mutham aljanabi2توطئة: ان المقدمة النظرية التي تلي هذه التوطئة، هي تقديم لسلسلة من المقالات التي اخطط لكتابتها ونشرها. وهذه بدورها استمرار واستكمال لما انقطعت عنه في غضون السنوات العشر الأخير لأسباب تتعلق بإحساسي وإدراكي للأولوية والضرورة في كتابة أو إتمام ما كنت منهمكا به أو مخططا له.

ان هذه المقالات التي اخطط لانجازها (بحدود عشرين – ثلاثين) هي الجزء "التطبيقي" على مثال بعض الشخصيات الصوفية، أما الجزء الأول والتأسيسي فسوف أتناول فيه القضايا الفلسفية الكبرى للتصوف "العملي". بعبارة أخرى ان هذين الجزأين هما كتاب واحد كنت قد خططت له قبل فترة طويلة بوصفه الجزء الثالث من كتابي (حكمة الروح الصوفي). وقد طبع هذا الكتاب مرتان. ويحتوي على قسمين أو كتابين، الأول ووضعته للمناطقة، اي ذوي التفكير المنطقي (تحت عنون "بذل الروح")، والثاني لذوي التفكير الوجداني من أدباء وشعراء وفنانين (تحت عنوان "فلسفة الإبداع")، والثالث، الذي سأنشر ما يمكنني الآن كتابته، موجه لأهل السياسة (وسوف انشره تحت عنوان "سياسة الروح وروح السياسة"). ولم يكن كتاب (حكمة الروح الصوفي) سوى الصيغة المكثفة جدا لفلسفتي الخاصة عن الفكرة الصوفية.

فقد كنت اخطط قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن لوضع موسوعة الفلسفة الصوفية وليس تاريخ الفكر الصوفي وشخصياته. وقد وضعت لخطتي هذه عنوان (مائة كتاب عن مائة صوفي). وهي كتب متباينة من حيث عدد صفحاتها حسب حجم ومؤلفات هذه الشخصية الصوفية أو وتلك. ووراء كل هذه المهمة كانت تقف أمامي شخصية ابن عربي. فقد كان هو بداية ونهاية اهتمامي بالتصوف آنذاك (ولحد ما حتى الآن). حيث صرفت عليه عقود وما أزال من الزمن. لكنني لم اكتب عنه لحد الآن اي شيء! مع انه بحوزتي آلاف الصفحات"المتناثرة" عنه، والتي لم تتسن لي بعد فرصة التفرغ الكامل لكتابة ما كنت قد خططت له. وقد كانت تلك من الغاز الحياة العلمية وليست الشخصية أو الفلسفية.

ففي البداية كنت منهمكا بكتابة الرسالة العلمية عن ابن عربي لنيل درجة دكتوراه علوم (D.Sc.) في العلوم الفلسفية، وهي الدرجة الأرقى بعد الدكتوراه، والتي كان الحصول عليها في الاتحاد السوفيتي غاية في الصعوبة. بحيث لم يكن يسمح لحامل الدكتوراه العادية (Ph.D.) التقدم للبحث فيها إلا بعد عقدين أو ثلاثة عقود من الاحتراف العلمي. وفي مجرى بحثي وتأملاتي الفلسفية عن ابن عربي ظهرت فكرة مقارنته بشخصية صوفية أخرى لكي يكون للبحث مذاقه العلمي الأكاديمي وليس الفلسفي الحر. وشاءت الصدفة ان أضعه مقابل الغزالي، بحيث أصبحت الخطة هي كتابة رسالة تحت عنوان (الفلسفة الصوفية عن الغزالي وابن عربي- دراسة مقارنة). عندها أهملت أو تركت جانبا ابن عربي وأخذت بدراسة الغزالي. وقد كلفني الكثير من الوقت والجهد، وبالاخص ما له علاقة بتحقيق الصحيح من المنحول في كتبه. وقد أتممت هذا العمل على أفضل وجه. وقد كان ذلك أفضل ما كتب بهذا الصدد في كل تاريخ البحث العلمي على امتداد أكثر من ألف سنة. فقد جمعت ودرست كل ما ينسب إليه وهي بالمئات، وكل ما كتب عن هذه القضية بصورة محترفة أو عرضية منذ وفات الغزالي وحتى ثمانينيات القرن العشرين. وأفرزت بأثر الدراسة العلمية النقدية الصارمة (الجانب اللغوي والمصطلحات والأسلوب والمفاهيم والمضامين) تصنيف جديد، شكل الأساس "النقي" لدراسة الغزالي "الحقيقي". لكنني لا اعرف الآن أين ومتى ضاعت هذه المخطوطة وهي بحدود ألف صفحة من القطع الكبير (وهي ليست الوحيدة. فقد ضاعت مني مخطوطة جاهزة بثلاث مجلدات عن حياة النبي محمد، وأخرى أيضا بثلاث مجلدات عن تاريخ القرآن. لكنني عثرت قبل فترة على ثلاثة دفاتر كبيرة هي الصيغة الأولية المبعثرة عن تاريخ القرآن). أما ما يخص مخطوطة البحث في الصحيح والمنحول في مؤلفات الغزالي فقد عثرت قبل فترة قريبة على الصيغة المكثفة لهذا الكتاب. وقد أعدت تنقيحها لنشرها باللغة الروسية وهي بحدود مائة وعشرين صفحة. وسوف أعرّبها حالما يسنح لي الوقت. أما البقية الباقية من كتابي عن الغزالي فقد أنجزت خمس مجلدات كبيرة عنه أدمجت المجلد الخامس في الرابع وطبع تحت عنوان (التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي عند الغزالي). أما الجزء السادس فقد خصصته لفلسفة الحق والحقوق أو فلسفة الفقه وعلم الأصول. لكنني لم أنجزه لحد الآن. ولا اعتقد إنني الآن مستعد لانجازه، لان اهتمامي الرئيسي الآن موجه صوب إتمام عملي التأسيسي الفلسفي (فلسفة المستقبل). غير أني سأضع صيغة مكثفة عنه بحدود مائة صفحة أو اقل بقليل حالما يسمح الوقت. كل ذلك أدى إلى ان اترك مشروع (مائة كتاب عن مائة صوفي). وان استعيض عنه بكتاب (حكمة الروح الصوفي). أما أبن عربي فيبقى اللغز المحير بالنسبة لي سواء بمعايير الالتزام الروحي والعلمي أو بمعايير الأنا. وسوف أبقى إنا وإياه أمام وميض الأبد الروحي. لأنني على يقين بان كل ما كتب (إلا القلة القليلة جدا) عنه منذ موته ولحد الآن يمكن الإبقاء عليه على رفوف الماضي أو رميها في مزابل المكتبات الخربة. اذ ان اي منها لم يستطع الوصول حتى إلى أقدامه. وما وراء ذلك عوالم غير متناهية.

***

للثقافة أرواح مختلفة ومتنوعة، لكنها تنسج في مجرى مكابداتها المعرفية والأخلاقية ما ادعوه بالعقل الثقافي للأمة، اي العقل الفاعل بقواعد ومعايير المرجعيات المتسامية الكبرى للثقافة نفسها. وإحدى أهم مرجعيات العقل الثقافي الاسلامي هي الحكمة. وهذه بدورها تتخلل، من حيث مقدماتها ووظيفتها وماهيتها، جميع مظاهر العقل النظري العملي الإسلامي. ففي الفقه هي فقه حقيقة الشرع، وفي الكلام هي حكمة الدفاع عن عقائد المسلمين العامة، وفي الفلسفة هي الفلسفة ذاتها بوصفها حب الحكمة، وفي التصوف هي كله. اذ تبدأ الحكمة فيه من إدراك حقيقة الطريق إلى الحق، لتنتهي بتحقيقه في البحث عن الحقيقة، والتحقق بها بوصفه طريق الحق. الأمر الذي جعل التصوف مسعى لولاية النفس بمعايير الحق عبر الفناء به والبقاء بمعاييره. وبما أن الحق هو عين الحكمة، والحكمة هي مظهر الحق، من هنا تنوعها غير المتناهي في الشخصية الصوفية. وليس مصادفة أن تكون فكرة الولاية والأولياء من نصيب الفكرة الصوفية وطرق تحقيقها في الطريق الفردي. من هنا اثر التصوف في بلورة المرجعيات الروحية الكبرى للثقافة الإسلامية وعقولها النظرية والعملية. بحيث يمكننا القول، بأن الثقافة الروحية الإسلامية لا تعقل خارج التصوف، فهو الذي صاغ وبلور مرجعياتها المتسامية. وقد وافقه ورافقه التشيع في بعض جوانب هذه الصفات، عندما رفع فكرة الولاية إلى مصاف الولاية الأبدية. بل اعتبر الولاية الحقة له ومنه كما في الشعار القائل "لا ولي إلا علي".

غير إن الفرق بين التشيع والتصوف يرتقي إلى مستوى التباين النوعي في المنظومة وعقائدها وغاياتها. ففي التشيع تعود أصول فكرة الولاية إلى تاريخ الصراع السياسي وتأسيسه العقائدي والديني، بينما تعود في التصوف إلى تاريخ الوعي الذاتي لقيمة الروح المتسامي. وبالتالي ليست فكرة الولاية الصوفية سوى نموذج الإفناء الشامل للرذيلة والبقاء بقيم الفضيلة المتسامية، اي كل ما يرافق الإرادة المتفانية للروح والجسد في تحقيق المثال الأخلاقي في طريق الحق والحقيقة. وفي مجرى هذه العملية تتراكم الإرادة الصوفية بوصفها تهذيبا وتنقية دائمة لكل ما يمكنه تحقيق النزوع الإنساني الفعلي في مواجهة إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للمتصوف. بمعنى إدراك الحقائق الكبرى والعميقة التي يجري اكتشافها في مسار التجربة الذاتية. وهي تجربة فردية وفردانية بالضرورة. لكنها في الوقت نفسه تعكس اثر المرجعيات الثقافية الكبرى في الثقافة العامة والخاصة.

فالتصوف الاسلامي هو إسلامي بالضرورة. وبالتالي، فإن صيرورته وكينونته محكومة بأثر وتأثير المرجعيات الفكرية والروحية والثقافية الكبرى للدين الإسلامي والثقافة الإسلامية. وشأن كل ظاهرة كبرى ومؤثرة وجوهرية في صيرورة وكينونة الروح الثقافي عادة ما تبدأ بشخصية وتنتهي بانتهاء قدرتها على الإبداع الحي. وليست هذه البداية "الشخصية" سوى نهاية ما ادعوه باللحظة التأسيسية للفكرة والتيار والمدرسة. وفيما يخص التصوف، على الأقل بمعايير التصنيف التاريخي الصوفي، أو بصورة أدق بمعايير تصنيف السلسلة الصوفية، فانه عادة ما يربطه بشخصية إبراهيم بن ادهم. أما في الواقع فإن "بدايته" الصوفية هي نتاج تراكم تاريخي هائل في صيرورة الروح الأخلاقي الإسلامي المتسامي الذي وجد تعبيره في الأتقياء والورعين والزهاد وفدائي الروح السياسي المتسامي. وقد أشار إبراهيم بن ادهم نفسه على من قبله في هذا المسار إلى كل من ثابت البناني، وأيوب السختياني وغيرهم.

***

ان حقيقة التصوف أو ما ادعوه بحكمة الروح الصوفي هي البقية الوحيدة الباقية من حصيلة الثقافة الإسلامية. فكلا ما عداه أما ميت، أو "حي" في بعث الأموات، أو متهالك في دفع الأحياء صوب الجحيم. والسبب يمكن ان التصوف روح متسام من الناحية المجردة، وفعال في تربية الارادة المتسامية، وخلاق في تهذيب الإدراك الوجداني، ولابد منه في ترقية الجميل بشكل عام والأدب بشكل خاص. وقد حدس السلمي في عبارته القائلة، بان المتصوفة هم "أولئك الذين يثبتون ظواهر الشريعة وبواطن الحقيقة ويحملون الأمة على آدابها"، وبالتالي "إنهم خلفاء الأنبياء"1 . وفيما لو أنزلنا هذه العبارة من علياء البلاغة القديمة إلى ميدان الحكمة العملية، فأنها تعني بان لكل زمن دعاته وأولياءه، اي لكل زمن نخبه المتسامية بوصفه أسلوب وجود الحكمة الحية في حياة الأمم. أما انعدامهم أو ضعفهم التاريخي والفعلي فانه مؤشر على "موت" الأمم أو سباتها العلمي والعملي. والعالم العربي المعاصر ليس بحاجة إلى "خلفاء الأنبياء" بالمعنى الديني واللاهوتي، بل إلى خلفاء الوحي التلقائي والمبدع في مواجهة إشكاليات وجودنا التاريخي الواقعي عبر تحديه الفعلي وإرساء أسس البدائل المستقبلية بمعايير المستقبل نفسه.

***

لقد كان الروح وما يزال يثير بقدر واحد إشكاليات لا تحصى أمام منطق الفلاسفة، ويستثير وجدان الشعراء في بحثهم عن صيغة متجانسة (هرمونيا) للشكل والمعنى. بينما لا تفعل في الوعي اللاهوتي إلا على كسر إرادته بالانحناء أمام "سر الإسرار" والقبول به بوصفه قيمة ومعنى لهما تاريخهما الخاص في الإرادة الأزلية للآلهة.

أما بمعايير المنطق التاريخي، فان إشكالية الروح والروحانية ليست إلا الصيغة العقلية والأخلاقية الملازمة لتاريخ الفكر والوجود الإنساني. وليس مصادفة أن يتطابقا في الشكل والمعنى. وذلك لأنهما يحتويان على أصل وجذر واحد، بمعنى أنهما كلاهما يمتصان رحيق وجودهما من أرضية المعاناة الإنسانية في البحث عن المعنى وبلوغ الكمال. وهي عملية يمكن رؤية ملامحها المنطقية المجردة في تاريخ انتقال الفكر والفكرة من الروح العادي إلى الروح المعرفي ومنه إلى الروح المطلق. عندها جرى قفل "تاريخ الروحانية" بالمعنى القديم. أما المحاولات التي سعت لتجاوز هذه التقاليد، فانه جرى خزنها ضمن مصطلح "الروحانية". من هنا بقاء الأولى من حيث كونها تاريخ وتقاليد وفكرة وإشكالية معرفية نظرية وعملية، واندثار الثانية بوصفها ولعا عابرا أو مرحلة قلقة في بحث الروح عن روحانية راديكالية!

أن بقاء الروحانية وإثارتها للجدل الفكري والبحث الفلسفي مرتبط أساسا بطبيعة الترابط التاريخي بين مصادرها الأولى وحالتها في العالم الحديث، بوصفها فكرة متسامية. إذ ليست الروحانية في الواقع سوى الصيغة المعبرة عن محاولات تجاوز الأرضي والتاريخي صوب السماوي وما وراء التاريخي.

إن هذا التوجه لم يكن معزولا عن تناقض العقل والوجدان حالما أخذا بالصراع باعتبارهما أساليب منهجية في الرؤية والمواقف العملية. وهو تناقض مازال يشغل حيز التأمل الفكري والاجتهاد الفلسفي. وقد تكون قضية الأخلاق من بين أكثرها إثارة وجلاء بهذا الصدد. أي ما هي الطريقة المثلى لبلوغ حالة الكمال الأخلاقي، وما هي الأساليب النظرية والعملية الكفيلة بتجسيد أو تحقيق مهمة الكمال. وهي فكرة حالما يجري التأسيس لها بمعايير الفكر الفلسفي، فإنها تضع الفكر بالضرورة أمام "المهمات العملية".

ولكل عصر مهماته العملية التي تدفع بها هذا الشكل أو ذاك من أشكال الوعي إلى المقدمة بوصفه الصيغة الأكثر تعبيرا عن تحقيق الكمال الأخلاقي، أي عن كمال الروح. بعبارة أخرى، إن الروح الذي شغل الوعي الأسطوري والمنطقي، الفلسفي العقلي واللاهوتي، الديني والدنيوي، وما يزال يشغله بمختلف أشكاله ومستوياته، لم يفقد قيمته بمعايير العقل والوجدان الحديثة أيضا. الأمر الذي يشير إلى جوهرية فكرة الروح والروحانية العالمية والتاريخية. إذ ليست الروح والروحانية سوى الاشتقاق الأكثر سموا للتعبير عن الإشكالية النظرية والعملية للمعنى التي لا تعقل الفلسفة بدونها.

فالتفكير الفلسفي منذ البدء هو بحث واجتهاد خاص عن المعنى. من هنا تداخل الحس والعقل والحدس في مغامراته المغرية. وأبدعت مختلف المراحل التاريخية والثقافات تصوراتها وأحكامها ومدارسها الرامية إلى إيجاد الصيغة المثلى للكمال الروحي. ومن بين هذه الاتجاهات أو المدارس الكبرى في الثقافة الإسلامية تجد الإشارة إلى التصوف.

فقد أبدع التصوف منظوماته الخاصة بهذا الصدد. من هنا إثارته للاهتمام العلمي الفلسفي بما في ذلك في ظروفنا المعاصرة التي جعلت من قوة التكنيك والاستهلاك والسرعة عناصر جوهرية في طاقة الوجود الإنساني ولحد معناه. غير أن التأمل العميق لهذه الظاهرة يكشف عن أن غبار الزمن لا يمكنه تغطية معنى القيمة التاريخية الكبرى في رؤية الأسلاف وتجاربهم في البحث عن الكمال. والسبب يكمن في أن توجههم صوب المطلق كان يحمل في ذاته توجها صوب النفس والبحث فيها عن تناقضات الوجود، أي عن المعنى. وهو توجه لا مكان فيه للسرعة، لأنها تصبح مجرد عجالة. وبالتالي لا قيمة لها (السرعة) ضمن سياق هذه المنظومة الخاصة للقيم والبحث عن المعنى. على العكس إنها لا تنتج غير عرقلة وتخريب التراكم الضروري لخميرة الإرادة في البحث عن المعنى، والكمال بمعاييره.

ولعل شخصية ابن عربي من بين أكثر الشخصيات الكبرى في التصوف، التي تركت أثرها في هذا الميدان. من هنا الاهتمام العالمي المتزايد به مع كل إجلاء متجدد لتراثه الذي ظل مغمورا تحت ثقل طين السيول المدمرة لمراحل الانحطاط وهيمنة اللاهوت التقليدي. وليس اعتباطا أو مصادفة أن يأخذ باحتلال المكانة الكبرى وسط الباحثين والعلماء الكبار في ميدان الفلسفة والتراث الإسلامي.

أما محاولات ربط التصوف وأصوله وبعض شخصياته بأثر وتأثير الأديان الأخرى من بوذية وهندوسية ونصرانية وغيرها فلا تعدو كونها مقارنات مفتعلة ولا قيمة عليمة فيها. وذلك لان هذه التصورات والأحكام تتسم بقدر كبير من الجهل والتسطيح. فالتصوف أصيل بكل ما فيه. والسبب يكمن في جذوره وأصوله الذاتية (الإسلامية). وكل ما عد ذلك مجرد مظاهر تستهوي التطفل والعابر وليس المعرفة الحقيقية.

وفيما لو تناولنا هذه القضية بمعايير الرؤية العلمية الدقيقة، فمن الضروري الانطلاق من واقع اختلاف الآراء والمواقف من حقيقة التصوف وماهيته ومن ثم أصوله وجذوره. وهذا بدوره مرتبط أما بالرؤية المنهجية أو بمستوى المعارف والمدارك. إلا ان هذا المدخل العام لا يحل كما يقال هذه الإشكالية، وذلك لان الحكم على التصوف يفترض الإلمام والدراية به من حيث كون علما وعملا، وتقاليد ومنظومات وفلسفات. وهذه بدوها وثيقة الارتباط بكافة مكونات ومراحل الثقافة الإسلامية. ان الجهل بهذه الجوانب أو عدم درايتها ومعرفتها كما هي، عادة ما يقف وراء الأحكام السريعة والسطحية عن التصوف، بما في ذلك فيما يسمى بالدراسات "العلمية" و"الموضوعية" التي تحاول البرهنة على ان التصوف هو "نتاج" مدارس أو أديان ما أخرى غير الاسلام وتاريخه الثقافي.

ان التصوف هو المدرسة الأوسع والأعمق والأكثر أصالة للثقافة الإسلامية. انه مدرسة المطلق الاسلامي الثقافي والتاريخي.

ففيما لو أجملنا حصيلة المدارس أو الاتجاهات النظرية والعملية الكبرى التي لازمت تطور العقل النظري والعملي في الثقافة الإسلامية، فان من الممكن حصرها بأربع وهي الفقه وعلم الكلام والفلسفة والتصوف. والفقه والتصوف هما المدرستان الإسلاميتان الأكثر أصالة وصميمية. وشأن كل مدرسة أو تيار أصيل وصميمي، فانه ذاتي بالضرورة، اي انه نتاج تلقائية التطور الذاتي للثقافة المعنية.

فكل ما في التصوف أصيل بذاته، وإسلامي، بمعنى انه نتاج تطور الثقافة الإسلامية كما هي. واقصد بذلك الثقافة العامة وليست الدينية. فالثقافة الإسلامية أوسع بما لا يقاس من ان تربط بالدين لحاله وحده. وذلك لان الدين لا يشكل من حيث الجوهر فيها إلا نسبة ضئيلة جدا للغاية. وما عدا ذلك، بوصفه مضمونها التاريخي، هو نتاج الاجتهاد العقلي والروحي في مختلف ميادين الحياة والوعي.

والتصوف هو احد نماذج ومستويات وميادين التجربة الحسية والعقلية والحدسية للثقافة الإسلامية في محاولاتها تأسيس فكرة المطلق، أو ما أطلق عليه التصوف عبارة الحق والحقيقة. فهي الوحدة الخاصة التي ميزت وجوده التاريخي والفكري والروحي، التي نعثر عليها في مجرى المعاناة الهائلة والمتنوعة لشخصياته على امتداد قرون في مجال تدقيق وتحقيق وتشذيب وتهذيب مختلف علومه وطرقه وأساليبه ومفاهيمه واصطلاحاته وقواعده ومبادئه، اي كل ما يميز فرادته الأصيلة. بحيث يمكنني القول، بان كل ما في التصوف أصيل بصورة تامة. وإذا كان أسلوبه الشكلي يتمظهر في وحدة الطريقة والشريعة والحقيقة، فلأنها الصيغة التي تعكس أولا وقبل كل شيء صيرورته الذاتية. انه طريق بلوغ الحقيقة عبر التمرس في شريعة الأمة التاريخية، اي منطق إدراكها للحق في مختلف ميادين الحياة. وهي الصفة الجوهرية للتصوف الاسلامي، التي لا نعثر على شبيه لها في كل نماذج التصوف الأخرى على الإطلاق. من هنا عمق تجارب التصوف الاسلامي النظرية والعملية وتنوعها الهائل.

طبعا اذ ذلك لا ينفي إمكانية تأثيره بمختلف المدارس والاتجاهات والشخصيات الدينية والدنيوية، الفقهية والكلامية، الفلسفية والعلمية الطبيعية، والشعر والشعراء والأدب والأدباء، المؤرخون وأهل السياسية، باختصار في كل ميادين ومجالات ومستويات المعرفة الإنسانية. فالتصوف كان يصهر كل نتاج التجارب الإنسانية من خلال تذويبها في تجاربه الخاصة. وهذه صفة المدارس الحية الكبرى. ان التصوف تجربة أو تجارب حية وليست عقائد ميتة. كما انه تميز على الدوام بانفتاح فكري وروحي هائل، من هنا عظمة كل ما فيه من الكلمة والعبارة حتى نظام الروح المتسامي.

أما الصيغة الشائعة "الشعبية" والغبية عن ربط التصوف بدروشة الأسواق الخربة والمحلات القديمة إضافة إلى الخرقة والمسبحة واللباس الرث وكثير غيرها، فأنها أما سوء فهم أو جهل أو تسلية جلساء المقاهي العتيقة المغرمة بدخان التبغ اللذيذ وعفونة النارجيلة! اذ لا علاقة جوهرية للتصوف والمتصوفة بهذه الترهات! ومن ثم فان هذه التصورات ليست إلا "خواطر" لتسلية الإنسان "العادي"، اي غير المحترف في هذا المجال، أو غير العارف بحقائق التصوف العامة، أو غير المتعلم بمعايير المعرفة العلمية أو غير المثقف بمنجزات العلم والرؤية العلمية المعاصرة. وبالتالي فهي جزء من الأوهام والخرافات التي لازمت مراحل الانحطاط التاريخي للثقافة الإسلامية، الذي أصاب التصوف أيضا.

ان حقيقة التصوف هي تجربة المطلق. ومن ثم فهي متنوعة وعلى قدر شخصياته. وبالتالي، فان كل ما لازمه من مظاهر عالقة لا علاقة صميمية لها بحقيقته. وقد أطلق الصوفية على هذه الأشياء عبارة "ترهات الصوفية". من هنا قولهم، إذا أردت حقيقة التصوف فابذل روحك، وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية! والخرقة والمسبحة وما شابه ذلك هي مظاهر لهذه "الترهات"، حالما تصبح ذات قيمة بحد ذاتها، ومعزولة عن جذورها وحقيقة حاملها. فالفنان العظيم والموسيقي الكبير والشاعر الفحل والفيلسوف الأصيل قد يصاب كل منهم بأثر حالة الإبداع بذهول واندهاش من الهام الإبداع يجعله غريبا في السلوك والأطوار والأذواق. اي كل كما يبدو في أعين الآخرين "جنونا". بينما الجنون كما يقال فنون، اي متنوع الصور والأشكال والمستويات. وما يبدو جنونا بمعايير الرؤية العادية هو عين العقل بمعايير الإبداع الكبير. بمعنى انه يتجانس مع حقيقة الإبداع التي تنفي وتنتهك الأعراف والتقاليد والمظاهر وتعيش بفعل ما فيها من وحي ذاتي. أنها تعيش وتعمل وتفعل بمعايير الروح والقلب. لكن الأمر يختلف حالما يقلد الجاهل والعادي والبليد هذه المظاهر. فخرقة الصوفي الأصيل شأن ملابس الفنان العظيم الرثة. ليس لأنه يحب الرثة، بل لأنه مشغول بما هو اكبر وأوسع وأعمق. انه يتجاهل المظاهر المزيفة والعرف المقيد للروح لأنه يعمل بمعايير أخرى، ويزن الأشياء بموازين أخرى. ومن تعود على وزن الحجر أو البطيخ فقط، قد يستهزئ بميزان الذهب والدر. بعبارة أخرى ان لكل شيء ميزانه الخاص. والخرقة والمسبحة أيضا، مع إنهما ليستا جوهريتان في التصوف، إلا ان لهما ميزانهما الخاص في تاريخ التصوف. واقصد بذلك رمزيتهما الخاصة، وبالاخص ما يمس الخرقة. ذلك يعني ان لكل منهما تاريخه الخاص. ولا ضرورة هنا للاستفاضة بكيفية نشوء هذه الأشياء ووظيفتها ضمن الطريق الصوفي وتربية المريد وسلوك الشيوخ. لكنني اكتفي بالإشارة إلى أنها، شأن كل ما في التصوف، ليس إلا حالة عابرة أمام مهمة وجدان المطلق، اي الذوبان في فعل الحقيقة من اجل إدراك النفس وتهذيبها الدائم. فهو طريق لا ينتهي ولا يتناهى، شأن الحق والحقيقة: جلي عصي ابد الآبدين! بعبارة أخرى، ان حقيقة التصوف فيما أشرت إليه في العبارة الأخيرة ولا شيء آخر!

***   ***   ***

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر عراقي

........................

1- السلمي: بقات الصوفية، ص4-5.

 

 

jafar alhakeemحوارات في اللاهوت المسيحي (29)

يقوم الإيمان المسيحي على مجموعة متداخلة ومترابطة من الاعتقادات التي تكوّن في مجموعها التصور العام الذي يقدمه هذا الإيمان لطبيعة الحياة والخلق ومسيرة الانسانية وعلاقة الانسان بالخالق.

ومن أهم هذه الاعتقادات هي عقيدة الفداء والصلب وتجسّد الإله بشكل الانسان، وما يرتبط بها من افكار اخرى مثل الخطيئة الاولى الموروثة والخلاص.

وتقدم لنا الميثالوجيا المسيحية، تعديل واضافة على قصة الخلق التي وردت في نصوص سفر (التكوين) من كتاب اليهود المقدس، حيث تلخص الاضافة المسيحية لهذه القصة، التصور الاجمالي لهذه العقيدة حول الخلق ومصير الانسانية !

وحسب قصة سفر(التكوين) ...قام ( آدم وحواء) بكسر تعليمات الرب، واقترفا الخطيئة الأولى حين اكلا من الشجرة المحرمة ، وهنا تبدأ الاضافة المسيحية لتأويل القصة، حيث تمّ اعتبار هذه الخطيئة هي بمثابة (خطيئة غير محدودة!) لانها وقعت بحق اله (غير محدود!)

وتمّ اعتبار أثر هذا الفعل الخاطئ بمثابة موروث جيني سينتقل الى جميع أفراد الذرية التي تنحدر من نسل آدم وحواء !!

وهذا طبعا، ينسف كل قوانين الوراثة وعلم الجينات !.... فالافعال هي بالنتيجة قرار شخصي ولا تستلزم انتقالها وراثيا من الأبوين للابن، فمثلا، الأب الذي يرتكب جريمة السرقة او التزوير، سوف لن يورث فعل هذه الجريمة الى ابنائه ، ولن يكون الابناء مزورين بالوراثة!

وحسب الميثالوجيا المسيحية، وبعد ارتكاب ابوينا لفعل الخطيئة الاولى( الغير محدودة) اصبح الرب الخالق في ورطة!!

لان الرب بطبيعته، يحب البشر ويريد ان يرحمهم ويسعدهم، لكن، بنفس الوقت، تقتضي عدالته المطلقة، معاقبة البشر على الفعل الخاطئ الذي ارتكبه الأبوان في الجنة، والذي انتقل اثمه ومسؤوليته الى جميع افراد الإنسانية في كل زمان ومكان !

وأمام هذا الموقف الحرج، حيث تصادمت محبة الرب مع عدالته، لم يكن أمام الرب الا وضع خطة للخروج من المأزق!

فكان، لابد من ان يقرر الرب بأن يقوم هو بافتداء خطايا البشر بنفسه، ولذلك وجب عليه ان يتجسد على شكل انسان، ويأتي بملئ الزمان، ليقوم بتقديم دمه المقدس الطاهر، على مذبح الفداء والكفارة لخطيئة الانسان، فيحصل بذلك، البشر على الخلاص والغفران !!

ان تنفيذ هذه الخطة الالهية المحكمة، تتطلب وجود أدوات ووسائل تضمن نجاح تطبيقها على أرض الواقع في عالم البشر، ومن بين الأدوات التي يستلزمها سيناريو الخطة، هم البشر الذين سيقومون بتنفيذ تفاصيل ذلك السيناريو، ومن أهم الوسائل لتنفيذه ، هو أن يكون أولئك البشر، غير مدركين بحقيقة الخطة، ولا يعرفون ان ما يقومون به هو تقديم الرب خالقهم وخالق الاكوان الى مذبح الموت، لانهم لو عرفوا تلك الحقيقة الصادمة، لما تجرأوا وأقدموا على فعل هكذا جريمة مزلزلة، الا اذا كانوا مجانين وبلا عقول، وفي هذه الحالة لن يكون عليهم اي حساب ولا مسؤولية!!.....

لأنه ليس على المجنون من حرج!!

النصوص الدينية المسيحية، تؤكد دائما ان شخص يسوع المسيح، قد تم التبشير به ضمن نبوءات كثيرة وردت في متون العهد القديم، ويقينا، ان الغرض من هذه النبؤات المتكررة، هو لكي يعرفه قومه اليهود ويؤمنون به ، حين يأتي إليهم….

ومن أهم تلك النبؤات والعلامات (حسب الرواية المسيحية) التي سينفرد بها يسوع الناصري، وتكون دليلا دامغا على انه هو المسيح المنتظر، هي علامة ولادته العذرية، حيث سيكون الإنسان الوحيد الذي يولد من دون تدخل بشري، والنصوص التي يدعي المسيحيون انها تشير لهذه العلامة الفريدة شهيرة ، وقد ناقشناها في مقالات سابقة.

وهنا يجب ان نتوقف عند نقطة مهمة ومثيرة للتساؤل إلى درجة التعجب ، نظرا لتناقضها وعدم اتساقها مع المنطق !

فالقصة الإنجيلية التي قدمت لنا سيرة حياة يسوع الناصري، أكدت ان قوم يسوع لم يكونوا يعلمون بموضوع ولادته العذرية!

لان خطة الرب اقتضت ان تضع (يوسف النجار) في طريق (مريم) ليكون خطيبها أثناء فترة حملها بيسوع، وبذلك كان الجميع يعتقد ان يسوع الناصري هو الابن الطبيعي ليوسف النجار من زوجته مريم

(وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ، وَيَقُولُونَ:أَلَيْسَ هذَا ابْنَ يُوسُفَ؟) لوقا4

وبنفس الوقت، لم نجد يسوع الناصري يصحح لهم هذه المعلومة، ويخبرهم انه مولود بطريقة عذرية اعجازية، بل تركهم على اعتقادهم الخاطئ، وبذلك فات عليهم ادراك تحقق اعظم نبؤة ، واهم علامة من علامات مسيحهم المنتظر!!

وبقي (سر) الولادة العذرية محصورا في نطاق الاسرة فقط، ولم يعرفه احد الا بعد مرور عشرات السنين على صلب يسوع حين أخبر عن ذلك السر الأشخاص الذين كتبوا إنجيل لوقا وإنجيل متى(فقط) ولكن بعد ان ( وقعت الفأس بالرأس!!!)

ومن جهة أخرى، وبالوقت الذي نجد ان يسوع الناصري، لم يصرح ابدا بشكل مباشر و واضح للناس، انه هو الإله الذي تجسد وجاء الى هذه الدنيا ، ولم يطلب من الناس بشكل صريح ان يعترفوا له بالألوهية او ان يعبدوه، ولم يدع ذلك ابدا

في الوقت ذاته، نجد يسوع الناصري، احيانا، يصر ويحرص بشكل غريب، على اضلال السامعين له من غير تلاميذه،

و تتويههم، لكي لا يعرفوا حقيقته، فيؤمنوا به، وبذلك يكونوا مستوجبين للغفران !!!

( وأما الذين هم من خارج ، فبالأمثال يكون لهم كل شيء.لكي يبصروا مبصرين ولا ينظروا، ويسمعوا سامعين ولا يفهموا، لئلا يرجعوا فتغفر لهم خطاياهم) مرقص 4

من هذا كله، نستنتج ان القوم الذين عاصروا يسوع الناصري، ولم يؤمنوا به ، وقاموا بمحاكمته وتقديمه الى الصلب، لم يكونوا عارفين بتفاصيل الخطة الالهية الرصينة، وانما كانوا مجرد أدوات قد استخدمها الرب من اجل تنفيذ السيناريو الذي وضعه على مسرح الواقع، وقد قاموا بالفعل بأداء تلك الادوار التي اوكلت اليهم، بعد ان تم خداعهم واستدراجهم من قبل الرب ، ليكونوا مشاركين ( من غير علم ولا اختيار) في تطبيق خطته التي حسمها وقرر تنفيذها بشكل متقن !!

(بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا،

الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ!!!) كورنثوس الأولى 2

ان نجاح خطة الرب، و اتمام مهمته الفدائية، بعد اكمال عملية صلب يسوع الناصري، قد ضمن الخلاص والنجاة لمليارات البشر من الذين آمنوا بهذه القصة ( العقيدة حسب الايمان المسيحي)

والسؤال الذي يطرح نفسه الان، حول الناس الذين تسببوا بشكل مباشر او غير مباشر في صلب يسوع الناصري، ونجاح خطته الإلهية، وخلاص مليارات البشر، الا يستحق هؤلاء المكافأة على مشاركتهم في نجاح الخطة وإنقاذ البشرية؟!

وقد يأتي الجواب على الشكل التالي، وهو ان هؤلاء القوم، قد ارتكبوا جريمة بشعة، وهي تقديم انسان بريئ الى الموت، و يستحقون العقوبة على هذه الفعلة حتى وان كانوا جاهلين بحقيقة الوهية يسوع الناصري

وهذا الجواب مهم، وجدير بالاعتبار، ولكنه بنفس الوقت، يتعارض مع نصوص الكتاب المقدس!

حيث اننا نجد في العهد الجديد، ان انجيل لوقا ينفرد بذكر معلومة مهمة جدا في اطار سرد تفاصيل قصة الصلب ، رغم ان السيد (لوقا) لم يكن من ضمن شهود العيان الذين حضروا أحداث تلك القصة !

فقد ذكر انجيل لوقا في الإصحاح 23 ان يسوع الناصري في طريقه الى الصلب، قال وهو يخاطب الرب:

(يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ)

وهنا يجب ان يستوقفنا هذا الدعاء الصادر من الرب المتجسد الى النسخة السماوية من الإله ( الآب) والذي يتضمن طلب الغفران للذين ساهموا بتقديم يسوع الناصري الى مذبح الموت ، مع الاخذ بالاعتبار ان يسوع الناصري حينما تقدم بهذا الطلب ، كان بالتأكيد جادا وحريصا على شمولهم بالمغفرة، ولم يقل كلمات دعائه لغرض المجاملة او الدعاية!

لان يسوع الناصري كان على يقين بأنه حين يدعو ويطلب من الرب، فإن طلبه سوف يتم قبوله وتحقيقه

(وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي) يوحنا 11

وبناءا على ما ذكره إنجيل (لوقا) فإن القوم الذين قاموا بضرب وتعذيب واهانة يسوع الناصري ومن ثم صلبه، قد غفر لهم حسب طلب الإله المتأنسن (يسوع) من الإله السماوي ( الاب) ، مع ملاحظة ان طلب المغفرة قد جاء حتى من دون ان يؤمن هؤلاء القوم بيسوع و لا بألوهيته ، بل أثناء تماديهم وإصرارهم على فعلتهم !

وقد يجيب البعض، ان هذا امر طبيعي ، لان يسوع هو الرب الذي يحب البشر ، ويغفر حتى للمسيئين إليه

وهذا كلام رائع وجميل ويدعو للتفائل ، لكنه مع الاسف يصطدم مع حقائق اخرى ذكرها العهد الجديد، تجعل المغفرة والخلاص احتكار (حصري) للمؤمنين الذين تتطابق عقيدتهم مع المسيحيين فقط !

فالعقيدة المسيحية تضع الإيمان بيسوع المسيح، وقبول عمله الكفاري على الصليب شرطا لنيل الخلاص وبه يتبرر الإنسان

(آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ) اعمال الرسل 16

وبدون الايمان ، لن يحصل الانسان على الخلاص والمغفرة، وسيكون مصيره الابدي هو العذاب في بحيرة النار والكبريت مع المجرمين والزناة والقتلة، حتى لو قضى حياته كلها بفعل الخير والمحبة والأعمال الصالحة ...فلن تنفعه !!!!

(وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي) سفر الرؤيا 21

من كل ما تقدم، لابد ان يقف المرء حائرا أمام هذا التناقض والاضطراب، بين النصوص والعقائد المشتقة منها، فالرب حسب الميثالوجيا المسيحية، حبوب وحنون وغفور للذين عاصروه، ولم يؤمنوا به ، بل كذبوه واهانوه وصلبوه، لكنه بنفس الوقت صارم و حاسم تجاه مليارات البشر (من غير المسيحيين) الذين لم يؤمنوا بقصته، وربما لم يسمعوا بها اصلا، او وصلتهم بعد مئات والاف السنين ، ولم يصدقوها او تعاملوا معها على اساس انها ليست سوى خبر تاريخي، لا يمكن التحقق من مصداقية جميع تفاصيله !

ان هكذا ميزان للعدالة الإلهية، لا بد وان يكون مصابا بالعطل او الاعوجاج المتحيز، وليس أمام العقل السليم سوى رفضه

وعدم القبول به….او السير خلف قاعدة...اغلق عقلك.... لتؤمن….فتنجو !!!

 

د. جعفر الحكيم

 

عدنان عويد﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106)﴾ الكهف.

كثيراً ما نسمع أو نقرأ معاً مقولة : (الإسلام صالح لكل زمان ومكان) من قبل بعض مشايخ الدين، أو من قبل بعض التنظيمات السياسية الإسلامية التي على أساس هذه المقولة طرحت مشروعها السياسي القائم على فكرة (الحاكمية) في تاريخنا الحديث والمعاصر، وخاصة بعد سقوط الخلافة العثمانية وانفصال المشرق العربي ومصر عن هذه الخلافة، ثم مجيئ الاستعمار الفرنسي والانكليزي، بمشروعي سايكس بيكو ووعد بالفور التقسيميين التفتيتيين للمشرق العربي في منطقة سورية الكبرى، وتشكل اللوحة الجغرافية والسياسية المعروفة اليوم في عالمنا العربي.

مع انتهاء الخلافة العثمانية وتشكل هذه الدول القطرية، راح بعض من كتابها ومفكريها وسياسيها النهضويين، يطالبون بمشروع الدولة القومية للمشرق العربي بشكل خاص، أولمشروع الدولة العربية الواحدة في مشرق العالم العربي ومغربه بشكل عام، ولكن في الوقت ذاته وجد من بين هؤلاء الكتاب والمفكرين والسياسيين من ظل يحمل مشروع الدولة الإسلامية ويطالب بإعادة إنتاجها بعد أن أنهى وجودها السياسي "كمال اتاتورك بعلمانيته. هذا مع تأكيدنا هنا بأن بعض الدول العربية التي قامت بالمشرق العربي بعد سايكس بيكو، اتخذ حكامها طريقاً لنظام حكم يقوم على الفكر الوضعي في بناء الدولة ومؤسساتها. وتأتي العلمانية كقاسم مشترك بين سياسة حكومات هذه الدول باتجاهاتها الليبرالي أو القومي أو الاشتراكي، بغض النظر هنا عن عمق ودرجة هذه العلمانية المطروحة من قبلهم.

