ali jabaralfatlawi2(فبعثَ اللهُ غُرابا يبحث في الأرض ليرِيهُ كيف يواري سوأة أخيه قال ياويلتي أعجزتُ أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبحَ من النادمين).

الآية 31 من المائدة، والآيات قبلها ابتداء من الآية 27، تتحدث عن ابني آدم كما جاء في تفسير الميزان، (الآيات تنبئ عن قصة ابني آدم وتبيّن أنّ الحسد ربما يبلغ بابن آدم إلى حيث يقتل أخاه ظالما فيصبح من الخاسرين ويندم ندامة لا يستتبع نفعا ... والمراد بهذا المسمى بآدم هو آدم الذي يذكر في القرآن أنه أبو البشر، وقد ذكر بعض المفسرين أنه كان رجلا من بني إسرائيل تنازع ابناه في قربان فقتل أحدهما الآخر وهو قابيل أو قايين قتل هابيل ولذلك قال تعالى بعد سرد القصة: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل)..)(1) وهي بداية الآية 32 من سورة المائدة.

 السيد الطباطبائي لا يتفق مع المفسرين القائلين أن آدم في الآيات السابقة هو رجل من بني إسرائيل، ويؤكد أن آدم هو أبو البشر الذي جاء ذكره في القرآن، وأن قابيل وهابيل هما إبنا آدم أبو البشر، والقول أنه من بني إسرائيل كلام فاسد لثلاثة أسباب ذكرها في تفسيره، منها أنّ من خصوصيات القصة قوله تعالى (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ...) كلام الآية وهو موضوع بحثنا: (إنما يلائم حال الإنسان الأولي الذي كان يعيش على سذاجة من الفكر وبساطة من الإدراك يأخذ باستعداده الجِبلي – الفطري – في ادخار المعلومات بالتجارب الحاصلة من وقوع الحوادث الجزئية حادثة بعد حادثة، فالآية ظاهرة في أن القاتل ما كان يدري أن الميت يمكن أن يستر جسده بموارته في الأرض، وهذه الخاصة إنما تناسب حال ابن آدم أبو البشر لا حال رجل من بني إسرائيل، وقد كانوا أهل حضارة ومدنية ..)(2)

منهج الطباطبائي التفسيري هو تفسير القرآن بالقرآن، مستعينا بظاهر الآيات في تفسيره، وهذا ما فسر به الآية 31، وهو منهج يتبعه بعض المفسرين مستفيدين من الحجة العقلية في توجيه تفسيرهم للآية حسب الظاهر، وكذلك يستفيدون من بعض الروايات التي يعدها المفسر موثقة، عدّ السيد الطباطبائي الآيات 27-32 من سورة المائدة، أنها تخص قابيل وهابيل أبني آدم أبو البشر، ولا تخص رجلين من بني إسرائيل كما يقول بعض المفسرين.

 يتوافق صاحب التفسير الكاشف مع العلامة محمد حسين الطباطبائي في تفسيره أن القاتل قابيل والمقتول هابيل هما ابنا آدم أبو البشر، لكن لا يتوافقان حول الروايات عنهما فصاحب التفسير الكاشف يقول: (لقد حاك القصّاص، وكثير من المفسرين الاساطير من قصة ابني آدم هذين .. ولا مصدر إلّا الاسرائيليات.)(3) يشكك صاحب التفسير الكاشف الشيخ محمد جواد مغنية، بجميع الروايات عن آدم وابنيه ويعدّها من الإسرائيليات، ويذهب في تفسير الآية والآيات التي قبلها إلى ما يستنتج من ظاهر الآيات، مستفيدا من آراء بعض المفسرين والمؤرخين، ورافضا روايات القصّاصين ويعدّها من الإسرائيليات، لكن السيد الطباطبائي يروي بعضا من هذه الروايات في تفسيره عن ابني آدم، وانتقد كلّ رواية مستقلة عن الأخرى قبولا أو رفضا كليّا أو جزئيا.

بعد أن نفّذ قابيل قتل أخيه هابيل عامدا، يقول محمد جواد مغنية مفسرا الآية حسب ظاهرها: (وبعد أن صار أخوه جثة هامدة لم يعرف كيف يواريها، فبعث الله غرابا فحفر برجليه ومنقاره حفرة فلما رآها القاتل زالت حيرته واهتدى إلى دفن أخيه من عمل الغراب .. ولكنّه عضّ يده ندامة بعد أن أدرك فداحة الخطب، كما أنه أدرك أنه دون الغراب معرفة وتصرفا.)(4)

 استوحى العلامة محمد جواد مغنية من ظاهر الآية، أن القاتل قابيل ندم ندامتين الأولى لأنه قتل أخاه هابيل، والثانية إذ لم يُوفَق لطريقة يدفن فيها أخاه إلا بعد مشاهدة الغراب، كيف يبحث ويواري؟ فشعر بالندامة لأنه دون الغراب معرفة إذ لم يهتدِ الى طريقة الغراب في الدفن. أما العلامة الطباطبائي فأنه يؤكد ندامة قابيل على عدم مواراته سوأة أخيه، ورجح ندامته على القتل، يقول: (أن قوله: (فأصبح من النادمين) إشارة إلى ندامته على عدم مواراته سوأة أخيه، وربما أمكن أن يقال: إن المراد به ندمه على أصل القتل وليس ببعيد)(5) نستوحي من تفسير العلامة الطباطيائي، أنه يؤكد ندامة قابيل بعد رؤيته للغراب يبحث ويواري، ويرجّح ندامة قابيل الثانية ولا يؤكدها إذ يقول: (وربما أمكن أن يقال ..ندمه على أصل القتل وليس ببعيد)، واستوحي من كلام الطباطبائي أنه لا يؤكد أن قابيل ندم ندامتين، إنما يؤكد ندامة واحدة.

  العلامة محمد جواد مغنية يتوافق مع السيد محمد حسين الطباطبائي بأن القاتل قابيل والمقتول هابيل، وهما ابنا آدم صلبا، كذلك يتوافقان أن دافع القتل هو القربان الذي تقبله الله تعالى من هابيل، ولم يُتقبله من قابيل، فحسد قابيل هابيل مما دفعه لقتل أخيه، فالدافع نفسي عند السيد الطباطبائي هو دافع القتل، لكن لماذا تقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل؟ يقول البعض من المفسرين لأن قربان قابيل يختلف عن قربان هابيل، وفي تقديري هذا التفسير غير صحيح لأن الله يفعل ما يريد وفق نوايا الفاعل، فهو العالم العادل الحكيم المقدّر اللطيف في التعامل مع العباد، وأذا رجعنا إلى الأية 27 من السورة التي ترتبط مع الآيات بعدها في السياق من آية (27-32) فإنها تعطي سبب عدم تقبل القربان من قابيل، إذ ذكرت أنه لم يكن من المتقين (فتُقبّل من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر قال لأقتلنّك قال إنما يتقبل الله من المتقين) جواب هابيل لأخيه قابيل الذي هدّده بالقتل، بسبب عدم تقبل القربان، إذ قال له: (إنما يُتقبّل من المتقين)، فعدم تقبل قربان هابيل لأنه لم يكن من المتقين، وليس بسبب نوع القربان الذي قدّمه مثل ما يذكر بعض المفسرين. ويوجد من المفسرين من يرفض الروايات عن ابني آدم جملة، مثل محمد جواد مغنية ويعدها من الاسرائيليات، ويلتزم بظاهر النص مستعينا بآراء بعض المفسرين والمؤرخين.

إذن تقبل الله تعالى قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل، وهذا ما صرّحت به الآية 27، وبسبب هذه الحالة اندفع قابيل لقتل أخيه هابيل، أما لماذا تقبل الله سبحانه من هابيل ولم يتقبل من أخيه قابيل؟ الجواب في سياق الآيات السابقة للآية 31 أنه لم يكن من المتقين، أما الحديث أن نوع القربان له علاقة بعدم تقبله، فهو غير صحيح واتفق مع الشيخ محمد جواد مغنية أنه قد يكون من الإسرائيليات، فهو قد رفض جميع القصص عن ابني آدم وعدّها من الإسرائيليات لا يمكن تصديقها.

أثار الشيخ محمد جواد مغنية مسألة خلافية عند علماء الاخلاق منذ القديم، لها علاقة بقضية القتل في الآية، وهي هل الانسان شرير أم خيّر بالطبع ام لا؟ وأجاب: (أنّ في كل انسان استعدادا للخير والشر بفطرته، حتى خير الأخيار، وشرّ الاشرار والفرق أنّ في بعض الافراد مناعة من عقل رصين، أو دين متين يكبح نزواتهم إلى الشّر، ويندفع البعض الآخر مع شهواته لضعف في دينه، أو عقله.)(6)

فسّر العلامة الطباطبائي الآية 31 في تفسيره الميزان، وننقل تفسيره بتصرف مع المحافظة على المعنى: البحث لغة طلب الشيء في التراب، والمواراة الستر، ومنه التواري للتستر، والسوأة ما يتكرهه الانسان، والويل الهلاك، وياويلتا كلمة تقال عند الهلكة والعجز مقابل الاستطاعة. ويستدل الطباطبائي من سياق الآية أن القاتل وهو قابيل بقي متحيرا من أمره لا يعرف كيف يتصرف مع الجثة؟ حتى بعث الله الغراب، ومن ظاهر الآية يستدل العلامة الطباطبائي أن بعث الغراب وبحثه لم يكن متقاربا في الوقت مع عملية القتل ويستدل على ذلك من قوله تعالى: (قال ياويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب) ويستفيد الطباطبائي من سياق الآية أن الغراب كان قد دفن شيئا في الارض بعد البحث فيكون هدف الغراب حينئذ إراءة كيفية المواراة لا كيفية البحث.(7) هذا ما استنتجه العلامة الطباطبائي من سياق الآية.

 واتفق مع العلامة الطباطبائي في استنتاجه، لأنّ الغراب كان هادفا في فعله ومسخّر ربّانيا لتوصيل رسالة هي تعليم قابيل كيفية الدفن، وهنا تحضر عملية التسخير الإلهي للغراب الذي لا يعي شيئا، إنما يقوم بفعله غرائزيا أو فطريا، وكذا جميع المخلوقات الفاقدة للعقل، بتوجيه ربّاني نجهل ماهيته ونحن نعرف أن الله يبعث الانبياء والرسل، لكن كيف يبعث الله الغراب أو غيره من المخلوقات غير الإنسية؟ فالعلم عند الله ولم أجد من العلماء من  بحث بعث الطيور والمخلوقات غير الأنسية.

ذكر السيد الطباطبائي في تفسيره عدة روايات تحدثت عن قتل قابيل أخاه هابيل وعندما ذكرها في التفسير لا يعني أنه قَبِل بها، فهو أيضا يشكك في بعض الروايات، لكنه حسّن الرواية التي ذكرت في تفسير العياشي مروية عن الإمام الصادق (ع)، إذ وصفها الطباطبائي: انها من أحسن الروايات الواردة في القصة والرواية هي: (لما قرّب ابنا آدم القربان فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال: (تقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل دخله من ذلك حسد شديد، وبغى على هابيل ولم يزل يرصده ويتبع خلوته حتى ظفر به متنحيا من آدم فوثب عليه وقتله..)(8) لكنه ذكر رواية أخرى عن تفسير القمي، مروية عن علي بن الحسين(ع)، من أحداثها أن قابيل لا يدري كيف يقتل اخاه هابيل؟ بعد أن صمم على قتله، حتى جاءه ابليس فعلمه كيف يقتله؟ فلما قتله لا يدري ما يصنع به، فجاء غرابان اقتتلا فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر الغراب القاتل حفرة بمخالبه ودفن صاحبه، فتعلم منه قابيل، فصارت سنّة دفت الموتي. يقول الطباطبائي: (الرواية لا تخلو من تشويش.. وهذه روايات جلّها أو كلّها ضعيفة، وهي لا توافق الاعتبار الصحيح ولا الكتاب يوافقها فهي بين موضوعة بيّنة الوضع، وبين محرّفة أو مما غلط فيه الرواة من جهة النقل بالمعنى)(9)

يصف السيد محمد حسين الطباطبائي الآية 31 من المائدة بقوله: (آية واحدة في القرآن لا نظير لها من نوعها، وهي تمثل حال الانسان في الانتفاع بالحس، وأنه يحصّل خواص الأشياء من ناحية الحس، ثم يتوسل بالتفكر فيها إلى اغراضه ومقاصده في الحياة على نحو ما يقضي به البحث العلمي، إن علوم الانسان ومعارفه تنتهي إلى الحس خلافا للقائلين بالتذكر والعلم الفطري.)(10)

يقول السيد الطباطبائي: (وبالجملة فالله سبحانه هو الذي علّم الانسان خواص الأشياء التي تناله حواسه نوعا من النيل، علّمه إياها من طريق الحواس، ثمّ سخّر له ما في الأرض جميعا، قال تعالى: (وسخّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا)الجاثية:13)(11)

واستوحي من مجموع ما اطلعت على تفسير الآية، أن الآية 31 من المائدة، تؤشر إلى أن أول عملية دفن للإنسان هي دفن هابيل المقتول من قبل القاتل قابيل، لهذا بقي قابيل حائرا ماذا يفعل بجثة أخيه، حتى قيّض الله تعالى الغراب ليتعلم منه قابيل سنّة الدفن، التي جرت في الخلق أجمعين من بعده، وهذه هي الحكمة والرحمة الربّانية للانسان وسننه في خلقه، التي تشمل المطيع والعاصي كي يتعلما من سننه تعالى التي تجري بمعيار العدالة الإلهية على جميع المخلوقات.

 وعن سنّة الدفن وندامة قابيل نستعرض بالمختصر أقوال بعض المفسرين، يقول الطبري في تفسيره: فاحبّ الله تعريفه – اي لقابيل – السنّة في موتى خلقه فقيّض له الغرابين، وأستوحي من الموقف أن الله تعالى لايترك عبده، بل رحمته تسع الجميع المطيع والعاصي، ويقول القرطبي في تفسيره: وظاهر الآية ان هابيل هو أول ميت من بني آدم، ولذلك جُهِلت سنّة المواراة.. فصار فعل الغراب في المواراة سنّة باقية في الخلق، فرضا على جميع الناس على الكفاية، من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين. وأخص الناس به الأقربون الذين يلونه، ثمّ الجيرة، ثمّ سائر المسلمين.

وجدت التفاتة جميلة عند الشيخ محمد متولي الشعراوي بخصوص قوله تعالى: (ياويلتي أعجزت أن اكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فاصبح من النادمين) يقول الشعراوي في تفسير خواطر:  علينا أن نفرق بين (نَدِم) و (نَدَم) وضرب مثلا: هناك شخص يشرب الخمر بالنقود التي كان عليه أن يشتري بها طعاما لأسرته، وعندما عاد لبيته وجد أسرته في انتظار الطعام، ندم لأنه شرب الخمر، فهل ندم لأنه عصى الله بشربه الخمر؟ أم ندم لأنه صرف النقود في شرب الخمر فلم يستطع شراء الطعام، كذلك كان ندم قابيل، فهو لم يندم لأنه قتل أخاه وعصى ربّه بهذه الجريمة، بل ندم على خيبته لأنه لم يعرف ما عرفه الغراب. وفي هذا المحور اختلف الشيخ محمد متولي الشعراوي مع المفسرين القائلين أن قابيل ندم ندامتين، ندم على قتله هابيل، وندم لأن الغراب أفطن منه بعد أن استوحى من الغراب عملية مواراة الميت.

 أخيرا أرى أن كل الآراء محترمة، وفهم القرآن متجدد مع الزمن لذا تتجدد الأفهام وتتنوع بمرور الوقت، وبما يُكتشف من علوم ولا نعني آيات العبادات، بل الآيات التي تتحدث عن آيات الله في الكون والانسان، لكن هناك من العقول من ترفض التعامل مع العلم وتطوره، إذ يوجد من أدعياء الدين ذوي العقول المتحجرة من يرفض التطور العلمي الذي يكشف سنن الله تعالى للانسان، بمقدار ما يستوعب من علوم جديدة وآليات كشف متنوعة، علما أنه لا تزال توجد بعض الشخصيات التي تدعي الدين ويسمون أنفسهم علماء، يكفّرون من يقول بكروية الأرض مثلا، إذ يدعون أنها مسطحة، أو غير ذلك من الحقائق العلمية الثابتة. جعلنا الله وإياكم من السائرين على نهج القرآن، بالعقل المفتوح الذي يستوعب حقائق الله وسننه في الكون كي تزيد إيماننا به سبحانه الخالق العظيم، وتقرّبنا أكثر إلى سبيل الله القويم.

 

علي جابر الفتلاوي

................

(1): الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص225، السيد محمد حسين الطباطبائي.

(2): م.ن، ج5، ص225- 226.

(3): التفسير الكاشف، م3، ص45، محمد جواد مغنية.

(4): م.ن، ص46.

(5): الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص232، السيد محمد حسين الطباطبائي.

(6): التفسير الكاشف،م3، ص46، محمد جواد مغنية.

 (7): الميزان في تفسير القرآن،ج5،ص232،231،السيد محمد حسين الطباطبائي.

(8): م.ن،ص241.

(9): م.ن، ص242.

(10): م.ن،ص231و232.

(11): م.ن، ص234.

 

 

mutham aljanabi2إن الصيغة التاريخية والسياسية التي جعلت من عثمان بن عفان خليفة للأمة الناشئة ودولتها الصاعدة تبقى من بين أكثر الفصول الدرامية في التاريخ العربي والإسلامي. وسوف لن ينتهي هذا الفصل بسبب دوره الفاعل في انعطاف فكرة الدولة والسلطة والحق. مع ما ترتب عليه من موت مأساوي للخلافة الراشدة، الذي دفع الإمام علي ثمنه الباهظ. أما مقتل عثمان فقد كان اقرب ما يكون إلى عثرة لا قيمة لها بمعايير التاريخ المأساوي للدولة والثقافة. لكنه استكمل الشوط الآخذ في التراكم بالنسبة لصعود السلطة، وضمور الوحي، وغياب منظومة القواعد الضرورية لإدارة الدولة وتداول سلطانها.

فإذا كان وصول الخليفة الأول إلى السلطة "فلتة"، فإن استخلاف عمر كان نتاجا لاعتبارات وعلاقات شخصية. أما تسلم عثمان للخلافة، فقد كان الصيغة الأكثر بؤسا لفلتة العلاقات الشخصية. من هنا ضحالتها بالنسبة للقيم المتسامية، وتفاهتها المريعة بالنسبة للفكر السياسي والتاريخي. لهذا لم يتعد دمجه اللاحق في سلسلة الخلفاء الراشدين أكثر من محاولة بائسة لتبرير انتقال السلطة للحكم العائلي (الأموي)، الذي وضع عثمان تقاليده الفعلية. فقد كان عثمان من حيث الواقع والرمز والأصل والفصل والنفسية والشخصية الخليفة الأموي الأول.

إذ لا يمكن لشخصية رشيدة أن تتعرض للسحق والقتل بالطريقة التي تعرض لها عثمان بن عفان. لقد سحقته الجماهير الإسلامية التي لم تفطمها السلطة عن قول الحق والتمسك العملي به، كما ستفعل الأموية لاحقا. ومن ثم لم يرتق إلى مصاف "القيمة الروحية" إلا بالنسبة لأولئك الذين أصبح قميصه، ولا شيء آخر، بيرق الصراع من اجل السلطة. إذ تعكس هذه العلامة والرمز قيمته الفعلية بالنسبة للوعي السياسي والتاريخي آنذاك. كما أنها العلامة الرمزية التي سيجري لاحقا رؤية ملامحها الأولية في تضييعه لخاتم النبي محمد، التي جعلت المسلمين يتشاءمون لفقدانه[1]‏. بحيث جعلهم يقولون "إن عثمان لما مال عن سيرة من كان قبله كان أول ما عوقب به ذهاب خاتم رسول الله من يده". ومن الممكن فهم هذه الفكرة بمعايير الرؤية الإيمانية وذوق التخمين المناسب لها في تصورات العوام عن القضاء والقدر والإشارة والرمز في الوقائع والأحداث. لكنها رؤية كانت تسعى لتوكيد نتائج الأحداث. ومن ثم تبرير ملامحها التعيسة بوصفها عقابا إلهيا جرى التبشير به بصورة أولية في ضياع خاتم السلطة "النبوية"، بوصفها سلطة الحق والعدالة. والنتيجة لا يمكنها أن تكون شيئا آخر غير ضياع الارتباط الروحي بأصل النبوة وتقاليدها مهما كان الثمن المدفوع من اجل صنع نسخة منه. فالفرق يبقى جوهريا بين النسخة والأصل. وفي الحالة المعنية لا يمكنه أن يكون شيئا غير العقوبة التي تجّسد حالة الضياع الفعلي للسلطة والأمة في أشد الفتن وأقواها وأكثرها خطورة في تاريخ الإسلام. وفيما لو حاولنا تصوير ضياعه بمعايير الرؤية التاريخية الثقافية والسياسية، فإنه يعادل انكسار السلسلة "النبوية" في إحدى حلقاتها. ومن ثم انفراط وحدتها، الذي انتج مقدمات وبواعث الاختلاف العنيف والتنوع اللاحق في المواقف والآراء. ومن ثم ظهور التمايز الحاد بين السلطة والمثقف الإسلامي الجديد.

فقد كانت شخصية الصدّيق، من حيث موقعها التاريخي في صيرورة الدولة العربية الإسلامية، التمثيل النموذجي لنهاية الوحي وبداية الدولة. لهذا كان يعي نفسه باعتباره حلقة في سلسلة الحق دون أن يفقده ذلك لمعانه الخاص فيها بوصفه خليفة النبي محمد. لكنه لم يتحسس هذه الخلافة ويدركها بمعايير الهرمية، بل بمعايير القرب من مثالها والسعي لتجسيدها وتحقيقها بالقدر الذي تبقى فيه النفس ونياتها عارية أمام البصر الإلهي، أو الضمير الحي. لهذا عاش بأعلى درجات الزهد والتقشف ممتلئا بصدق الإخلاص لفكرة الحق والدولة الشرعية. وفي هذا كان يكمن المضمون الفعلي لفكرته عن الرشاد في إدارة شئون الأمة والدولة. كما انه النموذج الأولي الذي تركه لخلفه اللاحق.

أما شخصية عمر بن الخطاب فقد تكاملت مع تكامل الفكرة الإسلامية وانتقالها من الغيب اللاهوتي إلى تاريخ الدولة. حيث تمثلت شخصيته معالم الانتقال الكبرى من الفكرة المجردة إلى الواقعية، ومن الوحي المقدس إلى التأويل السياسي. وبهذا يكون قد جّسد بداية الصيرورة الثقافية للدولة والسلطة، التي حقق مثالها بمعايير الوحدة الإسلامية للدين والدنيا. من هناك غياب المعارضة الفكرية والروحية غيابا تاما. لكنه كان أكثر من صنعها عبر تأسيسه لمرجعية الدولة والسلطة المحكومة بمعايير العدل والحق السياسي ونموذجها الروحي في وحدة الدين والدنيا.

وقد وقف عثمان أمام هذه النتيجة. ومن الممكن القول، بأنها كانت تحتوي على "مشروع" قتله اللاحق، لأنها كانت تحتوي على مكونات تصرع ما فيه من رقة ورخاوة وضعف. وهي صفات لم تكن مجهولة لمن وضعه ضمن قائمة الشورى. وبهذا المعنى يمكننا القول، بأن سلفه قد وضعه أمام مطرقة الخلافة واستحقاقاتها الدينية والدنيوية، وسندان الضعف الشخصي. وكلاهما كانا يطرقان عجينة عثمان الشخصية بطريقة لا تنتج غير أصوات شاذة لم يعد الرجل معها قادرا على الاستماع إلى أصوات المعارضة وأنغام الاحتمالات القائمة فيما يمكن أن تؤول إليه الأمور. ولم تكن هذه الحالة معزولة عن شخصيته وعن الحالة التي ميزت الدولة الناشئة ومرجعيات وجودها المادية والمعنوية.

فقد تبلورت شخصية عثمان بين يسر التجارة وعسر المرارة المتراكمة في نهمها الغريزي الشره. كما أنها حالة ملازمة للمهنة. ومن ثم فإن معاناتها هي معاناة الكمية النهمة. وتبقى ما بقيت جزء من نفسية وذهنية حاملها. بل أنها حاملة وجوده المادي والمعنوي. فإسلامه لم يكن نتيجة لمعاناة عسيرة في الروح والجسد، ولم تكن أيضا نتاجا للبحث عن مخرج من نفق "الوثنية" ولا لحاجة سياسية. إننا لا نعرف بالضبط مكنونها الدفين، لكننا نعرف مظهرها العام. إننا نعرف كيف انه أسلم وهو في عمر تجاوز الثلاثين. وكان نتيجة لدعوة أبي بكر إياه إلى الإسلام فأسلم. وكانت هذه الدعوة اقرب إلى المحادثة الشخصية والعابرة. فقد عرض أبو بكر عليه الإسلام، كما تنقل الروايات التاريخية قائلا له:

- ويحك يا عثمان! إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل. هذه الأوثان التي يعبدها قومك، أليست حجارة صماء لا تسمع، ولا تبصر، ولا تضر، ولا تنفع‏؟‏

- بلى! إنها كذلك!

- هذا محمد بن عبد الله قد بعثه الله برسالته إلى جميع خلقه، فهل لك أن تأتيه وتسمع منه‏؟‏

- نعم‏!

وفي هذا اللحظة مر النبي محمد فقال لعثمان:"يا عثمان! أجب الله إلى جنته، فأني رسول الله إليك وإلى جميع خلقه!". عندها فال عثمان "فوالله ما ملكت حين سمعت قوله أن أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله!". وفي حال قبول هذه الصيغة "المقدسة" لإسلام عثمان، فإننا نقف بذلك أمام إسلام لا معاناة فيه وقبله. وقد تكون المعاناة الوحيدة هي ما تورده كتب التاريخ والسير عن الكيفية التي أخذه بها عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية عندما عرف بإسلامه. بحيث أوثقه برباط وقال له:

- أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث‏!‏ لا أخليك أبدا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين!

- والله لا ادعه أبدا!

وجرى تصوير هذا الرد على انه نموذجا "للصلابة في الدين"[2].‏ لكنها كانت في الواقع اقرب إلى الرخاوة. وذلك لأن مجرد فسح الرجل وهو في عمر تجاوز الثلاثين وغني الثروة أن تتعامل معه الأعمام بهذه الطريقة هو مؤشر على رخاوة قد لا تتعارض مع "الصلابة في الدين"، بمعنى التمسك بفكرة أو عقيدة أو عادة. لكنها تحتوي على ما فيه من استعداد للانقياد سوف يظهر في وقت لاحق ويصبح موضوعا لتجريمه ومعاقبته من جانب المنتفضين والرافضين لحكمه وأسلوبه في قيادة الدولة. ولم تكن هذه النتيجة معزولة عن نوعية إسلامه. بمعنى خلوها من المعاناة الشخصية العميقة. لاسيما وأن إسلامه كان أقرب ما يكون إلى نزهة تكللت، كما يقول عثمان نفسه، بزواجه من رقية بنت النبي محمد. بحيث قيل لاحقا "أحسن زوجين رآهما إنسان، رقية وعثمان". وهو سجع اقرب إلى سجع إسلامه.

 أما الصور اللاحقة التي حاولت أن تعطي لعثمان بعدا متمثلا لفراسة الفارس الروحي فهي من صنع الخيال اليتيم ليتامى الخيال! وينقل لنا ابن سعد في (كتاب الطبقات) صورة عن "رؤيته" المستبقة لإسلامه. ففيها يقول للنبي محمد:"يا رسول الله! قدمت حديثا من الشام، فلما كنا بين معان والزرقاء فنحن كالنيام إذا مناد ينادينا‏:‏ أيها النيام! هبّوا فإن أحمد قد خرج بمكة! فقدمنا فسمعنا بك!". هكذا ببساطته المعهودة. انه لم يسمع بمحمد وهو الذي يعيش بينهم لعقود طويلة، كما لو أنه بقي يتيما في صحراء الربع الخالي! ومهما يكن من أمر هذه "الرؤية"، فإنها تعكس في الواقع خلو التاريخ الشخصي لعثمان عما يمكنه أن يكون مادة للخيال الديني في صنع صوره الخلابة لذوق العوام.

وليس مصادفة أن تكون "فراسته" ما قبل الإسلام متساوية من حيث القيمة لفراسته الوحيدة التي تنقلها لنا كتب السير والتواريخ عن الحادثة التالية، التي تحكي لنا عن دخول رجل عليه فخاطبه عثمان قائلا:

- يدخل علي احدكم والزنا في عينيه!

- أوحي بعد رسول الله؟!

- لا! ولكن فراسة صادقة!

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حالة وحيدة من الفراسة الصائبة حالما تتفحص وجود الزناة ودعارة المسلمين الخفية! وقد تكون الحادثة فعلا لا خيال فيها. لكنها تعكس أولا وقبل كل شيء فراسة عثمان الصغيرة، المحصورة بسفاح الرجال. ومن المكن العثور على هذه الفراسة عند سماسرة المومسات! ‏وليس مصادفة أن يستغرب الرجل مطالب أولئك الذي قطعوا مسافات شاسعة بين مصر والعراق والحجاز من اجل إرغامه على التخلي عن الخلافة أو القتل. وقد جرى وضع هذه الحالة في "كرامات عثمان". بمعنى تحول "كراماته" إلى جزء من نفسية التعويض عما تعرض له الرجل، كما نراها على سبيل المثال في القصة التي تروى عما أصيب به (جهجاه) من الأكلة (الحكة) في رجله، لأنه كان احد الذين اشترك في الهجوم على عثمان، وكسر عصا الخليفة على ركبتيه! كما أن هناك حكاية مروية عن "كرامة" أخرى تتحدث عن سماع أحد الرواة (أبو قلابة) كيف أنه سمع صوت رجل يقول‏ "يا ويلاه النار!". وعندما نظر إليه وجده مقطوع اليدين والرجلين، أعمى العينين، منكبا لوجهه! وعندما سأله عن حاله، أجاب الرجل "إني قد كنت ممن دخل على عثمان الدار، فلما دنوت منه صرخت زوجته فلطمتها!". عندها قال لي (عثمان) "‏ما لك؟! قطع الله يديك ورجليك وأعمى عينيك وأدخلك النار!". "فأخذتني رعدة عظيمة وخرجت هاربا فأصابني ما ترى ولم يبق من دعائه إلا النار!".

مما سبق يتضح حجم وعدد وطبيعة "الكرامات" المزيفة. والقضية هنا ليست فقط في أنها كرامات "الانتقام" ممن انتفض ضده وهاجمه، بل وفي ضعفها الجلي حالما نضعها على محك الرؤية العقلية والواقعية والأخلاقية. إذ لا كرامة في الأولى. بل على العكس. إن الكرامة في كسر العصا، وذلك لأنها أداة لا ينبغي أن يتعامل بها إنسان مع إنسان، وخليفة مع أمته! أما الثانية فإنها "شهادة زور" لا يقوم بها رجل على نفسه. لاسيما وأن سلوك المنتفضين كان محكوما بفكرة إسلامية كبرى تقوم في انه "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

ذلك يعني، أن تأريخ "الورع" اللاحق لم يفلح في إيجاد ما يمكنه أن يكون كرامة فعلية كبرى فألحقها بإيديولوجية الاتهام اللاهوتي التي ميزت مساعي وأكاذيب الأموية الأولى للاستيلاء على السلطة. وذلك لأن حقيقة الكرامات أعمال تاريخية كبرى لها أبعاد جليلة بالنسبة للدولة والأمة والعقل والأخلاق والروح الإنساني. وكلها مكونات لم تكن موجودة في الأعمال "الجليلة" التي اقترفها عثمان وكوّنت مرحلة الانتقال العاصفة من حكم الراشدين إلى ملوكية العائلة والوراثة المنوية. أما جعل الانتقام والتشفي كرامة فهي الصيغة الموازية لتحويل دمه وقميصه إلى بيرق القوى المتعطشة للدماء والسلطة. وهي نتيجة لم تكن معزولة عن شخصيته الرخوة والمفتعلة. لهذا لم ينقذه كونه "أحد العشرة المبشرين بالجنة‏"، ولا كونه "كان أعلم الصحابة بالمناسك". فكلاهما من ولع الكسب المباشر لمرحلة صدر الإسلام ومعترك تثبيته في الواقع والخيال. والشيء نفسه يمكن قوله عما يسمى باختصاصه في كتابة الوحي. وجرى رفع هذه الصورة إلى مصاف المقدس عندما كان يقول له النبي محمد:"اكتب يا عثيم!". كما جرى وضع هذه المطالبة في الفكرة القائلة، بأنها منزلة "شخص لا يمكنه أن يكون إلا كريما على الله ورسوله". لكننا نعرف وجود من كتب الوحي وهو في أدنى درجات الخسة والرذيلة. وليس اعتباطا أن يرى الجاحظ لاحقا في الكتّاب نموذجا للانسلاخ عن الورع والصدق والأمانة. وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى الأحاديث المنسوبة للنبي محمد مثل "‏اللَّهم إني رضيت عن عثمان فارض عنه"، و"‏عثمان أحيا أمتي وأكرمها‏"، و"‏عثمان في الجنة"، و"‏عثمان رفيقي معي في الجنة"، و"‏عثمان حيي تستحي منه الملائكة" على أنها أحاديث عادية يمكن رؤية بواعثها المباشرة في طبيعة ومستوى المواجهة التي تعرض لها النبي محمد في بداية الدعوة.

ففي تلك المرحلة كانت ابسط الأعمال والمواقف ترتقي إلى مصاف "الجود الإلهي" مثل حفر بئر وشراء طعام وماء. وهي أفعال كانت تجود بها نفسية عثمان الكريمة بوصفها أيضا جزء من تقاليد الكرم والجود العربية. وليس مصادفة فيما يبدو أن يعجز أبو نعيم الأصفهاني وهو المتمكن في بلورة الحد الأقصى للأبعاد الروحية في تاريخ الأولياء أن يقف معقوف اللسان في رسم صورة جذابة عن عثمان بن عفان. لهذا نراه يكتفي بالقول:"عثمان بن عفان، وهو ثالث القوم القانت ذو النورين، والخائف ذو الهجرتين، والمصلي إلى القبلتين"[3]. ولا معنى لهذه الصورة لغير حركة الجسد مرتين باتجاه نساء، ومرتين باتجاه جهات، ومرتين في الصلاة. كما انها تخلو من مثالية وتميز وأصالة يمكنه أن يجعلها قيمة بذاتها أو فضيلة.

غير أن الأمر يختلف فيما يتعلق بالأحاديث الموضوعة مثل "‏عثمان وليي في الدنيا والآخرة، و"‏غفر الله لك يا عثمان ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة"، و"‏رحمك الله يا عثمان ما أصبت من الدنيا، ولا أصابت منك"، و"‏يا عثمان إنك ستبلى بعدي فلا تقاتلن". فقد كانت مهمة هذه الأحاديث إعادة تركيب صورته بطريقة تجعله جزء من المستقبل. بينما لا مستقبل في شخصية عثمان بن عفان. وفي هذا تكمن كل دراما الموت التعيس الذي واجهه وهو في أوج ما لم يحلم به. وقد يكون هو السرّ الذي جعله يفضل الموت على التنازل عن السلطة وهو في هرم الشيخوخة.

لقد واجه عثمان بن عفان موته بلا بطولة ولا فروسية، خاليا من أي تحد أو استعداد للتضحية. فقد كان موته مجرد تجارة صغيرة لا قيمة لها. من هنا لم يكن بإمكانها ألا تكون بضاعة رخيصة بأيدي قوى ارخص منها عندما ننظر إليها بمعايير الرؤية الأخلاقية والمستقبلية. وبالتالي، فإن الأحاديث الموضوعة عن الولاية والغفران الأبدي والشهادة ليست إلا الصيغة الأيديولوجية للغنيمة الأموية. وإلا فإن مجرد كونه "من العشرة المبشرين بالجنة" تكفي بحد ذاتها لكي تكون صك الغفران الأبدي. ومن ثم لا معنى للولاية والشهادة وما شابه ذلك. وذلك لكونه تعارض كان يمكن حله بسفسطة القضاء والقدر اللاهوتية. غير أن للتاريخ منطقه الشديد والواقعي. وحالما يحدث، حينذاك يمكن رفعه بسهولة إلى مصاف الأزل. أما في حالة عثمان، فقد تحولت هذه السهولة الممتعة للعقل البليد إلى معضلة عصية. إذ كيف لمن كان من المبشرين بالجنة أن يقتل بتلك الطريقة الشنيعة على أيد مسلمين مؤمنين شعارهم الحق ورايتهم الاقتصاص لله والأمة من انحراف شخصي وسياسي جلي للحس والعقل والضمير؟

 وقد كان الجواب سهلا مثل حياته وموته: انه الحلقة الثالثة في سلسلة الخلافة الراشدة. ومن ثم فهو من ثالث القوم وثالث الخلفاء الراشدين! لكنها حلقة شكلية، إذ لا مضمون فيها يمكنه الارتقاء إلى مصاف القيمة المتلألئة ما وراء التاريخ الواقعي بالنسبة للوعي التاريخي والضمير الإنساني والعقل النقدي. وذلك لأن الصورة الجليلة تفترض نوعا من الموازاة الممكنة بين الحياة الفعلية ومآثرها التاريخية. فالصورة الجذابة للشخصية التاريخية تتلون بألوان الأشعة الكامنة في تجاربها الفردية ومستوى تمثلها في الأقوال والأعمال، أو في الإبداع الشخصي وخاتمته. وحالما نضع هذه المقدمة في أساس الموقف من شخصية عثمان، فإننا نقف أمام صورة باهتة وشاحبة باستثناء ما كان يتلون به في مظهر لحيته المخضبة بالحناء وأسنانه الذهبية وملابسه المزركشة وطلعته الجميلة وحياءه وأدبه وكرمه. ولا علاقة لهذه الصفات بمكونات الشخصية التاريخية لأنه يمكن العثور عليها بين اشد الشخصيات انحطاطا وجهالة.

وليس مصادفة أن تضع كتب التاريخ والسير "المؤدبة" و"المهذبة" كرمه وبذله الأموال في سبيل الدعوة الإسلامية باعتبارها أعلى فضائله العملية. فقد اشترى بئر رومة في عقيق المدينة من اليهود بعشرين ألف درهم وتصدق بها للمسلمين. كما قام بتجهيز جيش العسرة. إذ جهَّز ثلث الجيش بتسعمائة وخمسين بعيرا وبخمسين فرسا‏.‏ وقد كانت تلك بالفعل نفقة لم يقم بها قبله أحد من المسلمين. بل قيل انه جاء بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجر النبي محمد، عندها قال النبي:"‏ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم‏". وهو سلوك يشير إلى ثروة عثمان الكبيرة وكرمه الفعلي. وقد لازمته هذه الصفات مدى الحياة. بحيث طبعت سلوكه السياسي. بما في ذلك توزيع الأراضي والثروات والمناصب على أقرباءه وأصدقاءه. وهو سلوك لا علاقة له بفكرة الدولة بقدر ما يعّبر عن شخصيته الخاصة وفعل الثروة العميق في بلورة أخلاقه العملية، كما نعثر عليها حتى في موقفه من الأكل. فقد نقل عنه عمرو بن أمية الضُمري القصة الطريفة التالية، قال‏:‏ كنت أتعشى مع عثمان خزيرا (نوع من الطبخ) من أجود ما رأيت، فيها بطون الغنم وأدمها اللبن والسمن، فقال عثمان‏:

- كيف ترى الطعام‏؟

- هذا أطيب ما أكلت قط!

- يرحم الله ابن الخطاب! هل أكلتَ معه هذه الخزيرة‏؟‏

- نعم! فكادت اللقمة تفرث بين يدي حين أهوي بها إلى فمي وليس فيها لحم! وكان أدمها السمن ولا لبن فيها!

- صدقت! إن عمر أتعب والله من تبع أثره!!

ذلك يعني أن عثمان ظل يعيش بمقاييس حياته العادية وليس بمقاييس الخلافة الرشيدة. لهذا كانت ثروته بعد مقتله حوالي ثلاثين ونصف مليون درهم (عند خازنه)، وحوالي مائة ألف دينار (نقدا)، وألف بعير، وصدقات بحوالي عشرة ملايين دينار!! بينما مات أبو بكر وعمر بلا شيء على الإطلاق. فقد تحسس هذا التعارض، لكنه كان عاجزا عن العمل بمقتضاه. مما يعكس اختلاف طبعه وتطبعه من جهة، ونوعية التحول العميق في صيرورة الأفراد والجماعات والعلاقات، الذي استتبع تحول الخلافة إلى إمبراطورية، وارتقاء السلطة الروحية إلى دولة لها "منطقها" الخاص في التطور وإفراز قواها وتياراتها واتجاهاتها المتصارعة، من جهة اخرى. فسيرته الشخصية ما قبل الإسلام لا تتعدى التجارة والمتاجرة. وما بعده لم تحتو على أي قدر من الصفات التي تشير إلى نوعية الشخصية القادرة على مواجهة الصعاب والتحديات. وقد تكون المعاناة الوحيدة هي هجرته إلى الحبشة. فقد هاجر إلى أرض الحبشة مع زوجته رقية، فكان أول مهاجر إليها. ثم تابعه سائر المهاجرين إلى أرض الحبشة، ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة[4]‏. ولا يخلو هذا الفعل من بطولة بمعايير ذلك الزمن، لكنها أقرب إلى بطولة الاختباء والهروب. ولم يكن ذلك معزولا عن شخصيته اللينة وهدوءها الباطني وطابعها المسالم. وليس مصادفة أن يكون دوما من المتخلفين أثناء المعارك. فقد تخلف عن غزوة بدر وهرب في معركة احد. بحيث عيّره بها أبو عبيد الجراح أو على الأقل انه قال له في إحدى مشاجراته معه:

- يا عثمان تخرج عليَّ في الكلام وأنا أفضل منك بثلاث.

- وما هن‏؟‏

- الأولى إني كنت يوم البيعة حاضرا وأنت غائب، والثانية شهدت بدرا ولم تشهده، والثالثة كنت ممن ثبت يوم أحد ولم تثبت ‏أنت‏.

- صدقت! أما يوم البيعة فإن رسول الله بعثني في حاجة ومدَّ يده عني‏.‏ وأما يوم بدر فإن رسول الله استخلفني على المدينة ولم يمكنني مخالفته، وكانت ابنته رقية مريضة واشتغلت بخدمتها حتى ماتت ودفنتها‏.‏ وأما انهزامي يوم أحد فإن الله عفا عني وأضاف فعلي إلى الشيطان‏". ثم استشهد بالآية (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم).

‏ بعبارة أخرى لقد جرى تبرير غيابه في بيعة الرضوان ومعركة بدر بصورة مقبولة نسبيا وذلك لتزامنها مع ما كان ينقذه على الأقل أمام الكلمة ومظاهر الأحداث ولحد ما الضمير المتراخي في نعيم الثروة وطيبة القلب. فقد كان تخلّفه عن الاشتراك في معركة بدر مرتبطا بمرض زوجته رقية، حيث أذن له النبي محمد بذلك. وترافق موتها مع انتصار المسلمين في المعركة، فجعله من المشتركين فيها بحيث ضرب له سهمه وأجره فيها، ومن ثم حصوله على حصته من الغنيمة واعتبروه بدريا. وهو فعل يمكن رؤية الأبعاد الرجولية والإنسانية الرقيقة فيه، لكنه فعل بلا فروسية. كما أن تخلّفه عن بيعة الرضوان كانت بطلب من عمر بن الخطاب الذي اقترح إرسال عثمان عوضا عنه إلى مكة لأنه لا ظهير له فيها على عكس عثمان، الذي وجد فيه رجلا مقبولا من جانب قريش بشكل عام وآل سفيان بشكل خاص[5]. أما هروبه في معركة احد، فهي المحك الفعلي لشخصيته. بمعنى أنه سلك هنا السلوك الطبيعي المناسب لما في أعماقه وشخصيته. فالرجل لم يكن فارسا ولم يكن شجاعا ولا متمرسا في القتال. وليس من سبب يدعوه لأن يكون مقاتلا وفارسا بالضرورة. غير أن الشجاعة ليست صفة عضلية، بل شخصية ونفسية وذهنية وأخلاقية. من هنا يصبح فقدانها نقصا جوهريا في الرجال وبلأخص زمن رئاسة الدولة. فانعدامها عادة ما يجعل من ضعف الشخصية مرتعا للرذيلة والجبناء، ومن تاريخ الدولة زمن السلطة.

تعكس الصور والحالات المذكورة أعلاه طبيعة ومضمون الصورة الفعلية لعثمان بن عفان وشخصيته، أي الصورة المعبّرة عن تاريخه الواقعي وليس اللاهوتي. وفي الواقع، لا نعثر على تمايز كبير بينهما. والسبب في ذلك يقوم في أن تاريخه الواقعي عادي للغاية، بمعنى أنه تاريخ بلا مآثر بطولية و"معجزات" يمكن أن تلهب العقل والضمير، ومن ثم ضعف قدرتها على شحذ الذاكرة والخيال في إبداع ما يمكنه أن يرتقى إلى مصاف "السماء" و"سر الغيب". وليس اعتباطا أن تسجل في مآثره أيضا زيادته وتوسيعه للمسجد النبوي والمسجد الحرام وكذلك تحويل الساحل الذي اعتاد عليه أهل مكة من منطقة الشعيبة إلى منطقة جدة. وهي إجراءات عادية، لكنها تصبح مقبولة في سلة "المآثر" مازالت المآثر قليلة فعلا.

والشيء نفسه يمكن قوله عما يسمى بالأوليات، أي أول ما قام به في تاريخ الخلافة والأمة. حيث أدرج فيها مجموعة من الإجراءات والأحداث قد يكون أهمها من الناحية التاريخية والثقافية هو ما يسمى بجمع الناس على حرف واحد في القراءة. والمقصود بذلك جمع القرآن وقراءته بطريقة موحدة. غير أن هذا الانجاز الهائل لم يكن من إبداعه الشخصي بقدر ما ارتبط بزمنه. بمعنى أنه كان جزء من تاريخ القرآن وتطور الإدراك الذاتي العربي الإسلامي بضرورة جمع القرآن بوصفه "كتاب الله". إذ لم يكن هذا الجمع معزولا من حيث مقدماته وأسلوبه وغاياته عن آلية فعل الدولة المركزية وسعة انتشارها ومتطلبات توحيدها الروحي والعقائدي. أما الانجازات الفعلية التي ارتبطت بإرادته السياسية ورؤيته باعتباره أول من قام بها وادخلها في ذهنية وذوق الدولة والسلطة والأمة فهي "قطع القطائع"، و"نخل الدقيق"، و"رزق المؤذنين"، و"اتخاذ صاحب شرطة"[6]. وتعكس هذه المبادرات الأولويات عند عثمان. بمعنى التركيز على توزيع الأرض وشراء ذمم المؤذنين وتوسيع دائرة التجسس والتنظيم الشرعي للمطاردة. ومع أنها جزء من آلية الدولة، إلا أن تراكمها في أولوياته السياسية يكشف عن طبيعة التحول النوعي في الموقف من السلطة.

وحاول توظيف هذا التحول من اجل أن تكون السلطة أداة قائمة بحد ذاتها. مما أدى إلى قلب العلاقة المتراكمة في خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب تجاه السلطة من خلال جعل السلطة كيانا قائما بذاته وفوق كل اعتبار آخر. فقد كانت خلافة الصدّيق تجسيدا لمرحلة الانتقال من دولة النبوة إلى الدولة السياسية. من هنا دراما تأويل النص القرآني والسلطة. فقد جعلت هذه العملية الاجتهادية من الوحي مصدرا متساميا وواقعيا. بينما دفعها عمر بن الخطاب إلى الأمام من خلال إعلاء شأن الدولة ومؤسساتها، أي من خلال رفع وحدة الدولة والسلطة إلى مصاف المرجعية التي توازي وحدة الدين والدنيا. وهو استمرار كان يصعب على عثمان تحقيق اليسير منه. من هنا تعاظم التشوه الفعلي في مكونات الدولة والسلطة، والدين والدنيا. بمعنى تعاظم الخلاف والتشوه في الموقف من كمية ونوعية المرجعيات الخفية والعلنية المتراكمة في الوعي السياسي والأخلاقي الإسلامي قبل صعوده إلى سدة الحكم. من هنا بروز أولوية توظيف الوحي (الدين) في كل ما يمكن أن تصل إليه الأيادي وتنطق به الألسن. لاسيما وأن الدولة لم تستطع آنذاك بعد أن تؤسس لقواعد عمل السلطة ونظامها على أسس شرعية وواضحة المعالم.

***

 

ا. د. ميثم الجنانبي

........................

[1] يورد الطبري هذه القصة بالشكل التالي:" فقد استلم الخاتم الذي جرى تصنيعه للنبي محمد عندما أراد أن يكتب إلى غير العرب كتبا يدعوهم إلى الإسلام. عند ذاك قالوا له، بان الأعاجم لا يقبلون كتابا إلا مختوما‏.‏ عندها طلب بان يعملوا له خاتم من فضة. وكان نقشه ثلاثة أسطر تحمل كلمات محمد ورسول والله. ولما استخلف أبو بكر ختم به‏.‏ ثم ولي عمر بن الخطاب فجعل يختم به. وعندما صار إلى عثمان فتختم به ست سنين. لكنه أضاعه في بئر كانت قليلة الماء عندما جاءه ذات يوم فقعد على رأسه يعبث بالخاتم، فسقط من يده في البئر. ولم تفلح محاولات البحث عنه، بحيث نراه يوعد الذي يعثر عليه بجائزة كبيرة ولكن دون جدوى. وقد اغتم عثمان لذلك غما شديدا، فلما يئس منه صنع خاتما آخر على مثاله ونقشه، فبقي في إصبعه حتى قتل. ثم ضاع هذا الخاتم ولم يعلم من أخذه" (الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص 614، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص 9.)

[2] السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 119.

[3] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص55.

[4] السيوطي: تاريخ الخلفاء ص120

[5] الذهبي: تاريخ الإسلام، ج1، ص 253. ‏

[6] السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص131.

 

 

mutham aljanabi2لقد ارتقى إدراك عمر بن الخطاب لمبدأ الدولة وأولويتها بالنسبة للدين والدنيا إلى مصاف المرجعية الكبرى. بحيث تحولت عنده في وقت لاحق إلى مبدأ شامل. بل تحول عمر بن الخطاب نفسه إلى قوة جامعة متحركة في تتبعها لكل شيء ومكان يمكن أن تصل إليه يداه وساقاه ونظره وعقله وفؤاده. الأمر الذي كان يعني من الناحية الفعلية تداخل الدولة والسلطة على مثال تداخل الدين والدنيا. بحيث أصبحت علاقة السلطة بالدولة الوجه العملي لعلاقة الدين بالدنيا. ولم يفتعل عمر بن الخطاب هذا التداخل، بقدر ما كان ينبع من وحدة شخصيته وتمثله للرؤية الإسلامية التي جمعت في أعمق أعماقها الحمية العربية الجاهلية (الواقعية) والإسلامية (الأخلاقية المتسامية). ومن الممكن تلمس هذا التداخل في ارتقاء وحدة الدين بالدنيا للدرجة التي كانت تجعله يتتبع أدق الصغائر ومعاملتها بطريقة جعلت منه مثالا للشخصية التي لا تأخذها في الحق لومة لائم. لهذا امتلأت كتب التاريخ والمناقب عنه بحكايات لا تخلو من الطرافة الواقعية، مثل الحكاية المروية عن إرسال قيصر الروم رسولا إليه لينظر أحواله ويشاهد أفعاله. فلما دخل المدينة سأل أهلها:

- أين ملككم؟

- ما لنا ملك، بل لنا أمير خرج إلى ظاهر المدينة.

فخرج في طلبه فرآه نائما في الشمس على الأرض فوق الرمل الحار وقد وضع درته كالوسادة والعرق يسقط من جبينه إلى أن بلّ الأرض. فلما رآه على هذه الحالة، وقع الخشوع في قلبه وقال: رجل تكون جميع الملوك لا يقر لهم قرار من هيبته وتكون هذه حالته! لكنك يا عمر قد عدلت فأمنت، وملكنا بجور فلا جرم أنه لا يزال ساهرا خائفا"[1]. وقد غذت هذه الصورة المثالية للخيال الواقعي وحدة الدين والدنيا في سلوكه العملي، بوصفها الصيغة الروحية لوحدة الدولة والسلطة السياسية.

فمن المعروف عنه كونه دائم الرقابة لنفسه، ولكل ما يترامى على ارض الخلافة. لهذا نراه يقول:"والله لو أن بغلة عثرت بشط الفرات لكنت مسئولا عنها أمام الله، لماذا لم أعّبد لها الطريق". وكيف كان يخرج في الليل يطوف مع العسس حتى يرى خللا يتداركه. وكان يقول:"لو تركت عنزا جرباء على جانب ساقية لم تدهن لخشيت أن اسأل عنها يوم القيامة"[2]. وقد جسّدت هذه الرؤية وحدة الدين والدنيا بوصفها الوجه المثالي لوحدة الدولة والسياسة التي حصلت على رونقها المتألق في فكرة الخلافة الرشيدة. كما حصلت على نموذجها الأولي الكبير في خلافته وشخصيته السياسية. وليس اعتباطا أن ترتبط من الناحية التاريخية تسمية أمير المؤمنين بخلافته، بوصفها التسمية التي تعكس الارتقاء الجديد لوحدة الدين والدنيا إلى مصاف الدولة والسلطة، أي وحدتها النموذجية المحكومة بمبادئ العدل.

وقد نسج الخيال الإسلامي اللاحق عن هذه الخلافة صورا جميلة ومثيرة للوجدان، لكنها واقعية بمزاج المرحلة وعقائدها الكبرى. وهو خيال له أصوله في أصل الشخصية العمرية، وجد تعبيره السياسي والمثالي في مظهر ومضمون فتح إيلياء (القدس) ودخولها، والعقد التاريخي معها. فقد قبل آباء الكنسية فيها. ودخلها كما دخلها قبل قرون المسيح على بغلة، كما لو أنه يعيد تاريخ الوحدة الروحية في التعامل مع أحد الرموز الحيوية في الفكرة الدينية والتاريخية. لكنها احتوت في سلوك عمر بن الخطاب على بعد سياسي خاص يقوم في تأسيس أحد الأنماط الواقعية والعقلانية الإنسانية في وحدة الدولة والسلطة، والديني والدنيوي. بمعنى أنها أرادت الجمع بين مكونات طبيعية آنذاك ولكن من خلال رفعها إلى مصاف النموذج الروحي. وإذا كانت مظاهرها توحي بأولوية الانتماء إلى تاريخ الروح والمقدس، فإن مضمونها كان يسير في اتجاه ترسيخ تاريخ الدولة والسلطة. بمعنى انه كان يتغنى باغتناء التاريخ الروحي والسياسي.

فقد كان نمط ونموذج دخوله للقدس يحتوي على ما يمكن دعوته بالدعاية السياسية لتقمص مسيح القوة الصاعدة، مسيح الدولة والسلطة الروحية العملية، كما نراها في "وثيقة العهد العمرية"، التي أعطت الأمان لسكنتها وكذلك لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها، بحيث لا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن معهم أحد من اليهود، كما أرادوا. وهي ممارسة ودعاية عملية لا افتعال فيها. بل يمكن اعتبارها الصيغة التاريخية الإسلامية لفكرة العدل المتسامية، التي كانت صورة المسيح الإسلامية أحد أشكالها الرفيعة. من هنا طابعها العملي "الخشن". وذلك لأن حقيقة المسيح هي خشونة أبدية ورّقة أزلية تربطهما فكرة البساطة المميزة لأدراك حقائق الوجود الكبرى. من هنا اتخاذها في شخصية الخليفة (عمر) أنموذج الخلافة لفكرة الحق البسيطة والمباشرة. فقد كان عمر بن الخطاب عفيفا تاما في أدق خلجات نفسه وحياته من المال العام. حتى إنه جعل نفقته ونفقة عائلته كل يوم درهمين، مقابل توزيع أموال الخراج على المسلمين، ولا يبقي لنفسه منه شيئا. ووجدت هذه الحالة انعكاسها العملي في تلك النادرة التي تصوّره وقد أتى المنبر، وكان قد اشتكى ألما في بطنه فوصف له العسل. وكان في بيت المال آنية منه، فقال يستأذن: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فإنها علي حرام! فأذنوا له فيها!! وحصلت هذه الممارسة على تعبيرها الفكري في عبارته القائلة:"أنزلت مال الله مني منزلة مال اليتيم، فإن استغنيت عففت عنه، وإن افتقرت أكلت بالمعروف".

لقد كانت ممارسته تتمثل فكرة الدولة من خلال السلطة، والسلطة من خلال الدولة. وأرتقى تجسيد فكرة العدل الإسلامية على المستوى الفردي والحكومي إلى مصاف النموذج الإسلامي الأمثل والأصدق. وليس مصادفة أن يكون عمر بن الخطاب ممن نقل الحديث النبوي القائل "لم يخل الله تعالى في الأرض شيئا أفضل من العدل. والعدل ميزان الله في أرضه. فمن تعلق به أوصله إلى الجنة"[3]. لهذا نراه يتمسك به بحذافيره، بحيث أقام الحد (العقوبة) على ابنه حتى الموت. وكذلك يقول:"يجب علي أن أسافر لأقضي حوائج المسلمين في أقطار الأرض، لأن بها ضعفاء لا يقدرون على قصدي في حوائجهم لبعد المكان. وينبغي أن أطوف في البلاد لأشاهد أحوال العمال وأسبر سيرتهم"[4]. ووضع هذا السلوك والمثال الفردي في موقفه من السلطة وعمالها. فقد كان يقول لمن ينفذه عاملا على مصر من الأمصار، أي يجعله مسئولا عن منطقة من مناطق الخلافة:"اشتروا دوابكم وأسلحتكم من أرزاقكم، ولا تمدوا أيديكم إلى بيت مال المسلمين، ولا تغلقوا أبوابكم دون أرباب الحوائج"[5]. كما كان إذا بعث عاملاً كتب ماله، حتى يحاسبه إذا ما استعفاه أو عزله عن ثروته وأمواله. وكان أيضا يدقق الاختيار لمن يتولون أمور الدولة والأمة، أو يتعرضون لحوائج المسلمين، ويعد نفسه شريكا لهم في أفعالهم. لهذا كان يقول بعد أن يبرك على ركبته:"اللهم أعّني عليهم، فإن كل واحد منهم يريدني على ديني!"

