بدر الدين شيخ رشيدمقاربات بين رؤيتي الباقلاني والشريف المرتضى:

«كل خلاف وقع بين المسلمين- سواء في الفقه، أو في التفسير للقرآن، أو في فهم السنة النبوية الشريفة- منشؤه وسببه الخلافة».محمد التيجاني السّماوي التونسيّ[1]. 

 إن خلاف الإمامة بين الأشاعرة والإماميّة يدور بين «النص» و«الإختيار»، حيث إن النص يقصد عند الإمامية، أن تعْيِيْن الإمام يكون إما من الرسول أو من الإمام الذى قبله. وأن مفهوم إختيار الإمام عند الأشاعرة، يعنى أنه مفوض إلى أهل«الإجماع».

 وبناء على هذه الجدليّة حول إشكالية النص والإختيار، نفت الأشاعرة أدلة الإماميّة التي إستدلت بها على إمامة علي بن أبى طالب بعد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إعتبرتها أدلة ظنية لا تفيد اليقين والقطع من ناحية الدلالة. بينما إعتبرتها الإماميّة نصوصا تدل على إمامة علي رضي الله عنه.

 فالتحقيق في هذه الجدلية بين الأشاعرة والإمامية سوف نلقى الضوء على بيان ضوابط التفرقة بين مفهوم الدليل اليقينىّ وبين مفهوم الدليل الظنىّ عند بعض متكلمي الأشاعرة والإماميّة؛ لأن جدليّة النص عندهما تدور مدى إفادة تلك الأثار التى تستدل بها الإماميّة، على إمامة علي بن أبي طالب بعد النبي صلى الله عليه وسلم اليقين أو الظن.

 إن مناقشة تلك الجدليّة سوف نختار رؤية إمامين من أئمة الأشاعرة والإماميّة وهما الإمام الباقلاني[ت:403ھ1012م]، من الأشاعرة والإمام شريف المرتضى[ت:436ھ/1044م]، من الإمامية.

 إن كلمة «اليقين» تأخذ معنى «الصدق والحقيقة»، وهي تفيد قطعية الدلالة في النص عند الأصوليين، حيث يقابله ظنيّ الدلالة الذي يأخذ معني الشك، وإن كان بينهما (الظن والشك) فرق عند أهل الأصول إذ إن الظن يدخل في دائرة «التصديق» غير أنه تصديق غير جازم. فالتصديق غير الجازم، إذا كان راجحا هو: الظن، والمرجوح هو:الوهم، والمساوي هو: الشك[2].

 هذا وقد حدد الشيخ السبحاني أصول اليقين في كتابه: «المدخل إلى العلم والفلسفة والإلهيات، نظرية المعرفة»، حيث قال:« إن التَعَرُفَ على ما وراء الحسّ يحصل في ظل البرهان، وهو مركب من اليقينيات، وأصولها ست: الأوليّات، والمشهدات، والتجريبيات، والحدسيات، والمتواترات، والفطريات»[3]. 

 مفهوم الخبر عند الباقلاني[ت:403ھ/1012م].

 تعريف الخبر :

 عرفّ الإمام الباقلاني الخبر بأنه:« ما يصح أن يدخله الصدق أو الكذب»، أى ما أحتمل الصدق والكذب بإعتبار قائله، وذلك:« متى أمكن دخول الصدق أو الكذب فيه، كان خبرا، ومتى لم يكن فيه، خرج عن أن يكون خبرا، وبهذا الإختصاص، فارق الخبرُ، ما ليس بخبر من الكلام، وسائر الذوات التى ليست بخبر»[4].

 أقسام الخبر عند الإمام الباقلانى:

 قسم الإمام الباقلاني الخبر إلى ثلاثة أقسام:

خبر «الضرورات»، وهوما يعرف «بالأوّليات»، وهو كل خبر ثابت، إقتضت ثبوته بضرورات العقول، وإدراك الحواس، حيث قامت الأدلة على ذلك من أمره؛ مثل: الخبر عن وجود ما ندركه ونشاهده بحواسنا. والخبر عن إمتناع الضدين، وكون الجسم في مكانين معا.....وما جرى مجرى ذلك من كل أمر ثبت العلم بصحته إستدلالا ونظرا. وهذا الخبر لا يقع إلا صدقا من قديم ومحدث، ومؤمن وكافر، وعدل وفاسق، وجماعة وآحاد، لثبوت مخبره وصحته[5].

 الخبر عن محال ممتنع، إما بقضية الحواس والضرورات، أو بما قام عليه من الحجج والدلالات؛ مثل الخبر عن عدم ما نشاهده، وكونه على خلاف صفة ما ندركه عليه، وكذلك الخبر عن قيام الأموات، وقلب العصا حيات، وإنقلاب دجلة ذهبا، والخبر عن وجود ضدين في محل واحد، وكذلك كون الجسم في مكانين. وكل ماجرى مجرى ذلك فهومعلوم ببطلانه وإستحلالته، بقضايا الحواس، وموضوع العادات، وأوائل العقول والضرورات[6].

الأخبار عن الإمكانيات في العقل، نحو الإخبار عن مجيء المطر، بالبلد الفلاني، وموت رئيسهم ورخص سعرهم، والأخبار عن المتعبدات، نحو الإخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم، على إمام بعده، وعلى الحج والصلوات والعبادات، وغيرها من التعبدات في الشريعة. فهذا القسم يمكن أن يكون صدقا ويمكن أن يكون كذبا. ويميز حال الصدق من الكذب، حسب ما يوجب الدليل من أمره. فإن قام الدليل على أنه صدق قطع به، وإلا قطع ببطلانه وكذب ناقله. وإن عُدِمَ دليل صحته ودليل فساده وجب الوقف في أمره، وتجويز كونه صدقا و كونه كذبا. أما إذا وقع الخبر على الممكن، ككونه من الله أومن الرسول، أو ممن أخْبِرَ عنه، أنه لا يكذب في خبره، أومن جماعة أسندوا ما أخبروا عنه إلى مشاهدتهم، ليثبت التواتر بمثلهم، قطع بصدقهم. وكذلك كل خبر عن جائز قام الدليل على صدق نقلته[7].

 خبر التواتر وإستحالة كذبه عند الباقلاني:

 يستحيل العادة بالتواطؤء على الكذب بالعدد الذى يثبت بهم التواتر. وذلك، أن العادة لم تجر إجتماع قوم يبلغ حد التواتر، ثم تواطؤوا بنقل الكذب عن مشاهدة، ولا عن كتمان ما هم عالمون به من غير ظهور الحديث به بينهم والإقرار، إذا خلوا بأنهم كتموا وتشاعروا لعلة دعتهم إلى ذلك؛ لأنه لايجوز أن يستمر بهم ترك ذلك والخوض فيه والحديث به زمانا طويلا، أو الأبد حتى لا يعلم في حالهم، أنهم قد إفتعلوا وإن جاز ذلك على الواحد والإثنين منهم[8].

 صفات أهل التواتر عند الباقلانى:

 ذكر الإمام أبى بكر الباقلاني صفات أهل التواتر، حيث إعتبرها أربع صفات:

أن يكونوا عالمين بما ينقلونه علم ضرورة، واقعا عن مشاهدة أو سماع، أو مخترع في النفس من غير نظر ولا استدلال، وإلا لم يقع العلم بخبرهم.

أن يكونوا عددا يزيدون على الواحد والإثنين والثلاثة والأربعة.

أن يكون العدد الناقل في الخبر متساويا بالكثرة في كل طبقة، حيث يقع العلم بخبرهم ضرورة.

 إذا كان النقل خلفاء عن سلف، ولسلفهم سَلَفٌ، لابد أن يكون أول خبرهم كآخره، ووسط ناقليه كطرفيه فى أنهم قوم يثبت بهم التواتر، ويقع العلم بصدقهم، إذا نقلوا عن مشاعدة[9].

 مفهوم الخبر عند السيد المرتضى[ت:436ھ/1044م]:

يرى السيد شريف المرتضى أن مفهوم الخبر الذي يفيد العلم هو: ما توافر الشروط التالية:

أن ينتهي في الكثرة إلي حد لا يصح معه أن يتفق الكذب على المخبر الواحد منها. وهذه الكثرة تشمل جمبع الطبقات.

أن يعلم أنه لم يجمعها على الكذب جامع من تواطؤء وما يقوم مقامه.

أن يكون اللبس والشبهة زائلين عما أُخْبِرَ عنه[10].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم:

 ...............................

[1] السماوي، د/ محمد التيجاني السّماوي التونسيّ، لأكون مع الصديقين، المؤسسة الجامعية للدرايات الإسلامية، (بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ص60.

[2] - الرازي، معالم أصول الدين، تحقيق، طه عبد الرؤوف سعد، دار الكتاب العربي، لبنان بيروت، (دون رقم الطبعة والتاريخ) ص22.

[3] - السبحانى، المدخل إلى العلم والفلسفة والإلهيات، نظرية المعرفة، بقلم، حسن محمد مكى العاملى، المركز العالمى للدراسات الإسلامية‘ط1/1411ھ ص251.

[4] - الباقلانى، التمهيد، تحقيق محمد الحصرى، ومحمد عبد الهادى، دار الفكر العربي، بيروت لبنان، (بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص160.

[5] - المصدر السابق، ص 160-161.

[6] - المصدر السابق، ص 160-161.

[7] - المصدر السابق، ص 160-161.

[8] - المصدر السابق، ص162.

[9] - المصدر السابق، ص163-154.

[10] - الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي، الشافي في الإمامة، تحقيق، السيد عبد الزهراء، الحسيني الخطيب، وبمراجعه، السيد فاضل الميلاني، ط2/1407ھ/1986م، ج2/68.

 

ميثم الجنابي"الأنبياء أطباء أمراض القلوب"

(الغزالي)

النبوة مصدر الاخلاص التام في العمل 

كان مفهوم الرؤية وحقيقة النبوة عند الغزالي، المقدمة المناسبة لفكرة الإمداد والاستمداد النبوية. فبما أن النبي هو المثال الملموس للحقيقة النبوية، من هنا اضمحلال الفرق بالنسبة للأنبياء حول ما إذا كانوا في دار الدنيا أو الآخرة[1]. بمعنى بقاء المثال المحسوس والمجِّسد للحقيقة النبوية، باعتبارها الواسطة المعقولة بين التاريخ الدائم والعابر. الأمر الذي يحدد مصدريته الدائمة لاستمداد العارف. وذلك لأن "تقرّب الملائكة بروحه المقدسة بعد موته ازيد في تقربهم به في حال حياته"[2]. ولا تعني هذه الصياغة في منظومته عن النبوة سوى الإمكانية غير المتناهية لمقامات النبوة المكتسبة، والتي تشكل الحقيقة النبوية مصدرها المشع للعارفين بعد موت النبي. وبهذا المعنى تصبح الملائكة، باعتبارها جواهر المعرفة الصوفية، وسيلة الاتصال بالحقيقة النبوية[3].

وبهذا يكون الغزالي قد فسح المجال أمام إمكانية النبوة المكتسبة، التي صاغت التقاليد الصوفية السابقة له أغلب عناصرها، وبالأخص فكرتها القائلة، بأن كرامات الأولياء هي بدايات الأنبياء[4]. وحاول أن يجد لهذه الفكرة تمثيلها المناسب في شخصية محمد ما قبل النبوة وبعدها. فقد اعتبره في بداية أمره، أو في أول حاله، حسب عبارات الصوفية، ولياً. وهي الحالة التي كان يمثلها سلوكه ما قبل البعث عندما كان يقبل على جبل حراء ليخلو فيه بربه ويتعبده حتى قالت العرب: أن محمدا عشق ربه[5]. وسوف يشرح ابن عربي هذه الفكرة بما اسماه بذوق الإنزال في التنزيل، بمعنى إتباع الولي النبي في فهم حقائق التنزيل. لأن التنزيل (والشرع الجديد المطلق) مغلق بينما باب التنّزل بالعلم (المعرفة) أو باب النزول الروحاني بالعلم ليكون على بصيرة في دعائه (مفتوح). وبالتالي لا يعني "لا نبي بعدى" سوى استحالة وجود نبي على شرع يخالف شرعي. فالنبي الحقيقي هو من يكون على شريعة محمد (شريعة التوحيد الخالص). مما يعني عدم انقطاع مقام النبوة. وسوف يدقق الغزالي مضمون هذه الفكرة وعباراتها في (الإملاء على مشكل الإحياء)، في معرض دفاعه عن فكرة سهل التسترى القائلة، بأن "للنبوات سرّ لو انكشف لبطل العلم". حيث فسر فكرته هذه بمعنى انه لا يعرف النبوة بالحقيقة إلا النبي. وحالما ينكشف سرّها للعارف، آنذاك "يبطل العلم في حقه بارتفاع المحنة له بالأمر المتوجه عليه بطلبه والبحث عنه والتفكر فيه[6]. آنذاك يكون العارف "كالنبي إذ سئل عن شيء. ولو وقعت له واقعة لم يحتج إلى النظر فيها، ولا إلى البحث عنها، بل ينتظر ما تعود؟ من كشف الحقائق بإخبار ملك أو ضرب مثل يفهم عنه أو اطلاع على اللوح المحفوظ، أو القاء في روع"[7].

ذلك يعني، إن بلوغ العارف هذه الدرجة يحوله إلى التجسيد الشخصي الواقعي للنبوة الفاعلة. وهي الدرجة التي لا يجري نيلها عن طريق البحث أو التعلم أو الطلب، بل هي الصيغة المتنوعة للمنح الإلهية. أنها الدرجة أو المقام الذي يلازم سلوك الصوفي في معراجه الروحي. وهذا بدوره ليس إلا الطريق الذي يبلغ به العارف أو يستمد منحه على قدر تذليله منازل الطريق ومقاماته. وبالتالي لا يعني بلوغ الغاية دون طلب أو تعلم أو بحث سوى غياب الحوافز العندية واضمحلالها في بواطن المساعي الخالصة نحو المطلق. من هنا فكرة الغزالي الرادعة لطلب المقام الأعلى باللسان. بمعنى دعوته إلى ضرورة الرجوع عن مقام النبوة بصيغة "لا تتخطوا رقاب الصديقين"، أي عدم وجود مقام فاصل بين الصديقية والنبوة والذي أطلق عليه ابن عربي  عبارة "مقام النبوة المطلقة". بينما اطلق عليها الغزالي عبارة "مقام القربة". غير انه ترك الباب مشرعا، رغم اغلاقه إياه بعبارة "النبوة باب مغلق". لقد رفض هو بلوغ مقام النبوة بطلب اللسان ولهذا كرر مطلب عدم تخطي رقاب الصديقين. وأكد على إمكانية بلوغ أعلى المراتب بوحي الجنان. من هنا قوله أن المراتب هي مواهب يكرّم الله بها من يشاء، أي كل ما يتطابق مع حقيقة الصوفي ومساعيه العملية. فهي "مراتب الصدق في العلم، وبركات الإخلاص في العمل"[8]. ومن هنا استنتاجه القائل، بأن من "لم يرث من علمه وعمله المفترض عليه فطلبه والعمل به شتان من هذه المعاني، فليس في شيء من الحقيقة وإن كان حقا. غير أن حاله معلول. أما مفتون بدنياه أو محجوب بهواه"[9].

شكلت هذه الأفكار المقدمة الكبرى في ممارسة الغزالي العملية. إذ لم تعد النبوة فعلا متقطعا مازال مصدرها الحق الدائم مرتبطاً بالحقيقة النبوية. وبما أن  هذه الحقيقة في منظومته الفكرية هي وسيلة تجلي  وتطبيق الخير المطلق وإدراك حقيقة الوجود في تجلياته غير المتناهية، لهذا اتخذت صيغة الأداة الفاعلة للتغيير والإصلاح. الأمر الذي حدد تأسيسه الفكرى لما يمكن دعوته بإعادة الاعتبار الفاعل لحقيقتها، وكل ما يمكنه أن يكون مقدمة الفعل الصالح. بمعنى محاولة ربط الكينونة التاريخية للنبوة بمثالها الصوفي من خلال إعادة النظر بما اسماه بفتور الاعتقادات في أصل النبوة وحقيقتها والعمل بما شرحته النبوة نفسها. واستمد إدراكه لأسباب فتور الاعتقاد بالنبوة من تجربته الفكرية الخاصة. وبهذا يكون قد ظل أمينا في تجانسه لرؤية الأمور انطلاقا من تجربته العلمية والعملية (النظرية والأخلاقية)، التي عكست بدورها إدراكه الخاص لواقع الخلافة التاريخي وآفاقه. لهذا نظر إلى أسباب الفتور بها كأعراض متفرعة عن خوض الخائضين في علم الفلسفة وطريق التصوف والباطنية والمتكلمين والفقهاء. فالفلاسفة ومن اتبعهم ادعوا إدراكهم لحقيقة النبوة من علم الفلسفة. فقد وضع الفلاسفة في دحضهم للتقليد مطابقة الحكمة والمصلحة  وحقيقة النبوة. بمعنى أنها نظرت إلى النبوة نظرتها إلى وسيلة ترتيب الامور الحياتية والأمن بوضع حدود النظام الاجتماعي بما يكفل ضبط العوام. في حين أن الإدراك العقلي الخاص قادر بحد ذاته على وضع "حجر التكليف" وإتباع الحكمة كما هي. وقد وجد في هذه الآراء أحكاما خادعة زاد من قوتها ضعف اعتراضات مخالفيهم ضد علوم الفلسفة الدقيقة في المنطق والعلوم الطبيعية. بينما انخدع القسم الآخر بضلالات بعض المتصوفة القائلين بالإباحية وترك تكاليف الشريعة. في حين قيدت الباطنية حرية العقول انطلاقا من مقدماتها الصحيحة بحد ذاتها عن واقعية اختلاف الناس في الفكر، واستنتاجاتها الخاطئة عن عدم الثقة بالرأي. إذ وجد في هذه الفكرة المتشككة استنتاجا لا حجة له ولا دليلاً مقنعاً. اذ كيف يمكن أن يدعي المرء اليقين بالشك؟ أما "الموسومون بالعلم" من الفقهاء والعلماء، فإن أعمالهم من أكل أموال اليتامى والتهافت على القضاء والخضوع للسلطان وأخذ الرشوة قد أفسدت هيبتهم في أوساط العوام والخواص.

ووجد في إنكار الفلاسفة أصل النبوة أفكارا تستند إلى براهينهم التقليدية في الطبيعيات والإلهيات. وهي براهين مبنية، كما يقول في (المنقذ من الضلال) على أساس "تصورهم الأمور على قدر ما وجدوه وعقلوه، وما لم يألفوه قدّروا استحالته"[10]. فهم يقرون بلسانهم النبوة ويطابقون أوضاع الشرع على الحكمة (الفلسفة). انهم يجحدون النبوة بالعقل رغم إيمانهم الظاهرى بها. في حين إن الإيمان بالنبوة كما يقول الغزالي، هو الإقرار بطور ما وراء العقل، وإن الإنسان يستطيع به رؤية ما لا يستطيع العقل بحد ذاته أن يراه، تماما كما لا يستطيع البصر إدراك الصوت والسمع واللون والحواس والمعقولات. بينما رد على الإباحية في (إحياء علوم الدين) و(كيمياء السعادة) وعلى التعليمية الباطنية في (القسطاس المستقيم). في حين تناول في ردوده على الفقهاء والمتكلمين قضية الإصلاح الأشمل للجميع بفعل إدراجهم في أوساط الاتجاهات الأخرى، تماما بالقدر الذي يشكل الفلاسفة والباطنية والمتكلمون فقهاء وعلماء. لقد أراد القول بأن خطأ العلماء في أفعالهم لا يمكنه أن يكون أساسا ملزما لخطأ فكرة النبوة، بما في ذلك في حالة دفاعهم عنها. وسعى في الوقت نفسه إلى إعلاء شأنهم من خلال تحديد مهمتهم الحقيقية في العلم والمعرفة، باعتبارهما مقدمة للعمل. حيث وضع في هذه الوحدة العلمية العملية حوافز الإصلاح الشامل، بفعل إدراكه قيمة العلماء وأهميتهم باعتبارهم ورثة الأنبياء. لاسيما وأن معرفة العالم حجة عليه في خطئه وصوابه، حسنه وقبحه[11]. وذلك لأن العالِم الحقيقي، بنظر الغزالي، لا يقترف معصية إلا هفوة، ولا يصرّ عليها. فالعالِم الحقيقي يدرك حقيقة المعصية باعتبارها سما مهلكا. وذلك لأن العلم الحقيقي هو الذي يزيد صاحبه خشية وخوفا ورجاء. فالمؤمن هو ليس من لا يخطئ. أنه ممن لا ينفك عنه البشر. ولا يدل في الوقت نفسه على ضعف الإيمان. وأن المؤمن "مفتنن توّاب، بعيد عن الإصرار والإكباب"[12].

لقد أدرك  الغزالي موقفه الحقيقي باعتباره داعية ومفكرا متجردا عن مآثر السياسة والسلطة. غير أن تجرده المباشر عن مهمات السياسة المباشرة وتركيزه على قضايا الفكر، لا يعني ابتعاده عن الواقع الاجتماعي المعاصر له. على العكس! لقد أراد أن يثير شعلة الفكر من جديد بما في ذلك من خلال إعادة  النظر بقيم النبوة وفاعليتها الكامنة، باعتبارها المصدر المافوق اجتماعي وسياسي، والكيان الخاطف للحقيقة المطلقة والمتجردة عن تطرف المصالح العابرة. ولم يعن ذلك في الواقع سوى صياغة فكرة الرجوع إلى وحدة المبدأ لا تنوع المصالح. ولهذا السبب يمكن فهم سرّ استعماله لمفاهيم أسباب الفتور والعلاج باعتباره جوهر النبوة العملية. انه وضع أمام نفسه مهمة الإصلاح الشامل. أما النبوة فقد كانت وسيلتها الاجتماعية الروحية الحقيقية. ونعثر على كل ذلك في تصويره الشيق لمعاناته الفكرية الروحية في (المنقذ من الضلال)، عندما اشار إلى ما اسماه بملاحظته ومتابعته في خلوته عن ضعف إيمان الخلق. ووجد نفسه في هذه الحالة مشغولا بمهمة الكشف عن أسبابها وإزالة الشبهات عنها. لاسيما وأن تجربته النظرية، كما يقول عن نفسه، قد اهّلته بالشكل الذي لم يجد معه صعوبة في خوض الجدل الفكري مع الجميع من فلاسفة وباطنية وفقهاء وصوفية. فقد كان هذا الجدل بالنسبة له "أيسر من شربة ماء"[13].

إن التأمل العميق في الشبهات والأسباب القائمة وراء فتور الإيمان بالنبوة والانشداد إلى قضايا الأمة في دينها ودنياها هو الذي أدى، كما يقول في (المنقذ من الضلال)، إلى أن تنقدح في أعماقه رغبة الإعلان المباشرة عن شخصه الإصلاحي. وأن يجد فيه مصيره المحتوم. فقد كانت أعماقه تخاطبه بعباراتها الصريحة قائلة "أتغنيك الخلوة والعزلة وقد عمّ الداء ومرض الأطباء وأشرف الخلق على الهلاك؟ ثم قلت في نفسي متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة ومصادقة هذه الظلمة والزمان زمان الفترة والدور دور الباطل. ولو اشتغلت بدعوة الخلق عن طرقهم إلى الحق لعاداك أهل الزمان بأجمعهم، وأنى تقاومهم فكيف تعايشهم"[14]. لقد كان الغزالي يدرك حقيقة التضحية وقيمتها، وأن خوض الصراع يستلزم تضافر القوة والمناسبة. وهو ما عبّر عنه بالكلمات التي خاطب بها نفسه قائلا "لا يتم ذلك إلا بزمان مساعد وسلطان متدين قاهر"[15]. أما تردده الأولي فقد كان مرهونا بضعف الحجة لحالها. ويعكس هذا الإدراك حالة المفكر الكبير في أطوار "الزمن السيء" وأحواله، وكل ما أدى إلى نقل أفكاره وتفكيره إلى ميدان المعاناة الذاتية. غير انه سرعان ما استحلها إلحاح السلطة وسلطانها "المتدين القاهر" ابتداء بالتدريس وإنتهاء بالدعوة الشاملة للإحياء. وهي المهمة التي استجابت لبواعث قناعاته الذاتية. بحيث لم يجد في طلب السلطان وإلحاحه سوى حركة "قدّرها الله".

فالقدر الذي أوصله إلى تحريك "يد القدر الالهية" في ذاته والسلطان، لم يعن تاريخيا سوى الالتقاء الأكثر مناسبة لوعي قيمة المآثر الفاعلة في قوة الفكر والسياسة. فقد كانت هذه القيمة في إصلاحيتها. وجرى وعي هذا التضافر في تقاليد الثقافة الإسلامية وقرونها الخمسة السالفة. إذ لم ذلك مجرد تكرار لما مضى، بل  والاستعادة الحية لما في مبدأ الوجود الإسلامي الإصلاحي من طاقة لا تنفد، والتي سجلها الحديث الموضوع  القائل، بأن الله وعد بإحياء دينه على رأس كل مائة سنة. من هنا، لم يكن تطابق واعزه الداخلي مع إرادة السلطان مجرد ألعوبة بيد القدر العمياء، أو رغبة الأموات العابرة، بل الفعل الدائم لوعي الحقيقة النبوية ووحيها التاريخي. تماما كما كان الحال بالنسبة لنموذجها الأرقى:محمد! فهو الذي أدى به إلى أن  لا يجد مبررا للخلوة مازالت القناعة واليقين قد بلغا درجة لا معنى معه للانعزال والخلوة. ووجد في ذلك اختيارا واختبارا جديدا له. إذ لا معنى لطلب عزّ النفس وصونها من الأذى مع إدراك استحالة تحقيق الحق  والحقيقة دون تضحية وشقاء. وجعل هذا الإدراك من التجربة النبوية لمحمد مثال استمدادها الحقيقي المعاصر. فقد خاطب القرآن النبي بعبارات "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ ولقد فتنا  الذين من قبلهم"، و"لقد كذّبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا. ولا مبدّل لكلمات الله". و"إنما ننذر من أتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب". لقد واجه الغزالي "الخطاب الإلهي" في تطويعه الإصلاحي. فهو لم يبحث فيه عن ملاقاة الأزل بالمعاصرة، بل عن وحدة التاريخ الفاعلة في إدراك مصلحتها. فهو الوارث الحق لحقيقة النبوة، أو نبي عصره. وذلك لأن وارث النبي، كما يقول في (الإملاء على مشكل الإحياء) إنما "ورث العلم ليتحمل بعمله ويحل فيه كلمة. والنبي لا ينطق عن الهوى. وحكم الوارث فيما ورث حكم الموروث فيما ورث عنه. فما عرف فيه الحكم من فعل الموروث عنه امتثله، وما لم يصل إليه فيه شيء كان له اجتهاده"[16].

لقد لازم هذا الإدراك انهماكه الفعلي في حركة الإصلاح والتجديد على رأس المائة الخامسة للهجرة. وفعله لم يعد نتيجة لرغباته الفردية ولا توظيفا لنوازع وجوده الشخصي، بل التجسيد الحق لحقيقة النبوة. بمعنى استمداده حقائق المبدأ المطلق لا المصالح العابرة. وقد حلّت هذه الحالة في ذاته مبادئ الكل الإسلامي للدرجة التي كان بإمكانه أن يتلوع فيها كما لو انه "قلب بين أصابع الرحمن". بحيث أدى به  للقول "اني  لم اتحرك ولكنه حركني. واني لم أعمل ولكنه يريني الباطل باطلا ويرزقني اجتنابه"[17]. وبهذا يكون قد ألغى النبوة من طوفانها على ألسنة الدعاة والمتكلمين، والوعاظ والأدباء، وأبقى عليها في حقيقتها باعتبارها منهلا للفعل الحق. انه كبّل حريته بالحق، مما أعطى لأفعاله حرية استمدادها الدائم من حقائق النبوة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

[1] الغزالي: المضنون به على غير أهله، ص124.

[2] الغزالي: المضنون به على غير أهله، ص152.

[3] للملائكة موقعها المتميز في منظومة الدين الماورائية والعملية. وهو موقع يحدده في الأغلب ثقل المضامين الرمزية المميزة لها في الثقافة. وعموما يمكننا القول، بأن لكل ثقافة ملائكتها الخاصة، باعتبارها المكونات المثالية الدائرة في فلك مبادئها الكبرى. وبهذا المعنى كانت ملائكة الثقافة الإسلامية هي الاجزاء الكبرى المكونة لروحها الماورائي والعملي. أما تعددها أو ثقلها الرمزي في وعيها الاجتماعي فهي الصفة الملازمة لثقل الميتافيزيقيا والأخلاق. من هنا تباين قدرتها وندرتها في منظومات الفكر الإسلامي ونظمه الأخلاقية. وعندما تطرق إليها الغزالي باعتبارها جواهر قائمة بحد ذاتها، فلأنها مثلت في منظومته القوى المثالية للمثال أيضا. فهو يتكلم عنها في (إحياء علوم الدين) باعتبارها قوى حيوية وذهنية ومادية كامنة في الأفعال الحيوية والذهنية والمادية للإنسان والكون. انه طابقها مع الصلات أو الروابط أو الذرات الفاعلة وراء كل ما هو موجود. وقدم في (إحياء علوم الدين) مثالا لذلك على علاقة البدن بالغذاء، قائلا:"إن معنى الغذاء أن يقوم جزء من الغذاء مقام جزء. وذلك الغذاء يصير دما في آخر الأمر ثم يصير لحما وعظما. وإذا صار لحما وعظما تم اغتذاءوك. والدم واللحم اجسام ليس لها قدرة ومعرفة واختيار. فهي لا تتحرك بأنفسها ولا تتغير بأنفسها. ومجرد الطبع لا يكفي في ترددها في أطوارها، كما أن البرّ لا يصير طحينا، فكذلك الدم لا يصير لحما وعظما إلا بصنّاع. والصناع في الباطن هم الملائكة، كما إن الصناع في الخارج هم أهل البلد".  (الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص120.)

[4] لا يغير من ذلك شيئا ذكره في كتاب (الإملاء عن إشكالات الإحياء) ورفضه لآراء أولئك الذين "زل بهم الأمر" فقالوا بإمكانية اكتساب النبوة. وذلك لأن رده هنا كان موجها ضد آراء المعارضة المستهزئة. وإذا كان الغزالي لا يقول صراحة بالنبوة المكتسبة، فإنه فسح المجال أمامها من خلال تأسيس عناصرها الأساسية. إضافة لذلك، إن حديثه عن زلل القائلين بها هو التأسيس الأكثر صرامة لمتطلباتها في منطق الطريق الصوفي.

[5] الغلزالي: المنقذ من الضلال ص142.

[6] الغزالي: الإملاء عن إشكالات الإحياء،ص40.

[7] الغزالي: الإملاء عن إشكالات الإحياء،ص40.

[8] الغزالي: الإملاء عن إشكالات الإحياء،ص40.

[9] الغزالي: الإملاء عن إشكالات الإحياء،ص40.

[10] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص162-163.

[11] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص168.

[12] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص169.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157.

[14] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157-158.

[15] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص158.

[16] الغزالي: الإملاء عن إشكالات الإحياء،ص40.

[17] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص160.

 

محمود محمد علييعد "الفارابي" من أوائل الفلاسفة العرب الذين أدركوا قيمة اللغة وضرورة الإحاطة بها لامتلاك ناصية العلوم المختلفة. وعرف الباحثون والمهتمون بالفكر الفلسفي الإسلامي "الفارابي"، وأدركوا مكانته وأثره في علم الخالدين من أسلافنا بما ترك لنا من مآثر في التراث الفلسفي العربي في مجالاته ومناحيه من فلسفة إلهية، وطبيعية وسياسية وأخلاقية ومنطقية، لكنهم لم يعرفوه كعالم لغوي استطاع أن يطوع اللغة لسائر الأغراض المنطقية والفلسفية والعلمية .

ارتحل "الفارابي" من موطنه إلى بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، عندما بلغ الأربعين من عمره عام 300 هجرية، وكانت بغداد آنذاك مركزاً للحضارة العربية، فعكف على دراسة الطب والموسيقى والفلك والرياضيات وتعلم اللغة العربية وتبحر في النحو والبلاغة وتتلمذ على يد "ابن السراج "، المعروف بتوفيقـه بين مدرستي الكوفة والبصرة في النحو واتصل بالأدباء واللغويين في عصره كالتوحيدي والسجستاني، وأتاح له ذلك ثقافة لغوية عميقة انعكست آثارها على ما تركه لنا من مؤلفات طوع فيها العربية لأنماط مختلفة من المعرفة، بحيث باتت مفرداتها لا يستعصي عليها معنى من المعاني في علوم عصره ومعارفه .

كما تلقى الفلسفة والمنطق على يد جهابذة هذا العصر أمثال "يوحنا بن جيلان"، و"متـي بن يونـس"، اللذين ترجما أكثر كتب التراث اليوناني، حتى تمخضت حياته في عاصمة الخلافة عن نشاط فكري لامع في حقول التأليف والشرح والترجمة في شتى فروع الحكمة والمنطق والسياسة والأخلاق، ليس هذا فحسب، بل إن مصنفاته الفلسفية والمنطقية يبدو فيها الأثر الواضح للعلم اللغوي ككتاب "الألفاظ المستعملة في المنطق"، و كتاب "التنبيه على السعادة "، وكتاب "أيساغوجي"، وكتاب "القياس الصغير"، ثم كتاب "الحروف"، الذي يعد موسوعة لغوية عميقة المعنى .

حاول الفارابي أن يقوم بدور المصلح ما بين المناطقة والنحاة، فقد سمع بالجدل الذي دار بين "متي بن يونس" و" أبو سعيد السيرافي"، عن الادعاءات الكونية التي أفصح عنها مؤيدوا المنطق حينما أعطوا للنحو مكانة ثانوية، حيث كان في بغداد في ذلك الوقت، وكان يعرف مناصري ذلك الجدل: وقد درس معه "يحي بن عدي" تلميذ "متي"، وكانت تربطه علاقة علمية وثيقة مع شيخ "أبو سعيد السيرافي" وهو " أبو بكر بن السراج "، حيث كما ذكرنا من قبل أن الفارابي "كان يتلقى عليه النحو، وأنهما اتفقا علي ضرورة الاستفادة من قواعد المنطق في خدمة النحو " ، قال ابن أبي أصيبعة:" وفي التاريخ أن الفارابي كان يجتمع بأبي بكر بن السراج فيقرأ عليه صناعة النحو وابن السراج يقرأ عليه المنطق ..". وحسب أحد المصادر أخطأ ابن السراج في جمهرة من النحويين وعنفه صاحبه بشدة: " فقال قد ضربتني يا أبا اسحق وأدبتني وأنا تارك ما قد درست مذ قرأت هذا الكتاب يعني كتاب سيبويه، لأني تشاغلت عنه بالمنطق والموسيقي، والآن أنا أعاود" .

ومهما يكن صدق هذه الرواية، فليس من شك في أن النحويين كانوا ينظرون للمنطق والنحو علي أنهما متضادان، بينما حاول الفارابي أن يؤسس العلاقة بين العلمين، وقد ساعده علي ذلك معرفته الواسعة باللغة العربية واطلاعه علي اللغة الإغريقية جعله يعي الفروق بين اللغات، وقد اشتغل فعلاً بمقارنتها مع بعضها من وجهة نظر عالم المنطق، حيث إن المعاني التي تعبر عنها اللغات المتنوعة كونية، بيد أن الطريقة التي تعبر لغة معينة عن هذه المعاني تكون مختلفة .

علاوة علي أن مصاحبته لابن السراج النحوي كانت تمثل جزءاً أساسياً من برنامجه، الذي كان يهدف إلي عقد المصالحة بين العلمين وتجنب الأخطاء التي اقترفها "متي بن يونس" في جدله مع " أبي سعيد بن السيرافي"، وعندما سأل "أبو سعيد " "متي بن يونس"، عن معاني حرف الجر " في " في اللغة العربية، فإن جهله بالعبارات المتنوعة التي يستخدم فيها الحرف "في" في اللغة العربية قد أبطل ادعاءاته بالمصداقية الكونية للمنطق .

وكان الفارابي يود أن يبين أن ادعاءات الفلاسفة له ما يسوغه طالما أن نفاذ بصيرتهم إلي قواعد العبارات، ربما أسهم في دراسة اللغة العربية . ولكي يؤسس لهذا الادعاء وهو ملائمة المنطق لدراسة النحو، فقد طور نظرية أصل اللغة من وجهة نظر عالم المنطق، وقد كشف فيها عن إدراكه للفروقات ذات العلاقة بين اللغات بوجه عام، وبين اللغة الإغريقية واللغة العربية بوجه خاص . وبخلاف " متي بن يونس"، الذي كان يرغب في الاستحواذ علي الحقل المعرفي الجديد ذي الأصول الإغريقية، كان هدف الفارابي أن يدمج الحقلين ببعضهما بمستوي أعلي . وترتبط هذه السمة في تفكير الفارابي من غير شك بمبدأ الكونية لديه وقناعته بأن المنطق لا بد أن يتعامل مع شئ ما يتخطي مجال أية لغة معينة ويكون مشتركاً بين جميع اللغات.

ومن بين الأسئلة اللغوية التي كانت تشغل بال الفارابي، كما كانت تشد اهتمام مفكري عصره، تلك الأسئلة التي عكستها المناظرة التي كانت بين "أبي سعيد" و"متي بن يونس ". ولم تكن هذه المناظرة التي انتصر فيها "أبو سعيد " علي "متي" مناسبة لبلوغ الصراع أشده بين البيان منهجاً ورؤية وبين المنطق الوافد علي الثقافة العربية الإسلامية، منهجاً ورؤية . إنها كانت إعلاناً عن بلوغ الصراع أوجه بين منطق البيان ومنطق البرهان . لقد كان لا بد إذاً من بناء تصور شامل يتم في إطاره، وبالاستناد إليه ترتيب العلاقة بين المنهجين والرؤيتين: بين النحو والمنطق من جهة، وبين الفلسفة والملة من جهة أخري، وتلك هي المهمة المضاعفة التي اجتهد الفارابي في القيام بها .

وهنا راح الفارابي  يجيب في العديد من مؤلفاته علي الأسئلة التي لم يتمكن "متي  بن يونس" من الإجابة عنها أو أجاب عنها إجابة غير مقنعة، لذلك وجدنا "أبو نصر"، يثير في أكثر من مناسبة علاقة النحو بالمنطق، ويتعرض في كتاب (الحروف) لمعاني الحروف ومواقعها، وأصل اللغة ونشأتها، وعلاقتها بالفلسفة والملة، ونشأة علوم اللسان والصنائع العملية والقياسية، ومسألة الترجمة ونقل المعاني من لغة إلي أخري، واختلاف اصطلاحات اللغات ومواضعاتها، ودلالة الألفاظ علي المعاني، وعلاقة الشكل اللفظي بالمعني العقلي يدحض بكل ذلك ما ادعاه "أبو سعيد" من أن المنطقيين لا يصرفون عنايتهم إلي اللغة التي يتحاورون بها ويدارسون أصحابها بمفهوم أهلها .

ونجد أكثر المعالجات انتظاماً للعلاقة بين المنطق والنحو في كتاب آخر للفارابي وهو " إحصاء العلوم"، حيث يضع الفارابي النحو ضمن منظومة العلوم . وحسب رأيه فإن للنحو دوراً مهماً يؤديه، وربما ليس من قبيل المصادفة أن نجد في تصنيفه للعلوم أن يحتل النحو الموقع الأول، ثم يتبعه المنطق، وعلي الرغم من أنه لا يخفي أفكاره المتعلقة بكونية المنطق مقارنة بخصوص النحو، إلا أن الفارابي لا يقع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه "متي بن يونس "، عندما قلل من شأن النحو والنحاة، بل إن للعلمين مكانتهما الخاصة التي لا يمكن إنكارها .

ومن هنا أخذ الفارابي يولي الألفاظ بالأسبقية على المعاني، فيقول:" إن صناعة النحو التي تشتمل على أصناف الألفاظ الدالة لابد أن تكون مقدمةً أو مدخلاً في الوقوف والتنبيه على أوائل هذه الصناعة (المنطق)، بل وينبغي على المنطقي أن يتولى بحسن تعديد أصناف الألفاظ التي من عادة أهل اللسان الذي به يدل على ما تشتمل عليه هذه الصناعة، إذا اتفق إن لم يكن لأهل ذلك اللسان صناعة تعدد فيها أصناف الألفاظ التي هي لغتهم" .

ولم يكتف بذلك، بل يصرح أن اللغة أسبق من الفكر، فيقول: "إن علم اللغة يعتبر مدخلاً أساسياً حتى لعلم المنطق ذاته "، ومن ثمَّ يضع علم اللغة أول العلوم، وقد سماه "علم اللسان"، ثمَّ يليه علم المنطق، ثمَّ باقي العلوم الأخرى". ويُعد الفارابي بشهادة بعض الباحثين "أول من رأي أهمية علم اللغة لدراسة المنطق، وهو يشير إلى علم اللغة بفروعه المختلفة من نحو، وصرف، وكتابة، وقراءة، ويعطي مبحثًا في أنواع الألفاظ، وقواعد كل نوع ".

ولذلك خصص الفارابي القسم الأول من كتابه " إحصاء العلوم" لتعريف علم اللسان فيقول:" علم اللسان في الجملة ضربان: أحدهما حفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما وعلم عليه شئ منها، والثاني علم قوانين تلك الألفاظ، وعلم اللسان عند كل أمة ينقسم سبعة أجزاء عظمي: علم الألفاظ المفردة، وعلم الألفاظ المركبة، وعلم قوانين الألفاظ عندما تكون مفردة، وقوانين الألفاظ عندما تركب، وقوانين تصحيح الكتابة، وعلم قوانين تصحيح القراءة، وقوانين الإشعار " .

ما يهمنا من هذا التعريف أنه كان النواة التي انطلق منها الفارابي ليبين التناسب القائم ما بين صناعة المنطق وصناعة النحو، فهو يشير في التعريف إلي (الألفاظ) و( القوانين)، وإن العلاقة بينهما بما فيها من تلازم وتكامل تمثل العلاقة بين صناعة النحو وصناعة المنطق التي تعتمد علي التداخل وتبتعد عن التعاند والتنافر، يقول:" فصناعة المنطق تعطي بالجملة القوانين التي من شأنها أن تقوم العقل وتسدد الإنسان نحو طريق الصواب ونحو الحق في كل ما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات . وهذه الصناعة تناسب صناعة النحو، ذلك أن نسبة صناعة المنطق إلي العقل والمعقولات كنسبة صناعة النحو إلي اللسان والألفاظ، فكل ما يعطينا علم النحو من القوانين في الألفاظ، فإن علم المنطق يعطينا نظائرها في المعقولات، وتناسب علم العروض، فإن نسبة علم المنطق إلي المعقولات، كنسبة العروض إلي أوزان الشعر" .

والنتيجة أن النحو ضروري في ميدانه كما أن المنطق ضروري في ميدانه، يقول الفارابي:" قول من زعم أن المنطق فضل لا يحتاج إليه إذا كان يمكن أن يوجد في وقت ما إنسان كامل القريحة لا يخطئ الحق أصلاً من غير أن يكون قد علم شيئاً من قوانين المنطق كقول من زعم أن النحو فضل إذ قد يوجد من الناس من لا يلحن أصلاً من غير أن يكون قد علم شيئاً من قوانين النحو، فإن الجواب في القولين جميعاً واحد " .

إن هذا الكلام هو رد مباشر علي ما ادعاه "أبو سعيد السيرافي" في مناظرته مع "متي بن يونس"، من أن المنطق لا حاجة إليه، وأن المعرفة باللغة العربية ونحوها تغني عنه . لذلك رأي الفارابي أن حل هذه المشكلة يكمن أولاً في ترتيب العلاقة بين النحو والمنطق من حيث علاقة كل منهما باللفظ والمعني، وهذا الترتيب سيؤدي إلي حسم النـزاع، وقد لجأ الفارابي إلي معالجة المسألة من زاوية الخصوص والعموم . فالنحو خاص لأنه يتعلق باللغة، واللغات عديدة مختلفة، وبالتالي فإن لكل لغة نحوها . أما المنطق فهو عام لأنه يتعلق بالعقل، والعقل واحد لدي الناس جميعاً، يقول: " المنطق يشارك النحو بعض المشاركة بما يعطي من قوانين الألفاظ، ويفارقه في أن علم النحو إنما يعطي قوانين تخص ألفاظ أمة ما، وعلم المنطق إنما يعطي قوانين مشتركة تعم ألفاظ الأمم كلها ".

ويبرر الفارابي ذلك بأنه " توجد في ألفاظ الأمم أحوال مشتركة من جهة أن الألفاظ منها مفردة ومنها مركبة، ومنها موزونة وغير موزونة .أما ما يخص كل لسان فمثاله أن الفاعل في العربية مرفوع وأن المضاف إليه لا يدخل فيه ألف ولام التعريف، وهكذا نجد في كل لغة ما يميزها من غيرها من اللغات ".

علاوة علي أن النحو والمنطق يشتركان في ناحية الموضوعات: فالمنطق موضوعه المعقولات من حيث تدل عليها الألفاظ، أما النحو فموضوعه الألفاظ من حيث هي دالة علي المعقولات، لذلك فعندما يتعرض المنطق للألفاظ فإنه يبحث في أحوالها العامة ويترك الأحوال الخاصة لعلم النحو . ويؤكد الفارابي هذا التشابه بين العلمين في كتابه " التنبيه علي سبيل السعادة "، حيث يقول: " وبين صناعة النحو وصناعة المنطق تشابه ما  وهو أن صناعة النحو تفيد العلم بصواب ما يلفظ به والقوة علي الصواب منه بحسب عادة أهل لسان ما، وصناعة المنطق تفيد العلم صواب ما يعقل والقدرة علي اقتناء الصواب فيما يعقل، وكما أن صناعة النحو تقوم اللسان حتي لا يلفظ إلا بصواب ما جرت به عادة أهل لسان ما، كذلك صناعة المنطق تقوم الذهن حتي لا يعقل إلا الصواب من كل شئ " .

هذا عن التشابه بين العلمين، وإذا وجد في النحو شئ من العناية بالأحوال العامة فذلك عائد إلي طبيعة اللغة التي يبحث النحو قوانينها:" فعلم النحو في كل لسان إنما ينظر فيما يخص لسان تلك الأمة وفيما هو مشترك له ولغيره لا من حيث هو مشترك، لكن من حيث هو موجود في لسانهم خاصة ، فهذا هو الفرق بين نظر أهل النحو في الألفاظ وبين نظر أهل المنطق فيها:... [لأن] المنطق فيما يعطي من قوانين تشترك فيها ألفاظ الأمم ويأخذها من حيث هي مشتركة، ولا ينظر في شئ بما يخص ألفاظ أمة ما، بل يوصي أن يؤخذ ما يحتاج إليه من ذلك عن أهل العلم بذلك اللسان " .

ويوضح الفارابي ذلك بنص يفيد أن النحويين العرب قد قسموا الكلام في العربية إلي اسم وفعل وحرف، أما أهل النحو في اليونان فقد قسموا أجزاء القول إلي اسم وكلمة وأداة، فهذا الاشتراك في التقسيم موجود في اللغة العربية واليونانية وربما في غيرها من الألسنة، فأهل النحو العربي يدرسونه علي أنه في لغتهم، واليونانيون يدرسونه علي أنه في اليونانية ، وفي هذا يقول الفارابي:" وما وقع في علم النحو من أشياء مشتركة لألفاظ الأمم كلها، فإنّما أخذه أهل النحو من حيث هو موجود في ذلك اللسان الذي عمل النحو له، كقول النحويين من العرب: إنَّ أقسام الكلام في العربية اسم وفعل وحرف. وكقول نحويي اليونانيين: أجزاء القول في اليونانية اسم وكلم وأداة. وهذه القسمة ليست توجد في العربية فقط، أو في اليونانية فقط، بل في جميع الألسنة. وقد أخذها نحويو العرب على أنها في العربية، ونحويو اليونانيين على أنها في اليونانية " .

إنَّ نظرية الفارابي هذه في أصالة علم العربية، في ألفاظها ونحوها وصرفها ونثرها وموزونها لا تنفي مطلقاً استخدام اللغويين والنحاة علم المنطق من حيث هو أداة التفكير الصحيح، شأنهم في ذلك شأن العلماء الآخرين في شتى مجالات المعرفة. فقد استخدم النحاة المتأخرون المنطق كما استخدمه الفقهاء والمتكلمون والعلماء الآخرون في بحوثهم العلمية والجدلية ..... دون أنْ يمسّ ذلك موضوع أصالة تلك العلوم .

علاوة علي أن الفارابي قد أرسي دعامة العلاقة العضوية بين الفكر واللغة، وجعل منها جزءاً أساسياً من نظرته الكلية لعلم اللسان. فالمنطق، على حدّ تعبيره، مشتق من النطق. وهذه اللفظة تقال عند القدماء على ثلاثة معانٍ: أحدها القول الخارج بالصوت، وهو الذي به تكون عبارة اللسان عما في الضمير. والثاني: القول المركوز في النفس، وهو المعقولات التي تدل على الألفاظ. والثالث: القوة النفسانية المفطورة في الإنسان، التي بها يميز التمييز الخاص بالإنسان دون ما سواه من الحيوان. وهي التي بها يَحْصَل للإنسان المعقولات والعلوم والصنائع، وبها تكون الروية. وبها يميّز بين الجميل والقبيح من الأفعال. وهي توجد لكل إنسان حتى في الأطفال، لكنها نزرة لم تبلغ بعد أن تفعل فعلها .

ومن هنا نجد أن الفارابي ما فتئ يؤكد العلاقة الحميمة بين المنطق بمفهومه العقلي وبين النطق والقول، ويذهب في ذلك إلى البحث في الجذور التاريخية لمعاني هذه المصطلحات. ويعود إلى هذه الفكرة في أماكن متعددة من مؤلفاته في "إحصاء العلوم"، وفي رسالته "التنبيه على سبيل السعادة" وغيرها ، ويمكننا أن نستبين معالم فلسفته العقلية في نظرته إلى علم اللسان، لا سيما في مجال النطق الذي اشتهر به، إذ يقول:" وأما موضوعات المنطق، وهي التي فيها تُعطى القوانين، فهي المعقولات من حيث تدل عليها الألفاظ، والألفاظ من حيث هي دالة على المعقولات. وذلك أن الرأي إنَّما نصححّه عند أنفسنا بأن نفكر ونروِّي ونقيِّم في أنفسنا أموراً ومعقولات شأنها أن تصحح ذلك الرأي". ثم يواصل حديثه حيث يقول: " ..... بل نحتاج في كلّ رأي نلتمس تصحيحه إلى أمور ومعقولات محدودة، وإلى أن تكون بعددٍ ما معلوم، وعلى أحوال وتركيب وترتيب معلوم. وتلك ينبغي أن تكون حالها وألفاظها التي بها تكون العبارة عنها، عند تصحيحها لدى غيرنا. فلذلك نضطر إلى قوانين تحوطنا في المعقولات وفي العبارة عنها، وتحرسنا من الغلط فيها. وكلتا هاتين أعني المعقولات والأقاويل التي بها تكون العبارة عنها يسميها القدماء "النطق والقول". فيسمون المعقولات القول، والنطق الداخل المركوز في النفس والذي يعبّر به عنها القول.

ويعود الفارابي إلى هذه الفكرة الأساسية في نظريته اللغوية فيقول في رسالته "التنبيه على سبيل السعادة": "فاسم العقل قد يقع على إدراك الإنسان الشئ بذهنه، وقد يقع على الشئ الذي به يكون إدراك الإنسان. وهذه الصناعة تفيد الخير والسعادة بهدين الأمرين جميعاً، وبها يتقومان. والأمر الذي به يكون إدراك الإنسان – وهو أحد الأمرين اللذين يقع عليهما اسم العقل. – قد جرت العادة من القدماء أن يسموه النطق. واسم النطق قد يقع أيضاً على التكلم والعبارة باللسان. وعلى هذا المعنى يدل اسم "النطق" عند الجمهور وهو المشهور من معنى الاسم .

وأما القدماء من أهل هذا العلم، فإنَّ هذا الاسم يقع عندهم على المعنيين جميعاً. والإنسان قد يصدق عليه أنه ناطق بالمعنيين جميعاً، أعني من طريق أنه مُعبِّر، وأنَّ له الشئ الذي به يدرك، غير أن القدماء يعنون بقولهم في الإنسان إنّه ناطق أنّ له الشيء الذي به يدرك ما قصد تعرفه .

ويعزو الفارابي اللبس في فهم العلاقة بين المنطق وعلم اللسان بعامة وعلم النحو بخاصة، إلى عدم تحديد مفهوم هذه المصطلحات في مسيرتها التاريخية، وأن مفاهيمها قد اختلفت، لا سيما فيما يتعلق بدلالات "النطق" و"المنطق" و"القول" و"الأقاويل" ... إذ يقول:"ولما كان اسم النطق والمنطق، قد يقع على العبارة باللسان، ظن كثير من الناس أن هذه الصناعة قصدها أن تفيد الإنسان المعرفة بصواب العبارة عن الشئ، والقوة على صواب العبارة. وليس ذلك كذلك. بل الصناعة التي تفيد العلم بصواب العبارة والقدرة عليه هي صناعة النحو. وسبب الغلط في ذلك هو مشاركة المقصود بصناعة النحو المقصود بهذه الصناعة في الاسم فقط، فإنَّ كليهما يسمى باسم المنطق، غير أن المقصود في هذه الصناعة من المعنيين اللذين يدل عليهما اسم المنطق هو أحدهما دون الآخر .

ثم يعود الفارابي إلى توضيح العلاقة بين النحو والمنطق بمفهومه العقلي الذي وضع تعاليمه ونهَّج مسالكه وقرّب موارده إلى المتعلمين. وهو في ذلك لا يخرج عن القواعد التي أصَّلها في فهم علم النحو. يقول أبو نصر الفيلسوف: "... لكن بين صناعة النحو وبين صناعة المنطق تشابه ما، وهو أن صناعة النحو تفيد العلم بصواب ما ننطق به، والقوة على الصواب منه بحسب عادة أهل لسان ما، وصناعة المنطق تفيد العلم بصواب ما يُعْقَل والقدرة على اقتناء الصواب فيما يعقل. وكما أنّ صناعة النحو تقوّم اللسان حتى لا يلفظ إلا بصواب ما جرت به عادة أهل لسان ما، كذلك صناعة المنطق، تقوّم الذهن حتى لا يعقل إلا الصواب من كلّ شئ. وبالجملة فإن نسبة صناعة النحو إلى الألفاظ هي كنسبة صناعة المنطق إلى المعقولات .

والخلاصة، فإننا نجد أنفسنا أمام نظرية لغوية متكاملة وضع الفارابي الخطوط الرئيسة لبنيتها الأساسية. فقد تحدث عن "علم اللسان" العام وعن أصوله العلمية التي تشترك فيه ألسنة الأمم المختلفة. ونظر إلى اللغة نظرة كلية ومتكاملة. وإن هذه العمومية التي رآها في بنية علم اللسان العام قد وجدت طريقها في منهجه العلمي عندما تحدث عن الأجزاء السبعة العظمى التي رأى أن علم اللسان ينقسم إليها. وتوقف وقفة متأنية وعميقة عند "علم النحو"، سواء ما كان منه عاماً ومشتركاً بين ألسنة الأمم المختلفة أم ما كان نحو لسان من الألسنة لأمة من الأمم. وكان تأكيده العلاقة العضوية بين اللغة والفكر وبين الألفاظ ومدلولاتها سمة مميزة لنظريته اللغوية، وربما لا نعدو الصواب إذا قلنا: إننا نلمس عنده أصول النظرية الحديثة التي مؤداها أن الإنسان يفكر من خلال اللغة وأن وضوح اللغة دليل على وضوح الفكرة وبالتالي فإن سلامة اللغة ودقة التعبير ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بسلامة التفكير. وكان الفارابي في كل ذلك يبحث عن أمثلته في اللغة العربية، ويشير أيضاً إلى نظائرها في اللغة اليونانية، من أجل توضيح الفكرة وتقريبها إلى أذهان المتعلمين .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

بشار الزبيديبقلم: شتيفان بومر

ترجمة عن الألمانية: بشار الزبيدي


كما يحدث مع أي شخصية عظيمة، تعرضَ مُحي الدين بن عربي (1165-1240) للكثير من النقدِ والاتهامات بسبب أفكارهِ إلا أن هذا الأمر قد يعكس واقعية الرؤى التي كان يتمتع بها ابن عربي ؛ فمن علمهِ إستقى الآخرين وصنعوا لأنفسهم مكانة. وهكذا فإن العديد من القُصصِ والأساطيرِ التي تتحدث عن ابن عربي هي شاهد على إتقانهِ المُطلق لوظيفةِ المُعلم والقائد الروحي. وحتى اليوم ما زال يُطلق عليه الكثيرون "الشيخ الأكبر".