أما السبب الرئيس في طرح المشروع العودة إلى دولة الخلافة، فهو لمواقف سياسية في الدرجة الأولى، حيث كان وراءه مسألتان هما: ظهور "كمال أتاتورك" الذي قضى على الخلافة العثمانية وسار على طريق بناء الدولة التركية العلمانية بعد تحييده للدين أولاً. وهذا ما آثار القوى الدينية السلفية عليه وتكفيره، ومحاولة تفنيد مشروعه من خلال العودة إلى النص الديني (القرآن والحديث) والبحث عن أدلة تبين أن الإسلام دين ودنيا، والموقف الدنيوي في الإسلام، هو الموقف الذي يمنح الدين بعده السياسي، وأن (الحاكمية) هنا، هي حاكمية سياسية. وثانياً: الموقف السياسي أيضاً الذي حمل مشروعه العديد من المشايخ السلفيين الذين وجههم "الملك فاروق" أو غيره من الحكام العرب الطامحين بالخلافة الإسلامي بعد انهيار الخلافة الثمانية آنذاك. ويأتي حزب (الإخوان المسلمون) الذي تشكل عام (1928) ، أي بعد أربع سنوات من انهيار الخلافة العثمانية على يد أتاتورك، في مقدمة المطالبين بعودة هذه الخلافة الإسلامية، وضرورة تنصيب الملك فاروق خليفة للمسلمين. هذا وقد لاقى تيار الخلافة أو الحاكمية ردود أفعال مناوئة لدعاته ليس من قبل العلمانيين فحسب، بل ومن قبل من بعض رجال الدين المتنورين الذين رفضوا اعتبار الدين مشروعاً سياسيا، ويأتي في مقدمة المناوئين لهذا الموقف القاضي والشيخ "علي عبد الرزق" - على سبيل المثال لا الحصر- في كتابه (الإسلام وأصول الحكم). مع تأكيدنا هنا على أن كلا الطرفين المؤيدين لمسألة الخلافة قد اعتمدا على إعادة تفسير وتأويل النص القرآني بما يخدم رؤيتهم، بعد أن قطعوا الكثير من النصوص المقدسة من سياقها النظري والتاريخي معاً، كاعتمادهم مثلاً على نص بعض الآيات مثل قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائدة -).44 و (فأولئك هم الظالمون) [المائدة : 45] و(فأولئك هم الفاسقون) [المائدة : 47]. آخذين بعموم اللفظ في تفسيرهم لهذه الآيات، ومقصين خصوصية السبب في نزولها من جهة. حيث أن كتب التفسير تشير إلى أن هذه الآيات نزلت باليهود وهي تتعلق بأمر قضائي وليس سياسياً، ودليلهم على ذلك النص القرآني ذاته. كما جاء في سورة المائدة قوله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45). سورة المائدة.

ومن جهة ثانية، فإن مضمون ودلالات الآيات يتعلق بمسائل قضائية تتعلق بالأحوال الشخصية وليس السياسية. وإن وجد هناك بعض الآيات التي تشير بهذا الشكل أو ذاك إلى بعد سياسي كما يريد أن يفهمها بعض دعاة الخلافة، فهو عام وغير محدد. أي هو لم يحدد شكل الدولة وطبيعة الحكم وترك إدارة هذه الأمور للناس أنفسهم كما تقول آيتي الشورى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.. [آل عمران : 159]. و قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [سورة الشورى: آية 38). فدلالات هاتين الآيتين تقوم على دعوة عامة للرسول بأن يتشاور مع المسلمين، ووفقاً لطبيعة خصوصيات عصرهم في آلية تداول أمر المشاورة حول قضايا يشعر الرسول بأن الحاجة تستدعي ذلك ولم ينزل بها نص قرآني واضح للبت فيها، بل من حقه أيضاً أن يعزم أمره كما يراه هو ويتوكل على الله في اتخاذ القرار إذا أراد، حتى ولو تمت المشاورة.

ومن جهة ثالثة: اعتمد أصحاب هذا الموقف السياسي الداعي إلى الخلافة أو الحاكمية أيضاَ على آيات أخرى أكثر عمومية كقوله تعالى : ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾. [النحل: 89] وقوله تعالى: «ما فرطنا في الكتاب من شيء». وهم هنا يجانبون الصواب أيضاً في دلالات هذه الآيات، ويضعونها في غير موضعها، بتأكيدهم على أن القرآن تناول جميع الامور، ولم يهمل لا كبيرة ولا صغيرة .. ومن يتابع السياق النظري وخصوصية نزول آية : («ما فرطنا في الكتاب من شيء»).، يجدهم قد تعاملوا معها بمعزل عن هذا السياق، وقاموا باجتثاثها من موضعها السليم، والجزم بأن الكتاب المقدس وهو القرآن، هو كتاب سياسة أيضاً. أما لو نظرنا في السياق النظري والتاريخي لهذه الآية، وهو : (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ). (الأنعام- (38). فكتب التفسير ومنها تفسير الجلالين للسيوطي على سبيل المثال لا الحصر، تبين أن دلالات هذه الأية لا يمت للسياسة بصلة، فدلالاتها تقول : إن الله خلق كل شيئ في هذا الكون، وما من دابة تمشي على هذه الأرض إلا هي أمم تتدبر أمرها. وإن الله هو من يرعاها وشؤونها ولم يفرط بشيء من هذا التدبير، فكل شيء مكتوب في لوح محفوظ.

كما يعتمدون على نص الآية التالية: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة/3). وما ينطبق على فهمهم المبتسر والمجزوء للآية السابقة ينطبق على نص هذه الآية في سياقها العام أيضاً وهو : (حُرِّ‌مَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ‌ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ‌ اللَّـهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَ‌دِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُ‌وا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَ‌ضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ‌ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ‌ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ‌ رَّ‌حِيمٌ.) المائدة[3]. فمضمون هذه الآية يتعلق كما نرى بموضوع آخر تماماً ليس له صلة بالسياسة، وهو موضوع يتعلق بما حلل الله وما حرم عليهم اكله.

على العموم، يستوقفني هنا موقف فقهي للشافعي أكثر عقلانية ومعقولية وفهماً للنص الديني ومدى ارتبط هذا الفهم في قضية مقولة (الإسلام صالح لكل زمان ومكان)، حيث يضع الأمور في نصابها الحقيقي بالنسبة لمفهموم الآيات التي قطعوها من سياقها النصي ووظفوها توظيفاً مصلحياً لخدمة السياسية ومنها: (وما فرطنا في الكتاب من شيئ). فالشافعي يفسر دلالة هذه الآية وما ينطبق عليها من نصوص قرآنية واحاديث من موقف عقلاني حيث يقول في كتابه الرسالة: (ليست تنزل بأحد من دين الله نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدي فيها). فالشافعي في موقفه الفكري هذا يؤكد بأن ما من شيئ يحل بالإنسان أو يقوم به إلا وفيه دليل في كتاب الله، ولكن هذا الدليل يأتي على سبيل الهدي بالرؤية العامة لمفهوم النص المقدس، وليس على سبيل القطع في تقرير الحادثة ذاتها أو العمل ذاته الذي يقوم به الإنسان عبر تاريخه. والمقصود بقوله : (على سبيل الهدي)، هو أن الدين يحمل مقاصد إنسانية كبيرة في خطوطه العريضة (الاستراتيجية)، أي في المضمون العام للآيات وليس الخاص، هذا المضمون الذي تتحدد مقاصده في الهداية والإرشاد والتزكية والعمران وحفظ الوجود البشري واستدامته. وإخراج البشرية من الظلمات إلى النور. وهذا ما اعتمد عليه ابن حزم وابن رشد في تناولهما للمسائل الفقهية، حيث فتحوا هذا النص على كل دلالاته ومقاصده الإنسانية التي يبشر بها الدين الإسلامي حتى يتفق وخصوصيات العصر. فعلينا إذاً أن نبحث في هذه المواقف الاستراتيجية للدين كي نعمل على تسيير مصالح الناس وفقاً لخصوصيات المرحلة المعيوشة. وهذا برأي عين العقل والمنطق، لأن النص القرآني ذاته يؤكد أن أمور الحياة كثيرة ومستجدة دائماً، وبالتالي علينا في حال لم نجد حتى في النص من دليل أن نعود إلى أهل الذكر (العلم) كما أمرنا الله بذلك كقوله تعالى: (فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). (النحل 43.). بل إن أول آية نزلت تقول: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، وهي مكية بإجماع ، وهي أول ما نزل من القرآن في قول أبي موسى وعائشة رضي الله عنهما . ... (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). (5)). (سورة العلق). فمضمون هذه الآية يقول: إن الله يقول لنا بأن المعرفة والعلم لا يأتيان من النص الديني وحده، بل هما مكتسبان أيضاً عن طريق التعلم القلم)، وهنا يأتي دور ومكانة الفكر الوضعي وتأثيره على حياة الإنسان في كافة مجالات الحياة. وهذه الآية المفتوحة في دلالاتها على كل انواع المعرفة تكذب من يقول بأن المعرفة التي يريدها الله هي معرفة العلوم الدينة فقط وكل علم غير هذه العلوم هو من باب الخروج عن الدين الصحيح وإدخال فكر آخر عليه لم يقره الله. كما يفتي مفتي السعودية الوهابي "عبد العزيز بن باز" بقوله: (الفكر والكفر واحد، بدليل أن حروفهما واحدة.). ولم يتوان في تحليل دم من يقول بدوران الأرض وكرويتها، أو مصادرة أملاكه إذا استتاب.

أما الشيخ "شكري مصطفى" (من جماعة التكفير والهجرة). فله موقف واضح من العلوم الوضعية كافة حيث يقول: (لا نتعلم إلا بقدر الحاجة، تماماً كما كانت أمة رسول الله، فقد كانت جماعة رسول الله لا تتعلم لمجرد العلم، ولا تتعلم للدنيا، ولكن تتعلم للعبادة.).(1). وهؤلاء كلهم متمسكون بفتوى ابن صلاح من العلوم الدنيوية وهو القائل : (من تمنطق تزندق).

إن الدين وفقاً لهذه المعطيات هو صالح لكل زمان ومكان من حيث (الهدايا) كما بقول الشافعي،هذه الهداية الكامن مضمونها في جوهر مقاصد النص الديني الإنسانية القائمة على المحبة والعدالة والمساواة وتعمير الحياة بما فيه خير الإنسان. ولم يأت الدين لتقرير حوادث علمية أو اجتماعية أو حتى أخلاقية أعطيت مرة واحدة منذ قيام الدعوة الإسلامية إلى أبد الآبدين. إن الداعين إلى مثل هذا الموقف الجبري الامتثالي الوثوقي، إنما يعملون على لي عنق النص الديني كي ينسجم مع قيم معيارية سار عليها سلفنا في القرون الهجرية الثلاثة الأولى وهي خير القرون كما يقولون، وكل من صاحب الرسول فيها أو كان تابعاً وتابع التابع منهم فيها فهو نجم ساطع علينا الاقتداء به. كما يرى مشايخ وفقهاء تلك القرون الثلاثة أو من أخذ عنهم من مشايخ عصرنا.

إن مسألة التفسير ذاتها، فهناك موقف منها عند الكثير من فقهاء العصور الوسطى ذاتهم.

فهذا "عبيدة بن قيس الكوفي" المتوفى سنة 72 هـ ، وهو من أصحاب ابن مسعود له رأي في سبب نزول بعض الآيات حيث يقول: (عليك باتقاء الله والسداد، فقد ذهب الذين كانوا يعلمون فيما نزل القرآن).(2). كما روي عن "أحمد بن حنبل" في هذا الاتجاه، أي حول تفسير القرآن والحديث فقال: (ثلاثة أشياء لا أصل لها التفسير والملاحم والمغازي). المرجع نفسه ص 410

وهذا الشعيبي يقول في هذا الاتجاه ايضا : (ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت : القرآن والروح والرأي).(3).

وهذا الأصمعي يقول أيضاً: (تقول العرب معنى هذا كذا ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنة أي شيء هو.). (4)

ملاك القول الدين كما تقول أيات الله المحكمات : (وما جعل عليكم في الدين من حرج). الحج 78. و (وما يريد الله ليجعل عليكم حرج.). المائة -6. (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). البقرة 185. يظل هو الدين الصحيح الذي يطمح إليه العقلاء من المسلمين ومشايخهم. لقد علمنا الرسول الكريم: أن (لا مشادة في الدين). (ولقد هلك المتنطعون). و في الختام نقول كما قال العقلاء من فقهائنا: (الأصل في الأشياء الإباحة). والحياة كمياه النهر الجاري لا تقف ولن تقف.

 

كاتب من ديرالزور – سورية

.......................

الهوامش:

1- عن مجلة النهج- العدد-20/ خريف 1999/ ص 193.

2- حسن ابراهيم حسن. كتاب تاريخ الإسلام . دار الجيل . بيروت 1991. ج1 ص 410

3- المرجع نفسه ص144.3-

4- المرجع نفسه ص144.

 

 

عدنان عويدماهي أبرز الخلافات عند أهم الفرق الكلامية والمذهبية الإسلامية:

التيار السلفي أو أهل السنة والجماعة: لقد اتفق السلفية جميهم (حنابلة وأشاعرة ومالكية وشافعية وما تريديّة، واليوم الوهابية وغيرهم). وأكدوا على صفات الله وأسمائه كما جاءت في القرآن، بتسليم مطلق دون نقاش أو إبداء رأي فيها. عدا الأشاعرة منهم الذين قسموا هذه الصفات بين صفات خبرية وصفات معنوية، وقالوا إن الصفات المعنوية هي الخلق والقدرة والإرادة والبصر والسمع والكلام، وهي صفات ترتبط بذات الله أو هي عينه. أما الصفات الخبرية فموقفهم منها لا يختلف عن بقية القوى السلفية الأخرى. والسلفية يتجنبون التشبيه، (ليس كمثله شيء)، وفي قولهم بالصفات أرادوا الوصول إلى أن الله وفقاً لصفاته قادر على كل شيء وله الأمر بكل شيء، وبالتالي ليس للإنسان حرية وإرادة على الاختيار والفعل دون أمر الله، على الرغم من أن الأشاعرة حاولوا الخروج عن هذه المسألة قليلاً، أي مسألة القضاء والقدر بطرح شيخهم "أبو حسن الأشعري" نظرية (الكسب)، والتي فحواها، أن القضاء والقدر بيد الله وحده، ولكن الناس يمارسون أفعالهم بأنفسهم وفقاً للإرادة التي أجراها الله في نفوسهم. (11) وبما كسبت أيديهم. ممثلة هذه الإرادة بحديث النفس لدى الإنسان وليس تقريراً لعقله أو إرادته الحرة. وهو، أي "أبو الحسن الأشعري" في طرحه لنظرية الكسب كما يقول ابن تيمية: (حاول أبو حسن الأشعري الخروج من الجبر فوقع فيه). كما يرى التيار السلفي أن الخير والشر من عند الله (وما يصيبكم من شيء فمن عند الله). كما يقولون بان علم الله أزلي أحاط بكل شيء ، وكل شيء عنده في لوح محفوظ. وهم يميزون بين المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية، فما أراده الله للكون خلقه بكل ما فيه وهو دائماً في خلق مستمر، وما أراده شرعاً فهو أمر فيه الخير وفيه الشر، دعا عباده إليه فعلوه أم لم يفعلوه. وهم يقولون أيضاً بأن الإيمان هو قول اللسان وإخلاص القلب وعمل الجوارح، ولا قول ولا إخلاص ولا عمل إلا بنية، ولا نية ولا قول ولا إخلاص ولا عمل إلا بموافقة السنة. والسلفية عدا (الجهادية ) لا يكفرون أحداً بذنب او معصية إلا أن يزول أصل الإيمان الذي أقرته السنة. ومرتكب الذنب عندهم ومنهم الأشاعرة زنديق حتى يتوب، وهو سيعذب في جهنم بحسب ذنبه. لقد أنكرت السلفية السببية في الظواهر، وقالوا لا وجود لها، وكل شيء يتم بمشيئة الله، وبالتالي كل قوانين الطبيعة والمجتمع تسير بإرادة الله ومشيئته، أو كما يقول أبو حامد الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين)، (بأن الأسباب في الظواهر وراءها ملائكة سخرهم الله لتأدية ما يقوم به الناس، فالشيطان يقوم بدور تأدية أعمال الشر، ويدخل الملائكة هنا كمحررين للظواهر.). (12). وبذلك ينفي الغزالي الحقيقة ويجعلها وهماً. والسلفية وفق هذا الإيمان هم يكرسون الفهم الجبري الذي قالت به الجهمية بكل معطياته، وفقاً لرأي "جهم بن صفوان": (إن الإنسان ليس يقدر على شيئ ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا اختيار وإنما يخلق الله الأفعال فيه على حسب ما يخلق كافة الجمادات.). (13). أما أبو حسن الأشعري فيقول في هذا الاتجاه: (إن جميع الموجودات من أشخاص (العباد وأفعالهم، وكذلك سائر المخلوقات وحركتها، كلها مخلوقة لله.). (14). هذا وأن الزمن عند السلفية هو آنات أو ذرات متقطعة لا وصل بينها، والمتصل عندهم هو الزمن الإلهي فقط بسبب خلق الله المستمر.

لقد حارب التيار السلفي بعمومه العقل واعتبر دعاته زنادقة، كما جاء في فتوى ابن صلاح المشهور: (من تنمطق تزندق). أو كما يقول ابن حنبل: (الحديث الضعيف عندي أهم من الرأي). و (إن أصحاب العقل زناديق). أما لأشاعرة فرغم أنهم استخدموا العقل وآمنوا به، إلا أنهم استخدموه لتثبيت النص وليس للحكم عليه. واعتبروا أن ما أصل له الشافعي وابن حنبل في تحديد مراجع الدين ومصادر التشريع من قرآن وحديث وإجماع وقياس ، وكل ما تركه السلف الصالح من أثر حتى القرن الثالث للهجرة، هي الأساس والمنطلق لكل ما هو تالٍ، وهي وحدها من يحدد شرعية الحسن والقبيح في أعمال الناس. أي قالوا بالحسن والقبيح الشرعيين وليس العقليين. وبذلك سدوا الطريق أمام الاجتهاد وحكموا على الحلال أو المباح فقط بما ورد فيه نص مقدس في القرآن أو الحديث أو أي أثر أو إجماع للسلف الصالح حتى القرن الثالث للهجرة، وكل ما جاء بعد ذلك بدعة وضلالة وكفر، إن لم يوجد له شبه أو دليل في هذه المراجع الصفراء التي تحولت إلى نصوص مقدسة. وهذا ما أكد عليه ايضاً الشافعي الذي أصل للفقه السلفي بقوله: (المحدثات من الأمور ضربان أحدهما: ما أحدث يخالف كتباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً فهذه بدعة. ). (15). وبهذا الموقف الفقهي جعل الشافعي ومن سار على دربه من التيار السلفي ومدارسه ومذاهبه، عدا المذهب الحنفي إلى حد ما، أن المصالح المرسلة والاستحسان، وسد الذرائع (حكم هوى)، كون العقل يدخل فيها. واخيراً من القضايا التي اتفقوا عليها عدا المذهب الحنفي، هي الأخذ بالحديث وفقاً للسند أكثر من المتن، وذلك لاعتبارات عدة أهمها: إن السلفية تعاملوا مع مسألة الجرح والتعديل وفقاً لأغراض سياسية أو كلامية أو مذهبية، فكل من لم يقل بآرائهم هو غير ثقة، وبالتالي بموقفهم هذا تجاه الرأي الاخر، اعتمدوا كثيراً على الحديث حتى ولو كان ضعيفاً. أما أبو حنفية، فقد رفض الاعتماد كثيراً على الحديث عدا المتواتر والمشهور منه، واعتبر المتن الذي يتفق مع النص القرآني هو مرجعه وثقته بغض النظر عن قائله، وما تبقى أحاديث آحاد، وهي ضنية، والضن عند الله لا يغني من الحق شيئاً.

أما في السياسة فقالوا بالشورى (وأمرهم شورى بينهم)، ومع سيطرة الأموين والعباسيين على السلطة بالقوة وتحويلها إلى ملك عضوض واعتبارها أمراً مقدراً من عند الله كما قال معاوية في خطبته عند توليه الخلافة: (الأرض لله ... وأنا خليفة الله، ما أخذت فلي وما تركت للناس فبفضل مني.). وكما قال أبو جعفر المنصور أيضاً: (يا أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة، وعنكم ذادة، نحكمكم بحق الله الذي أولانا سلطانه الذي أعطانا، وأنا خليفة الله في أرضه، وحارس ملكه.). (16). ومع تولي الحكام البويهيين والأتراك والمماليك والعثمانيين السلطة بالغلبة أيضاً، تحولت الشورى عند فقاء السنة ومن في قلوبهم زيغ، إلى غلبة وانتصار بحد السيف، وقبول البيعة للخلافة حتى ولوا بموافقة شخص واحد، كما يقول "الماوردي" بالأحكام السلطانية، و"ابن جماعة" وغيرهما ممن كتب في السياسة، أو من برر ظلم الحاكم وفساده وعدم الاحتجاج عليه كما مر معنا في موقع سابق.

المعتزلة:

لقد آمنوا بوحدانية الله، وقالوا بأن مشيئته تقع في الكليات، أما الجزئيات فهي من شأن البشر، وذلك لتأكيدهم على حرية الإنسان وإرادته في اختيار أفعاله. (وهديناه النجدين). كما آمنوا بالسببية واعتبروا أن هناك قوانين موضوعية تتحكم في سير وآلية عمل الظواهر، وهي من خلق الله ويستطيع الإنسان بحريته وإرادته استخدامها. لقد أنكرو التجسيد والصفات وقالوا تأكيداً لقول الله عن ذاته: (ليس كمثله شيء). واعتبروا أن الحسن والقبيح أمران عقليان وليسا شرعيين، وبذلك رفضوا القول بأن يفعل الله الشر، وسموا لذلك باهل العدل. ونظروا إلى مرتكب الكبيرة (الذنب)، في المنزلة بين المنزلتين، فهو عاصي وليس بكافر ولا مؤمن وقابل للتوبة. كما قالوا (بخلق القرآن)، وأنه ليس قديماً، فالمعتزلة يقولون هو كلام الله، ولكن له حروف وكلمات، وبالتالي هو مخلوق: (إنا جعلناه قرآن عربياً) والجعل عندهم يعني الخلق. بينما السلفية قالوا في هذا الشأن، إن القرآن كلام الله والكلام صفة من صفات الله ، وكل ما هو صفة هو قديم.

لقد آمن المعتزلة بأهم قضية في الفكر الإسلامي وهي قضية العقل ودوره في تسيير حياة المسلم والإنسان عموماً. واعتبروه منحة من الله للإنسان لكي يتميز به عن كل المخلوقات ويمارس خلافة الله على الأرض، وعلى هذا الموقف من العقل في تعاملهم مع النص المقدس، رأوا ضرورة الوقوف عند هذه النصوص وعدم السماح بتأويلها كما يشتهون، وبالتالي أنكروا صفات الله وقالوا: إن معرفة صفات الله وذاته فوق العقل البشري، وليس هناك من قدرة لدى الإنسان أن يدرك بها كنه أو كيفية هذه الصفات. وقالوا وفقاً لذلك وبناءً على الآية السابعة من صورة آل عمران التي جئنا عليها وهي موضوع هذه الدراسة أصلاً: إن كل ما جاء بالقرآن هو من عند الله، ولا نتكلم فيما لم يجئ، ولا نبحث فيما إذا كانت صفات الله هي عين ذاته أو غير ذاته. وهم لا ينظرون في كيفية صدور المحدثات عن القديم (الله)، ولا كيف يتصل علم الله القديم والمعلومات المحدثة، ولا نحو ذلك لأنها فوق طاقة العقل البشري، هذا العقل الذي مُنح القدرة فقط في مسألة إدراك البرهان على وجود الله والنبوة العامة ونبوة محمد على وجه الخصوص. (17). كما قللوا من الاعتماد على الحديث مقابل اعتمادهم على الرأي، منطلقين من أن الحديث مرتبط بالأشخاص، والأشخاص بشر لهم أهواؤهم ومصالحهم، وبالتالي ما يقولون به أمر ضني.

الشيعة الجعفرية ومن يلتقي معها من فرق الشيعة:

لقد التقت الشيعة الجعفرية مع المعتزلة في الكثير من القضايا العقلانية، أهمها: هم يعتبرون صفات الله عين ذاته. وإن القرآن مخلوق. وأنكروا حديث النفس الذي يقول به الأشاعرة (نظرية الكسب). كما انكروا رؤية الله بالبصر في الدنيا أو الاخرة. قالوا بالحسن والقبيح العقليين، وقدرة العبد على الاختيار (نظرية البداء).(18).، وهي نظرية تقر بالقضاء والقدر من عند الله لكنها تعتبر النص المقدس مفتوح في دلالاته ومخزونه على المطلق، وهو جاء لخدمة الواقع وتطوره طالما أن هذا التطور والتبدل لا يسئ لتعاليم الله ومقاصد الدين. كما قالوا بأن الله عادل ولا يصدر عنه قبيح. وأن أفعال الله معللة بالعلل والأغراض. (19). كما أنكرو الجبر في صيغته الجهمية حيث يقول علي بن ابي طالب في نهج البلاغة: (إن الله لا يقضي وجوباً، ولا يقدر حتماً. فلو كان الأمر كذلك لما كان هناك عقاب ولا ثواب ولما كان هناك وعد ولا وعيد. إن الله يأمر تخيراً وينهي تحذيراً ولا يقضي وجوباً، ولم يبعث الأنبياء والرسل عبثاً.).

هذا وللشيعة الجعفرية قضايا فقهية خاصة بمذهبهم منها العصمة لآل البيت، وأن أئمة آل البيت لهم رؤيتهم الخاصة بهم في الخطاب الديني ذاته، وبتكليفهم بأمر الإمامة كما حدده جعفر الصادق بقوله: (خلق الله العالم وانتقل النور إلى نبينا محمد (ص)...ثم انتقل النور إلى غرائزنا ولمع في ائمتنا، ونحن أنوار السماء وانوار الأرض، فينا النجاة ومنا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج، فأئمة الأئمة ومنقذ الأمة، وحجج رب العالمين فاليهنأ بالنعمة من تمسك بولايتنا، وقبض عروتنا.). (20). هذا مع الإشارة بأن هذا القول فيه مغالاة كثيرة، خاصة وأن الإمام الغائب (المهدي) جاء بعد جعفر بزمن ليس بالقصير، وأن علي نفسه قد أنكر العصمة بقوله: (.. فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست من نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي.).(21). كما قالوا بالتقية وفقاً للآية التالية (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم.). النحل- (106). وقد جاءت تقيتهم هذه لكثرة ما عانى الشيعة من الاضطهاد من قبل الأمويين والعباسيين وغيرهم من الأعاجم الذين تسلموا أمور الخلافة بعد انتهاء عصر القوة العباسي وخاصة من المماليك الشراكسة. كما أغرق الشيعة في التفسير الباطني للآيات لتأكيد صحة خلافة علي وآل بيته، وقالوا بأن هذه الآية أو تلك قد نزلت بعلي أو على وفاطمة والحسن والحسين، وأولوا النص القرآني وفقاً لذلك. واختلفوا مع السنة على أحاديث الرسول، ففي الوقت الذي رفض فيه السنة كل الأحاديث التي وردت عن آل البيت، نجد الشيعة يأخذون من الأحاديث التي قدمها السنة والتي تتفق ورؤيتهم للدين وللوصية كـ (حديث الغدير) وغيره. وقال الشيعة بالغيبة (غيبة الإمام الثاني عشر)، وعودته ليملأ الأرض عداً بعد أن ملأت جوراً، وعلى الرغم من أن مفهوم العودة ظل مرتبطا بالإمام الغائب، إلا أن هناك تطوراً فكرياً قد حدث على ما يبدوا لدى بعض المجددين في الإسلام بشكل عام والفكر الشيعي بشكل خاص من علماء وفقهاء الشيعة الذين راحوا يقولن بأن العودة تعني عودة دولة العدل وقيادتها من قبل المحرومين والمضطهدين. كما قالوا بولاية الفقيه، وهذا المبدأ حدث عليه تطور كبيرً بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، حيث ارتبطت مسألة اختيار الولي الفقيه بمسألة الشورى في حال اختياره، ممثلة هذه الشورى بمجلس من الفقهاء.

الخوارج:

قال الخوارج بالتوحيد، وإن القضاء والقدر كله من عند الله، وقالوا بشورية الخلافة وهي حق حتى للعبد الحبشي طالما هو مسلم ومؤمن ويؤدي حقوق الله وما يأمره به الإسلام. وقالوا إن الإيمان ليس في القلب فحسب، بل هو في عمل الجوارح، ومن لا يطبق ما يؤمن به فهو كافر. لقد كفروا المختلف معهم فكرياً وسلوكياً وأحلوا قتله وقتل ذريته، فالكافر عندهم لا يلد إلا فاجراً كفاراً: (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27). سورة نوح. كما قالوا إن مرتكب الكبيرة كافر. وكانوا متشددين في الدين إلى درجة التزمت. لقد شكلوا العديد من الفصائل التي تلتقي كلها في الكثير من تعاليمها مع فرقة الخوارج الأولى (الحرورية)، ومن هذه الفرق من ابتعد قليلاً عنها أو اقترب قليلاً منها، وهناك من أضاف إلى تعاليمها أو تخلى عن بعضها. ومن أهم فرقهم الأزارقة ولأصافره والنجدية وغيرها.

ملاك القول:

إن كل الذي جئنا عليه من خلافات بين هذه التيارات الاسلامية ومذاهبها وفرقها، جاء بسبب تدخل السلطة في الدين أولاً، إما للحفاظ عليها أو للوصول إليها، وثانياً بسبب تسخير رجال الدين ومشايخه لتوظيف علمهم في تفسير النص أو تأويله، أو حتى وضع الحديث والفتاوى خدمة لمصالح سياسية أو أنانية ضيقة، وبالتالي ظل فقط القلة القلية من تمسك بدينه الصحيح من رجال الدين، على مبدأ (القابض على دينه كالقابض على جمرة من نار). هذا وقد قدم الكثير من رجال الدين المتمسكين بدينهم حياته على مذبح السلطة من أجل مبادئه وقول الحقيقة، (كجعد بن درهم وغيلان الدمشقي ومعبد الجهني)، وهناك الكثير ممن شوه وفق مبدأ الجرح والتعديل، الذي كانت تقاس فيه أخلاق وفكر رجال الدين بناءً على درجة قربهم من السلطة أو الخلافة أو من هذا المذهب أو ذاك. فهذا أبن حنبل وغيره عاشوا محنة الرأي عندما سيطر المعتزلة على الخلافة زمن المأمون والمعتصم والواثق، كما لاقى، غيره من أصحاب الرأي المحنة ذاتها في عهد الانقلاب السني زمن الخليفة "المتوكل" وبحضور ابن حنبل ذاته ورغبته، حيث ظل قائماً وفاعلاً وخادماً لسلطة المتوكل المعادي لأهل الرأي. ونحب أن نشير هنا أيضاً إلى موقف "أبو حسن الأشعري" الجبري السلفي من المعتزلة وأصحاب الرأي حيث راح يكفرهم ويزندقهم ويخرجهم من دين الإسلام، وهو الذي ظل أربعين عاماً معتزلياً، إلا أنه أصبح جبرياً وتبنى المذهب الحنبلي مع غيره الكثير من علماء ومشايخ الدين، بسبب محاكم التفتيش التي وضعت للقدرية بعد انقلاب المتوكل السلفي. فهذا أبو حسن الأشعري يكتب في (الإبانة في أصول الديانة) رأيه في المعتزلة ومواقفهم الفكرية التي لا تتفق مع الفكر السلفي الحنبلي بعمومه مبيناً: (إن كثيراً من المعتزلة وأهل القدرية مالت قلوبهم وأهواؤهم ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلاً لم ينزل به من سلطان، ولا أوضح به برهاناً، ولا تلقوه من الرسول ولا عن السلف المتقدمين، فخالفوا رواية الصحابة عن النبي في:

1- رؤيتهم الله بالأبصار.

2- أنكارهم شفاعة رسول الله.

3- وإيجادهم عذاب القبر.

4- وأنكارهم أن الكفار في قبورهم يعذبون. وقد أجمع في ذلك الصحابة والتابعون.

5- وقالوا بخلق القرآن نظيراً لقول إخوانهم المشركين.

6- وقالوا بأن العباد يخلقون الشر نظيراً لقول المجوس الذين يثبتون خالقين، أحدهما يخلق الخير، والآخر يخلق الشر.

7- وزعموا أن الله عز وجل يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، وذلك خلافاً لما أجمع عليه المسلمون ورداً لقوله تعالى: (وما يشاؤون إلا أن يشاء الله والله فعال لما يريد.). (22).

فلنتصور معاً كيف يفكر التيار السلفي بشكل عام في قضايا لا تهم حياة الإنسان ومقاصد الدين الحقيقية تجاه هذا الإنسان. فأبو حسن الأشعري ومن يتبعه اليوم من المسلمين الذين يتبنون الفكر الأشعري السلفي بشكل خاص، وهم الذين يشكلون النسبة الأكبر في الساحتين العربية والاسلامية، يفكرون بهذه الطريقة الأسطورية اللاعقلانية بخوضهم في قضايا يعيبون على المعتزلة إنكارها أو عدم الإقرار بها كون السلف الصالح اعترف به، مثل عذاب القبر ومشاهدة الله وشفاعة الرسول وغير ذلك من مسائل لا يعلم بها إلا الله وحده.

أما الخلافات الفقهية فهي لا تخرج في الحقيقة عن تاريخ وأسباب الخلافات الدائرة لدى علماء الكلام، حيث ظهر العديد من هذه المذاهب مثل: (مذهب حسن البصري، وأبو حنيفة، والشافعي ، وأحمد بن حنبل، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، ومالك، وسفيان بن عيينة، واسحق بن راهَوَيّه، وأبي الثور، وداود الطاهري، وابن جرير الطبري). (23). وقد ارتبط هذا العلم (الفقه) بعلم الكلام، وكان للسلطة دور كبير في توجهه، فقد عانى بعض الفقهاء من عنت السلطة بسبب محاولتها الدائمة توظيفه لمصلحتها،. فهذا "ابن الحنفية" يقتل مسموماً في عهد الخليفة المنصور العباسي كونه رفض استلام القضاء في عهده، وكذا الحال مع "أنس بن مالك"، الذي قال بحديث لم يرض الخليفة المنصور، فكانت النتيجة أن عراه المنصور من كل ثيابه وصلبه في الساحة وذله أمام العامة جزاءاً لفعلته. بينما نجد في الوقت نفسه فقهاء ومن أتباع ابن حنفية او مالك راحوا فيما بعد يوظفون الدين ونصه المقدس تفسيراً وتأويلاً من أجل تبرير مفاسد السلطة، مثلما فعل الحنابلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم من التيار السلفي المدخلي كما مر معنا في موقف سابق .

ونظراً لهذه الخلافات الفقهية، جرت وتجري بين الأهالي المنتمين لهذا المذهب أو ذاك حروب أهلية دموية. فهذا الطبري يذكر في تاريخه عن حوادث عام (554) للهجرة، عن صراع دامي جرى في مدينة استراباذ، بين الشيعة العلوي، والشافعية عندما ولي على المدينة والياً شافعياً هو " محمد الهروي"، وكان قاضيها شافعياً أيضاً، فثار العلوية ومن معهم ضد الشافعية ومن معهم، وقد انتصرت العلوية على الشافعية وسال دم كثير.

ما هو الإسلام الذي نريده؟. أو ماذا يريد منا الإسلام الصحيح؟.

يتبين معنا من كل ما جئنا عليه في هذه الدراسة من رؤى وأفكار ومواقف أيديولوجية دينية وسياسية تتعلق بالخطاب الإسلامي وتياراته، طبيعة الصراع الذي دار ولم يزل دائراً بين ممثلي هذه التيارات الفقهية والمذهبية والكلامية حتى هذا التاريخ، والذي كان سببه كما بينا في موقع سابق، السلطة أو الخلافة ومصالح الطبقة الحاكمة وفقهائها ممن في قلوبهم زيغ أولاً، من الذين اتكأوا على الآيات المتشابهات كثيراً، بغية الفتنة وتأويل النص لمصالح أنانية ضيقة، أو لضرب المسلمين ببعضهم، ضاربين عرض الحائط مضمون الآية السابعة من سورة آل عمران التي جعلنا منها منطلقاً لهذه الدراسة، متناسين حديث الرسول أيضاً الذي يؤكد مضمون هذه الآية بقوله: (القرآن ذلول حمال اوجه، فخذوه على وجهه الحسن.). وهذا في الحقيقة ما يبعث فينا التساؤل عن طبيعة الإسلام الذي نريده، أو ماذا يريد منا الإسلام الصحيح؟. وما هي مقاصده وأهدافه التي نطمح إلى تجسيدها، في وعي أبنائنا الذي سيطر عليه الفكر الفقهي السلفي التكفيري الامتثالي الاستسلامي الذي ظل يدور في قضايا الحيض والنفاس لمئات السنين؟. أي الخوض بما هو بعيد عن مشاكل الإنسان الحقيقية، منذ أن رسمه لنا وجذره في وعينا فقهاء ومشايخ القرون الثلاثة الأولى للهجرة. أي مع بداية التدوين في تاريخ الدولة الإسلامية، والذي حقق في معطياته ورجاله صفة التقديس. بل إن النص المقدس نفسه (القرآن) تنحى أمام ما أقره الشافعي وابن حنبل والمالكي وابن حنفية وابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن الجوزي والذهبي والقطني وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب والبوطي، وغيرهم الكثير من مشايخ عصرنا ، الذين اشتغلوا ويشتعلون اليوم على هذه المدارس الكلامية والمذاهب الفقهية حتى هذا التاريخ .

تستوقفني هنا مقولة رائعة في دلالاتها للمصلح الديني الكبير " مارتن لوثر" تقول: (لا يمكنني أن اتحمل أية قاعدة أو صيغة جاهزة يُفرض علينا التقيد بها من أجل تفسير الكتابات المقدسة، ذلك أن كلام الله الذي يُعَلِمْ كل حرية لا يمكن أن يكون سجيناً.).

نعم.. إن مثل هذا القول كان وراء ثورة دينة حطمت كل التفكير اللاهوتي السكوني الجبري المعادي للدين والمتدينين، الذي حَجر على النص المقدس وعلى إرادة وحرية الإنسان معاً مئات السنين، فكان وراء تحرير النص وحرية الإنسان وإرادته تطور العالم الحر ووصوله إلى مصاف التقدم والرقي في مجال استخدام العقل بالرغم من أن هذا التقدم والرقي بنظر رجال الفكر السلفي من مشايخنا لم يزل ينظر إليه فكر زناديق وكفرة، كونه لم يفتتح برضى شريعة الإسلام كما فهموه أو فسروه أو أولوه هم. وهذا في الحقيقة ما يدعونا نحن أمام هذا الحجر ذاته الذي يمارس علينا منذ مئات السنين، أن نحقق ثورة حقيقة في خطابنا الإسلامي التقليدي الوثوقي الذي أوقف باب الاجتهاد وحجر على العقل الإنساني وحرية إرادته وتفكيره، وجعل الواقع مرتبطاً بما حدده لنا فقهاء الفرقة الناجية مهما كانت، هؤلاء الذين اعتبروا كل ما يوافق العقيدة والشرع في خطابنا الإسلامي الذي فهموه هم بأنه حلال وشرعي ومباح، وكل ما يخالف فهمهم حرام ومنافي للشرع ومحرم، وبالتالي هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

إن أول أسس هذه الثورة التي نريد تجديد خطابنا الاسلامي عبرها، هو رد الاعتبار للإيمان الصحيح المبني على العقل وحرية التفكير والاعتقاد بعيداً عن أي قسر أو إكراه، (لا إكراه في الدين)، أو أي تقليد أعمى يفرض علينا النقل وإبعاد العقل من جهة. او قياس الشاهد على الغائب من جهة ثانية. إن مثل هذا التأسيس سيعمل ويجب أن يعمل على تأكيد أهمية الفرد واستقلاليته الذاتية بعيداً عن أية نمذجة له وفقاً لقياس أو معايير المذاهب والمدارس الفقهية السكونيّة الرافضة للتغير والتطور، والمكفرة للمختلف والداعية إلى قتله وتحليل دمه وماله باسم الفرقة الناجية، فهذه المذاهب الجمودية في رؤيتها التي أوقفت حركة التاريخ لمصلحة فهم محدد للنص المقدس في مراحل زمنية تجاوزها التاريخ نفسه فكراً وممارسة وقضايا، فرضت على وعي المؤمن صورة لخالق هذا الكون، بأنه لا يعرف إلا النار وجهنم والعقاب الصارم في كل لحظة، صورة الإله الذي يحاصر المؤمن بالخطيئة والذنب إلى درجة لا يترك له أملاً في هذه الحياة، متناسين قوله تعالى:(إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون.). يونس. (44).