إننا نعثر في كل هذه الأقوال والأعمال على أحوال وأمثلة تجّسد فكرة وحدة الدولة والسلطة، بوصفها الصيغة الضرورية لمرجعية الدين والدنيا. بحيث رفعها عمر بن الخطاب إلى ما يمكن دعوته بفريضة الروح الإسلامي الحق. وفيها يكمن تأسيس إمكانية التمثل الواعي لتجارب الدول السابقة يغض النظر عن أصولها وعقائدها الدينية والفكرية، مثل تدوين الدواوين، واتخاذ بيت المال، وإنشاء المدن الجديدة، و"تمصير الأمصار"، والاستمرار في توسيع الفتوحات. حيث فتحت في عهده العراق والشام وفارس ومصر وليبيا وأذربيجان ونهاوند وجرجان. كما نراه يخرج اليهود من الجزيرة، ويجعل الهجرة بداية التأريخ الإسلامي، ويقنن الجزية على "أهل الذمة" ويعفي منها الشيوخ والأطفال والنساء. ويشير هذا السلوك إلى ما يمكن دعوته بالتوحيد المستمر لفكرة الدولة والسلطة لكي تشمل آلية عملها كل دقائق الأمور من خلال تجسيدها وتحقيقها الفردي في شخص الخليفة بوصفه أميرا للمؤمنين.

لقد كانت إمارة المؤمنين تعني من الناحية الواقعية والرمزية إمامة التحول الضروري في صيرورة الدولة والسلطة التي جعلت من أسلمة الدولة ومد سلطانها على كل شيء فعلا كليا واحدا. واستطاع عمر بن الخطاب ترسيخ أسسه هذه العملية في غضون عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام من خلافته. وهي عملية كانت تفترض في مسارها الطبيعي الانتقال من الباطن إلى الظاهر. بمعنى استكمال المقدمات التي أرساها أبو بكر. فإذا كانت خلافة أبو بكر تتمثل نهاية الوحي وبداية الخلافة، فإن إمامة عمر كانت تتمثل بداية الوحدة المتماسكة للدولة والسلطة بوصفها دراما الوحدة الصلبة للدين والدنيا، أي استكمال مهمة الدولة من خلال توسيع مدى السلطة وتأثيرها المباشر وغير المباشر على مختلف جوانب ومستويات الحياة. بحيث جعلت من التأويل السياسي نهاية الوحي المقدس. وبالتالي فسحت المجال أمام التأويل بوصفه اجتهادا. مع ما ترتب عليه من تحويل النص القرآني والنموذج النبوي إلى نص الدولة وكلمة الحق. ومن ثم إعلان وإعلاء أولوية الظاهر. وهو تحول يلازم بالضرورة توسع وترسخ منظومة عمل الدولة والسلطة. لهذا نرى عمر بن الخطاب يعلن في بعض خطبه قائلا:"أيها الناس قد كان الوحي ينزل في عهد رسول الله، فكنا نعرف به ظاهر الناس وباطنهم، جيدهم ورديئهم. والآن قد انقطع الوحي عنا. فنحن من كل أحد إلى علانيته والله اعلم بسريرته. وأنا على العهد وعمالي أن لا نأخذ شيئا بغير حق، ولا نعطي شيء بغير حق"[6].

إننا نقف هنا أمام تحول هائل في فكرة الحق من علياء الوحي المقدس إلى اجتهاد الرؤية السياسية. إذ ليس المقصود بالحق هنا سوى الحق السياسي، أي الحق المحكوم برؤية السلطة عن المصلحة العامة والخاصة. ويبدو هذا الأمر جليا في رؤية عمر وممارساته التي كانت تهدف إلى جعل الحق والحقيقة مقومات أساسية في ترسيخ وتوسيع السلطة والدولة. من هنا الاعتداد الفطري بالحق وتجسيده الفردي. بحيث نراه يقول مرة في إحدى خطبه:"اعلموا أن شدتي التي كنتم ترونها ازدادت أضعافا عن الأول على الظالم والمعتدي، والأخذ للمسلمين لضعيفهم من قويهم. وأني بعد شدتي تلك واضع خدي إلى الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف، إن كان بيني وبين من هو منكم شيء من أحكامكم أن امشي معه إلى من أحبه منكم فينظر فيما بيني وبينه. فاتقوا الله وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولأني الله من أمركم". ويتمثل هذا الموقف الأبعاد الأخلاقية المثلى لفكرة الحق السياسي من خلال جعله معيارا لظاهر وباطن السلطة في موقفها من كل شيء. وقد كانت تلك المقدمة الضرورية لإعادة إنتاج الدورة الكاملة للدولة والسلطة، باعتبارها دورة مستمرة: دولة – سلطة – دولة. ومن خلالها تجسيد القدر الممكن لنموذج الحق الأخلاقي. فنراه يقول لأبي عبيدة حالما ولاه على جند الشام:"وليتك أمور المسلمين فلا تستحي، فإن الله لا يستحي الحق. ولا تنفذ المسلمين إلى الهلاك رجاء غنيمة". وهي الفكرة الأولية التي جعلت من وحدة الدين والدنيا مدخلا لتوسيع رقعة الدولة ومنعتها الداخلية بالحفاظ على قواها الذاتية. وحالما جرى انجاز هذه المهمة، فإن توجهه أخذ يسير صوب ترسيخها. من هنا كتابته لأبي موسى الأشعري قائلا:"إذا كانت بين القبائل نائرة (عداوة) وتداعوا بآل فلان، فإنما تلك نجوى الشيطان فاضربهم بالسيف حتى يفيئوا إلى أمر الله، وتكون دعواهم إلى الله وإلى الإمام".

كانت مساعي عمر بن الخطاب لإخضاع الجميع إلى الله والإمام أو الدين والدولة، المقدمة الضرورية لتوحيد الحق السياسي والأخلاقي. ووضع هذه الرؤية في حكمة سياسية عملية تقول في إحدى ملاحظاته لأبي موسى الأشعري:"إذا زاغ العامل زاغت رعيته. وإن أشقى الناس من شقيت به رعيته". كما كتب مرة إلى معاوية (وقيل إلى أبي عبيدة) قائلا:"إياك والاحتجاب، وأذن للضعيف وأدنه حتى تبسط لسانه وتجرئ قلبه". وقد تمثلت هذه الحكمة العملية والسياسية مفهوم الحق السياسي للسلطة، بوصفها أداة الدولة الرشيدة. أما صيغها العملية فينبغي أن تحقق مضمونها المتنوع بوصفه حقا أخلاقيا أيضا. وقد تكون الخطبة التي أوردها أبو يوسف في (كتاب الخراج)، أحد النماذج الدقيقة عن هذه الرؤية والاتجاه في تحويل الحق السياسي إلى حق أخلاقي وارتقائهما سوية في وحدة الدولة والسلطة بوصفها النموذج العملي لوحدة الدين والدنيا. فقد ابتدأها بفكرة عامة تقول، بأن "المال لا يصلحه إلا ثلاث، أن يؤخذ بالحق، ويعطى في الحق، ويمنع من الباطل". واختتمها بموقف شخصي يقول:" فلا يقولن أحد منكم أن عمر تغير منذ ولي. أعقل الحق من نفسي، وأتقدم وأبين لكم أمري. فأيما رجل كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق، فليؤذنني (يعلمني). فإنما أنا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم، وحرماتكم وأعراضكم. وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إليّ. فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة"(ميل). وما بينهما حدد الملامح العامة للعلاقة بين السلطة والمجتمع بوصفها علاقة مبنية على وحدة الحق السياسي والأخلاقي. إذ ابتدأها بحقه القائم في أن لا "يدع أحدا يظلم أحدا ولا يعتدي عليه حتى يضع خده على الأرض، ويضع قدمه على الخد الآخر حتى يذعن للحق". وهو حق سياسي مهمته تحقيق المضمون الأخلاقي للحق. أما وجهه الآخر فهو حقوق الأمة عليه في "أن لا يجبي شيئا من خراجهم ولا مما أفاء الله عليم إلا من وجهه"، و"إذا وقع في يديه أن لا يخرج منه إلا في حقه"، و"أن يزيد أعطياتهم وأرزاقهم وسدّ ثغورهم"، و"أن لا يلقيهم في المهالك ولا يجمرهم (يحبسهم) في ثغورهم".

لقد تكاملت شخصية عمر مع تكامل الفكرة الإسلامية وانتقالها من الغيب اللاهوتي إلى تاريخ الدولة. وتمثل معالم الانتقال الكبرى من الفكرة المجردة إلى الواقعية، ومن الوحي المقدس إلى التأويل السياسي. وبهذا يكون قد جسّد بداية الصيرورة الثقافية للدولة والسلطة، التي حققها بمعايير الوحدة الإسلامية للدين والدنيا. وفي هذا يكمن السبب القائم وراء غياب المعارضة الفكرية والروحية غيابا تاما. لكنه كان أكثر من صنعها وأسس لها من خلال تأسيسه لمرجعية الدولة والسلطة المحكومة بفكرة العدل والحق السياسي ومثالها الروحي في وحدة الدين والدنيا.

***

 

 ا. د. ميثم الجنابي

..................

[1] الغزالي: التبر المسبوك، ص117.

[2] الغزالي: التبر المسبوك، ص115.

[3] الغزالي: التبر المسبوك، ص194.

[4] الغزالي: التبر المسبوك، ص206

[5] الغزالي: التبر المسبوك، ص 205-206.

[6] الغزالي: التبر المسبوك، ص210.

 

 

mutham aljanabi2كان بلوغ فكرة الرشاد مضمونها السياسي الأول بصدد إدارة شئون الدولة والأمة، المقدمة الضرورية لما أسميته بنهاية الوحي وبداية الدولة. فهي المرحلة التي أخذ فيها المسار الطبيعي للدولة طابع العملية التاريخية السياسية. مما جعل من مسار الدولة والسلطة خليطا من دراما التأويل والنفعية السياسية. وكلاهما كانا الأسلوب الضروري الملازم لتلازم الدولة والسلطة. كما أنها العملية التي تؤسس أكثر فأكثر لفكرة الاجتهاد السياسي، بوصفه أحد آليات وجود الدولة والسلطة والأفراد والقيم والحقائق. ومن خلالها يمكن للتأويل السياسي أن يرتقي إلى مصاف العقيدة، وهبوط العقيدة من علياء اللاهوت إلى مصاف السياسة. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار، أن وحدة الدين والدنيا هي الصيغة التي كانت تعادل من حيث قيمتها المادية والمعنوية تجانس الوجود والمثال بالنسبة لأولئك الذين شكلوا شخصيات الإسلام الأول وعماد أفكاره العملية.

وليس مصادفة أن ترتقي شخصية عمر بن الخطاب في الخطاب الديني التقليدي (السنّي) إلى مصاف ما سمي أحيانا بموافقة القرآن لرأي عمر. والمقصود بذلك ما هو مشهور من مواقفه العملية التي دعا إليها وتحولت إلى فكرة قرآنية، مثل قوله للنبي محمد "يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى"، فظهرت الآية (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)[1]، وكذلك قوله: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فظهرت آية الحجاب (وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب)[2]، وكذلك قوله لنساء النبي وقد اجتمعن عليه في الغيرة كلمات ظهرت كما هي في الآية (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن)[3]. وقد جعلت هذه الوقائع والحقائق النبي محمد يقول مرة "جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه". وفي هذا كانت تكمن إحدى مقدمات الأفكار الجليلة والمبجلة لشخصيته التي جرى وضع أحاديث لا يخلو اغلبها من أثر الصراع السياسي اللاحق. لكنها كانت تعكس بقدر واحد تمازج الخيال الديني والمنفعة السياسية الضيقة. كما هو الحال في الأحاديث الموضوعة (الكاذبة) مثل "ما من نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء ‏‏فجبريل‏ ‏وميكائيل،‏ ‏وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر". وكذلك الحديث الذي توج الصورة المسرحية التي تصور كيف أن النبي محمد ‏خرج ذات يوم فدخل المسجد ‏‏وأبو بكر ‏وعمر ‏أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما، ثم قال: ‏"هكذا نبعث يوم القيامة!"، أو التصوير القائل، بأن النبي محمد ‏‏كان ‏‏يخرج على أصحابه من ‏المهاجرين ‏‏والأنصار ‏‏وهم جلوس، ‏‏فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا ‏أبو بكر وعمر، ‏‏فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويتبسم إليهما.

إننا نقف هنا أمام صورة تحاول جعلهما ظل النبي وأجنحته الطائرة في حواره وجواره. كما تسعى لإعطائهما بعدا روحيا إضافيا، هي الصيغة الدينية والعقائدية الموازية لما أسميته بدراما التأويل والنفعية السياسية التي لازمت مسار الدولة والسلطة. ولا تخلو هذه الصيغة من دراما الانضمام لجوقة الإسلام الأولى، وبالأخص من جانب عمر بن الخطاب. فمن المعلوم عنه كونه أحد أشد المعادين والمعارضين لمحمد قبل أن يعتنق الإسلام. فقد ظل على معاداته وصراعه وعنفه ضد النبي محمد والمسلمين عموما حتى الهجرة الأولى إلى الحبشة. وأسلم في السنة السادسة من بدء الدعوة الإسلامية. حيث كان يبلغ آنذاك من العمر حوالي ست وعشرين سنة. وكان انتقاله للإسلام عنيفا كما كان الحال بالنسبة لمعارضته إياه. وتروي كتب التاريخ والسير حادثة إعلانه الإسلام نتيجة الحمية العنيفة التي أوقفته عند حدود الإقدام على قتل محمد. فقد ثارت به حمية الجاهلية مرة بحيث شهر سيفه وصرخ "أريد أن أقتل محمدًا!". وعندما قيل له لم تقتل محمد على إسلامه وهناك من بني بيتك من اسلم؟! وكانوا يقصدون بذلك كل من أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد. وعندما أسرع إليهما وجدهما في الدار وكان عندهما خّباب يقرئهما سورة (طه). فدخل وهو في ثورة عارمة ورغبة فاحشة بالانتقام. فوثب على سعيد فضربه، ولطم أخته فأدمى وجهها. لكنه حالما رأى الصحيفة وأخذ يقرأ ما فيها، فإنه لان و"شرح الله صدره للإسلام". عندها سار إلى النبي محمد. فلما دخل عليه وعلى أصحابه، خرج إليه النبي، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف وقال له:

- أما أنت منتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة؟!

- يا رسول الله! جئتك لأومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله!

إننا نقف هنا أمام رواية يقترن فيها الخيال بالواقع، لكنها تعكس وتعبر عن طبيعة التحول العاصف، الذي عادة ما يميز أولئك الذين تختمر في أعماقهم وحدة الوجدان والعقل في حمية الفعل وهمّة الروح. وقد ظل عمر بن الخطاب أمينا لهذه الصفات مدى الحياة. لهذا رفع من شأن الهمّة بحيث نسمعه يقول:"أجهد أن لا تكون دنيء الهمة. فإني ما رأيت شيئا اسقط لقدر الإنسان من تواني همته"[4]. وصنع هذا التحول شخصيته التي رسم الأصفهاني في (حلية الأولياء) معالمها الروحية وخطها البياني الواقعي في عبارات أخاذة تقول، بأنه ثاني القوم الذي "أعلن الله به دعوة الصادق المصدوق، وفرّق به بين الفصل والهزل، وأيد بما قوّاه به من لوامع الطول، ومّهد له من منائح الفضل شواهد التوحيد وبّدد به مواد التنديد، فظهرت الدعوة، ورسخت الكلمة، فجمع الله بما منحه من الصولة ما نشأت لهم من الدولة. فعلت بالتوحيد أصواتهم بعدما تخافت، وتثبّتوا في أحوالهم بعد تهافت. غلب كيد المشركين بما ألزم قلبه من حق اليقين. لا يلتفت إلى كثرتهم وتواطيهم، ولا يكترث لممانعتهم وتعاطيهم، محتملا لما احتمل الرسول، ومصطبرا على المكاره لما يؤمل من الوصول، ومفارقا لمن اختار التنعم والترفيه، ومعانقا لما كلّف من التشمر والتوجيه. السكينة تنكلّ على لسانه. والحق يجري الحكمة عن بيانه. كان للحق مائلا، وبالحق صائلا، وللأثقال حاملا، ولم يخف دون الله طائلا"[5].

وليس مصادفة أن نراه يخاطب قريشا عندما قرر الهجرة إلى المدينة قائلا:"من أراد أن يثكل أمه، أو ييتم ولده، أو يرمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي!". وتعكس هذه الصورة شخصيته الواقعية في مواجهة الأحداث. بمعنى الانتقال المباشر والسريع دون الالتفات إلى الماضي و"قداسة" إي شيء فيه. فكما نراه يتقد بحمية الرغبة الجاهلية في قتل محمدا، نراه يعلن ولاءه للدين الجديد. بحيث يطالب النبي محمد قائلا: إذا كنا نحن (المسلمون) على الحق سواء كنا أحياء أو أموات فلماذا نخفيه؟ وعندما سمع الجواب بأنه لا معنى لإخفائه، عندها طلب بإخراج المسلمين للدخول علنا في المسجد. وهو فعل كان من الناحية الرمزية والواقعية أول ظهور علني وبصورة دعائية ومتحدية من جانب المسلمين في مكة. وعادة ما يربط اسم الفاروق بهذه الحادثة، استنادا إلى الرواية القائلة، بأن النبي محمد دعاه آنذاك بالفاروق لأنه كان يفرّق بين الحق والباطل ولا يخاف في الله لومة لائم. ومهما يكن من أمر هذه الرواية، فإن تفرقة الحق عن الباطل لا علاقة جوهرية لها بشخصية عمر بن الخطاب، لكنها تطابقت مع شخصيته في العرف الإسلامي بفعل الدور الذي مّيزه بوصفه "رجل الساعة". وليس اعتباطا أن تظهر آنذاك وبعدها عبارة "مازلنا أعزة منذ أسلم‏ ‏عمر"، و"استبشر أهل السماء بإسلام عمر". ذلك يعني أنه ربط في ذاته سمات العزة والاستبشار، بوصفها المكونات التي تعني من حيث الرمز والواقع وحدة الحاضر والمستقبل، والمادة والروح. وليس مصادفة أن يظهر الحديث النبوي القائل في مخاطبته لعمر:"والذي نفسي بيده ‏‏ما لقيك الشيطان قط سالكا ‏فجا ‏إلا سلك ‏فجا ‏غير ‏فجك".

لقد انتقل عمر في "أطوار الولاية"، وتمثل في شخصيته وذاته المسار المعقد للانتقال من الجاهلية إلى الإسلام، ومما قبل الدولة إلى الدولة. ووجد هذا التحول صداه أيضا في التعبير الذي عادة ما يلازم الحكمة المتألمة من وجع الوجود، عندما ترسم على ملامح رجالها خطوط البكاء وملامح العيون الدامعة. وعندما أرادت الثقافة التقية لاحقا إدراجه ضمن كوكبة حكماءها، فإنها اختارت له صورة رسمتها بعبارة تقول:"كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء". ومن الممكن تأويل هذا الرسم على تلازم دموع الفرح والحزن، بأنه الوحدة المتناقضة لكل ثنائيات الحياة الضرورية من حياة وموت، وجميل وقبيح، وخير وشر. وهو تأويل يمكن القبول به حالما نطبقه على حياة عمر بن الخطاب بوصفه تاريخ الانتقال من سرّ الغيب الإسلامي إلى عالم الوجود الثقافي للدولة. وقد شحذ هذا الانتقال وهذّب حقيقة ما فيه. وفي مجراه تكشفت حقيقة الأبعاد الكبرى للتحول العاصف في صيرورة الإسلام والدولة والسلطة، أي كل ما كان يلازم وحدة الدولة والسلطة، والدين والدنيا.

فقد كان سلوكه الحاد والعنيف تجاه أخته فاطمة بسبب إسلامها، هو نفس ما ميز أسلوبه في التعامل مع فاطمة زوجة الإمام علي وبنت النبي محمد. فقد أدمى وجه الأولى بسبب إسلامها، وكسر أضلاع الثانية بسبب امتناعها عن مبايعة أبو بكر بالخلافة. والشبه الوحيد في هذا السلوك يقوم في سعيه لفطم سلوك المعارضة في مواجهة ما يعتبره حقا. وهو سلوك يشير إلى شخصيته وطبيعة تفكيره وفعله. إذ نعثر فيه على ما يمكن دعوته بالحمية الحامية في إرادته الفردية. ففي الأولى حمية الجاهلية وفي الثانية حمية الدولة. وهي حمية الشخصية الفاعلة بمعايير الرؤية العملية وضرورة تجسيدها مهما كلف الثمن. وضمن هذا السياق يمكن فهم سلوكه ومواقفه بعد اختيار أبو بكر للخلافة تجاه كل من عارض أو اعترض أو توقف أو اعتزل، عندما سعى لإجبارهم على المبايعة. فنراه يطالب أبا بكر، بأن يبايعه سعد بن عبادة[6] قائلا له"لا تدعه حتى يبايعك"[7]. كما نراه يذهب إلى بني هاشم لكي يجبرهم على المبايعة لأبي بكر بحيث نراه يأخذ الزبير بن العوام بالقوة[8]. كما نراه يخاطب عليا بعبارة: "انك لست متروكا حتى تبايع". بل نراه يكرر دعوته لأبي بكر لكي يجبر عليا على المبايعة قائلا له:"لا تمهل هذا المتخلف عنك بالمبايعة"[9]. بل نراه يطالب بقتل علي إذا رفض المبايعة، كما في قوله:

- إذا لم تبايع، فوالله الذي لا اله إلا هو نضرب عنقك!

- إذا تقتلون عبد الله وأخا رسول الله؟!

- أما عبد الله فنعم! وأما اخو رسول الله فلا![10]

ولم يكن سلوك الإجبار هنا سوى المظهر المتوتر والمعبّر عن إدراكه لقيمة وأولوية الدولة ومركزيتها بالنسبة للدين والدنيا. من هنا رغبته في إجبار الجميع على المبايعة والإقرار بضرورة الاعتراف بالدولة والسلطة المركزية. لهذا اعتبر من الممكن قتل "عبد الله"، أي "مواطن" الدولة الجديدة إذا كان ذاك ضروريا بالنسبة لإعلاء شأنها وهيبتها، بينما ترك المجال مفتوحا أمام علاقة "الأخوة" والقرابة. انه شدد على أولوية "عبيد الله"، بوصفهم أعضاء الأمة والدولة، واعتبرهم أفرادا مهما كان أصلهم ومنشئهم. وهي ممارسة تعكس فهمه لقيمة الدولة. وفي هذا الموقف نلمس إدراكه لمبدأ الدولة وأولويتها بالنسبة للدين والدنيا، ورفعه إياه إلى مصاف المرجعية الكبرى.

[1] القرآن: سورة البقرة، الآية 125.

[2] القرآن: سورة الأحزاب، الآية 53

[3] القرآن: سورة التحريم، الآية 5.

[4] الغزالي: التبرك المسبوك في نصيحة الملوك، ص291.

[5] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص38.

[6] سعد بن عبادة (ت- 14 للهجرة)- اسلم مبكرا. وشهد بيعة العقبة وجميع الأحداث الكبرى في صدر الإسلام. سمي بالكامل لإتقانه السباحة والرمي. وهو أول من طرح فكرة أن يكون الأنصار خلفاء للنبي، بمعنى المشاركة الفعلية في إدارة الدولة وليس حصرها بمعايير القبيلة والمنشأ. لهذا نراه يرد في نهاية المطاف على محاولة إبعادهم عن السلطة بفكرة "منا أمير ومنكم أمير". وهي فكرة متناقضة بالنسبة لمركزية الدولة الضرورية، لكنها تعكس من حيث حوافزها وغاياتها إدراك أهمية المشاركة العامة.

يمكن اعتباره أول الشخصيات الحرة في الموقف من السلطة (الخلافة). إذ لم يؤيد البيعة لأبي بكر. وتنسب إليه العبارة التي خاطب بها أبا بكر:"والله لا أبايعكم أبدا". والتزم بها حتى النهاية. بل هو الشخص الوحيد الذي لم يبايع عمر بن الخطاب. وقد اضطر لترك المدينة والهجرة إلى الشام وتوفي في الطريق إليها(منطقة حوران) عام 14 للهجرة.

وبغض النظر عن حوافز معارضته للصيغة التي جرى بها اختيار أبو بكر ولاحقا عمر بن الخطاب لخلافة المسلمين، إلا أن ردود فعله المتجانسة في الموقف من أبي بكر وعمر بن الخطاب تشير إلى صلابة موقفه السياسي المعارض. فقد احتوت معارضته السياسية من حيث مقوماتها الداخلية على عناصر الرؤية التاريخية والحقوقية. بمعنى انه حاول تقديم أولوية أو أحقية الأنصار بالخلافة انطلاقا من دورهم السياسي والأخلاقي والاجتماعي والتاريخي في تثبيت أسس الدعوة الإسلامية وانتصارها. فانتصار الإسلام كان بمعنى ما مرتبطا وثيق الارتباط بالأنصار. وبالتالي فان تمثل فكرة أحقيته بالخلافة مبنية على رؤية ومبادئ لا علاقة لها بالقبيلة وقرابة الدم. وقد كانت تلك فكرة متطورة بحد ذاتها. لاسيما وان الأنصار كانوا من الناحية الفعلية القوة التاريخية للإسلام وقربانه البشري الأكبر. كما انه القربان الذي دفعه سعد بن عبادة في مجرى حياته الأخيرة أيضا عندما توفي وهو في طريقه إلى الشام، باعتباره احد أشكال الاحتجاج على السلطة. وليس مصادفة أن يقول عمر بن الخطاب عن موته:"قتله الله!". (ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج2، ص470). وهي عبارة لا مروءة فيها.

[7] ابن قتيبة: الإمامة والسياسية، ج1، ص16.

[8] الزبير بن العوام (ت- 36 للهجرة)- اسلم وعمره خمس عشرة سنة. من أوائل المسلمين (السبعة). هاجر للحبشة والمدينة. وشهد بدر وجميع غزوات النبي. كما ساهم في فتح مصر. ودخل مجموعة الشورى الستة. ويعكس في شخصيته كل تناقضات مجموعة الشورى التي وقفت إلى جانب خلافة عثمان بن عفان. وهو موقف أسهم من الناحية التاريخية والسياسية بتهشيم أسس الصيرورة الإسلامية السليمة وكينونتها الروحية، كما نعثر عليه بصورة جلية فيما أدت إليه خلافة عثمان من نخر أسس الدولة والأمة والفكرة الإسلامية الأولى ومبادئها الكبرى. وهو اختيار سياسي له مقدماته وغاياته. وليست حرب الجمل التي اشترك فيها الزبير بن العوام وقادها ضد خلافة علي بن أبي طالب سوى الوجه الظاهري لباطن رؤيته السياسية والأخلاقية. فقد غلبّ المصالح الضيقة على مصالح الدولة والأمة والحق. وحكم هذا التناقض حكم سلوكه السياسي المعارض لخلافة علي بن أبي طالب ثم اعتزاله الحرب ومقتله الذي كان يفتقد لكل المعاني الجليلة التي لازمت صيرورته الفردية والاجتماعية والإسلامية.

فقد قرر اعتزال القتال مع علي. وعندما قابله ابنه عبد الله بعبارة "جبنا جبنا"! فانه لم يجد فيها ما يستحق الرد. فمن المعروف عنه شجاعته وبأسه وبطولته في القتال والمعارك. إذ كان من فرسان قريش مقداما. كما كان غنيا كريما كثير الشمائل والفضائل. ويقال انه مات وهو كثير الديون لكرمه. كما كان مخلصا للدعوة الإسلامية. بحيث تنسب للنبي محمد عبارة عنه يقول فيها:"لكل نبي حواريّ. وحواريّ الزبير". والحواري بالعربية تعني ناصر الأنبياء أو الخالص، أو الخليل. وهي عبارة يمكن أخذها على علتها، لكنها تعكس موقعه الشخصي من النبي محمد. غير أن العبارة العابرة في تقييم النبي محمد لمن صحبه ليست صك الغفران الإسلامي ولا تحتمل معنى "الشفاعة" الأبدية. انطلاقا من أنها قيلت ضمن سياق الصراع وسباق الأحداث، شأن كل كلمة تقال في الأفراد أيا كان حجمهم وموقعهم في الوجود.

[9] ابن قتيبة: الإمامة والسياسية، ج1، ص18-20.

[10] ابن قتيبة: الإمامة والسياسية، ج1، ص21. وقد يكون هذا الموقف احد اشد الأشكال تطرفا وغلوا لأدراك قيمة الدولة. بمعنى إننا نستطيع تحسس الهاجس الخفي والعميق والكبير لفكرة الدولة في مواقف وشخصية عمر بن الخطاب. وهو أمر جلي في خضوعه الشخصي للخليفة الجديد. بحيث لم نسمع عن أية معارضة مهما كان نوعها، بل الاشتراك المباشر وغير المباشر في تحسين شروط فعلها وأداءها. ولم يكن هذا الاشتراك معزولا عن الرغبة المحتملة في احتلال موقع الخلافة بعد أبي بكر. لاسيما وان ترشيح أو استخلاف أبو بكر إياه قبيل موته احد الأدلة الواقعية والدقيقة بهذا الصدد. وهو أمر لا تخلو منه الحياة السياسية. فبعد موت النبي محمد لم يعد الإسلام إذعانا لله والدعوة الجديدة، بل إسلاما للدولة والأمة. فقد لازم هذا الانتقال الموضوعي تحول الإسلام إلى دين الدولة، أي أيديولوجيتها "المتسامية". أما عمر فقد طوعها بطريقة واقعية وسياسية خالصة. وقد يكون أكثر أشكالها جلاء بهذا الصدد هو الطابع الحاد المميز لشخصيته في اتخاذ القرار وتنفيذه، بوصفه احد شروط رجل الدولة الكبير. غير أن الخطأ ولحد ما الخطيئة التاريخية في سلوك عمر بهذا الصدد، يقوم في تحويل الحادثة التاريخية العابرة إلى مبدأ. إذ ارتبط هذا التحول بشخصية عمر بن الخطاب، الذي جعل من الإكراه مبدأ ضروريا لمركزية ووحدة الدولة والأمة. بحيث تحولت "المبايعة" لاحقا إلى عمل تقليدي ملزم للجميع. بمعنى جعل المعارضة أيا كان شكلها ومستواها "خروجا على الإسلام". وهو تناقض فض! إذ جعل من فكرته السياسية واجتهاده العملي جزء من العقيدة الدينية والإيمان القويم! وفي هذا يكمن التناقض القاتل لعبارة عمر المذكورة أعلاه وسلوكه العملي. إضافة إلى كمون الخطيئة والفساد الأخلاقي والسياسي فيها. وذلك لأنها أسست لما يمكن دعوته بحاجة الدولة إلى لسان كاذب وقلب خرب. وذلك لأن فكرة المبايعة بالطريقة العمرية أفرغت حرية الإنسان وفكرة الإرادة الحرة وحق الاختلاف من معناها. كما أعطت للسلطة وحدها ممارسة الإجبار بوصفه حقا، بينما جعلت من الاختلاف معها ومعارضتها خروجا على الإيمان ومروقا على الدين! مما أدى إلى جعل الإسلام والقهر السياسي للسلطة تجاه الأفراد والجماعات والأمة شيئا واحدا.

 

 

mutham aljanabi2إن المرحلة التي صنعت شخصية أبي بكر وصنعها كانت مرحلة تأسيسية كبرى في تاريخ الدولة العربية الإسلامية وإمبراطوريتها الثقافية اللاحقة. من هنا تموجه في عنفوان التاريخ السياسي والروح المعنوي للأمة. وذلك بسبب ارتباط ظهوره التاريخي المستقل ببداية الدولة. فالبداية التأسيسية هي الأعقد في تاريخ الدولة. من هنا دورها الفعال في الوعي والنماذج المثلى. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن شخصية أبي بكر هي الأولى في صيرورة الخلافة. ومن ثم هي التي أعطت لفكرة الخلافة أبعادها المتميزة من جهة، وجعلت منه أنموذجا عمليا مقبولا كليا أو مرفوضا كليا من جهة أخرى. وهي الحالة التي يمكن اختزالها فيما أسميته بنهاية الوحي وبداية الخلافة. وذلك لأنها كانت تحتمل في أعماقها مختلف البدائل. وإذا كانت خلافة الراشدين هي صيغتها الأولى، فإن تحولها اللاحق إلى ملوكية جعل منها أنموذجا خاصا ومتميزا في فكرة الدولة. غير أن ذلك لم يلغ إمكانية البدائل الأخرى، كما مثلتها تقاليد التشيع وفكرتها عن الوصاية، بوصفها إحدى الصيغ "المقدسة" لفكرة الملوكية نفسها. لكنها ظلت احتمالا نموذجيا، يمكن العثور عليه في منظومات الفكر الفلسفي واللاهوتي والسياسي اللاحق.

وحالما أصبح أبو بكر "خليفة رسول الله"، فإنه لم يعد شخصا بقدر ما أصبح فكرة. وهو تحول يتطابق من الناحية التاريخية والشخصية مع أبو بكر الصديق. كما أنها العملية التي جرى رفعها لاحقا إلى مرتبة الأولية في تاريخ الإسلام والدولة، أي الدين والدنيا. وذلك بسبب طبيعة العلاقة الداخلية بين البداية والمبدأ. فحالما تصبح البداية مقبولة ومعقولة بمعايير التاريخ والثقافة، آنذاك يصبح من السهل تحولها إلى مبدأ، كما نعثر عليه في تحول الخليفة إلى خلافة، وأبو بكر إلى أنموذج أولي للراشدين. وذلك لأن شخصيات البداية هي شخوص التاريخ في الأفراد وتأثيرهم في الروح. وليس مصادفة أن يصبح أبو بكر تشخيصا لفكرة الخلافة الرشيدة وشخصنة مثالية لها في العمل.

ورافق هذه الظاهرة وترافق معها تحول الوحي إلى مصدر للاستلهام العملي المباشر. مع ما ترتب عليه من تحوير عميق في الرؤية السياسية والممارسة العملية، التي جعلت من التأويل ضرورة علمية وعملية (نظرية وأخلاقية) في الموقف من كل شيء. وهو تحول نراه أيضا في المواقف الأولى لأبي بكر حالما اشتدت بوادر الصراع حول السلطة، كما هو جلي في تأويله للآيات القرآنية أو تطويعها السياسي من اجل التحرر من الفكرة الجزئية، والبقاء ضمن الفكرة العامة. وهي رؤية عميقة وتاريخية ودولتية وضعها في عبارته الشهيرة:"من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". وبغض النظر عن تكرر هذه الفكرة في آيات القرآن، إلا أنها تحولت بفعل المنعطف التاريخي العاصف إلى فكرة المنعطف التاريخي للدولة.

وكشف هذا الانعطاف وعبّر عن حقيقة الشخصية التاريخية والمثالية والفردية والروحية لأبي بكر. من هنا توّحد التأويل الحق وحقيقة السلطة بوصفها استخلافا لمضمون الرسالة النبوية، أي الاحتماء بالفكرة العامة الكبرى. وصنع هذا الإدراك الخلافة بوصفها فكرة الدولة وبدايتها التاريخية والروحية. وفي هذا التوّحد يكمن سرّ التأثير الواقعي والمثالي لشخصيته الفعلية. ووجد هذا التأثير تعبيره في ارتقاء الخلافة بوصفها استخلافا سياسيا، إلى فكرة ومبدأ الخلافة الراشدة، بوصفها إرشاد الروح والجسد بمعايير الحق التام. مما جعل منها نهاية الخلافة الراشدة في تاريخ الإسلام وبدايتها الروحية الحقيقية. بمعنى تكاملها الأولي في جسد الدولة، وذوبانها اللاحق في مختلف النماذج المحتملة للتأويل السياسي في الموقف من السلطة وممارساتها. وفي هذا يكمن سرّ جوهريتها بالنسبة لعلاقة المثقف بالسلطة على امتداد التاريخ العربي الإسلامي، بما في ذلك ديمومتها الحالية في ميدان الروح والمواقف الفردية.

فالصورة المثالية، المتسامية، والزاهية التي بلورتها التقاليد الإسلامية عن أبي بكر تبقى جزء من معترك المدارس والفرق والمذاهب. وفي جميعها تقليلا من شأنه، لأنها عادة ما تنظر إليه بمعايير الرؤية الملتهبة بدموع الورع والإيمان والتقية، أو بما يعارضها ويقف بالضد منها من معايير العين المتفحصة بالغضب للدين والحق المذهبي. وكلاهما لا يعملان في الواقع إلا على حشره في خيالهما المتعصب والضيق. وذلك لأن حقيقة أبي بكر ترتقي بمعايير التاريخ والدولة والسلطة إلى مصاف الشخصية الروحية المتسامية. ومن الممكن رؤية ملامح هذه النتيجة ومآثرها فيما آلت إليه أعماله بهذا الصدد من إرساء أسس الدولة وفكرة الخلافة.

ووجد هذا الإرساء انعكاسه المبجل في فكرة "أول الخلفاء الراشدين". ففي البداية لم يكن لهذه الأولية علاقة بالدين والمذهب والمناقب الشخصية. على العكس! إن مناقبه تستمد أغلب مكوناتها العملية والتاريخية والروحية من شخصيته. وهو أمر جلي حالما يجري المطابقة بوعي أو بدون وعي بين أنموذجه الروحي وعلاقته بالأمة، أي علاقة السلطة بالمجتمع، والفكر بالواقع، والسياسة بإدراك مهماتها الذاتية. وليس مصادفة أن يجري ربط صورته الشخصية بوصفه خليفة المسلمين الأول وأول الراشدين، بإبراز أولوية علاقته بالرعية. وقد جرى بلورة هذه العلاقة بصورة أخاذة في العبارات القائلة، بأن سياسته بالرعية كانت "بشدة من غير عنف، ولين من غير ضعف"، وأنه كان "بطيء العقوبة غير متعجل فيها إلا بقصاص واجب"، كما "كان يحذرهم من الدخول في غمار الفتن". وقد كانت هذه الصورة مجردة عن دراما التاريخ الفعلي وصراعاته العنيفة التي واجهها بفعل وحدة الأضداد المتناسقة فيه. فقد تمثلت هذه الوحدة خصوصية الخلافة الراشدة من جهة، وواقع تأسيسها السياسي من جهة أخرى. من هنا وحدة الشدة واللين، والبطء في القصاص وحتميته حال الضرورة. لاسيما وأنها المكونات الضرورية للدولة الشرعية. كما أن فكرة الشرعية تفترض القضاء على نفسية الفتنة أيا كان شكلها ومحتواها.

وقد تراكمت هذه المكونات في بناء شخصيته السياسية بعد أول محاولة جريئة لتأويل القرآن بمعايير الموقف السياسي، وتطويع التاريخ السياسي للهجرة بالشكل الذي يستجيب لمهمة هذا التأويل. وهو تراكم معروف ومشهور في تحديه للشكوك غير العقلانية بموت النبي محمد عندما واجهها بصرامة الواقع ومعناه الروحي في الآية القائلة، بأن محمدا شأنه شأن الآخرين إنسان يولد ويحيى ويموت، ويبقى الله بوصفه مطلق الوجود الدائم. واستكملها بمواجهة المتشككين من جانب الأنصار بمدى شرعية غيرهم بالخلافة في عبارة بليغة قال فيها:"نحن المهاجرون، فنحن الأمراء!". واستكملها من حيث المعنى بفكرة "لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش". وقد استمدت هذه الفكرة أسسها الروحية مما وضعه بعبارة يقول فيها:"نحن أهل الله، واقرب الناس بيتا من بيت الله".

ولم تسع هذه الأفكار للانتقاص من احد، ولا جعل المسافة بين الله والرئاسة معيارا محكوما بالبعد والقرب المكاني، بقدر ما كانت تتمثل تاريخ الانتماء الروحي وتمثله في تاريخ الأفراد والأشخاص. ولم يخضع هذا الاقتراب والتمثل للمصلحة الضيقة، بل لمصلحة الرؤية السياسية وآفاق وحدة الدين والدنيا، بوصفها الصيغة التاريخية لوحدة الدولة والمجتمع آنذاك. حيث جرى وضع هذه الصيغة في أول كتبه لمسلمي الجزيرة مستحثا إياهم للوحدة باسم التوحيد، ومن ثم القضاء على كل ارتداد عن الدين بوصفه ارتدادا عن الدولة. وقد بلور هذه الصيغة بثلاثة مبادئ عامة وهي، "إن الله أرسل محمدا بالحق لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين"، والثاني، "إن الله يهدي للحق من أجاب إليه"، وأخيرا "من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله بالمرصاد حي قيوم لا يموت ولا تأخذه سنّة ولا نوم". وقد كانت تلك بقدر واحد مبادئ روحية وعملية، لأنها كانت تجمع بين فكرة الإخلاص للمبدأ وفكرة الدولة. فالجوهري في النبي محمد يتطابق مع فكرة الحق، كما أن الحق هو سلوك تلقائي وشخصي. وبهذا المعنى فهو أمر دائم لا علاقة له بالأفراد أيا كانوا.

وحالما جرى إنزال هذه الفكرة من علياء "الحي القيوم" إلى واقع الحياة العادية، فإنها تأخذ بالانهماك الفعال تجاه كل ما له علاقة بالإنسان والدولة. ونعثر على إدراك مباشر لهذه الفكرة في العبارة التي حدد فيها موقفه بالشكل التالي:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط، ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يفتننكم عن دينكم. فعاجلوه بالذي تعجزونه ولا تستنظروه فيلحق بكم". بعبارة أخرى، إن الأمة الحقيقة هي التي تنظر إلى مشاكلها وإشكالاتها بمعايير الحق والعدل. فموت النبي لا يقدم ولا يؤخر شيئا من فكرة الحق. على العكس، إن الاهتمام بأمر من هذا القبيل هو عين النكوص صوب "الشيطان". وبالتالي فإن مهمة المستقبل تقوم في جعل الشيطان يلهث دوما في لحاقه بأمة الحق! وفيما لو جرى تحويل هذه الفكرة إلى لغة الحياة السياسية المعاصرة، فانها تعني بأن الأمة والدولة المتمسكة بفكرة الحق والشرعية تفترض العيش بمعايير ومقاييس العدل. والخروج عليها هو السقوط في هاوية الانحلال الحتمي والإغراء القاتل.

ذلك يعني أن الجوهري بالنسبة لأبي بكر هو البحث عن النسبة الضرورية بين الحق والعدل من خلال وحدة الدولة والأمة المحكومة بمقاييس الشريعة والشرعية. فالفكرة العامة تنطلق، شأن كل الأفكار الإسلامية الكبرى، من جوهرية الله بوصفه المبدأ المتسامي الأول والمعيار المطلق للأحكام العملية. من هنا قوله، حالما خاطب الجمهور الإسلامي، بأن "الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم". وهي مواثيق تحددها الشريعة كما وضعها القرآن. فهو المصدر الأكبر للنور والتنور والاستبصار. بعبارة أخرى، انه وجد في القرآن المصدر الضروري الأولي للتأويل المحكوم بفكرة الحق والعدالة. وجعل من هذه الفكرة مبدأ سياسيا أوليا في الموقف من النفس والأمة على السواء، كما نراه في عبارته الشهيرة:"أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم". وهو موقف استكمله بما يمكن دعوته ببرنامج السلوك السياسي الأخلاقي الأرفع لرجل الدول، كما في قوله:"أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة. والقوي فيكم ضعيف حتى اخذ منه الحق، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق". وحالما تتغلغل هذه المبادئ في أعمق أعماق الشخصية وتعيد إنتاجها بالشكل الذي يجعل القول والعمل فيها وعندها وحدة واحدة، فإنها تؤدي بالضرورة إلى أن تكون فكرة الطاعة والمطيع كلا واحدا. انطلاقا من أنهما كليهما ينبغي أن يحتكما إلى الشريعة (القانون) والتمسك بها. بسبب ترابط فكرة الطاعة بفكرة الحق.

وضمن هذا السياق يمكن فهم الفكرة التي وضعها في إحدى خطبه عندما قال:"من يطع الله ورسوله فقد رشد. ومن يعصهما فقد ضل ضلالاً مبينا. أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الذي شرع وهداكم به، فإن جوامع هدى الإسلام بعد كلمة الإخلاص، السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم. فإن من يطع الله وأولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد افلح وأدى الذي عليه من الحق". ذلك يعني أن فكرة الطاعة محكومة بفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه بدورها محكومة بفكرة الإخلاص، والإخلاص محكوم بطاعة القانون، وطاعة القانون مرتبطة بالتمسك بنموذج النبي، بوصفها سلسلة نهايتها الله. بعبارة أخرى، إن فكرة الطاعة تعمل أساسا من اجل ربط حلقات الوجود الفردي والاجتماعي والدولة في سلسلة التكامل بمنظومة الحق والحقوق. وقد طابق نفسه مع إحدى حلقات هذه السلسلة دون أن يفقد ذلك لمعانه الخاص فيها بوصفه خليفة رسول الله. لكنها خلافة لم يجر تحسسها أو إدراكها آنذاك بمعايير الهرمية، بل بمعايير القرب من مثالها والسعي لتجسيده وتحقيقه بالقدر الذي تبقى فيه النفس ونياتها عارية أمام البصر الإلهي، أو الضمير الحي. من هنا تعليقه مرة على إطراء الناس ومديحهم إياه بعبارة:"اللهم أنت اعلم مني بنفسي. اللهم اجعلني خيرا مما يظنون بي، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون". وحاول تطبيق هذه الطريقة في تعامله مع الأمة تجاه مختلف القضايا بما في ذلك قضية السلطة والاستخلاف.

فعندما استخلف عمر قال:إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن برّ وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه. وإن جار وبّدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت". وهي عبارة تشير إلى أن فكرة الاستخلاف عنده كانت جزء من الاجتهاد السياسي. ومن ثم جزء من معرفة فردية وشخصية وخاصة وحدس سوف يكشف عنه الزمن. لكنه حدس مرتبط بدراية شخصية محكومة بفكرة الخير للجماعة والدولة. من هنا أيضا وصيته لعمر:"إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا. وإنما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الباطل وخفّته عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا". وهي معادلة محكومة من ألفها إلى يائها بفكرة الحق. بمعنى أن الاقتراب من الحق وتحقيقه هو عين الصواب في كل شيء، كما أن الابتعاد عنه عين السقوط. بحيث جعل من حياته وموته تجسيدا وتحقيقا لهذا الاستنتاج.

فقد مات أبو بكر ولم يترك دينارا ولا درهما، وعاش زاهدا متقشفا ممتلئا بصدق الإخلاص لفكرة الحق والدولة الشرعية. وفي هذا يكمن المضمون الفعلي لفكرته عن الرشاد في إدارة شئون الأمة والدولة، والنموذج الأولي الذي تركه لمن خلفه.

***

 

ميثم الجنابي

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

William E. Barton, The Samaritan Pentateuch: The Story of a Survival among the Sects. Bibliotheca Sacra, October, 60 haseeb shahada(1903), 601-632.

ارتأيت أن أُشير إلى النقاط والأمور الهامّة في تقديري، التي وردت في هذا المقال، خدمة للمهتمّين بالشأن السامري من القرّاء العرب عامّة والسامريين خاصّة وقد أضفت ملاحظاتي وتعليقاتي باختصار بين قوسين (). نُشر هذا المقال في منابرَ أخرى وينظر في الكاتالوج :

Alan David Crown, Reinhard Pummer, A Bibliography of the Samaritans.Third Edition: Revised, Expanded and Annotated. ATLA Bibliography, No. 51. The Scarecrow Press, Inc. Kanham, Maryland. Toronto. Oxford 2005, p. 37.

كما نشر في الموقع الإلكتروني الأمريكي المعروف عن الدراسات السامرية: www.theSamaritanUpdate.com, 2011.

The Samaritan Pentateuch: The Story of a Survival Among the Sects, Oberlin Ohio: The Bibliotheca Sacra Company, 1903 

http://shomron0.tripod.com/articles/biblioupdate2014.pdf

في الصفحة الأولى يُثبت المؤلّف بارتون صورة صفحة من مخطوط قديم للتوراة السامرية بالحروف السامرية، ٢٩ سطرًا من سفر العدد ٢٧: ١٩ לפני כל העדה וצוית אתו / לעיניהם ונתתה מהודך / עליו ולמען ישמעון وحتى ٢٨: ٤ את הכבש האחד תעשה בבקר ואת הכבש השני בין הערבים (هنالك شبه بالنص اليهودي). وفي الصفحة التالية صورة فوتغرافية كُتب تحتها بالحرفين العربي والسامري: يعقوب بن هرون الكاهن الأوّل بنابلس. في أعلى الصفحة الثالثة يعرِض بارتون صورة لرسالة قصيرة بالعربية كان الكاهن المذكور قد أرسلها له في ٢٥ نيسان ١٩٠٣ (نشرتُها مشفوعة ببعض التوضيح وبترجمة إلى العبرية والإنجليزية بعنوان: رسالة يعقوب هرون الكاهن الأوّل لبارتون).

يحاول القسّ الدكتور وليم إدوارد بارتون (١٨٦٨- ١٩٥٥) في هذا المقال عرض وضع السامريين ومساهمة توراتهم في معرفة العهد القديم. كان بارتون قد اهتمّ بدَرْج التوراة السامرية المقدّسة بنابلس عدّة سنين قبل زيارته لفلسطين عام ١٩٠٢. يُعتقد أنّ هذا الدَّرْج المخطوط هو الأقدم في العالم. الكهنة لا يعرضونه حتّى لأبناء الطائفة إلا مرّة واحدة في السنة في عيد الغفران. صديق بارتون الثري الأمريكي  E. K. Warren (١٨٤٧-١٩١٩)، رئيس مدرسة الأحد العالمية، كان قد زار فلسطين عام ١٩٠١ وشاهد الدَّرْج القديم. وقد زوّد وارين صديقه بارتون بتوصية موجّهة للكاهن الأكبر. وهكذا دخل بارتون عالم السامريين وحياتهم. شهدت تلك الفترة نهضة بخصوص الاهتمام بنصّ التوراة السامرية في أعقاب اكتشاف توراة سامرية قديمة في دمشق نسخت ، كما ٱعتقد، عام ٧٣٥ للهجرة (١٣٣٤م.) ويقال إنّ هذا المخطوط موجود الآن في القاهرة. ويذكر بارتون أنّه سمع بأنّ الكاهن الأكبر قد سجَن أحد الكهنة الشباب بتهمة اختلاس وبيع مخطوط قديم من الكنيس. ويعتقد بعض الناس في سوريا بأنّ التوراة التي اكتشفت حديثا هي الكتاب المفقود. إذا كان هذا المخطوط أصيلًا من حيث تاريخه فإنّه سيكون عدّة قرون أقدم من أقدم مخطوط للعهد القديم في المُتحف البريطاني؛ إلا أنّه يُعتبر حديثًا إذا ما قورن بالدَّرْج المقدّس في نابلس الذي يعود وَفْق اعتقاد السامريين لحفيد هارون، أمّا الباحثون راهنًا فيذهبون إلى أنّه يعود إلى بداية المسيحية تقريبا.

إنّ الطائفة السامرية لم تكن قطّ مبعثرة على نحو واسع؛ قبل قرنين من الزمان، أي في القرن الثامن عشر، كانت هناك جاليات سامرية في دمشق والقاهرة وغزة، إلا أنّها انقرضت وبقيت لحسن الحظ الجالية الأقدم في نابلس. الاسم ”نابلس“ محرَّف من ”نيابوليس“، تقع في شكيم القديمة وهي المدينة الرئيسة في فلسطين؛ تقع في واد جميل غني بالمياه وبين الجبلين عيبال وجريزيم، بئر يعقوب؛ من أخصب أراضي فلسطين. على هذه الأرض بقيت الطائفة التي أسّسها سانبلت وصهره منشه، والتي بنت كنيسها على الجبل بعد عام ٤٣٢ ق.م. يبلغ عدد السامريين الآن  (١٩٠٣) حوالي ١٦٥ نسمة وهو ثابت. إنّهم بحاجة إلى فتيات في سنّ الزواج وهم لا يتزوّجون من خارج طائفتهم؛ هم فقراء جدّا وبالكاد يستطيعون العيش بدون ما يدفعه السيّاح.

وصل بارتون ومن معه من مرافقين نابلس، راكبين على الخيل في شهر آذار وترجّلوا سائرين في أزقّة نابلس الضيّقة إلى أن وصلوا إلى مبتغاهم، كنيس السامريين البسيط، حيث الدَّرْج المقدّس ذو القيمة النفيسة الوحيد تقريبا. عُرض عليهم هذا الدرج وبديله بشكل فاق ما كان مؤخّرا. وقف الكاهن الأكبر يعقوب بجانب الدرج، مُظهرًا إيّاه بفخر واعتزاز مهيب، وهذا الكاهن يُطلق على نفسه بخط يده بالخط السامري والعربي: يعقوب بن هرون، كاهن نابلس. إنّه رجل اجتاز قليلا منتصف العمر، أسمر، جليل، طويل القامة. قدّم بارتون ورقة التوصية التي خطّها وارين ولكن تعذّر على الموجودين التفاهم، فهؤلاء لا يعرفون العربية وأولائك لا يعرفون الإنجليزية، ولكن كتابة اسم الكاهن الأكبر بالخط السامري  فعلت فعلتها الإيجابية.

بارتون ورفاقه ملأوا الكنيس، ولم يتسنّ له فحص النسختين القديمتين بدقّة وتفصيل، ومع هذا تكوّن لديه انطباع يؤكّد وصف كوندر (Tent Life in Palestine, p. 26)  بخصوص صندوق/علبة المخطوط الأحدث المصنوع من النحاس وفيه أرابيسك فضّي رفيع؛ في حين أنّ صندوق المخطوط الأقدم مصنوع، على ما يبدو، من الفضّة الصلبة، المخطوط قديم جدّا، أصفر اللون، ممزّق، مرقّع مرمّم ورُبطت الأطراف بحرير أخضر. الحبر باهت جدّا يميل إلى اللون الأرجواني في حين أنّ لون الحبر في جميع المخطوطات الأخرى أسود (Deutsch Remains, p. 407)  الخطّ صغير وغير عادي، السطور متباعدة.

يعتقد السامريون بأنّ أقدم مخطوطاتهم التي كانت مصدرًا لمخطوطات أخرى، نسخها أبيشع بن إلعزار بن أهرون، ١٢ سنة (عادة يذكر السامريون ١٣ سنة) بعد عبور الأردن الأوّل، ويصرّحون أنّ فيها تشقيلا ذُكر فيه اسم الكاتب وتاريخ الكتابة. ومع هذا، يُعتبر هذا المخطوط أقدم بقرون  كثيرة من أيّ  مخطوط لأيّ قسم من الكتاب المقدّس. يعتبر هذا المخطوط  الأهمّ والأعزّ عند السامريين، ويظن بارتون أن المخطوط قد يعود إلى القرن الثامن للميلاد. المخطوط مكتوب على جلد الخِراف الخارجي، الخراف التي قُدّمت في عيد الفسح وعددها في تقدير كوندر وآخرين حوالي عشرين خروفًا، وهذا تخمين لا غير. عرض الرقّ حوالي  ١٦ إنشًا (الإنش يساوي ٢،٥٤سم) وطولها مائة قدم (القدم يساوي ٤٨، ٣٠ سم) على الأقلّ.

مجموعة بارتون ابتاعت الكثير من المخطوطات، منها نُسخ عن المخطوط القديم. أمّا بارتون فقد استطاع بعد مفاوضات طويلة مع ابن الكاهن الأكبر يعقوب بن هارون (المقصود أبو الحسن، أب حِسده، ١٨٧٩-١٩٥٥) الذي عرف بعض الكلمات بالإنجليزية، أن يشتري دَرْج السفر الأول بعد أن خبّأه ابن الكاهن في مِعطفه وسلّمه بعد ذلك للمشتري بعد أن ابتعدا عن منطقة الكنيس، وفي اليوم التالي اشترى بارتون من كاهن آخر دَرْجًا بسعر أقلّ ممّا طلب منه في اليوم السابق. كما اشترى بارتون مجلّدًا صغيرًا يضمّ قصّة يوسف وورقة من مخطوط قديم تحتوي على سفر العدد ٢٦: ١٩-٢٧: ١٥ (هكذا وليس ٢٧: ١٩-٢٨: ٤ كما جاء أعلاه في البداية) بخطّ جميل جدًّا وقُصاصة رَقّ كُتب عليها آيات التكوين ٢٦: ٢٠-٢٢، بخطّ قديم من جهة، وعلى الجهة الأخرى كتابة حديثة. ويظنّ بارتون أن هذه القُصاصة قد تكون مقتطعة من الدَّرْج المقدّس نفسه لقدمها، وللونها، عدم انتظام أسطرها وحبرها الأرجواني. يقول بارتون إنّ الادّعاء بأنّ السامريين لا يبيعون مخطوطاتِهم هو أمر مزعوم كلية تقريبا. كانت هناك أوقات تعذّر فيها ابتياع نسخة من توراتهم مهما كان المبلغ المعروض، مثال على ذلك محاولات الدكتور روبنسون (في منتصف القرن التاسع عشر، أنظر : ٍResearches/أبحاث، مج. ٢، ص. ٢٨١-٢٨٢، ١٨٣٨م؛ مج. ٣ ص. ١٣٠، ١٨٥٢م) لشراء نسخة وقد باءت بالفشل. في زمن بارتون اختلفت الحالة وأصبح السامريون مستعدّين لبيع مخطوطاتهم الحديثة أو تحضيرها عند الطلب. ويذكر بارتون بأن الدرج الذي اشتراه كامل صحّح ونقِّح وعرضه كعرض الدَّرْج القديم ونسخه كهنة في كنيس نابلس، وقارنوه بمخطوطاتهم القديمة واستعمل في الكنيس، بعكس ما في المكتبات الأوروبية من مخطوطات كهذه غير كاملة في كثير من الحالات (قارن قائمة Kennicott حول المخطوطات السامرية في أوروبا).

