي يرى أصحابها الحق تعالى في مجالي الجمال والجلال وهو عمل تجليات الصفات الإلهية. في الحالة الأولى كان البسطامي والحلاج والشّبْلي ورابعة العدوية.

وفي الحالة الثانية كان ابن الفارض وابن عربي وتلاميذه. وهذا المعنى الثاني المحمول على وحدة الوجود لا يمكن أن نغفله في كتب الأوائل من الصوفية على وجه العموم؛ إذا نحن لم نستطع أن نفصل فصلاً تعسفياً بين وحدة الشهود ووحدة الوجود في عين التجربة الصوفية.

   (Stace (W): Mysticism and

. philosophy, Mac Millan, London, 1961 .P 40)

وإذا نحن أردنا أن نرد جزءاً من معاني وحدة الوجود إلى ما نسميه من جانبنا بنظرية المضمون الإسلامية، وإذا نحن شئنا ألا نرجع بالوحدة فقط إلى المصدر الهندي مثلاً أو إلى الأفلاطونية المحدثة لأنهما (المصدر الهندي والأفلاطونية المحدثة) يختلفان في المضمون وإنْ اتفقا أحياناً في الشكل عن المضمون الإسلامي الذي ينطلق من عقيدة كتابية أولاً وقبل كل شيء ثم من فكرة التوحيد.

(وللحديث بقية)

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيالمفارقة التاريخية لوعي الذات الإصلاحي الإسلامي (2)

 كان الشرق مضطرا منذ اللحظات الأولى للصراع مع الغرب الأوربي الحديث إلى أن يواجه غزوا "متمدنا"، ومن ثم تحسس وأدرك منذ الوهلة الأولى روح الفضيحة القائمة فيه باعتباره شكلا يتعارض مع أسس مدنيته نفسها. وهو السر القائم وراء تشوه الغزو الأوربي في آرائه، وإشكالاته في غاياته. لقد كشفت المدنية الأوربية وتطور وعيها الذاتي في صراعها المرير من اجل الحرية والتقدم والإخاء والمساواة والديمقراطية والحق عن زيف وأنانية ظاهرية وباطنية، إضافة إلى مادية نفعية مبتذلة ولاعقلانية متغطرسة في الوقت نفسه في تعاملها مع الآخرين. فقد كانت حريتها إذلالا، وعدالتها ظلما، ومساواتها جورا، وتمدنها همجية، وديمقراطيتها استبدادا، واستقلالها عبودية. بصيغة أخرى، أنها كشفت عن أن نموذجها المتمدن هو أنانية قومية ضيقة. وبما أن هذه الصفة كانت مشتركة بين شعوب القارة كلها، فإنها ضاعفت من مركزيتها الغربية في مواجهة الشرق بالصيغة التي جعلته يبحث في ذاته عما يمكنه أن يكون بديلا لهذا الهجوم الشامل. وحصل هذا البديل على إدراك وانعكاسات نظرية وعملية متعددة. أما في عالم الإسلام فقد اتخذ صيغته الأولى بظهور مفهوم "الشرق المسلم" الذي عكس في تطور مضامينه طبيعة التحولات التي جرت في كل من العالم الأوربي والعالم الإسلامي.

فإذا كان الوعي الأوربي قد تقاسم بدرجات مختلفة منذ القرن السادس عشر الاهتمام بالشرق لاعتبارات دينية فكرية وسياسية اقتصادية، فان إحدى نتائج وإفراز هذا الاهتمام تقوم في تراكم التصورات الموضوعية عن العالم الإسلامي. ونعثر على هذه النتيجة بصورة مباشر في ظهور شخصيات علمية عديدة. بينما تتداخل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تيارات الثقافة الغربية والاستشراقية، التي افترض وجودها وتداخلها تطور الرأسمال ومصالح القوة وتوسع الثقافة (الاكزوتيك الرومانسي والعلمي بالشرق). وقد ساهم ذلك، رغم مفارقة الظاهرة، على تعميق شقة الخلاف الشرقي الغربي. وبما أن هذا الخلاف كان مبنيا آنذاك على تباين مستويات القوة والتفوق الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والثقافي، فانه أدى بالضرورة إلى تكوّن العناصر الجديدة لما يمكن دعوته "بالشرق الغربي". وجرى تصوير ملامح هذا الشرق في اطر وتقاليد النزعة المركزية الأوربية، أي كل ما نعثر عليه في مختلف الصور الوهمية والنمطية عن الشرق بشكل عام والإسلامي بشكل خاص. ولم تكن هذه الأوهام معزولة عن انكسار تقاليد العالم الروماني النصراني القديم ورموز وعيه الكبرى منذ الحروب الصليبية، التي كانت حصيلتها العامة تقوم في فضيلة الغرب ورذيلة الشرق، وفضيلة الغرب النصراني ورذيلة الشرق الإسلامي[1]. وكان لهذه الصورة استلابها المبطن في تاريخ الأحقاد وغفلة الذاكرة، إلا أن فعلها المباشر في عالم الإسلام أدى إلى استثارة ردود فعل مباشرة وغير مباشرة فيما يمكن دعوته بشرقية الإسلام وإسلام الشرق، بوصفها درجات متتالية في وعي الذات الروحي الثقافي والعملي السياسي.

لقد كانت "شرقية الإسلام" الغربية تركيبة مغرية، مّثلت في سلبيتها رد فعل الانتماء الأوربي النصراني. إلا أنها كانت ممتلئة بمعاني الاستقلالية العريقة بالنسبة للعالم الإسلامي. وليس مصادفة أن تصبح هذه التركيبة شعارا لوعي الذات الإسلامي الجديد. وحالما دخلت دهاليز الكينونة الجديدة للعالم الإسلامي، فانه كان لا بد لها من أن تخضع لنفس الآلية التي خضعت لها صيرورة "الشرق الغربي"، وإن بصورة معاكسة. بمعنى أنها استثارت في الشرق حمية الشرقية. وهنا ظهرت الملامح الأولى للأنا الشرقية الواعية لذاتها بوصفها كيانا مستقلا ومواجها للغرب.

وإذا كانت هذه المواجهة تتمحور حول ما يمكن دعوته بالشرقية السالبة، فانه لا ينبغي مع ذلك النظر إليها كسلبية في محتواها التاريخي. فهي ليست فقط الدرجة المناسبة لأسلوب المواجهة الذي فرضته إحدى مراحل التاريخ العالمي بين الشرق والغرب، بل ولأن صراع الشرق والغرب قد تحول إلى أسلوب جديد في مخاض الصيرورة العالمية الحديثة. لقد كان لا بد لها من أن تمر في مخاض التجربة القاسية للاتهام والاتهام المتبادل، للصراع والعداء باعتبارها دروبا في وعي الذات. وهو ما يمكننا العثور عليه في آراء رواد الفكر الإسلامي (الإصلاحي) ككل. حيث تظهر بجلاء ملامح الصراع المتزايد بين الشرقية والغربية. فقد كان الأفغاني في كتاباته الأولى، على سبيل المثال، ممثلا للجامعة الشرقية أكثر منه ممثلا للجامعة الإسلامية. وهو ما يفسر لحد ما سبب بقائها في آرائه ومواقفه حتى آخر مؤلفاته. رغم أنها أخذت تتلاشى إلى الدرجة التي يصعب فرزها بمنظومة أو مفاهيم مستقلة قائمة بحد ذاتها. ولم يكن ذلك سوى الانعكاس المتناسب مع طبيعة التحولات التي تعرضت لها فكرة الشرقية والإسلامية في منظومة الإصلاحية (الإسلامية) وممارساتها السياسية ومشروعها النهضوي. فعندما يناقش الأفغاني قضايا الأصالة والتقاليد، فانه عادة ما يردد الفكرة القائلة بان الوطأة الأشد على الشرق تقوم في تقليده للغرب. ولهذا شدد على أن الأمم الشرقية في حاجة إلى تقوية المناعة الذاتية أمام الهجوم الغربي.

لقد كانت مواقف الأفغاني هذه نتاجا لاستيعابه واقع "المسألة الشرقية" آنذاك. فهو  لم ينظر إلى هذه المسألة، حالما تطرق إليها، نظرته إلى قضية سياسية أو عسكرية خالصة، ولم ينظر إليها باعتبارات تتعدى حوافز القوى القائمة في عصره. فقد كان أدرى بعدم التكافؤ. لهذا لم يتحدث في هذا المجال عن مقارنة بين الرجل المريض والرجل السليم، ولا عن العثمانية المتدهورة والأوربية الصاعدة، بل حاول اختصارها فيما اسماه "بمعترك الغربي بالشرقي". فإذا كان الغرب قد تذرع بالنصرانية، فان ذلك لم يكن في الواقع سوى ذريعة وواجهة لا غير. وبالتالي، فان المسألة الشرقية، كما فهمها الأفغاني، هي مسألة الضعف والقوة. أما مهمة وأسلوب حلها الأمثل فقد وجده في الإسلام. وفي هذا نستطيع رؤية تحول المفاهيم والأحكام والمواقف عن عموم الشرق إلى خصوصه، أي من شرقية الشرق إلى شرقية الإسلام، ثم إلى إسلام الشرق.

لقد عكست هذه الثلاثية في صيغتها المجردة التطور التاريخي والواقعي لوعي الذات الشرقي الإسلامي. فقد كانت شرقية الشرق الرد المباشر على غربية الغرب. ونعثر على هذه الصيغة بهذا القدر أو ذاك من الوضوح، عند المفكرين المسلمين للقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. إذ نعثر في تحديد الأفغاني لصفات الغرب على إدراك جلي لغايات الغرب الأنانية تجاه الشرق من جهة، وعدم تكافؤ القوى فيما بين الطرفين من جهة أخرى. فهو يشير إلى أن الغرب لا يقدم للشرق إصلاح سير وسيرة. على العكس!! انه يشجع التخلف والجمود. بل لا تطرق دولة غربية دولة شرقية إلا وتكون حجتها حفظ حقوق السلطان وإخماد فتنة أو حماية المسيحيين والأقليات أو حقوق الأجانب أو حرية الشعب وتعليمه أصول الاستقلال

[2]. أما الغربي فانه حالما يرى بلدان الشرق، فانه يفكر بالشكل التالي: شعب جاهل وأراضي خصبة ومعادن كثيرة ومشاريع كبيرة وهواء معتدل، إذن نحن أولى به![3] ولم يبن الأفغاني هذه الأحكام على أنها فرضيات ممكنة بقدر ما انه نظر إليها كواقع فعلي. فقد عايش هو حيثيات ووقائع الصيغ الأولى للشرقية الإسلامية التي ساهم في رسم ملامحها العملية والنظرية الفعالة. إذ ضمّنها طرفي الهجوم والدفاع، والسلب والإيجاب المستندين إلى محاولات فهم الواقع الجديد. فالأفغاني كان ابعد من أن يصاب بشعور الخيبة أمام حاضره، وأعلى من أن ينحدر إلى درك الرومانسية المبتذلة بتمجيد الماضي. وقد أنقذ ذلك ذوقه النقدي من فساد تعلقه بالماضي. إذ لم يعم الماضي رؤيته الواقعية للأمور. على العكس! لهذا أسهم أيضا في شحذ رؤيته وأحكامه المكونة للشرقية الإسلامية. ففي تقييماته للغرب لا نعثر على غبنه إياه بفعل عدوانه وسطوته ونهبه للشرق. بل يمكن القول، بان كتابات الأفغاني تتضمن في اغلب عناصرها النقدية احتراما عميقا لانجازات الغرب العلمية والعملية. لهذا طالب بالتعلم منه والاستفادة منها. إلا انه وضع هذا التعلم في شروط الإفادة لا التقليد. بمعنى انه طالب بالبقاء في حيز الأصالة باعتبارها الشرط الجوهري لكل تطور حقيقي.

وقدم الأفغاني مثال اليابان آنذاك على انه نموذج يمكن من خلاله شحذ همة المسلمين. لقد أراد القول، بأن الشرق يمكنه، رغم تخلفه المعاصر، أن ينافس ويتفوق على الغرب في مجال الانجازات العلمية. ومن الممكن القول بان مثال الأفغاني يبدو الآن أكثر وضوحا وجلاء منه قبل قرن من الزمن. بمعنى دقة حكمه على ضرورة التعلم وإمكانية التفوق. أما أصالة فكرته العميقة فإنها تقوم في محاولته التركيز على مثال اليابان على فكرة الأصالة الثقافية والتطور العلمي التكنولوجي. وقد شكل مثال اليابان بالنسبة له مرحلة انتقالية من شرقية الشرق إلى الشرقية الإسلامية. وذلك لان الأفغاني أدرى من غيره آنذاك بخصوصية الأصالة الثقافية للعالم الإسلامي. إذ كان شديد الإدراك للأثر الثقافي الكبير الذي تركه المسلمون على تطور الحياة والنهضة الكبرى في أوربا قبل قرون مضت. وبالتالي، فان استعادة هذه النهضة بالنسبة للعالم الإسلامي ممكن ولكن من خلال إتقان أساليب التطور الحديث. فالتطور لا يرتبط بدين دون أخر، ولا بشعب دون آخر. وان مثال اليابان يبرهن ليس فقط على إمكانية منافسة الغرب من جانب الشرق، بل وإمكانية التفوق عليه دون التدين بدين ما أيضا. وان الشرط الوحيد لذلك، حسب نظره، هو شرط الأصالة الثقافية. لهذا أكد على أن اليابان استطاعت أن تبز أقرانها حتى في عدم تدينها، لأنها بقت أصيلة. وبغض النظر عن الملابسات الكثيرة المتعلقة بتدين أو عدم تدين اليابان، فان ما هو جوهري في آراء الأفغاني بالنسبة للعالم الإسلامي آنذاك يقوم في وضعه مهمة تعلمه من الآخرين ورفعها إلى مصاف الضرورة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالهوية الثقافية. وبما أن هذه الهوية لم تكن معزولة ولا يمكن عزلها عن الإسلام، فانه حاول أن يجد في هذه الشرقية الإسلامية القوة التي يمكنها أن تشكل روح الاندفاع الجديد للتقدم. وبهذا المنحى ينبغي النظر إلى مقارناته العديدة التي يقدمها عن الإنسان الشرقي والإنسان الغربي، وعن الغربي النصراني والشرقي المسلم. فعندما يقارن على سبيل المثال، الانجليزي بالعربي، فانه يعتبر الانجليزي قليل الذكاء عظيم الثبات، كثير الطمع، عنودا وجسورا ومتكبرا، أما العربي فانه يتصف بما يقابلها من الصفات، أي كثير الذكاء، عديم الثبات، قنوع وجزوع وقليل الصبر ومتواضع. وبغض النظر عما في هذه المقارنة من خلل يصعب تلافيه، إلا أنها تتضمن إشارات واقعية وحوافز للبدائل العملية. لهذا السبب ركز على الصفات العملية الفعلية في مقارناته كالثبات والطمع والصبر وما يقابلها من الصفات. فالأفغاني يدرك الطابع المكتسب لهذه الصفات، أي انه يدرك الخلل الممكن في هذه المقارنة في حالة أخذها كما هي بصورة مستقلة عن طابعها التاريخي الملموس وغاياتها النهائية. وذلك لان صفات الأمم عرضة للتغير والتبدل، شأن كل ما فيها. وإذا كان من الممكن الحديث عن صفات أخلاقية نفسية قومية، فان ذلك لا يتعدى حدود شروطها الاجتماعية الثقافية التاريخية باعتبارها قيما سائدة. وقد أصاب الأفغاني في مقارنته هذه وفي محاولته تأسيسها النظري التاريخي عندما رجع إلى القرآن للبرهنة على أن تشديد القرآن على الصبر وضرورة الصبر (وان الصبر هو مفتاح الأمور العسيرة، وان الفوز للصابرين) ليس إلا رد فعل على عدم تميز العرب الجاهليين بالصبر. وهي ملاحظة دقيقة من حيث قيمتها الاجتماعية السياسية. بمعنى أن الأفغاني أراد أن يثير من خلال ذلك حفيظة الفعالية الكامنة في الذات العربية الإسلامية. انه أراد التعبير عما يمكن دعوته بالهمّة الشرقية واستثارتها في مواجهة الغرب المعتدى، باعتبار أن ما يميز الأخير ليس سوى صفات يمكن اكتسابها. من هنا ضرورة الصفات العملية المستندة إلى الفعل الدءوب والصبور. ولكن إذا كانت هذه المقارنة وأشباهها تستند على تمحيص مكونات القوى القائمة وراء "المسألة الشرقية" من اجل استثارة الهمة الشرقية، فان مقارنة الغرب النصراني بالشرق المسلم، أدت في نتائجها إلى صياغة الأسس الجديدة لما يمكن دعوته بإسلام الشرق.

ففي معرض مقارنته النصارى بالمسلمين، يشير الأفغاني إلى أن القائمون بالنصرانية يسخرّون الدين لأجل الدنيا، بينما العاملون بالإسلامية يسخرون الدنيا لأجل الدين. والنصارى يحسنون أمر دنياهم وما تتطلبه مظاهر الحياة بينما لا يعمل المسلمون بأحكام الإسلام فيخسرون الدين والدنيا. والنصرانية تدعو للمسالمة وعدم التدخل بالسياسة وترك أموال قيصر لقيصر وترك المنازعات الشخصية والقومية والدينية، إلا أن أعمالهم عكس ذلك. بمعنى عدم أو ضعف خضوعها لمبادئ النصرانية وتعاليمها والتمسك بها. بينما من يقرأ القرآن ويعرف تاريخه يدرك حقيقة دعوته لاستعمال القوة في الحق والجهاد. بينما نرى أعمال المسلمين على عكس ما يدعو القرآن إليه، خاملة خنوعة غير متمسكة بما يدعو القرآن إليه من القول والعمل. فالنصارى تبدو هنا، كما يقول الأفغاني، كما لو أنها تأخذ بالعهد القديم، بينما المسلمون كما لو أنهم يأخذون بالعهد الجديد.

إن هذه المقارنة التي يوردها الأفغاني تصب في إطار إبراز طبيعة الخلاف والتباين بين العالم الغربي النصراني والشرقي الإسلامي، من اجل استنهاض همة المسلمين تجاه هذا التحدي الجديد. إلا انه لا يضع هذه القضية في إطار المواجهة المباشرة بقدر ما انه أراد الكشف من خلالها واقع التخلف الشرقي الإسلامي وعوامل نهضته الممكنة. فقد كانت نظراته في أعماقها مواجهة تاريخية فكرية سياسية ثقافية للنفس أكثر مما هي مقارنة غربية شرقية أو نصرانية إسلامية. لكنها مهدت الطريق أمام صياغة جديدة للشرقية الإسلامية في مواجهة ذاتها أكثر مما في مواجهة الغرب. ومن هنا مأثرتها الفكرية العميقة.

لقد أراد الأفغاني البحث عن سبب تطور الغرب الأوربي فوجده في خروجه عن نصرانيته. لكنه لم يبحث في ذلك عن نقص في النصرانية، بقدر ما انه صوّر الواقع بما في ذلك في نتائجه، التي يمكن أن تعارض منطلقاته الإسلامية ذاتها. فهو يؤكد على أن تطور الغرب ونهوضه ليس نتاجا لالتزامه بالنصرانية والدين. على العكس! ولم ير في الخروج على الدين فضيلة بقدر ما انه وجد في نموذجه الأوربي شيئا ما طبيعيا ولحد ما ضروريا باعتباره رجوعا للذات ومصادرها الأولى. ولهذا اعتقد بان سبب صعود النصارى الأوربيين يقوم في استعادتهم لتقاليدهم القديمة، أي تقاليد ما قبل النصرانية (اليونانية الرومانية). إذ لم تكن النصرانية بالنسبة لهم، حسب تصور الأفغاني، إلا كالوشي والطراز على الظاهر. بمعنى أن رجوعهم إلى مصادرهم الذاتية (اليونانية الرومانية) هو الذي أدى إلى نجاحهم. ومن هذه المقدمة حاول بناء استنتاجه المماثل والقائل بان الرجوع إلى مصادر المسلمين الأولى، هو الذي يشكل أساس نهضتهم الحية. وان مصادر قوة المسلمين وتقدمهم وازدهارهم هو الإسلام لأنه لا تاريخ لديهم سواه.

وإذا كانت هذه الفكرة هي النتيجة التي يفترضها تطور منطق الموازاة بين الشرق والغرب، والنصرانية والإسلام، فان أساسها الذاتي يقوم في الكيفية التي انكسر بها وعي ضرورة النهوض في مواجهة الغرب بالاستناد إلى الأصالة والارتباط الوجداني العميق بالتراث الخاص. أنها تستند إلى إدراك عميق بأنه لا يمكن للثقافة والحضارة أن يتطورا بسلامة دون الاستناد إلى قواهما الخاصة. فهما يشبهان الكائن الحي. بمعنى أن وضعهما في قالب غريب سوف يؤدي بالضرورة أما إلى تشويههما أو موتهما الطبيعي. فإذا كان التطور الأوربي يستند في إحدى مقدماته الأولية الكبرى إلى حركة النهضة وإعادة الاهتمام بالقضايا الدنيوية عند شعرائه الكبار أمثال دانتي وبوكاشيو وبترارك، فان الثقافة الإسلامية مليئة بمئات الشعراء العظام الدنيويون. وإذا كانت النزعة الإنسانية تمثل إعادة الاعتبار للإنسان من خلال انتزاعه من سيطرة الكنيسة، فان العالم الإسلامي لم يعان من عقدة مؤسسة كهذه. أما الإصلاح الديني فلم يكن بإمكانه أن يكون لوثريا أو كالفنيا. والقضية هنا ليست فقط في أن الإسلام لا يعرف كنيسة أو كيانا ما مقدسا وسيطا بين الله والإنسان، بل ولأنه امتلك تقاليده العريقة في تباين فرقه ومذاهبه وحق الاجتهاد فيه. ولهذا فان الإصلاح كان يستلزم أولا وقبل كل شيء إزاحة ثقل الانحطاط الثقافي والاستبدادية الشرقية (التركية العثمانية) الجاثمة على عقل وضمير العالم الإسلامي من خلال الرجوع إلى ما دعاه الأفغاني بإسلام الحق والحقيقة.

وعند هذا الحد يكون الأفغاني قد تمثل الحركة الواقعية في انتقال عناصر "الشرقية الإسلامية" إلى صياغة المبادئ الجديدة لإسلام الشرق، أو إسلام الدعوة الجديدة، أو الإسلام العملي. وليس مصادفة أن يوجه المفكرون الكبار للحركة الإسلامية الإصلاحية جل اهتمامهم للبديل السياسي باعتباره المقدمة الضرورية للتطور الثقافي. فقد كان نشاط الأفغاني الناضج هو نشاطا سياسيا. وكتابات الكواكبي في جوهرها وغاياتها هي مناهضة للاستبداد السياسي وتأسيسا لبديله العقلاني الإسلامي. ولهذا السبب غابت مقارنة الشرق بالغرب أو معارضتهما عند محمد عبده وظهرت عند الكواكبي. بمعنى أن الفاعلية السياسية في إصلاحية الكواكبي الإسلامية قد وضعته بالضرورة أمام تناول حيثياتها الواقعية سواء في عالم الاستبداد العثماني أو في ضغطها المزدوج على استمرارية التخلف في ظل النزوع الغربي للسيطرة السياسية على العالم الإسلامي. لهذا السبب اقتربت آراؤه وأحكامه بهذا الصدد من الأفغاني. إلا أنها تجاوزتها من حيث اندماجها في منظومة أكثر تماسكا في رؤيتها لواقع الشرق بشكل عام والعربي منه بشكل خاص.

فقد وجه الكواكبي خطابه المناهض للاستبداد للشرق عموما. وهي صيغة كانت تتمثل في نفسيتها بقايا الانتماء الإسلامي. بمعنى مطابقتها النقدية للشرق العام مع الشرق الإسلامي. لهذا أكد في (طبائع الاستبداد) أن على الشرقيين أن يعرفوا أنهم "المتسببون لما هم فيه فلا يعتبون على الاغيار ولا على الأقدار"[4]. وهي صيغة ملائمة لما يمكن دعوته بنقد الذات الشرقي باعتبارها المقدمة الضرورية لتثوير الروح الإصلاحي. فهو يكرر في أكثر من موضع على انه ما "أحوج الشرقيين أجمعين من بوذيين ومسلمين ومسيحيين وإسرائيليين وغيرهم إلى حكماء لا يبالون بغوغاء "العلماء" الغفل الأغبياء، والرؤساء القساة الجهلة. يجددون النظر في الدين… يحتاجون إلى أصله المبين من حيث تمليك الإرادة والسعادة في الحياة"[5]. أما "تجاوز" الديانة هنا فهو تجاوز تخلفها الاستبدادي. لهذا طالب الجميع بحاجتهم إلى علماء مجددين في الدين يضعون بإرادتهم الحرة (تمليك الإرادة)، أي إزالة الاستبداد السلطوي (الرؤساء القساة) والاستبداد الروحي الديني (العلماء الغفل) في أولويات مهماته. وهو الانبعاث المطابق للوعي التاريخي الجديد في إصلاحيته الدينية السياسية. إذ لا يعني إشراك المسلمين والبوذيين والنصارى والإسرائيليين في إصلاحية فعالة سوى اشتراك الشرق في موضوعاته الاجتماعية السياسية وتخلفه الحضاري عند تخوم القرنين التاسع عشر العشرين. مما يعكس أولوية الموضوعات الاجتماعية السياسية وثانوية الدينية في توجهه العملي، وأولوية الإصلاح الديني وثانوية التطبيق العملي لموضوعات الاجتماع والسياسة في أفكاره النظرية. وقد فرض هذه المعادلة منطق الإصلاح العقلاني التنويري، الذي يقترب في تجرده من تاريخ الارتقاء الطبيعي للحضارة ومستلزماته الضرورية. وأدى هذا الإدراك بفعل طابعه النقدي واصلاحيته العميقة إلى مواجهة عقدة الغرب والشرق باعتبارهما أقطاب الوجود التاريخي آنذاك.