إن التأسيس الذي جئنا عليه هو الذي سيفتح النص المقدس على كل دلالاته الإنسانية بعد أن يتم البحث في مخزونه الإنساني وقيمه الروحية القائمة على المحبة والعدل والمساواة والرحمة واحترام الرأي والرأي الآخر وعدم التفريق في الدين والجنس وبالتالي عدم فرض الوصاية من قبل أي كان على الآخرين ورفض التقديس لأي شخص واعتباره فوق البشر (وما أنا إلا بشر مثلكم). وكل هذا يتحقق بعيداً عن التعامل مع آياته المتشابهات، وبعيداً عن التعامل بمزاجية ومصلحية مع ما نسخ من النص المقدس وما لم ينسخ، كما حاول أصحاب الفرقة الناجية التعامل معه بقولهم بأن الآية الخامسة من صورة التوبة قد نسخت (500) آية، فالذي نسخ الآيات وبدلها هو الله، واهو القائل : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (10). سورة البقرة . وهو القائل في الآية السابعة من آل عمران: (والراسخون في العلم يقولن آمنا بها وكلها من عند الله)، ولم يقولوا نؤولها أو ننسخها كما نريد، حيث وصلت الجرأة عند بعض فقهاء السلفية إلى اعتبار الحديث ينسخ القرآن كما فعل أبو حامد الغزالي.

إن المسلمين الحقيقيين هم من يأخذوا بالآيات التي تدلنا على العدل والمحبة والمساواة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما بينا أعلاه. والذين ينظرون دائماً إلى روح النص المشبعة بالإنسانية، واستنطاق هذا النص لمصلحة الإنسانية، لا كما يقول الأشاعرة: (بأن النص ينطق ولا يستنطق.). وهم الذين يفتحون باب الاجتهاد على مصراعيه كي يتفق هذا الدين العظيم مع تطور الواقع الذي نزل أساساً من أجل تغييره، وما تجربة "عمر بن الخطاب " في الاجتهاد عام الرمادة والمؤلفة قلوبهم وتوزيع أراضي السواد، إلا دليلاً على هذا الموقف العقلاني من النص الديني وإمكانية فتحه على كل مخزونه الإنساني. وهذا حديث للرسول يبين لنا الفهم الحقيقي للدين وقابليته للانفتاح على مصالح الناس، حيث يقول: (من سن سنة في الإسلام حسنة فله اجرها واجر من عمل بها بعده من غير ان يُنتقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده دون أن يُنتقص من وزرها شيء.).

من هذا المنطلق العقلاني تجاه النص المقدس ستولد حركة فكرية نقدية تعطي الأهمية الأولى للعقل وللتجربة الحياتية المباشرة للفرد والمجتمع ورجال الدين الورعين الذي يبتغون وجه الله وخير الناس. فعلى مثل هذا التأسيس الذي يرمي في نهاية المطاف إلى بناء الدولة العقلانية القائمة على فكرة المواطنة والمؤسسات والقانون والمشاركة السياسية وفقاً لـ (وأمرهم شورى بينهم)، ووفقاً لما قال به أول خليفة وهو "أبو بكر" : (وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني.). او كما قال الخليفة الثاني "عمر بن الخطاب": (إن رأيتهم فيّ اعوجاجاً فقوموني.). وليست السلطة القائمة على الملك العضوض وأنها قدر من الله كقميص قمصنه الله لهذا الشخص أو ذاك ولن يتخلى عنه حتى لو قطع عنقه، أو هي خلافة حاكمية الفرقة الناجية التي تقول بأن أصحابها هم النخبة التي اختارها الله فقط لتحقيق شريعة الله على هذه الأرض.

إن الإسلام الذي نريده في نهاية المطاف، هو الإسلام المبني على النص المقدس، الذي تتسع فيه دائرة المباح بما يخدم حياة الإنسان وتطوره، وتتقلص دائرة الإلزام التي تحجر على هذه الحرية وتعمل على سجن النص والإنسان معاً بقوالب فكرية جاهزة تجاوز الزمن الكثير منها فكراً وممارسةً. وفي مثل هذا التوجه سيرتفع سقف التكاليف فوق فضاء واسع من الحرية واحترام الآخر، واحترام العقل الإنساني دون أن ينتقص ذلك من حرارة الإيمان بالله شيئاً. والله عز شأنه يريد بالناس اليسر ولا يريد بهم العسر. وبالتالي حد الدين من التنطع في الدين، وهذا ما أشار إليه حديث الرسول أيضاً: (إن أعظم المسلمين بالمسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم عليه، فحرم عليهم من أجل مسألته.). أي ابتغاء الفتنة أو التأويل لتحقيق مصالح أنانية ضيقة. أو قول الرسول أيضاً : (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وعفا عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا فيها.).

نعم الأصل في الأشياء الاباحة كما تقول القاعدة الفقهية. وأهم شيء في هذا الأصل هو تأكيد حرية الإنسان من أجل تحقيق مقاصد الدين الحقيقة في بناء الفرد والمجتمع والدولة وفقاً لحاجات الزمان والمكان، وحاجات الإنسان ليس لها حدود، فالإنسان أساساً مركب حاجات مادية ومعنوية/ روحية، وتنميتها تأتي وفقاً لمفاهيم العدل والمساواة التي يفرضها تطور الزمن أيضاً، فجوهر العدل واحد وجوهر كل القيم النبيلة واحد، إن كانت هذه القيم النبيلة قد جاءت في النص المقدس، أو وفقاً لما يراه العقد الاجتماعي، والناس أدرى بأمور دنياها كما يقول الرسول. نعم إن الناس أدرى بشؤون دنياهم، أي هي شورى بينهم، والشورى في التعبير السياسي المعاصر هي الديمقراطية، والديمقراطية مشاركة وتداول سلطة، وليست قميص عثمان.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور - سورية.

................................

ملاحظة: كنت قد رتبت الهوامش للدراسة كاملة عن طريق أيقونة (مراجع ) إدراج حاشية سفلية. ولكني فوجئت عند تقسيمي الدراسة إلى قسمين قد غابت الهوامش وأرقامها ولم يبق سوى أقواس الأرقام فارغة. لذلك عدت ورتبت الهوامش بشكل يدوي ووضعتها في نهاية القسم الثاني من الدراسة. علماً أن الهوامش من (1 إلى 10 ) هي للقسم الأول من الدراسة وما تبقى هو للقسم الثاني.

أعتذر من الأخوة القراء لهذا الخطأ الفني.

الهوامش:

هوامش القسم الأول من الدراسة:

1- د.فرج فوده- الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1992- ص 65.

2- عبد الجواد ياسين- السلطة في الإسلام – المركز الثقافي اعربي – ط1- 1998- ص 284.

3 -عبد الجواد- المرجع نفسه- ص 291.

4 - عبد الجواد ياسين – المرجع نفسه- ص 291.

5- حسن ابراهيم حسن – تاريخ الإسلام- ج1- ص 410.

6- عبد الجواد ياسين – مرجع سابق- ص 27.

7- أبو يعلي الفراء- الأحكام السلطانية- دار الكتب العلمية بيروت- 1983- ص 20. يراجع أيضاً عزيز العظمة- العلمانية من منظور مختلف-ص 42.

8 - التفتزاني- شرح العقائد النسفية- ص448.

9 - التفتزاني- شرح العقائد النسفية- ص448.

10 - فرج فودة – الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- ص58. نقلاً عن السيوطي –ص82 .

هوامش القسم الثاني من الدراسة:

11 - فرج فودة – الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- ص58. نقلاً عن الطبري. ج2- ص 108 و109.

12 - يراجع موضوع القضاء والقدر عند السلفية كناب (القضاء والقدر)- تأليف عبد الحليم محمد قنبس، ووخالد محمد العكك- دار التاب العربي –دمشق دون تاريخ نشر.

13 - محمد سعيد العشماوي- الإسلام والسياسة- سينا للنشر – 1987-ص80 وما بعد.

14 -عبد الجواد ياسين مرجع سابق. ص128.

15 - جواد ياسين المرجع نفسه- ص128.

16 - جواد الياسين – السلطة في الإسلام- مرجع سابق. - ص 69

17 - قول معاوية وأبي جعفر – عن حسن ابراهيم حسن – تاريخ الإسلام- ج1-

18- - أحمد امين فجر الإسلام – ج دار التاب العربي- بيروت -1969- ج3- ص 380 وما بعد.

19 - يراجع عن مسألة القضاء والقدر وحرية الإنسان (ونظرية البداء) كتاب – آية الله الشهيد المطهري- الإنسان والقدر- منظمة الإعلام الإسلامي 1303هـ.

20 - أحمد امين فجر الإسلام –مصدر سابق- ص267.

21 - فجر الإسلام المرجع ذاته- ص 263.

22 - نهج البلاغة – بيروت- 1982- راجع من ص477 حتى 479.آخر الجزء الثاني.

23 - أميل توما- الحركات الاجتماعية في الإسلام – الفارابي- بيروت- 1981- ص 101.

 

mutham aljanabiالفرضية التي أحاول البرهنة عليها تقوم في ان الاستعجال بما يسمى بالاستفتاء من اجل الانفصال عن العراق هو بأثر الخوف من الحساب المستقبلي الشديد للبرزاني والبرازانية والحركات القومية الكردية بشكل عام. وسوف تكشف الأحداث والوثائق والمحاكمات ما بعد القضاء التام على داعش الإرهاب والسياسة، وهو أمر حتمي ومحسوم، عن دور البرزاني والأكراد، إلى جانب قوى أخرى عالمية وإقليمية، في الغزو الداعشي للعراق، من اجل إدامة حالة الفوضى والتحلل فيه. وما ترتب عليه من "صيد ثمين" متمثلا بالاستيلاء على الأراضي العراقية الأخرى خارج "الإقليم"، شأن داعش. فقد عمل كلاهما على السرقة والابتزاز، اي بنفسية وذهنية العصابة.

ان سلوك البرزاني والقوى الكردية جميعا، كشف عن انعدام الوطنية العراقية، بل على العكس. نراه يعمل جهد الإمكان من اجل إضعاف الدولة والسلطة السياسية. وهنا ظهرت عبارة "حدود الدم". وما اخذ من الأراضي لن يجري إرجاعه إلى الدولة العراقية، اي إننا أمام قوى ليست عراقية ولا علاقة لها بالدولة العراقية، اي عصابات بكل ما للكلمة من معنى. الأمر الذي يترتب عليه معاملتها على هذا الأساس بعد القضاء النهائي على داعش. بمعنى معاملتها معاملة داعش، بل وأقسى واشد. لان داعش عدو علني، بينما هذا معك في الوطن والدولة والسلطة والثروة! وهذا معنى الخيانة.

ان هذه المقدمة تستخرج في اغلبها مما توصلت إليه في مجرى دراسة حالة الأكراد والحركات القومية الكردية من استنتاجات واقعية ودقيقة وهي

• ان الكرد شعب ليس عراقيا.

• ان أصولهم من المناطق الشمالية الغربية من إيران والمتاخمة لدول القوقاز.

• ان دخولهم الأراضي العراقية والعيش فيها جرى على شكل دفعات زمن السلطنة العثمانية في مجرى القرون الثلاثة الأخيرة.

• ان كافة الأراضي التي يطلق عليها اسم كردستان هي أراض عراقية أصيلة كان يقطنها الآشوريين، ليس داخل العراق الحالي بل وداخل تركيا الحالية أيضا. (وأنا أرى ضرورة العمل من اجل إرجاع الآشوريين إلى أراضيهم المسروقة من جانب الأكراد. ان رجوع الآشوريين إلى أراضيهم يعني الرجوع إلى عراقهم، فهم عراقيون بالأصل، بينما الأكراد ليسوا عراقيين، فالعراقي لا ينفصل عن عراقه، وهم يصرحون بذلك دوما).

• ان اسم كردستان ليس كرديا بل تركيا، أطلقه السلاجقة في القرن الثالث عشر على المنطقة التي تسمى اليوم أيضا كردستان في إيران

• ان اسم كردستان حديث في العراق، قبل عقود فقط، بأثر تلاحم أفكار "القوميين" الأكراد والشيوعيين العراقيين(أقرء أيضا الأكراد).

• ان احتلالهم التدريجي لبعض مناطق الشمال العراقي جرى بأثر تهجير الآشوريين والقضاء عليهم لأسباب سياسية وحربية ودينية من جانب الأتراك العثمانيين وبمعاول الارتزاق الكردي، إضافة إلى أسباب اجتماعية واقتصادية مثل الهروب من الأغوات والفقر المدقع والمجاعات شبه الدائمة.

• ليس للأكراد وجود في كركوك إلا بعد ثلاثينيات القرن العشرين، بأثر اكتشاف وأهمية النفط. بحيث تحولت كركوك إلى منطقة استقطاب "المساكين"(الأكراد) للعمل فيها في مجال الأعمال الرثة، بل ونرى انتقالهم إلى وسط العراق وجنوبه والاشتغال بالأعمال الرثة، اي التي لا تحتاج إلى تأهيل مهني مثل الحمالة والإسكافية.

• العراق هو الذي جعل من الأكراد قوما وشعبا لحد ما بالمعنى الحديث للكلمة، وإلا فأنهم معاشر قبلية.

• ليس للأكراد تاريخا قوميا ذاتيا ولا وعيا تاريخيا، من هنا فساد وهشاشة "الفكرة القومية".

• انعدام تاريخ الدولة، من هنا محاولة التشبث بكل قشة من اجل "إعلان الدولة". فالأكراد لم يعرفوا الدولة بالمعنى الدقيق للكلمة. وليس مصادفة على سبيل المثال ألا يعلن التركمان أية مطالب أو مساع عن الحكم الذاتي والدولة وما شابه ذلك في العراق رغم إنهم أقدم واعرق من الأكراد بأكثر من ألف سنة، ولهم فيه دويلات ومآثر، وذلك لان لهم مركزهم القومي والتاريخي والثقافي والسياسي(تركمانستان الحالية) بينما لا شيء عند الأكراد لا قديما ولا حديثا، شان الكثير من الأقوام. من هنا ترديدهم الفج والغبي عما يسمى بتشكيل بريطانيا للعراق الحديث وحدوده الدولية، التي كان يقول بها الشيوعيين بغبائهم المعروف بهذا الصدد. وهو قول صحيح ولكن ليس بالمعنى الذي تقصده ببغاوات الأحزاب وما يسمى بالقوى السياسية الكردية. ان جغرافيا العراق الحالية هي ليست جغرافيته التاريخية الثقافية السياسية، أنها اصغر ومقطوعة ولا وجود للأكراد فيها بالمعنى الاجتماعي والثقافي والسياسي. من هنا انعدام أثرهم الفعلي بالنسبة للعراق وسوريا. وليس تكالبهم العنيف الحالي المخلوط بالاستعداد للخيانة والعمل كمرتزقة تحت القيادة الأمريكية الحالية والمجاهرة بالتحالف مع إسرائيل سوى احد الأدلة الدامغة. الأمر الذي يجعل من الحركات الكردية حركات مخربة وتخريبية وخطرة.

• الأكراد قوة ضعيفة ذاتيا، من هنا استعدادهم للارتزاق، وهو أمر جلي يمكن رؤيته في تاريخ المنطقة ومفاصلها. وتأصله في سلوك "القيادات السياسية والقومية" الأمر الذي جعل منها مطيات للارتزاق والخدمة في مجرى صراعات الدول في المنطقة. وتبرز هذه "الخصال" في الحالات التي تتعرض فيها الدولة للضعف أو الانهيار بأثر أسباب داخلية أو خارجية، بينما القوى الوطنية ترمي بكل ثقلها في مثل هذه الظروف للحفاظ على وحدة المجتمع والدولة.

• أنهم أول من يهرع للاحتماء بأية قوة خارجية كانت حالما تحين الفرصة، والسبب هو ضعفهم الذاتي التاريخي والطابع البدائي للفكرة القومية وهيمنة النفسية العنصرية الجبلية والقبلية.

• كل ذلك يبرز في محاولاتهم "بناء دولة" بمساعدة الأجنبي (مهاباد في إيران بالدعم السوفيتي) والآن في العراق بأثر احتلال العراق والدعم اليهودي الصهيوني (وفِي كلتا الحالتين ستتعرضان إلى الفشل) إضافة إلى "دول" عابرة وسريعة في أذربيجان وغيرها. وهي على العموم ليست دولا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل إمارات جبلية، أي دولة قرية وليس مدينة..

كل ذلك يقدم الأساس للاستنتاج القائل، بانعدام معنى وجودهم في العراق، كما ان العراق ليس بحاجة إلى قضية كردية، بل وحتى إلى أكراد. ان قوما لا يريد العيش معك فلا معنى للعيش معه. ولا يمكن تصحيح هذا الخلاف. فقد أدخلت "القيادات السياسية" الكردية الأكراد في مضيق الفكرة القومية المزيفة. اذ ليس للأكراد فكرة قومية ولا يمكنها ان تكون. فاستتباب الفكرة القومية وتأسيسها يفترض في البداية الانتقال من حالة المعشر إلى القوم ومنه إلى الشعب وبعدها يمكن النضال من اجل القومية في ظل وجود دولة وجغرافية محددة. وهذا كله معدوم. فالعالم العربي له دوله وجغرافيته السياسية وتراثه العميق والعريق في صنع القومية والأمة والإمبراطوريات والثقافة الكونية، لكنه عاجز لحد الآن بعد تحلل مراكزه السياسية الثقافية عن إعادة اللحمة القومية بمعايير الدولة والمؤسسات. أما بالنسبة للأكراد فهذا اقرب إلى المستحيل، إلا من وجهة نظر الوجدان البسيط أو الغباء السياسي. وهي الصفة السائدة عند "السياسيين" الأكراد و"مثقفيهم".

والسؤال الواقعي حول كل هذه "الطبخة" السياسية والدعائية المفتعلة للبرازانية في الظروف الحالية التي يمر بها العراق، هو لماذا يصر البرازاني على الاستفتاء والانفصال؟

الجواب هو ان البرازانية على الدوام حركة انفصالية جبلية عائلية قبلية. ومن ثم تباع وتشترى ومستعدة للخيانة لانها ليست حركة اجتماعية سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة. وتاريخ العائلة وشخصية الأب ملا مصطفى البرزاني هو زمن مزيف ومفتعل لشخصية عادية جدا ولا تخلو من خفة وسفاهة. ويمكن الرجوع إلى ما كتبه بريماكوف في مذكراته بهذا الصدد. 

أما الوزن المفتعل للأكراد والبرزاني بعد الغزو الأمريكي فقد كان نتيجة احتلال وليس نتيجة حالة ذاتية. ونحن نعرف كل حيثيات هذه الظاهرة ما قبل الاحتلال وبعده. فقد قضت الدكتاتورية الصدامية على الحركة القومية الكردية المسلحة وتمردها بصورة نهائية في غضون أيام أو سويعات. وهكذا هو الأمر على الدوام في حال المواجهة العسكرية مع الدولة العراقية حالما تكتمل وتتكامل، أيا كان شكل نظامها السياسي.

فالأكراد قوة جبلية اطرافية تسعة بالمائة من عدد السكان، أي قوة صغيرة جدا بالنسبة للعراق، دون التقليل من نوعية البشر والأقوام. فالحديث يجري هنا عن صراع سياسي للدولة وليس عن تقييم الأقوام والشعوب.

فالسرقة الجائعة ما بعد الاحتلال أدى بالأكراد إلى الانتفاخ الهائل، الذي أعطى لهم وزنا يتجاوزهم وزنهم الحقيقي في العراق عشرات ان لم يكن مئات المرات. وهذه خطيئة ومجازفة ومغامرة بنفس الوقت. ولم يكن ذلك معزولا أساسا عن طبيعة النخبة السياسية العربية الضعيفة والهشة آنذاك ورذيلة الصراع السني الشيعي، وانحلال الدولة ومؤسساتها رغم طابعها الخرب. أما الآن فالصراع من اجل الدولة والأمة، وإعادة بناء القوة الذاتية سوف يجعل من القوى السياسية والعسكرية (الكارتونية) للأكراد لا شيء مقابل القوة العراقية.

فما قبل تدمير داعش العراقي، الذي هو صناعة برازانية أمريكية صهيونية سعودية قطرية، لم تكن هناك أية دعوة للاستفتاء والانفصال، لانها كانت مفيدة لسرقة الأرض. فالقوات العراقية والعراقيون مهتمون ومنهمكون بتحرير العراق من قوى التخلف والهمجية. بينما سيستعيد العراق الأراضي المسروقة، لأنه سوف يتعامل مع من سرقها كسارق لا غير، ومن ثم سيسحق الحركة الكردية وخونتها بصورة تامة هذه المرة. سوف لن يحولها إلى ورقة كما كانت على الدوام بل إلى وقود تحريك العراق والقضاء على كتلة الرذيلة والخيانة عند الجميع والكردية بشكل خاص والبرازانية بشكل اخص.

فحالما تنكشف مؤامرة البرازاني مع داعش، عندها سيتحول إلى مجرم متهم بخيانة الدولة وليس الوطنية، لأنه لا وطنية عراقية عند الأكراد، لأنهم ليس شعبا عراقيا ولهذا أيضا لا اندماج حقيقي لهم فيه وبه. وعندها سيجري حساب شديد له باسترجاع كل ما جرى نهبه إضافة إلى القضاء التاريخي الشامل على البرازانية ومختلف مظاهرها العلنية والمستترة في العراق. من هنا يمكن فهم هذا الإصرار الآن على استفتاء الانفصال، اي استباق الزمن من اجل الحفاظ على المسروق! وهذه حيلة كردية تعكس الدهاء الغبي والبليد للبرزاني. الأمر الذي يجعل من الضروري القول، بأنه لا ينبغي التفاوض مع الخونة. والمهمة الأولية بعد تنظيف العراق من داعش الإرهاب والسياسة، تقوم في تحرير أربيل والقضاء على التشكيلات العسكرية الكردية داخل الدولة. ونقل البرزاني وزبانيته ومن على نهجه إلى بغداد للمحاكمة، وتصفية أية مقاومة بصورة تامة. فالدولة بحاجة إلى الإفراط بالقوة أحيانا في بعض مفاصل تطورها حفاظا على أرواح الأغلبية المطلقة، والاستقرار السياسي، والتأسيس للمستقبل.

ان البرازانية وقياداتها وأتباعها ومن هو خاضع لها، قوى جبانة، والقضاء عليها وسحقها فضيلة بمعايير المستقبل، كما أنها مهمة ليست معقدة وليست صعبة بالنسبة للعراق الآن. فالقوى السياسية الكردية ليست سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة، بل حزبية وقبلية وعائلية وجبلية. والسياسة بالنسبة لها مراوغة ومؤامرة. الأمر الذي يجعلها أكثر واقعية أمام القوة. وهذه نفسية وذهنية أهل الجبل في كل مكان. ومن تتبع، على سبيل المثال، حالة الصراع بين الشيشان وروسيا يستطيع فهم هذه الحالة، مع الفارق الكبير بين الشيشان والأكراد، اي فارق الفروسية والارتزاق.

ان الكردي يعاني من إشكالية ثقافية نفسية فيما يتعلق بالأقوام التي يعيش معها أو بالقرب منها. ولا يمكن تذليل هذه العقدة ما لم يجر تذليل نفسية وذهنية الجبل. والكردي يقول بان لا صديق له غير الجبل. الأمر الذي يضع أمام العراق الحالي والمستقبلي مهمة إرجاع الأكراد إلى حاضنتهم التاريخية، أي إلى الجبل، بوصفه صديق الروح والجسد في حال استحالة تذليل هذه النفسية والذهنية. والمهمة الأولى تقوم بإرجاع القوات المرتزقة الحالية (البيشمركة) إلى حدود ما قبل الغزو الأمريكي ثم تفكيكها اللاحق باستعمال مختلف الأساليب الاقتصادية والسياسية والقانونية. وإذا استحال ذلك فعبر استعمال القوة. وهذه مهمة لا تحتاج إلى دعوات وطلبات وما شابه ذلك. أنهم يفهمون هذه اللغة على أنها دليل ضعف، لهذا من الضروري استعمال لغة الإنذار والقوة العسكرية المفرطة. بعدهما من الضروري إعادة إحكام السيطرة على الحدود والقضاء التام على أية حركة تمرد عسكري أيا كان مصدره وشكله ومستواه. وبدون ذلك سوف تنمو نفسية وذهنية الارتزاق ومن ثم الخيانة الدائمة، اذ لا صديق للكردي غير الجبل. بمعنى انه لا مجتمع ولا دولة ولا قيم حديثة تحكم سلوكه بوصفها مرجعيات جوهرية للبدائل. وتجربة العراق الحديثة دليل على ذلك. فقد كان القادة الأكراد مستعدين لتقبيل حذاء صدام بلا مقابل! بينما نرى سلوكهم المشين في السرقة والخيانة و"الاستعلاء" بعد ان ضمن لهم العراق (الشيعي) ما لم يكن يحلموا به. لقد كانت ميزانية الأكراد زمن صدام 11 مليون دولار، بينما يدفع العراق الحالي 11 مليار دولار غير السرقة المتنوعة والامتيازات التي يتمتع بها أكراد السلطة مثل رئاسة الدولة (وهو خزي بالنسبة لي لانها ليست مبنية على أساس انتخاب عراقي عام) ووزراء ونواب وسفراء ومدراء اغلبهم لا يستحق وظائف عادية جدا. وقد قالت المتصوفة، من باب الحكمة العقلية، بأننا لا نطعم الرضيع اللحم ليس بخلا وما شابه ذلك، بل لان اللبن انفع إليه. وهي حقيقة عملية ومفيدة ينبغي الاستفادة منها باختيار الطرق والسبل المناسبة والمفيدة بالنسبة للأقوام التي لم تنضج بعد، اي تلك التي مازالت في طور الطفولة.

وما هذه الأيام إلا صحائف لأحرفها، من كف كاتبها بشر

** *

 

ميثم الجنابي

 

adnan oayeed2قال الله في كتابه العزيز: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). آل عمران (7).

يقول الفيلسوف العربي – الإسلامي الكندي عن تجار الدين:

(... ذباً عن كراسيهم المزورة التي نصبوها (لأنفسهم) من غير استحقاق، بل للترؤس والتجارة بالدين وهم عدماء الدين، لأن من تَجر بالشيء باعه، ومن باع شيئاً لم يكن له. ومن تجر بالدين لم يكن له دين.).

الذين في قلوبهم زيغ ابتغاء الفتنة أو تأويله:

قبل أن ندل في صلب الإشكالية موضوع البحث دعونا نقف اولاً عند مفهومي الآيات المحكمات والآيات المتشابهات.

الآيات المحكمات هن الآيات الواضحات في دلالاتها لا لبس فيها من جهة، والوضوح هنا يتضمن كل ما يعبر عن جوهر الإسلام الحقيقي ومقاصده التي تدعو الناس إلى عبادة الله ووحدانية، وإلى الإيمان بكتبه ورسله واليوم الآخرة والعمل الصالح دون إكراه أو إلزام. وهذه الآيات المحكمات تجب أو تقصي بالضرورة كل آية آخرى لا تلتقي معها في هذه الدلالات والمقاصد.

أما الآيات المتشابهات، فهن الآيات الغامضات في دلالاتهن، بحيث تحمل كل آية أكثر من وجه في التفسير أو التأويل مما يؤدي إلى خلاف بين الناس على تفسيرها أو تأويلها من جهة، وهن أيضاً الآيات اللواتي (تخالف) من حيث المضمون أو الدلالة الآيات المحكمات. وهذا ما سوف نعمل على توضيحه هنا بشكل أكثر تفصيلاً.

جاء في الآية القرآنية السابعة من سورة آل عمران ما يحدد، من هو المسلم الحقيقي والمؤمن بدور الإسلام ومقاصده الإنسانية. حيث تقول الآية الكريمة: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). آل عمران (7).

إن قراءة دقيقة لمضمون ودلالات هذه الآية، تبين لنا بوضوح الجوهر الأساس للنص القرآني الذي يجب على كل مؤمن بهذا النص أن يتعامل معه انطلاقاً من هذه الآية المحكمة من منطلق:

أولاً: أنها (قدرية) في مضمونها)، أي من الآيات اللواتي تقر بحرية الإنسان وتحمله مسؤولية اختياره، واحترام عقله.

ثانياً: هي من الآيات المحكمات، أي البينات الواضحات بحيث لا غموض في تفسيرها - أي تشابه - بالرغم من أن الذين في قلوبهم زيغ هم من حاولوا إيجاد الخلاف فيها حول مسألة تحديد (الواو) المتعلقة في (والراسخون في العلم)، هل هي عاطفة أم استئنافية، بالرغم من أن الآية تشير وبكل وضوح إلى أن هذه الواو استئنافية. أي من حيث دلالة بقية الآية لا تعطي الراسخون في العلم حق التأويل، إلا أن الذين يريدونها عاطفة، أي تعطي هذا الحق في التأويل للراسخين في العلم، هم من في قلوبهم زيغ ولهم مصالح سياسية أو اجتماعية تتخذ من النص الديني وسيلة لتبرير هذه المصالح.

على العموم، إن الآيات المحكمات هن من يشكل الجزء الأكبر من آيات القرآن، أي هن هم الكتاب، أما ما تبقى من الآيات فهن آيات متشابهات، أي هن الآيات كما بينا قبل قليل اللواتي تحملن في مضمونهن الغموض والمفارقة أحيانا ولا نقل التناقض مع غيرهن من الآيات المحكمات، وفيهن تعدد الدلالات.

فمن الآيات البينات على سبيل المثال لا الحصر آيات: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4).) . سورة الإخلاص. فهذه آيات بينات واضحات لا تحمل أكثر من وجه واحد هو وحدانية الله.

أما الآيات المتشابهات. فالنأخذ بعضاً منهن توضيحاً لهذه المسألة الشائكة، كالآية التالية : (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). (39). سورة الأنعام. وهذه الآية (جبرية) في دلالاتها، أي تقف أمام حرية إرادة الإنسان واحترام عقله بسلبهما دورهما في حياة الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تكوين، وأعطاه الخلافة على هذه الأرض. هذا في الوقت الذي نجد آية أخرى تقول بحرية الإرادة الإنسانية ودور العقل الإنساني في ممارسة الإنسان لدوره في أعماله بنفسه واختياره، وليس جبراً عليه كالآية التالية: (قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (104) سورة الأنعام.). أو كالآيات التالية في الموقف من اليهود والنصارى كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين.). المائدة (51). فالآية تضع اليهود والنصارى في كفة واحدة من حيث تعامل المؤمنين معهم. مقابل الآية التالية في هذا الاتجاه أيضاً والتي تستثني النصارى في مسألة التعامل وتعترف بأن فيهم مودة للمسلمين : (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسون ورهباناً وأنهم لا يستكبرون.). المائدة. (82). أما التالية فهي أكثر مفارقة مع مضمون الآيتين اللتين جئنا عليهما، حيث نجدها تفضل اليهود على العالمين: (ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين.). الجاشية (16).

هذا ونستطيع تقديم أمثلة أخرى على الآيات المتشابهات في مستويات ودلالات أخرى بالنسبة للنص القرآني، من حيث تعدد الدلالة في الآية الواحدة كالآية التالية: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ). [(3) سورة يونس]. فدلالات الاستواء هنا غير واضحة، لا في مكانها ولا في طبيعتها، في الوقت الذي نجد فيه آية أخرى تشير إلى حالة الاستواء مجسدة لله عز وجل بكل وضوح كالآية التالية : (وانشقت السماء يومئذ واهية. والْمَلَكُ على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية.). الحاقة (16 و17). ففي هذه الآية يبدو التجسيم أو التجسيد واضحاً بالنسبة لمكان الله وعرشه وحملته. والآية التالية تؤكد وجود الله في السماء أيضاً، ومن هناك يتدبر أمر الخلق : (يدير الأمر من السماء إلى الأرض ثم يُعْرِجُ إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما يقدرون.). السجد (5). وفي آية أخرى يشار فيها إلى سمعه وبصره : (قال لا تخافا إني معكما أسمع وأرى.).طه (46). وأمام كل هذه الآيات التي تشير إلى التجسيد الصريح عن مكان وجود الله وسمعه وبصره واستوائه، نجد آية أخرى تنفي كل هذه الصفات التجسيدية لتقول: (فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير.). الشورى (11). فهذه الآية التي جردت الإله من كل صفاته في الحقيقة تحمل دلالات مفارقة في مضمونها أو متشابهة، ففي الوقت الذي تشير إلى قدرة الله تعالى على الخلق وإلى سمعه وبصره، تقر أيضاً بأن الله (ليس كمثله شيء). أي هو خارج نطاق الوصف. ومن يكن خارج نطاق الوصف سيجرد في النهاية من كل ما يدل على محسوسيته بأية صفة كانت. هذا وقد قام من اشتغل تاريخياً على تفسير أو تأويل هذه الآيات المتشابهات بإدخال المسلمين في خلافات وصراعات ليس لها حدود وصلت إلى (حد الدم) إن كان تجاه أصحاب الديانات السماوية الأخرى، أم تجاه المسلمين أنفسهم، وخاصة في مسائل مثل خلق القرآن وصفات الله وهل يرى الله بالعين المجردة يوم القيامة أم لا، وغير ذلك من مسائل لا يعلمها إلا الله وحده، وللأسف لم تزل هذه القضايا تناقش ويسيل عليها الدم حتى اليوم من قبل جهلة الدين أو من في قلوبهم زيغ.

إذن من خلال هذه الآيات المتشابهات تأتي إشكالية التعامل مع النص المقدس، من حيث تأويله أو تفسيره لمصالح سياسية أو مذهبية أو شخصية، آو الأخذ به ابتغاء الفتنة بين المسلمين أنفسهم أو بين المسلمين وغيرهم. وبناءً على ذلك نبه الله إلى خطورة التعامل مع هذه المتشابهات وقال بأن الذين في قلوبهم زيغ هم من يحاول التعامل معها أو الأخذ بها ابتغاء الفتنة أو تأويله. أما الراسخون في العلم من المسلمين المؤمنون من أولي الألباب، أي المؤمنون بالله وبمقاصد الإسلام كدين محبة ورحمة وعدالة ومساواة، وتأكيد على حرية الإنسان وعقله في تقرير مصيره واختياراته، فهم الذين يقرون أو يعترفون بوجود هذا التشابه في النص الديني، لذلك هم يؤمنون بمحكمات أيات القرآن ومتشابهاته من جهة، كونه كله من عند الله، وعليهم التسليم به، وعليهم في المقابل أن يأخذا من هذه الآيات كل آية واضحة بينة (محكمة). لا تفرق بين المسلمين وتقف ضد الفساد والظلم والاعتداء على حقوق الله وحقوق الإنسان. وهذا ما بينه الرسول الكريم بقول: (القرآن ذلول حمال أوجه، فخذوه على وجهه الحسن).

الإشكالات الفكرية..عقيدة وفقهاً في الخطاب الإسلامي السلفي:

دعونا بداية نشير إلى مسألة على غاية من الأهمية تتعلق بمن جعلوا من أنفسهم حماة الدين والمعبرين عن وجهه الصحيح، حتى وصل الأمر إلى اعتبار بعضهم هم وحدهم من امتلك ناصية الحقيقة في فهم الدين والتعبير عنه، حتى تحولت آراء هؤلاء عند مريديهم إلى درجة التقديس.

منذ السقيفة ظهر علينا التزوير والانتحال والتقول على لسان الرسول في أهم مسألة في الخطاب الإسلامي وهي مسألة (الخلافة)، التي حصرتها فئة من المتصارعين على السلطة منذ السقيفة بأنها في قريش فقط، ليأتي فيما بعد من يضع الأحاديث أو يفسر الآيات ويؤلها في هذا الشأن خدمة للبيت الأموي أوالعباسي أو العلوي. فقد جاء في الصحيحين عند مسلم والبخاري: (لايزال هذا الأمر في قريش ما تبقى من الناس إثنان)، وهذا الحديث في الحقيقة يخالف تعاليم الإسلام من جهتين. الأولى: بأن الإسلام لم يحدد طبيعة الحكم وشكله ونظامه. والثانية: إن الإسلام يقول : (لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى.).وهذا "عمر ابن الخطاب" يؤكد ذلك في حديث له كما تذكر المصادر التاريخية بقوله : (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته.). (). فمسألة الأخذ بكل حديث وفقاً للسند وليس للمتن كما فعل التيار السلفي من أهل السنة والحديث، أو القول إن الخلافة جاءت بالنص المقدس ترك إشكالات ليس لها حدود في الخطاب الإسلامي. حيث فرض علينا بعض الفقهاء ومشايخ الدين التصديق بأن كل ما جاء في الصحيحين صحيح لا غبار عليه . بل حول هذا الادعاء كل ما جاء فيهما إلى نص مقدس.!!. فلنتابع مع "النووي" حديثه عن الصحيحين ونضعهما في ميزان العقل والمنطق ونرى مدى توافق ما قيل عن الصحيحين وقوانين العقل . يذكر النووي في التغريب: (ذكر الشيخ ابن صلاح أن ما روياه (أي مسلم والبخاري) أو أحدهما مقطوع بصحته. والعلم القطعي حاصل.). كما زعم إمام الحرمين "الجوني" إجماع علماء المسلمين على ذلك وقال : (لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن كل ما في الصحيحين مما حكما بصحته من قول النبي (ص)، لما ألزمه الطلاق.). ويذكر "السيوطي" أن قول ابن صلاح هذا هو قول أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة وأكثر أهل الكلام من الأشعرية والشافعية كأبي اسحق وأبي حامد السفراييني والقاضي أبو الطيب وأبي اسحق الشيرازي، ومن الحنفية كالسرخس، ومن المالكية كالقاضي عبد الوهاب، ومن الحنابلة كأبي يعلي وابن الخطاب وابن الغفران.). (). والملفت للنظر في كيفية جمع "البخاري" للحديث تجعلنا نقف كثيراً عند صحة ما جاء في صحيحه، حيث يذكر "محمد بن الأزهر السجستاني" بأنه: (كنا في مجلس سليمان بن حرب والبخاري معنا يسمع ولا يكتب. فقيل لبعضهم ماله لا يكتب، فقال أحدهم: يرجع إلى بخارى ويكتب من حفظه). (). وقد روى "الخطيب البغدادي" عن البخاري قوله: (رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته في مصر ، فقيل له يا أبا عبد الله، بتمامه؟. فسكت.) .((. وتذكر المصادر بأن البخاري قد جمع (7275) حديثاً، بما فيها المكرر، ولو حذف المكرر لظل (4000) حديثاً، وقد اختارها من (300000) حديث. (). وهذا الموقف من الحديث أو تفسير النص وتأويله خدمة لمصالح سياسية على وجه الخصوص نجده عند الفرق الغالية للشيعة، أو حتى عند بعض مشايخ الشيعة المعتدلة.

أما ما هو أخطر في هذه المسألة بالنسبة لدور بعض رجال الدين وعلمائه، فهو موقفهم من السلطات الظالمة والفاسدة، من حيث تبرير فسادهم وظلمهم وعدم الاحتجاج على الحاكم والاعتراض على حكمه، تحت ذريعة إبعاد البلاد عن الفتنة، بينما نجدهم وأتباعهم يسلطون سيوف التهديد والوعيد للناس الضعفاء من العامة إذا ما أخطأ أحدهم أو ارتكب ذنباً لا يقره الشرع وفق فهمهم هم لهذا الشرع.

بعد عصر التدوين، أي بعد (145) عاماً من الهجرة كما يذكر "السيوطي" نقلاً عن "الذهبي" فيما يتعلق بعصر التدوين وبدايته، راحت كتب الفقه والسيرة والمغازي والتاريخ تدون. (). علماً أن التدوين في معظم حالاته كان برأيي هو أقلام السلطة قبل أن يكون للحقيقة أو للدين. فالتاريخ كما يقال (هو أقلام السلطة). فهذا بعض ما كتب عن مواقف بعض الفقهاء من الخلافة والخلفاء وتبرير حكمهم حتى ولوكان فاسداً وظالماً.

يقول "ابن حنبل" : (السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين، البر والفاجر، ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين). (). أما الأشاعرة فهذا "الباقلاني" يقول: (إن حدوث الفسق في الإمام بعد العقد له لا يوجب خلعه، وإن كان مما لو حدث عند ابتداء العقد لبطل العقد له.). () . أما "النسفي" وهو من الماتريدية فيقر بصراحة : (لإن الحاكم لا ينعزل بالفسق. أي بالخروج عن طاعة الله تعالى والجور، أي الظلم على عباد الله تعالى، لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الرشدين والسلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم.).(). وهذا موقف آخر لرجال الدين الذين في قلوبهم زيغ يذكره السيوطي في (تاريخ الخلفاء)، عن الخليفة "يزيد بن عبد الملك"، وهو الذي ملأ الدينا مغاني وشراباً ومجنوناً وخلاعة طوال أربع سنوات حكمه، بأنه عندما ولي الخلافة جاء بأربعين شيخاً (فشهدوا له بأن ما على الخليفة حساب ولا عقاب.). ().