ولد محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي الشهير ب مُحيي الدين بن عربي  في مدينةِ مُرسية الإسبانية لعائلةٍ مرموقة أجبرتها أحداث الحرب عام 1172 على الانتقال إلى مدينة إشبيلية، حيث أمضى ابن عربي شبابه هناك. ثم قام برحلاتٍ كثيرة إلى الأندلُسِ وإفريقيا والشرق الأوسط ومكنه هذا الأمر من الدخول مُبكرًا في تواصلٍ شخصي مع أهمِ الصوفيين والكهنةِ والفلاسفةِ في عصرهِ. وظلَ لفترةٍ طويلةٍ في مصرِ والعِراقِ وسوريا وتركيا. وفي عام 1223 استقر به المقام في دمشق حيث مكثَ هُناك مع مجموعةٍ من التلاميذِ حتى وفاته فيها.

على الرغم من أنه صنع العديد من الأعداءِ لنفسهِ باعتبارهِ ناقدًا صريحًا للعقيدة الدينية والفلسفية إلا أنه ما فتئ يحظى باحترامٍ عالٍ على اعتباره أحد أكابر الصوفيين في جميع العُصُور وكمُدرسٍ لحالةٍ لا مثيل لها. ألقاب مثل "الشيخ الأكبر" و "قطب المعرفة" و "دكتور ماكسيموس" شاهد على احترام الشرق والغرب له. دَرَسَ ابن عربي  بصفته أول مُمثل للصوفية وبوضوحٍ كبير في الرؤيةِ الوحدة المُطلقة للوجود ومسارات الكشف الذاتي وهي رسالة تنطوي على إمكاناتٍ لا تُقدر بثمنٍ للتفاهمِ بين الثقافات وخاصة في أوقاتِ التعصُبِ الديني الشرس والوهم الأصولي.

بفضلِ كتاباته العديدة المحفوظة بعناية فإن سيرة ابن عربي الأدبية موثقة بشكلٍ جيد. قضى ابن عربي كُل حياته في الدراسةِ ككاتبٍ ومُعلم روحي. وفي الوقتِ نفسه انغمسَ في بيئتهِ الاجتماعية وفي السياسةِ ما جعله مُستشارًا لبعضِ المُلُوك. كان عمله واسع النطاق ومعرفتهِ ومُنجزاته الأدبية وفقًا لأحدث الأبحاث تقدر بما لا يقل عن 350 وهي جزأ من أعمالهِ الموسوعية. ولذلك ليس محض صدفة أن يُكنى ابن عربي ب "قُطب المعرفة" في بعضِ التقاليدِ الإسلامية.

كان الوقت الذي عمل فيه ابن عربي مُضطرب ومُتغير روحانيًا أيضاً بالنسبةِ لليهودِ والمسيحيين. كان ذلك في وقت كانت فيه المُجتمعات الدينية الإبراهيمية الثلاث على اتصال قوي ومباشر مع بعضها البعض. ما تزال أعمال ابن عربي الأدبية لها تأثير تصالحي فجميع الديانات الإبراهيمية الثلاث تعبد إله واحد تحت سقفٍ واحد. ويجد المرء مثلاً هذا التصالح في إحدى قصائده:

“قد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي .. إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صارَ قلبي قابلاً كلَ صُورةٍ ..... فمرعىً لغزلانٍ ودَيرٌ لرُهبانِ

وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ ......... وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ

أدينُ بدينِ الحبِ أنّى توجّهتْ ...... ركائبهُ، فالحبُّ ديني وإيمَاني”

عبقرية فريدة في التربية الصوفية

ابن عربي هو عبقري فريد من نوعه في عالم التربية الصوفية. حتى القرن العشرين لم يكن معروفًا نسبيًا في الغرب، كان مُبجل من قبلِ الصوفيون لأنه اقتحم" العالم الإسلامي في مطلع القرن الثالث عشر.

كتب أكثر من 350 كتابًا ومقالًا. وكانت أعماله في أعلى مستويات الجودة وتستحق الاعتراف بها ككلاسيكيات للروحانية الغربية. أعماله تتعامل مع كل جانب من جوانب التعليم الروحي وتشرح ليس فقط جميع العلوم الإسلامية التقليدية للقرآن والأحاديث النبوية الشريفة، وإنما أيضًا كُل التقاليد النبوية الكاملة للغرب. إنه يقدم هذا التقليد وفقًا لمعناه الداخلي ويعرضه ضمن كيان مُتماسك. ويقدم أيضًا تعليقًا على التقليدِ الروحي الذي نشأ في الإسلامِ لنحوِ مائة عام ؛ لقد وضع ابن عربي كل العقائد والأشكال المختلفة للمعرفة الصوفية في السياق الأوسع للروحانية الإنسانية.

أن الميزة الأبرز لهذه الكتابات هي شموليتها واتساعها، إلى جانب اختراق مُذهل للمواضيعِ المركزية للتجربةِ الإنسانية. وقليل من الناسِ يستطيعون الادعاء بأنهم قرأوا أكثر من جزء من هذه الأعمال وعدد أقل ممن يجرؤون القول بأنهم فهموها. إنها تُمثل كنزًا لا يُضاهى لجميعِ باحثي الحقيقة الحقيقيين وتصوغ أو تتنبأ برؤى تعزو بشكل عام إلى شخصيات لاحقة. وهكذا فإن مفهوم التطور البشري  قبل عدة قرون من ظهوره في الغرب، ظهر في واحدة من قصائدهِ.

من الواضح أيضًا أن أعماله لها قوة ملحوظة تستطيع تغيير حالة وعقلية القُراء. لطالما أثار ابن عربي مشاعر قوية ولم تُعتبر كتاباته "سهلة" إطلاقاً. وبينما كان يُعتبر بالنسبة للبعضِ نموذجٍ للقداسةِ والإدراكِ الحقيقي الروحي، رآه آخرين شخصية إلحادية مُثيرة للجدلِ إلى حدً ما. يبدو أن كل هذا يعكس أو يعبر عن أحكامِ مُسبقة وأفكار عقائدية في عقول وقلوب قُرائه أكثر مما يُعطي صورة واضحة عن موعظتهِ. وكما هو الحال مع جميعِ العباقرة العُظماء، فإن الهوية والمبادئ الإنسانية الحقيقية غالبًا ما كانت محجوبة بسببِ الجدل الأيديولوجي أو سوء الفهم الشعبي.

تاريخيا، يُعد ابن عربي حد فاصل يوحد بين الروايات الشفوية السابقة والتوليفات التحريرية،ليمثل بذلك تتويجاً على مدار خمسة قرون ونصف من الروحانيةِ الإسلامية وبعد مرور ثمانية عشر عاماً على وفاتهِ، زعزعت الغزوات المغولية لمنطقةِ الهلال الخصيب الجزء الأكبر من الحضارة الإسلامية في الشرق وغيرت وجه الشرق الأوسط إلى الأبد. ومع تعافي الثقافة الإسلامية من هذه الكارثة الملحوظة،اخترقت تعاليم ابن عربي العالم الإسلامي،خاصة تركيا وإيران. وأصبحت مُصطلحاته أساسًا للتعاليم الصوفية اللاحقة،وكانت أعماله تمثل أهم اتجاه لجميع الرِهَابٌ العظيمة مثل، القادرية  والمولوية و النقشبندية.

لا أحد يستطيع أن يدعي بأنه كان ذو تأثير في العالمِ الإسلامي مثل المعلم الروحي محي الدين بن عربي. النقش فوق باب قبره في دمشق هو بيت شهير كتبه بنفسه. وعلى الرغم من أن البعض يعتبره مُباهاة وغرور، إلا أن البيت الشعري يُظهر وعيًا رائعًا بمركزهِ على اعتبارهِ مُعلماً روحيًا:

 " لكل عصرٍ واحدٌ يسمو به وأنا لهذا العصرِ ذاك الأوحدُ "

أساس العقيدة الإسلامية هو عقيدة التوحيد (تأكيد وحدة الله) ومحققات التوحيد تكمن في صميم شخص ابن عربي وعلمهِ. وبينما رأته الأجيال اللاحقة ككاتب عظيم، كان يُنظر إليه في حياتهِ كصوفي استثنائي، وشخص لديه نظرة ثاقبة عن الطبيعة البشرية وله فهم عميق قادراً على التدريسِ بالكلمةِ والعملِ. لقد كان أحد الأشخاص الذين أدركوا طبيعتهم الحقيقية من خلالِ التجربة وحالة الوعي بدلاً من التفكير الذهني. ومع ذلك وفي الوقت نفسه، كان قادرًا على التعبيرِ عن رؤيته شفهياً بالكلماتِ.

يجب أن تُحسب حياة ابن عربي ضمن السير الذاتية الاستثنائية للإنسانية. أي شخص يأتي من بعده لا يُمكنه إلا أن يكون مُمتنًا لثروةِ الأفكار التي كتبها وكتبها معاصريه عن تجربته. وفي الحقيقة يعود الفضل أساساً في إننا نعرف الكثير عن حياة ابن عربي الباطنية والظاهرية إلى أوصافهِ وكتاباتهِ الخاصة. كتب أحد معاصريه وهو صفي الدين بن أبي المنصور، الذي قابله في دمشق خلال الفترة الأخيرة من حياته، عنه ما يلي:

"كان مُحْيِي الدين بن عربي من أكبر علماء الطريق، جمع بين سائر العلوم الكَسْبِيَّة، وما قرأ من العلوم الوهبية.و شهرته عظيمة، وتصانيفه كثيرة. وكان غلب عليه التوحيد علما وخلقا. لا يكترث الوجود مقبلا كان أو مُعرضًا، وله أتباع علماء، أرباب مواجيد، وتصانيف".

كتب ابن عربي كما ذكرنا سلفاً ما لا يقل عن 350 عملاً، بدءاً من كتاب الفتوحات المكية، التي تملأ آلاف الصفحات باللغة العربية وصولاً إلى عدد لا يحصى من المقالات. يتكون الاختيار الذي سنقدمه من كُتُبهِ التي يُمكن أن تُصنف كأعمال رئيسية له وقد تعطي للشخص العادي نظرة عامة عن كتاباتهِ. تم اختيارها بسبب الإشارات المتكررة لها في كتاباته الخاصة وتوفرها كمطبوعات، ولكن يجب أن نذكر أن هذه القائمة ليست شاملة بأي حال من الأحوال.

كان تصنيف أستاذ الدراسات الصوفية عثمان يحيى، المكون من مجلدين عام 1964 "مؤلفات ابن عربي تاريخها وتصنيفها"  هي المحاولة الأولى والوحيدة لفهم نطاق أعمال ابن عربي. سيتم ترتيب الاختيار الحالي بشكلٍ تقريبي وفقًا للعناوين القصيرة ترتيبًا زمنيًا، على الرغم من أن إكمال بعض الأعمال استغرق سنوات عديدة وتمت إعادة كتابة بعضها.

من أعمال ابن عربي الشهيرة:

مشاهد الأسرار القدسية، التدبيرات الإلهية، الإسراء إلى المقام الأسرى، مواقع النجوم، عنقاء مغرب، إنشاء الدوائر، مشكاة الأنوار، حلية الابدال، روح القدس،التنازلات الموصلية،الجلال والجمال، ﻛﻨﻪ ﻣﺎ ﻻ ﺑﺪ ﻟﻠﻤﺮﻳﺪ ﻣﻨﻪ، إشارات القرآن في عالم الإنسان، رسالة الأنوار، كتاب الألف، أيام الشأن، الفناء في المشاهدة، ترجمان الأشواق،اصطلاحات الصوفية،  كتاب الأسفار، العبادلة، فصوص الحكم، فهرست المؤلفات، إجازة للملك المظفر، نسب الخرقاء، أوراد الأسبوع، الديوان الكبير، الفتوحات المكية.

 

 

ميثم الجنابي "الأنبياء أطباء أمراض القلوب"

(الغزالي)

النبوة ودرجات اليقين المعرفي: إن رفع النبوة فوق مصاف العقل الكلامي لم يعن رفعها في أفلاك اللاعقلانية وأسرارها المسحورة بافتنانها الخيالي، بل إدراجها في مدار ما وراء العقل. وهذا بدوره ليس إلا مدار إدراك العقل لبعض خواصها لا حقيقتها الكلية. لهذا أكد في (المنقذ من الضلال) على أن حقيقة النبوة لا تدرك إلا بالذوق الصوفي. وفي حال عدم قدرة المرء بلوغ ذلك فإن من الممكن تيقنها بالتجربة والتسامع في مصاحبة الصوفية بحيث يستطيع رؤية ذلك وملاحظته "بقرائن الأحوال". وإن لم تتوفر له فرصة مصاحبة الصوفية، فإنه يستطيع أن يتيقن ذلك بشواهد البرهان[1]. فالإيمان هو الدرجة الأولى والبسيطة، والبرهان هو الدرجة الأرقى والأرفع. أما البرهان الذي تكلم حوله الغزالي فهو مقرون بحقيقة القلب الإنساني، وما يتميز به عن الموجودات الأخرى، وبالأخص تميزه بالعلم و الإرادة، بمعنى وحدة الوجود الطبيعي بالرقي المعرفي الأخلاقي. وذلك لأن المعرفة الإنسانية لا يمكنها أن تتعدى، بما في ذلك عند النبي، حدود التجربة العملية والفكرية. فالتجارب العملية والفكرية هما رصيد وخزانة المعرفة المرهونة بإرادة الإنسان، تماما كما هو الحال بالنسبة للكاتب الحاذق، يقال له كاتب مع انه لم يكتب. غير أن وجود قدرته هي الرصيد أو الخزانة الدائمة. وفي هذا تتفاوت قدرات الناس رغم كونها غاية الإنسانية ودرجتها[2].

فالجميع يمتلك القدر الضروري من العلم والقدرة. لكنهم مع ذلك يتباينون تباينا يصعب حصره سواء ما يتعلق منه بكمية المعلومات ونوعيتها، ودرجاتها وطرق تحصيلها. هناك من يحصل عليها بإلهام على سبيل المبادأة والمكاشفة، وهناك من يحصل عليها بطريق التعلم والاكتساب. أما اختلاف السرعة والبطء في الحصول على المعرفة فهو الذي يؤدي إلى تباين منازل العلماء والحكماء والأنبياء والأولياء. وذلك لأن درجات الترقي غير محصورة بسبب عدم تناهي معلومات الله، والتي تشكل رتبة النبي فيها أعلى المراتب من حيث "تتكشف له كل الحقائق أو أكثر من غير اكتساب وتكلف بكشف إلهي في أسرع وقت"[3]. فهو الأسلوب الذي تشاطر المتصوفة به الأنبياء، رغم انفتاحه للعلماء (المتكلمين) والحكماء (الفلاسفة). فالمنازل لا حصر لها. والمترقي يعرف ما يتجاوزه لا ما بين يديه، تماما كما "إنا نؤمن بالنبوة والنبي ونصدق بوجوده ولكن لا يعرف حقيقة النبوة إلا النبي، كما لا يعرف الجنين حال الطفل، ولا الطفل حال المميز… فكذلك لا يعرف العاقل ما افتتح الله على أوليائه وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته"[4]. فهي المعرفة التي لا يمكن بلوغها خارج سلوك التصوف، وتطهير القلب تطهيرا كليا. وذلك لأنه لا طريق في بلوغ حقيقة المعرفة النبوية والأولياء مازالت القلوب محجوبة بحجاب المادة. فالقلوب كالأواني. فما دامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء. فالقلوب المشغولة بغير الله لا تدخلها المعرفة بجلال الله[5]. بمعنى مساعي التحلي بالصفة الربانية واستقرار "العلم والحكمة واليقين والإحاطة بحقائق الأشياء ومعرفة الأمور على ما هي عليه"[6]. فهي العملية التي تشذب أعماق الإنسان وترفعها إلى مصاف الشبه بالملائكة. آنذاك سيكون بإمكانه إدراك حقيقة النبوة من خلال معرفة السر القائم فيها بالإلهام، باعتباره علاقة بين الله والعالم. إذ ليس الإلهام هنا سوى الاستمرارية الفردية لروح النبوة، أو وحيها التاريخي. فهي المعرفة الحاصلة بالمشاهدة ونور اليقين، أو هي ذاتها الذوق، حسب عبارة الغزالي، أو ثمرات التجلي أو نتائج الكشوفات وبوادر الواردات، حسب عبارة الصوفية. وقد وصف الغزالي بعض جوانب هذه العملية حالما تناول قضايا الخلاف والاختلاف بين الإلهام والتعلم، أو بين ما اسماه بطرق الصوفية وطرق النظار في محاولته البرهنة على أن تمايزهما هو نتاج تمايز طرقهما في الوصول إلى الحقيقة. إذ لا يعني طريق الصوفية في هذا المجال سوى طريق الأنبياء، مما كان يتضمن أيضا النفي المبطن لطرق النظار (المتكلمين والفلاسفة) بالصيغة التي استوعب في ذاتها ما استوعبوه، إضافة إلى خصوصية طريقهم[7].

تتوافق هذه الصياغة مع ما وضعه في مؤلفاته ما بعد (إحياء علوم الدين). الأمر الذي يعني أن آراءه هنا هي الاستيعاب الحقيقي لتجاربه الفكرية. فقد تحولت آراؤه الكلامية الأولى الواضحة والجلية والمباشرة عن النبوة في مرحلة التصوف إلى كيان خفي باطن ومعقد. بمعنى تحولها إلى الصيغة التي أصبحت فيها النبوة عصية على غيرهم، أو حسب عبارته لا يعرف حقيقة النبوة إلا النبي. غير أن تجاربه اللاحقة أسست لإمكانية ما اسماه بالمعرفة الممكنة لحقيقة النبوة. فهو يشير في (المنقذ من الضلال) إلى الكيفية التي بان له فيها بالضرورة من ممارسة طريق التصوف حقيقة النبوة وخاصيتها[8]. وتتوافق هذه الفكرة من حيث اتجاهها العام مع ما اورده في (إحياء علوم الدين). أما تباينهما فينحصر أساسا حول تشديده في توكيده. فما كان مجهولا في(إحياء علوم الدين) عن حقيقة النبوة يصبح معروفا، أما ما كان محدودا من خصائص النبوة في (إحياء علوم الدين) فانه يصبح لا متناهيا. وليس هنا من تناقض في آرائه. فقد اشار في (المنقذ من الضلال) إلى أن الأصول الثلاثة التي آمن بها إيمانا يقينيا استنادا إلى دراساته الشرعية والعقلية قد رسخت في نفسه "لا بدليل معين محرر، بل بأسباب وقرائن لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها"[9]. ووجدت هذه الدلائل والأسباب والقرائن انعكاسها المباشر وغير المباشر في براهينه عن النبوة. وليست هذه البراهين في جوهرها سوى براهين ارتقائه الفكرى النظري والعملي. وفيما لو اجرينا مقارنة بيانية سريعة بين نظراته عن الحقيقة واليقين، وبين نظراته عن حقيقة النبوة، كما اوردها في (المنقذ من الضلال)، فإننا سنرى تطابقهما شبه الكلي.

ففي استعراضه المكثف لتجربته الفكرية في بحثها عن الحقيقة واليقين يشير إلى ما اسماه بملاحظته المبكرة للتقليد، والتي يشترك فيها بقدر متساو وفي آن واحد ممثلو وأتباع الأديان جميعا. مما جعله يبحث عن "حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليدات الوالدين والاستاذين"[10]. كل ذلك من أجل تميز الحق عن الباطل. وبما انه لا يمكن تمييزها في هذه التلقينات دون طلب حقيقة العلم، من هنا أصبح البحث عن العلم اليقيني مهمته الأساسية. بمعنى الكشف عن الحقيقة كما هي. بحيث يكون اليقين مجردا يها عن كل طارئ خارجي بما في ذلك المعجزة، مثل أن يعلم بأن العشرة أكثر من ثلاثة. فمن يقلب العصا حية يثير فيه التعجب دون الشك في حقيقة العلم. ومن هذه المقدمة اخذ يبحث في معطيات الحس. وبعد التجربة تبين له بأنها لا تمثل بحد ذاتها درجة اليقين. فالعقل يكذبها. وإذا كان الأمر كذلك فما هو يا ترى اليقين القائم في العقل ومعطياته؟ وبغض النظر عن رجوعه إلى الإقرار بما اسماه بالضرورات العقلية، إلا انه تكلم أيضا عن إمكانية "ما وراء العقل" باعتبارها الدرجة المعرفية، التي يفترضها منطق الشك العقلي نفسه. وأشار إلى ذلك بعبارة "ما هو الأمان من أن يكون كل ما يعتقده المرء في يقظته هو كنسبة ما في النوم إلى اليقظة؟ ومعطيات اليقظة الحسية والعقلية شبيهة بمعطيات النوم وحقائقه مقارنة بما نكتشفه عنها في اليقظة. وهي ذاتها الدرجات المعرفية التي نعثر عليها في صياغته العامة للبرهنة على النبوة. فهو ينطلق من أن جوهر الإنسان في أصل الفطرة خاليا من العلوم[11]. وإن الحصول على أخبار عن العلم يكون بواسطة الإدراك. وأن لكل إدراك واسطة مختصة بعالم من عوالم الموجودات. فاللمس لإدراك الحرارة والبرودة والبصر لإدراك الألوان والأشكال، والسمع للأصوات. وحالما يتجاوز المرء المحسوسات فإنه يأخذ بالتمييز. أما بوادر العقل فهو الطور الذي يدرك به الإنسان ويميز الواجبات والجائزات والمستحيلات وأمورا لا توجد في الأطوار التي قبله (الفطرة والحس). والعقل هو ليس الطور النهائي. فما وراءه طور آخر تنفتح فيه، حسب عبارة الغزالي، "عين أخرى يبصر بها الغيب"[12]. ويختلف هذا الطور تماما في إدراكه عن الدرجات السابقة (الحس والعقل).         

إن هذه المقارنة الشكلية في استعراضها لتجربته الفكرية في بحثها عن العلم اليقيني، وصياغتها العامة لما يمكنه أن يكون دليلا على إمكانية النبوة، تكشف في درجاتها عن التطابق الجوهري بينهما. إن نظرته إلى النبوة تتحول في آن واحد إلى جزء من نظريته المعرفية. وبهذا يمكن القول، بأنه حاول أن يؤسس للنبوة معرفيا مستندا بذلك أيضا إلى تجربته الفكرية في الشك العقلي والبحث عن اليقين، بالصيغة التي حول فيها النبوة إلى كيان مطابق "لمشكاة" الحقائق الصوفية.

لقد وضع نتائج بحثه عن اليقين المعرفي في أساس نظريته عن النبوة. من هنا رده على أولئك الذين انكروا النبوة، من أن إنكارهم هو مجرد نتيجة لعدم إدراكهم حقيقتها، أي بلوغ طورها المعرفي (ما وراء العقل). وبهذا يكون قد جعل النبوة درجة من درجات المعرفة. وبالتالي، فإن دحضها هو انعكاس لعدم بلوغها المعرفي، تماما بالقدر الذي يكون البقاء في حيز الاحساس والعقل المجرد عجزا عن بلوغ حقيقتها. وتشبه هذه الحالة حالة الأعمى فيما لو حدثناه عن الألوان والأشكال في حالة عدم معرفته ذلك بالتعلم. بمعنى استغرابه قولنا أو إنكاره إياه. غير أن ما ينقذ المرء هنا هو امتلاكه، حسبما يقول الغزالي، حالة مشابهة في بعض خواصها للنبوة، وهي حالة النوم. فالنائم يدرك أمورا في نومه أما بصورة صريحة أو على شكل مثال يمكن حل إشكالاته ومضامينه استنادا إلى "تعبير الرؤيا"[13]. لاسيما وأن الإنسان يمكنه الاقتناع بذلك بفعل تجاربه الدائمة. فلو افترضتا وجود انسان لم يجرب "إدراك الغيب" وقلنا له بأن هناك من الناس من يسقط مغشيا عليه كالميت ويزول عنه احساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب لأنكره، ولأعتبر ذلك شيئاً مخالفاً للعقل والمنطق. ولسعى للبرهنة على استحالته من خلال استعماله للقياس المنطقي القائل، بأن القوى الحساسة هي أسباب الإدراك. فمن لا يدرك الأشياء مع وجودها وحضورها، فإن عدم إدراكه لها مع ركودها أولى وأحق. ووجد في هذه الأحكام نوعا من القياس يكذبه الوجود والمشاهدة[14]. ولهذا قدم حالة النوم مثالا، لأنه سعى من خلاله الكشف عن أن الإنسان يفقد فيه احساسه المباشر بالعالم، ولكنه يدرك في الوقت نفسه، من خلال أحلامه ورؤيته الصريحة والقابلة للتأويل، مجريات أحداثه المقبلة. ومن خلال هذه المقدمة حاول الوصول إلى استنتاجه القائل بضرورة الإقرار بطور ما وراء العقل، باعتباره درجة في درجات الإدراك. بالقدر الذي يدرك العقل امورا يعجز الحس عن إدراكها، فإن النبوة هي الأخرى طور يجرى بها إدراك ما لا يدركه العقل. وأنها "طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل"[15]. فالمراد بالنبوة اذن هو طريق إدراك الأمور التي لا تدرك بالعقل المباشر. لكن الغزالي لم يحصر خاصية النبوة في هذا الجانب بقدر ما انه أراد الكشف من خلالها عن خاصية النبوة المعرفية وأحد تجلياتها المعقولة للجميع.  لهذا اكد على انه إذا كان بإمكان كل إنسان أن يتحسس بتجربته الفردية هذه الخاصية المميزة للنبوة، فإنه لا يمكن إدراك خواصها الأخرى "إلا بالذوق من سلوك طريق التصرف"[16].

ولم يكتف بالبرهنة على حقيقة النبوة، بل تعداها إلى البرهنة على إمكانية وجودها. انه يسير في الاتجاه القائل بإمكانية النبوة لا ضرورتها. فهو ينطلق من أن المعارف في العالم ما لا يمكن تصور العقل أن ينالها كلها. وهناك ما لا يمكن أن ينال بالعقل مثل استنتاجات علوم الطب والنجوم. إذ أن الباحث فيها يدرك أهمية "الإلهام الإلهي"، مما لا سبيل إليه بالتجربة. وذلك لأن في أحكام علم النجوم، على سبيل المثال، ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة واحدة. وينطبق هذا بالقدر ذاته على خواص الأدوية والعقاقير مما يبرهن، بنظره، على وجود طريق آخر في الإدراك يتطابق مع وحي الأنبياء وإلهام الأولياء. غير أن الغزالي لم يطابق ولم يضع في براهينه طور ما وراء العقل مع معارضة العقل أو بالضد منه في إدراك حقائق الأشياء، ولم يقيد النبوة في الوقت نفسه بهذا المعيار فقط. أما تركيزه عليه فإنه يشير إلى أهميته الجوهرية في منظومته الفكرية عن النبوة.

فهو لم يرفض في ردوده على الشكوك المتوارثة بصدد النبوة، الشك ومنهجيته الضرورية. على العكس!انه جعل منه المقدمة الضرورية لليقين. وبما انه لا يمكن بلوغ اليقين دون المعرفة الحقة، لهذا حوّلها إلى وسيلة إدراك حقيقة النبوة الملموسة. وبهذا المعنى لا يحصر هذه القضية في ميدان الإيمان التقليدي، بل يذللها من خلال تأسيسه للمعرفة المبنية على المقارنة والتجربة الملموسة. إذ لا يمكن بلوغ اليقين بهذا الشيء أو ذاك، حسب نظره، دون معرفة أحواله أما بالمشاهدة أو بالتواتر وبالتسامع. تماما كما أن من يعرف الطب والفقه يمكنه معرفة الأطباء والفقهاء من خلال مشاهدة أحوالهم وسماع أقوالهم، وإن لم يرهم[17]. وذلك لأنه ليس صعبا بالنسبة لمن عرف الفقه معرفة أن الشافعي فقيه وجالينوس طبيب بالحقيقة لا بالتقليد[18]. وهو الأسلوب الذي يمكن تطبيقه على معرفة الأنبياء، بمعنى أن معرفة معنى النبوة هو وسيلة معرفة حقيقتها وحقيقة الأنبياء. وسعى لتطبيق هذا الأسلوب على قضية النبوة  بالانطلاق من المجرد إلى الملموس بعد دراسة عناصره وتحليلها. ويمكننا العثور على ذلك بوضوح على مثال تحليله لخواص النبوة كما وضعها في (إحياء علوم الدين) وعمّقها في كتاباته اللاحقة، وبالأخص في (المنقذ من الضلال). حيث قدم مثال النبوة المحمدية من خلال تأمل القرآن والنظر فيه وفي اخباره تماما. كما يمكننا معرفة حقيقة الشافعي وجالينوس وغيرهم من خلال النظر في إبداعهم. فقد اعتبر تأمل ما في القرآن والأخبار وربطه بالتجربة الخاصة في العبادات وأثرها في تصفية القلوب أسلوبا للحصول على العلم الضروري أو اليقيني بالنبوة[19]. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...........................

[1] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص142. لقد تضمنت هذه الفكرة في ذاتها النفي المعرفي والأخلاقي لإدراك النبوة العقلي. ولا يعني هذا في الواقع سوى عقل المتكلمين الجدلي، والذي يمكن تطويعه من اجل إثبات مذهبية الرؤية أو تدجين آراء الخصم. بينما يستلزم التصوف تحسس النبوة في أذواقها. بمعنى التحلي بصفاتها. وهو طريق سوف يضعه الغزالي في فكرة تقول بأنه لا يعرف حقيقة النبوة إلا النبي، تماما كما لا يعرف حقيقة الله إلا الله. ولم يقصد بذلك رفع شعار الرؤية العندية إلى مصاف المطلق، بل للتأكيد على أن إدراك حقيقة النبي يقوم في استبطانه الكامل، أي الاستبطان الكامل للمطلق في المظاهر. وإلا فإن المعرفة سوف تبقى نسبية ظاهرية، أسلوبها المقارنة وغايتها الوصف أو التبرير. ووضع هذا "العجز" المعرفي في وسيلة المعرفة الحقة. من هنا فكرة التحلي بصفات الحق أو النبوة كوسيلة لإدراك حقائقهما.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص8.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص8.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص8-9.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص9.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص11.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص18-26.

[8] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص143.

[9] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص143.

[10] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص81.

[11] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص144.

[12] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص144-145.

[13] المقصود بذلك تفسير الأحلام، والذي احتل موقعه الخاص والمتميز في ثقافة الخلافة آنذاك. ولم يكن ذلك معزولا عما في الأحلام من قوة تستجيب للذوق المجذوب بنماذجه المثلى. فقد لعب تفسير الأحلام أو تفسير الرؤيا دورا يصعب حصر آثاره ومآثره بالنسبة للثقافات القديمة. وإذا كان هذا الفن محصورا في الأغلب في مجال التعبير الرمزي، أي محاولة استدراك "حقائق المستقبل" أو "سرّ الغيب" في الرموز المتعارف عليها عن أحداث المنام، فإن بقاياه "النظرية" تقوم في استقلال العناصر القائمة في رؤية المستقبل. وبالتالي، فإن الفرضية القائلة باحتواء الأحلام على حقائق المستقبل هي التي تقف وراء أثر تعبير الرؤيا أو "رؤية الغيب" في مختلف ميادين الحياة الاجتماعية ومستوياتها الفردية والسياسية والنفسية والأخلاقية. لهذا كان بإمكانها أيضا أن تخدم مثال النبوة وتفسير "واقعيتها".  

[14] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص146.

[15] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص146.

[16] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص147.

[17] لقد كانت فكرة الغزالي هذه شكلا من أشكال التصدي لانتشار ظاهرة النبوات الكاذبة. فهو يشير في كتاب (المستظهري أو فضايح الباطنية) إلى حالات إدعاء البعض للنبوة. غير أن هذا التصدي لم يعد في المرحلة الصوفية جزء من احتراب الفِرق، بل أسلوبا متعاليا في تأسيس إمكانيته الحقة، باعتبارها دراسة لصفاتها الحقة، بما في ذلك إدراك حقيقة النبوة وتذوقها بالشكل الذي يجعل منها بؤرة وحيه المتجدد أو إلهامه الدائم. وإذا كانت آراءه هذه تقترب في ظاهرها من الصيغة السنّية الشائعة، فإنها تمثل من حيث مضمونها في تآلفه الفكري الصيغة الأولية لبلورة العناصر المعقولة للحقيقة المحمدية (المجردة)، كما نعثر عليها لاحقا عند ابن عربي. وليس مصادفة أن ينتقد ابن عربي آراء الغزالي بصدد موقفه من النبي والولي.  

[18] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص148-149.

[19] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص149.

 

ميثم الجنابي"الأنبياء أطباء أمراض القلوب"

(الغزالي)

الاستمداد الأمثل لمبادئ الإصلاح الحق

لقد لازم وجود الخلافة رجوعها المتكرر إلى بداياتها الأولى. ولم يكن ذلك بسبب استعادتها المتجددة لوعي خلافتها للرسول، بقدر ما كان ذلك رجوعا تحدده بين الحين والآخر كوامن الوعي اللاهوتي في احتكامه أمام مرجعياته الأساسية في الإلوهية والربوبية وخطابها القرآني في مواجهة معضلات الوجود المختلفة. مما كان يعني وقوفها بين الحين والآخر أمام مبادئ شخصيتها التاريخية ورمزيتها المثلى في النبوة. فقد احتوت النبوة على مستوياتها وتوجهاتها المتباينة في آراء ومواقف المتكلمين والفلاسفة والصوفية، واختلافاتها في مدارسهم وفرقهم. إذ كان بإمكانها الظهور في الآراء والمواقف السياسية والعقلية، كما كان بإمكانها استبطان حوافز الفكر الأخلاقي ومساعيه العملية. وأن تبقى مع ذلك موضوعا قائما بحد ذاته. مما يعكس وحدة الأرضية الثقافية للفرق واتجاهاتها الكبرى من جهة، واشتراكها في هموم الرؤية ومشتقاتها الجدلية والبرهانية من جهة خرى. مما يعني تحول النبوة إلى إحدى البؤر الموحدة لواحدية الثقافة الإسلامية، ومصدر من مصادر تثويرها الداخلي. وارتبط مسار اتجاهها اللاحق بكيفية تفسيرها وتأويلها وتوظيفها في منظومات الفكر وحلولها العملية لقضايا الأمة ووجودها الاجتماعي[1]. لهذا ظلت قضية النبوة وشخصيتها المركزية تشغل حيز الفكر الاجتماعي في مختلف ميادينه، دون أن تفرض عليه في الوقت نفسه اولويتها. مما يعني ذوبانها في الكينونة السارية لثقافة الخلافة ككل، واللاهوتية منها بالأخص.

فالميدان اللاهوتي (الكلامي) لم يعد حقلا لتجريب الآراء في مستواها المباشر، بل وأسلوب التدليل والبرهنة المناسب للوعي الديني في خروجه صوب الأفق الاجتماعي السياسي والأخلاقي لقضايا المجتمع. لهذا كان بإمكان الفرق الكلامية أن تشترك في همومها الموحدة حول قضايا النبوة، وأن تتعارض آراؤها ومواقفها وتتناقض في مواقفها النظرية والعملية، كما نراه، على سبيل المثال، في آراء المعتزلة عن النبوة في عناصر تهشيمها النسبي للغائية اللاهوتية، ودعوتها بالتالي للاختيار في الفعل باعتباره ميدان تجلي الحكمة وإدراكها الحق. في حين جعلت الشيعة بمدارسها المختلفة من قضية النبوة مقدمة إدراكها الخاص لدراما الحق الأزلية في تجلياتها الفردية وتفاؤلها المغري في خيال الخلاص الممكن. بينما دفعت الإسماعيلية هذه الأفكار باتجاه هيكلها النموذجي والمتناسق، باعتباره البناء المناسب لجدارة الخيال الفلسفي في تأملاته الحية عن المثال المطلق في الفرد، دون ان تفقده في الوقت نفسه أبعاده السياسية المباشرة. من هنا يمكننا رؤية ما في الثقافة السابقة للغزالي من إشكالات عديدة في تأسيسها وحلولها لقضايا النبوة، كما نعثر في إشكالاتها هذه على نماذج معبرة عن الخير الأسمى في السياسة والأخلاق على مستوى الفرد والجماعة والأمة.

 إن الأثر الهائل للتراث الإسلامي وشخصية النبي محمد المركزية ظل على الدوام يفعل بما في ذلك في اشد الصيغ تجريدا. مما جعل من النبوة قضية متعددة الكوامن الاجتماعية السياسية والأخلاقية. واشتركت الاتجاهات المتباينة بهذا الصدد، بمعنى أن خلافاتها واختلافاتها جرت من خلال تركيز كل منها على هذا الجانب أو ذاك من جوانب النبوة. وبالتالي إبراز جوهرية أو أولوية هذا الجانب أو ذاك باعتباره الجانب المعّبر عن حقيقة النبوة وخصوصيتها. فالاتجاهات المعتزلية ولحد ما الاشعرية سارت باتجاه ابراز الطابع الإنساني في النبوة. وبالتالي تحريرها من نزوع الغائية اللاهوتية عبر مطابقتها مع حقيقة الحكمة الإلهية المعقولة أو الإلهي مع الإنساني في نماذجه الرفيعة من خلال بناء صرح الأخلاق العقلية. بينما ركزت الاتجاهات الشيعية على ربط النبوة بالإمامة. وقد مهّد ذلك لآرائها ومواقفها السياسية في هرميتها المعقدة نسبيا، والتي صاغت في غياهب خيالها الفلسفي المثال المطلق للإنسان، دون أن تفقده إمكانية الانتفاض الواقعي. وبهذا تكون قد شاركت مساعي الاتجاهات الكبرى من خلال إبراز أولوية تنقية النفس وتهذيبها من جل بلوغ الكمال، ولكن من خلال ربطها بالممارسة العملية في الإمام الحق. ووجدت هذه الفكرة تعبيرها عند إخوان الصفا في مهمة النبوة الأساسية باعتبارها المثال الحي لمعالجة النفوس المريضة. فالأنبياء، حسب نظر إخوان الصفا، هم أطباء النفوس. بينما اتخذت نبوة الفلاسفة صيغة النبوة العقلية المعرفية.

وبهذا تكون المدارس والاتجاهات الكبرى قد قدمت نماذج متنوعة لرؤية النبوة في حقائقها وأفعالها وصفاتها، والتي لم يكن بإمكان الغزالي تجاهلها، أو لم يكن بإمكانها ألا تؤثر فيه. فعندما واجه للمرة الأولى مهمة تأملها المستقل، فإنه نظر إليها نظرته إلى قضية فكرية دينية، وجزئيا إلى قضية معرفية. لهذا اتخذت صيغة الموضوع الجدلي في ردوده اللاهوتية الفلسفية في (تهافت الفلاسفة) على آراء الفارابي وابن سينا. فقد ناقش هذه القضية هنا بصورة عابرة. وليس مصادفة أن يضع جدله مع الفلاسفة المسلمين في (تهافت الفلاسفة) بصدد قضايا النبوة في مستوى الجدل الكلامي اللاهوتي. انه لا يبحث في آرائهم بهذا الصدد، بقدر ما يشدد على أن تأويلات الفلاسفة وآراءهم هنا يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى نفي المعجزات والنبوة. ولا يغير من ذلك شيئا كون الغزالي لا يشير إلى النبوة باسمها. فقد كانت مهمته في (تهافت الفلاسفة) تقوم اساسا في "فضح" آراء الفلاسفة وكشف "تهافتهم" المنطقي، بالصيغة التي برز فيها تعارض آرائهم مع التصورات الدينية وأحكامها. فقد حاول الفلاسفة تفسير المعجزات النبوية على اساس تأويلها المادي المعقول، مثل اعتبار إحياء الموتى هو إزالة موت الجهل بحياة العلم[2]. وبهذا لم تعد المعجزة إحالة أعيان الموجودات وذاتها لمنافاتها العقل. فالمعجزة ينبغي أن تكون بنظرهم مطابقة لصفات الطبيعة، أي تجسيد الرغبة الملحة والمتحدية في ما هو طبيعي بذاته كالأمطار والزلازل والرياح والصواعق وما شابه ذلك من غير حضور سبب طبيعي ظاهر[3]. فقد ارتبط هذا الاستنتاج بالتعميمات الفلسفية عن النفس والعقل، أو القوة المتخيلة التي يطلع بها الأنبياء على اللوح المحفوظ في اليقظة، والناس العاديين في المنام والأحلام، والقوى النظرية العقلية والنفسية العملية، والتي بإمكانها أن تسّخر الطبيعة لإحداث المعجزة. وهي الأفكار التي سيدمجها في آرائه عن النبوة وحقيقتها. بمعنى انه لم ينظر إلى هذه القوى نظرته إلى كيانات مستقلة في كيان أخلاقي موحد ومعقول، بقدر ما انه حوّلها إلى نماذج محسوسة ومعقولة في إدراك حقائق النبوة وإمكاناتها. ففي الوقت الذي استنفد مفاهيم الفلسفة الأخلاقية العقلية، فإنه وجهها وجهة أخرى دون أن ينفي إمكاناتها المستقلة في منظومة الفكر الأخلاقي وموضوعاتها الجدلية. ومن الممكن العثور على لمعان هذه البقايا الخاطفة في عبارته الوجيزة التي علّق بها على الباطنية عن النبوة عندما قال بأن آراءهم فيها تقترب من آراء الفلاسفة مع بعض "التغيير والتأويل الذي لا ينكر"[4].

غير أن آراء الغزالي ظلت حتى هذه المرحلة تسبح في فضاء الجدل الكلامي الفلسفي، خارج توجهات ما اسماه لاحقا بالبحث عن حقائق الأشياء كما هي. وبقدر ما ينطبق ذلك على القضايا الفكرية العديدة ينطبق أيضا على مسألة النبوة وإشكالاتها. فالغزالي لم يتناول النبوة كقضية قائمة بحد ذاتها، بما في ذلك في (المنقذ من الضلال). فقد أفرد لها فيه صفحات وأدخلها في صلب "المنظومة" العامة لأفكاره عنها. لكنها لم تتخذ مع ذلك صيغة المسألة المنفردة في أبوابها وفصولها. أما في كتاباته السابقة  فإننا لا نعثر إلا على اشارات وأحكام متناثرة لها مقدماتها في تحولاته وانقلاباته وخصوصية انتقاله للتصوف. اذ لم يتناول ما اسماه بحقيقة النبوة إلا في مرحلته الصوفية. وما قبل ذلك لا نعثر على مفاهيم مشابهة. ففي (إحياء علوم الدين) تظهر بوضوح وللمرة الأولى، اشاراته إلى مفهوم النبوة وخصائصها.فالنبوة بالنسبة له هي "عما يختص به النبي ويفارق به غيره"[5]. أما اختصاصه عن الآخرين فيقوم في أربع خواص جوهرية، الأولى منها هي معرفته بحقائق الأمور المتعلقة بالله وصفاته والملائكة والدار الآخرة لا كما يعلم غيره، بل مخالفا له بكثرة المعلومات وبزيادة اليقين والتحقيق والكشف. أما الثانية فتقوم في أن له في نفسه صفة بها تتم اللإفعال الخارقة للعادات مثلما للناس العاديين صفة بها تتم الحركات المقرونة بالإرادة والاختيار. رغم أن القدرة والمقدور جميعا من فعل الله. أما الصفة الثالثة فتقوم في أن له صفة بها يبصر الملائكة ويشاهدهم كما أن للبصير صفة يفارق بها الأعمى. وأخيرا أن له صفة يدرك بها ما سيكون في الغيب أما باليقظة أو في المنام[6]. في حين يشير في (المظنون به على غير أهله) الى ان أهم خواص النبوة هو "التمثيل الخيالي" بمعنى رؤية اليقظة[7]. وهي الفكرة التي تتفق مع ما في آرائه المعروضة في (المنقذ من الضلال).

تمتلك النبوة من حيث واقعيتها الصفات المميزة للذات العارفة، بما  في ذلك إعجازها، والتي صاغت اتجاهات الكلام والفلسفة والباطنية أغلب عناصرها. ومع ذلك فإن الخلاف بقي كبيرا، وبالأخص ما يتعلق منه بإدراك حقيقة النبوة. وهو خلاف لم تحدده مناورات الفكر السياسية، رغم فاعلية جوانبها المخفية في تقاليد صراعه القديم مع الباطنية التعليمية والفلاسفة، بل تجانس آراءه النظرية في مواقفه من الطابع التخميني للمعرفة العقلية في إدراكها لخواص النبوة. مع ما فيها من تأسيس لطابع المعرفة التقريبي عنها. مما يعني أيضا إزالة وهم العصمة والضرورة في الأحكام السائدة عنها في مختلف المدارس والاتجاهات. ووضع هذا الاستنتاج لاحقا في فكرته القائلة بأنه لا يدرك حقيقة النبوة إلا النبي. وهو تحديد يستند إلى تراث متعمق في تحليل "عناصر" النبوة المتناثرة في صراع المدارس ومنظوماتها الفكرية. لقد حاول الغزالي أن يرفع قدر النبوة وشأنها عن أن تكون موضوعا محترفا في ضيقه، وضيقا في احترافه للمعرفة النخبوية، التي اعطت لها بعض  الاتجاهات والفرق صيغ المشاريع المقننة. ولم يعن ذلك معارضته للتقنين بقدر ما انه سار هنا في اتجاه مخالف للفلاسفة والباطنية وإخوان الصفا، من خلال فسحه المجال أمام ما يمكن دعوته بالتقنين غير المتناهي أو التقنين الذي يفترض في مساره تذليل الهوة السحيقة من اجل بلوغ علياء النبوة في مشكاتها الخالدة. ووفرت هذه الصيغة إمكانية تذليل الهيمنة اللاهوتية المقننة للنبوة من خلال إدراجها في وحدة المسار المعرفي الأخلاقي. مما كان يعني أيضا الإقرار الضمني بالنبوة المعرفية الأخلاقية غير التشريعية. ولم يكن ذلك معزولا عن إدراكه الجديد لحقيقة النبوة، والمرتبط بالطريق الصوفي، أي المراحل التي يسلكها الصوفي في معراجه العلمي العملي، باعتباره طريق سلوك حقيقة النبوة، ورؤية الملائكة وأرواح الأنبياء وسماع أصواتهم واقتباس الفوائد منهم[8]. فهي العملية التي تؤدي في مجرى مشاهداتها في الصور والأمثال إلى صعوبة التعبير عنها[9]. كما في شعر ابن المعتز القائل:

وكان ما كان مما لست أذكره    فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

فهي الحالة التي لا يمكن إدراك حقيقتها دون تذوقها. وذلك لأنه أسلوب إدراكها الفعلي. وبدون ذلك لا يمكن إدراك سوى اسم النبوة لا حقيقتها[10]. وبهذا يكون قد فسح المجال أمام مستويات متنوعة في معرفة النبوة، بفعل حقيقتها غير المتناهية. أما الصفات المعينة لها، والتي حددتها تقاليد الإسلام بست وأربعين صفة فهي مجرد صفات تخمينية في كميتها (عددها)، لانهائية في قرائن تجلياتها. ومع ذلك نراه يدقق في (المنقذ من الضلال) خواصها العامة المعروضة في (إحياء علوم الدين)، بعد أن صاغ فكرتها المبدئية في (المضنون) و(المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) عندما تناول مفهوم الاسم الإلهي (الباعث)، فإنه لم يتطرق له بمعناه الوجودى (الإيجادي) المادي استنادا إلى انه لا يمكن فهم حقيقة معنى الباعث واستنفاده بحدود قضايا البعث والنشر. فالموت ليس عدما، والبعث ليس إيجادا كالإيجاد الاول. إذ ليس البعث سوى إنشاء آخر لا يناسب الإنشاء الأول أصلا. تماما كما إن للإنسان نشئآت عديدة في مجرى تكونه، حيث يعاد خلقه على مستويات يصوغها في ما يمكن دعوته بالبعث المادي والروحي والفكري. فخلق الجسد درجة في درجات الإنشاء، وخلق الروح درجة أخرى، وظهور خاصية الولاية درجة ثالثة، وظهور خاصية النبوة درجة رابعة[11]. فالنبوة تظهر كما لو أنها درجة في الإنشاء الإلهي، والتي لا يمكن إدراكها ويستحيل  الإحاطة بها عقلا، وذلك لأن العقل ما هو إلا درجة في درجات الإدراك والفهم. وإن موقع العقل هذا هو الذي حدد فكرة الغزالي عن استحالة الإدراك العقلي لحقيقة الولاية والنبوة إدراكا كاملا[12].

ولم يعن ذلك في الوقت نفسه استحالة معرفتها. أما التناقض القائم من حيث ظاهره في هذه الأحكام، فما هو إلا رد الفعل المباشر على تجربته الكلامية السابقة، التي جعلته يدور في فلك البراهين النفسية وأحكامها الجدلية. بمعنى استحالة إدراك الحقائق بالضرورة لأن أسلوبها عادة ما يحدده تقاليد الجدل الكلامي. (يتبع...)

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

...................................

[1] إن مختلف جوانب هذه القضية، وبالأخص ما يتعلق منها بكسر مسار الوحدة المتناقضة، هو الجزء الملازم لواحدية الثقافة في عصر ازدهار الخلافة. بينما تحولت قضية النبوة في مراحل الانحطاط  الى جزء من هيمنة السطوة المقدسة والهيبة المفتعلة للجهل الهالك في خياله المسحور. بمعنى بقاءها ضمن الاطار المغلق للولع اللاهوتي. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة المباشرة لحالة الجمود والانحطاط. بمعنى تحول النبوة ومختلف قضاياها الى موضوع قائم بذاته وتدور في افلاكه العنكبوتية مختلف الاحلام الشاردة والخيال المذعور بالزيف الأخلاقي والعبودية المتلذذة بأسقامها وأوهامها. في حين كانت تمثل في عصر الازدهار الثقافي وكينونة الدولة الموحدة معنى المرجعية الضرورة للاجتهاد. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة التي يفرضها الاجتهاد الحر بالقدر الممكن ضمن تاريخ الاراء والمواقف وبما يستجيب لمقدماته الاجتماعية والنفسية ورمزية رؤيته الواقعية.

[2] وهو الأسلوب الذي اتبعه الغزالي لاحقا، كما نراه في اختزاله لعناصر التأويل المعقولة في تقاليد الفكر الفلسفي، التي شقت لنفسها طريقها الخاص في التصوف أيضا. فعندما تطرق، على سبيل المثال، في كتاب (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) إلى الاسم الإلهي (الباعث) وتجليه في حظ الإنسان منه، فإنه ينظر إلى البعث باعتباره رديفا لإحياء الموتى، لكنه طابقه مع موازاة الجهل باعتباره موتا، والعلم باعتباره حياة. من هنا استنتاجه القائل، بأن "من أحيا قلب الجاهل انشأه نشأة أخرى". ووجد فيها الصفة التي تميز الانبياء والعلماء العارفين عن غيرهم. (الغزالي: المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)، ص126).

[3] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص238.

[4] الغزالي: المستظهري أو فضائح الباطنية، ص27.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين ج4، ص194.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين ج4، ص194.

[7] الغزالي: المضنون به على غير أهله، ص94-95. 

[8] ارتبطت هذه الفكرة في منظومة الغزالي بصعود الروح الصوفي إلى مصاف إدراكه المعقول في قيم الثقافة وروابط وجودها المادية. لهذا لا تعني وحدة المعرفة الأخلاقية في منظومة الشريعة السائدة سوى كسر هيبة التقديس المزيفة عن بقايا الوحدة الصلدة للشريعة الفقهية. فالنبوة غير التشريعية (بلا رسالة) هنا هي نبوة المرجعية الملازمة لنموذج الشخصية المتسامية في إنسانها الكامل. وهو موضوع أقرب إلى معرفة الخاصة وتقاليد الروح الصوفي. غير أن انبساطها المعنوي في آرائه قد الزمها بالضرورة اتخاذ صيغة الكلّ الإصلاحي، كما بلور ملامحه الكبرى في (إحياء علوم الدين). إذ لا تعني النبوة غير التشريعية انتفاء قدرتها على تنشيط القانون والحق. إنها تعمل ضمن التقاليد المفروضة بهيبة التقديس. لكنها تتعامل معها بروح المعرفة الأخلاقية. مما يعني تنشيطها الداخلي عبر إدراج تجديدها الممكن في مسار البدائل الأكثر لإنسانية وتساميا. لكنها مع ذلك لا تتعدى في تأثيرها المباشر حدود "القيم المقدسة". لكنها تخترق في تأويلاتها جمود هيبتها المفتعلة. وإذا كانت هذه العملية متناقضة من حيث إمكانيتها المساهمة في مد تقليدية النفس بنفس التقليد، فإنها لا تجعل من هذه المفارقة قانونا ملزما لأنبيائها.

[9] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص140.

[10] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص141-142.

[11] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص124.

[12] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص124-126.

 

بدر الدين شيخ رشيدتنبني جدلية ولاية الفقيه بين الإطلا ق والتقيد، هل ولاية الفقيه ولاية طولية  أم ولاية عرضية؟ ومعنى طولية هي ولاية مسلسلة تمتد  من الله مرورا بالنبي ثم الي الائمة الاثني عشر ثم الي الفقيه  المسوفي الشروط.

أما مفهوم ولاية الفقيه العرضرية فهي ولاية  شوروية بين الفقهاء فيما بينهم بنسبة للحكومة بناء على إنتهاء عصر الائمة.

فمناقشة إشكال حول  ولاية  الفقيه هل مطلقة أم مقيدة بالشوري،  تجد أن أكثر علماء الشيعة الذين جاءوا بعد أحمد النراقي أكدوا على تحديد ولاية الفقيه ما عدا الخميني ، وحسن نصر الله، والإمام علي الخامنئي، وعددا آخرين من رجال الدين، وينبغي أن نشير إلى أن أكثر علماء الشيعة بعد الخميني، والمعاصرين يعتقدون بالولاية المقيّدة.

فعبد الخالق حسين وهو كاتب عراقي أشار إشكالية سلطة الفقيه بين الإطلاق والتقييد في مقال له:«نظرية حكم ولاية الفقيه»، فبيّن أن معظم علماء الشيعة عارضوا فكرة ولاية الفقيه المطلقة ومن بينهم نائبه آية الله حسين علي منتظري(ت:2009م) الذي من المفترض أن يخلفه عن الإمام الخميني، لكنه، عند ما عارض تلك الفكرة عزله الخميني، وبالتالي  عيّن علي الخامنئى المرشد الحالي، والذي لم يصل إلى درجه آية الله 1.

ولهذا، يرى الدكتور مصطفى اللباد انتهاء نظرية ولاية الفقيه بموت الخميني ، معلا ذلك حصول الانفصال بين السلطة السياسية والمرجعية؛ لأن من شرط المرجعية أن يكون المرجع من  أعلم الناس وأفضلهم،كشرط من شروط الإمامة عند الشيعة، إلا أنه لما مات الخميني  عدّل هذا الشرط  ليلائم درجة علي الخامنئي العلمية، والتي لم تصل إلى درجة الاجتهاد، مع العلم بوجود مراجع أرفع منه في المرتبة الدينية، وهكذا ،تم الفصل بين مقام المرشد ومقام المرجعية الدينيّة في عام (1989م)، وبهذا، انتهت نظرية ولاية الفقيه، بحيث لم تعد قائمة بالشكل التى كانت عليه في عصر الإمام الخميني2 .