فقد تعامل الكواكبي مع خصوصية الشرق والغرب بمعايير الواقعية. وانطلق منها في الوقت نفسه، باعتبارها المقدمة النقدية لوعي الذات السياسي والثقافي. فهو لم ينظر إلى تعارض الشرق والغرب بمقولات النفسية الأخلاقية، بل وضعها ضمن إطار النظرة النقدية لواقع الاختلاف بين الشرق والغرب في النظم والآراء والرؤية. بحيث جعله ذلك يتكلم عن استبداد غربي وآخر شرقي. فإذا كان الأول يتميز بخوفه من العلم، وان يعرف الناس حقيقة أن الحرية أفضل من الحياة، وماهية الحقوق وكيفية الحفاظ عليها، وما هي إنسانية المرء ووظائفها؛ فان أخوف ما يخافه المستبدون الشرقيون هو العلم. فالمستبدون يرتجفون من صولة العلم، وكأن أجسامهم من بارود والعلم نار[6]. وان الاستبداد الغربي احكم وارسخ ولكن مع اللين، بينما الاستبداد الشرقي مقلق سريع الزوال ولكنه مزعج. وانه إذا زال الاستبداد الغربي فانه يتبدل بحكومة عادلة تنجز ما يمكنها انجازه حسب ظروفها وإمكاناتها الملموسة، بينما يخلّف زوال الاستبداد الشرقي استبداد شر منه. وذلك لان الشرقيين لا يفكرون بالمستقبل[7]. تحتوي هذه الرؤية المقارنة على انتقاد عميق للاستبداد ومحاولة كشف خصوصيته. فالكواكبي يدرك أن الاستبداد واحد. وان تباين أشكاله لا يعطي لأي منه امتيازا وأفضلية. غير أن واقعية أحكامه تستند إلى واقعية رؤيته للأولويات في الفكر والسياسة. بعبارة أخرى، أن تقييمه جرى من خلال رؤية نقدية عميقة لتاريخ التطور السياسي للغرب وصعود قضاياه السياسية والحقوقية إلى صدارة وعيه الاجتماعي (الحرية والحقوق والإنسانية)، أي كل ما يفتقده الشرق بشكل عام والإسلامي بشكل خاص.

لم يقصد الكواكبي من كلامه السابق استبدال الاستبداد الشرقي بآخر أجحف منه، بقدر ما انه ربط هذه القضية بافتقاد أو ضعف الرؤية المستقبلية. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة السياسية لأهمية وعي الذات التاريخي والعملي. ومن ثم فإنها تحتوي على ما يمكن دعوته بمهمة صياغة مقومات الوعي الذاتي بما يتطابق مع خصائص الوجود الفعلي. ولعل في مقارناته عما اسماه باختلاف الإنسان الغربي عن الشرقي نموذجا لذلك. فالأول يعني بكسب المال بينما لا يفكر الشرقي بذلك[8]. وان الإنسان الغربي مادي الحياة، قوي النفس، شديد المعاملة، حريص على الانتقام. أما الإنسان الشرقي فهو أدبي، يغلب عليه ضعف القلب وسلطان الحياء، ويصغي إلى الوجدان والرحمة والعطف ولو مع الخصم. متميز بالفتوة والقناعة والتهاون بالمستقبل. وهي صفات لها مقوماتها الواقعية في عصره[9]. وبغض النظر عن طابعها الجزئي ولحد ما طابعها الأيديولوجي، إلا أنها تعكس كما هو الحال عند الأفغاني، معالم التفاؤل المعنوي في إمكانية استنهاض الروح السياسي الإسلامي. فهو لا يتكلم من حيث الجوهر عن اتهام أخلاقي أو سياسي لطرف ما، بقدر ما انه يحاول من خلالها (الصفات) الحديث عن ظاهرة اجتماعية سياسية وثقافية كبرى. فعندما يتكلم الكواكبي عن الاستبداد الشرقي والغربي فانه "رفع" الثاني مقارنة بالأول. بل نراه يكيل المديح للغرب في مختلف جوانب إبداعه العلمي والاجتماعي. ومن خلال ذلك حاول البرهنة على أن الاستبداد يخلق على مثاله مجتمعه وأناسه. ومن هنا حاول إبراز رذائل الشرق في مختلف مكوناته المادية والروحية. مما يعني بان مقارنته المذكورة أعلاه كانت تهدف إلى تعميق وعي الذات الإسلامي. إذ لم يعن الشرق عنده هنا سوى الشرق الإسلامي. كما انه سعى لتعميق هذه الرؤية استنادا إلى مكونات الوجود الإسلامي نفسه. فعندما عارض الإنسان الشرقي بالغربي في موقفه من موقع وعلاقة الغاية بالوسيلة، وتبرير الغربي لكل وسيلة من اجل بلوغ غاياته، فانه أكد على أن "الحكيم الشرقي" لا يبيحها لما بين أبناء الشرق والغرب من التباين في الغرائز والأخلاق[10]. ذلك يعني انه يقر بإمكانية وجودها في عوام الشرق واستحالتها في حكمائه. مما يعني إدراكه لإمكانية قول "حكماء" الغرب بها. وهي الخاصية التي تجد انعكاسها غير المباشر في تباين الرؤية والغايات في الشرق الإسلامي عن الغرب. بحيث نراه يسعى للكشف عنه على مثال الموقف من المجد. فهو يشير إلى أن "المجد لا ينال إلا بنوع من البذل في سبيل الجماعة"[11]. وهو الذي يعبر عنه الشرقيون بعبارة "في سبيل الله، أو سبيل الدين". بينما يعبر عنه الغربيون بعبارة "في سبيل الإنسانية، أو سبيل الوطنية"[12].

أن هذا التعارض البليغ في اللسان والجنان هو النتاج الطبيعي لاختلاف الثقافة وأوزانها الداخلية. لكنه اختلاف لم يسع رجال الإصلاحية الإسلامية إلى دفعه صوب وديان الخلاف، بل وجهوه صوب تعميق الوعي الاجتماعي الإسلامي بالصيغة التي يمكنه تثوير وجوده السياسي والثقافي. وقد أدت هذه النتيجة في حصيلتها إلى تشكيل أسس ومنطلقات البناء اللاحق "لإسلام الشرق" بمختلف مظاهره. ولم يعن ذلك من الناحية التاريخية سوى ظهور الإسلام كقوة سياسية ثقافية مستقلة تأخذ على عاتقها مهمة بناء الكيان الشرقي على أسس إصلاحية عقلانية.

***

 ا. د. ميثم الجنابي 

 ....................

[1] إن الصيغ الأيديولوجية لهذا التفوق تندرج في سطحية الأحكام الأوربية عن العالم الإسلامي. وإذا كان تطور معارف الغرب عن علوم الإسلام قد ذلل في نهاية المطاف هذا الوهم المتعجرف برفعه إلى مصاف الإدراك الموضوعي لحقائق التاريخ والأشياء، فان ذلك لا يعني إزالته كليا. على العكس!! إن سيطرة الأوهام الأيديولوجية والأساطير السياسية الثقافية ما زالت سائدة في الوعي العادي (الجماهيري). وهو ما نعثر عليه في سيادة التعبير السلبي عن رمزية الراية الخضراء والهلال والجهاد، إضافة إلى انعكاس صور الإسلام في وهم الأوربي العادي عن التخلف والجهل وتعدد الزوجات والحجاب والعنف والإرهاب والتطرف. وهي فكرة يمكن العثور على احد نماذجها الكلاسيكية في تلك العبارة المبتلاة بغبائها، والتي أطلقها في يوم ما احد رجال البرلمان البريطاني صارخا: "إن القرآن اصل البلايا في هذا العالم"!!

[2] الأفغاني: الأعمال الكاملة، المؤسسة المصرية للتأليف والنشر، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1966، ص454.

[3] المصدر السابق، ص455.

[4] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ، المؤسسة المصرية للتأليف والنشر، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1970، ج2، ص33.

[5] المصدر السابق، ج2، ص396.

[6] المصدر السابق، ج2، ص360.

[7] المصدر السابق، ج2، ص384.

[8] المصدر السابق، ج2، 384.

[9]إن هذه التقييمات ومثيلاتها عند الأفغاني وغيره من رجال المرحلة تعمم الملاحظات الدقيقة لخصائص التطور الروحي والثقافي للغرب والشرق وبالأخص في مواجهتهما المباشرة في القرن التاسع عشر. حيث تبدت بجلاء علامات حب المال والنزوع نحو السيطرة والقوة وسيادة مبدأ الغاية تبرر الوسيلة عند الإنسان الغربي (الأوربي). بمعنى أنها ليست صفات مطلقة بقدر ما أنها مثلت في واقعيتها الرصد المناسب لما هو عام وجوهري في إحدى المراحل التاريخية (السياسية الاقتصادية). فالشرق ذاته لا يخلو ممن يتصف بصفات الإنسان الغربي المذكورة أعلاه. ولكنها تبقى مجرد صفات جزئية. أي لم تتأطر في منظومة من القيم مؤسس لها في الفكر السياسي والاجتماعي والأخلاقي.

[10] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، 395.

[11] المصدر السابق، ج2، ص362

[12] المصدر السابق، ج2، ص362.

 

 

ميثم الجنابيالمضمون الإصلاحي لفكرة الجهاد والاجتهاد الإسلامية 

"ما ظهر على الإنسان  إلا ما استقر في باطنه.

فما أثر فيه سواه"  (ابن عربي)  

إن الحدس الكامن في وحدة الجهاد والاجتهاد، الذي تبلور في مجرى صيرورة الحضارة الإسلامية وعلومها، لم يكن نتاجا لبيان اللغة وبلاغتها. إذ لكلمات الجهاد والاجتهاد جذورها التاريخية والمعنوية العريقة في لغة العرب. وهي جذور لها جذوتها في العقل والضمير، أي لكل ما كان يتراكم في الوعي التاريخي وفكرة البدائل.

فالأمم لا تنتج إلا ما يقع ضمن استطاعتها. واستطاعتها هي المكونات الواقعية المتجمعة في مجرى تجاربها الخاصة. وبالتالي فهي المكونات الوحيدة القادرة على رفع معاناة البحث عن الحق والحقيقة إلى مصاف المرجعيات العلمية والعملية للأفراد والجماعات والأمة في مساعيهم من اجل الأفضل والأصلح.

فالتجارب الواقعية للأمم هي معاناة البحث عن البدائل. ومن ثم هي النقيض الدائم للتقليد. إذ لا شيء أكثر عبثا وتخريبا لذاكرة الأمم من التقليد أيا كان نوعه وحجمه ومحتواه. من هنا قيمة الإصلاح بوصفه اجتهادا، وتحقيقه بوصفه جهادا. إذ لا معنى حقيقيا بالنسبة لوحدة الجهاد والاجتهاد غير الإصلاح، فهو ميدان تحقيقهما، وأسلوب تهذيبهما الدائم. الأمر الذي جعل الاجتهاد المتخطي لقيم التقليد ومفاهيمه جهادا فعليا، تماما بالقدر الذي جعل من الجهاد من اجل الإصلاح الفعلي (المنظومي) اجتهادا أصيلا وحرا. بعبارة أخرى، إن وحدة الجهاد والاجتهاد في الإصلاح هي فكرة الإرادة المحكومة بقيم عليا.

للإصلاحية جذرها المعنوي العميق في أحد اكبر كوامن العربية أخلاقا وسموا. فإذا كان الوعي العادي نادرا ما يسترق السمع لما في الآذان من تحية للصلاح ودعوة إليه، فإن الوعي الثقافي يجهل في حالات عديدة معاناة الصلاح والأصلح المميزة لصراعات علم الكلام اللاحقة في مدارسه المختلفة. ويشير ذلك في بعض جوانبه إلى عدم تعلّمه بعد إصلاح النفس بالاعتماد عليها أولا وقبل كل شيء. أما نقد الذات المتحزب وبالأخص بمعايير السياسة المبتذلة، فإنه لا يفلح حتى في تجاوز أوهامه المصطنعة لما هو مألوف ومسموح به. بمعنى انه لن يفلح في صنع مقومات الإصلاح الذاتي. مما أدى بالتالي إلى إضعاف همّة الفكر في بحثه عن الاحتمال والإمكان. بينما كانا هما على الدوام الميدان الذي يمكن أن نرمي فيه كل ما هو عصي على الفهم والبرهان. وهو سبب إفقار ملامح الرؤية الواقعية للصلاح والأصلح، باعتبارها قيما وأساليب ومعايير علمية وعملية تندرج في فكرة الإصلاح نفسه.

ومع ذلك ساهم هذا الواقع وما يزال في استثارة البحث عن البدائل في أجنة الكينونة المعاصرة للعالم العربي. وهو أمر يضعنا أمام جوهرية الإشكاليات الحية التي أبدعت مختلف المنهجيات والحلول لقضايا الممكن والواجب في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية، منذ أن اتخذ وعي الذات الثقافي موقعه المناسب في هرم المدنية الإسلامية.

وقبل أن تصل المدنية الإسلامية إلى إدراك معنى وقيمة الهرمية في نظرياتها وأحكامها عن المرجعيات المتسامية، باعتبارها منابع للإصلاح أيضا، كان لابد لها من التيقن بان طرقها الوعرة معبدة بوطء أقدامها الخاصة. غير أن هذه الذروة التي يمكن أن يبلغها وعي الذات الثقافي بوصفها الغاية المتسامية للمبادئ الأولى والفضيلة العليا في تجليها الواقعي، سرعان ما يأخذ بريقها المتلألئ بالتلاشي والخفوت كما لو انه اثر في الخيال. بعبارة أخرى، إن وعي الذات الثقافي يصارع نفسه على الدوام بسبب مجاراته الصميمية للتنوع والتبدل والتغير. وإذا كان هذا التناقض العميق هو أيضا النتيجة الملازمة للمدنية نفسها، فإن ذلك يعني أن له "منطقه" الخاص فيما يمكن دعوته بسرّ الوجود التاريخي للأمم.

فللأمم أيضا محاكاتها "التاريخية" في الولادة والموت والانبعاث. وهي لا تفتعل هذه الدورة الخالدة لوجودها، بقدر ما أنها تلازم ما استقر فيها. وفي هذه العملية يجري ابتداع عناصر استمرارها على انه التجلي الخاص لاجتهادها وإصلاحها الدائم. والمهمة الآن لا تقوم في تطويع معالم الإصلاح التاريخي في تياراته المتنوعة، بقدر ما أن يجري صياغة قيم التفاؤل العقلانية بإمكانية الإصلاح الدائم من خلال رؤية مقوماته الثقافية، بوصفها مرجعيات متسامية. الأمر الذي يحدد ضرورة اقتران إدراكنا عن "سر الوجود التاريخي" للعرب بالإسلام، لأنه مصدر وبداية الوجود التاريخي العالمي لهم.

فهي البداية التي تجبر الوعي التاريخي والسياسي والحضاري على الرجوع إليه سواء جرى ذلك من خلال التفي أو الإثبات. بعبارة أخرى، إن إدراك السر التاريخي لظهور العرب بهيئة أمة تاريخية عالمية ثقافية يفترض بالضرورة الرجوع إلى مصادر وجودهم المعقولة والمطلقة وتجليها التاريخي. وبما أن المطلق التاريخي هو "البداية" المعقولة، فإنها تؤدي في حالة تأملها الفعلي إلى البحث عن "نهاية مثالية". أي لا بد لها من أن تدغدغ المشاعر وتثير الخيال وتجهد العقل على رؤية "سدرة المنتهى" في أحد نماذجها الأكثر رفعة، بوصفه الرونق اللامع في التقاء "البداية" و"النهاية". فهي الحركة التي يستمد منها الوعي الاجتماعي رؤيته بالنسبة لتركيب سلسلة الوحدة الخفية للانتماء الوجداني والعقلي إلى مصدر المطلق التاريخي. بمعنى بلوغه إدراك الحقيقة القائلة، بأن نقطة البداية هي نقطة النهاية. ويجد هذا الإدراك انعكاسه وفاعليته في مرجعية الفكرة القائلة بالقيمة الجوهرية في العودة إلى المصادر الأولى. لهذا كانت وما تزال وسوف تبقى "آلية" هذه العودة إلى المصادر الديمومة المحركة لكل فكرة إصلاحية عميقة المحتوى. وذلك لأنها تؤدي تاريخيا إلى تعميق عناصر وعي الذات، وروحيا إلى تقوية خصال اليقين، وفكريا إلى تقويم معالم البصيرة، وعمليا إلى تأسيس البدائل المتنوعة.

إن القول، بأن الرجوع إلى المصادر الأولى يؤدي إلى تعميق عناصر وعي الذات، وتقوية خصال اليقين، وتقويم معالم البصيرة، وإمكانية وتأسيس البدائل المتنوعة، لا يعني تطابق الإصلاح مع الرجوع إلى الماضي، بقدر ما يشير إلى تلازمهما الضروري. إذ ليس ارتباط الإصلاح بالرجوع للماضي سوى أسلوب التأسيس الواقعي المتين للاستمرار الثقافي، باعتباره أحد الشروط الجوهرية لترسيخ الوعي الإصلاحي. وذلك لاحتواء هذا الرجوع من الناحية التاريخية على عناصر ترسيخ وتعميق وعي الذات، ومن الناحية الروحية على خصال تقوية اليقين، ومن الناحية الفكرية على معالم تقويم البصيرة، ومن الناحية العملية على إمكانيات البدائل المتنوعة.

ولا يغير من هذه الحقيقة حتى واقع عدم إدراك الحركة الإصلاحية لهذه الإشكاليات. مع أنها من صلب الحركة الإصلاحية الفعلية نفسها. وذلك لأنها عادة ما تبدع نموذجها الجديد حتى في حال يقينها أنها لا تفعل إلا على إعادة  بناء "القيم المثلى" للماضي. الأمر الذي يفسر سرّ تعثرها في خطواتها المستقيمة. إلا أن هذا التعثر عادة ما يجبر الفكر على تأمل خطواته من اجل تجاوز "التناقضات البليدة" في العلم والعمل، ومن ثم يساهم في تعميق وترسيخ قيم وعي الذات. وبما أن التاريخ هو الروح في ميدان اليقين، لهذا عادة ما يصبح البحث عن "منهجية" المطلق أحد إشكالاته الكبرى. وبما أن المطلق هو الصيغة الأكثر تجردا للثقافة، من هنا تصبح صورته التاريخية المثلى وعاء الخصال الفاعلة على تقوية اليقين. وبما أن التجلي الواقعي لخصال اليقين لا يمكنه أن يتجاوز الصراع الفعلي في ميادين العلم والعمل، لهذا عادة ما يتحول الصراع إلى مصدر لا ينضب لإشكاليات الفكر وحلوله. وقد حدد ذلك بدوره ضرورة الرجوع إلى الماضي، باعتباره امتحانا للذاكرة واحتكاما لها أما البصيرة، أي تقويمها.

ومع ذلك لا ينبغي اعتبار الرجوع إلى الماضي قدرا لا بد منه أو حتما قاهرا يجرف بذراعيه الباردتين ضمائر المخلصين وسذاجة العوام وحماقات الأدعياء، بقدر ما أنه سنّة البحث الإصلاحي بحد ذاته. وبما أن الماضي هو التيار الجارف في الوعي العابر، لهذا ليس من الضروري أن نلبس هذه الفكرة لباس المطلق من اجل أن تظهر بزي الشمول التاريخي، كما انه ليس من الضروري انتزاع معناها التاريخي من اجل أن تكون مقبولة بالنسبة لعالم البدائل السياسية. لاسيما وأن البدائل السياسية نفسها ما هي إلا التاريخ المتحرك في تيار المصالح والمفاهيم، والانتصار والهزيمة، والإقدام والتراجع، والاستعداد للتضحية وتأمل مآثرها، ومدح النفس وانتقادها النسبي. من هنا استحالة تجاهل قيمة وأهمية الارتباط بالماضي بالنسبة لكل حركة اجتماعية سياسية ثقافية تسعى لاحتلال موقعها الكبير في التاريخ الفعلي للأمم.

وفي ذلك تكمن المقدمات الأساسية للحركة الإصلاحية. وبالتالي لا يفترض ظهورها وتشكلها وارتقاءها حتمية المواجهة، لكنه يفترض تقديمها للحلول المقنعة والهادئة حتى لأولئك الذين تعودا على صيغ العنف في القول والعبارة والعمل والإشارة. ذلك يعني أن المحتوم في الحركة الإصلاحية هو إمكانية مواجهتها المتنوعة لمختلف مظاهر ردود الفعل العاتية منها واللاهية، المرنة والقاسية.

فالحركة الإصلاحية، بوصفها حركة عملية لا تظهر إلا عندما تبلغ مفارقات الواقع والتاريخ درجة تستحث الأفراد والجماعات على الفعل، أي حالما يصبح النظر إلى الواقع انحرافا عن "المسار الطبيعي" و"مثال الأسلاف" وغيرها من النماذج المعقولة. من هنا يصبح إعلان الرجوع للماضي فعلا ضروريا وقيمة عليا. وفي مجرى تعمق هذا "النظر" عادة ما تتبلور ملامح الرؤية الإصلاحية. وعلى كيفية تعمق هذه الرؤية يتوقف مسار الحركة الإصلاحية في العلم والعمل. بمعنى أما السير في اتجاه تحولها إلى حركة اجتماعية سياسية ثقافية لها ثقلها المباشر بالنسبة لتاريخ الأمم ومصائرها، أو تحولها إلى قيمة مجردة بوصفها نموذجا امثل للمحاكاة.

غير أن إشكالية التنوع والخلاف الواقعي والمحتمل بين الصيغة النظرية المجردة والصيغة العملية هي على الدوام إشكالية التاريخ الملموس. وعادة ما تتنوع هذه الإشكالية في الصور والوعي على السواء. وسواء أطلق عليها اسم "تقدير الأزل" أو "ثقل الضرورة" أو "سنّة الوجود"، فإنها تعبر جميعا في تقاليد الرؤية الإسلامية عن إدراك خاص وحدس معقول لعلاقة المتناهي باللامتناهي، أو الخلق بالحق. وهي رؤية تستند إلى يقين الإيمان أكثر منها إلى عروة القناعة العملية.

وإذا كان ترابط الإيمان والعمل في الإسلام هو الصيغة التي تبلورت من خلالها معالم الإسلام الأول بوصفه فعلا توحيديا جديدا في أفق الثقافة الجاهلية، فانه يكون بذلك قد وحّد تاريخيا في ذاته معاقل اليقين ومعالم الفكر. إلا أن هذه الجوانب لم تظهر دفعة واحدة. إضافة لذلك أنها لم تكن قادرة آنذاك بعد على الظهور بهيئة تتجاوز ما تضمنته الوحدانية الإسلامية في بساطتها القائلة، بأنه لا اله إلا الله!

بهذا يكون الإسلام قد أدخل فكرة المطلق إلى عالم الثقافة العربية الجاهلية. وهو مطلق لم يتعد في ملامحه الظاهرية ومضمونه الواعي ما احتوت عليه معاقل الذهنية العربية. وهو حال ضروري بالنسبة للمسار الذي تقطعه الفكرة الإصلاحية في مجانستها لحوافز الفعل وغاية الأفكار. 

فقد كان المطلق الإسلامي الأول من الناحية التاريخية بداية المطلق الثقافي الحر. الأمر الذي رافق منذ البدء حقيقة التوحيد الإسلامي باعتباره حركة إصلاحية شاملة. بعبارة أخرى، انه تضمن في ذاته إمكانية البؤرة الثقافية، التي كانت تعني بالنسبة للإصلاح وتقاليده الروحية وحدة الحركة الفاعلة والوحدانية المتسامية، الذي سيكشف عن نفسه في ثنائياته الكبرى، بوصفها مرجعيات متسامية ومنحلّة في حدوده الوسطى.

فقد كان التاريخ الوحداني الإسلامي في مصادره الأولى هو تاريخ الكلّ القرآني، كما نعثر عليه في نتائجه. إذ كشفت هذه النتائج عما في هذه الوحدة من إمكانيات هائلة بالنسبة لتأسيس البنية الثقافية اللاحقة. فالكلّ القرآني هو ليس مجرد النص العثماني، وليس اختلافات المتكلمين عن الحد والحقيقة، وفقه الفقهاء واجتهادات اللغويين عن الإعجاز والبيان والغريب والمشكل والقراءات والحروف والعلوم والمعاني. وذلك لأنه في حصيلته كان السريان الخفي في جذور الثقافة وثمارها.

ولم يعن ذلك غائية الأحداث ومجاريها، كما لم تكن حتما منذ الأزل وقدرا لابد منه، بقدر ما أنها كانت النتيجة "الطبيعية" لتفتح المبادئ الكبرى والقيم الجوهرية التي وضع الإسلام منظومتها العلمية والعملية على شكل أركان وقواعد وحدود. ولعل أركان الإسلام المتجسدة في العقائد الإسلامية وشروط العبادات وآداب العادات وقواعد السلوك وماهية الإيمان وغيرها من الجوانب هي دليلها ومظهرها. ولم تظهر هذه الوحدة المتكاملة دون وجود ما أسميته بالكلّ القرآني. وذلك لأنها العملية التي احتوت في أعماقها وكشفت في نتائجها عن حقيقة التحول الذي ادخله الإسلام على عالم الجاهلية العربية، بحيث أعاد صنعها على أسس جديدة. وبالتالي تحول الإسلام إلى منبع الكينونة العربية المستقلة.