بعد عودة بارتون إلى بلاده، أمريكا، وبمساعدة صديقه القسّ الدكتور فرانك هـ. فوستر (Frank H. Foster) الذي قضى معه في زيارته لفلسطين بضعة أسابيع، اتّضح له أن دَرْج سفر التكوين الذي اقتناه في نابلس غير كامل وأتمّ الأصحاحات الناقصة الكاهن الأكبر بعد مراسلات أجراها بارتون مع الكاهن عن طريق الدكتور رايت في مستشفى الجمعية الإرسالية الكنسية في نابلس. ويذكر بارتون بأنّه قد تحصّل على سفر الخروج في أربعة مجلدات صغيرة ويسعى لشراء مخطوطات أخرى من خلال أصدقاء آخرين لأن الدكتور رايت قد أُستدعي للعودة إلى إنجلترا.

يعبّر بارتون عن سعادته في إيصال تحيّات الرئيس الراهن لهذه الطائفة القديمة لقرّاء مقاله هذا، تلك الطائفة التي حافظت على الاحتفال بعيد الفسح وشعائر أخرى من أسفار العهد القديم بدون انقطاع تقريبًا على مدى ثلاثة وعشرين قرنًا من الزمان. يحجّ السامريون إلى جبلهم المقدّس، جريزيم جنوبي نابلس ثلاث مرّات في السنة، في الأعياد: الخبز غير الخامر (عيد الفسح)، الأسابيع والعُرش. السامريون موحِّدون بحزم وينتظرون المسيح الذي سيأتي بعد قرن بقليل، عندما يكون عمر العاَلم بحسب حسابهم ستّة آلاف سنة (حساب السامريين المدعر بحساب الحق يبدأ بدخول بني إسرائيل الأرض المقدسة، عام ٢٠١٧ هو عام ٣٦٥٥ لدى السامريين)؛ وفي اعتقادهم سيكون المسيح (لاحظ عدم ذكر الاسم تاهب وهو اسم المسيح لدى السامريين ويعني العائد ويلفظ تائب) مثل موسى إلا أنّه لن يكون أعظم منه.

الديانة السامرية ذات نظام عبادة مستقل منذ العام ٤٣٢ ق.م. ويعود أصلها إلى معارضة محاولة نحميا لفصل الكهنة الذين تزوّجوا من نساء أجنبيات. ومن أولئك الكهنة منشه صهر سنبلّت حاكم نابلس، أُسّس الإيمان هناك وما زال حتّى الآن. عندهم عبادة الله، يهوه (من المعروف أنّ السامريين يسمّونه شيما أي الاسم ولا يلفظون هذه الكلمة أبدًا كما يقول اليهود أدوناي أي سيّدي) على أساس أسفار التوراة الخمسة فقط (ومن المعروف أن هناك قرابة الستّة آلاف فرق بين هذه التوراة والتوراة اليهودية) ويدّعون أنّ جبل جريزيم سبق القدس وهو مكان العبادة الشرعي (يذكر أنّ السامريين في دفاعهم عن مكانهم المقدّس، جبل جريزيم وهو أحد أركان ديانتهم الخمسة قد جاء ذكره مراتٍ عديدة في التوراة ولا ذكر فيها للقدس). القدس قد احتلّت واحتلّت وتبدّلت ديانتها من اليهودية إلى المسيحية إلى المحمدية، إلا أنّ إيمان مؤسّسي الديانة السامرية مستمرّ بدون تغيير المكان أو تغيير جوهري في الشكل.

للسامريين مدرسة في كنيسهم في المدينة نابلس؛ ويسرّون عند حصولهم على فرانك واحد عادة من كل سائح، مقابل رؤية مفترضة لمخطوطهم القديم. علاقة السامريين بالمبشّرين ودّية، ولا يرى بارتون أيّ سبب في الشكّ في إخلاص نواياهم حيال المسيحيين. وكان الكاهن الأكبر يعقوب بن هرون قد أعدّ لبارتون قائمة بأسماء الكتب التي بحوزة السامريين، وهي هامّة في مساهمتها في إعداد ببليوغرافيا حول الديانة السامرية. هذه القائمة كان البروفيسور ج. ر. جيويت (J. R. Jewett) من جامعة شيكاغو،  قد ترجمها لبارتون إلى الإنجليزية. قارن بارتون قائمته هذه بقائمة بروفيسور پيك (Pick) الموجودة في McClintock and Strong ومقالاته هناك وفي المجلة Bibliotheca Sacra تعتبر أكثر الأعمال قيمة بالإنجليزية عن هذه المواضيع. أضاف بارتون على ترجمة جيويت ملاحظات قليلة  بناء على المقارنة. تحتوي كلّ قائمة على عناوين غير موجودة في الأخرى، البروفيسور ميلتون س. تيري (Milton S. Terry) قد أبدى ملاحظاته. (موضوع القوائم بالكتب التي بحوزة السامريين، لا سيّما الكهنة منهم، بحاجة لبحث منفرد للتعرف على ما استجدّ أو طرأ على هذه المكتبة للتراث السامري لا سيما باللغة العربية. لديّ قائمة كهذه بخط صديقي المرحوم عبد المعين صدقة الكاهن الأكبر، ١٩٢٧-٢٠١٠، يعود تاريخها إلى سبعينات القرن الماضي وتضمّ أسماء ٥٨ كتابا وهي مقسمة إلى أربعة أعمدة: الرقم، اسم الكتاب، المؤلف وملاحظة).

١) دَرْج التوراة، أسفار موسى الخمسة.

٢) كتاب الميمار، المعروف بميمار مرقه، يضمّ علومًا روحية تتطرّق لشؤون قيّمة في التوراة المقدّسة. هذا المؤلّف قديم، يعود إلى أكثرَ من قرنين من الزمان بعد المسيح كما ورد في شرح التوليدة؛ مرقه كان أكثر علماء السامريين علما؛ الكتاب كامل ويضمّ  ٦٦٣ صفحة؛ ترجم للعربية مع النص ّ  بالآرامية السامرية ومفسّر بالعربية. ملحوظة: بروفيسور پيك يذكر التاريخ ٥٠ ق.م.، تفاسير على أقسام من التوراة (بروفيسور زئيڤ بن حاييم، ١٩٠٧-٢٠١٣، أصدر هذا الميمار بطبعة علمية وترجمه للعبرية وأضاف شروحا في الهوامش، תיבת מרקה והיא אסופת מדרשים שומרוניים יוצאת לאור, מקור, תרגום ופירוש. ירושלים: האקדמיה הלאומית הישראלית למדעים, תשמ’’ח, 411 עמ’).

٣) كتاب الطباخ، ٣٠٠ صفحة، أي كتاب التضحية بقلم الشيخ أبي الحسن الصوري؛ عربية قديمة وأمثلة بالعبرية؛ فيه تعليمات قيّمة بخصوص شؤون دينية سامرية وحلّ الشُّبُهات والتفريق بين المسموح والممنوع (أنظر المخطوط التالي).

٤) كتاب الكافي، ٢٧٠ صفحة بالعربية والأمثلة بالعبرية بالخط السامري،  بقلم الشيخ يوسف العَسكري، قديم، حول تعليمات واستفسارات دينية. ملحوظة: پيك يقدّر تاريخ الكتاب بـ ٧٠٠م (مهذَّب الدين يوسف بن سلامة بن يوسف العسكري، كتاب الكافي لمن كان بالمعرفة لكتاب الله موافي وقلبه صندوق له صافي، كتب عام ١٠٤١م؛ د. درية محمد عبد العال درست هذا الكتاب مقارنة إيّاه بكتاب الطبّاخ لأبي الحسن إسحق فرج بن ماروث الصوري والد الطبيب والنحوي المعروف إبراهيم شمس الحكماء في أطروحة دكتوراتها التي قدّمتها لجامعة ليدس البريطانية عام ١٩٥٧؛ لم يصدر كتاب الكافي بعد ولكن ترجمته للإيطالية بقلم سيرجيو نويا نوسيدا ١٩٣١-٢٠٠٨ الإيطالي قد صدرت عام ١٩٧٠؛ أمّا بخصوص كتاب الطبّاخ فقد صدر نصفه الأوّل تقريبًا بطبعة علمية مشفوعًا بترجمة للألمانية في إطار أطروحة دكتوراة لچيرهارد ڤيدل، عام ١٩٨٧ بإرشاد الباحث الفذّ المرحوم رودلف ماتسوخ، ١٩١٩-١٩٩٣).

٥) شرح الفاتحة، ٢٠٠ صفحة بقلم الشيخ إبراهيم القباصي، عمره ٣٥١ سنة؛ ملحوظة: إنّه شرح البركات واللعنات في التوراة (كي أفْشِم شيما إقرا, كتب عام ١٥٤٠، هنالك عدّة تسخ لهذا المخطوط في حوزة أبناء الطائفة السامرية ولا سيّما عند الكهنة وفي مكتبة إسحاق بن تسڤي رقم ٧٠٠٨ وفي مكتبات في أوروبا مثل مجموعة جاستر في لندن، BL Or. 10864 وفي مانشسترJRUL 146 وفي المكتبة الوطنية بباريس BN Samaritains 58 إلخ. إلخ. ).

٦) كتاب رحلة القلب لمعرفة الربّ سبحانه وتعالى، ٢٠٠ صفحة. (وقع خطأ هنا في الاسم فالصحيح ”سِيَر…/הלכות הלב“ للشيخ المشهور إبراهيم بن يوسف القبّاصي الدمشقي ألّفه عام ١٥٣٢. ولدى عائلة المرحوم يعقوب بن عزّي الكاهن الأكبر في نابلس، ١٨٩٩-١٩٨٧،  نسخة من هذا المخطوط كان يعقوب بن هرون بن سلامة بن غزال الكاهن اللاوي صديق بارتون قد نسخها برسم ابنه أبي الحسن وبرسم يعقوب ابن ابنه شفيق/عزّي الذي توفي شابًّا وتمّ النسخ في ١٨ ذي القعدة من عام ١٣٢٥هـ أي ٢٣ كانون الأول من عام ١٩٠٧؛ أشكر صديقي الكاهن عزيز بن يعقوب الذي زوّدني إلكترونيا بصورة لثلاث صفحات من المخطوط المذكور في الثامن من تشرين ثان ٢٠١٧).

٧) كتاب شرح السفر الأوّل ، سفر التكوين، ٨٦٠ صفحة بقلم الشيخ مُسَلِم آل مَرْجان الدنفي (في الأصل: id-Deuafi). ملحوظة: تاريخ الشرح القرن الثامن عشر بحسب پيك الذي يقول بأن هناك شرحًا أقدم لسفر التكوين ١: ٢٧ يعود إلى القرن الثاني للميلاد (هكذا!، مسلم بن مرجان بن إسماعيل بن إبراهيم الدنفي عاش في القرن السابع عشر وهو عمّ إبراهيم العية الشهير الذي أكمل هذا التفسير).

٨) كتاب شرح السفر الثاني، سفر الخروج، ٨٠٥ صفحة، بقلم الشيخ غزال الدويك (القرن الرابع عشر، له شرح سور البركات لبلعام وبالاق وكتاب المقالة الشافية في ثبوت الدولة الثانية وقد تُرجم إلى الإنكليزية وترجمه الكاهن أبو الحسن بن يعقوب هرون ت. ١٩٥٩ إلى العبرية؛ له شرح على سفر الخروج وكتاب مفقود حول رماد البقرة، أسرته تأسلمت).

٩) تاريخ طائفتنا منذ يوم دخول السامريين الأرض المقدّسة وإلى هذا اليوم، ٨٠٧ صفحة، جمع يعقوب الكاهن الأكبر الحالي (يعقوب بن سلامة بن غزال الكاهن اللاوي ١٨٤٠-١٩١٦ وكاهن أكبر، أو كما كتب هو: الكاهن الأول.بين السنتين ١٨٧٤-١٩١٦).

١٠) كتاب التوليدة بالعبرية ١٢٠ صفحة، حوادث هامّة وتواريخها.

١١)  كتاب ذو ٣٧٠ صفحة،  فيه عشرة فصول حول طقوس الديانة السامرية، نهجهم في الصلوات في كل عيد وموعد، الزواج، الطلاق، الصوم، الطاهر والنجس، قراءات يوم الغفران، بقلم الكاهن الأكبر الحالي، أي يعقوب بن هرون بناء على طلب أحد الباحثين الأوروبيين الذي توفي قبل انتهاء الكتاب.

١٢) كتاب صلوات قديم تأليف، كما قيل، مرقه وعمران والكاهن فنحاس وبعض الصلوات مستمدّة من يهوشوع بن نون، ٣٦٠ صفحة.

١٣) شرح التوراة، أي ترجمة عربية، قسمان، بالعربية والعبرية، ٦٢٠ صفحة.

١٤) كتاب ترتيب صلوات سبت عيد الفسح (في الأصل: الخبز غير الخامر) وليلة البداية ويوم البداية أي بداية السنة وصلوات ليلة أوّل الشهر الواقعة يوم السبت، تأليف عدد من الكتّاب المعروفين، ٢٥٠ صفحة.

١٥) كتاب ترتيب الصلاة لأربعة عشر يوم موعد الفسح (في الأصل: Moed Aphsah) صباحًا ومساءً وصلوات يومي السبت فيها، ١٧٥ صفحة. ملحوظة: هذا هو عيد الخبز غير الخامر الذي يحتفل به السامريون مدّة أسبوعين والتمييز بين هذا العيد وعيد الفسح لدى السامريين أوضح مما هو عند اليهود.

١٦) كتاب ترتيب صلوات عيد الفسح بلياليه وأيّامه وترتيب صلاة سبعة أيّام الخبز غير الخامر والسبوت وكل ما يمتّ بالأضحية بصلة. غفران عيد الفسح بعامّة وبخاصّة؛ ٢٤٠ صفحة.

١٧)  كتاب ترتيب صلوات الخمسين يومًا، أي الأسابيع، وكلّ تلك الأسابيع بترتيباتها المختلفة؛ ٢٢٠ صفحة.

١٨) كتاب ترتيب صلوات يوم الأربعاء المعروف بأربعاء يوم العنصرة (الخمسين) ويوم السبت، ٣٤٠ صحة.

١٩) كتاب ترتيب صلوات الاحتفال بالصوم،  أي لقاء موسى وهارون، وصلوات ليلة ويوم رأس السنة وعشرة أيّام طلب الغفران (هسليحوت، وفي الأصل: Hassalihu) مساء وصباحًا، ٣٠٠ صفحة.

٢٠) ترتيب صلوات ليلة ويوم العيد العظيم وطقسه (حرفيا: أقوال)، ٦٥٠ صفحة.

٢١) ترتيب صلوات سبعة أيّام عيد العُرش/المظال واليوم الثامن منه وترتيب يوم السبت الواقع فيه، ٢٤٠ صفحة.

٢٢) كتاب شرح الوصايا العشر، مؤلَّف قديم بقلم أبي الحسن الصوري، ٨٠ صفحة (أنظر مثلا , 143 ,JRUL 142 في مكتبة جون رايلندس الجامعية في مانشستر).

٢٣) كتاب المسائل والخلاف بقلم الشيخ مُنجّا (في الأصل: Menja) لغة عربية فصيحة حول الديانة السامرية وجواب لليهود والجدال بين الشيخ منجّا والشيخ الفيّومي الرابّي اليهودي؛ ٢٤٠ صفحة. ملحوظة: منجا نفيس الدين (في الأصل:  Menaji Naphes el-Din) مؤلف هذا العمل المثير للجدل عاش في القرن الثاني عشر (أبو الفرج منجّا بن صدقة بن غروب شمس الحكماء، أواخر القرن الحادي عشر وبدايات الثاني عشر، اشتهر بكتابه مسايل الخلاف أو كتاب الأبحاث المختلف عليها بين السمرة واليهود، جزءان، سلك فيه طريقة السؤال والجواب، ترجمه إلى العبرية الكاهن الأكبر أبو الحسن بن يعقوب في مستهلّ القرن العشرين؛ لا يمكن وصف لغة هذا الكتاب بالفصيحة).

٢٤) كتاب عبري حديث حول ميلاد موسى وماذا حصل على يده وما ساعده مع المصريين ومديح له بقلم المرحوم الكاهن كزار (Kazar) ١٢٠صفحة (لا علم لنا بهذا الكاهن، المقصود على ما يبدو سفر מולד משה وهو بقلم إسماعيل بن بدر الرميحي، القرن السادس عشر).

٢٥) كتاب عربي حديث بقلم الشيخ إسماعيل إسراشي؟ (في الأصل: Ismial is-Rashi، غير معروف!، هل المقصود الرمحي؟) رحمه الله، ١٢٠ صفحة.

٢٦) كتاب يهوشوع وشرح عليه وكذلك قصّة بلعام وقصّة الدولة الثانية، مؤلَّف قديم، ١٥٠ صفحة. ملحوظة: عرف الباحثون هذا الكتاب منذ العام ١٥٨٤ حين الحصول على نسخة منه في القاهرة، يأتي بعد التوراة من حيث الأهمية والقيمة. (مقتطفات من هذا السفر موجودة في عدّة مخطوطات في المكتبة الروسية الوطنية في سانت بطرسبورغ، vi: 11-16, 25, 32).

٢٧) كتاب عيد طائفة إسرائيل بقلم مجموعة من الكتّاب والشيوخ، ١٥٠ صفحة.

٢٨) كتاب الفرح (في الأصل: علامة استفهام بعد الاسم) لمؤلف مجهول؛ مجموعة من موادّ متنوعة، ٢٠٠ صفحة. ملحوظة: من الممكن أن يكون هذا الكتاب سفر الزواج المذكور في بعض الببليوغرافيات التي كتبت في القرن الثاني عشر بقلم أبو البركات. (مقتطفات كثيرة من مؤلَّف بهذا الاسم محفوظة في المكتبة الروسية الوطنية في سانت بطرسبورغ مثل ix: 66, 78, 103, 10, 155, 160؛ يشار إلى أن زئيڤ ين حاييم قد نشر بعض أشعار الفرح، זאב בן חיים, פיוטים שומרוניים לשמחות. תרביץ י: ב–ד, ירושלים תרצ’’ט עמ’ 190–200, 333–374).

٢٩) كتاب قديم لمؤلف مجهول فيه مواد كثيرة، ٣٠٠ صفحة. ملحوظة: هذا الكتاب ذو عنوان غير واضح  قد يكون عرضًا تاريخيًا يبيّن كيف احترم القدماء الناموس/الشريعة بقلم الحبر (في الأصل: Elhhabr) يعقوب في القرن الثاني عشر.

٣٠) كتاب توصيات ووصايا، ٢٠٠ صفحة. ملحوظة: مؤلِّف هذا الكتاب أبو البركات من القرن الثاني عشر والذي كتب كتابا عن الزواج أيضًا، ربّما كان رقم ٢٨.

هذه المخطوطات تضاف، ينوّه بارتون إلى الستّة عشر مخطوطًا غير الكاملة الموجودة في أوروبا كما يذكر أن محاولات الحصول على مخطوطات كهذه قبله، كانت قليلة، أمّا في أمريكا فعدد المخطوطات قليل جدا. في سيمينار اللاهوت في درو (Drew Theological Seminary) كودكس قيّم حصل عليه القسّ و. سكوت واتسون ( W. Scott Watson) عام ١٨٩٢ والآن في مكتبة نيويورك العامّة (Presbyterian and Reformed Review, 1893; American Journal of Semitic Languages and Literature, Vol. xviii. p. 188-191; Hebraica 1892-1893, pp. 216-225, 1893-1894, pp. 122-156)؛ وكان واتسون قد اقتنى مخطوطًا آخر واعتقد أنّه قديم جدا (.Journal of the American Oriental Society, Vol. xx. pp. 173 et seq). وقد تمتلك كل مكتبة عامّة كبيرة وكل مكتبة لاهوتية مخطوطًا واحدا (منذ إرسال هذا المقال للطباعة علم بارتون بأنّ المُتحف البريطاني قد اشترى مؤخرًا عددًا ضخمًا من المخطوطات المرغوب بها من السامريين).

الجدير بالذكر أن السامريين يقبلون أسفار موسى فقط وعند انفصالهم عن اليهود أخذوا معهم أكثر الأسفار احترامًا وتبجيلًا في فلسطين. لم يأخذوا أيًّا من الأنبياء بالرغم من أنّ بعضهم كان من سبطهم، ولم يأخذوا سفر يهوشوع التوراتي فلهم روايتهم. التوراة بأسفارها الخمسة أو الستّة كانت كاملة أيّام نحميا ٤٤٤ ق.م. وانشقاق السامريين حصل عام ٤٣٢ ق.م. ويسأل بارتون الآخرين لماذا لم يكن للسامريين ستّة أسفار؟

إنّ لتوراة السامريين قيمة  كبيرة لدقّتها؛ وفي خلال قرون الفراق والانشقاق حافظت كل من الطائفتين اليهودية والسامرية على استقلالية توراتها بدون المقارنة بينهما، ولا توجد الآن أية نزعة للقيام بذلك. كل جانب نسخ عن نسخه، ومن الجدير جدّا بالملاحظة بأنّ الفروق بينهما طفيفة لحدّ   كبير  وغير ذات بال بصورة عامّة. تعتبر الترجمة السبعينية (Septuagint) مرجعًا نصيًّا عاليًا وبحقّ ويعود تاريخها إلى قرن أو أكثر بعد التوراة السامرية. هذه التوراة بالكاد أكثر من نقحرة لأبجدية قديمة معدّلة. الترجمة السبعينية كانت قد قورنت مرارًا بالتوراة العبرية  أما السامرية فمستقلّة وهي بالتأكيد ليست أقلّ قيمة من السبعينية.

أوريجن (Origen، لاهوتي مسيحي من آباء الكنيسة، ١٨٥-٢٥٣م، مؤلفاته كثيرة باليونانية حول مواضيع لاهوتية متشعبة، شروح، وعظ ونقد النصّ) كان يقتبس من التوراة السامرية باحترام وكان هناك آباء كنيسة آخرون فضّلوا هذه التوراة على تلك اليهودية. ولكن نقد النصّ كان قد توقّف في كنيسة القرون الوسطى عند تبنّي الترجمة اللاتينية، الڤولچاتا (Vulgate، الترجمة اللاتينية للكتاب المقدس، أواخر القرن الرابع، أصبحت المرجع الرسمي في الكنيسة الكاثوليكية خلال القرن السادس عشر، قام بمعظم الترجمة القديس جيروم). طيلة قرون من الزمان لم ير الباحثون نسخة من التوراة السامرية وبدأ التشكيك في وجود مثل هذه التوراة. في عصر الإصلاح حيت ازدهرت الترجمات فظهرت ترجمة الملك جيمس الشهيرة المعتمدة على النص الماسوريتي اليهودي فقط.

في ذلك الوقت تقريبًا ذهل الباحثون عند وصول نسخة من التوراة السامرية لباريس واحتدم الجدال في أوساط بحث الكتاب المقدّس في العصر الحديث. يُقال إنّ يوليوس كيسر سكاليچر(Julius Caesar Scaliger, 1484-1558) كان أوّل من نبّه إلى أهمية إيجاد نسخة من التوراة السامرية، في ما إذا كانت ما زالت موجودة. ثم حاول ابنه جوزيف سكاليچر(Joseph Scaliger 1540-1609) أعظم الباحثين آنذاك، والذي فاق أباه باهتمامه بنقد النصّ، الحصول على مخطوط للتوراة عن طريق مراسلة السامريين أنفسهم في القاهرة ونابلس الذين أجابوا عن أسئلة سكاليچر، وتأخّر وصول الجواب ومات قبل تسلّم الإجابات على استفساراته وأسئلته وكان ذلك قبل إتمام نصّ الملك جيمس بسنتين.

اقتراح السكاليچريْن، الأب والابن، أثمر عام ١٦١٦ بواسطة النبيل الإيطالي، پيترو دِلّا ڤَلّي (Pietro della Valle, 1586-1652)؛ أصيب بخيبة أمل في حبّه، فكّر أولا مليًا بالانتحار ولكن بدل ذلك قام برحلة إلى الأرض المقدّسة؛ مكث سنة في القسطنطينية/إسطنبول حيث حصل من السفير الفرنسي دي سانسي على تفويض/وكالة لشراء مخطوطات سامرية. واسى نفسه بتزوّج امرأة سورية مسيحية أثبتت بأنّها رفيقة جريئة ومساعدة وسافر بعيدا. حاول عبثًا اقتناء مخطوطات في القاهرة وغزة ونابلس. ولكن في دمشق تمكّن من شراء نسختين من التوراة السامرية، الأولى مدوّنة عى الرَقّ والثانية على الورق. أرسل الأولى لدي سانسي الذي بدوره أرسلها لمكتبة الأُراتْوار (Oratoire) في باريس واحتفظ بالثانية. استُخدم المخطوطان في إعداد توراة باريس متعدّدة الألسن (١٦٢٩-١٦٤٥)، الپوليچلوتا التي طُبعت بعد ذلك في پوليچلوتة لندن (١٦٥٧).

اهتمّ رئيس الأساقفة أُشير (James Ussher, 1581-2656، اشترى سبعة مخطوطات للتوراة السامرية واحدة منها بالعربية والبقية بالعبرية في عشرينات القرن السابع عشر) بالمخطوطين وبدأ بجهوده للحصول على المزيد. أحد تلك المخطوطات التي أرسلت بحرًا قد وقعت في يد قراصنة ولكن تمّ الحصول على آخر  بثمن باهظ. وفي العام ١٦٧١ زار روبرت هنتنچتون (Robert Huntington، ١٦٣٧-١٧٠١، مطران ومستشرق بريطاني، هو الذي أبلغ السامريين بوجود إخوة لهم في إنجلترا، أي خدعهم بالعربي الفصيح؛ ما جمع من مخطوطات موجود في أكسفورد وينظر في كاتالوج Alexander Nicoll, Oxford 1835) المطران لاحقًا سامريي نابلس. يبدو أن السامريين فهموا أنّه يمثّل السامريين في أوروبا فزوّدوه بنسخة من التوراة، وكتبوا رسالة لإخوتهم المزعومين في إنجلترا. توماس مارشال (Thomas Marshall، ١٦٢١-١٦٨٥ ) عميد كليّة لنكولن في أكسفورد ردّ على هذه الرسالة وخمس رسائل لاحقة وقد نشرت هذه الرسائل عام ١٦٩٩.

في العام ١٧٣٣ نشر بنيامين كنيكوت (Benjamin Kennicot, 1718-1783) أطروحة دكتوراته ”وضع/حالة النصّ العبري المطبوع للكتاب المقدّس“ وفي العام ١٧٥٩ أصدر عملًا آخر حول الموضوع ذاته وأرفق كاتالوجًا بالمخطوطات العبرية الموجودة في لندن وأكسفورد وكمبردج، وقد دافع عن النصّ السامري. وقد أثار عمله هذا خصومة وعداوة شديدة ولكنه تمخّض عن الحصول على عشرة آلاف جنيه استرليني لشراء مخطوطات عبرية، وهكذا جمع وقورن ٦١٥ مخطوطًا وطبع النصّان العبري والسامري بأعمدة متوازية في ٣٠ مجلدا. في هذا العمل الضخم استخدم ١٦ مخطوطًا سامريا غير كامل. عادة عارض البروتستانت التوراة السامرية والكاثوليك أيّدوها ولكن هذا الخلاف خمد تدريجيا. ونصّ الملك جيمس غدا شعبيا. وغدت الإحالات للتوراة السامرية نادرة أكثر.

كرّس الباحث چيزينيوس (Wilhelm Gesenius، ١٧٨٦-١٨٤٢، مستشرق وباحث ألماني لوثري، أطروحته للدكتوراة باللاتينية كانت حول أصل التوراة السامرية ) في العام ١٨١٥ عملًا مستفيضًا حول الموضوع وأظهر رجحانا عامًّا للنص الماسورتي، ومنذ ذلك الوقت كانت هناك نزعة عامّة لدى الباحثين المحافظين لرفض ذلك كلية. وكان كوپنچر (Copinger) قد أشارإلى العدد الكبير من التوافق بين النص السامري للتوراة والترجمة السبعينية والقيمة الكبيرة التي نسبها آباء الكنيسة لنصّ السامريين. ويضيف كوپنچر بأنّ في النص السامري بالتأكيد، قراءات مغايرة لما في النصّ العبري الحالي وبعضها لا شكّ ناتجة عن كونها منسوخة عن نصّ اختلف عن ذلك الذي اعتمده الماسورتيون.

هنالك تخمينات كثيرة حول أصل التوراة السامرية وتوافقها المتكرّر مع الترجمة السبعينية، ويبدو أن نظرية چيزينيوس التي أيّدها موسى ستيورت (, Biblical Repository, 1832, p. 714 Moses Stuart) هي الأكثر منطقية وقَبولا وهي القائلة بأنّ النصّين السامري والسبعيني مستمدّان من مصدر مشترك أقدم من كليهما ومختلف عن النص الماسورتي. لا يمكن ألّا يكون للنص السامري قيمة ما بالرغم من أنّه بصورة عامّة يعرِض نصًّا دونيًا واضحًا مقارنة بالنص الماسورتي، اليهودي. عندما يختلف النص السامري عن النصين اليهودي/المقبول والسبعيني فهو ربّما ذو قيمة ضئيلة. هنالك على الأقلّ ألف قراءة، معظمها عديم الأهمية، فيها تختلف الترجمة السبعينية عن النص العبري اليهودي وتتوافق مع النصّ السامري. وقد قام البروفيسور بيرنهارد پيك (Bernhard Pick، ١٨٤٢-١٩١٧، باحث وقسّيس ألماني/أمريكي لوثري، كتب عن تاريخ اليهود والقبالاه والتلمود) بتدوين الاختلافات الأساسية بين التوراتين اليهودية والسامرية في مقالات نشرت تِباعًا في  الدورية Bibliotheca Sacra (مج. ٣٣، ١٨٧٦، ص. ٢٦٤-٢٨٧، ٥٣٣-٥٥٧؛ مج. ٣٤، ١٨٧٧، ص. ٧٩-٨٧؛ مج. ٣٥، ١٨٧٨، ص، ٧٦-٩٨، ٣٠٩-٣٢٥) ، وهذا العمل حقًّا في تقدير بارتون ذو قيمة أكبر من عمل چيزينيوس. وينظر كذلك في مقاله الشامل والدقيق في McClintock and Strong.

باستثناء مواضع قليلة في الخلافات المذهبية بين التوراتين اليهودية والسامرية فإنّ النصّ السامري  مرجع جيّد تمامًا مثل الترجمة السبعينية وربّما أفضل منها بقليل إذا أُخد قِدمه بالحسبان. إذا زُعم بأنّ الكهنة السامريين كانوا أقلّ علمًا من كهنة أورشليم ولذلك كان الاهتمام بنسخ المخطوطات أقلّ فمن الممكن الردّ على ذلك بالقول من ناحية أخرى، بأنّ المخطوطات السامرية مع ذلك تمتاز بتناغم مدهش لانحصارها في مجموعات أو جاليات قليلة، وأخيرًا لواحدة فقط حيث تواتر النسخ كان أقلّ وكثرت المقارنة بنصوص لا شكّ في قِدمها. أضف إلى ذلك أنّ اهتمام اليهود الفريد بمخطوطاتهم يرجع بشكل خاصّ إلى الكتبة الماسورتيين وللسامريين على الأقلّ مخطوط واحد أقدم من الماسورتيين. وبشأن الخلافات المذهبية بين اليهود والسامريين فإنّ القيمة الراجحة تسقط ولكن في مثل تلك الحالات السؤال حولة صوابية أيّ نصّ تبقى بدون حلّ أو إثبات.

هنالك اختلافات ثانوية قليلة ما بين التوراة اليهودية والتوراة السامرية، وفيها النصّ السامري مطابق للترجمة السبعينية فهنا الصواب بالتأكيد تقريبًا إلى جانب النصّ السامري. على سبيل المثال في سفر التكوين ٤: ٨ الذي ترجم للإنجليزية ”وقاين قال لأخيه“، ولكن ماذا قال له؟ في التوراة السامرية وكذلك في الترجمة اليونانية، السبعينية قال قاين ”نمضي الى الصحراء/للبرية“ (أُنظر حسيب شحادة، الترجمة العربية لتوراة السامريين، المجلّد الأوّل: سفر التكوين وسفر الخروج، القدس: الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للعلوم والآداب، ١٩٨٩، ص. ١٦-١٧). والظروف تثبت على الأرجح صحّة تلك الرواية.  ولكن بدلًا من أن يخبر قاين شقيقه هابيل ما قاله له الله فإنّه يُخفي ذلك، ودعا هابيل إلى البرية حيث قتله غدرًا ومع سبق إصرار. وكذلك في سفر التكوين ٤٧: ٢١، روي بأن المصريين أتوا إلى يوسف وعرضوا عليه بيع أراضيهم وأنفسهم، وتقول الترجمات الإنجليزية عن العبرية ”وهو نقلهم إلى المدن“ ولكن النصّ السامري وكذلك الترجمة السبعينية يقولان ”والقوم استعبدهم/استخدم معه عبيدًا/فلاحين“  وهذا على الأرجح هو الصواب (أُنظر شحادة المذكور، ص. ٢٤٠-٢٤١).

ثمّة ثلاثة اختلافات ذات بعض الأهمية ما بين التوراة السامرية والتوراة اليهودية، وأحد النصّين كان قد غُيّر عمدا. الاختلاف الأوّل في سفر التكوين ٢٢: ٢ حيث أُمر إبراهيم بتقديم ولده إسحاق أضحية في أرض مورية (Moriah) ولا نعلم شيئًا عنها، ولكنّنا نعرف عن جبل موريّة حيث أقيم في ما بعد الهيكل في أورشليم ونحن نعلم عن أرض موريه (Moreh) في منطقة شكيم. إمّا أن يكون اليهود قد بدّلوا نصّهم لموريّة ليظهر أن أضحية إسحاق حدثت حيث أقيم لاحقًا الهيكل، وإمّا أنّ السامريين قد غيّروها إلى موريه لنفس السبب، أي إضفاء قدسية لمنطقتهم الخاصّة. يحيل السيّد بارتون إلى دين ستانلي (Arthur Penrhyn Stanley, 1815-1881، معروف بدين ستانلي، أكاديمي ورجل كنيسة بريطاني) الذي عالج هذه الجزئية باقتدار، وأظهر في نظر بارتون بشكل لا يقبل إعادة نظر أنّ جريزيم وليس أورشليم كان على الأرجح، المكان الذي قدّم فيه إسحاق ومكان لقائه بملكيصادق [Stanley’s Sinai and Palestine, pp. 316-319]. 

اختلاف آخر ممتع يتمثّل في إقحام فقرة تأمر بإقامة العبادة على جبل جريزيم بعد الوصايا العشر في التوراة السامرية. وقد أُكّد مرارًا بأنّه من أجل إقحام هذه الوصيّة جعل السامريون الوصايا العشر تسعًا وووضعوا هذه العاشرة. ولكن المخطوط، الكودكس، لدى بارتون لا يؤيّد هذه الرأي. الوصايا العشر موجودة في ثلاث مجموعات ، سفر الخروج ٢٠: ١-٧، ٨-١١، ١٢-١٧، بالضبط كما هو الوضع لدى المسيحيين ولكن طبعًا بدون التقسيم إلى آيات/أعداد. بعد هذا رأسًا وفي درس اليوم ذاته، جمعت من ثلاثة مواضع من سفر التثنية ٩: ٢٩؛ ٢٧: ٢ إلخ.؛ ١١: ٣٢، تظهر وصية العبادة على جبل جريزيم. ويثبت بارتون القسم التالي للوصايا ١٣ سطرًا بالرسم السامري من سفر الخروج ٢٠: ١٤أ-١٤هـ أي من והיה כי יביאך (الياء الثانية والألف أضيفا فوق الباء والكاف)  יהוה אל ארץ הכנעני … אצל אלון מורא מול שכם. (في أول السطر السادس ورد בהרגיזים/بهرچيزيم (الراء الثانية ساقطة) بهذا الشكل؛ والكلمات: והעלית עליו עלות ליהוה אהיך، ناقصة في فقرة بارتون). بعد هذه الفقرة بالرسم السامري يثبت بارتون

نقحرتها إلى الحرف العبري المربّع بالتشكيل الكامل وبترجة للإنجليزية أعدّهما لبارتون د. فوستر/ Foster.

لا ضرورة في إطالة النقاش هنا حول أيّ النصّين أصحّ. من الموثوق به اتّباع القراءة الأقصر واعتبار هذه الفقرة في التوراة السامرية بأنّها إضافة أو إقحام جيء بها من فقرات متماثلة في سفر التثنية. التساؤل يتكرّر عند التطرّق لأهمّ الاختلافات، ألا وهو مكان بناء الحجارة التذكارية التي أُمر بوضعها يهوشوع؛ أهو على جبل عيبال أم جبل جريزيم؛ أنظر سفر التثنية ٢٧: ٤. لا يمكن البتّ في هذا السؤال لصالح تفوّق النصّ اليهودي، مجموعة كاملة من المخطوطات بالعبرية تقول إنّ الحجارة أُقيمت على جبل عيبال ؛ ومن جهة أُخرى هنالك مجموعة كاملة من المخطوطات تقول على جبل جريزيم. كلا الفريقين من النسّاخ توخّيا الدقّة بصورة عامّة؛ هنا لا وجود لإمكانية خطأ أو تبديل متعمّد لإثبات نقطة ما. مثال معروف يقدّمه سفر القضاة ١٨: ٣٠ حيث بدّل النسّاخ اليهود الاسم ”موسى“ إلى ”منشه“ بإضافة حرف النون بعد الحرف الأوّل (משה > מנשה) لرغبتهم في تخليص حفيد موسى من السلوك المخزي المشين، أي أن يكون الوثني الأوّل وكذلك في الوقت ذاته إلحاق قذف مبرّر حِيال السامريين. إذا لم يحسن اليهود في إجراء مثل هذا التغيير لمنفعة تافهة فإنهه بالكاد يكونون قد أحسنوا في تغيير الفقرة في سفر التثنية  المتعلّقة بأولوية مكان العبادة.

روبرتسون سميث (Robertson Smith) والنقّاد في الوقت الراهن بصورة عامّة يتّفقون مع المحافظين في زمن كنّيكوت (١٧١٨-١٧٨٣ ،Benjamin Kennicott) لصالح الرواية اليهودية. يعتقد روبرتسون سميث في الموسوعة بريتانيكا Britannica بأن القراءة السامرية ”غير تاريخية بشكل ساطع“. والمكان المقدّس غير المسمّى في سفر التثنية لا يمكن أن يكون جبل جريزيم ويجب أن يكون أورشليم برأيه طبعًا، لأنّ سفر التثنية قد نُشر عام ٦٢١ وأورشليم كانت حقيقة واقعة. ولكن في تلك الحالة لماذا لم يكتب اليهود سفر التثنية وفق الحقائق كما كانت لدرء أي احتمال للنزاع والخصومة. وحينما اختار السامريون واحدًا من الجبلين لهيكلهم، لماذا اختاروا ذلك الذي يتطلّب تبديل نصّ التوراة الذي كان بأيديهم؟ على كل حال يرى بارتون أنّ لا أحد تمكّن من الردّ على دراسة كنّيكوت التي خلصت بالأساس إلى أنّ الحجارة التذكارية أُقيمت على جبل جريزيم كما يدّعي السامريون لأسباب منها، أنّ جبل جريزيم كان جبل البركات، ولا يعقل أن يقام المذبح على جبل اللعنة، عيبال والجبل الأوّل جميل ومثمر، أما الثاني فقاحل؛ ويوتام اختار جريزيم ليكون منبرًا لوعظه أمثاله الرمزية لأنّه كان بقعة مقدّسة من قبل؛ وجريزيم كان على الأرجح  المكان التقليدي لتقدمة إسحق؛ وسبط يهوشوع هو إفرايم والعاصمة كانت شكيم عند تكريس الحجارة التذكارية . لو وضعت الحجارة في عيبال للمذبح فمن هناك كان سيقوم بالتقدمة؟ رئوبين، جاد، آشر، زبولون، دان، نفتالي الذين كانوا على عيبال؟ الأسباط الكبيرة كانت على جبل جريزيم وهناك اللاويون المخوّلون الوحيدون لتقديم الأضاحي. من غير المعقول الافتراض بأنّ المذبح أُقيم على الجبل حيث لا أحد يستطيع استخدامه (أنظر أطروحة كنّيكوت الثانية حول النصّ العبري المطبوع، أكسفورد ١٧٥٩، ص. ٧٥-٧٦). يعتقد بارتون بأنّ الأمر بإقامة مكان مقدّس المتكرّر في كثير من الأحيان في سفر التثنية مثل ١٢: ٥-٢١؛ ١٤: ٢٣؛ ١٥: ١٩-٢٠؛ ١٦: ١١؛ ٢٦: ٢ إلخ.  أقدم بكثير من العام ٦٢١ ق.م. ولكن إذا كان لدى اليهود هذا الأمر بإقامة مكان مقدس مركزي هل قاموا بذلك؟ بالتأكيد ليس في أورشليم ولا في شيلو حيث تابوت العهد، إذا كانوا أقاموا أيّ مكان مقدّس مركزي فكان في نابلس في جريزيم والذي غيّروه بعد ذلك بمدة طويلة إلى عيبال من أجل الشرف المفترض لهيكلهم المقام بعد ذلك في أورشليم . يعتقد بارتون أنّه من المحتمل أن تكون شكيم العاصمة المنطقية في وقت الاستيطان في فلسطين، واعتبر المكان مقدّسًا لكل الأمّة. شكيم الواقعة في وسط الطريق بين دان وبئر السبع؛ بين النهر والبحر، نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسّط؛ المكان الذي توجّه إليه إبراهيم؛ المشهد التقليدي للقاء إبراهيم بملكيصادق ومكان تقديم إسحق قربانا؛ بيت يعقوب؛ قبر يوسف بعد أربعين سنة؛ كانت شكيم ملائمة بشكل رائع  لتتبوّأ منزلة العاصمة الوطنية والمكان المقدّس. وهناك بنى يهوشوع بيته؛ وهناك في البداية أدّى إلى إقرار التوراة؛ وهناك أقام التذكار والمذبح؛ وهناك دعا الأسباط لاجتماع احتفالي.

ينهي بارتون مقالته بالقول إنّ أورشليم ويهودا قد أقيمتا على حساب شكيم وإفرايم وعبء الضرائب في عهد سليمان كان ثقيلًا على الأسباط الأُخرى باستثناء يهودا، أنظر سفر الملوك الأوّل ٤: ٧-١٩. اتّسعت مملكة سليمان وازدهرت وتفكير الملك كان مقتصرًا على مملكة يهودا وفي آخر المطاف حدث الانفصال المحتوم بين يهودا وإسرائيل. وهكذا وقفت يهودا بعاصمتها الريفية إزاء مملكة إسرائيل الحقيقية والأعظم.

إذا كانت شكيم العاصمة الوطنية بما لها من تداعيات معان مقدسة وكونها عزيزة على كلّ الأسباط ومركزية لها؛ إذا كان تابوت العهد في جريزيم بدلًا من في المدينة التي احتلّها داڤيد من اليبوسيين (أورشليم) والتي بدون ماضٍ مقدّس بقدر معرفتنا؛ وإذا كان يهودا أقلّ تكبّرًا وغرورًا وتجبرًا والملوك تحيّزوا إليه أقلّ على حساب الأسباط الأخرى، كما كان ينبغي لكانت العاصمة في منطقة إفرايم؛ وإذا كان الشعب قد تركّز حول مدينة لم تبن على جبل بدون ماء بل في أخصب وادٍ في البلاد ومحاطة بجبلين فوقها للدفاع عنها، أكان سيكون هناك الاضطراب والمنافسة ومؤهلات سيّئة لرجل الدولة والسقوط  الواردة في الكتاب المقدّس؟

ماذا كان سيحصل لو ساروا وفق التوراة السامرية؟

وأخيرا وبخطّ الكاهن يعقوب بن هرون بن سلامة بن غزال الكاهن الأول، الكاهن الأوّل وبالرسم السامري في الأصل. هذا الخطّ المائل/ يشير إلى نهاية سطر وبداية آخر:

קצין. ר.ונ: / א.ב.ג.ד.ה.ו.ז.ח.ט.י / כ.ל.מ.נ.ס.ע.פ.צ.ק /.ר.ש.ת.

..............

 

حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

 

mutham aljanabi2إن بلوغ الفكرة النقدية ذروتها في تأسيس العقل الثقافي الذاتي كانت بدورها المقدمة التي أرسى عليها محمد عبده مهمة تأسيس الروح الثقافي الذاتي. فالروح الثقافي الذاتي هو ربط عضوي متجانس للعقل الثقافي الذاتي بالتاريخ القومي مع البقاء ضمن فلسفة الرؤية الثقافية الإنسانية. وليس مصادفة أن تتلازم في مجرى تطور الرؤية الإصلاحية عند محمد عبده الفكرة المصرية والعربية الإسلامية، بما في ذلك في مواقفه المتطورة من العثمانية والتركية بوصفها قوى سياسية غريبة ومغتربة عن حقائق التاريخ المصري والعربي الإسلامي. بمعنى أن اشد الأشكال نقدية وشدة في مظهرها القومي ليست إلا الصيغة الوجدانية العارمة للروح الثقافي الذاتي، أي أنها تخلو من حيث بواعثها وغايتها عن الأبعاد القومية العنصرية.

بعبارة أخرى، إن النزعة "القومية" الجلية أحيانا في عبارات محمد عبده في نقده للتركية والعثمانية ومختلف الأقليات "الغريبة" على مصر، لم تكن إلا الصيغة السياسية الحادة عن فكرته الإصلاحية. وبالتالي لا علاقة لها بصراع القوميات الضيق والأديان والمذاهب. على العكس أنها كانت تحتوي في أعماقها على محاولة إعادة بناء العلاقة العربية التركية، والعربية – الإسلامية، والمذاهب الإسلامية، والإسلامية – النصرانية بمعايير الفكرة الإصلاحية، أي رفعها من حضيض القومية والعرقية والعنصرية والدينية والطائفية والذهبية إلى مصاف الفكرة الإصلاحية (الإسلامية) الكونية وإقرارها الفعلي بالتنوع القومي والديني والمذهبي. لهذا نراه على سبيل المثال يشكو في إحدى رسائله للأفغاني في معرض حديثه عما اسماه بمعرفته بمسيحي الشوام قائل: "وجميعهم مع بعض المصريين من اصطبل واحد"[1]. وأدرج ضمنهم أديب اسحق وسليم النقاش وسعيد البستاني. وفي معرض حديثه عن موقف "الأقليات" الدينية والمذهبية والقومية بالمصالح الكبرى للعرب والدولة العثمانية (الإسلامية) نراه يصور النصارى عموما على أن ولائهم للغرب الأوربي (الفرنسي والبريطاني). بل ويضيف إليهم أيضا السنّة، وبصفهم اقرب إلى هذا السلوك فيما يتعلق بإرسال أبنائهم إلى المدارس الأوربية والأمريكية النصرانية (التبشيرية). وكذلك حال الدروز رغم بعض الاختلاف. لكنه يفرز الشيعة عموما والنصيرية (العلوية) خصوصا من بينهم ممن يرفض إرسال أبنائهم لغير المكاتب الإسلامية[2].

غير أن هذا النقد وأمثاله هو مجرد مظاهر خارجية للفكرة الجوهرية في فلسفة الإصلاح، أي فكرة تأسيس العقل الثقافي الذاتي (العربي الإسلامي). وليس مصادفة أن يكون نقده الفعلي موجها ضد سلوك الدولة في تعميم الجهل ولكن من خلال نقد سلوك المذاهب والأديان أيضا. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه مما اسماه بفضائل السنّة بالنسبة للدولة، انطلاقا من فكرة "الأكثرية" الفاعلة آنذاك بمعايير التاريخ الفعلي والثقافة القائمة. وإذا كانت تحتوي في بعض جوانبها على ضيق مذهبي فانه يتبخر تحت حرارة الفكرة الإصلاحية الداعية إلى ضرورة تأسيس ما أسميته بالعقل الثقافي الذاتي، أي الدرجة الأرقى لتأسيس العقل الثقافي. من هنا نرى أيضا تخوفه مما اسماه بعاقبة انحراف السنة في ظل استمرار ابتعاد الدولة عن الاعتناء بهم[3]. وينطبق هذا على نقده للأقليات القومية. بمعنى نقده إياها بمعايير التاريخ السياسي وليس القومي. من هنا يمكن فهم مواقفه على سبيل المثال من سلوك صلاح الدين الأيوبي في جلبه للمماليك، وما آلت إليه البلاد لاحقا. بحيث يعتبر الشراكسة (المماليك) في آخر مراحلهم أتعس من كل ما سواهم. بحيث نرى احدهم يجرّب حدة السيف في أماكن بيع السلاح من خلال رؤية آثاره على المارة بقطع رؤوسهم أو أجسادهم[4]! وضمن هذا السياق ينبغي أيضا فهم موقفه من الأتراك، كما هو جلي على سبيل المثال في عباراته القائلة "إن جميع المصريين السياسيين منهم والعاديين يكرهون الأتراك. ولا يشعر المصري بشيء تجاههم غير القرف والكراهية والاستعداد للقتال"[5]. وإن "الأتراك ظلمة. وتركوا في البلاد من أثار السوء ما يضرب القلب ضربان الجرح. فلسنا نريد رجعتهم ولسنا نريد معرفتهم"[6]. بل نراه يجزم مرة قائلا:"ما أحب أن يكون الحاكم في بلادي تركيا أو شركسيا، لان استعداد أهل بلادي للحكم أقوى من استعداد هذين الجبليين. مظالمهم كبيرة كثيرة، موجودون حراس على أبواب السجون"[7]. وبالمقابل جرى مرة تصوير محمد عبده بعبارة "هذا المصري الأصيل من أهل الفول وليس المصريين المزيفين من أتراك وشراكسة وأرمن وشوام ويهود، كل منهم يدعي انه ابن النيل لا نيل فيه ولا نبل"[8].

إننا نقف هنا أمام رؤية متراكمة لتأسيس الروح الثقافي الذاتي بأبعادها الإصلاحية السياسية. من هنا تداخل وتراكم وانتظام الأبعاد الوطنية (المصرية) والقومية (العربية) والثقافية (الإسلامية). فعندما يتكلم عن الأبعاد الوطنية، فان مضمونها يبقى على الدوام راسخا ووثيق الارتباط بفكرة العمل من اجل الخير العام والقانون[9]. لهذا نراه على سبيل المثال، يعتبر تسوية الأمور المالية من دون الإخلال بمصلحة البلاد من بين أهم وأنبل عمل الحكومة والدولة[10]. وليس مصادفة أن نرى مختلف مظاهر هذه الرؤية بما في ذلك في لباسه ومأكله وتوجهه الحياتي وأسفاره وغيرها. فقد غيّر وجهته في السفر عبر صقلية عندما قالوا له بأنك سوف ترى آثار العرب هناك باقية. بل ونراه يقارن بين اهتمام الأوربيين بجمع آثار الماضي من التماثيل والرسوم ومعاناتهم في ذلك بما كان العرب المسلمين الأوائل يعانون من اجله بالنسبة لجمع الشعر وحفظه. ووجد في كلتا الحالتين أشكال مختلفة للاحتفاظ "بديوان" يسجل الماضي وأحداثه[11]. لكنه من جهة أخرى ينتقد العرب انتقادا شديدا على انعدام أثرهم في العصر الحديث. ويتساءل "أين هم"؟ وضمن هذا السياق نراه يؤيد ويدعم ما قام به لويس الصابونجي في نشره لتاريخ العرب والدفاع عن فضيلتهم التاريخية والثقافية. ويطالبه في الوقت نفسه بالاعتماد على مصادر التاريخ العربي الأصلية من اجل التوسع بهذا الصدد[12]. كما نراه يمدح حافظ إبراهيم في ترجمته لكتاب فيكتور هيجو (البؤساء). بل ويجد فيما قام به إبراهيم حافظ "تناسخا" لروح ابن المقفع، وإخراجا للعربية من العجمة[13]. ونفس الشيء يقوله في رسالته لسليم البستاني بعد ترجمته لكتاب (الإلياذة).

إن تحول اللغة إلى ميدان وأسلوب وغاية الإصلاح العقلي والروحي والثقافي للأمة يعكس تلقائية التطور الطبيعي والمنطقي للفكرة الإصلاحية عند محمد عبده. بمعنى مسارها الطبيعي والمنطقي صوب تكاملها الخاص بمعايير الرؤية الثقافية الإسلامية، أي الرؤية الثقافية التاريخية الخالصة. مع ما فيها من طاقة كبرى كامنة في تحرير العقل والوجدان من الاغتراب الثقافي والتقليد الفج. وليس مصادفة أن يجد محمد عبده "أول جناية" للجمود التاريخي والثقافي للعرب فيما دعاه بجمود أساليب وآداب اللغة العربية وضياع أمهات الكتب، أي المصادر الضروري بالنسبة لكل نهضة وإحياء ثقافي حر وأصيل. لهذا نراه يتكلم في معرض انتقاده لحالة اللغة العربية في وقته عن "الناطقين بالعربية من العراق إلى مراكش" بان "مثلهم مثل قوم من الأعاجم مخالطين للعرب". بحيث وجد في كلامهم بسبب المخالطة مفردات كثيرة من العربية! وهو ضياع تاريخي وثقافي هائل جعل محمد عبده يقر بان الاشتغال بلغة الأمة وآدابها فضيلة في نفسه ومادة من مواد حياتها. ولا حياة لأمة ماتت لغتها". ولهذا السبب أيضا نراه يصل إلى الفكرة القائلة، بان إصلاح الأمة يفترض إصلاح اللغة العربية. من هنا نقده لتقاليد الغربنة في اللغة بحيث نراه يعتبر أسلوب المعلم بطرس البستاني في جرائد (الجنة) و(الجنان) وعلى أثرها (الأهرام) مجرد تقليد فج لا قيمة له بحد ذاته. بل نراه يعتبر اندثار هذا النوع من الكتابة فضيلة. وهو نقد جارح ومتطرف لحد ما، لكنه يعكس غلو الفكرة الإصلاحية في موجهة حالة الانحطاط العميقة ومستوى الاغتراب المحتمل في تقليد لغة الغرب عوضا عن الرجوع إلى أصول اللغة ومنطق تراثها القومي والثقافي. من هنا ربطه بين فكرة إصلاح اللغة العربية وفكرة التمدن. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه عندما كان العرب في أوج كمالهم وتطورهم، بل وأرقى الأمم بمعايير ذلك الزمان، فان ذلك وجد انعكاسه أيضا في اللغة التي استطاعت أن تعبر عن انجازاتها ومعاركها الفكرية والروحية في مصطلحها وكلماتها وعباراتها وبيانها[14].

 إننا نقف هنا أمام تكامل التأسيس النظري للفكرة الإصلاحية من خلال بروز منظومة الوعي الإصلاحي الفاعل بالنسبة لإرساء مختلف المفاهيم والأفكار والمواقف والقيم. وليس مصادفة أن تحتل فكرة النظام والعدل والقانون أضلاع المثلث الكبير للفكرة السياسية الإصلاحية الإسلامية عند محمد عبده. فهو الثالوث الذي يعبر بصور نموذجية رفيعة المستوى عن ثالوث فكرة العقل الثقافي الذاتي والروح الثقافي الذاتي والروح السياسي الذاتي. (يتبع...)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 .....................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص627.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص101.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص103

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص858.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص428.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص428.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص645.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص.721

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1ص318-319.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة ج1، ص300.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص198.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص437.

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص372-373.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص23-24.

mutham aljanabi2كانت المبادئ الكبرى المتوحدة في الفكرة الإصلاحية لمحمد عبده كانت نتاجا منطقيا لفلسفته الإصلاحية. بمعنى أنها كانت تحتوي في أعماقها على وحدة التأسيس الأولي لما يمكن دعوته بالعقل الثقافي الذاتي، والروح الثقافي القومي، والفكرة السياسية الإسلامية. بمعنى أنها كانت تحتوي من حيث توجهها العام على تأسيس أبعاد ثلاثة كبرى تعمل من اجل توحيد وعي الذات الثقافي المتحرر من نير التقليد، والوعي الثقافي الذاتي (القومي) والوعي السياسي المبني على فكرة العدالة والحق.

غير أن هذا التوحيد الفكري لم يرتق إلى مصاف الرؤية المنهجية النظرية. بل كان اقرب إلى كمية متراكمة من المواقف والأفكار في مجرى تفتح ملامح المبادئ الكبرى للفكرة الإصلاحية الإسلامية عند محمد عبده.

لقد كان التوجه العميق والتلقائي في تأسيس العقل الثقافي الذاتي النتيجة الملازمة لصعود الرؤية النقدية. فالإصلاحية نقدية بالضرورة. والإصلاحية الإسلامية ليست نقدية فحسب، بل وتلقائية من حيث اختمار أفكارها وقيمها ولحد ما منهجية رؤيتها الوثيقة الارتباط بتجارب الأسلاف وقيم الثقافة الغابرة. لكنها ليست تقليدية. وليس مصادفة أن يتحول نقد التقليد إلى إحدى أهم المقدمات المنهجية والنظرية في الفكرة الإصلاحية. غير أن ما يميز الفكرة الإصلاحية الإسلامية لمحمد عبده هو أنها كانت ترتكز دوما على رؤية ثقافية إسلامية عقلانية وواقعية وإنسانية، أي أنها كانت تعتمد أولا وقبل كل شيء على أولية وجوهرية الموقف الثقافي.

فقد رفع محمد عبده فكرة النقد إلى مصاف الفكرة المتسامية. بحيث نراه يقول "الانتقاد نفثة من الروح الإلهي في صدور البشر"[1]. بل واعتبرها مصدر التطور وشحذ المعرفة وتدقيقها. كما أكد على انه بدون النقد لا تتوسع المعارف ولا تتجلى الحقائق ولا يعرف الحق من الباطل[2]. وان عدم الاستماع إلى النقد أو رفضه ومحاربته هو دليل على موت الروح والعقل. وليس مصادفة ألا يترك أية ظاهرة تخل بإمكانية الإصلاح أو عرقلته أو إعاقته دون أن يتطرق إليها بالنقد العميق واللاذع. إلا أن موقفه المنهجي ظل متماسكا حتى النهاية فيما يتعلق بوضعه التقليد والجمود الفكري والعقلي في أساس التخلف والانحطاط.