فإذا طرحنا مثلا عيّنة من عينات حجج  الفريقين حول جدلية ولاية الفقيه بين الإطلاق والتقييد، نجد  أن الذين  يرون إطلاق الولاية يستدلون بالعقل وبعض الروايات  من أئمة الشيعة، ومن جهة أخرى، فالذين يرون تقييدها أيضا يستدلون بأن الولاية المطلقة ثابتة لله ولرسوله وللأئمة، أما الفقهاء، فلا تثبت لهم، وذلك لعدم العصمة لهم.

فالشيخ عبد المنعم المهنا وهو من العلماء الذين يرون الولاية المطلقة، ناقش بها في كتابه:« الدولة الإسلامية بحث في ولاية الفقيه»، وأكد ولاية الفقيه المطلقة، مستدلا بذلك من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ومن أهم ما أستدل به هو القياس وهو مبني على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمارس شؤون القضاء لكونه حاكما لا لكونه معصوما، بناء على هذا، فالفقيه يشترك مع الرسول صلى الله عليه وسلم  في تلك  الخصلة، وعلى هذا الأساس، فكل فقيه مجتهد له ولاية مطلقة مثل ولاية الرسول صلى  الله عليه وسلم3 .

ويبدو لي أن الولاية المقيدة أنسب لنظرية السياسية في ولاية الفقيه  عند الشيعة، وذلك؛ لأن شرط العصمة في الإمام هو أهم شرط فارقت الشيعة عن أهل السنة في شروط الإمام؛ لأنه لو لم يقيد سلطة الفقيه  يمكن  أن تتحول  سلطته إلى استبدادية، مثل السلطات الاستبدادية الأخرى. وقد أفاد هذه النقطة  المحقق   محمد حسين النائيني في كتابه: «تنبيه الأمة وتنزيه الملة»، حيث سوى بين  الاستبداد الدينيّ  وغيره، مشيرا  إلى أن كلا منهما غاصب في حق الأمة وفي حق الله، و من ثم طرح المحقق محمد حسين النائيني تقييد سلطة الحاكم بوسيلتين: الأولى: وضع الدستور المفصل للسلطات. الثانية: تكوين هيئة المراقبة للاشراف على الدستور 4.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

..........................

- عبد الخالق حسين، نظرية  حكم ولاية الفقيه ( الحوار الممتد، العدد: 3238 ، تاريخ النشر،  6  -1-2011م)،  أنظر الرابط:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=240811

- د. مصطفي  اللباد، حدائق الأحزان، إيران وولاية الفقيه، دار الشروق، القاهرة، مصر، (بدون تاريخ الطبع)، ص200.

- الشيخ عبد المنعم المهنا، الدولة الإسلامية بحوث في ولاية الفقيه،  (PDF)،(بدون تاريخ الطبع والناشر)،ص10.

- المحقق محمد حسين النائيني، تنبيه الأمة وتنزيه الملة،(PDF) (بدون تاريخ الطبع والناشر)،ص19.

 

عدنان عويدتعتبر قضية تدوين الحديث قضية إشكالية كبيرة، وعلى أساسها ظهرت خلافات فكرية وفقهية وسياسية لم تزل قائمة حتى اليوم. فهناك من يقول بأن الرسول قد سمح بكتابة الحديث، بناء على روايات مؤيدة للتدوين، حيث جاء في المستدرك عن الصحيحين عن عبد الله بن عمرو، أنه سأل النبي أن يكتب ما يسمعه منه في كل أحواله، فأجاب النبي (نعم، إنه لا ينبغي لي أن أقول إلا حقاً.). أو اعتمادهم على الآية القرآنية التي تقول: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى - النجم ). (النجم 3-4).

هذا في الوقت الذي نجد فيه أحاديث وروايات للرسول والخلفاء الراشدين وللصحابة تنفي دعوة الرسول لكتابة الحديث. ولكثرة هذه الروايات المتعلقة بآراء الرسول والخلفاء والصحابة يجعلنا نقف على مدى صحة روايات من قالوا بأن الرسول أمر بتدوينه.

لا شك أن الرسول ميز بين ما يقوله هو كبشر، وبين ما يوحى إليه من عند الله. إذ هو في نهاية المطاف بشر شأنه شأن الآخرين.

وهناك في الحقيقة أدلة كثيرة تؤكد لنا أولاً بشرية الرسول. كما في قول الآية: ( قل سبحان ربي، هل كنت إلا بشراً رسولاً). الإسراء .(الآية 93). وقول الآية:  (وقل إنما أنا بشر مثلكم.). الكهف – الآية – 110).

ونجد أيضاً من الحوادث التاريخية المعروفة والمشهورة في حياة الرسول ما يؤكد بشريته حيث كان يقول: (إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر). رواه مسلم والنسائي. وكذلك في حديث له رواه مسلم. (إن ظننت ظناً فلا تأخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل.). وكذلكً قول الرسول في حجة الوداع: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقضي له قطعة من نار.).(1). وهذا ما يؤكد بأن ليس كل ما يقوله الرسول هو وحي يوحى، أي إن هذه النصوص تؤكد بلا شك أن ما لله في وحيه لله، وما للرسول من قول خاص به فله، وهذه الآيات والروايات تضع الحدود بين كلام الله وكلام الرسول. وبالتالي فإن مضمون الآية المتعلقة بما ينطق عن الهوى، هي خاصة بنصوص القرآن التي كانت توحى للرسول ، وهذا ما سوف نعرج عليه تالياً.

موقف الرسول من كتابة الحديث:

أما موقف الرسول من كتابة أو تدوين الحديث فهناك الكثير من الأحاديث التي تبين رفضه لكتابة الحديث.

ففي حديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي، وأحمد والدرامي عن أبي سعيد ألخدري قال: ( قال رسول الله (ص) لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فاليمحه".).

وعن أبي هريرة  يقول: ( خرج علينا رسول الله (ص) ونحن نكتب الأحاديث، فقال: " ما هذا الذي تكتبون ؟. قلنا أحاديث نسمعها منك . قال: كتاب غير كتاب الله ؟. أتدرون؟. ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى).

إذن إن الرسول كان يعرف دوره في هذه المسألة التبشيرية. فهو ليس أكثر من مبشر وداع لهذا الدين بما يأمره الله.

موقف الخلفاء من كتابة الحديث:

أما موقف ابي بكر فقد قال: (إنكم تحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها. والناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه.).(2) .

ولقد روت عائشة، حسبما جاء في "تذكرة الحفاظ" للإمام الذهبي، أن أبا بكر جمع عن النبي خمسمئة حديث، ثم بات ليلته يتقلب، ولما أصبح قال لعائشة: أي بنية لمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها فدعا بنا فحرقها فقلت: لم أحرقتها؟ قال: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت، ولم يكن كما حدثني فأكون قد نقلت ذاك).

أما موقف عمر فقد قال: (إني كنت أريد أن اكتب السنتين، وإني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً.) . وله قول آخر أيضاً: (أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل.).(3).

لقد كان عمر بن الخطاب أشد رفضاً من أبي بكر لرواية الأحاديث وتناقُلها على ألسنة الناس. حيث جاء في "تقييد العلم" للخطيب، أن ابن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار فيها أصحاب رسول الله، فأشار عليه عامتهم بذلك، وبعد شهر قال: (إن أناساً من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبِس كتاب الله بشيء أبداً.) وترك كتابة السنن.

هذا ولم يكتفِ عمر بما اهتدى إليه من عدم كتابة السنن، بل أحرق الكتب التي جُمعت فيها الأحاديث. جاء في "تقييد العلم" للخطيب أن عمر بن الخطاب، بلغه أنه قد ظهر في أيدي الناس كتب فاستنكرها وكرهها، وطلب من الناس رؤيتها، فظنوا أنه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار، ثم قال: (أمنية كأمنية أهل الكتاب.). كما منع عمر الرواة من تناقل الأحاديث. وجاء في "مختصر تاريخ دمشق" لابن منظور و"البداية والنهاية" لابن كثير أن عمر بن الخطاب قال لأبي هريرة: (لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس! وقال لكعب: لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة.) وجاء في "تذكرة الحفاظ" للإمام الذهبي أن عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري؛ فقال: (لقد أكثرتم الحديث عن رسول الله.) وجاء في كتاب الإرشاد لأبي يعلى الخليلي أن عمر بن الخطاب حبس جماعة منهم أبو هريرة وقال: (أقلوا الرواية عن رسول الله، وكانوا في حبسه إلى أن مات).

وهذا الخليفة عثمان بن عفان له الموقف من الحديث ذاته: حيث جاء في "الطبقات الكبرى" لابن سعد أن: عثمان بن عفان وقف على منبر وقال: (لا يحل لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر، فإنه لم يمنعني أن أحدث عن رسول الله ألا أكون من أوعى أصحابه عنه، ألا إني سمعته يقول: مَن قال عليّ ما لم أقل فقد تبوأ مقعده من النار.).

ملاك القول:

لا شك أن للسياسة دوراً كبيراً في اعتماها على الحديث، وخاصة زمن الخلافة الأموية بسبب حاجة الخلفاء الأمويين ومن جاء بعدهم للحديث من أجل تثبيت حكمهم وشرعنته بعد أن حوله معاوية إلى ملك عضوض، فبعد وفاة الرسول ووقوف الوحي، وبعد جمع القرآن، لم يعد هناك مجال للاعتماد على النص القرآني في تبرير أو شرعنة ما جاء من أحداث تخللتها المصالح السياسية والاقتصادية من جهة، ثم توسع حياة المجتمع والدولة وحاجتها لتشريعات تتناسب مع هذا التوسع من جهة ثانية، لذلك راح الحديث يتصدر المشهد السياسي والفقهي من قبل المعارضة والموالاة معاً حتى وصل عدد إلى (130000) الف حديث، معتمدين في تبرير نسبه إلى الرسول بشكل أساس على الآية القرآنية القائلة: (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوي). (سورة النجم. 1-5). من خلال تفسيرهم لهذه الآية على أنها تعني كل ما قاله الرسول في حياته وعمله. الأمر الذي جعل مروان بن الحكم الذي لمس سيولة غير مسبوقة من الأحاديث على لسان المعارضين للحكم الأموي، أن يتخذ موقفاً من الأحاديث التي كانت تروى عن الرسول ضد بني أمية وظلمهم، فراح يخاطب أهل المدينة قائلاً: ( يا أهل المدينة إن أحق الناس أن يلزم الأمر الأول لا أنتم. وقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق لا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن. فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم رحمه الله، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم). (4). وهذا دليل على عدم الركون إلى الأخذ في الحديث وتقديسه.

على العوم : تذكر المصادر التاريخية أن أول من دون الحديث عند السنة تدويناً رسمياً هو (محمد بن مسلم بن شهاب). المتوفى سنة 124 هـ بأمر من عمر بن عبد العزيز، حيث نقل عنه  قوله: (لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني). (5). إلى أن جاءت محنة البرامكة زمن هارون الرشيد، ودورهم في الترويج لفكر البيت العلوي، الأمر الذي دفع الخليفة هارون أن يعتمد على الشافعي في العمل على مواجهة موقف البرامكة، بموقف ما سمي بأهل السنة والجماعة، فقام  الشافعي بوضع أصول الفقه السني، وحدد المصادر الأساسية للتشريع فيه وهي القرآن والحديث والاجماع والقياس. فمع الشافعي راح الحديث يأخذ مكانته العلمية والتشريعية وحتى وضعه المقدس بعد القرآن، على أساس أنه كلام موحى به من عند الله للرسول كما جاء في تفسيرهم للآية (وما ينطق عن الهوى...)، ويكون الشافعي بعمله السياسي هذا قد اغلق العقل تماماً على ما يريده أهل السنة والجماعة كما سموا أنفسهم، إلى أن جاء الانقلاب الفقهي والكلامي للمأمون الذي حارب النقل (الخطاب السني) واتخذ من العقل وحرية الإرادة وسيلة للوصول إلى الحقيقة، فكانت محنة ابن حنبل، التي أفرج عنها الخليفة المتوكل سنة 232هـ، بإصداره الفرمان المخالف  لفرمان المأمون، أي محاربة من يعتمد على العقل وضرورة العودة إلى النقل، أي العودة إلى التمسك بأصول الفقه التي حددها الشافعي ومشروعه السياسي السني، وشكلت محاكم التفتيش ضد كل من يقول بالعقل وحرية الإرادة.

فمع إصدار المتوكل فرمانه الموالي للسنة، مكّن فيه أهل الحديث (النقل) ووفر لهم الجو من التفرد بكتابة الحديث أو تدوينه. أي كتابة تصورهم المفهومي الخاص للإسلام وتشريعه الملزم، ومحاربة كل من يخالفهم واتهامه بالكفر والزنقة، كون الحديث أخذ يشكل مع الشافعي أحد القوانين التشريعية الرئيسة بعد القرآن في ضبط حركة المجتمع ومصالح الناس. ففي غضون الفترة المباشرة التالية للانقلاب السني مع بيان المتوكل، فرغ أهل الحديث من تفعيل النص النهائي للسنة سنداً ومتناً، فظهرت كتب الحديث الستة الشهيرة وهي : (صحيح البخاري المتوفى سنة 256 هـ. وصحيح مسلم . المتوفى سنة 262هـ . وكتاب الحديث لإبن ماجة المتوفى سنة 273هـ. وسنن أبي داوود المتوفى سنة 275هـ. وكتاب الترمذي المتوفى سنة 279هـ. وكتاب النسائي المتوفى سنة 303). وقد اكتسبت كتب الحديث هذه وخاصة مسلم والبخاري صفة المصداقية المطلقة في كل ما ورد فيها من حديث،. (6)

منذ ذلك التاريخ أي منذ منتصف القرن الثالث للهجرة ومحاكم التفتيش السنية السلفية تقف بالمرصاد لكل من ينتقد الحديث ويقول بالرأي، فهذا ابن حنبل يقول : الحدبث الضعيف عندي أهم من الرأي). وعلى هذا الرأي قدس الحديث ورواته وجامعية، جتى نالهم التقديس شأنهم شأن القرآن ذاته. بل راح بعضهم ينسخ القرآن بالحديث نفسه.

ملاحظة: ظهر المذهب الجعفري مع نهاية الدولة الأموية  وبداية بناء الدولة العباسية، مع بداية ظهور المذاهب السنية. فعندما أقيمت الخلافة العباسية انشغلت  بتطهير الأرض من بني أمية والقضاء على الفتن الصغيرة وتوطيد دعائم الدولة الجديدة، وكانت بحاجة إلى وقت لتثبيت حكمها وتشييد أركان نظامها، ولذلك لم تعنَ كثيراً بالحركات الدينية والثقافية، مما أتاح للإمام  جعفر الصادق (80هـ 148هـ) نشر مذهب وفقه أهل البيت، وتربية عدد كبير من العلماء الفقهاء والمفسرين والمتكلمين. وقد ورد من الأحاديث والروايات عن الإمام الصادق ما لم يرد عن غيره من الأئمة المعصومين، خصوصاً في الفقه الإسلامي. فإن المذهب الشيعي ازدهر في ذلك العصر فعُرف منذ ذلك العصر بالمذهب الجعفري.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

..........................................

الهوامش:

1-  فجر الإسلام – احمد أمين ص 234

2-  الذهبي – تذكرة الحفاظ- 1333هـ ج1 – ص3. طبعة الهند.

3-  ابن عبد البر – جامع العلم وفضله- المطبعة المنيرية- ج1- ص64-65.

4-  ابن سعد – الطبقات- دار صادر بيروت- ج5- ص233

5- نقلاً عن كتاب نشأة الشيعة والتشيع – للإمام محمد باقر الصدر 6– 2- السلطة في الإسلام – عبد الجواد ياسين- مصدر سابق-  ص 153-154  تحقيق وتعليق الدكتور عبد الجبار شرارة – بيروت 1996 –

 

ميثم الجنابيمن نقد الفكر إلى نقد الواقع: تبرز الصيغة النقدية الكبرى وطابعها الإصلاحي العملي عند مطهري من خلال نقد الفكر الديني التقليدي. وقد شكلت قضايا النبوة والإمامة والفقه من بينها أكثرها إلحاحا وشيوعا في مؤلفاته بسبب أهميتها الجوهرية بالنسبة لقضية العمل. من هنا نقده المسهب للتصورات والأحكام المنتشرة عن الله والنبوة والوحي. وانطلق من تقرير الفكرة القائلة، بأن حقيقة المعرفة بالله أوسع وأعمق وأعقد مما يجري تصويره للمبتدئين. بينما اعتبر الفكرة القائلة بأنه لا دور للأفراد في المعجزة وأنها صنيعة إلهية، فكرة ليست دقيقة. وذلك لأن العلاقة بين النبوة والمعجزة هي علاقة الوسائط الضرورية. فالله يعمل من خلال الوسائط. وبالتالي، فإن المعجزة مرتبطة بالأذن الإلهي، ولكن بوصفه إعطاء الفرد إمكانية الكمال. فالمعجزة تجري من خلال الإنسان الكامل. والأخير هو جهد وجهاد فردي. ووضع هذه الحصيلة النظرية في اساس انتقاده الفلسفي للآراء التي قال بها محمد إقبال حول ماهية الوحي بوصفه مرحلة تاريخية ثقافية وطبيعية ترتبط بالقدرة على التكيف مع الطبيعة. ومن ثم، فان حقيقة الوحي متأتي من الحياة نفسها عبر تذليل الغريزة وهيمنة العقل. وان الوحي المحمدي يحتوي على الصيغة الأولية والثانية. بمعنى انه وحي بالمعنى القديم، ووحي بالمعنى الحديث، الذي توج بهيمنة العقل والدعوة إلى التفكر والتعقل بالتاريخ والطبيعة. وهنا ينتهي دور الوحي والرسالة وتنتهي مرحلة الطفولة. وبالتالي، فان الإسلام هو بيان العقل البرهاني والاستقرائي.

وقد انتقد مطهري هذه النتيجة التي وجد فيها صيغة من الصيغ التي تسعى للبرهنة على انتهاء الدين وليس النبوة والوحي والرسالة. كما أنها تتعارض مع الفكرة الجوهرية لمحمد إقبال نفسه حول التوحيد الإسلامي وعلاقة الثابت(الله) بالمتغير (الوجود). وبالضد منها وضع مطهري أفكاره القائلة، بان الوحي أوسع وأعمق من العقل التجريبي. وكل أيديولوجية مبنية على معطيات العقل التجريبي عادة ما تؤدي إلى الضلال، بينما الأيديولوجية الحقيقية هي التي تنطلق من الوحي وتستند عليه. إن عدم إدراك هذه الحقيقة ليس نتيجة ضعف ذهني عند محمد إقبال، بل هي نتاج تأثره بالأيديولوجيات الغربية واغترابه أمامها. فذهنية وفكر إقبال عميقة وعظيمة لكنها متناقضة في تدليلها وأسلوبها رغم وجدانه الذائب بصورة تامة في الإسلام، والسبب هو أن مصادر ثقافته غربية وليست إسلامية. اذ أن معرفته بالثقافة الإسلامية سطحية وبالأخص في مجال الفقه والتصوف والفلسفة. لهذا اعتبر من الخطأ مقارنته بالأفغاني. فالأخير أكثر نبوغا وأوسع ثقافة، إضافة إلى أن أصول معرفته إسلامية ، أما الثقافة الغربية فثانوية.

أما ما يخص فكرة الإمامة، فانه انطلق من أنها فكرة دينية من حيث الأصل وليست سياسية. فالإمامة ليست الحكومة. أنها مثل إمامة النبي محمد، التي كان الأساس الديني فيها مصدر وقوة السياسة. وهي الفكرة التي ينبغي وضعها في التعامل مع التاريخ السياسي الاسلامي والبدائل. من هنا فكرته عن ضرورة نقد التاريخ بالشكل الذي يجعله جزء من الوعي النقدي والرؤية السليمة للمستقبل. فالتركيز على السلبيات سلب. تماما كما أن التركيز على الايجابيات فقط سلب أيضا. والعدل في النقد هو الاعتدال، أي النقد السليم لتجارب الأسلاف. إذ لا يخلو تاريخ دين وأمة من السلبيات والإيجابيات. وتاريخ الإسلام هو من بين أكثرها امتلاء بالايجابيات والفضائل والأقل في السلبيات والرذائل.

وطبق هذا الموقف على القضية الأكثر جوهرية بالنسبة للتاريخ الشيعي وفكرته السياسية، ألا وهي فكرة الإمامة الشيعية و"أهل البيت" النبوي. وتوصل في مجرى تتبعه وتحليله لهذا التاريخ إلى أن تاريخ العلاقة بهم (أئمة الشيعة) يكشف عن تحولهم إلى قوة مخدرة عوضا عن الاتعاظ بها وجعلها قدوة في العمل. بحيث نراه يتكلم عما يمكن دعوته بتصنيم الأئمة وترك العمل. فالاختلاف بين الشيعي وغيره، كما يقول مطهري، يقوم في العمل فقط، اي انه يختلف فقط حالما يجعل عمله شبيها بعمل الأئمة. ومن خلال تناول ونقد الكثير من الشخصيات والأحداث والوقائع التي جرى تحويلها إلى أساطير، توصل إلى استنتاج يقول، بان الإسلام لا يقول بالعقيدة بل يقول بفكرة الجهاد من اجل الحق.

فيما يخص الفقه فانه سعى لتحديد أهميته المعاصرة من خلال تناول أهمية العلم والعلوم، وفكرة الواجب والكفاية فيها. فالكفاية ضرورية في كل علم. من هنا رفضه لفكرة العلوم الضارة. اذ لا ضرر في العلوم جميعا. وبالتالي لا ضرر بالاستفادة من الإنتاج العلمي في كل مكان لأنه جزء من تاريخ المعرفة والكمال الإنساني. لاسيما وان التفاعل بين الثقافات والحضارات أمر طبيعي. فالتفاعل لا يعني التقليد وانعدام الأصالة، على العكس. فأصالة الإبداع لا تتعارض مع التفاعل، بل تستوجبها. وذلك لان الأصالة تعمل بمعايير التمثل وليس الإتباع. فالتمثل الثقافي شبيه بعمل النحلة التي تتمتع بمختلف نماذج الوجود وتصنع عسلها الخاص. وفيما يخص الثقافة الإسلامية، فان خليتها الأولى نشأت في المدينة. وقد كانت منذ البدء ثقافة فقهية، بمعنى الفهم والإدراك وبمعنى أولوية وجوهرية القضايا العملية لوجود المجتمع وحل مشاكله. لهذا أنتجت الثقافة الإسلامية إعدادا كبيرة من الفقهاء العظام. إضافة لذلك أن ما يميز تقاليد الفقه الاسلامي هو ديمومتها واستمرارها وعدم انقطاعها مقارنة بغيره من العلوم.

وفيما يخص فقهاء الشيعة فقد جرى تجاهل التطرّق إليهم ضمن سياق ومسار التاريخ الاسلامي، رغم إبداعهم الهائل. وإذا كان الفقه الشيعي قبل الغيبة محكوما بنشاط الأئمة، بمعنى تصدرهم للإفتاء، فما بعدها، أي منذ القرن الرابع الهجري، فقد اتجه صوب الظهور المتعدد لشخصياته الكبرى مثل علي بن بابويه القمي وابنه الشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، والمرتضى، وأبو جعفر الطوسي شيخ الطائفة ومؤسس الحوزة العلمية في النجف، وأبو القاسم الحلي المحقق، والحسن بن يوسف العلامة الحلي، ومحمد بن مكي الشهيد الأول، والسيد مهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، وميرزا حسين النائيني وعشرات غيرهم. كل ذلك يكشف عن جغرافيا الإبداع النظري الشيعي في مجال الفقه، والتي انتشرت مراكزها حسب التسلسل الزمني من بغداد إلى النجف والحلة  (بابل) ومن ثم إلى جبل عامل ثم حلب وبعدها إلى إيران زمن الصفوية، والتي وضع تقاليد الفقه الشيعي فها فقهاء جبل عامل مثل المحقق الكركي والشيخ البهائي.

غير أن هذا الكم الهائل والإبداع النظري العظيم للفقه تعرض شأن غيره من العلوم إلى جمود وانغلاق مكتفي بذاته وبإشكالاته وقضاياه التقليدية. ولعل اشد نواقصه تقوم فيما اسماه مطهري بالابتعاد عن فقه العمل. وإذا كان تاريخ الفقه الشيعي يعرف حالات فردية تتسم برؤية نقدية حادة ودعوة للإصلاح، فأنها سرعان ما كنت تندثر وذلك لأسباب عديدة لعل أهمها أنها حالات فردية، وثانيا أنها لم تنح منحى عمليا إصلاحيا شاملا مرتبطا بالحياة وحاجاتها. لقد أراد القول، بان محاربة الفقه أو الفقهاء لن يغير شيئا. فهم في هذه الحالة أشبه بالجراد زمن القحط، القضاء على بعض منهم يزيدهم قوة. بينما المهمة تقوم في إبداع منظومة فقه العمل. فالفقيه حسب تصور الفقه الاسلامي ليس قائدا، كما يقول مطهري. إن القائد هو الإمام. وبالتالي، فان مهمة انتقاد تقاليد التحجر والجمود والتقليد والنقل في الفقه هو شكل من أشكال إحياءه الفعلي، أي إرجاعه إلى أصوله بوصفه فهما وإدراكا للحياة والعمل بمعايير الواقعية والإصلاح. من هنا دعوته إلى ما اسماه بالتخصص والتنوع والاستشارة والرجوع إلى المتخصصين كما هو الحال في العلوم المعاصرة. واقترح تشكيل مجلس علمي استشاري بهذا الصدد كما هو الحال بالنسبة للعلوم الدقيقة.

وطبق هذا الموقف تجاه كافة القضايا التي تناولها في كتبه العديدة مثل موقفه من الشعائر الدينية، والأخلاق، والقيم، والشك واليقين، والتوكل، وأصول الإسلام وغيرها. ففي موقفه من شعائر الدين قال بأنها ضرورية، لكن الدين هو ليس الشعائر. واعتبر الأخلاق ثابتة من حيث أصولها متغيرة بفروعها، وان الشك ضروري لليقين، كما أن التشاؤم يتعارض مع حقيقة التوحيد، وان الإسلام هو دين العمل وكل ما يتعارض مع ذلك هو سبب من أسباب الخراب الكبرى في الموقف منه. ووضع هذه الأفكار في اساس موقفه الإصلاحي في تحديد ماهية ووظيفة المفاهيم المفصلية في التراث الاسلامي مثل التقية والتوكل والقضاء والقدر وما شابه ذلك. اذ نراه ينتقد بشدة التفسير السائد عن التقية باعتبارها خضوعا واستسلاما، والتوكل باعتباره تخاذلا، والزهد بوصفه تخليا عن الحياة والعزلة، كما عارض فكرة فصل الحياة إلى دنيا وآخرة ومعارضة إحداهما بالأخرى، كما رفض الإفراط بالعبادات. بينما نراه يركز على مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، باعتباره احد المبادئ الجوهرية للعمل. فقد  اضمحل هذا المبدأ، كما يقول مطهري، للدرجة التي أصبح فيها مجرد عبارة أخلاقية لا تتعدى حدود النطق أو اللسان. بينما جعل منه المعتزلة أصلا من أصول الدين الخمس، لكنه تعرض عندهم أيضا مع مرور الزمن إلى الاضمحلال والتلاشي. في حين اعتبره الشيعة فرعا، بل نراهم يحذفوه مع مرور الزمن من التناول في قضايا الفقه. في حين أن حقيقته ترتقي إلى مصاف المبدأ الدائم بالنسبة للإسلام، شأن الصلاة والصوم وأمثالها.

لقد شكل انتقاد الفكر مقدمة نقد الواقع. حيث نعثر في مؤلفاته العديدة على نقد موضوعي ومتجانس تجاه مختلف القضايا الحساسية بالنسبة للوعي الاسلامي الحديث. من هنا دخول القضايا الاجتماعية والقيم الحياتية والسلوك الاجتماعي وقضايا المرأة وغيرها في فلك اهتمامه النظري والعملي.

فقد انتقد مختلف مظاهر السلوك الاجتماع، والتي أدرج فيها ما اسماه بالروح الانهزامية حيث وجد فيها شيئا يتعارض مع حقيقة التوحيد الاسلامي. وانتقد مختلف مظاهر الاستلاب الثقافي لأنه وجد فيها تدميرا للقوة الذاتية المبدعة. كما أنتقد مظاهر الخنوع بلا عمل، والعمل بلا فرائض، حيث وجد فيهما ضمورا للروح والعقل وعبثا لا معنى له. كما انتقد غياب الروح الإصلاحي مع أن احد مبادئ الإسلام الكبرى هو العمل بالمعروف والنهي عن المنكر. كما انتقد ضعف الخدمة الاجتماعية، بينما هي حالة ضرورية للفرد والجماعة والدولة، انطلاقا من أن أعظم العلماء والفلاسفة وغيرهم لم يكونوا مصلحين لكنهم قدموا خدمات جليلة للمجتمع. كما انتقد مظاهر الفكرة القائلة، بان الأغلبية صائبة على الدوام. واعتبر أن الأغلبية ليست صائبة على الدوام. كما وجه نقده اللاذع لمختلف قضايا البدع والخرافات وغيرها من المظاهر السلبية السائدة في العرف لإسلامي.

وشكلت قضية المرأة إحدى أهم القضايا التي توسع في تناولها في عدد من كتب وأبحاثه ومحاضراته. وانطلق في موقفه من هذه القضية من المبدأ العام القائل، بأنه ليس في الإسلام رؤية تحقير تجاه المرأة بوصفها مصدر الخطيئة، وأنها صنعت من ضلع الرجل وما شابه ذلك من مواقف وأساطير. وفي موقفه من الحجاب الاسلامي شدد على انه على خلاف غيره لا يحجّر نشاط المرأة  بل على العكس انه يفجر طاقاتها. فهي تمتلك المواهب كالرجل. وان معنى الحجاب الاسلامي هو ما يؤدي إلى تنويع وتوسيع نطاق عملها المنتج والمثمر وليس تحويلها إلى مجرد كتلة من الرغبات الجنسية للرجل. من هنا انتقاده لمختلف الموروثات عن المرأة والموقف منها من اجل بلورة روية معتدلة تستدل بالتاريخ والفكرة الإسلامية السليمة والحاجة المعاصرة من دون إفراط وتفريط. وتوصل إلى استنتاج نقدي عام يقول، بان العالم الاسلامي قد أهمل حقوق المرأة المهمة. وبالتالي، فان المهمة تقوم بإرجاع حقوقها التي كفلها الإسلام أولا، لا أن يجري إضافة مشاكل لها بمعايير الروية الغربية. فلإسلام لم يقرر حقوقا متشابهة للرجل والمرأة في كافة الحالات كما تختلف واجباتهم والعقوبات أيضا.

لقد تناول مطهري مختلف جوانب قضية المرأة  بطريقة معهودة في كتابات الإسلاميين الحديثة، لكن ما يميز موقفه هو إدخال الجدل العقلي والفلسفي والثقافي فيها، وتقديم مختلف المقارنات والحجج  المستقاة من تجارب الغرب والشرق والعالم الإسلامي. وفيما يخص القضية الشائعة عن تعدد الزوجات، فقد كانت مواقفه الشخصية وميوله تقوم في الدفاع عن النموذج المعتدل للرؤية الإسلامية، بمعنى بقاءه ضمن سياق الحاجة والضرورة وأفضلية الزوجة الواحدة.

إن الصورة العامة لرؤيته النقدية وغاياتها يمكن حصرها في فكرة عامة تقول، بان نقده يتسم بروح السعي الإصلاحي والبديل المتفائل من جهة، والعمل بما يتناسب مع إدراك المعاصرة والعمل الجماعي للبدائل من جهة أخرى. اذ نراه يشدد على ما اسماه بضرورة إدراك المعاصرة، انطلاقا من أن الذي يعرف عالمه الحاضر لا تلتبس عليه الأمور. أما ضرورة العمل الجماعي، فتنطلق من أن الفكرة البديلة ينبغي أن تكون على الدوام عملية واجتماعية. من هنا موقفه العام عما اسماه بضرورة توحيد الجهود الإسلامية وليس توحيد المذاهب. بمعنى فسح المجال أمام التنوع والتعدد في الاجتهاد مع الإبقاء على مرجعية العمل المشترك.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

بدر الدين شيخ رشيدخاض سيد قطب صراعا أدبيا فكريا مع عدد من رجال الأدب، ويمكن أن نتساءل ما الدوافع للنقد الأدبي بين سيد وغيره من الأدباء المفكرين؟ هل هو مجرد دوافع شخصية ذاتية  تخضع لذوق الأديب مع اختلاف ذوق الآخر في الرؤيا؟  أم أن هناك دوافع أخرى: فكرية وأيدلوجية تخلق هذا الصراع الفكري الأدبي؟

يبدو أن الصراع الأدبي بين سيد قطب وخصومه، كان صراعا فكريا تابعا لاختلاف الفكر والأيدلوجيات، مما يتعلق بالتفسير الأديب وعلاقته مع الدين والوطن والتاريخ الإسلاميّ،  فسيد قطب كان أدبه قريبا إلى الأدب الإسلامي الذي لا ينفتح على الثقافة الغربية وحضارتها وذلك بسبب أصوليته الشديدة للفكر الإسلامي الأصوليّ،  ولهذا، نجد أن أول صراع أدبي دخله، يلتمس فيه أنه كان صراعا بين  مدرستي الإصلاحيين والمحافظين في الفكر، فسيد فطب كان محافظا فيما يبدو بالمقارنة إلى مجموعة أبي لو، والتي يترأسها الدكتور أحمد زكي، بحيث يظهر أنها كانت  إصلاحية منفتحة.

ويدل على ذلك نقد الدكتور أحمد زكي التراث الإسلامي، وهذه هي سمة النقاد الاصلاحيين، كما تدل معركته مع عبد المنعم خلاف، عام(1944م)، حيث انتقد عبد المنعم خلاف على سيد قطب في قضية: الصلة بين القرآن والإيمان والعقل والوجدان، واتهم عبد المنعم خلاف على سيد  قطب بأنه لم يجعل موطن العقيدة والإيمان هو الوجدان، وبالتالي أنه يقصي الذهن والعقل ويلغي دورهما في التعامل مع الإيمان[1].

من جانب آخر، رغم أن الصراع الأدبي بين سيد قطب وخصومه له طابع الصراع الأصولي والإصلاحي، إلا أنه لايخلو في بعض الأحيان، كونه صراعا  ذاتيا وليس موضوعيا، كما ستلاحظ من خلال عرضنا لنماذج من ذلك الصراع الأدبي.

نماذج من الصّراع الأدبيّ عند سيد قطب:

سنعرض نماذج من الصراع الأدبي عند سيد قطب وخصومه، ومن أشهرها:معركة المنبر الحر، عام ( 1934م) ، معركته مع الرافعيين،عام (1938م)، معركته مع الدكتور محمد مندور، حول الأدب المهموس، عام (1943م)، معركته مع عبد المنعم خلاف حول التصوير الفني في القرآن، عام ( 1944م)، معركته مع دريني خشبة، عام (1943م)، معركته مع صلاح ذهني، عام ( 1944م)، معركته مع إسماعيل مظهر، عام (1956م)، وإليك عدة نماذج:

معركة المنبر الحر عام ( 1934 م):

خاض سيد قطب هذه المعركة من على المنبر الحر «مجلة الأسبوع»  في صيف عام (  1934م)، فكات المجلة قد أسمت صفحة النقد فيها  المبنر الحر وفتحت المجال لسيد، ليشن الحرب على الأدباء الآخرين، كما فتحت المجال لردود الآخرين عليه، وكان عنيفا في معركته، وكانوا أيضا عنيفين في ردودهم، ونشر في زاوية المنبر ست مقالات نقدية متسلسلة تحت عنوان:« معركة النقد الأدبي ودوافعها الأصلية »، فذكر في المقالة الأولى قولا عن الدوافع الخفية لمعارك النقد الأدبي في ذلك  الوقت  فقال:« لعل من الخير ألانغالط أنفسنا في الحق؛ لأنه مرّ، ولا نشيح بوجوهنا عن الواقع؛ لأنه مؤلم، ولعل من الخير إذن أن نقول  :إن كثيرا من بواعث المعارك النقدية لم يكن كريما،كما أن كثيرا من أسلحتها لم تكن شريفا، وإنه لخير أن نقول هذه الكلمة قبل أن يقولها التاريخ، وقبل أن تأتي أجيال بعدنا تنظر إلينا نظرة التقزز والاشمئزاز وترى في بعضنا خبثا وفي البعض الآخر غفلة»[2].

صراعه مع الرافعيين عام (1938م):

لما توفي الرافعي عام (1937م)، كتب تلميذه محمد سعيد العريان مقالات  في مجلة «الرسالة» يشيد فيها بالرافعي، ثم بدأ سيد قطب ينقد في مقالاته  العريان، فنشر مقالته الأولى في العدد 251، من مجلة «الرسالة» الصادرة بتاريخ 25 أبريل (1938م)، وجعل عنوانه بين العقاد والرافعي، فقارن فيه بينهما، حيث قال:«  وبعد: فما يمكن أن يتفق العقاد والرافعي في شىء فلكل منهما نهج لا يلتقي مع الآخر في شىء، فالعقاد أديب الطبع القوي والفطرة السليمة، والرافعي أديب الذهن الوضاء، والذكاء اللماع، والعقاد متفتح النفس ريّان القلب والرافعي مغلق من هذه الناحية، متفتّحُ العقل وحدَه للّفتات والومضات، والطاقة العامة لكل منهما في ناحيته متفاوتة بعد ذلك، فطاقة العقاد النفسية أقوى من طاقة الرافعي الذهنية، وعالَم العقاد والحياة في نظره أشمل وأرحب بكثير من العالم الذي يعيش فيه الرافعي ويبصر الدنيا على ضوئه، وإذا لم تكن كلمة اليوم تتسع لضرب الأمثال، فستتسع الكلمات المقبلة للمثال بعد المثال»[3].

ويمكن لنا أن نفهم من نقد سيد قطب على الرافعي ودفاعه عن العقاد من حيث الاختلاف في التوجه الفكري، فالعقاد كان من رواد الفكر السياسيّ الإسلامي الذين دافعوا عن الحضارة الإسلامية وزيفوا  الحضارة الغربية، فيما نجد أن الرافعي كان يغلب عليه الطابع الأبي، ولذا كان  دفاعه منصبا حول التراث الأدبي العربي  والإسلامي، ولم يكن كالعقاد في الدفاع عن الفكر الإسلامي السياسي المعاصر.

صراعه مع دريني خشبة عام ( 1943م):

كانت  صراع سيد مع دريني خشبة قصيرة وسببها رد دريني خشبة على مقال لسيد في نقد وتحليل كتاب: «أحلام شهرزاد»  لطه حسين، حيث كتب خشبة في مجلة الرسالة واعتبر ثناء سيد قطب على القصة أمرا  يدل على عدم اهتمامه بالأخلاق؛ لأن القصة تتنافى مع الأخلاق، ثم ردّ سيد قطب عليه، ولكن خشبة لم يسكت بل فنّد كلام سيد في رد آخر عليه.

هذا، ولما دارت معركة بين سيد والدكتور محمد مندور فيما بعد، تدخّل دريني خشبة ضد زميله سيد قطب، فما كان من الأخير إلا أن ردّ عليه، ودارت بينهما معركة  ثالثة عند ما هاجم أحدُ شيوخ الأدب الذي رمز اسمه بالحرفين: أ.ع. الشعراء الشباب، فرد عليه دريني خشبة ودافع عن الشعراء الشباب، وذكر  في دفاعه اسم سيد ضمن مجموعة من الشعراء الشباب وكان هذا كافيا لأن يهاجم سيد قطب بعنف، معتبرا إياه قاصدا ذمه وانتقاصه، فما كان من خشبة إلا أن ردّ على العنف بعنف أشد ودار بينهما جدال صاخب[4].

صراعه مع الدكتور محمد مندور عام(1943م):

سبب نشوب المعركة بينهما كانت عدة مقالات كتبها الدكتور محمد مندور في مجلة «الثقافة» عام ( 1943م)، تحدث فيها عن الأدب والشعر، وفضل فيها شعراء المهجر على غيرهم من الشعراء العرب، وسبب ذلك، ما في شعرهم من همس، والهمس ترجمة معنوية لمصطلح أدبي فرنسي  ترجمته الحرفية «نصف الملفوظ»، فاعتبر سيد قطب الأدب المهموس هو الأدب الحنين واعتبره دليلا على المزاج الخاص المريض، وبذلك انتقل سيد من الأدب والنقد إلى الإساءة لشخصية خصمه مندور[5].

صراعه مع صلاح ذهني عام ( 1944م):

كان صلاح ذهني يهدي كتبه وقصصه لسيد قطب وقال في إهداء واحد منها:« إلى أخي الناقد البارع الأستاذ سيد قطب مع وافر التقدير» وكان يهدف من ذلك أن يتناول سيد نتاجه بالنقد، بل كان جوابه أن قال: «ومع هذا فلم أكتب عنه شيئا لأني لم أجد أنه يستحق  شيئا فجاملته بالسكوت»[6].

وذات مرة، وسيد قطب يتكلم عن أدب وقصص محمود تيمور، لم يعجب صلاح كلام سيد عن أستاذه محمود تيمور، فهاجم سيدا في مقال، فما كان من سيد إلا أن هاجمه بعنف[7].

صراعه مع عبد المنعم خلاف عام(1945م):

في شهر أبريل عام ( 1945م)، نشر سيد قطب في كتابه الإسلامي الأول «التصوير الفني في القرآن»واستقبله جمهور الأدباء استقبالا طيبا، وكان ممن مدحه صديقه عبد المنعم خلاف، إلا أنه أخذ عليه بعض المآحذ منها:

أن التصوير الفني ليس هو القاعدة العامة للتعبير القرآني كما قرر سيد قطب  في الكتاب بل هو أداة واحدة من أدوات التعبير القرآني الكثيرة.

ذهب سيد قطب إلى أنه باكتشافه التصوير الفني قاعدة أساسية للتعبير القرآني  قد أدرك سر الإعجاز في التعبير القرآني، فخالف عبد المنعم خلاف، وصرح بأن سرّ الإعجاز لا يدرك.

خالف  عبد المنعم  سيدا في الصلة بين القرآن والإيمان والعقل والوجدان، واتهم سيدا بأنه لم يجعل موطن العقيدة والإيمان هو الوجدان، وأنه يقصي الذهن والعقل ويلغي دورهما في التعامل مع الإيمان، إلا أن سيد قطب رد على ملاحظات عبد المنعم خلاف الثلاث، وعلى  مؤخذاته على الكتاب، ثم رد خلاف على سيد قطب[8].

صراعه مع إسماعيل مظهر  عام( 1946م):

وسبب  صراع  سيد مع إسماعيل مظهر أن الأخير كان يترأس مجلة «المقتطف» المعروفة، فعند ما أصدر عبد الله القصيمي كتاب «هذي هي الأغلال» أيده الكُتّاب الملحدون وأعداء الإسلام، وممن أثنى على هذا الكتاب إسماعيل مظهر في مجلة«المقتطف»،في مقال يشيّد في الكتاب واعتبره يساوي وزنه ذهبا، كما اعتبر مؤلفه مفكرا حرا يرتفع على جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، وقد ردّ سيد قطب كلا من عبد الله القصيمي وإسماعيل مظهر، حيث ذكر في مقال له«أن هذه الضجة وذلك الإنزلاق فضيحة أدبية لمصر وقد تؤخذ دليلا على غفلة النقد فيها إلى حد مخجل»[9].

صراعه  مع شيوخ الأدباء عام ( 1947م):

ختم سيد قطب  بصراعه الأدبية بمعركة عنيفة شنها على شيوخ الأدباء والكتّاب في مصر، ومنهم شيخه السابق العقاد، والدكتور طه حسين، وتوفيق الحكيم، ومحمد حسين هيكل، وأحمد أمين وغيرهم[10].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

.......................

[1] - صلاح عبد الفتاح الخالدي،  سيد قطب من القرية إلى الاستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2/1994م، ص177.

[2] - المصدر السابق، ص169.

[3] - المصدر السابق، ص171.

[4] - المصدر السابق، ص174.

[5] - المصدر السابق، ص175.

[6] - المصدر السابق، ص176.

[7] - المصدر السابق، ص176.

[8] - المصدر السابق، ص177-178.

[9] - المصدر السابق، ص179-180.

[10] - المصدر السابق، ص 182.

 

عدنان عويدأو: هل الإنسان مخير أم مسير؟

مفهومان.. بل موقفان فكريان ابتدأ الاشتغال عليهما منذ أن بدأ الإنسان يفكر ويبحث عن سر وجوده، وقد راح هذان المفهومان يتبلوران أكثر فأكثر مع ظهور الفكر الديني والاتكاء عليه بحثاً عن سر وجود هذا الإنسان ومآله وماهي القوى التي تتحكم في آلية حركته وتحقيق مصيره.

فهناك من قرر بأن الإنسان مسير وليس له من أمره شيئاً، وهناك من قال لا، إن الإنسان مخير وهو سيد نفسه وقراره وصنع تاريخ حياته. وهذان الموقفان نجدهما قد ظهرها بشكل واضح وعميق مع الفكر الإسلامي بالنسبة لنا، وفي النص المقدس بالتحديد، ولم يزالا قائمين حتى اليوم، وعلى أساسهما حدثت صراعات فكرية عقدية ودموية طويلة أدت إلى انقسام المسلمين في تاريخ الخلافة الإسلامية بين القدرية الذين قالوا بحرية الإنسان (كجعد بن درهم، وغيلان الدمشقي، والمعتزلة فيما بعد، وبين الجهمية (نسبة إلى جهم بن صفوان) الذين قالوا بعدم حرية الإنسان وجبرية أعماله وحتى أفكاره. ثم راح هذا الصراع يأخذ بعداً سياسياً أكثر عمقاً بين الذين يوالون السلطان ممن يقولون بالجبر لتبرير أعمال الحاكم والتغطية على مفاسده تحت مظلة الدين، كونه لا يحاسب عليها كما يقول كالجهمية. وبين من عبروا عن مصالح الرعية وقالوا بالقدرية، أي أن السلطان مسؤول عن أفعاله، وبالتالي يجب أن يحاسب عليها،  كا قال المعتزلة. هذا في الوقت الذي ظهر فيه تيار آخر قال بنظرية الكسب كالأشاعرة، الذين حاولوا الخروج من التيارين على اعتبار أن الإنسان وأفعاله مخلوقة لله، ولكن أفعال الإنسان مكتسبة بالعمل وعلى هذا الاكتساب تتم محاسبته على أفعاله يوم الحساب، ولكن الأشاعرة في الحقيقة يقعون في تناقض صارخ عندما يقولون بأن الإنسان وأفعاله مخلوقة لله.. أي إن كل ما يقوم به الإنسان هو من عند الله. وبين قولهم إن الإنسان يكسب أفعاله من عنده.!!.

على العموم حتى لا نتجنى على أحد ونقف إلى جانب تيار دون الآخر دعونا نعود إلى النص المقدس لنرى كيف تجلى كل من الموقفين معاً ببعض من الآيات التي تدل على الموقفين:

أولاً الجبر:

هذه آيات قرآنية تدل عليه كما ورد في الآيات التالية:

1- (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ). ﴿٥٩ الأنعام﴾

2- {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (القمر:49)،

3- {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} (النساء:87).

4- {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله} (النساء:78

ثانياً القدر:

1- ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134]،

2- (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾. [لقمان: 15].

3- ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 6].

4- {قل هو من عند أنفسكم} (آل عمران:165).

5= (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10]،

من خلال هذه المعطيات التي جئنا عليها أعلاه في هذه المسألة الاشكالية، نقول: كم نحن اليوم بحاجة ماسة لا عادة قراءة التاريخ والنص الديني بناءً على ما حققه العلم من  تقدم في كافة مجالات  المعارف الإنسانية، وبخاصة علم اللسانيات التي ستسمح لنا في فهم مقاصد النص الديني الأساسية، كون هذا الدين يأمرنا بالمعرفة وتشغيل العقل لفتح دلالات النص الديني على مقاصده، والنظر في الآيات البينات (المحكمات)، والآيات المتشابهات التي حذرنا الله من الاقتراب منها، مثلما حذرنا من الذين في قلوبهم زيغ، هؤلاء الذين يشتغلون عليها ابتغاء الفتنة أو تأويله لمصالح أنانية ضيقة وخاصة من قبل مشايخ السلطان.

دعونا نرى ما هو موقف الرسول من قضية الجبر، أو القضاء والقدر، وهو القائل: (سيأتي زمان على أُمتيُ يُؤولون  المعاصي بالقضاء، أولئك بريئون مني، وأنا منهم براء) (1) الصراط المستقيم، ص 32. (2) بحار الأنوار، ج 5،

ودعونا أيضاً نتمعن بهذه المقولة لعلي بن أبي طالب بالقضاء والقدر التي وردت في مناظرته مع رجال له دعاهم للسير معه إلى بلاد الشام لمقاتلة معاوية، فعندما سأله أحدهم عن مسيرهم نحو بلاد الشام (صفين) بقوله: (أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء من الله وقدر أم من عندك؟). فرد عليه عليّ قائلاً:

(لعلك ظننت قضاءً لازماً وقدراً حتماً، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والاَمر من الله عز وجل والنهي منه، وما كان المحسن أولى بثواب الاِحسان من المسيء، ولا المسيء أولى بعقوبة المذنب من المحسن، تلك مقالة عبدة الاَوثان وحزب الشيطان وخصماء الرحمن وشهداء الزور وقدرية هذه الاُمّة ومجوسها، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلَّف يسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُطع مكرهاً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يكلف عسيراً، ولم يرسل الاَنبياء لعباً، ولم ينزل الكتب على العباد عبثاً).

إذن، الجبر في نظر الرسول، وعلي بن ابي طالب والمعتزلة وعلماني اليوم، ليس من أصول العقيدة الإسلامية، والإسلام منه براء كما ذكر الرسول، وهو عند عليّ من آراء عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور، وقدرية هذه الأمة ومجوسها. والقدرية كما كانت تفهم قبل المعتزلة، هي القول بالجبر، او ما يسمى بالقضاء والقدر.

يظل السؤال المشروع يطرح نفسه علينا وهو:

لماذا نجد اليوم من يحارب العقل وحرية الإرادة الإنسانية ويعمل على إقصائهما من حياة الإنسان؟!.. من أجل ماذا؟!. إن كان تنفيذا لأوامر الله، فالله كرم الإنسان بالعقل وجعله خليفة على الأرض، فكيف يرضى الله أن يكون خليفته جاهل لا يملك من أمره شيئاً.؟!. أما إذا كان الهدف هو تجهيل الإنسان وترك قوى سياسية ودينية محددة تعمل على هذا المشروع التجهيلي من أجل مصالحها؟، فهذا ينافي كل القيم الإنسانية وشرائع الحياة الدينية والوضعية معاً. السؤال برسم الإنسان نفسه.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

عصمت نصارتتفق معظم الدراسات المعاصرة على أن الأيدولوجية الجنسية كان لها عظيم الأثر في ظهور العديد من التيارات والجماعات والنَّزَعات والديانات الإباحية، وتنطلق جميعها من أقاصيص وأساطير يونانية وتلمودية وفارسية، وتتلخَّص عُقدتُها، ومحورُ أفكارها الرئيسة في أن عِلَّة شقاء الإنسان تتمثَّل في رغبته الجنسية، التي لم يرضَ الربُّ عنها؛ لذا طرد آدم وحواء من جنته، غير عابئ بالأخطار التي سوف يتعرضا لها وذريتهما على الأرض، في حين أن الشيطان كان مدرِكًا لتأثير هذه الرغبة على بني البشر، الذين لم يكن لديهم سبيلٌ للخلود والسعادة على الأرض إلا بالجنس، وما يصحبه من متعة، وما يتبعه من حمل وإنجاب، أي أنه كان أرحم بالإنسان من الإله الخالق؛ الأمر الذي دفع جُل المؤسسين للديانات الجانحة إلى اتخاذهم من الجنس نقطة الانطلاق في برنامجهم الدعوي، ثم تأسيس المعتقدات وابتداع الطقوس، بنِسَب متفاوتة تبعًا للثقافة والعصر الذي طُرِحتْ فيه تلك الدعواتُ.

أما الهدف الذي كانت تسعى إليه تلك الديانات يمكن إيجازه في:

- الحط من قدر الرب الخالق والإعلاء في الوقت نفسه من قَدْر الشيطان، وأنبيائه الذين يرسلهم إلى البشر في هيئة مخلِّصين وناسخين للشرائع التي تنزَّلت على الرُّسل من قِبَل الرب الذي طرد الشيطان لمساعدته البشر وحنوِّه عليهم.

- الكفر بكل الشرائع (اليهودية - المسيحية - الإسلام) والتأكيد على أن ما جاءت به يخالف الطبيعة الإنسانية ويحرم البشر من لذائذ الحياة بحجة أن الرب سوف يعيد المؤمنين به والطائعين لتعاليمه إلى الجنة التي طُرِدوا منها.

- إن الشيطان أو المخلِّص الذي جاء بتعاليمه أكثر حكمة وقوة من جميع الأرباب، وليس أدلُّ على ذلك من كثرة أتباعه ومؤيديه على مَرِّ العصور.

- إن الجنس هو الطقس الذي يجب الحفاظ عليه؛ لأنه هو أفضل الوسائل للرد على الأرباب الذين حرَّموه، والشرائع التي فرضت عليه القيود، ومن ثمَّ يجب ممارسته بعد تمزيق كل الكتب التي توصَف بالمقدسة، ومخالفة كل ما جاء فيها من تعاليم.

وقد وجَّهت الصهيونية هذه الأفكار لإفساد الشباب ونشر الإلحاد والترويج للإباحية والعنف ذلك فضلاً عن الإتجار بالمخدرات بكل أنواعها.

وتعد فرقة يهود الدونمة التي تأسست على يد "سبتاي زيفي" (1626م – 1675م) في القرن السابع عشر في تركيا من أوائل الديانات الحديثة التي اتخذت من هدْم القِيَم سبيلا لإفساد المجتمع الإسلامي من الداخل وذلك عن طريق نشْر ثقافة العُري، والترويج للفلسفات الإلحادية الوضعية بين الشباب والدعوة للسفور وإباحة البغاء.

وقد مكَّنهم من ذلك تكوينهم العَقَدي الباطني؛ فهم في الأصل جماعات سِرِّيَّة تظاهرت باعتناق الإسلام واتخذ أتباعُها أسماءَ مسلِمةً واحتفظوا في الباطن بأسمائهم اليهودية وهى العقيدة التي ظلوا مخلصين لها بعد تعديلها والإضافة إلى تعاليمها، وذلك تبعاً لما جاء به مؤسِّسُها الذي كان يُعَدُّ عندهم مخلِّص آخر الزمان الذي جاء ليحقق أحلام اليهود في السيطرة على العالم واستعباد كل الأجناس التي جحدت عقيدتهم الصهيونية.

وقد نجح الدونامييون في غزو الباب العالي (أي قصر الخلافة) والوزراء ورجالات الدولة عن طريق العاهرات والبغايا المحترفات اللواتي أصبحن بعد ذلك صاحبات الأمر والنهي في الدولة العثمانية حتى سقطت الخلافة على يد أحد أبناء الطائفة وهو "كمال أتاتورك" (1881م - 1938م) عام 1923م ومازال الدونمييون يلعبون الدور الأكبر في تسييس تركيا؛ الأمر الذي يفسر سرّ الوفاق بين سياسة الأتراك المعاصرين والصهيونية العالمية من جهة ويكشف في الوقت نفسه عن عِلَّة حمْلتهم على مصر وتآمرهم عليها من جهة أخرى.