أما حد وحقيقة هذه الكينونة فيقوم في مبادئها الأولية، التي تحولت لاحقا إلى عقائد كبرى ومرجعيات متسامية، ليست هي سوى التعبير المناسب عما في التوحيد الإسلامي نفسه من حدود للفعل الإصلاحي. ولعل فكرة العلم والعمل هو الصيغة الأكثر وضوحا لها وجوهرية. إذ ليست هذه الفكرة في الواقع سوى الصيرورة في الكينونة. بعبارة أخرى، إن تحول الإسلام في صيرورته التاريخية والثقافية إلى منبع ومصدر وأصل ومرجع الكينونة الفعلية للكلّ العربي كان مرتبطا ارتباطا صميميا بتمثله وتمثيله لقيمة ومعنى وآفاق الإصلاح الشامل. إذ تمّثل الإسلام وقدّم في نموذجه الإصلاحي فكرة الحدود، التي مّدت بقوتها جسد الكينونة العربية وروحها، ولسانها وجنانها، وأركانها وأصولها.

وتضمن ذلك في أعماقه، من الناحية التاريخية، بلورة مبدأ البداية ويقين النهاية. أما من الناحية الفكرية فقد بلور تأسيس الارتباط بالمطلق، ومن الناحية العملية إسناد الفعل بمبادئ الخير. فقد كانت الرؤية القرآنية وتطورها تعبيرا عن تعمق الارتباط بالبداية المطلقة. وإذا كانت هذه البداية أكثر إبهاما من المطلق، فلأنها كانت تشكل الصيغة المتسامية لتأسيس قيمة الفعل المستند بدوره إلى عروة وثقى. وهو ارتباط هّشم مرتكزات الدهر الجاهلي. إذ لم يعد الدهر الجاهلي مصدر ومنبع وأسلوب هلاك كل وجود وموجود، وذلك لتحوله إلى جزء من النهاية ولحظة فيها. وبالتالي لا قيمة له ولا وزن بحد ذاته. أما اليقين فيه فيقوم فقط في تقطّعه نفسه إلى أجزاء متناهية بوصفها أفعالا للإرادة الإلهية المطلقة. وهي الفكرة التي وضعها القرآن في آياته الكثيرة عن مشيئة الله الدائمة في الأشياء والأفعال. فالله هو ملك السماوات والأرض وما بينها، يخلق ما يشاء، وهو على كل شيء قدير [1]، وهو الذي يفعل ما يريد[2]، وهو الذي يحي ويميت، فإذا قضى أمرا فانه يقول له كن فيكون[3].

وقد ذلل هذا الاحتواء التام والكامل للقدرة الإلهية، عبث الأحداث ومجهولها. ولم تعد الذات الإنسانية من حيث وجودها صدفة عابرة، ولم تعد من حيث كيانها أسيرة الدهر، كما لم يعد معنى وجودها وغايتها ألعوبة القدر. فعندما يصور القرآن "الحياة الدنيا" باللهو واللعب، فانه لم يقصد بذلك انتقاص معناها ولا التقليل من شأنها، بقدر ما انه كان يناهض ديمومة الدهر الجاهلي وصلافته المتعنتة برؤية الآفاق المغلقة للأفعال وخلو معانيها من تذوق واندهاش الالتقاء المثير للبداية بالنهاية. لهذا استخف القرآن بزمن الجاهلية عندما أعتبر  اليوم عند الله كألف سنة مما يعدون. ونعثر على ذلك في مختلف صيغ الإدانة المستترة لما هو عابر وجاهلي.

فقد حولت الجاهلية انسياب الزمن إلى قوة قائمة بحد ذاتها، وقلدّته "مفاتيح الغيب" في تجديد وتمويت وإحياء وإفناء كل موجود. بينما استبق القرآن بداية الزمن ونهايته في غاية الوجود الإنساني، عندما شدد على استقلالية الموت والزمن. فالموت يتعلق بالروح في إحدى أطوارها، بينما الزمن مع الجسد. والموت لا يعطي للزمن قوة الدهر الخالد بالمعايير الجاهلية، بل يسلبه إياها، باعتباره سنوات وأشهرا وأياما وليال. وهو تصوير وتقرير نعثر عليه في الكثير من آيات القرآن مثل "كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا ساعة من نهار". غير أن هذه الرؤية الخاطفة لا تسلب من الجميع شيئا غير غشاوة الوهم القائل بخلود الزمن. فتحول الزمن إلى ساعات وليال، يعني أيضا انقطاعه بالموت (الجسدي) واستمراره بالروح (الأخلاقي). وهي الحالة التي تعبر عنها الفكرة القرآنية عن "يوم الفصل"، الذي هو "يوم ميقاتهم أجمعين"، أو هي نفسها وحدة البداية والنهاية، باعتبارها مصرع الزمن العابر في خلود الإرادة. وبهذا يكون الإسلام قد قدّم أسلوبا جديدا في تحطيم أسس الأوهام الجاهلية عن خلود الزمن (الدهر) من خلال إدراجه إياه كلحظة أو آن في أفعال الإرادة الإلهية. وليست هذه الإرادة في نهاية المطاف سوى النفي الخالد للدهر الخالد. وبهذا لم يعد الخلود قوة منطوية في الوجود نفسه أو في قواه الطبيعية والإنسانية، بل في الإرادة الإلهية المتجلية في التاريخ بهيئة ابتلاء للإنسان في أفعاله كما أنها غيب من غيوب الله، انطلاقا من "انه لا يسأل عما يفعل".

حددت هذه الرؤية مضمون الفكرة الإسلامية الأولى ومبادئها الكبرى القائلة، بان الإرادة هي مصدر الفعل، وأنها إرادة الأصلح والأفضل والأسمى[4]. وإذا كان الوجود في مختلف حيثياته بوصفه خلقا، هو التجلي الملموس لهذه الإرادة، فان نموذجها المعقول يقوم في استمرار الوحدانية ومثالها الإصلاحي. الأمر الذي نراه في جوهرية عناصر الرجوع والاستمرار في الفكرة القرآنية نفسها[5]. ونلاحظ ذلك أيضا في التشديد على طابعها الإسلامي، كما في الآية "قل إني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين"، و"من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سّفه نفسه"، و"قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا".

إن الرجوع إلى حقيقة الوحدانية ما هو إلا "الصراط المستقيم"، بوصفه الهداية الحقيقية للحق. إذ ليس الصراط المستقيم سوى الطريق الذي تشير علاماته إلى معاني الحق والحقيقة. وليست الهداية سوى عدم تسفيه النفس، وهو أسلوب السير في الصراط المستقيم. ومن ثم ليس الإتباع والاستقامة سوى المكونات المندرجة في معالم الإصلاح باعتباره هداية. وبالتالي ليست الهداية سوى هداية الأصلح المبنية على أساس رؤية الحق والحقيقة في أطوارها المتجددة. من هنا تشديد القرآن على الفكرة القائلة، بان اليهود والنصارى لن ترضى ما لم تتبع ملتهم، والرد عليها بالبديل الأكثر تساميا المستند إلى فكرة "قل إن هدى الله هو الهدى". ولا يتعارض ذلك مع ما في القرآن من توكيد دائم على انه لا تعارض بين ما يقوله القرآن وما في "الصحف الأولى"، وان ما في القرآن هو تصديق لما سبقه. وهي فكرة مبنية على أساس الإقرار بمرجعية الوحدانية المتسامية فقط، باعتبارها مصدر الخير المطلق. وظلت هذه الفكرة تتحكم بهواجس الإصلاح العميق في القرآن حتى آخر آياته. بما في ذلك في تلك التي تقول، "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق. لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلونكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون". وهي الفكرة التي تعبر عن انكسار الوحدانية المتسامية في موشور الصراط المستقيم، بمعنى تجددها وإصلاحها. كما أنها فكرة أشار لها القرآن مرارا بعباراته المتعلقة بالعبرة من تجارب وتواريخ الأمم والشعوب والأقوام مثل اعتباره قصص الأوائل "عبرة لأولي الألباب"، أو تأمله لتجارب الشرائع السابقة مثل قوله "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين".

وقد تضمنت الدعوة الإسلامية لمرجعية الحق على مبدأ إلغاء التقليد. وهو المبدأ الذي يتمثل من حيث الجوهر فكرة الإصلاح بحد ذاتها. فإدراك حقيقة الحق في الوحدانية كما هي يتطابق في التصور القرآني عن فكرة الصراط المستقيم. وهذه بدورها ليست إلا الهداية المتجددة بوصفها رجوعا إلى المنابع الأولى عبر تأمل تجارب مختلف الأقوام والأمم في حياتهم وسننهم. بمعنى إعادة النظر النقدية بالمبادئ الكبرى للصراط المستقيم، ومن ثم بالمقومات الجوهرية للمثال الواجب وإعادة دمجها في وحدة العلم والعمل. وهو موقف يستلزم من وجهة نظر الإسلام "إصلاح النفس"، باعتبارها المقدمة الأولية والضرورية والفعلية للإصلاح الحق. ولم تكن وحدة العلم والعمل، بوصفها أسلوبا الصلاح النفس فعلا فرديا بل واجتماعيا أيضا. وذلك لان تمثل صراط الوحدانية المستقيم كان يتضمن في ذاته وحدة الرجوع للمصادر (الماضي) وامتحانه الدائم في الفعل الحاضر بوصفه إصلاحا. وبالتالي، فان كل العلائق الممكنة بين الإنسان والله كانت تتضمن في مبادئها وغاياتها أثرا اجتماعيا مباشرا. من هنا جوهرية الشريعة الجديدة وتجددها الدائم في الصراط المستقيم للوحدانية المتسامية. ومن هنا أيضا فكرة "الأمة الجديدة" بوصفها تجسيدا للشريعة الجديدة، أي للإصلاح الدائم بوصفه بديلا لما أفسدته الأمم السابقة من انحراف عن جادة الحق ومبادئه.

وفي هذا تكمن حكمة استبدال الأمم، بمعنى اندثار البعض وظهور البعض الآخر. ومن ثم ليس الانحراف عن الصراط المستقيم سوى الصيغة المجردة لاستمرار تقاليد الإصلاح والحق. من هنا عبارات القرآن مثل "تلك أمة خلت لها ما كسبت". وبالتالي ليس اندثارها سوى النتاج المباشر وغير المباشر لعمي بصيرتها عن إدراك حقيقة الحق. لهذا "إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون". بينما لا أحد يعرف حقيقة المفسد من المصلح غير الله. ولا يعني ذلك سوى حكم الحقيقة (والتاريخ) وتحقيقهما في مبادئ المطلق الإسلامي، باعتباره مثالا جديدا وشريعة متممة واستقامة متجددة في الصراط الوحداني. من هنا مطالبة القرآن الدائمة بالا "يفسدوا في الأرض بعد إصلاحها"، وذلك لان الله لا يهلك "القرى بظلم وأهلها مصلحون".

وليس هذا الاندفاع الجديد للوحدانية في مبادئ الإسلام سوى استظهارها الفعلي المتجدد. من هنا مثال الأمة الحقيقي (المسلمة) وتجسيدها التاريخي في أمة العرب. ومن هنا أيضا الدعوة "لأمة الخير" من جهة، وإدانة الجاهلية العربية من جهة أخرى، كما في الآية الداعية لان يكونوا "أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر". وانتقاد صلف الجاهلية وتعنتها التقليدي، كما في الآية التي تقرر ردهم على مطالبة القرآن إياهم بان يتبعوا ما انزل من الله، "بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون".  وهو موقف يعبر عن مساعي حثيثة وشاملة لتهشيم عادات الجاهلية وعباداتها، قيمها وأحكامها، أعرافها وتقاليدها. وإذا كان هذا الموقف في ظاهره يبدو استنطاقا للفكرة الوحدانية، فان تجسيده في سلوك "الصراط المستقيم" كان يتضمن تعريض كل جزئيات الكينونة الجاهلية العربية على لهيب "الإصلاح الإلهي" و"حسابه العسير". وبهذا يكون قد وضع الإصلاح الفعلي ضمن معايير وقيم المطلق الإلهي، بوصفها الصيغة المجردة والمافوق تاريخية للإصلاح التاريخي الواقعي.

ليس المقصود بالمطلق الإلهي (الإسلامي) سوى الكلّ المتسامي في مجرى الإبداع الثقافي، والمرجعية الروحية التي يستمد الجميع منها شعاع الأمل وبريق الرؤية وقواعد المنطق وحجج الجدل ورموز التأمل وصور التفكر والرغبة في الامتثال له وتمثله. وتغلغلت هذه الحصيلة بصورة واعية وغير واعية في صرح البنية التاريخية للخلافة وكيانها الروحي. فقد تمثل الإسلام في فكرته الإصلاحية حصيلة التاريخ الجاهلي. ومن ثم استطاع أن يذلل في ذاته التطور "الطبيعي" للجاهلية، ومن ثم قطع احتمالاته المتنوعة، ناقلا إياها من تيار الزمن إلى تاريخ "الصراط المستقيم". وهو سبب تحول الإسلام إلى بداية التاريخ العربي ووعيه الذاتي.

إن القطع الحاد الذي مارسه الإسلام على مجرى التطور "الطبيعي" كان الصيغة المناسبة لتدخل الفكرة الروحية في جسد التاريخ الهامد. وفي هذه العملية جرى صنع الكيان العربي الإسلامي، عبر نقل العرب من زمن ما قبل الدولة إلى تاريخ الدولة والمدنية. مما أدى إلى أن يكون التاريخ العربي الجديد حلقة في سلسلة "الصراط المستقيم". وقد حدد هذا بدوره صيرورة المرجعيات الجديدة للوحدة الجديدة (الأمة). وبهذا يكون الإسلام قد صاغ في إصلاحيته الواعية وأسس لفكرة تمثل حقيقة الوحدانية لمعالم الصراط المستقيم، باعتبارها مرجعيات متسامية دون أن يحدها بقواعد صارمة. الأمر الذي بلور إمكانية نشوء مختلف البدائل ضمن ما يمكن دعوته ببدائل المطلق الإلهي.

ولعل مفارقة الظاهرة تقوم في أن هذا التنوع المحتمل هو النتيجة المنطقية لغياب المنطق، والنتيجة الملازمة لتلقائية الوحي، التي لم تكن بدورها فعلا سائبا بقدر ما كانت تعكس في ذاتها نظام الوحدانية. لقد تضمنت المنطق كنظام للإيمان والعمل، والغاية والوسيلة دون أن تحوله إلى نظام ثابت. وهي تلقائية كانت تحتوي بذاتها على عناصر الرسالة الإصلاحية بوصفها نظاما روحيا موجها للمساعي العملية. مما ساهم بدوره في إبداع نظام الوجود لاجتماعي وعرضه الدائم على محك المثال المطلق. ولا تتعارض هذه الظاهرة مع دراما الاحتمال في التاريخ. إذ ليست دراما التاريخ واحتمالاته المتنوعة سوى التمظهر الدائم للروح الثقافي بوصفه عقلا عمليا وعقلا نظريا ووجدانا معرفيا للأمة، وللجسد الثقافي بوصفه سلطة حكومية وشريعة فقهية وحركات سياسية للجماعة. وهي مكونات وضعها الإسلام فيما يمكن دعوته بالروح الوحداني في العقيدة، والروح المتسامي في القيم، والروح الوحدوي في الأمة.

بهذا يكون الإسلام قد أعطى للماضي بعدا يتجاوز تجاربه العابرة عند الأفراد والجماعات، وللمستقبل بعدا يجذب نحو مرجعياته المتسامية حركات الإصلاح، بينما يبث في حركته المبدعة روح الإصلاح في جسد الأمة الناشئة معطيا لها هوية الجماعة. وبهذه الطريقة أعطى للقرآن والسنّة مرجعية الروح، وللأمة والجماعة مرجعية الجسد. وهي ثنائية لا تقل إشكالاتها التاريخية تعقيدا عن إشكالاتها المعرفية، وذلك بسبب تمحور نشاط القوى الاجتماعية بين أصول الدين الثابتة ومبادئ السياسة المتغيرة. ذلك يعني أن ميدان هذه الثنائية هو نفس ميدان الوجود التاريخي للأمم والحضارات، أي ميدان صراع المصالح والسلطة والعقائد والأيديولوجية.

فأصول الدين الكبرى تتصف بالثبات من حيث رمزيتها بالنسبة للوعي التاريخي، ومصدريتها بالنسبة للتأويل. بمعنى جوهريتها في العلم (المعرفة). أما مبادئ السياسة المتغيرة، فإنها متغيرة من حيث أثرها المباشر في الوجود التاريخي للدولة. بمعنى جوهريتها بالنسبة لكينونة الجماعة والأمة. من هنا تجليات الثنائية الإسلامية للروح والجسد في مرجعيات الدين والدنيا، التي استندت، شأن غيرها من المرجعيات، إلى مصادر الإسلام الأولى أو مرجعياته الأولى مثل مرجعية الله في القرآن (الدين) ومرجعية النبي في الدنيا ( السياسة) وتحورهما اللاحق في أولوية القرآن والسنّة بالنسبة للاجتهاد، وتمظهرهما الثقافي في الإجماع والاجتهاد، بحيث احتل الإجماع موقع القرآن في اليقين، والاجتهاد موقع السنّة في العمل. ومنهما نشأت مرجعية العلم والعمل.

كانت هذه المرجعيات الثقافية نتاجا للاجتهاد التاريخي للمسلمين. فقد احتوى الإسلام على روح الإصلاح كما احتوى روح الإصلاح على مرجعياته الأولى، التي شكلت مقدمة ما يمكن دعوته بفلسفة الحدود الوحدانية والاعتدال. وفي هذا كانت تكمن الاحتمالات المتنوعة في الواحدية الثقافية للخلافة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] القرآن: المائدة، الاية 17.

[2] القرأن: البقرة، الاية 253.

[3] القرآن: غافر، الاية 68.

[4] وهي جوانب سوف تتكشف لاحقا في توتير الأعصاب الإسلامية حول قضايا القضاء والقدر والاستطاعة والكسب والجبر والاختيار وغيرها من المسائل المختلف عليها، أي كل ما كان يعبر من الناحية المجردة عن فاعلية الوحدانية القرآنية في العلم والعمل، وبالتالي في تفعيل جذور الإصلاح نفسه.

[5] من الصعب حصر هذا الرجوع بمعايير ومعالم العقلانية العملية، لا سيما وأنها عادة ما تتعلق بميدان العلاقات السياسية والمصالح.

 

اكرم جلالإنّ مِن نِعَم اللّه وأفضاله أن أودَع في الأنسانِ صفاةً فِطرية ودَوافع غَرائزية غَير شعورية تَدفعه للسّير باتجاه معرفة الله وتُحفّزه الى رحلةِ البّحث عن حقيقةِ الكمالات المُوصلة الى الكمال المطلق وإدراك عالم القُدس والسكينة والطمأنينة؛ فَتُطَهّر النّفس مِن الموانع والحواجز والوَساوس والشكوك وتَصِل الى مَرتبة اليقين المُطلق أو ما يطلق عليه "بحق اليقين".

قالَ الإمام الصادق عيه السلام: (مَنْ استوى يوماه فَهو مغبون، ومَنْ كان آخر يومه شرّهما فهو ملعون، ومَنْ لم يعرف الزيادة في نفسه كان إلى النقصان أقرب، ومن كان إلى النقصان أقرب فالموت خير له من الحياة1).

إنّ شَرَفَ الطّالب بِشَرف المّطلوب فَكُلّما كان المَطلوب أجَل وأقدَس كانَ السّير نَحوه أشرف الأعمال وأنّ العَناء مِن أجلِ الوصول الى حَقيقة كَماله هِيَ مِنَ التَوفيقات الربّانية والنِّعَم الألهية، لا يَنالها الّا الخَواص مِن عِباده، ولأنّ هذا والسّعي هو من أجل الوصول الى إدراك بَعضاً مِن نُعوته وصفاته، فهي اذن أشرف رحلة وأنّ الفيوضات المُدْرَكة وإنْ  كانت مُتواضعة في أول الطّريق لكنها تَبقى بابٌ الی روضات الجنان وَقَبَسٌ يَناله السالك من مصدرِ النّور المُطلق.

عَن أميرِ المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: (أولُ الدين معرفته ، وكمالُ معرفته التصديق به ، وكمالُ التصديق به توحيدُه ، وكمالُ توحيده الإخلاصُ له ، وكمالُ الإخلاص له نفيُ الصفات عنه ، لشهادة كلِّ صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة2).

وَعَن جميل بن دراج ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لَو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله عز وجل ما مدوا أعينهم إلى ما متع الله به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها، وكانت دنياهم أقلَّ عندهم مما يطوونه بأرجلهم، ولنَعِمُوا بمعرفة الله عز وجل وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله .إن معرفة الله عز وجل أنْسٌ من كل وحشة ، وصاحبٌ من كل وحدة ، ونورٌ من كل ظلمة ، وقوةُ من كل ضعف ، وشفاءٌ من كل سقم . ثم قال عليه السلام: وقد كان قبلكم قوم يُقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها، فما يردهم عما هم عليه شئ مما هم فيه ، من غير تِرَةٍ وُتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى ، بل ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ، فاسألوا ربكم درجاتهم ، واصبروا على نوائب دهركم ، تدركوا سعيهم3).

إنّ هذه الرّحلة يَتَمَكّن مِن خلالها السّالك إدراك صُوَر العالم الأُخرَوي فَتَنعكس على الحياة الدنيا لِيَتعايش معها روحاً وَتَطبيقاً وتَشريعاً، فَهو يَتّخذ من الدنيا ممراً نحو الآخرة، ويرتشف ماء الحياة من نَبع العالم الأُخروي ما يَرتوي به لِعَطش الدّنيا، ويَعيش الدنيا ليس لكونها حقيقة الوجود، إنّما يَختَرقها للوصول نحو الكّمال المُطلق.

وفي وَصف هذا المعنى قال أمير المؤمنين علي عليه السلام  في وَصْف المُتّقين: )عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ4).

وَهنا يأتي السؤال: هَل أنّ لِمَحدوديّة العَقل القُدرة علی تَشخيص وَخَوض هذه المّهمة الصّعبة وإدراكها ببصيرة من أجل طَيِّ المَراتب الموصله الى الذّات المُقَدّسة؟

لَقَد جَعَلَت المّسالك الفَلسَفيّة العَقلَ محوراً ومُنطَلَقاً وطَريقاً نَحو إدراك حَقيقة الأمر والوجود، بَينما اتّخَذ العرفانُ الرّوحَ طريقاً للكّشف وَمَسلكاً لإدراك تلك الحقيقة، فَفَتح هذا التَباين البابَ على مصراعيه للصراع بَين هذين المَسلكين. ولأن الخطأ في اختيار مَسلكٍ مُحَدّد علی حِساب الآخر دُون الإتكال على الحُجّة والدّليل قَد تَتَرتّب عَليه نتائج وَخيمة، لهذا كَتب الكثير ونَظّر لهذين المَسلكين العديدُ مِنَ الفلاسفة والمُفَكّرين وَكُلٌ لَه دَليلُهُ وَحُجّتُه ، فَمَطبّات الطّرق الخاطئة تَجعَل السّالك يَعيش في التَّيْهِ المُطلق بَدَل الوُصول الى فيوضاتِ الحَقّ المُطلَق.

وفي هذا المَقال المُقْتَضَب نَعرض بأيجاز واختصار رُؤية كلّ مِن هذين المَنهجين لَيس مِن أجلِ إثبات أحَدهما أو نَفي آخر بل من أجلِ تَسليط الضّوء علی مُتَبنّيات هذين المَسْلكين، ثُمّ نَعَرّج علی الطّريقِ الأقوم والمَّنهَج الأسلم، مَنهَجَ سُفُن الأمان وَحَمَلة القُرآن، المُصطَفى واهل بيته الأطهار صَلواتُ اللّه وسلامه عليهم، سبلُ النجاة  وأمناءَ الوحي والأدلّاء على الله، بهم فَتَح اللّه وَبهم يَختِم.

الفَلسفة كلمةٌ أصلها يُوناني وَتعني "محبُّ الحكمة"، وكانَ أرسطو أول من قدّمها كقاعدةٍ منطقيّةٍ اعتَمَدها كمنهجٍ لمعرفة وَفَهم غَوامض الوجود وإثباتها يكون باستخدام الأمور الحسيّة والعَقلية. فالفَلسَفة اذن هِي المَنهج المَعرفي في البّحث والإستدلال في أمورِ الكون والإنسان والخالق مُستنداً الى العَقل والفِكر والإرادة كقواعدَ وأسُس ومَناهج في هذا الإستدلال. وقد عرّف الفَلسَفة جُملة مِمّن اسّسَها ونَظّر لها، (فسقراط عرّف الفلسفة على أنها "البحث عن الحقائق بحثاً نظرياً، وخاصةً عن المبادئ الخلقية، من خير وعدل وفضيلة" بينما أشار أفلاطون الى أنّها " البحث عن حقائق الأشياء وعن الجمال والانسجام الذي يوجد في الأشياء والذي ليس الا الخير"، في حين أكّد أرسطو على أنّها " العلم بالمبادئ الأولى التي تفسر بها الأشياء حين يتدرج العقل عند مواجهته للأشياء من علة إلى علة حتى يصل إلى العلة الأولى التي هي علة العلل أو حقيقة الحقائق"5).

وَلعَلّ أرسطو هُو أول من أدرَج مَفهوم العقل (noûj) في حَقل الفكر الفَلسفي. وأعدّه من أساسيات المَنهج البَشري في المَعرفة والإدراك. وقد ألغى أرسطو مَفهوم النفس من خلال إعتماده على ثُنائية الصورة والمادة، فَقَد عَرّف النَّفس على أنّها (صورة للجسد)، وذَهَب أبعَدَ من ذلك حينما ألغى الفَرضيّة الأفلاطونية (روح وجسد) والغى استقلالهما، بمعنى أنه لم يؤمن باستقلال النّفس عن الجسد.