انطلق محمد عبده بنقده أولا للجمود الديني واستكمله بنقد مختلف مظاهر الجمود بوصفه الوجه الآخر للتقليد. إذ أن كل منهما يحدد ويمد الآخر بقوته المخربة للعقل والضمير. من هنا اعتباره الجمود جناية. فنراه تكلم عما اسماه بجناية الجمود على النظام والاجتماع، وجناية الجمود على الشريعة وأهلها، وجناية الجمود على العقيدة وغير ذلك. ووضع في الجناية الأولى "جناية التفريق وتمزيق نظام الأمة وإيقاعها فيما وقع فيه من سبقها من الاختلاف وتفرق المذاهب والشيع في الدين"[3]. أما في جناية الجمود على الشريعة وأهلها فوجدها في انقلاب المضمون والوظيفة العملية للشرعية. انطلاقا من أنها كانت في الأصل يسيرة وأصبحت الآن عسيرة. بينما ارجع مضمون جناية الجمود على العقيدة في نسيان أو تجاهل ثلاث مبادئ مترابطة ومركبة وهي أن الإيمان يعتمد اليقين ولا يجوز الأخذ فيه بالظن، وان العقل ينبوع اليقين في الإيمان، والإيمان فيما بعد ذلك من علم الغيب. بعبارة أخرى، أن الجمود الديني أدى إلى نفي حقيقة الدين بالمعنى الإصلاحي. فقد اعتبر محمد عبد العقل هو الحلقة الرابطة والقوة الجوهرية بالنسبة للإيمان الحق وليس قواعد العقائد الميتة. فالإيمان بالنسبة له يقين، والعقل هو مصدر هذا اليقين. وما يقع خارج ذلك فهو من علم الغيب، أي من عوالم لا يحق الحكم بها بصورة جازمة وتحويلها إلى مصدر للأحكام العملية. وعدم الأخذ بذلك يعني المراوحة في مستنقع التخلف والانحطاط المادي والمعنوي وخروجا على حقيقة الإسلام. من هنا فكرة محمد عبده عن أن الدين هو الذي كان "يطلق العقل في سعة. فلما وقف الدين وقعد طلاب اليقين وقف العلم وسكنت ريحه. ولم يكن ذلك دفعة واحدة ولكنه سار سير التدرج".

ووضع هذه الفكرة العامة في أساس نقده "للبدع" والحالة الدينية السائدة والأحكام العلمية والتصوف وغيرها مما يرتبط بهذا القدر أو ذاك بظاهرة الجمود والانحطاط الديني. فهو لم يقصد بالبدع سوى جملة الممارسات والمفاهيم المشوهة التي تتنافى مع تقاليد الإسلام العقلية والعقلانية والنزعة الإنسانية. من هنا نقده لممارسات الشعوذة "الصوفية" بوصفها "كرامات" بينما هي في حقيقتها شعوذة وامتهان للجسد والروح الإنساني[4]. وفي الوقت نفسه نراه يدافع عن روح التصوف، ويبعده عما هو سائد ومنتشر من تخلف وانحطاط الطرق والشعوذة. وفي كلتا الحالتين نقف أمام تبجيل خفي للتصوف يكمن من حيث الجوهر في أعمق أعماق الروح الإصلاحي لمحمده عبده. فقد وقف محمد عبده بالضد من الفكرة الواسعة الانتشار آنذاك والقائلة، بان التصوف هو احد الأسباب الكبرى القائمة وراء انحطاط الإسلام والمسلمين. ورد على ذلك بفكرة يمكن إرجاع مضمونها إلى ابتلاء التصوف في أول الأمر بالفقهاء الجامدين على ظواهر الأحكام، ولاحقا بالجهل به سواء ممن يتبع "ترهاته" ومن يجعل منها حقيقة التصوف. وذلك لان "الصوفية الحقيقيون في طرف، والفقهاء في طرف آخر" كمال يقول محمد عبده. لكن فساد كل منهما أدى أيضا إلى تشابكهما في تصنيع التخلف.

لقد وجد محمد عبده في مختلف مظاهر الانحطاط الديني تعبيرا عن الجمود والتقليد للمذاهب والانغلاق. وليس مصادفة على سبيل المثال أن يدعو إلى فكرة الرجوع إلى القرآن والسنة الصحيحة، أي المصادر الكبرى ولكن من خلال فهمها العقلي والعقلاني والواقعي بمعايير المعاصرة أيضا. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية العقائد وأهميتها بالنسبة للأحكام العملية، فإننا نراه يشدد على ما اسماه بفكرة الحكم لله وحده بحيث لا يؤخذ الدين عن غيره. غير أن هذه "الحاكمية الإلهية" لا تعني عنده سوى الاجتهاد العلمي والعملي من اجل "تقوية الإيمان وإصلاح النفس". وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الإيمان بالنسبة لمحمد عبده وثيق الارتباط بالاجتهاد العقلي، وان إصلاح النفس هي منظومة السلوك الأخلاقي والإرادة العملية الخيرة، من هنا يمكن فهم حقيقة المضمون الفعلي للأحكام العملية. بمعنى أنها تخرج من إطار التقاليد الميتة لأحكام القواعد العقائدية والذهبية والفقهية المتعلقة بمتطلبات الجسد والعبادات الباهتة. من هنا نراه يقول، بان بأننا حالما نقر ونعتقد بان لا فعل لغير الله، فان ذلك يعني ألا نطلب شيئا إلا منه. وفي الوقت نفسه أن نفهم بان "طلبنا منه يكون بالأخذ بالأسباب التي وضعها وهدانا إليها"، و"في حالة جهلنا أو عجزنا، عندها نلجأ إلى قدرته ونستمد عنايته وحده". مما سبق يتضح بان مقصود الفكرة هنا يعود إلى الرؤية العقلية الصارمة المتعلقة بضرورة الأخذ بالأسباب الطبيعية والسير بها حتى النهاية بوصفها "سنة الله في الوجود". أما العجز عن بلوغ الأسباب أحيانا، فانه مجرد وقفة في مواقف العلم النظري والعملي التي تكشف عن لانهائية المعرفة. وبقدر ما ينطبق ذلك على العلم ينطبق أيضا على العمل. من هنا فكرة استنتاج محمد عبده القائل، بان الأحكام العملية إنما تشرع لتقوية الإيمان وإصلاح النفس.

وطبق محمد عبده هذا الأسلوب النقدي تجاه مختلف المظاهر المخربة للعقل الثقافي الذاتي. بحيث نراه يتتبع أيضا مختلف الإصدارات والأنماط الكتابية. وليس مصادفة على سبيل المثال أن نراه ينتقد ظاهرة انتشار كتب النوادر والخيال والحب "الفاسد" والروايات الشعبية التي يتلذذ بها العوام بينما يديرون آذانهم عن الاستماع وقراءة كتب الأخلاق وعدم الاهتمام به[5]. وهو موقف ينبع من فكرته الإصلاحية القائمة على ضرورة بناء منظومة القيم والمفاهيم والمبادئ الأخلاقية الضرورية لتكامل المجتمع والدولة وتقدمهما وتمدنهما السليم. ولهذا نراه ينتقد ظاهرة ما يسمى بالأدب الوهمي، من تعظيم مزيف وما شابه ذلك[6]. بل نراه ينتقد بحدة مجلة (أبو نظارة) الواسعة الانتشار آنذاك في مصر بسبب دورها السلبي حسب اعتقاده بالنسبة لتأسيس العقل الاجتماعي والأخلاقي، وذلك لاهتمامها المفرط أو بنائها على منهج إثارة النكات والنوادر السخيفة والولع بالسب والشتيمة[7]. وطبق هذا المنهج في نقده للنقد السائد في الجرائد المصرية. وليس مصادفة أن نراه أحيانا يصور بعضهم بعبارات قاسية مثل قوله "يصورون أنفسهم بأنهم دعاة الحق بينما على حقيقتهم هو رسل الفوضى وجرذان النظام"[8].

وبقدر ما ينطبق ذلك على مواقفه من مختلف مظاهر الحياة الروحي والأدبية والفكرية، ينطبق أيضا على موقفه من التحليل السياسي والتاريخ السياسي لمصر نفسه. لهذا نراه أحيانا ينتقد التسطيح الفكري في النظر إلى سلوك الدول وسياستها تجاه مصر وبالأخص ما يتعلق منه بالموقف من فرنسا وانكلترا حيث يعتقد بان البحث في سياستهما تجاه مصر عن الدسيسة والوقيعة فقط هو جهل بحقيقة هاتين الدولتين![9]. لكنه في الوقت نفسه نراه يجد فيهما احد الأسباب الكبرى في إعاقة التمدن الحقيقي. والشيء نفسه يمكن قوله عن احد مواقفه من شخصية ودور محمد علي باشا بالنسبة لتاريخ التمدن الحقيقي في مصر الحديثة. إذ نعثر في موقفه هذا عن رؤية نقدية تستند إلى تاريخ مصر ما قبل الغزو الفرنسي، الذي جعل من صعود محمد علي جزء من حالة القدر. أما محمد علي باشا بالنسبة لمصر فهو "لم يستطع أن يحيي، ولكن استطاع أن يميت". إذ استعمل أسلوب الاستعانة بقوة على أخرى من اجل تصفية كل معارضة. وقضى على الشجاعة والفردية. بحيث لم يبق في البلاد رأسا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه[10]. يرفع الاسافل ويعليهم في البلاد (على عقدة ما فيه). قتل كل نفس قوية. وقضى على الأمراء وجعل من عائلته اميرة واحدة. بل وجعل البلاد المصرية إقطاعا واحده له ولأهله. ثم ادخل النموذج الغربي وسيادة الغربي ودونية المصري. أما الإصلاحات التي قام بها فمن اجل إحكام السيطرة. فهو لم يصلح اللغة ولا التربية ولا القانون ولا أعار اهتماما لأهل البلد ودورهم في الحياة. حاشيته من الارنائوط والشراكسة والأرمن. همهم خدمة السلطة. بلا ضمير ولا شريعة. كما انه لم يهتم بالمدرسة. من هنا انعدام أثرها. كما انه لا قيمة للترجمات التي قام بها. إضافة لذلك انه لم ينشأ صناعة لأنه لا اثر لها. وكذلك الحال بالنسبة للعلوم. والاقتصاد كان مجرد سخرة. قوة الجيش، لم تكن مصرية. من هنا اندثارها. فعندما دخل الفرنسيون كانت هناك مواجهة وقتال، وعندما دخل الانجليز فإنها كانت نهبا سريعا. أما "الدفاع عن الدين" فقد كان صراعا ضد الوهابية. بمعنى انه كان هجوما على الدين لا للدين. وذلك لأنها كانت مهمة سياسية لخدمة السلطان التركي العثماني. بحيث جعله كل ذلك يختتم فكرته عن آثار ودور وشخصية محمد علي باشا بالنسبة لتاريخ مصر الحديث بعبارة تقول "كان محمد علي لمصر قاهرا ولحياتها معدما"[11]. ولم تخل هذه النظرة من حماسة محمد عبده السياسية في مجرى معارضته آنذاك للخديوي عباس حلمي. غير أنها كانت تحتوي ضمن سياق رؤيته النقدية على ملامح قوية فيما يتعلق بتأسيس العقل الثقافي الذاتي. فمن الناحية السياسية المجردة قد تختلف اختلافا كبيرا عما في تقييم أستاذه الأفغاني الذي وجد في شخصية محمد علي باشا حالة نادرة بالنسبة للتاريخ الإسلامي الحديث، إلا أن التقييم الثقافي لها في مواقف محمد عبده ينطوي على أبعاد رزينة وعميقة، أو على الأقل أنها تحتوي على رؤية نقدية عقلية وعقلانية يمكن ملاحظة آثارها في حياة وتاريخ مصر بعد مرور أكثر من قرنين من الزمن.

غير أن الصيغة المثلى والمستوى الأرقى لتأسيس العقل الثقافي الذاتي في إصلاحية محمد عبده تبرز في جدله الفكري والنقدي في الدفاع عن تاريخ الثقافة الإسلامية والإسلام، كما نراها على سبيل المثال في سلسلة المقالات التي كتبها في الرد على هانوتو وفرح انطون. فقد ترك محمد عبده جانبا الهذيان السياسي لهانوتو القائل بضرورة "تلقيح" المسلمين بحب السلطة الفرنسية والخضوع والولاء التام لها، وفي حالة الجمع بين الاثنين طاب الجوار، وإلا فإن فرنسا لها الحق في القضاء عليهم وإزالتهم من وجه البسيطة! واعتبر ما يقوله هانوتو بهذا الصدد جزء من رؤية سياسية تاريخية لو لم يتعرض للإسلام وعقائده. إذ وجد في حصيلة آراء ومواقف هانوتو تعبيرا نموذجيا عن الرؤية التقليدية الفجة للاستعمار الفرنسي آنذاك، مهمتها إثارة العداء بين البشر. إضافة إلى ما فيها من أحكام وآراء تتنافى مع الادعاء بالمدنية والتسامح.

فقد كانت الفكرة الجوهرية للرؤية الثقافية عند هانوتو تقوم على معارضة الآرية بالسامية، وان الآرية هي مصدر التقدم على عكس السامية. وأن المسيحية تتمثل تقاليد الآرية عبر إنزالها الإله إلى التجسيد ومن ثم إلى الله الأب وعبره إلى الابن عبر روح القدس. مع ما في ذلك من تقريب للإله من الإنسان والسمو به. أما السامية فإنها تفصل بين الله والإنسان. وكذلك إذا كانت الجبرية من صفات الديانة السامية، فان من صفات الآرية على العكس، أي إقرارها بالنزعة القدرية.

وعندما وضع محمد عبده هذه الآراء على محك المواقف النقدية، فانه حاول أن يكشف عما فيها من فجاجة وتسطيح تصطدم بحقائق التاريخ. منها إن كانت الهند هي مصدر الآرية فان تراثها وتقاليدها تتعارض مع العقل والنزعة الإنسانية. ولعل شيوع وهيمنة نظام الطبقات هو احد الأدلة على ذلك. أما بالنسبة للتاريخ الواقعي، فان أوربا كانت إلى فترة قريبة موطن الهمجية والتخلف. إضافة لذلك أن ربط المدنية الأوربية بالنصرانية والآرية يتعارض مع ما في الإنجيل. والقضية هنا ليست فقط في أن الأناجيل نفسها صناعة "سامية" بل ولان ما في الإنجيل ودعوته إلى الزهد في الدنيا ومحبة الأعداء قبل الأصدقاء وما شابه ذلك يتعارض مع المدنية الأوربية الحديثة. إذ لا علاقة للمدنية الأوربية الحديثة بالإنجيل والآرية. وذلك لأن ما فيها هو تجسيد لسطوة المال، وسلطان القوة، ومدنية الذهب والفضة، والفخفخة والبهرجة، والاختيال والنفاق. أما من الناحية الفعلية المتعلقة بتطور المدنية والحضارة، فإن الإسلام هو الذي زحف على أوربا من خلال تنظيف وتنقية وتطوير علوم القدماء. ذلك يعني أن الإسلام هو الذي كان يحمل رسالة المدنية الإنسانية عبر تمثل وتوسيع ونشر الحصيلة الثقافة للقدماء (ما صنعته فارس ومصر واليونان والرومان). والشيء نفسه يمكن قوله عن قضية الجبر والاختيار.

لقد وجد محمد عبده في آراء هانوتو تسطيحا وجهلا بالفكر الفلسفي والديني. إضافة إلى تعارضها مع الوقائع والحقائق. فالجبر والقدر جزء من صراع الأفكار. وأنها كانت وما تزال بين النصرانيين كما بين فرق الأديان وغير الأديان جميعا. ثم هل رأيت يهوديا متكئا على قفاه لا يعمل؟ بل سمعنا ونعرف سلوك النصارى في الأديرة والرهبنة. والفكر اليوناني أيضا مليء بالإشارة إلى أثر القدر والبخت والاتفاق، أي مملوء بفكرة الجبرية. في حين يوجد في القرآن نحو أربع وستين آية تحث على الكسب. وفيه محاربة للجبر بكل أشكاله. إضافة إلى أن الإسلام يفرق بين اختيار الإنسان في أفعاله واثر القدرة (الإلهية). وان سلوك محمد وحياته كلها نضال وكفاح وتحد وتعبير عن الإرادة العارمة. وتوّج محمد عبده هذه الرؤية النقدية باستنتاج فكري سياسي وثقافي يقول، بأن مبادئ الصناعة والعمل عند جميع الأقوام المرتقية في سلّم الإنسانية واحدة. أنها تختلف بأسباب المعيشة وظروف الحياة والطبيعة والمناخ والتاريخ، وجميعها يأخذ من الآخر ولا فرق هنا بين سامي وآري. ويعكس هذا الاستنتاج رؤيته النقدية العقلانية والإنسانية الفاعلة باتجاه بلورة وتدقيق ما أسميته بالعقل الثقافي الذاتي، كما هو جلي على سبيل المثال، في مجرى نقده الفلسفي للآراء التي وضعها فرح انطون في مقارناته بين الإسلام والنصرانية، أي كل ما حصل على صيغته النهائية في كتابه (الاضطهاد في النصرانية والإسلام) أو (العلم بين النصرانية والإسلام)[12].(يتبع...)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

..................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص162.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص165.

[3] طبعا أن محمد عبده لا ينتقد الظاهرة من حيث مقدماتها التاريخية السياسية والثقافية والذهنية القائمة في الدين نفسه. وخطورته تكمن أولا في مستوى التطور ونظام الحرية وما يميز الفكرة الدينية نفسها من انغلاق نسبي ومطلق. تجعل من التكفير والتحريم والتجريم فعلا "مقدسا".

[4]  محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص50-52.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص60.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص64.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص297.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص627.

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص359.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص854.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص851-858.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة،   ج3، ص257-368

mutham aljanabi2احتوت الرؤية الإصلاحية عند محمد عبده على مبدأ دفين يحدد اتجاهها الفعلي ألا وهو أولوية إصلاح التربية بالنسبة للإصلاح الحق،على ان يستند هذا الإصلاح على التقاليد الخاصة[1]. بمعنى إن معاناة الاجتهاد العقلي في مواجهة إشكاليات الوجود التاريخي للفرد والجماعة والمجتمع والدولة والأمة ينبغي أن تقوم عبر تبني الرؤية التربوية الجديدة، التي اعتبرها ضرورية للوجود الإنساني أولا وقبل كل شيء. من هنا فكرته عن "إن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بالتربية[2]. ووضع فيها تربية الأصول أو الرجوع إليها ويقصد بذلك سلوك الأنبياء والمرسلين والحكماء. من هنا فكرته عن انه ليس القوانين الرادعة هي التي تربي الأمم، بل ما اسماه "بنواميس التربية الملية لكل امة"[3]، أي التربية المبنية على أساس التقاليد الخاصة، وبصفها الوسيلة الضرورية للتحرر من التقليد. وهذا بدوره الشرط الضروري للاجتهاد الحر والسير في طريق معاناة أو مكابدة نتائجه العملية. وإلا فإن كل ما يجري القيام به سوف لن يؤدي إلى إلا نتائج وآثار مخربة ومدمرة. والقضية ليست فقط في أن هذا النوع من الجهود (التي لا اجتهاد حر فيها) سوف تتحول إلى هباء، بل وكذلك لإمكانية ارتداده بالعكس تماما. من هنا مرجعية الفكرة التي بلورها والقائلة، بأن الأولوية بالنسبة للإصلاح هو إصلاح حال التربية استنادا إلى التقاليد الخاصة[4]. ولم يعن ذلك الانغلاق أمام الآخرين، على العكس. لهذا نراه يقف أيضا إلى جانب نشر المدارس بما في ذلك الأجنبية. بل ولا يمانع من إرسال الأطفال إلى المدارس الدينية للطوائف الأخرى (غير الإسلامية)، ولكن فقط في "حال عدم مبالاتهم بالدين". وهو موقف يعكس بقدر واحد الانفتاح الداخلي والتسامح الخارجي الذي يتفوق على نظيره الأوربي آنذاك أيضا. ولم يكن الحافز وراء هذا الموقف دينيا بقدر ما كان اجتماعيا وثقافيا بحتا. من هنا ربطه إمكانية إرسال الأطفال المسلمين إلى المدارس التبشيرية النصرانية في حال ألا يؤدي ذلك إلى ما اسماه بإثارة خلل وصراع داخل العائلة والمجتمع. غير إن موقفه العام والجوهري هو موقفه الإصلاحي الشامل في ميدان التربية والقائل بضرورة فتح وتوسيع شبكة المدارس الوطنية، لما لها من اثر وفاعلية في تكامل الشخصية الفردية بمعايير انتمائها الديني والقومي الثقافي[5]. وأسس لهذا الموقف على رؤيته المتعلقة بأهمية وجوهرية التربية في بناء الإنسان والمجتمع والدولة والأمة. وكتب بهذا الصدد، بأنه بدون التربية لا بمكن بلوغ الوحدة والقوة والتقدم وثبات العلوم واستثمارها. على العكس بدونها لا تؤدي حتى العلوم إلا إلى إثارة اللغو والهذيان. وقدّم نماذج عديدة بما في ذلك على مستوى اللغة العادية مثل إيراده كلام الأم لابنها "خذ هذا وأخفه عن الأعين حتى لا يراك أخوك" نموذجا عل سوء التربية لما في هذه العبارة من غرس لثلاث خصال مهلكات وهي الأثرة والدناءة والسرقة. ومن هنا أيضا فكرته عن انه لا يمكن بناء جمعية ولا جماعة ولا أمة من الجهلة والجاهلات. وقدم أمثلة من حياته في القضاء حيث وجد ما يقارب 75% من المشاكل التي قضى فيها بأحكام عادة ما تقع بين الأهل والأقارب! وتساءل عما إذا كان يمكن بناء مجتمع على هذا الأساس؟

لقد وجد محمد عبده في انعدام أو ضعف التربية السليمة سرّ الخراب والانحطاط. من هنا تشديده عل أهميتها العلمية والعملية. بل اعتبرها أسلوب بلوغ السعادة. فهو يسير ضمن تقاليد الفلسفة الإسلامية العقلانية التي وجدت في العلم والمعرفة سبب ومقدمات بلوغ السعادة ولكن من خلال نقلها إلى ميدان التنظيم الضروري الذي ينبغي أن تقوم به الدولة والمجتمع والأفراد. وليس مصادفة أن نراه يبحث عن كل صغيرة وكبيرة في مختلف تجارب الأمم، التي تكشف عن دور الفرد والمجتمع المدني والنخبة العاملة من اجل الخير العام والدولة والأمة[6].

بعبارة أخرى، انه جعل من التربية مهمة الدولة والمجتمع. وبهذا يكون قد أدرك قيمتها العلمية والعملية الهائلة بالنسبة للإصلاح الشامل. لهذا نراه يعتبر التعليم العام ضروريا. ويشير إلى مسئولية الدولة. فمصر تنفق على التعليم مائتي ألف جنيه بينما ميزانيتها تبلغ 12 مليون[7]. بل ونراه يربط فكرة غنى الأفراد والمجتمع والدولة بمدى انتشار التربية والمدارس فيها. وكتب بهذا الصدد يقول، إن أرض مصر غنية لكنها فقيرة. والسبب يكمن في الإنسان وتربيته. فقر البلاد بقلة الراشدين وغناها بكثرة المهتدين[8]. من هنا دعوته الأغنياء آنذاك من اجل المساهمة في بناء المدارس والتعليم. فهو ثروة لهم أيضا، مستشهدا بالتجربة الأوربية[9]. والغاية النهائية من وراء كل ذلك تقوم فيما للتربية والتعليم من اثر جوهري في سعادة الأمم. وكتب بهذا الصدد يقول، إنما الغرض من التعليم وإنشاء المدارس هو تربية العقول والنفوس من اجل نيل كمال السعادة. والمقصود بتربية العقول إخراجها من فساد الرؤية والمعتقدات من اجل بلوغ الحالة التي يمكن للمرء التمييز بها بين الخير والشر والصحيح والخطأ، أي بلوغ الحالة التي يصبح فيها العقل نافذا في الحكم على الأشياء، وتحول ذلك إلى سجية[10].

وإذا نراه أحيانا يشدد على أهمية التربية الدينية، فإن المقصود بذلك تربية الرؤية الإصلاحية. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه عن وضع ما اسماه بتربية المعتقدات الدينية الصحيحة في أولويات هذه التربية. بمعنى وضعه في أولوياتها ما هو مرتبط بمرحلة الإصلاح الديني والفكرة الإصلاحية، أي "تربية القلوب بما يرضي الخالق، وذلك بشرط عدم خروجها على مكارم الأخلاق"، كما يقول محمد عبده[11]. من هنا تأييده لإجراء وزارة المعارف (نظارة المعارف العمومية) بتعليم العقائد الدينية (التربية الدينية) ولكن بعد ربطها بشروط أساسية وهي أن تكون هذه التربية معنوية حقيقة وليس كعبادة الجاهليين، وملاحظة تعاليم هذه التربية من اجل "ألا تكون محشوة بالتخريف المضادة لحقيقة الدين"[12]. ودفع هذه الفكرة صوب أبعادها النظرية العقائدية عندما تناول قضية إصلاح مناهج التربية. إذ نراه يضع في فكرة تجديد المناهج (حالما تكون جزء من الإصلاح الديني) ضرورة القضاء على الأفكار السيئة مثل الجبرية والمرجئة. ومن ثم المطالبة بالعمل. ولكن من خلال نموذج للتربية دقيق يبدأ بالفقه الباطن، أي تربية الروح الأخلاقي. ثم البقية الباقية على أساس اليسير والسليم، أي المرتبط بالرؤية العقلية الصحيحة[13].

ومن اجل تنفيذ هذه المهمة وضع رؤية عملية تتعلق بتدريس العقائد والحلال والحرام والتاريخ مهمتها جمع الكلمة ونبذ الخلاف. على أن يجري تدريس ذلك كل قوم بلغته، بالعربية للعرب وبالتركية للأتراك وهكذا دواليك[14]. كما وضع هذه النماذج المختلفة للدارس الابتدائية ثم المتوسطة وما فوقه، مهمتها في نهاية المطاف الأخذ بمنطق الإصلاح والرؤية العقلانية والإنسانية مع البقاء التام والدقيق ضمن معايير التقاليد الإسلامية بوصفها تقاليد ثقافية[15]. وتعدى ذلك إلى مسألة الاهتمام بنوعية الكتب لما لها من اثر بالنسبة لتربية العقول والضمائر. فعندما تناول على سبيل المثال حالة الكتاب آنذاك في مصر نراه يشير إلى وجود أنواع من الكتب: دينية تقليدية واسعة الانتشار، وكتب حكمية عقلية فلسفية يصعب الحصول عليها، وكتب الأدب القديمة والحديثة وهي آخذت في الانتشار، وكتب خرافية أو ما يدعوه محمد عبده  بكتب الأكاذيب الصرف مثل عنتر وعبس والظاهر بيبرس وأبو زيد وغيرها، وكتب الخرافات، أي مختلف نماذج الكتب المتعارضة مع العقل من العفاريت وتأثير الأجواء على المصير. ووضع محمد عبده هذه الكتب الأخيرة في مقدمات بقاء وانتعاش التخلف الفكري والروحي والأخلاقي. على عكس ما سعت إليه الدولة من منع الكتب "المضرة بالدين والسياسة"[16]. أي على عكس إدراك الحقيقة التي تكشف عنها وتبرهن تجارب الأمم الراقية في سلم المدنية عما في العلم والتربية من قوة مادية وروحية. لهذا نراه يربط مهمة وإمكانية الدفاع عن الدولة والدين والإنسان بالعلم والتربية، بوصفهما القوى الوحيدة القادرة على مساعدة الأمم في مواجهة التدخل الأجنبي والاحتلال وغيره، انطلاقا من إن "العلم نافع لنا، والجهل مهلك لأرواحنا"[17]. ليس هذا فحسبن بل ونراه يربط بين التمدن الحقيقي ونتائج التربية القائمة على العلم. وليس مصادفة أن يعتبر المعيار الفعلي لحقيقة التمدن هو نمو الثروة العامة. وليس مظاهر البهرجة الزائفة[18]. ولا يكن بلوغ ذلك دون التربية والعلوم وذلك لما لها من اثر جوهري بالنسبة لتنظيم القيم الإنسانية الضرورية بالنسبة لبلوغ السعادة الحقيقية. فعندما يتكلم على سبيل المثال عن فكرة العدالة، فإننا نراه يربطها بالتربية والعلم. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن العلم والعدالة بالنسبة لدولة والأمة "متلازمان في الوجود". والرابط الفعلي بينهما هو العلم. وذلك لأن انتشاره يضيء العقول ويوصل المرء والجماعة إلى أن العدالة والمساواة هما العلة الأولى لسعادة البشر[19]. (يتبع....)

***

 

.......................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص168.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص168

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص60-61.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، 315.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص183

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص45

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص51

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص29.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص30.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة،ج3، ص31.

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص80.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص82.

[15] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص83-91

[16] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص54- 56.

[17] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص20-21

[18] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، 38-41.

[19] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص24-25.

mutham aljanabi2إن الصفة الغالبة على كل ما كتبه طه حسين هي التشويش الفكري، والذي نعثر عليه بين مقال وآخر وصفحة وأخرى في كل ما كتبه على امتداد حياته الطويلة. بحيث نعثر عنده على كل شيء من شك ويقين في آن واحد وبين لحظة وأخرى، مثل أن نراه يكرر عشرات المرات القول بأن الأدب مرآة تعكس الحياة والواقع، وفي أماكن أخرى يردد على انه لا معنى للأخذ بنظرية الشعر ومرآة الشاعر والأدب مرآة الأديب، وأنه لا يعرف إن كان الشعر مرآة شيء وما هو هذا الشيء، وإن نقد الناقد يصور لحظة من لحظات حياته اشتغل فيها بلحظات من حياة شاعر أو أديب[1]. وقد يكون كتابه عن المتنبي وكتاب (ألوان) من بين نماذجها الجلية بهذا الصدد. ففي كتابه (مع المتنبي) يبدأ بأمور صغيرة وينتهي بتشويش من قبيل هل أن المتنبي عربيا؟ ولماذا لم يشر إلى أبيه ويرثيه وما شابه ذلك[2]. مع أنها صفة اغلب الشعراء والأدباء والفقهاء والفلاسفة والمتصوفة وغيرهم. بل إن الكتاب نفسه كما يقول طه حسين نفسه لا علاقة له بالعلم والنقد[3]. وإن  "العيش مع المتنبي" بالنسبة له كان "خارج الدرس والبحث"، وانه للتأمل والراحة والاسترخاء والانفراد والانعزال[4]. وفي النهاية يقول، بأنه في مجرى البحث ترك اللهو والعبث وتناول المتنبي بجدية[5]! ثم يقول، بان ما سطره قد لا يكون عن المتنبي أكثر مما يكون عن نفسه، أي انه أدب الانطباعات الشخصية وليس أدب الفكر أو فكر الأدب بالمعنى الدقيق للكلمة! وقد ميزت هذه الصفة اغلب كتابات طه حسين، أي امتلائها بالحشو والتكرار الممل والانتقال والقفز من مكان إلى آخر ومن موضوع إلى آخر دون رابط يربطها غير تقاليد الحكاية والرواية الشعبية. ففي كتاب (ألوان) نعثر على هذا النموذج بصورة جلية، أي نقف أمام حالة نموذجية للتشويش الفكري أو بصورة أدق انعدام الفكرة المنطقية وتسلسلها في شكلانية البحث. الأمر الذي جعل من "المقالات والبحوث" فيه مجرد تنقلا لا يربطه شيء غير "الكلام المرسل"، كما هو الحال على سبيل المثال في مقال "الأدب العربي بين أمسه وغده". إذ يمكن للقارئ التنقل فيه أو القفز من مكان إلى آخر ومن تاريخ إلى آخر ومن أحداث إلى أخرى، بحيث تجعله، شأن اغلب ما كتبه بهذا الصدد، من مقالات مليئة بالحشو الذي لا طائل فيه أو تحته قبل أن يدخل صلب الموضوع[6]، أو نسيان الأحكام والإتيان بما يناقضها بعد قليل أو تغليب الجزء على الكل والخاص على العام والعابر على الثابت. مما يؤدي بالضرورة إلى خلل الترابط المنطقي وإهلاك النزعة النقدية من مضمونها المعرفي بوصفها قوة رابطة للفكر والعقل والأحكام المجردة والتطبيقية. إذ نراه على سبيل المثال يدعو إلى التحرر مما اسماه "بالعقال الاجتماعي"، إلى أن تأخذ الحرية مسارها على سجيتها ولو قليلا، بلا تحرج ولا إسراف في الاحتياط. من هنا نقد لما اسماه بالاحتياط والتحرج المميز للأدب العربي الحديث، الذي يفكر بالقارئ والعامة أكثر مما بنفسه. ومن ثم دعوته إلى الوقوف ضد التيار الذي جعل من نفسه "عبدا للجماعة وخادما للقراء"!! من هنا دعوته للتمرد على الجماعة. وهي أفكار سليمة من حيث الصيغة المجردة. لكنه بالمقابل، وفي نفس الكتاب نراه ينتقد حالة التهور المميزة لبشار بن برد والمتنبي، مع أنهما النموذج الأكثر تجسيدا (رغم قلته القليلة جدا) في التحرر من العبودية للجماعة وإعلاء شأن الحرية الفردية والاندماج شبه التام بها سواء بمعايير الإبداع أو الحياة الشخصية. ولم يكن ذلك فيما يبدو معزولا عن اثر "التدريس" التقليدي الأزهري الذي غاص في أعمق أعماقه بحيث لم يكن بإمكانه التحرر من ثقله الجاثم عليه رغم محاربته المريرة له. وليس مصادفة أن يكون اغلب "الجديد" الذي قدمه طه حسين هو جديد ضمن قديم. الأمر الذي لم يجعل من أفكاره قوة فاعلة بمعايير الوحدة المعرفية، بقدر ما جعل منها شيئا أشبه ما يكون بطبخة لا يجمعها غير توابل منهج ضعيف من حيث تأسيسه وبنيته النظرية ووسائله ووظيفته. وقد يكون كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) نموذجا لهذا التشويش والخلل المنهجي عندما ننظر إليه بمعايير النقدي المنهجي، أي حالما ننظر إليه من زاوية الرؤية المنهجية وليس من زاوية رؤيته التطبيقية المتعلقة بأمور الدراسة والتدريس ومتطلباتها. فالكتاب يسعى لتأسيس رؤية ثقافية كما انه يتناولها بمعايير الرؤية المستقبلية. بمعنى انه يجمع بين مكونين لا نعثر عليهما في كل ما كتبه قبل ذلك وبعده.

وهذا بدوره لم يكن معزولا عما يمكن دعوته بمصدر الخلل المنهجي وخلل الرؤية المنهجية القائم في كيفية ومستوى استيعاب المنهج الديكارتي وخلطه ببقايا ورواسب وتأثير الرؤية التقليدية. فقد كان المنهج الديكارتي عند طه حسين يتسم بطابع جزئي ونسبي وأدبي، أي لا علاقة له بالمقدمات والأسس الفلسفية للرؤية النقدية. كما انه يتسم بطابع "مقدس"، أي مستلب من حيث فهمه وتوظيفه. الأمر الذي يجعل من الممكن القول، بان فهم وتطبيق طه حسين للمنهج الديكارتي وقف من حيث الجوهر عند حدود الاستلاب المعرفي للديكارتية، أي لنمط من أنماط التفكير الفلسفي الأوربي. تماما كما سيجري لاحقا التنافس حول من هو الأفضل من بين مناهج الفلسفات الأوربية الحديثة بالنسبة للفكر والتفكير "العربي الحديث". بينما لم يعن ذلك في الحقيقة سوى المنافسة في تعطيل الفكر والتفكير تحت حمية أوهام النقد والتجديد وما شابه ذلك. وقد وقع ذلك في أساس التشويش الفكري لطه حسين، أي تضافر الطابع الجزئي والنسبي للمناهج، وعدم إدراك الحقيقة القائلة، بان "المناهج العلمية" هي أيضا مناهج ثقافية، أي جزء من معترك المسار التاريخي المعقد لتجارب الأمم في حل إشكاليات وجودها التاريخي. وليس مصادفة أن تكون اشد الأشكال نقدية في كتابات طه حسين، أو بصورة أدق ما تحدث عنه، لم يكن خارجا عن إشكالية التأثير الأوربي المباشر وغير المباشر في الوعي المصري. بمعنى انه كان أسير هذه العلاقة السيئة، أي علاقة الوجود المتفاعل للنقد العقلي والاستلاب الثقافي! وليس هذا بدوره سوى الصيغة الغريبة لتعايش النقد والاستلاب. فعندما يتناول طه حسين على سبيل المثال، قضية القديم والجديد في التراث العربي الإسلامي، فإننا نقف أيضا أمام محاولة نقله إلى ميدان الروح الأدبي والفكري. ومن ثم النظر إليه باعتباره صراعا من اجل الفكرة والسمو والمعرفة والإبداع على خلاف الصراع السياسي وصراع المصالح[7]. وفي الوقت نفسه نراه ينظر إليه على انه في كله كان محكوما بصراع الدين والحياة المادية. من هنا قوله، بأننا نراهم في الدنيا أحرار ويتقدمون وفي الدين إلى الوراء. والعقل حائر بينهما[8]. الأمر الذي طبع بدوره تناقض حياتهم المادية والأدبية. إذ كانوا أحرارا في الحياة المادية، محافظين في الحية الأدبية، كما يستنتج طه حسين[9]. ووجد في هذا التناقض السبب الذي أدى إلى أن "يكون الأدب العربي بطيئا قليل الإنتاج". ولم يقف عند هذا الحد غير الدقيق في التعميم، بل نراه يتعداه إلى القضية الأكثر إثارة ألا وهي بحثه عما يدعوه "بالسبب الأساسي الذي حال بين الشعر العربي وتجدده وهو أن الثقافة العربية لم تعرف من آداب الأمم شيئا يذكر. جهلوا أدب اليونان وفارس والهند ولم يأخذوا إلا القليل"[10]!! بل نراه يسير في هذا الاتجاه بحيث نسمعه يقول، بأنهم "لم يروا نماذج جديدة يقلدوها ويحاكوها"[11]!!

إننا نقف هنا أمام رؤية وموقف وتحليل واستنتاج ضيق وسطحي وفاقد للمعنى. وذلك لان الأدب الكبير تلقائي في كل شيء. وتجربة الثقافة العربية الإسلامية أصيلة بذاتها تماما كما تمتعت الثقافة اليونانية في آدابها بأصالتها الخاصة. وينطبق هذا على الهندية والصينية والفارسية وغيرها. كما أن الثقافة العربية الإسلامية كانت من حيث أعماقها وأساليبها وأشكالها ومستوى تعبيرها ترتقي إلى مصاف الثقافة الكونية بما في ذلك في الأدب. ومأثرتها كانت بالذات تقوم في كونها لم تقلد ولم تحاكي ولم تر في ذلك ضرورة بسبب تلقائية تطورها الذاتي وفاعلية المرجعيات الثقافية والفكرية والروحية الكبرى الكامنة في وحدة أو منظومة مسارها التاريخي. ولعل تجربة الاختلاط الحديثة للثقافة العربية ومحاكاتها المتنوعة وأخذها بمختلف النماذج الجديدة لم تصنع شعرا أو أدبا عظيما. فالأدب العظيم في كل مكان وزمان هو أولا وقبل كل شيء نتاج ذاته. والتقليد والمحاكاة لا تصنع شعرا ولا أدبا حيا.

إلا أن هذه الصيغة النقدية في آراء ومواقف وأحكام طه حسين، التي تستوحي في "أنموذجها" الضروري للمحاكاة ليست إلا الصيغة المنمقة للاستلاب الثقافي بشكل عام والفكري والروحي بشكل خاص. أنها تعكس مزاج مرحلة الاحتكاك الأولية بالثقافة الأوربية وسطوتها الحارة والجلية في طبعها ختم النموذج الجاهز على عقول وأفئدة المثقفين والأدباء. وليس مصادفة أن نرى طه حسين ينطلق في فهمه وشرحه وتقييمه لأي شيء، مما إذا كان هذا الشيء موجودا في أوربا بشكل عام واليونان بشكل خاص أم لا(!). بحيث وصل به الأمر للقول، بان الشاعر العربي في عصر الحضارة بقى بدويا، بينما في اليونان عاش مترفا بالحضارة وأثرها فيه[12]!! وهو حكم لا يستقيم من حيث الشكل والمحتوى والفكرة مع واقع ونماذج الشعر العربي واليوناني في عصور ما قبل الحضارة وفي مجراها وبعدها. كما انه حكم لا قيمة له بحد ذاته، وذلك لأن لكل ثقافة خصوصيتها. وقيمة الإبداع تقوم أولا وقبل كل شيء في كيفية تمثل مرجعيات الثقافة الخاصة وتوسيع مداها وليس فيما إذا كان هذا النوع أو الصنف أو الشكل من أشكال الإبداع موجودا فيها أم غير موجود. إذ لا تحتوي أية ثقافة على كل ما في ثقافات الأمم الأخرى. كما لا توجد ثقافة كونية مطلقة، وبالتالي لا يمكن لأي منها أن يكون نموذجا "أبديا" أو "مطلقا". والاستثناء الوحيد هو لوعيها الذاتي.

إن تمثل مرجعيات الثقافة الخاصة وتوسيع مداها هو الأسلوب الوحيد الواقعي والأصيل للإبداع والحرية فيه. ومن ثم تأصيل الحرية في كل شيء. غير أن طه حسين "المتنور" بتقاليد التنوير الأوربي، والمكتفي في الأغلب ببعض معطيات وفتات الثقافة الأوربية، والمنبهر بكل ما فيها، والواقع تحت تأثير إسار عالميتها المطلقة، كان لابد له من البقاء ضمن تأثيرها المستلب، بحيث نراه يهتم أيضا حتى بترجمة (نظام الأثينيين) والتقديم له بمقدمة عادية مليئة بالأغلاط الفكرية[13]. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن الإعجاب المفرط بالثقافة الأوربية، والانهماك الفرح في أوهام وأغلاط أوْرَبة الثقافة الإغريقية. وليس مصادفة أيضا أن نراه على سبيل المثال، حالما يجري الحديث عن التاريخ العربي الإسلامي، يكرر عبارات مثل "لا اعرف إن كان..." و"من يدري.." و"لعل الأمر كان..."، لكننا بالمقابل نعثر على عبارات "ومما لا شك فيه..." حالما يجري الحديث عن اليونان وفرنسا!!

وإذا كان لتطويع قلمه وفكره وقلبه وفؤاده من اجل نقل بعض الجوانب الصغيرة للحياة العقلية والأدبية الأوربية أثره المهم بالنسبة لتنوير العقل وتحرير الوجدان الفردي والاجتماعي، فان حصيلته الفعلية بالنسبة لمسار الفكرة التاريخية والثقافة القومية كانت هشة وزهيدة. مع ما فيها أحيانا من تضخيم لا أساس له بمعايير الرؤية المنهجية والعلمية. فعندما يتكلم على سبيل المثال عما يمكن دعوته بالمسئولية الفردية للمثقف في عمله ونقله للآداب الأجنبية (والذي لم يتعد في اغلبه أن يكون مجرد تلخيص بسيط لكتابات بسيطة)، فانه كان يدرك سوء هذه المهمة (التلخيص) وأثره بالنسبة لإفراغ النص. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى انه "يبذل جهد المقل، وينفق ما يملك من قوة ويحتمل ما يستطيع احتماله من مشقة، ويرى واجبا عليه أن يأتي ما آتي من ذلك، ويرى من التقصير أن يكسل إذا كسل غيره أو يهمل إذا آثر غيره الإهمال"[14]. من هنا نراه ينقل ما يدعوه بنماذج من "سخرية الأذكياء، وما هو مدعاة للضحك، وما يجمع بين الراحة واللذة والانتفاع"، كما يتكلم عن أدب الشبان الذين يزدرون التقاليد. وكذلك القصص التي تتناول الشيخوخة واليأس والأمل.

وفيما لو ضعنا هذه المحاولة ضمن سياقها التاريخي وأثرها الفعلي بالنسبة لتنوير الإبداع، فانه لا جديد فيها بتاتا، كما لا تحتوي على أية قيمة نوعية بالنسبة لتأسيس المنهج المبدع. فهي لا تتعدى كونها محاولة صغيرة لتصوير بعض ملامح "الجديد" في الأدب الأوربي، وزرع بعض القيم الأوربية الحديثة المتعلقة بكل من الهجاء السياسي (غير المباشر) في قصة (احمر) وقيمة الحب بحد ذاته (خارج شروط العلاقات الاجتماعية والواقع) واستعمال الكتابة الأدبية للترويح عن النفس وأشياء أخرى من هذا القبيل. ووضع ذلك بعبارة "أفكر وأدعو القارئ إلى التفكر في بعض المسائل التي يفكر الناس فيها من وراء البحر"(!) مثل إظهار الرموز الاجتماعية والطبقية وليس الأفراد بالضرورة، ونقد الفن والذوق الفني العام الساعي للاستحواذ على العقول والأفئدة. وليست هذه العبارة في الواقع سوى الصيغة المقلوبة أو الملطفة للاستلاب الثقافي والفكري. إذ لا تفكر فيها على الإطلاق، لأنها في أفضل الأحوال والنيات، أشبه ما تكون بأحلام يقظة، مثل توهم السباحة في بحار دافئة لامرئ يعاني من شدة البرد. ووجد ذلك في موقف "منهجي" جسده في نقله الحكواتي لمختلف القصص (القصيرة) من مختلف الشعوب الأوربية لكي يعرض "على القراء صورا من الأدب التمثيلي الغربي، يمثل أمزجة الأمم الأوربية الكبرى على اختلافها وتباينها". واستكمل ذلك بعبارة يقول فيها، "إذا كان هذا ديدن الفرنسيين فلا بأس من أن نقلدهم في ذلك ونذهب مذاهبهم. والسبب هو عدم وجود أدب عربي أو مصري يمكن الاعتماد عليه والاطمئنان إليه والاكتفاء به".

أما الحصيلة فهي وقوفنا أمام تنوع كبير ورغبة بمقدارها لإجلاء مختلف مجالات وميادين الأدب الفني الأوربي، وجعله مقبولا في كلّه وتنوعه لأنه إنساني، والعمل من اجل إثارة الاهتمام الفكري تجاه القضايا التي يتناولها، والاهتمام الروحي تجاه المعاناة المشتركة، ومن ثم مساعدة الإبداع للتأمل والإنتاج. إلا أن هذه الرؤية النقدية ليست فكرة قائمة بذاتها، بقدر ما أنها الغلاف الخارجي للاستلاب الفكري والمنهجي والثقافي، التي تجعل من كل إنتاج محتمل مجرد محاكاة. بمعنى أنها لا تستند إلى رؤية منهجية ومنظومة فكرية بمستواها تنطلق من مقدمات الرؤية التاريخية واستشراف الأفق المستقبل الذاتي، بقدر ما أنها خضعت منذ البدء لعامل الانبهار والتقليد "العلمي" ومصادفات الاختصاص والإعجاب الشخصي والتفضيل الفردي، كما هو جلي في الموقف من أبي العلاء المعري، أي تلك الشخصية التي شكلت من حيث وجودها وأثرها وإبداعها موشورا لكل ما كان يعتمل فيما يبدو في أعماق طه حسين. إذ نراه يدرجه في كل ما يواجهه من أحداث وشخصيات. لهذا نراه يلمع بين ثنايا الشخصيات الأوربية التي ينبهر بها مثل بول فاليري وأمثاله. وليس هذا في الواقع سوى الصيغة النفسية ولحد ما الذوقية الجمالية للاستلاب الفكري والثقافي. كما أنها الحالة السائدة في الثقافة المستلبة لمصر والعالم العربي ككل. إذ كلما عثر أحدهم على شيء ما في "الغرب" قريبا إلى ما في التراث العربي الإسلامي أو اختصاصه الشخصي كلما تصبح المقارنة والبحث عن المعنى والتأسيس وما شابه ذلك من أعمال خاوية لا قيمة علمية فيها، هاجسا فاعلا في السر والعلن والظاهر والباطن. بينما لا تتعدى حقيقة هذه الأعمال والمقارنات والاستنتاجات أن تكون مجرد اجترار للذاكرة والكتابة، رغم كونها لا تخلو من فضيلة صغيرة تقوم في إبراز قيمة التراث العربي الإسلامي. لكنها فضيلة تابعة وليست نابعة من ذاتها ولذاتها. من هنا احتمال ولحد ما حتمية إثارتها لما يمكن دعوته بغلو المراهقة الثقافية. مع ما يترتب عليه من استلهام مثير لصغار العقول، وضعاف التجربة، ومشلولي الرؤية التاريخية، ومعدومي الفكرة المستقبلية بوصفها تطورا تلقائيا وملازما لكيفية حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة على مستوى الدولة والثقافة والقومية. وقد يكون موقفه من فكرة الحرية والعدل والمساواة وحقوق الإنسان نموذجا حيا بهذا الصدد. فعوضا عن أن يجري التأسيس لها بمعايير الرؤية الواقعية والتاريخية والمستقبلية الذاتية نراه يرفع من شان وأولوية ما يسميه بالارتباط بأوربا وتقاليدها باعتباره أمرا اضطراريا[15]. أما ذروة هذه الرؤية فنعثر عليها في تكافؤ فكرة العظيم مع فكرة الانتماء إلى أوربا والاقتداء بها. إذ نراه يصف إسماعيل باشا بالعظيم لأنه قال:"مصر جزء من أوربا"[16]. فهي الصيغة غير الواعية، رغم نيتها السليمة، في جعل الاستلاب قيمة ايجابية. أما في الواقع فانه لا يعدو كونه وهما مخربا. وذلك لأن الجزء لا يمكنه أن يكون ذات مستقلة، ومن ثم لا يمكنه أن يكون قوة فاعلة ومبدعة بذاتها. أما دعوة طه حسين للعمل من اجل رفع العلاقة بأوربا إلى مستوى "الاضطرار" فلم يكن في الواقع سوى الوجه الآخر للفرار من ثقل المواجهة الحية للنفس بمعاييرها ومقدماتها. وبالتالي لم يكن بإمكان مشروعه عن ضرورة أو إمكانية تحقيق ذلك من خلال التربية والتعليم السليم المستند إلى توظيف الأموال فيه من اجل بلوغ الرقي الاستعداد للدفاع عن الحرية والاستقلال، سوى الصيغة الأيديولوجية التي لم تصنع ولم يكن بإمكانها أن تصنع شيئا جديا.

ذهنية البهرجة والإثارة! 

لقد كانت عقلانية طه حسين عقلانية مبتورة. والشيء نفسه ينطبق على نزعته النقدية والإنسانية والعلمية. وهي أتعس أنواع العقلانية. وذلك لأنها لا تعمل في نهاية المطاف إلا على توسيع مدى التسطيح والتهور المعرفي الذي يجعل من أنصاف المتعلمين وأشباه الجهلة "عمداء" الفكر والثقافة. أما النتيجة فإنها تقوم في حفر أخدود الراديكاليات النفسية وجعلها الطريق المبلط للحثالة عبر تحويلها إلى"طليعة" المجتمع والتاريخ! وليس مصادفة أن يتحول أزلام السلطة إلى أبطال الفكر والعقل! والحزبي إلى قائد "أبدي". بينما يقتنع المثقف بدور الوسيط القابل لكل الصور بين إلوهية مفتعلة وربوبية اشد زيفا! وليس مصادفة أن يتحول دكتاتور شبه أمي مثل صدام حسين إلى "كاتب روائي" والقذافي إلى "مفكر النظرية العالمية الثالثة"، وخطاب كل عابر طريق إلى "مدرسة تاريخية"!

طبعا ليس لطه حسين وأمثاله علاقة مباشرة بهذه الظاهرة ونتائجها المخيبة والمخجلة، إلا أن طبيعة "الفكر" الذي جرى ابتذاله و"غرسه" في الوعي من خلال الولع بالإثارة والانهماك المفرط بالتقليد وتقديمه على انه "حصيلة الثقافة العالمية"، مع ما يرافقه من "تدنيس" التراث الذاتي والتطفل عليه في الوقت نفسه، هو الذي أدى الى تهميش الفكر الحقيقي. ومن ثم توسيع مدى الفكرة النفسية والأيديولوجية وإسباغ معالم الاكتشافات الكبرى فيها وعليها. مع أنها في حقيقتها مجرد أوهام وزبد لا قيمة فيهما سواء بمعايير الحق والحقيقة أو بمعايير التطور التلقائي للأمم.

 وليس مصادفة أن يتحول تاريخ الثقافة العربية الحديثة والمعاصر إلى ميدان التجريب البليد للأيديولوجيات "الليبرالية" و"العلمانية". وأن تتكلل في نهاية المطاف بصعود نقيضها الديني و"الأصولي" وصراعهما المستميت حول حقيقة لا حق فيها، وحق لا حقيقة فيه!

إن  هذه المقدمة ترمي إلى القول، بان مقصود هذا النقد يقوم أيضا في نقد السائد بين تيارات "الليبرالية" التي لا حرية فيها، و"العلمانية" التي لا دنيوية فيها. فالأولى مجرد خطاب أيديولوجي صرف لا علاقة له بروح الأمة وجسدها ولا وجدها ووجودها، والثانية مهاترة لا علاقة لها بنقد الدين والدنيا ولا الأرض والسماء. ولعل ما يجرى الآن من أحداث درامية هائلة في العالم العربي أو ما ادعوه بالطور الجديد في الكينونة العربية الحديثة، هو الوجه الطبيعي والتاريخي والواقعي لنفي كمية ونوعية الثقافة الهشة التي بلورها رعيل مازالت تغلب ميوله ونماذجه على ما ادعوه بثقافة الزمن الفارغ وانعدام التاريخ الفعلي، أي ثقافة الاجترار وانعدام التأسيس التلقائي لإشكاليات الوجود التاريخي والمستقبلي للأمة. ولعل في نقد شخصية طه حسين إشارة أو مثال أو دليل أو إيماءة الى هذه الحالة.

طبعا، إن الشخصيات الكبرى لا تخلو من متناقضات تلازم حجمها الفعلي في تراكم الوعي الثقافي. فالثقافة هي الأخرى كتلة من متناقضات حية. وكثرة المتناقضات فيها دليل على حيويتها. والمقصود بالمتناقضات هنا كل ما بإمكانه التحول إلى وحدة جميلة بمعايير المطلق. فمعرفة المطلق تفترض معرفة جمعه بين الأضداد، كما تقول المتصوفة. وبالتالي لا تدخل ضمن هذا السياق تناقضات الغباء والبلادة والحماقة، وذلك لأنها من عالم آخر، ولا يحدها شيء لأنها بلا حدود!

وعادة ما تضع هذه المقدمة العامة المرء أمام إشكالية جدية وقلق معرفي وأخلاقي حالما يجري تطبيقها على شخصيات "أدت دورها" الثقافي في الوجود التاريخي للأمم. من هنا إجبارها لسان الحال والمقال، أي العقل والوجدان، على الوقوف أما الكلمة والعبارة والمعنى والغاية من اجل بلورة أسلوب مهمته تأسيس المواقف بوصفها جزء من تاريخ الحقيقة؛ وتنظيم الحقائق بصفها جزء من تراكم المعرفة الحية؛ وتوسيع مدى المعرفة الحية بوصفها جزء من معاناة الأمم في حل إشكاليات وجودها التاريخي.

وفيما لو حاولنا تطبيق هذه المكونات الثلاثة الضرورية لهذه المقدمة النظرية العامة المتعلقة بأصول وجذور الثقافة التاريخية الحية، فأننا لا نعثر من حيث الجوهر على صيغة ترتقي إلى مصاف الوضوح والرؤية المنظمة في كل ما كتبه طه حسين. بمعنى أنها تبقى في أفضل الأحوال مجرد مواقف جزئية لا ترتقي بآي حال من الأحوال إلى مصاف التأسيس الفكري. ولم يكن ذلك معزولا عن ذهنية الاستلاب الثقافي المتغلغلة في ذهنية ونفسية طه حسين وضعف تأهيله الفلسفي. فقد كان طه حسين يكره الفلسفة الألمانية. ولو لم تحدّه أخلاقه لقال عنها أنها هذيان بهذيان! والسبب بسيط ويقوم في أن تربيته الأولى المبنية على الذاكرة الشفوية وتقاليد الحكاية والرواية جعلت من المعارف النظرية والتجريد الفكري الكبير والعميق أمورا لا يطيقها العقل والوجدان، واللسان والبيان! وليس مصادفة إن يجد ضالته في ديكارت والتقاليد الفرنسية بشكل عام. والسبب هنا أيضا بسيط للغاية، وهو أن التقاليد الفرنسية أدبية عملية وجدانية سياسية و"واضحة وسهلة" كما كان يقول سلامة موسى ويحبذها! أنها اقرب ما تكون إلى مفرقعات الأفراح والأعياد! ولا يخلو ذلك من جمال قادر وفعال على آثار الروح والجسد والخيال والمقال، لكنه سرعان ما يقف عند هذا الحد. وليس ذلك نتاجا لإدراك الحدود (الذاتية) بقدر ما انه نتاج ضعف القدرة على تجاوزها بوصفها جزء من تاريخ الحكمة المعرفية وتقاليدها المتنوعة ومستوياتها المتباينة. لهذا نرى طه حسين يتشبث بديكارت المجزأ والصغير، أي برواية عنه ومنه تنعش الذاكرة على حشو كل ما في جعبتها من اجل "نقد" كل ما يطاوله اللسان والبيان.