فعلى مثل هذه المواقف والآراء التي يدلي بها فقهاء السلطان، لا بد أن تضيع القيم الأساسية للدين الحنيف، وتتحول المسائل الفقهية من دائرة محاربة الفساد، إلى دائرة تبريره من خلال التلاعب بالنص المقدس ابتغاء تحقيق مصالح خاصة .ولنأخذ هنا مثالاً عن مواقف بعض الصحابة الذين يعتبرون من الثقات لدى أهل الحديث، وهو أحد العبادلة الأربعة " عبد الله بن عباس" ابن عم النبي. وهو الذي كلفه علىّ ولا ية البصرة في العراق، وبعد فترة من ولايته بلغ عليّ أن عبد الله تطاول على بيت مال المسلمين في البصرة، فأرسل عليّ يستوضح الأمر ويطلب من عبد الله أن يقدم له حساباً عن أموال بيت المسلمين، إلا أن عبد الله رفض، وبعد عدة رسائل متبادلة يقوم عبد الله بأخذ ما تبقى في بيت مال المسلمين في البصرة وقدره كما يذكر الطبري (ستتة ملاين درهماً). ثم يهرب إلى مكة ويشتري داراً وثلاث جاريات من حور العين. وعندما ألح عليه عليّ أخيراً برد المال أرسل لعلي يقول له: (لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملن هذا المال إلى معاوية يقاتلك به.).().

والأمر هنا برأي على درجة عالية من الخطورة في مسألة مصداقية كل الأحاديث التي رويت عن عبد الله بن عباس لو صحت هذه الرواية، أو كانت حقيقية!. فالذي يعتبر المطالبة بمال المسلمين من قبل علي هي أساطير، والذي يحلل لنفسه أموال المسلمين، كيف سيكون موقفه من الدين الحنيف، وأي مصداقية هذه ترتجى منه كراوي له.؟!.

أما لوعدنا إلى المتكلمين وأصحاب المنطق والرأي من رجال دين فقهاء ومتكلمين، لوجدنا تلك التناقضات والصراعات العجيبة حول تفسير آيات القرآن وتأويله، فيما يتعلق بوحدانية الله وقدمه وخلقه ومشيئته وعدله، وفي قضائه وقدره، وفي التأكيد على أن هذه الآية نزلت بهذا الشخص أو ذاك، وفي مرتكب الكبيرة ، وفي تحسين العمل وتقبيحه، وفي الجرح والتعديل، وهي صراعات أودت بحياة الكثير منهم، مثلما أدت إلى خلق أحزاب ومذاهب وتيارات فكرية راحت تكفر وتحلل دماء وأموال بعضها، وكل منها تقول بأنها هي من يمثل الإسلام الصحيح أو الفرقة الناجية، والمؤسف أن أكثر هذه الفرق والمذاهب قائمة حتى هذا التاريخ.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

 

sardar mohamad2الضالون والمغضوب عليهم: في سورة الفاتحة

" غير المغضوب عليهم ولا الضالين "

السؤال الذي يطرح نفسه هل يوجد من المسلمين من غضب الله عليهم وهل يوجد بينهم ضالون ؟

بالطبع نعم يوجد، ولا يعقل أن المسلمين كونهم مسلمون اسماً لايوجد بينهم ضال ولا يوجد بينهم مغضوب عليه ولا تمسهم النار.

القرآن الكريم ليس كتاباً موجهاً إلى اليهود خاصة ولا إلى النصارى خاصة ولا إلى المسلمين خاصة إنما هو كتاب للبشر والناس كلهم .

هناك من اليهود والنصارى والمسلمين ممن غضب الله عليهم ومن ضل عن الطريق السوي

وبمراجعة بعض آي الذكر الحكيم يتوضح لنا الأمر.

ففي البقرة 108

" أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالأيمان فقد ضل سواء السبيل "

فالضلالة لم تحدد من هم ولم تعني الآية اليهود عامة بل قوم من أقوام موسى ومن يريدون مساءلة رسولهم على نفس الشاكلة فليسوا كلهم من أتباع نبي بعينه عامة فإذا افترضنا أنهم اليهود وجب علينا افتراض المسلمين أيضاً على أن الضلالة هنا هي الضلالة عن سواء السبيل أي عن طريق الله تعالى بالإيمان به وبرسله وبالغيب وكل ما يعنيه طريق الهداية .

وسبيل الله يضل عنه كثير من الخلق

" .. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين." النحل 125

فتحديد تعسفي بمن ضل عن سبيل الله يعلمه الله وحصرة بعلم بشرإنما هو تعد على علم الله وكفر بواح فهو لا يعدو عن مشاركه الله في العلم .

وورد هذا أيضاً في القلم 7

" إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين "

وانتبه أيها القارىء اللبيب إلى كلمة – هو – المكررة للتأكيد-هو اعلم بمن ضل وهو أعلم بالمهتدين – ولغة يمكن الإكتفاء ب – هو أعلم بمن ضل وبمن اهتدى – لكن – هو – المكررة تؤكد أن ليس لعبد أن يكون شريك تعالى في الفهم والعلم فهما من تخصصه تعالى وبهذا لا يحق لأحد اتهام النصارى عامة واليهود عامة .

والضلالة تخص أي بشروحتى الأنبياء طالتهم الألسنة بدليل ما ورد في النجم 2

" ما ضل صاحبكم وما غوى "

فقوله تعالى صاحبكم أي الرسول الكريم تعني أن ثمة من تصوّر أنه ضل .

ولم يفسر القرطبي بأن الذي ضل المقصود به قوم معينون إنما فسر الضلال بالحياد عن طريق الحق .

وتفسيرالطبري بالمعنى نفسه إذلم يتطرق إلى قوم ما بل قال أن رسول الله لم يحد عن الحق .

وما روي عن ابن عباس إذ قال :هم المؤمنون .

عدا بن كثيرفي تفسيره تطرق إلى اليهود والنصارى .

فصل 4: ما روي عن مقتل هابيل

ما روي عن آدم عليه السلام كثير واسع واشتركت فيه الأديان ومن الحوادث المائزة حادثة قتل قابيل أخاه هابيل ونسجت حولها حكايات وأحاديث منها حديث عن أنس عن النبي الكريم أنه سمّى يوم الثلاثاء " يوم الدم " ففيه قُتل هابيل وفيه حاضت حواء وهنا أرى أن هذا ليس بقول الرسول الكريم إذ ربط الدم الذي حرّمه الله بدم أوجدته الفسلجة التي خلقها الله، فدم النساء لا إثم عليه ودم القتل محرم حسابه عسير.

ويروى أن آدم عليه السلام حزن لموت ابنه قتلاً فقال :

تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح

(رسالة الغفران – المعرّي -)

هل هذا معقول ؟ آدم عليه السلام يقول الشعر،وإذا سلّمنا بأن سيدنا آدم يتكلم العربية لكن كيف نصدق أنه يجيد العروض والأوزان الشعرية مثل مفاعلتن مفاعلتن فعول .

ومن غريب المزاعم أن الكبش الذي قرّبه " هابيل " يرعى في الجنة حتى أهبط على إبراهيم الخليل في فداء ولده إسماعيل عليهما السلام تصوّروا حيواناً يرعى في الجنّة فيأكل من زرعها لمئات من السنين ولا يبعرر ولا يتغوط فينجس الجنّة ولا ينفجر من أطنان العشب التي دخلت جوفه .

ومما روي عنه أنه عليه السلام قال :لعن الله أرضاً شربت دمه – يقصد هابيل – فمن ذلك الوقت لم تشرب الأرض دماً (راجع حياة الحيوان الكبرى للدميري) وهذا غير معقول وإلا كيف نبرر ملايين القتلى في حربين عالميتين ناهيك عن الحروب والقتل الأخرى .

وإليك أيها القارىء هذه الفقرة من كتاب (نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري)

جاء النسرإلى آدم فألفه وجاءه الوحش والطيروألفوه وبكوا لبكاءه دهراًطويلاً فلما أضجرهم ذلك نفروا ولم يبق معه إلا النسروحده وهو لا يفتر عن البكاء .وهذه الميثولوجيا أشبه بأسطورة خلق – انكيدو – في تآلفه مع الوحوش ومن ثم نفورها عنه .

فصل 5: في خلق حواء

ومن نظريات الرواة، نظرية خلق حواء من ضلع لآدم مشهورة معروفة وتزعم أن الله تعالى ألقى على آدم سباتاً فاستل أحد أضلاعه من جنبه الأيسر مما يلي الشرسوف وهو ضلع أعوج وسد مكانها بلحم وخلق تعالى منه حواء .

لادليل قرآني صريح يدل على هذا الخلق وليس في القول الكريم – خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها – تبرير لخلق حواء من ضلع أعوج . والحكاية مأخوذة من التوراة – العهد القديم – سفر التكوين (الإصحاح الثاني 21 و 22) دون ذكر اعوجاج الضلع .

فصل 6: نظرية نشوء اللغة

ونظرية نشوء اللغة وخلقها، وكيفية وجودها ووصولها إلينا

في البدء لابد من التأكيدعلى أن اللغة المقصودة هي العربية ولغة قريش بالذات وعلى هذا الفهم نشأت نظرية في اللغة تقول أنها موقوفة استناداً لقوله تعالى " وعلم آدم الأسماء كلها " غير أن هذه النظريه منذ البدء أوقعت نفسها في مطب كان عليها أن تخرج منه وهو اطلاعنا على حقيقة أن اللغة هي الأسماءوكلمة اسم على وفق العلوم اللغوية المتأخر جداً لا تعني كلمة اسم الحالية ككيان لأقسام الكلام من حرف واسم وفعل بل أظن وعلى وفق رؤياي أنها تعني شيىء آخرسأفسره بعد تناول النظرية التي قالت بتوقيفيفة اللغة .

لم يتفق إتفاقاً قاطعاً المفسرون والرواة على الأسماء التي عناها الذكر الحكيم في هذه الآية،

ذكر عن السدي عن قول يرجع إلى بن عباس

أن الله علمه أسماء ولده إنساناً إنساناً والدواب ....

وقال الضحاك عن بن عباس : هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس،إنسان ودابة و سماء وأرض وسهل وبحر وخيل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها .

وروي عن أبي حاتم وابن جريرمن حديث يعود لابن عباس

علمه أسماء الصحفة والقدروحتى الفسوة والفسية

وقال مجاهد علمه اسم كل دابة وكل طير واسم كل شيء

وقال الربيع اسماء الملائكة

وقال حميد الشامي أسماء النجوم

وقال عبد الرحمن بن زيد أسماء ذريته

واختار بن جرير اسماء الملائكة والذرية

وهكذا احتاروا فيما علم الله . (راجع قصص الأنبياء لابن كثير وشرح تفسيرابن كثير لعبد العزيز الراجحي)

تصوري الخاص

تعالى علم آدم الأسماء ولكن هناك ملاحظة تغافل عنها أوغفل عنها من تصدى للتفسير وأعني هذه الأسماء بأية لغة قيلت ؟ إذا كانت العربية القرشية فنحن بحاجة لدليل قاطع وكون أن القرآن الكريم أنزل عربياً فهذا لا يعني أن آدم عليه السلام يعرف العربية .

وأمر ثان هو وجود حالياً أكثر من لغة فهل هذه كلها عُلمت لآدم ؟؟

وأمر ثالث هوأن هناك فاصلة زمنية مجهولة من خلق آدم حتى رسو اللغة على ما جاءتنا به العرب ففي الحضارات الأولى مثل حضارة وادي الرافدين وحضارة وادي النيل فلغتهما معروفة وموثقة بكتابات خاصة بها كالمسمارية والهيروغليفية وهما زمناً أقرب لآدم فإذا كانت لغة آدم هي العربية فلماذا لم نجدها في تلك الحضارات ووجدت في العصورالتي تلتها ووصلتنا متكاملة في عصر يسمى بالجاهلي، وهنا نحن أمام قفزة تحتاج لتبرير منطقي وعلمي .

وأمر رابع آمل الإنتباه له

الموجات الكهرومغناطيسية سلسلة من الترددات المتتالية المعروفة ولكن ليست كلها ضوء، والضوء ثلاث الأشعة تحت الحمراء وهي غير مرئية والضوء المرئي والأشعة فوق البنفسجية وهي ضوء غير مرئي والثلاثة في ضوء الشمس، وعلى وفق هذا وهنا بيت القصيد،أن تعالى خص العين برؤية مدى ضيق جداً من الموجات ولكنها كافية وافية لرؤية اللون والشكل والحجم والحركة وهذا ما يحتاجه الإنسان في عمله اليومي.

الموجات السمعية هي الأخرى محددة بمجال ضيق دونها وفوقها غير مسموع أقصد تحت السمعية وفوق السمعية فالترددات المسموعة يتراوح مداها بين 20 و عشرين ألف هيرتز

ودون 20 هيرتز هي دون السمعية

وفوق 20 ألف هيرتز هي فوق المسموعة (فوق الصوتية)

وعلى وفق هذا فإن حاسة الأذن مصممه لسماع أصوات لا تخرق غشاء الطبلة وتفي البشر .

إن الأصوات المنطوقة محددة للبشر وكل لغات العالم لا تخرج عنها إلا النادر والشاذ وهذه الترددات المنطوقة والتي تحدد كل اللغات هي الأسماء،أؤكد في اللغات كافة .

الأسماء هي المقاطع التي تتحدد بالمتحرك والساكن من حروفها كما هي معروفة في علم العروض، وهي

متحرك ساكن مثل : فع، لن، فا، عي، مس، تف . وهذه لا تتعدى نغمة (لا) .

متحرك متحرك ساكن مثل :فعو،علا،متف،علن، مفا. وهذه نغمات بوزن (نعم) .

متحرك متحرك متحرك ساكن مثل : متفا، فعلا . وهذه نغمات بوزن (لللا) .

ولنأت على جميع اللغات شرقية وغربية لا تتعدى في تفصيلها هذه النغمات والتي يشترك في غالبها البشر.

 

سردار محمد سعيد

 

 

jafar alhakeemفي أدبيات الإيمان المسيحي، هناك ما يعرف بظاهرة (نبؤات العهد القديم) حول شخص يسوع المسيح، حيث نجد بعض اللاهوتيين المسيحيين يصرحون بأن هناك أكثر من ثلاث مائة نبؤة حول المسيح، ونجد آخرين يرتفعون بالعدد حتى يوصلونه الى عشرة الاف!

بل وصلت الحماسة ببعض المسيحيين الى القول ان يسوع المسيح موجود في كل صفحة من صفحات العهد القديم!!

يمتاز العهد القديم (اليهود لايعترفون بهذه التسمية!) بخاصية مثيرة للانتباه، وهي أنه نص واحد، ولكن بفهمين مختلفين!

فاليهود، الذين هم أصحاب هذا الجزء من الكتاب المقدس، المدون بلغتهم وضمن اطار ثقافتهم وأعرافهم الاجتماعية والدينية، يعتبرونه الكتاب المقدس الوحيد، لانهم اساسا لا يعترفون بالعهد الجديد، ويعتبرونه مجرد هرطقات لقوم ضالين!

اما المسيحيين، فيتعاملون مع العهد القديم، وفق قاعدة انه نص مقدس مؤسس لما سيتبعه من الكتاب (العهد الجديد) ومبشرا بالمجيء المرتقب للمخلص الموعود، الذي سيتحقق بتجسد الإله نفسه بشكل انسان، ليحقق الخلاص عن طريق تقديم نفسه ذبيحة فداء لخطايا البشر!

يحتاج الباحث في نصوص الكتاب المقدس، الى دراسة متأنية ومعمقة لكل نبؤة من النبوءات المزعومة، لغرض التحقق من مصداقيتها وانطباقها على الواقع، ويحتاج كذلك الى معرفة منهجية اللاهوتيين المسيحيين في تحديد تلك النبؤات وتقريرها، والادعاء بأنها تبشر بالاله يسوع الناصري، الذي تجسد بشكل إنسان، وجاء الى عالمنا !

ومن خلال هذا الالية المنهجية، يستطيع الباحث تحديد، فيما اذا كانت تلك النبؤات حقيقية، وتعكس تبشير نصوص العهد القديم بالاله (الانسان) المخلص الفادي، ام انها مجرد اسقاط مسبق لمعتقد او فهم (يخص المسيحيين وحدهم) على نصوص قديمة سابقة، من أجل تمتين ذلك المعتقد بوثوقية تاريخية وتأصيله بقداسة ويقينية حتمية عن طريق السطو الانتهازي على نصوص مقدسة لدى اليهود، الذي ينتمي اليهم يسوع الناصري، من خلال لي اعناق تلك النصوص، ووضع تأويلات وتفسيرات متنطعة، وإجراء جميع انواع (المطمطة) لظواهر تلك النصوص اليهودية، من أجل الخروج باستنتاجات تؤدي الى اعطاء نوع من المصداقية والوثوق والمنطقية للمعتقد الجديد !

في هذا المقال، سنحاول عرض واستقراء اولى النبؤات التي يدعي المسيحيون، انها وردت في العهد القديم، لتبشر بيسوع المسيح، وسنستكمل ما بدأناه في المقال السابق، من قراءة وبحث في الإصحاح الثالث من اول اسفار العهد القديم (التكوين)

تحدث الأصحاح عن المحاكمة التي أجراها الرب، بعد حادثة الأكل من الشجرة الممنوعة، لشخوص الحدث الثلاثة (الحية، المرأة و الرجل) وذكر العقوبات الابدية التي وضعها الرب على الثلاثة، والتي لم تقتصر عليهم، وانما امتدت لعنتها لتشمل كل ذريتهم وللابد!

وفي سياق تحديد عقوبة الحية (الغاوية) وعقوبة المرأة (المبادرة) إلى ارتكاب فعل أول خطيئة، ذكر الكتاب المقدس، عبارة على لسان الرب، وهو يوجه كلامه الى (الحية)، حيث قال الرب لها :

(واضع عداوة بينك وبين المراة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق راسك، وانت تسحقين عقبه) سفر التكوين 3/15

النص المتقدم، يحمل اهمية كبيرة جدا، لان المسيحيين يعتبرونه، باكورة النبوءات الواردة في نصوص العهد القديم بخصوص شخص يسوع الناصري، مستدلين على ذلك بتفسير سوريالي، لكلمات هذا النص البدائي الفكرة والصياغة!

ولو أهملنا فهم أصحاب الكتاب الوارد فيه هذا النص، بمفردات لغتهم وضمن أدبيات ثقافتهم (اليهود) وتتبعنا فقط التفسير المسيحي للنص، سنجد ان استدلال المسيحيين به، لا يقوم على دليل ظاهر ومعتبر، وإنما يستند على استنتاج اعتباطي!

يرتكز استنتاج اللاهوتيين المسيحيين على أن هذا النص هو نبؤة خاصة بيسوع الناصري على أساس اقتطاع مفردة جزئية منه، وتوظيفها للترويج لمعتقدهم ومن خلال إسقاط تصورهم الايماني بطريقة عكسية على نص متقدم لا علاقة له أصلا !

حيث يعتبر اللاهوتيين أن عبارة (بين نسلك- الحية- ونسلها- المرأة) هي اشارة الى يسوع الناصري!!!

لان النص يتحدث فقط عن (نسل المرأة) وليس عن نسل (الرجل والمرأة) وبما أن يسوع هو الشخص الوحيد الذي ولد من امرأة من دون زرع بشري لرجل، فالعبارة تتحقق فيه وحده !!

ووفقا لهذا الاستنتاج، فان يسوع (الإله المتأنسن) هو الذي سيدمر الحية (الشيطان) لأنه هو الوحيد المولود من امرأة فقط

ان هذا التفسير المسيحي، يعكس لنا بشكل جلي، الانتقائية المقصودة، والجرأة الغريبة، على التلاعب في الاقتباس، والتصرف الكيفي بالنصوص، عن طريق المراوغة اللفظية والمخاتلة المفاهيمية، واللعب على دلالة معاني الفاظ الكلمات، لغرض اعطاءها معنى، لم تكن اصلا بوارد التطرق اليه، ولم تخطر ابدا على بال وفكر الاشخاص المدونين لتلك النصوص!

في هذه النبوءة المزعومة، نجد التفسير، يستند على ان معنى (نسل المرأة) يقتصر فقط على يسوع الناصري، وهذه مغالطة فاضحة، ومراوغة مكشوفة، وتزييف مرفوض لمعنى كلمة (نسل) والتي هي باللغة العبرية (زيرا) وتعني (الذرية او بذر النبات) وهي تشبه كلمة (ابل) باللغة العربية، من حيث انها لا تاتي الا للاشارة للجمع، ولا تشير الى مفرد ابدا. وقد وردت كلمة (نسل) مرارا كثيرة في الكتاب المقدس وفق سياق هذا المعنى، مثل (في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقا قائلا:لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات) تكوين 15

(لو أصغيت إلى وصاياي، لكان كالنهر سلامك كأمواج البحر عدلك، ولكان نسلك كالرمل وذريثك عدد الحصى. فلا ينقطع اسمهم أبدا، ولا يُباذ ذكرهم من أمامي) سفر إشعياء

ان الاستدلال المسيحي القائم على جعل معنى (نسل المرأة) يخص فقط، يسوع الناصري، يناقض بشكل صريح ما جاء في الكتاب المقدس نفسه، حيث نجد في نصوصه ما يشير الى (نسل) نساء أخريات، كان لديهن أزواج، شاركوهن في إنتاج ذلك النسل!

كما هو الحال مع (هاجر) زوجة (إبراهيم) حيث خاطبها ملاك الرب قائلا:

(وَقَالَ لَهَا مَلاَكُ الرَّبِّ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ نَسْلَكِ فَلاَ يُعَدُّ مِنَ الْكَثْرَةِ») تكوين 10/16

ونفس المعنى يتكرر مع (رفقة) التي ستصبح زوجة (اسحاق) حيث يتحدث عنها سفر التكوين 60/24

(وَبَارَكُوا رِفْقَةَ وَقَالُوا لَهَا: أَنْتِ أُخْتُنَا. صِيرِي أُلُوفَ رِبْوَاتٍ، وَلْيَرِثْ نَسْلُكِ بَابَ مُبْغِضِيهِ)

فالكتاب المقدس، تحدث عن نسل (هاجر و رفقة) رغم ان هذا النسل (الذرية الكثيرة) لم يكن نتيجة ولادة عذرية لهاتين السيدتين، بل شاركهما ازواجهما في إنتاج ذلك النسل، ولم يفهم اي شخص ان نسل هاجر-مثلا- تعني إنسان فرد من انتاج هاجر فقط!!!

يتضح مما سبق، ان التفسير المسيحي قام بالقفز على دلالة معنى اللفظ، الى معنى آخر مغاير، من اجل فبركة مفهوم جديد، لا علاقة للنص الأصلي به !....علما اننا سنندهش، لاحقا، عندما نرى اصحاب نفس التفسير يناقضون انفسهم في النبؤة الاخرى التالية !!

ولو تجاوزنا الاختلال الناتج من اقحام معنى مغاير على مفردات النص، وتجاوزنا ايضا تلاعب المترجمين للنص العربي حين قاموا بتغيير الضمير الغائب في العبارة (هو يسحق رأسك) وجعلوه يشير الى المذكر الغائب (هو) بدلا من المؤنث (هي) كما ورد في بعض الترجمات الاخرى، مثل ترجمة اللاتينية الشهيرة (الفولجاتا)

فلو اهملنا كل هذه المؤاخذات على التلاعب بالنص (لفظا ومعنى) ورضينا على -سبيل الفرض- بما يريد اللاهوتيين المسيحيين تمريره من معنى، حول دلالة كلمة (نسل المرأة)

في هذه الحالة نحتاج منهم ان يشرحوا لنا كامل العبارة (بين نسلك ونسلها) واعني هنا ما يخص (نسل الحية!) المذكور بالنص، فهل سيكون هناك مولود للحية الانثى بطريقة عذرية، ومن دون تدخل اي ثعبان!!، لكي يستقيم المعنى (تطبيقا لقاعدة تماثل المعطوفين) وهل هذا قد يعني- بالضرورة- ان اللاهوت المتجسد في الناسوت هو الذي سيواجه ويقهر الشيطانوت، المتجسد في الثعبانوت !!!

وبغض النظر عن كل الإشكالات السابقة، ومع افتراض صحة كل ما يدعيه اللاهوتيون من انطباق النبوءة المزعومة على شخص يسوع

سيبقى هناك، سؤال مهم جدا، يحتاج اللاهوتيون للاجابة عليه، وهو:

من المخاطب بهذه النبوءة؟ والى من توجه الكتاب المقدس بهذه النبوءة؟

من المنطقي، ان يكون المجتمع الذي جاء العهد القديم اليهم، وبلغتهم، وكانوا هم المخاطبين في اغلب نصوصه، ونقصد هنا المجتمع اليهودي، هم في مقدمة المعنيين بهذه النبوءة، قبل غيرهم، وخصوصا المجتمع المعاصر للفترة التي عاش فيها يسوع، فلابد ان يكون هؤلاء هم المعنيين، بالنبوءة التي تخص مسيحهم المنتظر، من اجل ان يعرفوه، ويؤمنوا به، ويقبلوا الخلاص الذي جاء به

وهنا ستواجهنا مشكلة خطيرة، وهي ان المجتمع اليهودي الذي عاصر يسوع، لم يكن اصلا، يعرف ان يسوع الناصري، مولود بطريقة اعجازية، ومن دون تدخل بشر، فقد كان اليهود يعتقدون انه ابن (يوسف النجار) الذي وضعه الرب في طريق مريم العذراء، لهذا الغرض، وحتى يسوع الناصري، لم يخبر احدا انه مولود عذريا، بطريقة إعجازية، حيث بقي امر الولادة العذرية (سر عائلي) حتى جاء كتبة الاناجيل بعد عشرات السنين من صلب يسوع، وأعلنوا للملأ في اناجيلهم سر الولادة العذرية الذي كان مكتوما!!

وبذلك، ضاعت الفرصة على قوم يسوع الناصري (اليهود) في الايمان بالرب المتجسد، ونيل الخلاص الأبدي، بل على العكس، كانوا ضحية للعبة الهية، خطط لها الرب، جعلتهم يرتكبون- من دون ان يعرفوا- أفظع وافدح جريمة في تاريخ الانسانية، وهي تقديم الإله المتأنسن الى مذبح الموت صلبا!!

ان القبول، بهذا السيناريو، الذي يريد اللاهوتيون المسيحيون تمريره، يجعلنا، نقبل بقلب كل قواعد المنطق السليم رأسا على عقب!

ومع التنزل، والقبول بكل التناقض في الطرح اللاهوتي، سيبقى السؤال الأهم قائما

متى سحق يسوع الناصري رأس الحية؟

فلو سلمنا لهم، ان الحية هي مجرد رمز للشيطان، فهل قام يسوع الناصري بالقضاء على الشيطان؟

وهل كانت عملية صلب يسوع، نهاية لوجود الشيطان؟

الشيطان كان موجودا قبل يسوع، ولا زال موجودا بعده، ولا اعتقد ان الاحبة المسيحيين يريدون من الآخرين ان يقتنعوا بان المعركة بين الطرفين، لم تبدأ بعد!، وان النهاية ستكون كما وصفتها احداث (حلم) لشيخ عجوز (يوحنا) حسب سفر الرؤيا 12/9 !!!

وعند انتقالنا من هذه النبوءة المفبركة، الى النبوءة الثانية، والتي يدعي المسيحيون انها وردت في نفس الاصحاح من سفر التكوين

والمتضمنة في النص التالي:

(وصنع الرب الاله لادم وامراته أقمصة من جلد والبسهما) تكوين 3/21

يدعي اللاهوتيون ان هذا النص، يشتمل على نبوءة فيها اشارة الى عقيدة الفداء، التي ستكلل لاحقا، جهود الاله بتقديم الخلاص لنا، عن طريق تجسده، وافتدائنا خطايا البشر بنفسه !!

ويستندون في هذا الادعاء العريض على ان النص يحتوى كلمة (صنع) وهي تشير الى ان الرب قام بصنع الاقمصة الجلدية التي ستر بها، ادم وحواء، عن طريق ذبح حيوان وصنع الاقمصة من جلده !!

ويركز اللاهوتيون، وبشدة، على كلمة (صنع) من اجل بناء هذا السيناريو السوريالي!!

ويرددون بكل سطحية والتواء على ان لفظة (صنع) تعني ان هناك حيوان مخلوق مسبقا، وان صنع الجلد الذي أصبح لباسا ساترا، يعني التضحية بحيوان من أجل تحقيق الستر…. ومن هنا.. فان الستر لا يتم الا بالتضحية بذبيحة!!

والذبيحة صاحبة الجلد الساتر، هي رمز ليسوع المسيح، الذي سيكون الذبيحة التي تستر عيب الخطيئة، لان الرب بطبيعته دموي، وليس هناك الا سبيل واحد فقط، وهو سفك الدم، لكي يغفر، و (يتنسم رائحة الرضى) !!

(وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ) عبرانيين 9/22

وعلى العكس من النبوءة الاولى المتقدمة، نجد اللاهوتيين المسيحيين هنا، يجمدون على حرفية كلمة (صنع) ويرفضون اي دلالة اخرى قد يشير اليها معنى الكلمة، ويكررون بتشدق غريب، لو ان النص قال (خلق) اقمصة، لكنا قبلنا بظاهر النص، ولكن النص قال (صنع) مما يدل على ان الاقمصة تم صنعها من حيوان (مخلوق) مسبقا!!

ان هذا الادعاء العجيب، يناقض نصوص الكتاب المقدس نفسه، والذي ترد فيه كلمة (صنع) بمعنى (الخلق)

(هوَ اللهُ. مُصَوِّرُ الأَرْضِ وَصَانِعُهَا) اشعيا 18/45 ونجد نفس المعنى مذكور في العهد الجديد

(وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ) اعمال الرسل 17/26

ويلاحظ القارئ الكريم، ان منهجية التأويل قد تناقضت تماما، ما بين تحريف معنى لفظة (نسل) في النبوءة الاولى، وما بين التكلس و الجمود على معنى واحد فقط للفظة (صنع) في الثانية، لان ذلك المعنى يخدم غرض اللاهوتيين!!

من هنا يتضح لنا، حجم التلاعب بالمعاني من خلال اتباع طريقة انتقائية مخلة، في التصرف بالمفاهيم التي تحملها نصوص العهد القديم، وجعلها في خدمة الأفكار التي اعتنقها اللاهوتيين، وأرادوا اسقاطها على تلك النصوص، ومن ثم اختلاس قدسية تلك النصوص، وسحبها على أفكارهم التي جعلوها تتلبس بلبوس القداسة المسلوبة، باسلوب متفذلك لايخضع لاي منهجية او نسق لغوي ولا تراتيبية منطقية، وانما فقط يعتمد على إضفاء حالة من المطاطية الخادعة، تنتج نبوءات مصطنعة، تظهر تلك المعتقدات بمظهر براق وخادع، لكنه بالحقيقة مهلهل وخاوي، مهما كانت التسميات او العناوين العريضة، التي يحاول أصحاب هذا المنهج تغليف الخدعة بها، من قبيل التفسير الروحاني او القراءة الايمانية ..الخ !!

 

حوارات في اللاهوت المسيحي 28

د. جعفر الحكيم

 

sardar mohamad2بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين

وجد بعض المفسرين وناقلي القصص والأشعار ومؤلفي الحكايات الخيالية ومبدعي الروايات الخرافيّة والأوهام في فكرالحضارات الأولى وإبداعاتها وفي تكوين المجتمع المدني المتحضر علماً وفناً وأدباً والكتابة وتدوين وتوثيق ما وصل إليه من حقائق على ما استنتجه واكتشفه وايضاً ما اخترعه وكان للفكر الديني الديني الوثني والمشرك على وفق مانعتقد والمسطّر في الملاحم وما أخذ منها لاسيما الفكر التوراتي الذي بين أيدينا أقول وجدوا مجالاً خصباً لبث أفكارهم وإدعاتهم الباطلة متناسين أن نشوء الدين أساساً كان نتيجة الوعي الجمعي لتلك المجتمعات،فاتخذوا الدين الآلهي غطاء لما يأتون به وحماية لتخرصاتهم وهؤلاء عامة أزعم أنهم رواة في أقوالهم بهتان لا حجة عليها ولادليل مادي أوغيبي.

واستغل هؤلاء القوم سذاجة بعض الناس وضعفهم المعاشي الدنيوي وقلة معلوماتهم ومعرفتهم فدغدغوا المشاعروعزفوا على وترالعواطف،فملأوا بطون الكتب بترهات الكلام الذي ما أنزل الله به من سلطان، ووظفوا قدراتهم في النحو والصرف والبلاغة في التفسير الذي لايفهمه أغلب الناس فهذا منصوب وهذا مجرور وهذا بدل وذاك نعت وهذه استثنائية وهذا ضمير وتبع كل هذا بعبارة والله أعلم، ولم تكن غاية الدين هذه ولم يأت الإسلام للعرب وحدهم بل الخاصة من العرب وبدلاً من أن يكون سهلاً واضحاً للناس جميعاً أسرفوا في التعميّة حتى أن بعض الناس كرهه واستصعبه وخفي عنه وبذلك فإن هؤلاء الكتبة قد منعوا دين الله عن البسطاء من الخلق وحتى يقول الناس عنهم هم العلماء والعارفون وبحجة أنهم الراسخون علماً، وخلت رواياتهم من المنطق والتحليل والإستنتاج إلا فيما ندر،واكتفائهم بالطريقة الإخبارية ولذلك تقرأ كثرة العنعنة (فلان عن فلان عن فلان وهلم جرّاً، وفلان ثقة وفلان كذاب وفلان لا وجود له) واذا كان ثمة معترض أومتنوريدحض أقاويلهم ويسفهها فالتهمة تكون جاهزة تحت غطاء الدين فيوصف بالإلحاد والكفرالبواح .

وزادوا ذلك بأن حشروا أنفسهم بالعلم المادي حتى مر وقت كشف العلم عن هناته وخطأه دون خوف أو وجل وهذا ديدن العلم لا يقدس نفسه ولا يعتريه ثبات وجمود ولا يخشى اسم عالم مهما كان، أقول كشف العلم طرفاً من ستارالكون العظيم فإذا بهم يشدهون، فما كان منهم إلا أن يبحثوا عن التبريرات المضحكة فكانوا كمن يتسلق السلّم بالعرض .

ووجدت أن الوقت قد أزف لتبيان وتوضيح ما أسميته الأكاذيب والأغاليط فكان هذا الجهد المتواضع وآمل التوفيق من الواحد الأحد به أستعين و على نهج نبيّه الكريم أسير .

تعمدت أن لا أطيل الشرح في مواضع بيّنة فلا أجد حاجة للحشو وترهل العبارات كذلك حاولت النأي عن الألفاظ النابية والبذيئة تعففاً بوضع نقاط بدلاً من فاحش الكلمات ولو أنها وردت في المصادر والمراجع صريحة والتي سأشير إليها .

وقد نأى بعض الرواة والمفسرين والمؤرخين خوفاً من شطط أو زلل فيقعون في مثلبة الكفر أوالإلحاد فيخسرون رضا الله تعالى ورضا الناس لا سيما من هو متطرف لايحب أن يسمع ويحب أن يسمعه الناس فقط ويمدح ويثنى عليه ويقولون نعم لكل ما يتفوه به فكفر من حيث لا يعي إذ أسبغ القدسيّة على قوله، وهذه القدسية أدت إلى تكميم الأفواه وسجن العقول إلا من انتفض عليها واتخذ نهجاً خاصاً به مع مراعاة المؤسسة الدينيّة التي صنع هيكلها هؤلاء الرواة والكتبة في الظاهر ومخالفتها في الباطن ولنا في الإمبراطوريتين الأمويّة والعباسيّة خير دليل مع تناقض أفكارهما .

ولا خشية لي في بثي ما أعتقد فإن الله عزّ وجل عليم بالقلوب،

سر أي نفس لا يخفى على الخالق فلا يخفى عليه تعالى لا باطن ولا ظاهر

دار الإنسان الخالدة كائنة في الآخرة لا هنا وهذا ما يدعو المومن به تعالى أن يتحفظ في سلوكه وتصرفاته وحتى في كلامه وإني إذ أخلت نفسي مُدخلا صعباً فإني أرجوه مُخرجاً سهلاً .

لذا قررت التصدي لهذا الموضوع الشائك الذي ليس لدينا دلائل مادية كافية للإستناد عليها كما أن للمُعتَرض عليهم لا أدلة لهم ماديّة وجل أدلتهم كلاميّة وأحاديث وهم للحق والواقع بارعون في اللغة وفي اقناع كثير من المتعلمين وغير المتعلمين وكان لا بد الحذر من الوقوع فيما يبتعد عن الحقيقة والواقع فيصير بمستوى ما أنا أعيب عليه .وفي آخر حديثي لابد من التأكيد على أن مقالاتي وحديثي هو ليس تفسير للكتب السماويّة إنما تفسيرات لأقوال الرواة والكتبة .

فصل 1

أقول : نحن كمسلمين نؤمن بكتاب الله العزيز فنؤمن بما جاء فيه لأنه قول الباري عز وجل وليس قول عبد، لذلك نؤمن ببدء الخليقة الحاليّة بآدم عليه السلام ومن بعده حواء، أي أن أول آدميين خُلقا لهذة الحقبة من الزمن ومنهم أتينا هم الذكر والأنثى أدم وحواء ومن ثم بدأ التكاثر حتى نشأت المجتمعات، لكن لاأحد يلزمنا بما تحدث به الرواة والكتبة مما لا دليل عليه لا مادي ولا غيبي .

وفي خلق آدم عليه السلام كما ورد في القرآن الكريم تعن جملة تساؤلات تصدى المفسرون لتفسيرها، ولنأت عليها بعد ذكر الآية الكريمة :

"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون " البقرة 30

وقال في الحجر 28

" وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون "

وقال تعالى في ص 71 " إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين "

وفي هذه الآيات الكريمات قيل الكثيرفيما يؤثر في مشاعر الناس ولم يفسر أحد مثلاً لماذا أخبر تعالى الملائكة بأمرجعل خلائف في الأرض هل أن تعالى سبحانه إذا قرر جعل شيء في الكون يخبر الملائكة به .

أما التفكير في قوله تعالى " جاعل " وليس خالق في الأرض خليفة، ولوأن الجعالة كما حكاه الزجاج " إنّا جعلناه قرآناً عربياً " الزخرف 3

معناه إنا بيناه وصيّرناه "

"وجعلني نبيّا " مريم 30

تعني وصيّرني .

ويبقى السؤال قائم، فسبحانه وتعالى خلق آدم عليه السلام لا محالة ولا شك ولكن القول الرباني ( خالق و جاعل ) هل تعني أنه الخلق والجعل الأول ؟ ماذا تفهم من قول أحدهم ( إني ذاهب للجامع ) هل تفهم أنها المرة الأولى ؟ بالتأكيد لا.

وقال المفسرون أن تعالى خلق قبل أدم الجن وليس بشراً وما الكفر لو قلنا أنه خلق أجيالاً من البشروعصوراً سادت وبادت فأمر تعالى أن تزول فزالت، ألم يحدث الطوفان في عصر نوح عليه السلام والمدة بينه وبين أبونا آدم قصيرة تاريخياً ثم أن الله عز وجل وهو العالم بكل شيء يعلم آوان التغيير أو التدمير وأسبابه ومثال ذلك

" وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا ...." الأعراف 4

و " وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم " الحجر 4

وكذلك في الأنعام 123 وفي الإسراء 58

اظن أن لا غبار على التدين ولا مساس بالدين في تدبر القرآن الكريم والتفكير فيما فُسر وروي وكُتب فليس الكتبة والرواة والمفسرون ذوو قدسيّة .

هل يجدر بنا نصدق أن الملائكة عرفت أن البشرسيفسدون في الأرض ويسفكون الدماء من الجن الذين فسدوا فيما سبق آدم عليه السلام وقاسوا على ذلك، بمعنى أن القياس تم بين جن وبشر وليس جن وجن أو بشر وبشر ولماذا لا يكون هذا ؟ وثمة أمر آخر هل نصدق حادثة أنهم طردوا إلى موضع مجهول هو ( جزر البحور ) .

لقد اكتشف العلم أن ثمة عصور جليدية أنهت الحياة على الأرض كما اكتشف وجود جماجم تسبق خلق آدم عليه السلام بقرون .

المدة الفاصلة بين خلق آدم ونشوء المجتمعات والحضارات وهو مانأى عنه المؤرخون من المسلمين والنصارى لكن الفكر اليهودي هو الذي حاول توضيحه،لينشأ مجتمع من شخصين فقط،كم ألف سنة تمر حتى ينشأ ؟، وسؤال آخر يفرض نفسه هو تفرق أو توزع هذه المجتمعات على اصقاع مختلفة من الأرض،

وإذا كنا نريد أن نصدق أن آدم على وفق الروايات أهبط في أرض الهند ( وهناك اختلاف في معنى الهبوط والنزول ) وحواء في الجزيرة العربية وهي ما لا دليل عليه فإننا سوف نصل إلى قناعة أن المجتمع الأول قد نشأ في الجزيرة وبهذا لابد من تفسير عن كيفية انتقال المجتمعات إلى مناطق متفرقة من الأرض وعلى هذا فإن ما جاء في العهد القديم أقرب للصحة وإن جعل من أعمار المواليد مئات السنين لكي يبرر نشوء المجتمعات مثال ذلك أن الأبن " شيث " مات وعمره قرابة القرن وابنه المسمى " أنوش " كذلك وبعده " فينان" كذلك وهكذا كل ولد يعيش قرابة قرن فتنشأ على مدى قرون المجتمعات ( راجع سفر التكوين الإصحاح الخامس ) حتى يصل في تفصيله إلى النبي نوح عليه السلام وحصول الطوفان ويغفل التوراة عن العصور المختلقة التي أحدقت بالمجتمعات البائدة وربما أن الرواة غير مطلعين أو عارفين بالعصور الجليدية مثلاً، ومما زعمه كتاب العهد القديم الذي بين أيدينا أن أمد السنين بين آدم وبين طوفان نوح عليهما السلام هو

ايام آدم هي 980 سنة

وابنه شيث هي 912 سنة

وابنه أنوش هي 905سنين

وابنه فينان هي 910 سنين

وابنه مهللئيل هي 895 سنة

وابنه يارد هي 962 سنة

وابنه أخنوخ وهي 365 سنة لأنه سار مع الله

وابنه متوشالح وهي 969 سنة

وابنه لامك وهي 777 سنة

وابنه نوح وهي 950 سنة

ومن احفاده نمرودالجبار الذي ابتدأ ملكه ببابل ومن الأرض خرج اشور وبنو نينوى

وولد لنوح ثلاثة ابناء هم ساما وحاما ويافث

ومع هذا التقريب التوراتي لتعاقب البشر بعد الخلق الأول لكن الثابت عن التوراة أنها كتبت بعد نشوء حضارة وادي الرافدين ووردت فيها ما يدل على ذلك .