وقد ذاع في الأيام الأخيرة العديدُ من الأخبار عن انتماء "رجب طيب أردوغان" وكذا "آل ثاني" في قطر إلى هذه الطائفة إذ لم يكن بالانتماء العَقَدي فبالانضواء الأيديولوجي وذلك بحسب ما أورده الكاتب التركي " Ergün Poyraz"  في كتابه (أبناء موسى)، وتصريحات للكاتب التركي " Y. Küçük " في الكثير من المواقع الإلكترونية، وغيرهم من الذين أكَّدوا أن أصول أردوغان تُرَدُّ إلى طوائف يهودية. أمّا أصول آل ثاني القطريين فتكشف الوثائق المحفوظة في مكتبة استنبول أنهم من نسل جارية يهودية تُدْعَى "هيلينا مكارت" وحصين (حسين) آل خليفة الذي اعتنق اليهودية بعد افتتانه بها وافتراشها له قبل الزواج وأقام معها في بيت أبيها الحاخام ببولاندا وأنجبت منه أربعة أولاد.

والجدير بالذِّكر في هذا السياق أن المدافعين عن أسرة "آل ثاني" من القطريين لم يستطيعوا القطع بكذب هذه الوثيقة، وانتهت دفوعهم إلى أنه لا يعيب حكام قطر انحدارهم من نسل يهودي.

أما عن أثر الأيدولوجية الجنسية في بنية هذه الديانة فتبدو في:

ممارستهم التي لا تخلو من المجون والعبث والإباحية مثل تبادل الزوجات وإلغاء الوصايا العشر التوراتية، وجعلوا الزنا من المكرهات - بين الدونميين - وليس من المحرمات، ذلك فضلا عن عيد (الحَمَل أو الخروف) الذي يُقام في ليلة 22 مارس من كل عام، وفي تلك الليلة تُطفَأ الأنوارُ ويمارَس الجنس بشكل جماعي، ويعتقدون أن مواليد تلك الليلة مباركون، ويكتسبون نوعًاً من القدسية بين أفراد الدونمة.

ويمكننا أن نلاحظ من البنية العَقَدية ليهود الدونمة ثلاثة عناصر رئيسة هى (مخلِّص ناسخ للشريعة - هدْم كل القيم المقدَّسة - إفساد الأغيار) ناهيك عن النزعة العنصرية الحاقدة والمدمِّرة.

وإذا انتقلنا إلى ديانة أخرى وهى البابية؛ فإننا سوف نجدها تنطلق أيضًا من عقيدة المخلِّص المنتظَر الناسخ للشريعة والراغب في إسعاد الشباب وإنقاذهم من الهمِّ واليأس والخوف وغير ذلك من المشاعر التي تولَّدت من سلطة الفقهاء ورجالات الدين في الأديان السماوية؛ أي أن دعوة هذه الديانة دعوة عالمية لكل البشر بغَضِّ النظر عن معتقداتهم وجنسياتهم السابقة على إيمانهم بتعاليم الباب أو المخلِّص.

وقد أسسها "علي محمد رضا الشيرازي" (1819م - 1850م) الذي لقَّب نفسه "بباب الله" ومن أهم العوامل التي أدَّت إلى انتشار دعوته في إيران تلك الغواني التي جمعتهن الحسناء "فاطمة زرين تاج البرغاني" (نحو 1815 – 1851م) وهي من أولَى المؤمنات بدعوته، وقد لُقِّبتْ (بالطاهرة قرة عين) وقد استطاعت عن طريق الحلقات التي كانت تعقدها لشرح وتفسير شرعة الباب في كتابه (البيان) من اجتذاب الشباب والمراهقين الذين سقطوا في حبائل وغرام الفاتنات من الحِسان المدَرَّبات.

وتتشابه الواقعات بين طرائق يهود الدونمة في اجتذاب الأنصار وطرائق البابية، وقد أكَّدت العديد من الوثائق علاقة الباب بدوائر الاستشراق الصهيوني الإنجليزي والأمريكي، ووضحت كذلك أن الغاية الرئيسة من دعوة الباب هو إفساد شباب المسلمين ودعوتهم إلى الماسونية حيث وحدة الأديان والتحرُّر من قيود الشرائع اليهودية والمسيحية والإسلامية، وأن دَفْنَ الباب في حيفا خير دليل على صلة هذه العقيدة بالنِّحَل الصهيونية، وكذا الفِرَق التي انبثقت عنها، وعلى رأسها البهائية التي اتخذت من عكا قِبلة لها.

فروي عن "قرة عين" أنها أفتَتْ بزواج المرأة من تسعة رجال في آن واحد رغبة منها في المساواة الكاملة بين الجنسين، وصرَّحت بأن عقيدة الباب قد ألغت الحجاب ونسخت كل الشرائع وأحلَّت النساء وحررتهن من الحجاب والنقاب ومن أقوالها "لا أمْر اليوم ولا تكليف، ولا نهْي ولا تعنيف، وإنَّا نحن الآن في زمن الفترة، فاخرجوا من الوحدة إلى الكثرة، ومزِّقوا هذا الحجابَ الحاجز بينكم وبين نسائكم بأن تشاركوهن الأعمال وتقاسموهن الأفعال، وواصلوهن بعد السلوى، وأخرجوهن من الخلوة إلى الجلوة، فما هي إلا زهرة الحياة الدنيا، وإن الزهرة لابد من قطفها وشمها لأنها خلقت للضم والشم، ولا ينبغي أن يُعَدَّ ولا يُحَدَّ شامُّوها بالكيف والكَم، فالزهرة تجنَى وتقطَف، وللأحباب تهدَى وتتحَف".

كما أحلَّت تبادُل الزوجات بين البابيين حتى تزيل الأحقاد والغيرة بين الرجل والنساء.

واكتفى البهاء بتغريم الزناه وكراهة المثلية الجنسية وتجويز (وإجازة) نكاح المحارم ما عدا زوجة الأب وزوج الأم ما دام البهائيون قلة ومستضعَفين. وقد استهوت هذه التعاليم - بطبيعة الحال - معظم المراهقين والماجنين من الجنسَين.

وتجدر بنا الإشارة إلى أن المواقع البهائية المعاصرة تنكر هذه التعاليمَ وتزعم أنها منحولة على كتبهم. والذي يعنينا في هذا السياق هو ذلك الدَّربُ من الإباحية الذي أضحى آلية للإضلال وهدْم الدِّين.

وإذا كانت عقيدة يهود الدونمة والبابية قد اتخذت من الرغبة الجنسية عاملاً مساعدًا للدعوة وجعلت تعاليم الشيطان مضمَرة أو كامنة أو مستتِرة خلف شرائعها؛ فإن ديانة باخوس أو عبدة الشيطان أو الإيمو قد اتخذت من الجنس صُلب عقيدتها ومن الشيطان الأساس والمرشِد والمرجِع.

فإننا نجد حول تاريخ نشأة فرقة عبدة الشيطان كتاباتٍ متباينةً؛ إذ ردَّها البعض إلى العقيدة الغنوصية الإيرانية فأهرمان أو الشيطان هو الذي يمثِّل قوى الظُّلمة في المثيولوجيات الفارسية القديمة؛ إذ ظلمه الإله الخالق وحرمه من التربُّع على مملكة العالم، وذلك لقُبح وجهه وفضَّل عليه أخاه النوراني لجماله وطِيْب ريحه؛ الأمر الذي جعل بعض الفارسين يعبدون الشيطان ويعظِّمونه؛ لأنه أحق بالتبجيل والاحترام فهو الملك الحقيقي الذي ظُلِم. وقد تطوَّر هذا المفهوم عند فِرقة "البوليصيين" الذين أكَّدوا على أن إبليس هو الإله الحقيقي لهذا العالم، وانتقل المعتقَد إلى بعض الجماعات المسيحية (1118م)  عند أتباع (جاك ديمولي) وهو أحد فرسان الهيكل.

أما في المجتمعات الإسلامية؛ فيخلط الكثير من الباحثين بين "الأيزيدية" و"عبدة الشيطان"، ويرجع ذلك الخلط إلى أن المعتقد الأيزيدي يجمع في تعاليمه بين الأساطير الفارسية حيث الإله الخالق (ئيزيدان) والإله الحامي كبير الأرواح السبعة (الملك طاووس).

ولمّا كانت الأيزيدية من الديانات السرية لم يعثر المؤرخون على كتابات تنظر لمقدَّساتهم وعباداتهم وشرائعهم الأمر الذي فتح الباب على مصراعَيه للانتحال والتلفيق.

فتنزع بعض الدراسات إلى رد الأيزيدية إلى "عدي بن مسافر" الذي توفي في عام 1162م، ويتلخص معتقدها في أن "يزيد بن معاوية" قد ظلم وأتباعه من بعده ذلك على الرغم من صلاحه وأحقيته في الخلافة. فقد شعر الأمويون بعد انهيار دولتهم على يد العباسيين بمرارة الاضطهاد فجعلوا من يزيدَ مهديًاً منتظَرًاً ومخلِّصَ آخر الزمان، كما ربط اليزيديون بين اللعنات التي مازالت تلاحق إبليس ظلمًا، فالشيطان قد أبَى أن يسجد لآدم إمعانًا في الوحدانية وتنزيهًا لله عن أن يسجد لسواه من جهة، وبين اللعنات التي كانت تنصَبُّ على يزيد بن معاوية، ولا سيما بعد كربلاء ومقتل الحسين، وذلك لأن يزيدَ أيضًا بريئٌ ممّا حاق به من لعنات؛ لأنه لم يُقدِم على محاربة الحسين إلا لحماية الأمة من الفُرقة والشِّرك الذي كان يبدو في تقديس العوام لأسباط النبي من جهة أخرى.

بَيْدَ أن بعض الدراسات تشير إلى وجود أثر واضح لديانة (ديونسيوس) الإغريقية في معتقدات عبدة الشيطان ولاسيما في الطقوس التي تصاحب الحفلات الماجنة حيث العري والإباحية وممارسة الجنس الجماعي.

أما عن ممارساتهم الشاذة فتبدو في ليلة (شفرشك) أو الليلة السوداء التي يمارسون فيها الجنس جماعيا، دون التقيُّد بقيود الأعراف أو الشرائع، ذلك بالإضافة إلى طرائقهم في الزواج؛ وتتمثَّل في قيام الرجل بمطاردة من يريدها، ويخطتفها ويضاجعها، ثم يقوم بتسوية الأمر مع أهلها بعد ذلك.

وتنتشر هذه العبادة في تركيا والعراق وسوريا وروسيا وبلجيكا وألمانيا.

ويحدِّثنا (بنثورن هيوز) عن الاحتفالات الصاخبة التي كان يعقدها المراهقون في أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وكانت لا تخلو من الممارسات غير المألوفة بداية من الموسيقى، ومرورا بالممارسات السحرية والشذوذ الجنسي، ونهاية بالرقص الذي لا يخلو من الإثارة بين الجنسَين، بالإضافة إلى تمزيق النصوص المقدَّسة، وكسْر الصليب، والتهكُّم على طقوس القدَّاس المسيحي، وأطلقوا على هذه الاحتفالات اسم القدَّاس الأسود؛ وهو السبت الذي يُعبَد فيه الشيطان عوضًا عن المسيح المصلوب.

ولم تظهر لهم جمعيات منظَّمة إلا في القرن العشرين، في أوروبا وأمريكا، أما أول كنيسة لهم فقد شيَّدها "أنطون لايفي" عام 1966م صاحب كتاب "إنجيل الشيطان"، الذي بيَّنَ فيه أن جماعته لا تعبد شيطان الأساطير أو الكتب المقدَّسة، بل تعبد الرغبة الحُرَّة الكامنة بداخل كل شخص منهم، وهي بطبيعة الحال لا ترضي المجتمعَ ولا أعرافه وتقاليده، ومن ثَمَّ يصبح شعار (الشيطان يريدك) هو الدعوة الصريحة التي تطلقها الأنا الحرة من داخلك.

وتتلخَّص طقوسهم في الإطاحة بكل المقدَّسات والشرائع السماوية، والانغماس في اللذات بكل أنواعها، وعلى رأسها بطبيعة الحال ممارسة الجنس بكل أشكاله، بما في ذلك زنا المحارم ومضاجعة الحيوانات، وتفضيل العري على ارتداء الملابس، بالإضافة إلى تعاطي المخدرات ومن مقولاتهم المقدَّسة: (أطلِق العنانَ لأهوائك وانغمِسْ في اللذة، واتَّبِع الشيطان؛ فهو لن يأمرك إلا بما يؤكِّد ذاتَك ويجعل وجودَك وجودًا حيويًّا).

أما الإيموز فهي جماعة من عازفي ومتذوِّقي الموسيقى الصاخبة، تتراوح أعمار أعضائها من (12 - 17)، واشتُق اسمُها من كلمة emotion، وتعني التعبير الانفعالي، وكان أول ظهورها في أوروبا وأمريكا عام  1984، وقد لوحظ على المنتمين إليها الإحساس بالكآبة والتمرُّد، والرغبة في الثورة، وانتقاد كل ما هو مألوف وموروث، وقد انعكس ذلك على ملابسهم السوداء، وأحيانا يُضاف إليها مربعات بيضاءُ، ونظَّاراتهم السوداء، والكثير من الأساور والحِلْقان، وكذا الوَشم الذي يرسمونه على أجسادهم.

ولا تختلف ممارساتهم الجنسية الجماعية عن عَبَدَة الشيطان، وتعاطيهم المخدرات، ويرجع ذلك لتحرُّرِهم التام من كل الآداب والتعاليم، والأخلاق والقِيَم التي تحول بينهم وبين التصرُّف بحُرِّيَّة تبعًا لأهوائهم ورغباتهم وأذواقهم الخاصة. أما طقوسهم؛ فهى لا تختلف أيضاً عن عَبَدَة الشيطان، من حيث ارتشاف الدم، وإقامة الحفلات الصاخبة في الأماكن المهجورة أو بين المقابر، والرقص الماجن حول أجساد الموتى، وذبْح القطط، والتلطُّخ بدمائها.

وللإيمو جماعات تكوَّنت عبْر مواقع التواصل الاجتماعي في مصر والعالم العربي.

تلك كانت قراءات سريعة، غير متعجِّلة لفلسفة الجنس في سياقها التطبيقي، وقد أردنا ممّا أوردناه لَفْتَ أنظار الباحثين إلى ضرورة دراسة هذا المبحث؛ لأنه قد أضحى مؤثرًا قويًا في جُلِّ جوانب حياتنا الثقافية والتربوية والعَقَديّة والاقتصادية والسياسية، وسوف أحاول في المقالة التالية توضيح الفارق بين نظرة الفلاسفة للجنس في إطاره الأخلاقي، الذي لا يخلو من نظرة متعالية مفعَمة بثقافة الفلاسفة وبيئاتهم، التي انطلقوا منها.

وحقيقٌ بي أن أؤكد على أن فلسفة الجنس مازالت من المباحث الفلسفية المعاصرة التي تحتاج إلى أقلام ثائرة وواعية وناقدة؛ للتنقيب عنها بين كتابات الباحثين بداية من فلاسفة الشرق إلى الفلاسفة المعاصرين.

 

بقلم د. عصمت نصار

 

 

عامر عبدزيد الوائليالمقدمة: تعد الترجمة الجسر الذي يمكّن الشعوب من التقارب، إذ تؤدي دوراً بارزاً في نقل الأفكار والآراء والثقافات. ومن ثم فان الترجمة كحقل معرفي ومجال للدراسة فهي قد اصابها تحول مهم نقلها من كونها كانت تدرس في سياق عمليّة تعليم اللغة داخل حقل الأدب المقارن، الا أنها أصبحت جزءاً فعالاً من مقررات اللسانيات المقارنة، جامعة بين الجوانب النظريّة والعمليّة، فالنظريّة بالمعنى العام هي نوع من التفسير لشرح كيفيّة حدوث ظاهرة طبيعيّة ما، بشرط تحقق حدوث هذه الظاهرة وعدم وجود نزاع في حدوثها، ويتزايد التأكد من صحة النظريّة عندما تقدِم تنبؤات بشأن ظواهر غير مثبتة ثم يثبت صحتها بعد ذلك.

رهانات الترجمة عربياً: نجد أن الترجمة قد طرحت مدلولات متباينة بين دعاة الاختلاف والتحديث من ناحية ودعاة الهويّة الذين عدّوا الترجمة وسيلةً من وسائل التغريب والتثاقف مع الآخر .

وقد تسابقت الحضارات في نقل ما وصل إليه الآخرون في شتى المجالات عن طريق ترجمة الكتب في جميع الميادين، وللترجمة الفضل في تواصل اللغة على أساس كونها تستوجب مصطلحات جديدة وصيغاً مبتكرةً وكلمات مستحدثة، فهي تسهم بدرجة كبيرة في إثراء اللغات، والحفاظ عليها على أساس أنّ اللغة كائن حيّ يولد وينمو ويموت.

الا أنّ رهانات الترجمة لها حضورها في كثير من المناقشات الفكريّة ونحن سوف نقف بأزاء هذا الجدل بين " دعاة الاختلاف ودعاة الهويّة " في هذا البحث .

ومن هنا تأتي أهميّة مقاربة هذا الأمر خصوصاً ونحن نرى دور الترجمة وحضورها في تنميّة الثقافة وتواصلها مع هذا العصر التداولي الرقمي الذي أصبحت فيه الترجمة أمراً ضرورياً بل حقلاً معرفياً مهماً وهو ما نود أن نبدأ به هذا البحث أي بدراسة الترجمة كموضوع للبحث وتقنيّة للتواصل وما هي التحولات التي دارت حولها وبها . لكن الترجمة أيضاً كانت وما تزال على تواصل مع العامل الديني سواء كانت مع التوراة التي ناقشت هذا الأمر كحقيقة متعاليّة عندما بلبل الله لسان أهل بابل كعقاب على رفضهم ومعاندتهم له . وكانت من نتائج تلك الحادثة أن اصبحت هناك كثير من اللغات التي جعلت التواصل من دون ترجمة أمراً متعذراً فضلاُ عن دور الترجمة في الدعوة الى المسيحيّة والى آخر...الخ، كل هذه الحوادث تؤكد ضرورة الترجمة والحاجة اليها .

لكن هناك من وجد بأنّ الترجمة ليست وسيلة للاتصال تخلو من التأثير بل ظهر في النقود المعاصر " إن كل لغة لا تقدم وسائل الاتصال لمتحدثيها فحسب، بل تفرض عليهم رؤيّة مختلفة عن العالم. (1) وبالآتي فإن الدراسات الثقافيّة اهتمت بالترجمة بوصفها تحويلاً ثقافياً وعلى تلاقح الترجمة مع مناهج نامية أخرى من ضمن الدراسات الثقافيّة.

ولعل هذا كله كان حاضراً في الدراسات المعاصرة وخصوصاً في اتجاه ما بعد الاستعماريّة، وهو اتجاه يمثله كل من: (شبيفاك Spivak ونيرانجانا Niranjana وينير نيرانجانا) (2) على وجه الخصوص علاقات القوة في ترجمة الشعوب المستعمرة ويمضي بالترجمة ليسائل انحيازها الفلسفي والأيديولوجي الغربي.رغم كل هذا النقد في تفكيك التاريخ، الا ان بين الثقافات قد يكون خاضع إلى يقين تاريخي يقوم على التعامل مع كل التفسيرات في إعادة بناء الماضي او بناء بصورة قريبة من الحقيقة للحصول على المعرفة التاريخية ..(3)، وهذا ما سوف نتطرق إليه في المبحث الاول فيما جاء المبحث الثاني تأكيداً على رهانات الترجمة بين الاختلاف والهويّة .

المبحث الأول: الترجمة والأصول

إنّ الترجمة واحدة من القنوات المهمة في الحوار والفهم والتواصل بين الشعوب فهي أسهمت وتسهم في الحوار وأيضاً بالتثاقف، اي بالتأثير الذي يتركه المترجم في الفكر المنقول له سلباً او ايجابا، لهذا نجد الترجمة طرحت مدلولات متباينة بين دعاة الاختلاف والتحديث من ناحية ودعاة الهويّة الذين عدوا الترجمة وسيلةً من وسائل التغريب والتثاقف مع الآخر .

لكن على الرغم من كل هذا النقاش الذي سوف نقف عنده في هذا البحث تبقى الترجمة حقلاً معرفياً مهماً وهو ما نود أن نبدأ به هذا البحث أي بدراسة الترجمة كموضوع للبحث وتقنيّة للتواصل وما هي التحولات التي دارت حولها وبها .

يبدو أن الترجمة كانت لها جذور فكريّة دينيّة وبهذا فهي تختلف عن الفلسفة بهذه السمة كما يؤكد على ذلك (طه عبد الرحمن) ويمكن أن ننظر الى هذا النقد من زاوية تأصيليّة فنجد أن للخطاب الديني اثراً في ظهور خطاب الترجمة فأول جانب هو تأكيد التوراة على اختلاف الألسن بأمر متعالٍ بحسب قصة التوراة "قصة برج بابل " ويرى طه عبد الرحمن بأن هناك وجهين لهذا الاعتبار المستخلص من القصة الأول: يؤكد على أنّ الحقيقة لم تعد وقفاً على لغةٍ واحدة تنقل عقلاً واحداً وتجمع بين افراد مجتمع واحد .بل صارت ملكاً مشاعاً بين اللغات متباينة تحمل مدارك متفاوتة. وهذا يجعل الترجمة أمراً طبيعياً .أما الأمر الثاني، " التفاهم البعيد "لما انقسمت الأمّة على شعوب مختلفة باختلاف لسانها الواحد إلى ألسن متعددة، فقد صارت حاجة هذه الشعوب ماسّة إلى التفاهم فيما بينها وإن كان هذا التفاهم المطلوب لا يضاهي التفاهم بين أفراد الشعب الواحد . فهذا تفاهم قريب يسره الاجتماع بين اللغات مشتركة، وذلك تفاهم بعيد يعترضه الاختلاف بين اللغات المتباينة في مبانيها ومعانيها .البعيدة إلا بسلوك طريق الترجمة التي سوف تتولى تهذيب الفروق وتذليل الأخطاء في المعاني .(4)

اما الدافع الديني الثاني الذي شكّل محفزاً الى نمو الترجمة وتوسعها هو " ترجمة الانجيل " يذكر بعض المؤرخين أن اللغة التي تكلّم بها رسول الله عيسى (عليه السلام)، هي اللغة الآراميّة في حين نصوص الإنجيل الأربعة المشهورة والمنسوبة إلى (متى) و(يوحنا) و(مرقس) و(لوقا)، وردت باللغة اليونانيّة لكن هذه النقول الأربعة أقيمت مقام الأصل الآرامي المنزل . (ليس لدینا اليوم حرف واحد في العهد الجدید، كتاب المسيحيّة المقدّس، إلا باللغة اليونانيّة - أصل لكلّ الترجمات المتداولة الآن . وما یُحكى عن نصّ أصلي بلغة غير یونانيّة لمتى أو غيره، یظلّ - ما دام غير مؤیّد بالدليل العلمي - مجرّد كلام وتكهّنات.) (5)

وبالآتي اجتمعت في تأسيس "علم الترجمة" الحديث كانت من إنشاء أولئك الذين اسندت إليهم الرئاسة في ترجمة الأناجيل بناءاً على هذا التصور الديني للترجمة يستنتج طه عبد الرحمن افتراضين هما: الأوّل ممارسة الدعوة: تنزل ممارسة الترجمة في هذا التصور منزلة ممارسة الدعوة .ذلك أن الترجمة الاناجيل اقترنت بإرادة الكنيسة في نشر تعاليم المسيحيّة بين الشعوب .

والثاني القيام بالوساطة:ينزل المترجم في هذا التصور منزلة "الوسيط " وواجب الوسيط في مجال الديني –كما شأن النبي – أن يبلغ ما يحمله تبليغا امينا لا تبديل فيه ولا تحريف .

ولعل الكنيسة في اول الامر احتكرت المعنى فأصبحت هي الوسيط، لان المجتمعات الغربيّة لا تجيد اللاتينيّة، ومن هنا جاء للاصلاح الديني وكانت اول مطالبة ترجمة الاناجيل الى اللغات المعاصرة من اكسر احتكار الكنيسة للمعنى وقاد هذا الى حروب دينيّة .(6)، ثم اننا نجد ثنائيّة اخرى غير النظريّة والتطبيق هي الترجمة الحرفيّة Word for Word والترجمة الحرة Sense for Sense، فهذه الثنائيّة كانت حاضرة بعمق التراث الغربي من خلال ترجمة الكتاب المقدس إلى اللاتينيّة مع القديس جيروم Saint Jerome اذ (كلفه البابا بإنجاز ترجمة للأناجيل من اليونانيّة والعبريّة إلى اللاتينيّة، فحضر إلى بيت لحم، وأخذ جيروم يعمل بدأب لإنجاز ترجمته..) (7) ويكمن عمل جيروم الرئيسي في إعادة ترجمة الكتاب المقدس من اللغة العبريّة إلى اللاتينيّة. هذا لأن الترجمات اللاتينيّة التي كانت شائعة آنذاك كانت قد اتّخذت الترجمة اليونانيّة السبعينيّة مرجعاً لها، فجاءت ذات إنشاء ركيك وحرفي. لقد حظيَ هذا العمل بموافقة البابا داماسيوس إلا أنهُ لم يخلُ من الصعوبات وخصوصاً في ما يتعلّق بتلك النصوص التي كانت تستخدم بشكل متواتر في الليترجيا اللاتينيّة، فعلى سبيل المثال لم يستطع جيروم أن يدخل ترجمة جديدة لكتاب المزامير، فكل ما فعلهُ هو إعادة تصحيح بعض الأمور فيهِ. إلى جانب هذا العمل الضخم كانت هناك أعمال أخرى لا تقل أهميّة منها قاموس الأسماء الكتابيّة والأصول اللغويّة وتفسيرات كتابيّة اعتمد فيها بشكل كبير على أوريجانوس على الرغم من كونهُ وقف ضدّه في الأمور العقائديّة. كتب جيروم أيضاً سيرة بعض القديسين المتوحّدين وبعض الكتب الدفاعيّة ضدّ من كان ينقد حياة التوحُّد. إضافة إلى هذا ترك لنا جيروم 150 رسالة) .(8)

فالترجمة على وفق هذه المعطيات هي وساطة وتخدم غرض دعوي يهدف الى نشر المسيحيّة الرسميّة في روما مثلما ترجمت الأناجيل الى اللغات الحيّة والتي أسهمت هي الأخرى في كسر الاحتكار الكنسي للحقيقة وأدّت الى تحول النص الى قناة تواصل بين الله والمؤمنين من دون الحاجة الى وساطة وهذا ما حدث مع كنائس الاصلاح الديني، الا انه ولد ترابطاً بين الترجمة والتأويل من أجل فهم الوحي الالهي مع ظهور اللاهوت الليبرالي إذ جاء كردة فعل على تراكم التجارب في (الترجمة والتلقي والتأويل) وهذا ما ظهر بأشكال متنوعة وصولا الى شلايرماخر Schleiermacher .فالارتباط بين الترجمة والتأويل، اذ أصبح التأويل مكونًا أساسيًّا من ضمن هذه الأخيرة، لفهم فكر الآخر وثقافته، ما دامت العلاقة بين الذات والآخر المختلف عنها، مشروطة بالفهم والتفاهم وإلا فقدت معناها. ولعل هذا يسهم الى حد كبير الى بلورة الترجمة الحرة التي سوف نقف عندها فيما بعد وهي ترتكز على اطروحة أخرى يقدمها جورج غادامر H. G. Gadamer قوامها بأن وظيفة التأويل تتمركز بالأساس على إيجاد تلك اللغة المشتركة القابلة على تحقيق الفهم والتواصل فالمشترك بين التأويل والترجمة هو المعنى، مما يجعل الفهم مطلباً مشتركاً لديهما .وهذه عودة من جديد إلى لشلايرماخر Schleiermacher إذ أقرّ بهذا الأمر في عمله الموسوم بـ "الطرق المختلفة للترجمة" (9)

وبالآتي العودة الى ما بعد بابل في التصور التوراتي وما هو قائم من تنوع وتعدد نفعي في اللغات تصبح الترجمة أمراً مفروغاً منه، ويأتي التأويل بالانفتاح على الحريّة في فهم النصوص من خلال الحوار المثمر بين الإنسان والعالم وتأكيدًا على حريّة هذا الإنسان وفعاليته. (10)

انطلاقا من تلك الاشكاليّة في الترجمة وبين الحرفيّة والحريّة يمكن تأصيلها من خلال:

"نظريّة الترجمة" التي ظهرت في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، إذ اثيرت الكثير من المسائل في هذه الحقبة عبر مبحث اللسانيات الذي شهد تطوراً ملحوظ فإن النظريّة اللسانيّة نظرت الى الترجمة بوصفها " عمليّة لغويّة متخصصة واسعة الانتشار، ثم هي اداة مبدعة لما في اللغة من فكر، ومن هنا فإن هذه الدراسة جاءت لتهتم بالتأسيس الفلسفي وعلاقته بالترجمة، فقد تجاهلوا كون الترجمة كظاهرة أاو مشكلة خاصة باللغة، لكن يبقى لكل تيار من المدرسة اللسانيّة له نظريّة خاصة .

فان الترجمة كحقل معرفي ومجال للدراسة فهي قد اصابها تحول مهم نقلها من كونها كانت تدرس في سياق عمليّة تعليم اللغة داخل حقل الأدب المقارن الا أنها اصبحت جزءاً من مقررات اللسانيات المقارنة، جامعةً بين الجوانب النظريّة والعمليّة،فالنظريّة بمعناها العام هي نوع من التفسير لشرح كيفيّة حدوث ظاهرة الطبيعيّة، بشرط تحقق حدوث هذه الظاهرة وعدم وجود نزاع في حدوثها، فالنظريّة تشرح آليّة حدوث الظواهر، وتكون بشكل عام عرضة للصواب والخطأ، ويدعم النظريّة ما تظهره من التماسك المنطقي والرياضي والقابليّة للتجربة، ويتزايد التأكد من صحة النظريّة عندما تقدم تنبؤات بشأن ظواهر غير مثبتة ثم يثبت صحتها بعد ذلك، وبشكل عام يقصد بكلمة نظريّة (رأي) أو (فرضيّة)،وفي هذا المجال لا يتوجب بأن تكون النظريّة مبنيّة على حقائق، أما الاستعمال العلمي فيشير إلى أن النظريّة هي أنموذج مقترح لشرح ظاهرة، أو ظواهر معينة بإمكانها التنبؤ بأحداث مستقبليّة، ويمكن نقدها، ومن ثم فإن النظريّة هي بمثابة فرض أو مجموعة فروض مرّت بمرحلة التحقيق عن طريق التجريب، ويمكن تطبيقها على عدد من الظواهر المتصلة.

ومن ثم فان حقيقة الترجمة هي مزيج بين الحقلين او الرأيين، لكونها علم بأسسها النظريّة، الى جانب الممارسة والتطبيق والاختبار .وبهذا فقد أسهم مجال البحث الحديث في ردم الهوّة التي اتسعت بين نظريّة الترجمة وممارستها. ومن هنا يمكن الولوج الى "نظريّة الترجمة " ذ اقترح "كانفوردايج – J.Cainguistic" انواع من الترجمة وهي: (الصوتيّة والكتابيّة، والنحويّة، والمعجميّة) . وقد وظف اللغة في اختيار موضوعات نصوص الترجمة الا أن جوهر عمل الترجمة متصل بالمعنى الثقافي وظروف الاتصال .

اما نظريّة "فيدروف – Andre Fedorov "في كتابه" مقدمة في الترجمة " اكد على امر مهم وهو أن نظريات الترجمة لا تحقق الجمع بين الجوانب النظريّة والتطبيق العملي وهو الأساس في الترجمة، سواء على مستوى التعليمي او على المستوى تحديد المشاكل التي يواجهها المترجمون وايجاد لمصطلحات جديدة تستعصي على الفهم، تجعلها صعبة التوظيف، الى جانب إن نظريّة الترجمة تقع بين نطاق النظري والعملي ونتائج البحث اللغوي في المؤسسات الجامعيّة .

اما نظريّة السوسيو ثقافيّة "لبيترنيومارك" وهي التي تصل إلى المعنى بالرجوع إلى المرجعيات الثقافيّة . فاللغة هي الثقافة، وما الترجمة الا تعبير عنها مستنده إلى فرضيّة (نسبيّة اللغات) لسابيرووورف .

فهذه الفرضيّة تقول: "ان كل لغة لا تقدم وسائل الاتصال لمتحدثيها فحسب، بل تفرض عليهم رؤيّة مختلفة عن العالم .(11) وبالآتي فإن الدراسات الثقافيّة اهتمت بالترجمة بوصفها تحويلاً ثقافياً وعلى تلاقح الترجمة مع مناهج نامية أخرى من ضمن الدراسات الثقافيّة.

الترجمة بوصفها عمليّة لإعادة الكتابة، وهو اتجاه تطور عن نظريات النُظم وكان رائده اندريه لوفيفر Lefevere، تتم فيه دراسة إيديولوجيات علاقات القوة الموجودة في رعايّة وبوطيقا الأنظمة الأدبيّة والثقافيّة التي تتداخل مع الترجمة الأدبيّة.

الترجمة والجندر، وهو اتجاه يتمثل بمشروع الترجمة الأنثوي الكندي الذي وصفته شيري سايمون Sherry Simon جاعلاً من المرأة حاضرة في الترجمة.

الترجمة وما بعد الاستعماريّة، وهو اتجاه يمثله كل من شبيفاك Spivak ونيرانجانا Niranjana وكرونن Cronin تتم فيه مقارنة "زحزحة النصوص" والمترجمين العاملين في المستعمرات السابقة للقوى الأوربيّة أو بلغاتهم.

و ينير نيرانجانا على وجه الخصوص علاقات القوة في ترجمة الشعوب المستعمرة ويمضي بالترجمة ليساءل انحيازها الفلسفي والأيديولوجي الغربي. وأخيراً، تستعمل الوحوشيّة البرازيليّة Brazilian Cannibalism، مثلما يمثلها دو كامبوس de Campos وفييرا Vieira، استعارة التهام المستعمر لتنشيط التراث البرازيلي المحلي.

أما نظريّات الترجمة الفلسفيّة:

يفيد شتاينر George Steiner من التراث الهرمنيوطيقي الألماني في كتابه الموسوم "ما بعد بابل" الصادر في عام 1975م، وهو عبارة عن وصف هائل للترجمة الأدبيّة، والذي جعل الترجمة في حينه محط اهتمام العديد من غير المختصين. وتتفحص "حركته الهرمنيوطيقيّة" تفسير المعنى . وتؤكد ترجمات عزرا باوند Ezra Pound ونقوده الطريقة التي تستطيع بها اللغة أن تنشط نص ما من خلال الترجمة، (اعتبر اشتاينر في كتابه المذكور، وتحديدًا في الفصل الخامس وعنوانه: "الحركة الهرمينوتيقيّة" (وهو للإشارة فصل من 152 صفحة)، أنّ هناك أربع لحظات مميزة لمسار الترجمة، يتم من خلالها انبثاق معنى النص المترجم. وتبدأ هذه الحركة الهرمينوتيقيّة mouvement herméneutique بحسب تعبيره، بلحظة الثقة التي يتم فيها الاعتراف بأهميّة العمل الأصلي وبجديته نصًّا قابلاً للفهم وللترجمة. فكل فهم، خصوصًا إذا ما تم في إطار الترجمة، ينطلق من حماسة الثقة التي تتميز بكونها معقدة ومباشرة في الوقت نفسه. إنّها عبارة عن تعاقد إجرائي منبثق من تسلسل الفرضيات الفينومينولوجيّة حول تماسك العالم ووجود الدلالة داخل مختلف الأنساق. ويتجلى سخاء المترجم générosité du traducteur في اعترافه المسبق بضرورة وجود شيء ما ينبغي فهمه، وفي ثقته بصيغة القول "الأخرى"، على الرغم من أنّها لم تكتشف بعد ولم تخضع للتقييم) .(12)

بينما تتحدث دراسة وولتر بنجامن Walter Benjamin الموسومة "مهمة المترجم" "The Task of the Translator" بكثافة وشاعريّة حول إطلاق لغة "نقيّة" من خلال الترجمة "الحرفيّة". وأخيرا "يقوض" دريدا Derrida بعض يقينيات الترجمة بما فيها التعارض بين لغة المصدر ولغة الهدف وثبوتيّة العلامة اللغويّة. ويثير هذا التدقيق لمبادئ نظريّة الترجمة اللغويّة قضايا تتعلق بنظام جديد لدراسات الترجمة. (13)

يبدو ان مقاربة دريدا النقديّة لهذا المفهوم وكشف ملابساته الميتافيزيقيّة كما جاء في كتابه "أبراج بابل" اذ يحاول التمييز في الاسم بين المعنى القارة في لغة البابليين وما يمنحه من معنى وبين التوصيف الذي تسقطه التوراة بلغتها ويمنحه معنى اخر " ينطلق دريدا من إمكانيّة اعتبار الاسم لا ينتمي بنفس الصفة التي في الكلمات الأخرى، إلى اللغة وإلى نظام اللغة سواء كانت مترجِمة أو مُترجَمة. ويشير إلى إمكانيّة اعتبار بابل حدثا ضمن لغة واحدة، يظهر فيها استجابة لتشكيل نص محدد له، ويشير كذلك إلى إمكانيّة أن تفهم لفظة بابل هذه في إحدى اللغات بمعنى البلبلة، ويجد أنه استنادا إلى ذلك، ولأن بابل ستغدو اسم علم واسم جنس، تصبح البلبلة بدورها اسم علم واسم جنس، وذلك بوجود رابطة تناغم ومرادفة بينهما، وليست رابطة تطابق لكون الوضع بعيدا عن الخلط بين قيمهما." (14)

وبهذا يميز بين دلالتين دلالة اليّة ودلاله اسقطتها التوراة على الاسم حتى يوافق مراميها الاقصائيّة الرمزيّة للمدينة التي حولتها الى مدينة ملعونة بحسب قصتها المفتعلة من معنى الاسم وهو امر يظهر بوضوح اذا ما قارنا المعنى ودلالة البرج نجد ثمة علاقة صراعيّة بين التوراة وهي تسلط اللعنة السرديّة التي تحاول أن تدين بابل العظيمة يوم كانت لها سطوتها المدنيّة في الشرق الاوسط القديم جاءت التوراة تحاول بكل بداوتها ان تنال من تلك الحاضرة المدنيّة .

جاء التصوير المثيلوجي" لبرج "بابل وما ارتبط به من حدث غير مستساغ من قبل مدينة أسست عميقا لآليات ثقافة دينيّة وشريعة قوانين وأشكال راقية من العلاقة الروحيّة إذ تجده في تراتيل متنوعة ومنها المعذب البابلي "ايوب " وحواره الفلسفي والعقائدي مع المؤسسة الدينيّة ومفهوم العدل الالهي وغيره الكثير من المنجزات الروحيّة العميقة التي ترسم علاقة معنويّة تظهر الفكر الديني الذي يتسم بالعذوبة .

الا ان حكايّة اعراب التوراة كانت تروي سرديّة اخرى عن علاقتهم في بابل وسلوكها الديني وهو في جوهرة مجرد تعليل خارجي لما اقامه البابليون من زقورات بوصفها معابد يعبد بها الله ولا يحارب ومجال من اجل التقرب اليه وليس محاربته .

الا ان التوراة تقول بأن أهل بابل أقاموا الزقورة من أجل محاربة الله ولهذا جاء الغضب الالهي بان بلبل ألسنتهم وجعلهم غير قادرين على التفاهم والتواصل قيما بينهم وكان من نتيجة هذه اللعنة غياب التفاهم وانتشار البلبلة واعتقد بأن الامر مجرد توظيف اسطوري يجمع بين ظاهرة "الزقورة" ومعنى كلمة بابل فأصبحت تعني اللاتفاهم ومن خلال الاسطورة ظهرت هذا القصة كدليل على الترجمة والحاجة اليها هناك على الرغم من أن بابل تتعامل مع السومريين والعيلاميين ولكل منهم لغته الخاصة .

وكان تأويل التوراة يشكل التأمل الغربي حول الترجمة وهو موضوع بحثنا اذ يبدو أن الترجمة كانت لها جذور فكريّة دينيّة وبهذا فهي تختلف عن الفلسفة بهذه السمة كما يؤكد على ذلك (طه عبد الرحمن) ويمكن ان ننظر الى هذا النقد من زاوية تأصيلية فنجد أن للخطاب الديني أثراً في ظهور خطاب الترجمة:

فأول جانب هو تأكيد التوراة على اختلاف الألسن بأمر متعالٍ بحسب قصة التوراة "قصة برج بابل " ويرى طه عبد الرحمن بأن هناك وجهين لهذا الاعتبار المستخلص من القصة الأول يؤكد على كون الحقيقة لم تعد وقفاً على لغةٍ واحدة وتنقل عقلا واحدا وتجمع بين افراد مجتمع واحد .بل صارت ملكاً مشاعاً بين لغات متباينة تحمل مدارك متفاوتة . وهذا يجعل الترجمة امراً طبيعياً .

اما الامر الثاني، " التفاهم البعيد "لما انقسمت الأمة إلى شعوب مختلفة باختلاف لسانها الواحد إلى ألسن متعددة، فقد صارت حاجة هذه الشعوب إلى ماسة إلى التفاهم فيما بينها وإن كان هذا التفاهم المطلوب لا يضاهي التفاهم بين أفراد الشعب الواحد . فهذا تفاهم قريب يسره الاجتماع بين الغات مشتركة، وذلك تفاهم بعيد يعترضه الاختلاف بين الغات متباينة في مبانيها ومعانيها .البعيدة إلا بسلوك طريق الترجمة التي سوف تتولى تهذيب الفروق وتذليل الخطاء في المعاني .(15)

وإذا ماعدنا الى النقد الذي يقدمه " دريدا " لهذا التصور الاسطوري، " يعتقد أنه حين تهجّي مفردة بابل يكون هناك شعور باستحالة التقرير إذا كان هذا الاسم ينتمي بشكل خاص وبسيط إلى لغة معينة. ويعتبر أن هذه اللاتقريريّة تقوم بتأجيج الصراع من أجل اسم العلم داخل مشهد المديونيّة السلاليّة. ويشير إلى أن الساميين وهم يحاولون أن يهبوا اسما لهم، ويقوموا بتأسيس لغة كونيّة وانتساب واحد في الوقت نفسه، أرادوا أن يخضعوا العالم لمنطقهم. ويجد أن هذا المنطق يمكن أن يعني في آن واحد عنفا استعماريا وشفافيّة سلميّة بالنسبة إلى الجماعة الإنسانيّة."(16)

فادريدا يدرك مراد التوراة من السرد عن الحدث ويرجعه الى معنى اخر هو بمثابة موقف من سيطرة قوى يحاول ان تفرض وجودها فكان لابد من مقاومة ميتافيزيقيّة تحاول وقف هذا النفوذ اذ يرى، وأنه عندما فرض الإله اسمه عليهم وأقره كذلك، أعاق الشفافيّة العقلانيّة، ولكنه أوقف أيضا العنف الاستعماري أو الإمبرياليّة اللسانيّة، إذ أنه وجههم صوب الترجمة وطوعهم لقانون الترجمة الضروريّة والمستحيلة، وانطلاقا من اسمه الخاص القابل للترجمة وغير القابل لها في آن معا فهو سيحرر ما لا يخضع لهيمنة أيّ أمة محددة. ويعتقد أن الترجمة تصبح هي القانون، الواجب، والدَّيْن، ولكنه الدّين الذي يمكن سداده.

يحضر توصيف الترجمة على أنها تكون مثل التماس، هذا لا يلمس الدائرة إلا عرضيا وفي نقطة واحدة، إذ أن هذا التماس لا النقطة، هو الذي يحدد السير على خط مستقيم للقانون الذي بموجبه يستمر إلى ما لا نهايّة. ويجد كذلك أن الترجمة هذه تمس الأصل بطريقة عابرة وفي نقطة معنى تكون لا متناهيّة الصغر، وذلك لاتباع خط سيرها الخاص تبعا لقانون الأمانة ضمن الحركة اللغويّة.

يعتقد دريدا أن مهمة المترجم شاقة وشائقة في الوقت نفسه، وإن ما لا يُستطاع مسّه في عمله ولا يُستطاع الإحساس به، وما لا يُستطاع لمسه، هو الذي يسحر ويوجد عمل المترجم، إذ أنه هو الذي يريد لمس ما لا يُستطاع لمسه، أي ما يَفيض عن النص عندما يتمّ تبليغ ما لا يُستطاع تبليغه أو تعليمه.

يذكر دريدا أن ما لا يكفّ عن السيطرة هو الدين والمهمة والتعيين كنداء للترجمة، إذ ثمة ما يقبل الترجمة باستمرار، سوى أنه جراء عدم التمييز بين المعنى والحرفيّة، يكون غير القابل للترجمة بصورة محضة، في وارد الإعلان عن ذاته، ويعطي ويعرض في أن يترجَم لأنه لم يترجَم. ويعتقد أنه بدءا من هذا الحدّ الداخلي والخارجي، يتلقى المترجم عموم إشارات الابتعاد التي تقوده في مساره الذي لا ينتهي على حرف الهوة والجنون والصمت..(17)

في اشارات دريدا السابقة الى المقاومة فانه ايضاً يمارسها في الفكر الغربي المعاصر فهو " يبدأ طرح دريدا النقدي للأنطولوجيّة بعمليّة تـفكيك جادَّة لتاريخ تطوُّر الميتافيزيقيا في الغرب. هدف دريدا الأساسي من تـفكيك تاريخ الميتافيزيقيا هو تحدي مفهوم "الكلانيّة" (totality) الذي يفترض وجود مبادئ قاعديّة كلانيّة يمكن وصفها بالحقائق المرجعيّة الكونيّة التي تقاس على أساسها أيّة معرفة عقليّة أو أيّ اختبار وجودي." (18) اذ إن عمل التفكيك في قراءة ومقاربة النصوص عند دريدا لم يضع في أهدافه اكتشاف أو اقتفاء أثر حقيقة معينة بالمعنى الذي كانت ترمي إليه البنيويّة مثلا من أن النص يمتلك معنى ما، فالنص وتبعا لدريدا لا يمتلك إلاّ آثارا فهو متواليّة لا نهائيّة من الاختلافات التي تنسجها العلامات الخطيّة، " فالاختلاف هو الطريقة أو الأسلوب الذي يتم فيه إطلاق طاقة النص على صنع المعنى"(19)

يقوم عمل التفكيك الدريدي على تحرير وتفجير طاقة الدال والعلامة الخطيّة، بتخصيب مستمر للمدلول من خلال الانفتاح على النص كفضاء للمكن وليس كبنيّة مغلة تخضع لرغبة ما ينوي قوله كاتب النص، فالنص مع دريدا أصبح لا أصل له لأنه مجموعة نصوص متداخلة ومتقاطعة بخلاف نظرة الاتجاه البنيوي للنص كهيئة مغلقة أو ذو معنى تام، واقعة بذلك البنيويّة في فخ الوصفيّة والتبسيطيّة معتمة ومهددة – حسب دريدا – بإسكات القوة، أي قوة الاختلاف تحت مطيّة الاحتفاظ بالشكل والبنيّة.

هكذا، فالأمر لا يخرج عن كونه مجرد حضور للعلامات في اختلافيتها وصيرورة إنتاجها للمعنى لأننا حسب دريدا لا نفكر إلا بالعلامات التي تفتح مجالا للتعدد والاختلاف في المعاني، وبالآتي تصبح اللغة مدارا لآفاق ذات دلالات كثيرة، وينفتح القارئ على رغبة اللغة ويبدأ البحث عما هو مغيب فيها في أفق سيميائيّة عامة تفتح المجال لعلم تيولوجيا أو أنماط العلامات الذي يبحث في تنويعات التواصل الممكنة. (20)

المبحث الثاني: رهانات الترجمة بين الاختلاف والهويّة

ثمت اشكاليتين (21) عل الصعيد العربي حكمت الترجمة هما لماذا تأخر المسلمون بينما تقدم غيرهم؟ وهو اسؤال اشكالي نقدي حكم مشروع النهضة العربيّة والتيارات التي جاءت حاولت ان تقدم له جواب او تعليل عبر نقد الذات او نقد الاخر، اما الاشكاليّة الاخرى التي كانت حاضرة وان كانت اصغر من الاولى في تأثيرها او في رهانها انها اشكاليّة ارتبطت بين الحداثة والهويّة، بين رهانات الحداثة وما تعنيه من خطاب التنوير او التقدم الى ان وصلت الى تحديث مؤسساتي خارجي من دون تغير عميق في بنيّة المجتمع وفكرة ومؤسساته القارة .كما حصل مع دولة محمد على او الدولة العثمانيّة وما هو حاصل باشكال وصيغ ي واقعنا المعاصر .

الا ان هذه الاشكاليّة في صراعها بين الهويّة والحداثة اعتمدت هي الاخرى على مبررات تراثيّة في ماضي الترجمة التي كانت لها جذور في انفتاحها على الاخر فهي بالإضافة الى قيامها بالترجمة كانت ايضا تمثل مستوى الممارسة التأويليّة والنقديّة في قراءة المسلمون للتراث القديم على تنوعه واعطائهم موقف نقدي منه . لكن تبقى تلك الترجمة التي جاءت بمشروع سياسي قام به بيت الحكمة العباسي من اجل حاجات داخليّة بسبب الصراعات الدينيّة بين الفرق والمذاهب فترجمة التراث اليوناني كان بمثابة حل وسط .لكن بقى هذا التراث المترجم من فلسفة ومنطق وغيره تراث غريب عن الواقع الثقافي من قبل التيارات السلفيّة التي مارست النفي والتكفير بحق تلك العلوم والعاملين بها .

وهنا ظهر تيارين الاول يقوم على التمركز حول العلوم المترجمة ويحاول انطلاقا منها التوفيق بينها وبين التراث الاسلامي المحلي اي النظر الى تراث الاسلام بعيون اليونان كما جاءت به الفلسفة والمنطق .اما الموقف المضاد الذي يرفض التوفيق وينطلق من موقف يتمركز حول العلوم الاسلاميّة كمركز ويحاول تقريب العلوم الوافدة من حاجاتها الشرعيّة والإشكاليّة كما فعل الغزالي مع المنطق عندما جعله علم خادم للشريعة .

حاول انصار الحداثة والمعاصرة والعلمنة الانفتاح على الغرب واستثمار منجزاته وإعادة نقل اشكالياته وجعلها مجال النظر على الرغم من كونها مغتربة عن الواقع العربي الذي كان يعيش رهانات وأفكار العصر الوسيط .بمقابل ذلك كان التيار السلفي الداعي الى الهويّة يعيش إشكالات الماضي ورهاناته التي هي الأخرى عادة ما تنتمي الى الواقع وتحدياته والتي تحتاج من المفكرين إعادة تجديد مناهجهم الفكريّة التي مازالت رهينة العصر الوسيط على صعيد الرؤيّة والمنهج في علوم (الفقه والنحو والعقيدة) .

فالواقع العربي سواء كان حداثي فهو يعيش إشكالات الآخر والسلفي يعيش إشكالات التراث بين الاثنين على الرغم من اختلافهما الا انهما يبقيان سلفيان يعيشان رهانات لم تعد تلبي حاجات الواقع وتحدياته وأطاريحه التي تختلف عن التراث مثلما تختلف عن الآخر الغربي .

نحاول هنا أن نستعرض موقفين لهما حضورهما في الساحة العربيّة في جدليّة الترجمة ورهاناتها في الواقع الثقافي والحضاري العربي (طه عبد الرحمن وعبد السلام بن عبد العالي) من أجل مقاربة معاصرة للترجمة وارتباط هذا في مقولات " الآخر والهويّة " بين مقاربات الحداثة والتجديد، وبين الاثنين تباين عميق جعل من الأولى ترتبط بإشكاليّة المغايرة ومن أهم مقوماتها القطيعة والتجاوز، فيما ارتبطت الأخرى بإشكاليّة الأصالة ورهان الإحياء للهويّة على وفق ثوابتها من خلال التواصل، فالتجديد إحياء القديم وإعادة الروح له والسير على وفق رهاناته التي تتّصف بالكليّة، إذ لا تقبل التجاوز بل التواصل والإحياء. وبين الإثنيّة اختلاف في الاطروحة:

فالأولى: تحرض على الاختلاف والمغايرة وتستثمر منجزات الحداثة وما بعدها وتسمى اشكاليّة الاختلاف، وتعتمد اليّة التوفيق اي التوفيق بين الحداثة والتراث عبر التمركز حول الحداثة .

فيما الثاني تحرض على الهويّة وتعارض الانفتاح على الاخر وتؤكد على انه تغريب وتؤكد على الهويّة ولهذا فهي تمثل اشكاليّة الهويّة وتتخذ اليّة التقريب اي انها تعتمد التمركز حول الذات والفضاء التداول له وتحاول تقريب الاخر مع ثوابت الذات .وهذا يتمثل بالقراءات الأصوليّة التي تمثل قراءة انتقائيّة في تشكل رؤيتها للماضي، فبإمكان جماعة من الجماعات - في إطار علاقتها بالماضي- أن تكون انتقائيّة دائما، و(أن تؤسس هويتها على ذاكرة تاريخيّة تغذيها ذكريات ماض مهيب، ولكنه ماض يجذِّرها على الغالب في ضرب من "إناء الدموع " أو في ذاكرة العذاب المشترك. فالهويّة التي تضفي عليها الصفة التاريخيّة تبنى في جزء كبير منها بالاستناد إلى ذاكرة المآسي الجمعيّة) (22) فهذه الذاكرة التي تستحضر الجانب المأساوي من علاقتنا بالآخر المختلف الذي يمكن توصيفه بمقولات الإسلام السياسي (الصليبي) أو (الاستكبار العالمي)

بالمقابل فان اشكاليّة الاختلاف تمثل تيار آخر في عالمنا العربي بعامة والعراق بخاصّة يحاول أن يجد نقاط تواصل وتعايش عبر استثمار التجارب الغربيّة وغيرها من التجارب العالميّة سواء تمثلت في الحداثة والتنوير أو ما بعد الحداثة وما تقدمه من تنوع عرقي وثقافي ما يعرف بالهُجنة الثقافيّة .

الاشكاليّة الاولى:

ويميّز طه عبد الرحمن بين ثلاثة أنماط متتاليّة من الترجمة، تتدرج في الجودة من الأسوأ إلى المتوسط إلى الأفضل.

وهذا ما اشار اليه في كتابه "فقه الفلسفة" (23) "وضعنا نموذجًا نظريًّا في ترجمة الفلسفة يتألف من مراتب ثلاث متفاوتة فيما بينها؛ أولاها: الترجمة التحصيليّة، وتقع في التعارض الكلي بين الفلسفة والترجمة وتتولى نقل كل ما في النصوص الأصليّة من غير تمييز ولا تقويم، وتعمل جاهدة على محاكاة الصور التعبيريّة لهذه النصوص، ألفاظًا وتراكيب، فيكون مآلها تطويل العبارة بما يرهق الفكر ويزهق الوقت.

والثانيّة: الترجمة التوصيليّة، وتبقي على تعارض جزئي بين الفلسفة والترجمة، قد تشتد قوته أو تضعف، وذلك بحسب درجة التمسك بالصفات التقليديّة للفلسفة، كما أنها تنقل كل ما لا يبدو فيه إخلال ظاهر بالقواعد المقررة للغة وبالأركان الأساسيّة للعقيدة، وتبذل غايّة الجهد في نقل كل ما يحتمل الانتساب إلى حقل المعرفة من غير كبير تفريق ولا دقيق تقدير.