لقد كانت هذه الحالة "طبيعية" ومناسبة لحد ما لحالة مصر آنذاك وتقاليدها الثقافية في مجال المعرفة والتنظير. فقد كانت تلك الحالة اقرب ما تكون إلى البغلة التي ركبها طه حسين ليسابق بها حمير التقليد السارحة في مصر والعالم العربي آنذاك! لكننا حالما نضعها ضمن سباق الممكنات، فأنها تبدو عادية وبطيئة جدا ومتخلفة أيضا، لكنها لا تخلو من قيمة وفاعلية وروعة أيضا في جبال الجهل المعرفي ووديان الجهالة العلمية! وفيها أيضا يكمن سر البريق اللامع للحشو والتكرار والإعادة وتنظيم وترتيب العبارات العادية والطويلة والمملة من اجل قول عبارة واحدة أو فكرة صغيرة. وقد طبع هذا الأسلوب والنمط كل ما كتبه طه حسين، بما في ذلك المقالات والخواطر الصغيرة. بحيث يمكننا رؤية هذا النمط في كل ما كتبه على الإطلاق. وفيما لو أردنا تكثيف المفاهيم والأفكار والمواقف والتقييمات التي وضعها طه حسين في كتاباته الكثيرة جدا، فإنها سوف لن تتجاوز عشر أو عشرين صفحة على أفضل تقدير!! الأمر الذي يكشف عما يمكن دعوته بهوس الحشو والحشوية الجديدة، أي الحشو العادي والإثارة المتبجحة. ومن الممكن العثور عليها بين اسطر اغلب ما دبجه طه حسين من مقالات وكتب. فقد كان الهم الذائب وراء اغلب كتاباته ليس تنظيم الرؤية النقدية، بل توسيع مدى الإثارة والانبهار المسطح. وليس هذا بدوره سوى الوجه الآخر لسعة وحجم التسطيح الفكري للوعي الاجتماعي. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان الانهماك "النقدي" لطه حسين قد تحول مع أول "إدانة ناجحة" إلى ولع وقيمة مستقلة بذاتها. بحيث أصبحت الإدانة التقليدية، أي الصيغة الأشد تخلفا للوعي "المنظم" (للمؤسسات التقليدية) إلى معيار النجاح والفلاح والفوز والقضاء على العوز! وتحول هذا الوهم المقلوب للمعرفة إلى نموذج رفيع للمعرفة، مع ما ترتب عليه من سباق محموم في الإثارة والانغماس فيها. بينما لم تكن هذه الدورة في الواقع سوى دورة الوعي التقليدي في أفلاك "التنوير المزيف" و"النقد" الذي لا ينتهي! وهذا بدوره ليس إلا الوجه الآخر لتقاليد الحكاية والرواية التي تتمتع وتتلذذ باليسير الميسور للوعي. مما جعل من طه حسين، في احد مظاهره، نموذجا لما ادعوه بالحشوية الجديدة. وذلك لأن خصوصيته لا تقوم في استمداد صيغ وأنماط ونماذج اللاهوت الذاتي (الإسلامي) بل باستلهام نموذج ما يمكن دعوته بلاهوت التقليد المتمدن والحديث! وهذا بدوره لم يكن ذلك معزولا عن اثر الاغتراب الثقافي بشكل عام والمنهجي بشكل خاص. فقد تحول منهج الاغتراب الثقافي إلى منهج المواقف والأحكام. وليس مصادفة إن تفتقد اغلب ما كتبه طه حسين لحقيقة التأسيس النظري بشكل عام والفلسفي بشكل خاص.

لقد نشأ طه حسين وترعرع ضمن سياق تيارات متصارعة متناقضة، حديثة وتقليدية. ومن الممكن رؤية ذلك في كثرة المقالات التي كتبها تحت هذا العنوان، والتي ظلت تحكم رؤيته النقدية في كل مستوياتها، بمعنى أنها ظلت حبيسة هذين التيارين من جهة، وثقافته الشفوية من جهة أخرى. مع ما ترتب عليه من انطباع مواقفه النقدية ببهرجة ظاهرية، محكومة بدورها بتأثير تقاليد الحكاية والرواية. من هنا انتشار وغلبة السرد والسرديات في مقالاته وأبحاثه ودراساته. وهذا بدوره ليس معزولا عن قلة وضعف ولحد ما سطحية معرفه الفكرية النظرية. ففيما لو جمعنا عدد المصادر الفكرية النظرية التي استعملها طه حسين في كتاباته فإنها لا تتعدى عشرة كتب!![17]

ومن الممكن التدليل على هذا النمط هنا بالاستناد إلى مثال واحد من بين مئات الأمثلة، واقصد بذلك موقفه من "البيان العربي" الذي وضعه في تقديمه لكتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، تحت عنوان (البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر). فهنا نقرأ موقفه القائل، بان قلة استعمال الأدباء العرب أمثلة مستقاة من كتاب الخطابة لأرسطو هو بسبب كونهم لم يفهموا هذه الأمثلة[18]. ومن هذه المقدمة الخطابية والسردية لحد ما نره يتوصل إلى استنتاج يقول، بان "علماء البيان العرب لجهلهم التام بنظم اليونان وآدابهم لم يستطيعوا فهم الأنواع الخطابية وما يتصل بها ولا الشواهد التي استعملها أرسطو من غرر الأدب اليوناني"[19]. بينما نراه لاحقا يقرر ما لا صلة بما قاله قبل قليل، وهو أن "أعجاب الأدباء العرب بالبيان منذ أواخر القرن الثالث إلى نهاية الرابع قد أدى إلى إبداعهم(!) علما للبيان عربي خالص في روحه ومادته وشواهده. حتى لقد خيل للمتأخرين منهم أن البيان العربي غير مدين للأعاجم في شيء(!!). ليس ذلك فحسب، بل وتراه يقرر بعجالة مميزة للذهنية الحكواتية عن أن "الفلاسفة العرب لم يكونوا أجود من المتكلمين وعلماء البيان في فهمهم أو آخذهم بكتاب الخطابة (لأرسطو)". والسبب بنظره يقوم في أنهم "كانوا يجهلون الهيلينية كلها عدا الفلسفة بطبيعة الحال. أنهم لم يعرفوا الأنظمة السياسية ولا القضائية ولا الحقوقية ولا خطبهم". وحاول تطبيق ذلك على كل شيء، مثل الموقف من النظام السياسي والشعر وغيره. فالعرب المسلمون لم يعرفوا غير نظام الخلافة، وان كتاب الشعر لأرسطو لم يفهمه احد على الإطلاق بين العرب والمسلمين[20] (باستثناء طه حسين طبعا!). ومن الممكن الاستطراد في أمثلة كثيرة تصب في هذا المسار، أي كل ما يعبر عما أسميته بذهنية الحشو والنقد المولع بالإثارة المسطحة.

بعبارة أخرى، إن طه حسين لم يفهم قيمة الإبداع الذاتي للأمم والحضارات خارج نطاق "الهيلينية" التي لم يعرف هو نفسه منها إلا الشيء اليسير والصيغة الظاهرية والمسطحة والمعلومات الجزئية. واكتفي هنا بالإشارة فقط إلى إن قراءة (كتاب الشعر) لأرسطو لا علاقة له بروح الشعر كما انه لا يصنع شاعرا ويربي قدرة شعرية عربية على الإطلاق. فالشعر العربي هو صيرورة تاريخية ثقافية متميزة ومكتفية بذاتها. والشيء نفسه ينطبق على البيان وتقاليده. بل ليس مصادفة أن يكون الشعراء اليونانيون العظام قد ظهروا قبل كتاب أرسطو. وما بعده مجرد شعراء صغار فقط!! مع إن القضية وما فيها لا علاقة لها بكتاب أرسطو!

وفيما يتعلق بالنظم السياسية وأنواعها، فقد عرف العرب الأنظمة السياسية والحقوقية الأخرى إلا أنها كانت بالنسبة لهم بقايا عوالم وثنية وغير عادلة. إضافة إلى ذلك، وهو الشيء الأكثر جوهرية، هو إن الصيرورة التاريخية للدولة العربية الإسلامية كانت أساسا خلافة لنفسها أو خلافة ذاتية. بمعنى أنها كانت تجربة ذاتية وفردانية أصيلة. من هنا لم تكن بحاجة إلى تجارب الآخرين. أما استعمالها الجزئي لنتاج تلك التجارب فقد كان جزء من فاعلية المنظومة الجديدة في الموقف تجاه مختلف عوالم الإنسان. وذلك لأن التجربة العربية الإسلامية الأولى كانت تجربة صاعدة وواعدة وحية وفاعلة ومقدامة. وبالتالي فإنها كانت الصيغة الأرقى للنظام السياسي آنذاك. والشيء نفسه يمكن قوله عن الحقوق. بعبارة أخرى، لقد كانت التجربة العربية الإسلامية آنذاك في مجال البناء الحضاري الأعمق والأوسع والأكثر ديناميكية. لقد كانت آنذاك في مقدمة الأمم. لهذا لم تكن بحاجة إلى الالتفات إلى تجارب الآخرين السالفة أو حتى المعاصرة لها. مثلما لا تنظر الكثير من الدول المعاصرة المتطورة إلى تجارب الآخرين الماضية أو حتى المعاصرة لها.

مما سبق نستطيع القول، بان النقد المبهرج والدعاوي الكثيرة الكبيرة التي تميز مواقف وأحكام طه حسين ما هي في الواقع سوى الوجه الأخر لضعف التقاليد العلمية الدقيقة واضمحلال رزانة التقاليد النظرية الفلسفية العميقة. مما جعل من أساليب ومستويات النقد المميزة لكتابات طه حسين احد أوجه الاستلاب المعرفي والمنهجي والثقافي. إذ لا نقدية فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. ومن الممكن القول، بأنها اقرب ما تكون إلى لدغات إثارة بفعل تدني المستوى المعرفي والعلمي السائد آنذاك. فالفكرة النقدية الكبرى هي التي تتجاوز منظومات الفكر إلى أخرى أكثر رفعة ودقة وتأسيسا. بينما لم تحتو كل كتابات طه حسين النقدية على شيء يتعدى حدود التطويع والتطبيق الجزئي لأجزاء المعرفة المتناثرة في الفكر الأوربي آنذاك، مع البقاء من حيث الجوهر ضمن الدهاليز العتيقة والعمل على نفض الغبار العالق على جدرانها. كما يمكننا أن نعثر فيه على الشخصية الباطنية أو المستبطنة لطه حسين نفسه، في استعماله الكبير للأشياء التي "فهمها" من التراث الأوربي الحديث و"اليوناني" بشكل خاص. مع أن إلقاء نظرة سريعة إلى كل ما كتبه لتكشف عن قلة وضعف وسطحية استلهامه للتراث اليوناني بشكل عام والفلسفي بشكل خاص.

إن مشكلة الموقف المنهجي من التراث وغيره من القضايا التي تناولها طه حسين تستمد مقوماتها في الأغلب من طبيعة الاستلاب الفكري أمام الثقافة "الأوربية" آنذاك التي جعلت من "الهيلينية" أوربية، ومن الفلسفة اليونانية (أرسطو في الحالة المعنية) نموذجا للمحاكاة. مع إن طه حسين نفسه (كما هو جلي في كل كتاباته) لم تكن معرفته بها تتعدى حدود جوانب جزئية ومسطحة ويسيرة جدا. وبالتالي ليست عباراته المتبجحة والخاوية في الوقت نفسه عن انه لم يعرف احد (غيره) تقاليد الهيلينية، أو إن القدماء لم يفهموا ما فهمه هو منها، سوى الوجه الآخر لذهنية الحشوية الجديدة، التي أغرته بإمكانية القول، بان العيش فترة زمنية قصيرة في فرنسا وتعلم الفرنسية كافية لتسطير حكايات مقنعة وطريفة لبسطاء المستمعين!! أو كما قال شكسبير، بان الأعور بين العميان ملك! وهذه مفارقة أخرى بالنسبة لحالة طه حسين!(يتبع....)

***

 ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] طه حسين: مع المتنبي، دار المعارف، القاهرة، 1986، ط13، ص379.

[2] طه حسين: مع المتنبي، ص 12- 14.

[3] طه حسين: مع المتنبي، ص 10.

[4] طه حسين: مع المتنبي، ، ص8.

[5] طه حسين: مع المتنبي، ص 378.

[6] طه حسين: ألوان، ص5- 8.

[7] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص4-5.

[8] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص10.

[9] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص10.

[10] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص.12

[11] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص12.

[12] طه حسين: جنة الشوك، ص9.

[13] طه حسين: نظام الأثينيين، دار المعارف، القاهرة،

[14] طه حسين: من أدب التمثيل الغربي، دار العلم للملايين، بيروت، ،1983، ص29

[15] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص126.

[16] طه حسين: جنة الحيوان، ص61

[17]  وينطبق هذا في الواقع على الكتب الأدبية الكبرى. فإنها أيضا قليلة العدد. إنني افهم وأتحسس هذه الحالة والحصيلة بالنسبة لطه حسين بسبب حالة العمى، لكنها لا تكفي بالنسبة "لعميد الأدب العربي"! فقد أصيب قبله المعرى بنفس الداء. لكن مقارنة الاثنين بهذا الصدد تكشف عن البون الشاسع بينهما. والسبب هو ان المعري نتاج مرحلة الرقي الثقافي العربي الاسلامي ومدارسه الأدبية والفلسفية والشعرية، بينما كل ما في جعبة طه حسين هو تقاليد أزهرية ميتة وفتات ثقافة أوربية لم يكن بإمكانه قراءة حتى الجزء اليسير جدا منها. فالاستماع إلى قراءة من يقرأ لكي تستمع يؤدي بالضرورة إلى تفعيل نفسية الحفظ والذاكرة السردية. وهذا لا يمكنه ان ينتج عقلا نظريا. من هنا كراهية طه حسين للفكر الفلسفي، لأنه يحتاج بالضرورة للقراءة المتفحصة والتأمل والمقارنة. وهذه كلها شروط غير متوفرة في حالته. ان قيمة طه حسين تقوم في نموذج تحدي الارادة من اجل نيل أصول المعرفة الأولية وجزئيات تناثرها في المعارف الشفوية. 

[18] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ضمن كتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص12.

[19] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص13.

[20] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص31.

mutham aljanabi2لقد حدد مبدأ التدرج في الإصلاح الذي تغلغل في كل مسام الرؤية الإصلاحية لمحمد عبده إلى مقدمة التأسيس المنهجي للأبعاد الاجتماعية في الفكرة الإصلاحية. فالفكرة الإصلاحية عند محمد عبده ليست دينية من حيث الجوهر، بل منظومة متكاملة. من جوهرية الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية والقومية فيها. وليس مصادفة أن تكون الأبعاد الاجتماعية فيها بارزة في كل مواقفه بلا استثناء. بل ويمكننا الحديث عن توسع وتعمق لهذه الأبعاد مع كل تطور كمي ونوعي في تأسيس الفكرة الإصلاحية. إذ نعثر على إبرازه قيمة الأبعاد الاجتماعية في القضايا التي تناولها من وجهة نظر مهمة إصلاحها. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار انه لم يترك جانبا من جوانب المجتمع والدولة دون الخوض فيه، من هنا يمكن تتبع مسار الأبعاد الاجتماعية في فكرته الإصلاحية. وهو أمر جلي حالما نتصفح مقالاته العديدة تجاه مختلف القضايا. فهو لم يترك لجوانب الاجتماعية حتى في حال مناقشته لإصلاح حال القضاء والقضاة.

فعندما يتناول قضايا القضاء والقضاة، وحجاب القضاة، والدفاتر، وأسلوب التقييد فيها والمتابعة، وكيفية تشكيل المحاكم، والمرافعات، والتوكيل في المخاصمات، وجلسات المحاكم، وحضور الخصوم، والشهادات، والأدلة، وكيفية الحكم، وتنفيذه والحبس والتفتيش والمحامي ودوره وغيرها، فإننا نعثر فيها بصورة واضحة وجلية على أبعاد اجتماعية مهمتها تنظيم وتحرير الفكرة الحقوقية وأجهزة القضاء وأساليب عمله من ثقل التقاليد الاجتماعية البالية، كما هو جلي على سبيل المثال في مقالاته النقدية اللاذعة والعميقة من مسألة حجاب القضاة والشهادات والأدلة ومعارضته لحجاب النساء في جلسات القضاء وغيرها. انه أراد الكشف عما في هذه الظاهر الخربة من إمكانية توسيع مدى الرذيلة والغش والسقوط الأخلاقي.

بعبارة أخرى، انه أراد القول، بأن فكرة القانون والعدالة تفترض تحرير المرء للدفاع عن حقوقه كما هو ومواجهة القانون بمعايير القانون وليس العرف الاجتماعي والتقاليد الميتة. من هنا تقديمه مضمون ما اعتبره جوهر الدين وتقاليد الإسلام الأولى على أنها قضاء على العادات القديمة السيئة. وبالتالي اعتباره محاربة التقاليد السيئة قاعدة دائمة وجوهرية في الفكرة الإسلامية. من هنا نراه يحارب أسلوب وتقاليد الحجاب المتحجرة، عندما أكد على انه لا يوجد في القران نصا صريحا بالحجاب السائد حاليا[1]. وإن الحجاب المغلق فيه انتهاك للحقوق وأسلوب للسرقة والحيلة والغش، أي انه احد مصادر الرذيلة، مثل حضورها في المحاكمات والبيع والشراء والزواج[2]! كما نراه يحارب كل نماذج وأشكال التقاليد الخربة مثل الصياح وراء الجنائز والمآتم، والقذارة والخرافات[3]، أي انه يضع في آن وان واحد ومستوى واحد تقاليد "العزاء" المزيف والقذارة المرمية في الأزقة. كما نراه ينتقد استعمال المخدرات بوصفها مناهضة لمتطلبات الجسد والعقل والأخلاق وكثير غيرها.

في حين نراه يخصص مقالات عديدة جدا لقضية المرأة بما في ذلك من خلال تطويع كل الرؤية النقدية والعقلانية والتاريخية والأخلاقية في التفسير من اجل تقديم نموذج إصلاحي إنساني للموقف من المرأة، بوصفها إحدى المرايا الكبرى التي تنعكس فيها حالة التخلف والانحطاط المادي والمعنوي أو بالعكس، أي حالة الرقي والتمدن. وبالتالي لم يكن تركيز محمد عبده عليها سوى الأسلوب الحسي والباطني في الوقت نفسه لنقد إحدى اشد القضايا حساسية بالنسبة للذوق الإسلامي آنذاك.

وانطلق في تقرير فكرته الإصلاحية بهذا الصدد من المقدمة العامة القائلة، بان حقيقة الإسلام في موقفه من المرأة يقوم على مبدأ الإقرار بحريتها ومساواتها بالرجل. من هنا محاولاته تفسير الأبعاد الفعلية مما يسمى بتعدد الزوجات من وجهة النظر التاريخية بوصفها إصلاحا لما قبلها، وباعتبارها مقدمة الموقف الإسلامي الحقيقي من المرأة كما ينبغي فهمه ضمن سياق الرؤية الإسلامية العامة. وحقيقة الرؤية الإسلامية بهذا الصدد يمكن رؤيتها من خلال الموقف من الزواج، أي من طبيعة العلاقة الشرعية بينهما بوصفها علاقة وجدانية.

بعبارة أخرى، إن حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة بالنسبة لمحمد عبده تقوم على أسس وجدانية وجودية طبيعية. من هنا موقفه المعارض أو الناقد لتصورات وأحكام الفقهاء الجافة عن الزواج التي تعرفه بعبارة "عقد يملك به الرجل بضع المرأة". إذ وجد في هذا الحد فكرة جافة وجزئية ولحد ما غريبة عن حقيقة الفكرة الإسلامية. وذلك لان هذا التعريف يرجع طبيعة وحقيقة العلاقة إلى جعل المرأة مادة لرغبات الرجل الذكورية. بينما أفضل تعريف لها، كما يقول محمد عبده، ما هو موجود في القرآن (من آياته إن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة". ذلك يعني انه أراد إبراز نوعية العلاقة الطبيعية بينهما بوصفها علاقة نابعة من أسس وجودية واحدة مهمتها بناء الرحمة والمودة، أي الحب والاحترام، بوصفها الصيغة المثلى والنموذجية للعلاقة بينهما.

وطبق هذه الرؤية على مواقفه النقدية من فكرة الزواج بالطريقة التقليدية. إذ وجد من الضروري معرفة الرجل بامرأة التي يرغب الزواج بها، انطلاقا من أن الزواج يفترض معرفة. فالمرء لا يشتري خروفا دون أن يراه، فكيف له بالزواج دون رؤية، كما يقول محمد عبده[4]. وطبق موقفه هذا تجاه الطلاق. بمعنى انه تعامل مع قضية الطلاق بمعايير المنفعة والأخلاق والراحة الإنسانية، بوصفه الوجه الآخر أو الحالة الأخرى للموقف من الزواج نفسه.

كما عمق هذه الرؤية من خلال رفعها إلى مستوياتها الاجتماعية والثقافية عندما اعتبر الموقف من المرأة هو نتاج لمستوى تطور الأمم أو انحطاطها. كما انه مؤشر على مستوى تطور الناس العقلي. من هنا ملاحظته، بان الرجال العقلاء يحترمون زوجاتهم ويكتفون بواحدة[5]. ووضع هذه النتيجة في موقفه من تعدد الزوجات بحيث نراه يعتبر تعدد الزوجات مصدر خلل وانتهاك للحقوق والأخلاق. والقبول به من بعض النساء نابع من قصورهن في فهم الحقوق الشخصية، بوصفها متاعا للرجل كما كان الناس يعتبرون أنفسهم متاعا للحكام المستبدين[6]. بعبارة أخرى، انه أراد الكشف عن طبيعة العلاقة السرية والعضوية بين الاستبداد السياسي والاجتماعي، من خلال مقارنة تعدد الزوجات بوصفهن متاعا للرجل تماما كما يتحول البشر والمجتمع إلى متاع للمستبدين.

إننا نقف هنا كما هو الحال بالنسبة لكل مواقفه الإصلاحية أمام تأسيس باطني لمبدأ البناء الذاتي الشامل، أي إن الإصلاح الحقيقي يفترض استناده إلى مبدأ جوهرية البناء الذاتي الشامل، بوصفه الوجه الآخر لنفي التقليد الداخلي والخارجي، العقلي والاجتماعي، الثقافي والمعرفي. الأمر الذي أعطى للفكرة الإصلاحية بعدها الذاتي التلقائي. وقدم الكثير من المقارنات بهذا الصدد. ففي مجرى تناوله تاريخ الرقي والتمدن الأوربي الحديث، فانه كشف عن أن أصول الإصلاح الديني النصراني كانت نتاجا للتأثير الإسلامي الفلسفي والعلمي والثقافي والحياتي، وساء جرى ذلك عبر الحروب الصليبية وبعدها أو من خلال تأثير الحضارة العربية الإسلامية الأندلسية. وقرر هذه الفكرة من خلال الشواهد التاريخية والمعطيات الحسية البسيطة والمباشرة عن عيش الكثير من نخب المجتمع النصراني والناس العاديين بين المسلين فترات زمنية طويلة تأثروا بنمط حياتهم وأفكارهم، أي كل ما شكل الدافع الأساسي لنقد الواقع والخروج من ثقل التقاليد النصرانية المتحجرة. من هنا استنتاجه القائل، بأنه حالما نتأمل النصرانية البروتستانتية، فإننا نرى اغلب آراءها ومبادئها مأخوذة من الإسلام. وأن الاختلاف في العبادات لا غير[7].

لقد أراد محمد عبده القول، بأن الفكرة الإصلاحية النصرانية المتطورة التي أثرت بصور كبيرة على عملية التمدن الأوربي ما هي إلا احد أوجه الإسلام الحقيقي. وضمن هذا السياق طوع كل موسوعيته في التفسير ورؤيته العقلانية واصطلاحيته في المواقف من اجل إبراز حقيقة الإسلام بوصفه دين الإصلاح كما نراها في هذا الكم الهائل من تفسير الآيات[8]. وهو تفسير يختلف و"يشذ" عما كان سائدا، وذلك لنحوه صوب إصلاح الروح والعقل والجسد الفردي والاجتماعي والقومي من خلال مطابقة الفكرة الإصلاحية مع حقيقة الإسلام، أو من خلال جعل الإسلام دين الإصلاح الدائم. من هنا ارتكاز التفسير الذي قدمه لمختلف آيات القرن وسوره على مبادئ ووحدة العقل والعقلانية والروح الأخلاقي والرؤية الواقعية المتسمة بنزوع إصلاحي شامل. الأمر الذي جعل منه تفسيرا أقرب إلى تفسير "روح المعاني"، ولكن من خلال جعل القرآن أسلوبا لفهم حقائق المعاصرة كما هي. بمعنى تحويل الآيات إلى أسلوب منهجي في فهم إشكاليات الواقع التاريخي. والنظر إليها ليس بعيون التمني الباكية على أطلال الماضي، بل بعيون الرؤية النقدية والواقعية العاملة من اجل تغيير الواقع بوصفه جوهر ومضمون الفكرة الإسلامية. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن التأثير الخفي لتقاليد الروح الصوفي المتسامي واثر الأفغاني العملي الفعال في جمع هذه المكونات التي تتراءى من خلالها عقلانية الكلام وحنكة الفلاسفة وأدب التصوف الرفيع وأخلاقهم النبيلة.

بعبارة أخرى، إننا نعثر في هذا النوع من التفسير على نقل روح التصوف وأخلاقيتهم المتسامية إلى ميدان الرؤية الواقعية والاجتماعية والسياسية ومستقبل الدولة والأمة. بمعنى تفعيل الروح الأخلاقي والعقلي في مواجهة إشكاليات الحاضر من خلال إبداع صورة عملية لما في اجتهاد الغزالي القديم. ووضع هذه الرؤية في المبدأ القائل، بان "التفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة". ذلك يعني أن المهمة الأولية للتفسير تقوم في أبعاده عن تقاليد الأموات واللاهوت السحري، عبر إرجاعه إلى تيار الحياة وإشكالاتها. ولهذا السبب نراه أيضا يقف بالضد من أساليب التأويل الباطني المتطرف. من هنا رفضه لهذا النوع من التأويل الذي وجد انعكاسه فيما ينسب إلى ابن عربي (كتاب تأويل القرآن) مع انه كتاب القاشاني، كما يقول محمد عبده. ومن هنا أيضا فكرته من أن الجوهري بالنسبة له في التفسير ليس "الأحكام العملية" بل "التهذب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها ورفعها من حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة". لهذا نراه يدعو كل شخص (جاهل وعالم) أن يفهم القرآن بقدر طاقته. ووضع في هذا المبدأ أسلوب ما اسماه بتفسير القرآن بحسب المعنى الأولي، وحسب ما جاء في القرآن نفسه وبما يتوافق مع المعنى في الآية. والغرض من ذلك تحرير الرؤية من ثقل التقاليد المذهبية والحفظ الميت واسترجاع تقاليد الأسلاف، أي البقاء ضمن بطون الكتب المليئة بغبار الماضي. (يتبع....).

 

ميثم الجنابي

................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص105.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص107.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص114-158.

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص68-70.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص82.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص83.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص467-268. وقد كتب أمين الخولي عام 1935 كتابا بعنوان (صلة الإسلام بإصلاح النصرانية).

[8] يمكن الرجوع إلى ذلك في الجزء الرابع والخامس من الأعمال الكاملة لمحمد عبده.

 

 

mutham aljanabi2كانت عقلانية طه حسين (1889-1973) هي الأخرى نزوعا نحو التحرر أكثر مما هي تأسيسا فكريا لها. وليس مصادفة أن نعثر على مذاق الحرية والدفاع عنها بمختلف صورها وأشكالها ونماذجها في كل ما كتبه. بحيث يمكننا القول، بأن دفاع طه حسين عن الحرية ينبع في الوقت نفسه من دفاعه عن فكرة الحرية وإدراك قيمتها وأهميتها وأثرها الفعلي بالنسبة لصيرورة الإنسان والمجتمع والدولة والثقافة. بعبارة أخرى، إن الدفاع عن الحرية نابع من كونها فكرة عميقة ودائمة في تفكيره ومواقفه. وقد تكون كلمته عن أن "الكلمة الأخيرة ستكون دوما للحرية" هي احد النماذج الجلية بهذا الصدد. ومن هنا استكماله إياها بعبارة "النار مهما كانت ملتهبة لا يمكنها أن تحرق كتابا"[1]. ومن ثم لا يمكنها أن تحرق الذاكرة والذكرى المتعلقة بمصادر الحرية المتنوعة، تماما بالقدر الذي تجعل من مختلف أشكالها ومستوياتها ونماذجها صورة معقولة ومقبولة بحد ذاتها. والسبب يكمن في كون الحرية مصدر الإبداع العظيم كما أنها الصورة المثلى للوجود الإنساني، أي القوة القادرة على صنع العدالة والسعي الدائم من اجل إيجاد صيغها المقبولة. فقد أدرك طه حسين إشكالية العدل والحرية المعقدة. وأشار بهذا الصدد إلى أنها مشكلة قديمة رغم ظهورها الجلي في القرن التاسع عشر والعشرين. وإذا كان التاريخ القديم والحديث لم يحل هذه القضية على مستوى الفكر والممارسة، فان الأمل يبقى في أن يجري حلها من خلال إيجاد الصيغة المعتدلة[2]. وليس هذا بدوره سوى الإبقاء على فكرة الاحتمال بوصفها توليفا بين الحرية والعقلانية، أي البحث والاجتهاد عن صيغة ممكنة ومحتملة.

ومع إن طه حسين لم يكن ضليعا في ميدان التفكير الفلسفي وفكرة الاحتمال العقلانية، إلا انه كان منهمكا في التعبير الحر عن حرية الفكر والتفكير لما لها من اثر وقيمة بالنسبة للعدل والحق. ففي مجرى تحديد موقفه من "ثورة الزنج" نراه يشير إلى ما اسماه باستنادها إلى تقاليد الخوارج[3]. وبغض النظر عن ضعف دقة هذا الربط، إلا أن من الممكن رؤية بواعث الدفاع عن فكرة العدل كما هي. وهذه بدورها وثيقة الارتباط بالحرية. من هنا قوله، بأن تناول ثورة الزنج وأمثالها في التاريخ الأوربي لا يعني الأخذ بها بقدر ما تعني الإشارة إلى ما في تراثنا من تقاليد عريقة في الدفاع عن العدل الاجتماعي من جهة، وأهميتها بالنسبة للأدباء من جهة أخرى، أي أهمية استلهامها في الإبداع الفني والأدبي[4]. والشيء نفسه يمكن ملاحظته حالما نراه يتكلم عن الحب والعشق في مجال الأدب والشخصية من خلال ربطه بالتحرر العقلي وفكرة الفن. بحيث نراه يجري مقارنة بين ستندال وابن حزم بصدد قضية الحب والعشق، بينما نراه يفرد لعشق اوغست كونت صفحات عديدة توصله في نهاية المطاف إلى القول، بأنك ترى الإنسان ساذجا وهو شديد التعقيد[5]. وبالمقابل نراه يدافع عمن يدعوهم بالشخصيات الحرة العقلية ويتناول فيمن يتناوله شخصيات متنوعة مثل بول فاليري[6] ويزيد بن المفرّغ[7].

إن الحرية بالنسبة لطه حسين هي معقل الثبات بسبب ارتباطها الجوهري بالعقل والمعرفة. بعبارة أخرى، إن الحرية بالنسبة لطه حسين هي حرية مدركة. وسواء سار هو بطريق تحديد الحرية بمعايير الضرورة المدركة أم لا، فإن مما لا شك فيه هو انه جعل منها مصدر الإبداع الأدبي الرفيع والارتقاء الشامل للفرد والمجتمع والدولة. من هنا نراه يشدد على أن "الحرية لا تستقيم مع الجهل. والدعامة الصحيحة للحرية الصحيحة إنما هي التعليم الذي يشعر المرء بواجبه وحقه الفردي والاجتماعي"[8]. ووضع هذه المقدمة أيضا في صلب دعوته عن حاجة مصر إلى ما اسماه بسلوك طريق "تكوين العلماء الأحرار المستقلين". وفي حال عدم قيامها بذلك فإنها ستبقى عالة على أوربا وتخدع نفسها بالأوهام والاستقلال في العلم[9]. وإذا كانت هذه العبارة لا تخلو من بقايا أو فاعلية الاستلاب الثقافي المميز لطه حسين، إلا أن مضمونها العملي يبقى سليما من الناحية المجردة. وضمن هذا السياق أيضا يمكن فهم مظاهر المراهقة الثقافية في أحكامه من فكرة الحرية والعدل والمساواة وحقوق الإنسان. إذ نراه يجعل من بروز هذه الفكرة (الحرية والعدل والمساواة) جزءا مما اسماه بالارتباط الضروري بأوربا وتقاليدها. من هنا دعوته إلى ضرورة تحقيقها من خلال التربية والتعليم السليم، مع ما يترتب عليه من مهمة توظيف الأموال من اجل بلوغ الرقي والاستعداد للدفاع عن الحرية والاستقلال[10].

إن تلازم وتعايش الرؤية الموضوعية والاستلاب الثقافي والمعرفي كان النتاج الملازم للطابع التأملي والجزئي لتوليف العقلانية والحرية. وهذا بدوره لم يكن إلا الوجه الآخر لأثر وثقل التراكم البطيء لفكرة الحرية، ونمو الوجدان، ووعي الذات القومي، والتجديد، والفكرة النقدية، والتنوير، وثقل الضغوط الأوربية الكولونيالية آنذاك، أي ذلك الخليط الهائل الذي أراد طه حسين أن يصهره في بوتقة صغيرة. من هنا طفح الخليط واستحالة صبه في قوالب مناسبة. ولم يكن ذلك معزولا عن كمية ونوعية المتناقضات المبتورة في فكره وتفكيره ومواقفه. لكنها كانت تعمل في الوقت نفسه ضمن إطار توسيع الرؤية العقلية النقدية، والإثارة المعرفية، والتجديد المبهور بكل شيء بما في ذلك بصغائر الأشياء والأمور والأحداث. غير أن هذه النتيجة المبعثرة لكمية التجارب التاريخية كانت في الوقت نفسه الثمن الضروري لفكرة الحرية.

لقد نظر طه حسين إلى الحرية باعتبارها الحافز الأكبر والغاية العظمى القائمة وراء كل إبداع حقيقي، ووراء حقيقة الإبداع نفسه. لهذا كان يكرر بين الحين والآخر عبارات عن "تقديسه للحرية"، بما في ذلك السياسية، والاجتماعية. وإذا كانت هذه الحرية مرتبطة وثيقة الارتباط في آرائه بحرية الرأي، فلأنه أراد من وراء ذلك تحويل اللغة والأدب إلى أن "تدرسا لذاتها"، أي هدم أسس الأيديولوجية التقليدية في تحويل الأدب العربي إلى وسائل لتدعيم الدين والتخلف. ومن هنا دعوته لاستقلالية الأدب ومطالبته برفع هذه الاستقلالية إلى مصاف "العلم الطبيعي"، أي عدم إخضاعه للهيمنة الأيديولوجية والسياسية. واستند في موقفه هذا إلى رؤية منهجية عن موقع الأدب ووظيفته في الوعي الاجتماعي الثقافي. وهو السبب القائم وراء معارضته "للرؤية السياسية" في لأدب. وبالتالي رفضه لفكرة أن تكون السياسة معيارا لفهم تاريخ الأدب وحقائقه، رغم تأثيرها الكبير في تطوره وتنوع مدارسه. وينطبق هذا بالقدر ذاته على موقفه من "الرؤية العلمية" التي حاولت أن تجعل من الأدب علما يتطابق مع العلم الطبيعي. رغم ما لهذه الرؤية من أهمية في تدقيق المعرفة التاريخية بالأدب وشخصياته وإبداعها. وجعله ذلك يركن، في نهاية المطاف، إلى ما اسماه بالفكرة الوسط، أي اعتبار الأدب وسطا بين العلم والفن. وكان يقصد بذلك أن يكون الأدب محببا للناس ومفسرا في الوقت نفسه للظواهر. ومن هنا لم تكن مساعيه الرامية إلى مساواة استقلالية الأدب باستقلالية العلم الطبيعي، سوى الصيغة المناسبة لتحريره من سطوة الهيمنة التقليدية واحتكارها للروح الثقافي، أي كل ما كان يعمل على تحنيط الأدب العربي كما وصل إلينا الآن. وكتب بهذا الصدد يقول: "فما لي ادرس الأدب لأعيد ما قاله القدماء؟ ولا اكتفي بنشر ما قاله القدماء. وما لي ادرس الأدب لأقصر حياتي على مدح أهل السنّة وذم المعتزلة والشيعة والخوارج، وليس لي في هذا كله شأنا ولا منفعة ولا غاية علمية؟[11]. من هنا دعوته إلى ما اسماه بضرورة تحرير الأدب واللغة من التقديس[12].

لقد كانت دعوته إلى حرية الأدب بذاته تعني بالنسبة له أيضا الأسلوب المناسب لتحرير جيله. لهذا أكد على أن جيله المعاصر لا يمكنه أن ينتج تاريخا للآداب العربية بمعناها المعاصر ما لم يحرر نفسه، تماما بالقدر الذي لا يمكنه أن يحرر نفسه من دون أن ينتج آدابا عربية حية[13]. وقد كانت هذه الدعوة قائمة في صلب مشروعه العقلاني النقدي، المتعلق بإدراكه الجديد لمهمة الأدب. فهو يضع في مهمات انتقاده للتيارات التقليدية الأزهرية في مواقفها من الأدب مهمة رفعه إلى مصاف الأدب الحي. بمعنى تخليصه من وظيفته التقليدية كخادم وضيع للاهوت. وبالتالي تحويله إلى أدب مرتبط بمشاعر الناس وحياتهم وقضاياهم[14]. ووضع هذه الفكرة في أساس موقفه من مهمة الأدب بوصفها مهمة الارتباط بالحياة الفردية والاجتماعية والوطنية والقومية بمختلف مظاهرها. بحيث نراه مرة يقول، بأن "الأدب متصل دائما بالحياة الواقعية. وكلما تصبح الحياة شعبية كلما يكون الأدب شعبيا. وهو مسار الحياة الأدبية، لأنه مسار حياة الشعوب"[15].

وليس مصادفة على سبيل المثال أن يقول، بان مهمته دراسة الأدب العربي وتاريخه هو لما فيه من ضرورة بالنسبة للوعي القومي والتاريخي. ومن يجهله ويزدريه لا يحق له الحكم فيه أو عليه. وضمن هذا السياق أشار إلى أن الغاية من وراء جمع المقالات التي كتبها عن حافظ وشوقي تقوم في إثارة "الميل القومي إلى درس الأدب والاعتناء به، وتقوية الذوق الفني وتوجيهه صوب الحياة ومشاكلها ومثلها العليا"[16]. ومن الممكن العثور على التوجه والتوجيه في الحافر القائم وراء قصة (ما وراء النهر) وغايتها[17]. فمع أنها لم تكتمل، لكنها تسير ضمن سياق القصة الاجتماعية، وضمن سياق أفكار ومفاهيم وقيم ومواقف طه حسين الاجتماعية. بمعنى وضع الأدب في خدمة المجتمع والعدالة والحق. وسوف يقول طه حسين في وقت لاحق إلى ثورة يوليو لم تكن معزولة عن اثر الأدب الإصلاحي، وإن للأدب دوره ومكانته فيها. ونعثر على ذلك على امتداد كتابات الأدبية والاجتماعية. فنراه يؤسس لفكرة العدل والدفاع عنها ولكن بمعايير الحكاية والخطابة كما هو الحالة على سبيل المثال في (المعذبون في الأرض). إذ نعثر فيه على انتقاد متنوع لحالة البؤس والخراب المادي والمعنوي في مصر، عبر انتقاد الواقع[18]. ومع أن "قصص" (المعذبون في الأرض) واقعية فنية إلا أنها تتبخر في مجرى القراءة كما لو أنها لا شيء. والشيء الوحيد الباقي فيها هو رغبتها في إيصال فكرة، شأن كل تلك الروايات الحماسية لفرح انطون وأمثالها التي لا يمكن قراءتها الآن إلا من جانب حثالة الفكر اليساري المتعصب أو نصف الجاهل والمولع (بالأيديولوجية). وليس مصادفة أن يحتوي الكتاب على قصص عن صالح وقاسم وخديجة والمعتزلة (مع أن العنوان لا علاقة له بفرقة المعتزلة بقدر ما يرتبط بعائلة بائسة[19]! لكنها تصب في مسار المهمة السياسية والاجتماعية للأدب كما فهمها طه حسين.

لقد أدت غلبة "المهمة" الاجتماعية والسياسية على القيام بما لا يرغب القيام به من الناحية المجردة. من هنا يمكن فهم قوله بأنه "أكثر من بنفر من إلقاء دروس الوعظ والإرشاد وتنبيه الغافلين وما شابه ذلك إلا انه مضطر لذلك انطلاقا من إدراكه لواجبه الوطني الصادق والكرامة الإنسانية[20]. وأن يقول في حالة أخرى، بأنه "لا يحب الديمقراطية المحافظة ولا المعتدلة، ولا اقتنع بالاشتراكية الفاترة، وإنما أياسر إلى أقصى ما أستطيع". ولا علاقة لهذا "الغلو" بغلو الراديكالية السياسية أيا كان شكلها ومحتواها بقدر ما أنها مؤشر على بعض معالم الرؤية النقدية الأدبية والاجتماعية التي تشطح بين الحين والآخر، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار خلو فكر وتفكير طه حسين، شأن كل رعيل وممثلي عقلانية الفطام التاريخي من رؤية منظومية. والشيء الوحيد القادر على تنظيم هذا الخلل أو التعويض عنه هو مزاج الرؤية النقدية وتجانسها في ميدان المواقف والأحكام الأدبية والاجتماعية والسياسية لحد ما. ومن الممكن العثور على سبيل المثال في موقفه من التربية والتعليم نموذجا على هذه الحالة. فهو يدعو للفكرة الديمقراطية في التعليم، على أن يجري من خلال تعليمها[21]. كما يدعو إلى أن "تكفل الديمقراطية للناس الحياة. ويجب قبل كل شيء أن تكفل لهم القدرة على الحياة"[22]. ويستكمل ذلك بفكرة توحيد المناهج وإعلاء فكرة الوطنية والعلم والطابع الاجتماعي، مع إقراره بان ذلك لا يتعارض مع التنوع والاختلاف لكن بشرط وجود الحد الضروري من المناهج والبرامج التي تكفل "تكوين الشخصية الوطنية في نفس التلميذ. ويركب في طبعه الاستعداد لتثبيت الديمقراطية وحماية الاستقلال"[23]. من هنا مطالبته بحصر التعليم بيد الدولة، أي أن توكل للدولة إلى أمد بعيد.على أن يبنى ذلك على أساس "التنظيم الدقيق والإشراف القوي والملاحظة المتصلة"[24]. بل ونراه يجعل من الدولة بداية ونهاية القوة الحاكمة في "تكوين العقلية المصرية". وكتب بهذا الصدد يقول بأن "الدولة هي المسئول الأول، والمسئول الأخير عن تكوين العقلية المصرية تكوينا يلاءم الحاجة الوطنية الجديدة.... إنها تنحصر في تثبيت الديمقراطية وحماية الاستقلال"[25].(!)

إن هذا التناقض الجلي والعميق و"المستقبلي"، أي الخطر بالنسبة لمستقبل الثقافة في مصر ينبع أولا وقبل كل شيء من ثقل المرحلة وثقل فكرة المهمة الاجتماعية والسياسية وصهرهما في كل واحد. وهذا بدوره ليس إلا النتاج غير المباشر لانعدام الرؤية المنظومية مع ما يترتب عليه من ضعف أو انعدام تنظيم الأفكار والمواقف والأحكام والبدائل. والقضية هنا ليست فقط في استحالة تثبيت الديمقراطية في دولة خديوية وبالأخص بعد أن يجري تحويلها إلى المسئول الأول والأخير عن صنع"العقلية المصرية"، بل وبما فيها من خطورة مستقبلية. بعبارة أخرى، إن هذا الغلو هو الوجه الآخر للرغبة العميقة في تمثل الإمكانات الواقعية في الدولة والمجتمع من احل تجاوز الهوة الواسعة بين الواقع المصري والصيغة النموذجية التي وجدها آنذاك في أوربا. الأمر الذي طبع اغلب أفكاره بصدد التربية والتعليم بطابع سليم وعملي رغم الثغرات المنتشرة في نوعية تفكيره وتأسيسه للمواقف والأحكام. ومفارقة الظاهرة هنا تقوم في أن مصدر هذا الخلل يكمن في تعايش وتنافر الرؤية النقدية والواقعية والمستقبلية. وذلك لان الغاية التي كان يسعى إليها بهذا الصدد تقوم في الدعوة لإعارة الاهتمام الأكبر بالتعليم وصرف الأموال من اجله وتحريره وتوسيعه والاهتمام بالتلاميذ من الناحية المادية والمعنوية والصحية[26].

النزعة المصرية – وطنية ضيقة أم قومية مبتورة؟

فقد وجد طه حسين في مصر آنذاك كيانا مريضا. ونستطيع تلّمس ورؤية وسماع معاناته وحسّه الوطني والإنساني العميق والعقلاني أيضا في الموقف من حالة مصر وعلاقتها بأوربا بشكل عام وفرنسا بشكل خاص. وليس مصادفة أن نعثر في كتاباته الاجتماعية آنذاك على كتلة من المواقف المتناقضة والاغتراب بسبب التاريخ الحديث. لهذا نسمعه يقول، بأنه وأمثاله بذلوا الغالي والرخيص من اجل حرية مصر وتطورها ونجاحها، بينما يروها معقودة اللسان والأيدي وفاقدة الحركة، على خلفية إصابة مصر آنذاك بمرض الكوليرا. من هنا ظهور السؤال: ما هو الشيء الذي تجاوزته مصر؟ أنها مازالت تعاني من مختلف الأمراض (الكوليرا وما شابه ذلك). انه مؤشر على بقائها ضمن حيز التخلف رغم كل ما قيل ويقال. ويختتم المقال بسؤال بسيط: بأي طريق تسير مصر؟ طريق الحياة أم طريق الموت[27]؟ انه سؤال المثقف الكبير في مواجهة إشكاليات العصر والنفس ولكن دون الوقوع في حالة اليأس والقنوط.

وقد تكون الفكرة المصرية، أو الوطنية المصرية المرفوعة إلى مصاف الرؤية القومية احد نماذج الغلو الواقعي آنذاك في إدراك وتأسيس مهمة الأدب الاجتماعية والسياسية والوطنية. من هنا نراه يقول بوجود "صورة جديدة للقومية والوطنية قد نشأت في العصر الحديث[28]. ولم تكن هذه الصيغة الأولية في الواقع سوى الشكل الجديد لنمو الفكرة القومية الجديدة التي لم تع ذاتها بعد بمعايير المستقبل، رغم أنها تتكلم عنه. وذلك لأنها كانت محكومة بثقل التقاليد المصرية المتراكمة والمشوهة لحد ما من تفاعل السيطرة الأوربية المباشرة وغير المباشرة على الوعي الاجتماعي والسياسي والأدبي الجديد، أي المنبهر بتقاليد الغريب القريب، وهيمنة التقاليد الغريبة والقريبة لماليك العائلة الخديوية.

لهذا نراه يظهر بصورة الوطني المصري الحر المدافع عن الاستقلال السياسي والاجتماعي والمعرفي[29]. وكذلك في شخصية المدافع عن المجتمع وحقه في إدارة شئونه الذاتية بنفسه، ومن ثم معارضة فكرة الوصاية على المجتمع كما لو انه قاصر[30]. بل ويتعدى ذلك إلى مجال الدفاع عن مظاهر الاحتجاج والمقاومة الاجتماعية السياسية الوطنية (المصرية) والبحث عن القيم الجميلة والنبيلة فيها والانتماء إليها[31]. وان يضع هذه المواقف في صورة نقدية ساخرة عندما كتب مرة يقول "فليهنأ الأزهر برضا الحكومة، ولتهنأ الجامعة برضا الأمة وغضب الوزراء"[32]. وعندما ينتقد حالة الإدارة المصرية، فإننا نراه يتناولها مقارنة بحالة العراق أيام زياد بن أبيه! انطلاقا من أن الشيء بالشيء يذكر[33]. والشيء نفسه يمكن قوله عن محاولاته تحديد ماهية النزعة المصرية وتأسيسها. بمعنى الانطلاق من الواقع من اجل تلافي الخلل فيه. وانطلق هنا من مقدمة خطابية مقبولة بمعايير الخطابة الاجتماعية تقول، بان "الله هو الوحيد القادر على خلق كل شيء من لا شيء. أما الإنسان فعاجز". من هنا فان "مصر لن تبتكر ابتكارا ولن تخترع اختراعا، ولن تقوم إلا على مصر القديمة الخالدة، وبأن مستقبل الثقافة في مصر لن يكون إلا امتدادا صالحا راقيا ممتازا لحاضرها المتواضع المتهالك الضعيف"[34]. وهي فكرة سليمة من حيث تأكيدها على وحدة الماضي والحاضر بالنسبة للمستقبل. لكنها فكرة مبتورة حالما يجري وضعها ضمن سياق الفكرة الوطنية والقومية وذلك لطابعها الخطابي. وذلك لأنها تجمع كل ما يمكن جمعه من وقائع ودقائق وحقائق في خواطر اقرب ما تكون إلى خطاب يدغدغ الوعي المسطح لا العقل النقدي. وانطلق في تأسيس فكرته هذه من مقدمة تقول، بان الدين واللغة ليست قواما وأساسا للوحدة السياسية وتكوين الدول. وان تطور الحياة الإنسانية قد قضى منذ عهد بعيد على الدور الذي يمكن أن تقوم به "وحدة الدين" و"وحدة اللغة" بهذا الصدد[35]. والمسلمون أنفسهم قد تخلوا عن هذا المبدأ منذ زمن طويل. وأقاموا سياستهم على المنافع العملية[36]. بل إن تجربة الخلافة والإسلام دليل على ذلك. وكتب بهذا الصدد يقول، بان المسلمون فطنوا إلى جوهرية المنافع العملية وليس الدين واللغة. وهو أساس الحياة الأوربية، أي المنافع الزمنية (يقصد الدنيوية) لا على الوحدة المسيحية ولا على تقارب اللغات[37]. وبغض النظر عما في هذا التصوير التاريخي من ضعف شديد للرؤية التاريخية، بمعنى انه ينظر إلى حصيلة التطور الأوربي بمعزل عن تاريخه الفعلي، أي ينسى تاريخ هذه العملية، بحيث تصبح أوربا بالنسبة له كائنا جوهرانيا قائما بذاته ولذاته منذ القرن التاسع عشر. إلا أن هذا الخلل الذي هو جزء من نمط الخطابة الفكرية، كان يهدف في آراء ومواقف طه حسين إلى تأسيس أهمية وفكرة الوطنية والقومية (المصرية) الحديثة. من هنا محاولته استرجاع الماضي بطريقة تجعل من مصر كما يقول "أول من استرجع شخصيته القديمة التي لم ينسها في يوم من الأيام"(!!). ولم تهدأ في محاولاتها هذه إلا حالما استعادت نفسها في ظل ابن طولون(!!)[38]. بل إن تاريخ مصر مليء بالسخط والتذمر زمن السيطرة الأجنبية (الرومانية الغربية والشرقية). والشيء نفسه يمكن قوله عن "السلطان العربي" والسيطرة التركية.

إن هذا الخلط الفكري في المواقف كان نتاجا لتمازج الرؤية النفسية والعقلية الساعية إلى إبراز أولوية النزعة المصرية بوصفها نزعة وطنية. بمعنى أنها كانت تخلو من أبعاد الرؤية القومية العربية رغم أنها تتضمنها بصورة منفية. وهو خلل يعكس أولا وقبل كل شيء خلل التطور التاريخي أو بصورة أدق زمن التجزئة وانعدام التاريخ السياسي الموحد للعالم العربي. الأمر الذي جعل من الممكن الحديث عن "ثبات" مصر زمن "السلطان العربي" ومقارنة ذلك بغيره من "الثبات" أمام الغزو الخارجي. كما انه الخلل الذي جعل من الممكن إدراك الكل في الجزء وليس بالعكس. وبالتالي لم تكن هذه الهفوة المنطقية سوى الزلة العقلية في متاهات ودهاليز الانحلال السياسي والتجزئة الثقافية التي وقع فيها العالم العربي لعدة قرون بحيث جعلته أجزاء مبعثرة أمام مختلف أشكال ومستويات وقوى الغزو الخارجي، ومن ثم تحوله إلى فلك من أفلاكها أو طرف على حواشيها بعد إن كان مركز العالم الحضاري ومصدر الثقافة الكونية.

من هنا يمكن فهم بواعث هذه الرؤية المتناقضة من حيث مقدماتها وغاياتها والمتجانسة من حيث مواجهتها لحالة التجزئة والخراب المادي والمعنوي الذي حاولت مصر، قبل غيرها من الأقطار العربية، الخروج منه. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه من حالة مصر والعالم العربي ككل بعد ما اسماه بالغزو التركي، الذي لعب من الناحية الثقافية نفس الدور الذي لعبه البرابرة في قتل الثقافة اليونانية والرومانية، كما يقول طه حسين. إلا أن مصر "ثبتت أمام غارة الترك. إنها آوت الإسلام وعلومه وحضارته وتراثه المجيد"، فما بال "قوم ينكرون على مصر حقها في أن تفاخر بأنها حمت العقل الإنساني مرتين، حين آوت فلسفة اليونان وحضارته أكثر من عشرة قرون، وحين آوت الحضارة الإسلامية وحمتها إلى هذا العصر الحديث"[39].

إننا نعثر في هذه العبارات على صدى الرؤية الوطنية والنقدية والتنويرية في الوقت نفسه، رغم تأسيسها الخاطئ. والقضية هنا ليست فقط في أن هذه المواقف والأحكام تحتوي على تضخيم لا علاقة له بالتاريخ الفعلي، انطلاقا من إن "الحفاظ على الثقافة اليونانية والإسلامية" لم يكن من النصيب الأكبر لمصر،  بقدر ما كان من نصيب العراق وسوريا والأندلس، بل ولخطئها الثقافي وخطيئتها القومية. لكنها كانت تتمثل ثقل التقاليد النفسية والخطابية المصرية آنذاك. بعبارة أخرى، إنها كانت تتمثل في غلوها ملامح الوطنية المصرية الصادقة بوصفها مرحلة من مراحل الوعي الذاتي الثقافي والقومي أيضا. وفي هذا كانت تكمن فضيلة هذا الغلو أيضا. وذلك لان الجذر الثقافي لتفكير طه حسين وميدان نشاطه الفكري ظل من حيث الجوهر حبيس الثقافة العربية والإسلامية.

فإذا كانت النزعة المصرية تطالبه بالقول بأن اللغة والدين ليسا مقومات جوهرية بالنسبة للدولة والأمة، فإن جذوره الثقافية وثقلها الكاسح في هويته وكينونته كانت تفرض عليه قول العكس. وهو تناقض نسبي وجزئي كان يتغلغل في كل ما كتبه طه حسين، شأن كل التناقضات الكثيرة في فكره ومواقفه. وذلك لأن هذه التناقضات الجزئية كانت محكومة بغياب الرؤية المنظومية والفلسفية. لهذا نراه يدافع دفاعا شديدا عن اللغة العربية قائلا عنها بأنها "لغتنا الوطنية، ومقوم شخصيتنا القومية"[40]. ويقف موقف المعارض والناقد لمحاولات الأزهر احتكار سطوته "الروحية" على اللغة العربية. إذ اعتبر العربية لغة الحياة كلها بالقياس إلى أصحابها، فيجب أن يكون شأنها شأن مرافق الحياة جميعا. لهذا لا بأس أن تأخذ الدولة على عاتقها مهمة الاهتمام والإعداد لها التعليم[41]. كما نراه يقف بالضد من محاولات جعل العامية لغة. وبالمقابل يدعو ويعمل لتعليم العربية الفصحى، باعتبارها "لغة القرآن والحديث ولغة أسلافنا وآدابهم. أما العامية فهي مجرد لهجة مليئة بالفساد من حيث الوضع والشكل"[42]. بل ونراه يطبق ذلك على الموقف من النصارى (الأقباط)، الذين "يتلون صلواتهم في لغة عربية محطمة اقل ما توصف به أنها لا تلاءم كرامة الدين.... الأقباط مصريون فيجب أن يتثقفوا في أمر دينهم ودنياهم كما يتثقف المصريون. واإن العربية هي اللغة الوطنية لمصر فيجب أن يتقنها الجميع بغض النظر عن الدين"[43].

لم تكن هذه الأفكار معزولة عن تجربته الحياتية وأيامها المريرة كما صورها في كتاب (الأيام)[44]، والتي عكست بصورتها الخاصة وضعية العالم العربي واختلاجاته الداخلية بشكل عام، والمصرية بشكل خاص، رغم خلو (الأيام) من الأبعاد الدرامية واقترابها من النص التقريري. بمعنى مظهرها الأدبي وضعفها الفني. الأمر الذي جعل منها معاناة تاريخية اجتماعية أكثر مما هي معاناة فكرية شخصية. لكننا نعثر فيها على صدى مرحلة الانكسار والصعود العربي - المصري في الوقت نفسه، أي انكسار التقاليد القديمة وصعود الثورة، وانكسار الثورة وصعود الوعي المتشكك، وانكسار التشكك وصعود العقلانية الايجابية. وإذا كانت هذه الصيغة شكلية في مظهرها، فإنها تحتوي في مضمونها على واقع العملية التاريخية المنعكسة في تطور النزعة النقدية الأدبية لطه حسين وقيمتها العقلانية بالنسبة للثقافة العربية الحديثة ككل، أي كل ما حدد بدوره مفارقة إبداعه العلمي والثقافية. وهذا بدوره كان وثيق الارتباط بشخصيته.

إن المفارقة الكبرى لشخصية طه حسين تكمن في جمعه بين أضداد حية وأخرى ميتة، كما لو انه يتمثل بصورة دقيقة أنساق التناقض المبتور بين الشك واليقين والنقد والتطمين الذي هيمن عليه بقدر يتكافأ مع هيمنته على أسلوبه في التفكير والمواقف والأحكام. إذ يمكن وضع كل فكر طه حسين في عبارة واحدة تقول: "إنني اجزم لكنني اشك"! وما بينهما يتراوح كل تفكيره ومواقفه وأحكامه. لهذا يسهل السير معه إلى النهاية، تماما كما يستحيل الاطمئنان والركون إلى ما فيه. ومع كل يقين شك يوازيه دون أن يرتقيا إلى مصاف المنظومة. من هنا تعايش مختلف الأفكار والأحكام المتضاربة. والثبات الوحيد هو للقيم. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن تجربته الفردية وشخصيته العلمية والاجتماعية والوطنية والثقافية. لكنها شخصية لم تتكامل بمعايير الرؤية المنهجية، بقدر ما كانت تسرح وتمرح بقوالب متناقضة.