فصل 2

ما روي في سورة الفاتحة

" أهدنا الصراط المستقيم " الفاتحة 6

الصراط هو الطريق السّوي الذي يسلكه الفرد فيؤمن بوحدانية الخالق وبملائكته ورسله وبالغيب ويسير على هدى وشعائر الإسلام وإداء مناسكه فالذي لايكذب ولا يسرق ولا يزني وينأى عن الفحشاء والظلم ويحفظ دماء الناس ويصون الحرمات ويبث المودة والرحمة وبالمحصلة يؤدي كل ما أمر الله ويبتعد عمّا نهى عنه فهو على الصراط سائر

وقال تعالى في طه 135

" .... فستعلمون من أصحاب الصراط السوي "

وهنا وصف بالسوي وليس المستقيم وهو مايؤكد ما ذكرت

وفي ص 22

قال تعالى " وأهدنا إلى سواء السراط .. "

وفي المؤمنون 74 " وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون "

أي حائدون عن الطريق السوي .

ومما يؤكد ذلك بلا شك ما ورد من قول على لسان الشيطان الرجيم في الأعراف 16

" قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم "

في هذه الآية الكريمة حسم للأمر فذكرت الغواية وقال الشيطان : أنه سيقعد لهم صراط تعالى فماذا قصد الشيطان بالقعود ؟ أليس هو محاولة حرف الناس عن الهداية واغوائهم لسلوك طريق ما نهى الله عنه .

أن اعطاء صورة ماديّة مجسدة لتعبير مجازي لا يضيف شيئاً ولا يمنع شيئاً، فوصف الصراط بأنه طريق رفيع كالخيط وحاد كسكين ذرب ومن يجتازة يصل الجنة ومن تزل قدمه يسقط في جهنم هو من الروايات التي لا حاجة للإسلام بها ولا تزيده كبراً وعظمة بل تجعل العقلاء يسخرون منه .وقوله تعالى " أنعمت " وليس "سأنعم "عليهم دليل أنه في الدنيا وليس في الآخرة كطريق رفيع بل هو الطريق والنهج السوي في الدنيا بالتزام ما أمر به الله وتجنب ما نهى عنه .

 

سردار محمد سعيد

 

mutham aljanabi2لقد كانت شخصية الإمام علي بن أبي طالب استمرارا للاتجاه الإسلامي المحمدي ولكن في مرحلة انتقال المجتمع من الوحدة الإسلامية إلى وحدة جديدة محكومة بهيمنة الدولة واستقلال السلطة وبلورة ملامحها الأيديولوجية، بوصفها قوة مغتربة عن فكرة الأمة الإسلامية ومصالحها المكفولة بالشريعة (القانون). فعملية التفكك والابتعاد عن الوحدة الاجتماعية للجماعة الإسلامية شكلت في تصوراته رجوعا إلى الماضي. فالجاهلية بدت بالنسبة له كما لو أنها تعيد تشكيل نفسها وتنتظم خيوطها من جديد كما يفعل العنكبوت تجاه مصايده. وعوضاً عن الهروع في هذه الحالة إلى منبع الجماعة الإسلامية ومصدر قوتها وعظمتها كما دعا هو، فإن "قوى المنكر" تسير في خطاها، وإن لأظلم ما في الأمر، كما قال مرة، عندما لا تعترف هذه القوى بجهلها.

لقد نظر إلى الجهل نظرته إلى شر اجتماعي وأخلاق جاهلية. بينما أظهرت الممارسة أن الجهل واللاجهل مجرد مقولات سياسية عملية. وفي هذه الحالة كان لابد للماضي من الظهور بقوته المعهودة، باعتباره السند المتين والدفين في أعماق الذاكرة، واليقين الأخلاقي الذي لا يمكن للقوى المتصارعة أن تمسكه بيديها. وبالتالي كان لابد للعروة "الخالدة" من أن تبحث عن مرتكز لها بعيدا عن محاصرة السلطة المباشرة. وليست هذه العروة الخالدة سوى الماضي أو المستقبل.

و إذا كان المستقبل عادة ما يقلق السلطة باعتباره مستقبلها أيضاً وخزانة آفاق وجودها ومصيرها، فإن الماضي عادة ما يشكل بالنسبة لها مستودع ثرواتها المنسيّة. ومن ثم بإمكانها الرجوع إليه بالقدر الذي تضطرها إليه الذاكرة المحاصرة في سعيها للخروج من هذا المأزق أو ذاك، أو لتبرير ما تجده ضرورياً لأعمالها. فالماضي يتحول بهذا المعنى إلى خادم صغير يؤدي خدماته على مثال صغار موظفيها، على عكس تلك القوى التي تبحث في الماضي عن عروة يقينها الأخلاقي. وتوافق هذه العملية من حيث مضمونها مع الرجوع إلى مبدأ الحق. لهذا كان موقفها من الماضي مبنيا على أساس استقامة الاجتهاد والبحث عن دليل العدالة وليس على أساس التبرير والتأويل المفتعل.

وليس مصادفة أن تؤدي هذه العملية أحيانا إلى نتائج عكسية. فقد رفض الإمام علي الانصياع للإجبار "السياسي" غير المباشر، الذي حاول فرضه على الجميع عبد الرحمن بن عوف. فقد طاف الاخير بسؤال محدد على كل أولئك الذين دخلوا في هيئة الشورى لاختيار الخليفة، عما إذا كان كل منهم سيسلك سلوك من قبله (أبو بكر وعمر)، وأن لا يقرّب أحدا من أهله. وإذا كان عثمان قد أجاب بالإيجاب بينما سيكون سلوكه مغايرا تماما، فإن علياً رده قائلاً: مالك ولهذا؟ إذا قطعتها في عنقي! فإن عليّ الاجتهاد لأمة محمد حيث علمت القوة والأمانة استعنت بها كان في بني هاشم أو غيرهم. وعندما شدد ابن عوف قائلا: لا والله حتى تعطيني هذا الشرط! فأجابه: والله لا أعطيكه أبداً[1]. وبغض النظر عن كل الحوافز الفعلية القائمة وراء ضغوط ابن عوف، فإن ما هو جوهري بالنسبة لنا هو رؤية الموقف الحقيقي من تراث الأسلاف وإدراك الموقع الشخصي في اندماجه بالماضي والمستقبل. فإذا كان عثمان قد قال وخان وأعطى العهد ونكث، فإن علياً رفض القول وآمن ولم يعط الكلمة وتمسك بالحق. وهو السلوك الوحيد الذي يفرضه منطق الحق والروح الأخلاقي. وفي هذه العملية لابد للماضي من أن يتحول إلى معيار صارم ومحك خشن لتقييم كل ما هو موجود. لهذا يصبح الرجوع إلى الماضي أسلوب المقارنة ووعي الذات. لهذا السبب أيضاً وجد الإمام علي في سلوك السلطة رجوعا إلى الجاهلية وماضيها، أي أنه بحث عن المثال الأقوى، الذي يشكل بحد ذاته قيمة معترفا بها من قبل الجميع. والأهم من ذلك قيمة مطلقة بالنسبة له رغم سعيه للاجتهاد الحر. من هنا نستطيع القول بأن الرجوع إلى الماضي في أفكاره وممارسته لم يكن، من الناحية الموضوعية والتاريخية، وهما اجتماعيا.

إن الموقف المذكور أعلاه وأمثاله كما نعثر عليها في (نهج البلاغة) والكتب المؤرخة لحياته وأفعاله، تؤكد بصورة قاطعة على الطابع الاجتهادي لوعيه وفعله. وليست العبارة الشهيرة القائلة بأنه لولا علي لهلك عمر، إلا دليلا على اجتهاده في حل الأمور أكثر مما هي دليلا على "عصمته" في ميدان المعرفة. وإذا كان الارتباط وثيقا بين المعرفة والاجتهاد، فإن المعرفة لا تلزم بالضرورة إنتاج اجتهاد. فقد رأى هو في ظهور الإسلام حلا للفتن التي مزقت شمل العرب بحروبها الدامية. فهو ينظر إليه نظرته إلى الضوء الذي أنار الدنيا الكاسفة النور، والذي لم يفقد شعاعه وتوهجه، على الأقل، بفعل عدم تقدم العهود به والأحقاب والقرون"[2]. وإذا كانت مأثرة النبي محمد التاريخية تقوم في أحد جوانبها بتذليل هذا التفرّق و"دفن الضغائن وإطفاء النوائر والتأليف بين الأخوان" ومن ثم تأسيسه للأمة الإسلامية الموحدة، فإن المصير التاريخي لتطورها الاجتماعي قد وضع علياً ومأثرته على مستوى آخر وباتجاه نوعي جديد. فليست الفتنة من حيث مضمونها التاريخي، والكثيرة التردد في خطاباته، سوى التعبير اللغوي السلبي عن الصراع الاجتماعي المناهض لوحدة الأمة. لهذا نراه يتكلم عن فتنة جاهلية وأخرى معاصرة له. وإذا كان في إحدى كلماته المأثورة قد نصح المرء في أن يكون أيام الفتنة كابن اللبون "لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب"[3]، فإن ذلك لا يعكس رغبته في تجنب الصراع باعتباره ضرورة. فهو لا يحدد هنا سوى موقفه الأخلاقي. ومع ذلك يبقي للنشاط والعمل أهمية كبرى وحاسمة.

فقد اعتبر الإمام علي الجبن نقيصة، والعجز آفة. كما اعتبر الصبر شجاعة. ومن الممكن رؤية الانطباع العربي (الجاهلي) والإسلامي في موقفه من الصبر باعتباره أكثر الصفات جمالاً. لكن تصويره للصبر باعتباره شجاعة، يتضمن في آن واحد رفع شعار التضحية والاستعداد لتحمّل صعابها باسم العدالة. فالمقولات الأخلاقية لا تتضمن في أحكامه معنى سياسيا مباشرا، لكنها تخدم مقولات السياسة العملية بوصفها قيما عليا. لهذا ربط في كلّ واحد الصبر بالشجاعة، والشجاعة بالعدالة، التي أصبح القتال بين الأخوان يجري من أجلها على ما دخل في الإسلام من الزيغ والاعوجاج والشبه والتأويل"[4]. بصيغة أخرى لقد طالب بمواجهة حالة الزيغ عن مبادئ الإسلام بالصبر والشجاعة، وذلك بسبب ما في هذه المواقف من مرارة قاسية تستلزم الجلد في تماسك الروح وانضباط الجوارح. فهو يقف أمام واقع أصبح فيه القرآن السلعة الأكثر بواراً حال تلاوته الحقة والأنفق بيعاً حال تحريفه.

إن انعدام العدالة ومكابدة الفقر تبرز لا بسبب اختلاف "التأويل"، بقدر ما أصبحت نتاج "الانحراف" الاجتماعي السياسي الذي جعل من "صرخة الدماء الصادرة من جور القضاء" المظهر المفزع لانتهاك القيم والمفاهيم التي استوعبها هو. لقد رغب هو في الوسيلة التي بإمكانها أن تلمّ شعث المسلمين، وكان مستعدا لأن يمسك مقابلها عما سواها، غير أن التطور الاجتماعي الاقتصادي والسياسي جعل من هذه الوسيلة مجرد شعار. ذلك يعني أن سعيه للوحدة الاجتماعية لم يكن وهماً سياسيا. لقد اقترب أكثر من غيره آنذاك من استيعاب وفهم القضية الجوهرية التي أبرزت ضرورة تطبيق شعاره المذكور أعلاه، ألا وهي قضية السلطة.

إن إدراك أهمية السلطة يتطابق مع انتهاء مرحلة ما يسمى بخلافة الراشدين. وذلك لأنها كانت ترمز من الناحية الواقعية إلى بروز أهمية وقيمة الفكرة السياسية. فقد كان تاريخ الخلافة حتى صعود الإمام علي إلى السلطة صيرورة متراكمة من الصراع السياسي بكل مكوناته من قيم متضادة. وقد رافقت هذه العملية صيرورة الدولة بشكل عام والإمبراطورية بشكل خاص. فقد كان صعود أبو بكر الصديق واستخلاف عمر بن الخطاب صراعا سياسيا بحتا رغم غلافه الديني الذي برز للمرة الأولى في مواجهة حروب الردة ولاحقا بالفتوحات. أما صعود عثمان بن عفان إلى السلطة فقد كان "مؤامرة" سياسية بحتة، من هنا نهايتها المخجلة والتعيسة والمناقضة لما في فكرة "الخلافة الراشدة" من معنى أولي. فمن غير المعقول توقع اضمحلال رشد المسلمين في انتفاضهم ضد خليفة يمثل الرشاد والعقل. فقد وجدت الأمة المنتفضة في عثمان أنموذجا للغي والضلال وانعدام العدالة. وفي انتفاضتها برهنت على إدراك خاص لقيمة "الرشد" بالنسبة للسلطة. وقد شاطر الإمام علي بن أبي طالب هذا الإدراك، رغم دفع الأحداث إياه عنوة صوب التمسك العملي بها. من هنا وقوفه وصراعه المرير بين عوالم السلطة والروح. فقد استلم السلطة بعد عثمان، بمعنى استلامها كما يستلم آخر متبار في سباق البريد من يد شخص منهوك القوى، متأخراً، لم يقبل هزيمته وتأخره فحسب، بل ويرغي شاتما من ينبغي أن يقطع الشوط الأخير. وهي الحالة التي ميزت تقبّل الإمام علي للوديعة الخربة تحت تأثير حماس الجمهور. وقد قبلها "مجبورا" لاسترجاع الفوز السابق في منازلة كانت نهايتها المحتملة تتأرجح بين الخسران أو إزهاق الروح من أجل اللحاق بالأوائل!

فقد ترك عثمان بن عفان للإمام علي بن أبي طالب خلافة الزمن الفارغ، وكمية هائلة من الاحتجاج الاجتماعي وكتلة هائلة من الخراب المعنوي المتجسد في قوى سياسية واجتماعية متمرسة في عوالم الرذيلة، ومحنكة بالدهاء السياسي. فقد بلغ الزمن ذروته في لذة السلطة وتوظيف "الوحي" بالطريقة التي تجعل كل المواقف مباحة مازالت تؤدي وظيفة التجديد الدائم لهذه اللذة. من هنا ليست محاولة الإمام علي بن ابي طالب إعادة واستعادة "الإسلام الحق" سوى المحاولة التاريخية الأولى والكبرى لبناء الدولة والحضارة، التي تمثلت من حيث الجوهر مشروع الصيرورة السياسية للدولة الإسلامية اللاحقة، والكينونة الروحية للثقافة.

فمن الناحية الظاهرية تبدو اغلب مواقفه السياسية الأولى كما لو أنها رد فعل مباشر وغير مباشر على طبيعة وحجم الخراب الذي أحدثه عثمان في مسار الدولة. أما في الواقع، فقد كانت مواقفه ونموذجه الحياتي وكفاحه ومماته حلقات مترابطة في تأسيس الأبعاد الباطنية للمرجعيات الإسلامية الكبرى في الموقف من الدولة والمجتمع والسلطة والإنسان والروح. فعندما صرح في أولى خطبة له بعد أن بويع بالمدينة قائلا "ذمتي بما أقول رهينة. وأنا به زعيم (كفيل). إن من صرّحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزته التقوى عن تقحّّم الشبهات. ألا وإن بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم. حق وباطل. ولكلّ أهل. ولقلما أدبر شيء فاقبل"[5]. لقد أراد القول، بأنه كفيل بما يقول ويعمل، لأن من يدرك تجارب الأجيال والتاريخ وعقوبته تحرزه رؤيته هذه عن خوض الشبهات. وهي شبها جلية في بلية الانحراف عن الحق وانتشار الباطل. كما أنها حالة حرجة انطلاقا من أنه قلما أدبر شيء فأقبل، بمعنى أن ما ذهب يصعب رجوعه. وذهاب الحق صعب الإرجاع لكنه ممكن. بحيث نراه يجعل من هذه المواجهة معنى القول والعمل. وبالتالي إمكانية استرجاع حقيقة النبوة لا النبوة، وذلك لإدراكه طبيعة العقاب التاريخي الذي تعرضت وتتعرض له الأمة في ظل سيادة "أهل الباطل" بعد أن أدبرت مرحلة النبوة. وقد تحسس وقع هذه الحالة وثقلها عليه كما تلمسها بصورة جسدية مباشرة عندما اندفع عليه الجمهور المنتفض ليبايعوه على الخلافة. بحيث نراه يصورها بكلمات تقول "تداكوا عليّ تداكّ الإبل الهيم يوم ورودها، قد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها، حتى ظننت أنهم قاتليّ أو أن بعضهم قاتل لدى بعض". كما أشعرته هذه الحالة بقدر متكافئ الرغبة في استعادة الحق وهول مواجهته في ظل الخراب العميق وريبة الرؤية السياسية للنخبة المكية العفانية. ونعثر على كل ذلك في تمنعه وتردده من قبول العرض العام لتسلم السلطة، كما نراه ونسمعه في قوله عندما خاطب الجمهور:"دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان. لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول. وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت. واعلموا إني إن أجبتكم ركبت بكم ما اعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب. وإن تركتموني فإني كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم. وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا"[6].

إننا نعثر في هذا الموقف على حجم وطبيعة الإدراك العقلي والوجداني لواقع الدولة وإشكاليات الوجود الاجتماعي والأخلاقي المتمردة من جهة، وعلى طبيعة وحجم التحدي الفردي لكينونته الجديدة بوصفه أميرا من جهة أخرى. لقد نزع من "حق الولاية" تعبير المؤمنين، على خلاف عمر بن الخطاب، وتعامل مع الأتباع والأعداء على أنهم مسلمين من حيث الانتماء الشكلي للأمة والدولة. وتضمن سلوكه هذا معنى الرجوع إلى الرؤية المحمدية في عاملها مع الواقع كما هو لا مع نموذجه المرتجل في رفع شأن الأفراد والأمة إلى مصاف الإيمان. فالإحسان حقيقة الإيمان، ولا إحسان فيما كان يواجهه الإمام علي بن أبي طالب بعد مقتل عثمان، بل خراب وعنفوان وتمرد وصراع. وليس مصادفة أن يشدد في اغلب خطبه على ظاهرة الفتنة. وقد عّبر عن موقفه العام منها في أحد مواقفه القائلة، بأن الفتن "إذا أقبلت شبهّت. وإذا أدبرت نبهّت. ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات". بمعنى أنها تخلط الأمور وتختلط فيها المواقف والأساليب والنتائج. بدايتها قلاقل ونهايتها زلازل، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن حقيقة تقوم في وضعها الجميع أمام تحسس ما في نهايتها من دمار. ووجد إمكانيتها الفعلية الخاصة في بني أمية، أي في السلسلة غير المرئية لأحفاد وأسلاف عثمان بن عفان. وقد قال مرة بهذا الصدد، بأن أخوف الفتن عنده على الناس "فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مظلمة عمّت خطتها وخّصت بليتها،وأصاب البلاء من أبصر فيها واخطأ البلاء من عمي عنها. وأيم الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي... حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم أو غير ضار بهم. ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا كانتصار العبد من ربه والصاحب من مستصحبه"[7]. وبنى موقفه هذا على أساس تأمل التجربة التاريخية لهذه الكتلة السياسية ومكونات إرثها "الروحي". بمعنى أنه وقف أمام الإرث المتناقض لسياسة النبي محمد تجاهها واستفحاله في زمن عثمان. فقد كان هذا التناقض محكوما بما في شخصية الإمام علي بن أبي طالب من أولوية الروح الأخلاقي وفكرة العدالة المتسامية على مغامرات السياسة وأبعادها المجهولة. لهذا لم ينظر إليها على أنها مكونا في "أمة المؤمنين"، بل قوة لها امتدادها العريق في جاهلية الروح والقيم. من هنا حكمه الواضح تجاهها عندما قال مرة عن بني أمية:"والله لا يزالون حتى لا يدعوا لله محرما إلا استحلوه ولا عقدا إلا حلّوه. وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخله ظلمهم ونبا به سوء رعيهم، وحتى يقوم الباكيان يبكيان، باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه. وحتى تكون نصرة أحدكم من احدهم كنصرة العبد من سيده. إذا شهد أطاعه، وإذا غاب اغتابه. وحتى يكون أعظمكم فيها غناء أحسنكم بالله ظنا. فإن أتاكم الله بعاقبة فاقبلوا، وإن ابتليتم فاصبروا. فإن العاقبة للمتقين"[8].

فقد اختلط في هذه الرؤية وثناياها بريق الفتنة ودخانها، كما أخذت معالمها تبرز بوضوح بوصفها صراعا بين فكرة الدولة والسلطة. ووجد انعكاسه في مأساته التاريخية بوصفها صراع الروح والسلطة. وهو صراع هائج وعميق المحتوى على قدر ما في الإمام علي بن أبي طالب من أبعاد غير متناهية في وحدة الوجدان والإيمان كما نعثر عليها في تلك العبارة الوجيزة التي كشفت عن أعماقه الملتهبة عندما وقف على شفا قبر فاطمة وهو يقول بملء صوته مخاطبا أبيها:"لقد وسدّتك في ملحودة قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك... فلقد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة! أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسّهد!"[9]. وتكشف هذه العبارة عن أعماقه المحكومة بالأزل والأبد، بمعنى الهائجة في عوالم لا تتناهى. وهو حال ممكن بالنسبة لأولئك الذين تتسع قلوبهم للوجود والمطلق. وهي قلوب عادة ما تصنعها مراحل الانقلابات الخطرة والعاصفة أما بهيئة شاعر فحل أو كاتب عظيم أو أديب مرموق أو خطيب بليغ أو فيلسوف أصيل أو سياسي مقتول! فقد ارتطمت هذه المكونات جميعها بأقدار ونسب مختلفة في شخصية الإمام علي بن أبي طالب. وليس مصادفة أن يرى "الآفاق قد أغامت" عندما دفعه جمهور الناس لأخذ زمام المبادرة وقيادة الأمة المضطربة بين نشوة قتلها لخليفة جائر وسعيها لاستعادة الحق فيم تراه خصيصا به. وليس مصادفة أن يقف نفسه أمام صراع الروح والسلطة في أعماقه، عندما خاطب الجمهور قائلا:"إني إن أجبتكم ركبت بكم ما اعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب!" لهذا فّضل أن يكون لهم وزيرا من أن يكون أميرا! وفيها يمكن رؤية البطولة والمأساة بقدر واحد. لقد أراد مواجهة العالم وما فيه بما فيه. ذلك يعني أنه لم يسع إلى وضع نفسه بالضد من العالم بقدر ما أراد أن يجعل العالم وذاته المترامية بين الأزل والأبد محكومين بفكرة الروح المتسامي. وهي محكومية عادة ما تؤدي بالشخصية الكبرى إلى مواجهة خطرة في ميدان السياسة واشد خطورة في ميدان الروح. لكنها المواجهة الوحيدة القادرة على صنع مرجعيات الرجال والفكرة في التاريخ ووعي الذات الإنساني والتاريخي. وليس مصادفة أن تكون هذه المرجعية شعار مواجهته المواقع حالما تسلّم الحكم بعد عثمان، بحيث تحول كيانه وكينونته إلى نفي شامل لهما. لاسيما وأنها كانت الخطوة الأولية والضرورية لأية مواجهة تعي وتدرك قيمة الروح بالنسبة للدولة والحق. من هنا محاولته الأولية استرجاع ما اقتطعه عثمان لأصحابه وأقاربه من أراضي الدولة وأموال الأمة كما وضعها في كلماته الشهيرة القائلة:"والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته. فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق"[10].

لقد كانت تلك مواجهة الروح المتسامي لزيغ السلطة. من هنا عنفوان بقاياها الخربة في استثارة رذيلة الدهاء السياسي والعمل بمعاييره. الأمر الذي جعل من "دم عثمان" شعارها للمعركة من خلال اتهام الإمام علي بن أبي طالب. فعندما اتهمته بنو أمية من أنه شارك في مقتل عثمان، فانه أجاب:"أنا حجيج المارقين وخصم المرتابين. وعلى كتاب الله تعرض الأمثال، وبما في الصدور تجازى العباد"[11]. كما رد على من اتهمه بمقتل عثمان بعبارة:"ألا وان الشيطان قد ذمر حزبه، واستجلب جلبه، ليعود الجور إلى أوطانه، ويرجع الباطل إلى نصابه. والله ما أنكروا عليّ منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا. وإنهم ليطلبون حقا هم تركوه، ودما هم سفكوه"[12]. وعندما وقف وقفته الأخيرة أمام حصيلة الاتهامات التي وجهت إليه من جانب القوى العفانية، فإنه وضع القضية ضمن حدودها الفعلية عندما قال:"لو أمرت به لكنت قاتلا، أو نهيت عنه لكنت ناصرا. استأثر فأساء الأثرة. وجزعتم فأسأتم الجزع. ولله حكم واقع في المستأثر والجازع"[13]. وتكشف هذه المواقف عما يمكن دعوته بمنظومة الخلاف الكبرى والشاملة والجوهرية بين نمطين في الموقف من الدولة والسلطة. والشيء الجوهري الذي قدمه الإمام علي بن أبي طالب بهذا الصدد يقوم في نفي تجارب المرحلة السابقة بدأ من البداية التأسيسية للنبي محمد وانتهاء بالخراب العفاني من خلال تقديم فكرة الحق الشامل.

***

 

ميثم الجنابي

.........................

[1] ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص40.

[2] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص157.

[3] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج4، ص2. ابن اللبون هو أبن الناقة الذي بلغ السنتين من العمر.

[4] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص236.

[5] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص47-48

[6] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص82.

[7] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص184.

[8] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص191.

[9] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص182.

[10] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص46.

[11] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص125.

[12] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ي59-60.

[13] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص75-76.

 

 

mutham aljanabi2إن للقدر لعبته مع الأفراد والأمم! فهو يدرجهما في حركة المصير والذاكرة. وذلك لأن قدر الأفراد والأمم على قدر مكانتهم في التاريخ والزمن، أي على قدر بقاءهم في سريان الروح ووعي الذات الثقافي، أو اضمحلالهم في الدهر البارد. ولا يشذ عن هذه الفكرة تقدير وتقرير المأثرة التاريخية للأفراد أو اللعنة الأبدية الممكنة في نسيان فاحش أو إدانة أفحش، بوصفها الخاتمة التي طبعت من حيث الجوهر حياة وممات عثمان بن عفان. فقد كانت حياته سلسلة متقطعة من زمن الانسياق البارد وراء ملذات عابرة، بينما كان مماته تفاهة اكبر ورذيلة تامة عندما يجري تقييمها على أساس موقعه في هرم السلطة الإمبراطورية الهائجة بتراثها الروحي المسكون بحب الاستشهاد من اجل القيم المتسامية. وليس مصادفة أن يتحول قميصه فقط إلى بيرق الصراع من اجل السلطة بالنسبة لأولئك الذين تغلغل في أعمق أعماقهم حب الجاه والمال. إذ لا شيء في عثمان كان يمكنه أن يغري العقل والضمير. لهذا اندثر في وقت لاحق بين "محبيه" و"كارهيه"، لأنه لم يكن شيئا. وقد كانت تلك من اعنف مفارقات التاريخ السايسي والروحي للخلافة العربية الإسلامية الأولى.

فقد كان عثمان من حيث النفسية والشخصية رخوا، ضعيفا، هشا، مسلوب الإرادة، محكوما بقوة الغريزة. تربع هرم الدولة الصاعدة في اشد مراحل اندفاعها وعنفوانها! ومن الممكن فهم سرّ هذه المفارقة على أنها جزء من مغامرة النفس الجاهلية القابعة في أعمق أعماق الأغلبية من صحابة العصر آنذاك، ومن اعتبر صكوك "التبشير بالجنة" وثيقة التحرر التام من الالتزام الأخلاقي. فقد كانت فكرة "المبشرين بالجنة" الوثيقة الأولية لإفساد الروح المعنوي. وذلك لما فيها من إمكانية متعارضة بين الإرادة والمصير. فقد كان المصير معلوما والإرادة مجهولة. بحيث جعلت هذه المعادلة المقلوبة من الممكن استثارة النفس الغضبية والشهوانية دون أي رادع أخلاقي، لأن الأفعال أيا كانت تصبح جزء من "حكمة الله" المضمونة بحسن الخاتمة الأبدية! وفي هذا يكمن سبب خاتمة عثمان المخزية. كما أنها النهاية التي تكشف عن أن قدر التاريخ الفعلي هو الوحيد الذي يتمتع بواقعية تتجاوز وتذلل كل الاعتبارات الأيديولوجية أيا كان مصدرها. لاسيما وأن ورع عثمان الكاذب وعوده الرخو ورياءه المتميز قد جعل من الأحكام والتصورات الأيديولوجية تطويعا سياسيا فجا للوحي القرآني. بحيث جعل من الآية القرآنية خادما وضيعا للإرادة المبتورة برغبة الاحتفاظ بالسلطة. لهذا كانت خاتمته الفردية مهينة في بداية مهيبة للدولة! وقد واجه الإمام علي بن أبي طالب هذه الحالة، وجعلت منه بمعنى ما ضحية هذه المفارقة الخشنة. إذ وضعته صفته المكتسبة الكبرى، بوصفه "خشنا في ذات الله" على محك التاريخ السياسي والروحي للدولة الجديدة. بمعنى وضع تماسكه الروحي الذاتي على محك التاريخ السياسي للدولة والأمة، مع ما ترتب عليه من مأساة كبرى جعلت منه أنموذجا للفكرة المتسامية وقيم المعنى والرؤية الأبدية.

فقد صنعت ثلاثية الفكرة الروحية وقيم المعنى ورؤية الأبد المتماسكة في شخصيته كينونته الواقعية والمجردة. وجعلت منه في الوقت نفسه الشخصية الأكثر تمثيلا لما يمكن دعوته بالممثل الفعلي للتاريخ الروحي (العربي والإسلامي). وفي هذا كان وما يزال يكمن بريقها الخاطف ومأساويتها المثيرة للعقل والضمير. وذلك لأن تحقيق هذه الوحدة المتماسكة لثلاثية الروح والمعنى والرؤية المتسامية في ميدان السياسة عادة ما يستثير كوامن الرذيلة المتأصلة في الجسد والغريزة البشرية. وبالأخص عند أولئك الذين تراكمت في جينات وعيهم ولاوعيهم الفردي والعائلي حب المال والجاه (السلطة). إذ حالما تصبح السياسة ميدان التحقيق الفعلي لثلاثية الروح والمعنى والرؤية المتسامية، فإنها تولد بالضرورة شرارة الوجد والوجود، والعقل والضمير، والظاهر والباطن. حيث أخذت هذه الشرارة بالتطاير في مجرى الصراع الضاري الذي استتبع مقتل أبن عفان، وانتهى باغتيال الإمام علي من جانب أولئك الذين كان هو نفسه يمثل الأبعاد غير المتناهية وغير المدركة فيما كانوا يسعون إليه. وجسّدت هذه الخاتمة مأساة الموت البطولي، بوصفه النتيجة المعكوسة لزمن النخر الخبيث للدولة والمجتمع والروح الذي جسدته العفانية[1]. فقد كانت العفانية عفونة قاتلة أعمت الجميع وشوهت أذواق النخبة السياسية، التي وجدت في رفع الجماهير المنتفضة للإمام علي إلى سدة الحكم حكما عليها بالموت! من هنا ثائرتها التي أخذت تثور في مختلف أصقاع الإمبراطورية الكبرى التي استحوذ عليها بقوة السيف والسلم والفكرة. وليس اعتباطا أن تظهر المواجهة الارستقراطية المباشرة بعد أول انتخاب فعلي له من جانب الأمة المنتفضة ضد القهر وانعدام العدالة الذي ميز خلافة ابن عفان. بمعنى إننا نقف أمام ظاهرة الصراع التاريخي الكبير بين اتجاهين، الأول وهو الاحتكام إلى قوة الرأي العام وموقف الأمة، والثاني المتمسك بغريزة القوة العارية وجنوح الارستقراطية للاستفراد والهيمنة. وهو صراع تاريخي كان يتراكم في كل مجرى الخلافة قبل استلام الإمام علي للحكم.

لقد كان هذا الصراع المتراكم أيضا خطوة هائلة إلى الأمام في المسار المعقد لوحدة الأمة السياسية، التي سيشاطرها علي بن أبي طالب نفسه في وقت لاحق. لكنه نظر إليها من خلال تصوراته عن حقائق الإسلام ومبادئه وقيمه وغاياته. فالصراعات الداخلية التي شكلت أسلوب نشوء الوحدة الجديدة أسهمت أيضا في إنتاج ثنائية اليقين والقلق، إي المكونات التي عادة ما يحدد مضامينها الحقيقية وتأثيرها المباشر في الفعل السياسي طبيعة وكيفية احتكاكها بما ندعوه الآن برؤية المهمات الملحة. فعندما استشاره الخليفة عمر بن الخطاب حول شخوصه بنفسه لقتال الفرس، فإن عليا أجابه بفكرة تربط في كلّ واحد اليقين بالأمة والقلق عليها. فقد كان ذا ثقة بقوة العرب بالإسلام وكثرتهم بالإيمان لكنه خوّفه من إمكانية الانتفاضة والردة من الأعراب في حالة خروجه من المدينة باعتباره رمز القوة السياسية. وعبّر عن ذلك بنصيحة سياسية دعاه عبرها بضرورة البقاء في المدينة والقيام منها بإدارة شؤون الحرب (السياسة الخارجية). وشدد في نصيحته على "أن العرب وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام وعزيزون بالاجتماع"[2]. وحذّره في الوقت نفسه من أن خروج الخليفة من المدينة قد يؤدي إلى أن تنتفض عليه العرب "من أطرافها وأقطارها"[3]. ولم يظهر هذا التحذير عن فراغ، إي انه كان يستلزم على الأقل وجود من هو قادر على الخروج والانتفاض وأسباب كامنة وراء ذلك.

وإذا كان من الصعب تحديد عمق وقوة الاحتجاج الاجتماعي المختبئ آنذاك في أعماق "الأعراب"، فإن مما لا شك فيه هو أن الفتوحات الإسلامية استقطبت أغلب طاقات الاحتجاج الداخلي وعدم الرضا، الذي لا يمكن القضاء عليه أو استنفاده الكلي في ظروف الدولة ومؤسساتها. فإذا كانت خلافة عمر بن الخطاب قد عمّقت قوة السياسة في الأمة وتثوير طاقاتها الاجتماعية وتوجيه جهودها نحو تأسيس الدولة المتماسكة، فإن التحذير الذي أطلقه الإمام علي يبدو كما لو أنه يحتوي على نزوع رمزي في رؤيته لملامح الانتقال المأساوية. لقد طلب من عمر بن الخطاب أن يكون قطباً يستدير بها رحى العرب. وفي الوقت الذي طالبه بالبقاء في المدينة، فإنه نفسه سينزع إلى مغادرتها في وقت لاحق. وإذا كان يرى في بقاء عمر بن الخطاب مصدرا للقوة، فإن مغادرته لها تبدو إنهاء لقيمة هذا المصدر. لكن هذه المقارنات الشاعرية تبقى من إبداع اللغة المعاصرة وتأملها المترفّع عما كان يجرى آنذاك. فقد كانت هذه المجريات آنذاك "غيبا" ينبغي خوض غماره من أجل رؤية فضائله ورذائله، عظمته وسخافته.

فقد كان الوجود الإسلامي آنذاك في طور التكوين الحكومي، الذي ألهم الجميع مشاعر الاعتزاز والتحدي. فالسلطة ذاتها أثارت شرارة المواجهة، ومن ثم أحرقت مشاعر المؤمنين في تأمل لهيبها. وبهذا المعنى فإن مواقف الإمام علي من السلطة، التي مثلت في كينونتها طبيعة التحولات الجارية، لم تكن مبنية بالضرورة على رؤية كل حيثيات الواقع ومجرياته. لقد كان بإمكان الردة السابقة وحركاتها التي أقلقت حياة أبي بكر، أن تثير في أعماقه شعور القلق السياسي تجاه يقينيات الأمة. وفي هذه العملية كان من الممكن أن تتحول الكثير من العقائد الإسلامية المختلفة إلى بديهيات سياسية.

فقد سلك الإمام علي في أحد مستويات نشاطه السياسي قبل صعوده لسدة الحكم، سلوك الوزير (المستشار)، الذي أثبط لحد ما عزيمته في الصعود للسلطة. بحيث نراه يرفض الخلافة عندما طالبه الجمهور بتقلدها بعد مقتل عثمان بن عفان. بل ونراه يفضل أن يكون لهم وزيرا من أن يكون أميرا. بينما قذفه الصراع الاجتماعي اللاحق إلى المقدمة بحيث جعله ممثل الجماهير المنتفضة ضد السلطة. فقد خاطب عثمان مرة قائلا:"إن الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم ...فالله الله في نفسك. فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل. وإن الطرق لواضحة، وإن أعلام الدين لقائمة"[4]. وتكشف هذه العبارة عن طبيعة الصراع الاجتماعي وتناقضاته. وفيها نعثر على تصوير للواقع وتعبير عنه، لم يكن مقتل عثمان بن عفان سوى نهايته الخجولة وبدايته الصريحة. وهو صراع واقعي عبّر عنه بكلمات مقتضبة عميقة المغزى عندما صور ملامحه بصيغة بلاغية قائلا:"أقبل مزبدا كالتيار لا يبالي ما غرّق، أو كوقع النار في الهشيم لا يجفل بما حرّق"[5]. غير أن الصراع ليس قوة مغتربة. وقد أدرك علي أسبابه بوضوح متزايد مع تنوع وتعمق تجربته السياسية والأخلاقية. فالمسلمون الأوائل، كما يقول علي، كانوا يقاتلون مع النبي بغض النظر عن أن القتل يختطف الآباء والأبناء والأخوات والقرابات، بمعنى جريانه على أساس العقيدة الحقة. ولم يفعل ذلك سوى أن يزيدهم بعد كل مصيبة على إيمانهم ومضيهم على الحق تسليماً للأمر وصبراً على مضض الجراح"[6]. أما الآن فإن البحث عن القلوب "التي وهبت لله وتوقدت على طاعته" أصبح في صياغة التمني (المتعجب). مما استثار فيه شعور التألم الأخلاقي الفعال، وبالتالي رؤية الواقع بعيون الرؤية المتسامية.

ذلك يعني أنه أخذ ينظر إلى الواقع من زاوية الحساسية المرهفة لتجمير شعلتها الدائمة. فعندما استفسرت أعماقه بصوت مسموع في إحدى خطبه:"أين العقول المستصحبة بمصابيح الهدى، والأبصار اللامحة إلى منار التقوى، والقلوب التي وهبت لله وتوقدت إلى طاعته؟" فإنه لم ينف وجودها بقدر ما أنه أرادها دائمة الفعل. ومن غير الدقة اتهامه بالقفز على الواقع. فبغض النظر عن البدايات المميزة للحركات العقائدية الكبرى ومحاولاتها تأسيس آلية "الوحدة والحق" والتضحية من أجلها بالغالي والثمين، فإن هذه الخميرة الجوهرية تنحل بالضرورة حال تحولها من بؤرة الروح إلي ميدان السياسة. وهو تحول عادة ما يقلب العالم ويعيد صنعه على مثال مكوناتها. وذلك لأنها لا تعمل في الواقع إلا على صنع واقعٍ له مقدماته التي لا تحددها بالضرورة متطلبات الفكر وأهدافه المعلنة.

ومن الصعب حصر هذه العملية في إطار ما محدد وتعيين نتائجها الملازمة بالضرورة. فالقضية هنا لا تقوم في تتبع كل جوانب وخصوصية هذه العملية التي أدت إلى ما آلت إليه من نتائج في المرحلة السابقة لخلافة الإمام علي، بل من أجل الإشارة إلى الطبيعة العامة للمتغيرات الاجتماعية الأخلاقية والسياسية وانعكاسها في رؤيته لها. فقد تبينت له طبيعة التباين الجوهري بين صراع الماضي والحاضر. فإذا كان الصراع السابق يستند إلى العقيدة والحق، فإن الواقع المعاصر يشير إلى توجه معاكس بحيث أصبح من الصعب رؤية الشخصيات التي تضع نصب أعينها هدف الحق المطلق، أو حسب عبارته، "تلك القلوب التي وهبت نفسها لله". وإن هذا التعجب ليبدو حزيناً بفعل تأسفه المرير، الذي يستثيره "ازدحام الناس على الحطام"[7]، أي المصالح الدنيوية العابرة!