والثالثة: الترجمة التأصيليّة، وترفع التعارض بين الفلسفة والترجمة، وتجتهد في نقل ما تثبت لديها موافقته لضوابط المجال التداولي المنقول إليه "اللغويّة والعقديّة والمعرفيّة" متوسلة في ذلك بأنجع أدوات التمييز والتقويم؛ لأن العبرة هنا ليست بالحكايّة عن الغير، وإنما بتمكين الذات من الممارسة الفكريّة ".(24)

ويمكننا أن نتتبع خطوات طه عبد الرحمن في تطبيق نظريته في الترجمة، كما يلي، عندما يصل إلى ص 409 من كتابه، إذ يكتب: "وحتى نبين صحة نموذجنا النظري في الترجمة ذي المراتب النقليّة الثلاث (التحصيل والتوصيل والتأصيل) نختار "الكوجيطو" وعبارته الفرنسيّة: Je pense, donc, je suis "

ثم يتناول بالنقد أنماط ترجمتها كما يلي، فيكتب في ص 436: "وخلاصة القول في الترجمة التحصيليّة للكوجيطو التي أتينا عليها بمثال ترجمة محمود محمد الخضيري "أنا أفكر، إذن فأنا موجود" أن الصيغة التحصيليّة للكوجيطو دخل عليها من التكلف ما جعل تركيبها غير قصير وفهمها غير قريب، فيتعين صرفها وطلب غيرها مما لا تطول عبارته ولا يبعد إدراكه". بعد ذلك ينتقل طه عبد الرحمن إلى الترجمة "التوصيليّة" للكوجيطو، وهي ترجمة "نجيب بلدي" التي تقول: "أفكر، إذن فأنا موجود" فيكتب في ص 437: "تمتاز الترجمة التوصيليّة عن الترجمة التحصيليّة، بكونها تحذف بعض العناصر التي يمكن أن تطول العبارة الناقلة، لكنها تقع في تهويل بعض المعاني والحقائق التي يتضمنها المنقول، إنها تقع في تهويلين اثنين؛ تهويل لفظ الـ"موجود" وتهويل لفظ "إذن" (وغيرهما)، وهكذا فإن الترجمة التوصيليّة، وإن اجتهدت في اجتناب الأخطاء اللغويّة للترجمة التحصيليّة، فإنّها وقعت في أخطاء معرفيّة صريحة".

فيما الاشكاليّة الثانيّة: يمكن ان نتلمس بعض التوصيفات عن هذا الاتجاه الذي عرضنا في اعلاه سماته يمكن وضع بعض التوصيفات ضمن هذا الاتجاه منها ما يرى " ان الثقافة ليس محايدة أبدأ في ما تختار أن تضمه في كنفها مما هو لدى الآخرين ومما من ثقافات الآخرين أن تضمه في كنفها وكما يقول لورنس فينتوني بقوله ان الترجمة لا يمكن ان تكون مجرد تواصل بين ندين، لأنها في جوهرها لا تنفصم عن الثقافة التي تنبع منها ." (25) وان كان يرجع الانكماش على الذات او الانفتاح على الاخر مرتبط بما تعيشه الثقافة من حالات قوة او ضعف فعندما تكون الثقافة في حالة أزمة فانها تلجأ يائسة للدفاع عن نفسها بوسائل شتى تتخذ احيانا شكل إحراق الكتب، او حبس المفكرين، او نفيهم، او اتهامهم بالكفر أو بالجنون .(26) الا اننا نستطيع ان نقدم توصيف اكثر تجذير في الهويّة من خلال القراءة التي يقدم طه عبد الرحمن ما يعتبره ترجمة "تأصيليّة" للكوجيطو، فيقرر إن لفظ "أنا" لا يصلح للعربيّة، وأن لفظ "التفكر" غير مناسب لنقل الكوجيطو لأسباب عقديّة ولغويّة ومعرفيّة، فهو يرى أن لفظ "النظر" يمتاز على لفظ "الفكر" نتيجة لشهرة استعماله، ومناسبة مضمونه، فيكتب في ص 491: "تصبح صيغة الكوجيطو: انظر تجد (وهي بالذات الصيغة التأصيليّة للكوجيطو) ونحن لا نجانب الصواب إن قلنا بأنّ (الترجمة التأصيليّة) هي أكثر مراعاة لأسباب الضبط والتعليل في النقل من الترجمة التحصيليّة والترجمة التوصيليّة". (27) وهكذا يكون تبرير ترجمة طه عبد الرحمن التحصيليّة قد تطلب حوالي مائة صفحة من 409 - 506 لترجمة خمس كلمات من الفرنسيّة إلى كلمتين بالعربيّة.

فترجمة طه عبد الرحمن لا تتقيد بالألفاظ ولا بالمضامين الموجودة في النص الأصلي؛ لأنه يرى أن نقل المفاهيم الفلسفيّة من مجال تداولي "غربي" إلى مجال تداولي آخر "شرقي" يبيح للمترجم التصرف بالتأويل والتحويل والحذف والتغطيّة على النص المراد ترجمته، من دون تقيد باعتبارات الترجمة الحرفيّة إذا كانت لا تلائم الأصول "العقديّة والمعرفيّة واللغويّة" في الثقافة الناقلة.ولما كان المترجم التأصيلي لا يحذف إلا بعض الأصول الفلسفيّة التي يتأكد أنها تضرّ بالعقيدة أو بلغة المتلقي، وينقل ما سواها من حقائق فلسفيّة لا تظهر ظهورًا صريحًا مصادمتها لمحددات وموجهات المجال التداولي المنقول إليه، فإن نقله يأتي على أكثر الحقائق التي يتضمنها النص الفلسفي الأًصلي". (28)

من المشروع هنا، أن تثور اعتراضات حول ممارسة طه عبد الرحمن للوصايّة "العقديّة واللغويّة والمعرفيّة" على القارئ؛ فهذه الوصايا الموجهة للمترجم التأصيلي فيها مصادرة على عقل القارئ، وفيها تعامل مع القارئ وكأنه فاقد لأهليّة تلقي الأفكار من دون وصايّة، إذ يتوجب على ممارِس الوصايّة أن يبيح لنفسه حذف مضامين النص الأصلي وتغطيته، خوفًا على عقل القارئ وحمايّة له من التعرض لصدمة معرفيّة ولعقديّة ولغويّة. وظهر في سياق هذا الموقف انه هو بالذات لم يكن يخلو من وجود مشاكل تجعل رؤيته النقديّة " تعاني من مشكلات مع المعايير الثلاثة التي وضعتها لنفسها، بل إننا لو أضفنا إليها معيارًا رابعًا مما اعتاده المترجمون، والمتعلق بأمانة الترجمة، لوجدنا أن طه عبد الرحمن مستعدّ للرد على هذا المعيار بالرفض والتشاكل معه، إذ يكتب في: القول بمراعاة الأمانة قول لا يسلم من القوادح عند عرضه على التحقيق، إذا يقصد بالأمانة (أداء المنقول على ما هو عليه في أصله) فهذا المعنى المطلق للأمانة يكاد أن يكون وهمًا لا نفع معه، بل أسطورة لا حق فيها، وبيان ذلك من الوجوه الآتيّة: أن الأمانة التبليغيّة تتميز عن الأمانة الأخلاقيّة، على خلاف ما ذهب إليه البعض، فالأمانة الأخلاقيّة تقتضي وجود وديعة يجب تسليمها لصاحبها، ولا وديعة ولا تسليم في الأمانة التبليغيّة، فلم يستودع صاحب النص المترجم صور ألفاظه ولا معانيها، ولم يأتمنه عليها، ولا كان المترجم، بنقله لهذه الصور والمعاني، مسلّمًا لها إلى صاحبها، بل على العكس من ذلك، يكون من واجبه أن يسلمها إلى غيره، مع عدم وجود وصيّة منه بتسليمها إليه، وعلى هذا، فلا يصح الكلام عن الأمانة التبليغيّة من الوجهة الأخلاقيّة، ولا يكون استعمال لفظ الأمانة بصدد التبليغ إلا من باب التجوز في الكلام أو تكون الأمانة لفظًا مشتركًا يدل على معنيين متباينين، حدًّا وحقيقة". (29)

الاشكاليّة الثانيّة: الترجمة وإشكاليات التفلسف

لا بد في البدايّة أن نشير أن هذه الحركة جاءت لتصحح "أخطاء" مرحلة سابقة قد يرى فيها البعض أنها لم تكن إلا مرحلة طبعتها عقليّة "البريكولاج"، واقتصر فيها المترجمون على تناول ما " تحت أيديهم " من مؤلفات، وتوظيف ما يستعملونه من لغات، واستخدام ما يتوفرون عليه من إمكانيات. لذا فما يبدو منطلقات أساسيّة لحركة الترجمة البديلة هاته هو إسنادها الترجمة الى أهل الاختصاص، وحرصها الشديد على ألا تتم الترجمة الا عن اللغة الأم، وأن تبدأ أساسا بأمهات الكتب وعيون المصادر. والظاهر أن ما " تراكم " حتى الآن لخير دليل على التزام الساهرين على هذه الترجمات بكل تلك المبادئ. ويكفي على سبيل المثال أن نلقي نظرة سريعة على منجزات " المنظمة العربيّة للترجمة " في مجال الفلسفة حتى نتأكد من صحة ما أشرنا اليه. فقد استطاعت تلك المنظمة أن توفر للقارئ العربي عناوين أساسيّة في تاريخ الفلسفة على اختلاف مدارسه واتجاهاته. (30)

بما لا يرجع الأمر هنا فحسب الى الطابع المؤسسي الذي أخذ يسم الترجمة في عالمنا العربي، وإنما الى مفهوم الترجمة ذاته الذي تفترضه هذه الممارسة. ذلك أن الترجمة تطرح هنا بمعزل عن مخاض فكري، وتفهم أساسا على أنها نوع من التهيؤ للنصوص الكبرى كي تغدو متيسرة للقارئ العربي الذي ينوي الاشتغال بالفلسفة والذي يعتزم إعمال الفكر في تراثها. الترجمة هنا عمليّة تمهيديّة. إنها مثل التحقيق تسعى لتوفير النص لمن يعتزم إعمال الفكر فيه. وهي تسعى أن تضع " بين يدي " القارئ العربي أمهات النصوص. فهي اذن لحظة سابقة ممهدة لكل تفلسف. ما تهدف اليه هو إيجاد النص في لغة عربيّة، حتى وان تطلب الأمر أن يقبع في قاعة انتظار إلى أن يحين وقت استخدامه، والاشتغال به وعليه.

لكن ماذا لو كانت نصف عمليّة التفلسف تكمن في فعل الترجمة ذاته ؟ اذا كانت الفلسفة حوارا فهي بالأولى حوار بين نصوص وبين لغات. بهذا المعنى لا يمكن الفصل بين لحظتين: لحظة إعداد النص وترجمته، ثم لحظة استخدامه والتفكير فيه. اذا كان معظم الفلاسفة المعاصرين مترجمين، فليس ذلك سعيا منهم الى توفير نصوص وانما وعيا منهم أن ترجمة النصوص الفلسفيّة واعادة ترجمتها من صميم الممارسة الفلسفيّة. لا أعني بذلك فحسب أن هايدغر وفوكو وآلتوسير ولاكان ودريدا وريكور، لا أعني فحسب أن كل واحد من هؤلاء يرتبط اسمه بمصنف نقله الى لغته، وانما بأن كلا منهم لم يفتأ يعدل ترجمات النصوص التي كان يستثمرها. ان كلا من هؤلاء كان يعيد النظر في ترجمة النص عندما كان يعيد قراءته. أو لنقل بالأولى انه كان يعيد قراءته بإعادة ترجمته.(31)

تتمخض عن ذلك نتيجتان: أولاهما أن الترجمة ليست مسألة مؤسسة فحسب. لا يمكن للترجمة، وترجمة الأمهات الفلسفيّة أن تسند فقط إلى منظمات وقطاعات وزاريّة و" بيوت حكمة " تراكم النصوص الكبرى في رفوف المكتبات. " بيوت الحكمة " هنا هي، أولا وقبل كل شيء، الممارسة اليوميّة لمن يشتغل بالفلسفة ومن يشغل باله بها. الترجمة الفلسفيّة، مثل الفلسفة، همّ فكري ومعاناة من " يفلح " النصوص ويعشق اللغة ويرعى صقلها وصفاءها. ربما لا يمكنها أن تستغني ماديا عن المؤسسات والمنظمات، الا أنها لا يمكن البتة أن تتم خارج " مختبرات " الفكر، وبعيدا عن قاعات الدرس وفضاءات "الانتاج " الفلسفي.

النتيجة الثانيّة تتجاوز مسألة الترجمة كي تطال قضيّة الفلسفة ذاتها وشكل ممارستها في عالمنا العربي. فما دامت علائقنا بالنصوص الكبرى علائق لا تتعدى الفضول المعرفي، فإننا سنظل نتوهم أن تملّك تلك النصوص يتحقق بمجرد نقلها إلى لغتنا من دون بذل جهد متواصل لانفصالنا عنها، وإذكاء حده التوتر بيننا وبينها. (32)

لكن على الرغم من الاختلاف بين التيارين يجب أن يكون مُحرِّكُنا الأساس متمثِّلا بالفائدة التي تنعكس على حياة الناس، وتُسهم في تغيير أفكارهم وتطوير الأفكار تخليقا وإبداعا؛ لهذا فإن معالجة هذه الثنائيّة يجب أن ننظر لها من زاويّة ترى أن كل فكر يسهم في تقدم البشريّة، يجب أن يجذب اهتمامنا سواء أكان ذلك الفكر داخل ثقافتنا أو في ثقافة أخرى، وهذا يجب أن يحفزنا إلى التواصل معه عبر التعريب والترجمة التي تجعلنا أمام سؤال ضروري هو: أي ترجمة للثقافة نريد؟ بمعنى: أي نوع من الثقافة نحن اليوم بأمسّ الحاجة إليها؟ من أجل خلق اشتراطات جديدة لوجودنا وصيرورة حياتنا، فهنا ثقافات متنوعة، وهنا يبقى السؤال عن ماهيّة الثقافة التي بإمكانها أن تقدم لنا الزاد الثقافي الذي بإمكانه أن يكون له أثرٌ محمود على واقعنا ومن ثمّ على مستقبلنا؛ لأن هناك ثقافات متنوعة فمنها ما يصدر عن ثراء، ومنها ما يعبّر عن فقره، ومنها ما يحدث صدمة ويخلق تحولاً في ثقافتنا عندما ندرك واقع ثقافتنا بالمقارنة مع الثقافة المعاصرة، وما فيها من عمق وجِدة وإضافة جديدة .

لكن هذا يقودنا إلى سؤال آخر هو أي ثقافة ترجمة نحن بحاجه لها؟ سؤال حيوي ومهم يفترض وجود رؤيّة عميقة مؤسساتيّة تعمل عليها المؤسسة والمثقفون في البلد، بمعنى أن الإجابة تفترض صياغة مُحكَمة إلى إستراتيجيّة جديدة للترجمة تنقل العمل من نطاق العمل الفردي الذي غالبا ما يكون محكومًا وفق رغبات الفرد وما يرغب به أو يجده مفيدًا على أساس المردود المادي .

فالإجابة تفترض فتح حوار واسع بين المؤسسات الثقافيّة والجامعيّة والسياسيّة والمثقفين وأساتذة الجامعات، من أجل صياغة أجوبة تتسم بالشموليّة وتأخذ بعدا مؤسساتيًّا.

إذا افترضنا ضرورة الترجمة بمعنى ضرورة الحوار بين الثقافات، لكن الحوار يفترض النِدّيّة بعيدا عن المركزيات الثقافيّة التي تنطلق من كونها ثقافة مركزيّة مقابل الثقافة الأخرى الموصوفة بالهامشيّة، أو مجرد ثقافة أطراف عليها إن تتلقى الثقافة المركزيّة وتعيد استثمار رهاناتها وإن كانت مغتربة عن واقعها وكأنها تعيش إشكالات هي لم تصل لها ولم تعيشها ومن ثمّ تحول إلى ثقافة متلقّيّة سلبيّة همُّها التقليد، وليس لها رهانات ترتبط بمشاكلها، بل تعيش وهم الآخر ومشاكله التي تفارق واقعها، هذا على صعيد الثقافة المقلدة إما الثقافة المركزيّة فهي ترفض اختلاف الآخر ولا تباين حاجات ولا طبيعة الحلول التي تتوافق مع حاجاته بل لا ترى في الآخر إلا إعادة تكرار الظروف التي مر بها المركز. ولعل هذا يعبر عن ذهنيّة الاضطهاد التي تتواجد اليوم، إذ يعتقد البشر أنهم أحرار منفتحون على العالميّة. وبسبب صفة التفاضل التي تميزهم فإنهم يعيشون أضيق المجالات الثقافيّة من الداخل كما لو كانت معينا لا ينضب وكل ما يتعارض مع هذه الفكرة الوهميّة يصيبنا بالذعر ويثير في نفوسنا اتجاها قديما نحو الاضطهاد) (33) وبالمحصّلة تقوم نظرة الثقافة المركزيّة للآخر على إعادة تكراره بصيغة التبعيّة والخضوع لها. لكن اليوم بات الغرب المهيمن ينظر إلى الآخر (الإسلام) الذي كان مقموعا سابقا بات اليوم (يمثل في أيامنا الإيديولوجيّة الوحيدة، الكفيلة بتغذيّة رفض جذري للهيمنة الغربيّة، من دون أن تستعير أسلحتها الفكريّة من الغرب) (34) هكذا يتصور الغرب الشرق بكل تنوعه السياسي والعِرقي فقط في الخطاب الإسلامي بوصفه ضدًّا نوعيًّا لا يمكن التعايش معه على الرغم من توظيف مقولة الاختلاف والتعدد؛ إلا أنه يحاول أن يمارس التمركز حول ذاته واختلاق عدوٍ وهميٍّ مُتخيّلٍ على الرغم من أنَّ هذا العدو لم يرتكب عُنفًا بحق الغرب مثلما فعل الغرب بحق نفسه أو بحق الآخر.

لكن هذا النقد للتمركز الغربي يجعلنا أكثر تمسكًا بضرورة الترجمة، لكن أيضا تجعلنا بأزاء تلك الرهانات التي توجب علينا أن نراعيها في إعادة مشروع ترجمة لها أثرها في الانفتاح على الآخر من ناحيّة ومن ناحيّة أخرى ضرورة انفتاح الهويّة لكن حدود ما يجعلها تنفتح على التعدد الذي يمنحها التجدد والاختلاف والتعدد من دون أن يلغي تمايزها واستقلالها عن الآخر، وهذا الأمر يستدعي تجدد آليات الرؤيّة ومن ثمّ تشذيبها من دون تشويه، بل يمنحها حياةً جديدةً أكثر تاريخيّة عندما تكون منفتحة على الحوار من ناحيّة، وعلى الواقع ومشاكله من ناحيّة أخرى يجعل أمام الذات تراثًا من الخبرة المتنوعة التي تضيف بصمة التميز عليها عبر إيجاد حلول للمشاكل التي يعاني منها البلد، ومن هنا نستشعر أهميّة تبيئة الأفكار والمفاهيم عبر الترجمة أو التعريب على الرغم من أنهما متباينان إلا كونهما من آليات الانتفاع بخبرات الآخر وتراثه.

ومن هنا يمكن أن نتلمس أثر الترجمة في تطوير حقول الثقافة ومنها اللغة التي تتسع بالترجمة والتواصل، وتزداد آفاقها في حقول الأدب وحقول العلم التي أوجدت عوالم جماليّة وفنيّة تظهر تجارب اجتماعيّة وجماليّة إبداعيّة أو تزداد بآفاق العلوم والتجارب العلميّة والفلسفيّة التي أوجدت عوالم تقنيّة أو فكريّة جديد تركت آثارها في اللغة، فالجديد يعمّق التجارب القديمة، فمثلاً تُجسّد اللغة خزينًا من تجارب الكائن البشري التي تتسع بالانفتاح إلا أنها تعبر عن الذاكرة التي تتعمق بالتواصل بين الماضي والحاضر، إذ تنصهر الآفاق عبر الفهم والتأويل والقراءات للذات أو لدى الآخر عبر الترجمة فتتوسع اللغة ويتعمق فضاء المتخيل والمفكر به أو غير المفكر به .

إذا كان النص يمثّل انعكاسًا وجوديًّا يشتمل على التجربة التي عاشها أو تخيّلها المبدع، وعبرها يحاول التعبير عنها من خلال اللغة بكل ما تختزنه تلك اللغة من إمكانات جماليّة وذاكرة جمعيّة تركت آثارها بأنماط وأشكال تعبّر عن محاولة المبدع صياغة تلك التجربة من خلال التصورات الوجوديّة التي تتسم بارتباطها بالزمان والمكان، وهذا يتجلى من خلال النص. لكن بعد اكتمال النص يغدو مستقلاًّ عن المبدع يتعرض إلى القراءة والتلقي والترجمة، وهنا تظهر ممكنات أخرى للتلقي يضعها الكثير من الباحثين على مقاربتين:

الأولى: تقدم القارئ على النص وتمنحه سلطة في أن يسقط على النص أحكامه المسبقة التي هي في جزء كبير منها تصوراته التي تنتمي إلى الثقافة والتكوين الاجتماعي والنفسي الذي يكوّن تصوراته وأحكامه المسبقة، وهي رهينة بتجربة التلقي التي هي أيضًا رهينة لحظة الإدراك لمعنى النص الذي تكون لدى المتلقي المحكوم بتلقي أوّليٍّ بريءٍ من الأحكام من ناحيّة ولحظة الإدراك من ناحيّة أخرى ومن ثمّ تتحول تلك إلى ترجمة .

لكن هذا أيضا لا يمكن تقبله بوصفه تصورًا صحيحًا للترجمة؛ لبُعده عن النص وما يختزنه من عوالم وأنساق. وهنا لابد من أن تستثير القارئ كيان النص (الذي تجسده اللغة مما يحتم زيادة على الإحاطة باللغة تفهما وتفاعلا مع معاني الألفاظ والمواقف المنتجة للدلالات المختلفة للأثر المترجم) (35)

وحتى تتحقق لحظة الانصهار بين أفق النص وأُفُق المتلقي يجب أن يكون المتلقي محيطًا بلغة النص التي ينقل منها كذلك باللغة التي يترجم لها .

الخاتمة

تعد الترجمة الجسر الذي يمكّن الشعوب من التقارب، إذ تؤدي دوراً بارزاً في نقل الأفكار والآراء والثقافات وحضورها في تنميّة الثقافة وتواصلها مع هذا العصر التداولي الرقمي الذي أصبحت فيه الترجمة أمراً ضرورياً بل حقلاً معرفياً مهماً.

أن الترجمة قد طرحت مدلولات متباينة بين دعاة الاختلاف والتحديث من ناحية ودعاة الهويّة الذين عدّوا الترجمة وسيلةً من وسائل التغريب والتثاقف مع الآخر .

أنّ الترجمة ليست وسيلة للاتصال تخلو من التأثير بل ظهر في النقود المعاصر، إن كل لغة لا تقدم وسائل الاتصال لمتحدثيها فحسب، بل تفرض عليهم رؤيّة مختلفة عن العالم .

ان الترجمة تنشد التفاهم البعيد، لما انقسمت الأمّة على شعوب مختلفة باختلاف لسانها الواحد إلى ألسن متعددة، فقد صارت حاجة هذه الشعوب ماسّة إلى التفاهم فيما بينها وإن كان هذا التفاهم المطلوب لا يضاهي التفاهم بين أفراد الشعب الواحد . فهذا تفاهم قريب يسره الاجتماع بين اللغات مشتركة، وذلك تفاهم بعيد يعترضه الاختلاف بين اللغات المتباينة في مبانيها ومعانيها .البعيدة إلا بسلوك طريق الترجمة التي سوف تتولى تهذيب الفروق وتذليل الأخطاء في المعاني.

شكل العامل الديني الدافع الذي شكّل محفزاً الى نمو الترجمة وتوسعها هو ترجمة الانجيل " يذكر بعض المؤرخين أن اللغة التي تكلّم بها رسول الله عيسى (عليه السلام)، هي اللغة الآراميّة في حين نصوص الإنجيل الأربعة المشهورة والمنسوبة إلى (متى) و(يوحنا) و(مرقس) و(لوقا)، وردت باللغة اليونانيّة لكن هذه النقول الأربعة أقيمت مقام الأصل الآرامي المنزل .

أن الترجمة هذه تمس الأصل بطريقة عابرة وفي نقطة معنى تكون لا متناهيّة الصغر، وذلك لاتباع خط سيرها الخاص تبعا لقانون الأمانة ضمن الحركة اللغويّة.

اذا كان معظم الفلاسفة المعاصرين مترجمين، فليس ذلك سعيا منهم الى توفير نصوص وانما وعيا منهم أن ترجمة النصوص الفلسفيّة واعادة ترجمتها من صميم الممارسة الفلسفيّة.

أن الترجمة ليست مسألة مؤسسة فحسب. لا يمكن للترجمة، وترجمة الأمهات الفلسفيّة أن تسند فقط إلى منظمات وقطاعات وزاريّة و" بيوت حكمة " تراكم النصوص الكبرى في رفوف المكتبات. ربما لا يمكنها أن تستغني ماديا عن المؤسسات والمنظمات، الا أنها لا يمكن البتة أن تتم خارج " مختبرات " الفكر، وبعيدا عن قاعات الدرس وفضاءات "الانتاج " الفلسفي.

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

رئيس مركز التفكير النقدي

..........................

(1) انظر:سعيدة كحيل، نظريات الترجمة بحث في الماهية والممارسة، pdf، على شبكة الانترنيت ص 46،48، 51.وانظر بواسطتها: بيتر نيومارك، اتجاهات في الترجمة، ترجمة محمد إسماعيل صيني، دار المريخ للنشر، الرياض،1986م،ص 20-21-23.

(2)

(3) ألون مونسلو، دراسة تفكيكية للتاريخ، ترجمة:قاسم عبده قاسم، المركز القومي للترجمة، ط1، القاهرة، 2015، ص 59.

(4) انظر: طه عبد الرحمن، الفلسفة والترجمة،ج1، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 1995م، ص62-63.

(5) نبيل فياض، ماهو الإسلام ؟ موقع كتابات .

(6) انظر:عامر عبد زيد، الإصلاح الديني قراءة المفهوم في التجربة الغربية، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية العتبة العباسية المقدسة، ط1، 2018 م،لنجف .

(7) انظر: الحرية - مجلة التقدميين العرب على الانترنت.

(8) انظر: الموسوعة العربية المسيحية: نؤمن بإله واحد، القديس جيروم .اذ قام القديس جيروم بترجمة العهد القديم عن العبرية مباشرة والعهد الجديد عن اليونانية مباشرة واتسمت ترجمته (بالفولجاتا) يعنى العامة والتي بقت الترجمة المعتمدة للكنيسة الكاثوليكية على فترة 10 قرون. ويرى العلماء اللاهوتيين والإنجيليين أن الترجمة اللاتينية هذة لها أهمية خاصة فى تحقيق نص العهد الجديد لأنها ترجع لمنتصف القرن الثاني الميلادي وايضا بتقدم صورة مبكرة للنص اليونانى الذي اترجمت عنه، خصوصا إنها كانت أكثر حرفية . امضى القديس جيروم سنوات طويلة من عمره فى المغارات والأقبية تحت كنيسة المهد معتكف على كتبه، ليقدم اول ترجمة شاملة للكتاب المقدس بمنهجيّة واضحة، ومازال مسيحيو العالم يعتمدون على ترجمته لليوم.

(9) انظر: عز الدين الخطابي،الهرمينوتيقا والترجمة أو سؤال الحوار والتفاهم بين الذات والآخر: http://www.mominoun.com/articles

(10) انظر: ماريان لورد ورير – دانيكا سيليسكو فيتش، التاويل سبيلا إلى الترجمة، ترجمة: فايزة القاسم، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت،2009 ص7-10.

(11) انظر:سعيدة كحيل، نظريات الترجمة بحث في الماهية والممارسة، pdf، على شبكة الانترنيت ص 46،48، 51.وانظر بواسطتها: بيتر نيومارك، اتجاهات في الترجمة، ترجمة محمد إسماعيل صيني، دار المريخ للنشر، الرياض،1986م،ص(20-21-23) .

(12) عز الدين الخطابي،الهرمينوتيقا والترجمة أو سؤال الحوار والتفاهم بين الذات والآخر: http://www.mominoun.com/articles

(13) جيريمي مندي، ملخص نظرية الترجمة، ترجمة وإعداد: ا.د. كاظم العلي، موقع النور،http://www.alnoor.se/article.asp?id=54582

(14) هيثم حسين، جاك دريدا يكتب "أبراج بابل" باحثا عن فلسفة الترجمة، https://alarab.co.uk

انظر: جاك دريدا، أبراج بابل، ترجمة مصطفى دقوري، دار حوار، دمشق

(15) انظر: طه عبد الرحمن، الفلسفة والترجمة،ج1، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 1995م، ص62-63.

16) هيثم حسين، جاك دريدا يكتب "أبراج بابل" باحثا عن فلسفة الترجمة، https://alarab.co.uk

(17) هيثم حسين، جاك دريدا يكتب "أبراج بابل" باحثا عن فلسفة الترجمة، https://alarab.co.uk

انظر: جاك دريدا، أبراج بابل، ترجمة مصطفى دقوري، دار حوار، دمشق .

(18) بقلم نجيب جورج عوض، ما بين الأنطولوجية والنص: جاك دريدا وتفكيك الخطاب اللَّاهوتي، http://www.mominoun.com/articles

(19) صبري حافظ، الشعر والتحدي وإشكالية المنهج، مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، بيروت، العدد 38، آذار، 1986، ص 79.

(20) انظر:النص ودلالة الغياب في تفكيكية جاك دريدا، نزوى وانظر بواسطته: Rey, Alain, théories du signe et du sens, lecture I, édit: Klincksieck, paris, 1973, p 227

(21) انظر: صالح مصباح، الترجمة وتجديد الفلسفة في العربية، مجلة تبين، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدد 6، خريف،2013م.

(22) جويل كاندو، الذاكرة والهوية،ت: وجيه أسعد، وزارة الثقافة –دمشق 2009،ص199.

(23) طه عبدالرحمن، فقه الفلسفة، 1، الفلسفة والترجمة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1995

(24) أمير الغندور،حول نظرية الترجمة عند طه عبد الرحمن، موقع مؤمنون بلا حدود، قسم: الفلسفة والعلوم الإنسانية منشور في تاريخ: 17ديسمبر 2016 .

(25) محمد عصفور، دراسات في الترجمة ونقدها، دار الفارس،ط1، 209،ص 57.

(26) المصدر نفسه، ص 51.

(27) طه عبدالرحمن، فقه الفلسفة، 1، الفلسفة والترجمة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1995م، ص 370.

(28) أمير الغندور،حول نظرية الترجمة عند طه عبد الرحمن، موقع مؤمنون بلا حدود، قسم: الفلسفة والعلوم الإنسانية منشور في تاريخ: 17ديسمبر 2016م

(29) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

(30) عبد السلام بن عبد العالي، الترجمة والفلسفة في العالم العربي، مجلة نزوى،1 يناير,2010م

(31) عبد السلام بن عبد العالي، الترجمة والفلسفة في العالم العربي.

(32) عبد السلام بن عبد العالي، الترجمة والفلسفة في العالم العربي .

(33) رينيه جيرار، كبش الفداء، ت: منار رشدي أنور، دار شرقيات للنشر والتوزيع، ط1، القاهرة، 1998م، ص 28.

(34) تييري هنتش، الشرق المتخيل رؤية الغرب إلى الشرق المتوسطي، دار الفارابي، ط1، بيروت، 2004م، ص 298.

(35) جمال حضري، أي رهان لترجمة، الأدب في ظل العولمة، جريدة: الأديب 11من تشرين الأول،بغداد،2006.ص5.

 

عبد الجبار العبيديحدد العلماء لا الفقهاء، عناصر المعرفة الانسانية في ستة عناصر، هي: الحق والباطل، الغيب والشهادة، السمع والبصر، الفؤاد والقلب، والعقل والفكر، البشر والانسان. وهي العناصر الاساسية المكونة للحياة الانسانية على الأرض والتي جاء ذكرها في المصحف الشريف أختصارا وتفصيلا. نظرية المعرفة لم تكن جديدة فقد كتب عنها الكثيرون.. ويقف الجاحظ (ت 255 للهجرة) في المقدمة .وسنحاول في هذا الموضوع ان نعطي وجهة نظرالمؤلف العلامة محمد شحرور مع التصرف فيها لعلنا نوفق في الشرح والتفصيل للوقوف على الهنات التي أغفلها فقهاء التفسير دون قصد، وشرحهم لها وفق متطلبات عصرورهم المعرفية حين لم تستكمل اللغة تجريداتها بعد، وبما أن المعرفة تدخل ضمن نظرية التطور الزمني لذا سوف نبدي وجهة نظرنا فيها علنا نُسعف ما تجاهلوه ليس قصدا ولكن جهلاً بها . ولنبدأ بكلمة الحق:

الحق:

 يعرف الحق بأنه الوجود الموضوعي المادي خارج الوعي الانساني، وقد عبر عنه القرآن الكريم بقوله: (وقالت يا أبتِ هذا تأويُل رُؤيايَ من قبل قد جعلها ربي حقاً يوسف 100). والقرآن عبر عن الحق بمصطلحين هما (الله) وهو الوجود الموضوعي خارج الفكر الانساني وليس من نتاجه بقوله: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعونه من دونه الباطل وان الله هو العلي الكبير، الحج62). وهو كذلك ليس وجوده مثل وجود الأشياء الاخرى بقوله: (ليس كمثله شيْ، الشورى 11). أما الوجود الآلهي فقد عبر عنه القرآن، بالصفات التالية:

- لا تنطبق عليه قوانين الجدل للانسان والكون (ليس كمثله شيء).

- ينفرد بالأحادية في الكيف والكم (قل هو الله أحد).

 

- خالً من التناقضات، لأن وجوده الأحادي لا يحتوي على التناقضات في ذاته، وبالتالي فهو منزه عن الفساد والتغير(الهلاك) - لقوله: (كل ُ شيء هالك الا وجهُهُ).

- لا تنطبق عليه معادلة الزمان، لان الزمان والمكان بمفهومه الحالي هو من صفات المادة الثنائية المتغيرة لقوله: (هو الأول - والأخر والظاهر والباطن، الحديد 3).

 وأذا استعرضنا الكتاب فلا نرى أسماء الله الحسنى معطوفة على بعضها الا في هذه الاية للدلالة على عدم أنطباق معادلة الزمان على الله. لذا فان الفكر الالحادي من وجهة نظر القرآن هو من نتاج الفكر الانساني وهو موقف مثالي بحت لا يُكفر.

أما المصطلح الثاني للحق، فهي كلمات الله والتي هي عين الموجودات المخلوقة: (قوله الحق، الانعام73). ويقول: (ويحق ُالله الحق بكلماته ولو كره المجرمون، يونس82).والآيات القرآنية تطرح قولا ان الوجود المادي الكوني خارج الوعي الانساني هو حقيقة وليست وهماً كما في قوله: (وما خلقنا السموات والارض وما بينهما الا بالحق وان الساعة لآتية فأصفح الصفح الجميل، الحجر 85). وبذلك تكون السماوات والارض وما بينهما هي مخلوقات موضوعية مادية لها وجود خارج الوعي الانساني لاستعماله كلمة الحق مجرورة بالباء (بالحق) اي أنها مخلوقة بكلماته.

 حين أستعمل القرآن كلمة الحق في أم الكتاب كقوله: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق، الانعام 151)، وقوله: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، الحج40) هنا استعملت كلمة الحق لتحقيق مفهومين أساسيين هما: الصدق والعدالة، لأنهما لايدخلان في أبواب الوهم، لأن العدالة لا تتحقق الا اذا جاءت منسجمة لامتعارضة مع قوانين الوجود، وكذلك الصدق لا يدخل في قوانين الوهم لذا قال تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا، الاسراء 81 ). ولم يقل جاء الصواب وذهب الخطأ. فالحق بالمنطق القرآني المقدس تقريري آلزامي لا يحق لأحد من الناس أختراقه بحجة التبرير الزماني او المكاني، لأن آيات الحق كلها آيات حدية ألزامية التطبيق.ومن يتعدى عليها فقد خرج عن الحق الشرعي للوجود الانساني وحسابه عند الله كبير. ويتكلف الحاكم الشرعي بتطبيق هذا الأمر الملزم نصاً وروحاً.

أما الباطل:

 فقد أستعمل القرآن المصطلح للدلالة على الوهم والتصور الوهمي، كما في عبادة العرب للأصنام، حين اعتبرها موقفأ باطلا لا خطئأ مقصودا لذا قال: (ويمحُ الله الباطل ويحق الحق بكلماته...، الشورى 24). كذلك استعمله بمفهوم الحلال والحرام في السلوك الانساني لقوله: (ان كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل، التوبة 34)، هنا استعملت كلمة الباطل لأستخدامها من قبل الاحبار والرهبان بتصورات وهمية كأنهم وسطاء الله في الارض وماهم بوسطاء.لذا قال عنهم أنهم باطلون، وهو تصور قرآني رائع لا مثيل له.

من هذا يتبين لنا ان الوجود الموضوعي المادي خارج الوعي هو وجود حقيقي لا وهمي تصوري، وقد سبق وجود الانسان ككائناً حياًعاقلاً، لذا فالمعرفة هي معرفة الوجود على ما هو عليه، ويبدو ان لاشيء حسب التصور الرباني موجودا بغير الوجود المادي لكنه مدرك وغير مُدرك . فالفراغ بين الارض والسماء مادي لكنه غير مدرك كالروح والملائكة، وهذه هي التي نسميها بالقدرة الربانية الخارقة.

الشهادة والغيب:

الغيب لغةً: هوًتستر الشيء عن العيون والقياس عليه. والشهادة هو حضور وعلم، والمُشهد محضر الناس. من هنا يتبين لنا ان الغيب والشهادة هما مفهومان ماديان بحت كما ورد في الكتاب، فالغيب لا يعني بالمفهوم القرآني ما يعرف بما وراء الطبيعة كما في الفلسفة الانسانية، وأنما هوحصول حدث ما أثناءغياب الشخص المعني.ويعبر القرآن عن هذا التأكيد حول مادار بين يوسف وأمرأة العزيز بقوله: (ذلك ليعلم أني لم أخنهُ، يوسف52).ان القصص القرآنية كلها غيب بالنسبة للنبي(ص) رغم كونها أحداث مادية وانسانية حدثت عبر عن ذلك بقوله تعالى: (فلنقص عليهم بعلم وما كنا غائبين، الاعراف 7). ولكي يؤكد باليقين انها أشياء واحداث مادية قال تعالى: (ان الله عالم غيب السموات والارض أنه عليم بذات الصدور، فاطر38، ولقوله تعالى: (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً الا ما شاء الله ولو كنت اعلم الغيب لأستكثرت من الخير وما مسني السوء ان أنا الا نذير وبشير لقومً يؤمنون، الاعراف 188. ) وتنطبق هذا الاقوال المادية كلها على الاحداث التي نقلها القرآن للنبي رغم غيابها عنه. كقصة الطوفان ومريم وغيرها.

وبقيت نقطة لابد من ذكرها وهي ما تخص (مفاتيح الغيب) التي وردت في الكتاب، وهي مجموعة من القوانين أذا عرفها الانسان اصبح كامل المعرفة كما في قوله تعالى: (عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحد، الجن 26). ولم يسمح بها الا للانبياء او الرسل ليمزهم عن الاخرين في قيادة المعرفة لكنها دون المطلقية، لان المطلقية لله وحده.كقوله تعالى: (الا من ارتضى من رسول فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، الجن27). ومفاتيح الغيب وردت في القرآن وهي خمسة لا يعلمها الا هو لقوله تعالى: (ان الله عندهُ علمُ الساعةِ وينزل الغيثَ ويعلمُ ما في الارحامِ وما تدري نفسُ ما تكسبُ غداً وما تدري نفسُ بأي أرضٍ تموت ان الله عليم خبير، لقمان 34).ان المكتشفات الحديثة التي توصلت الى معرفة مافي الارحام والتنبوآت الجوية بالمطر والاعاصير ماهي الا نتيجة حتمية لاعطاء الانسان بعض المعارف الدنيوية التي تمكنه من تفعيل الادراك والتعلم باساليب مختلفة توصل لعلم جديد مكتشف كما في علوم الاجنة والتنبؤات الجوية بأرادته، لقوله تعالى: (وعلمَ الانسان مالم يعلم).

اما الشهادة فتعني مفهوم الحضور والعلم بالمفهوم القرآني وليس الحضور بالمفهوم الانساني لذا قال الحق: (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، هود 103). وهنا يوم مشهود تعني الحضور المباشر للناس في هذا اليوم، ويقصد يوم القيامة لا المعرفة النظرية فقط. مقاصد كثيرة جات بالقرآن لم يذكرها المفسرون لجهلهم بها، الا يحق لنا القول اليوم برفض التفسير الحالي واستبداله بفقه جديد خدمة لأمة تسير وفق خط الأنهيار الحضاري.

السمع والبصر والفؤاد:

لقد جاءت الالفاظ الثلاثة (السمع والبصر والفؤاد) مجتمعة في عدة أماكن في الكتاب كقوله تعالى: (ولا تقفُ ما ليس لك به علم ان السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا، الأسراء 36). نلاحظ في الآية الكريمة كيف ربط بين السمع والبصر والفؤاد، فالسمع وظيفة الاذن، والبصر وظيفة العين، نستنتج ان وظيفة الفؤاد وظيفة لعضو وليس عضواً، فالفؤاد هو الأدراك الناتج عن طريق الحواس مباشرة وعلى رأس هذه الحواس السمع والبصرة لأن التفكير الانساني بدأ بهما..من هنا يُعرف القادة، لذا عندما رمت أم موسى ولدها في اليم بيدها ورأت ذلك بأم عينيها أصبح فؤادها اي الاحساس عندها فارغا لقوله تعالى(وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً)، القصص10). لكن الاحساس عندها جعلها تكون في موقف الامتعاض والنفرة منه، لذا قال: (تعالى ان كادت لتبدي به، القصص10) اي تُدافع عن عمل لا يرضاها.

 لذا نرى ان بداية الوحي للرسول هي بداية فؤادية ليثبت ما سمع وما أبصر من جبريل لقوله: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا، الفرقان 32). هنا ذكر الفرقان في مجال التنزيل وهو البلاغ المبين، ولوجاء دفعة واحدة من الله لوقع الرسول(ص) في الشك بين الوهم والحقيقة، لذا فأن البداية كانت بداية احساس القناعة والثقة بالذي جاء اليه(ص) من الله وما هو الا صوتاً وصورة ثبت فيها القناعة. وهنا نفهم شروط الشهادة التي اراد الله لها التثبيت بكونها فؤادية بصوت وصورة لتلافي التزوير، وهذا الذي يطرحه القرآن كان نظرية جديدة لم يألفها عالم الانسان في حينه. والملاحظ ان الآية 78 في سورة النحل تؤكد ان الانسان يولد بلا معلومات وان الحواس الثلاثة هي بداي المعلومات كقوله تعالى: (الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والبصر والأفئدة لعلكم تشكرون). وهنا كانت بداية التفكير الانساني وعزله عن عالم الحيوان، لان الفؤاد هو بداية المرحلة الاولى للتفكير، من هنا جاء التكريم لبني آدم بالفكر ووليس بشيء أخر ثم توالت عليه عمليات التكريم بقوله: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ام هل تستوي الظلمات والنور..الزمر آية 9)، وقوله: (وكرمنا بني آدم..الأسراء 70).

القلب:

الذي أطلق الكتاب عليه مصطلح القلب في وهو عضو يعتبر من أنبل الأعضاء في الجسم، وهو المخ فسماه بالقلب، وهو مركز الفكر والارادة، لقوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فأنها لا تعمي الابصار ولكنها تعمي القلوب التي في الصدور، الحج46). هنا في هذا الوصف القرآني العظيم لا يعني بالقلب عضلة ضخ الدم، لأنه القاسم المشترك بين الانس والجان، وقد أكد الزمخشري في الكشاف "م 3 ص167" ان القلوب هي مراكز العقول.

وآيات الكتاب جاءت لتحوي كلمة القلب بهذا المعنى لقوله تعالى: (ولو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك، آل عمران159). هنا ذكر الباري عز وجل ناحيتين مهمتين في الانسان، الأولى الفظاظة في الطبع والثانية بلادة الذهن والغباء، لذا فكان القصد القرآني واضحا بأن الرسول(ص) كان فطناً وذكياً والفطنة والذكاء من صفات النبوة. ويقول تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، محمد24). والتدبر كما نعرف أنه الصفة الانسانية والقرآن يعلم الانسان الحاجة الى التدبر، لذا قال وعلى قلوب أقفالها. وهكذا اشار القرآن الى هذا العضو الانساني المكرم بالعقل والتفكر.

العقل والفكر

 كلمة العقل جاءت في اللسان العربي من عقل اي(الربط والشد) وهو نقيض الجهل، والفكر في اللسان العربي يعني (الفك) ويعني التفتح والأنفراج. وهكذا نرى ان الفكر والعقل صفتان متتامتان، فالفكر يفك أي يحلل الاشياء بعضها عن بعض والعقل يكامل ويركب عناصر الاشياء بعضها الى بعض ليصدر حكما ًيتعلق بالوجود المادي الموضوعي أو بالسلوك الاجتماعي الاخلاقي..هنا كانت فلسفة الحياة..

الفكر والفؤاد والعقل من سمات الانسان وهي لنفخة الروح هذه الصفات ارتبطت بنشأة اللغة في القرآن ولتعطي معانٍ متشابه في القول والعمل.

البشر والانسان:

 فرق بين البشر والانسان كما وردا في القرآن الكريم... لقد ورد مصطلح البشرفي الكتاب ليعبر عن الوجود الفيزيولوجي لكائن حي له صفة الحياة كبقية المخلوقات الحية، ويبدو ان ظهور هذا الانسان البشري الاول قد تزامن مع ظهور الأنعام لقوله تعالى: (خلقكم من نفسٍ واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الانعام ثمان.......الزمر6). ان الخلق للبشركان تقديرًا قبل التنفيذ، لذا قال تعالى للملائكة: (أني خالق بشرا، فهذا يعني ان البشر لم يظهر بعد لذا أتبعها بقوله: (فأذا سويته ونفخت فيه من روحي قوموا له ساجدين ص72). لذا فان البشر كان منتشراً في الأرض قبل الأنسنة، والتاريخ القديم يخبرنا بأن الانسان الاول كان بشراً متوحشا في الغابات لا يختلف عن الانعام في عيشه وحياته منذ آلاف السنين، وانسان النيتدرال مثالاً.، ففي هذه الحاله هو الشكل المادي الحيوي الفيزيولوجي الظاهري للانسان، حيث ان الانسان هو كائن بشري مستأنس غير مستوحش(أجتماعي).

والايات القرآنية التي ذكر بها هذا البشر المستأنس كما في قوله تعالى: (قالت ربِ أنى يكونُ لي ولدُ ولم يمسسني بشر، آل عمران 47). وهذا الايحاء هو للجنس البشري المختلف عن البشر الاول، وكذلك هنا اختلاف في الايحاء كما في وحي النحل: (وأوحى ربك الى النحل ان أتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر وما يعرشون، 68) . والنحل ليس ببشر أو أنسان،، وانما هنا جاء بمثابة الألهام والهداية والارشاد للنحل ان تتخذ من الجبال بيوتاً تأوي اليها النحل .ومن الشجر لتقتات عليها، لأنها حشرة نافعة للانسان، لذا اراد حمايتها حتى لا يدخل الخلل في بيوتها وحتى تكون منتجة لما يستفيد منه الانسان، وهذا نوع من التكريم للبشر أجمعين.ولكن هل وعى الانسان نعمة القادر القدير).

أما الايحاء للبشر هو غير الايحاء للحيوان، لانه أيحاء مدرك أعطى للبشر الوعي والادراك. وبالوعي والادراك اصبح البشر انسانا حين منحه الله قانون عدم التناقض اي اعطاه بداية المعرفة بين الدال والمدلول فنقله الى عالم التجريد، ومن هنا كانت بداية الأنسنة فأصبح آدم ابو الانسان وليس ابو البشر.من هنا اعطي آدم أداة التفكير واداة الاتصال في اللغة، وقانون عدم التناقض في الفكر ويتجسد قوله تعالى: (اني أعلمُ ما لا تعلمون، البقرة 30). وتابع الانسان بعد ذلك مسيرته الجبارة حتى وصل الى ما هو عليه الآن.فآدم هو ابوالانسنة وليس ابو البشرية، وبين البشر الغير المدرك والبعيد عن ربط الظواهر الطبيعية والانسان المدرك لربط الظواهر الطبيعية فرق كبير.

نحن لا نعيب على الفقهاء ورجال الدين تقصيرهم في التفسير القرآني لانهم وجدوا في زمن المعرفة المحدودة جدا بما أراده الله للناس جميعا من علوم وتقنيات ومعارف وحرية في الرأي والمنطق دون تمييز او تفريق.فهل يدركون اليوم علة الخطأ ويعترفون، والاعتراف هو سيد الموقف لنعيد للدين منهجيته وعدله وصدقيته للعالمين؟ أم نبقى نتفرج خوفاً على أنفسنا من سياط الجلادين. هذا ما امرنا الله به أجمعين.

ان الغارقين بنظريات القوة والمعتدين على الناس واهمون ان هم اعتقدوا انهم قادرون ان يفعلوا ما يريدون..

لا زالت مرجعيات الدين محيطة نفسها بهالة التقديس متناسية ان عليها واجب المعرفة الكلية لنشره بين الناس كي لا يبقى المجتمع جاهلا معتقدا بالغيب والتقديس وهو قاصر عن ادراكها ولا غير.. بينما الديانات الاخرى مزقت الكفن وخرجت للناس بثوب جديد..فوصلت لما تريد.

يقول البروفسور فليب سالم في كتابه "المعرفة تقودك الى الله": أنا لا أقطع طريقاً، بل أقدم زهرة، أنا لا أحمل بندقية، بل أقبل الأخر واعانقه".فلا يوجد نفق مظلم من دون منفذ يوصلك الى الضوء.تدبر امرك ايها الانسان العربي..الزمن يجري ونحن ها هنا قاعدون..لقد قتلتنا الردة ؟.

 

د.عبد الجبار العبيدي

..........................

انظر كتاب " الكتاب والقرآن" للعلامة المرحوم محمد شحرور.. دراسة علمية مُحكمة..

 

بدر الدين شيخ رشيدرؤية  د. حسن حنفي نموذجا

إن علم أصول الدين، كعلم عقائدى يقابله علم أصول الفقه. ويتفرع الأخير منه علم الفقه، وهو ما يعرف بالفروع عند المذاهب الفقهية.

بحث الدكتور حسن حنفي العلاقة بين علم أصول الدين وعلم الفقه ووظيفة كل منهما فذكر أن  مهمة علم أصول الدين، هو البحث عن أصول الدين وهو عند القدماء أصول عقلية، يتم الحصول عليها عن طريق تأسيس العقائد فى العقل. والعقل عند القدماء  يشمل، الحس، والعقل، الحدس، والإستدلال، الإستنباط، والإستقراء، والمعرفة العقلية، والمعرفة التجريبية، والمعارف النقلية وشهادات التاريخ1 .

ويقترن علم أصول الدين بعلم آخر، وهو علم أصول الفقه. والعنصر المشترك بينهما هو الأصل. وبلغتنا المعاصر التأصيل. وهو البحث عن ألأسس النظرية التى يقوم عليها العلم، وفى نفس الوقت، تكون هذه الاسس هي بناء الواقع ذاته، وإلا كانت مجرد إفتراضات نظرية لا أساس لها في العقل أو فى الواقع.

والتأصيل هو البحث في المبادى الأولى. وهي في نفس الوقت القوانين التي تتحكم في بناء العالم. والعلاقة بين العلمين عند القدماء، علاقة أصول النظر بأصول العمل. فأصول النظر موضوع علم أصول الدين، في حين أصول العمل موضوع علم أصول الفقه. ولما كان الهدف من تأصيل النظر توجيه السلوك، يكون علم أصول الدين نظرية السلوك، ويكون علم أصول الفقه معيار السلوك. وعلم أصول الدين، يحدد  التصورات للعالم، ويحدد رسالة الإنسان في الحياة، وموقفه من العلم وعلاقته الأخرين. بينما علم أصول الفقه يعطيه مقاييس السلوك، ويصف له كيفية تحقق الأفعال في مواقف معينة. فهو إذن، علم معياري عملي في حين أن علم أصول الدين هوعلم نظري خالص يكون نظرية المعيار وأساس القياس2 .

ويكون التقابل أحيانا بين أصول الدين وعلم الفقه، أي دون توسط علم أصول الفقه. وفي هذه الحالة، تكون مهمة علم أصول الدين النظر، ومهمة علم الفقه العمل. فإذا كان الفقه هو العلم العملي الخالص الذى يصف أفعال الناس ويقنِنُ سلوكهم، وكان علم أصول الفقه هو العلم النظري العملي الذي يعطينا نظرية العمل، ومنطق السلوك ومنهاج الفعل، فإن علم أصول الدين هو: علم النظري الخالص الذى يضع الأساس النظرى للسلوك. فهو إذن نظرية النظرية العملية، أو علم العلم العملي وبتعبير أبسط يكشف التقابل بين علم أصول الدين وعلم الفقه، أنّ علاقة التوحيد بالشريعة هي علاقة النظر بالعمل.

ولما كان النظر أصل العمل، فعلم أصول الدين أصل علم الفقه. لذلك تنقسم الفرق إلى أهل الاصول وأهل الفروع. وبالتالي يكون علم أصول الدين هوعلم الفرق فى الأصول، وعلم الفقه هو علم الإختلاف في الفروع. والأول أخطر من الثانى وأهمّ. وكان نتيجة فصل العلمين عند القدماء إلى علم للأصول وعلم للفروع،  أنه لم يحدث أن تبين لأحد كيف تُخْرَجُ العلوم العلمية من الأصول النظرية. بل قد تحول التوحيد إلى عقائد نظرية مغلقة على نفسها، وكأنها حقائق مستقلة بذاتها، وليست أيضا دوافع للسلوك وبواعث على العمل، كما تحول الفقه إلى مجرد طاعة للأوامر واجتناب للنواهى، على نحوعملى خالص يصل إلى حد العادات والأعراف. مع أن المهم في التأصيل أيضا هو كيفية خروج العمل من النظر، وتحقق النظر في العمل خاصة، وأن كليهماعلم الأصول. ومن ثم تكون تفرقة القدماء بين الإعتقادات بإسم التوحيد والعمليلات بإسم الفقه قد أدت إلى جعل الإعتقادات مجرد إيمانية منفصلة عن العمليات، دون أن يكون لها أي أسس عقلية، كما تجعل العمليات مجرد عبارات وشعائر تتم ممارستها بالعادة والتكرار.وأيضا، كيف تكون العقائد كلها نظريا لا صلة لها بالعمل، ويكون الفقه وحده هو العمل لا صلة له بالنظر؟.

وبالرغم من محاولة القدماء الربط بين الإثنين عن طريق الصلة بين اليقين والظن - وهى صلة نظرية منطقية خالصة. إذ الأصول يقينية يمكن الإستدلال عليها والبرهنة على صدقها، والفروع ظنية؛ لأنها مجرد إجتهادات عملية لتحقيق مصالح الناس- إلا أن الصلة ظلت أيضا مبهمة.  فكيف يخرج الظن من اليقين ؟.

وإذا كانت الأصول النظرية يقينية - لأنها هي الأسس التى تعتمد على إتساق العقل وقوانين المنطق، وكانت التطبيقات العملية ظنية؛ لأنها الفروع التى تقوم على المصلحة، و التي قد تختلف من فرد إلى فرد ومن جماعة إلى جماعة، ومن مكان إلى مكان، ومن عصر إلى عصر- فكيف يكون أساس العمل يقينا ويصدر عنه عمل ظنى؟. وكيف يمكن من هذه الأسس النظرية الواحدة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان ولا تختلف باختلاف الشعوب والأوطان إستخراج عمليات تختلف بإختلاف الزمان والمكان وبإختلاف الشعوب والأوطان3 .

إن أهمية الأصل هو البحث عن الأساس. والأساس في العقل المصلحي هوالذى يجتمع فيه علم أصول الدين وعلم أصول الفقه أو علم الفقه. والعقل المصلحي هو الذى يجمع بين العقل النظري والعقل العملي. لقد أدى الفصل بين العلمين في حياتنا المعاصرة إلى الفصل بين العقيدة والإستدلال، وبالتالى غياب التأصيل في العقل وتحول العقائد إلى عواطف إيماتية خالصة، تعوضنا عن نقص العمل، وإنزواؤنا في دائرة الوجدان وإنغلاقها وتحولها إلى شئء بدلا من إنفتاحها على العالم، كبواعث للسلوك ومقاصد للفعل. كما أدى الى توقف الإجتهاد في العقيدة وحصره في الشريعة وحدها، وإعتبار أن العقائد لها أسس واحدة ثابة لا تتغير مما أدى إلى ضمورها وقدمها وعدم تعبيرها عن واقع الأمة وظروفها الراهنة. ثم حدث الفصل بين العقيدة والمصلحة، وتحولت العقائد إلى بدائل عن المصالح، وضاقت مصالح الناس ولم ترعها إلا الحركة العلمانية التى نشأت أساسا بسببها، وكرد فعل على العقائد الإيمانية اللاعقلية الفارغة من أىّ مضمون. وقد أدى ذلك كله في النهاية إلى فصل النظر عن العمل، وبقاء العقيدة دون شريعة. فضاعت الشريعة ولم تغن عنها العقيدة شيئا. ومادامت العقيدة مقدسة من الله والشريعة لصالح الإنسان فقد إنتشر فى عقليتنا الفكر اللاهوتي، وغاب الفكر الأنساني المصلحي فتأكدت محورية الله وهامشية الإنسان4 .