فعدما وصفوه مرة بأنه كاتب برجوازي أجاب: "لست كاتبا برجوازيا، وما أحببت أن أكون برجوازيا، وإنما رجل شعبي المنشأ والتربية، وشعبي الشعور والغاية أيضا". كما يمكن للمرء "أن يوصفني بما يشاء ولكني لست ارستقراطيا ولا برجوازيا". وعندما وصفوه مرة بالفوضوي في الأدب، فانه قبل هذا التوصيف استنادا إلى فكرته عن أن لا يستطيع رؤية الأدب وتصوره على غير هذه الحالة، بمعنى اعتماده على الحرية المطلقة بلا قيود ولا تخضع لنظام أو قانون[45]. ووسع هذا المدى على مواقفه الاجتماعية والسياسية والثقافية العقلية منها والوجدانية. ومن المكمن رؤية ذلك على أمثلة كثيرة يمكن العثور عليها في كتاباته العديدة. كما يمكن الكشف عنها على سبيل المثال لا الحصر في مثال نموذجي عندما نراه ينتقد حالة "الضمير الأدبي" أي انفصام الشخصية وخضوع كل شيء لاعتبارات ثانوية[46]. لهذا نراه يتناول في احد أحاديثه (مقالاته) قضية "نزاهة الأدب" مقابل قضية "نزاهة الحكم"[47]. بمعنى الصيغة التي تتزاحم فيها وتتراكم الشخصية الفكرية والاجتماعية والسياسية والأدبية على أساس وحدة العقل والوجدان. لكنها صيغة أشبه ما تكون بما في ذلك من حيث مظهرها بأولئك القصاصين الكبار الذين كانوا يملئون الجوامع والمساجد والمحلات والأزقة في العهود السالفة، كما نراها على سبيل المثال في كتاب (من أدب التمثيل الغربي)[48]. والشيء نفسه يمكن قوله عن كتاب (الفتنة الكبرى) وغيره من كتبه المشهورة. (ينبع.....)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] طه حسين: ألوان، دار المعارف، القاهرة، ط6، 1981، ص231 (وقد تكون هذه العبارة ترجمة ير دقيقة عبارة التي نطق بها بوشكين والقائلة، "إن المخطوطات لا تحترق".

[2] طه حسين: ألوان، ص250

[3] طه حسين: ألوان، ص165

[4] طه حسين: ألوان، ص167، 187.

[5] طه حسين: ألوان، ص148-163

[6] طه حسين: ألوان، ص 51-64

[7] طه حسين: ألوان، ص 66-75

[8] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993، ص78

[9] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص208.

[10] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص126.

[11] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، بيروت، دار العلم، 1978، ج1، ص55.

[12] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص55.

[13] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص54.

[14] طه حسين: من تاريخ الأدب العربيج1، ص15-16.

[15] طه حسين: ألوان، ص205.

[16] طه حسين: حافظ وشوقي، القاهرة/ مكتبة الخانجي، المقدمة.

[17] طه حسين: ما وراء النهر، دار المعارف، القاهرة، ط6، 1986

[18] طه حسين: المعذبون في الأرض، القاهرة، الشركة العربية للطباعة والنشر، العدد 6، 195، ص8. وليس مصادفة أن تجري مصادرة هذا الكتاب ومنعه حالما طبع بعد أن جرى جمعه من مقالات متفرقة.

[19] طه حسين: المعذبون في الأرض، ص64.

[20] طه حسين: المعذبون في الأرض، ص118.

[21] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص60-61.

[22] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص76.

[23] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص69-70.

[24] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص60

[25] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص75.

[26] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص82-108

[27] طه حسين: المعذبون في الأرض، ص151

[28] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص74.

[29] طه حسين: حديث المساء، دار العرب، القاهرة، ط1، 1983، ص 36-46.

[30] طه حسين: حديث المساء، ص 50.

[31] طه حسين: حديث المساء، ص76.

[32] طه حسين: حديث المساء، ص94.

[33] طه حسين: حديث المساء، ص100

[34] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص12.

[35] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص18.

[36] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص19.

[37] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص19.

[38] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص19.

[39] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص27-28.

[40] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص224

[41] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص227.

[42] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص231.

[43] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص347.

[44] طه حسين: الأيام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1994. ففيها يتكلم طه حسين عن "الفتى" أي ليست بصيغة الأنا. وتعكس هذه الصيغة الوحدة الخفية لفقدان الفردية من جهة وطوفان  الموضوعية من جهة أخرى. لكنها مليئة بالحشو، شأن كل ما كتبه طه حسين. بعبارة أخرى أنها لا تخلو من دراما شخصية شأن كل رواية حية وصادقة، لكنها تبقى ركيكة. وذلك لان التجربة الحياتية لطه حسين تبقى تجربة محصورة. من هنا دورانها حول الثقافة والتحصيل العلمي، أي اقرب ما تكون إلى تقرير علمي حياتي بصيغة أدبية. لو قيل أنها لشخص آخر لم يقرأها احد. أي أنها بلا جمال ولا جلال. إن مأثرتها ليس فيها (لأنه لا فكر فيها ولا أصول) بل بسمعة مؤلفها.

[45] طه حسين: حديث الأربعاء، دار المعارف، القاهرة، ط 12، 1993، ج3، ص208

[46] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص217-218

[47] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص224-230

[48] طه حسين: من أدب التمثيل الغربي، دار العلم للملايين، بيروت، ،1983.

 

mutham aljanabi2إن الشخصيات الكبرى كبيرة أيضا بتناقضاتها. إلا أن لهذه المتناقضات مستوياتها وأنماطها. كما إن لكل منها مقدماتها ومصادرها. من هنا تنوع آثارها ونتائجها. ولعل مفارقة التناقضات المميزة لإنتاج طه حسين تكمن في ضعف فاعليته المعرفية. من هنا مفارقة شخصيته الكبيرة بحد ذاتها. بمعنى إننا نقف أمام شخصية كبيرة بمعايير الوعي العادي والمشهور، لكنها عادية بمعايير العلم الدقيق والمعرفة المحققة. من هنا تناقض أثرها الثقافي، وذلك لأنها مازالت تنتج وتعيد إنتاج تقاليد النقد المبهرج وأوهام الغفلة التاريخية التي طبعت تقاليد مرحلته ومازالت تطبع ثقافة "الإنسان العادي"، أي الأكثر انتشارا بين متعلمي المرحلة الحالية. وفي الوقت نفسه مازالت تحتل موقعها المتميز في كوكبة المرجعيات الفكرية للثقافة العربية الحديثة. الأمر الذي يجعل منها نموذجا كلاسيكيا لهيمنة الثقافة العادية وضعف الوعي النظري وخلل الفكر المنظم. وقد يكون استلابه الفكري والمنهجي والثقافي أيضا احد المصادر الكبرى لهذا التناقض العقيم!

وسوف اتخذ من مقاله الذي قدم به لكتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، نموذجا للكشف عن هذه الجانب المهم في نقد تراث طه حسين، وبالأخص ما يتعلق منه بفهم مضمون تراث الأقدمين وكيفية تفسيره والنتائج المترتبة على ذلك فيما يتعلق بكيفية تأسيس الوعي الذاتي التاريخي والثقافي.

ففي هذه المقدمة التي وضعها تحت عنوان (في البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر) يتطرق طه حسين إلى شخصية الجاحظ. وفي معرض موقفه من تقاليد البيان العربي وعلاقته بالبيان الإغريقي، حاول "البرهنة" على إن تصورات الجاحظ كانت سطحية عن بلاغة الشعوب الأخرى، استنادا إلى فكرة الجاحظ نفسه، الذي جعل البلاغة للعرب لا لغيرهم.

إن سر الخلل في هذا الفهم والتقييم والتأويل يقوم في ما أسميته بالاغتراب الثقافي لطه حسين من جهة، وجهلة بتاريخ ومضمون الفكرة التي وضعها الجاحظ، من جهة أخرى. إذ لم يفهم طه حسين مضمون فكرة الجاحظ. من هنا اعتقاده، بان المقارنات التي يقدمها الجاحظ بين الشعوب والأمم و"تفضيل العرب" على غيرهم في مجال البيان (البلاغة) كان مجرد جزء من صفته المتميزة بحب المفارقة والإغراب وعلى حماسة متقدة صادقة في الانتصار للعرب على خصومهم من الأعاجم، تؤدي به إلى التناقض أحيانا[1]. أما في الواقع، فأن دراسة وتحليل شخصية الجاحظ وإبداعه الفكري الهائل، تكشف عن مدى سطحية وهشاشة هذا الحكم والموقف. إضافة إلى تعارضهما الصارخ مع الصفات الجوهرية التي تميز كتابات الجاحظ نفسه.

فقد كانت الجاحظ ابعد المفكرين والأدباء والمؤرخين والمتكلمين عن حب المفارقة والإغراب (على عكس طه حسين بالضبط)! كما انه لم يتميز "بالحماسة المتقدة والصادقة في الانتصار للعرب" وما شابه ذلك. إذ ليس هذا الحكم في الوقع سوى الصيغة المعكوسة للفكرة الشعوبية (العرقية المتطرفة). وبالتالي ليس موقف طه حسين هذا سوى الصيغة المقلوبة التي تستعيد بدون وعي أو بفعل التراكم الخفي للمدرسة الأزهرية، بقايا الاشمئزاز أو العداء الخفي للمعتزلة. ولم تستطع حتى شخصية مثل الشيخ الإمام محمد عبده من التخلص منها، رغم وضعه هذا الخلاف ضمن سياق الصراع التاريخي الفكري والثقافي بين المعتزلة والأشاعرة. لكننا نعثر على اندثار شبه تام له في منظومة الرؤية الإصلاحية والموقف من الإصلاح والشخصيات الإصلاحية كما وضعها في آخر رسائله (رسالة التوحيد). أما الصورة والصيغة الأولية المتطرفة للاتهام "بالشعوبية" (النزعة العرقية المتطرفة والعدائية)، فإنها تعود، من حيث تأسيسها النظري لابن تيمية.

وفيما لو تركنا جانبا هذه القضية، ورجعنا إلى قضية الجاحظ وتقييمه عند طه حسين، فان الشيء الأكيد والدقيق الذي يمكن قوله بهذا الصدد يقوم في أن الجاحظ كان مفكرا صادقا تجاه الحقيقة أولا وقبل كل شيء. وبالقدر ذاته كان الجاحظ متقدا في دفاعه عن العقل والإخلاص فيه حتى النهاية. إضافة إلى نزعته الإنسانية والنقدية الرفيعة. إذ ليس هناك من شخصية فكرية إسلامية دافعت عن مختلف الشعوب والأجناس والمهن وغيرها أكثر من الجاحظ. وتكفي هنا الإشارة إلى سلسلة الكتيبات والرسائل العديدة التي وضعها بهذا الصدد (عن الأتراك والسودان وأصحاب المهن والغواني وأصحاب العاهات وكثير غيرها). وهذه بدورها لم تكن نزوة عابرة مرتبطة بحب المفارقة والإغراب وما شابه ذك من اتهامات لا أساس لها، بقدر ما كانت نتاجا لعقيدته الفكرية والفلسفية. فقد كانت حقيقة الجاحظية بوصفها مدرسة معتزلية متميزة، مرتبطة بتأسيسها الخاص لفكرة الإرادة العقلية، وعقلانية النزعة الإنسانية وطابعها النقدي.

أما الموقف من "بلاغة العرب" كما وضعها الجاحظ، فانه كان جزء من تقاليد وعي الذات الثقافي التاريخي من جهة، وتطور الرؤية الانتروبولوجية الثقافية وتصنيفاتها التي تراكمت بفعل صيرورة وتدقيق مناهج البحث الموسوعي للأديان والفلسفات والأمم من جهة أخرى. بعبارة أخرى، إن عبارة "العرب أهل البيان" هي فكرة عامة مجردة نابعة من تراكم وتداخل الرؤية الانتروبولوجية الثقافية والموسوعية المتفحصة (النقدية) لتجارب الأمم بوصفها تجارب إنسانية متنوعة. لقد كانت هذه الفكرة جزء من تطور الرؤية المقارنة للثقافات والأمم، وتنوعها واختلافها من حيث النموذج أو المثال أحيانا، وليس حقيقتها الدائمة أو الثابتة. لكنها تحتوي بالقدر ذاته على رؤية تاريخية ثقافية ملموسة. فالصورة الشائعة عن مهارة أهل الصين في الصناعة والحرفة جعلتهم يتحولون إلى "ممثل" الصناعة والحرفة. ولا يعني ذلك انعدام الحرفة أو قدرة الأمم الأخرى على الحرفة والصناعة. فقد كانت الحرف والصناعات المتطورة آنذاك في عالم الخلافة، أي أنها كانت أكثر رقيا من الصينية بما في ذلك في البناء والعمران. ومن الممكن هنا الإتيان بالمقارنة التي يوردها الغزالي في كتاب (ميزان العمل) بين أهل الصين وأهل الروم. حيث نراه يصور الخلاف بينهما بالشكل التالي: "حكي أن أهل الصين والروم تباهوا بحسن صناعة النقش والتصوير بين يدي بعض الملوك. فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة ينقش أهل الصين منها جانبا وأهل الروم جانبا، ويرخي بينهما حجاب بحيث لا يطلع كل فريق على صاحبه. فإذا فرغوا رفع الحجاب ونظر إلى الجانبين، وعرف رجحان من الراجح من الفريقين. فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر، ودخل أهل الصين وراء الحجاب من غير صبغ. فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين، بأنهم فرغوا أيضا. عندها قال أهل الروم:

- كيف فرغتم ولم يكن معكم صبغ ولا اشتغلتم بنقش؟

- ما عليكم! ارفعوا الحجاب وعلينا تصحيح دعوانا!

فرفعوا الحجاب، وإذا بجانبهم وقد تلألأ فيه جميع الأصباغ الرومية الغريبة. إذ كان قد صار كالمرآة لكثرة التصفية والجلاء. فازداد حسن جانبهم بمزيد الصفاء، وظهر فيه ما سعي من تحصيله غيرهم"[2].

إننا نعثر في هذه المقارنة على بقايا الصيغة الشائعة (الانتروبولوجية الثقافية والرؤية الموسوعية) التي وظفها الغزالي كنموذج أو مثال لتبيان أساليب المعرفة المتنوعة، الظاهرية والباطنية عبر جلاء القلب وتحويله إلى مرآة الوجود. بعبارة أخرى، تعكس هذه المقارنة في رمزيتها أيضا تصورات الثقافة السائدة في أوساط المفكرين المسلمين، المترتبة أيضا على مركزيتهم الثقافية آنذاك. فقد كانت الثقافة الإسلامية آنذاك في مركز الكون التاريخي والثقافي العالمي، من هنا مركزية رؤيتهم، أي تحررها من أي شيء باستثناء ملاحظاتهم الدقيقة لنوعية تجارب الأمم وليس خصائصهم الثابتة. وضمن هذا السياق يمكن فهم الموقف المصنف لأهل الروم (بيزنطة) والصين باعتبارهم أهل حرفة وعلوم عملية. وليس مصادفة، على سبيل المثال، أن يعتبر الجاحظ أن اليونانيين علماء بينما الروم صنّاع. وقد دعاهم قبله ابن المقفع، بأصحاب البناء والهندسة. وإذا كان التوحيدي يعتبر أهل الروم "أهل العلم والحكمة" فلأنه كان يطابق في الواقع بينهم وبين اليونان. بينما اعتبرهم ابن صاعد الأندلسي "حكماء أجلاء وعلماء بالفلسفة".

مما سبق يتضح، بان الثقافة الإسلامية قد اتفقت في اغلب تقييماتها على إقرار صفة الروم العملية، أما إبقاءها صفة أهل الصين العملية، فقد كانت اقرب إلى بديهة لا تقبل الجدل. فقد دعاهم الجاحظ "بالصناع"، ووصفهم ابن المقفع بعبارة "أصحاب أثاث وصنعة"، بينما وضعهم ابن صاعد الأندلسي ضمن صنف الأمم العملية لا العلمية (الفلسفية) مشددا على "حذاقتهم الصناعية". وإذا كانت هذه الأحكام دقيقة ضمن سياقها التاريخي، فان ما هو جوهري بالنسبة للغزلي، على سبيل المثال، كان يقوم في رمزية المقارنة لا طبيعتها الواقعية. ذلك يعني إننا نقف أمام صيغة ومستويات متنوعة بما في ذلك من حيث توظيفها ضمن معايير وموازين الثقافة وتقييماتها آنذاك.

والشيء نفسه يمكن قوله عن فكرة "العرب أهل البيان" وكثير غيرها مما جرى وصف الأمم به، باعتبارها الصيغة التي أبدعتها الثقافة الإسلامية في محاولاتها تصنيف وتقييم تجارب الأمم والحضارات. وهو أمر جلي في إبداع ونتاج الثقافة الإسلامية في موسوعاتها النظرية الكبرى المتعلقة بتاريخ الأديان والأفكار (علم الملل والنحل) والأمم (طبقات الأمم). فكما تلازمت فيها الصيغ القائلة، بان أهل الروم والصين أهل صناعة وحرفة وعلوم، أي اقرب إلى العلوم العملية، تلازمت أيضا صيغة كون العرب هم أهل بلاغة وخطابة وبيان. في حين أن الإغريق أهل فلسفة وعلوم، والفرس أهل أدب وسياسية، والترك أهل فروسية وشجاعة.

وبغض النظر عما في هذا التصنيف من حدود لم تعد مقبولة في الظرف الراهن، إلا أنها تعكس مذاق الثقافة ونوعية إدراكها آنذاك، بوصفها تجارب تاريخية. والأحكام التاريخية ليست منطقا ولا بديهة. وهي الفكرة العظمى التي وضعتها الثقافة العربية الإسلامية في محاولاتها استكناه وإدراك حقيقة الحكمة وحدودها، أي تقديم خطابها بمعايير البيان الثقافي الذاتي وليس بعبارة البيان المتغرب عن أصوله الثقافية، أيا كان شكله ومحتواه.

بين بلاغة الاستلاب وبلاغة الوعي الذاتي

إنني أسعى هنا لإجلاء الضعف الفكري في الأحكام السريعة والعجولة التي يطلقها طه حسين في مختلف الميادين، أي فقدان أحكامه وتقييماته إلى أسس علمية ونظرية دقيقة. وكذلك للكشف عن أن السبب الجوهري القائم وراء كل ذلك يكمن في تداخل وتفاعل الخلل المنهجي والاستلاب الثقافي.

فالأحكام التي يطرحها طه حسين بصدد شخصية الجاحظ وتاريخ وماهية البيان العربي، تكشف عن احد النماذج الجلية بهذا الصدد. وذلك لأنها تكشف عن نوعية الذهنية والمنهج بقدر واحد. وعموما أن الشخصية الكبيرة واحدة من حيث الجوهر، باستثناء مرحلة التراكم الأولية. وما أتناوله هنا هو نتاج مرحلة النضوج الكبرى.

فقد توصل طه حسين في مجرى تأملات السريعة وأحكامه الجازمة الى ما اسماه بجهل الثقافة العربية الإسلامية لمضمون البيان والبلاغة والخطابة اليونانية كما بلورها أرسطو في كتابه (الخطابة). وضمن هذا السياق توصل الى القول، بأن الجاحظ هو احد نماذج وعصارة هذه الجهل الذي جعله يقول بان "العرب أهل البيان". وقد برهنت في المقالات السابقة عن خلل هذا الحكم وسطحيته من الناحية الفكرية والنظرية والتاريخية والثقافية.

واستكمل في هذا المقال توسيع وتعميق هذا النقد من خلال الكشف عن الأسس النظرية والفلسفية والثقافية القائمة وراء هذه الفكرة بوصفها جزء من تطور ذهنية التصنيف الملازمة للمركزية الثقافية الكونية بشكل عام والعربية الإسلامية بشكل خاص. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن صيرورة الثقافة العربية الإسلامية وتنوع تجاربها بهذا الصدد.

ففي مجرى الجدل التاريخ الثقافي والفكري عن "الأمة" توصلت التجربة الدينية للإسلام عن الأمة في أحد نماذجها الرفيعة إلى فكرة وحدة الأديان. أما تجاربها الدنيوية فقد أوصلتها إلى إبداع نماذج عديدة عن الأمم شكلت مساهماتها العلمية معيارا لتحديد هويتها الحقيقية.

وفيما لو أجملنا حصيلة هذه التجارب النظرية (الدنيوية) في تحديد الأمم، فأننا سنعثر على خمسة أنماط كبرى. وبالاستناد إليها جرى تقسيم الأمم على أساس جغرافي، وآخر إبداعي، وثالث ذهني، ورابع مذهبي، وخامس علمي - فلسفي.

إذ أدرجت في التقسيم الجغرافي نوعان، الأول مبني على أساس تقسيم العالم إلى أقاليم سبع الجوهري فيه إظهار ما أسموه باختلاف الطبائع والأنفس التي تدل عليها الألوان والألسن. أما التقسيم الثاني فقد وضعته بحسب الأقطار الأربع التي هي الشرق والغرب والشمال والجنوب الجوهري فيه إظهار ما أسموه باختلاف الطبائع وتباين الشرائع.

أما التصنيف الذي وضعوا فيه معيار "الإبداع المتميز"، (وهو التصنيف الذي ينبغي فهم عبارة "العرب أهل البيان" ضمنه، كما دافع عنها الجاحظ) فقد انطلقوا فيه من تقرير حجم المشاركة الجدية للأمم الحضارية الكبرى آنذاك، في التاريخ الإنساني. لهذا قال البعض مثل ابن المقفع، بان كبار الأمم الأربعة هي العرب أهل الفصاحة والبيان، والعجم أهل السياسة والأدب، والروم أهل البناء والهندسة، والهند أهل العقل والسحر. وقد شاطر الجاحظ هذه الفكرة بإضافة أهل الصين إليها باعتبارهم أهل الأثاث والصنعة، وكذلك تقسيمه أهل الروم إلى قسمين الأول أهل يونان وهم العلماء، والروم أهل الصنائع. في حين اعتبر أبو حيان التوحيدي الفرس أهل السياسة والأدب والحدود والرسوم، والروم أهل العلم والحكمة، والهند أهل الفكر والروية والخفة والسحر، والترك أهل الشجاعة والإقدام، والزنج أهل الصبر والكد والفرح، والعرب أهل النجدة والوفاء والخطابة والبيان.

أما التقسيم حسب الحالة الذهنية فانه تضمن نوعان، الأول هو ذهنية أولئك الذين يتميزون "بتقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والحقائق واستعمال الأمور الروحانية" كالعرب والهنود، والثاني ذهنية أولئك الذين يتميزون "بتقرير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات والكميات واستعمال الأمور الجسمانية" كالفرس والروم.

أما التقسيم حسب آراء الأمم ومذاهبه فمبني على أساس عقائدي مرتبط بدوره بوجود فرق (دينية) وأخرى غير دينية في نمط تفكيرها حول إشكالات الملكوت (ما وراء الطبيعة) والوجود الاجتماعي والأخلاقي، كما نراه عند الشهرستاني.

وأخيرا تقسيم الأمم حسب معيار ما إذا كانت أمة علمية أو غير علمية، كما نراه عد ابن صاعد الأندلسي في (طبقات الأمم). فقد انطلق الأندلسي من أن الأمم وإن كانت نوعا واحدا في إنسانيتها إلا أنها تتمايز بثلاث أشياء وهي الأخلاق والصور واللغات. وان أهم الأمم الكبرى في التاريخ هي الفرس والكلدانيون (ومنهم السريانيون والبابليون ومن هؤلاء العبرانيون والعرب) ثم اليونانيون (والروم والفرنجة والجلالقة ويتبعهم البرجان والصقالبة والروس والبرغر) ثم القبط (أهل مصر والسودان من الحبشة والنوبة) وأجناس الترك (الكيماك والخزر وجيلان وغيرهم) وأهل الهند وأهل الصين. والفرق الجوهري بينهم يقوم بمدى اهتمام كل منهم بالعلوم الفلسفية بالأخص. فالأمم العلمية ثمان وهي الهند والفرس والكلدانيون والعبرانيون واليونانيون والروم وأهل مصر والعرب. أما الأمم الأخرى فهي أمم لا تهتم بالعلم (الفلسفة بالأخص). فالصينيون، كما يقول الأندلسي، أكثر الأمم عددا وأفخمها ملكا وأوسعها دارا، وحظهم من المعرفة إتقان الصنائع العملية وإحكام المهن التصورية. فهم أكثر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال ومقاساة التعب في تحسين الصنائع. والأتراك أمة كبيرة العدد وفضيلتهم التي برعوا فيها أحرزوا خصلتها معاناة الحروب ومعالجة آلاتها. ونفس الشيء يمكن قوله عن الأمم الأخرى(غير العلمية). وارجع الأندلسي سبب ذلك إلى عم استعمال هذه الأمم لأفكارهم في الحكمة، ولا راضوا أنفسهم تعليم الفلسفة. وبنى استنتاجه هذا على معايير ثلاث في تقييم الأمم، الأول هو أن تنال الأمة درجات النفس الناطقة والزهد بالنفس الغضبية، والثاني تعلمها وتعليمها للفلسفة، وثالثا موقع العلوم الطبيعية عندها.

مما سبق يتضح، بأن تعمق الرؤية التاريخية عن الأمم يتناسق مع تراكم العناصر الثقافية المتناغمة مع الوحدانية الإسلامية. إذ لا تعني الوحدانية الإسلامية من الناحية التاريخية والاجتماعية سوى وحدة النوع الإنساني ومثالها في الواحد(الله). أنها كالحقيقة واحدة بذاتها متنوعة بالصور والتجليات. والتنوع فضيلة في حال سعيه للخير العام وهي فكرة سبق وان بلورها القرآن في فكرة تقول: "إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتتعارفوا. إن أكرمكم عند الله اتقاكم". أي أن للتعددية منطقها الطبيعي والتاريخي، باعتبارها واقعا، ومنطقها الماوراطبيعي والمثالي، باعتبارها واجبا. وكل منهما يعكس مستوى من الإدراك لماهية الأمم، أحدهما ديني(الأمة الدينية وآخر دنيوي(الأمة الحضارية).

لقد أدت منظومة المرجعيات الكبرى في الثقافة العربية الإسلامية إلى رؤيتين متناسقتين عن نفسها والآخرين لا استعلاء فيهما ولا استكبار. حيث تجلت بأسمى وجوهها في إقرارهما بتنوع الرؤية الثقافية ذاتها عن الآخرين. فجميع التقسيمات المذكورة أعلاه (الجغرافية والذهنية والإبداعية والمذهبية العقائدية) هي تقسيمات وتقييمات ثقافية. إذ لم تبحث الثقافة الإسلامية في التقسيم الجغرافي عن صفات جوهرية غير اثر الجغرافيا على الطبائع والأنفس(اللون واللسان) والشرائع (القوانين ونمط الحياة)، أي عن العناصر الطبيعية والعقلية لوجود الأمم. ذلك يعني أنها لم تبحث ولم تؤسس لعناصر اللاعقلانية في وجود الأمم. وحتى في حال اعترافها بوجود بعض منها، فإنها نظرت إليها باعتبارها نتاجا لضعف النفس الناطقة ولهيمنة النفس الغضبية. ومن ثم اعتبرتها صفات زائلة. وهي نظرة عقلانية وإنسانية في مساعيها وغاياتها.

حددت هذه الرؤية الانعتاق الحضاري للثقافة الإسلامية. فهي لم تقر بتنوع الحضارات فحسب، بل وأسست مواقفها من هذا التنوع على أساس تمايزهن بالفضائل. فعندما حاولت المطابقة، على سبيل المثال، بين حضارة الأمة وخصلة من خصالها مثل اليونان مع الفلسفة، والروم مع العمارة، والفرس مع السياسة، والعرب مع البيان، والصين مع الصناعة، والترك مع الحرب، والهند مع العقل والشعوذة، فأنها لم تسع في الواقع إلا لإظهار تمايزهم في الفضائل، لا بمعنى افتقادهم لغيرها من الفضائل. إنها حاولت إظهار فضائل الأمم من خلال تأكيد تنوعها، وبالتالي قيمتها بالنسبة للتاريخ الإنساني ككل. لهذا أكد أبو حيان التوحيدي على أن "لكل أمة فضائل ورذائل، ولكل قوم محاسن ومساوئ، ولكل منها في صناعتها كمال وتقصير". وتعكس هذه الصيغة قبول الثقافة الإسلامية لإمكانية تعدد الأنواع وتنوع اجتهاداتها الثقافية في ظل انتمائها للكل الإسلامي. بمعنى إمكانية توليف "مميزات" وفضائل الأمم من فصاحة وبيان وأدب وسياسة وغيرها في كيانها الثقافي. وهي تعددية وانفتاح يتساويان مع إدراك جوهرية وقيمة الفضائل. لهذا لم تضع الثقافة الإسلامية نفسها وشعوبها فوق الآخرين ولا تحتهم، بل طالبت نفسها والآخرين بادراك وتجسيد القيم العقلانية – الأخلاقية للتكافؤ والمساواة.

إن إقرار الثقافة الإسلامية بتعدديتها (وتنوعها الداخلي) يعني أيضا إقرارها بالتعددية الخارجية. وبالتالي بإمكانية بناء حضارة إنسانية كبرى ذات ثقافات متنوعة. مما يعني احتواءها على معارضة القهر الثقافي و"الهيمنة القطبية" في الحضارات. إذ لا يستلزم تطور الحضارات وازدهارها بمعايير العقلانية – الأخلاقية صراعها واحترابها، بل تنافسها في الإنسانية. لان المعيار الحقيقي لها كما صاغته الثقافة الإسلامية في تقييمها "العلمي" للأمم، حسب عبارة الأندلسي، يقوم في "نيل فضائل النفس الناطقة الصانعة لنوع الإنسان والمقومة لطبعه، والزهد في أخلاق النفس الغضبية والتفاخر بالقوى البهيمية". إذ حتى للنفس الغضبية "نظمها ومدنها السياسية" كما يقول الأندلسي، إلا أنها نظم ومدن شبيهة بنظم ومدن النمل من حيث العدد والإتقان. ولكنها تبقى "مدنية النفس الغضبية والبهيمية" لا مدنية العقل الأخلاقي، الذي هو قوام "نوع الإنسان" أو حقيقته.

لا منظومة ولا منهج

إننا نقف هنا أمام تنوع واضطراب في المواقف نابع أساسا من ضعف الرؤية المنهجية وتناسقها الداخلي. مما جعل من أفكاره قوى متضاربة ومتداخلة وعاجزة عن تأسيس فكرة مستقبلية بما في ذلك بالنسب للثقافة في مصر نفسها. والشيء الوحيدة الذي بلغته فكرة طه حسين هي الحلم بحالة لم يتحقق منها شيئا. فقد كتب في خاتمة كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) عن أمله ورغبته وحلمه عن مستقبل الثقافة المصرية بالشكل التالي:"أنا فرح إلى أقصى غايات الفرح، مبتهج إلى ابعد حدود الابتهاج، سعيد إلى أقصى درجات السعادة، لأني أرى شجرة الثقافة المصرية باسقة، قد ثبتت أصولها في ارض مصر، وارتفعت فروعها في سماء مصر، وامتدت أغصانها في كل وجه، فأظلت ما حول مصر من البلاد وحملت إلى أهلها ثمرات حلوة، فيها ذكاء للقلوب وغذاء للعقول وقوة للأرواح. وهم يسعون في هدوء واطمئنان وثقة إلى هذه الغصون النضرة الوارفة، فيستمتعون بمنظرها، ويأوون إلى ظلها ويستمتعون بثمراتها المتشابهة لأنها تصدر عن شجرة واحدة هي ثقافة مصر المختلفة".... نعم أرسل نفسي على سجيتها في هذا الحلم الرائع الجميل فأرى مصر وقد بذلت ما دعوتها إلى بذله من جهد في عد ثقافتها بالعناية الخالصة والرعاية الصادقة، وارى مصر وقد ظفرت بما وعدتها بالظفر إنجاب عنها الجهل وأظلّها العلم والمعرفة وشملت الثقافة أهلها جميعا، فاخذ بحظه الغني والفقير والقوي والضعيف والنابه والخامل والناشئ ومن تقدمت به السن، وتغلغلت لذتها حتى بلغت أعماق النفوس، وانتشر نورها حتى أضاء القصور والدور والأكواخ، وشاعت في مصر كلها حياة جديدة وانبعثت في مصر كلها نشاط جديد، وأصبحت مصر جنة الله في أرضه حقا يسكنها قوم سعداء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالسعادة وإنما يشركون غيرهم فيها. وأصبحت مصر كنانة الله في أرضه حقا يعتز بها قوم أعزاء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالعزة وإنما يفيضون على غيرهم منها"[3].

ففي هذا الحلم نعثر على خاتمة متناقضة هي عين التعبير النموذجي عن انعدام المنظومة الواقعية والعقلانية فيما يتعلق بالرؤية المستقبلية. والقضية هنا ليست فقط في انه لم يحصل شيئا من هذا الحلم، بل على العكس. إننا نقف أمام رجوع قهقري إلى الوراء بمقاييس المعاصرة والمستقبل. وفي كلها تعكس ملامح التناقض الحاد بين النزعة الوطنية والقومية والإنسانية الرفيعة لطه حسين وطوباوبة الحلم. والسبب يكمن أيضا في النزعة الخطابية وتبلبل الرؤية الناتج عن انعدام الرؤية أو المنهج الفلسفي في تفكيره، مما جعل من مواقفه وأحكامه متبدلة غير ثابتة. فيها شيء من كل شيء. وفي هذا تكمن خطورة هذا النوع من الفكر لأنه يجعله مبلبلا[4]. وقد أدى ذلك من حيث الجوهر إلى تفتح "مرجعية" لا تخلو من بلادة مستقبلية يمكن وضعها بعبارة: "بذروا بذور الشك في ارض كانت تحتاج إلى يقين، ودقوا مسمار اليقين في نعش الفكر والتفكر" مع ما كان ليلازمه بالضرورة من إخماد وحدة الشك واليقين الضروريين لصنع البدائل. الأمر الذي أدى إلى عجز الرؤية النقدية لطه حسين عن بناء ذهنية علمية وعصرية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. كما أنها كانت عاجزة عن تأسيس وتربية مرجعيات العقل النقدي، بما في ذلك في الموقف من التراث الذي جعلت منه في الأغلب محور اهتمامها. والسبب الجوهري كان يكمن في خلل رؤيتها التاريخية ووعيها الذاتي، وبالتالي خللها تجاه حقيقة الرؤية القومية والرؤية المستقبلية. كل ذلك يكشف عن أن مهمة تأسيس الذات الثقافية تفترض الارتقاء من مكوناتها الذاتية والبقاء فيها وضمنها ما لم ترتق بجذورها إلى مصاف السماء، عندها يمكن توزيع الاظلة والثمار. وما عدا ذلك مجرد خطاب لا يختلف اليقين فيه عن الشك، فكلاهما مجرد ذرات طائرة في عماء. وهو العماء المحبب لسباحة الثقافة المستلبة والمحبة للتقليد، أي كل ما بإمكانه صناعة لسان عربي مبين وعقل إفرنجي عنين!

***

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ضمن كتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص2.

[2] الغزالي: ميزان العمل، ص40-41.

[3] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص380-381.

[4] تعكس كتابات طه حسين في اغلبها هذا النمط من التفكير. بمعنى إن اغلبها تجميع متفرق لمواقف متفرقة تفتقد للتنظيم والتخطيط. وقد أشار هو إلى ذلك في اغلب مقدماته لهذه الكتب. واكتفي هنا بالأجزاء المشهورة في (حديث الأربعاء). وقد يكون عنوان "حديث" الأربعاء أو الخميس أو أيما يوم آخر مجرد إضافة عرضية لا قيمة لها بحد ذاتها. لهذا نجده يشير في المقدمة إلى أنها ليست "مقدمة" بالمعنى الدقيق أو المتعارف عليه في حال التقديم لكتاب. وكتب بهذا الصدد يقول: "أنا لم أتصور فصوله، ولم أضع له خطة معينة ولا برنامجا واضحا، إنما هي مباحث متفرقة، فلست تجد فيها هذه الفكرة القوية الواضحة المتحدة...". (حديث الأربعاء، ج1، ص5.)

 

 

mutham aljanabi2للأفكار الكبرى ومشاريعها النظرية والعملية عن البدائل حالات تشاؤم وتفاؤل، وفعل وخمول، ونفي وإيجاب، وعقل ووجدان مع ما يلازمها بالضرورة من أحوال متنوعة ومختلفة ومتضادة، لكنها تسير في نهاية المطاف أما باتجاه تقوية وتهذيب الإرادة المعنوية والفعلية للانا الفردية والقومية وأما باتجاه الاندثار والتلاشي في هباء الوجود الساري للأمم.

وقد جسدت الفكرة الإصلاحية الإسلامية هذه الأحوال جميعا، كما وقفت في نهاية المطاف أمام المنعطف الكبير في التاريخ العربي الحديث دون أن تتغلغل في بنية نظامه السياسي أو تؤثر به بطريقة يجعل منها احد الأنساق الفاعلة في تنظيم الوعي والوجود الاجتماعي. وبالتالي إرساء أسس التطور الطبيعي والتلقائي للعالم العربي. وقد كانت تلك الدراما الأوسع والأعمق والأشد فاعلية لحد الآن في العقل والضمير العربي التاريخي. مع ما ترتب عليها من مسار مأساوي يتناقض مع ما فيه من كمون ضروري عن أولوية الفكرة المنظمة في ترتيب وجوده الطبيعي والماوراطبيعي على مستوى الفرد والجماعة والأمة والدولة والثقافة. ولم تكن هذه الحالة معزولة عن انكسار التاريخ العربي الحديث بفعل انبعاث نهضته الثانية وهو بين فكي العثمانية المتهرئة والغزو الكولونيالي الأوربي. الأمر الذي كان يمزق كل المحاولات الجريئة و"المستقيمة" للفكر الحر، كما نراه على سبيل المثال في المصير التاريخي للفكرة الإصلاحية عند محمد عبده.

فقد جسّد محمد عبده في مصيره الشخصي الصيغة النموذجية لمصير الفكرة الإصلاحية. بمعنى بقاءها معلقة في سماء الإبداع النظري وتساؤلات الثقافة والتاريخ القومي. مع ما ترتب عليه من اغتراب نسبي عن الوعي الاجتماعي العربي الجديد. مما افقدها إمكانية التغلغل في بنية النظام السياسي بالشكل الذي يحدد آفاق تأثيره الديناميكي المنتظم على مستوى الفرد والمجتمع والدولة والقومية والثقافة. لاسيما وان الفكرة الإصلاحية التي بلورها محمد عبده في مجرى عمله النظري والعملي قد بلغت مستوى التأسيس الواضح لما يمكن دعوته بفلسفة الإصلاح الإسلامي.

لقد تراكمت فلسفة الإصلاح الإسلامي عند محمد عبده في مجرى انتقاله العاصف من رتابة الحياة اللاهوتية في الأزهر إلى عالم الحياة الفكرية والروحية والسياسية التي جعلت من الشخصية "رهينة" الالتزام الفعلي أمام "العلم الإلهي". وشأن كل "رهينة" من هذا النوع عادة ما تصبح حياتها تجليا أو تمظهرا لما في "العلم الإلهي" من حقائق هي عين ما وضعه محمد عبده في علمه النظري والعملي تجاه مختلف قضايا الوجود التي واجهها. ولم تكن مواجهته الأولى إلا مع النفس، شأن كل كبار العقول والنفوس والقلوب. وإذا كان الأفغاني هو مقلّبها من طور الكمون إلى طور الوجود، فلأنها الصدفة الجميلة التي يصعب حدها بمعايير المنطق، رغم تمثلها لكل ما فيه، ولكن بمعايير الإخلاص للقيم الإنسانية الكبرى. ولم تكن هذه القيم بالنسبة لمحمد عبده، كما هو الحال بالنسبة لرجال الإصلاح الإسلامي ككل، سوى الحصيلة الصافية للثقافة الإسلامية بعد وضعها على لهيب المعاناة الفردية المتربية بإرادة التصوف، أي المتحررة من العبودية الكامنة في الغريزة.

فقد مر كل من الأفغاني ومحمد عبده على لهيب التصوف الأخلاقي. لكنه تصوف الروح المتسامي. من هنا التقائهما الدائم ووحدتهما الحية التي صهرها طور الارتقاء إلى إدراك أهمية وضرورة الإصلاح الديني. وإذا كانت البداية للأفغاني فلأنه أول من تمثل وسعى لتجسيد وتحقيق الفكرة الإصلاحية. بينما كان محمد عبده مستعدا لها. وليس مصادفة أن نعثر في عبارات محمد عبده على وصف "تاريخي" اقرب إلى صورة الغرائب الجميلة التي عادة ما تنطوي في ذاكرة الطفولة لتتحول مع مرور الزمن إلى ذكرى محفورة في الوعي والعقل والضمير. حيث يروي لنا في مذكراته كيف انه عام 1869 جاء رجل غريب، بصير في الدين عارف بأحوال الأمم، جرئ القلب هو جمال الدين الأفغاني(1). رجل أيقظ كلامه المشاعر وأثار انتباه العقول، وخف حجاب الغفلة. وبأثر آراءه ظهرت مقالات عن الحرية والفكر والنقد، بحيث عملت الدول الأوربية كل ما بوسعها لإقناع السلطة الخديوية بان مصدر القلاقل هو الأفغاني. لقد استطاع الأفغاني، كما نستشفه من تقييم محمد عبده، في مجرى عشر سنوات من تغيير الحالة الفكرية في مصر. بعبارة أخرى، إن مصر قبل الأفغاني مجرد خراب. والفكر معزول عن الواقع، والسلطة عن المجتمع، والنخبة لا علاقة لها بالماضي والمستقبل، والنظام السياسي متهرئ.  وأن كل ما قام به محمد علي باشا وأحفاده بقي معزولا عن المجتمع. والسلطة مطلقة فوق كل اعتبار(2).

إننا نعثر في مواقف وشخصية محمد عبده على بعد فكري سياسي تاريخي وروحي جديد يقوم في جعله شخصية الأفغاني فاصلا بين تاريخين في حياة مصر. مع ما ترتب عليه من موقف يتضمن الفكرة المقررة على أن التغير الكبير في مصر والعالم العربي لم يجر بفعل الدولة والسلطة و"الصدمة الفرنسية" بأثر غزوة نابليون، بل بأثر رجال الإصلاح الإسلامي. وهي فكرة سليمة وعميقة بقدر واحد. وبقدر ما ينطبق ذلك على حياة مصر، فانه ينطبق أيضا على حياة وشخصية محمد عبده نفسه من جهة، وعلى حياة الفكر والفكرة الإصلاحية نفسها من جهة أخرى. وقد وضعها محمد عبده في المقاطع المكثفة لسيرته الشخصية عندما جعل من شخصية الأفغاني وأثرها في تجربته الحياتية حدا فاصلا بين مرحلتين ما قبل الأفغاني وما بعده(3). فقد كانت حياته قبل لقائه بالأفغاني سلسلة حلقاتها لهو ولعب وفوضى واستعداد للمعرفة (بأثر التصوف) لكنه منذ عام 1287 (1871) نراه يلازم الأفغاني ثمان سنوات (1879) بحيث نسمعه يقول "أن أبي وهبني حياة يشاركني فيها على ومحروس. والسيد جمال الدين الأفغاني وهبني حياة أشارك فيها محمد وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء والقديسين".

لقد نقله الأفغاني إلى ضرورة تمثل الوحدة الخفية والحيوية لعوالم الملك والملكوت والجبروت التاريخية والسياسية. إذ نراه "يجبره" بأثر الشخصية والمعرفة والإخلاص على تمثل حقيقة "الأنبياء والأولياء والقديسين" القائمة في استعدادهم للعمل من اجل الجميع. فإذا كانت حياة محمد عبده قبل الأفغاني انتقال بين عوالم الملك والملكوت، فان الأفغاني ربطها بحلقة الجبروت الضرورية، أي بفكرة الإرادة الواعية لمهمة الإصلاح. من هنا رده الجازم على تمّنع محمد عبده من الانخراط في العمل السياسي والاجتماعي المباشر قائلا:"لو كان الناس مهديين لما كانوا في حاجة إلى أمثالك". وإذا كان الهدف السياسي الأكبر للأفغاني كما يقول محمد عبده هو "إنشاء دولة إسلامية قوية، تكنس الانجليز من الشرق" فمن الممكن توقع حجم المواجهة الخفية التي كانت تعتمل في شخصية محمد عبده وتاريخه اللاحق.

لقد وقف محمد عبده أمام مهمة "الهداية" والكفاح من اجلها في ميدان الدولة والأمة والوعي، متأثر بشخصية الأفغاني التي وجد في ذهنها عبقرية هائلة، بحيث بلغ بها "أقصى ما يبلغه إنسان من غير الأنبياء". ولا تعني هذه العبارة في عرف اللغة التي تطبع عليها محمد عبده وتغلغلت في أعماقه الوجدانية والإدراكية، سوى بلوغ حالة الكمال الإنساني الطبيعي. بحيث نرى محمد عبده يتتبع هذا الكمال في كل شيء، من أخلاقه حتى ملامحه الظاهرية. فقد صوره بصورة بليغة ودقيقة عندما رسم لنا ملامحه الأخلاقية قائلا، كان الأفغاني سليم القلب، حليم أواب وأسد وثاب، كريم أمين قليل الحرص على الدنيا، بعيد عن الغرور، ولوع بعظائم الأمور عزوف عن صغارها. بل أن مظهره وشكله عربي حجازي كما لو انه يتمثل ويستعيد تاريخه وأصوله! كما انه كان جميلا ميال في مصر إلى إتيان المباحات مثل الجلوس في المتنزهات وما يزيل كرب المحزونين(4). إننا نقف أمام شخصية تتسم بقدر كبير من الإشكالية والتحرر، وتحتوي بالقدر نفسه على وضوح في الرؤية والوسيلة والغاية. ومن هذه الكتلة المثيرة تفجرت براكين الفكرة الإصلاحية عند محمد عبده، كما نعثر عليها في إحدى رسائله للأفغاني عندما كتب يخاطبه "ليتني كنت اعلم ما اكتب إليك وأنت تعلم ما في نفسي كما تعلم ما في نفسك. صنعتنا بيديك، وأنشأتنا في أحسن تقويم. بك عرفنا أنفسنا والعالم. كنت أظن قدرتي بقدرتك غير محدودة. إنني منك في ثلاث أرواح لو حلّت إحداها في العالم بأسره وكان جمادا لحال إنسانا كاملا. فصورتك تجلت في قوتي الخيالية، وامتد سلطانها على حسي المشترك، ومعي رسم الشهامة وشبح الحكمة وهيكل الكمال"(5).

لقد رفع محمد عبده شخصية الأفغاني إلى مبدأ ونهاية الوجود الروحي والعقلي كما لو انه صورة الكمال الأبدي. من هنا مخاطبته أيضا بعبارة "نحن على سنتك إلى انقضاء الآجال". بل واعتبره في احد مواقفه "حقيقة كلية" تتجلى للناظرين كل على قدر ما فيه. وليست هذه الذروة في الواقع سوى الوجه الآخر أو الباطني لحقيقة محمد عبده. بمعنى إننا نعثر في رسم شخصية الأفغاني وتصويره في آراء ومواقف محمد عبده على شخصية محمد عبده نفسه. وذلك لان رفع الشخصية إلى هذا المستوى يعني بالقدر ذاته إدراك ما فيها والتحلي بصفاتها. وليس عبارة "نحن على سنتك إلى انقضاء الآجال" سوى إننا على طريقتك في إعادة صنع الإنسان والمجتمع والروح. فإذا كان الأفغاني هو الذي نقل محمد عبده من أخوة الجسد إلى أخوة الروح، ومنها إلى التكامل بأحسن تقويم، فان رجوع محمد عبده إلى الأفغاني كان يعادل حقيقة الرجوع إلى النفس. من هنا لا تعني فكرة محمد عبده عن بقاءه على مكونات الأفغاني في مكوناته الجسدية والروحية والعقلية سوى السير "إلى انقضاء الآجال" بمعايير الرؤية الإصلاحية. الأمر الذي وجد انعكاسه المتميز في خصوصية الفكرة الإصلاحية لمحمد عبده التي جمعت في أعماقها المتوحدة مبادئ رفض التقليد، والتدرج في الإصلاح، وتوسيع وتعميق أبعاده الاجتماعية، وجوهرية البناء الذاتي الشامل، وأسلوب التربية والتعليم في تحقيقها.

يستند مبدأ رفض التقليد في فلسفة محمد عبده الإصلاحية إلى ما يمكن دعوته بالرؤية النقدية الشاملة. بمعنى إن رفض التقليد بالنسبة له ليس مبدأ جزئيا أو عرضيا بقدر ما يشكل الأساس المنهجي والمنطقي للفكرة الإصلاحية نفسها. من هنا تناسق وتجانس مواقفه الرافضة للتقليد تجاه كل موضوعات الفكرة الإصلاحية وقضايا وإشكالاتها. بعبارة أخرى، إننا نعثر على ملامح ومظاهر وتطبيقات مبدأ رفض التقليد في كل مواقفه بوصفها المقدمة الضرورية والملازمة للإصلاح.

وليس مصادفة أن تحتل فكرته عن رفض التقليد الأعمى للثقافة الأوربية مركز الصدارة في فكرته الإصلاحية. فاثر المآثر الأوربية الكبرى التي رفعها محمد عبده إلى مصاف الانجاز التاريخي والثقافي والعلمي الأكبر في التاريخ الحديث لم يجعل منه أسير لمعطياتها أيا كانت. على العكس! لقد وجد في ذلك خروجا على حقيقة الانجاز الأوربي. انطلاقا من أن الثقافة الأوربية هي حصيلة تطورها الذاتي. وبالتالي فان قيمتها في "رمزيتها" وانجازاتها المجردة. من هنا نراه يقول، بان خطأ العقلاء يقوم أحيانا في محاولات نقلهم ما يقرءوه وتطبيقه على واقعهم. وهو خطأ مريع. وذلك لان الأمم كالأشخاص لها تاريخها وإمكانياتها كما يقول محمد عبده. وبالتالي فان الأمم بحاجة إلى معرفة نفسها كما هي والانطلاق من هذه المقدمة لمعالجة ما فيها من أمراض(6). ووجد في تاريخ الثقافة الأوربية نفسها تجسيدا حيا لهذه الفكرة.

اعتقد محمد عبده بأن التطور الحديث لأوربا يعود لتأثرهم بحياة المسلمين بعد الغزو الصليبي. إذ علمتهم الحروب الصليبية إدراك الأسباب القائمة وراء الانحطاط والتخلف. ووجد في هذا الإدراك المقدمة الضرورية للاستفادة ووضع المشاريع الناجحة(7). من هنا استنتاجه القائل، بان التقليد لا يصنع تمدنا ولا رقيا. وتجربة مصر خير دليل. على عكس تجارب الأوربيين معنا. ووضع هذه المقدمة في استنتاجه الأكثر تدقيقا ونقدا بهذا الصدد عندما كتب يقول، بان محاولات "جلب" الحضارة الأوربية بالمظاهر دون معرفة مقدماتها وتقاليدها وكيفية إنتاجها أشبه ما يكون بسلوك الدجاجة التي شاهدت بيض الاوز فرغبت في أن يكون بيضها كبيرا(8)! فالتقدم الحقيقي من وجهة نظر محمد عبده ليس في تشييد مظاهر الرفاه، بل في إرساء أسس الحقوق ورعاية الثروة وتنميتها بالعمل والإنتاج(9). وينطبق ذلك بقدر واحد على الانجازات المادية والروحية للحضارة الأوربية. من هنا قوله، بان الحرية لا تنتشر من خلال نشر عبارات الحرية. إذ لا يتعدى ذلك كونه مجرد ترديد وتكرار لمفاهيم وعبارات لم يجر فهم حقيقتها. لهذا نراه يصف هذا النوع من الحرية "حرية بتراء"(10). بل ووجد فيها عين الرق والاستعباد.

لقد أراد محمد عبده الكشف عما في هذه الحرية البتراء من انعدام لحقيقة العقل بوصفه صانع الحرية. فالحرية لا تقليد فيها لأنها عمل حر وعقلي خالص. ذلك يعني انه وجد في نقل الأفكار وتقليدها اقرب ما تكون إلى "حرية عقلية" بلا عقل. إضافة لذلك أن الحرية هي فعل تاريخي تلقائي له نظامه وأخلاقه الخاصة النابعة من تاريخ الأمم نفسها. لهذا نراه يورد مرة مثال الاحتيال على الحرية وفكرة الحرية عندما أشار في مقال (الإصلاح والأجانب) إلى ما اسماه بدور الشبان الإسرائيليون (اليهود) الأجانب في تأسيس جمعية (مصر الفتاة). إذ نراهم يدعون للحرية لكنهم اشد قسوة على الفلاحين بالربا. والشيء نفسه ينطبق على ما عملته فرنسا سابقا وانجلترا لاحقا بهذا الصدد. بمعنى أن كلما قاموا به بهذا الصدد كان يعادل الوقوف ضد كل إصلاح(11). وتوصل إلى استنتاج دقيق بهذا الصدد يقول، بان فالتقليد لا يفيد، والبدء من الخارج أو من غير المقدمات الضرورية يؤدي إلى نتائج معاكسة. وسلوك من هذا القبيل يؤدي إلى آثار مخربة ومدمرة، ليس فقط من وجهة نظر هباء ما يقومون به، بل ولإمكانية ارتداده بالعكس تماما. ولا يعني ذلك موقفه المعارض للتعلم من التجارب الأوربية، بقدر ما يشير إلى كيفية ونوعية ومستوى التعلم.

ولم يكن هذا الموقف معزولا كما هو الحال بالنسبة لكل مشاريعه النقدية والبديلة عما يمكن دعوته بتأسيس مهمة الاعتدال العقلي والعقلاني والثقافي والعملي في الفكرة الإصلاحية. من هنا جوهرية مبدأ التدرج في الإصلاح، بوصفه الأسلوب الأمثل لترسيخ مقدماته في الوعي والضمير الاجتماعي. من هنا فكرة محمد عبده القائلة، بأن ما هو مهم ومثير للاحترام والتقدير في انتخاب وسلوك رجال الدولة في أمريكا لا يمكنه أن يكون أو يحدث في أفغانستان. لأنه يؤدي إلى نتائج معاكسة ومخربة(12). (يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

(1) محمد عبده: الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة. الطبعة الأولى، دار الشروق، بيروت – القاهرة، 1993، ج1، ص529.

(2) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص527-528.

(3) الأفغاني يمتد بنسبه إلى الترمذي والإمام الحسين بن علي. ولد 1838. تلقى مختلف العلوم كالعربية ونحوها وصرفها ومعانيها وبيانها ثم علوم الشريعة والفقه وكلام والتصوف، والعلوم العقلية من فلسفة وسياسية وتهذيب وعلوم طبيعية. ثم انتقل للدراسة في الهند. ثم رحل إلى الحجاز ثم عاد إلى بلده واشترك في حياته السياسية. ثم جرى ترحيله إلى الهند وعبرها إلى الأستانة. وهناك أخذت المؤامرات ضده من جانب فقهاء السلطة! فاضطر للمجيء إلى الشام عام 1871. جرى إبعاده بأثر عمل الانجليز إلى الخروج من مصر، ومنها إلى الهند، وبعدها إلى لندن، ثم إلى باريس حيث مكث فيها ثلاث سنوات. وفي باريس كلفته جمعية العروة الوثقى في دفاعها عن الخلافة الإسلامية بإنشاء مجلة. فصدر منها 18 عدد لم يكن لغيرها أثرا هائلا في الوعي أكثر منها. اقرب إلى الحنفية في المذهب لكنه ليس مقلدا وميالا للتصوف.

(4) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص 236-245.

(5) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص626.

(6) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص324.

(7) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص327.

(8) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص329.

(9) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص330.

(10) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص333.

 (11)محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص539.

(12) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

 

mutham aljanabi2توطئة: احتل طه حسين موقعه الخاص والمتميز في صرح الثقافة العربية الحديثة بوصفه شخصية عقلانية ونقدية حرة وتنويرية تجمع بين التجديد والأصالة. كما حصلت بالقدر ذاته على مكانة الشخصية المرجعية بالنسبة للفكر العربي الحديث بشكل عام والأدبي بشكل خاص. من هنا تنوع مظاهر ومضامين التقييم المؤيد والمعارض. بحيث نقف بقدر واحد على أغلبية تؤيد التقييم القائل بشخصيته الفذة، وأقلية تجد فيه شخصا يفتقد إلى ما ينسب إليه. وفيما بين هذين التيارين تباينت أيضا المواقف المعارضة والمؤيدة، والمبجلة والمستخّفة. ولا خلاف عما في هذه الحالة من تنوع يعكس تنوع المواقف والآراء والأحكام من جهة، ويشير في الوقت نفسه إلى حيوية طه حسين وتأثيره المستمر في الوعي الثقافي العربي المعاصر. الأمر الذي يجعل منه شخصية إشكالية.

لكن غرابة القضية ككل تكمن في إشكالية شخصية وليست إشكالية فكر وفكرة. الأمر الذي جعل من كل ما قيل ويقال عنه جزء من معترك المواقف والأحكام الأيديولوجية، وليس من مسار التراكم العلمي والنقدي الضروري لوعي الذات القومي في احد مجالاته ومستوياته ونماذجه.

وتنعكس في هذه المفارقة من حيث الجوهر القضية التالية، وهي أن المشكلة ليست في إشكالية طه حسين بقدر ما تقوم في معضلة الوعي الثقافي العربي الحديث والمعاصر التي جعلت من شخصيته إشكالية، ومن أسلوبه في الكتابة والتعبير نمطا متبعا، ومن مستوى بحوثه التاريخية والأدبية نموذجا للمحاكاة والتقليد، ومن آثاره النقدية مآثر علمية، ومن معلوماته المتناثرة معرفة منظمة، مع أنها لم ترتق في أي من هذه المجالات إلى مستوى العلم والمعرفة الحقيقية، دع عنك قضية الإبداع الفكري الأصيل. الأمر الذي يجعل من إشكالية طه حسين في الحقيقة إشكالية ضعف وتدني وسطحية الوعي النظري الذي ميز وما يزال يميز الوعي الثقافي العربي الحديث والمعاصر. وإذا كانت هناك من مأثرة لطه حسين بهذا الصدد، فإنها تقوم في قدرته الفذة على تمثل هذه الحالة الأولية لتراكم الوعي المعرفي البدائي لحد ما من حيث المقدمات والأسس والمنهجية، ورفعها إلى مصاف المرجعية الثقافية، التي أعطت له تلك القيمة المؤثرة والفعالة في الوعي الاجتماعي، رغم سطحيتها في مجال العلم والمعرفة الحقيقية. وإذا كان لهذه الحالة ما يبررها من الناحية التاريخية، بوصفها الصيغة المبسطة والجزئية لكيفية وطبيعة التراكم الأولي للثقافة العربية آنذاك (والمصرية بشكل خاص)، فان ضررها المعرفي يقوم في تقديم تجارب الثقافة الأوربية العريقة والعميقة والجديدة عبر موشور الرواية والحكاية المميز لتقاليد الأزهر المختبئة في أعماق الوعي الذاتي لطه حسين نفسه. مما أدى إلى صنع سبيكة مشوهة من مظاهر الرؤية النقدية المتشبثة ببعض كسرات المناهج الأوربية (الديكارتية بشكل خاص)، وبواطن الرؤية التقليدية العاجزة عن إرساء أسس الرؤية النقدية الفعلية وتأسيس منهج الرؤية الثقافية الذاتية. وقد يكون أسلوب الرواية والحكاية الصيغة الأكثر تعبيرا عن هذه المفارقة المزعجة، أي الخاوية من إشكالية الإبداع الحقيقي، والفاعلة في الوقت نفسه على خلخلة الوعي النقدي الحقيقي. وذلك لأنها لا تصنع في نهاية المطاف غير شهية الاستماع والاستمتاع بالتقاليد الشفوية المغرية لنفسية وذهنية العوام. ومن ثم فعلها المباشر وغير المباشر على تسطيح الوعي وابتذال مستوياته النظرية.