فالمستقبل الذي بشر به الإسلام والقرآن بيقين قاطع، لم يعد يمتلك سحره الغابر. فآية الصافات القائلة، (لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين وإن جندنا لهم الغالبون) أخذت تفسح المجال للتنبؤات المشحونة بتخوف الزمن الآتي، الذي سوف لن يكون به "شيئاً أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل"[8]، "الزمان الذي لن تكون فيه" سلعة أبور من الكتاب (القرآن) إذا تلي حق تلاوته ولا أنفق منه إذا حرّف عن مواضعه"[9]. وبغض النظر عن إمكانية انتحال أو وضع هذه العبارات وأمثالها على لسانه، إلا أن مضمونها يتوافق مع آرائه العامة ومثله الحياتية العملية. إضافة إلى أن ممارسة التنبؤ الإسلامية لم تكن سحرية الطابع ولا أسطورية المعنى. فقد عاش علي بن أبي طالب في تلك المرحلة التي كشفت بوضوح كيفية "تحريف مواضع الكتاب". بصيغة أخرى، أن القضية لا تقوم فقط في أن هذا التنبؤ يستند إلى تقاليد عربية وواقعية، بل ولأن معطيات الصراع التاريخية لتلك المرحلة تكشف عن واقع تحول القرآن أحياناً إلى غطاء، وفي حالات أخرى إلى وسيلة للمكر السافر، كما جرى معه في معارك صفين.

لقد تحولت الآيات القرآنية إلى بديهيات سياسية. لكن مفارقتها تقوم في أنها بديهيات ينبغي أن تخدم مصالح القوى المتعارضة. مما أدى، كما يقول الإمام علي، إلى أن تصبح الناس "أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم"[10]، وبالتالي تحويل الآيات القرآنية إلى جزء من البديهيات السياسية قبل أن ترتقي مفاهيم القرآن إلى هذه الحالة. ذلك يعني أن المصدر الأساسي للأيديولوجيات الإسلامية أصبح منبوذا من قبل حملته، منسيا من حفظته السالفين! ووراء كل ذلك تقف قوة الثروة التي رافقت نشوء الدولة وتطورها. وإذا كان علي قد حدس سرّ الدرهم وقوته، التي أصبحت معها ضربة السيف على المؤمن هينة الوقع[11]، فإنه لم ير في كل هذه العملية سوى تراجع إلى الوراء ونكوص عن المبادئ والقيم وتثليم "حصن الله بأحكام الجاهلية" الجديدة[12].

فالانقلاب الذي أحدثه الإسلام في حياة العرب مازال قائما، لكن أسسه الروحية آخذة في التسوس. وكل ما حوله يشير إلى الانحلال والتعبير عن انحراف مناف للخير الإلهي. ففي كل مكان، كما يقول في إحدى كلماته "لم يعد يوجد إلا فقيرا يكابد فقرا أو غنيا بدّل النعمة كفرا، أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا، أو متمردا كأن بأذانه عن سمع المواعظ وقرا"[13]. فالعالم الجديد الذي صنعه تيار الإسلام الجارف أفرز في غضون عقود قليلة من صيرورة الخلافة (الدولة) وسلطاتها "أشباحاً بلا أرواح ونساكاً بلا صلاح"[14] بل أن نشاط الناس ليبدو عبثاً، أو حسب عبارته، كتجارة بلا أرباح. فالناس نوّم في يقظتهم، عمي في نظراتهم، وفي نطقهم بكم، تائهة ضحية المذاهب والمشارب. ولم يعن ذلك وقوفه بالضد من التنوع والتباين بقدر ما أنه وجد في هذا الانهماك المتهالك وراء الخلافات تباين المصالح الدنيوية لا مصالح الحق.

ولعل أعمق عبارة صوّر بها هذا الواقع الجديد وانسلاخ الإسلام التاريخي عن فاعليته السابقة بوصفه دين الحركة الاجتماعية الصاعدة وأيديولوجيتها، هي كلماته التي وصف بها حال الإسلام المعاصر له بعبارة "لبس الإسلام لبس الفرو مقلوباً[15]. ومن الصعب القول بان علياً قد وعي كل جوانب ما ندعوه الآن بالعملية التاريخية لصيرورة الدولة، لكنه تحسس وقاوم الاتجاه الصلد في تطور مكوناتها التي أخذت تهشّم الوحدة القديمة لتنشأ على أشلائها وحدة جديدة. لكنها وحدة لم يعد الإسلام فيها قوة تلقائية، بل قوة مؤدلجة وتراثاً يمكن التلاعب به وتطويعه بالصيغة التي يخدم فيها مصالح القوى المتحاربة.

ولا يعني ذلك بأن علياً سعى لمعارضة هذه العملية في تكون الدولة ومؤسساتها. فهو شأن كل رجال المبدأ الكبار وإصلاحيي الروح الأخلاقي العظام كان لابد وأن تضطرب في أعماقه هواجس قوى المعارضة المتسامية للنفس الغضبية (المتسلطة). وبهذا المعنى كان لابد له من أن يفترض في أي موقف ايجابي من السلطة نزع سلطويتها. لكن هذا التعارض الفعلي بين المسار الواقعي لصيرورة الدولة وبين مضامينها العملية التي سعى لتنفيذ برنامجه من خلالها، كان لابد وأن يضع ويثّور معضلات تشكل في حصيلتها الموشور المتشنج لرؤية الماضي والآفاق، وتقييم التجربة الدائمة. وفي الحالة المعنية، كان موقفه المعارض للاتجاه الصلد في تهشيم الوحدة الروحية القديمة باعتبارها المثال الأعلى لحقيقة السلطة، لم يعن تهاونا أو تهادنا أو هجوما ضد بنائها الجديد، بقدر ما كان يعادل سعيه لتمتين وحدتها الداخلية من خلال الرجوع الدائم إلى يقينها الأول.

بعبارة أخرى، لم تكن معارضته سوى المظهر الأنبل لحقيقة الدولة ومؤسساتها. وهو أمر جلي سواء في حياته قبل استلامه السلطة وبعدها. بحيث يمكن رؤية بعض ملامحها في الاتهامات التي وجهت إليه قبل صعوده لسدة الخلافة، بما في ذلك المنسوب منها للخليفة عمر بن الخطاب، التي انتقد فيها ما أسماه بحبه للسلطة ورغبته فيها. وهو انتقاد لا أصالة فيه ولا إخلاص للحق والحقيقة. لكنه ممكن ومحتمل بمعايير الصراع السياسي والرغبة الدفينة في الريادة والسيادة التي كانت تطبع نفسية عمر بن الخطاب نفسه. من هنا يمكن النظر إلى سعي الإمام علي للسلطة، مع ما في هذه العبارة من تجاوز على حقيقة ما كان يعتمل فيه، هو سعي الروح المبدئي وهمومه المتحرقة تجاه إشكاليات الأمة والدولة والحق. فالإمام علي لم يكن رجل السلطة، بل رجل الدولة، ورجل السلطة الإنساني في أدق وأعمق وأجلى معانيها الروحية. وذلك لأن همومه الكبرى كما سيكشف عنها تاريخ الصراع العنيف اللاحق، كانت هموم الإصلاح النوعي للدولة والقانون والروح الأخلاقي العام والخاص. الأمر الذي يفسر سرّ رجوعه المتحمس إلى التجربة المحمدية وإبراز أولوية العمل بها. ولم يكن ذلك معزولا أيضا عن نضوج الصراع السياسي وتحوله إلى صراع مكشوف وعلني لا مواربة فيه ولا رياء. وليس مصادفة أن يؤكد في وصيته لعبد الله بن العباس في محاججته للخوارج على ألا يحاججهم بالقرآن لأنه حمّال أوجه (أي يحمل معاني كثيرة)، بل ماججتهم بالسّنة[16].

إن احتلال العمل مركز الصدارة لم يعن من الناحية التاريخية، سوى كونه المقدمة الضرورية للتطور الاجتماعي السياسي والفكري اللاحق. فقد أحدث انتصار الإسلام انعطافا حاسما في الحياة الاجتماعية والروحية للعرب آنذاك. لكنه شأن كل انتصار سياسي فكري تاريخي كان لابد له من أن يتجزأ ويعيد صياغة نفسه. فتوحيدية الإسلام لم تعق اختلاف الآراء وتنافرها. لقد وفّرت غطاء، وكانت لحد ما مصدرا للمواقف المتباينة تجاه كل ما يجري. وذلك لأن القوة الفاعلة في تحديد المواقف كانت محكومة بالتوجه الاجتماعي للقوى المتصارعة. فالممارسة الاجتماعية السياسية لم تكن آنذاك عميقة للدرجة التي يصبح معها صراع الأفكار قضية أولى، أو أن يندفع فيها هذا الصراع إلى المقدمة باعتباره التعبير المثالي والانعكاس الروحي لأحداث العالم. ومع ذلك ظل الفعل والعمل معيارا نهائيا سواء وعت ذلك القوى المتصارعة أم لم تعيه.

فالسّنة النبوية هي أيضا التعبير العملي النظري عما جرى، والذي بإمكانه أن يكون مثالا (واجبا) لما يجري. فالكلمة تمتلك إمكانية التأويل المتباين بما في ذلك كلمات القرآن. بينما الفعل - الحدث له حكمه القاطع. وفي هذا يكمن سبب توكيد الإمام علي بن أبي طالب على أن تكون السّنة حجيج ابن عباس ضد خصومه. ثم أن السّنة رمز الوحدة في الممارسة. ففي مراحل الصراع الاجتماعي الحاد يصبح الفعل مضمون الكلمة. وإذا كان بإمكان الكلمة أن تكون مصدر خلاف بين ممثلي المعسكر الاجتماعي الواحد، فإن الفعل لا يمكنه أن يؤدي في حالة الاختلاف عليه سوى إلى تجزئة المواقف، ثم الميول والاتجاهات، وفي نهاية المطاف سيحتدم الصراع بوصفه صراعاً لا مهادنة فيه. فالممارسة هي الوحيدة القادرة على أن تكون معيار الحقيقة المطلقة زمن الصراع الذي لا مساومة فيه ولا هوادة. أنها تكشف عن توجه القوى الاجتماعية. وفي هذا الواقع، لم يكن بإمكان الإمام علي تجنب تأثير عملية التفكك والتآلف الجديدة في المجتمع العربي الإسلامي.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث عراقي

......................

[1] المقصود بالعفانية نسبة إلى عثمان بن عفان. وكان الأولى قول العثمانية. ولكي لا يجري الخلط بينها وبين العثمانية (التركية) من هنا جرى نحت هذا المصطلح. وكونها أموية أولية ينبع من كونها هي التي غرست بذور النزعة الأموية وعقدها في الموقف من الدولة والأمة والسلطة والإنسان والقيم والحقوق. ومن الممكن القول، بان العانية هي جنين الأموية. أما بمقاييس التاريخ والروح والعقل والسياسة وفكرة الدولة، فإنها كانت خروجا على منطق الحق والعدالة والنزعة الإنسانية.

[2] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص29.

[3] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص29.

[4] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص69

[5] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص27-28.

[6] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص236.

[7] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص28.

[8] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص30

[9] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص31.

[10] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، 126.

[11] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص126

[12] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص154.

[13] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، 2، ص11-12.

[14] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص207.

[15] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص209.

[16] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص136.

 

 

mutham aljanabi2ولد في عام أول للهجرة وتوفي عام 53 للهجرة. هو احد أكمل الشخصيات تمثلا وتمثيلا للأموية. وهي شخصية توسطت بكافة المعاني ما بين المغيرة بن شعبة والحجاج الثقفي. ومن ثم كان الحلقة الرابطة بينهما بوصفه الممثل "الشرعي" للأموية. وهي مفارقة تحتمل التعويض الشخصي للخلل أو العقدة الشخصية التي صنعت كينونته الفردية والسياسية. فقد كانت أمه بغيا (وليس مصادفة أن يدعوه أهل العراق بابن سمية مقابل عبارة زيادة بن أبيه). وبالتالي لم يكن اعتراف معاوية بن أبي سفيان به أخا سوى الوسيلة الضرورية لسحبه إلى جانب الوقوف ضد التيار العلوي. وهي حالة واقعية تعكس من حيث رمزيتها العقدة الأموية – السفيانية. بمعنى استقطاب كل الشخصيات القلقة والعصابية المزمنة وذوي الدهاء والمكر من اجل دمجها في آلة القمع والإرهاب. فقد كان زياد بن أبيه أيضا من دهاة العرب المسلمين. من هنا احتلاله موقع النموذج المتقدم للأموية. وإذا كانت إحدى فضائل أبو سفيان تقوم في اعترافه بزياد ابنا "شرعيا"، فإن هذا الاعتراف سرعان ما تحول بفعل ما في الأموية نفسها من رذيلة متجوهرة، إلى أداة لتأسيس نفسية وذهنية الخراب التاريخية الذي تعرضت له الدولة والأمة. وقد نفذ زياد بن أبيه كل المهمات التي أناطها معاوية إليه. وهو تنفيذ لم يكن معزولا عن مقدرات زياد بن أبي سفيان. فقد كان الرجل يتمتع بقدرة كبيرة على إدارة الحرب. كما كان يتمتع بالاستعداد المتشدد في حسم المواقف واستعمال كل الوسائل من اجل بلوغ الغاية. فقد تولى فارس وكرمان والبصرة زمن علي. غير أن اسمه وشخصيته، صعوده وهبوطه ارتبط بمعاوية. ولم ينقذه دهاءه من نهايته المخزية. فقد ولي العراق عام 48 وتوفي عام 53 للهجرة. وسواء كان ذلك بسبب إصابته بالطاعون أو قتل مسموما من جانب معاوية، فإنها تعكس ما دعته تقاليد العوام بشكوى الروح المعذبة أو النفس الماكرة للسلطة. وكلاهما يصبان في سيلان الذاكرة المتشددة في معارضتها لرذيلة زياد بن أبيه التاريخية. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن موته كان بأثر مواقفه المعارضة من فكرة توريث السلطة ليزيد بن معاوية. وسواء كانت مواقفه مبنية على أساس رغبته الشخصية بها (بعد إن جرى الاعتراف به أخا لمعاوية) أو لأنه وجد في يزيد شخصية خربة بحاجة إلى ترميم قبل تقديمها، فإننا نقف في كلتا الحالتين على حالة ابن زياد الفعلية بوصفه عبدا من عبيد السلطة وخدمها. وهي شخصية كان معاوية يدرك حيثياتها بصورة تامة. لهذا نراه يدعوه قبل التحضير لإعلان فكرته عن توريث السلطة ليزيد مع تعمد أهانته الشكلية أيضا. إذ تنقل كتب التاريخ كيف انه لم يستقبله أو يخصص له مكانا للجلوس. بل ووجه مضمون خطبته ضده عندما قال فيها:"هذه الخلافة أمر من أمور الله! وقضاء من قضاء الله. وإنها لا تكون لمنافق، ولا لمن صلى خلف إمام منافق (يقصد الإمام علي! ويشير إلى زياد). وهي فكرة تنزع من زياد بن أبيه كل عنجهية السلطة وأبهة الغرور التي كان يمارسها ضد الناس. والقضية هنا ليس في قبوله بفكرة أن الخلافة أمر من أمور الله وأنها جزء من القضاء والقدر، بمعنى إزالتها من إرادة البشر وحشرها بنوايا معاوية فقط! بل وبقبول أن يكون منافقا ذليلا أمام "علية" القوم! وهو الوجه الحقيقي لعبودية النفس المميزة لكل أزلام الأموية، التي يمكن العثور عليها فيما يسمى بخطبة البتراء. وهي خطبة تكشف بقدر واحد شخصية زياد بن أبيه وطبيعة الأموية، بوصفها خروجا تاما على فكرة الحق والقانون والشرعية، والاستعاضة عنها بالقوة والإرهاب والإرادة السلطوية المتحررة من كل القيم النبيلة، والقبول بالخنوع والاستسلام بوصفه سلاما وإسلاما ضروريا للروح والجسد، والدين والدنيا! وهي خطبة لا مكان فيها لغير الغريزة وامتهان الروح والعقل. كما تعكس بصورة نموذجية نفسية وذهنية زياد بن أبيه والفكرة الأموية في الموقف من الدولة والأمة والإنسان والأخلاق والسلوك والمصلحة والدين والدينا. ففيها نقرأ ما يلي:"فان الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء، والغي الموفى بأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، ينبت (يشب) فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير.. كأنكم لم تقرؤوا كتاب الله ولم تسمعوا ما اعد  الله من الثواب الكبير لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول. أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية ولا تذكرون إنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه، من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله. هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر والعدد غير قليل. ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار. قربتم القرابة وباعدتم الدين. تعتذرون بغير العذر، وتغضون على المختلس. كل امرئ منكم يذب عن سفيه صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا. ما انتم بالحلماء. وقد اتبعتم السفهاء. فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونه حتى انتهكوا حرم الإسلام. ثم اطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب. حرام عليّ الطعام الشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا... إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله. لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف. واني لأقسم بالله لأخذن الولي بالمولى، والقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منك في نفسه بالسقيم، حتى يلقي الرجل منكم أخاه فيقول:"انج سعد، فقد هلك سعيد، أو تستقيم قناتكم. إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة. فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي. فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها في. واعلموا أن عندي أمثالها. من نقب منكم عليه فانا ضامن له ما ذهب منه. فإياي ودلج الليل. فاني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه. وقد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم. وإياي ودعوى الجاهلية فأنني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثا لم تكن. ولقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة. فمن غرّق قوما غرقناه، ومن احرق قوما أحرقناه، ومن نقب بيتا نقبا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفناه حيا فيه. فكفوا عني أيديكم وألسنتكم اكفف عنكم يدي ولساني. ولا تظهر من احد منكم ريبة بخلاف ما عليه عمامتكم إلا ضربت عنقه. وقد كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر إذني وتحت قدمي. فمن كان منكم محسننا فليزدد إحسانا، ومن كن منكم مسيئا فلينزع عن إساءته. إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم اكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته. فإذا فعل ذلك لم أناظره. فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم. فرب مبتئس بقدومنا سيسر، ومسرور بقدومنا سيبتئس. أيها الناس! إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذاذة. نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا. ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا. فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا. فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا. واعلموا إنهما مهما قصرت عنه فلن اقصر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبانه، ولا مجمرا لكم بعثا. فادعوا الله بالصلاح لائمتكم. فإنهم ساستكم المؤدبون لكم، كهفكم الذي إليه تأوون. ومتى يصلحوا تصلحوا. ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتد لذلك غيظكم ويطول له حزنكم. ولا تدركوا له حاجتكم مع انه لو استجيب لكم فيهم لكان شرا لكم. اسأل الله أن يعين كلا على كل. وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فإنفذوه على إذلاله. وأيم الله أن لي فيكم لصرعى كثيرة. فليحذر كل منكم أن يكون من صرعاي".

وهي خطبة كلاسيكية لتأسيس فلسفة القهر والاستبداد، مهمتها تنفيذ ما دعاه معاوية بن أبي سفيان مرة بضرورة فطم أهل العراق في مواجهة السلطة وتحديها من جهة، وفطمهم من حب علي وآل بيته من جهة أخرى. وليس مصادفة أن زياد بن أبيه كان يجمع أهل العراق في المسجد ويعرض عليهم البراءة من علي بن أبي طالب! وهي السياسة التي تعكس مزاج الأشباح. من هنا تبخرها مع مرور الزمن. بحيث لم يبق بالعراق مكان لزياد بن أبيه غير  أسم ابن سمية بوصفه الاتهام والشماتة الأبدية لفقدان الشرعية والأخلاق.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

mutham aljanabi2ان الاستماع إلى نصائح الآخرين من الناحية المجردة فضيلة. والاستماع إلى ذوي العقل والمعرفة حكمة، أما الاستمتاع إلى سفهاء العقول وأهل المراوغة والخديعة فهو عين الرذيلة والغباء. وقد كان تاريخ الاسلام وشخصياته الكبرى، بدأ من النبي محمد وانتهاء بخلافة عمر بن الخطاب نموذجا للاستماع الفعلي لذوي العقل والحكمة والقيم الفاضلة. بينما تحول الاستماع زمن عثمان إلى أداة للوشاية والغواية. مع ما ترتب عليه من انحراف هائل في مفهوم السلطة والدولة. وعندما نتأمل المحادثات والنصائح السياسية التي أحاطت بعثمان بن عفان في كل مجرى خلافته السياسية، كما أوردتها اغلب الروايات السليمة وكتب التاريخ والسياسة، فإننا نعثر فيها ونكتشف طبيعة النخبة السياسية والتحول العاصف في بنية السلطة وأنموذج عقلها النظري والعملي.

ويكشف هذا الأنموذج عن أن بدايتها ونهايتها محكومة بقيم نفعية ضيقة وعارية من ابسط الفضائل الأخلاقية المميزة للرؤية الإسلامية العامة وتجارب الخلافة الرشيدة كما مثلها وجسدها قبله كل من أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب. فالنصيحة هنا ليست لله، بل لسلطة هي عين الرذيلة والخروج على الحق والحقيقة. ومجرد الاستماع إلى "نصائح" مهمتها الدعوة لقتل المعارضة وتشريد الصحابة وشراء الذمم والنظر إلى الأمة على أنها كمية من البطون التي لا همّ لها غير الطمع، تعكس طبيعة الرذيلة الكامنة في النخبة العثمانية. وتتمثل هذه الأصوات الصدى القائم في شخصية عثمان بن عفان. ولعل المحادثة الفعلية واستمرارها السياسي بينه وبين عمر بن العاص تمثل ما يمكن دعوته بزبدة السياسة وأخلاقيتها الخاصة. فقد كان لسان عمرو بن العاص الظاهري يقول ما تقوله المعارضة، أو صوت الضمير المعذب من رؤية الخروج على ما كان يعتقده حقا وحقيقة. لهذا وجد فيه عثمان أمرا غير جديا، بل اعتبره اقرب ما يكون إلى قمل يدب في فروة ابن العاص. وقد تقبل الداهية الكبير هذه "المهانة" في الظاهر، لأن حقيقة ما كان يسعى إليه هو "نشر" الشائعة والعمل بما يناقضها! بحيث يجعل منه شخصا مقبولا للمعارضة، ومن ثم إمكانية التجسس على خططها من اجل استغلالها بالشكل الذي يقوض دعائهما. وهي فلسفة عاصيّة (على وزن ميكيافلية) تكثف فحش البراعة المهينة التي قبلها عثمان!! بمعنى استعمال كل الأساليب الممكنة بما في ذلك اشد وأحط أساليب الغدر والخيانة والأدوات الرخيصة ضد من كان لا يطالب بشيء غير إتباع نموذج النبوة المحمدية والخلفاء الأوائل، بوصفه مطلبا أخلاقيا وحقوقيا واجتماعيا وإنسانيا وحكوميا.

وإذا كان عثمان قد سلك في نهاية المطاف كما اقترحه عليه "مستشاروه"، بحيث أبقى جميع عماله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه، فإن ذلك يكشف عن طبيعة الانحراف والتحول الحاد في فكرة السلطة التي جعلت من نفسها مرجعية الوجود الكبرى، بحيث استعاضت عن الله والنبوة وتجارب الأسلاف والحق والأخلاق بما يناقضها. فالجدل والنصائح والمواقف المذكورة أعلاه وكثير غيرها مما تحتويه كتب التاريخ والسير يبرهن على حقيقة ونهاية واحدة، تقوم في أن عثمان لم ير ولم يسمع غير ما هو ملائم لنفسية السلطة الغدارة بقوة الثروة المنهوبة، والإرادة المسلوبة بقوة العائلة والقرابة، أي بأكثر النماذج والروابط انحطاطا وتخريبا بالنسبة للدولة والروح العقلي والأخلاقي. لهذا نراه يستمع إلى نصائح المخلصين الكبار مثل علي بن أبي طالب ويؤدي النصيحة المجردة وينقضها بالفعل للحال. ففي إحدى هذه الحالات نستمع إلى المحاورة السياسية بينه وبين علي بن أبي طالب بصدد إمكانية الفتنة وضرورة تذليها. حيث يبدأ عثمان الكلام قائلا:

- قد والله علمت ليقولن الذي قلت‏.‏ أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك، ولا جئت منكرا إن وصلت رحما، وسددت خَلة، وآويت ضائعا، ووليت شبيها بمن كان عمر يولي‏.‏ أنشدك الله يا عليُّ هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك‏؟‏

- نعم!

- فتعلم أن عمر ولاه‏؟‏

- نعم!

- فلم تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته‏.

- سأخبرك! إن عمر بن الخطاب كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية وأنت لا تفعل‏.‏ ضعفت ورفقت على أقربائك‏.

- هم أقرباؤك أيضا‏.‏

- لعمري إن رحمهم مني لقريبة، ولكن الفضل في غيرها‏.

- هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها‏؟‏ فقد وليته!

- أنشدك الله! هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من غلام عمر منه‏؟

- نعم!

- فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت تعلمها‏.‏ فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغير على معاوية[1].

وتعكس هذه المحاورة طبيعة عثمان بن عفان ونفسيته وذهنيته، التي ليس فقط لا ترى ولا تسمع، بل ومجبولة على التبرير والغوص فيه، لأنها لا ترى في السلطة غير إرادتها فقط. بمعنى غياب أو اضمحلال وتلاشي فكرة الحق وجوهرية الأمة. من هنا ردود فعلها المباشر وانعدام الرؤية البعيدة المدى. والشيء الوحيد الثابت فيها هو رغبة الاحتفاظ بالسلطة والمغامرة بكل شيء من أجلها. وليس مصادفة أن يذهب عثمان إلى المنبر ويبدأ بالكلام والخطابة بعد المحاورة المذكورة أعلاه مع علي بن أبي طالب. وفيها وفي خاتمتها نعثر على انعكاس يكشف طبيعة ومستوى الانفصال والانفصام بين السلطة والدولة، والسلطة والمجتمع، والإسلامي العام والفردي الخاص في شخصيته ونفسيته وذهنيته. إذ يقول فيها:‏"‏أما بعد، فإن لكل شيء آفة، ولكل أمر عاهة! وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة‏‏ عيابون، طعانون، يرونكم ما تحبون ويسّرون ما تكرهون يقولون لكم ويقولون، أمثال النعام يتبعون أول ناعق‏!‏ أحب مواردها إليها البعيد لا يشربون إلا نغصا ولا يردون إلا عكرا، لا يقوم لهم رائد وقد أعيتهم الأمور، وتعذرت عليهم المكاسب!‏ ألا فقد والله عبتم عليَّ بما أقررتم لإبن الخطاب بمثله ولكنه وطئكم برجله‏،‏ وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم! ولنت لكم وأوطأت لكم كتفي‏، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم عليّ‏!‏ أما والله لأنا أعز نفرا، وأقرب ناصرا، وأكثرا عددا، وأقمن إن قلت هلم! أتي إليّ‏!‏ ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولا، وكشرت لكم عن نابي‏.‏ وأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه، ومنطقا لم أنطق به، فكفوا عليكم ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم! فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا! ألا فما تفقدون من حقكم‏! ‏والله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من قبلي!‏ ومن لم تكونوا تختلفون عليه فضلَ فضل من مال‏.‏ فما لي لا أصنع في الفضل ما أريد؟!.‏ فَلِمَ كنت إماما؟!‏"‏[2].

تكشف هذه الخطبة بصورة تامة مستوى الانحطاط السياسي والمعنوي والأخلاقي لعثمان وفكرة الخلافة. والقضية هنا ليس فقط في أنه لا يسمع ولا يرى، بل ويستمع ويرى النصيحة المحكومة بفكرة الدولة والمصالح العليا للدولة على أنها مهانة! حيث تصبح لغة التهديد والوعيد والاستنكار والفضيحة مضمون الخطاب السياسي. ويجري تتويجها بمصادرة الحقوق العامة باسم الخلافة، مع أن مضمون الخلافة هو استخلاف فكرة الحق الإسلامي، وليس السلطة. من هنا الفكرة الغريبة التي تستغرب بسذاجتها الوقحة "سلب حقوق" السلطة في فعل ما تريد وما ترغب به. وإلا فما هو معنى الخليفة والإمام؟ وهي "مرجعية" نموذجية لما أسميته ببداية وجوهرية السلطة في توظيف الوحي (النبوي)، التي وجدت مخرجها الوحيد في جزئية الإرادة وطابعها العابر والمتغير والنفسي، أي المنفصل والمتعارض مع العقل والحس السليم وحكمة الأسلاف. لكنها إرادة لا تصنع غير بركان النفور والاحتجاج وهوة الخراب الذاتي والخواء المعنوي. ومن ثم تلجأ السلطة إلى استعمال كل ما هو مباح ومكروه ومحرم دون أية ضوابط. والضابط الوحيد هو إرادتها فقط، بوصفها الرابط الوحيد والشديد بين السمع والبصر! ففي رسالته التي يستنجد بها من هو خارج المدينة ومكة نسمعه يقول، بأنه يرى ويسمع غليان الاحتجاج عليه. ووجد في تلك القوى مجرد "أعراب" و"أحزاب" الجاهلية ومن غزاهم بغزوة أحُد، وهو الذي هرب فيها!! ففيها نقرأ ما يلي:"‏إن الله بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا فبلغ عن الله ما أمر به. ثم مضى وقد قضى الذي عليه. وخلف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه، وبيَّن الأمور التي قدَّر، فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا. فكان الخليفة أبو بكر وعمر. ثم أدخلت في الشورى على غير علم ولا مسألة عن ملأ من الأمة! ثم أجمع أهل الشورى على ملأ منهم ومن الناس على غير طلب مني ولا محبة‏.‏ فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون، متبعا غير مبتدع. فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام. فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر. فعابوا عليَّ أشياء مما كانوا يرغبون، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها. فصبرت لهم نفسي، وكففتها عنهم منذ سنين. وأنا أرى وأسمع! فازدادوا على الله جرأة حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله وحرمه، وأرض الهجرة. وثابت إليهم الأعراب! فهم كالأحزاب أيام الأحزاب، أو من غزانا بأحُد إلا ما يظهرون، فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق‏"‏‏[3].‏

 إننا نعثر في هذه الرسالة على أبعاد وحجم وماهية الانفصام التاريخي الشامل بين الدولة والسلطة. بحيث تحول التاريخ والنبوة والحق وسيرة الأسلاف إلى أجزاء متناثرة في سمع السلطة وبصرها الخاليين من الاستماع إلى أنغام الوجود ورؤية ألوان الحياة المتنوعة، بحيث يصبح كل ما تسمعه ضجيجا وصخبا ولغوا ومؤامرة، وما تراه ظلاما وسوادا يعمي البصر. إذ تكشف هذه الصورة عن موت البصر والبصيرة والسماع والاستماع لحقيقة ما يجري. بحيث تتحول المدينة ومكة إلى سور الحصار المفروض من جانب القوى التي وجدت في كل ما تقوم به السلطة خروجا شاملا على الحق. أما المحاولات المستميتة الأخيرة من اجل كسب ما يمكن كسبه من أنصار بين الصحابة والناس، فإنها لم تكن في الواقع أكثر من مناورات لم تكن تخفى على المناهضين والرافضين له. بحيث توجت هذه المواجهة مرة برميه بالحصاة وهو يخطب! وقد كانت تلك حجارة السيل القادم، التي جعلت السلطة حصوات مرمية على أطراف تياره العارم. وقد تحسست السلطة هذا التيار، لكن عمى البصر والبصيرة وانعدام استرقاق السمع لحقيقة الأصوات قد اقفل عليها إمكانية حتى الحوار. من هنا عجزها عن محاورة شيء غير نفسها. وهي نفس خربة. من هنا تسارع خطوات الدراما التي أدت إلى مقتل عثمان. فنراه يكرر المشاورة مع علي بن أبي طالب، متقربا إليه بعبارة القرابة والنسب والدم. بينما هي علاقة لا علاقة للإمام علي بها. ثم أنها تعكس مدى الرجوع القهقري إلى قيم الجاهلية التي وجدها عثمان في دفاع "الأعراب والأحزاب" عن الحق!! لهذا نراه يكرر نفس الخطأ، لأن بدايته وغايته خطيئة! فنراه يدخل على علي بن أبي طالب مترجيا:

- يا ابن العم! إن قرابتي قريبة ولي عليك حق عظيم! وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي. ولك عند الناس قدر. وهم يسمعون منك، وأحب أن تركب إليهم فتردهم عني، فإن في دخولهم عليَّ توهينا لأمري وجراءة عليَّ‏.

- على أيِّ شيء أردهم عنك؟

- على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي‏.

- إني قد كلمتك مرة بعد أخرى فكل ذلك تخرج وتقول، ثم ترجع عنه! وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبد الله بن سعد‏.‏ فإنك أطعتهم وعصيتني‏.‏

- فأنا أعصيهم وأطيعك!

فأمر علي بن أبي طالب الناس بالخروج. واخبر عثمان بما فعل وكلمه عما ينبغي القيام به من اجل تلافي الفتنة. وقبل عثمان بها. لكنه غيّر رأيه ومواقفه بعد سويعات عندما أقنعه مروان بن الحكم بضرورة إعلام الناس بأن المعارضين والمهاجمين قد رجعوا إلى ديارهم، وإن رجوعهم هو بسبب إدراكهم بأنهم كانوا على عدم بينة من الأمر، وإن ما كان عندهم هو باطل. وبالتالي استغلال هذه الفرصة من اجل انتظار العدة والعدد من المناطق الأخرى لتصفية الحساب مع الجميع! وقد أخذ عثمان بهذه "النصيحة". بحيث أجبرت حتى عمرو بن العاص على مخاطبته بكلمات:"اتق الله يا عثمان! فإنك قد ركبت أمورا، وركبناها معك فتب إلى الله نتب!". لكنها جلعته في الوقت نفسه يخرج عن طوره بحيث رد على عمرو ابن العاص بكلمات:"وإنك هنا يا ابن النابغة! قملت والله جبتك منذ عزلتك عن العمل!". وتعكس هذه المخاطبة طبيعة الخراب الداخلي لعثمان وانهياره المعنوي وفساد عقله. غير أن الضغط اللاحق اجبره على الاستجابة للتوبة العلنية. بحيث نراه يرفع يديه ويستقبل القبلة ويقول:"اللَّهم إني أول تائب‏"‏‏[4].‏

وقد سجلت كتب التاريخ والسير هذه المقطوعة الرقيقة التي لا تخلو من صدق ورذيلة في نفس الوقت! وقد كانت تلك نتيجة لما أسميته بوحدة الخطأ والخطيئة في سلوك عثمان وشخصيته. ففيها نسمعه يقول:"‏أما بعد، أيها الناس! فوالله ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله! وما جئت شيئا إلا وأنا أعرفه! ولكني منتني نفسي وكذبتني وضلَّ عني رشدي! ولقد سمعت رسول الله يقول‏‏ ‏"‏من زلَّ فليتب! ومن أخطأ فليتب! ولا يتمادى في التهلكة". فأنا أول من اتعظ! وأستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه‏.‏ فمثلي نزع وتاب‏.‏ فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم لئن ردني الحق عبدا لأستنن بسّنة العبد، ولأذلنَّ ذل العبد ولأكونن كالمرقوق إن ملك صبر، وإن عتق شكر!"‏‏[5].

إننا نقف أمام توبة لا مثيل لها في تاريخ السلطة. بل يمكننا القول، بأنها قد تكون الوحيدة التي ترتقي إلى مصاف التوبة المتسامية بما في ذلك من حيث الصيغة والوجدان والمنطق والبيان. وقد تكون هي العبارة الأجمل والوحيدة التي تحتوي على قدر من الإخلاص في دراما الخبث السلطوي الذي ذهب عثمان ضحيته. لكنها الأكثر شرا بسبب كونها جزء من "منظومة الغدر". مما جعل منها أداة أضافية في توسيع منظومة الفصام والفطام بين الدولة والسلطة في الخلافة. وهو بداية انهيارها المعنوي ‏وسقوطها الشرعي.

وليس اعتباطا أن ترقّ الأسماع والقلوب لخطبته المذكورة أعلاه. لكنها سرعان ما احترقت في أتون المؤامرة والمغامرة الأموية التي شقت لنفسها الطريق على يد عثمان بن عفان، بوصفه أداتها التاريخية الأولى. وكشفت بالتالي عن أن أكثر الصيغ إحكاما للتوبة النصوح قد تتحول إلى أكثرها إحكاما للفعل الفسوق! وإذا كانت كتب التاريخ عادة ما تربط ذلك بوسوسة مروان لعثمان، فإن الشيطان ليس مروان "الكبير" بل عثمان الصغير القابع في هرم السلطة!

لقد فّضل عثمان الاستماع إلى مروان عوضا عن الاستماع إلى كلام زوجته التي وجدت في عدم الالتزام بالتوبة المعلنة موته. وخاطبته بهذا الصدد قائلة:"لا ينبغي له أن ينزع منها". لكنه انحاز في نهاية المطاف إلى الفكرة السياسية التي دغدغت أعماقه الخاوية. فقد انطلق مروان في محاولته ثني عثمان عن توبته والرجوع عنها من أن مقالته مقبولة لو كان هو "ممتنع منيع". لكنها صدرت عن ضعف واشتداد الضغوط. ومن هذه المقدمة توصل إلى استنتاج يخرق الشرعية وينفي أبسط قواعد الالتزام الأخلاقي عندما قال له:"بأن إقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوَّف عليها". وقد أقنعت هذه المقارنة عثمان للحال بحيث سمح له بالخروج إلى الناس ومخاطبتهم بعبارة:"‏جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا؟! ارجعوا إلى منازلكم، فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا!‏"‏‏. وقد احتوت هذه النتيجة في أعماقها على معنى القطيعة، التي لم يقطعها آنذاك شيء غير الموت. فقد استاء منه علي بن أبي طالب اشد الاستياء بحيث وصفه بجمل الظعينة يقاد حيث يسار بها. وهدده بأنه سوف لن يعود له، وإنه إنسان بلا شرف فاقد الإرادة[6]. وعكست هذه النتيجة أيضا مستوى التصادم البليغ بين السلطة والدولة. إذ لا تعني الرغبة في امتلاك الدولة من جانب السلطة سوى محاولة ابتلاع ما لا قدرة لها على هضمه. فاللقمة أكبر من البطن، والإنسان ليس أفعى! وبغض النظر عن أن السلطة أفعى لكنها ليست وجودية بل معنوية. وحالما تلتهم كل ما في طريقها فإن فحيحها لا يطرب، وسمومها لا تجذب. والنتيجة هروب أو هجوم. وفي كلتا الحالتين قتل وموت! وبدأت ملامح هذه الحالة تظهر بصورة جلية لا تقبل الجدل والمراوغة. لأن كل منهما لا يفعل في الواقع إلا على تسريعها لا تأجيلها. فالتأجيل وهم. بينما كان سائدا في عائلة عثمان. أما تسريعها فقد كان التيار الجارف في سيل الاندفاع الحانق ضد الانتهاك السافر لأبسط مقومات الرؤية الإسلامية التي مازالت طرية في الذاكرة وأشخاصها الأوائل من صحابة وجاهليين.

أما فاعلية الطراوة الحية للذاكرة التاريخية والاستعداد لشم روائحها العطرة، فإنها عادة ما تظهر في أنفاس المقاتلين بعد دفن ضحاياهم. وهي التقدمة السياسية التي تمتع بها عثمان قبيل قتله. لهذا كان يمكن للذاكرة التاريخية للمسلمين الأوائل ألا تلتهب تجاه مطاردة ونفي الصحابة أمثال أبو ذر الغفاري، وتجاهل رعيل الصحابة الأول. وتحوّل هذا التجاهل في الأيام الأخيرة من حكم عثمان إلى شيء أقرب ما يكون إلى همجية الخيال المريض. وليس اعتباطا أن يكون عثمان في الأيام الأخيرة من حياته قبل المقاطعة والحصار والقتل، أقرب إلى ألعوبة. وكل دقائق فعله وما أراده وما لم يرده يشير إلى أنه كان فاقد الضمير والإرادة. لقد أعمته السلطة للدرجة التي جعلت من حبه جنونا بلا مواقف صحو فيها! وجعلت هذه الحالة من توظيف الوحي جزءا من سياسة الخطأ والخطيئة. وهو الشيء الذي نعثر عليه فيما يسمى بكتاب عثمان إلى أهل مكة! وهو العائش بينهم! وقد قرأه ابن عباس عوضا عنه. وفيه نعثر على ما أسميته بتوظيف الوحي، الذي جعل من السلطة محور وجود الدولة، باعتباره التشوه التاريخي الروحي الأول للخلافة. أما نص الكتاب فهو التالي:‏‏"‏بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين والمسلمين‏.‏ سلام عليكم‏.‏ فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو‏.‏ أما بعد، فإني أذكركم بالله عز وجل الذي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البينات، وأوسع عليكم من الرزق، ونصركم على العدو، وأسبغ عليكم نعمته‏.‏ فإن الله عز وجل يقول وقوله الحق‏‏ (وإن تعدّوا نعمت الله لا تحصوها. إن الإنسان لظلوم كفار). وقال عز وجل (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا). وقال وقوله الحق (يا أيها الذين آمنوا... واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا). وقال وقوله الحق (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). وقال وقوله الحق (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله).

أما بعد، فإن الله عز وجل رضي لكم السمع والطاعة والجماعة، وحذركم المعصية والفرقة والاختلاف، ونبَّأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدم إليكم فيه ليكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة الله عز وجل واحذروا عذابه، فإنكم لن تجدوا أمة هلكت إلا من بعد أن تختلف، إلا أن يكون لها رأس يجمعها، ومتى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعا وسلط عليكم عدوكم ويستحل بعضكم حرم بعض، ومتى يفعل ذلك لا يقم لله سبحانه دين، وتكونوا شيعا. وقد قال الله لرسوله (إن الذين فرقوا في دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء. إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون). وإني أوصيكم بما أوصاكم الله، وأحذركم عذابه، فإن شعيبا قال لقومه (ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح).