ثُمّ انتَقل هذا المَنهج الى البُلدانِ الاسلامية خُصوصاً في عهد بني العبّاس، وأسبابها لا تخفى على القاريء الكريم، حيث انهَمَكوا بترجمة تلكَ الأفكار والمناهج من اليونانيّة إلى العربيَّة، وفي ظل المآرب المَشبوهة فقد عَمَدت السُلْطة الى خلط الأوراق فتأثر بها الكثير من المسلمين وأخذ البعض منهم يُؤسّس لها مدارس ونَظَّر لها الكثير من المُفكرين واعتبروها مَنهَجاً يُعتَمد عليه من أجل الرُقي والتكامل البشري.

إن فَلاسفة المُسلمين خصوصاً أولئك الذين تَكلّموا ونَظّروا لمفهوم العقل هُم كثيرون، وأن ذِكرَهم بالتفصيل قد يَضيق به المقال ولا يخدم البحث، لذا سَنَقتَصر على إيجاز الرُّموز منهم، ولَعلّ أهم مَن أهتَمّ وَشَرَح ونظّر لفكرة العَقل من المسلمين هو يعقوب بن أسحاق الكندي خُصوصا في كتابه (رسالة في العقل) والذي أشار الى ما سمّاه بالعقل البَياني والذي من خلاله ينقل ما يتعلق بالعقل الى عقلٍ آخر. والحقيقة هذا ما أشار اليه بطريقةٍ او أُخرى الاسكندر الأفروديسي في نظريةِ العُقول الثلاث. والفارابي يُعَد من عَمالقة مَن كَتَبوا فيما سَمّاه بالعقل الهيولاني والذي هُو الأستعداد لإدراك الحقائق أو لِقَبول المَعقولات. وقد أفاضَ ابن سينا في مَفهوم العَقل أكثر وتَكَلّم باسهابٍ مُؤكداً انّ المعرفةَ لها مَصدَرين أساسيين وَهُما الحَواس والعقل، وهذا ما ذهبَ اليه من قَبله أرسطو. ثم قَدَّمَ أبن باجة نَظريّته حَول العَقل على أساس أنّ الهيولاني لا توجدُ مُجرّدة عن صورة ما، والعكس فإن الصُّورة يُمكن لها أن تكون مُجَرّدة عن الهيولاني. لقد بدأ أبن باجة فكرة وَحدَة العقل ليُكمِلها بَعده ابن رشد، الذي نَظّر للعَقل عِبرَ ثلاثة مفاهيم اساسية: مَفهوم العَقل وأنواعه، مَفهوم وَحدة العقل ،ومفهوم خلود الروح.

ونَحن هنا لَسنا بِصَدد التّفصيل في شَرح ومُناقشة جَميع الآراء من أجل تأييد البّعض أو نَقض الآخر، لكنّ لَنا الحق في الإشارة الى أنّ للعَقل حُدود وَقُدرات لا يستطيع تَجاوزها ولا يُمكن لَه إدراك كلّ المطالب، فالعَقل يُدرك عِبر مَجَسّات أو حَواس كالسَّمع والبَصر واللّمس والتَذَوق فيقوم بعملية تحليلها واستخلاص النتائج، وبالتالي فَهو يعتمد على مُعطياتٍ حسيّة في عَملية الإستقراء والإستنتاج، وهذه الحَواس لها وجود ومجال وحدود ونطاق، وهذه المَحدوديّة لا يُمكن لها ادراك أمور لا تُدرَك بالحَواس كالتَّوحيد والصفات الإلهية وما شابه ذلك. وفي هذه السياق يشير ابن خلدون الى العَقل بقوله: (أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والأخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طورة فإن ذلك في محال6).

أَضِف الى ذلك أنّ العَقل إنّما يُدرِكُ الأشياء مِن خلال أضدادِها وبما يُقابلها، فالنُّور لا يُدرك إلا عندما يَزول وَيَحلّ مَحَله الظلام، وكذا بالنسبة للخَير والشَّر والجَمال والقُبح والكَرم والبُّخل، الخ. وعَليه فأن وجودَ حَقيقةٍ واحدة دونَ وجود ضِدٍ لها، لا تكفي لحصول الإدراك العقلي. فَكيف للعقل أن يُدرك اللّه الذي هو نُورٌ مُطلق لا ظَلام فيه ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...﴾، وهو عَدلٌ لا يَحيف. فالعقلُ مَحدود، وإنْ كانَت له القُدرة على إدراكِ بعضاً من صنائع الله عن طريق أضدادها، لكنه يَقف عاجزاً عن مَعرفة الكَمال المطلق والنور الأزلي. وهنا لابُدّ من التأكيد على أن العقل وإن كان عاجزاً عن إدراك الذّات المُقدسة فهذا لا يَعني الغاءُه بالمُطلق وَمَحوَه مِن رِحلة البَّحث عنِ الكَمال والتّكامل، فالعَقل شريكٌ لا يُمكن الإستغناءَ عنه كما سَنُبيّن ذلك لاحقاً.

وللحديث تتمة في الجزء الثاني إنشاء الله تعالى ..

 

د. أكرم جلال

..................................

1- أمالي الصدوق ص396

2- نهج البلاغة: 1 / 14 .

3- الكافي: 8 / 247.

4- رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 226 باب المؤمن وعلاماته وصفاته مع اختلاف.

5- الفلسفة اليونانية مقدمات ومذاهب ص13.

6.- المقدمة لابن خلدون ص 460.

 

مجدي ابراهيمفي مقال أرسله الدكتور محمد إقبال إلى (نيكولسون Nicholson) المستشرق الانجليزي المعروف عندما سأله عن مذهبه، وهو يترجم ديوان الأسرار والرموز، جاء فيه تربية الذات وترقيتها وتكميلها من طريق المعراج، وحدَّد فيه مذهبه الفلسفي، وأشار إلى أصول فلسفة الأخلاق الإسلامية، وبيّن أن لكمال الذات ثلاث مراحل:

(1) طاعة القانون الإلهي.

(2) ضبط النفس.

(3) النيابة الإلهية.

وبادي الرأي عندي أن مذهب "إقبال" نفسه في توكيد الذات وإثباتها والإحساس بها ثم تربيتها الروحيّة وفق مراحل الطاعة وضبط النفس؛ لتقويتها وتكميلها، ولترقيتها وإخراج ما أوُدِعَ فيها من مواهب وقدرات؛ لهو هو عينه "معراج روحي" يحسن الإصغاء إليه، والوقوف عنده وقفات.

هذا الرأي فقط هو الذي يجعلني أتوقف تلك الوقفة عند إقبال خلال مقاله المشار إليه. وليس من شك أن تربية الذات ضرورة واجبة بل فريضة إسلامية مفروضة من جانب الله تعالى؛ فهو سبحانه يقول:"يَا أيُّها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضَلّ إذا اهتديتم"؛ فالمسلم الذي يقرأ هذا الآية لا تفوته عنايته بنفسه، ولا يقلد غيره في الضلالة والاختباط.

يتخذ "إقبال" من هذه الآية الكريمة مفتاح مذهبه في توكيد الذات وإثباتها وهى أساس فكرته عن تربية الذات (عليكم أنفسكم). وإشعاعات الكلمة القرآنية توحي لديه بعمارة الوجود الإنساني؛ فالإنسان لديه قوة وقدرة واقتدار غير مسلوب الإرادة ولا منهار القوى، ولكنه خليفة الله في أرضه، تقتضيه هذه الخلافة أن يشعر بذاته ويعدُّ لها عدتها ويجدُّ في العمل لبنائها، لا يغيب عنها، ولا يفنى ولا يستهلك في غيره استهلاك المجاذيب الخواه حتى ولو كان هذا الغير هو الله !

ولذلك؛ فهو يرفض الفناء الصوفي، ويرفض السُّكْر والجذب والغيبة وكل الحالات السلبية التي لا تؤكد الذات بل تمحيها وتورث إذلال النفس وإماتتها فيما يسمى بدعوى الفناء في الله. وعنده أن التصوف "العَجَميّ" الذي شاع بين المسلمين أخذ من رهبانية كل أمة وجهدَ أن يجذب إليه كل نحلة، حتى القرمطية التي قصدت إلى التحلل من الشريعة. إنّ حالة السُّكْر في اصطلاح الصوفية تنافرُ الإسلام وقوانين الحياة.

وحالة الصحو، وهى الإسلام، توافق قوانين الحياة. وإنما قصد الرسول (ص) إنشاء أمة صاحية ليست بالفانية ولا بالعاطلة. ولهذا نجد في صحابة الرسول، الصدِّيق والفاروق ولا نجد حافظاً الشيرازي. وحافظ الشيرازي هذا، هو الشاعر الفارسي المنعوت بلسان الغيب، حَمَلَ "إقبال" عليه حملته العنيفة؛ فحطَّ من شأنه وغضّ من طريقته، ثم نهى الناس عنها وحذَّرهم منها، وهو يعدُّ أعظم شعراء صوفية الفرس في عصره.

ومن المعلوم عندي بالضرورة أن مذهب "إقبال" برمته مذهب يحارب آفة الضعف والركود التي تبدر في أشعار حافظ الشيرازي وشعراء الفرس على التعميم، بمقدار ما كان يحارب كل آفة تفت في عضد المسلم وتبطل ذاته قدر ما تبطل العمل: ركيزة تربية الذات وترقيتها، فكل شعر التصوف عنده ظهر في زمان ضعف المسلمين السياسي. وكل أمة يصيبها ضعف كالذي أصاب المسلمين بعد غارات التتار، تتبدّل أنظارها وتجمُل الاستكانة في أعينها، وتركن إلى ترك الدنيا، وفي الترك تخفي ضعفها. خاطب فلاسفة الهند العقل قي إثبات وحدة الوجود، وخاطب شعراء إيران القلب، فكانوا أشدّ خطر وأكثر تأثيراً، حتى أشاعوا بدقائقهم الشعرية هذه المسألة بين العامة، فسلبوا الأمة الإسلامية الرغبة في العمل، وفهموا من التبتل والروحانيّة دعوات الاستكانة والخمول. وتمتاز أمم الغرب بميلها إلى العمل، فآراؤهم خيرُ دليل لأمم المشرق إلى فهم أسرار الحياة.

وكما وَجَّه "إقبال" ضرباته للشيرازي، خالفَ كذلك الشيخ الأكبر ابن عربي، وغلّطه، ونصَّ أنّ آراءه غير إسلامية وقال: أنا لا أنكر عظمة الشيخ ابن عربي وفضله، بل أعدَّه من كبار فلاسفة المسلمين ولا أرتاب في إسلامه، فإنه يحتج لعقائده، كقوم الأرواح ووحدة الوجود بالقرآن مخلصاً؛ فآراؤه على صوابها وغلطها، قائمة على تأويل القرآن. وأرى أن تأويله غير صحيح. فأنا أعدَّه مسلماً مخلصاً ولا اتبعه في مذاهبه".

ويقول في رسالة إلى أحد المعترضين على رأيه هذا:"الحقُ أن التماس معانٍ باطنة في قانون أمة، هو مَسْخٌ لهذا القانون، كما يُعلَم من سيرة القرامطة، ولا يختار هذه الطريقة إلا أمةٌ في فطرتها الخنوع والذلة".

تبدأ تربية الذات بثلاث مرحل أولاهما: (مرحلة الطاعة) والقصد منها طاعة الله ورسوله. وليس من فرق عنده بين طاعة الله وطاعة رسوله، فكلاهما في منزلة واحدة: "ومن يطع الرسول فقد أطاع الله". هذا شرط أوليُّ لتقوية الذات لا مناص من الأخذ به بقوة، فطاعة الله ورسوله طاعة مطلقة لا تملل فيها ولا فتور شرط المرحلة الأولى في تربية الذات وفي بنائها؛ إذْ هى فرض من جانب الله يقرره القرآن "وأطيعوا الله ورسوله لعلكم ترحمون". "وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون"؛ فمن أراد أن يرحم نفسه؛ لتكون له قوة معينة يتحرَّر بها من سطوات التخلف الديني، ويستقل عن غبن الأغيار التي تلابسَه صباح مساء، وجبت عليه الطاعة؛ فهى أولىَ خطوات بناء الذات وتربيتها.

ثم تأتي المرحلة الثانية، وهى التي تمثل خطوة تالية لا بدَّ منها، وهى مرحلة (ضبط النفس) خلال التحكم في النفس الإمارة، ومراجعتها عن نزواتها وأهوائها، وصدها عن شهواتها ورغائبها التي لا تنتهي. وبما أن النفس الأمارة تقود إلى الشرور دوماً فقد نبّه القرآن الكريم على كوارثها، "إنّ النفس لأمارة بالسوء"، فوجب جهادها والعمل الدائم على مقاومتها؛ فإن طريق ترقية الذات هو التغلب على نزعاتها وأهوائها.

وفي هذا كله تزكية لها وتطهير.

والمرحلة الثالثة: من مراحل مذهب "إقبال" في كمال الذات، والعروج بها إلى أفق الرقي الإنساني واستخلاص ما أوُدِعَ فيها من مواهب هى مرحلة (النيابة الإلهية).

والنيابة الإلهية في هذه الدنيا هى أعلى درجات الرقي الإنساني. ونائب (الله) خليفة الله في الأرض، وهو أكمل ذات تطمح إليها الإنسانية، وهو معراج الحياة الروحي.

وأول شرط لظهور نائب الحق أن ترقى الإنسانية في جانبيها الروحي والجسمي، فإن ارتقاء الإنسانية يقتضي ظهور أمة مثالية يتجلى في أفرادها في الجملة، هذا التَّوحّد الذاتي وتصلح لأن يظهر فيها نائب الحق؛ فمعنى سلطان الله في الأرض أن تقوم جماعة شورية يتوحد أفرادها، ويقوم على هذه الجماعة واحد يمكن أن يسمى نائب الحق أو الإنسان الكامل، وهذا الإنسان الكامل يبلغ ذروة الكمال التي لا يتصور فوقها ذروة. وقد رأى نيتشه (الفيلسوف الألماني المعروف) ضرورة ظهور هذه الأمة المثالية، ولكن دهريته وإعجابه بالسلطان مَسَخا فلسفته كلها. على أن إقبال كان يرى أن في حياة الرسول (ص) أسوةً حسنة للمسلم، فقد كانت حياته خيرَ مثال للسعي الدائم والكفاح الموصول.

لقد كانت حياته كلها صورة للعمل وللمثل الأعلى قال صلوات الله وسلامه عليه:" تخلقوا بأخلاق الله". فكلما شَابَه الإنسان هذه الذات الوحيدة كان هو فرداً بغير مثيل.

ويركز "إقبال" على أن يكون هدف الإنسان الديني والأخلاقي: أثبات الذات لا نفيها، وعلى قدر تحقيق انفراده ووحدته يقرب من هذا الهدف. وتنقص فرديته على قدر بعده من الخالق. والإنسان الكامل هو الأقرب إلى الله، وليس القصد من هذا القرب أن يُفني وجوده في وجود الله، كما تقول فلسفة الإشراق، بل هو، على عكس هذا تماماً، يُمثل الخالق في نفسه؛ لأنه خليفة الله في أرضه.

الحياةُ رقي مستمر (معراج)، تُسخّر كلّ الصعاب التي تعترض طريقها. وحقيقتُها أن تخلُق دائماً مطالبَ ومثلاً جديدة من أمثلة الحياة العليا.

وقد خَلَقتْ من أجل اتساعها وترقيها آلات كالحواس الخمس والقوة المدركة؛ لتقهر العقبات والمشقات. وأشدّ العقبات في سبيل الحياة، المادة أو الطبيعة. ولكن المادة ليست شراً، كما يقول حكماء الإشراق، بل هى تعين الذات على الرقي، وتدفعها إلى (العروج)؛ فإن قُوى الذات الخفيّة تتجلى في مصادمة هذه العقبات، وفي التغلب عليها من طريق الترقية والتسامي. وإذا قهرت "الذات" كل الصعاب التي في طريقها بلغت منزلة الاختيار. الذات نفسها فيها اختيار وجبر، ولكنها إذا قاربت الذاتَ المطلقة نالت الحرية الكاملة. والحياةُ جهادٌ لتحصيل الاختيار. ومقصد الذات أن تبلغ الاختيارَ بجهادها.

وفي المقال الذي أرسله "إقبال" إلى "نيكولسون" لتوضيح مذهبه في توكيد الذات وتكميل الذات وترقيتها، يُظهِر "إقبال" خلافه مع مذهب الأستاذ "بريدلي" الذي كان يقول إن كلَّ مركز للشعور محدود، أي كل ذات مُفْرَدة إنْ هى إلا خداعُ نظرٍ باطل. لكن "إقبالاً" يقول بخلاف ذلك تماماً: إن مركز الشعور المحدود الذي لا يُدْرَك الذات هو حقيقة الكائنات. فالذات حقٌ لا باطل. ولكن تجليات الحياة تؤكد هذا. الحياة كلها فردية، وليس للحياة الكلية وجود خارجي. وحيثما تجلت الحياة تجلت في شخص أو فرد أو شيء. والخالق كذلك فرد، ولكنه أوْحَد لا مثيل له. ومع "إقبال" الحق فيما يقول ردَّاً على "بريدلي"؛ لأن الشعور لا يُحَدُّ ولا يتوقف، وإلا توقفت الحياة نفسها وتعطلت فيها الحيوية.

ولا خلاف على أن هذه الفرديَّة في التّصور وفي التحقيق من حيث إنها تؤكد ذاتية المخلوق وتجعل له وجوداً مستقلاً عن سواه قد أدَّت بإقبال أن يقول: وظاهر أن هذا التصور للكائنات يخالف كل المخالفة ما ذهب إليه شُرّاح فلسفة هيجل من المثاليين من محدثي الإنجليز، ويخالف أصحاب وحدة الوجود الذين يرون أن مقصد حياة الإنسان، أن يُفْنيَ نفسه في الحياة المطلقة أو "أنا" المطلق، كما تَفْنَى القطرة في البحر. وليس من شك، أنّ مثل هذا الفناء لا يؤدي في نظر "إقبال" إلى قيام شخصية المسلم ناهضة قوية بمقدار ما لا يؤدي كذلك إلى إحياء الذاتية الحرة المستقلة التي جاء بها القرآن الكريم وأكدتها أحاديث النبيّ صلوات الله وسلامه عليه، فهدف الإنسان الديني والأخلاقي في مذهب "إقبال" إثباتُ ذاته لا نفيها، وتحرُّرها لا سحبها من معترك الحياة أو من ميادين الجهاد فيها؛ وبمقدار ما يحقق تَفَرُّدَهُ واستقلاله ووحدته، يَقرُب من تحقيق هذا الهدف.

ومن المؤكد أن مذهبه في تحرير الذات يقوم على تحرير الشخصية الإنسانية مما يفنيها ويهدمها ولا يجعل لها كياناً تعتز به وتعتد، وما دامت للفرد شخصيته الحرة المستقلة فلا مناص من أن تكون مركز حياة الإنسان؛ فمركز حياة الإنسان ذات أو شخص، وحيثما تتجلى الحياة في الإنسان تسمى ذاتاً. وشخصية الإنسان من الوجهة النفسانية، حالٌ من التوتر. ودوام الشخصية موقوف على هذه الحال؛ فإن زالت هذه الحال عقبتها حال من الاسترخاء مضرة بالذات، شأنها في ذلك شأن الإرادة؛ كالسيف يُصْدِئُهُ الترك والإهمال ويشحَذَهُ الضرب والنِّزال؛ فإن يكن في حالة التوتر هذه كمال الإنسان فأول فرض عليه أن يعمل لدوام هذه الحال والحيلولة دون حال الاسترخاء، وكل ما يُمَكّننا من إدامة حال التوتر يمكِّننا من الخلود، وهذا التصور للشخصية يقوم معياراً لِيقيّم حقائق الأشياء.

وعند هذه النقطة يصل "إقبال" إلى حلِّ مشكلة الخير والشر حلاً بسيطاً يتوقف على مدى معرفتنا لذواتنا أولاً، ثم ثانياً يتوقف على مدى تربية هذه الذوات الفردية وقدرتنا على تنميتها وترقيتها ثم تكميلها في طريق التنمية والترقية، والعروج بها صعداً في معارج الكمال. إنّ في ذواتنا معيار الحسن والقبح؛ فما يقوّى الذات خيرٌ لا خلاف عليه، وما يضعفها شر لا بد من إزالته. ويجب أن يقوم الدين والأخلاق والفنون بهذا المعيار أيضاً.

ويقول "إقبال": واعتراضي على أفلاطون، هو في أصله اعتراضٌ على كل النظم الفلسفية التي تقصد إلى الفناء لا البقاء، والتي تُغْفِل المادة، وهى أكبر العقبات في سبيل الحياة، وتدعو إلى الفرار منها لا إلى تسخيرها والتسلط عليها بعزائم الإنسان، واقتداره على العمل الدائم المتواصل، وعلى التغلب والنصرة والنضال.

وكما تعرِض مسألة المادة في مبحث حرية الذات، تفرَض مسألة الزمان في مبحث خلودها. إنّ برجسون ليقول: إن الزمان ليس خطاً ممتداً إلى غير نهاية يتحتم علينا المرور به. هذا التصور للزمان غير صحيح؛ فالزمان الخالص لا يدخل فيه تصور الطول، أي لا نستطيع قياسه بمقياس الليل والنهار. إنّ خلود الذات أمل، من أراد أن يظفر به، فليِجدَّ ويدأب لبلوغه. والظفر به موقوفٌ على أن نسلك طريقاً للفكر والعمل في هذه الحياة يعيننا على حفظ حالة التوتر. ولا يستطيع إبلاغنا هذا الأمل دين بوذا ولا التصوف العجمي. وما إلى هذين من نظم الأخلاق الأخرى. لقد أضرّت بنا هذه الطرق؛ هكذا يقول إقبال؛ فأضرعتنا وأنامتنا. إنّ هذه المذاهب هى الليالي في أيام حياتنا".

لا جَرَمَ في أن هذه الفلسفة القرآنية التي اتخذت من القرآن الكريم دعامتها الأولى لهى هى نفسها التي جعلت من "إقبال" ينادي بمذهب فلسفي قويم في تحرير الذات، ويبني عليها مذهبه وقوام آراءه كلها في الحياة وفي الوجود. فللذات الإنسانية مؤهلاتها وقواها الباطنة التي تدفعها دفعاً إلى العروج في مدارج الكمال، وإلى معارج الرُّقيّ لبلوغ أقصى الغايات التي يبلغها الكاملون. لكن هذه الذات وهى في طريقها نحو التحرر ابتغاء المطلوب، تقابلها العقبات والصعاب، وأشدُّ العقبات وأصعبها هو ما يأتي من جهة المادة؛ فالتغلب عليها ومحاولة تذليلها ضربٌ آخر من ضروب توكيد الذات وترقيتها ثم تحرُّرُها من القيود والأغلال. على أن هذا التغلب على المادة يلزمه خطوات أو مراحل حدَّدها "إقبال" وذكرناها فيما تقدم؛ فإذا تمّ للذات غلبتها فقد تمّ لها في نفس الوقت تقويتها ومضاعفة الطاقة فيها على المقاومة والغلبة والانتصار؛ فكل صدام مع المادة يعزز في الذات القدرة على تذليلها والسيطرة عليها ويشحذ فيها الإرادة وينمي مجال النضال؛ ليجيء صعودها وارتقاؤها آخر الأمر تكميلاً لها وتحريراً. إنما الذات تنمو بالعمل وتذكو بالأمل ولا تنمو مطلقاً بالتواكل والكسل ولا تذكو ألبته بالخمول والركود والدعوى العريضة تقوم فيها بغير دليل.

تلك كانت، ولا زالت، تعاليم الإسلام في بساطة رقيها، وشموخ مقاصدها، وسمو ترقيها بالذات الإنسانية، جاءت لتنصر الفرد وتقومه وتقويه لا لتتركه هملاً عرضة للأغيار تفعل فيه الأفاعيل. لقد هضمها "إقبال" في مصدريها الكبيرين: القرآن الكريم والسّنة النبوية المطهرة، وقابلها بالثقافات والمورثات الدينية في الحضارات المختلفة، وواجه بها كل دعوة تفت في عضد المسلم؛ لتَدَعه فريسة للثقافات المستوردة وللموروث الوثني. فلئن كان ينقد التصوف العجمي ويحمل عليه بشدّة، فمعه الحق كل الحق، فإنّ هذا التصوف خارجٌ عن نطاق "المضمون الديني" الذي ينتسب إليه المسلم في عقائده الصحيحة ويدين له بالولاء، ومُغَزَّىَ بمصادر خارجة عن المصدر الإسلامي مختلطة بفلسفات وثنية تضر الذات المسلمة ولا تقويها، ولا تقوِّم فيها قيم "الوجود الروحي" كما تبيّنها له عقائد الإسلام، وتسلبها خصوصيتها وامتيازها وسط ركام هائل من التصورات والمعتقدات، ولا تدع لها هُويَّة ثقافية ولا معرفية تتكئ عليها وتعتمد وتحسن الاعتماد.

ولكن من جانب آخر، في المقابل لا يُفهم من نظرة "إقبال"، أنها نظرة تدعو إلى التقوقع والانغلاق عن لقاء الثقافات البشرية المتنوعة؛ فتأكيد الذات لا يعني الانغلاق، ومحاولة تحريرها من عوامل الاستلاب والاتكال على الغير لا يعني تقوقعها، ولا يُفهم منه انغلاقها على ذاتها، بل كلما اتصلت الذات بغيرها واحتكت بثقافات الآخرين، أزادت توكيداً لوجودها بشرط ألّا تترك هُويتها وتتسوَّل ثم تستجدي ما لدى الآخرين من ثقافة وفنون وعلوم ومعارف وآداب. تلك مسألة على البداهة مفروغٌ منها لا تحتاج إلى مزيد شرح ولا إلى إطالة كلام.