فمجرد وضع صورة طه حسين ضمن "لوحة التكريم" الملونة للثقافة العربية، وتحوله إلى احد عناصرها المرجعية المعاصرة يعكس أولا وقبل كل شيء بقاء واستمرار فاعلية الثقافة الشفوية وتقاليد الرواية والحكاية. فقد مّثل طه حسين احد نماذجها الكبرى في القرن العشرين (العربي)، أي في زمن الصعود المشوه لما ادعوه بعقلانية الفطام التاريخي، التي تميزت أيضا بقوة الحشو والمعلومات الجزئية، وضعف مستويات التمحيص والتحقيق العلمي، وشبه انعدام للتدقيق الفكري. كل ذلك جعل من الرواية والحكاية اجتهادا. من هنا فقدانها للفكرة المنظمة مع ما يترتب عليه من آثار مخربة للوعي النظري العقلي والعقلاني. وبالتالي، فان مهمة نقد طه حسين هي أولا وقبل شيء مهمة نقد تقاليد المنهج والتسطيح المعرفي وأساليب الاستلاب الثقافي التي أدت بعد مرور قرن من الزمن الى البقاء ضمن معايير الزمن، ومن ثم انعدام التاريخ الفعلي بوصفه تراكما للمؤسسات في الوجود الفعلي للمجتمع والدولة والمعرفة والعلم والثقافة. وحتى الجدل الذي أثارته مؤلفاته فقد كان مجرد انهماك في صراع فارغ لم يؤسس للفكرة المنهجية ولا للثقافة العلمية. والسبب يكمن في أن كتب طه حسين "المثيرة للجدل" هي الوجه الآخر والأصدق والأدق عن طبيعة الوعي النقدي (المؤيد والمعارض) المثير للحيرة والاندهاش! إذ لم يكن في تلك الكتب وأغلب الردود قيمة ذاتية من حيث الأصول والأسلوب والمنهج والغاية. من هنا جوهرية الاهتمام الذي ينبغي توجيهه صوب القضايا المتعلقة بالأصول والأسلوب والمنهج والغاية، أي كل ما يستحيل بدونه إرساء أسس المنظومة العلمية والعقلانية والإنسانية للثقافة.

مفارقة"مثقف الاستلاب الثقافي"!

إن مهمة هذه السلسلة من المقالات ترمي الى إعادة النظر النقدية بالتراث الفكري العربي من اجل تنقية هوائه من فساد التقليد، الذي نعثر عليه في اضمحلال وتلاشي النخب الفكرية الاجتماعية والقومية القادرة على الارتقاء الى مصاف المرجعيات النظرية والعملية. من هنا تحول المثقف الى تابع ذليل لأزلام السلطة وقادة الأحزاب المخنثين. بينما المسئولية الكبرى في التاريخ العالمي عادة ما يتحملها في بادئ الأمر رجل الفكر والثقافة. ومقابل كل تضحية تتراكم عناصر الفكرة الهائجة في الوعي والضمير التاريخي للأمم. مع ما يترتب عليه من ترتيب وإعادة إنتاج أصيلة لمنظومة الفكر بوصفها المقدمة الضرورية لتفعيل الوعي والإرادة.

وليست هذه التضحية في الواقع سوى الصيغة الإنسانية المعذبة بعذوبة الذاكرة وبقايا الذكرى العميقة للألم الذي تواجه الشخصيات الكبرى في إرساء أسس اللحظات التاريخية الكبرى. وضمن هذا السياق يمكننا القول،بان بروميثيوس لم يسرق النار بل وهبها لبشر! بينما واجه النبي محمد أصنام الجاهلية العربية بقوة الكلمة! وكلاهما فعل من اصل وجذر واحد، ألا وهو العمل بوحي المعاناة الذاتية في مواجهة كل ما يعيق المسار الطبيعي لوجود الأشياء. وينطبق هذا في الواقع على كل ما له اثر في الوجود التاريخي الفعلي للحضارات والثقافات والأمم. فالمثقف الكبير هو روح التاريخ الحقيقي.

ومن هذه المقدمة يمكنني القول، بان الثقافة الحقيقة هي التي تبدع بمنطق وعيها القومي، ومعايير تجاربها التاريخية، وصور خيالها الذاتي. ومن ثم يمكن وضع هذه الفكرة العامة في أساس أو منهج التحليل النقدي لكل ما أنتجه الفكر النظري العربي الحديث والمعاصر. وسوف اتخذ من طه حسين أو بعض جوانب إنتاجه الفكري نموذجا من اجل نقد كل ذلك الركام الذي لا تركم فيه بالنسبة للفكرة العقلية. بمعنى الكشف عما في هذا الكم الهائل من الكتب والمؤلفات والمقالات من حشو يفتقد من الناحية الفعلية لمعنى التراكم الفكري الضروري. وبالتالي الوقوف أمام ظاهرة غريبة ألا وهي وجود "فكر" بلا تراكم! والسبب يكمن في أن هذا الفكر نفسه هو نتاج تجزئة لمصادر غريبة سواء من حيث رؤيتها المنهجية أو من حيث صورها وخيالها. إضافة الى حالة الاستلاب الهائلة في كيفية استعمال المناهج الجاهزة، أي المناهج الفكرية والفلسفية المتراكمة في تجاب الأمم الأخرى. الأمر الذي طبع اغلب ما كتب بطابع الانتقائية. ومن ثم انتشار وهيمنة التسطيح الفكري والابتذال المعرفي. وذلك لأنه استخدام لا استلهام يه، واستغلال بلا تمثل.

وقد تكون أسطورة "المعجزة اليونانية" من بين أكثرها بروزا في مواقف وآراء وتقييمات طه حسين للواقع العربي وإبداعه التاريخي. فقد تراكمت في مجرى تأمل التجربة الثقافية الأوربية الحديثة ومحاولات تأسيسها أصولها التاريخية والثقافية. وذلك لان حقيقة اليونان وتراثها الثقافي العام والخاص لا علاقة له بأوربا الجغرافية والتاريخية. إلا أن ذلك لم يحل دون صعود أسطورة المعجزة اليونانية بوصفها معجزة أوربية أولا وقبل كل شيء، وقد يكون كتاب برتراند رسل (حكمة الغرب) نموذجا لهذا الموقف والرؤية من خلال محاولاته جعل فكرة الحكمة الأوربية والفلسفة اليونانية شيئا واحدا. ولاحقا سترتقي هذه الفكرة الى مصاف خرافة الجوهر اليوناني الكلي، كما قال بها الألماني زيلر في كتابه (تاريخ الفلسفة اليونانية)، وارنست رينان في كتابه (تاريخ الأديان). وسوف يدفعها آخرون مثل غومبيرس في كتابه (مفكرو اليونان) الى أبعادها القصوى عندما ردد عبارة هنري سومر القائل: "باستثناء قوى الطبيعة العمياء، لا يوجد شيء يتحرك في هذا الكون إلا وهو إغريقي الأصل!". بينما يستكملها آخر وهو غلبرت موراي بعبارة :"لا يوجد شيئا تحت الشمس إلا وهو من اصل يوناني!".

وبالمقابل يجري التأسيس لفكرة الشرق "خرافي" و"غير عقلي" و"صوفي" وغير منطقي" و"روحاني" و"ديني" فقط وما شابه ذلك. بعبارة أخرى، يجري تصنيع ثنائية خلافية عدائية بمعايير المنطق والعقل والعلم! وهذا أسخف ما يمكن تصوره بمعايير المنطق والعقل والعلم!

أما من الناحية الفعلية فقد كان لهذه الأسطورة والخرافة مذاقها الخاص في مجرى الصيرورة التاريخية الثقافية لأوربا القرن التاسع عشر والعشرين. أما تحويلها الى مبدأ وغاية الرؤية المنهجية في الموقف من التراث العربي وإشكالاته الحديثة، فليس إلا الصيغة الأكثر فجاجة للاستلاب الثقافي والمعرفي على السواء. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار تمازجها وتداخلها وتأثرها بنفسية وذهنية الإثارة المميزة للاندهاش المسطح عند طه حسين، فمن الممكن معرفة أثرها المدهش للتسطيح المعرفي! والقضية هنا ليست فقط في كون طه حسين لم يفهم خصوصية الثقافة الإغريقية ضمن محيطها الخاص، وضمن معاناة التراث العربي الإسلامي، بل وفي إفراطه المتبجح والجازم في الأحكام والتقييم. بحيث أدى ذلك في نهاية المطاف الى تخبط لا يخلو من تخريب باطني كبير في الموقف من "مستقبل الثقافة" العربية كما هو جلي في رؤيته التي وضعها في "مستقبل الثقافة في مصر". إذ لم يكن هذا "المشروع" في الواقع أكثر من لقطات ولحظات متناقضة. وفي أفضل الأحوال لا يتعدى كونه حكايات تقريرية لا غير!

فالخطوة الأولية والضرورية لأية ثقافة حية تفترض تذليل نفسية وذهنية الصنمية فيها. وللصنمية أشكال ومستويات متعددة ومتنوعة. ومن بين أكثرها غرابة أن تتحول شخصيات ثقافية مغتربة ومسطحة لحد ما الى "مرجعيات" الفكرة الثقافية. وقد يكون أكثرها إثارة بهذا الصدد، تلك الشخصيات التي تتماهى صورتها في الوعي العادي والسائد مع النماذج العليا للوعي التنويري، كما ترتقي أيضا في تاريخ الثقافة الأكاديمية الى مصاف المرجعيات النظرية الراقية للمنهج العقلاني والنقدي. ومن هذه الحصيلة عادة ما يجري إعادة تسطيح الوعي الثقافي وحقنه بجرعات التقليد الفج للأكاديمية الزائفة. وتمتلئ الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة بهذا النمط المغري للوعي التائه في دهاليز التقليد الذي زرعته بقدر واحد تيارات الراديكالية الثقافية والسياسية المغتربة والسلطات الهامشية الرخوية.

تكمن المقدمة الخفية لهذه الظاهرة أولا وقبل كل شيء في غرابة الحالة، على الأقل من الناحية الشكلية، التي تجعل من المثقف محلا للاستلاب الثقافي. عندها يبرز السؤال المنطقي الضروري القائل، وهل يمكن للثقافة أن تكون مستلبة؟ أما الجواب الواقعي والعلمي عليه فيفترض النزول من علياء الفكرة المجردة والمنطقية الخالصة الى ميدان الواقع من اجل اختبار حقيقتها. فالحقيقة ملموسة على الدوام! والواقع يشير الى إمكانية استلاب الثقافة والمثقف. لكن المنطق المجرد، وهو الأدق والأعمق، يقول، بان الثقافة المستلبة والمثقف المستلب هما وجهان للزيف والتقليد، أي لانعدام الثقافة الأصيلة. وذلك لان الزيف والتقليد صنوان! وليس مصادفة فيما يبدو أن يتكلم الفارابي قبل قرون عديدة عن فيلسوف مزيف وآخر مقلد وثالث أصيل، كما صنفت الرؤية الشعرية العربية القديمة الشعراء الى شاعر وشويعر وشعرور!

وفيما لو أجملنا بصورة منطقية مجردة الحالة العامة للمثقف العربي "الحديث"، فان أغلبيتهم المطلقة تتراوح بين المزيف والمقلد. وليس مصادفة فيما يبدو أن يتحول طه حسين وسلامة موسى وأمثالهما الى "مرجعيات" للثقافة العقلانية والتنويرية والنقدية، رغم سطحية ما فيهما. طبعا إن طه حسين أرقى وأنقى وأوسع وأعمق من سلامة موسى، لكنه مع ذلك لا يتعدى من وجهة نظر الحقيقة مستوى التقليد والاستلاب "الأكاديمي". وذلك لان إنتاجه الشخصي لا يتعدى في الواقع أكثر من جزيئات متناثرة في "ثقافة" تفتقد للحدود والمنظومة. الأمر الذي يفسر سر انتشاره الكبير وأثره الباقي في الثقافة العربية المعاصرة. وسبب ذلك يقوم في أن الفكر العربي الحديث والمعاصر يفتقد الى معنى وحقيقة المنظومة. وينطبق هذا بالقدر ذاته على مجمل الحياة العربية في مجال الدولة والمجتمع والعلم.

وضمن هذا السياق يمكن فهم طبيعة المفارقة الكبرى لشخصية طه حسين الثقافية وحصوله على لقب "عميد الأدب العربي" بينما كان يجسد من حيث المنهج والأسلوب نموذجا كلاسيكيا للاغتراب الثقافي. طبعا، أن إطلاق الألقاب والنعوت في الثقافة المصرية الحديثة ظاهرة مثيرة للتشاؤم والسخرية بقدر واحد. بمعنى أنها تتميز بقدر هائل من الاستخفاف بالكلمة والمعنى. بحيث استسهلت توظيف كل كلمات القاموس العربي فيما يتعلق بالتضخيم والتبجيل لا لشيء إلا للتمتع بنحت ما يمكنه إن يكون أكثر فخامة وضخامة! من هنا انتشار كلمات العبقري والعظيم والجليل والكبير ويتيم دهره وما شابه ذلك على كل ما هب ودب في ميدان الكتابة. وتحولت الكتابة إلى مصدر الكاتب. وكانت هذه تكفي بحد ذاتها لكي تلصق بها كل ما تجود به النفس من ألقاب وإطناب. وهذه بمجموعها كانت أيضا موضوعا للتفاخر والاعتزاز والحذلقة "الأدبية". من هنا عبارات أمير الشعراء وسيد الأدباء وعبقري العباقرة وعظيم العظماء. وبما أن عدد الكتاب في ازدياد من هنا استغلال كل ما لم يستغل بعد. وضمن هذا السياق فيما يبدو جرى نحت لقب "عميد الأدب العربي". وليس المعروف مما إذا كان هذا النحت مأخوذا من العمدة أو العمادة أو العامود. وهذه أمور في الأغلب ليست بذي أهمية مازال وقع النعوت والأوصاف كاف بحد ذاته من حيث غرابته وأصالته أو استطرافه واستظرافه للسمع والأذواق!

ليست مهمة هذا المقال كسر أصنام النحت المفتعل في الألقاب والنعوت، بقدر ما تهدف إلى كسر أصنام الفكرة المزيفة بحد ذاتها. مع إن ذلك لا ينفي القيمة التاريخية والأدبية لطه حسين وموقعه الخاص في تاريخ الفكر العربي الحديث بشكل عام والأدبي منه بشكل خاص.

إن سبب الخلل الذي يجري الحديث عنه هنا يقوم أساسا في ضعف بل انعدام تقاليد التقييم الذاتية وأحكامها المناسبة في الفكر العربي الحديث. وهذا بدوره نتاج ضعف بل انعدام مدارسه الفكرية والعلمية الخاصة. وفيما لو أردنا إجمال طبيعة وخصوصية الضعف المشار إليه أعلاه وتطبيقه على شخصية طه حسين، فان سببه يقوم في هيمنة نفسية وذهنية الاغتراب الثقافي التي لازمت صيرورة نموه المعلوماتي. فقد كان طه حسين شخصية معلوماتية وليست معرفية. من هنا سعة انتشارها في العالم العربي الحديث والمعاصر، شأن كل هذا الكم الهائل والمشوه لما يسمى بالفكر التقدمي واليساري والثوري، الذي يجمع في ذاته دعوات بلا حدود ذاتية. فالتقدم مجرد مسار لا إلى غاية، واليسار عسر، والثورية عفوية مدوية، أي كل ما لم يرتبط ويتحدد بتلقائية المواجهة العقلانية والإنسانية الحقيقية لإشكاليات الوجود الفعلي للفرد والجماعة والمجتمع والأمة، أي لإشكاليات الحاضر والمستقبل بوصفها إشكاليات التاريخ الذاتي.

وسوف اتخذ من مقاله الذي قدم به لكتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، نموذجا للتدليل على الفرضية الموضوعة في أساس هذا المقال (وما يتبعه من مقالات أخرى).

نعثر في هذه المقدمة التي وضعها تحت عنوان (في البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر) على نموذج كلاسيكي للتأثر المستلب وغير النقدي في الموقف من التراث. إذ لا تتعدى هذه الرؤية "النقدية" في الواقع أكثر من كونها استلابا معرفيا وثقافيا لمستوى الاستعراب والاستشراق الأوربي آنذاك. فقد كان هذا المستوى في اغلب مكوناته المنهجية محكوما بالتجارب الأوربية في ميدان المعرفة النظرية والعملية. ونعثر على ذلك في الحكم، وليس الفرضية، التي ينطلق منه طه حسين في موقفه من البيان العربي. فهو ينطلق مما يدعو بالأثر الهيليني الهائل في الأدب العربي ومن ثم تكوين البيان العربي من خلال المعتزلة (وتأثرهم بالفلسفة)1 . وأن هذا الأثر (في الأدب العربي) يبرز بوضوح في الأعاجم أو من ذوي أصول أعجمية(!!) (وتأثرهم باليونانية) مثل أبو تمام (كان من أصول نصرانية!) وغيّر اسمه واعتنق الإسلام وانتسب إلى قبيلة طي2 . وحاول التدليل على ذلك فيما اسماه باختلاف أبي تمام الواضح ليس في استعمال التشبيه والمجاز فحسب، بل وفي تصوره للشعر نفسه، وأهمية المعنى، ووحدة القصيدة، والاهتمام بالطبيعة، والميل للمعاني الفلسفية"3 . وحالما تناول قضية البيان العربي، فانه نظر إليه من زاوية "معرفتهم" أو "جهلهم" بالتراث اليوناني (الأرسطي) وكثرة أو قلة استعمالهم للأمثلة اليونانية (التي جمعها أرسطو)(!). بل ونراه يتعدى ذلك الى تفعيل الدونية المبطنة من خلال التوكيد على أن قلة استعمال الأدباء العرب لأمثلة كتاب الخطابة لأرسطو متأتي من كونهم لم يفهموا هذه الأمثلة(!)4 . واختتم هذه الأحكام بموقف يقول، أن علماء البيان العربي لجهلهم التام بنظم اليونان وآدابهم لم يستطيعوا فهم الأنواع الخطابية وما يتصل بها، ولا الشواهد التي استعملها أرسطو من غرر الأدب اليوناني .

إننا نقف هنا أمام صيغة نموذجية للخل المنهجي في رؤية التراث والتاريخ الثقافي القومي. فاليوناني المعاصر، بل واليوناني على امتداد آلاف السنين بعد اندثار المركزية الدولتية اليونانية، لم ينتج خطباء وأدباء كبار، مع انه يعرف تراثه اليوناني ويفهم الأنواع الخطابية اليونانية وغيرها. تماما كما أن العارف الكبير باللغة لا يمكنه أن يكون خطيبا أو شاعرا، ولا العارف بتاريخ الفلسفة فيلسوفا بالضرورة. إن قضية البيان، بما في ذلك من الناحية النظرية والفلسفية، هي أولا وقبل كل شيء مظهر وأسلوب من مظاهر وأساليب الحالة الثقافية. من هنا سخف الفكرة التي توصل إليها طه حسين في بحثه عن اثر الهيلينية في صيرورة وإبداع كل كاتب وأديب أو شاعر كبير في الثقافة العربية الإسلامية. إذ ليس هذا الموقف في الواقع سوى النتاج الملازم للرؤية المستلبة لمثقف مصر آنذاك وانبهاره "العقلي" الصغير بالتطور الأوربي المتزامن من صعود "الموجة الإغريقية" في فهم النفس والتراث والحاضر والمستقبل. وليس مصادفة على سبيل المثال ألا نرى الآن ولا نسمع من يتكلم عن ذلك بفعل اندثار الموجة اليونانية. وينطبق هذا على الشعر التمثيلي والملحمي بل والمسرح وما الى ذلك. بعبارة أخرى، ليس البحث في أبي تمام عن هيلينية (نصرانية) وفي عبد الحميد الكاتب وقبله ابن المقفع عن أصول فارسية (ومجوسية محتملة!) واحمد بن يوسف عن أصول قبطية (ونصرانية محتملة) سوى الصيغة "النقدية" المزيفة لولع الإثارة، وبالتالي الوجه الآخر لسخف أحكام الرؤية التقليدية المتشددة في بعض التيارات السلفية (الإسلامية القديمة) التي حاولت اتهام كل الشخصيات الحرة والنقدية باتهامات مثيلة، أي البحث عن أصول غير إسلامية أو غير عربية فيها! فالجامع بين هذه المواقف "النقدية" المتضادة هو وحدتها في خلل الرؤية المنهجية من حيث الجوهر، ونوعية العقائد من حيث العرض.

من هنا فان النقد الموجه هنا ضد آراء ومواقف وأحكام طه حسين سوف لن يتناول تحليل مضامينها، وذلك لأنها مجرد دعاوي جزئية ومفتعلة. وبالتالي فان تحليلها النقدي يفترض السير معها وموازاتها في الدحض والنفي على كل عبارة وتقييم وموقف وحكم من اجل الكشف أيضا عن ضعفها المعرفي. ولا طائل من وراء ذلك، لأنه في الأغلب مضيعة للوقت والجهد ولا يحتوي على أية قيمة منهجية. انه يحتوي دون شك على قيمة علمية، لكن قيمة العلم الضرورية بالنسبة لتأسيس المعرفة الحقيقة والثقافة الحية تفترض توجيه الرؤية صوب تأسيس الرؤية العلمية كما هي. والاهم من ذلك تأسيس الرؤية المنهجية السليمة.

لهذا سوف أركز هنا على البعد المنهجي فقط. لاسيما وانه جوهر القضية. وفيه تكمن أسباب الخلل في الرؤية "النقدية" لطه حسين بهذا الصد. فالأصول الشخصية والعائلية والعقائدية للمبدعين في كل مجال واختصاص عوامل مهمة، لكنها جزئية وعارضة، أو في أفضل الأحوال أنها مكون طبيعي من مكونات الوجود الطبيعي. بينما الإبداع هو ذروة الوجود "الاصطناعي" التاريخي لمنظومات الوجود الإنساني في مختلف ميادينه ومستوياته. وإذا كان أبو تمام نصراني الأصل قد اعتنق الإسلام، فانه أولا وقبل كل عربي المنشأ والثقافة. والفرق بينهما جوهري، هو الفرق بين الأصل والفرع، الجوهر والمظاهر، المكون الثقافي الفعلي وتأثير العقائد. إضافة الى أن الانتماء الطوعي (لأبي تمام الى عقيدة أخرى) يعكس أولا وقبل كل شيء إدراك أفضلية من يجري الانتماء إليه. ثم ما علاقة النصرانية باليونانية هنا. فالنصراني المتعرب (في حال كونه ليس من أصول عربية) هو عربي بفعل الطابع الثقافي للقومية العربية. فالقومية العربية ثقافية من حيث المنشأ وليست عرقية. إضافة لذلك أن النصرانية (كدين في عالم الخلافة آنذاك) لم تصنع ثقافة عقلية أو فلسفية. كما أن نصرانية تلك المرحلة (على النطاق الأوربي، أي جغرافية انتشارها آنذاك) كانت في عداء تام وغريزي للتراث اليوناني العقلي وجاهلة بما فيه وله. بعبارة أخرى، أن الحقيقة البسيطة والمباشرة والجلية واليقينية أيضا تقول، بان التأسيس الأدبي واللغوي والمعنوي (للأدباء والشعراء الذين ينتقيهم طه حسين) قد جرى بفعل العربية وتراثها وإشكالاتها وصراعها، أي أن ما جرى هو جزء من اثر الصيرورة التاريخية للثقافة العربية الإسلامية. وكل ما عداه هو مجرد أجزاء ومكونات وعناصر يمتلك كل منها قدرا من الضرورة بما في ذلك أشدها غرابة وطرافة وصدفة.

إن الحصيلة التي يمكن الوصول إليها بهذا الصدد تقوم في أن آراء ومواقف وأحكام وتقييمات طه حسين ليست في الواقع سوى الصيغة المقلوبة أو الوجه الآخر للاستلاب المعرفي والمنهجي والثقافي الذي ميز ما يسمى بنزعته النقدية. إذ لا نقدية فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. وقد يكون من الأدق القول، بأنها ومضات ومواقف اقرب ما تكون إلى لدغات إثارة بفعل تدني المستوى المعرفي والعلمي السائد آنذاك.

فالفكرة النقدية الكبرى هي التي تتجاوز منظومات الفكر إلى أخرى أكثر رفعة ودقة وتأسيسا. بينما لم تحتو كل كتابات طه حسين النقدية على شيء يتعدى حدود التطويع والتطبيق الجزئي لأجزاء المعرفة المتناثرة في الفكر الأوربي آنذاك، مع البقاء من حيث الجوهر ضمن الدهاليز العتيقة والعمل على نفض الغبار العالق على جدرانها. كما يمكننا أن نعثر فيها على الشخصية الباطنية أو المستبطنة لطه حسين نفسه، في استعماله النهم للأشياء التي "فهمها" من التراث الأوربي الحديث و"اليوناني" بشكل خاص، مع أن إلقاء نظرة سريعة إلى كل ما كتبه تكشف عن ضعف وسطحية استلهامه للتراث اليوناني بشكل عام والفلسفي بشكل خاص (وليس اليوناني فقط).

***

 

ا. د. ميثم الجنانبي

..............

1- طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ضمن كتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص8-9.

في الواقع أن شعراء الجاهلية كانوا كثر فلسفية من أبي تمام.

2- طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص9.

3- طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص12.

4- طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص13.

 

 

mutham aljanabi2إن تحول "الكتاب" إلى "حق" يعني تمثل فكرة المقدس، أي الفكرة المجردة عن الاتهام بالزور والتزوير. وبلوغها مرتبط هو الآخر بمعاناة مماثلة لما أسميته بمراحل التحدي الكبرى للبصر والبصيرة من اجل الانتقال من الحلم إلى اليقظة، ومن الخيال المربض إلى الوحي الصادق. بمعنى بلوغ مرحلة الانتقال من الأسطورة إلى الحقيقة. فقد كانت المراحل الأولى الصيغة النفسية والفردية للمعاناة الظاهرة والباطنة التي واجهها محمد في خروجه على مألوف العرب. أما الانتقال من الأسطورة إلى الحقيقة فقد كان يتمثل "علوم الأوائل"، أي تاريخ الصراع المسبوك بالرؤية التوحيدية الجديدة. فقد كانت اتهاماتهم واضحة وجلية ومألوفة يقوم فحواها في أن كل ما يأتي به محمد ويقوله مجرد {أساطير الأولين اكتتبها. فهي تملى عليه بكرة وأصيلا}[1]. وقد صور القرآن هذه الحالة بعبارة {إذا قيل لهم ماذا انزل ربكم قالوا أساطير الأولين}[2]. وإذا أراد الرد عليهم بأمثال من التاريخ السالف، فإنهم كانوا يقولون له {إن هذا إلا أساطير الأولين}[3]. بل اندفعوا صوب النهاية الملازمة لهذه المواقف عندما قالوا له {لو نشاء لقلنا مثل الذي تقوله}.

لقد اجبر النبي محمد العرب الوثنية على التفكير و"الإبداع" بالشكل الذي يخرجهم عن مألوف ما تعودوه من صيغ الكتابة والتفكير. وشأن كل إجبار "متسام" اتخذ في بادئ الأمر صيغة الإمكان أو الاحتمال المعقول. وحالما تصبح الإمكانية واقعا مقبولا في التأمل والتفكر حينذاك يصبح الخروج على المألوف جزءا من العقل والإيمان. من هنا يمكن اعتبار استعدادهم على أن "يقولوا مثل ما يقوله" إقرارا ضمنيا بإمكانية وقبول الارتقاء عن تقليد الأسلاف، أي انه أجبرهم على الخروج من قيود العادة وأوهامها. وليس مصادفة أن يتوصل الفكر الإسلامي لاحقا للقول، بأن المعجزة هي "خرق العادة"، بمعنى الخروج عن المألوف. بمعنى الإبقاء على إمكانيتها بوصفها إبداعا ممكنا. بعبارة أخرى، ليست "المعجزة" ما هو مستحيل بالطبع، بل ما هو خارق للمألوف. وقد تمتعت هذه الفكرة بقدر هائل من الاستعداد للتغير والتجسد والبرهنة والتحقيق في مختلف الميادين. لكن الميدان الأكبر والأكثر جوهرية بالنسبة لمحمد كان يقوم في استبدال "الجاهلية" بالإسلام، والبرهنة على انه أمر ممكن بما في ذلك تحقيقه في مشروع كوني جديد.

أدت فكرة الإعجاز إلى تثبيت فكرة القرآن الجامع والشامل بوصفه "معجزة". وهي "معجزة" حقيقية في سلسلة الإبداع والحق والبدائل الكبرى. وإذا كان نموذجها المصغر يقوم في فكرة إعجاز القرآن، فإن نموذجها الثقافي الأكبر يقوم في تحول القرآن إلى "كتاب" حقق منطق المعاناة الظاهرة والباطنة لمحمد وأسلوبه في التعامل مع كل المبادئ العامة للوجود المادي والروحي للإنسان. إذ أن مجرد رفع القرآن إلى مصاف المعجزة الذاتية للإسلام يعني الإقرار بالقيمة الخارقة "للكتابة" و"القراءة"، بوصفها المقدمة الضرورية لكل إبداع ثقافي. فعندما يجري رفع القراءة إلى مصاف الوحي، والوحي إلى مصاف "القرآن"، والقرآن إلى مصاف "الكتاب"، فإن ذلك يعني من الناحية الروحية حدوث انقلاب هائل في تاريخ الثقافة. وذلك لما فيه من تحويل الكتاب والقراءة إلى عناصر جوهرية لمكونات الإيمان اليومي والأبدي، وبالتالي رفع شأنهما في حياة الفرد والجماعة، واللسان والبيان، والعلم والعمل. وقد بلغت هذه الذروة أوجها في تطابق الوحي والقرآن والكتاب في "معجزة" لا تتعدى كونها "كتابا"، أي روحا ومنطقا.

فقد كانت حقيقة الإعجاز الأولى للقرآن تقوم في نقل الروح والجسد العربيين من غريزة الجاهلية إلى عقل الثقافة. ويمكن رؤية الصيغة الفردية والشخصية الأولى لهذه الحقيقة في كيفية ونوعية الانتقال التاريخي والرمزي لمحمد من حالة الجهل بالله إلى الإسلام له. حيث واجه هذا الانتقال للمرة الأولى في غار البحث عن جواب كان يقلق عقله. وقد كان الجواب بسيطا للغاية، ألا وهو تعلم القراءة لا غير. كما كان في صدمته الأولى اقرب إلى مواجهة ذاته المتسامية بهيئة تحد لقراءة ما لا يعرفه. وهو الدرس الذي نواجهه للمرة الأولى أمام من ينطق لنا الحروف ويعلمنا قراءتها، باعتباره الأسلوب الذي يثير الهلع فينا مع أن مهمته تذليل الخوف من الجهل.

وسوف ترفع الثقافة الإسلامية هذه الفكرة إلى مصاف الحكمة عندما وضعتها في عبارة "الناس أعداء ما جهلوا". وقد وضع النبي محمد أسس هذه الحكمة في مجرى مواجهته جهل العرب الوثنيين، بحيث انزل نموذج ذهنيتهم إلى مستوى "الجاهلية"، ومن خلاله حاول إجبار العرب الوثنيين على تعلم قراءة "الآفاق والأنفس" بطريقة جديدة من خلال عبور غريزة الجسد الجاهلي إلى عقل الروح الإسلامي. ولم تكن محاولته هذه أسهل من غيرها. فقد صبت في نفس تيار تكامله الذاتي، أي في نفس تيار معاناته الكبرى. ومرت شأن كل معاناة كبرى في نفس دهاليز المواجهة المتنوعة من التمني والرغبة والعمل والتحدي والتصدي والإرهاق والانزعاج والتقهقر والشعور بالهزيمة والاقتراب من اليأس والقنوط. فإذا كانت مواجهته الأولى تقوم في نموذج {أفغير الله تأمروني أن اعبد أيها الجاهلون}[4]، فإنها تعرضت في مجرى اعتراضهم المتكرر والعنيد إلى حالة جعلته أحيانا يبحث عن نفق في الأرض ينزل إلى أعماقه عسى أن يحصل بأثره على ما يمكنّه إقناعهم، أو أن ينطلق إلى السماء من اجل أن يأتيهم بحجة تنهي شكوكهم. وهو تمنيات وأفعال اقرب ما تكون إلى غريزة النفس الجاهلية التي حاربها. من هنا صدمتها إياه حالما بلغ التحدي ذروته كما في قوله {وإن كبر عليك إعراضهم، فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلمّا في السماء فتأتيهم بآية. ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين}[5]. ويشير هذا الانتقاد إلى حالة الجزع المميزة للغريزة الجاهلية من جهة، وإلى تجاوزها المادي والمعنوي من جهة أخرى. وسوف تتجسد هذه الحالة بصورة نموذجية في أكثر الأحداث درامية، كما نراها في الآية القائلة:{إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية، فانزل الله سكينة على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى}[6]. إننا نعثر في هذه الآية على وداع رمزي للجاهلية، يتضمن في الوقت نفسه نفيها الشامل، من خلال نفي حمية الدماء بسكينة الروح، والجاهلية بالتقوى. كما نعثر فيها أيضا على تمثل فعلي سوف يظهر لاحقا في تحويل الجاهلية إلى مرحلة ضرورية بالنسبة للوعي الديني والتاريخي والثقافي، عندما أدرجتها الثقافة الإسلامية في فلك الإيمان والعقل والمعرفة والتاريخ، أي عندما حولتها إلى معيار الإدراك اللغوي الدقيق والحقيقي لمعان القرآن، وجعلت من نتاجها الأدبي نموذجا "كلاسيكيا" للمقارنة والاقتداء، بحيث جعلت من فضائلها الكبرى فضائل الإسلام نفسه. ولم يكن بإمكان هذا التحول أن يحدث إلا بعد تذليل الجاهلية بوصفها نموذجا وأسلوبا في التربية والفكر والسلوك والنفسية والقيم.

 وقد فسح هذا التذليل المجال أمام العقل وإمكانياته غير المحدودة من تأويل وتبرير وتأسيس وتأريخ سوف تظهر ملامحه اللاحقة مع أول انتقال فعلي إلى عالم الدولة والثقافة السياسية. لكن بدايته تلازمت مع انتصار الإسلام، الذي رفع فكرة الخلاف والمعرفة والعلم إلى مستوى جديد لا علاقة له بالنماذج الضيقة المميزة لما ندعوه بالجاهلية. وهو تلازم ارتبط أساسا بتذليل مثلث الأضلاع الكبرى للجاهلية في كل من الهوى والجهل والظن. من هنا تلازم معارضة الهوى بفكرة الوحي، كما حصلت على أشكالها المتنوعة في التدليل على أن محمد لا ينطق عن الهوى، وانه وحي يوحى. وإنهم لا يستجيبون لأنهم {يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى}[7]. ومعارضة الجهل بالعلم، كما حصلت على أشكالها المتنوعة في مواقف عدة مثل القول بأن الله يرفع {الذين آمنوا منكم درجات والذين أوتوا العلم درجات}، وانه لا {يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}. بل نراه يرفع مستوى تدليل وشهادة العلماء إلى مستوى الدراية الإلهية كما في قوله {شهد الله وأولوا العلم}، انطلاقا أو استنادا إلى أن أكثر من {يخشى الله من عباده العلماء}. وأخيرا معارضة الظن بفكرة اليقين الصادق، كما حصلت على أشكالها المتنوعة في مواقف عدة مثل قوله {إن تتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس}، وأنه {ما لهم من علم إن يتبعون إلا الظن}، وأن أكثرهم ما يتبع إلا ظنا، بينما {الظن لا يغني عن الحق شيئا}[8]. بل أن حصيلة مواقفهم من الحياة والموت، مثل قولهم {إن هي حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} هي مجرد ظنون لا أساس لها، أو كما يقول القرآن {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون}[9].

لقد أدت الحصيلة المتراكمة في معارضة الهوى بالوحي، والجهل بالعلم، والظن باليقين الصادق إلى تأسيس مبادئ علمية وعملية كبرى لعل أهمها هو انه ليس كل علم يؤدي إلى معرفة، وأن العلم الذي يؤدي إلى معرفة هو الذي يصنع يقينا، وأن المقصود باليقين هنا هو اليقين الصادق، أي عين اليقين. وشكلت هذه المبادئ أساس المنهج النظري والعملي لحقيقة المعرفة والإيمان، كما نعثر عليها لاحقا في مفاهيم ومبادئ كبرى مثل طلب العلم فريضة، وفكرة طلب العلم كما هو، وما ترتب عليه من مبادئ وقيم عملية عديدة كانت تتمثل الأفكار القرآنية العامة مثل الدعوة الدائمة للتأمل والتفكر والتعقل والتبصر في الأمور وعواقبها، والدعوة للحكمة والموعظة الحسنة، والجدل بأفضل الطرق وأحسنها. وحصلت هذه المبادئ والقيم على استمرارها العملي والجزئي والمتسامي أيضا في الأحاديث الصحيحة والموضوعة مثل (العلماء ورثة الأنبياء)، و(يستغفر للعالم ما في السماوات والأرض)، و(الحكمة تزيد الشريف شرفا وترفع الملوك)، و(اقرب الناس من النبوة أهل العلم والجهاد)، و(لموت قبيلة أيسر من موت عالم)، و(يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء)، و(يشفع يوم القيامة ثلاثة:الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء)، و(ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين)، و(خير دينكم أيسره، وخير العبادة الفقه)، و(فضل المؤمن العالم على المؤمن العامي بسبعين درجة) وغيرها.

أما الحصيلة الفكرية والثقافية لكل ذلك فقد كانت تصب في تأسيس مرجعية المعرفة والعلم وضرورتها بالنسبة لإيجاد النسبة المعقولة والمقبولة للثابت والعابر، والمطلق والنسبي في كل شيء، إضافة إلى ربط التفكر والتعقل والتأمل بمنظومة فكرية شاملة. أما من الناحية التاريخية فقد كان ذلك يعني تأسيس شروط تكامل المعرفة في الإنسان ورفعه إلى مصاف القوة الذاتية المفكرة، كما ستتجسد لاحقا في فكرة "علوم الدين" و"علماء الدين" و"الفقهاء"، أي العارفين وليس "رجال دين". ولم يكن مقصود الثقافة بالعارفين سوى المثقفين وليس الأجراء والمرتزقة منهم في ميدان العمل النظري والعلمي.

وقبل أن تصل الثقافة الإسلامية إلى واقع التمايز الجدي والفعال بين رجل العلم ورجل الدولة وقيمته بالنسبة للإبداع الحر والمتنوع، كان ينبغي لها أن تخوض غمار الإشكاليات الصعبة والمرهقة في ميدان بناء الدولة والسلطة والعقائد والعقل والنظم الفكرية.

***

 

ميثم الجنابي

......................

[1] القرآن: سورة الفرقان، الآية 5.

[2] القرآن: سورة النحل، الآية 24.

[3] القرآن: سورة الأنفال، الآية .31

[4] القرآن: سورة الزمر، الآية 64.

[5] القرآن: سورة الأنعام، الآية 35.

[6] القرآن: سورة الفتح، الآية 26.

[7] القرآن: سورة القصص، الآية 50.

[8] القرآن: سورة يونس، الآية 36.

[9] القرآن: سورة الجاثية، الآية 24.

 

mutham aljanabi2لقد تكاملت شخصية محمد الظاهرة والباطنة في قراءتها الجديدة لمظاهر الوجود، بمعنى انطلاقها من مبادئ ومنظومة آخذة في التكامل. ومع كل خطوة متحركة في ميدان المواجهة والتحدي والصراع أخذ محمد يكتشف أكثر فأكثر صوته من جديد وصداه المتناثر في القرآن. وأخذ هذا الاكتشاف يتمظهر أكثر فأكثر في فكرة القرآن بحد ذاته.

فالقرآن في بداية الأمر لم يتعد مطلب "القراءة". وبالنسبة لمحمد لم يكن أكثر من صوت أقلقه وأثار هلعه وتخوفه عما إذا كان حلما أو سحرا أو جنونا. ووجد رد الفعل هذا صداه اللاحق في مواقف العرب الوثنية. فقد اعتبروا ما يأتي به أما كذب أو أباطيل أو أساطير الأولين. ونعثر على هذه المواقف في أقوالهم التي تعج بالملل والضجر والتأفف مما يأتي به مثل: "لقد سمعنا ما تقول" و"كفى أساطير الأولين". بل دفعهم هذا النزاع المباشر للقول{لولا انزل هذا القرآن على رجل من أهل القريتين عظيم}. وعندما أجابهم بأنها إرادة الله وليس رغباتهم، فإنهم وجدوا فيما يقوله مجرد أقاويل يتقولها كما في قوله {أم يقولون تقوله، بل لا يؤمنون}.

وعندما قالوا له، أليس من الأفضل أن ينزله الله عليك دفعة واحدة لنرى ما فيه انطلاقا من أن الله يعلم كل شيء، ولكي نعلم بدورنا ما فيه دفعة واحدة كما في قولهم {لولا انزل عليه القرآن جملة واحدة}، فإن الإجابة كانت نقضا موازيا يقوم فحواه في أن القرآن هو قراءة متجددة مهمتها تثبيت القلوب في المواقف كما في قوله {لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا}[1]، إضافة إلى مهمته الكبرى الموجهة للناس عامة وليس لمن يجادل فيه، انطلاقا من انه {قرآن فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}[2]. ووضع هذه الرؤية في موقف يطالب بقراءة {ما تيسر من القرآن}[3]، وذلك لأن القرآن ميسر {للذكر فهل من مذكر}[4].

وعندما اتهموه بأنه لا يقول إلا ما يلقنه البعض (من أصحاب الديانات الأخرى)، فإن الرد كان مباشرا أيضا، بأن لسان من يشيرون {إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين}[5]. وشقت هذه الفكرة لنفسها الطريق حتى نهاية الجدل من خلال التركيز غير المباشر على أصله وأصوله من اجل أن يكون مفهوما ومعقولا ومقنعا لهم مثل قوله {قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون}[6]، و{إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون}[7]، و{يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا}[8]. وعندما قالوا له بأن ما يقوله مجرد شعر كأشعارهم، فإن الإجابة كانت مباشرة أيضا كما في قوله {وما علمناه الشعر وما ينبغي له}، وإنما هو {ذكر وقرآن مبين}[9].

لقد أشعره الجدل والخلاف والمعارضة والصدود الصماء بشقاء كبير، بحيث خاطبه وحيه مرة قائلا {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى}[10]. وفعلت هذه التذكرة فعلها في مواساة نفسه المتقلبة بين دفئ الأزل الإلهي وبرودة الدهر الجاهلي. إذ نراه مرة يواسيه بأن ما فيه هو تذكرة ليس أمامك سوى مهمة إبلاغها والتبشير بها كما في قوله {ضربنا من كل مثل لعلهم يتذكرون}[11]. ولا بأس من أن يتدبره بالفكر والعقل، إذ {لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا}[12]. من هنا مطالبته إياه بالتحصن الذاتي والاستعاذة بالله من أقوالهم وردودهم، كما في قوله {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان}[13]، أو الانعزال عنهم كما في قوله {إذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا}[14]. ولا يعني هذا الانعزال الابتعاد المادي بقدر ما يشير إلى أن انعدام الإيمان بما يقوله يصنع أغشية كثيفة وحجب تمنع المرء أيا كان من سماع حقيقة القرآن، بوصفها قراءة حية وصادقة للوجود والكون والقيم.

وقد وجدت فكرة كون القرآن قراءة حية وصادقة للوجود والكون والقيم صداها المبكر في "ليلة القدر"، بوصفها بداية القراءة المديدة والصافية. وترمز هذه الصيغة إلى أن ما فيه هو رؤية دائمة وخالصة. إذ لا تعني {إنا أنزلناه في ليلة القدر}[15] سوى ظهوره في أول رؤية لليل الجهل والجاهلية بعيون القدر والقدرة الإلهية. كما أن عبارة {خير من ألف شهر}[16]، وأنها {سلام حتى مطلع الفجر}[17] إشارة رمزية على مداها الزمني الكبير وصفائها التام. بمعنى أن ما في القرآن هو سيل من الحقائق التي لا يشوبها ضجيج النهار في مكة ولغط تجارها والمتسكعين فيها. وهي حالة جلية لمن قضى لوحده ليلة واحدة في وديان الجزيرة النائية! حينذاك يمكن أن يرى الأزل في صمت الصخور وأنين الزمن فيها. وهي مفارقة يمكنها أن ترفع الكلمة المسموعة في الحلم واليقظة إلى مصاف التحدي التام. فالكلمة تفقد رونقها وبريقها وأنينها وصداها في الضجيج، لكنها تتحول إلى متعة أبدية في خلاء الجزيرة ووديانها كما لا يصدح الصوت الجميل بدون فراغ يتلقف حروف الآلة المعزوف عليها. بحيث جعلته هذه الحالة يتحدى في وقت لاحق معارضيه بأفكار ومواقف مباشرة مثل قوله {فليأتوا بحديث مثله إذا كانوا صادقين}، وأنهم مهما يقولوا، فإن ما يقوله ويقرأ به الوجود وأحداثه {هو قرآن مجيد في لوح محفوظ}[18]، وأن القرآن هو {آيات وكتاب مبين}[19]. بل وترتفع مجموع آياته إلى قرآن عظيم وحكيم، وفرقان الحق عن الباطل. وهو تحسس وإدراك بلغ غايته في مخاطبة وحيه إياه بعبارة:{وانك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم}[20]، و{يتبارك الذي انزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا}[21]. أما خاتمة هذه الأفكار فهي الحكمة العملية القائمة فيه، التي قدمها القرآن المتكامل نفسه بمطلب:{وننزل من القرآن، ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين}[22].

إن تحول القرآن إلى شفاء ورحمة للعالمين يفترض بدوره اليقين القائل، باحتوائه على الأدوية المعقولة للأمراض الفعلية والممكنة، وكذلك على مبادئ ومفاهيم وقيم ورؤية قادرة على بعث الرحمة في الوجود. بمعنى قدرته على محاكاة نموذجها المتعالي في الله بوصفه الرحمن الرحيم. من هنا فكرة الكتاب بوصفه قرآنا، والقرآن بوصفه كتابا، أي وحدتهما التامة في المبدأ والغاية والوسيلة. إذ لا معنى للكتاب بدون قراءة كما إننا لا نقرأ إلا ما هو مكتوب. بعبارة أخرى، إن القرآن يتحول إلى كتاب الوجود والإنسان. إذ لا تعني مخاطبة وحيه إياه بكلمات {كتاب انزل عليك}[23]، وأنه {كتاب أحكمت آياته}[24]، وأنه {كتاب لا ريب فيه}[25]، سوى التدليل الدائم على ضرورة تذليل الشك الممكن من خيبة الأمل المترتبة على المناكدة العنيدة للعرب الوثنيين. وقد ثلمت هذه الخيبة أحيانا صبره وتدنيه من حالة الانكسار كما نعثر عليها في وحيه الذي خاطبه مرة {كتاب انزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين}[26]. ذلك يعني أنه كان يقف أحيانا أمام هاوية الانكسار المعنوي التي تثير في نفسه خوف السقوط في أعماقها السحيقة. بينا لا هاوية في الواقع سوى حالة الإقرار بحال الهزيمة. ونعثر على هذه الحالة في النفي الدائم للشك والقلق، وكذلك في التحذير والنقد والإيناس المبطن كما في قوله {إنا أنزلنا عليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين}[27]. فهي الذروة التي تتوحد فيها فكرة الحق والإخلاص الفردي في العمل. حينذاك يصبح الوحي نورا للنفس والآخرين. ونعثر أيضا على هذه الصيغة في العبارة القائلة {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد}[28].

إن بلوغ المعاناة الذاتية درجة إبداع الحق في الهاجس والرؤية والوسيلة والغاية عادة ما يؤدي إلى الفعل بمقاييس ومعايير الإخلاص. وحالما تصبح فكرة الإخلاص للحق مبدأ ومنتهى العلم والعمل، حينذاك تتفتح الإمكانات والاحتمالات المتعددة لمنافذ السمو المادي والمعنوي، أو على الأقل إنهما يذوبان في جميع الأفعال بما في ذلك أكثرها عادية انطلاقا من أن الحق (المطلق) هو الكلّ. وبالتالي فهو موجود في كل وجود، أي في كل صيرورة وكينونة. الأمر الذي يذلل في النفس الفاعلة شعور التناقض والتضاد من خلال رفعهما الدائم إلى مصاف الوحدة الحقيقية. حينذاك يصبح المطلق البداية والنهاية، والأول والآخر، والظاهر والباطن، والقابض والباسط، والجبار والسلام، والمحي والمميت، والغائب والحاضر، والقريب والبعيد، والموجود والمعدوم. وحينذاك أيضا يصبح الإبداع في الكلمة والفكرة، والقول والعمل فعلا واحدا من حيث كونه تجسيدا مخلصا للحق. من هنا فكرة "الكتاب الحق" و"الكتاب المبين"، حيث تصبح الأمور كلها جلية وواضحة، وأقرب إلى البديهة! إذ لا تعني فكرة "الكتاب الحق" سوى وحدة الأزل والأبد الذائبة في مبدأ الإخلاص. من هنا احتوائه على كل تجليات الوحدة المتسامية للمتناقضات. وهي وحدة وجدت تعبيرها الخاص في فكرة "اللوح المحفوظ"، بوصفها الصيغة التي تحتوي بقدر واحد على إمكانية تأويلها بمعايير الأزل والأبد، والثابت والعابر. أذ تشير هذه العبارة إلى كتاب ومكتوب، ومحفوظ بالذاكرة والوجود. بمعنى انه مخطوط بحروف شأن أي كتاب ومكتوب لنا كالقضاء والقدر، وتحفظه ذاكرتنا لأنها شكل من أشكال تجليات الحق (الله). فهو اللوح الذي يحمل الحق الإلهي مهما تكسرت أشكاله في وجدنا ووجودنا وذاكرتنا ومصيرنا، كما سيقول النفري مرة من انه رأى السفن تغرق والألواح تطفو! وهي الحالة التي أنتجت فيما يبدو حصيلتها في الفكرة القائلة انه {قرآن مجيد في لوح محفوظ}[29].

إن تحول القرآن إلى لوح محفوظ في ذاكرة الوجود، يعني قطعه الشوط الضروري لاستكمال دورة ما يمكن دعوته بتاريخ الحق المتسامي. إذ أصبح الأزل والأبد فيه شيئا واحدا، كما انه الدورة الدائمة للأول والآخر والظاهر والباطن، والحاوية المتجددة في تأمل المجددين لعلوم الأوائل والأواخر. كل ذلك أعطى له إمكانية أن يكون "كتابا حقا" و"كتاب الحق"، ومن ثم "نورا للعالمين" والناس أجمعين. فهو كالشمس يستضيء بها ويستدفئ العالم والجاهل، والجماد والحي، والصغير والكبير. وقد احتوت هذه الحالة في أعماقها على  إمكانية تجاوز الحدود الضيقة للأفراد والأمم والزمان والمكان والتقليد والظنون. مع ما يترتب عليه من تكامل في الرؤية تجاه إشكاليات الوجود. وهو تكامل يتحول إلى "معجزة" حالما يرتقي إلى مصاف التجاوز الشامل للحدود المألوفة. إذ ليست "المعجزة" في الواقع سوى تجاوز المألوف. وقد أثارت هذه الحالة مختلف الردود والصدود من تشكيك وتشفي، واستهزاء وتسخيف، وتجريم وتخوين، وشتيمة وشماتة. كما أنها الحالة التي تحفّز ما يقابل ذلك من إيمان ويقين، وصبر وتحد، وقبول للمعقول والمتخيل.

(يتبع...)

 

 ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

.............

[1] القرآن: سورة الفرقان، الآية 32.

[2] القرآن: سورة الإسراء، الآية 106.

[3] القرآن: سورة المزمل، الآية 20.

[4] القرآن: سورة القمر، الآية 17.

[5] القرآن: سورة النحل، الآية 103.

[6] القرآن: سورة الزمر، الآية 28.

[7] القرآن: سورة الزخرف، الآية .3

[8] القرآن: سورة مريم، الآية 97.

[9] القرآن: سورة يس، الآية 69.

[10] القرآن: سورة طه، الآية 2-.3

[11] القرآن: سورة الزمر، الآية 27.

[12] القرآن: سورة النساء، الآية 82.

[13] القرآن: سورة النحل، الآية 98.

[14] القرآن: سورة الإسراء، الآية 45.

[15] القرآن: سورة القدر، الآية 1.

[16] القرآن: سورة القدر، الآية 3.

[17] القرآن: سورة القدر، الآية 5.

[18] القرآن: سورة البروج، الآية 21-22.

[19] القرآن: سورة الحجر، الآية 1.

[20] القرآن: سورة النمل، الآية 6.

[21] القرآن: سورة الفرقان، الآية 1.

[22] القرآن: سورة الإسراء، الآية 82.

[23] القرآن: سورة البقرة، الآية 2.

[24] القرآن: سورة هود، الآية 1.

[25] القرآن: سورة البقرة، الآية .2

[26] القرآن: سورة الأعراف، الآية 2.

[27]القرآن: سورة الزمر، الآية 2.

[28] القرآن: سورة إبراهيم، الآية 1.

[29] القرآن: سورة البروج، الآية 21-22.

 

 

mutham aljanabi2فقد كانت معاناته الفردية تتكامل في يقين بعد كل انتصار أو هزيمة. فعندما أصبح تكذيبه جزءا من نفسية وذهنية وأساليب المواجهة الوثنية ضد ما يدعو إليه، حينذاك اخذ عذابه وامتعاضه يتحول إلى إدراك بأن ما يجري هو جزء من اختبار الهي حصل على إحدى صيغه بفكرة {إن كذبوك فقد كذبت رسل من قبلك}[1]. واستكملت في مجرى الصراع بفكرة {فما يكذبك بعد بالدين. أليس الله احكم الحاكمين}[2]. وإذا كان الاستهزاء قد أوصله في بداية الأمر إلى حدود الجزع، فإن خاتمة المواقف انعكست بفكرة {ولقد استهزأ برسل من قبلك}. بل وجرى رفعها إلى مصاف الاختبار الإلهي بوصفه استهزاء إلهيا بهم كما في قوله{الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون}[3]. وتعمقت هذه الفكرة من خلال إبراز ضيق المكر الإنساني ونفيه بالمكر الإلهي، أي المكر المبني على أساس أن الخديعة التي يقوم بها البشر ما هي في الواقع سوى خداع النفس كما في قوله {يخدعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون}[4]. وإذا كانت الفكرة الأولى قد ظهرت بعبارة "إن الله أمكر الماكرين"، باعتبارها الرد المباشر على تفاهة المكر البشري وحدوده الضيقة، فإنه يتحول في وقت لاحق، بسبب تزايد المكر الوثني المعارض، إلى فكرة متسامية هي الصيغة الملموسة لما ادعوه بتحول الشكوك حالما تحرق العقل والوجدان إلى يقين متسام. حيث يصبح مكر الناس العادي مجرد حلقة في سلسلة الرذيلة الإنسانية. بينما يقف مكر الله وراء ألاعيب الناس الصغيرة كما في قوله {ولقد مكر الذين من قبلهم، فلله المكر جميعا}. وعندما يصبح إقناع البشر أمرا عصيا خصوصا إذا تعودوا أن يجدوا وراء كل فعل مقايضة كما كان الحال بالنسبة لنفسية مكة التجارية، فإن الرد لم يعد مجرد رفض الأجر الإنساني، بل ونفيه ايضا كما في قوله {ما سألتكم من اجر فهو لكم. إن اجري إلا على الله}[5]. كما لم يعد الرد محصورا بالاتهامات المباشرة، بل نراه ينتقل إلى مصاف الإجابة المتسامية. لهذا لم يعد الرد على اتهامه بالسحر والجنون والضلال محصورا في أن "الأمر ليس كذلك"، بل وأخذ يرتقى إلى مصاف جديدة كما في رده على اتهامه بالضلال. حيث نراه يبلوره بفكرة {إن ضللت فإنما أضل نفسي، وان اهتدي فبما يوحي اليّ ربي}[6]. وأن الخلاف بينه وبينهم لا يمكن حسمه بمقاييس الزمان والمكان، بل بمقاييس الآلهة كما في قوله {قل يجمع بيننا ربنا}. كما جاء الرد على فكرة "أنت لست مرسلا" بفكرة {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم}[7].

إننا نرى هنا انتقال الردود المباشرة إلى ردود غير مباشرة، بمعنى الانتقال من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل، ومن المستقبل إلى الغيب، ومن الزمن إلى التاريخ، ومن الواقع إلى المجرد، ومن الإنسان إلى الله، بوصفها حلقات ضرورية ومتراكمة فيما أسميته بانتقال الشكوك إلى يقين عملي في مجرى الصراع والتحدي بعد احتراقها في معاناة العقل والوجدان. حينذاك كان بإمكان محمد أن يتسامى في رؤيته الذاتية التي أخذت تجرّد ردوده من نفسية المواجهة وتنقلها إلى حالة الإقرار بيقين الفكرة المطلقة. بمعنى انتقال الخطاب من المواجهة المباشرة بينه وبين الوثنية إلى حوار بينه وبين وحيه الذاتي، لا يخلو من تشنج دفين. فالجدل حول ما إذا كان هو رسولا فعلا أم لا يتحول إلى يقين عملي كما في قوله {وما أرسلناك إلا كافة للناس مبشرا ونذيرا}، أو أن يتمثل الفكرة بعبارة أخرى تقول {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا}. ولم يعد اعتراض "الناس" الوثنيين مهما كانت ثروتهم ومواقعهم وثقلهم الفعلي أو الموهوم أمرا ذا أهمية، لأنهم يبقون بمعايير المطلق فقراء كما في قوله {يا أيها الناس انتم الفقراء إلى الله}.