أما بعد، فإن أقواما ممن كان يقول في هذا الحديث، أظهروا للناس إنما يدعون إلى كتاب الله والحق، ولا يريدون الدنيا ولا المنازعة فيها‏.‏ فلما عرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحق ونازع عنه حين يعطاه، ومنهم تارك للحق ونازل عنه في الأمر يريد أن يبتزه بغير الحق‏.‏ طال عليهم عمري، وراث عليهم أملهم إلا مرة فاستعجلوا القدر، وقد كتبوا إليكم أنهم قد رجعوا بالذي أعطيتهم، ولا أعلم أني تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئا كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود فقلت‏:أقيموها على من علمتم تعداها‏.‏ أقيموها على من ظلمكم من قريب أو بعيد قالوا‏:‏كتاب الله يتلى‏.‏ فقلت‏:فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل الله في الكتاب، وقالوا‏:المحروم يرزق والمال يوفى ليستن فيه السنة الحسنة ولا يعتدى في الخمس، ولا في الصدقة، ويؤمر ذو القوة والأمانة، وتردّ مظالم الناس إلى أهلها فرضيت بذلك واصطبرت له وجئت نسوة رسول الله حتى كلمتهن فقلت‏:ما تأمرنني‏؟‏‏‏ فقلن‏:‏تؤمر عمرو بن العاص وعبد الله بن قيس، وتدع معاوية، فإنما أمَّره أمير قبلك فإنه مصلح لأرضه راض به جنده، واردد عمرا فإن جنده راضون به وأمره فليصلح أرضه فكل ذلك فعلت‏.‏ وأنه اعتدي علي بعد ذلك وعدا على الحق‏.‏

كتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر استعجلوا القدر، ومنعوا مني الصلاة، وحالوا بيني وبين الصلاة، وابتزوا مما قدروا عليه بالمدينة. كتبت إليكم كتابي هذا وهم يخبرونني إحدى ثلاث‏:إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ أو صوابا غير متروك منه شيء، وإما أعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيري، وإما يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من الذي جعل الله لي عليهم من السمع والطاعة. أما إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يستقد من أحد منهم، وقد علمت إنما يريدون نفسي‏.‏ وأما أن أتبرأ من الإمارة فإن يكبلوني أحب إليَّ من أن أتبرأ من عمل الله وخلافته.‏

وأما قولكم يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من طاعتي فلست عليكم بوكيل، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة‏.‏ ولكن أتوها طائعين يبتغون مرضاة الله، وإصلاح ذات البين‏.‏ ومن يكن منكم إنما يبتغي الدنيا فليس بنائل منها إلا ما كتب الله، ومن يكن إنما يريد وجه الله والدار الآخرة وصلاح الأمة وابتغاء مرضاة الله والسنة ‏الحسنة التي استنّ بها رسول الله والخليفتان من بعده، فإنما يجزي بذلكم الله‏.‏ وليس بيدي جزاؤكم ولو أعطيتكم الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثمن لدينكم ولم يغن عنكم شيئا‏.‏ فاتقوا الله واحتسبوا ما عنده فمن يرضى بالنكث منكم فإني لا أرضاه له ولا يرضى الله أن تنكثوا عهده‏.‏ وأما الذي يخبرونني فإنما كله النزع والتأمير فملكت نفسي ومن معي ونظرت حكم الله وتغيير النعمة من الله وكرهت سنّة السوء وشقاق الأمة وسفك الدماء فإني أنشدكم بالله والإسلام ألا تأخذوا إلا الحق وتعطوه مني، وترك البغي على أهله وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم الله، فإني أنشدكم الله الذي جعل عليكم العهد والمؤازرة في أمر الله فإن الله قال وقوله الحق (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا). فإن هذه معذرة إلى الله ولعلكم تذكرون.

أما بعد، فإني لا أبرئ نفسي! إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم‏.‏ وإن عاقبت أقواما فما أبتغي بذلك إلا الخير، وإني أتوب إلى الله من كل عمل عملته وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلا هو‏.‏ إن رحمة ربي وسعت كل شيء إنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضالون، وإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون‏.‏ وأنا أسأل الله عز وجل أن يغفر لي ولكم وأن يؤلف قلوب هذه الأمة على الخير ويكرّه إليها الفسق"[7]‏.‏

إننا نعثر في هذه الرسالة على ذروة التطويع السياسي للوحي، بحيث تصبح الآية القرآنية خادما وضيعا للإرادة المبتورة برغبة الاحتفاظ بالسلطة. وتشبه إرادته وصيته التي لا تحتوي على أكثر من عبارات يرددها المسلمون بوصفها الصيغة القابعة في وعي ولا وعي الإيمان من انه "لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه‏.‏ وأن الله لا يخلف الميعاد". أما دفنه فقد كان هو الآخر فضيحة بمعايير السلطة والتاريخ والقيم الأخلاقية. فقد بقي ثلاثة أيام لم يدفن. بل وقعد بعض من المعارضين على قارعة الطريق يتربصون جثمانه بالحجارة. بل وحاول البعض حتى منع الصلاة عليه. ودفنوه غفلة قرب أحد حيطان المدينة يسمى حَش كوكب، بحيث حملوه على إحدى الأبواب لدفنه مسرعين لتلافي نظرات المتمردين بحيث كان رأسه يقرع الباب التي وضعوه عليها. ودفن في ثيابه بدمائه، لم يغسل[8]‏. ولم يقل فيه كلمة غير ابنته عائشة وزوجته نائلة! لكنها تبقى مجرد مأثرة لإخلاص النساء لا علاقة لها بعثمان. أنها خاتمة مهينة! لهذا لم يكن بإمكان أي شيء فيه أن يتحول إلى قيمة غير قميصه ليصبح راية الصراع السياسي المرير وبيرق الخبث والرذيلة والمغامرة من جانب القوى التي ناصبت فيما مضى محمدا العداء والاستهزاء، والرغبة في الاستيلاء على ميراثه الإمبراطوري الآن. وهي عملية أنتجت على قدر ما فيها من درامية واحتدام في صراع المصالح والقيم، أشباحها وأرواحها، أي مستبدين أشداء ومثقفين خلصاء.

***

 

ا. د. ميثم الجنانبي

.....................

[1] ‏‏الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2،ص 645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3،ص 44‏

[2] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2،ص645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3،ص 44‏‏

[3] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص653.

[4] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص657، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص54‏.

[5] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص658، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، 54‏.‏‏

[6] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص660، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص57.

[7] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص685‏.

[8] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص687، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص69‏

 

 

وممّا يعزز القول بتأثرالمصريين القدامى بالانبياء في توحيدهم، هو وجود التشابه في التوحيد بين المصريين واليهود والمسلمين، وهذا ممّا تنبه اليه "والس بدج"، الذي نشر كتابا له عام 1903م، اكّد فيه التشابه بين توحيد قدماء المصريين وتوحيد اليهود والمسلمين فيقول: (انه لاتوجد صعوبة في اظهار ان فكرة التوحيد التي وجدت في مصر منذ العصور المبكرة .. لاتختلف في ملامحها عن تلك التي تمت بين العبرانيين اليهود والعرب المسلمين) . (31).

واخناتون لم يكن اول الموحدين، بل عرف المصريون التوحيد قبله عن طريق الانبياء، فقد عرف المصريون التوحيد قبل اخناتون بالاف السنين . (32) . وامنحوتب الثالث والد اخناتون عرف التوحيد " بمعنى ان للوجود خالقا"، يقول الدكتور مصطفى محمود: (ونحن نرى هذا التوحيد في عهد امنحوتب الثالث في تلك الترنيمة المحفورة على لوحة في المتحف البريطاني .. وهي في صورة ابتهال ومناجاة للاله: (ايها الخالق الذي لم يخلقك احد، الواحد المنقطع القرين في صفاتك، والراعي ذو القوة والباس، والصانع الخالد في اثاره التي لايحيط بها حصر). (33)

 ويتحدث سارتون عن اخناتون (1470-1340 ق. م) فيقول:

(ان اخناتون.. ادرك من وجود الله قدر مانستطيع نحن ان ندرك من وجوده) . (34)

 وهذا يعني ان علوم قدماء المصريين مصدرها سماوي، يقول الدكتور احمد بدوي: (كان علم قدماء المصريين - في اعتقادهم - مرجعه الى السماء .. جاءهم به رسل من حكماء الماضي .. وهو مدّخر في الصحف يتناقله الناس جيلا بعد جيل) . (35)

وعلى هذا الاساس، فمن المرجح، وكما يذكر الثعلبي، ان الملك اخناتون الذي عاصر النبي يوسف (ع)، كان قد اسلم على يديه، واخذ التوحيد منه، يذكر الثعلبي: (وكان الملك يؤمئذ بمصر ونواحيها (الريان)، ويروى ان هذا الملك مامات حتى امن بيوسف .. وتبعه على دينه) . (36)

وينقل ابن كثير عن محمد بن اسحق .. ان صاحب مصر -الملك- .. اسلم على يدي يوسف (ع)، والله اعلم) . (37)

من اين جاءت تسمية العبريين؟

وقد اطلق اهل كنعان على ابراهيم ورفاقه (العبريين)، لعبورهم نهر الفرات؛ اذ لم يكونوا قد عبروا نهر الاردن بعد، اولانهم بدو متجولون يعبرون من واد الى واد) . (38)

العبرانيون والعزلة

كانت العزلة طابع العبرانيين في ارض كنعان، وقبلها في اور، وكانت طابعهم في مصر بعد ذلك بسبب ارتباط العبرانيين بالحكام المستعمرين في مصر (الهكسوس)، وبالتالي نظر الشعب لهم نظر ريبة فلم يتم اختلاط بين هؤلاء واولئك، ثم ان البون كان شاسعا بين العقليتين، فالعبرانيون كانوا قوما بدوا لاثقافة لهم، نزلوا بين اقوام لهم تاريخ ولهم حضارة، فلم يكن من السهل الاندماج بين الطائفتين. (39)

وبسبب هذه العزلة تكونت لدى اليهود النظرة العدائية الحذرة تجاه الاخرين، وبالتالي لم يدينوا بولاء الى الوطن الذي يجمعهم بالاخرين، وانما اتجهوا بولائهم الى جماعاتهم، فاصبحت هذه الجماعة هي وطنهم، وهي دينهم، وهي موضع تقديسهم وليس لهم بسواها صلة او ارتباط. (40)

الاسرائيليون كشعب وجدوا في كنعان

كان بنو اسرائيل قبائل مكونة من اسباط اسرائيل الاثني عشر، ولم يتشكلوا كشعب الا بعد استقرارهم في كنعان.. وفي السابق كان لكل قبيلة وجودها التاريخي الخاص .. قبل ان تكّون اتحادا متينا .. فبعد ان استقروا في فلسطين نمت لديهم فكرة ان لاسرائيل تاريخا مشتركا (41)

توراة موسى

يزعم " ول ديورانت" في كتابه (قصة الحضارة): (ان التوراة التي نزلت على موسى بعد الرسالة هي نسخة من قوانين حمورابي). (42)، كما قالوا:  ان دعوته قومية، اي: خاصة ببني اسرائيل . (43)

ونحن لسنا مع ماقاله ديورانت، بانّ التوراة التي نزلت على موسى (ع)، هي نسخة من قوانين حمورابي . نعم، التوراة حرّفت، وكتبت بعد السبي البابلي، وتاثرت بماعند البابليين، وبقوانين حمورابي. وهذا مايقرره (Welis)، من ان اسفار العهد القديم جمعت لاول مرة في بابل، وظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد . (44) ؛ وذلك لان التوراة الاصلية قد احرقت نسخها الاصلية على يد نبوخذ نصر عام 576 ق. م، ولم يتّم اعادة كتابتها الا قبيل ميلاد المسيح بعدة قرون. (45)

فرعون موسى

هناك بعض الاراء تدّعي ان فرعون موسى لم يكن مصريا، بل كان من الهكسوس، ومن هؤلاء الذين يتبنون هذا الراي الدكتور اسامة الكرم، يقول الدكتور اسامة الكرم: (وهناك اية تكشف بوضوح انّ فرعون موسى ليس مصريا بل كان من الهكسوس، وهي قوله تعالى: (فاوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا) . القصص: الاية: 38 .

ومن الاية يتضح ان مباني فرعون وقومه كانت من الطين، على عكس مباني ملوك المصريين ومعابدهم التي كانت من الحجارة .. فقد كانت حضارة الهكسوس مبنية على الطين وليس الحجارة مثل المصريين) (46)

وانا لا ارى تناقضا بين الطين والحجارة ؛ فقد استخدم القران في مسألة خلق الانسان مفردات عديدة، فتارة يذكر خلق الانسان من ماء، وتارة من تراب، فطين، فصلصال كالفخّار، ولايوجد اي تناقض بين هذه التعابير، فالطين هو عبارة عن مزج التراب بالماء، والصلصال الذي وصف بانه كالفخّار يتكون حين يعرض الطين على حرارة النار.

 وقد كفانا الرد على كلام الدكتور اسامة الكرم غير العلمي، البروفسور " جوزيف دافو ديفيت "، مدير معهد جيوبو ليمار الفرنسي لهندسة البناء، والذي توصل الى فرضية " بناء الاهرامات"، بواسطة قوالب طينية، تمّ تجفيفها وتحجيرها بواسطة النار في موقع البناء. ونشر هذه الفرضية في كتاب له، وحسب رأيه: (ان الفراعنة استخرجوا الطين من ضفاف النيل ثم صبوه في قوالب متساوية تم تسخينها الى درجة 900 مئوية.

 بعد هذا البحث الطويل الذي اجراه البروفسور الفرنسي جوزيف دافو ديفيت الذي يؤكد فيه ان حجارة الاهرام قد صبّت في قوالب خشبية، وبعد سنوات قام احد العلماء الامريكيين بالتأكد من صدق هذه الفرضية باستخدام المجهر الالكتروني وتحليل نماذج من حجارة الاهرامات . (47)

الهكسوس كانوا خليطا

والهكسوس لم يكونوا جنسا واحدا، وانما كانوا خليطا متحالفا من قبائل متعددة الجنسيات . تذكر الموسوعة المصرية مايلي: (ولانزاع ان الهكسوس لم يكونوا من جنس واحد) . (48)، وفي موسوعة لانجر:

(وكان الهكسوس جنسا خليطا) . (49)، ويذكر الدكتور احمد فخري: (ان الهكسوس ليسوا من شعب واحد، وانما من شعوب متعددة) . (50)

 

زعيم الخيرالله

.............................

المراجع والمصادر

31- (J.D. Smith: God and Man in Early Israel) نقلا عن كتاب (اليهودية)، د. احمد شلبي، ص 53.

32- انظر (اضواء على السيرة النبوية)، ج1، ص 5، عبدالحميد جودة السحار.

33- كتاب (الله)، عباس محمود العقاد، ص 64، نقلا عن (قدماء المصريين اول الموحدين)، د. نديم السيار، ط 2، ص 43 .

34- تأريخ العلم، جورج سارتون، ج1، ص 133، نقلا عن (قدماء المصريين اول الموحدين)، د. نديم السيار، ط2، ص 39.

35- تأريخ التربية والتعليم في مصر، ج1، ص 160، نقلا عن (قدماء المصريين اول الوحدين)، د. نديم السيار، ط 2، ص 195 .

36- العرائس، ص 70 .

37- قصص الانبياء، ج1، ص 336 .

38- مقارنة الاديان، اليهودية، د. احمد شلبي، ط2، ص 52، 1988، منشورات مكتبة النهضة المصرية.

39- التوراة، الدكتور فؤاد حسين، نقلا عن كتاب (مقارنة الاديان)، د. احمد شلبي، ص 53.

40- مذكرات وايزمان، ص 3، نقلا عن (مقارنة الاديان، اليهودية)، احمد شلبي، ص 54.

41- جارودي،فلسطين، ص: (111-112)، نقلا عن كتاب: (النبي موسى واخر ايام تل العمارنة)، د. سيد القمني، ص 647 .

42- قصة الحضارة، ول ديورانت، المجلد 1، ج2، ص (322- 385)، وانظر ايضا، (الشرق الخالد)، ص 379 و 399 .

43- حضارة مصر والشرق القديم، ص 355، نقلا عن كتاب (ذرية ابراهيم والمسجد الاقصى)، جمال عبدالهادي، دار الوفاء، ط1، تاريخ الطبع 1986 م، ص 105.

44- (A short history of The World)، نقلا عن كتاب " اليهودية "، د . احمد شلبي، ص 354 ز

45 - ذرية ابراهيم والمسجد الاقصى، جمال عبدالهادي، دار الوفاء، ظ1، تاريخ الطبع 1986 /، ص 329 .

46- القران يؤكد: رمسيس لم يكن فرعون موسى، د. اسامة الكرم، مدونات مكتوب، تاريخ 16-1-2008 م .

47 - هل بنيت الاهرامات من الطين ؟ وهل فرعون هو الذي بناها ؟ موقع الاعجاز العلمي في القران والسنة، عبدالدائم الكحيل .

48- الموسوعة المصرية، المجلد 1، ص 40 .

49- موسوعة تأريخ العالم، ج1، ص 48 .

50- مصر الفرعونية، ص 245 .

 

mutham aljanabi2توفي عام 43 للهجرة ودفن في مصر بعد أن بلغ من العمر ثلاث وتسعين سنة! وهو عمر مديد بمعايير الرذيلة قصير بمعايير الروح الأخلاقي. وما بينما تمادت وتصنعت شخصية عمرو بن العاص المتناقضة. وفي تناقضها أنتجت إحدى اعنف المفارقات الحادة التي تجعل من الضروري إعادة النظر بكلمة "الصحابة" و"الصحابي" من اجل وضعها ضمن سياقها التاريخي بوصفه لقب لأفراد مرحلة تاريخية لا غير. بمعنى تحريرها من الأبعاد الأخلاقية والروحية.

فكما أن المكان "المقدس" لا يقدس من يعيش فيه، كذلك لا تجعل صحبة النبي محمد بالمكان والزمان المرء جليلا. وفي كلتا الحالتين لا يقدس المرء ولا يجعله جليلا شيئا غير عمله. أما أعمال عمرو بن العاص الكبرى فانها تجسيد تام للرذيلة. وهي حالة لم تكن معزولة عما تراكم في وعيه النفسي من رذائل الجاهلية المكثفة في مصيره الفردي. فقد بيعت أمه في سوق عكاظ. وجرى تداولها في سوق النخاسة ثلاث مرات إلى أن وصلت إلى العاص بن وائل. كما أنها تزوجت مرات عديدة بعد ذلك. وهي حالة لا يمكن تحميل أمه (المرأة) مقدماتها وأسبابها، لكنها تغلغلت في شخصية عمرو بن العاص، بوصفه السبيكة التعسة لخراب الروح والجسد الجاهلي. أما الطلاء الإسلامي فانه لم يستطع إخفاء صدئه الداخلي وعفونته النتنة! وليس مصادفة أن تبرز كتب التاريخ والسير والأدب والسياسة أولوية الدهاء والمكر فيه. من هنا أوصاف "من دهاة العرب في الجاهلية"، و"كان رجل حرب ماكر وداهية" وما شابه ذلك. بحيث لا نعثر على أي وصف إسلامي تقليدي يبرز أهمية الأبعاد الروحية والأخلاقية فيه. ذلك يعني ملازمة صفات المكر والدهاء إياه حتى موته. بمعنى انحلال أو انعدام الأخلاق النبيلة في سلوكه الشخصي. مع ما ترتب عليه من سيادة السلوك المحكوم بالمنفعة الخالية من قيم الروح والعقيدة. وهي صفات تجعل منه احد أرذل الشخصيات السياسية في تاريخ الإسلام الأول، بوصفه الوجه الآخر لمعاوية. وكلاهما من صنف واحد هو الدهاء السافر وانعدام الأخلاق التام.

فمن المعروف عنه قبل إسلامه هو انه كان مهموما بقتل النبي محمد والمسلمين الأوائل. لهذا جرى انتخابه ممثلا لقريش من اجل طرد أو قتل المهاجرين المسلمين الأوائل إلى الحبشة! وهو سلوك يعكس نفسيته أيضا، بمعنى استعدادها لتحمل المشقة من اجل القتل والثأر! أما تحوله لاحقا إلى "صحابي جليل"، فينبغي النظر إليه على انه النتاج الطبيعي للخديعة التاريخية للأموية في ابتداعها فكرة أو اسم "أهل السنّة والجماعة" التي كانت تعني وتترادف مع فكرة الخضوع للسلطة. من هنا اندراج عمرو بن العاص فيها. أما من الناحية الفعلية فقد اسلم عمرو بن العاص بعد فشل قريش في غزوة الأحزاب. كما اسلم آل أمية ومروان بعد فتح مكة. ويقال انه اسلم تحت تأثر قول ملك الحبشة الذي أشار إليه بأن محمدا نبي بالفعل!! بينما تقول رواية أخرى بأن الملك طرده بسبب هداياه التي قدمها إليه وطلب بمقابلها تسليمه المسلمين المهاجرين من اجل قتلهم! ومهما يكن من أمر هذه السرديات "الجليلة"، فإنها تعكس في الواقع الحالة التي ميزت إسلام من انتمى إليه في وقت لاحق، واقصد بذلك آل أمية وبنو مروان. وفي هذا يكمن استعداده "للعمل" بوصفه أسلوبا للتعبير عما فيه. وهو سلوك محكوم دوما بالمصلحة والفائدة. لهذا نراه يتولى قيادة الجيوش في معارك فتح الأردن ومصر. ويدعم عثمان بن عفان قبل أن يعزله عن ولاية مصر. ثم يتحول إلى ألد أعداءه. والسبب هو إمارة مصر. فقد أعفاه عثمان من اجل أصحابه وأقاربه، وبالأخص بعد أن ولى مصر عوضا عنه عبد الله بن سعد العامري (اخو عثمان بالرضاعة! سبق وان ارتد زمن النبي وأهدر دمه لكن عثمان استوهبه، توفي سنة 59 للهجرة واعتزل الصراع آنذاك). وهو خلاف كان على تولي الخراج وإدارة الحرب. وقد سحب عثمان الخراج من عمرو بن العاص وأعطاه إلى عبد الله بن أبي سرح. من هنا انهماك عمرو بن العاص في التأليب على عثمان، بحيث تنسب إليه العبارة القائلة، بأنه كان يؤلب حتى رعاة الغنم وأغنامهم على عثمان! لكنه يصبح في طليعة المدافعين عن عثمان والداعين لأخذ الثأر بدمه بعد تولي علي بن أبي طالب الخلافة. من هناك قيادته لجيوش معاوية في الحرب ضد علي، واستعداد للكشف عن عورته لكي ينقذ نفسه، بعد أن تعرض للهزيمة في مبارزة فردية مع الإمام! واليه تعود فكرة رفع القرآن على الرماح وخديعة التحكيم. وهي مكونات تعكس في كلها كلّ الرذيلة التي اسمهم في حرف تاريخ الإسلام والدولة، بحيث يمكن وضعه إلى جانب معاوية في موضع الإفساد المادي والمعنوي الأكبر في تاريخ الإسلام. إذ جسّد في هذا السياق كل حلقات الرذيلة السياسية والأخلاقية. وليس مصادفة أن يكون الوحيد من بين أتباع الأموية (إلى جانب الحجاج الثقفي!) من بقي واليا على مصر حتى موته! وتنسب إليه العبارة التالية قبيل موته:"اللهم أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فما انتهينا!". وهي عبارة ينبغي فهمها بصورتها المباشرة!

***

ميثم الجنابي

 

 

هل كان النبي ادريس مصريا؟ وهل هو اخناتون؟

ذكرنا انه اختلف في ولادته، واختلف فيه، هل هو مصري ام عراقي؟ الاّ ان الدكتور نديم السيّار، في كتابه ( المصريون اول الموحدين)، يقرر: ان ادريس هو النبي المصري الذي عرف بعلم الهندسة، وانه الذي جاء للمصريين يعلمهم الاسلام . (24)، وادريس يسمى في التوراة " اخنوخ"، او على الاقل عرفه اليهود بهذا الاسم منذ عصورهم القديمة قبل تسجيل اسفار عهدهم (اخنوخ) . (25) .

المصريون كانوا موحدين قبل ابراهيم

يبالغ المصريون كثيرا حينما يتحدثون عن اسلافهم المصريين القدامى بانهم اول الموحدين، وهذا عنوان لكتاب اسمه: (قدماء المصريين اول الموحدين)، وكأنّ الامة المصرية - على خلاف سائر الامم والشعوب- ادركت التوحيد بذاتها دون حاجة الى هدي النبوات، وان الانبياء الذين جاءوا الى مصر كانت رسالتهم موجهة الى الهكسوس وقبائل البدو، ولادور لهم تجاه المصريين ؛ لانهم في غنى عن ذلك .

 فالعقاد يرى ان المصريين عرفوا التوحيد قبل ابي الانبياء ابراهيم (ع)، فيقول: (التوحيد لم يكن مجهولا قبل عصر ابراهيم .. كان المصريون الاقدمون يؤمنون بالاله الواحد .. وكانت كلمة الله هي القوة التي تفعل ماتريد ) . (26) .

 ويرى العقاد في كتابه (ابراهيم ابو الانبياء)، ان المصريين اقدم امة عرفت التوحيد فيقول: (التوحيد توحيدان: توحيد الايمان باله واحد خلق الاحياء وخلق معهم اربابا اخرين، وتوحيد الايمان باله واحد لااله غيره، ولم تعرف امة قديمة ترقت الى الايمان بالوحدانية على هذا المعنى الا الامة المصرية، فعبادة " اتون" قبل ثلاثة وثلاثين قرنا غاية التنزيه في عقيدة التوحيد ) . (27) .

 وفي مناقشتنا للعقاد نقول: ان التوحيد الذي ذكره - اي توحيد النوع الاول- هو توحيد منقوص، وهو توحيد الخالقية، وقد تحدث الله تعالى في القران عن ايمان مشركي العرب بهذا اللون من التوحيد، قال تعالى: (ولئن سالتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله)، وهذا التوحيد عرفته كل الامم والشعوب، ولم يختص بامة دون اخرى، ولابشعب دون اخر.

 امّا التوحيد الثاني، فلم تهتد اليه امة بعيدا عن هدي السماء، وبعيدا عن النبوات، ورسالات السماء ؛ لان التوحيد على المستوى الثاني الذي ذكره العقاد اكبر من ان يدركه عقل بشري، ولاتقوى حضارات البشر ان تهتدي اليه ؛ لذلك غرقت كل حضارات البشر التي لم تتصل بهدي السماء بسبب، في مستنقعات الشرك والوثنية .

 ويذكر والس بدج: (ان بيريت يتبنى نفس وجهة النظر القائلة بان المصريين امنوا بالاله الواحد.. الذي لاشريك له) . (28)

 ونحن نقول: نعم، امن المصريون بالاله الواحد الذي لاشريك له بعد ان دلهم الانبياء عليه.

اخناتون والتوحيد

تحدثوا كثيرا عن اخناتون، واعتبروه الموحد الاول في مصر، وقد اختلف فيه، فبعضهم قال: انه نبي الله ادريس، وهذا لايصح ؛ لان ادريس الذي قيل انه كان مصريا، عاش قبل ظهور الاسر، اي: قبل 5500 عام، وهو اول من خط بالقلم، وتفقد النجوم، واصّل لعلم الفلك، ثم عرفت مصر التوحيد بعده، فبعد انحسار الطوفان، رست سفينة نوح على الجودي " شمال كردستان العراق "، ومكان رسوّ السفينة مختلف فيه، وانتشر الموحدون من فوق متنها هابطين الى ارض الرافدين، ومنها لكل العالم، ويقال انه كان من بينهم احد الكهنة المصريين الذين صاحبوا نوحا، وهو الذي عاد لمصر واصطحب معه حفيد نوح المدعو مصر بن حام (مصرايم بن حام بن نوح)، وعلمه اللغة المصرية، ومعا اعادوا تاصيل التوحيد في مصر، ويحتمل ان يكون ذلك عام 2100 قبل الميلاد . (29)

 ولاادري لماذا يربط بعض الكتاب التوحيد باخناتون، في حين ان عبور ابراهيم نهر الفرات باتجاه مصر كان قديما، اذ تم كما يرى اكثر الباحثين حوالي سنة 2000 قبل الميلاد، ويرجح بعضهم انه تم في سنة 1850 ق.م . (30)

( وللحديث صلة) .

 

زعيم الخيرالله

.......................

المصادر والمراجع

24- هل كان اخناتون عبد الشمس ام كان نبيا؟، نقلا عن " منتديات، طريق الحقيقة " .

25- نفس المصدر السابق .

26- ابراهيم ابو الانبياء، عباس محمود العقاد، ص 8، نقلا عن ( قدماء المصريين اول الموحدين)، د. نديم السيّار، ط 2، ص 63 .

27- ابراهيم ابو الانبياء، عباس محمود العقاد، ص 175و 176 .

28- الهة المصريين، ص 163، نقلا عن كتاب ( قدماء المصريين اول الموحدين)، د. نديم السيار، ط 2، ص 8 .

29- التوحيد كان قبل اخناتون، د. محمد حلاوية، 9-11-2007م، نقلا عن مدونات مكتوب .

30- J.W. D. Smith ; God and Man in Early Israel . نقلا عن كتاب ( اليهودية ) دز احمد شلبي، ص 53 .

 

mutham aljanabi2إذا كانت السلطة تعمل بقوة السلطان، فان ذلك لا يكفي بحد ذاته من اجل ديمومتها وإضفاء الشرعية على وجودها السياسي. من هنا أهمية وقيمة "المثقف المرتزق" بوصفه "سلطان الحقيقة" المجيّرة. وهي حالة لا يخلو منها تاريخ الدول والأمم والثقافات الكبرى. لكنها عادة ما تعكس بداية الأزمة أو نهايتها. بمعنى أن ظهور واستفحال ظاهرة المثقف المرتزق هو تعبير عما في تاريخ الدولة والأمة من صراع عنيف ينذر بحتمية السقوط أو مؤشر على اعتراك قواهما الذاتية في تأسيس البدائل. وهو السر القائم وراء تأثير المثقف المرتزق على مجريات الأمور والأحداث سواء فيما يتعلق بإمكانية "تثوير" الأفكار والصراع حولها، أو إعاقة نموها "الطبيعي" من خلال حرفها صوب أمور جزئية أو ثانوية لا قيمة لها بالنسبة لتاريخ الروح. لكن عمله في كلتا الحالتين لا يؤدي إلا إلى إثارة نفسية وذهنية المغامرة القبيحة. ومن تلازم أو التقاء هذين الاتجاهين تتراكم ملامح المصير التاريخي الفعلي للثقافة ومنظومة المرجعيات المعقولة في رؤية الثقافة عن نفسها ودور المثقف فيها. وهي ظاهرة لا تخلو من تعقيد درامي تارة، ومأساوي تارة أخرى. لكنها دراما ومأساة الفرد التائه في دهاليز الغريزة الخائبة. وقد يكون ذلك هو احد الأسباب الرئيسية في اختلاف مرتزقة الثقافات الكبرى الماضية عن مرتزقة الأحزاب والدويلات الحالية بوصفها جعجعة فارغة على رصيف التسول المنفر. لكن جوهر المشكلة يبقى كما هو. بمعنى أن المثقف المرتزق تحت أية يافطة عقائدية كانت هو مجرد حمّال معلومات، أي خال من المعرفة. لكنه يجسد في الوقت نفسه نموذج " العالم الجاهل"، أي الطبل الأكثر دويا في جوقة "علماء السوء" كما دعاهم الغزالي، و"علماء الجهل" كما دعاهم نيقولا الكوزاني. وحالما تلتئم سبيكة السوء والجهل في هيئة "العالم النحرير"، حينذاك تبرز في مظاهر اللؤم غير المحدود في الأقوال والأفعال. وفي الأغلب هي صفة مرتزقة السلطة والأحزاب.

وبغض النظر عن كثرة أو قلة معلومات المثقف المرتزق، فانه لا يفعل في نهاية المطاف إلا على إضعاف الكل الإنساني للدولة والأمة. والسبب يكمن في انه لا يتعدى في نياته وسلوكه وغاياته أن يكون شيئا غير لسان "النفس الغضبية" وليس العاقلة، أي القوة الجزئية وليس الكلية العامة. من هنا تصبح مهمة نقد نماذجها القديمة أسلوب نقد نماذجها الحالية.

وليس مصادفة أن تتشابه مختلف مستويات وأشكال "التبجيل" الهائلة القديمة والحديثة في مواقفها من "علماء السوء" و"علماء الجهل" بغض النظر عن اختلاف ثيابهم الدينية أو الدنيوية (العلمانية)، "اليسارية" أو"اليمينية". فهو مؤشر على بقاء وفاعلية حالة الانحطاط. فالحقيقة خارج تصنيفات العقائد السياسية والحزبية أيا كان شكلها ومحتواها. وذلك لان المثقف الحقيقي لا تحكمه إلا الحقيقة. وبالتالي ليس البقاء ضمن قيود العقائدية السياسية والحزبية سوى الصيغة الملازمة للقبول بعبودية العقل والضمير، أي "الفداء المقدس" للبلادة والغباء وانعدام الضمير الحر.

***

أبو هريرة الدوسي

كان اسمه قبل الإسلام عبد شمس بن صخر. واسماه النبي محمد بعد إسلامه عبد الرحمن بن صخر الدوسي. توفي عام 57 للهجرة بعد أن بلغ من العمر 78 عاما قضى اغلبها في دهاليز التحول الهائل الذي أحدثه الإسلام في المصير التاريخي للعرب والدولة والثقافة.

من مفارقات شخصيته تأثيره الهائل في صنع تقاليد "السنّة" مع فقدانه المفزع للعقل والمعرفة. وهي المفارقة الكامنة والفاعلة في استعداده لوضع الحديث والكذب فيه. لكنها شخصية لا تخلو من طرافة وأصالة. ففي كنيته نتلمس بعض الأبعاد الأخلاقية والإنسانية الرقيقة. فمن عطفه على هرة كان يحملها معه عندما كان يرعى الغنم، بحيث يضعها في الليل في الشجر ويصحبها معه في النهار إشارة ودلالة على رقة القلب وبساطة الاقتراب من الطبيعة. وهي مكونات جميلة فيما لو بقيت ضمن أصولها، أي رعي الغنم والارتماء في وديان اليمن وصحاريها. بينما أدى انتصار الإسلام وصيرورة الدولة وارتمائه في أحظان السلطة إلى انقلاب عاصف في مصيره الشخصي والتاريخي والثقافي. وغرابة أبو هريرة الدوسي تقوم في بقاء عبد شمس الأول فاعلا في شخصيته الفعلية. من هنا "ارتقاءه" سلّم "الصحابة" بفقره وروايته للحديث، واستهجان التاريخ العقلي لابتذاله الكلي.

وضمن هذا السياق يصبح حافز إسلامه الأول مثيرا للجدل. بمعنى يصعب تحديده بمعايير الروح. كما انه ليس نتاج معاناة محكومة بإحساس المشاعر الإنسانية الكبرى أو الأخلاقية العميقة أو المعرفة المجردة. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار عامل الجوع والرغبة الصادقة في محبة الأكل والشرب، التي لازمته مدى الحياة بحيث جعل منها "فضيلة" يتبجح بها بما في ذلك في الدعاء(!)، عند ذاك يصبح احتمال المنفعة الشخصية الضيقة عاملا حاسما في الانتقال من اليمن إلى المدينة، ومن الوثنية إلى الإسلام.

فقد قدم المدينة في السنة السابعة للهجرة، أي بعد معركة خيبر. وتنسب إليه الكلمات الموثقة عن جوعه الدائم وانتمائه إلى "أهل الصفة". دون أن يرتقي لاحقا إلى مصاف "النخبة الروحية". وذلك بسبب الهوة الكامنة في شخصيته، التي جعلته في آن واحد احد المصادر الكبرى لنقل ووضع الحديث النبوي. إذ ينسب إليه حوالي 5374 حديثا نبويا، مع انه لم يعايش النبي محمد سوى عام واحد وتسعة أشهر. وفي رواية أخرى ثلاثة أعوام. وقد اثار هذا الكمّ من الاحاديث شكوك وانتقاد الكثير من الصحابة آنذاك. بحيث نرى صدى ذلك في العبارة المنسوبة إليه، التي يوردها البخاري ومسلم، القائلة "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن النبي. إني كنت امرأ مسكينا صحبت النبي على بطني. وكان المهاجرون تشغلهم التجارة في الأسواق. وكانت الأنصار يشغلهم القيام على جمع أموالهم. فحضرت من النبي مجلسا فقال:"من بسط رداءه حتى اقضي مقالتي ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئا سمعه مني". فبسطت ردائي حتى قضى حديثه ثم قبضته إلي. فوالذي نفسي بيده، لم انس شيئا سمعته منه". وهو "حديث" مصطنع دون شك، مهمته إضفاء صفة الوحيد القادر على حفظ الحديث النبوي والأكثر أمانة وصدقا وقربا من كل ذلك الرعيل الذي عايش النبي على امتداد عقود من الزمن، وكوّن الأساس الاجتماعي والأخلاقي والروحي والفكري أيضا للعقيدة الإسلامية. وليس مصادفة أن يصنع أبو هريرة حديث متمم بهذا الصدد يتكلم عن نفسه وسؤاله للنبي محمد قائلا:

-        يا رسول الله! من اسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟

-        لقد ظننت يا أبا هريرة انه لا يسألني عن هذا الحديث احد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث! اسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله إلا الله خالصا قلبه".

والقضية هنا ليست فقط في عدم تبلور فكرة ومصطلح "الحديث" في كلام النبي آنذاك، بل وفي الصيغة الجريئة "لابتداع" مختلف النماذج الكاذبة.

إذ لم يكن أبو هريرة شخصية لها وزنها زمن أبي بكر وعمر. وإذا كان عمر بن الخطاب قد عينه لولاية البحرين عام 21 للهجرة فانه عزله عام 23 واخذ منه ما سرقه من أموال تقدر بعشرة آلاف. غير أن الأمر اختلف زمن عثمان وأصبح من المقربين لآل العاص والأمويين بشكل عام. ووضع جملة من الأحاديث لعثمان مثل (عثمان خليلي) و(عثمان تستحي منه الملائكة) (عثمان رفيقي في الجنة) (وعثمان من أشبه أصحابي بي خلقا). ثم خمل زمن علي وبداية الحرب، لكنه استعاد نشاطه زمن معاوية. ووضع لمعاوية أحاديث غريبة مثل (إن الله ائتمن على وحيه ثلاثة أنا وجبرائيل ومعاوية) و(ناول النبي معاوية سهما وقال له:خذ هذا السهم حتى تلقاني به في الجنة)

كما وضع أحاديث كثيرة في فضائل أبي بكر وعمر مهمتها طمأنة الأموية في صراعها مع "ذكرى" الإمام علي وذاكرته في الوعي الاجتماعي والتاريخي العربي الإسلامي. إضافة لذلك كان اغلب وضعه الحديث يفتقد إلى الذاكرة الحسنة والذكرى المناسبة. من هنا خلط الأحداث وربطها بطريقة لا تتطابق مع الواقع أو لا تستجيب مع حياته، مثل نقله الأحاديث (بوصفه مشاركا) لأحداث جرت قبل إسلامه بسنوات طويلة. وهي عادة أو ظاهرة برزت معالمها الأولية منذ وقت مبكر. من هنا نرى عمر ابن الخطاب نهاه وينهره عن الحديث. وكذّبته عائشة وعلي وكثير من الصحابة. وليس مصادفة أن يكون احد أكثر المقربين إلى معاوية والأموية حتى موته. وذلك لاستعداده الفطري على نقل مختلف الأقوال والأحاديث أو تسطيرها بوصفها جزء مما يمكن دعوته بآلية النقل البليدة.

فقد كان أبو هريرة نموذجا للنقال العادي. وليس مصادفة أن يكون ممرا لنقل الإسرائيليات والأفكار الحشوية المميزة للذهنية اليهودية وأساطيرها التي كان يبشر بها كعب الأحبار. وهي ظاهرة تتعارض مع تقليدية الرؤية الإسلامية ومعاييرها الخاصة التي استغربت أن يكون تابعي (كعب الأحبار) مصدرا لصحابي (أبو هريرة). مع انه لا غرابة في الأمر. فالفرق الزمني بين أبو هريرة وكعب الأحبار في اعتناق الإسلام ليس كبيرا. فالأول التحق بالمدينة عام 7 للهجرة، بينما الثاني زمن عمر بن الخطاب، ويقال زمن خلافة أبي بكر. وهو الأقرب. وذلك لما له من حظوة كبيرة نسبية عند عمر بن الخطاب زمن خلافته. ولا يعقل تقربه بهذه السرعة في غضون أيام وأشهر في مرحلة تتصف بالديناميكية العالية. ولعل سفره مع عمر إلى القدس واستشارته في بعض المواقف المهمة دليل على ذلك. ومهما يكن من أمر هذه القضية، فان تحول كعب الأحبار إلى مصدر من مصادر "الحديث" عبر أبو هريرة يشير أولا وقبل كل شيء إلى شخصية أبي هريرة الهشة. ومن الممكن هنا الأخذ بنظر الاعتبار أصولهم اليمنية المشتركة، بمعنى التقائهم بالفطرة والمكان والنفسية. غير أن "ذكاء" كعب و"علمه" بوصفه حبرا من أحبار اليهود جعلت منه قوة قادرة على التأثير والقبول. من هنا اخذ أبو هريرة جملة الأفكار الأسطورية لليهودية. وهو مؤشر عما في شخصيته من استعداد للنقل دون تمحيص وروية. بحث يمكن اعتباره نموذجا لحمار النقل. بمعنى انه لا يعبأ بما ينقل وكيف يقول. لان الشيء الوحيد الذي كان يمتلكه هو "ذاكرة" بلا عقل. من هنا ثقوبها المليئة بإمكانية تمرير كل شيء. وهي صفة جعلته مناسبا ومقبولا ومحببا للأموية حتى موته.