 

د. بدر الدين شيخ رشيج:

........................

1-  حنفي، حسن حنفي،  من العقيدة إلى الثورة مكتبة مدبولى، القاهرة، مصر، 1988م، ج1 /ص 63

2 -  المرجع السابق ج1 ص 63-64

3 - المصدر السابق ج1 /ص 65

4 - المصدر السابق ج 1 ص 66

 

عامر عبدزيد الوائليما بعد الهويات القاتلة ومدخلية الدين في تشكيل الفضاء الهوياتي المنفتح (2)

مقدمة: لا شكل في ان الاطروحة المركزية هي العنف المعنوي باشكاله المختلفة التي اصبحت الرهان الذي يحتل اهتماماً من البحوث والدراسات ونحن بدورنا سوف نتناولها هذا الرهان ففي هذا البحث الذي يشتمل على اجزاء متفرقة منها الحفر في المفاهيم مثل الهوية وغيرها من المفاهيم المترابطة مع البحث في تجليات العنف الرمزي في الصراع الارهابي والاستيطاني الاسرائلي والعربي والصراع الارهابي والغاية تبدو متباينة بينالمقاربات الثلاثة؛ الا انها تحاول في مجملها مناقشة الراهن من عنف معنوي ديني يحاول توظيف الماضي بكل بعد التيولوجي من اجل الهيمنة على الحاضر بقراءات ايديولوجية تهدف الى فرض قراءتها للماضي على الاخرين .لهذا سوف نتناول ثلاث مقاربات منها هي:

المقاربة الاولى سوف تكون "هوامه الهوية واليات الصراع على الاصول" اذ سوف يتم تناول معنى الهوية بطريقة من خلال الحفر في المفهوم وتجذره تاريخيا وثقافيا عبر ربطه بشكل جدلي مع الصورة الذاتية لمجموعة من الناس، وهم في الغالب التي كانت قد رسمت خطها باتصالها بالمجموعات الاخرى من الشعوب .مما يعني حدوث اشكال متنوعة من: ألاتصال والصراع، والتعايش، وقد تنوعت اشكال البحوث من حيث المنهج والرؤية التي تغلف اشكال البحث، حيث ظهر مجموعة من الدراسات تحاول تجاوز التوصيف الليبرالي عن الهوية الفردية، فأنها ترى ان الفرد يوجد دائما في وضعية اجتماعية وثقافية معينة، ويخضع دائما لتجربة ثقافية تمنح معنى لوجوده، وأن الفرد بقدر ما هو كائن ذاتي يتمتع بقدرات شخصية، فإنه في الوقت نفسه كائن موضوعي ؛ لأنه عضو وعنصر في جماعة معينة تساعده على تشكيل هويته في الوقت نفسه .

لكن اليوم في ظل مابعد الحداثة بات من الضروري العمل على تفكيك تلك الهوامات الاصولية حول الهوية فانها تخلق او تصطنع اشكال من العنف الرمزي عبر مقولات إيديولوجية دوغمائية وذريعة تحاول من خلالها المحافظة على مصالح المهيمنين على الأمور والذين يجدون في الهوية المازومة تعبيرا عن مصالحهم، وامتيازاتهم .

اما المقاربة الثانية التي سوف نتوقف عندها وقد شغلت عالمنا العربي زمنا طويلا وما تزال حاضرة بقوة هي: " الهوية الصهيونية واليات الاختلاق" وهي اول مقاربة تحاول استثمار الموروث الأسطوري في التوراة والتلمود لكن هذه المرة من خلال توظيف الايديولوجيا القومية الغربية التي ارتبطت بحركات الاستعمار الاستيطاني او الكونيالية، من خلال سلسلة من المقولات اسهمت في احياء مقولات متنوعة منها: الوعد بالارض يمكن جعله محايثا عبر التذكر السردي من خلال ربطه بمكان رمزي وبمروي ديني متشدد كتابي توراتي وشفاهي مدون فيما بعد التلمود ثم تاتي الايديولوجيا الصهيونية تعمل على إعادة امتلاك تلك الحقائق وإسباغها على مطالبها غير الشرعية القائمة على تطويب الارض وكانها فارغة لا شعب بها، فهذه الالية الجهنمية تمثل صراع الوجود وفرض السلطة وامتلاك الارض والرأسمال الرمزي وتأميمه.

كل هذه الانحرافات الايديولوجية بحاجه الى سياسة رفض وتعرية وتفكيك، ومن اجل تفعيل رهاننا في المقاومة لكل ما هو عنيف ويحدث إيذاء ويجرح اليات التعايش والاختلاف نحاول ان نجترح قراءة متعدد متسامحة تؤمن بنسبية الحقيقة وتاريخيتها

اما المقاربة الثالثة فهي: صناعة الكراهية وتوظيفها في العراق "الوجود قرين توحدنا ضد الكراهية القائم على توظيف الماضي بكل انتقائية، ويحاول زجه في الحاضر كل هدفه توحيد الاخرين خلفه وخصوصا، وهو يعمل على تفتيت الصف الاجتماعي والعشائري والفكري من اجل صناعة خطاب ايديولوجي تعبوي يعمل على تفتيت المجتمع حتى يصنع منه اتباع من اثنية معينة ويصنع هوية متزمته تقوم على الانتقائية في قراءة الماضي محاولة توظيف كل نقاط الاخلاف مع الاخر، وجمع نقاط الائتلاف مع اصحاب الهوية الاثنية بكل ابعادها الطائفية، لهذا نجده يحتمي بالأخر من الغريب، ولا يحتمي بابن قبيلته ممن يصفه كونه مرتدا ؛ لأنه لا يوافقه الاجتهاد الديني او الايديولوجي الاسلامي لهذا تجد عمليات القتل داخل الهوية الطائفية من اجل اقصاء المختلفين او من اجل صناعة اتباع يتم توظيفهم في الحروب، والأمر اكثر رعبا في التعامل مع الاخر .

كانت هذه المقاربات الثلاث هي ما سوف نقف عنده في تحليلنا في المطالب الثلاثة الاتية:

المقاربة الاولى: هوامه الهوية واليات الصراع على الاصول

في ظل الطفرات غير المحكومة بنسق ثمة مدارات جديدة تبزغ ومعها تظهر موجة من البحث عن الاصول بكل رمزيتها وأنظمتها العلاماتية وهي تحاول اختلاق او تذكر هويات او سرديات لها اصول جديدة تتجاوز ما هو مهمش في واقعها فالاختلاق او التذكر يمضي الى صناعة هوية او هويات المتشددة في واقعنا الاجتماعي والسياسي والعقائدي، مما جعل من مشكلة الهوية اليوم تعد من اعقد المشكلات التي تواجه في العصر الراهن، الكثير من الشعوب والمجتمعات الحديثة ذات الأصول القديمة حقيقية او مختلقة او حتى تلك التي تفتقد الانتماء الحضاري القديم على حد سواء وقد يرد هذا الى اهمية العامل الثقافي بوصفه نسقا مهما من أنساق الخطاب السياسي فالهوية الثقافة هي منظومة أو مجموعة من الأنساق والظواهر الاجتماعية التي تشكل ثوابت في حياة الإنسان.من خلال الاتصال والتبادل تظهر الذاكرة لها سردياتها التي تحيلنا الى اماكن وأزمنة ترتبط بالماضي المستعاد في الروي الاسطوري او النص المقدس او الحوليات التاريخية .لكن يبقى هناك بالمقابل لدى الفرد - وهو يتعامل مع سلطة الجماعة وسرودها في التذكر من اجل استيعابه واستيعاب افراد الجماعة - النسيان والتذكر الحر بتمهيد الطريق للانفلات من الجماعة والبقاء خارجها، وهما آليتان مهمتان في مقاربة ضروب الاختزال .

يمكن تعريف الهوية للجماعة (بأنها الشفرة التي يمكن للفرد عن طريقتها ان يعرف نفسه في علاقته بالجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها، والتي عن طريقها يتعرف عليه الآخرون باعتباره منتميا اليها)(1)

فان البحث التكويني في مفهوم الهوية في الدراسات الغربية يمكن رصد من خلال ولادة مفهوم الهوية: هذا يعود مباشرة من المعنى اللغوي الانجليزي للمفهوم، وهو مشتق من اللاتينية identitatand / أو identitas، وتعني الهوية والتي، بدورها، مستمدة من identidem، والتي تعني' مرارا ' (وهذا يعني حرفيا " نفس ونفس ونفس وهكذا مرارا) . وغني عن القول، يجب أن يكون مفهوما أن معنى " التشابه " في هذا السياق يقترن بمفوم الهوية بدلا من معنى " مماثلة " .

وتتضح دلالة التشابه أيضا في المعنى السوسيولوجي للهوية، الذي يظهر في الهيكلية التقليدية لوظيفية الأنثروبولوجيا . اذ ياتي معنى الهوية بطريقة تفهم على أنها متجذره تاريخيا وثقافيا مع الصورة الذاتية لمجموعة من الناس التي كانت في الغالب قد رسمت خطها باتصالها بالمجموعات الاخرى من الشعوب . ويرتبط هذا المعنى من الهوية بالمفاهيم الأنثروبولوجية الأخرى، مفاهيم مثل (النظرة، والقيمة، روح، وأخيرا وليس آخرا، الثقافة)، والتي تقترح نوعا معينا من التجانس بين أفراد المجتمع، وكان الرأي أن هوية الأفراد يمثل هوية مجموعة ما وثقافتهم . كما ذكر أعلاه، كان من المفترض أن هوية الأفراد تشير إلى هوية المجموعة التي ينتمون إليها، وهو ما يتسق مع النظريات الأنثروبولوجية حول العلاقة بين الشخص والجماعة أو المجتمع والذي يعتبر ان مجموعة من الناس، اذ تشترك في نفس الهوية ذلك، لأنها مشتركة في نفس التاريخ. وعليه يكون المجتمع الذي ينتمون إليه مجتمعا صلبا وغير قابل للتغيير .

النتيجة التي يمكن استخلاصها من هذه الرحلة الوجيزة في الأنثروبولوجية التي تقدم تفسيرات للعلاقة بين الثقافة والشخصية، أو، بين الثقافة والهوية، هي أن تحليل هذه المفاهيم على المستويين الاجتماعي والفردي كانت تشترك في نفس الافتراضات من التشابه والاستقرار. في السنوات الأخيرة، فإن التركيز على التجانس الأنثروبولوجي والديمومة قد سقطت تدريجيا في حالة من الفوضى. لنفس الاسباب، أيضا، فقد كانت مفاهيم الثقافة والهوية تناقش بشكل مكثف، وكذلك العلاقة بين ألاثنين وقد تعرض مفهوم الهوية لانتقادات كثيرة ليس فقط لافتقاره إلى القوة ألتفسيرية ولكن أيضا، للمفارقة، السردية المتعلقة بمفهوم الهوية التي هي من سمات عصر العولمة المعاصرة، اذ لم يكن من الممكن أن تفهم على أنها التعبير عن التجانس الاجتماعي أو تمثيل للحقائق الثابتة.(2)

بالمقابل ظهرت مجموعة من الدراسات تحاول تجاوز التوصيف الليبرالي عن الهوية الفردية، فأنها ترى ان الفرد يوجد دائما في وضعية اجتماعية وثقافية معينة، ويخضع دائما لتجربة ثقافية تمنح معنى لوجوده، وأن الفرد بقدر ما هو كائن ذاتي يتمتع بقدرات شخصيه، فإنه في الوقت نفسه كائن موضوعي ؛ لأنه عضو وعنصر في جماعة معينة تساعده على تشكيل هويته في الوقت نفسه .

يرى تايلر، ان المجتمعات التي تعرف تعددا ثقافيا يصبح فيها الاعتراف حاجة ضرورية وملحةً، وذلك بالنظر إلى العلاقة القائمة ما بين الاعتراف والهوية فالهوية هي شيء أشبه بالإدراك الذي يمتلكه الأفراد حول أنفسهم والمميزات الأساسية التي تحددهم بوصفهم كذلك .(3)

اما على مستوى العالم الثالث فيقدم لنا الباحث الهندي تصوران عن الهوية الاول ايجابي فيما الثاني سلبي اما الاول والذي اكدته الدراسات في مجال الراسمال الاجتماعي فان الهوية المشتركة مع الآخرين في الجماعة الاجتماعية نفسها يمكن أن تجعل الحياة الجميع تسير بشكل أفضل كثيراً في هذه الجماعة، لهذا ينظر الى الشعور بالانتماء إلى جماعة انسانية ما بوصفها احد مصادر الثروة لكن مثلما يمكن ان تكون الهوية مصدرا للثراء والدفء، كما يمكن ان تكون مصدرا للعنف المروع وهذه الصفة الثانية للهوية المتأزمة والذي يمكن ان تكون الهوية (اداة قتل مروعة، وبلا رحمة في حالات كثيرة، يمكن لشعور قوي ومطلق بالانتماء يقتصر على جماعة واحدة، أن يحمل معه إدراكا لمسافة البعد والاختلاف عن الجماعات الأخرى .فالتضامن من الداخلي لجماعة ما يمكن أن يغذي التنافر بينها وبين الجماعات الأخرى)(4)

اما تجليات الهوية في الواقع العربي الذي يعيش تحولات الربيع العربي وما يرتبط به من صراعات تحولت الهوية الى اشكالية تكشف عن المشكلة المتضمنة في العنف والإرهاب فهذه المشكله بحاجه الى تحليل فكري ونقدي من خلال طرح الاسئلة وتحليل النصوص المؤسسة لها وتفكيك الوقائع التي قادة الى تضخم المشكلة وتحولها الى وعي مازوم يهدم التعايش ويحيله الى خراب ويفكك الروابط القارة ويزيلها فالوعي المازوم وليد مهيمنات واطياف تشكل ضاغطاً وارغامات على الوعي من اجل اتخاذ القرارات ؛ فهذه الارغامات تمثل ضاغطاً في تشكل الوعي الثقافي وبنية استجابة ايضا من خلال الردود إيجابا أو سالباً وهذا أمر مرتبط في علاقة الذات بالتراث او بالأخر واللغة الصراعية وما يصاحبها من اطياف التي تتحول الى سلسلة الحضور المنمطة ولما كان ظهور الطيف عابرا ومفاجئا، فأنها لا تحدد الزمن، ليس هذا الزمن، يدخل الشبح، يخرج الشبح، يعود ثانية .

ومن هنا تغدو الهوية الرهان لكونه يمثل أهمية طرح المشكلة الهوية التي اصبحت تعتبر راهنية تكشف عن واقعنا بكل رهاناته والذي نعيشه الان والذي يدفعنا الى ضرورة طرح هذه المشكلة بحثا عن حلول وتفكيك المهيمنات الضاغطة على واقعنا من اجل استعادة الثقة .نجد من الضرورة تفكيك "هوامه الهوية" التي تحولت إلى مقولة إيديولوجية دوغمائية وذريعة من اجل المحافظة على مصالح المهيمنين على الأمور الذين يجدون في الهوية المازومة تعبيرا عن مصالحهم، وامتيازاتهم وهذا الأمر يخلق قصورا معرفيا له إثاره السلبية على النخب السياسية والاجتماعية والاقتصادية .في رهانتي الانقسام المجتمعي على اساس الهويات الفرعية ودور الدولة القائم على كبح جماح الهويات او الاعتراف بها من خلال مقولة التعددية الدينية والاثنية .وبين المواقف الثقافية لدى المثقفين العرب سواء كانوا ليبراليين او قوميين ام ماركسيين فهم جميعا ياخذون موقفا يقوم على نفي الهويات الدينية فالليبراليون(يفهمون انتماء الفرد إلى جمعية مذهبية أو دينية على انه تاكيد لحضور الجماعة وتعميق لمركزيتها على حساب الفرد)(5) لكن رغم تلك المواقف الا اننا نجد ان للثقافة دورا فاعلا لايمكن تحجيمه بالنفي او اصطناع هوية مركزية للدولة تلفيقية ترضي الجماعة الحاكمة لكن هذا لاينفي ان الثقافة تبقى هي عملية تطور المهارات الذهنية والمعنوية سواء ما يتعلق بالفنون والآداب أو ما يتعلق بالمهارات التقنية فهي لابد وان تقوم على الثقة بالذات والانفتاح الحواري ألتعددي صوب الأخر تثاقفا حواريا دون إن يعني بالضرورة تقليدا أو نسخا إنما تبدأ الأمم بالهزيمة عندما تشرع بالتقليد ومحاولات الاستنساخ فالثقافة وتدخل الاستلاب الفكري.بعد كل هذا فالثقافة بنظر" امالينوفسكي" هي جهاز فعال يمكن الإنسان من الانتقال إلى وضع أفضل يواكب المشاكل التي تواجهه في بيئته . وبالتالي الثقافة هي القدرة على التكييف والتطور في مواجهة الإنسان مع الطبيعة ويعرفها "تايلور" هي ذلك الكل المركب الذي يشتمل على المعرفة والعقائد والفن والاخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والمهارات الاخرى التي يكتسبها الانسان من حيث هو عضو في المجتمع أي ان الثقافة هنا هي تجارب اجتماعية تحول الى منظومات سلوكية قيمية وعادات ومعارف ومهارات وهي بالتالي تجارب قابلة للزيادة والتجاوز نحو الافضل لانها تبقى تاريخية ومرتبطة بالبيئة التي ظهرت داخلها استجابة لتلك التحديات وبالتالي هي تأويل وتحويل لعلاقة ألانسان بالله وبالمحيط الطبيعي والاجتماعي.

فالثقافة حسب هذا الفهم هي وعي حضاري وافق التقاء الافاق وانصهارها بين الماضي والحاضر صوب المستقبل وهذا لايتحقق الا بتلك الرؤية التعددية الحوارية التي تتجاوز وهم الهوية وتنفتح باتجاه الاخر سواء كان التراث او الاخر الحداثوي او مابعد الحداثة وهذا التحول الذي اصاب الفكر في منطق الثبات حيث الطبائع الثابتة والمرايا العاكسة الى منطق التحول الذي يجري فيه تهشيم المرايا لاعادة تشكيل الموضوعات وهذا هو شان منطق التفكيك الذي يريد القول غايات الخطاب هو ان نميز ما يقوله أو ما يحاول قوله، وفي هذا يقول علي حرب:

فهويتنا لاتسبقنا وانما هي محصلة الاحداث التي تنسج منها حياتنا وهو حال الفكر الذي يتغير بتغير العالم اذ لايمكن التعاطي مع افكار قديمة تأولت لزمان غير زماننا لهذا نحن بحاجة الى تاويلات جديدة عبر تجاوز الممارسات التي خلفتها الخطابات الاجتماعية والسياسية السابقة التي اثرت على الوعي السياسي الراهن فهناك، لابد من حالة تناسب بين الثقافة والفكر السياسي بوصفه جزءا من كل ثقافي، له سلوكياته ورهانه فالافكار ليست مجرد صور ومرايا بقدر ماهي استراتيجيات معرفية لفهم العالم والتعاطي معه تحويلا وتاويلا وتفكيكا . فالتفكير كما يرى شرابي: يحمل رؤية قادرة على تمكين الذات من اختراق ذاتها لتعمل على تفكيكها وتحليلها .

فالهوية في ابسط تعريف هي ادراك فردي وجمعي وبالتالي فالهوية تستهدف اقامة علاقة حوارية بين الذات الفردية والذوات الاجتماعية والثقافية والكونية، وعلى هذا الاساس تكون الهويه على اساسين:

اما ان تكون وعيا فرديا نقديا يخضعها الى المراجعة المستمرة فتوصف انها "حوارية" او تكون خارج النقد الفردي والمراجعة ومتعالية فهي بهذا التوصيف "صراعية"وبالتالي يشعر الفرد ازاءها بالاستلاب بحق الاخرين ؛ لانها تحتكر انتاج الحقيقة وتفسيرها اذ يوصف الوعي هنا بالزائف له دلالته الخاصة، كما يقول عباس المرشد(فهو يعني سكون الاخر في الذات وتغيب ادراك الذات لنفسها، مما يخلق علائق متنوعة، لكنها ليست مدركة، حيث تمحى الذات وتغيب ادراك الذات لايحضر بصورته الواقعية وإنما عبر تمثلات وسرديات تعلي من شأنه الى درجة عالية جدا)

وهذا الوهم القائم على محو الذات، الذي يتجسد في ذوبان شخصية الفرد داخل الجماعة:

القبيلة التي تركز على علاقة الدم، فان هذا الاعتماد يولد فردا يقوم على العصبية فاقدا للاستقلالية معتمدا في سلوكه على المرجعية خوفا من الخطا وطلبا للامان وهذا السلوك نجده يتناسل داخل الطائفة او الحزب او الجماعة الثقافية اذ يتولد سلوك يعتمد على الإخفاء والكبت للمشاعر الفردية وهذا السلوك قاد بالضرورة الى أخلاقيات الإذعان للسلطة التي بات النظام السياسي ورئيسه هو الرهان الأكبر الذي يكبت المشاعر والاحتياجات والطموحات مما خلق سلوكا سياسيا مرتهنا للفرد يعظمه بشكل مغرر ومعه يقدس المرجعيات الجمعية العرفية ورموزها وانتهاج سلوك من اجل التماس والتظلم والترجي قاد هذا الى تعاظم سلطة المؤسسة على حساب الحقوق الفردية والحريات الشخصية حتى أصبحت الهوامة الأكبر في سلوكه-أي الفرد- الذي يقصي ذاته ويرتهن الى أخلاقيات الإذعان والتقليد والتمثل مما قاد تلك المؤسسات وعلى رأسها المؤسسات السياسية الى الهيمنة والإقصاء للحريات الفردية واستبدت بقدرات الأمور الاجتماعية والسياسية والثقافية عبر سياسة الردع البوليسية والتخوين والتكفير لكل فرد جامح بنظرها يطالب بالتغيير والتجديد والحريات.

ومن هنا نحن بحاجة الى تفعيل دور الادراك والعمل دون تغييبه في احداث التحويل والمغايرة وابدأ النقد وكما يقول هيدجر البداية ليست خلفنا انما هي امامنا . أي لايكفي السير في نفس الطريق ونتصور بداية ما، لكن المسالة تكمن في ان نعرف كيف تكون البداية عندما لا يتمكن نظام ما حل مشكلات يصادفها، فليس عليه الا ان يموت، او، وهنوا يحصل، ان يخلق ميتا، نظام، أي نظام اكثر غنى، اكثر قوة عبر طريقة تحويلية، لهذا السياسة اليوم مشغولة بالتكتيكات والاستراتيجيات من اجل اقتناص السلطة وممارساتها واغلب السياسيين مشغولون بالمسالة القانونية اكثر مما هم مشغولون بالمسالة الشرعية بمعنى ان الخطاب السياسي ليس مشغولا بالمشروعيات المتعالية بل البعد العقلاني اليومي الذي يستجيب لهذا المتغير.

انطلاقا من هذه الرؤية التحويلية التي هي بمثابة اطروحة هذا العمل الذي يتسم بالتنوع المعرفي والايديولوجي الا انه ينشد هدفا مركزيا قوامه رصد الواقع المازوم من خلال مفردة الهوية بوصفها لحظة تحتاج الى الرصد وتحديد طباعها وافكارها والاشكالية وتركيبها التي وردت فيها باعتبار هذه الاشكالية واحدة رغم تنوعها وتشظيها لان هناك الكثير من الروابط المنطقية والمعنوية الرابطة والتي تجعل منها تحتل راهنية ضاغطة على الواقع بكل تجليات ولان تنفع عملية تغيب تلك المشكلة او التعالي عليها او تصديرها الى عبر ادعاء المؤامرة ؛ فهي جزء حاضر في واقعنا تحتاج الى تحليل وكشف الاسباب سواء كانت مسكوت عنها تحول السلطات من مناقشتهاوتفرض عليها التحريم او التعتيم او اللامفكر فيها لكونها خارج المنهجيات الايدولوجية الشمولية التي كانت لاتجد هذه المشكلة ممكنة النظر او الرصد وبالتالي لامفكر بها ضمن تلك الاطر المعرفية والايديولوجية، تاتي هذه المحاولة من اجل المساهمة في تقديم حلول وتخليق عالم اكثر قدرة على المواجهة بما يمتلكه من علمية وموضوعية .

المقاربة الثانية: الهوية الصهيونية واليات الاختلاق

الاطروحة التي نتبناها تقوم على اجتراح دروب امنه للتسامح والتعايش والاعتراف بحق المختلف بالعيش وحقه في الاختلاف والتذكر لهوية وتراث خاص به في ظل فضاء عمومي امن ومتسامح، لان العنف بوصفه الخيار والطرح المرفوض يبقى سلوكا عدوانيا موجها صوب المختلف بقصد إيذاء، قد يكون هذا العنف مادياً او معنوياً / ثقافياً، يكون ماديا فرديا عندما يكون بلا دافع ثقافي بل نوازع عدوانية تدفع الفرد الى إيذاء الاخرين وتبرير هذا يكون بفعل الميل العدواني اتجاه الاخر المختلف، وقد يكون ثقافيا –معنويا عبر التصفية الجسدية والمعنوية، فهذا الدافع يقوم على احتكار المعنى الغيبي وتاميمه ومن ثم التحدث باسمه بوصفه الحق المطلق والمخالف كافر، او فاسق او مهرطق .

ومن ثم الاطروحة التي نحاول الانطلاق منها هي نقد الشمولية التي تدعيها القراءة التوراتية بكل اسطوريتها من خلال مدعياتها في احتكارها للمعنى الحق على حساب من اعتاشت على مؤائدهم وخيراتها وتناصت مع ثقافتهم ونصوصهم ؛ الا انها مارست تهميشهم واقصاءهم واسست تاريخ للنجاة اقصت الاخرين منه، واحتلت مكانا في التاريخ اكبر مما كانت عليه من هامشية، واقصت الحضارات المنتجه، فقد مارست العنف الرمزي بشكل مستفز واورثت هذا العنف وتطويب الارض الى الخطابات التي جاءت بعدها من الاديان والحركات التي مارست احتكار الحقيقة ومن اجل هذا تم شن الحروب وتدمير الشعوب الامنه واخر تجلياتها الفكر الصهيوني والحركات الاصولية في الاديان الثلاثة .

ومن اجل تفعيل رهاننا في المقاومة لكل ماهو عنيف ويحدث إيذاء ويجرح اليات التعايش والاختلاف نحاول ان نجترح قراءة متعددة متسامحة تؤمن بنسبية الحقيقة وتاريخيتها ؛وكما يقول غادامير: "الحاضر لا ينطوي على الأفق الذي انبثق عنه الماضي وإنما على أفق مضمر – يضاف إليه أفق الحاضر ويتحاور معه". فهذا الافق المضمر هو رهان التأويل لدى المثقف الذي يسعى للمغايرة يدرك طبيعة المشهدية التي تتمظهر في السطوح والمرتبطة بالرهانات المتغيرة، لانها مرتبطة بافق تاريخي مختلف عن الماضي بكل رهاناته واشكالياته .

ومن ابرز مشكلات الماضي هو تابيده من قبل القراءاة السلفية الايديولوجية التي توظف الماضي الذي تدعي صلاحيته الى كل زمان ومكان جاعلةً منه خارج افق التاريخي الذي انبثق منه، فهي تدعي انها تتطابق معه عندما تدعي انها تحاول تطبيقه على الحاضر في حين هي تحاول اخضاع الماضي والحاضر الى هيمنته وثراءته البرغماتية التي تغلبها على كل شيء اخر، وهذا ما نجده عنده في الاصوليات التي تدعي تمثيها للماضي في حين هي رهينة الواقع وتحدياته الا انها من اجل الهيمنة على الواقع تحاول تاميم الماضي للتوظيف في الهيمنة على الحاضر .

فالأصولية تاخذ تصور الايديولوجيا بوصفها منظومة التصورات والاعتقادات والنظريات التي تبنى عليها حياة الأفراد والمجتمعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبهذا فان الاصولية عبارة عن تصور ايديولوجي يختلف في معناه عن الدين بمعناه الاساس، وهذه هيمنة الايديولوجيا على العصر الحديث وظهرت منها جملة من الحركات السياسية والدينية، اذ يمكن اقرار امرين:

الاول منهما ان الأصولية نسبة إلى أناس يتمسكون بعيش حياتهم كما عاشها من كان قبلهم، ثم انتقل المعنى ليدل على ممارسة الحياة الدينية، بطريقة تنطبق على طريقة الأوائل.

والامر الاخر ليتحدد الأمر أكثر في الدلالة على المذهب السياسي القائم على النظر الى الدين من زاوية ايديولوجية، وهو بهذا يختلف في دلالته الجديدة عما كان عليه في فهم القدماء بالمقارنة، مع هذا العصر الذي نعيش فيه كما يشير الى هذا المفكر الايراني

لكن باجتماع البعدين الاصولية زائد التصور الايديولوجيا تغدو الاصولية بوصفها منظومة من الافكار يعتنقها فريق من المؤمنين يتشبثون بالأصول والتقليد، وهذا التشبث بالاصول .او مايعرفه بالارثذكسية أي الفهم المتشدد للاصول، وهذا الفهم حديث ظهر في الغرب فهناك اصوليات علمانية واخرى دينية سواء كانت مسيحية ام يهودية ومن ثم اخذت تطلق هذه الكلمة على الحركات المتشابهة في الرؤية والسلوك عالميا ومنها الاصولية الاسلامية وغيرها .

بالمقابل نجد ان التحولات المعاصرة من أبرز ملامحها الاختلاف فهو العتبة يمثل عتبة جديدة تعبِّرعن انفصال بين الحداثة التي اتسمت بتمركزاتها حول مقولات مثل الحقيقة والهوية والموضوعية والتقدم أو الانعتاق الكوني والأُطر الأحادية والسرديات الكبرى أو الأسس النهائية للتفسير، وفي مقابل ذلك ان ما بعد الحداثة يتصف بكونه بعيدًا عن الحتمية والقطعية، ضمن هذه الرؤية يمكن فهم إن الدراسات التاريخيّة الجديدة التي يقترحها"ياوس"اعتماداً على أفكار غادامير –ترى أن الأفق الخاص إذا لم ينظر إليه على أنه محاط دائماً بأفق المؤول فإن فهم النص القديم، على سبيل المثال، من حيث غيريته واختلافه، لا يتم إلا وفق قدرة المؤول على تمييز بين الأفق الآخر وافقه الخاص، إي الانتقال من (ما الذي كان قد قاله النص في السابق؟) إلى السؤال) ماذا يقول لي النص؟وما الذي أقوله أنا بصدد النص؟)(6).

فالقارئ لايدعي التماهي مع المؤلف والمطابقة الكامله معه بل نجد هرمين ريفاتير يؤكد: إن هناك - في الحقيقة - مستويين من القراءة: قراءة تقتصر على فك شفرات النص، وهي قراءة ناقصة، وقراءة حقيقية شبيهة بتأدية العازف للنوتة الموسيقية، فحين يعزف عازف البيانو يفك شفرة العلامة على النوتة ويترجمها إلى عزف في الآن ذاته.(7).

تبدو ان سلطة القارئ تلعب دور اساس من اجل اجتراح افق مستقبلي من خلال القراءة التي تحاول اعادة فهم النص ضمن حدود القارئ ورهاناته .وبهذا نحن نحاول تجاوز التصعيد الذي تفترضه القراءات الايديولوجية التي تتمركز حول معنى مسبق تحاول اسقاطة على النص واستنطاقه .

من الامثله الباركز في مضمار هذا الكتاب الي نخوض فيها بين النص/ التوراة والقراءات المتنوعة التي تريد توظيف التوراة من اجل توظيف المعنى لاسباغ الشرعية المحتل على الارض عبر ادعاء الوعد الذي ترويه السرديات اليهودية والمسيحة من بعدها عن حق اليهود في فلسطين .

ومن ثم يتحول النص الى وسيلة من اجل تعرية الذاكرة المحلية عبر ادعاء ملكية الارض بوعد مفارق اسطوري .

ولعل هناك صراعا على الميراث التوراتي كما جاء في قراءات متنوعة كل منها يحاول انشاء ارشيفه الخاص حول المكان عبر تاثيثه بالاساطير، حاول من قبل كل كتاب التوراة ان يمارسوا الهيمنة على الارض عبر الكتابة وتطويب التراثات المحلية التي كانت شفاهية حاولت التوراة امتلاكها عبر التدوين، ومن بعد التوراة ظهرت قراءات كونيالية وظفت الماضي رغم تاكدها من اسطوريته، الا انها حاولت استثمار ارشيفها العقلاني من اجل تطويب الارض وطرد الناس منها، فانها تعتمد السرد المحبك من قبل الكتاب الكهنة او الايديلوجية القومين الصهاينة، اذ من اهم وظائف السرد تتمثل في بناء وتأسيس الذاكرة الجمعية التي يمارس من خلالها الانسان اعادة بناء الاحداث بهدف خدمة الحاضر عبر تقديم تأويل وتفسيرات لحدث ماضي في خدمة حدث حاضر يمارس عملية توحيد الجماعة حول معنى، يتم خلاله اعادة امتلاك الرأسمال الرمزي للاخرين وتأويله في خدمة الجماعة الجديدة، وعلى هذا يمكن ان نلتمس الوظائف التالية:

وظائف بنائية: ان الراوي يحاول اقامة بناء نص عبر السرد لاحداث متباعدة، يحاول ان يخلق بين هذه الابعاد الكونية علاقة من خلال حدث يقوم به "الله" ويختارمخلص يتم تكليفه بانقاذ شعب هو مختار مفضلا على باقي الشعوب لهذه المهمة فيحاول الراوي بناء صورة كونية من خلال التشخيص والسرد للاحداث التي مرت بغربلة طويلة واضافات حتى تبدو بهذا الشكل بناءً كونيا يتصف باللاهوتية.

وظيفة إبلاغية: فان الراوي من خلال هذه القصة يحاول إبلاغ الناس المحتفين في الكنيس او القراء للتوراة عبر الزمن، يحاول أن يقدم أحداثا كونية حدثت البدايات سواء كان بالطوفان والوعد الكوني بالاخلاص وبالفداء مع ابراهيم الذي قدم ولده فداء ومن ثم الوعد بالارض وتفضيل للشعب على باقي الشعوب فهي بذالك تعتمد الإبلاغ بما سبق وقوعه عند بداية الازمنة، وهذا يحقق أمرين:

الاول ـ انه يحاول أن يؤسس للاختلاف مع الاخرين، ويحد هذا الاختلاف عبر الحكاية التي تريد التأسيس لقداسة العرق اليهودي ودنس باقي العناصر والكنعاني على وجه الخصوص، فهو بهذا يؤشر الى أزمة عنف متبادل بين الطرفين(8) وهذا ما يشير إليه (جان بوتيرو): حزاقيال فموضوعه المفضل هو التركيز على تاريخ شعبه غير الأخلاقي حيث يصور ماضيه بوصفه سلسلة من الخيانات والاهمالات فهو القائل (لقد ازدريت أقداسي ودنست سبوتي ورجال نميمة كانوا فيك لسفك الدم وفيك أكلوا على الجبال وفي ربطك صنعوا الفجور من كشف سوءة أبيه ...(9) . تظهر أيضا على أنها إستراتيجية التحبيك فهي الرغبة الدفينة لدى الانسان في عرض تاريخه وهويته .

 

محور الرغبة ان المحور الذي يمثله بطل الحكاية والذي يتحول الى منقذ ويقسم الناس بين أعداء يعارضون أهدافه ويقفون دون حصولها وبين مساندين لهذه الاعمال والنوايا التي توجهها فبطل القصة التوراتية هنا هو "نوح"رسول العناية الالهية التي كلفته بانقاذ الجنس البشري والكائنات الحية جميعاً من خلال اختياره للازواج منها.(لكل بطل هجرة وانتقال من الطين الى الالوهية من النسبي الى المطلق .انتقال الى ماهو اسمي وانقطاع عن ماض..، كهجرة البطل تجديد للحياة)(10).على أنها إستراتيجية التحبيك فهي الرغبة الدفينة لدى الانسان في عرض تاريخه وهويته، (فالاخر هو من ليس له الاجداد انفسهم ولا الالهة نفسها ولا حتى اللغة نفسها التي لنا)(11) . وتغدو كل تلك الحكايات التي تتخذ من اللغة وسيلة ومن السلطة الدينية شرعية وتوجه رسالة الى الشعب تحرك فيه رغباته وتعمل على اثارتها والعمل على تعزيز الايمان بتلك القصص يمنح السلطة ورجالها الشرعية ويكسبهم سلطة على الناس اذا كانت سلطة المعتقد تعتمد الفاظًا تعبوية قائمة على الابانة الموصلة الى الاقتناع بأمكانية تغيير العالم من السلب الى الايجاب، من التيه الى الدولة، من الشتات الى الكيان، هذا يجعلها ممكنةً عبر الاعتراف الشعبي بتلك الرموز وشرعيتها، فالرموز تتجسد بالاشخاص داخل الفضاء الحماسي الذي يرافق الموقف، وهنا تكمن خطورة تلك القراءات في الاستعادة الاصولية في خلق مخيال اقصائي، كما تتجسد في القراءات الاحيائية الاصولية في الصهيونية والاصوليات الاخرى الدينية، فهي تحاول أن تجعل من الذات اليهودية أن تؤسس الاختلاف عن أعدائها، وتجعلهم خارج مورد الحق، وفي النهاية قتلهم واستباحة دمائهم بوصفهم نسل الخطيئة التي ارتكبها جدهم وهم ورثوها وورثوا الانحراف، واستطاعت التوراة ان تعيد قراءة القديم بعيون اليهود لاسباغ الشرعية على جماعتهم واسقاط الاكراهات على الخصوم وخصوصا كان ذلك عبر الرواية المثيولوجية الا ان القراءات الصهيونية ايديولوجية وليدة افق الحداثة وافق العقلاني العلماني.

فهذه القراءت المتشدده تدعمها اخرى اصولية دينية يهوية ومسيحية تحاول تلك القراءات ان تعبر عن السلطة الرمزية من حيث هي القدرة على الابانة والاقناع، واقرار رؤية العالم اوتحويله وان هذه السلطة لا تعمل عملها؛ الا اذا اعترف بها وهذا يعني ان (السلطة الرمزية لا تتجلى في المنظومات الرمزية في شكل قوة وانما في كونها تتحدد ببنية المجال الذي يؤكد فيها الاعتقاد ويعاد انتاجة أي ما جعل الكلمات لها قوى على حفظ النظام هو الايمان بمشروعية الكلمات وما ينطق بها وهو ايمان ليس في امكان الكلمات ان تنتجه وتولده)(12).هذا الحبك الذي مارسته قديما الاسطورة، تمارسه اليوم الايديولوجيا باطر واساليب عقلية كما في القراءات الصهيونية .

ومن هنا نقول ربما يكون هذا المنهج يسعى الى استثمار الموروث في حياء مقولات متنوعة منها الوعد بالارض يمكن جعله محايثا عبر التذكر السردي من خلال ربطه بمكان رمزي وبمروي ديني متشدد كتابي توراتي وشفاهي مدون فيما بعد التلمود ثم تاتي الايديولوجيا الصهيونية وتعمل على إعادة امتلاك تلك الحقائق وإسباغها على مطالبها غير الشرعية القائمة على تطويب الارض وكانها فارغة لاشعب بها، فهذه الالية الجهنمية تمثل صراع الوجود وفرض السلطة وامتلاك الارض والرأسمال الرمزي وتأميمه.

كل هذه الانحرافات الايديولوجية بحاجة الى سياسة رفض وتعرية وتفكيك وكما يقول علي حرب: " فهويتنا لا تسبقنا وانما هي محصلة الاحداث التي تنسج منها حياتنا وهو حال الفكر الذي يتغير بتغيير العالم اذ لا يمكن التعاطي مع أفكار قديمة تُأولت لزمان غير زماننا لهذا نحن في حاجة الى تأويلات جديدة عبر تجاوز الممارسات التي خلفتها الخطابات الاجتماعية والسياسية السابقة والتي أثَّرت على الوعي السياسي الراهن هناك أي لابد من حالة تناسب بين الثقافة والفكر السياسي بوصفه جزءًا من كل ثقافي له سلوكياته ورهانه فالأفكار ليست صورًا مجردةً ومرايا بقدر ماهي استراتيجيات معرفية لفهم العالم والتعاطي معه تحويلا وتاويلا وتفكيكا ".

فهذا الفهم المتسامح لكنه نقدي متسلح بنسبية وتاريخية الحقائق الشمولية التي تصيبنا بالتيه الذي قادنا الى الاحتراب والذي لاسبيل الا بالمواجهة النقدية التي تسعى إلى الحفاظ على سلامة عقل شعبه عبر الإلحاح على أن الذات موجودة وان سعى ذلك المضطهد إلى انكارها، لكن كل هذا التلفيق الصهيوني وعادة امتلاك الأرض عبر تحويل الخيالي إلى واقع، يسهم هذا في تطويب الأرض، لعل هذه هي ما دفعت ادوارد سعيد الذي دافع عن الحقيقة بوجه التلفيق وهو من قدم تحليلا لمفهوم المثقف اكد أن على المثقف أن يتمسك بمقاييس الحقيقة عند الكشف عن التعاسة الإنسانية والاضطهاد أيا كان مسببهما، بغض النظر عن انتماءاته الحزبية وخلفيته القومية وولاءاته، إذ لا شيء يشوه مواقف المثقف الاجتماعية قدر تشذيب الحقيقة وزخرفتها، والسكوت الحذر عن التصريح بها .(13).

لكن المثقف المنخرط في المؤسسة هو مدافع عنها وعن الايديولوجية الشمولية التي يتم تبنيها كما هو حال من يدافع عن الاحتلال الصهيوني وبتعبير ادوارد سعيد، (لأنهم مرتبطون مع (طبقات اجتماعية) أو مؤسسات تستخدمهم لتنظيم مصالحها أو للحصول على سلطة اكبر أو سيطرة على الأفكار أو الأسواق . (14)، فهكذا مثقف لايصنع تنويرا بل تمثيل و(التمثيل في صياغة وعي اختزالي وملتبس تجاه تلك الوقائع) (15) لكن ايضا هناك اوهام يسقط فيها المثقف العضوي عندما يتصور نفسه وصيا على الناس وهو نمط من المثقفين اذ (يفكر المثقف ويتصرف على أساس أن هناك مقولات صحيحة أو نظريات محققة أو نماذج حضارية تصلح للتطبيق على ساحة العمل السياسي، اوعلى ارض الواقع الاجتماعي أو تصلح للتعميم والانتقال من مجتمع إلى أخر أو من بيئة حضارية إلى أخرى (16). .

مثلما هناك مثقف يقوم بالتضليل الايديولوجي او الوصاية على الناس هناك مثقف يحاول فضح التضليل مثل "جاكلين روز " المثقفة اليهودية التي تحارب التضليل وتفضح الاحتلال وما يقدمه من مفارقات بتوصيفها المفارقة بين شعب يهجر وشعب يستوطن الأرض/يعود بعد الشتات بالقول انه وطن يرغب في أن يعود إليه جميع مواطنيه المنفيين المفترضين يهود الشتات، بقدر من الحماسة يكافئ الحماسة التي طرد بها سكان الأرض السابقون وحال بينهم الحلم بأن تكون لهم دولة.

المقاربة الثالثة: صناعة الكراهية وتوظيفها في العراق انموذجا

الوجود قرين توحدنا ضد الكراهية القائم على توظيف الماضي بكل انتقائية، ويحاول زجه في الحاضر كل هدفه توحيد الاخرين خلفه وخصوصا، وهو يعمل على تفتيت الصف الاجتماعي والعشائري والفكري من اجل صناعة خطاب ايديولوجي تعبوي يعمل على تفتيت المجتمع حتى يصنع منه اتباعا من اثنية معينة ويصنع هوية متزمته تقوم على الانتقائية في قراءة الماضي محاولا توظيف كل نقاط الاخلاف مع الاخر، وجمع نقاط الائتلاف مع اصحاب الهوية الاثنية بكل ابعادها الطائفية، لهذا نجده يحتمي بالآخر من الغريب، ولا يحتمي بابن قبيلته ممن يصفه كونه مرتد لأنه لا يوافقه الاجتهاد الديني او الايديولوجي الاسلامي لهذا تجد عمليات القتل داخل الهوية الطائفية من اجل اقصاء المختلفين معه او من اجل صناعة اتباع يتم توظيفهم في حروبه، والأمر اكثر رعبا في التعامل مع الاخر .

لكن هذه العملية مثلما تصنع اتباعا، وتصنع اعداء ايضا .ومن ثم ما يحدث اليوم من افعال عنيفة تصدم الحس الانساني تكشف المسكوت عنه في هذه الحضارة وما يجب العمل على التفكير به نقديا .اي نحن ازاء تراث مسكوت عنه يجب ان نتوجه اليه بكل علمية من اجل النقد والتأويل عزل ما هو سياسة وتضليل عما هو عقيدة وعزل ما هو بشري عما هو متعال تشريعي رباني .مع مراعاة اسباب النزول وتاريخية القراءات التي يتبقى رهينة تاريخها ولا يمكن التعامل بهاو اطلاقها على كل الازمنة .

فالسكوت على التراث هكذا في المدونات الفقهية من تحليل قتل والإباحة بأكل لحم الاسير والى اخرها من الاحكام التاريخية التي صنعها البشر ضمن ظروف معينه يجب اقامة المؤتمرات من اجل صناعة التوافق والتسامح وصولا الى انتاج مدونه اكثر شرعية في اقترابها من روح الواقع المعاصر بكل منتجاته الحضارية المتقدمة في علوم الانسان والتأويل .

لكن الذي نجده اليوم من قراءات الاسلام السياسي التي حولت التراث الى ايديولوجيا تعبوية تصنع وتجيش العواطف من اجل تدمير الخصوم السياسيين والتفرد بالسلطة فالخطير ان تلك القراءات المتزمته قد تسربت وتحولت مناهج منظمة في التنشئة داخل مؤسسات الدول بالمنطقة في التربية والتعليم والإعلام ومن ثم تم توظيفها من اجل صناعة اسلحة دمار شامل بشرية ملوثة العقول ومهددة بالتلوث المستقبل انطلاقا من الحاضر، خصوصا بعد هذا التزمت الايديولوجي، الذي يترك العدو وهو يشتبك مع الاخ في الدين والعقيدة والوطن .

ما نعيشه اليوم هو ان اهوال توظيف سياسي وإعلامي للماضي، وأحقاده من اجل الهيمنة على الحاضر، ولهذا تجد بعضهم ما عاد يجد كراهة في قتل الانسان وحرقه بل تقام لهذا طقوس عشائرية تحتفي بالعنف الوحشي على اجساد طاهرة من ابناء جيشنا الباسل.

إذ اصبحت اراقة دم العراقي من قبل من يخرج على القانون بإشكال مختلفة ارهابية لا يخشى أي معيار اخلاقي ولا قانوني، بحيث يمارس مسرحة الجريمة بدم بارد وباعتراف الفضاء الطائفي وتشجيعه والذي يحفز الامر ويزيد من توهجه بفعل رأسمال الكراهية والحقن الاعلامي والديني بحيث اصبح الكل في مسرح الجريمة، وتقام الفرحة بالقتل سواء في اقامة الحدود رميا من البنايات الشاهقة ام على الشرطة والجيش من الطائفتين وتعلق الجثامين على الجسور، هذا واقع من التردي الاجتماعي والديني، وأيضا للدولة ومؤسساتها الى حد مريع .

لكن على الجميع ان يدركوا ان صناعة الكراهية وتوظيفها الى اهداف انية الا ان اثارها مثل النفايات النووية تبقى الى ألاف السنين القادمة، والدليل ما نعيشه من اثار ها .

ولا يمكن ان تندمل هذه الافعال بل انها تعمق الشرخ وتجعل من كل بلد من الدول التي تعاني من الشرخ المزمن الذي لا يمكن تلافي اثاره السامة والمهلكة للإنسان والمعطلة للتنمية البشرية والحضارية التي يفترض تعمق التعايش والاعتراف بالمختلف .

فالدم الذي يتم سفكه اليوم سوف يتحول الى اثار رمزية لا يمكن ازالتها او الجدران التي يقيمها بين المتصارعين وأحفادهم، لا يمكن ازالتها تتأصل مع التقادم وتصنع العنف الرمزي.فعلى الجميع ان يدركوا ان المنافع السياسية زائلة، لكن الاثار الدموية باقية وهي محرقة .بعد كل الامثلة التي تناولناها عن الخطابات المتشددة عن الهوية وكيف خلقت حالة من التشذر في عالمنا العربي وصراعه الطويل مع الاخر نجدها سرعان ما تتحول الى صراعات داخلية بين الهويات الفرعية نجد هناك تاويلات متنوعة منها:

سقوط العالم العربي

ثقافة المؤامرة والحروب القذرة

الصراعات الاقليمية التي توظف الدين في اجندتها السياسية

 

هذه جملة من التحليلات التي تحاول البحث عن تعليلات لما يحدث في عالمنا العربي، ونحن في تناولنا الى مفاهيم الهوية حاولنا توصيف جزء من هذه التصورات عندما تهيمن الهويات الجامدة المتشددة في قراءتها للواقع وجدناها في عالمنا متمثلة بالأصولية القومية والدينية والعرقية ولعل الشمولية الاسرائلية كانت احد اهم ملامحها . الا اننا نجد الحروب في المنطقة العربية تزدهر وثقافة الكراهية تتعمق من هنا وجدنا من الضرورة بمكان ان نقف عند بعض التحليلات التي تحاول توصيف ما يحدث .

اولا: سقوط العالم العربي:

يوضح الكاتب حامد عبد الصمد عوامل الضعف في العالم الاسلامي بجمل من العلامات منها:

صناعة الكراهية ازاء الاخر ويتخذ مناهج التربية ومنها مادة التاريخ التي تدرس في اغلب الدول العربية فيحللها: (الجزء الأول من كتاب مادة التاريخ المدرسى يعالج عظمة العرب وما حققوه فى مجالات العلم والفلسفة والطب منذ مئات السنين. أما الجزء الثانى فيعالج الأخطار التى هددت الحضارة الإسلامية من الحروب الصليبية والاستعمار وإسرائيل. العربى فى هذا الكتاب دائماً مسالم وخلوق، فى حين أن الآخر الغربى عدوانى ومتعجرف. فى فصل الحروب الصليبية نقرأ وصفا وكأنه مشهد من فيلم رعب يسرد فيه الكاتب كيف اقتحم الصليبيون المسجد الأقصى وقتلوا فى ساحته سبعين ألف مسلم من رجالٍ ونساءً وأطفالٍ حتى صار الدم في الأقصى للركب، في حين ان مساحة الاقصى وقتها، لا تتسع لأكثر من عشرة آلاف مسلم، وأيضا بغض النظر عن أن جرائم الصليبيين اعترف بها كتاب التاريخ الأوروبى أنفسهم، فإن هذه الطريقة لعرض التاريخ لا تساعد الطلاب على فهم ما حدث؛ بل تحرك بداخلهم مشاعر البغض لم تكن موجودة أيام « الصليبيين » والكراهية).(17)

يشبه سقوط العالم الاسلامي بغرق سفينة تايتانيك اذ يقول: (قبل غرقها لوجدنا تشابهاً " تايتانيك " لو قارنا العالم الإسلامى المعاصر بسفينة كبيرة بينهما. السفينة الإسلامية تقف وحيدة ومكسورة وسط محيط بارد ولا تدرى كيف النجاة. مسافرو الدرجة الثالثة ينامون فى جحورهم ولا يعلمون شيئأ عن المصيبة القادمة. الأغنياء يحاولون الفرار فى قوارب النجاة القليلة ويريدون فى الوقت ذاته أن يربحوا من الكارثة. رجال الدين يكررون نفس الطلاسم والشعارات ويطالبون الناس بالصبر. أما من يسمون أنفسهم بالمصلحين فيذكروننى بالعازفين الذين واصلوا العزف حتى غاصت السفينة فى البحر " تايتانيك " الموسيقى على متن البحر. كانوا يعزفون ويعزفون رغم إدراكهم أن أحداً لا ينصت إليهم على الإطلاق رغم هذا، فان هناك فرقا جوهريا بين السفينتين، فبينما كانت سفينة تايتانيك رمزا للحداثة كبيرة وعملاقة، فإن السفينة الإسلامية قديمة ومهشمة منذ قرون. كانت محملة بما يزيد على طاقتها وتسير بلا بوصلة. ولأنها لم تدر إلى أين تريد أن تذهب، وكان احتكاك بسيط بجبل ثليج اسمه كافيا لتفقد السفينة الإسلامية توازنها. والآن نراها تقف مكسورة تملؤها مياه البحر، ومع ذلك يصر معظم ركابها على أنها لن تغرق لأنهم يرون فى إبحارها أمراً إلهياً.(18)

ويرى ان حال المسلمين اليوم مختلف عما كانوا عليه في الماضي (المسلمون استنفذوا رصيدهم الحضارى والثقافى ويعيشون اليوم على ميراث لم يعد يسمن ولا يغنى من جوع. ولو كان العالم الإسلامى شركة أو مؤسسة لأفلست منذ زمن. وما يحتاجه هذا العالم الإسلامى (....)لعملية جرد يتخلصون بها من حقائب السفر التى تعرقل رحلتهم نحو الحداثة والتطور. يحتاجون إلى التخلص من نظرتهم التمجيدية لذواتهم وحضارتهم وإلى إعادة نظرتهم إلى المرأة ودورها، للتاريخ وأفخاخه، إلى الدين ومحدوديته، إلى المثل الأعلى ومفهوم العدو.) (19)

يبدو ان السقوط هنا هو حادث بفعل غياب وجود نظرة متوازنة تؤمن بالتاريخية التي تجعل من الفكر الاسلامي يستجيب الى التحديات ويغادر حالة العزف الذي وجدناه عند عازفي تاتيانيك وكأنهم لا يدركون الواقع وما فيه من عوائق وما ينتجه هذا التغيب والعماء من تضليل للناس ويجعل اممنا لا تدرك انها تواجه كارثة فهي بحاجة الى فكر نقدي يغادر المقولات الوسيطة ويغادر المناحي الحضارية والبكاء على الماضي المتخيل، فلابد من عقل نهضوي جديد يقدم الحلول في مجال فلسفة الدين والنقد التاريخي والتعددية والعدالة الاجتماعية والتوازن بين المرأة والرجل .

ثانيا: ثقافة المؤامرة والحروب القذرة

هناك مجموعة من الدراسات تبحث في حال واقعنا وما يشهده من مآسٍ كبيرة تركت اثارها عميقة في جسد الامة وروحها وخلقة حالات من العنف ولقتال اخذ طابعا طائفيا وقوميا .