*    *     *

ومع كل ما يثير الإكبار في مذهب "إقبال"، وفي تحريره للذات وترقيها وتكميلها بعد تقويتها؛ فأنا شخصياً أوافقه في أكثر ما ذهب إليه توكيداً للذات الإنسانية واستقلالها، وإثباتاً لإمكاناتها وتفردها، وأخالفه في نقطتين مما هو معروض من مذهبه:

النقطة الأولى: أنه نظر إلى الفناء الصوفي لا من جهة كونه حالة روحية تقبل التحويل سُرَعان ما تتبدل وتتغير؛ ليعود صاحبها إلى ما كان عليه من قبل، ولكن من جهة دوام هذه الحالة، وكأنها حالة "عدم" لا حالة وجود، تحيط بالذات إحاطة تامة فتُركدها وتُفْنيها وتقضي عليها. والفناء في التصوف الإسلامي خاصّة ليس كذلك: لا هو عدم ولا هو حالة دائمة.

ليس الفناء، كما جاء لدى أئمة التصوف السّني، عدماً للذات بل هو حالة تقبل التحويل سرعان ما تزول ويعقبها البقاء بالله، ثم إنّ هذا الفناء نفسه هو فناء في التوحيد؛ أعنى اكتمال المعرفة بالتوحيد ليس إلّا؛ فالأصل في الفناء هو الفناء في التوحيد، لا الفناء في أي شيء آخر غيره. والتوحيد، كما في العقيدة الإسلامية، هو الذي قال عنه "إقبال" نفسه: رأس مال أسرارنا، وكل ما يتعلق بالتوحيد هو بؤرة أفكارنا.

والأمر الآخر: أنه نظر إلى الفناء في التصوف الإسلامي كما لو كان هو نفسه الفناء في التصوف "العَجَمي"، كلا! فليس مذهب بوذا كمذهب البسطامي، ولا التوحيد كما يفهمه أفلاطون كالتوحيد كما نعرفه وندين به في العقيدة الإسلامية، ولا عقائد الهنادكة كعقائد الإسلام لا في الجملة ولا في التفصيل. وهذه النظرة ولا شك نظرة إنْ لم تكن قاصرة فهى ليست وافية ولا محيطة بالفروق الفارقة بين التصوف في الإسلام المؤسس على عقيدة كاملة، تامة، شاملة، وبين أنواع التصوف في الثقافات والحضارات الأخرى.

أضف إلى هذا؛ وهو المهم، أن الفناء في التصوف الإسلامي خاصّة هو غاية ما تبلغه طاقة عمل العامل في سبيل الله، ومن أجل الله. فلئن كان "إقبال" يركَّز دوماً على العمل الإيجابي بُغية تحرير الذات؛ فإنّ هذه الذات نفسها لن تتحرر، ولن تشعر بالتّحَرُّر، حقيقة لا صورة، إلا في حال الفناء؛ إذْ الفناء في مؤدَّاه الإسلامي، وكما هو معلوم لدى أولياء المسلمين، هو منتهى الغاية من الطاقة العاملة: من العمل المنظم الإيجابي فضلاً عن كونه مجرد حالة عارضة لا تدوم، وهو هو التعبير المباشر، اصطلاحاً وإجراءاً، عن التجربة الصوفية، يخوضها العارفون؛ فيتحققون فيها فعلاً وقصداً بمعرفة التوحيد.

إذا نحن حذفنا الفناء كونه حالاً يتوارد من عين الجود فضلاً من الله ومنّة، حذفنا تباعاً خصائص التجربة الصوفية وشروطها ولوازمها؛ إذْ تستند في البداية على بذل المجهود كسباً من العبد وسُّنَّة. وبما أن لطائف العارفين كلها: كل شذراتهم المعرفية وإشاراتهم وعلومهم ومعارفهم صادرة عن تلك التجربة الروحية، وعن مذاقات الشهود فيها؛ فمن ينكر قيام التجربة الصوفية على فاعلية العمل الشاق المضنى، وعلى بذل المجهود العالي - ومعلوم لدينا أن المجاهدات عمل واختبار لتمحيص قيمة الرياضات الدينية - فإنما يُجرّد التصوف كله من أخصِّ خصائصه: من العمل الإيجابي المنظم ثم ينقض نفسه، ويتناقض معها قبل أن ينقض بالجملة تجارب الأولياء. ومع افتراض التسليم بصحة هذه التجارب النادرة وبذل المجهود الشاق للدخول فيها؛ فإنه لا يجوز إسقاط تجربة الفناء منها؛ إذْ لا يتسق القول بالتجربة الصوفية والاعتراف بها مع القول بحذف الفناء منها لا لشيء إلا لأنهما وجهان لعملة واحدة؛ ولأننا إذا قلنا تجربة صوفية فقد قلنا في الوقت نفسه حال الفناء.

وحيث إنَّ قياس الفناء في التصوف الإسلامي على الفناء في التصوف الهندي مثلاً أو البوذي أو الفارسي أو اليوناني أو المسيحي أو ما شَابَه ذلك من مصادر خارجة في تراث الأقدمين، هو خطأ في القياس؛ فتعميم الحكم، والغفلة عن المضمون الديني الذي تتشَكّل منه التجربة الصوفية الإسلامية الحيّة في المعرفة والتحقيق، وتتكئ عليه مباشرة وتعتمد تجارب الأولياء، هو خلط شنيع غير مقبول لدينا وغير معقول.

النقطة الثانية: وهى التي نأخذها على كلام "إقبال" مع تقديرنا الشديد لكلامه في تربية الذات وإحكام الذات، فهى قوله: إنّ الذات تستحكم بالعشق. ومفهوم العشق عنده واسع جدَّاً، ومعناه إرادة التسخير والجذب. وأعلى أشكاله أن يخلُق مقاصده ويجدَّ في نيلها. وخاصّةُ العشق: إفراد العاشق والمعشوق، يعني إظهار الانفراد والاستقلال فيهما. وإذا جدَّ الطالب في طلب الأوْحَد الأسمى ظهر فيه التَّوحُّد. ويتحقق ضمناً توحُّد المطلوب؛ لأنه إنْ لم يكن واحداً مستقلاً بنفسه لم يسكُن الطالب إليه. إنما يمكن عشق شخص أو وجود مُعَيَّن، ولا يمكن لشخص عشق كائن غير مشخَّص.

وكما تستحكم الذات بالعشق تضعف بالسؤال. وكل ما ينال بغير جهد يعدُّ سؤالاً؛ فالذي يرث مال غيره سائل. والذي يتبع أفكار غيره أو يَدَّعِيها لنفسه سائل. والخلاصة ينبغي، لأجل إحكام الذات، أن نخلق في أنفسنا العشق ونَتَجَنَّب كل ضروب الاستجداء والبطالة.

فإنِّا لنوافقه تماماً في الفكرة الأخيرة، وهى كل ما ينال بغير جهد تسوِّلٌ ممقوت يضعف الذات ويمقتها ولا يقويها ولا يرقيها؛ فهذا صحيح لا ينكره أحد مع اقتراف الكثيرين له؛ فمجتمعاتنا في الأغلب الأعم قائمة على هوان التسول ومذلة السؤال، وما يقالُ عن المجتمع يقال في تلك الجزئية على الأشخاص الذين يعيشون فيه، ومن هنا كان ضعفها، ومن هنا كان نكوصها وترديها. ولكن كلامه عن استحكام الذات بالعشق غير مقبول؛ لأنه بداهةً يوحي بالربكة الجُوَّانيَّة؛ فالذات العاشقة من جهة العبد لا تعنى الانفراد والاستقلال؛ فإذا كان هنالك إفراد للعاشق عن المعشوق لم يصحُّ أن يكون عشقاً ولم يصح التَّوَحُّد المطلوب.

الذات العاشقة تعمل عملها الإيجابي تحت إرادة المعشوق وفي كنفه وحمايته، فلو جَرَّدتها عن هذا العمل، فصلتها عن أصلها وعزلتها عن روحها، ولكن إذا تمَّ عملها بشهود المعشوق ورعايته، هنالك يصحُّ التوحُّد المطلوب ويصحُّ بالتالي الفناء.

وفي لغة "إقبال" نفسه:"إذا جدَّ الطالب في طلب الأوْحَد الأسمى ظهر فيه التوحُّد"؛ فماذا عساه يكون المراد من هذا التعبير غير دقة التعبير الدقيق عن حال الفناء؟ هذه واحدة.

أمّا الثانية؛ فإنّ وصف العشق نفسه مشكوكٌ في عقباه؛ للنصوص الواردة للحذر من استخدامه أصلاً في طلب الأوْحَد الأسمى. بيد أن شاعرية "إقبال" غلبت عليه في هذا الموطن، أو قُلْ إنّ ثقافته القومية طغت عليه، فآثر أن يستخدم لفظ العشق والعاشق والمعشوق ولم يرجع فيما يستخدمه إلى آيات القرآن الكريم؛ ليتتبع دلالة هذا الألفاظ فيها. فلو أنه استخدم كلمة "الحب"؛ لكانت أدلَّ على المقصود من كلمة "العشق".

فأما الأولى فشائعة في القرآن وفي الحديث. وأما الثانية، فلا. هذا على فرض وجود العشق وانسحابه على العلاقة بين العبد والربّ، وهو مما لا ينسحب ومما لا يجوز.

وقد أجمعت مصادر التصوف السُّني خاصّة على أن الحق، سبحانه، لا يوصف بالعشق؛ فإذا كان العشق مجاوزة الحدِّ في المحبة، فالحق، سبحانه، لا يوصف بأنه يجاوز الحدّ فلا يوصف بالعشق، ولو جمع محابِّ الخلق كلهم لشخص واحد لم يبلغ ذلك استحقاق قدر الحق. فلا يُقال من أجل هذا: إنّ عبداً جاوز الحدّ في محبة الله.

وعليه؛ فلا يوصف الحق بأنه يعشق ولا العبد في صفته، سبحانه، بأنه يعشق فنُفىَ العشق، ولا سبيل له إلى وصف الحق بالعشق لا من جهة الحق للعبد، ولا من جهة العبد للحق. ولم يكن القشيري ولا أستاذه الدقاق يطلقان لفظ العشق على الحب كما كان يطلقه غيرهما من الصوفية ممن هاموا في حبّ الله لدرجة الفناء؛ لأنه كما نعلم أن المعتزلة والظاهرية كانوا ينزهون الله عن العشق؛ لأنه يقوم من الناحية النظرية على التشبيه. ومن الناحية العملية على الملامسة والحلول. وبهذا يجنب القشيري كما يجنب أستاذه الدقاق في التصوف، كل مظنة تأتي من طرف أعدائه.

تُرى .. هل كان إقبال عقلانياً، مفرطاً في العقلانيّة؟ ربما! وهل أطلع على رأي المعتزلة والظاهرية في العشق فلم يجد في نفسه ما يسيغه؟ وكيف يتفق العقل والمعقول مع رأي كهذا في مسألة العشق؟ وهل من العقل التخلي عمن احتكموا إليه وواجهوا أنفسهم بمنطقه؟ وهَبْ أنه لم يكن عقلانياً ولم يوافق المعتزلة ولا الظاهرية فيما ذهبتا إليه، فلِمَ أصرَّ على أن يواجه الحالة الروحية مواجهة عقلية بغير منهجها وبغير أذواقها وأدواتها حتى لتكاد المواجهة لديه أن تُخرج "الحالة" بعيداً عن القصد المقبول؟

لقد تتبعتُ إقبالاً رحمة الله عليه، وأنا بصدد حديث الولاية في المعراج، عن قصد في المتابعة؛ لأن الرأي بدا لي أن مذهبه في توكيد الذات والإحساس بها، وإثباتها لا نفيها، ثم تربيتها الروحيّة وفق مراحل الطاعة وضبط النفس، لتقويتها وتكميلها ولترقيتها واستخراج ما أوُدِعَ فيها من مواهب وقدرات. أقول؛ إنّ الرأي بدا لي أن مذهبه هو عينه "معراج روحي" اقتضانا الوقوف عنده وتتبع مراحله، حديثنا عن المعراج.

إنما المعراج كما قلنا فيما تقدًّم ذاتي خاص، والرجعة منه كذلك ذاتية خاصة. هذه الذاتية المتفرّدة التي تضرب بجذورها في أغوار النفس البشرية، إذا عززها الدين، يعزز فيها العمق الداخلي والجذوة الباطنية، ولا يعزز فيها ظواهر الشكليات إلا بالمقدار الذي يفهم على المستوى الإنساني، وبخاصة إذا كان هذا المقدار مَرَدّه إلى مطالب الشرع وضرورة التمسك بقيوده من الوجهة العملية.

فلا التحلل من هذه القيود يعطيها حق الظفر المطلق بذلك "التعزيز"، ولا هو ييسّر لها ذلك التعميق الداخلي الذي نقصده، وإنما تتفرَّد "الذات" وتتحرّر من القيود والعلائق، ثم يتعزّز فيها مثل هذا التّفرُّد، إذا هى استبطنت مطالب الشرع وكشفت بنفسها عن الضرورة الواجبة له في صميمها، حينذاك تتسع لها القدرة فتمتلك "الإرادة" الحيّة لأن تصبح ذاتاً حرّة من قيود العلائق الخارجية، فلا يصفو لها الصفاء كلُّه إلا إذا تحرَّرت بمثل ما يكون التّحرُّر دليلاً على الطلاقة الروحيّة معراجاً دائماً للاتصال بالذات المطلقة.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

علي جابر الفتلاويمن البحوث القرآنية (التأويل)، إذ (وردت كلمة (تأويل) في القرآن الكريم سبع عشرة مرة).(1) والتأويل لغة: تفسير ما يؤول إليه الشيء، وقد أوّلته تأويلا وتأوّلته تأولا بمعنى واحد، يقال: آلَ الأمير رعيّته يؤولها أوّلا وإيالا، أي ساسها وأحسن رعايتها،(2) وقيل: التّأويل من الأول أي الرجوع إلى الأصل، (3) والتأويل تفسير الكلام الذي تختلف معانيه، ولا يصحّ إلّا ببيان غير لفظه.(4)

والتأويل اصطلاحا له معان عدة، ذكرها السيد الطباطبائي في كتابه (الميزان في تفسير القرآن)، وحددها في أربعة أقوال رئيسية، ثمّ ذكر سبعة أقوال عدّها متفرعة عن القول الأول، عندما يذكر الأقوال الرئيسية مع فروعها لا يعني أنه متوافق معها بل هو يردّ عليها في نهاية طرح الأقوال، وهذا الاسلوب في الطرح هو جزء من منهجه التفسيري، الرأي الآخر ثم المناقشة والتحليل موافقة أو رفضا، أو يقبل وجها أو أكثر، ويرفض الوجوه الأخرى، في بحثه عن التأويل طرح مفهوم التأويل إصطلاحا، كما سنبيّن لاحقا، والأقوال التي ذكرها في التأويل هي(5):

القول الأول: التأويل بمعنى التفسير، وهو المراد من الكلام، وإذا كان المراد من بعض الآيات معلوما بالضرورة، كان المراد بالتأويل (وما يعلم تأويله إلّا الله والراسخون في العلم)(6) لا يعلم المعنى المتشابه إلّا الله والراسخون في العلم.

يرى البعض أن التأويل بمعنى التفسير هو قول المتقدمين، وبناء على هذا أصبح لكل آيات القرآن تأويل، عدا المتشابه استنادا لقوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) فلا أحد يعرف تأويل المتشابه من الآيات إلّا الله.(7) يؤيد السيد الطباطبائي أن المتشابه لا يعلمه إلّا الله والراسخون في العلم؛ ونقل خبرا عن ابن عباس أنه كان يقول: أنا من الراسخين في العلم وانا أعلم تأويله،(8) ومفاد القول تخصيص تأويل المتشابه من الآيات بالله تعالى والراسخين في العلم وغير المتشابه متاح تفسيرها للأمة؛ يرى أبو عبيدة: أن التأويل والمعنى والتفسير تعطي نفس المعنى.(9)

القول الثاني: المراد من التأويل المعنى المخالف لظاهر اللفظ، وهو الشائع عند المتأخرين، (10) يقول الرّازي: التأويل هو الابتعاد عن المعنى الظاهري للفظ استنادا إلى الدليل والقرينة، والتي لها تأويل هي الآيات المتشابهة فقط.(11)

القول الثالث: التأويل أحد معاني الآية الذي لا يعلمه إلّا الله تعالى، أو لا يعلمه إلّا الله والراسخون في العلم مع عدم كونه خلاف الظاهر، وهذا القول لا يتوافق مع القول الثاني الذي حدد المعنى بالمخالف لظاهر اللفظ، في هذا القول الثالث يقول الطباطبائي: إنّ للآية المتشابهة معان متعددة بعضها تحت بعض منها ما هو تحت اللفظ يناله جميع الأفهام، ومنها ما هو أبعد منه لا يناله إلا الله تعالى والراسخون في العلم. يقول السيد الطباطبائي: اختلفت الرؤى في كيفية ارتباط المعاني المتعددة باللفظ فهو لا يتوافق مع من يذهب أن اللفظ القرآني يستعمل في أكثر من معنى. ويقصد المعنى في المتشابه، وعنده استعمال اللفظ في أكثر من معنى غير جائز، بل يرى أن اللفظ له معان مترتبة بحيث يكون له معنى مطابقي وله لازم وهكذا يتدرج في المعاني، هي معان مترتبة بعضها على بعض ترتب الباطن على ظاهره، فإذا قال المرء اسقني، فاللفظ طلب يلبي السقي، وهو طلب للإرواء، وطلب لرفع الحاجة الوجودية، وطلب للكمال الوجودي، فهذه كلّها أوامر ومطالب لكنها مترتبة وجاءت بطلب واحد هو طلب السقي، فهذه المطالب جاءت بعضها في باطن بعض، والسقي مرتبط بها ومعتمد عليها، هذا القول يذهب إلى أن لفظ الآية المتشابهه له ظهر وبطن، والبطن يتبعه بطن وهكذا، وهذا الأمر لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم.

القول الرابع: التأويل ليس من قبيل المعاني المرادة باللفظ، بل هو الأمر العيني الذي يعتمد عليه الكلام، فإذا كان الكلام حكما إنشائيا كالأمر والنهي، فتأويله المصلحة التي توجب إنشاء الحكم وجعله تشريعا، فقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة)(12) مثلا تأويله الحالة النورانية الخارجية التي تقوم في نفس المصلّي في الخارج فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وإن كان الكلام خبريا فيكون على صور هي:

1 – إخبار عن الحوادث الماضية والتأويل يكون نفس الحادثة الواقعة في الماضي كالآيات المشتملة على أخبار الانبياء والأمم الماضية.

2 – إخبارعن الحوادث والأمور الحالية والمستقبلية وتكون على قسمين: إما أن يكون المخبَر به من الأمور التي تناله الحواس أو تدركه العقول، فتأويله ما هو واقع في الخارج، كقوله تعالى: (وفيكم سمّاعون لهم)(13) وقوله تعالى: (غُلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلَبِهم سيغلِبون، في بضع سنين)(14) أو يكون من الأمور المستقبلية الغيبية التي لا تناله حواسنا الدنيوية ولا يدرك حقيقتها عقولنا كالأمور المرتبطة بيوم القيامة ووقت الساعة وحشر الأموات ويوم الجمع والحساب وتطاير الكتب، أو يكون ما هو خارج عن طبيعة الزمان وإدراك العقول، مثل صفاته تعالى، وأفعاله سبحانه، فتأويلها نفس حقائقها الخارجية.

الفرق بين الآيات المبينة لصفات الله تعالى وأفعاله وما يلحق بها من أحوال يوم القيامة، وبين الآيات الأخرى التي يمكن حصول العلم بتأويلها. أن الآيات المختصة به تعالى لا يعلم تأويلها إلّا الله تعالى، والراسخون في العلم بتعليم الله سبحانه بمقدار ما تسعه عقولهم، وأما حق التأويل فهو مما استأثر الله تعالى بعلمه. ذكر السيد الطباطبائي أقوالا أخرى عدّها من توابع القول الأول، لكنّ القائلين بها لا يتوافقون معه أنّ هذه الأقوال من التوابع، وذكر في هذا الباب سبعة أقوال نذكرها باختصار:

القول الأول: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وفي الكتب الإلهية، أما التفسير فيستعمل في الكتب الإلهية وغيرها.

القول الثاني: أنّ التفسير بيان معنى اللفظ الذي لا يحتمل إلّا وجها واحدا، والتأويل تشخيص أحد محتملات اللفظ بالدليل استنباطا.

القول الثالث: أنّ التفسير بيان المعنى المقطوع من اللفظ، والتأويل ترجيع أحد المحتملات من المعاني غير المقطوع بها، يرى السيد الطباطبائي أن هذا القول قريب من سابقه.

القول الرابع: أنّ التفسير بيان دليل المراد، والتأويل بيان حقيقة المراد، مثاله قوله تعالى: (إنّ ربّك لبالمرصاد)(15) فتفسيره: أن المرصاد مفعال من قولهم: رصد يرصد إذا راقب، وتأويله التحذير عن التهاون بأمر الله والغفلة عنه.

القول الخامس: أن التفسير بيان المعنى الظاهر من اللفظ، والتأويل بيان المعنى المشكل.

القول السادس: أن التفسير يتعلق بالرواية، والتأويل يتعلق بالدراية. (16)

القول السابع:أن التفسير يتعلق بالاتباع والسماع، والتأويل يتعلق بالاستنباط والنظر.

لا يتوافق السيد محمد حسين الطباطبائي مع الأقوال الأربعة، والأقوال السبعة الأخرى التي عدّها متفرعة من القول الأول، يقول: (لا يصح الركون إلى شيء من هذه الأقوال الأربعة وما ينشعب منها)(17)

يردّ السيد الطباطبائي على الأقوال الأربعة مع فروعها السبعة بشكلين، الأول مجمل، والثاني مفصّل يقول: إما إجمالا المراد بتأويل الآية ليس مفهوما من المفاهيم تدلّ عليه الآية، سواء كان مخالفا لظاهرها أو موافقا بل هو من قبيل الأمور الخارجية، وليس كل أمر خارجي يصح أن يكون تأويلا للخبر، بل يكون الأمر الخارجي مخصوصا نسبته إلى الكلام نسبة الباطن إلى الظاهر.

ويرد الطباطبائي تفصيلا على الأقوال الأربعة، بالنسبة للقول الأول يقول: أنّه يفيد أن بعض آيات القرآن لا يمكن تأويلها أي تفسيرها أي معرفة المراد من مداليلها اللفظية من عامة الأفهام، وهذا لا يجوز عند السيد الطباطبائي، لأنّه يرى أنّه ليس في القرآن آيات كذلك، بل القرآن ناطق بأنّه إنما أنزل قرآنا لتناله الأفهام، وعليه لا مناص أمام من يقول بالقول الأول، إلّا أن يختار أنّ الآيات المتشابهة إنما هي فواتح السور من الحروف المقطّعة حيث لا ينال معانيها عامة الأفهام، ويردّ السيد الطباطبائي على هذا القول، بأنّه لا دليل عليه، ويقول: مجرد كون التأويل مشتملا على معنى الرجوع، وكون التفسير أيضا خال عن معنى الرجوع، لا يوجب كون التأويل هو التفسير، كما أن الأم مرجع لأولادها وليست بتأويل لهم، والرئيس مرجع للمرءوس وليس بتأويل له. إذن عند الطباطبائي أن المرجعية لا توجب التأويل.

يرى السيد الطباطبائي أنّ ابتغاء الفتنة في الآية السابعة من سورة (آل عمران)، هو من خواص الآيات المتشابهة، وتوجد في غير فواتح السّور، وإن أكثر الفتن التي حدثت في الإسلام إنما حدثت باتباع علل الأحكام وآيات الصفات وغيرها.

ردّ على القول الثاني: التأويل هو المعنى المخالف لظاهر الآية، لأنّ هذا الكلام يبطل الاحتجاج في قوله تعالى: (أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)(18) فالآية صريحة الدلالة على أنّ القرآن معرض لكافة الأفهام ومسرح للبحث والتأمل والتدبر، وليس فيه آية أريد بها معنى يخالف ظاهر الكلام.

ردّ على القول الثالث: أنّ الآيات القرآنية تشتمل على معان مترتبة بعضها فوق بعض، هذه المعاني تتكشف إلى الأفهام حسب التدبر وذكاء السامع، من هذه المعاني الباطنة المترتبة لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم، يرى السيد الطباطبائي أن التقوى وطهارة النفس هما مُعينين في فهم المعارف الإلهية، لكن ذلك ليس على نحو الدوران والعلية، بمعنى أن من يتمتع بالتقوى والطهارة لا يعنى وصوله إلى المعاني الباطنة بالكامل، بل منها ما هو مختص بالله تعالى، كما هو ظاهر قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله).