***

 

ميثم الجنابي

 

 

وجاءت عقيدة التوحيد على لسان يوسف الصديق (ع) صافية نقية خالية من شوائب الشرك، كما يصورها القران الكريم:

(اني تركت ملة قوم لايؤمنون بالله وهم بالاخرة هم كافرون، واتبعت ملة آبائي ابراهيم واسحق ويعقوب، ماكان لنا ان نشرك بالله من شيء، ذلك فضل الله علينا وعلى الناس ولكنّ اكثر الناس لايشكرون، ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير ام الله الواحد القهار، ماتعبدون من دونه الا اسماء سميتموها انتم واباؤكم ماأنزل الله بها من سلطان، ان الحكم الا لله امر ان لاتعبدوا الا اياه ذلك الدين القيم ولكنّ اكثر الناس لايعلمون) . (15) .

معتقدات المصريين في زمن يوسف (ع)

كان المجتمع المصري في زمن يوسف (ع)، مجتمعا وثنيا، يعبد الهة عديدة، وان كان النفوذ والهيمنة للاله امون وكهنة معبده، وهذا ماحكاه القران الكريم في حوار يوسف (ع) مع السجينين: (ياصاحبي السجن اارباب متفرقون خير ام الله الواحد القهار) . وهذا لايعني انهم لايعرفون خالقا اوحداً للكون والوجود، فقد ذكر القران الكريم عن عرب الجاهلية المشركين: (ولئن سالتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله) .

 وقد ذكر ابن كثير في قصص الانبياء، ان اهل مصر يعرفون الله غفارا للذنوب، وهذا نص كلامه: (ان اهل مصر يعلمون ان الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده .. لاشريك له في ذلك). (16)

 ويعلق الدكتور نديم السيار على كلام ابن كثير بقوله: (وهذه المقولة بيان واضح صريح بان اولئك المصريين القدماء في زمن يوسف (ع) كانوا موحدين غير مشركين). (17) .

 ونحن لانرى فيما قاله الدكتور نديم السيار دليلا على توحيد المصريين وعدم شركهم، كما مرّ معنا في مثال مشركي العرب الذين كانوا يؤمنون بالله خالقا ويشركون به اصنامهم في العبادة والاستعانة والتقرب اليه، (مانعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى) .

موسى والتوحيد

ذكر القران ايات كثيرة تنطق بتوحيد الله وتنزيهه على لسان موسى الكليم (ع) منها: قوله تعالى على لسان موسى (ع): (ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى) . (18) .، وقوله تعالى على لسان موسى (ع): (انما الهكم الله الذي وسع كل شيء علما). (19) . فلايمكن ان يكون هذا المستوى الرفيع من التوحيد اخذه موسى من اخناتون، كما زعم فرويد . وكذلك قول الله تعالى على لسان كليمه موسى: (وقال ان كنتم امنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين) . (20) .

الانبياء في مصر

ارض مصر تشرفت بقدوم عدد كبير من الانبياء، فقد ذكر ابن اياس قائلا: (قال الكندي في كتابه (فضائل مصر): (دخل مصر من الانبياء ثلاثون نبيا .. منهم ... واسماعيل ابن ابراهيم، نقل ذلك الشيخ جلال الدين السيوطي) . (21) .

النبي ادريس (ع)

وجاء ذكره في القران الكريم: (واذكر في الكتاب ادريس انه كان صديقا نبيا، ورفعناه مكانا عليا) . (22) .، اشهر ماقيل في نسبه: هو ادريس بن برد بن مهلايل، ويسمى اخنوخ، وينتهي نسبه الى نبي الله شيث بن ادم (ع)، وسمي ادريس ؛ لانه مشتق من الدراسة . قيل انه ولد في بابل في العراق، وقيل انه ولد في مصر . (23) .  (وللحديث صلة) .

 

زعيم الخيرالله

.....................

المصادر والمراجع

15- يوسف: الايات: (37-40) .

16- قصص الانبياء، ج1، ص 322 .

17- (قدماء المصريين اول الموحدين)، د. نديم السّيار، ص 91.

18- طه: الاية: 50 .

19- طه: الاية: 98 .

20- يونس: الاية: 84 .

21- (بدائع الزهور)، ص 129، نقلا عن (قدماء المصريين اول الموحدين)، ص 73 .

22- مريم: الاية: (56-57) .

23- نقلا عن موقع (اهل السنة والجماعة) .

mutham aljanabi2إن إحدى الصفات الجوهرية التي رافقت صعود عثمان بن عفان إلى سدة الحكم تقوم في أن المرجعية الوحيدة الجلية نسبيا آنذاك هي مرجعية الدين والدنيا. كما كانت في الوقت نفسه قابلة للتأويل غير المتناهي بسبب عدم تعين حدودها السياسية. وقد يكون ذلك هو السبب الذي أربك عثمان حالما اعتلى عرش الخلافة لإلقاء خطبته الأولى، بحيث ارتجّ عليه عقله وفؤاده ولسانه فعجز عن الكلام. بل جرى إدراجه إلى جانب "مآثره" الأخرى كونه "أول من ارتجّ عليه في الخطبة!" وذلك لأن عدم تعيين الحدود السياسية لعلاقة الدين بالدنيا بوصفها المرجعية الخفية للقيم النظرية والعملية الإسلامية الأولى، كانت تفسح المجال أمام اجتهاد فردي حر وصريح. وبما أن عثمان لم يكن يتمتع بهذه الصفات، إضافة إلى عمره الكبير الذي بلغ السبعين عند توليه الخلافة، لهذا ارتدّ عليه العمر وبالا، والاجتهاد إرباكا. أما النتيجة المباشرة فهي خطبة مبتورة. فعندما خرج إليه الناس ليسمعوا خطبته، فإنه لم يستطع أن يقول أكثر من عبارة واحدة هي: "أيها الناس! إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلّمنا الله!".

لقد كان الرجل بسيطا متواضعا مباشرا لا دجل فيه ولا مخاتلة. وعاش بعدها واستطاع أن يستجمع قواه ويخطب بعد أن تعلم ما لم يتقنه مسبقا. وقد أورد الطبري خطبته التي قال فيها:‏"‏إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه. فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم‏.‏ ألا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور‏.‏ اعتبروا بمن مضى‏.‏ ثم جدّوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم‏.‏ أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمرّوها ومتعّوا بها طويلا؟ ألم تلفظهم‏؟‏ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها. واطلبوا الآخرة، فإن الله قد ضرب لها مثلا والذي هو خير مثال، فقال (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تدروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا"[1]‏.

‏ ولا شيء في هذه الخطبة يمس الحياة والدولة والسياسة والعلاقة بالأمة أو علاقتها به. كما لا تحتوي على فكرة قانونية أو مشروع مستقبلي أو ترتيب للأولويات الكبرى. باختصار أنها اقرب ما تكون إلى كلمات العجائز أمام صغارهن، بوصفها عبارات محكومة بالحديث عن الأمور البديهية والشائعة كما لو أنها اكتشافا. وعادة ما تنسى هذه الذهنية أو تتناسى اشد الأمور جلاء أمام ذكريات الطفولة. ولا طفولة اقوي بالنسبة للذهنية التقليدية من علاقات "الدم". ففيها تتراكم حكايات الزمن الماضي وتأملات الأيام القادمة، وذلك لأن الوعي الذي يربطها لا علاقة له بالخيال المبدع. من هنا تصبح العلاقة بالأقارب مصدر كل شيء. وقد ميزت هذه الصفة شخصية عثمان بن عفان. وفيها يمكن رؤية سرّ مأزقه اللاحق وتعرضه لقتل الانتفاضة الإسلامية الأولى ضد السلطة.

فقد حوّل عثمان السلطة إلى بداية ونهاية الخلافة. من هنا إمكانية تطويع كل شيء لخدمتها. وليس مصادفة أن يقول مرة عندما اعترضوا على تصرفه الشخصي بالمال العام، بأنه خليفة! وبالتالي لم لا يحق له القيام بما يراه ويريده ويرغب فيه؟! وهو موقف يمكن إعادة ترتيب عبارته بطريقة أخرى تقول "أنا خليفة! إذن يحق لي القيام بكل ما أريده". لقد جعلت هذه الرؤية من الخلافة سلطة محكومة بالرغبة الشخصية بوصفها حقا، قلبت بصورة عاصفة حقيقة الفكرة الإسلامية والخلافة ومعناها الروحي والسياسي والتاريخي. إذ لا تعني "أنا خليفة، إذن يحق لي كل شيء"، سوى تحويلها إلى سلطة محكومة بالإرادة الشخصية والرغبة الفردية. وبما أن إرادة عثمان الخاصة لا عموم فيها لغيرها، من هنا فقدان الأبعاد الوجودية والروحية العامة المميزة للوحدانية الإسلامية في أبعادها المادية والمعنوية. وهنا يكمن جذر الانحراف التاريخي الهائل للخلافة، وكذلك منظومة القيم الأولية المتراكمة عن فكرة الدولة والسلطة بوصفها رشيدة راشدة. واتخذ هذا الانحراف هيئة "المنظومة المتجانسة" في ميادين العادات والعبادات، أي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والروحية. بحيث تحولت علاقات "الدم" والقرابة إلى الرابط الفعلي للتحكم. وهو سلوك ينبع من شخصية عثمان لا من رؤية سياسية مقصودة.

ومن الممكن أن نتخذ من قضية الوليد بن عقبة مثالا نموذجيا بهذا الصدد، لما له من أثر كبير في النقمة على عثمان. فقد جرى تولية الوليد بن عقبة واليا على الكوفة بعد المشاجرة التي حدثت بين الصحابيين سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود. فقد كان سعد بن أبي وقاص واليا على الكوفة في زمن عمر بن الخطاب. وعزله لأمور اتهم بها منها انه لا يحسن الصلاة، وأن الصيد يلهيه، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية‏.‏ لكنها "تهم لم تثبت". مع أن المشاجرة اللاحقة بينه وبين عبد الله من مسعود تكشف عن طبيعة الأبعاد الواقعية لهذه التهم. وليس اعتباطا أن يعزله عمر بن الخطاب ويولي عوضا عنه المغيرة بن شعبة. فلما ولي عثمان أقرَّ المغيرة بن شعبة على الكوفة لمدة سنة واحدة، ثم عزله واستعمل سعد بن أبي وقاص من جديد ثم عزله بسبب المشاجرة المذكورة أعلاه بينه وبين عبد الله بن مسعود. وسببها يقوم، كما تنقله لنا كتب التاريخ والسير، في استقرضه مالا من بيت المال عندما كان عبد الله بن مسعود مسئولا عنه. وعندما حان الوقت طالبه عبد الله بن مسعود بإرجاع المال، فإن سعد هدده وعيرّه قائلا:

- هل أنت إلا ابن مسعود عبد من هذيل‏؟‏‏!‏

- أجل والله! إني لابن مسعود وإنك لابن حمينة‏!

وشبت معركة كلامية بينهما انتهت بقطيعة، عزل بأثرها سعد بن أبي وقاص للمرة الثانية. وعوضا عنه، كما هو الحال في أماكن وأحوال عديدة أخرى، ولى عثمان أقاربه. إذ عيّن عوضا عنه الوليد بن عقبة. وهو أخو عثمان بن عفان لأمه. وكان معروفا عنه الظرف والمجون واللهو. وقد كانت تلك صفات تعادل بمعايير المعاصرة تحرره من قيود التزمت الديني والرياء الأخلاقي، لكنها صفات حالما تصبح جزء من السلطة وشخصياتها، فإنها تتحول بالضرورة إلى كارثة كبرى. إضافة لذلك، إن تاريخه "الروحي" يتميز بمعايير الإسلام الأول بصفات سيئة. فمن المعروف عنه أن أبوه عقبة ابن أبي معيط وضع سلا الجزور على ظهر النبي وهو ساجد. كما كان معروفا عنه عداءه الشديد للنبي محمد والإسلام. أما الوليد نفسه فقد أسلم يوم الفتح. كما أنه الشخص الذي "نزلت به" الآية القرآنية (أن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)، أي تصويره بالفسق. وذلك بسبب أن النبي محمد بعثه مصدقًا إلى بني المصطلق فعاد وأخبر عنهم أنهم ارتدوا ومنعوا الصدقة. أما في الواقع فإنه خاف من خروجهم الجماعي إليه إذ توجس منهم شرا!! وانكشفت حقيقة الأمر حالما بعث إليهم النبي محمد خالد بن الوليد[2]. إضافة لذلك إنه كان متهما بشرب الخمر. وتروى عنه الحادثة الطريفة التالية، كيف أنه سكر وصلى الصبح بأهل الكوفة أربعا! ثم التفت إليهم وقال‏:أزيدكم‏؟‏ وشهدوا عليه عند عثمان، فأمر عليا بجلده، فأمر علي جعفرا فجلده[3]‏.‏ وترتب عليها عزله عن ولاية الكوفة.

أخذت هذه العملية بتوسيع وتعميق فكرة وأنموذج السلطة في سلوك الولاة والخلافة لا فكرة الدولة. لهذا حالما يصل والي الكوفة الجديد سعيد بن العاص، فإن أول ما قام به هو طلبه قبل إلقاء الخطبة بغسل المنبر قائلا: اغسلوا هذا المنبر! فإن الوليد كان رجسا نجسا! ولم يصعده حتى غسل. وبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال‏‏:‏"والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد بدا إذا أمرت أن ائتمر! إلا أن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها والله لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني، وإني لرائد نفسي اليوم!‏"[4]‏‏. ولازم هذا التهديد بني أمية إلى أن أنهك قواهم. غير أن المعارك الصغيرة التي ابتدأت بالوليد بن العقبة سوف لن تنتهي إلا بمقتل عثمان، بوصفها الجولة التاريخية الكبرى التي جعلت من السلطة محور الخلافة. لقد كانت خطبة سعيد بن العاص إنذارا وتهديدا. أنها على عكس ما في شخصية الوليد بن عقبة، لكنهما يكملان احدهما الآخر في وعي وإحساس الجمهور الكوفي (العراقي) لأنهما وجدا فيهما تخليفا لا على حق.

فقد كان أهل الكوفة (العراق) وغيرهم يتحسسون ويدركون طابع العلاقة والقرابة في تعيين الولاة الجدد في كل مكان مع وجود من هو أفضل وأنقى وأعقل وأصلح وأصدق منهم. مما جعله مصدر التذمر، الذي يعادل من حيث الجوهر معارضة الخروج على منطق العقل والحق. مما أدى إلى تراكم نفسية وذهنية الروافض، أي القوة الأكثر اجتماعية وإنسانية ودفاعا عن مبدأ العدل والعدالة والحق. وفيها أيضا كانت تتكامل فكرة التحزب السياسي والفكري والدعوة للانتفاض. وليس مصادفة أن يكتب سعيد بن العاص الأموي إلى عثمان كتابا يقول فيه‏:‏‏"‏إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات السابقة. والغالب على تلك البلاد روادف قدمت وأعراب لحقت، حتى لا ينظر إلى ذي شرف وبلاء من نابتتها ولا نازلتها‏"‏.

بعبارة أخرى، لقد وجد هذا الأمير الأموي الجديد في الجمهور الكوفي رعاعا وغوغاء (أو روادف قدمت وأعراب لحقت) لا يحترمون كثيرا "ذوي الشرف والبلاء". وتعكس هذه المواقف طبيعة "العلاقة الإسلامية" الجديدة بوصفها جاهلية قبلية وعائلية لا علاقة لها بفكرة الأمة ومساواتها أمام القانون كما وضع الإسلام الأول أسسها ومرجعياتها الكبرى. وقد أيّد عثمان هذا الموقف في رده قائلا:"‏أما بعد، ففضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسببهم تبعا لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به. وأحفظ لكل منزلته. وأعطهم جميعا بقسطهم من الحق‏.‏ فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل‏‏‏". لكنه موقف متذبذب. بمعنى انه يحتمل تفسيره بمعايير السلطة البحتة والقانون. وذلك لأنه يحتوي بقدر واحد على الاثنين. غير أن المزاج العام للعائلة الأموية التي أخذت تتركز في مرافق السيطرة في كل مكان أدت إلى سيادة فكرة السلطة. وبالتالي تحويل القيم والمفاهيم والمبادئ بما فيها "مأثرة" جمع القرآن وتوحيد قراءته التي قام بها عثمان، إلى جزء من بسط السلطة الموحدة بالعائلة والقرابة وليس بالكفاءة والحق. من هنا سياسة الوالي الجديد للكوفة المتوجهة صوب "وجهاءها" من اجل كسبهم، ومن خلالهم إخضاع البقية الباقية. فقد جمع سعيد بن العاص وجهاء الناس من أهل الأيام والقادسية وخاطبهم قائلا:"‏أنتم وجوه من وراءكم‏!‏ والوجه ينبئ عن الجسد! فأبلغونا حاجة ذي الحاجة، وخلة ذي الخلة، وأدخلوا معهم من يحتمل من اللواحق والروادف‏"‏‏[5].

إننا نقف هنا أمام آلية جديدة في تعامل السلطة مع المكونات الجديدة للإمبراطورية. بمعنى استعادة وبعث الجاهلية القبلية. لكن مفارقة الظاهرة تقوم في أن الخليفة عثمان لم يعمل في الواقع إلا على استعادة جاهلية جديدة ولكن بمعايير السلطة. وقد هزّ هذا الانتقال العاصف أعطاف الدولة وجعل من الانتفاض أمرا طبيعيا وضروريا. وكل فعل تقوم به السلطة يصب أساسا في إذكاء النار المحترقة تحت رماد المدن الجديدة المتراكمة من هؤلاء "الروادف والأعراب"، بوصفهم قوة الصعود البشري والاجتماعي والفكري الجديد للأمة الإمبراطورية. فقد جعل والي الكوفة الجديد سعيد بن العاص من القراء (أو القصاصين) جزء من سمره الليلي. وهي خطوة ملازمة لصيرورة الدولة والإمبراطورية. لكنها أدت، شأن كل عملية كبرى ومعقدة إلى أن تصبح ليس فقط وسيلة الترفية الارستقراطي، بل وأداة الانتقال الخاطف للأفكار والقيم والمفاهيم والقيل والقال. لهذا فشت المقالة في أهل الكوفة! وليس مصادفة أن يرى فيها عثمان بن عفان بداية نشوء الفتن. بعبارة أخرى، إن السلطة بدأت تتحسس في مقالات الناس وآراءهم وسمرهم الليلي حول الحكايات والنوادر والقصص مصدر الخطر الجديد. إذ لا لذة أشد وأقرب إلى قلوب الناس عامة من استهداف السلطة وترفها. مما جعل منها وقود الاستياء، التي كانت سياسة عثمان بن عفان تشحنها بقوة لا تهدأ كما لو أنها تتلذذ بمعاييرها الخاصة: الفقراء يشكواهم والأغنياء بثرواتهم! واستعملت السلطة كل الأساليب الممكنة بما في ذلك شراء الذمم، كما فعل عثمان عندما اشترى لأهل الحجاز واليمن أراضي وتوزيعها عليهم بما يقابلها في أماكنهم. ذلك يعني أنه أراد حماية سلطته الجديد بقوة المال والبشر المنتفعة بتوزيع العطايا الصغيرة عليهم على حساب المناطق النائية.

 غير أن ما ينفع الحجاز لا ينفع بالضرورة وحدة الدولة الناشئة. كما إنه لا يشكل بحد ذاته ضمانة لتعزيز السلطة واستحسان أفعالها. على العكس. لقد تحولت هذه السياسية الآخذة في الرسوخ إلى عامل إثارة عنيفة. لهذا كثرت الشكوى والاعتراض والهجاء والنقد. وقد تكون الأبيات التالية الصيغة العادية التي اختزلت معالم الاعتراض والنقد الواسع الانتشار بين أهل الكوفة، والقائلة:

بلينا من قريش كل عام أمير محــدث أو مستشار

لنا نار نخوّفهـا فنخشى وليس لهم فلا يخشـون نار

ويحتوي هذا الموقف النقدي بقدر واحد على أبعاد سياسية وأخلاقية نابعة من القلب. فأهل الكوفة يتأملون الوافدين عليهم باسم الإسلام ولا إسلام فيهم غبر الخضوع للسلطة ومزاجها. وقد كان هذا التكرار والتنوع والتعدد يصب في اتجاه واحد، ألا وهو خلوه من نار الروح الأخلاقي. فإذا كانت نار أهل الكوفة هي نار ذاتية أخلاقية، فنار أهل السلطة برودة القلب القارصة. وأدت هذه الرؤية، على خلفية تراكم الرذيلة السياسية والأخلاقية والانحطاط الروحي الذي ميز خلافة عثمان، إلى تعميق وتوسيع وتنظيم فكرة الاحتجاج السلمي والعنيف. وحدد هذا الاتجاه مسار الدولة والسلطة، التي تحولت في زمن عثمان وبأثر سياسته إلى قوى مغتربة ومتصارعة ومتضادة. فقد كانت مرحلته بداية الفساد والإفساد الشامل، يمكن العثور على صداها في التراكم السريع للاحتجاج الاجتماعي الذي تجسد مرة في شخصية عامر بن عبد الله التميمي، الذي أرسله جمهور المسلمين بعد أن تذاكروا أعمال عثمان. حيث اجتمع رأيهم على إرسال احدهم يكلّمه ويخبره بما يروه فيه. وقد جرت المحادثة بينهما كما ترويها كتب التاريخ بالشكل التالي:

- إن ناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما، فإتق الله عز وجل، وتب إليه، وانزع عنها‏.‏

- انظروا إلى هذا!فإن الناس يزعمون أنه قارئ؟! ثم هو يجيء فيكلمني في المحقَّرات، فوالله ما يدري أين الله‏!

- أنا لا أدري أين الله‏؟‏!

- نعم، والله ما تدري أين الله‏!‏

- بلى والله! إني لأدري أن الله بالمرصاد لك!!‏[6].‏

لقد كان جواب التميمي مباشرا عميقا بديعا دقيقا مفحما ممتلئا بالإخلاص لقيم المروءة والحق والعدالة. لكنه يبقى ثانويا مقارنة بما فيه من انفصام منظومي عميق بين قوى السلطة والدولة، وتهشم المعنى الروحي للخلافة. فالتميمي يتكلم باسم المسلمين الذي اجتمعوا ونظروا بعقولهم وأفئدتهم وتقدموا بآراء بمواقف مهمتها تعديل الأمور والتوبة والكفّ عن أعمال يعتقدون أنها منافية لمضمون الفكرة الإسلامية. وكانت هذه المواقف أقرب إلى النصيحة السياسية بوصفها التزاما وواجبا دينيا من جانب المسلمين تجاه ولاة الأمور. وعوضا عن الإجابة عليها نقف أمام تحريف للكلام ومضمونه وحرفه صوب انطباع شخصي لا معنى له ولا قيمة. فعثمان يردد ما سمعه عن مهنة الذي يواجهه كما لو أنها مهنة حقيرة. وليست مهنة القارئ سوى المثقف بالمعنى المعاصر للكلمة! لكنه انطباع يكشف عن المواجهة الأولية بين السلطة والمثقفين، بوصفهم القوة القادرة على قراءة الكتاب والواقع. وإذا كان سؤال عثمان يعني بالنسبة له أن معرفة الله تجعل المرء عفيفا من أن يواجه عثمان بالمحقرّات، فإن مضمونه الواقعي يشير إلى مستوى الاغتراب التام للسلطة عن حقيقة القيم والمفاهيم. لاسيما وأن رفع النفس إلى مصاف القيمة المطلقة تتجافى مع أبسط مقومات الواقع والحقيقة والفكرة. غير أن عثمان كان يفهم من سؤاله معناه المباشر. وعندما استغرب التميمي سؤال عثمان، فإن الأخير تشجع للدرجة التي جعلته يتمادي في سؤاله المباشر. وجاء الجواب بطريقة مباشرة وأقرب إلى الحدس في دقته وعمقه: إن الله له بالمرصاد!

وبينما كان التميمي ينقل الله من المكان إلى مستوى القيمة الروحية والأخلاقية والحقوقية المتسامية، فإن عثمان بن عفان يجهد نفسه للبقاء ضمن نفسية السلطة المغتربة عن فكرة الدولة والحق العام. بل لم تخل حتى محاولات "رجوعه للحق" من مناورة محكومة برخاوة الشخصية وضعفها. وليس مصادفة أن نراه يستغل كل الإمكانيات بما في ذلك استطلاع الأخبار والتأثير عليها بطريقة "الاتصالات العامة" الحديثة من خلال استغلال الموقع السياسي وثروات الأمة. فقد كتب، على سبيل المثال، في رسائله التي وجهها إلى مختلف الأمصار، بأنه سوف يأخذ العمال بموافاته كل موسم. وأنه سيعمل حسب قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبالتالي فإنه لا يرفع عليه شيء ولا على أحد من عماله إلا وأعطاه. وليس له ولعياله حق قبل الرعية إلا وهو متروك لهم. وإن أهل المدينة قد اخبروه بأن أقواما يشتمون ويضربون، فمن ادعى شيئا من ذلك فليوافيه الموسم يأخذ حقه سواء كان ذلك منه أو من أحد عماله. وهي مبادئ ومواقف ضمنّها اغلب رسائله العامة. مما أثارت استحسان الناس. لكنها كانت ظاهرية المظهر دهائية الباطن. إذ رافق هذه العملية الموجهة للجمهور سلوكا مبطنا أو داخليا موجها لعماله وذوي الرأي والمشورة، ممن يتمتع بتأثير مادي ومعنوي في الدولة. ومن الممكن نقل إحدى الصور المعبّرة بهذا الصدد، التي اشترك فيها من عماله كل من سعيد بن العاص (والي الكوفة السابق) ومعاوية بن أبي سفيان (والي الشام) وعمرو بن العاص (والي مصر السابق) وعبد الله بن عامر. فكانت مواقفهم ونصائحهم السياسية في بداية الأمر هي كالتالي: اعتقد سعيد بن العاص، بأن من الضروري إتباع سياسة التحضير السري للمواقف والأفكار من خلال رميها عند من لا يعرفها لكي تكون الشغل الشاغل للمعارضة في أحاديثهم. أما عبد الله بن سعد‏ فقد اقترح أن يقايض العطاء بالأخذ، بوصفها سياسة أفضل من أن يجري ترك الأمور تجري على مجاريها. في حين اقترح معاوية سلوك ما اسماه بحسن الأدب معهم. أما عمرو بن العاص، فقد اعتقد، بأن عثمان قد لان كثيرا وتراخى عنهم. من هنا مطالبته إياه بأن يسلك سلوك عمر وأبي بكر من الشدة في موضع الشدة، واللين في موضع اللين. وربط التشدد تجاه من لا يألو الناس شرا، أما اللين فتجاه من يخلف الناس بالنصح. ‏وإذا كانت هذه الآراء والمواقف معقولة ومقبولة بمعايير الرؤية السياسية، فإن حقيقتها تكشفت حالما اشتدت الأزمة وظهرت إمكانية تعرضهم لنفس خاتمة عثمان. ففي لقاء آخر يجمع عثمان مع عبد الله بن عامر ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن سعد وعمرو بن العاص نسمع مواقف أخرى أكثر تشددا وخبثا. فقد وضع عثمان السؤال بطريقة أخرى تجمع بين النصيحة والمواجهة السياسية للجميع. حيث قال: صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا إليَّ أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليَّ‏"‏‏.‏ فقال له عبد الله بن عامر:"رأيي يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمهرهم في المغازي حتى يذلّوا لك فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه، وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه‏"‏‏. واقترح معاوية أن يرد عماله على الكفاية لما قبلهم وهو يضمن له نفسه. في حين أجاب عبد الله بن سعد:"إن الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليهم قلوبهم‏"‏‏. أما عمرو بن العاص فقال:"‏أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعدل! فإن أبيت فاعتزم أن تعتزل! فإن أبيت فاعتزم عزما وأمض قدما‏"‏‏.‏ عندها قال له عثمان:"‏ما لك! قمل فروك!‏‏ أهذا الجد منك‏؟!‏‏"‏‏.‏ فسكت عمرو حتى إذا تفرَّقوا قال‏ له:‏‏"‏لا والله يا أمير المؤمنين! لأنت أعز عليَّ من ذلك‏.‏ ولكني قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل منا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي، فأقود إليك خيرا أو أدفع عنك شرا‏"‏‏[7].‏ (يتبع...)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] ‏‏الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص 589-590.

[2] ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 2، ص476‏‏‏.‏

[3] ‏السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 123‏‏.

[4] ‏ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص5.

[5] ‏‏ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص5.‏‏

[6] الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج 2،ص 643- 645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص 39-42‏.

[7] الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج 2،ص643-645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص39- 42‏.

 

jafar alhakeemالسريالية كلمة فرنسية الأصل وتعني (ما فوق الواقع) وهي تعبير عن مكنونات العقل الباطن بطريقة يعوزها النظام والمنطق، وهي منهج ثقافي في مجالي الأدب والفن الحديث، وتعتبر طريقة من طرق الابداع في نطاق الفن والادب

لكن هذا المنهج يتحول الى وسيلة لتسويق الوهم، حين يستخدم في نطاق شرح او تأويل نصوص لها علاقة مباشرة بالمعتقدات والتفسيرات اللاهوتية.

يستعرض العهد القديم من الكتاب المقدس، في اول اسفاره والموسوم بسفر (التكوين) قصة الخلق، ابتداءا من خلق الارض والسماء، ومن ثم خلق الحيوانات والنبات، وخلق الانسان الاول، بجنسيه الذكر والانثى، ثم يتسلسل بسرد قصة أول خطيئة للإنسان، وطرده من جنة عدن، ويستمر السفر في سرديته، التي تصف تسلسل الأحداث التي واجهها (ادم و حواء) وابنائهم على الارض لاحقا.

إن القارئ لسفر التكوين، وخصوصا اصحاحاته الثلاثة الاولى، سيتعرف بلا ادنى شك على طفولية الفكر الإنساني في تلك الفترة التاريخية المبكرة، حيث تطغى الصبغة البدائية على التصورات الساذجة لمنظومة الأفكار والمعتقدات التي حاول كاتب او كتبة هذا النص تأصيله! (البعض ينسب كتابته الى موسى والبعض ينسبه لعزرا الكاتب بلا دليل تاريخي موثوق).

وبعد مرور مئات السنين، ومع تحول هذه السردية الى نص مقدس، اصبحت امام اللاهوتيين المتصدين لشرح ونشر العقيدة المستندة الى هذا النص مشكلة كبرى! فهذه النصوص بما تحويه من تصورات بدائية في المخيال الطفولي للمدونين، اصبحت لا تتوائم مع تطور الفكر الانساني ونضوج الوعي واتساع المدارك والتصورات المستندة الى الحقائق، فكان لزاما والحال هذه، ان يلجأ اللاهوتيون الى اسلوب ومنهج جديد، من اجل ادامة زخم القداسة والفخامة الاعتبارية لتلك النصوص، وبناءا عليه، تم استحداث ما يعرف بـ(الهرمنيوطيقا)

ان منهجية تفسير النصوص، موجودة في كل الاديان التي تستند الى نصوص مقدسة، لكن ما يميز التفسيرات اللاهوتية للنصوص التي تتعاطى معها المسيحية بالذات (الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد) هو استغراقها في الخيالية السريالية، وتحميل النصوص معاني وتأويلات، لا تحتملها، مع عدم الخضوع لأي ضابط منطقي او فلسفي، وبلا اي اعتبار لظواهر تلك النصوص!

في هذا المقال، سنستعرض الإصحاح الثالث من سفر التكوين، كدليل على الكلام المتقدم، مع الاشارة الى اهمية هذا السفر، لأنه يؤسس لتأصيلات مهمة جدا في العقيدة المسيحية، مثل خطيئة الانسان الاول، والعلاقة بين الإنسان والشيطان، وهذه التأصيلات سوف تستند عليها العقائد الرئيسية للمسيحية، مثل عقيدة الفداء والتجسد.

وادعو جميع القراء، الى قراءة هذا الاصحاح، ليس فقط، من اجل اهميته المذكورة أنفا، وانما ايضا، لما يحتويه هذا النص من طرافة ممتعة، نتيجة غرابة التناقضات التي يحتويها !

بعد ذكر قصة خلق السماء والأرض، وخلق الإنسان الأول، وزوجته، واسكانهم في جنة عدن، وبعد ان طلب الله منهما ان لا يأكلا من احدى الاشجار، لان العقوبة على هذا العمل ستكون الموت.

يبدأ الاصحاح الثالث من سفر التكوين، بذكر (الحية) ويصفها بأنها (احيل) جميع الحيوانات البرية المخلوقة، ثم يتطرق الاصحاح الى قضية اغواء الحية للمرأة، وتشجيعها على الأكل من الشجرة المحظورة، بعد ان اخبرتها، بان هذه الشجرة سوف تجعلهما يميزان بين الخير والشر، وانهما لن يموتا في حال أكلا من تلك الشجرة.

اكلت المرأة من ثمر الشجرة، وأعطت رجلها، فأكل هو الآخر، فكان العصيان الاول للامر الالهي!

وفورا، انفتحت عيونهما، وادركا انهما عراة، فحاولا ان يسترا نفسيهما باوراق الاشجار، وبعد ذلك...

(وسمعا صوت الرب الاله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبا ادم و امراته من وجه الرب الاله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الاله ادم و قال له اين انت؟!!!!

فقال سمعت صوتك في الجنة فخشيت لاني عريان فاختبأت

فقال من اعلمك انك عريان هل اكلت من الشجرة التي اوصيتك ان لا تاكل منها؟!!!) سفر التكوين 3

وبعد ان اكتشف الاله، حدوث الخطيئة، أقام ما يشبه المحاكمة الفورية السريعة، لشخصيات الحدث الثلاثة فكانت عقوبة الحية

(لانك فعلت هذا ملعونة انت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية على بطنك تسعين و ترابا تاكلين كل ايام حياتك)

وعقوبة المرأة ...( تكثيرا اكثر اتعاب حبلك بالوجع تلدين اولادا والى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك!!)

اما الرجل، فكانت عقوبته ان الارض اصبحت ملعونة بسببه، وان سوف يحيا عليها، بالتعب والكد من اجل تحصيل لقمته

ويذكر النص ايضا، ان الاله قرر ان يجعل عداوة ابدية بين نسل الحية ونسل المرأة، وهذا القرار الالهي سوف نتوقف عنده مليا في المقال القادم، لانه يمثل اولى النبوءات، المتعلقة بيسوع المسيح حسب التفسير المسيحي لهذه القصة!!

و من خلال استعراض تسلسل احداث الاصحاح الثالث، سنكتشف تناقضات طريفة وغريبة!

على سبيل المثال، نجد ان الحية كانت صادقة حين اخبرت ابوينا عن طبيعة الشجرة، وانهما لن يموتا اذا اكلا منها!

وقد تحقق بالفعل، ما قالته الحية، حيث اصبحا عارفين للخير والشر، ولم يموتا بعد ان أكلا من الشجرة

وهنا نجد المفسرين، قد وقعوا باضطراب وحيرة، فقام كل فريق بمحاولة ايجاد تفسير مغاير لمعنى الموت الوارد في النص

بعض المفسرين، حاول التبرير، بان المعنى هو ان الموت سيكون النتيجة النهائية للانسان، وانه بعصيانه الأمر قد تم حرمانه وذريته من الخلود في الجنة!

وهذا القول مردود، وغير صحيح، لان نفس النص المقدس، يخبرنا، بان الإله قرر طرد ابوينا من الجنة لانهما اصبحا يعرفان الخير والشر، وانهما قد يأكلان من شجرة الخلود فيصبحا خالدين مثل الاله!!!

 (وقال الرب الاله هوذا الانسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر والان لعله يمد يده وياخذ من شجرة الحياة ايضا و ياكل و يحيا الى الابد!!) تكوين 3/22

بعض المفسرين، اضطروا للخروج من هذه الاشكالية، الى تفسير الموت الوارد بالنص على انه موت روحي!!

وهذا تأويل متكلف، لا يحتمله ظاهر النص، وان كان فيه هروب من المأزق!

ونجد ايضا في النص، امر اخر، لافت وغريب، وذلك فيما يخص عقوبة المرأة، حيث نجد ان القرار الإلهي جعل لعنة العقوية على المرأة أبدية، وشملت أوجاع ومعاناة الحبل والولادة، وكذلك ستتسبب لعنة العقوبة بجعل المرأة في حالة اشتياق دائم الى الرجل( وليس العكس!) وان الرجل سيكون سيدا ابديا عليها !

ونلاحظ هنا، ان هذه العقوبة او اللعنة لم تقتصر فقط، على (حواء) وانما امتدت لتشمل كل النساء اللواتي من نسلها (رغم أنهن لم يقترفن الذنب) ونلاحظ ايضا، ان هذه العقوبة جاءت في صالح الرجل في بعض جوانبها !!

ومع استعراض محاكمة وعقوبة شخصيات الحدث( الحية، المرأة والرجل) يبرز هنا تساؤل مهم جدا وهو:

اين الشيطان في القصة التي تمثل الحدث الأخطر في تاريخ البشرية؟!

القارئ لنصوص الأصحاحات الاولى لسفر التكوين، لن يجد أي ذكر للشيطان، حتى في قصة خطيئة الإنسان الاولى، والتي تسببت في طرده من الجنة، ليس هناك اي ذكر او اشارة للشيطان!!

حيث يذكر النص بشكل واضح وصريح ان الحية هي السبب في غواية الانسان، وانها نتيجة لذلك نالت عقوبتها!!

ان هذا التساؤل المهم جدا، دفع اللاهوتيين الى البحث عن تأويلات سريالية لغرض تفسير هذا الخلل الواضح في القصة!

ولم يجدوا حلا، الا من خلال الادعاء بأن الحية هي مجرد رمز للشيطان!

ان هذا التفسير اللاهوتي، قد اوقع اصحابه في مأزق أكثر حراجة وضيقا من المأزق الاصلي!

فلو قبلنا ان (الحية) المذكورة في القصة، هي مجرد رمز للشيطان، وليس المقصود منها ذلك الحيوان المسكين!

ولو قبلنا ايضا، تفسير بعضهم، ان الشيطان قد تسلل للجنة متجسدا بشكل الحية، ولم يعلم الاله بهذه الخدعة!

فكيف يفسر لنا اللاهوتيون، حقيقة ان الافعى( الحية) هي التي اكلت العقوبة، ولا زالت الى يوم الناس هذا تأن تحت وطأتها!

فحيوان الافعى (الحية) لا زالت تزحف على بطنها، ولم يخبرنا الكتاب المقدس، كيف كانت الحية تسير قبل هذه الحادثة؟

هل كانت تطير مثلا؟ او كان لها أقدام تمشي عليها؟ قبل ان يعاقبها الاله بالزحف وأكل التراب !!!

وعندما يرجع القارئ الى تفسيرات اللاهوتيين المسيحيين لهذا النص (القدماء منهم والمعاصرين) سيجد تشكيلة عجيبة من التنطعات التأويلية من اجل اضفاء واقعية عليه وجعله يتسم بالمصداقية التي تتسق مع العقل والمنطق والحقائق!

فمثلا، عندما يتطرق المفسرون الى خرافة ان عقوبة الحية هي ان تأكل التراب طوال عمرها!

نجدهم يحاولون ايجاد مخرج لهذه الخرافة الغير قابلة للتصديق، فتارة يقول بعضهم ان المعنى هو ان الحية تأكل طعامها مخلوطا بالتراب!...وكأن بقية الزواحف لا تأكل طعامها الا بعد ان تغسله بالماء والصابون!!

وتارة اخرى، يقول اخرون، ان معنى التراب هنا هو اقتراف الاثم! من غير ان يوضح اي اثم يرتكبه حيوان الافعى بزمننا!

وسواء قبلنا ان المقصود ب(الحية) هو الشيطان او قبلنا ان المقصود هو الافعى (الحيوان)، تبقى الحقيقة الطريفة في هذه القصة التوراتية، ماثلة و لاتتأثر، وهذه الحقيقة تتلخص في ان الشيطان (الفعلي) نجا من العقوبة، وخرج من القصة سالما

بعد ان لبست (الحية) بدله، التهمة، وحملت العقوبة الى الابد!

وأمام حقيقة تناقض هذا النص وبدائية فكرته المستندة على تصورات ومشاهدات ساذجة، تعامل اللاهوتيون المسيحيون مع هذه الاشكالية، على طريقة الهروب للأمام، من خلال إضفاء تفسيرات سريالية باهتة، في محاولة لإضفاء نوعا من الإيحاء الرمزي بمعاني باطنية عميقة، لكي يستفيدوا منها في تركيب احجار البناء العقدي للايمان المسيحي، وتحويل هذا النص الطفولي في الفكرة والبناء، الى أساس لعقيدة مبنية على خيال مغلف بقداسة مصطنعة، قائمة على تلاعب باللفظ والمعنى!

وللحديث صلة….

 

حوارات في اللاهوت المسيحي (27)

د. جعفر الحكيم