واصحاب هذه الثقافة يجدون ان الامر ليس له مفاعيل داخلية كما وجدنا الامر في المعالجة السابقة بل يرصدون اثار ومفاعيل خارجية تقوم بها دول غربية من اجل تدمير المنطقة وزرع الفوضى الخلاقة ويرصدون هذا الامر انطلاقا من حدث درامي اذ (في مطلع عام 2005، أدلت كونداليزا رايس بحديث أعلنت فيه آنذاك عن نية واشنطن نشر الديمقراطية في العالم العربي والشروع بتشكيل "الشرق الأوسط الكبير"، وذلك عبر نشر "الفوضى الخلاقة".غير أن وزيرة الخارجية الأمريكية رايس غيرت هذا المصطلح إلى "الشرق الأوسط الجديد" أثناء مؤتمرها الصحفي في تل أبيب، في يونيو/ حزيران 2006، حين أعلنت عن رفضها التدخل لإيقاف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان آنذاك، واصفة إياها بأنها "آلام المخاض لولادة الشرق الأوسط الجديد"، وقالت "يجب أن نكون على يقين من أننا ندفع نحو شرق أوسط جديد ولن نعود إلى القديم.")(20)

وأصحاب هذا التأويل يرجعون هذا الحدث الى منظومة سياسية متمثلة فيما جاء به فرنسيس فوكوياما 1989في مقالته "نهاية التاريخ" في مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية، حيث أكد "نهاية تاريخ الاضطهاد والنظم الشمولية إلى غير رجعة مع انتهاء الحرب الباردة وسقوط سور برلين، وانتصار قيم الديمقراطية الغربية"، وأن الليبرالية هي "نقطة النهاية للتطور الإيديولوجي البشري" وأنها "الشكل النهائي للحكومة البشرية"، التي ستملأ الأرض قسطا وعدلا.

وهذا المقال السياسي هو بمثابة البعد المرجعي النظري الذي يعود الى خطاب واسع في الفكر السياسي الامريكي يعود الى شتراوس، لكنه تمظهر في حراك سياسي سمي جماعة "المحافظين الجدد"، الذين أداروا دفة الحكم الأميركية في عهد الرئيس جورج بوش- الابن من وراء الكواليس ومن دون أن ينتخبهم أحد، فإن غثاثة وتهافت هذه النظرية الراديكالية الكاملين، التي كانت وراء انتشار سيناريوهات "الربيع العربي"، التي تحرص على تنفيذها إدارة الرئيس باراك أوباما، ظهرا واضحين للعِيان بعد مرور عقدين ونيِّف من الزمن على نشرها.(21) ورواد هذه الرؤية التي ترصد وجود يد غربية هي بمثابة المحركه للاحداث بشكل يتفق مع رغبتها بالسيطرة وإنها تمثل شكلا جديدا من الحروب تسمى الجيل الرابع من الحروب يحولك لجندي بجيش عدوك .امر بحاجه الى الكشف عن ابعاده التي تبدو غير ظاهرة لمن يرقب الاحداث بشكل عرضي ولكن قد تكون بمثابة تضخيم يعود بنا الى تلك الرؤية التي تحاول ان ترجع كل الاخطاء الى تأمر الاعداء كما مر علينا في النقطه الاولى من ملامح السقوط، الا اننا نحاول رصد مجموعه من الدراسات تحمل هذا التوصيف الجيل الجديد من الحروب .والتي تؤكد فيه تلك الدراسات:

(أن حروب الجيل الرابع أهم ما فيها الدخول في الحرب دون خسارة أموال وأنفس، وتقوم على خمس أشياء أساسية أولها دعم الارهاب، وإنشاء إرهاب دولي متعدد الجنسيات، واستخدام الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، واستخدام طرق معنوية ونفسية تدميرية، وأخيراً هدم الرموز واصفاً إياها بأخطر حرب عرفها العالم منذ بداية الوجود ويتم دراستها في المعاهد الاستخباراتية والعسكرية بسبب خطورتها، بالإضافة إلى أن فكرة الجيل الرابع نجحت في ترسيخ فكرة ان المجتمع فاسد.)(22)

يبدو ان الامر يتعلق برصد الاحداث وتحليلها وتوصيف الموجهات وهذا ما أكده فاروق صاحب الكتاب اثناء الحوار اذ اكد ان المغزى الذي يمكن تلمسه من تلك النماذج من الحروب انها (تسعى الى إسقاط النظام والدولة بأعمدتها الخمسة: الجيش والشرطة والحكومة والقضاء والمخابرات.) (23) ويبدو ان الباحث يرصد اقول وزيرة الخارجية ويعول عليها في التعليل بقوله (كما ذكر واقعة كونداليزا رايس عام 2005 عندما خرجت في وسائل الإعلام أول مؤامرة معلنة في التاريخ عندما صرحت أن أمريكا تهدف لعمل فوضى خلاقة في المجتمع العربي لإعادة تكوينه بما يتناسب مع المصالح الأمريكية.) الا اننا في العراق رصدنا كيف مارس الاحتلال الامريكي تدمير مكونات الحكومة العراقية بقيامها بالخطوات الخمسة التي يذكرها المؤلف .

لكن يبدو ان المفهوم ليس عربيا بل هو مفهوم جاء به المفكرون الامريكان أطلق اسم حرب "الجيل الرابع "على الحرب على المنظمات الإرهابية حسب المفهوم الأمريكي التي يكون طرفا الحرب فيها جيش نظامي لدولة ما مقابل لا دولة أو عدو أو خلايا خفية منتشرة في أنحاء العالم .واختلف المحللون الاستراتيجيون والعسكريون في تعريف أجيال الحروب(24) وهي حروب معروف تقليدية الا ان " حرب الجيل الرابع" اتفق الخبراء العسكريون بأنها هي حرب أمريكية صرفة طورت من قبل الجيش الأمريكي وعرفوها بـ"الحرب اللامتماثلة" (بالإنجليزية: Asymmetric Warfare) إذ وجد الجيش الأمريكي نفسه يحارب لا دولة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، بمعنى أخر محاربة تنظيمات منتشرة حول العالم وهذه التنظيمات محترفة وتملك إمكانيات كبيرة ولها خلايا خفية تنشط لضرب مصالح الدول الأخرى الحيوية كالمرافق الإقتصادية وخطوط المواصلات لمحاولة إضعافها أمام الرأي العام الداخلي بحجة إرغامها على الانسحاب من التدخل في مناطق نفوذها ومثال على هذه التنظيمات: القاعدة وغيرها من التنظيمات التي تستخدم فيها وسائل الأعلام الجديد والتقليدي ومنظمات المجتمع المدني والمعارضة والعمليات الأستخبارية والنفوذ الأمريكي في أي بلد لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وسياسات البنتاغون(25) .بمعنى ان المفهوم تم توصيفه من الحالة التي وجدت امريكا فيها نفسها وهي تحارب المنظمات الارهابية .الا ان الدراسات العربية تحاول ان تبين ان هذه الحرب مختلقة او مصطنعة، رغم اني اجد ان الامريكان يحاولون تحليل فكر القاعدة العسكري وتبيان اهدافها وهي موجودة في (كتاب ادارة التوحش) وهذا ما يظهر من تاملنا في تلك المحاضرة التي تعود لها اغلب المرجعيات العربية والتي تتاولها على انها تبيان الى كونها صناعة امريكية . اذ يقدم (ماكس مانوارينج) (26)، في المحاضرة له في آب\ أغسطس 2012. توصيفا لهذه الحرب برصد سماتها العامة وهي:

إنهاك وتآكل إرادة الدولة المستهدَفة ببطء وبثبات من أجل اكتساب النفوذ وإرغامها على تنفيذ إرادة أعدائها في النهاية، والهدف من هذه الحرب ليس تحطيم مؤسسة عسكرية، ولا القضاء على قدرة أمة، بل الهدف هو الإنهاك والتآكل ببطء، لكن بثبات يُرغم العدو على تنفيذ إرادة المعتدي. والقاسم المشترك في كل هذا الجيل هو "زعزعة الاستقرار" أما منفذو هذا المخطط ليس بالضرورة من الرجال، بل يشاركهم غالباً النساء والأطفال.

أن أول ملامح الدولة الفاشلة هو إيجاد أماكن داخل حدود الدولة العدو، لا سيادة لهذه الدولة عليها، عن طريق دعم مجموعات محاربة وعنيفة للسيطرة على هذه الأماكن، وتبدأ بإخراج جزء من الدولة عن السيطرة، فيصبح خارج سيادتها، وذلك باستخدام مجموعات محاربة وعنيفة، بهدف الوصول إلى ما يطلق عليه إقليم غير محكوم، أو بالأحرى إقليم محكوم من قبل قوى أخرى خارج الدولة، وينتهي الأمر إلى تحويل الدولة إلى دولة فاشلة يستطيع أعداؤها التدخل والتحكم فيها .

وختم مانوارينج حديثه بتذكير الحاضرين بمفردتين أساسيتين، هما: الحرب التي هي الإكراه سواء كانت قاتلة أم غير قاتلة، والدولة الفاشلة التي تتم ببطء وثبات، "وإذا فعلت هذا بطريقة جيدة ولمدة كافية (باستخدام مواطني دولة العدو)، فسيسقط عدوك ميتا."(27)

يبدو لي ان العرب فعلا كما قال حامد عبد الصمد يعتمدون اليات صناعة العدو ويسقطون عليه كل نواقصهم وضعفهم وهذه الحرب كمفهوم نجد اغلب الدراسات العربي تقوم بالنظر اليها على انها فكر امريكي في حين هي ستراتيجية اسلامية تكفيرية قدمتها القاعدة وجعلت منها موجهة لافعالها في تعاملها مع العدو .

وهذا المفكر الامريكي يقدم توصيفا لهذه الحرب من خلال تحليله الى خطط العدو دون ان يشير له . اما اذا كان يهدف الى استثمار تلك التقنية فهذا امر اخر , الا اننا نتحدث عن عدو من شكل جديد هو ارهاب عابر للحدود يتم تغذيته عبر الراسمال المعنوي الاسلامي والاحباط الاجتماعي والاستبداد السياسي والديني الاسلامي والمال والطموح المذهبي في المنطقة .

فهذه البنود التي ذكرها المفكر الامريكي هي ذاتها في ادارة التوحش وممكن العودة الى الكتاب وتبيان الاستراتيجية المعتمدة فهي متطابقة.

ثالثا: الصراعات الاقليمية التي توظف الدين في اجندتها السياسية

هنا عامل ثالث يمكن ان نتأمل فيه عن صناعة العنف الرمزي او الكراهية التي نشهدها في المنطقة، فهناك توصيف عن الصراعات الاقليمية والتي تحاول كل منها ان تكون الدولة المهيمنة وبالتالي نحن ازاء اشكال متنوعة من الخطابات التي تسلحت بها الدول الاقليمية من اجل ان يكون لها مكانه في الاقليم ولها مصالح ستراتيجية يبدو ان هناك دولتين لهما خطاب اسلامي محافظ يحاول تصديره وبالتالي يكون مسوغا الى حماية مصالحهما في الاقليم .

وهاتان الدولتان هما ايران والسعودية فهناك قواسم مشتركه بينهما كبيرة

يرى الكاتب الألماني شتيفان بوخن أنَّ رجال دين من أمثال السنّي يوسف القرضاوي أو الشيعي آية الله أحمد جنّتي يمثـِّلون البغض الطائفي ويفرغون الإسلام الراهن من العقل. حرب المذاهب من شأنها أنْ تغيِّر وجه المنطقة على نحوٍ مدمر(28)

صراع النفوذ

امتدت مناطق صراع النفوذ بين إيران والسعودية لتشمل حدود البلدين القريبة والبعيدة، فقد سعت السعودية، وبالتعاون مع باكستان، إلى الحد من المد الإيراني في الشرق الأدنى، فقدمت لباكستان دعماً لوجستياً كبيراً، وقدمت السعودية المال والرجال عبر دعم الجهاديين العرب والأفغان في أفغانستان في وجه احتلال الاتحاد السوفييتي الذي تحالفت معه إيران بعد سقوط الشاه، فعززت إيران في تلك المدة دعمها للجماعات الشيعية المقاتلة في أفغانستان منعاً لوجود جمهورية إسلامية سنية على حدودها في أفغانستان، واستمرت السعودية وإيران بدعم المتحاربين الأفغان لسنوات طويلة.

- حرب الناقلات

في عام 1982 بدأت ما سميت بحرب الناقلات ضمن مجريات الحرب الإيرانية العراقية، فقد سعى العراق إلى ضرب ناقلات النفط الإيرانية؛ لإجبارها على وقف إطلاق النار، ما دفع إيران للرد على مهاجمة سفنها.

وقامت القوى الجوية العراقية بغارات على جزيرة خرج الإيرانية في عام 1984 التي يصدر منها نحو 1.6 مليون برميل نفط يومياً، كما قامت الطائرات العراقية بضرب 7 سفن بالقرب من خرج، وكرد فعل إيراني هاجمت طهران ناقلة نفط سعودية وناقلة نفط كويتية قرب البحرين، مما دفع السعودية للقيام بتسيير دوريات جوية وحددت منطقة اعتراض جوي، تلا ذلك اشتباك جوي سعودي إيراني، وأسقطت السعودية طائرة إيرانية فوق الخليج بعد أن اخترقت الطائرات الإيرانية الأجواء السعودية.

وبعد يومين من الحادثة فُجِّرت قُنبلة في مبنى السفارة السعودية في بيروت، وهو ما اعتبر رد فعل إيراني على إسقاط الطائرة من قبل السعودية.(29)

الصراع بالنيابة /العراق كان العراق قد ناب عن السعودية في مواجهة ايران ولكن بعد نهاية الحرب (لقد شاركت إيران والسعودية على التوالي في إضعاف العراق: الأولي عبر حرب السنوات العشر، والثانية في مرحلة ما بعد غزو نظام صدام حسين للكويت. وأصبح العراق الآن مقسَّما طائفيا وجغرافيا بين هاتين الدولتين. وقد لا يبدو التقسيم الجغرافي واضحا وفق حدود أو ملكيات لأراضي محددة، ولكن التقسيم الطائفي هو الذي يمكنه أن يمثل ويؤكد على شكل من أشكال التقسيم الجغرافي الذي قد يتحدد في يوم من الأيام وفق ظروف وشروط خاضعة للوقت وتوازن القوى الإقليمية والدولية.)(30)

وقد استثمرت السعودية الصراع الايراني الامريكي في تغذية صراعها مع ايران عبر فرض الحصار بفعل مشروعها النووي الا ان الامر تغير بعد الاتفاق الايراني – مع دول 5 +1، وجدت السعودية نفسها في مواجه مفتوحه في: اليمن، وسوريا، والبحرين، والعراق. لهذا اخذت تبحث عن حليف وقد وجدته في مصر بعد خيبتها في باكستان التي جنبت نفسها الصراع مع ايران اذ يعلل البعد هذا التحالف بالعوامل الثلاث الاتية:

الأول، تخلّي واشنطن عن دعمها في مواجهة إيران.

الثاني، تغيّر موازين القوى الدولية، بحيث لم تعُد الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي بالسفور الذي كانت عليه قبل سنوات قليلة مضت.

الثالث، تراجع أسعار النفط دوليا، وما صاحب ذلك من تراجع نسبي لمداخيل السعودية ومن ضعف نسبي لقدرتها على شراء رضى شعبها والتأثير في خيارات القوى الإقليمية والدولية.(31)

لكن يبدو ان المواجهة بين القوتين الاقليميتين تقودان المنطقة الى حرب مذاهب وتستثيران الموروث الصراعي بين الطرفين وهذا يولد كراهية مقيته داخل البلدان التي تعيش هذا الصدع الاثني الداخلي ويصل الامر الى خلق فوضى كبيرة في المنطقة تقود الى حروب وتغير سكاني وعزل طائفي يهدد منطقة الشرق الاوسط بصراعات طائفية تغوص عميقا عبر الجرائم التي حدثت او تحدث على يد الارهاب الدولي والفوضى الخلاقة التي يسعى الاعداء الى زرعها بالمنطقة، وتجعل التشكيلات الارهابية تحقق مراميها بتدمير البلدان القائمة وتجزئتها .

وسوف يخلق تحالفات اقليمية ودولية فقد يدفع هذا التوتر إيران إلى تنسيق أكثر مع روسيا لمزيد من التعقيد في المشهد السوري، حيث يدعم البلدان الرئيس بشار الأسد بمواجهة المعارضة المدعومة من دول عدة بينها السعودية حيث هذه المعارضة تظهر معارضتها الى الحكومة السورية وتحوز الدعم الخليجي السعودي التركي والغربي، الا ان هذه الاجنحة العسكرية تمثل حركات رادكالية متصارعة على المناطق متحركة باجندات اقليمية سوف تطبق سياستها في تجزئة الدولة السورية واضعافها وتعمق الكراهية الدينية والمذهبية وتمثل خطرا اقليمي .سوف يمتد الى المنطقة كما امتد الى اليمن والعراق، والسعودية التي اشتبكت في الملف اليمني سوف يجعلها الصراع مع ايران إلى "استنزاف للسعودية، لا سيما مع الانخفاض الحاد في أسعار النفط الذي ينعكس سلبيا على إيران أيضا.(32)

بعد استعراض الاحداث بين البلدين ايران والسعودية وقد وصلت حلقة الصراع الى قمتها بعد احداث الحج واعدام الناشط السعودي، وما تبعه من احداث السفارة السعودية في طهران . كل هذه الاحداث ممكن ان نجعلها في بعدين:

الاول سياسي إذ إن البلدين ينزعان الى طموح اقليمي بعد ضعف العراق، ومصر تدهور موقفها من دولة لها مكانتها الى دولة تابعه الى النفوذ السعودي، فالدول تحاول استثمار العامل المعنوي من اجل اسباغ الشرعية على الصراع .

العامل الاخر اثنيا / طائفي إذ يحاول الطرفان استثمار الصراع المعنوي الطائفي من اجل اخراج الامر من صراع سياسي الى صراع طائفي كوني من اجل تجييش العواطف والتاريخ بكل رمزيته.

العراق وقع منذ البداية في الوسط بين الدولتين وهو مازال متصدعا بين النفوذين معا .

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

................................

(1) - رشاد عبد الله الشامي، اشكالية اليهودة في اسرائيل، عالم المعرفة الكويت 1997.

(2) - Toon van Meijl , CULTURE AND IDENTITY IN ANTHROPOLOGY: REFLECTIONS ON‘UNITY’ AND ‘UNCERTAINTY’ IN THE DIALOGICAL SELF, International Journal for Dialogical Science Copyright 2008by Toon van Meijl,Fall, 2008. Vol. 3, No. 1, 165-190

(3) - الزواوي بغوره، الهوية وسياسة الاعتراف شارل تايلر انموذجا، م/ الموقف للبحوث والدراسات في المجتمع والتاريخ، ع /9، 2014، ص 196.

(4) - أمارتيا صن، الهوية والعنف، ترجمة: سحر توفيق، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2008.

(5) - نادر كاظم، خارج الجماعة، مؤسسة الأيام لنشر، المنامه، ص11.

(6) قراءة الثوابت في قصيدة النثر، هرمان ريفاتير، ترجمة: سيد عبد الله، م/نزوى.

(7) ادوارد سعيد، فرويد وغير الأوربيين، المرجع نفسه، ص29.

(8) جان بوتيرو، ولاد اله، ت: جهاد الهواش، دار الأمة، ط1، (بيرون، 1999) ض 114.

(9) مرسيا الياد، أسطورة العدد الأيدي، ص 30.

(10) فراس السواح، مغامرة العقل الأولى، ص 135.

(11) كارم محمود عزيز، أساطير التوراة الكبرى / ص 228.

(12) كارم محمود، أساطير التوراة الكبرى، ص 231 .

(13) ادوارد سعيد، وتمثلات المثقف، ص 99. وانظر: ادوارد سعيد، التمثيل الثقافي وسياسات الهوية، تقديم: منيرة الفاضل، مجلة البحرين الثقافية، العدد 28، أيلول 2001، ص 63 0 65 .

(14) عبد الهادي عبد الرحمن، سحر الرمز، دار حوار للنشر، دمشق، ط1، 1994، 40 ص.

(15) انظر أفاق عربية، العدد 9 – 10، السنة 2002، ص 87.

(16) علي حرب، " أوهام النخبة أو نقد المثقفين، ص 48.

(17) حامد عبد الصمد، سقوط العالم الاسلامي، دار ميريت، (د.ت)، ص7.طبعا الكتاب منشور على شكل pdf، على الانترنيت وصفحات الكتاب غير مرقمة .

(18) نفس المصدر، ص10.

(19) نفس المصدر 12-13.

(20) حبيب فوعاني، احتضار "الفوضى الخلاقة" على أبواب دمشق، موقع روسيا اليوم، تاريخ النشر: 07.10.2015 | 17: 51 GMT |

(21) المرجع نفسه .

(22) ياسر الغبيري، (نبيل فاروق: الجيل الرابع من الحروب يحولك لجندي بجيش عدوك)، حوار تم خلال استضافت قاعة ضيف الشرف بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة لمناقشة كتاب "حروب الجيل الرابع - حين تصبح أنت جيش عدوك"، بحضور كاتبه نبيل فاروق، وأدار المناقشة الكاتبة نشوى الحوفيجريدة: بوابة العرب .

(23) نفس المصدر .

(24) فبعضهم من يعرفها بـ: 1- حرب الجيل الأول: هي الحرب التقليدية بين دولتين لجيشين نظاميين، الخبير العسكري والكاتب الأمريكي ويليام ليند يعرفها أنها حروب الحقبة من 1648 حتى 1860 حيث عرفت بالحروب التقليدية (بالإنجليزية: Conventional War) بين جيوش نظامية وأرض معارك محددة بين جيشين يمثلون دول في حرب ومواجهة مباشرة .2- حرب الجيل الثاني: يعرفها البعض بحرب العصابات (بالإنجليزية: Guerilla War) والتي كانت تدور في دول أمريكا اللاتينية، الخبير الأمريكي ويليام ليند يعرفها بالحرب الشبيهة بالجيل الأول من الحروب التقليدية ولكن تم استخدام النيران والدبابات والطائرات بين العصابات والأطراف المتنازعة .3- حرب الجيل الثالث: يعرفه البعض بالحروب الوقائية أو الاستباقية (بالإنجليزية: Preventive War) كالحرب على العراق مثلاً، ويعرفها الخبير الأمريكي ويليام ليند ويوصفها بأنها طوُرَت من قبل الألمان في الحرب العالمية الثانية وسميت بحرب المناورات وتميزت بالمرونة والسرعة في الحركة واستخدم فيها عنصر المفاجأة وأيضاً الحرب وراء خطوط العدو .

(25) الموسوعة الحرة .

(26) الأستاذ الباحث في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية، الذي خدم في المخابرات العسكرية الأمريكية وفي قيادة الجيش الأمريكي، أسرار هذا الجيل الرابع من الحروب .

(27) الجيل الرابع من الحروب بين التنظير والتطبيق العملى فى دول العالم العربى، نشرت بواسطة: المركز الديمقراطى العربى في قسم الدراسات العسكرية ., قسم الدراسات والعلاقات الدولية, مشاريع بحثية 0 2,670 .

(28) http: //www.dw.com/ar/%D8%AD%D8%B1%D8%A8-

(29) السعودية وإيران.. تاريخ حافل بالصراع ينتهي بقطع العلاقات، http: //alkhaleejonline.net/articles/1427384804140019700/

(30) الصراع الإيراني – السعودي بالوكالة وتقسيم دول المنطقة، تاريخ النشر: 21.04.2016 | 09: 04 GMT |https: //arabic.rt.com/news

(31) المرجع نفسه .

(32) انظر: ما هي تداعيات تطور الصراع السعودي الإيراني على المنطقة؟http: //www.france24.com/ar/20160103

 

عدنان عويد"لا اجتهاد في مورد النص": قاعدة فقهية، يندرج تحتها كثير من الفروع الفقهية. وإذا كان الأمر كذلك، فسيبرز السؤال التالي: هل تعني هذه القاعدة، أن النص، والاجتهاد لا يجتمعان. أي، إذا وُجد النص فلا اجتهاد حينئذ، وإذا لم يوجد، فيكون باب الاجتهاد مساغا بضوابطه، وشروطه؟. أي الوقوف عند مصادر التشريع التي حددها الشافعي، وهي العودة إلى القرآن والحديث والاجماع والقياس.

أو بتعبير آخر بالنسبة للوجه الأول للقاعدة: هل المراد من القاعدة الفقهية المشار إليها هنا، أنه: لا يصح اجتهاد في حكم مسألة ورد بشأنها نص صريح من الكتاب، أو السنة الصحيحة، أو الإجماع الثابت. أي: لا اجتهاد في المحكمات، والنصوص القطعية، كمسائل العقيدة من توحيد الله، والشهادتين، وكذلك أركان الإسلام، ومعاقد الإيمان، وأصول الشريعة، وقواعدها الكلية. ومثلها: الحدود، والكفارات، وأمهات الأخلاق، وأمهات الرذائل، -إضافة- إلى الضروريات الخمس (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال.)، التي تدور على المحافظة عليها أحكام الشريعة. فهذه المسائل أجمعت عليها الأمة، وتلقتها بالقبول جيلا بعد جيل.

أما الوجه الآخر للقاعدة، وهو: جواز الاجتهاد مع النص. بما معناه: إذا امتنع الاجتهاد؛ لمعرفة الحكم مع وجود النص، فإن النص نفسه يجوز فيه الاجتهاد، لا لقبوله، أو رفضه، وإنما لفهمه فهما دقيقا، ولا يكون ذلك إلا وفق القواعد التي وضعها العلماء لذلك. وهو ما يسمى عند علماء الشريعة: “الاجتهاد الاستنباطي”، وهو: فهم آيات الأحكام، وأحاديثها، وتنزيلها على فقه الواقع؛ كي لا تفضي إلى تحقيق خلاف المقصود منها. ومثله أيضا: الاجتهاد في دلالة النص إن كان غير واضح الدلالة، أي الاجتهاد في توسيع دلالة النص، وتحقيق مناطه، فهذا النوع لا يدخل في المنع الوارد في القاعدة الفقهية. وعلى سبيل المثال فإن قول الله -جلّ في علاه-: “وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ”، فالقرء، لفظ مشترك بين الطهر، والحيض، لا يمكن أن يراد به المعنيان معا؛ لأنهما متضادان، فيجب الحصر إما إلى الأخذ بالطهر، كما قال بعض الفقهاء، أو الأخذ بالحيض، كما هو مذهب الفقهاء الآخرين، وكل وصل إلى المعنى بدليله، واقتنع به، أنه المقصود من النص على طريق الاجتهاد.

من هذا المنطلق التجديدي في الفقه، لما تتطلبه ضرورات العصر وحاجاته، نجد اليوم الخطاب الحداثي في الفقه، قد أدرك بعد تجارب طويلة ضرورة التجديد من خلال فتح باب الاجتهاد على ما يسمى اليوم "بفقه المقاصد"، خاص بعد أن تيقن دعاة هذا الخطاب الحداثي بأن الأفكار التي يدعون إليها لن تجد قبولاً ولن تظفر بأرضية تترعرع فيها إلا إذا استندت إلى فكرة تمثل لها البعد الديني والامتداد التاريخي في الفكر الإسلامي.

وعلى هذا الأساس ظفر الخطاب الحداثي على تلك الاجتهادات الصادرة من عمر بن الخطاب، بما اتصفت به هذه الاجتهادات بالعمق في الاستدلال، والتعامل البعيد عن مجرد الاعتماد على ظاهر اللفظ؛ وذلك حين استجدت في عصره قضايا راعى فيها هو ومن معه من الصحابة اختلاف الأوقات وتنوُّع الأحوال، وهو ما أدى بهم إلى تغليب اجتهاد على اجتهاد، كمثل إيقاف عمر لنصاب المؤلَّفة قلوبهم، (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ...). (التوبة 60). وعدم تطبيقه لحد السرقة في عام الرمادة، (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.) . (المائدة:38). وعدم تقسميه الأرض المفتوحة (الخراج) على الغانمين، (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.) (41 الأنفال).  وغيرها من الاجتهادات الفقهية.

إن عمر بن الخطاب، تخلَّصَ من سلطة النص في اجتهاده وألغى ما دل عليه من الفرائض وما تضمنه من الأحكام، وغيَّر شعائر ثابتة في الإسلام لأجل المصلحة العامة، ولأجل تطوُّر السياق التاريخي، وأكد للقراء أن المصلحة مقدَّمة عنده في بناء الأحكام الشرعية وفي فهم النصوص الدينية والتعامل معها، وأنها هي المبدأ الوحيد التي تحاكم إليه.

وهذا الفيلسوف والفقيه ابن رشد يعتبر "التأويل"* من أهم الأفكار الفلسفية، بحيث جعل من فلسفته، فلسفة مفتوحة غير مغلقة الدائرة، مما يسمح باتساع الرؤية وانفراجها كلما ازدادت معطيات الواقع الفكري والثقافي ثراء وازدهارا. (1)

ففي التأويل يؤسس ابن رشد لمشروعية الاختلاف القائم على مبررات عقلية أو علمية، ويقضي على الرؤية ذات الاتجاه الواحد، حيث أن الخطاب الدوغمائي (الجمودي) يفرض على معتنقيه الاستسلام الفكري المطلق للقراءة الحرفية للنص الأصلي. وأن أية محاولة لقراءة النصوص حسب المتغيرات والتطورات والمناهج القائمة على العقل والهدفة إلى تحقيق المقاصد الأساسية للدين، تتهم بالزندقة والتحريف، ومن هنا كان تأسيس ابن رشد لمفهوم التأويل العقلي الذي هو تدشين أرضية صالحة ثقافيا للاختلاف الثري والخصب في الرؤية والمنهج، مما أوجب عليه طبيعة الحال استئناف النظر مجددا وبعمق وروية ووعي نقدي في معظم طبقات الثقافة العربية التي تشكلت بمصادرها الكثيرة، بعد تفسيرها وتحليلها بموضوعية بوجه خاص.

من هنا يشكل مفهوم الاجتهاد القائم على (المصالح المرسلة والاستحسان) الذي قام به عمر بن الخطاب، وعلى (التأويل العقلي) عند ابن رشد بالنسبة لنا مخرجا علميا ودينيا مناسبا في عصرنا الحاضر، للتخلص من الاتجاهات الحرفية والظاهرية والدغمائية التي تحاول بعض الجماعات الأصولية اعتناقها والدفاع عنها، معرضة عن مستجدات العصر وتطوراته العلمية والحضارية من ناحية، وناسية أو متناسية ذلك الأفق المفتوح لسيل المعاني والمفاهيم الإلهية التي يمكن أن يصل إليها فكر المجتهدين والحكماء ممن ينظرون ويعتبرون في نصوص إلهية لا تنفذ معانيها ولا تخلق لطائفها على مر السنين، متسلحين في ذلك بالعلم الصحيح وبالفكر المنفتح.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

............................

(1) - موقع سودارس –  مخارج التأويل والإجتهاد في قراءة النص والفلسفة عند إبن رشد … مونيس بخضرة - 30 - 05 – 2013

 

اكرم جلالإنّ التدبّر المعمّق في الحقيقة الكونية للأديان السماوية وحتى الوضعية منها، باستخدام السياقات العلمية المعاصرة في البحث الموضوعي، يقتضي عدم التردد في تناول مسائل جوهرية من أجل بناء رؤية فلسفية تنويرية للقضايا الكبرى والمحطات المفصلية التي تندرج ضمن اطار الحداثة والتنوير في العقل الديني، وبلورة رؤية حضارية متقدمة للإصلاح الديني من جهة، وبناء حداثة دينية تتماشى مع متطلبات الفكر الراهن تقدم الإسلام كدين الله وفق مقوماته الفكرية والعقلانية كاشفة عن حقيقة عمقه الفلسفي والروحي من جهة أخرى.

إنّ المنطق الحر والعقل المتنور يقتضي البحث العقلاني، مع ضرورة التمسك بثوابت وروح الدين، وتقديم فَهم أدق ينطلق من تجديد في القراءة للعقل المفاهيمي من أجل وعي أعمق للحقائق التي يشتمل عليها الدين، مع ضرورة اخذ الحيطة والحذر من الوقوع في فخ القبول بتعالي الفكر الفلسفي على الحقائق الدينية، خصوصا المسلّم بها.

يقول أفلوطين (205-270 م) في كتابه التساعية الرابعة: (كثيراً ما أتيقظ لذاتي، تاركاً جسمي جانباً. وإذ أغيب عن كل ما عداي، أرى في أعماق ذاتي جمالاً بلغ أقصى حدود البهاء. وعندئذٍ أكون على يقين من أنني أنتمي إلى مجالٍ أرفع. فيكون فعلي هو أعلى درجات الحياة، وأتحد بالموجود الإلهي).

إن الوعي المعرفي عندما يصل بالأنسان لأعلى المراتب يبدأ باستنهاضه وترغيبة في السير نحو معرفة الإله ولو بأسماء وصفات مختلفة، فقال فيه الفلافسة القدماء أنّه الأله الواحد ذو القدرة الجامعة، الذي لا تدركه العقول ولا يُنال بوصف ولا تشبيه. وقد وصفوه بالمطلق اللانهائي، فقد جعل منه أرسطو العقل الكلي بينما اعتبره هيرقليطس القانون الكلي للكون وأسماه اللوغس (logos) حيث يقول فيه: ” كل القوانين الإنسانية تتغذى من قانون إلهي واحد لأن هذا يسود كل من يريد، ويكفي للكل ويسيطر على الكل ” .

والخلود .. تلك الكلمة ذات الألق والإثارة والمعنى الخلّاق لما تحويه من معاني التحرّر المطلق والخروج من كل محدود والتحليق خارج اللامحدودية وما يتطلّبه ذلك من استنهاض للنفس، والسّير بها نحو الوجود اللامتناهي (إذا قُدّر لنا أنْ نُسمّيه وجوداً)، من أجل سبر أغوار مجهولية الزمن والبدأ بفكّ طلاسمه لتبدأ مرحلة مواجهة الحقيقة واتخاذ القرار وتخيير النّفس بعد الأجابة عن السؤال الذي أثار الحيرة في العقول المترددة: من أين يبدأ طريق الخلود؟ وأين هو منتهاه؟

من أجل ذلك نجد أنّ أهتمام الفلاسفة والباحثين قد أنصبّ على مفهوم الخلود، حيث أخذ الحيّز الأوسع من أفكارهم وأحاسيسهم، ودعاهم الى الرجوع الى بواكير الفكر الأنساني من أجل استكشاف أسراره بشكل أعمق وأن يتتبّعوا أرهاصاته وهم على أعتاب الرقي الحضاري متسلّحين بالفكر والعقل والمنطق بغية بناء تصوّر واضح يصف العلاقة بين الخلود والوجود اللامتناهي.

 لقد كان الخلود دعامة الشرائع والأديان حيث سعى الكثير منها الإجابة عن ماهية الزمان والمكان باعتبارههما حجر الزاوية والقاعدة الفكريّة والمنطقية التي يؤسّس عليها العديد من الفلاسفة والعلماء نظرياتهم الفلسفية التي تتناول فهم المعادلة الأنسانية والمشاكل المرتبطة بمسألة الخلود.

وقبل البدأ لابد من التوقف عند المعنى اللغوي لكلمتي البحث وهما الخلود والزمان، فقد جاء في لسان العرب لابن منظور أن معنى الخُلْد هو (دوام البقاء في دار لا يخرج منها خَلَدَ يَخْلُدُ خُلْداً وخُلوداً بقي وأَقام ودار الخُلْد الآخرة لبقاءِ أَهلها فيها وخَلَّده الله وأَخْلَده تخليداً وقد أَخْلَد الله أَهلَ دار الخُلْد فيها وخَلَّدهم وأَهل الجنة خالدون مُخَلَّدون آخر الأَبد) وأن الزَّمَنُ والزَّمانُ هو (أسم لقليل الوقت وكثيره، وفي المحكم:الزَّمَنُ والزَّمانُ العَصْرُ، والجمع أَزْمُن وأَزْمان وأَزْمِنة. وزَمَنٌ زامِنٌ: شديد. وأَزْمَنَ الشيءُ: طال عليه الزَّمان، والاسم من ذلك الزَّمَنُ والزُّمْنَة).

لقد أدرك الأنسان، جيلاً بعد جيل، وهو الكائن المحدود، عَظَمَة الكون اللامحدود من أرضٍ وسماءٍ وعلمٍ وأيقن بعجزه وعدم قدرته عن سبر أغوار حقائق الكون مما دعى الفلاسفة والعلماء لأطلاق العنان للعقل مرة وللأشراقات الروحية مرة أخرى من أجل إدراك بعضاً من الحقائق اللامتناهية في هذا الكون اللامتناهي.

ورغم إخفاق الفلاسفة في الأتفاق على رؤية فلسفية موحّدة وتفسير مشترك لمفهوم الخلود إلّا أنهم قد ساروا باتجاهين في تفسيرهم الزمن لما له من علاقة مع مفهوم الخلود؛ أمّا الاتجاه الأول فقد سار نحو رؤية أن الزمان حقيقته متواجدة خارج الذات الأنسانية (الزمان الموضوعي)، والأتجاه الأخر أيّد أن الزمان داخل الذات الأنسانية. أما أصحاب الأتجاه الأول فقد تفرّعوا كذلك الى عدة اتجاهات، فمنهم من رأى الزمان كحركة دائرية وذهب الى هذا الرأي أرسطو أرخوطاس وفيثاغورس، أما نيكلسون ونيوتن وانشتاين وغيرهم فقد رأوا أن الزمان يسير في خط واحد.

وضع أَرِسْطُوطَالِيس (384- 322 ق. م) وناقش ما أطلق عليه بالمقولات العشرة أو قاطيغورياس(Categories)، حيث درس المعارف وأهم مظاهرها فتوصل الى أنّها تنبني على أسس عشرة، يتربّع فوقها الفكر الواضح المستقيم. وقد وضع هذه الأسس في مقدمة كتابه العبارة، وهو الكتاب الذي يناقش البعد المنطقي لصفات الموجودات، وهذه المقولات العشرة هي: الجوهر، الكم، الكيف، المكان، الزمان، الإضافة، الوضع، المِلْك، الفعل، والانفعال، وقد أشير اليها في كتاب التعريفات للجرجانى أنّها قد جمعت فى بيت واحد هو: قمر غزير الحسن ألطف مصره لو قام يكشف غمتى لما انثنى.

والجوهر هو الأصل، وباقي المقولات التسع إنما هي أعراض للأصل. والوجود هو جوهر كلّي، أمّا التباينات فما هي إلّا صفات تشير الى الجوهر وتُحمَل عليه، وأنّ المنطق هو أداة ذلك الحَمل بشكل قياسيّ أو استنباطيّ.

والزمان، كما وصفه أَرِسْطُوطَالِيس في كتابه الطبيعة هو (عدد النقلة)، ويعني بذلك المقياس العددي في الحركة والتغير. وبعدد النقلة وبمراقبته لحركة الكواكب والأجرام توصل إلى ما يسمى بالميقات، فكانت الضروف الزمانية والمكانيّة.

وللبحث تتمة في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى

 

د. أكرم جلال

 

مجدي ابراهيمالنفس المستقيمة هى النفس التي تعاني: وهى في معاناتها تتألم، غير أنها في كل حالاتها تعاني الألم، فالألمُ موجودُ في كل الحالات، لكن ألم الاستقامة غير ألم الانحلال! قد تعاني النفس في استقامتها أشد المعاناة، ولابد لها من المعاناة ترويضاً وتطبيقاً لفاعلية الجهاد إيثاراً لطاعة الله على طاعة هواها، وهى في ذلك تعاني ألم الاستقامة، أعني بقاء النفس دوماً على أمر الاستقامة. ولكن هذه النفس المستقيمة إذا فلت منها ميزان الاعتدال وانفرط عقد جهادها لشهواتها وأهوائها، ولم تعد تستطيع القدرة على المقاومة؛ كان عناؤها أكبر وأشدّ وأثقل عليها، وكان ألمُها ممّا لا تحتمل له أثراً، ذلك لأنه ألم الانحلال الذي لا يضبطها لتكون في معيّة الله. ففي كل الحالات الألم بالنسبة للنفس موجود، ومن استقامة النفس أنها تعاني على الدوام لا محالة.

والنفس المعوجة هى التي لا تعاني؛ لأنها تستروح إلى ما هى عليه ولا تشتاق مطلقاً إلى فضيلة التغيير، لكن النفس المستقيمة أو التي تطلب الاستقامة هى التي تعاني مزيداً من المعاناة حتى تجد بغيتها حاضرة معها محققة لها في مزيد من التطبيق والتحقيق. والقارئ مرجو أن يلحظ أنه قد تكرّرت معنا عمداً كلمة (المعاناة) في هذا السياق عدة مرات، ولتكرارها هنا عمداً دلالاته المقصودة؛ إذْ المعاناة تقابل "التجربة الصوفيّة" فيما تحمله من شدّ وجذب، ومن قبض وبسط، ومن قوة وضعف، ومن توتر وحيرة، ومن قلق واضطراب في بعض الأحايين بل وفي أكثرها، تلك هى المعاناة التي نقصدها حين تتكرر معنا عمداً يصحُبه سبق الإصرار. إننا نقصد التجربة الروحيّة التي يعيشها المتصوف، إذْ يلزمه الجهاد بغير انقطاع أو يلزم نفسه به في كل حال، والجهاد وحده دالُ على المعاناة، ومجرَّد كلمة الجهاد مجردة توحي بمفردها بالألم؛ فلا يوجد جهادُ مطلقاً بغير ألم وبغير عناء. وجهاد المتصوف في حياته الروحية تجربة من أعمق التجارب الحياتية، ومن أعمق آيات الجهاد بإطلاق؛ لأنه جهاد يحول النفس من حال إلى حال وينقلها نقلاً من مراد إلى مراد.

إنّما الألم بالنسبة للنفس القويّة يعني الجهاد لأدرانها وآفاتها فهو في جميع الحالات موجود، ولن يستطيع الفرد المستقيم أن يتخلص من عذاباته النفسية إلا بوجود "إرادة " مطواعة؛ فهناك ما يُشدُّه إلى أسفل، وهناك ما يجذبه إلى أعلى، وفي كلتا الحالتين هو بين الشدِّ إلى هنا والجذب إلى هناك في عذابات. لا شك كانت تلك العذابات تحتاج إلى جهاد، لأن النفس تعاني فيها أشدّ ألوان العناء؛ فالألم في جميع الأحوال موجود غير مفقود، لكنه ألم مقرون بالسعادة؛ لأن فيه مخالفة لهوى النفس على الدوام.

وجودُ الألم معناه أن الروح تطلب خلاصها، ولا يكون خلاصها إلا بضريبة مفروضة، ولا يحصل إلا بسلوب من النفس في أعز ما تهوى وتشتاق وتتمنى؛ فالذين يجاهدون نفوسهم يتألمون كثيراً، وبمقدار معاناتهم تجيء من فورها سعادتهم.

أي نعم ! بمقدار ما تعاني تسعد ..!

هذه حقيقة كبيرة من حقائق جهاد العارفين. هنا؛ وهنا فقط، علينا قبل أن نستطرد في شرح هذه الحقيقة أن نفرِّق بين نوعين من الألم. الأول: ألم السعادة. والثاني: ألم الشقاء. ألمُ السعادة قبل التجربة. وألمُ الشقاء بعد التجربة. أنت سعيد قبل أن تجرِّب المعصية، لأن المعصية شقاء. أنت سعيد قبل أن تجرِّب الرذيلة؛ لأن الرذيلة تعاسة محققة وخذلان بكل تأكيد. أنت سعيد قبل أن تجرب الخطيئة؛ لأن الخطيئة استعباد لا حرية بل هى موت ودمار. أنت سعيد قبل أن تجرِّب الغفلة؛ لأن الغفلة جناية كبيرة عند أولي العزم من أهل التحقيق. من أين يتأتى الألم؟ قطعاً يتأتى من ممارسة فعل ما نُهىَ عنه.

ولكننا مع ذلك نتساءل: هل كانت هذه السعادة تحملُ ألماً؟ والجواب يأتي بالطبع: نعم هنالك ألم ! إنه ذلك الألم النفسي، الباطني، الجُوَّانيّ: ألمُ الرفض والمقاومة، وهو ألمُ في البداية لكنه سعادة في النهاية، هو ألمُ يعتصر النفس عصراً قبل أن تجرِّب الرذائل والمحظورات، وقبل أن تقدِم على فعل الضرر الذي يلحقها، أفئن هى قاومت وانتصرت مع شدة الألم، نجحت. فينقلب ألمُها من فوره إلى سعادة مُحققة. فالألم الواقع عليها هنا هو ألم الرفض، أو نتيجة لفعل الرفض، هو ألم المقاومة، أو هو مصاحب لعملية المقاومة، هو ألم ناتج عن إرادة الامتناع؛ فأنت من هاهنا سعيد بألمك قبل التجربة، قبل ممارسة مثل هذا السلوك البغيض أو ذاك، حتى وإنْ كنت تتألم من أجله، بيد أنه ألم سعادة لا ألم شقاء. وعليه؛ فألم السعادة يكمن في تلك المجاهدة الدائمة والمقاومة المستمرة والمعاناة الرافضة لكل خنوع يمضي مع النفس في إتيان هواها. والرفض هنا شيء عظيم وجليل، هو الذي يُضفي على الشخصية الرافضة سحرها من جانب العظمة وإيهاب الجلال، هو أبدع إمكانيات النفس ضد طغيانها وضد هواها، وضد ما تسببه لصاحبها من عجز ومرض وبلادة وجهالة دائمة، حتى صنوف العجز والمرض والبلادة والجهالة يمكن رفضها من قبيل النفس المستقيمة، ويمكن التغلب عليها بفعل المجاهدة المنظمة الدائمة.

أمّا ألم الشقاء فهو بعد التجربة، أي الممارسة، بعد أن يخوض الفرد تجربة الشرور التي يقترفها. جرِّب إنْ شئت كل صنوف الضياع، وأترك لنفسك هواها كيفما شاءت، ودع عنك المجاهدة، ودع عنك المقاومة والامتناع، ودع عنك كل ما يقهر نزوع النفس لديك، جرِّب جميع الأفعال التي ترافق هوى النفس الطبيعي؛ فأنت إذْ ذَاَكَ في النهاية مع سعادة النفس بداية ستكون شقياً لا محالة، وفي الشقاء كل ألوان الألم بغير منازع.

ذلك هو ألم الشقاء الذي يأتي بعد التجربة؛ لأنه ألم يمضي بالنفس إلى اقتراف الضرر الذي يتحقق منه المرء من الوهلة الأولى، وهو مع هذا يجرِّبه؛ ليكون بتجربته سعيداً أو يتوهم ذلك! هذا الضرر لا يعود على أحد إلا على المُجرِّب نفسه، تماماً كما أن ألم السعاة لا يعود نفعه على أحد إلا على المُجَرِّب عينه، كذلك ألم الشقاء لا يعاني منه أحد إلا مُجَربه، وتلك جريرة النفس مع صاحبها: أن تودي به في طريق المهالك، وليس هذا بغريب:" فرُبَّ نفس عشقت مصرعها". إنها لحقيقة كبيرة من حقائق جهاد العارفين مع أنفسهم، يصورنها من خلال معاناتهم لتكون هذه العبارة البسيطة عندنا ذات دلالة حقاً:

" بمقدار ما تعاني تسعد ..!"

لكنها حقيقة أبعدُ ما تكون عن التطبيق الواقعي والتنفيذ الفعلي إذا كانت النفس ضعيفة والإرادة خربة والعزيمة بالية والمثابرة فاترة والهمة ساقطة، لا تنتظر إذا كانت أحوال النفس على تلك الأوصاف أن تكون هنالك حقيقة تحتمها قوة العرفان في المعدن العارف، ولا يتأتى لك أن ترجو سعادة من وراء تلك المجاهدات النفسية حين تكون النفس فقيرة السعي نحو الأهداف العظيمة تتلاقى معها على استعداد واكتمال.

النجاحُ الحقيقي للإنسان يتلخص في عبارة واحدة:" ترويض النفس وحملها على المكاره"، حملها على المكاره من طريق الصبر؛ وما الصبر سوى حَبْس النفس على المكاره. فالصبر كله فضيلة كبيرة هو "عزم الأمور". أتدري كم مرة وردت "عزم الأمور" في القرآن الكريم؟ في ثلاثة مرات فقط، هى نصف الدين حقيقة لا مجازاً.

الأولى: في آل عمران آية (186):" لتُبلَون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإنْ تصبروا وتتقوا، فإن ذلك من عزم الأمور".

والثانية: في لقمان آية (17):" يا بنيّ أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك؛ إنّ ذلك من عزم الأمور".

والثالثة: في الشورى آية (43):" ولمن صبر وغفر؛ إنّ ذلك لمن عزم الأمور".

انظر إلي هذه الآيات الكريمة وتدبرها جيداً تجد أن مصدر الأخلاق الجميلة هو "عزم الأمور" كما سمَّاه القرآن، هو مصدر كل خلق جميل حثّ عليه القرآن. عزم الأمور نية في القلب خفية وقدرة في المنع قوية، ورد للنفس عن بعض ما تشاء، لكنما نفوسنا الضعيفة نفوس خربة تشاء الكسل وتأنف من بذل المجهود، تشاء المتعة وتمتنع عن الإقلاع، تشاء الأكل الكثير والراحة والنوم وتمتنع عن الجوع والمشقة والسّهر، تشاء إتباع الهوى والشهوة والشيطان وتمتنع عن حظيرة الله والاستقامة والإيمان، تشاء الرذيلة وتمتنع عن الفضيلة؛ فلن يكون خيراً لها، ولن يتم، ما لم يردها صاحبها بعزم الأمور عن بعض ما تشاء. والأصلُ في ذلك كله هو الصبر جهاداً والتحلي تصبُّراً بأطيب الفضائل وأكرم الأخلاق.

حقيقة مصدر الأخلاق الجميلة هو "عزم الأمور" كما سَمَّاه القرآن، مصدر الأخلاق الجميلة هو القدرة على الامتناع، ورد النفس عن بعض ما تشاء، وضبطها بهذا القانون الأعلى الذي يجري على صفته الشمولية، التامة، الكاملة، مصدر الأخلاق هو أن يشعر الإنسان بالتبعة المسئولة، وأن يدين نفسه بها، وأن يساءل ضميره فيها، مصدر الأخلاق أن يكون الإنسان سيد نفسه، وأن يملك زمام أمره، وأن يتحلى بفضائل الجهاد.

كان إبراهيم بن أدهم يقول:" لن ينال الرجل درجة الصالحين حتى يجتاز ست عقبات. الأولى: أن يغلق باب النعمة ويفتح باب الشدة. والثانية: أن يغلق باب العز ويفتح باب الذل. والثالثة: أن يغلق باب الراحة ويفتح باب الجهد. والرابعة: أن يغلق باب النوم ويفتح باب السّهر. والخامسة: أن يغلق باب الغنى ويفتح باب الفقر. والسادسة: أن يغلق باب الأمل ويفتح باب الاستعداد للموت" (الرسالة القشيرية؛ ص 98-99).

تلك هى أهم الصفات الواجبة على الإنسان المُجاهد فيما لو عرف للجهاد معنى، وعرف له من ثم َّ قيمة نافعة في هذه الحياة .. فلم يبق إلا التطبيق.

أي نعم! الذين يجاهدون نفوسهم يتألمون؛ لأن الألم رفيق المعاناة إذا كانت ثمرة المجاهدة هو هذا العناء، ولأن المجاهدة تذكية، وفيها خلاصُ الأرواح من أدران الغفلات، وفيها كذلك ألمٌ وعناءٌ ومكابدة، هى الظواهر النفسية المُصاحبة لعملية الجهاد: أنْ تعرف كيف تعاني، أنْ تعرف كيف تتألم، أنْ تعرف كيف تكابد، حتى إذا ما عرفت كيف تعاني، وتذوَّقت هذه المعاناة كنت مجاهداً. وإذا عرفت كيف تتألم، وتذوَّقت هذا الألم، صرت مجاهداً. وإذا عرفت كيف تكابد، وتذوَّقت هذه المكابدة، كنت من المجاهدين حقاً وصدقاً. وما أطيبُ وصف شاعرنا العربي حين قال:

لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلا مَنْ يُكَابِدَهُ      وَلَا الصَّبَابةَ إلاَ مَنْ يُعَانِيَها

يصف القشيري طريق التصوف في أربع خلال للمجاهدين في سبيل الله؛ فهم يجاهدون في سبيل الله على أربع حالات: الحالة الأولى: يجاهدون بنفوسهم من حيث استدامة الطاعات. والحالة الثانية: يجاهدون بقلوبهم بقطع المنى والمطالبات. والحالة الثالثة: يجاهدون بأرواحهم بحذف العلاقات. والحالة الرابعة: يجاهدون بأسرارهم بالاستقامة على الشهود في دوام الأوقات).

فأنت ترى في نص القشيري أسس المجاهدة تتمثل في أربعة:

المجاهدةُ بالنفس، والمجاهدةُ بالقلب، والمجاهدةُ بالروح، والمجاهدةُ بالسِّر؛ فقوام الحياة الروحيّة كلها مجاهدة النفس أولاً موقوفة على دوام الطاعة، وهذه مجاهدة بدنية تتعلق بالظاهر، ثمّ يترقى العبدُ صعداً في طريق المجاهدة الباطنة ليجاهد ثانياً بقلبه فيقطع مناه من كل شيء سوى وجه الله فيما يُرضي الله؛ ليترقى ثالثاً فيجاهد بروحه بحذف أية علاقة عائقة؛ ليترقى رابعاً فيجاهد بسرِّه ليكون دائم الاستقامة في جميع الأوقات على منن الشهود. ويتبين من هذا كله؛ أن الجهاد هو أساس الحياة الروحية عند صوفية الإسلام لا يتخلف عنه متصوف حقيقي مطلقاً في جميع مقاماته وأحواله ووارداته ورقائقه.

ويفيدنا نص القشيري بمثل هذه الأسس مجتمعة في النفس، والقلب، والروح، والسر. وأساسها الأول هو مجاهدة النفس؛ لأنه بمثابة القاعدة ينبني عليها مجاهدات القلب والروح والسِّر؛ فإذا نحن عرفنا القاعدة الأساس عند المتصوفة عرفنا تباعاً مغزى قولهم بمجاهدة القلب، وما يتلوها من مجاهدة الروح، ثم مجاهدة السّر التي يعرفون فيها ما لم يعرفه سواهم من منن الكشف وعطايا الشهود.

ولمّا كانت المجاهدة مستندة على أساس شرعي عند الصوفية؛ فقد أسفرت عن اتصال بالله حقيقة ليس فيه مجاز؛ لأنهم يعتمدون كثيراً في مجاهداتهم على ما ورد في القرآن الكريم من آيات تحث على الجهاد سواء كان الجهادُ مُوجَّهاً ضد الأعداء أو كان منصرفاً للنفس لتكون على الدوام مملوكة لا مالكة، مركوبة لا راكبة، مغلوبة لا غالبة.

وبما أن قراءة الصوفية لتلك الآيات جاءت قراءة حضور ومعايشة، ثم عمل وتطبيق قبل كل شيء، ولم تكن في الوقت نفسه قراءة للعلم والمعرفة وكفى، ولكنها كانت للحياة كيما تُعَاش؛ فإن الجهاد لديهم يقوم على فقه الكتاب الكريم، وإذا هم يتخذون (تأسيساً) من سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، القوليّة والفعلية، (لا من مصدر آخر سواه) سنداً لما هم فيه من ممارسة وتجربة وحياة؛ أعني ممارسة الشرع وتجريب الحياة الدينية. فالأساس الشرعي - من ثمَّ - ظاهر كل الظهور في مجاهدة النفس عندهم؛ إنْ من مورد الكتاب الكريم أو من مورد الحديث الشريف، وأية محاولة لتخريج التصوف الإسلامي خارج هذه الحدود، فهى محاول محكوم عليها بالعبط العلمي. ولم يكونوا يجاهدون نفوسهم لهزال كان في باطن النفس فيهم ولا لغرض زائل من أغراض هذه الدنيا، ولكن كانت مجاهداتهم تهدف إلى الاستقامة، أو على حد وصف ابن خلدون (ت 808هـ)، كانت مجاهدة مشروطة بالاستقامة؛ إذْ قد نجد كثيراً من المجاهدين لأنفسهم من يجاهد لا لأجل الاستقامة كالسحرة والمرتاضين، أي تجيء مجاهدتهم في تلك الحالة ليست قائمة على أساس شرعي، بل لأجل كشف حجاب الحسّ الذي يحصل لصاحب الجوع والخلوة، وليست الاستقامة مشروطة به. فرقٌ؛ وفرقٌ كبير، بين من يجاهد وهو مستند على مضمون يشكل مجاهدته ويقوِّم منطلقاته النظرية والعملية، وبين من يجاهد من أجل أغراض دنيوية كسباً للصحة البدنية أو نيلاً لمآرب ليست قائمة على بواعث شرعية من صحيح الدين وصحيح الاعتقاد. ومن هنا؛ فليس من المبالغة أن نقرأ في كتب الصوفية الأحاديث النبوية الصحيحة الشريفة (كأن نقرأ تلك الأحاديث النبوية في الإحياء، ويقوم بتخريجها الحافظ العراقي في كتابه "المُغني عن حمل الأسفار"، في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين، درءاً لوصمة ضعف الحديث التي شاعت عن كتب الصوفية، وبخاصة الإحياء!) يروونها باتصال السّند عن فضيلة الجهاد لتكون معتمدهم ومتكئهم وأساسهم الشرعي؛ كقوله - صلوات ربي وسلامه عليه - لقوم قدموا من الجهاد:"مرحباً بكم قدمتهم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". قيل: يا رسول الله: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس. وقوله صلى الله عليه وسلم:"المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل"؛ وقوله عليه السلام:"كف هواك عن نفسك؛ ولا تتابع هواها في معصية الله تعالى" (الإحياء؛ جـ3- ص64). وفي الحديث الشريف أنه، صلوات ربي وسلامه عليه، كان يواصل الصوم فأراد أصحابه رضوان الله عليهم أن يواصلوا كما كان يواصل؛ فشق عليهم ذلك، فنهاهم عليه السلام أن يواصلوا وقال عبارته الشريفة:" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني". وفي معناه أيضاً "إنّ لي هيئة ليست كهيئتكم".