موقفه من القول الرابع لم يكن رفضا بالكامل، بل تقبل وجها منه ورفض الآخر يرى السيد الطباطبائي أن القول الرابع، أصاب في القول بأن التأويل لا يختص بالمتشابه بل يوجد في جميع القرآن، وأنّ التأويل ليس من صنف المدلول اللفظي بل هو أمر خارجي يبتني عليه الكلام، لكنّ القول الرابع أخطأ في عدّ كل أمر خارجي مرتبط بمضمون الكلام تأويلا للكلام، وأخطأ في حصر المتشابه الذي لا يُعلَم تأويله في آيات الصفات وآيات القيامة. وأوضح السيد الطباطبائي كلامه هذا بقوله:

قوله تعالى: (وابتغاء تأويله) الضمير إما إن يكون راجعا إلى الكتاب أو إلى المتشابه، لا يتوافق السيد الطباطبائي مع من يقول أن الضمير راجع إلى القرآن لأنّ ذلك يتعارض مع قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله)، إذ حصر تأويل القرآن بالله تعالى يتعارض مع رسالة القرآن، لأنّ كثيرا من تأويلات القرآن متاحة إلى الأفهام مثل تأويلات القصص والأحكام، وآيات الأخلاق، هذه الأمور من الممكن أن يعلمها غير الله، وغير الراسخين في العلم من الناس، وحتى الزائغة قلوبهم، مثل الحوادث التي تدلّ عليها آيات القصص يتساوى في إدراكها جميع الناس، وكذلك الحقائق الخلقية، والمصالح التي يوجدها العمل بالأحكام من العبادات والمعاملات وسائر الأمور الشرعية، فهي معلومة للجميع.

من هذه الأمثلة يصل السيد الطباطبائي إلى أنّ الضمير في (تأويله) راجع إلى المتشابه وليس إلى القرآن، والذهاب في هذا الاتجاه يستقيم معنى الحصر في الآية: (وما يعلم تأويله إلّا الله) بمعنى أنّ غيره تعالى وغير الراسخين في العلم مثلا لا ينبغي لهم تأويل المتشابه، لأنّ ذلك يؤدي إلى الفتنة وإضلال الناس، لكن السيد الطباطبائي لا يتوافق مع من يحصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلّا الله والراسخون في العلم، على آيات الصفات وآيات القيامة فحسب، إنّ الفتنة التي توجد في تأويل آيات الصفات وآيات القيامة، كذلك توجد في آيات أخرى مثل آيات الأحكام والقصص وغيرهما، وضرب الطباطبائي مثلا لذلك، فلو قال قائل أن الغاية من تشريع الأحكام هو الإصلاح الإجتماعي، فلو صلح المجتمع في غير الحكم الشرعي، سيكون ذلك مبررا لإلغاء الحكم الشرعي لأنه بالإمكان الإصلاح بغيره. يرى السيد الطباطبائي أنّ هذا من الفتنة في تأويل آيات الأحكام.

أخيرا يخلص السيد الطباطبائي إلى النتيجة التالية:

 إنّ التأويل هو الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية من حكم وموعظة وغيرهما، وهي موجودة في جميع الآيات القرآنية، محكمها ومتشابهها، وهذه الحقيقة لا تحيط بها الألفاظ، وإنّما قيّدها الله تعالى بالألفاظ لغرض تقريب المعنى إلى الأذهان، قال تعالى:(والكتاب المبين، إنّا جعلناه قرآنا عربيا لّعلّكم تعقلون،وإنّه في أمّ الكتاب لدينا لعلّي حكيم)(19).

 

علي جابر الفتلاوي

.....................

المصادر: 

1 - الدكتور عبد الهادي الفضلي، موقع هدى القرآن الالكتروني. نشر في 29/3/2010 ، hodaalquran.com .

2- اسماعيل الجوهري، معجم الصحاح، ص56 – 57.

3- أبو القاسم حسين بن محمد الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص98.

4- الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ج8، ص368.

5- محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج3، ص 35- 39.

6- آل عمران: 7.

7- محمد بن يعقوب أبو طاهر الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ج1، ص80.

8 – محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، ج3، ص35.

9 -  معمر بن المثنى أبو عبيدة، مجاز القرآن، ج1، ص86.

10 – محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، ج3، ص35.

11- الفخر الرّازي، التفسير الكبير، ج7، ص189.

12 – البقرة: 43.

13- التوبة: 47.

14 – الروم: 2 – 4 .

15 – الفجر: 14.

16 – علم الدراية: علم يُبحث فيه عن متن الحديث، وكيفية تحمّله وآداب نقله وطرقه من صحيحها وعليلها.يراجع: موقع السراج الالكتروني، alseraj.net .

17- محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، ج3، ص37.

18 – النساء: 82.

19 – الزخرف: 2 – 4.

 

 

مجدي ابراهيمكان الحارث بن أسد المحاسبي مفكراً صوفياً رشيداً، تغلغل في أعماق النفس البشرية فحلل آفاتها؛ ليتسنى له، وللقارئين من بعده، الوقوف على العلل والأمراض المستشرية فيها ثم ليهتدي وليهدي غيره ممَّن أذن الله تعالى لهم بالهداية، إلى طريق الحق والصواب. توفى رحمه الله على أرجح الأقوال عام 243هـ . ومن مؤلفاته : الرعاية لحقوق الله، والوصايا أو النصائح الدينية، ورسالة المسترشدين، وآداب النفوس، والعقل وفهم القرآن، وكتاب التّوهُّم. ولقد ذكر عنه صاحب "حلية الأولياء" (جـ 10، ص73) :

إنه كان لألوان الحق مُشاهداً، ولأثار الرسول عليه السلام مساعداً ومصاحباً. تصانيفه مدوَّنة مسطورة، وأقواله مبوبة مشهورة، وأحواله مصححة مذكورة، كان في علم الأصول راسخاً وراجحاً، وعن الخوض في الفضول جافياً وجانحاً، وللمخالفين الزائغين قامعاً وناطحاً، وللمريدين والمنيبين قابلاً وناصحاً". تلك كانت أوصاف المحاسبي كما قدَّمها أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء.

وبقليل من التأمل؛ نرى كيف تجتمع في هاته الكلمات البسيطة مناقب المحاسبي في جملتها : إتباع سنة ومشاهدة حق، وعلم راسخ وحال صحيح، ورفض لألوان الزيغ والبدعة، وتربية صادقة ورعاية مخلصة للمريدين والتائبين والمنيبين.

رَوَىَ المحاسبي في كتابه "العقل وفهم القرآن" صفحة رقم (287) عن أبي سعيد الخدريّ أن رجلاً أتاه فقال : يا أبا سعيد، أوصني فقال : سألت رسول الله ص أوصني فقال :"أوصيك بتقوى الله عزَّ وجلَّ، فإنها رأس كل شيء. وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام. وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء، وذكرك في الأرض. وعليك بالصمت إلا في حق، فإنك تغلب الشيطان".

هذه وصايا أربع تلقاها أبو سعيد عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فتلقاها المحاسبي رواية عن رواية عن رواية، فما أحسبني أزيد شيئاً فيما لو قلتُ إنّ هذه الوصايا الأربع هى كل شيء من مطالب الذات المؤمنة، وهى بالطبع خيرُ ما يؤمّن المسلم ويقوى رياض إيمانه؛ ليكون على بصيرة من الوعي بحقائق الإيمان. فأولى الوصايا تدعو إلى تقوى الله وتصف التقوى بأنها رأس كل شيء. وهذا حق لا شك فيه، بل هو صدق لا يداخله ريب، وهل يداخل الريب كلاماً قاله المصطفىَ عليه السلام؟ فإن أصل الإيمان تقوى الله والعمل بهذه التقوى حتى الرمق الأخير. وإني لأسأل عبداً من عباد الله قد يغيب عنه معنى كلمة التقوى، فأقول : ألا تحب أن تكون في معية الله؟ ألا تريد أن يكون الله معك في الدنيا والآخرة؟

والإجابة بالطبع هى : نعم نحب ذلك ونتمناه، وإذن : فلتتق الله. ومعناه : أن تحترم وجود الله في داخلك، وأن تُقرنَ الاحترام بالعمل على الدوام، تحترم أنفاس الحق فيك قبل أن تتشدق بمعرفة الله مع الآخرين، ويوم أن تحترم وجود الله في داخلك هو اليوم الذي تراعي فيه حقوقه وترعى حدوده فلا تعتديها، ذلك هو اليوم الذي يوفقك الله فيه أن تكون سَيّاراً على تقواه، وما دمتَ على تقوى الله، فالله إذن معك، ومع جميع من يتقيه :"واتّقوا الله واعْلموا أن الله مع المتقين" (البقرة : 194).

وثاني الوصايا تدعو إلى الجهاد؛ فلولاه ما تمَّ إيمان مؤمن ولا صدقت سريرته في احتمال أشراط الإيمان والصبر على فرائضه؛ فمن المطلوب أن يجاهد المؤمن نفسه أولاً، وهو الجهاد الأكبر كما جاء في الخبر، ثم يجاهد نفوس الآخرين أن تقف له عائقاً عن مسيرة الجهاد. ومما لابد منه، في هذه العملية الجهادية أن يترصد نزغات الشيطان، وأن يقف لها بالمرصاد، إذْ يعني هذا الترصد عندنا رعاية الإرادة بحيث لا تحول الرغبات دون التنازل عنها، ولا رعاية على الإطلاق لإرادة مريدة فعّالة وصاحبها لا ينتقل في حياته على الدوام من جهاد إلى جهاد : من أول جهاد النفوس وصولاً إلى جهاد الاستقامة وجهاد الأسرار. فذلك بغير شك مطلبٌ من مطالب الرهبانية لا يستطيعه إلا أفذاذ الأبطال.

وإنك لتلحظ وصف الجهاد هنا بأنه "رهبانية الإسلام"، فالدلالة فيه أظهر من أن تخفى لأنها تشير إلى شدّة التّعبُّد. والرهبانية في اللغة هى الخوف الشديد، وهى كذلك التبتل الذي يصعد بالروح إلى أجواء عليا من الممارسة التطبيقية للمبدأ العَقَدي.

ومن بدائه الملاحظات في النسق القرآني إنك لتجد القرآن يحدثنا في جلاء ووضوح إن الله سبحانه لم يرسل رُسُله للناس لشيء أعز ولا أنفع للإنسانية من العبادة، فمن أقوال الحق كما جاء على لسان نوح عليه السلام :"ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه، فقال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيرُهُ، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم". ومن أقوال الحق على لسان هود عليه السلام :"وإلى عادٍ أخَاَهُم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، أفلا تتقون". وفي رسالة شعيب عليه السلام :"وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم أعبدوا الله مالكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربِّكم". وفي الدعوة الإبراهيمية الرشيدة :"ولقد أتينا إبراهيم رُشْدَهُ من قبلُ وكنَّا به عالمين. قال أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم. أفِّ لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون". وفي بشارة عيسى ابن مريم :"إنّ الله ربي وربكم فاعبُدُوه، هذا صراط مستقيم".

لكأنما كان تخصيص الدلالة هنا على العبادة إشارة إلهية قريبة المفهوم قريبة الدلالة غير غائبة ولا خافية تقول ببلاغ للناس إنّ الضرورة واجبة في تقويم الجهاد على حَصْر النفس في زاوية التعبّد الشديد الذي وصفه رسول الله (ص) بأنه رهبانية الإسلام.

وثالث الوصايا؛ تدعو إلى ذكر الله وتلاوة القرآن فهما بلسم الروح المستشرفة إلى طوالع الملكوت، ومصدر القوة والشفافية فيها غير منازع ! بهما يجلو العبد الغشاوة من على القلب والنفس والعقل ودخائل البواطن والأعماق، فيصفو صفاءً .. وأي صفاء.

في ذكر الله نعمة إلهية تصل العبد بخالقه .. وأي اتصال. وفي تلاوة القرآن حكمة ربانيّة لا يعلمها إلا الله واهب الحكمة، أعنى إنه لا يعلم فواتح النعمة على من يتلو القرآن بحضور وترقب إلّا الخالق جلَّ وعلا، وفيها مغنمٌ إنسانيٌ وسرٌ من أسرار الفتوح لا يحيط بهما إلّا السعداء، ولا يظفر بهما إلّا من منحه الله جليل فضله وكريم عطاياه.

ورابع الوصايا توصي بالصّمت فهو الحكمة الناطقة، أو قُلْ هو الحكمة "المؤجلة"، لم يحن موعد تصريفها في مرافقها العليا، ولا جاءت لحظة النطق بها لتأدية مهمتها. الصمت هو الحكمة النازلة والمعنى السابح في أفق البيان، فيه قال سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه :" إذا رأيتم الرجل يصمت فاعْلَمُوا أنه يُلَقن الحكمة ". وما تميزت المعرفة بشيء عند قدماء الحكماء إلا بتميزها بالصمت المفكر الذي يدل على مخزون القوة والامتلاء من مطالب المعرفة العلوية في الذات المؤمنة، وظل شعارهم عليها يقول :"إنْ من يعرف لا يتكلم، ومن يتكلم لا يعرف". وقال أبو سليمان الداراني في المعرفة بالله إنها :  "أقربُ إلى الصمت منها إلى الكلام".

غير أن الصمت في بعض الأحيان بل وفي معظمها أيضاً كما يشاهد الآن في ساحات التملق والمداهنة لا يكون في الحق فضيلة، أي نعم ! لا يكون الصمت في كل الأحوال في الحق فضيلة بل الحق يُوجِبُ الكلام ويوجِبُ الثورة الكاسحة لقلب الأوضاع البالية في داخل النفوس وفي خارجها على السواء. ولا يستدعى الحق التهاون والاستكانة قيد أنملة . ومع ذلك؛ فمن الناس من إذا نطق لا يسكته إلا ألم يشكوه أو مرض يلمُّ به حتى ليتعب من يسمعه كل التعب ويملّ من حوله كل الملل ولا يسكته إلا إذا أحد آذاه. ومنه قول القائل : وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارة في كل وادٍ تَخْطِبُ.

ومطالب الذات المؤمنة أن تعتدل بغير إفراط في مطالبها، فلا تميل بصاحبها إلى الصمت وهو ضعيف مخذول لكي لا يحجز نفسه وراء الكلام، وهو شاعر أو غير شاعر، بخواء الذات وفقر المضمون.

فهذه الوصايا الأربع إنما هى مطالب ضرورية للذات المؤمنة إنْ لم أقلْ مطالب ضرورية للنفس البشرية إذا أُرِيدَ لها الاستقامة، لتستقيم بها حيويّة المؤمن. وليس ينال المؤمن بالمحافظة عليها سوى تلك التركيبة الأخلاقية التي توظف العمل والسلوك توظيفاً إيجابياً نافعاً وهادفاً، تجمع بين حيويّات متعددة : حيوية الروح، وحيوية النفس، وحيوية العقل، وحيوية الذوق، وحيوية القلب، وحيوية الضمير الديني على الإجمال، ذلك الضمير المنزّه عن الأدران والآفات والأوساخ التي يُبتلى بها سفهاء الآدميين. ثم تجمع بعد ذلك حيويّات أخرى تتداخل فيها وتتشابك حتى ينصقل في الإنسان معنى الإنسانية، وفي الوقت نفسه ينصقل مبناه ويتماسك فحواه؛ ليكون من بعدُ مؤمناً على الحقيقة ينال من مطالب الروح أصدق الخصال وأفضل القيم وكل الفضل كله إذا حرص عليه وتوخَّاه.

* *  *

تقتضي مطالب الذات المؤمنة إدمان القراءة في كتب الصوفية بمنهجية ومعايشة وحضور. وإدمان القراءة في كتب الصوفية يورث الأدب ويقوي ملكة البيان ويضيف إلى النفس أجواءً من عوامل التهذيب، وهى قراءة تنفع وعلم يستفاد منه يوم يحاسب المرء على أعماله وعلومه فيما أودعها مذاهب الحياة. وليس كل مقروء من العلوم والمباحث والأفكار يورث عوامل التهذيب أو ينجم عن ملكات خفية باطنة رابضة في قاع الإنسان.

لكنما هنالك من العلوم ما يظهر قوى الروح حين تكون مظاهر المحسوس غمرتها وأخفتها تحت كثافة المادة وظلمة الأشباح.

فما يظهره الحسّ شبح لا روح فيه. وما تظهره الروح نور لا ظلمة فيه.

ومزيّة التصوف العظمى هى أن تُظهر تلك المواهب الروحيّة المطوية تحت كثافة المادة الحاجبة ثم تجلو مطالب الشعور والوجدان، وتنهض شاهدة على مذاقات قيم الوجود الروحي والأخلاقي في جوف الإنسان. مزيّة التصوف على قلوب العارفين كمزية التجربة الشعورية على فحول الشعراء : قلب كبير ملآن بقوة التجربة فيما يفعل أو يقول. ووجدان حساس ممتلئ برهافة الشعور ونقاء الوجدان. ولا يستطيب قراءة كتب التصوف إلا ذلك الذي صبر وذاق عصارة الأرواح واختبر المعاني الصافية النقية فتطلع إلى جميل الأوصاف وارتفعت نفسه عن أوْهاق المادة وغبن الشهوات.

ونحن؛ وإنْ كنا رأينا جانباً من مثال كان قدّمه المحاسبي في العقل وفهم القرآن؛ فهناك من هذه الكتب التي تشع النور في قلوب قارئيها كتاب "قوت القلوب في معاملة المحبوب" لأبي طالب المكي (386هــ) فهو جوهرة الطالب المؤمن لطريق الحق.

هذا الكتاب الذي قال فيه الإمام أبو الحسن الشاذلي رضوان الله عليه :"كتابُ القوت يورثك النور وكتاب الإحياء يورثك العلم"؛ وهما دعامة التصوف السّني على التحقيق كما أنهما غذاء الذات المؤمنة في أرفع مطالبها من الوجهة العلمية. لكأنما يقالُ لك أقرأ القوت كيما تنوِّر به صدرك، فإذا تنوَّر ما في الصدر وانجلى ما في القلب كانت هى غاية الغايات من التصوف الذي يرى أصحابه وعارفوه الحقيقة كليةً واحدةً لا تقبل التجزؤ والتفتيت؛ فهاهنا تكون وحدة الحقيقة ووحدة المعرفة التي يبحث عنها الباحثون في غير طائل وفي غير معوان من عمل القلوب. حين يقرأ القوت لا يقرأ كما يقرأ أي كتاب آخر ولا يعالج كما تعالج موضوعات بعض الكتب الأخرى إنما الصفحة الواحدة في القوت تشعُّ في القلوب الأنوار؛ لأنه يورث قارئه نورانية تجعل صاحبها في حالة من البسط الذي ينشرح معه الصدر، فيقبل مع الإخلاص على المعرفة بانشراح.

ومجموع الصفحات بما تتضمنه من فنون الأذواق وتشتمل عليه من مطالب الذات المؤمنة، تهز الوجدان هزاً عالياً يرقى بصدق لا ريب فيه. وليجرب القارئ الصادق حين يقرأ القوت أن يعامل الصفحة ولا يعامل الكم، ولينظر، من بعدُ، ما توحي إليه به الجملة الواحدة في العبارة الواحدة، في الفقرة الواحدة، في الصفحة الواحدة، وهو يعامل الصفحة ولا يعامل الكم.

قوت القلوب قوتٌ للأفئدة تغذيها المعاني العزيزة لا المباني الصخّابة، علومه علوم أذكار لا علوم أقوال. وبلاغة الصوفية كلها على وجه العموم من ذلك الجنس من البيان : بلاغة معاني لا بلاغة مباني، ولكن كلما لطفت المعاني لطفت تباعاً لها المباني؛ إذْ لطف الأواني في الحقيقة تابع للطف المعاني، والمعاني بها تنمو كما كان يقول ابن الفارض رحمه الله.

* *  *

الحقيقة إنه من المهم جداً تحديد المجالات التي يكتب فيها الإنسان؛ فهو إذا كتب في مجال العلم والبحث العلمي لا ينبغي عليه أن يخلط خلطاً عشوائياً بين مجال ومجال، فالمجال العلمي لا يصلح فيه استخدام الإنشاء الأدبي، ولا تجدي الإشارة إلى الذات فيه نفعاً، لأن مجال الإنشاء الأدبي لا يليق أن يكون محكاً لطائفة تنظر إلى ميادين البحث في العلوم : طبيعة أو رياضية، فتستغني عن الرمز والإشارة والمصطلح بكتابة الإنشاء الحُرّ في ميادين النظر والآداب. المعلوم أن البحث العلمي شيءٌ والخلق الأدبي شيءٌ آخر، لهذا مجاله ولذاك مجاله الآخر. بالتالي من المهم كذلك التفرقة بين المجالين، وهى تفرقة واردة بحكم البداهة المعرفية بين الإنشاء الوجداني وخطوات البحث العلمي، فلا يجوز أن نقحم الفاعلية الوجدانية في مجال العلوم والمباحث الطبيعية والرياضية، وكذلك ليس بالجائز أن تقحم تلك الفاعلية في أي ميدان قائم على قوانين مادية أو معادلات رياضية وحسابية اللهم إلا إذا كانت دائرة الوجدان في أول مقام هى بمثابة "الحافز" يُغذي النشاط العلمي ويزكيه.

ومن ها هنا يقوم فينا على هذا الكلام اعتراض نُجْمِله في هذا التساؤل : هل يخلو العلم من الوعي؟ وهل تتعارض مطالب الذات المؤمنة مع النشاط العلمي كنشاط إنساني يرتدُّ إلى الوعي ويتقرّر به جوهر الإنسان؟

بدايةً؛ أنا لا أنكر مثل هذا التقسيم المنهجي السابق، ولا أشجع الخلط بين ميدان وميدان، ولا أتجاهل الفروق الجوهرية بين البحث في مجال العلوم الطبيعية والرياضية، والبحث في مجال العلوم الإنسانية، وأقف على الفوارق بينهما في غير مكابرة؛ ولكني فقط أمسك بنقطة هامة أراني أحققها، وألفت الأنظار إليها من الوجهة الإنسانية، كمطلب روحي ليس يستغني عنه بحال ذلك العالم الإنسان.

ليس من شك عندي أن الإنسان إنسان بعاطفته وبعقله وبضميره. وبغير العاطفة القوية والمحبة الجارفة لا يستطيع باحث، كائناً ما كان أو مَنْ كان، أنْ يمضي في بحثه على يقين ثابت وخطوات واثقة في أي مجال من المجالات؛ فإذا قلنا إنّ ميدان العلوم كائنة ما كانت تلك العلوم، طبيعة أو رياضية، تحتاج إلى تنزُّهٍ تامٍ عن الغرض والهوى والعاطفة، وهذا صحيح من هذا الوجه، لكنه من وجه آخر ليس بصحيح صحة كاملة تامة ولا هو بالفرض المسلم بتحققه في دنيا الواقع إذا نحن رحنا نفتش عن الدوافع الإنسانية والعاطفية من وراء أنابيق المعامل وأنابيب الاختبارات والتجارب.

اختر لنفسك من نشاط الباحثين العلميين في أي مجال كانوا فيه يبحثون، ولك إنْ شئت أن تساءلهم : هل بإمكانهم أن يتجرّدوا مطلقاً عن عواطفهم ودوافعهم أو حوافزهم إلى العمل حين يبحثون ويعملون؟ وهل لهم أن يركنوا مباحثهم في جانب ويفصلوها عن عواطفهم وحوافزهم الشعورية وأحلامهم في أن تحقق هذه الأبحاث للإنسانية كل التقدّم والخير والازدهار؟ هل في استطاعة أحد أن يفصل فصلاً تاماً في تكوين الإنسان بين العاطفة والوجدان من جهة، وبين العقل والنظر العقلي أو البحث العلمي؟

أقول؛ لَكَ أن تسأل من تشاء حين تشاء، ربما لا تجد بعد الإجابة حافزاً واحداً يدفعهم إلى العمل وخدمة البحث العلمي غير "العشق". والعشقُ بكل ضروبه يُنسب في أول مقام إلى العاطفة ولا ينسب إلى العقل، ويتعزز من طاقة الوجدان ولا يتعزز من طاقة البحث العلمي وقوانين العلوم كائنة ما كانت.

ومن هنا، تدخل معنا فكرة الوعي الإنساني في أكمل وأتمّ مراحلها؛ فالإنسان إنسان بمقدار ما فيه من الوعي غير مفصول النسبة إليه في جميع مراحل حياته الواعية. والوعي، كما نعلم، أعمُّ وأكملُ من العقل ومن العلم سواء؛ لأنه قوة روحانية تشمل أجزاء الإنسان كله : ظاهره وباطنه، علمه وعقله ومداركه وعاطفته ووجدانه وما يعيه وما لا يعيه على اجتماع يتكاتف ويتعاون ويتكامل، ولا يتناقض ولا يتهافت، ولا يعلو عليه جانب على حساب جانب آخر. وإنه؛ كلما كانت هنالك فكرة في الذهن واضحة أستطاع الإنسان أن يستخرج منها علمه المعملي أو رؤيته النظرية تماماً كما يستخرج من عاطفته ووجدانه شتى ضروب الخَلْق الأدبي. يوم أن يتجرَّد الفرد منا عن الفكرة الواعية لهو اليوم الذي تكون فيه الأفكار العلمية والوجدانية على السواء خاوية من دلالة المعنى ودلالة التحقق والإفهام إلا أن تكون دلالة لا ترتفع عن المادة ولا تنهض بتقويم الإنسان.

يوم إن يتجرّد العالم عن الوعي فقد تجرّد عن الحوافز الباطنة للعلم وللقيم العلمية؛ لأن التّجرّد عن الوعي فيه إنكار ضمني لحقائق الكون الكبرى. والعالم الذي ينكر حقائق الكون يقول بأبلغ لسان إنه يجهل أخص صفات الإنسانية فيه : صفة "الوجود الروحي" التي تفرز بدورها العلم والوعي، وتفرز العقل، وتفرز العاطفة، وتفرز الضمير والوجدان، وتهيئ العالم أن يترقى في مدارج الكمال من طريق البصيرة. ولا يلزم إنكاره من بعدُ أحد أن يكون ما ينكره غير موجود أو إنه في حكم العدم. تجارب العلماء لا تصدق بغير هذا المنظار الواعي، ولأجل هذا كان الدفاع عن الوعي في أول مقام دفاع عن الوجود الإنساني، بظاهره وباطنه، بآماله وآلامه؛ لأنه دفاع عن كيان الإنسان جميعاً، دفاع عن كنه الحق فيه، عن الوعي الذي يلازمه في حياته، وبعد أن تغادر أنفاسه الحياة.