ومن المؤكد أن هذه الهيئة النبوية المباركة، هيئة علوية لا تنهي عن الصوم الدائم إلا من باب الرحمة والشفقة على الهيئات التي لا ترقي مطلقاً إلى هيئته هو؛ صلى الله عليه وسلم، وليس هناك ما يمنع من قهر النفس على المكاره والمشقات، مادام في النفس استعداد علوي لتلقي أطيب الفيوضات الإلهية. فالحديث مانع لمن لا يستطيع، مبيحُ للقادر، والأمر كله مرهون بالنية القلبية. والمفروض هو تلك "الإباحة" لا ذلك "المنع". ومن هنا؛ كان انطلاق الصوفية في مجاهداتهم: الأخذ بالأحوط في الدين والزيادة في فعل الجهاد، لماذا؟ لأن النفس لا تستجيب لك بسهولة ويسر؛ ولأنها أحياناً كثيرة تتصرف أو تجعلك تتصرف بطريقة آلية بغير تفكير ولا رويَّة، وذلك ملحوظ جداً في أداء العبادات كالصلاة والصيام وغيرهما، فحمْلَها - من ثمَّ - على المشاق والمكاره أكرم لها من التفريط في حقوقها وأهونها حق البقاء دوماً في معيّة الله (أعني النية الصادقة على ديدن الإخلاص): النيَّة الصادقة، ولكن ما هى النية أصلاً؟ وما هو عملها؟

كان الحارث المحاسبي عرَّف "النية" فقال في معناها هى:" إرادة العبد أن يعمل بمعنى من المعاني، إذا أراد أن يعمل ذلك العمل لذلك المعنى". وهو تعريف غزير الدلالة عميق المفهوم؛ فلا يمكن أن يكون للمرء قدرة بغير إدراك هذا المعنى ولو قلت قدرته الفكرية على استيعاب المعرفة واستخلاص مباحثها التي يعتمد فيها المرء على الفهم والإدراك والمعرفة؛ إذ شرط العمل أن تكون النية معروفة، وحاضرة، ولنقرأ عبارة المحاسبي مرة ثانية في هذا التعريف للنية:" إرادة العبد أن يعمل بمعنى من المعاني، إذا أراد أن يعمل ذلك العمل لذلك المعنى"؛ فهناك المعنى أولاً، وهناك العمل ثانياً، وقبلهما الإرادة العاملة؛ الإرادة التي لم تتحول بعد إلى عمل، هى نية قلبيّة ليس إلا. فمعرفتنا للنية معناه: قدرة الضمير على التوجه إلى ذلك العمل، أي معرفة الباعث الذي يتلازم فيه إدراك الإنسان لقواه العاملة مع قواه العالمة، فلو أنه أدرك قوته العاملة فقط؛ لأدرك السلوك قبل العلم، وعز عليه العلم الناهض للحركة الفعلية؛ أي العلم الذي يحفظ العمل من التحوير عن المقاصد العلية والتشويش عن المطالب النافعة.

والإرادة الإنسانية من بعدُ هى الضامنة للحركة الفعلية في الواقع العملي، بمعنى أنها هى التي تضمن قناتين: قناة العلم الحافظ للعمل، وقناة العمل المحفوظ بإحاطة العلم.

وأولُ ما تفرط فيه النفس هو حق الله كما ينبِّهنا إلى ذلك الحارث بن أسد المحاسبي في كتاباته النفسية التحليلية الرائعة، وأهمّها هنا كتابه "الرعاية لحقوق الله"؛ لا ترعى هذا الحق إلا بجهاد، ولربما أوهمتك أنها ترعاه، وأوهمتك أنها على العهد باقية، حتى إذا ما فتشت عنها وعن رعايتها لحقوق الله وبحثت مُخلصاً عن عهودها أدركت من فورك أنها في غِرَّة، وأنّ حظوظها أقوى الحظوظ، وأن أوهامها هى التي ترعي، وأن أهواءها هى التي تجيب وتسعى، ولا يكادُ أن يكون لحق الله ولا لعهده فيها نصيب غير نصيب القشرة الخارجية والسطح البَرَّاني: مصيبة كبيرة هى تلك الغفلة.

من أجل ذلك؛ صار لابد من قهر النفس على الاستجابة لأمر الله والانتهاء لنهيه، وأن أحسن الاستجابة تلك "القدرة المانعة للنفس عن بعض ما تشاء". والمفروض أن تجهد النفس في القيام بالحقوق بمقدار ما تجهدها في القيام بالتطوع والنوافل، ففي هذا القيام نفسه قهر للنفس وحملها على المكاره والمَشَاَق؛ لأن المفروض هنا أن ما تقوم به النفس غير مفروض عليها وبالتالي فهو أدعى لأن تبذل فيه أحسن المجهود؛ ولأن المفروض كما تقدَّم أن النفس لا تستجيب لك بسهولة، ولابد أن تقهرها على الاستجابة "تلك القدرة المانعة للنفس عن بعض ما تشاء": المفروض هو ذلك "المنع" لا تلك "الإباحة": أعني منع النفس عن أن يكون لها حظ واحد من الحظوظ التي تتولاها طاقاتها وترعاها أهواؤها، مع التنبه الدائم إلى أن القوة القادرة على المنع هى نفسها القوة التي تجعل النفس كارهة لكل فضيلة من الفضائل النافعة في كل حين، اللهم إلا إذا كانت الأحيان التي لا تستجيب فيها النفس لتلك المزالق والمداخل التي تسوّل لها شرَه الرزيلة.

سرُّ النور المشرق الوضاء في عقول الحكماء وقلوب العارفين يرتدُ إلى جهاد النفس بقوة التجرد والصفاء، وهى قوة مستقاة من "عين الحقيقة المحمدية"، من الأساس الشرعي الذي اعتمده الصوفية؛ وللفيلسوف الصوفي البارع شهاب الدين السَّهْرَوَرْدي المقتول (سنة 587هـ)، مقولة تتمثل هذا الأساس الشرعي كل التمثل، وتكشف عن طواياه الدفينة في أعماق الباطن الصوفي حيث يقول:" إذا ما تجرّدنا عن الملذات الجسمية تجلى لنا نور إلهي لا ينقطع مدده عنا، وهذا النور صادر عن كائن منزلته منا بمنزلة الأب، والسيد الأعظم للنوع الإنساني، وهو الواهب لجميع الصور، ومصدر النفوس على اختلافها ويسمى "الروح المقدسة"، أو بتعبير الفلاسفة "العقل الفعال".

هذا الكائن والسيد الأعظم هو محمد صلوات ربي وسلامه عليه، هو عين النور، هو نور الأنوار، وهو السّر الأكبر، والجوهر المصون. هو بشر .. نعم، لكنه لا كالبشر بل كالياقوتة بين الحجر. وأنت ترى في عبارة السَّهْرَوَرْدي أن شرط معرفة هذا السر الأكبر الذي يتجلى لنا خلال النور الإلهي فلا ينقطع مدده عنا، هو شيء واحد فقط: التجرد عن الملذات الجسمية، ولكن هذا التجرد لا يتأتى عبثاً فارغاً من دلالة، إذْ ليست مجاهدة النفس مجرد كلمة تقال، ولا هى باللفظة الفارغة من معناها؛ إنما المجاهدة حياة تقامُ على الإرادة. ليس ضعفاً أن يتعلق قلب الإنسان بخالقه، بل الضعف كله أن يتعلق قلب الإنسان بالمخلوقين، وليس ضعفاً أن يكون قلب العبد ذا سّر مع الله، هو بمثابة المؤشر الذي يحركه في كل اتجاه يرضى عنه الله تعالى، لكن رضى الله شيء، ورضى النفس شيء آخر. كلُ ما يرضى الله يسخط النفس، وكل ما يرضى النفس يسخط الله؛ والتوفيق بينهما من أمحل المحالات التي تقف عقبة أمام العقل البشري.

ولم يأتِ الشارع الحكيم بالحكمة السديدة إلا ليتمِّم محاولات العقول القاصرة، جاء ليكملها بعد نقص، ولو أن في فهم العقل البشري وحده قدرة لفهم مُرادات المشيئة الإلهية لاستغنى الناس عن رسالة الأنبياء، لا بل لو أن فيه قدرة لفهم العقل نفسه لنفسه، ولفهم ما أحاطت به علوم الدنيا لألتمس الناس في العقل وحده الهداية، وطلبوا المعونة منه دوناً عن سواه. وهذا ما لم يحدث قط في كل حقب التاريخ: أن يُعَوِّل الناس على العقل وحده دون وحي النبوة. ولو أن لعقول الناس إحاطة شاملة تامة لعرفوا الله تعالى بمقتضى عقولهم القاصرة؛ ولكانت حاجتهم إلى الرُسْل والأنبياء ليست بذي شأن.

إنّ الحكمة الإلهية لا تتمُّ بغير نور النبوة؛ أعني أن الحكمة الإلهية لا يمكن نقلها إلى الناس بغير معراج النبوة. ولم يكن مصادفة أن نقرأ في كتاب الله قوله تعالى:" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله". وقوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"؛ فاستجابتنا لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه هى الحياة، لكنها ليست أي حياة ولا كل حياة بل هى الحياة على شرعة التوفيق والموافقة؛ هى هنا "إرادة الحياة"؛ وإتباعنا له هو عين محبتنا لله تعالى. ففي معراج النبوة كفاية الهداية لبني الإنسان. أما دورُ العقل، فهو الدور الذي يفهم عن النبوة سرِّها في نقل الحكمة الإلهية إلى البشر ليعرفوا معناها ولا يعرفوها من تلقاء أنفسهم التي تلوثها المطامع والأهواء، لا تزال تخفي وراءها القدرة، وهى عاجزة مسلوبة القدرة أو تكاد، ولكن يعرفوها لو شاءت من تلقاء نور النبوة.

هنا، وهنا فقط، يكمن دور العقل البشري: أنْ يتلقى من "نور النبوة" ما في طاقته أن يتلقاه، وأن يُبدع في غير حدود، يُبدع في مثل هذا التلقي من الوسائل والطرق ما شاء له أن يبدع ما دام مجاله في هذه الإمكانية مقرراً لا شك فيه. ومن ثمَّ قامت "رسالة المتصوفة": التماس معرفة الحقيقة الإلهية من طريق غير طريق العقول المحدودة، من طريق الحرمان! أعني حرمان النفس الإرادي لما يُباح لغيرهم من طلاب الحقائق بطريق غير طريقهم. ومن هنا أيضاً؛ ندرك سرَّ تسمية القشيري كتابه في التصوف بـ "الرسالة"؛ لأن الرسالة الصوفية ليست كرسالة "العقل" لدى المتكلمين والنظار، إنها تشبه رسالة النبوة، أو لأنها تعبيرُ عن رسالة النبوة ومتضمنة لها، رسالة الصوفية خاصة بمنهج وبطريق.

أمَّا المنهج؛ فذوقيُّ تعمل فيه الإرادة البناءة عملها الفعَّال من حيث التطبيق والممارسة والمعايشة والحياة وتذوق الحياة الدينية والإحساس بها وتشرُّبها من الداخل. وأمَّا الطريق؛ فهو طريق المعاناة وركوب المتاعب والمقاومة العنيفة. هو كما قال الشيخ أحمد زَرُّوق في رسالته "الأصول" يتمثل في:" علو الهمة، وحفظ الحرمة، وحسن الخدمة، ونفوذ العَزْمة، وتعظيم النعمة. فمَنْ علت همته ارتفعت مرتبته، ومَنْ حفظ حُرْمة الله حفظ الله حرمته، ومَنْ حسنت خدمته وجبت كرامته؛ ومَنْ نفذت عزمته دامت هدايته، ومَنْ عظمت النعمة في عينه شكرها، ومَنْ شكرها أستوجب المزيد من النعم". ثم هو بعد ذلك "فقهُ اللحظة الحاضرة"؛ الوصف الذي أجمع عليه قدماء علماء الإسلام؛ كابن قيم الجوزيّة في كتابه "روضة المحبين" حين عبَّر عن ذلك واصفاً الشجاعة بأنها صبر ساعة، فالشجاعة صبر ساعة، وخير العيش ما يدركه المرء بصبره. أو أن الصبر كما عرفه الغزالي هو:" ثباتُ باعث الدين في مقابل باعث الهوى".

وخيرُ المرء كله في صبر تلك الساعة؛ لكأنما كان صبر هذه الساعة هو بالضبط "فقه اللحظة الحاضرة". ماذا عَسَاكَ فاعلُ فيها؟ هل تتبع نفسك أم تتبعك نفسك؟ وليس من شك؛ في أن العلماء والحكماء اتفقوا - فيما يقول الغزالي - على أنْ لا طريق إلى سعادة الآخرة إلا بنهي النفس عن الهوى ومخالفة الشهوات؛ فالإيمان بهذا واجبُ، ونهي النفس لا يكون إلا بطريق الرياضة، وحاصلُ الرياضة وسرّها أن لا تتمتع النفس بشيء ممّا هو موجود إلا بقدر الضرورة؛ فالمرتاض لهذا الطريق يكون مقتصراً من الأكل والنكاح واللباس والمسكن، وكل ما هو مضطر إليه على قدر الحاجة والضرورة، فإنه لو تمتع بشيء منه أنس به وألفه، فإذا مات تمنى الرجوع إلى الدنيا بسببه، ولا يتمنى الرجوع إلى الدنيا إلا مّنْ لا حظ له في الآخرة بحال، ولا خلاص منه إلا أن يكون القلبُ مشغولاً بمعرفة الله وحبه، والتفكر فيه، والانقطاع إليه، ولا قوة للمرء على ذلك إلا بالله (الإحياء؛ جـ 3، ص 67).

ولتلحظ قوله:" لا قوة للمرء على ذلك إلا بالله"؛ تجدنا نقرر مع الغزالي أن التجربة مع الله هى بالأساس توفيق. حين تقبل على الله بكامل الهمة فهو قبول توفيق، وحين يكون همك كله هو الله تعالى؛ فهذا في الأساس توفيق. لا تصدق أن الإنسان بمستطاعه أن يتصل بالله عن طريق إرادته هو، أو عزيمته هو، لا بل الله من وراء ذلك، الله هو الذي يوفقه إلى الله، إذْ لا قوة للمرء على معرفة الله وحبِّه إلا بالله، وصدق الغزالي، وصدقت تجارب المحبين معه في وصف الحالة وتشخيص النزوع.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

عامر عبدزيد الوائليمقاربة في الهوية العراقية وتجليات داعش

"أنا انت، إن كنت أنا " بول سيلان Paul Celan

مقدمة

لا شك في ان للمفهوم ضرورة في تأكيد دقة الهدف المراد التطرق اليه فاللغة المفهومة لغة تتسم بالدقة فمفهوم الهوية مفهوم فلسفي بامتياز وقد ارتبط باشكالية الحداثة الغربية، التي بدورها ارتبطت بالسياق التاريخي لتطور مفهوم الدولة الحديثة في أوروبا.

قد تنوعت البحوث في تبيان التلوينات التي اصابت هذا المفهوم، تباينه في المواقف: منها ربطه بالبعد الفردي، ومنها من ربطه بنظرية الاعراق، التي ارتبطت بالتمركز الغربي حول الذات مما جعل من مابعد الحداثة تنظر في سلبية هذا المفهوم وتكشف المغالطة التي يكتنفها، وأيضا تحولاته التي تمظهر في ازاحات الهوية التي صاحبت التحولات من هجرات وغزوات يصبح معها صفاء الهوية امراً مستحيلاً اذ ففي تكوينات الهوية العرقية تأتي الجغرافية واللغة بوصفهما علامتين حاسمتين في رسم سمات الهوية والعرق، " ولم يتح لنا مشاهدة ما حدث في التاريخ من عمليات تمازج بين الشعوب وأهم أسبابه الهجرات أولاً ثم عمليات السلب في الغزوات حيث يجري نهب النساء اللواتي لا يصبحن جواري فقط، ولكنهن سيصبحن أمهات لأبناء يأتون من أصلاب متمازجة وتدخل الدماء على الدماء حتى لا يعود للأصل الواحد من وجود". ([1])

والتحولات المعاصرة التي جسدت الصراع بين الهويات ولاسيما على الرأسمال الرمزي كما وصفه بروديو، اصبح اليوم مجالا فاعلا في عموم التوجهات المعاصرة في الخطابات الراديكالية او أو السياجات الدوغمائية المغلقة" والبروتستانتية كما يصفها محمد اركون او الاصولية المتطرفة، كما تجلت في الكثير من الدراسات المعاصرة ومن هنا جاء توصيف روجية غارودي (1913-2012)، لا شك في ان للمفهوم قدرة على تكثيف عرف بها المفكرون اصحاب القدرات العالية في التحليل والنقد فهم يحفرون المفاهيم التي توصل ما يريدون ايصاله من افكار وغايات بدقة ووضوح لهذا سرعان ما تشيع تلك المفاهيم وتشكل سلطة في التلقي والتأويل واعادة التوظيف، وفي سياق العنف نجد مفاهيم مثل اكباش المحرقة والعنف المقدس، لدى رينيه جيرار([2])، ومثل "الهويات القاتلة" لأمين معلوف. "الجهل المقدس" لأوليفييه روا، وايضا مفهوم الهوية غير المكتملة عند اودنيس ([3])، و"الذات تصف نفسها " جوديث بتلر .([4])

من هذه المفاهيم تاتي الهويات القاتلة لدى أمين معلوف عام 1998 كجواب على التفجيرات الارهابية والمجازر الوحشية التي ارتكبت ليس فقط في العالم الاسلامي وانما أيضا في كل المناطق التي انفجرت فيها العصبيات القديمة كقنابل موقوتة. وفي القراءات المتزمته التي تحولت رؤية تكون مصلحة الجماعة المسلحة الدينية مقياس الشرعية من عدمها في قتل الناس عبر الاحزمة الناسفة .([5]) لقد تم هدر الروح الانسانية وتحويل هؤلاء الى قتله باسم المقدس في حين هم يمارسون البشاعة بحق الانسانية وهي التجلي الحقيقي للمقدس عبر قيم الخير والتسامح والمحبة والعدالة، في وقت هذه القراءات المتشددة تدافع عن الاسماء بدل دفاعها عن القيم مما يؤدي الى انتهاكها للدين وخروجها على قيم السماء والوجود .الذي يعلمنا ان الهوية واحدة مؤلفة من عناصر بحسب تجربة كل فرد، مما يجعل الهوية خاصة لا تتطابق مع شخص اخر ابدا ؛لكن بالمقابل هناك من يقول بالهوية الجوهرانية / الماهوية الثابتة منذ لحظة الولادة ولا تتغير قط، وهي غالبا قومية او دينية او عرقية .([6]) فهذا التصور الاخير تصور مغلق تعارضه كل التصورات المعاصرة التي من بينها ما يشير اليه كلود دوبار: أن مصطلح "الهوية" أنموذج للكلمة المنحوتة التي يعكس عليها كل منا معتقداته ومزاجاته ومواقفه .([7]) لكن رغم هذا هناك من ينظر الى الهوية بوصفها قيمة في ذاتها أو فيما تخلقه من شعور بالخصوصية، وإنما تنبع قيمتها مما يقدمه الإطار الذي تخلقه من فرص حقيقية للتقدم و توسيع هامش المبادرة التاريخية للشعوب و الجماعات . ([8]) اذا كانت هذه الصفة دافعة الى توحد الجماعة حول رهان محدد يعلي من شانها لكن ثمة بعض الجماعات تشتق هويتها الخاصة بطريقة إيجابية من وعيها بما يميّزها وما يمثل الخصوصية لها، في حين أن جماعات أخرى تشتق الشعور بهويتها بطريقة سلبية أي من خلال وعيها بخصوصيتها التي تتمثل فيما لا ينتمي الى الآخرين . وهذا يستلزم القول بأن الهوية ليست حقيقة موضوعية واقعية وثابتة بل هي تمتلك واقعية متخيلة ([9])

لكن الذي نجده ان الهوية القاتله التي ظهرت لدى الاسلام السياسي تقوم على مفهوم سياسي وكأنها تقترب من الفهم الجوهراني الذي يدعي تمايز الذات سلبيا عن الاخر وتمارس بحقه العنف وجدنا هذا التصور الاصولي نبع من بدايات الحركات خصوصا حركة الاخوان المسلمين يوم اقامت نقدا الى كل ما ينتمي للاخر الغربي ومارست بحقه نفياً عبر قراءة هي بمثابة توظيف الفهم المعاصر للايدولوجيا في فهم الاسلام الا كما كان الاسلام في جهوده الاولى بل نجد ان حسن البنا كان تلميذ محمد رضا وجزءاً من قراءته الاصولية التي كانت قد بدأت مع حسن البنا متمثله بمقولة "تطبيق الشريعة " التي تحولت مع سيد قطب الى مقولة "الحاكمية لله "، فالخطاب الايديولوجي الذي صاغه البنا: ان الإمام أو "الخليفة "هو حاكم مدني وكيل عن الجماعة ويستمد سلطته من إقرارها به ممثلة في مؤسسة "أهل الحل والعقد "([10]) فهذه القراءة الجهادية تعمقت في الحركات الجهادية العنيفة، ولاسيما القاعدة وداعش و بوكو حرام والنصرة وحركات اخرى ظهرت في العالم الاسلامي . 

كيف تتحول الهوية الى اداة قتل؟

في محاولة البحث عن اجابة، لظهور الهويات القاتلة التي تنوعت في العراق قوميا واثنيا وطائفيا نجد توصيفا يقدمه أمين معلوف في كتابه الهويات القاتلة لعلنا نجد جوابا يقارب الحالة العراقية مع داعش، إذ يقول: "أتحدث في بداية هذا الكتاب عن هويات قاتلة. ولا يبدو لي أن هذه التسمية مبالغ فيها، ذلك لأن المفهوم الذي أفضحه، والذي يختزل الهوية إلى انتماء واحد، يضع الرجال في موقف متحيز ومذهبي ومتعصب ومتسلط، وأحياناً انتحاري، ويحولهم في أغلب الأحيان إلى قتلة أو إلى أنصار للقتلة. إن رؤيتهم للعالم مواربة ومشوهة. فالذين ينتمون إلى جماعتنا ذاتها هم أهلنا الذين نتضامن مع مصيرهم، ولكننا لا نسمح لأنفسنا في الوقت ذاته بأن نكون طغاة تجاههم، وإذا بدوا لنا فاترين نتنكر لهم ونرهبهم ونعاقبهم بوصفهم خونة ومارقين. أما بالنسبة للآخرين، الموجودين على الضفة الأخرى، فلا نسعى أبدا لأن نضع أنفسنا مكانهم، نمتنع عن التساؤل عما إذا كانوا غير مخطئين تماماً حول هذه المسألة أو تلك، ولا نسمح لأنفسنا أن تهدأ بشكاواهم وآلامهم والمظالم التي كانوا ضحيتها. ما يهم هو وجهة نظر جماعتنا فقط، التي غالبا ما تكون وجهة نظر أكثر الناس تشدداً في الجماعة وأكثرهم ديماغوجية وسخطاً.([11])، هذا التوصيف بالغ الدقة في نظرة الحركات الاصولية المتشددة بنظرتها الى:

داخل الطائفة: ذاتها بوصفها طائفة عامة و بوصفها مجموعة سياسية تمثل الاسلام السياسي مثل القاعدة او داعش ...اي هناك جماعة بشرية طائفية /اثنيا، وهناك حركة سياسية تنتمي الى الاسلام السياسي تقدم قراءة معينة للاسلام تحاول الزام الجماعة الكبيرة بها / الطائفة ؛ لانها تحتاجها على مستوى التمويل بالمال والرجال، لكن هناك جماعة صغيرة هي الحركة السياسية مثل داعش فهذه تشمل الافراد الذين حسموا امرهم بوصفها جماعة سياسية فهم القيادة وهم الجماعة الصالحة التي تحتكر القرار والنجاة فهم المتشددون من: القاعدة، او النصرة، او داعش .

ان العمل داخل الطائفة يعني احكام السيطرة عبر القوة والقناعة الايديولوجية احدهما يعزز الاخر فالقوة تكبت ارادة المختلف وتخضعه قسرا الى الاستماع الى التأويل الايديولوجي الذي تمنحه الجماعة من اجل خلق مبرر عقائدي، وقد اخذ العنف اشكالاً متنوعة من اجل ارعاب ابناء الهوية فأول امر قتل المرتبطين بالحكومة من منتسبي الشرطة والجيش وأجهزة الدولة ودفعهم اما الى الهرب او الاندماج بالجماعة عبر طلب التوبة، لهذا تجد اغب المهجرين من الطائفة هم من ابناء هذه الفئة، ممارسة العنف ضد كل من لا يناصر الجماعة ويبذل الجهد والمال في سبيل هذا مما يعني محاربة الفصائل الاخرى التي تعارض الجماعة وإخضاعهم للجماعة بالقوة المفرطة، وإجبار الاخرين على الانخراط في الجماعة وتأييد خطابها، الامر الاخر تطبيق الشريعة على الناس وهو جزء اساس من اهداف الحركات الدينية التي تتخذ منه ذريعة لتحقيق امرين:

الاول كسب الشرعية الدينية والثاني اظهار قوتها في اخضاع الجمهور الى ارادتها وإرهابه بالتنفيذ الذي لم يعتد عليه المواطن في حياته السابقة، وهذا يتحقق من خلال حلقات الفرجه الجماعية حيث تقام الحدود وهي وسيلة من اجل ارهاب الجمهور وإخضاعه الى ارادة الجماعة .

العمل على تطبيق افكار الجماعة اتجاه الاخر وهذا يتحقق من خلال الاول عبر اثارة الجماعة اتجاه الاخر السلطة او الصامت عليها حيث استغلت الجماعة الجو السياسي الذي صاحب التظاهرات التي كانت تقوم والجو الحماسي اتجاه الطائفة الاخرى وما تابعه من احتباس ومواجهات بالإضافة الى الاستقطاب الذي مهد الى الخروج على السلطة و تمثل بانسحاب الاجهزة الامنية من الميدان ومعها الحلفاء القريبون والذي مهد الطريق الى انفراط عقد الدولة وانهيار الامن والتصعيد الطائفي والعشائري الذي دفع بعض الفصائل الى استغلال اسم الجماعة قبل قدومها او مهد لها العبور كقوات محرره واستثارة الجماهير بحيث قامت برمي القوات الامنية بالحجارة من اجل اضعافها نفسيا وإظهارها كقوات خارج مناطقها مما اجبر هذه القوات التي بدت مغتربة في هيجان جماعي طائفي جعل الارض تبدو غريبة وشعب غريب يرفضها في ظل التصعيد الطائفي بحيث اجبر هذه القوات على الانسحاب السلبي وتحويلها الى اكباش فداء للقتل الجماعي اشترك بها الكثير من المتعاونين طائفيا مما ادى الى مجازر كبيرة تم قتل "الف وسبع مئة " جندي بدم بارد تحولت بها مدن الى ساحات اعدام جماعي يمارسه مدنيون يقودهم رجال دين متطرفون باسم التنظيمات الطائفية بعنف مفرط بحق جنود منسحبين عزل .

كل هذا مكن الجماعة ان توظف الرعب في تعميق سيطرتها وان تجبر الشركاء الاخرين - ممن قاموا بالتمهيد الى سلطتها ومارسوا العنف باسمها - الى الخضوع الى ارادتها والارتماء في احضانها او القتل .

اما (خارج الجماعة) فهو الاخر المطرود من تاريخ الخلاص والمحكوم عليه بالتكفير بمقياس الجماعة من المخالفين من اليهود والمسيح والرافضة من المسلمين فالجماعة التكفيرية تتعامل معهم بوصفها عدواً لابد من نفية او قتله وبالتالي فالجماعة لا تسعى أبدا لأن تضع أنفسها مكانهم، نمتنع عن التساؤل عما إذا كانوا غير مخطئين تماماً حول هذه المسألة أو تلك، ولا نسمح لأنفسها أن تهدأ بشكاواهم وآلامهم والمظالم التي كانوا ضحيتها.

وهذا ما حدث بحق الجيش والشرطة من خارج الجماعة، بالإضافة الى القتل بحق الاخرين من الاقليات من الشبك والتركمان الشيعة اذ (تشن عناصر داعش حرب إبادة وتهجير معلنة على التركمان والشبك الشيعة في منطقة نينوى وخاصة في الموصل وتلعفر، وقد نزح بسبب هذه الحملة عشرات الآلاف من الشبك والتركمان باتجاه مدن سهل نينوى ومدن جنوب العراق). ([12])حيث استبيحت دماؤهم وممتلكاتهم بشكل اجبر الجميع على ان المقاومة او الهروب حفاة خائفين مرعوبين بإعداد كبيرة الى المناطق الجنوبية في موجة ذعر كبيرة .ونفس الشيء حدث بحق العرب من الشيعة حيث حدثت لهم تصفيات وإجبارهم الى الرحيل او القتل خصوصا الاسر المختلطة طائفيا .

موجة رعب غريبة حدثت حيث تكدست الجثث من الفلاحين والموظفين من ابناء الدجيل العاملين في مركز المحافظة بفعل العنف الطائفي .

والأمر نفسه حدث للمسيحيين الذين خيروا بين البقاء بدفع الجزية او دخول الاسلام او الرحيل وتم الاستيلاء على ممتلكاتهم وهم من ابناء البلد الاصليين من الكلدان والاثوريين حيث مئة وخمسون اسره مفقودة، " تناول التقرير بشكل مفصل انتهاكات حقوق المسيحيين، واشار فيه الى تهديد الوزن الديموغرافي للمسيحيين، فمن اصل مليون واربعمائة الف مسيحي قبل العام 2003 لم يتبق اليوم سوى 250-300 الف مسيحي، والرقم الاخير مهدد بالذوبان التدريجي بسبب الهجرة اليومية".([13])

وحدث اجتياح للايزيديين وتم التعامل معهم بوصفهم كفرة ليس امامهم الا دخول الاسلام او السبي والقتل حيث حدثت مجاز بحق الرجال واستبيحت الاعراض(ارتكاب (داعش) لواحدة من اكبر جرائم العصر بحق الانسانية عندما اختطفت وسبت وقتلت اكثر من سبعة الاف من الايزيدية في سنجار بعد احتلالها في 3 من شهر آب 2014 . داعش تستخدم الحرب على النساء سلاحا لسحق مكونات العراق الصغرى.)([14]) وكان هؤلاء القوم يدفعون ثمن تشبثهم بموصليتهم ورفضهم الانضمام الى الاقليم .

ان ماحدث يدخل فعلا ضمن حدود مفهوم الابادة الجماعية الجماعية genocide التي قامت بها داعش والمليشيات الداعمة لها والتي تمتلك ماضياً في ممارسة العنف ضد الابرياء من العراقيين .([15]) ان العنف الذي تقوم به الجماعه موجهٌ الى الجميع وجعل الذين دعموه من رجال القبائل والسياسيين يخسرون النفوذ والسلطة الى جانب المواطنين الذين هجروا في المناطق الاخرى .

في وقت مازالت هذه الجماعة تطبق سياسة معتمدة في القاعدة انها سياسة ادارة التوحش ([16])حيث تم وضع قواعد ورسم أهداف تقوم على اعتبار هذه المرحلة هي مرحلة شوكة والنكاية والإنهاك بوصفها تهدف الى إنهاك العدو ثم إدارة المناطق التي يترك فيها فراغ يتم تسميتها إدارة التوحش وفيها يتم إتقان فن الإدارة السياسية عبر تحديد من يقود ومن يدير من خلال استثمار القواعد العسكرية المجربة ممن كانوا لديهم خبرة عسكرية سابقة، وفي الوقت نفسه يوصي باعتماد الشدة مع المخالفين والمجاورين والتحرك في مواجهتها باعتماد السياسة الشرعية .

هذه القراءات المتشددة هي تجلي بارز الى حركات الاسلام السياسي المتشدد وهو مختلف مع الاسلام التجديدي الذي مثله محمد عبده وتلاميذه ومحمد اقبال في الهند حيث ادرك اقبال أن الاجتهاد هو مبدأ الحركة في الاسلام يقول: " وأرى ان القول بإعادة تفسير الأحكام الشرعية الأساسية في ضوء الشروط المختلفة للحياة الحديثة قول مسوغ تماماً فالقران الكريم يعلمنا ان الحياة خلق دائم وذلك يقضي بأن لكل جيل الحق في حل مشكلاته الخاصة مسترشداً بعمل السلف لا معوقاً بذلك العمل ." ويعلق غارودي على هذا القول:"أن الخطأ الأساسي والقاتل لمستقبل الإسلام هو بالضبط أن يرفض مبدأ الحركة هذا، وبذلك عينهِ يغدو عاجزاً عن إعداد مشروع مستقبلي لحل مشكلات زمنه . "([17])

الحلول الممكنة

ان البحث عن الحلول يكمن في ازالة استثارت الاخر او اشعاره بالإهانة ؛ لان منابع الاختلاف (وهي منابع عنف) تخترق كل هذه المستويات الثلاثة، اختلاف اللغة، أو الدين أو المذهب، أو الجنس، أو الثروة، أو نظام القيم، أو طراز العيش؛ أو اللون (العرق)، أو المهنة، أو الجنس. ([18]) فهذه اوجه الاختلاف يجب تحويلها من باب للعنف الى باب من ابواب التعايش من خلال الايمان بالتنوع والعمل على خلق التفاعل الحي الذي يزيل نقاط الحرب والعنف التي يتسرب من خلالها الارهاب وأفكاره المستحيلة، التي تحاول توظيف تأويلاتها الايديولوجية بكل توتالريتها على الدين واحتكار المعنى فيه وتوظيفه من اجل الهيمنة والعنف الرمزي .

اجد هنا من الضرورة العودة الى توصيف مميز يقدمه معلوف في ايجاد حل اسماه )ترويض الفهد( وقد قدم سؤال، لماذا الفهد؟ لأنه يقتل إذا طاردناه ويقتل إذا تركناه طليقاً، والأسوأ أن نتركه في الطبيعة بعد أن نكون قد جرحناه. ولكنني اخترت الفهد لأننا نستطيع أن نروضه أيضاً". بهذا، يبرر لنا معلوف تسمية الباب الأخير من بحثه بـ "ترويض الفهد"، والذي يرى أن ترويض رغبة الهوية يجب أن لا يعالج بالاضطهاد والتواطؤ، والتعامل والممارسات التمييزية تُعَد خطيرة وإن كانت تمارس لمصلحة جماعة عانت من الاضطهاد بسبب هويتها، لما في ذلك من استبدال ظلم بظلم آخر، ولما للأمر من تأثيرات سلبية تحفيزية للكراهية والتطرف، ورى أن كل مواطن يجب أن يُعامل بوصفه مواطناً كامل الحقوق مهما كانت انتماءاته واختلفت.([19])في وقت بات الواقع الضاغط اليوم بعد كل هذا العنف المفرط بين المكونات والتي خلقت اصطفاف طائفي نجد من الضرورة تأكيد رهان التسامح في الواقع العراقي مرورا بالتعايش وهو الناتج بعد الصراع وصولا الى التسامح ثم الاعتراف بحقوق المختلف قانونيا واخلاقيا وعلى هذا الاساس فاننا هنا نحاول تأكيد اطروحتين:

الاولى - الاطروحة التي ننطلق منها: تقوم على مقولة التسامح في تحديد طبيعة العلاقة في التعاقد الاجتماعي العراقي اليوم في ظل خلفية صراعيه اثنية حتى وصلت الى هيمنة الارهاب الداعشي على مساحة كبيرة من الاراضي العراقية في ظل وجود ذهنية صراعية طائفية تقوم على رفض الحكم القائم ومحاولة اسقاطه من خلال سلسة من العمليات الارهابية ؛من هنا تأتي محاولة التوظيف لمفهوم التسامح في ظل تعاقد اجتماعي تعددي يقوم على اقرار التعددية الدينية والمذهبية والسياسية، لكن ليس على اساس التناسخ بل كما يقول " علي حرب " أن التجربة الفكرية الفذة لا يمكن تكرارها أو تعميمها وإنما الممكن استلهامها والتفاعل معها"[20].والتفاعل يجب ان يعي الاصول وتداخلاتها والواقع ورهاناته الثقافية والسياسية .

اجد ان مفهوم " الاستبدال " مفهوم حيوي قال به ليفيناس، وهو ارتهان هذه الذات نفسها للاخر، فهي تسعى إلى الوقوف في مكان الاخر كآرضية منها كل أفعال التضامن والإجماع، بهذا يكون الاستبدال وسيلة الذات لتحقيق ذأتيها عبر مسؤوليتها تجاه الآخر .([21]) هذه المسؤولية يجب ان نشعر بها ازاء كل ابناء وطننا ممن تعرضوا الى العنف والتنكيل طال البشر والحجر وخلف جروحاً عميقه لابد من معالجتها .

اما الاطروحة الثانية "المضادة ": فهي القائمة على اساس الهاجس اللاهوتي وهو القائم على العودة إلى الأصول لأحيائها والتماهي معها اذ تعامل الحقيقة بعقل غيبي ما ورائي بمنطق ثبوتي أحادي بالارتداد إلى الماضي كما تتجلى في القراءات الأصولية التي لا تعرف سوى مدح الذات وذم الأخر وإسقاط الصور النمطية عليه فهي ذهنية الإقصاء القائمة على الأحادية و الشمولية تمارس مهامها ضمن فعالية عصابية قائمة على ذلك وسيلة في تشكيل الهوية القائمة على ثنائية ألانا / ألأخر هذا يقتضي معالجات إستراتيجية وأخرى انية بفعل الحاجة الملحة الضاغطة، ما يحدث اليوم من افعال عنيفة تصدم الحس الانساني تكشف عن المسكوت عنه في هذه الحضارة ومايجب العمل على التفكير به نقديا .اي نحن امام تراث مسكوت عنه يجب ان نتوجه اليه بكل علمية من اجل النقد والتاويل عزل ماهو سياسة وتضليل عما هو عقيدة وعزل ماهو بشري عما هو متعال تشريعي رباني .

أذ لم يكن البعض يرد في خاطرهِ أن هذه الجماعات التي تدعي الدفاع عن طائفة معينة تضمر في نفسها حقائق مفزعة وسلوكيات وأفكاراً غريبة لا يعرفها معظم الناس سواء من داخل الطائفة او من الطوائف الاخرى المتعايشه معها، كما يقال فالإسرار محفوظة عند الكهنة الكبار، وفي صندوق خفي لا يستطيع احد أن يطلع عليه وقد تكون الطائفية هي العتمة التي يعيشها أفراد الجماعة تحجب عنهم نور الحقيقة .

على المستوى الاني:

وضع خطة لمعالجة كارثة النزوح في ألبلاد على اسس سياسية ودينية وعرقية، ([22]) وان تتحول الخطة الى سياسات قابلة للتنفيذ لمعالجة حالة الطوارئ الراهنة وتزويدها بأطر مؤسسية لمواجهة اية ازمة مستقبلية، والعمل على توفير الموارد التي تجعل من تلك المعالجات ناجحة مع مراعاة الشفافية القانونية في صرف الاموال بغطاء قانوني ومراقبة قانونية وإعلامية .

احتواء الصراعات على المناطق المتصارع عليها بين الاقليم والمركز - خصوصا بعد تصريحات مسعود البرزاني - ([23])، من ناحية وبين المكونات والإقليم خصوصا في كركوك بين الاكراد والتركمان والعرب، وابعاد كل الضغوط الامنية القائمة على ارهاب المكونات، كل هذا يقوم على ادخال الرقابة الدولية في التحقيقات في عمليات القتل التي تحصل بحق المكونات، مع اطلاق عملية تفاوض باشراف دولي حول الحدود الداخلية المتنازع عليها التي تشكل مناطق التنوع الغنية في البلاد .

العمل على خلق فضاء للتعايش يحمي الاقليات وثقافتها ويمنحها استقلالا في ادارة شؤونها الداخلية كما هو حاصل في اوربا في مايتعلق بالتعددية الثقافية . ([24])

إعادة النازحين الى مناطقهم التي يجري تحريرها وهذا بحاجة الى اعادة الثقة بالمكونات والمجتمعات المحلية التي تعرضت الى العنف الارهابي عبر خلق حل للمنازعة وإيجاد حلول قانونية وإعادة تأهيل المنطقة وتأهيل الناس بشكل يعمق التعايش ويزيل التطرف عبر ايجاد الحلول المناسبة، توفير موارد كافية لإصلاح البنية التحتية الاساسية واصلاح نظام الخدمات.

الاستجابة الى المطالب الجماهيرية اليوم والحيلولة دون اعادة الظروف التي سبقت الارهاب في المناطق الغربية وهذا يتطلب وضع معالجات وإصلاحات ([25]) عميقة وخصوصا في ظل الواقع الاقتصادي وما يعيشه العراق من ازمة اقتصادية تتطلب استيعاب مطالب الناس والمظاهرات في العراق ([26]) والحيلولة دون ظهور هويات قاتلة متزمتة من جديد وهذا يتطلب تشريعات تعالج الفساد وتزيل وتلغي اثار التشريعات التي تكرس التمييز .

على المستوى ألاستراتيجي:

كيف يتم ترويض العنف وجعل مسبباته تختفي؟ هذا عمل بحاجه الى تعاون جميع الفرقاء داخل العملية السياسية من جهة والفرقاء الاخرين من رجال دين ومؤسسات دينية واجتماعية ومؤسسات مجتمع مدني كلها بحاجه الى اعادة النظر بما يحدث فهناك حاجهة الى ازالة الاحتباس الديني وإزالة مسبباته السياسية التي تستثمر الدين من اجل تعميق الهوة وتشجيع الكراهية، وعليهم ان يطرحوا سؤالاً ماذا بعد داعش وما تكبده البلد بسبب الهويات القاتلة من اجل الاستعداد لمواجهة الدواعش في الداخل الذين يتوزعون ينتشرون بين الصفوف على المستويات السياسي والإعلامي والديني والاجتماعي .([27])

العمل على وضع الخطط والاستراتيجيات وتقديم وضع الدراسات من اجل خلق الحلول مواجهة خطابات الكراهية التي تعمق روح الفرقة وتحرض على القتل وهذا لا يحدث الا من خلال دعم جهود المصالحة الوطنية بين الشركاء السياسيين حتى يتوحدوا ازاء الارهاب والفتنة بكل اشكالها وهذه المصالحة يجب ترجمتها الى حوار عميق بين الشركاء يضعون اثناء التفاوض العدو المشترك لهم هو المشكلة ويعملون على ايجاد حلول ناجعة لها مما يحول دون عودة العنف .([28])

العمل على تطوير مناهج التربية والتعليم ([29]) من خلال جعلها تستجيب الى التطور المعاصر في مجال التعليم ومن ناحية ثانية تقديم فرص متساوية للتعليم والوظائف لكافة الجماعات وتعميق ذهنية التسامح والتعددية الثقافة على المستوى المؤسسة وعلى مستوى العائلة والعمل على جعل من التربية افق للانصهار الثقافي والتربوي بخلق الرموز المشتركة مع مراعاة الاقليات من حيث ثقافتها الدينية ولغاتها المحلية بوصفها جزءاً من التنوع الوطني وبالتالي العالمي الإقرار بالتنوع وتبني مبدأ الحوار الفكري المتواصل، وازالة كل ماله اثار غير محمودة على التعايش الوطني وبالتالي تغلق الطريق في وجه التحريض والكراهية.

العمل على استثمار الاطروحات المعاصرة على المستوى العالمي والتي من الممكن استثمارها في التأسيس الى نظرية تشريعية كل هذا يتحقق من خلال استثمار الطاقات العلمية ومن خلال تصدي رجال السياسة من خلال تشريع قانون للمساواة السياسية والاقتصادية والثقافية وعدم ألتمييز مما يزيل الشعور بالمظلومية والتهميش على اسس طائفية وقومية واثنيا .وهذا يتحقق من خلال ارساء نظام سياسي يحقق العدالة الاجتماعية والسياسية . فالعراقي" بحاجة الى تثقيف بالهوية الوطنية وفي الحقيقة إن العراقي بحاجة الى ثقافة وطنية يمكن أن تصل إليه بمختلف الوسائل منها الوسائل السمعية والبصرية كالمذياع والتلفاز والسينما والمسرح والصحف والمجلات وأجهزة الحاسوب والتصفح في شبكات الانترنت وعن طريق الكتب والمنشورات، وعن طريق الثقافة الوطنية في المدارس ومن خلال مؤسسات المجتمع المدني في المناطق السكنية.وللأسف الشديد إن مايجري على أرض الواقع هو تثقيف حزبي وقومي وطائفي يتجه بإتجاه تحقيق المصالح على أساس المحاصصة دون حساب لمخاطرها الجسيمة".([30])

ضرورة الاتجاه إلى الفيدرالية واللامركزية لما يمكن أن تعمل عليه من تدعيم للمشاركة والإسهام في عملية اتخاذ القرار، وتعدد مراكزه.

على المستوى الخارجي سياسيا على مستوى الاقليم او دوليا العراق يمثل مركزاً استراتيجياً مهما وجاذباً لهذا عليه ان ينتهج سياسة موحدة يشترك فبها كل الاطراف تكون بمثابة حصن يحمي العراق من الانخراط في الصراعات الاقليمية وما تتركه من اثار على الداخل من تمزق وتفتت لهذا هناك حاجة الى ارساء تشريعات قانونية منها قانون الأحزاب يمنع عليها الحصول على دعم مالي خارجي يجعل منها رهينة الدول الاقليمية وسياستها التي لا تتفق مع العراق ومصالحه، وفي نفس الوقت خلق قواسم مشتركة مع كل الاطراف التي تمكن العراق ان يحمي سيادته واستقلاله وان لا يكون مصدر القلق الاقليمي والدولي .

 

ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

.......................

[1] عبد الله الغذامي، القبيلة أو القبائلية أو هويات ما بعد الحداثة، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2009، ص110.

[2] رينيه جيرار، العنف والمقدس، ترجمة جهاد هواش وعبد الهادي عباس، دار الحصاد للنشر والتوزيع، ط1، دمشق، 1992.

[3] أدونيس، الهوية غير المكتملة، تعريب حسن عودة، بدايات، ط1، دمشق، 2005.

4 جوديث بتلر، الذات تصف نفسها، ترجم: فلاح رحيم دار التنوير، ط1، بيروت، 2014.

[5] هكذا اجاب الشيخ القرضاوي عن شرعية العمال الانتحارية اشترط بها ان تكون بموافقة وتوجيه الجماعة الدينية .

[6] امين معلوف، الهويات القاتلة، ترجمة: نهلة بيضون، دار الفارابي، بيروت .

[7] كلود دوبار، أزمة الهويات تفسير وتحول، المكتبة الشرقية، ط، بيروت 2009، المقدمة .

[8] برهان غليون, حوارات من عصر الحروب الأهلية: 312-313،

[9] ناحج المعموري، القرابات المتخيلة، دار تموز، ط1، دمشق، 2012، ص75.

[10] محمد جمال باروت، يثرب الجديدة، مصدر سابق، ص14-16.

[11] امين معلوف، الهويات القاتلة، ص31.

[12] داعش تبيد وتهجّر الشبك والتركمان في الموصل، http://www.dw.com/ar

[13] ويؤكد التقرير ان المسيحيين ما يزالون يعيشون في خوف في مناطق اخرى من العراق على الرغم من عدم تعرضها لهجمات تنظيم داعش، اذ يتعرضون لانتهاكات تطال سلامة الافراد، وعقاراتهم تتعرض للاستيلاء غير القانوني، كما تستمر مظاهر التمييز ضدهم وعلى نحو يهدد من تبقى منهم ويجبره على الهجرة. http://www.azzaman.com/?p=130625

[14] المرأة الايزيدية استراتيجية حرب داعشية نشرت فى 2014/11/16 http://www.wanaltaqy.com

[15] المصطلح عائد الى "رافائيل ليمكين" (1900-1959) استخدم مفهوم مصطلح "الإبادة الجماعية" genocide فهو في محاولة من في توصيف هذا الفعل الاجرامي اذ قام في عام 1944، إلى وضع وصف للسياسات النازية للقتل المنظم، بما في ذلك إبادة الشعب اليهودي الأوروبي.اذ عن طريق الجمع بين كلمة "جماعي" (-geno) اليونانية والتي تعني سلالة أو قبيلة، مع كلمة "الإبادة"(cide-) اللاتنية التي تعني القتل. وحينما كان يقوم بصياغة هذا المصطلح الجديد، كان ليمكين يضع في اعتباره مفهوم "وضع خطة منظمة تتألف من إجراءات مختلفة تهدف إلى تدمير الأساسيات الضرورية لحياة مجموعات قومية، بالإضافة إلى إبادة المجموعات نفسها." وفي العام التالي، وجهت المحكمة العسكرية الدولية في مدينة "نورمبرخ" بألمانيا الاتهامات إلى كبار القادة النازيين بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية." وقد اشتملت الاتهامات على كلمة "الإبادة الجماعية"، ولكن ككلمة وصفية، وليست باعتبارها مصطلحًا قانونيًا.الا ان الأمم المتحدة أقرت اتفاقية تقضي بمنع جرائم الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها في 9 كانون الأول/ديسمبر 1948. واعتبرت هذه الاتفاقية "الإبادة الجماعية" بمثابة جريمة دولية تتعهد الدول الموقعة عليها "بمنعها والمعاقبة عليها".

[16] ابي بكر ناجي، إدارة التوحش .كتاب على الانترنيت .

[17] روجيه غارودي، نحو حرب دينية جدل العصر، ترجمة: صباح الجهيم، دار عطية للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، بيروت، 1997، ص33-34.

[18] الح عبد الجبار، في الأحوال والأهوال، دار الفرات للنشر والتوزيع، ط 1، بيروت، 2008، ص15.

[19] امين معلوف، الهويات القاتلة .

[20] على حرب، الماهية العلاقة، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 1998، ص 81.

[21] جوديت بتلر، الذات تصف نفسها، ص24.

[22] اذ تشير الدراسات الى ان هناك هنالك مايقارب45, 1مليون شخص يقدر انهم نازحون في جميع انحاء البلاد ما يزال اعداد كبيرة من الناس عالقين بسبب الصراعات، بدون الوصول الى الخدمات الاساسية تقارير متزايدة حول الاتجار بتهريب البشر داخل وخارج البلاد حيث، يعد مصدرا مقلقا وبالغ تبرعت 6 دول بالمستلزمات الاغاثية عبرآلية الحماية المدنية في الاتحاد: الأوروبي

http://www.uniraq.org/index.php%3Foption%3Dcom

[23] بعد سقوط الموصل وانهيار الجيش العراقي شبه الكامل في المحافظات السنّية شمال العراق وغربه، أعلن رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني أنّ واقعًا جديدًا على الأرض قد طرأ وفرض نفسه، وأنّ مسألة استقلال إقليم كردستان بـ "كامل حدوده التاريخية" متوقّفة على بعض الإجراءات الخاصة بالإعداد لإجراء استفتاء عامّ في الإقليم والمناطق المتنازع عليها، على أساس أنّ مفاعيل المادة 140 من الدستور العراقي الدائم قد انتهت بالنسبة إلى الأكراد، وأنّه لن يستأنفوا الحديث عنها في المستقبل. http://www.dohainstitute.org/release/374ff388-00f9-4db0-bb21-627c3513182a

[24] - بريان باري، الثقافة والمساواة نقد مساواتي للتعددية الثقافية، عالم المعرفو سلسة 382، الكويت، 2011، ص33

[25] ماتزال حكومة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي تواجه مجموعة مركبة من الأزمات التي تكاد تعصف بالدولة العراقية، يأتي على رأسها تعقد الوضع الداخلي وصعوبة إقرار العديد من القوانين الخاصة بإدارة الملفات الداخلية، خاصة ملف المصالحة الوطنية، وهو ما عبر عنه العبادي خلال حضوره اجتماع وزراء التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” في 3 ديسمبر 2014 في بروكسل، حيث أكد في كلمته أن العمل العسكري وحده لن يهزم “داعش”، وأنه ينبغي اتخاذ خطوات إيجابية نحو الإصلاح الحكومي والمصالحة الوطنية وإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع:

http://rawabetcenter.com/archives/4372

[26] خرجت مظاهرات في بغداد ومدن عراقية أخرى للمطالبة بتنفيذ الإصلاحات والقضاء على

 الفساد::http://www.tvalsalam.tv/news/21540/.

[27] يطرح نجاح القوات العراقية في تحرير بعض المناطق التي سيطر عليها تنظيم “داعش”، على غرار مدينة تكريت، تساؤلات رئيسية عن مدى قدرة الحكومة العراقية على إعادة التعمير وتأهيل المدن المدمرة جراء العمليات العسكرية بين الطرفين. وكانت الموازنة العراقية لعام 2015 قد خصصت مبلغًا بنحو 429 مليون دولار لصندوق إعادة إعمار المناطق المتضررة، لتمثل بذلك خطوة أولى ضمن خطة واسعة النطاق لإعادة بناء تلك المدن. ورغم ذلك، فإن تنفيذ خطة إعادة الإعمار لن يكون مهمة سهلة، على ما يبدو، لا سيما في ظل وجود عقبات تمويلية وسياسية وأمنية واجتماعية تواجهها الدولة العراقية في المرحلة الحالية. http://rawabetcenter.com/archives/6825

[28] وصل باحث مختص في مجال دراسات السلام وحل النزاعات الى أن الاختلافات الدينية قد تدفع للاعتقاد بأن الدين في حد ذاته سبب خطير للصراع، غير ان هذا الاعتقاد في غير محله. الرؤى الدينية التي حملها الكتاب والذي جاء طبعه ضمن مشروع عقد الندوة التي حملت شعار (لنتعلم من رجال الدين بناء السلام) اقامه مركز دراسات السلام في جامعة دهوك يقول د. جوتيار ان " ما من ديانة لاتدعو أحكامها للسلام والتسامح والمعاملة الحسنة للاخرين، وما من ديانة تفرض على أتباعها العيش بمعزل تام عن الاخرين". http://tfpb.org/old/?page=view&id=258

[29] جعل العراق التربية والتعليم على رأس قائمة التعاون مع اليونسكو بحيث تبذل جهود كبيرة، لدعم التعليم في مختلف أنحاء البلاد. والعراق واحد من 35 بلدا تشارك في مبادرة محو الأمية من أجل التمكين (لايف)، وهي مبادرة إستراتيجية دولية تمتد على 10 سنوات لتحقيق أهداف عقد الأمم المتحدة لمحو الأمية. فيما يتعلق بالاتصالات والإعلام، تدعم اليونسكو، بقوة، العراق من اجل بلورة سياسة وطنية حيال وسائل الإعلام والاتصال تقوم على تعزيز حرية التعبير بفضل سلسلة من البرامج لبناء القدرات في قطاع الإعلام.

http://www.iraqinatcom.org/index.php?name=Pages&op=page&pid=89

[30] - محمود الربيعي، الهوية العراقية وتنوع الانتماءات،