* *  *

تأكدت لدينا مطالب الذات المؤمنة فيما رأيناه في السابق من مصادر التصوف سواء لدى الحارث بن أسد المحاسبي أو لدى أبي طالب المكي فيما أشرنا إليه من كتابه قوت القلوب. والحقيقة أن الذي يخدم فكرة الوجود الروحي في الإنسان من قريب هو التّصَوف؛ إذْ كان ولا يزال هو القوة الخارقة لحجاب الحواس الظاهرة؛ لأن قوته الحقيقية تخدم جوهر الروح كما تخدم ذلك الوجود الروحي في الإنسان على التعميم. وجوهر الروح هو أصل هذا الكون كله وأصل قوانينه المسيّرة له. فهل كان التصوف بهذا المعنى يعادي العلم؟ وللإجابة على هذا السؤال يجدر بنا أن نلاحظ ملاحظتين : أولهما ملاحظة لا يمكن تخطئتها مطلقاً لأن موضوع التصوف ليس هو موضوع العلم بالنظر إلى المنهج، وإلى روح التصوف وجوهره، فقد أخفقت الدراسات النفسية الحديثة والدراسات الاجتماعية المعاصرة التي حدَّدت نفسها بالمادة، وتقيدت بالظواهر المادية المحسَّة الملموسة أو المرئية أو المسموعة أو المذوقة مذاقاً حسياً أو المشمومة؛ أخفقت هذه الدراسات في التقريب بينها وبين كل ما يتصل بالروح وبالوحي وبالإلهام السماوي وبالدين على وجه العموم.

وبما أن التصوف في جوهره روح وإلهام وإشراق فلا يدخل في مجال هذه الدراسات؛ لأن مجالها كما تقدَّم إنما هو المجال المادي، وأن كل ما خرج عن المجال المادي فليس يدخل في بحثها ولا تحت مرصدها ومخبرها ومسْبرها. ومن هنا كان اكتفاء هذه الدراسات بالمظهر والشكل، ومن هنا أيضاً كان إخفاقها كاملاً وفشلها ذريعاً يفجأ النظر؛ فكل ما قيل بلسان العلم عن التصوف لا يمس منه إلا المظهر والشكل، وليس منه فائدة من حيث الروح والجوهر. ولقد أخذ بهذه الملاحظة المرحوم الدكتور عبد الحليم محمود، وترددت في كتاباته عن العلاقة بين العلم والتصوف، وهى ملاحظة جديرة بالنظر كما ذكرنا، لا يُقدَح فيها؛ إذْ تتناول هذه العلاقة بين التصوف والعلم من ناحية منهجية. وقد كان يقول :"إنَّ ما نسميه العلم الحديث إنما هو العلم السائد في أوربا وفي أمريكا في العصر الحاضر. وقد ألزم نفسه إلزاماً تاماً ألا يخرج عن دائرة المادة، وحَدَّد مختاراً دائرته تحديداً دقيقاً بأنها المادة (ولا شيء سواها)، وربط نفسه بذلك ربطاً محكماً إلى درجة أن كل من يخرج عن المادة لا يسمونه عالماً، وأن كل بحث في غير دائرة المُلاحظ المُحس لا يسمونه بحثاً علمياً ... الأمر الذي ينفي نفياً باتاً أن يتصل العلم الحديث، من قرب أو من بعد، بجوهر التصوف ومفهومه الحقيقي.

أما الملاحظة الثانية فهى الملاحظة التي نتصوّر فيها نحن، نظراً لاختلاف المجالين، أن التصوف لا يعادي العلم أصلاً لأن كلاهما يكشف عن الروح الكونية من وراء الحُجُب المادية، ومن هنا يخطئ في نظرنا من يظن أن المعرفة العلمية تتعارض مع التصوف، وأن التصوف ضد العلم هذا الرأي لغو فضول وخرافة ظاهرة، فمن مهام التصوف أن يكشف بقوته الروحية حجب الغيب وراء ظواهر الحواس. ومن مهام العلم أن يسعي بطريقته إلى هذه الغاية وإن كان يبدأ بالحواس. المفروض أن هنالك وحدة تتكامل فيها المعارف ولا تتصارع ولا تتناقض، ومن هذه النظرة الواسعة يحق لنا أن نقول إنه لا تعارض في أن كلاهما (العلم والتصوف) يكشف المجهول؛ كان ألبرت أينشتاين يقول :"كل من يجتهد في طلب المعرفة العلمية، فسوف يأتي عليه وقت يُوقن فيه أن هنالك روحاً تعبّر عن وجودها قوانين هذا الكون ... وهى روح تسمو سمواً عظيماً فوق الإنسان ... ونحن بقدراتنا المحدودة نحسُّ في مواجهتها أننا متواضعون إلى أدنى درجة". وتلك كانت بالضبط هى الروح التي توجهت إليها همم العارفين، أفلا يلتقي التصوف في الغاية مع العلم فيما لو أخلص لهما باحثون مخلصون فحرروهما من التضييق والتحجير. وكما يكون هناك تكامل في وحدة المعرفة البشرية يكون هنا تكامل في الملاحظتين السابقين. أحداهما تنظر إلى المنهج والأخرى تتجه إلى الغاية، وكلُّ يصل إليها بطريقته في غير تعارض إلا أن يكون من جهة الشكل الخارجي والمظهر البَّرانيِّ ويبقى الجوهر الباقي لا خلاف عليه.

* *  *

التصوف قوة واقتدار، لكن قوته لا تتأتى لكل إنسان كما لا يتأتّى اقتداره لأي إنسان ما لم يكن في ذاته أهلاً لكسب هذه القوة وذاك الاقتدار. والتصوف ليس ضعفاً؛ لأن الضعيف لا يكتسب الفضائل العالية، ولا يقتدر على الدوام لمشروعية الاكتساب وأهلية الاقتدار وهما بغير ريب تلك الرقابة الباطنة على الضمير والمجاهدة الدائمة لأهواء النفس وملابسة الشهوات، وهما سرُّ الإخلاص في سبيل الغاية.

ما من ضعيف هو ضعيف إذا أراد فعمل بهذه الإرادة كسباَ شرعياً لفضائل الأخلاق، وبما أن التصوف خُلق يحتاج إلى صفاء، صارت أفضل الفضائل للنفس الزكية هى التخلق بأخلاق الله، وأن يكون روح التصوف خلال صحبه أربابه وذويه، وهم أعلى الناس فضلاً واقتدراً، تعكس بالإيجاب فضله وبالقبول قيمته التي هى فيه.

ومن لطائف الله عليهم بالعرفان أن جُعلت لطائفهم فضلاً ممدوداً من الله لا وارداً من عطايا البشر. وعلى الله فيما تتوجه به قلوب المتصوفة قصد السبيل. ومن أجل ذلك؛ كانت الكتابة في التصوف عبادة. والقراءة في كتب الصوفية كذلك عبادة : عبادة من شأنها أن تُعرّف القارئ خطوات الطريق إلى الله تعالى، وأن تمسك شعوره على هذه الخطوات، وكل عبادة لا تكون على نفس هذا المحور من معرفة تعاليم السلوك، تدور عليه ولا تفارقه فهى أولى بالإهمال.

وكتب الصوفية، كما تقدَّم، رقائق، ترقق القلوب وتهذب الضمائر وتفضي إلى معرفة قواعد السلوك قربة من الله من طريق الأنس مع أحوال العارفين؛ أصحاب العلاقات الطيبة مع الله سبحانه، فهى من أجل هذا تجيء قرأتها عبادة من أشرف العبادات، فقد يكتب الله القبول لكل كلمة ينطق بها عارف من عارفيه؛ إذْ العارف بالله ينطق بما يجرى الله على قلبه لا بتكلف ولا بتصنُّع ولا بادعاء، ولا ينطق بما هو موجود عنده من أقوال منقولة من كلام الناس على اختلاف أهل القول فيما ينطقون ويقولون! وكما تكون القراءة في التصوف عبادة، تكون الكتابة كذلك قُرْبَة من الله واتصال به سبحانه؛ فهلا كنا بما نكتب ونقرأ من كلام العارفين قريبين من الله؟ هيهات ثم هيهات؛ فالكتابة والقراءة لا تفي بغرض القربة ولا بغاية التقريب إلا أن تنقلب إلى عمل وتتحوَّل إلى حياة.

وإذا كانت القراءة والكتابة عملاً فيلزمه الصدق ويلزمه الإخلاص. والمخلصون على خطر عظيم. وبما إن أذواق أهل الإشارات مخلوطة بأرواحهم ممزوجة بضمائرهم معجونة بالسريرة الباطنة التي يُعوّلون عليها في مداركهم للأمور الغائرة ولا يعولون على شيء سواها، فقد تبدو بعيدة المدى عن مدارك المحجوبين.

أذواقهم مواجيد وإشارات تعكس طبيعة العلم الذي يتحدثون به وعنه وفيه، حديث المجرب لا حديث العالم؛ فالعالم بالشيء ليس هو المجرّب له، وكل تجربة روحية فريدة هى في طبيعتها عَالَمُ وحده، عالم مليء بالأنفاس الصادقة والمعاناة المخلصة والعلاقة الطيبة مع الله في سبيل الله وعلى قصد الله.

وليس يعرف لهذا العَالَم معلماً واحداً يدل عليه إلّا من يقف فيه من الداخل، لا خارج عنه، ولا دارس له، ولا قارئ لمجرد القراءة أو الدراسة : التجربة مع الله "علاقة" وليست "قراءة". هذه العلاقة تعجز العبارة عن التعبير عنها بوجه من الوجوه؛ فيجيء الرمز فيها أو تجيء الإشارة تؤمي إيماءً إلى حال صاحبها : تصفه وليست هى بواصفة، وتعبر عنه وليست هى بمعبرة، ومن هذه الجهة كثر الإنكار على أهل الإشارات؛ لقلة الفهم لأذواقهم ومواجيدهم، وهم أهل الكمال في هذا الميدان.

من حكماء الإشارة في تراثنا الروحي ذلك الحكيم الذي عنىَ عناية فائقة بتحليل الأذواق المعرفية بمقدار ما عنى بمطالب الذات المؤمنة في أصل عنصرها الرفيع، وأعني به الحكيم الترمذي ( ت320 هـ)، صاحب كتاب "ختم الأولياء " النتاج الأصيل في التراث المعرفي الصوفي، والثمرة الناضجة للذوق الصوفي العميق، والمجهود المبارك لصميم التفكير الذاتي سواء في ذلك النشاط الرائع على مستوى "الصدق" أو في مستوى "المنَّة"؛ أي في مستوى الجهد البشري الخالص، أو في مستوى النعمة الإلهية السامية (ختم الأولياء : ص 93 وما بعدها). فإن أعزَّ مطالب الذات المؤمنة قبول بشرى الأولياء؛ فهو مطلب عزيز ولا شك رهين بأكبر التضحيات. يحدثنا الحكيم الترمذي في هذا المقام الأسمى عن موت نفوس الأولياء وقبول بشراهم بعد أن أعطاهم الله تعالى طهارة القلوب وعلم التوحيد ومعرفة الآلآء؛ فاطلع قلوبهم مُلكاً مُلكاً، وقطع لهم من كل مُلك حظاً، وأوصلهم إلى نجواه ومجالسه القدسية، وأمات نفوسهم عن جميع الشهوات : دنيا وآخرة، فامتلأت قلوبهم بعظمة الوحدانية، فأنىَّ يستفيقون لذكر النفوس؟ (ختم الأولياء : ص390).

لكأنه إذا امتلأ قلب الوليّ بمناجاة الله فلا شأن له، من بعدُ، بدنيا ولا بآخرة؛ فشواغله القدسية تجعله في معزل عن الأغيار لأنها مصروفة إلى الجناب الأعلى، مشغولة على الدوام بعظمة الوحدانية، فإذا أماتهم الله تعالى - هكذا يقول الترمذي - فهم لا يلتفتون إلى طلب فايدة أو علم أو حكمة حتى يكون هو الذي يفيدهم ويدلّهم، ولا يلتمسون رياسة ولا ميل الخلق إلى ما جاءوا به، حتى لا يصير الالتفات حجاباً لهم عن خالقهم. وبعد هذه الأشياء، بُشِّروا بفوز العاقبة.

فلو لم يكن في قلوب الأولياء إلّا حُسن الظن بعطاء الله؛ لكان تحقيق ذلك الخبرُ على قلوبهم، فكيف بالفراسة والإلهام والحق والحكمة وروح الجلال، وعجائب مطويّة في قلوبهم؟ فكلها محقق ومصدق هذا الخبر. ثم السكينة تُلقي الخبر في القلب فيقبله القلب؛ فكيف يمكنه (= الولي) ردّه (= خبر البشرى)؟ (ختم الأولياء : ص 390). وواضح أن الحكيم الترمذي يقطع ببشارة الولي قطعاً لا مرْيَة فيه؛ فإذا كان الأولياء قد أوتوا من مواهب الفضل والتوفيق ما هو أعلى من البشارة؛ كالفراسة والإلهام والحق والحكمة وروح الجلال وكل العجائب المطوية في أفئدتهم المستنيرة بنور الحق وضياء الموافقة؛ فلا أقلّ من أن يكون خبر البشرى مصدقاً على التحقيق؛ ناهيك عن أن سكينة الولي هى التي يعوّل عليها حين تُلقي خبر البشرى في قلبه، فيقبله القلب ولا يردّه الولي بوجه من الوجوه. وعليه؛ فقبول بشرى الأولياء يجيء من موت نفوسهم عن المطامع الدَّنيّة، وامتلاء قلوبهم بعظمة الوحدانية؛ فبشاراتهم طوالع نور صادرة من حسن الظن بعطاء الله.

وتحدّث الترمذي في معرفة الله، فكان من حديثه أن وجد دين الله عزَّ وجلَّ مبنيّاً على ثلاثة أركان : على الحق، والعدل، الصدق. فالحق على الجوارح، والعدل على القلوب، والصدق على العقول. وجميع هذه المعايير (الحق والعدل والصدق) إنما هى أساس الدين، يلتزمه الإنسان لو شاء أن تكون المعرفة بالله طريقه ومراده. فهو بالحق يضبط الجارحة، وهو بالعدل يزن القلب، وهو بالصدق يفقه حكمة العقل؛ فلو كان على طريق الحق؛ فعليه بخدمة الجوارح؛ فإذا أفتقد الحق من عمل خَلَّفه الباطل. ولو كانت على طريق العدل، فعليه بخدمة القلوب؛ فإذا أفتقد منه العدل خَلَّفه الجور. ولو كان على طريق الصدق، فعليه بخدمة العقول؛ فإذا افتقد منه الصدق خَلَّفه الكذب.

فهذه الثلاثة (الجور والباطل والكذب) أضداد المعرفة؛ لأنها جند الهوى؛ فللهوى جنوده كما أن للمعرفة جنودها من الحق والعدل والصدق. ولا يعرف الله من اتخذ من جنود الهوى سبيلاً في هذه الحياة، فكان بالباطل يبطش وينظر ويتكلم ويرى ويسمع، ويجرح بالجوارح أقدار الحق في عباده. وكان بالجور يظلم ويفتري ويتجبّر ويستطيل فتموت فيه اللطيفة الربانيّة المودعة في دخائله؛ ليحيا كما تحيا البهيمة في غير حياة. وكان بالكذب موصوفاً، وبالباطل منعوتاً، وبالجور مُشاراً إليه، فلا هو من المعرفة قريب، ولا هو من الدين على فهم أو على تجريب. إنما المعرفة بالله لا تكون إلّا على العدل من القلوب، وعلى الحق من الجوارح، وعلى الصدق من العقول. وفي الحق وفي العدل وفي الصدق القيم العلويّة المباركة التي لا يتخلى عنها إنسان يعرف كرامة الإنسانية في جميع الأحوال.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

كنا قد إنتهينا إلى القول: - بأن مبدأ الشورى أساسي و لازم من لوازم الإمامة -، والشورى بمعناها العام هي حكومة الشعب التي تكون بالإنتخاب أو الأختيار، والإمامة هي مؤوسسة مسؤولة عن تحقيق العدالة والنظام والقانون بالفعل بين الناس، هي مؤوسسة إجرائية تنفيذية تنحصر مهامها الرئيسية بالعمل في إدارة البلاد عبر المشاركة الجمعية، كما إن لها وظيفة أخلاقية وثقافية في تعميم قيم الحرية والسلام .

وبمقدورنا القول: - إن هذه الأشياء الحيوية أرادها الكتاب المجيد وقصدها وسعى لها عبر دائرة النصوص الحاثة و المرشدة إلى ذلك، وللتنويه والإعلام فقط نقول: إننا قد أعتمدنا في بحثنا هذا وما سبقه من بحوث، على نصوص الكتاب المجيد بإعتبارها المصدر الوحيد والرئيس في التشريع وفي الإجتهاد، وهذا يعني إننا لم نعتنِ بما ورد في كتب الأخبار من روايات وقصص، لقناعة منا راسخة في عدم إعتبار الأخبار حجة يمكننا الإستفادة منها في البناء والتأسيس، وفي هذا ننطلق من علم وتحقيق أشار لنا بوجود ذلك الخلل الواضح فيها من جهة تأريخها وزمنها وسندها ومضمونها، ومن هنا فالأخبار عندنا لا تصح المحاججة بها ولا في إعتمادها كحجة أو دليلاً في إستنباط الأحكام، وأكثر ما يُستفاد من الأخبار هو بالأستئناس بها بشرط صحتها وموافقتها لنصوص الكتاب، كما يمكن الأخذ بها في أدلة السنن من الأخلاق والشمائل !! .

 والحق إن الأخبار أو ما يسمى (بالسُنة) ماهي إلاَّ ظنون لا يمكن جعلها بمصاف االكتاب أو صنو له في عملية الإٍستنباط، ولهذا فهي لا تصلح البتة في عملية الإجتهاد الفقهي ناهيك عن الإجتهاد العلمي والفلسفي، الذي يتطلب الدقة والوثاقة الموضوعية، ومن باب التذكير نقول: - الأصول المعتمدة عندنا في الإستنباط والإجتهاد، هي كتاب الله المجيد والعقل -، الذي هو الدليل الدال على الكتاب، وأما الإجماع: - فليس عندنا بشيء بشقيه، سواء أكان الإجماع المحصل أو المنقول -، والإجماع المُدعى لا يصلح في عملية البحث والإجتهاد، لأن مستنده معلوم وهو الأخبار والتي عندنا لا تفيد إلاَّ الظن والذي لا يغني من الحق شيئا، وقديماً قالها الإمام الصادق: - أعرضوا اخبارنا على كتاب الله، فإن وافقه فخذو به، وإن خالفه فردوه أو إضربوا به عرض الجدار -، هذا هو المعيار وهذا هو الميزان، بالإضافة إلى إشكالية زمن التدوين وطبيعة الرواة وطبيعة النظام السياسي الذي كان سائداً، والأمر نفسه ولو بنحو أخر وجدناه عند الإمام أبي حنيفة الذي لم يصح عنده من الأخبار سوى سبعة عشر، حين بنى مذهبه وأقامه، مع الإشارة: إلى إن الإمام أبوحنيفة كان قريباً نسبياً إلى زمن الرسول عليه السلام، ومع ذلك أعرض جانباً عنها وقال مقولته تلك .

 نحن إذن أمام إشكالية معرفية تلف مجمل تراث المسلمين، ولا يجب القفز عليها متسلحين بالتقليد الأعمى والإيمان السطحي، الذي لا يقوم على دليل وعلم وبرهان، ثم إن - الآبائية - في الفهم مرفوضة ومنبوذة من عند الله ولهذا قال تعالى: - [.. قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ...] - البقرة 170، في صيغة الرفض وعدم الإتكاء عليها في الإيمان والإعتقاد، ذلك لأنها سلوك فض وينم عن جمود وتحجر ولذلك فهي مرفوضة، ولأنها أيضاً ضد التدبر الذي دعا إليه الله في قوله: - [ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها] - محمد 24، فعدم التدبر هو مذهب الآبائية وسلوكها في الفهم والتبني، وهو نفسه الذي يقود إلى التقليد الأعمى المنهي منه، ويمنع عن قصد الإجتهاد والبحث والتحقيق .

نعم إن هناك ثمة فئة من الناس أستسلمت للتقليد وآمنت به، وهي لا تتقدم خطوة من أجل التحرر والإنعتاق من هذا التحجر والضيق في النفس وفي الأفق، وشعارها الدائم هو - البقاء أو الإبقاء ما كان على ماكان - .

 وفي بحثنا هذا وكغيره من البحوث السابقة، إنما نعتمد و نلتمس وندعوا للنظر والتعمق من غير هآلات قدسية مزعومة، كما أن حُسن الظن القدري بالمتقدمين لا يعيننا في فهم ما يريده الله والناس منا، فثمة زمن مختلف وثمة إرادة ومُريد مختلف، وإلى ذلك نسترعي الإنتباه ..

 

ونعود للقول: هل المقصود في كتاب الله هو الإمام أم الإمامة ؟

و بحدود علمي القضية تحتاج إلى شيء من التأمل، والقضية لا تعني التفريق بقدر ما تعني العلاقة الزمنية، ومن أجل بيان أكثر سنأخذ على ذلك مثالاً من الكتاب المجيد، قال تعالى: - [... وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا] - الأنبياء 73، والملاحظ في النص: - إن الفعل والضمير يعود على المتعلق به وهم من يقومون بفعل الهداية -، والوصف بالهداية وصفاً تعريفياً يعود على الأمر الذي ينفع الناس، وكأن الأئمة هنا هم عنوان ثانوي وإنما المُراد هو العنوان الأولي، أي ما يقومون به من وظائف وأعمال، من نشر العدل وردع الظلم وتعميم السعادة وتوفير الأمن والإستقرار للناس والمجتمع، ومنه يتبين: - إن أصل جعلناهم - إنما جيء به لهدف معين وهو تحقيق العدالة، وليس جعلناهم ليكون أئمة بالمعنى الشخصي الخاص -، فهذا لم يكن المقصود ولا المطلوب في الكتاب المجيد، ثم لا يجب التركيز على مفهوم وحدانية الإمام بالمعنى العددي، بل المقصود هو مؤوسسة الإمامة بإعتبارها الضامنة لهذه الحقوق، وأما الإمام بالمعنى الشخصي - فهو إنسان من الناس ويجري عليه ما يجري عليهم، وهو محكوم عليه بالعدم - وهذا ما يناسب طباعه الواقعية من الموت وغيره (و الله لا يريد لمؤوسسة الإمامة أن تموت)، قال تعالى: - [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] - الأحزاب 21، والرسول (الإمام) لا يكون أسوة إلاَّ في الرسالة (أعني الإمامة)، والرسول يموت ولكن الرسالة لن تموت .

 ويجري في السياق نفسه قوله تعالى: - [وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ..] - السجدة 24، والصورة هي ذاتها فجعل الأئمة متعلقة رتبة بهدآية الناس لما أمر الله به، وأمر الله متعلق بالعمل الصالح وإصلاح شؤون العباد والبلاد، والجعل في النص إرشادي لطبيعة الوظيفة التي سيضطلع بها الأئمة، وقد ورد في الأثر التأكيد على ذلك بقوله عليه السلام: - (بُني الإسلام على خمس الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية ..)، ومع إن هذا الخبر فيه ضعف بنيوي ومعنوي، لجهة وقوع الوصف على الإسلام وليس على الإيمان، والصحيح القول: - (بُني الإيمان على خمس، الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والولاية ..)، حتى يستقيم المعنى المُراد ..

وأما الولاية: فهي الإمامة أو القيادة أو الحكومة،

ولا يصح جعل - الصلاة والزكاة والحج والصوم ... - من فرائض الإسلام، بل الصحيح إنها من فرائض الإيمان، وبين معنى الإسلام ومعنى الإيمان فارق نجده في الكتاب مسطورا، فالإسلام هو: - (التوحيد، والإيمان باليوم الأخر، والعمل الصالح)، وأما الإيمان فالمُراد به خصوص الإيمان بنبوة محمد عليه السلام ورسالته، مما يعني إن هذا الخبر المروي عن الإمام الباقر ليس صحيحاً من ناحية البناء والتركيب، فالصلاة والصيام وكذا سائر الأعمال والعبادات فرائض إيمانية تتعلق بالرسالة التي جاء بها محمد، وهي ليست من فرائض الإسلام كما يروج لذلك في التاريخ والخبر .

 وجعل الولاية في سلة العبادات والأعمال والوظايف يخرجها من دائرة الإعتقادات، فالولي هو الحاكم والولاية هي الحكومة والتي هي من خصائص الإيمان وليست هي من عقائد الإسلام، فالوالي هو الشخص الذي ينتخبه الناس بعد أن يحصل على غالبية الأصوات، وعندها يكون هو الحاكم والإمام، وأصدق مصاديق ذلك ولاية الإمام علي حين بايعه الناس جميعاً وأختاروه للخلافة والحكم، إذ ليس في التاريخ الإسلامي شبيه لما حدث مع الإمام علي من إنتخاب حر، وقد قال في وصف ذلك: - [فما راعني إلاَّ والناس إليَّ ينثالون عليَّ .. ] - نهج البلاغة الخطبة الشقشقية، وبهذا اللحاظ يكون مقام الولاية من حيث الإعتبار وظيفة إجتهادية وليست نصيه أو وراثية وهي كالصلاة والزكاة والحج والصوم من الأمور الوظيفية التكليفية، بمعنى أنها وظيفة وتكليف عملي كباقي التكاليف التي يجب العمل بها حسب شروطها الموضوعية، وأهم عنصر في هذه الشروط هو إنتخاب الأصلح والأعدل والأكفأ وإن كانت هذه من الصفات النسبية، ولكن المعيار والمناط فيها هو ما يحقق للناس العدل ويجنبهم الشر، ومن يُنتخب بناءاً على ذلك فعليهم طاعته وإتباع أمره حسب الضوابط والحدود، فإقامة الولاية تكليف واجب كالصلاة والزكاه والحج والصوم لمن يكون أهلاً لها ..

وهنا يسأل زرارة بن أعين راوي هذا الخبر فيقول: وأي شئ من ذلك افضل ؟

فيقول الباقر: [أنها الولاية، لأنها مفتاحهن، والولي هو الدليل عليهن]، والباقر يعني: - إن الولاية هي مؤوسسة للحكم يقع على عاتقها، توفير الشروط الموضوعية اللازمة للعيش الكريم بما فيه من إقامة للفرائض والأعمال من غير خوف أو إكراه -، أعني إن الولاية توفر الأرضية المناسبة للإستقرار و الأمن، صحيح إن العبادات هي تكاليف مقصودة في ذاتها، ولذلك فأثرها وتأثيرها يبقى محصوراً في دائرتها، وأما الولاية فتخرج هذه العبادات من حيزها الطقوسي إلى حيز العمل والإستقامة والبناء والتقدم، لذلك جاء الإستدراك بالقول: ـ (أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنة لفضله ورحمته)، وكأنه يريد بهذا الإستدراك القول: - إن الولاية الصالحة تجعل من إقامة التكاليف والعمل الصالح جزءاً من منهجها، وعليه فالولاية أو الإمامة هي التي جعلها الله للناس، لكي تقوم بهذا الدور .

وليس شرطاً بل ليس واجباً أن يكون الإمام عالماً أو يعلم الغيب، لأن العلم بالغيب شأناً خاصاً بالله وحده، وقد دل الكتاب المجيد على هذا في جملة نصوص، وليس فيها ما يدل على إنه قد فوض هذا العلم لواحد من أنبيائه، حتى حينما قال: - [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلاَّ من أرتضى من رسول] - الجن 26، وحتى هذا العلم الذي أُظهره الله لبعض رسله (والمقصود بهم بعض الملائكة) وليس الرسل من البشر، هؤلاء إنما يطلعهم الله على الغيب لغاية محددة، وهي فهم وإدراك ما يؤدون وما يحملون للإنبياء الذين يتواصلون معهم، وهذا الغيب حين يصل للنبي لا يعد غيباً بل يصبح بعد ذلك علماً عادياً، وقد مر الكلام عن ذلك في شرحنا للنبوة فلا نعيد .

 والكلام في هذا وفي معناه هو: - إن ما لا يصح للنبي ولا يكون فمن باب أولى إنه لا يصح للرسول أو الإمام ولا يكون -، -

ولايجب أن يُفهم من معنى الحصر في نسبة الإمامة لخصوص أئمة أهل البيت عليهم السلام، المعنى التعبدي القهري بل إن معناه الحصر النسبي، والذي يعني نفي حاكميت الطواغيت والظلمة، وقد جاء في تفسير نور الثقلين ما يشير إلى هذا بقوله: - (أعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة وأولي الأمر بالمعروف والعدل والإحسان) - نور الثقلين ج1 ص 507، ودلالة الحصر هنا معناها الحصر النسبي في زمنهم لعدم أهلية من تقدموا للحكم والولاية آنئذاك، ولا يستمر الحصر هذا حتى في زمن الغيبة، لأن ذلك يقتضي تعطيل للحدود والأحكام ونظام الجماعة .

إذن فتصحيح الفهم تجاه معنى قوله تعالى: - (أُولي الأمر) -، يقودنا للقول: إن جملة - أولي الأمر - دلالتها عامة مطلقة وتشمل كل من صح إنتخابه من قبل الشعب والأمة، وقد قيل في معناها أقوال منها:

الأول: إنها تعني جميع الأمراء والحكام .

والثاني: إنها تعني خصوص الأئمة الأثني عشر .

والثالث: إنها تدل على ما يناسب الحكم والموضوع، أي إن كل من له حق في الأمر والحكم هو ولي للأمر [وهذا يتم بالإنتخاب أو الأختيار الشعبي]، ومن ثبت له ذلك وجبت إطاعته والإنقياد له .

ولا يخفى إن: (مفهوم الأمر والحكم لا يتعلق بالعصمة)، بل يثبت معناه لكل من كانت حكومته قائمة على الإختيار والإنتخاب، ومثال ذلك: - حكومة الإمام علي - التي كانت عن طريق الإنتخاب الشعبي، ولهذا تجب طاعتها وطاعة ولاتها، ومعلوم إن الطاعة مشروطة بهذا القيد (أن لا تؤدي الطاعة إلى ظلم وفساد في المجتمع)، وقد ورد في الأثر قوله: - (من يطع أميري فقد أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني) - تفسير الكشاف ج 1 ص 212، وكتاب الإمارة لمسلم ص 15 .

 وأما القول الأول: فلا نصوبه ولا نؤيده ذلك لأن مفهوم العموم فيه مشعر بصحة حكم الظالم، والظالم لا يكون إماماً وحاكماً قط، إذ كيف يجوز للظالم أن يُنصب نفسه للإمامة؟، والإمامة هي مؤوسسة حكم وإدارة هدفها تحقيق العدل ورفع الظلم، والشعب الذي ينتخب ظالماً أو يُنصب الظلم، فكمن أسترعى الذئب على غنمه ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

11 جمادي الثاني 1440 هجرية

 

علي جابر الفتلاويإذا تصفحنا الجزء الأول من تفسير الميزان للسيد محمد حسين الطباطبائي، وجدنا مقدمتين، الأولى بعنوان (المقدمة – دفاع عن الميزان) كتبها آية الله جوادي آملي. والثانية بعنوان (المقدمة) كتبها مؤلف التفسير السيد الطباطبائي، وسندرس المقدميتن. نذهب ابتداء لمقدمة الميزان للسيد الطباطبائي، بيّن السيد الطباطبائي بعد أن حمد الله تعالى، وصلّى على النبي محمد (ص) وآله ( ع)، الغاية من مقدمة كتابه (الميزان في تفسير القرآن) قال: نعرف فيها مسلك البحث عن معاني القرآن، بعدها عرّف التفسير: (هو بيان معاني الآيات القرآنية والكشف عن مقاصدها ومداليلها)، وأكد أن علم التفسير بدأ منذ عصر النزول، ولكن بشكل مختصر،واستدلّ على ذلك بالآية الكريمة: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكّيكم ويعلّمكم الكتاب والحكمة).(1)

ومسألة أنّ علم التفسير بدأ منذ العصر الأول لنزول القرآن أمر متفق عليه بين المسلمين، (تفسير القرآن بالمعنى الحقيقي بدأ منذ عصر الرسول (ص)، بل منذ بدء نزول الوحي إلا أّنّه كعلم مدوّن بدأ زمن أمير المؤمنين علي (ع) كما تجمع على ذلك أقوال المؤرخين، والمفسّرين، ورجال هذا العلم يصلون بسلسلة أسانيدهم إلى الإمام علي (ع) .)(2) (ولم يكن يسمى علما في ذلك الوقت).(3) بل تحفّظ البعض أن يعّد التفسير علما؛ يقول ابن عاشور: (وفي عدّ التفسير علما تسامح)(4)

بعد أن ذكر الطباطبائي تأريخ علم التفسير منذ عصر النبوة حتى العصر الحديث   - علما أنّه توفي عام (1981م) - قال: كانت الطبقة الأولى من مفسري المسلمين جماعة من الصحابة والمراد بهم غير علي (ع)، نرى أنّه أخرج الإمام علي (ع) من طبقة مفسّري القرآن الأولى، لا لكون الإمام (ع) لم يكن مفسّرا للقرآن، بل لأنّ علم الإمام والأئمة من ولده لهم (نبأ آخر) حسب تعبيره، أي أن علمهم خاص متميّز عن علم الصحابة الآخرين، وأضاف: أنّ من مفسّري الطبقة الأولى، إبن عباس، عبد الله بن عمر، وأبيّ، وغيرهم، يرى أنّ تفسيرهم لا يتجاوز عن بيان ما يرتبط بالآيات من معانٍ أدبية، وشأن النزول، وقليل من الاستدلال بآية على آية، وقليل من التفسير بالروايات المأثورة عن النبي (ص)، والقصص القرآنية، ومعارف المبدأ والمعاد وغيرها. السيد الطباطبائي يرى أنّ هذه هي أهمّ  محاور التفسير عند مفسّري الطبقة الأولى، واستمرّ هذا الاتجاه التفسيري في عهد التابعين، كمجاهد وقتادة وابن أبي ليلى والشعبي والسّدي وغيرهم في القرنين الأولين من الهجرة. يرى الطباطبائي أن طبقة التابعين لم يزيدوا شيئا على طريقة الصحابة، سوى أنّهم زادوا من التفسير بالروايات، وفي هذه المرحلة دخلت ضمن روايات التابعين الإسرائيليات، خاصة فيما له علاقة بالخلقة، كخلق السموات والأرض والبحار، وقصص الأنبياء وغيرها لكنّه لا ينفي ورود بعض هذه القصص عن بعض الصحابة.

وفي العهد الأموي والعباسي، انتشر علم الكلام والفلسفة، وظهر التصوف مقارنا لانتشار البحث الفلسفي على حدّ تعبير السيد الطباطبائي، لكن الاتجاهات الكلامية والفلسفية والصوفية في التفسير لم تكن عامة، بل بقي (جمع من الناس وهم أهل الحديث على التعبد المحض بالظواهر الدينية من غير بحث إلا عن اللفظ بجهاتها الأدبية)(5) أي رغم انشغال البعض بالرياضات الروحية والنفسية بعيدا عن الاتجاه العقلي، بقي هذا الاتجاه عند طبقة من المفسّرين، شيوع هذه الاتجاهات التفسيرية أدّى إلى إن يتفرق المفسّرون في طرق البحث عن معاني الآيات.

تكلم الطباطبائي في مقدمة تفسيره أيضا عن المحدّثين، وصفهم أنهم اقتصروا على التفسير بالرواية عن السلف من الصحابة والتابعين، فساروا حيث يسير بهم المأثور  ووقفوا فيما لم يؤثر فيه شيء، أو عدم ظهور المعنى في الآية،أخذا بقوله تعالى: (والرّاسخون في العلم يقولون آمنّا به كل من عند ربّنا)(6)

لا يتوافق السيد الطباطبائي مع مفسّري هذا الإتجاه وقال عنهم: قد اخطأوا في ذلك فإنّ الله لم يبطل حجة العقل في كتابه. كذلك لم يتوافق مع أصحاب الكلام، لأنهم يأخذون من التفسير بما يتوافق مع مذاهبهم، والآية التي تتقاطع يذهبون فيها إلى التأويل، وعنده هذا من التطبيق وليس من التفسير، ويعني بالتطبيق أنهم يحملون آراءهم على الآية ويأولونها بما يتطابق مع ما يذهبون إليه في مذهبهم، في حين يفترض أن يكون القرآن هو المرجع الذي يفصل بين المعنى الصحيح وغير الصحيح. تأويل الآية وفق آراء المذهب هو التطبيق الذي يتعارض والهدف من تفسير القرآن. رفض أيضا الاتجاه الفلسفي في التفسير وقال عنهم: عرض لهم ما عرض للمتكلمين من المفسرين من الوقوع في التطبيق، وتأويل الآيات التي في ظاهرها مخالفة للمسلمات الفلسفية، حتى أنهم خالفوا الفرضيات والعلم الطبيعي.

 رفض الاتجاه الصوفي في التفسير،لأنهم اهتموا بالباطن دون الظاهر، طريقتهم اقتصرت على التأويل أيضا، ذهبوا إلى تفسير الآيات بحساب الجمل، والحروف النورانية والظلمانية، يقول: (من الواضح أن القرآن لم ينزل هدى للمتصوفة خاصة، ولا المخاطبين به، هم أصحاب علم الأعداد والأوفاق والحروف، ولا أن معارفه مبنية على أساس حساب الجمل الذي وضعه أهل التنجيم، بعد نقل النجوم من اليونانية وغيرها إلى العربية.)(7)

لم يترك السيد الطباطبائي التفسير بالباطن لكن ليس باهمال الظاهر، كما لم يترك التأويل على حساب أمر التنزيل؛ يؤيد وجود روايات عن النبي (ص) والأئمة (ع) ذكرت أن للقرآن ظهرا وبطنا، لكن أهل التفسير المقبول والسليم، اعتبروا الظهر كما اعتبروا البطن، أي أنهم لم يتركوا ظاهر القرآن كما تركه أهل التصوف، بل اهتموا بالظاهر كاهتمامهم بالباطن، كما اهتموا بالتأويل مثل اهتمامهم بأمر التنزيل. إذن التفسير عنده هو الذي لا يقتصر فقط على الباطن والتأويل، بل يهتم بالظاهر والباطن والتأويل وأمرالتنزيل.

ذهب في مقدمته إلى المفسّرين المعاصرين، أنتقد بعضا منهم، وشكك في قسم منهم كونهم من منتحلي الإسلام، انتقد المعاصرين الذين مالوا إلى مذهب الحسسيين تقليدا لفلاسفة أوربا، يرى هؤلاء الحسّيون أن المعارف الدينية لا يمكن أن تخالف الطريق الذي تصدقه العلوم، هم لا يؤمنون إلا بما يصدقه الحسّ، لذا ينكرون الغيبيات كالعرش والكرسي واللوح والقلم والمعاد إلى غير ذلك من المغيبات، يأولونها بما يتناسب وطريقتهم المادية، كذلك يؤولون التشريع من الوحي والملك والشيطان والنبوة والرسالة والإمامة، وغير ذلك من الأمور الروحية، يرون أنّ الروح نوع من الصفات المادية، والتشريع نبوغ، ذكروا أن الروايات لوجود الصحيح وغير الصحيح فيها تترك؛ لكنّهم يقبلون الرواية التي تتوافق مع مذهبهم، اهملوا حجية العقل في التفسير، وبنوا تفسيرهم على الحسّ والتجربة، صرحوا أن تفسيرهم هو تفسير القرآن بالقرآن، ولكن وفق الاتجاه المادي التجريبي.

يرى السيد الطباطبائي أنّ هذا النوع من التفسير لا يُعد تفسيرا، إنما هو من نوع التطبيق. إذ يعتبرون أفكارهم المادية صحيحة ويطبقونها على القرآن.

أرى أصحاب هذا التفسير يفسّرون بما وصل إليه العلم في عصرهم، ويغفلون أطروحة التطور العلمي في المستقبل، بل يبنون على ما في أيدهم من نتائج علمية علما أن هذه النتائج قابلة للتغيير بدرجة تطور العلم والاستكشافات المستقبلية.

يرى السيد الطباطبائي أنّ في جميع هذه الاتجاهات مشتركات، فكل فريق يطبق ما يحمل من رؤى فلسفية أو صوفية أو مادية على آيات القرآن، فصار بذلك التفسير تطبيقا، والتطبيق تفسيرا، فصارت حقائق من القرآن مجازات، وتنزيل عدة من الآيات تأويلات، يرى الطباطبائي أنّ آيات القرآن واضحة الفهم، فهو بلسان عربي مبين، ويرى أنّ الإختلاف في المصداق وليس في المفهوم.

بيّن السيد الطباطبائي أن المسميات المادية محكومة بالتغير والتبدل بحسب تبدل الحوائج في طريق التحول والتكامل، وضرب لذلك مثلا بكلمة السراج، أول ما عمله الإنسان كان إناء فيه فتيلة وشيء من الدهن تشتعل به أجزاء السراج، ثم بدأ بالتطور حتى وصل إلى السراج الكهربائي، الغرض من السراج واحد هو الإضاءة لكن المصداق يختلف حسب الزمان والمكان والتطور العلمي؛ وكذلك الميزان المعمول أولا، والميزان المعمول اليوم لتوزين ثقل الحرارة، والسلاح المتخذ سلاحا في ذلك الوقت، والسلاح المعمول اليوم.

يقول السيد الطباطبائي: (فالمسميات بلغت في التغير إلى حيث فقدت جميع أجزائها السابقة ذاتا وصفة والاسم مع ذلك باق، وليس إلّا لأنّ المراد من التسمية، إنما هو من الشيء غايته، لا شكله وصورته فما دام غرض التوزين أو الاستضاءة أو الدفاع باقيا، كان اسم الميزان والسراج والسلاح وغيرها باقيا على حاله.)(8)

السيد الطباطبائي يرى أن المدار في صدق الاسم اشتمال المصداق على الغاية والغرض، لا جمود اللفظ على صورة واحدة، والمقصود جمود المعنى في اتجاه واحد، لأن اللفظ باق، يرى الطباطبائي أن الجمود على العادة والأنس يؤدي إلى عدم تغير المصداق وفقا لمتغيرات الغرض والغاية، وممن وقع في هذا الإشكال  حسب تشخيص الطباطبائي المقلّدة من أصحاب الحديث، كالحشوية والمجّسمة، فقد جمدوا على ظواهر الآيات في التفسير، في رأي السيد الطباطبائي إنّ جمود هؤلاء في الحقيقة ليس جمودا على الظواهر، بل هو جمود على العادة والأنس في تشخيص المصاديق، يرى السيد الطباطبائي أنّ من نتائج الاعتماد على الأنس والعادة في فهم معاني الآيات؛ تشويش المقاصد واختلال أمر الفهم.

 أرى أن من يسمون أنفسهم من الوهابيين علماء واقعون اليوم في وهم العادة والأنس، فهم يرفضون الكثير من الحقائق التي اثبت العلم مصداقيتها مثل كروية الأرض، إذ يوجد من الوهابيين من يرفض حقيقة أن الأرض كروية ويقولون أنها مسطحة، فهم يحملون الكثير من أفكارهم البدوية على الآيات القرآنية، فيسمون تطبيقهم تفسيرا. هؤلاء الأعراب يكفّرون المسلم الآخر الذي يؤمن بوجود الله ووحدانيته، ويتحالفون مع اليهود الصهاينة تحت عنوان أنهم أصحاب كتاب، وكأن المسلم الآخر الذي يكفرونه ليس بصاحب كتاب هو القرآن الكريم، أرى سبب ذلك أنهم يفهمون القرآن وفق نمط الأنس والعادة حسب اصطلاح السيد الطباطبائي، لذا احتضن أعداء الإسلام الوهابية ودافعوا عنها، وأصبحت الوهابية من أدواتهم الفكرية التي يطمحون من خلالها تشوية صورة الإسلام وتضعيف المسلمين وبتعاون أمريكا وأدواتهم من الوهابيين، تمّ انتاج الفكر التكفيري الذي من آثاره ولادة جميع حركات الإرهاب، فسُفِكَت دماء المسلمين من جميع الطوائف، وخرّبت المدن وهدمت رموز الحضارة.

لا يجيز السيد الطباطبائي حمل ما ينتج من العقول والفلسفة والعلم على الآية، يرى أن الطريق الأسلم في التفسير هو عدم الحمل والتطبيق من الخارج على القرآن، بل  الصحيح هو تفسير القرآن بالقرآن، فيُستوضح معنى الآية من نظيرتها بالتدبر الذي يريده القرآن، وتشخيص المصاديق، ونتعرف عليها بالخواص التي تعطيها الآيات. يقول: وحاشا للقرآن أن يكون تبيانا لكل شيء ولا يكون تبيانا لنفسه. قال تعالى: (ونزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)(9) أضاف الطباطبائي: أن النبي (ص) الذي هو المعلم الأول للقرآن، ومن بعده خلفاؤه الأئمة الطاهرون (ع) ساروا في منهج تفسير القرآن بالقرآن، يقول: (على ما وصل إلي من أخبارهم في التفسير)(10)

في نهاية المقدمة يؤكد الطباطبائي أنه سار في تفسيره وفق منهج تفسير القرآن بالقرآن، يقول: هذا هو الطريق المستقيم والصراط السوي الذي سلكه معلمو القرآن وهداته صلوات الله عليهم، وذكر المحاور التي فسّر بها القرآن وفق هذا المنهج. نذكرها باختصار: المعارف المتعلقة باسماء الله سبحانه وصفاته، المعارف المتعلقة بأفعاله تعالى، المعارف المتعلقة بالوسائط الواقعة بينه تعالى وبين الإنسان كالحجب واللوح والقلم والكرسي والبيت المعمور والسماء والأرض والملائكة والشياطين والجن وغير ذلك، المعارف المتعلقة بالانسان قبل الدنيا، المعارف المتعلقة بالإنسان في الدنيا، المعارف المتعلقة بالإنسان بعد الدنيا، المعارف المتعلقة بالأخلاق الإنسانية، أما آيات الأحكام فلم يفصّل فيها لأنّها من اختصاص علم الفقه، يرى السيد الطباطبائي أنّ منهج تفسير القرآن بالقرآن يخلّص المفسّر من التأويل المخالف لظاهر الآيات، ولا يعني هذا أنه لا يقرّ بالتأويل عموما، بل يقر بالتأويل الذي يثبته القرآن في مواضع من الآيات، واضاف: أنه وضع في نهايات البيانات، ويعني أنه يفسّر الآية تحت عنوان (بيان)، بعد تفسيره للآية، يذهب في النهاية، إلى وضع أبحاث روائية منقولة عن النبي (ص) وأئمة أهل البيت (ع) من طرق العامة والخاصة، أما الروايات الواردة عن الصحابة والتابعين فليست عنده حجة. وأضاف أيضا ضمن منهجه التفسيري بحوثا فلسفية وعلمية وتأريخية واجتماعية وأخلاقية مؤكدا أن تناول هذه البحوث في تفسيره، وفقا لحاجة التفسير لها.

 أرى منهجه في طرح هذه البحوث حسب الحاجة هو الأسلم، لأنّ مجال هذه العلوم ليس التفسير، إذن البحث في علوم أخرى في منهجه ليست غاية، بل وسيلة للوصول إلى الغرض لمساعدة المفسّر في إيصال المعنى واضحا مفهوما.

ذكرنا في بداية دراستنا لمقدمة الميزان، أن المقدمة الأولى هي لآية الله جوادي آملي وعنوانها (دفاع عن الميزان)، يوحي العنوان أن هناك انتقادات للميزان، وهو يرد عليها، لكن لم يبين آية الله جوادي آملي مَن هي الجهة التي وجهت هذه الانتقادات أو الشخصية التي وجهتها، ذكر في بداية مقدمته معنى الوحي، والظاهر أن الناقد للميزان يرى أن بحث معنى الوحي هو من باب التفسير بالرأي، لكنّ آية الله جوادي آملي يردّ على ذلك دفاعا عن الميزان، إذ بيّن معنى الوحي حسب رؤيته التي أراد من خلالها تفنيد رأي من يعتبر هذه البحوث من باب التفسير بالرأي، قال: (وعلى ضوء ما ذكرناه، واستنادا لما ذكره العلامة الطباطبائي (رحمه الله) يتضح أن الناقد إنما عرض بالنقد لفكرة، لا لما أورده الأستاذ (قدس). )(11) وذكر آية الله جوادي آملي عدة نقاط عدّها الناقد من السلبيات، لكن آية الله آملي ينفي عن الميزان أنّ العلامة أراد المعنى الذي ذكره الناقد، نوجز طريقة الدفاع عن الميزان وردّ الإشكالات التي أثارها الناقد، حسب ما ذكرها آية الله جوادي آملي: 

لا يفهم من كلام العلامة، أنّ الرسول الأكرم (ص) كان كسائر الناس في علوم القرآن، ولا يفهم من كلام العلامة الطباطبائي أنّ الناس كانوا في غنى عن رسول الله (ص) في تحصيل العلوم القرآنية، وأنّ الرسول (ص) كان معزولا عن المرجعية في العلوم القرآنية، ولا يفهم من كلام العلامة أن علوم القرآن كانت بمتناول الجميع وهذا ما يوجب الاستخفاف بالقرآن، وأخيرا يقول: لا يفهم من كلام العلامة، أن الرسول (ص) علّم أصحابه كلّ ما لديه من علوم القرآن، فكانوا يفسّرونها للناس.

أخيرا يقول آية الله جوادي آملي: أن أي من الأمور المذكورة لا يمكن أن تمس بمقام الميزان، ولا يخفى إبداع صاحب الميزان في شرحه لمعنى التفسير بالرأي، وما حمل من نزعة متجددة في هذا الشأن، وأشاد آية الله آملي في استنباط الطباطبائي العميق في جمعه بين الآية: (لا يمسّه إلّا المطهّرون)(12) والآية (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا)(13) إذ يستدل الطباطبائي بالآيتين، أن مسّ باطن القرآن وحقائقه المكنونة هو من نصيب أهل بيت العصمة والطهارة (ع)  وعدم غنى الآخرين عنهم، أخيرا يوجّه آية الله جوادي آملي نصيحة بقوله: وما أجدر المتأخرين والأنسب للمتنعمين أن يجلسوا على مائدة الميزان ومأدبته الغناء للاغتراف من هذه الموسوعة.

 

علي جابر الفتلاوي

.............................

المصادر:

1 – سورة البقرة: 151.

2 – ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، المقدمة، ص2، بيروت، ط 2 2005م. 

3 – موقع mawdoo3 الالكتروني.

4 – محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ص12، تونس، ط1، 1984م. 

5 –  محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، المقدمة، ص6، بيروت، ط1 2010م.

6 – سورة آل عمران: 7. 

7 – محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، المقدمة، ص7.

8 – المصدر نفسه، المقدمة، ص9. 

9 – سورة النحل: 89. 

10 – محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، المقدمة، ص11.  

11 – المصدر نفسه، المقدمة (دفاع عن الميزان)، آية الله جوادي آملي، ص1- 3.

 12 – سورة الواقعة: 79. 

 13 – سورة الأحزاب: 33.