لقد صنع انتقال الشكوك بعد احتراقها في معاناة العقل والوجدان إلى يقين متسام ويقين عملي، ومن ثم وحدتهما اللاحقة. آنذاك أصبح من الممكن إيجاد الصلة والنسبة الممكنة بين الإرادة الإلهية والإنسانية في كل الأفعال الممكنة مثل أن يقول {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، أو {إذا أراد الله بقوم سوء فلا مردّ له وما لهم من دونه وال}[8]. ولم يعد الحديث في الخطاب محصورا بين التوبيخ والنقد اللاذع والمطالبة بعمل شيء مباشر، أو قول ما ينبغي وما يجب، بل أصبح خطابا يرتقي إلى مصاف التاريخ المتسامي. فعندما يخاطبه الوحي {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم}[9]، فإن ذلك يعني أن الذات الجوهرية هنا ليست الأمم بل "هو" بوصفه رسولا ومبشرا ومبلغا ونذيرا. وعندما يضعه أمام اختبار التبليغ والتبشير، فإن الجوهري ليس النتيجة بل تحقيق إرادة الفعل كما في قوله {أما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفيك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}[10]. كما لم يعد جدله يدور في فلك الاختلاف، بل في تيار الحق الساري، كإن يردّ على من يخالفه بعبارة {إن ربي يقذف بالحق}[11]، أو أن يستكمله بيقين اشد قوة يقول، بأن {الذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق}[12].

إن بلوغ اليقين التام والشامل بالحق جعل من فكرة السمو العملي الصيغة الطبيعية لمواجهة جميع الإشكاليات، بما فيها تلك التي تتطلب "جرأة" في تغيير قواعد العقيدة، كما كان الحال بالنسبة لتغيير القبلة. ففيها نعثر على صدى معاناته الهائلة عندما اخذ يقلّب وجهه في السماء باحثا عن مخرج فوجده إلى جانبه! وقد صورت الآية القرآنية هذه الحالة بعبارة {قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولنك قبلة ترضاها، فولّ وجهك شطر المسجد الحرام!}[13]. وتشير هذه الحقيقة إلى أن الأبعاد المتسامية عادة ما تقع تحت الأقدام، كما أن الحلول الأشد تعقيدا بالنسبة للعقل والضمير عادة ما تقوم في تذليل الخلاف بينهما. والشيء نفسه يمكن قوله عن الحيرة المتسامية التي عادة ما تجد مخرجها في الأزقة التي اعتدنا المشي فيها، تماما كما أن قوس قزح هو حزمة الطيف التي يمدها عرق الجبين وقطر الندى ومياه الأمطار. وتمثل الوحي هذه الفكرة في قوله{لله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله}[14]. حينذاك لم يعد من الصعب أن تصبح مكة التي عذبته مدينة الروح، وأن تتحول كعبة أوثانها إلى مسجد حرام وبيت الله.

تبرهن هذه العملية على أن الشكوك الكبرى على قدر الغايات، وإنها ترتقي بعد احتراقها في تجارب العقل والوجدان إلى يقين متسام وعملي! عندئذ يمكن أن تتحول مختلف أشكال ونماذج المعاناة الذاتية إلى ما يقابلها من نفي أو بدائل عليا، مثل تحول الانتصار إلى وعد الهي أو قضاء حق، والهزيمة إلى ابتلاء الهي أو وعيد حق. وهو تحول يعكس أولا وقبل كل شيء تضافر ما أسميته باليقين المتسامي والعملي في الرؤية والمواقف.

فعندما اخذ اليقين يتراكم في إمكانية انتصار نهائي حاسم، عندها تحول النداء من دعوة للدفاع إلى دعوة للهجوم. وعوضا عن فكرة "لا اعبد ما تعبدون ولا انتم عابدون ما اعبد"، و"لكم دينكم ولي ديني" تظهر مواقف الهجوم المتنامي مثل {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تقعدوا}[15]، {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}[16]. وعندما تأخذ القوة والهيبة في التمركز يتحول محمد من داعية ومبشر ونذير إلى مركز استقطاب التأييد والطاعة. حيث تتدرج هذه العملية في انتقالها من ربط طاعة الرسول بطاعة الله مثل قوله {أطيعوا الله ورسوله}، إلى جعل طاعة الرسول مدخلا لطاعة الله كما في قوله {ومن يطع الرسول فقد أطاع الله}[17]. بل وتنتهي هذه العملية في تدرج يبلغ كفاية الطاعة بوصفها فريضة أزلية كما في قوله {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع}[18]. وأخيرا يصبح محمد نفسه الحلقة الأخيرة في سلسلة النبوة، أي الخاتمة التي بشر بها عيسى كما في قوله {إني مبشر برسول يأتي بعدي اسمه احمد}[19].

ونعثر على نفس هذا الاتجاه في تحول الله إلى قوة ذائبة في الصراع الذي يخوضه محمد. بمعنى نزوله من أعلى عليين إلى أسفل سافلين متناغما في كلمات ملاكه (جبريل) بوصفه التجسيد المعقول لوحدة المتسامي والعملي. فهو الذي يقاتل أعدائهم كما في قوله {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم}[20]، بل وهو الذي يرمى أعدائهم بالحصى كما في قوله {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}[21]. ولا يشير هذا الاتجاه إلى تضاءل دور الفرد في الصراع بقدر ما يشير إلى تحول الشكوك الكبرى القديمة إلى يقين مطلق في مجرى تعاظم الترابط العضوي بين المتسامي والعملي. وأشد ما يظهر هذا الترابط في منظومة التفاؤل الدائم، كما في قوله:{لا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون}[22]، وفي كل مأزق مثل {تلك الأيام نداولها بين الناس}[23]، أو {ويريدون إن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}[24]. وهي علمية لابد منها بوصفها حكما أزليا، وقضاء إلهيا، وقدرا محتوما، انطلاقا من انه {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون}[25]. أما تتويجها النهائي فقد جرى التعبير عنه في الآية {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}[26].

إننا نقف هنا أمام حركة الوحي الذاتي بمعايير وقواعد منطقه الخاص. كما تشير بدورها إلى طبيعة ودرجات المعاناة الكبرى التي واجهها محمد في مجرى الانتقال من رجل عادي من قريش إلى نبي، ومنه إلى رسول للعالمين. أنها تعكس درجات الانتقال العملية والمتسامية في الفكر والإرادة والعمل، بوصفها صراعا لا هوادة فيه ضد سلطة المكان والزمان والأفراد والتقليد والمال والجاه، من اجل تثبيت سلطة الروح والإرادة المتسامية.

 وهي عملية أكثر من جسّدها الوحي بوصفه الصوت الباطني للحق والحقيقة. ففيه نعثر على كيفية تحول كلمات الظاهر إلى باطن، والباطن إلى ظاهر، والسر إلى علن، والعلن إلى سر، بحيث نقف في نهاية المطاف أمام دورة كاملة من وحدة الظاهر والباطن، والسر والعلن بوصفها دورة التاريخ والفكرة. وفيه أيضا نعثر على الكيفية التي تصبح فيها كلمات المواجهة والتحدي صوتا إلهيا، بحيث نقف في نهاية المطاف أمام دورة كاملة من وحدة الشك واليقين، واليأس والأمل، بوصفها دورة المعاناة الصادقة في مجرى تحولها إلى رؤية ومواقف. كما أنها الدورة التي ظهرت بأثرها وتكاملت إمكانية القراءة الفردانية الحية، بوصفها اكتشافا ذاتيا دائما. حيث نعثر فيها على كل نماذج التفاعل الطبيعي والتاريخي من استغراب واندهاش، وحيرة وتعجب، وقبول ورفض، وتأييد وإدانة، وشك ويقين، ورغبة وتمني، ويأس وأمل، وجزع وصبر، وهروب وهجوم تجاه كل مظاهر القوة والضعف، والجبروت والهشاشة في الأقوال والأفعال من إيمان وكفر، وجود وبخل، وشجاعة وجبن، ومواجهة وغدر، وأمانة وخيانة. وصنعت هذه الدورة بدورها تكامل القيم الأخلاقية في منظومة متسامية في تعبيرها عن النقد الشامل وتكامل البدائل.

(يتبع....)

 

.............

[1] القرآن: سورة فاطر، الآية 4 .

[2] القرآن: سورة التين، الآية 7-8.

[3] القرآن: سورة البقرة، الآية 15.

[4] القرآن: سورة البقرة، الآية 9.

[5] القرآن: سورة سبأ، الآية 47.

[6] القرآن: سورة سبأ، الآية 50.

[7] القرآن: سورة الرعد، الآية 45.

[8] القرآن: سورة الرعد، الآية 11.

[9] القرآن: سورة الرعد، الآية 30.

[10] القرآن: سورة الرعد، الآية 40.

[11] القرآن: سورة سبأ، الآية 48.

[12] القرآن: سورة فاطر، الآية 31.

[13] القرآن: سورة البقرة، الآية 144.

[14] القرآن: سورة البقرة، الآية 115.

[15] القرآن: سورة البقرة، الآية 190.

[16] القرآن: سورة البقرة، الآية 193.

[17] القرآن: سورة النساء، الآية 59.

[18] القرآن: سورة النساء، الآية 64.

[19] القرآن: سورة الصف، الآية 6.

[20] القرآن: سورة الأنفال، الآية .17

[21] القرآن: سورة الأنفال، الآية 17.

[22] القرآن: سورة آل عمران، الآية 139.

[23] القرآن: سورة آل عمران، الآية 140.

[24] القرآن: سورة براءة، الآية 32.

[25] القرآن: سورة براءة، الآية 33.

[26] القرآن: سورة المائدة، الآية 3.

 

 

mutham aljanabi2إن شخصية محمد الآخذة بالتبلور في مجرى اختبارها على مهمات النبوة، قد جعلت من كل ما يواجهه جزيئة في فلك الربوبية المترقبة بعيونها الساهرة على كل ما فيه، بما في ذلك أدق خلجاته وهواجسه وعواطفه. من هنا محاسبتها إياه، وتوبيخه وتوجيهه، وتعقب نواياه وتعنيفه، وتهدئته ومواساته. فعندما ضاق ذرعا من سلوك قريش فانه أصيب بخيبة أمل وشكوك فيما بدا له للوهلة الأولى ملاكا يعلمه قراءة الحقيقة التي تجعل الأقربون إليه اقرب بمعاني الروح والجسد والفكر. إلا أن التعنت القرشي المتربي بنفسية التجارة ومهارة المراوغة المكية قد أغلق عليه نوافذ الأبعاد السحيقة والبعيدة لأشعة الخلاص. وقد وصل به الأمر حدا من شعور اليأس نجد انعكاسه في التوبيخ العنيف القائل {ألم نشرح لك صدرك! ووضعنا عنك وزرك! الذي انقض ظهرك!} . لقد قال له وحيه الذاتي أو قراءة التحدي الهائل بعيون الإرادة المتنورة بماضيه، بأن كل ما كان هو جزء من إمكان طفيف فيما لو نظر إليه بعيون الأمل القائم في إمكانية التغيير. لاسيما وان الحقيقة المكملة لهذا التعنيف تقول أيضا، بأن {مع العسر يسر} . وأرجعه هذا التوبيخ، شأن كل قراءة إرادية للنفس، إلى مجرى التحدي العام. لكنها لم تكن الحالة الوحيدة والنهائية، وإلا لتحولت النبوة، بوصفها المهمة الكبرى لإعادة بناء الوجود، إلى مجرد نزهة صغيرة.

فالنبوة التي أججت في أعمق أعماقه نفسية وذهنية التحدي الشامل بحيث جعلته يرفض قبول كل شيء بما في ذلك الشمس والقمر ما لم يتمم الأمر، هي الوجه الآخر للسريرة المتوهجة والوجدان المرهف اللذين ميزا شخصية محمد طوال حياته. ونعثر على هذه الحالة في أوائل السور المكية عندما كانت تعتريه مشاعر العزلة القاتلة من جحود الوثنية واستهزائها المرعب به وبما يقول. كما أنها الحالة التي كانت تقضّ مضجعه نهارا وليلا وأوقات الضحى والنهار وقبيل المغيب. باختصار في كل انعطاف الظل، كما لو أنها معاناة ظله أيضا. فنرى القرآن يقسم له {والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى} ، أي أن مواجهتك لحالك ليس إهمالا لك، بقدر ما هو مصيرك الخاص. فالله لم يودعك ولم يبغضك.

لقد تحسس محمد حاله كما لو أنه مبغض من جانب إلهه! وفيها تنعكس حالة معبرة عن حدة البغض التي جابهته بها قريش، بحيث احتجبت عنه علاقة "الروح الأمين". وبدت له القضية كما لو أنها بغضاء شاملة. إلا أنها الحالة التي أرجعته أيضا إلى مجراه الطبيعي لكي يكتشف في ماضيه مستقبل الأمل النابع من تأمل حقيقة الانقلاب الهائل في صيرورته الجديدة. فقد خاطبه وحيه قائلا لم الشك في الآخرة؟! أليس هي أفضل من الأولى؟! و{لسوف يعطيك ربك فترضى} . وقد تقاسمت مراحل حياته الكبرى هذا العطاء، كما صورها الوحي في استفساراته وإجابته إياه {ألم يجدك يتيما فآوى؟! ووجدك ضالا فهدى؟! ووجدك عائلا فأغنى؟!} .

لقد قال له وحيه الذاتي، بأنك قد مررت بكل أصناف الحياة من أدناها إلى أرقاها. كما سوف نكفيك إياها في كل شيء. لكنها كفاية لا يمكن فهم حقيقتها خارج إرادة التحدي الكبرى التي ميزت محمد حالما أبدعت ذاته شخصية الوحي في أعماقه بوصفها ذاته المتلونة في أفعال الممكنات. وحالما تبلغ الإرادة مستواها التام، بمعنى تحولها من هاجس ونية وإدراك إلى تأمل فاعل، وعقل فعال، وحدس يصرخ في الكلمة والعبارة عن قدرته على مواجهة كل شيء باسم الحق، حينذاك يصبح الرفض والتحدي شعار المواجهة الأولى لكل ما يعترض مسار قدميه وحركة يديه وتأمل عقله وتذوق مزاجه وخلجات روحه الأخلاقي. وليس غريبا أن نرى تكرار لفظ "لا" و"كلا" وشيوعهما في الآيات المكية الأولى. مثل أن يواجه حالة الأيتام بقوله {كلا بل لا تكرمون اليتيم} . وأن يحدد طبيعة الانقلاب القذر في طبع الإنسان حالما يستغني بقوله {كلا إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى} ، أو أن يواجه وهم الخلود بالثروة كما في قوله {يحسب أن ماله أخلده. كلا لينبذن في الحطمة} . وأن ينفي سخف الفكرة البدائية عند من ألهاه التكاثر البهيمي كما في قوله {كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون. كلا لو تعلمون علم اليقين} . وأن يؤكد على أن الخلاف حول ما يدعو إليه أمر زائل بسبب حقيقة ما يسعى إليه كما في قوله{النبأ الذي هم فيه مختلفون. كلا سيعلمون} . فهي "لاءات" صنعته وصنعها بوصفها الحركة الحية المعبرة عن وحدة المعارضة والتحدي.

فالاعتراض الحق عادة ما يوصل المرء إلى التحدي العملي والمواجهة الفعلية. ونعثر على هذا الانتقال من الاعتراض على الأمور الجزئية والخفية إلى مواجهة الآخرين بالرؤية الكونية في صرخاته الشديدة:{يا أيها الكافرون! لا اعبد ما تعبدون! ولا أنا عابد ما عبدتم! لكم دينكم ولي ديني} . وتوجت هذه الفكرة سلسلة الرفض والتحدي، ووضعت الحد الفاصل بين المؤمن والكافر، أو الأنا والآخر بوصفها تحديا للنفس أولا وقبل كل شيء. وشأن كل معارضة وتحد شامل لابد وان يصنعان روح المجاهدة. ونعثر في هذه الفكرة على بداية ما يمكن دعوته بالتكامل الذاتي لمحمد بوصفه نبيا عمليا، كما هو جلي في مخاطبته الذاتية:{فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا} . وهو جهاد تمثل مضامين المعارضة والتحدي.

وشأن كل تحد ومعارضة كبيرين كانا مصدر المعاناة الجديد للنبي محمد. وذلك لأن أصل المعاناة الفردية الكبرى عادة ما يتغذى ويتقوى من المعارضة والتحدي الكبيرين. وقد كان ميدانها ردود وصدود العرب الوثنيين. فقد عيرّوه بكل ما أوتوا به من إمكانية. ولم يتركوا شيئا مهما كان عاديا وطبيعيا إلا ووجدوا فيه ثغرة للتشفي والاستهزاء والسخرية. فقد عيروه بالأبتر، وكان الرد {إن شانئك هو الأبتر} . وطغوا في تكذيب كل ما يقوله، فجاء الرد:{والشمس وضحاها. والقمر إذا تلاها. كذبت ثمود بطغواها} . وجعلوا من أحاديثه موضوعا للاستغراب والضحك، فجاء الرد:{أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون} . وجاهدوا من اجل جعل القرآن مادة للاستهزاء والسخرية {وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذوها هزءا} . وعملوا على إبعاد الناس عنه، وتعمدوا عدم الاستماع كما في قولهم {لا تسمعوا لهذا القرآن} . ودعوا الناس الى هجرانه العلني كما نراها في الكلمات {إذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرا} . بل نراهم يسعون إلى جعل اللغو فيه من اجل التشويش عليه وعلى أتباعه شعارا للعمل كما في قولهم{والغوا فيه لعلكم تغلبون} .

واعتبروه رجلا مخدوعا في وحيه من خلال التوكيد على أصابته بالسحر وكونه مسحورا، بل ووصفوه بالاسم كما في الآية {إن محمدا الا رجلا مسحورا} . وعندما كان يكرر أقواله وأحاديثه، فإنهم يشعرون بالسأم منها لأنها تكرار، وأنهم قد استمعوا إليها مرارا كما في قوله{وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا}. بل وصل بهم الأمر إلى أن خاطبه وحيه مرة قائلا:{ولو أنزلنا عليك كتاب في قرطاس فلمسوا بأيديهم لقال الذين كفروا "إن هذا إلا سحر مبين"} . والنتيجة كانت على الدوام واحدة - صدود دائمة وأوصاف متنوعة تجعل من كل ما جاء به النبي محمد كذبا وخداعا وزورا وبهتانا وسحرا وجنونا. وقد سجل الوحي هذه المواقف بكلمات تقول {وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا أفك قديم} . من هنا تقريرهم الصارم: {لن نؤمن بهذا القرآن، ولا بالذي بين يديه} .

لقد واجهته العرب الوثنية بمعارضة بدائية يقوم فحواها في انه{لو كان خيرا ما سبقونا إليه}. واستكملوا ذلك باستغرابهم الطبيعي والمحكوم بمعايير الجسد كما في قولهم:{أيتنزل عليه الذكر من بيننا؟} . فقد كانوا يرونه كل يوم شأنه شأنهم، فمن أين هذا الاختصاص "الإلهي" كما في قولهم {ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل ما تأكلون ويشرب ما تشربون. إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا}. من هنا مطالبتهم إياه بإنزال ملك عليهم كما في قوله {وقالوا لولا انزل عليه ملك}. ولم يكن ذلك معزولا عما يمكن دعوته بالرد الطبيعي للرؤية الطبيعية العادية والبدائية. بمعنى وقوفها عن حدود الملموس من اجل الاقتناع بفكرة المجرد. وبغض النظر عن الطابع الواقعي لهذه الفارقة، إلا أن مضمونها الفعلي وتأثيرها الوجداني يقوم في كونها جزء من نتاج المواجهة والتحدي المتبادل الذي لا يرضخ ما فيه إلا باليقين التام. الوثنية تطالبه بيقين ارضي وملموس، وهو يطالبهم بيقين الإيمان. فقد استغربت الوثنية كيف انه {جعل الآلهة إلها واحدا؟ إن هذا لشيء عجاب! ما سمعنا هذا في الملة الآخرة. إن هذا إلا اختلاق} . ووجدوا في فكرته عن المعاد والثواب غرابة لا يمكن عقلها كما في قوله {وقال الذين كفروا "هل نحدثكم عن رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} . و{يقولون إنا لمردودون في الحافرة. إذا كنا عظاما نخرة. قالوا إذا تلك لكرة خاسرة}. بينما كانت الردود على قدر الصدود:{إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون، فبأي حديث بعده يؤمنون} ، وأنه {ما جعلنا البشر من قبلك الخلد. أفأن مت فهم الخالدون؟} ، وأخيرا لا معنى لاستغرابهم بوجودك الحي بينهم شأنك شأنهم لأنه سبق وان {أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية. وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل اجل كتاب} .

وقد دفع محمد فكرة "الآية" التي طالبته بها العرب الوثنية إلى ميدان الروح والإيمان والإرادة واليقين. ومن خلالها حاول إظهار نبوته الفعلية. لكن كفاية النبوة الحقيقة ليست عصا سحرية، بل عصا الوجود الغليظة. بمعنى أنها كفاية الأمل لا العمل. من هنا مخاطبة الوحي إياه: {إنا كفيناك المستهزئين}. ويعكس هذا الأمل أولا وقبل كل شيء، يقين الإرادة المصممة على إنجاز مهماتها الكبرى.

فالمعاناة الكبرى على قدر الهموم، لكنها حالما تكوي الروح والجسد، فإنها تصنع إرادة عارمة مداها التحدي العنيد! وفي الوقت نفسه لا تفقد الروح من تأملاته، ولا الجسد من آلامه، ولا النفس من حسراتها. فقد خاطبه وحيه مرة {ولقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون}. وطمأنه في حالة أخرى قائلا {فلا يحزننك قولهم إنا نعلم بما يسّرون وما يعلنون}. وشأن كل روح مكتوية بهمومها، وجسد معرّض للاستهزاء والاستخفاف، عادة ما يؤدي مواساتهما وطمأنتهما بالمستقبل إلى استثارة القلق المتزايد.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

mutham aljanabi2قد يكون الزمن هو الوحيد القادر على أن يطوي في تياره كل ما هو عرضة للموت والزوال، لكنه يرمي لنا في نفس الوقت كل أشكال الممكنات والمفاجئات. فهو ليس فقط ما يظمئنا بل وما يروي عطشنا، ويمرض السليم بيننا ويشفي العليل منا، ويخمد الآلام ويثيرها فينا، ويسعدنا ويشقينا ويفرحنا ويبكينا ويقسو علينا ويواسينا. كما أنه سارق الذاكرة وحاميها، وصارفها وخازنها.

لكننا عادة ما ننسى ونتناسى لكي تكون ذكرياتنا وذاكرتنا اشد حدّة في تناول ما هو مستعد للحياة والبقاء والديمومة والصفاء. عندها سيكون بإمكاننا تجريد الأحداث الجسام عبر تحويلها إلى مآثر نقية. حينئذ يكون بإمكاننا النظر إليها على أنها جزء من ماضينا وتجارب أممنا. بل ونذهب ابعد من ذلك لكي نرى فيها صورة من صور التنقية الضرورية للروح. حينذاك يصبح رفع هذه المآثر إلى مصاف القدر، الصيغة الأكثر "منطقية" لرؤية مسار التاريخ وما فيه. عندها يكون بإمكاننا رؤية "حقيقة" مسارها كما لو أنها حتما وقدرا لابد منه. وحالما نرتقي إلى هذا المستوى من التجريد يصبح من "الطبيعي" أن نجعل منها لغزا محيرا أو سرا معقولا بمقدار ما فينا من قدرة على التأويل. آنذاك تصبح الفكرة والتاريخ شيئا واحدا. فالتأويل هو ملك المقدس وملكوته، كما أنه جبروت الرغبة الإنسانية في تكثيف ما تراه غاية الوجود والتاريخ. وحالما يجري تمثل هذه الحالة يتحول الزمن المفني لوجود الأشياء إلى باني الأشياء جميعها، كما يصبح المبرد الذي يسنّ حديد العمر صانع نشارة المرآة الجديدة التي نتأمل فيها حاضرنا ومستقبلنا.

وحالما تحول القرآن إلى الكتاب المقروء ليلا ونهارا في المساجد والمقاهي، والبيوت والشوارع، والمآتم والأعراس، والهجوم والفرار، والانتصار والهزيمة، فإنه يكون بذلك قد اختزل حقيقة العذاب الذي عانى منه محمد وأرهق روحه وعقله وجسده قبل أن يصبح معجزة. وهو "عذاب" التحدي المميز للشخصيات الكبرى. بحيث جعله يواجه الأبعاد الكونية له في سماع التأنيب والمؤاساة في الآية القائلة له "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"(1). فكل شيء يبرهن على أن قدر الشقاء والعذاب على قدر المواجهة وحجم ما تتحداه وتقدمه من بدائل. وقد كان التحدي الأول لمحمد يقوم في مواجهة ذاته المتسامية بهيئة تحد لقراءة ما لا يعرفه، بوصفه الدرس الذي تلقنه للمرة الأولى في مواجهة من ينطق لنا الحروف ويعلمنا قراءتها. وواجه محمد هذه الحالة للمرة الأولى في غار حراء. لكنه تهجي للحروف، وتعلم لقراءة من نوعين ومستويين آخرين.

فالمشهور والمعلوم والمسجل في القرآن أيضا عن حادثة اللقاء الأول بين محمد والملاك (جبرائيل) في غار حراء هو حالة الهلع والاندهاش، التي تحولت إلى "غيبوبة" التوجس الذاتي عما إذا كان ذلك حلما من أحلام اليقظة، أو صورة من صور الجن والجنون، أو طيفا من أطياف الخيال، أو لقاءا ربانيا سوف يرفع محمد من مجرد "رجل أمين" من رجال قريش إلى نبي مرسل للعالمين. وسوف تتهمه الأعراب والعرب جميعا بهذه الصور، وبالأخص حالما اخذوا بوصف أقواله وأفعاله بالجنون والخيال المريض والكذب والأساطير، أي بكل تلك الصفات التي عادة ما توصف بها الرجال العظام حال تحديهم للتحجر الذهني والتقاليد اليابسة لأقوامهم وأممهم.

وقد واجه محمد هذه الاتهامات المرة والمريرة بادئ الأمر بذاته ولذاته قبل أن يواجهها من جانب الآخرين. وحالما جرى تذليل عقدة الخوف والشك من صدمة اللقاء الأول بملاك "الغيب" تحول الخوف إلى شجاعة، والشك إلى يقين، واللقاء الأول إلى بداية أزلية، والكلام إلى وحي، والتساؤل إلى إجابة. لقد انقلبت الأمور كلها رأسا على عقب، بمعنى أنها أخذت تسير، شأن كل تيار جارف من الهيجان والعنفوان والتعرج، إلى حالة الهدوء والسكينة والاستقامة. وقد تكون هذه العملية الأكثر تعقيدا بالنسبة للبصر والبصيرة والعقل والفؤاد في مسعاهم الدائم للبحث عن توافق في الرؤية يرتقي إلى مستوى التوفيق في العمل.

فالإجابة البريئة في عبارته القائلة، بأنه "ليس بقارئ" والممتلئة بتساؤل اغرب مما في طلب الوحي إياه (بأن "يقرأ") كانت في جوهرها تعبيرا عن حالة الاندهاش والحيرة المعرفية التي ترفع عظماء الرجال إلى مصاف الإحساس العميق بحدّة الهلع المتسامي. من هنا وقعها الشديد في أذنه وروحه للدرجة التي تحولت كلمة واحدة إلى عنوان الوحي كله. وكان بالإمكان أن تكون كلمات أخرى تحل محلها وتبقى الحقيقة هي ذاتها. إلا أن مصيرها التاريخي سوف يكون شيئا آخر. لقد شاءت الصدفة أن تصير حقيقة، وأن تصير الحقيقة صدفة. وهو لقاء نادر التكرار، لكنه يشكل على الدوام سرّ الإبداع التاريخي العظيم، أي الإبداع الأكثر خفاء بسبب جلاءه التام. من هنا استعداده للتأويل غير المتناهي.

فقد كان الصدى الأول للوحي الذاتي يقوم في مطالبته إياه بان يقرأ. وهي العبارة التي ابتدأ بها قرآن محمد التاريخي ليتحول لاحقا إلى قرآن الكلمة الأزلية وعنوان الفكرة الأبدية. إلا أن هذه الدورة المرفوعة إلى مصاف المطلق لم تكن في بدايتها أكثر من معاناة الإرادة المتسامية في مسعاها لإدراك حقيقة المجهول. ونعثر على هذه المعاناة في العبارة المقتضبة للآيات التي تطالبه بكلمات:{اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. أقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم. كلا إن الإنسان ليطغى. إن رآه استغنى… كلا لا تطعه واسجد واقترب}(2).

إننا نقف أمام مطالبة بالقراءة أرهقت كيانه الجسدي، لكنها صنعت في الوقت نفسه كينونته الروحية. وذلك لأنها لم تكن من حيث حقيقتها التاريخية والماورائية سوى سر القراءة الأبدية للحقائق الخالدة. وشأن كل قراءة أولية تفترض تعلم تهجي حروفها. من هنا ينبغي فهم إجابته بأنه ليس بقارئ، على أنه لم يتعلم قبل ذلك تهجي حروف الوجود بالشكل الذي يمكنّه من تجاوز حدود وجوده الطبيعي الذي صنعته تقاليد العرب الوثنية. فقد طالبه ملاكه الروحي بأن يقرأ حقائق الوجود الأولى، التي تقول بأن هناك غاية سامية في الوجود ينبغي أن تكون للمرء ربا، وأنه ككل كيان مخلوق عرضة للزوال، وأن الإنسان لا يختلف عن كل موجود، وأنه{خلق من علق}(3)، بينما حقيقته صيرورة تفترض تعلمه هذه الحقائق، التي تعادل بدورها ما يكتسبه الإنسان في مجرى كشفه للمجهول. ومن ثم يفترض تعلم هذه الحقيقة محاربة الطغيان أيا كان نوعه، واستكمالها بتعلم نطق اللسان والجنان المعارض، بوصفه اقترابا من الله (الحق).

لقد واجه هنا محمد للمرة الأولى الصوت الروحي في أعماقه، الذي كشف له وهو في ظلمة حراء، أسرار الوجود والحياة. فأسرار الوجود الكبرى هي عناصر أولية بسيطة، وإن سر الطغيان في المال والغنى، وإن الموقف الحياتي الحق يفترض الاعتراض والانتفاض، كما أن استمراره هو سجود دائم أمام الحق واقتراب دائم منه. ولم تكن هذه الحقائق مجهولة على العرب، لكنها كانت مجرد أمور معلومة وليست مبادئ معقولة وعملية. وهو واقع يعادل الجهل بها. وهي فكرة تضمنتها الآية المذكورة أعلاه عندما أشارت إلى أن الله علم الإنسان ما لم يعلم. لكنه حالما يستغني فانه يستغني عن حقيقة العلم. وهو إدراك صدح في أعماق محمد عند أول مواجهة له بملاك المطلق الأخلاقي، الذي طالبه بالاعتراض والانتفاض على حالة الخروج الجاهل عن صراط الإدراك الضروري لحقائق الوجود. لقد طالبه بقراءة الحقيقة بنفس القدر الذي طالبه بحقيقة القراءة. وهي وحدة تستفز العقل والقلب والضمير وتوحدهم في إرادة فاعلة بعد أن تهدأ في يقين ذاتي. لهذا لم يجب محمد حالما سمع النداء للمرة الأولى بكلمة "علمني!"، شأن كل رجل بلغ الأربعين عاما من أعوام العرب العصيبة من حروب وتجارة وتنقل. على العكس لقد جاءت ردود فعله مغايرة للطلب! بحيث كانت اقرب ما تكون إلى رد فعل تلميذ مبتدئ، حصل على تعبيره النموذجي في (سورة المدثر). فقد ارتعد محمد وانهارت فرائصه شأن كل كيان مرهف الإحساس، حال وقوع الكلمات على أوتار روحه المتوترة في بحثها عن سكينة مثلى. لقد هلع محمد من صدى ظلمات حراء الحائرة في أعماقه. وعندما لاذ بالفرار من سماع النداء، فإنه وجد ملاذه في البحث عن غطاء جديد يقيه وقع نور الاكتشاف المحير للبصر والبصيرة. لهذا طالب خديجة بأن تغطيه بكلمات "دثريني! دثريني!". وسوف تصدح هذه الكلمة في سماعه بالآية {يا أيها المدثر!}(4). وهنا للمرة الأولى تحولت المعاناة المنطوقة في الكلمة إلى وحي. وهو تحول اقرب ما يكون إلى رجع الصدى الروحي في العقل والوجدان، كما نراه جليا في الدعوة {يا أيها المدثر! قم فأنذر! وربك فكبر}(5)..

إننا نقف هنا للمرة الأولى أمام انعطاف تاريخي هائل في عقل محمد ووجدانه. وهو انعطاف صنع منهما سبيكة حية يمكن وضعها بعبارة "القراءة المعقولة بمنطق الوجود، والروح المهموم بإرادة العمل". ذلك يعني انه اخذ يتعامل مع كل ما يواجه إرادته المهمومة بمبادئ الدعوة الجديدة ومنطق قراءتها الخاص. فعندما قال أبو لهب عنه "تبت يدا محمد" فإن الآية ردت عليه بعبارة {تبت يدا أبي لهب. وتبّ ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى نارا ذات لهب}(6). وعندما عيرّه العاص بن وائل بالأبتر، رد القرآن {إنا أعطيناك الكوثر. فصلّ لربك وأنحر. إن شانئك هو الأبتر}(7). وعندما همزه ولمزه من كان مستقويا بما لديه من المال والجاه جاء الرد {ويل لكل همزة ولمزة. الذي جمع مالا وعدده. يحسب أن ماله أخلده. كلا لينبذن في الحطمة}(8). وعندما وجد انعدام البال تجاه اليتيم، نسمعه يقول {أرأيت من يكذب بالدين. فذلك الذي يدع اليتيم}(9). وعندما وجد قومه لا يهتمون إلا بالتكاثر (الحيواني والثروة) رد قائلا {ألهتكم التكاثر. حتى زرتم المقابر. كلا سوف تعلمون}(10). مما جعل من الأحداث والشخصيات والمواقف والمجريات والهواجس والنوايا والكلمة المعلنة والمستترة، جزء من قراءة ذاتية أشبه ما تكون بقراءة النفس.(يتبع...).

 

 ميثم الجنابي

 .......................

(1) القرآن: سورة طه، الآية2.

(2) القرآن: سورة العلق، الآية 1- 9.

(3) القرآن: سورة العلق، الآية 2.

(4) القرآن: سورة المدثر، الآية 1.

(5) القرآن: سورة المدثر، الآية1-3.

(6) القرآن: سورة المسد، الآية 1-3.

(7) القرآن: سورة الكوثر، الآية1-3.

(8) القرآن: سورة الهمزة، الآية 3-4.

(9) القرآن: سورة الماعون، الآية1-2.

(10) القرآن: سورة التكاثر، الآية1-4.

 

 

mutham aljanabi2إن علاقة السلطة والمثقف عادة ما تلازم الوجود التاريخي والسياسي للأمم، بوصفها إحدى معضلاته الكبرى. وبالتالي، فإن مقدماتها في المدنية ومظاهرها المتنوعة في حضارات الأمم. ونعثر فيها أيضا على إحدى صيغ ومستويات الرقي المعرفي والأخلاقي، بمعنى انها تحتوي بقدر واحد على مصادر الفخر والإعجاب والإدانة والشماتة. وبالتالي، فإنها تؤدي رغم كل تعرجات التاريخ إلى السير ضمن قواعد الحقيقة ومنطق الرقي الأخلاقي، مع ما يترتب عليه من تأسيس ثقافي لوحدتهما المتناسقة. وبغض النظر عن الطابع المتناقض لهذه الوحدة، فإنها تسهم في إرساء أسس الصيرورة التاريخية للأنا الثقافية للأمة. وبالقدر الذي نعثر في مختلف النماذج الواقعية لعلاقة السلطة والمثقف على تاريخ وجودهما الفعلي، فإننا نكتشف فيها أيضا على إشكالية وجودها الطبيعي. فإذا كان التاريخ بالنسبة للمثقف هو بمعنى ما إشكالية السلطة، فإنه بالنسبة للسلطة إشكالية الثقافة. وفي هذه العلاقة المتناقضة ووحدتها الدائمة تتبرعم معالم الإبداع والتقليد، والنقد والتأييد، والبحث والتبرير في الثقافات الكبرى. ومنها تتكون كيانات الأمم وهوياتها الثقافية ومصائرها التاريخية.

إن إلقاء نظرة سريعة على تاريخ العلاقة بين المثقف والسلطة يكشف عن إشكالاتها الكبرى وامتدادها العريق. فهي جلية المظهر معقدة المضمون، وفيها تتكشف مختلف ألوان الخطوط المتعرجة لدهاليز الثقافة، ونوعية إبداعها، وقيمتها بالنسبة للماضي والحاضر، وأثرها بالنسبة لوعي الذات الفردي والاجتماعي، وأهميتها بالنسبة للإبداع الحر. كما أنها العلاقة الأكثر مأساوية وإثارة، بوصفها المحك الفعلي لمستوى تهذيب الإخلاص للحقيقة. وما لم يجر إدراك حدود السلطة وعدم تناهي الحقيقة، فإن العلاقة تبقى إشكالية للطرفين ومصدرا لمآس لا تنتهي.

فالثقافة سلطة أيضا. لكنها من طراز خاص. كما أنها متنوعة المستويات والـتأثير والمآثر. وإذا كانت الصيغة العامة لنماذجها "السيئة" تقوم في سيادة التقليد والجبن المقيد بالخضوع "الواعي" للقوة، فإن نقيضها المباشر يقوم في مختلف الصيغ الداعية للحق والحقيقة والعمل بموجبها.

وبغضّ النظر عن الصعوبة الملازمة لتثبيت دعائم هذه "السلطة"، إلا أن إدراك قيمتها الشاملة كان وما يزال يشكل "المثال" المؤثر والغاية المحركة لخيال وعقل المثقفين وضمائرهم. كما كانت وما تزال حافز المبدعين الذين عادة ما يواجهوا مصيرهم الفردي والتاريخي في أحضان الملوك أو سجونها، في تقريبهم من السلطة أو إبعادهم عنها. وفيها ومن خلالها تتكشف طبيعة وتعقيد العلاقة الواقعية والمثالية بين المثقف والسلطة، وكذلك في طبيعة المواقف المتبادلة بين الحقيقة والسلطة.

فإذا كانت الجاهلية العربية تجهل صراع الفكر والسلطة (السياسية)، فإنها لم تجهل سلطان الكلمة وأهميتها بالنسبة للصراع. على العكس! فقد كانت هذه القضية من الأهمية والحساسية بحيث رفعت ثقافة العرب القديمة من شأن الكلمة إلى مصاف المقدس، كما نراه على سبيل المثال في أهمية الشعر وفاعليته في العقل والوجدان ومصير الأفراد والقبائل، وكذلك في عمق وقوة الكلمات المأثورة والحكم. ثم استمرارها في سحرية الكلمة والعبارة التي جعل منها القرآن في وقت لاحق آية كبرى (إلهية ومقدسة)، بعد أن ادخلها في أفلاك الأزل والأبد بحيث جعل منها مصدر الاشتقاق الدائم للتفسير والتأويل والتفقه.

إننا نقف هنا أمام وجهين مختلفين من حيث الوظيفة الفعلية للكلمة والعبارة. لكنهما يتمثلان أولا وقبل كل شيء تقاليد الذهنية العربية بهذا الصدد. فقد كانت العرب الوثنية "تعبد" الكلمة بطريقتها الخاصة بحيث نراها تجعل الكلمة الجميلة والعبارة الأخاذة سحرا. ووضعت هذا الموقف المباشر في منظومة الإبداع الفاعل في سرّ السحر المجهول لمصدر الكلمة وكيفية تناسقها الجميل في العبارة. من هنا فكرة شيطان الشعر. تماما كما جعلت من وادي عبقر (للجن والشياطين) مصدر العبقرية. وهي فكرة لها جذورها في قوة الاندهاش التي تثيرها الكلمة الساحرة في العقل والضمير. فالعبقرية جنون أيضا. والجنون فنون (أي متنوع الصور والأشكال والمستويات). إذ لم تعن كلمة شيطان الشعر هنا سوى قوته غير العادية، أي المافوق طبيعية. ومن ثم ليس الشيطان هنا سوى تيار الوجدان العارم، شأن سيول الأمطار في جزيرة العرب ووديانها. وهي سيول تجري أيضا في دماء الصراع الحامي وشدة الأفراح المحطمة لرتابة العادة. ومن خلالهما تراكمت فكرة الخروج على المألوف. فالخروج على المألوف مقدمة المعجزة، كما ستتوصل إليه تقاليد الكلام الإسلامي في وقت لاحق. وسوف يجري وضع هذه الفكرة في تقييم عبارة القرآن بوصفها "آية" وليس شعرا. ولم يكن مقصود المعارضة بين الشعر والآية هنا سوى معارضة الهوى بالوحي، والظن باليقين. فقد ادخل هذا الفارق الجوهري على سحرية العبارة، من خلال إرجاعها الى الله باعتباره العقل الكليّ والحكمة المطلقة، على عكس قوة العبارة القديمة باعتبارها هوى عارما وجنونا شيطانيا. وحالما جرى تذليل هذه الخلاف بعد سيادة واستتباب الفكرة الإسلامية في الموقف من مختلف مظاهر الوجود، حينذاك أصبح من الممكن قبول تراث القدماء "الجاهلي" بمعايير جديدة قادرة على دمجه في منظومة القيم الإسلامية ومفاهيمها الكلية. من هنا القبول بعبارة الحديث (النبوي) القائلة (إن من البيان لسحرا). بمعنى بلوغ حالة التوليف الثقافي لتقاليد البلاغة العربية وقيمتها بالنسبة للذهنية المجردة وذوقها الجمالي المسحور بقوة الكلمة الجميلة وبلاغتها الآسرة.

ولم يكن ذلك معزولا في العصر الجاهلي عن تأثير سلطة الانتماء للقبيلة. فقد كانت الجاهلية تتطابق مع سلطة القيم القبلية والإخلاص لها. ومنهما كانت تتراكم في الأقوال والأعمال والصور والرموز معاني الانتماء، الذي كان يحدد بدوره السلطة الخفية التي تمحورت حولها ثقافة الجاهلية. لكنها لم تكن سلطة القهر والإجبار، بقدر ما كانت سلطة التجبر والانجرار وراء قوة الانتماء القبلي وشروط تأثيره في القول والعمل. فالجاهلية لم تعرف ثقافة السلطة السياسية (الدولتية)، ومن  ثم لم يعرف الشاعر (مبدعها وصاحب أفكارها) من تناقض المواقف وانفصام الرؤية. لقد كان قوله فعله، وفعله قوله. من هنا كانت سلطة الحقيقة وحقيقة السلطة في تطابق تام مع شعور الانتماء للذات. والذات هي القبيلة. من هنا الإخلاص لها في كل شيء. ومن هنا أيضا قيمة إبداعهم العظيم في الشعر والقول المأثور. لكنه إخلاص لا يخلص للحق المجرد، بل للحق الجزئي القبلي الضيق. من هنا قوة اللسان والبيان. وذلك لأن منطق لسانه وسحر بيانه يقوم في مدح النفس وهجاء الأعداء. وقد كان هذا المنطق يتطابق أحيانا مع الحقيقة ويخالفها في أحيان أخرى. من هنا جاهليته، بمعنى جهله الحقيقة المجردة والحق والمجرد. وهي نتيجة حددها انتصار الإسلام وانبساط سيطرته شبه التامة على كينونة العرب التاريخية وصيرورتهم الثقافية الجديدة. بمعنى نقلهم من لغة البيان في التعامل مع النفس والآخرين إلى لغة الإيمان بالمقدس، أي المتسامي في الصورة والمعنى.

وتجدر الإشارة هنا إلى إنني استعمل هذا المصطلح بمعنى بسط وانتشار السيادة الإسلامية (الظاهرية) وانبساطها، أي ارتياحها الروحي وانتعاشها الباطني. بعبارة أخرى، انه يحتوي على وحدة الظاهر والباطن التاريخية الثقافية. فقد تمثلت هذه الوحدة مرجعية التوحيد الإسلامي. ووجدت تعبيرها وانعكاسها التاريخي المتراكم في تجارب الأمة الجديدة من خلال صيرورة الثقافة وكينونتها الكونية (العالمية)، بوصفها ثقافة شاملة لها مرجعياتها الخاصة والأصيلة.

وهو انتقال نقل علاقة أشياخهم وشعرائهم وأبطالهم (مثقفيهم) تجاه سلطة القبيلة والعرف والتقليد والحق الجاهلي إلى مصاف ساهمت في تأسيس رؤية وأسلوب جديدين في علاقة المثقف والسلطة. أما الأسس الجديدة لهذه العلاقة فقد وضعها الوحي النبوي لمحمد عبر تكوين ما يمكن دعوته بمرجعية القرآن ومبدأ الثقافة والبيان. (يتبع....)

***

 

 

mutham aljanabi2 (الى فارس، الذي لم أر في حياتي أكثر فروسية منه)

لقد مر قرن من الزمن على احداث الثورة البلشفية في روسيا، وما ترتب عليها من آثار ومآثر وانجازات وهزائم، الا انها مازالت تشتعل وتخفت في الضمير والعقل اليساري بشكل عام والشيوعي بكل خاص. فقد كان الانقلاب البلشفي هائلا من حيث اثره وصداه ومجريات القرن العشرين ككل، الا انها اخذت في الزوال والتلاشي. والعودة اليها، بما في ذلك في مجال الفكر النظري والسياسي، من وجهة نظري،لا يتعدى العبرة التاريخية فقط لما فيها وما آلت اليه. فهي غير قابلة للاصلاح والتجديد والانبعاث، شأن كل ما يموت. والشيئ الوحيد المتبقي هو وهج الروح الثوري واليساري. وهذا لا يكفي لتأمل المستقبل.

ان المصطلحات الكبرى تعكس كبر الظاهرة وأثرها ولحد ما طابعها الدرامي. وفيما يخص ثورة أكتوبر، فأنها بدأت بعنوان الانقلاب البلشفي لارتباطه بدور البلاشفة فيها، ثم ثورة أكتوبر لتمييزها عن ثورة شباط من نفس العام، ثم ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى بعد ان تحول الاتحاد السوفيتي إلى قوة عظمى في مواجهة النظام الرأسمالي والامبريالية الأوربية والأمريكية.

فقد كانت بدايتها ونهايتها مثيرة للدهشة السياسية والفكرية والفلسفية، لكن وهجها الأيديولوجي ما زال مستمرا رغم خفوته الكبير. فمن حيث أثرها التاريخي تشبه الثورة الفرنسية الكبرى وتضاهيها من حيث وهجها السياسي. ولكل منهما مساره وخاتمته، ومن ثم أثره التاريخي. وفي كل منهما إشكاليات لا تحصى. وقد تكون ثورة أكتوبر ونهايتها إحدى اشد الإشكاليات تعقيدا للقرن العشرين، حيث ما زلنا نلمس أثرها السلبي والايجابي على النطاق العالمي لحد الآن. أما بالنسبة لروسيا فهي جزء من تجربتها التاريخية التي لم تحسم فيها لحد الآن لا قضية الانتماء القومي الثقافي ولا طبيعة النظام السياسي. وهذه قضية عانى ويعاني منها الفكر الفلسفي والسياسي الروسي منذ زمن ظهور كتاب (روسيا وأوربا) لدانيليفسكي عام 1871 ومرورا بصعود التيار السلافي والفلسفة الدينية الروسية والفكرة الاوروآسيوية ولحد الآن.

وسوف اكتفي هنا بتحليل فكرة الثورة والإصلاح في روسيا، باعتبارها القضية الجوهرية في المسار التاريخي لثورة أكتوبر والعقدة التي لم تحلها روسيا على امتداد تاريخها الحديث.

اشكالية الثورة والاصلاح

عندما تبلغ الثقافة قناعتها الخاصة عن المثال، فان ذلك يفترض معاناتها إياه في العلم والعمل. وهي معاناة تبدع  تصوراتها عن الواجب أو عما ينبغي القيام به، ويستحيل بلوغه دون النزعة الانتقادية للفكر ودون فرضياته الكبرى.

إذا كان الفكر الروسي المتمثل لقيم المثال الأسمى قد بلغ قناعته الخاصة عن ضرورة الثورة بالنسبة للإصلاح، فان نزعته الانتقادية اللاذعة تجاه الواقع وفرضياته الكبرى عن الواجب بقت في الأغلب أسيرة المواجهات الفردية والجزئية مع النظام القائم. فالفكر الروسي لم يرتفع في نقده وفرضياته إلى مستوى الرؤية المنظومية، ولم يستطع بلورة وصياغة فلسفته السياسية. وهو السر القائم وراء الاندفاعة المتحمسة للفكر الديمقراطي الثوري صوب الهيغلية اليسارية أولا والماركسية لاحقا. بحيث جعل لينين يتكلم في وقت لاحق عن المعاناة الروسية في  انتظارها للماركسية. لم يقصد العثور المفاجئ عليها كما لو أنها الهبة المرسلة من سماء التاريخ الأوربي إلى أراضي روسيا الشاسعة، بقدر ما كان يعني استجابة الماركسية للعناصر النقدية والفرضيات المتراكمة في التاريخ الروسي بشكل عام والثوري الديمقراطي منه بشكل خاص. وليس مصادفة أن يتكلم لينين أحيانا عن "المصير التاريخي" للماركسية في روسيا.

لم تعن مطابقته بين معاناة الوعي الثوري الروسي في بحثه عن "مرشد عمل" وبين العثور عليه في الماركسية سوى إدراك قيمة الماركسية بالنسبة للحرية  الاجتماعية الحقيقية. فقد كانت الحرية معضلة روسيا القيصرية ومعضلة الماركسية أيضا، بمعنى انعدامها في الأولى و"غائيتها" في الثانية. وهي فكرة أكد عليها لينين منذ بواكير أعماله النظرية ونشاطه السياسي. فهو يشير في إحدى مقالاته إلى أن روسيا المتحررة من الاضطهاد الطبقي والقومي هي مقدمة تحرير أوربا نفسها من رجعيتها وحروبها الدائمة.

ومن الممكن القول بان الوعي الروسي الثوري قد تمرس في قبوله نتاجات الفلسفة "الكلاسيكية الألمانية" ابتدأ من كانط وانتهاء بفيورباخ  مرورا بهيغل. وبما أن المنطق الهيغلي يفترض بلوغ ملكوت الحرية في مجرى تعمق وعي الذات،  فقد اصبح  من الممكن إنزال هذا الملكوت إلى أرض الصراع الطبقي المباشر وإعلانه أسلوبا لبلوغ الحرية الحقيقية. وهذه الفكرة التي شكلت عصب الصيرورة الماركسية وروحها الفعال ابتداء من إشكاليات الاغتراب والفعل حتى حتمية الانتقال إلى الشيوعية وضمور السلطة القهرية (أو الدولة بالمعنى التقليدي للكلمة). بهذا المعنى كان "اكتشاف" الماركسية في مجرى المعاناة الثورية الروسية النتاج "الطبيعي" لالتقاء الجهود العلمية (النظرية) والعملية الروسية في البحث عن النموذج الواقعي والمثالي للحرية.

إن "اكتشاف" الماركسية في روسيا كان يعني بناء صيغتها الروسية. فالماركسية الروسية لم تكن تقليدا أجوف ولا معاناة مغامرة، بل نموا تلقائيا للوعي الثوري الروسي في سعيه للتحرر من القهر والاضطهاد القيصري. من هنا فان تحسس وإدراك الالتقاء التاريخي والروحي بين الماركسية والديمقراطية الثورية يخدم  مزاج الرؤية الثورية في بحثها عن "عقيدة الخلاص" وتأسيسها النظري السياسي لتفعيل هذه العقيدة في "الروح الجماعي" الروسي.

لهذا لم  يجد لينين في الماركسية "عقيدة خلاص"، بل "مرشد عمل". وهو تباين يتجاوز حد العبارة إلى أسلوب الرؤية والفعل. من هنا تشديده في بواكير أعماله النظرية، على انه لا يوجد ماركسي في روسيا يشترط إلزامية الرأسمالية فيها لأنها موجودة  في الغرب، او  يرى  في آراء ماركس مخططا فلسفيا - تاريخيا ملزما للجميع، او اكثر من نظرية تخدم مواقف الاشتراكية الديمقراطية ورؤيتها للواقع التاريخي الروسي. لان الجوهري هو كيفية تطبيق آراء ماركس في الواقع الروسي. وذلك ما جعل لينين يشدد على أن شروط الإبداع الفكري والسياسي للمثقفين الروس يكمن في بحثهم الجاد والمتعمق في روسيا الواقعية لا روسيا المرغوب فيها، روسيا الواقعية لا المثالية.  ذلك  يعني أن الجوهري في الماركسية ليس خطتها المجردة ولا حتى أحكامها الملموسة، بل منطقها وماهيتها (العلم والديالكتيك). ولا تعني هذه الأفكار في مضمونها التاريخي سوى المساهمة النظرية في تعميق الرؤية الثورية  للتراث الديمقراطي الروسي من خلال تفعيل نقدية الماركسية وفرضياتها المنظومية.  فقد استجابت الماركسية كنظرية وحّدت في ذاتها النزعة النقدية والفرضية المنظومية، لنزوع الديمقراطية الثورية الروسية في بحثها التاريخي عن الحلقة المكملة لسلسلة فلسفتها السياسية.  لهذا جعل لينين من شرط الإبداع النظري الثوري الروسي سبيله إلى دراسة الأشكال الواقعية الاجتماعية الاقتصادية كاشفا حتمية الاستغلال ومآسيه في ظل سيادة الرأسمالية، وكذلك تفعيل الرؤية العملية الكفاحية.

إن انتظار الماركسية كان يعني أيضا استعداد روسيا المادي والروحي لتأسيس رؤيتها التاريخية والسياسية عن ضرورة البديل الاجتماعي الشامل. لهذا كان ارتقاء الديمقراطية الثورية صوب الاشتراكية الديمقراطية نتيجة لازمة لنضوج الوعي التاريخي الثوري، لا نتيجة للأهواء العابرة.  بمعنى تصّير الديمقراطي الثوري  ديمقراطيا اشتراكيا، وأن تكون ثوريا يعني أن تكون اشتراكيا. وهو ادراك استعاد تقاليد الثورية الروسية بالشكل الذي جعل من تفعيلها السياسي في نهاية القرن التاسع عشر- بداية القرن العشرين، المهمة الأولى للاشتراكية الديمقراطية.  من هنا توكيد لينين على أن الماركسيين الروس بالاختلاف عن اشتراكيي الماضي لم يكتفوا بالإشارة إلى واقع الاستغلال، بل وحاولوا تفسيره، ولم يقفوا عند هذا الحد بل واكتشفوا الطبقة التي يمكن أن يوجهوا اهتمامهم إليها من اجل تثوير وعيها الذاتي لقيادة التحولات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية الشاملة. وهي المهمة التي استلزمت في ظروف روسيا، كما يقول لينين، تحويل الطبقة العاملة إلى ممثل للفئات المستضعفة عبر رفع  نضالها من حضيض الفتن وردود الأفعال الجزئية إلى مستوى النشاط السياسي المنظم، باعتبارها المهمة الأساسية للاشتراكية الديمقراطية الروسية.  وأن بلوغ الحركة الاشتراكية الديمقراطية في رؤيتها النظرية والسياسية درجة تمثيلها للمصالح الجذرية للطبقة العاملة والكادحين هو الذي يمنحها إمكانية السير صوب الثورة الاشتراكية، كما هو جلي في كتابه (ما العمل؟).

مّثل كتاب لينين (ما العمل؟) من الناحية الرمزية انتقالا صريحا من تاريخ الفتن وردود الأفعال الديمقراطية المتحمسة إلى نظام الرؤية السياسية. أي الانتقال  من تذبذب "النفس الروسية"  بين "من المذنب" و"ما العمل؟" إلى وحدتهما الفعالة بالنسبة لتفسير الواقع وتغييره.  فقد كان (ما العمل؟) اللينيني الاستكمال السياسي للروح الأدبي (الديمقراطي الثوري) المتجمع في غضون قرن كامل من المعاناة الحقيقية في مختلف ميادين الصراع والإبداع. وأشار لينين في (ما العمل؟) إلى روسيا الظلامية،القمعية، الرجعية، المتخلفة نهاية القرن التاسع عشر. وهي المرحلة التي استنفدت فيها الديمقراطية الثورية رصيدها الخطابي. مما جعل من تغلغل الماركسية في الأدب الثوري والنظري العلمي، الظاهرة الأكثر  شيوعا وانتشارا. وأشار أيضا إلى أن الكتاب الماركسي أصبح الأكثر نفوقا في روسيا، والنظرية الماركسية أصبحت الأكثر انتشارا بين الخواص والعوام (النخبة والجماهير).

واصبح من الممكن الحديث عن ماركسية علنية وماركسية اقتصادية وماركسية مبتذلة وماركسية انتهازية وماركسية تحريفية وغيرها. إذ أنها أصبحت الكيان الجامع لتجليات السياسة المتنوعة في مراحل الصراع الحادة. وكشفت بذلك عن أن رواجها لم يكن صدفة بقدر ما كان استجابة للكل الثوري المتبلور في تنوع المدارس والفرق والمذاهب والعقائد والأحزاب والجمعيات في روسيا ما قبل الثورة.

أما الوحدة المتناقضة لرواج الماركسية وتنوعها، ضرورتها في مساعي الحرية و"انحرافاتها" العديدة، فأنها تعكس إشكالية البحث عن النماذج الواقعية للبديل الإصلاحي الشامل. وقد أصاب لينين عندما أكد على أن المبادئ التحررية للماركسية وبراهينها العلمية على ضرورة تصفية الاستغلال، كخطوة لبلوغ الحرية الإنسانية هي التي جعلت من خطواتها في كل مجال ميدانا للمعارك. ولم يكن ذلك ناتجا عن ضغط الرؤية المتبلورة في مجرى قرن من المعاناة الروسية في البحث عن المثال والواجب فحسب، بل وبفعل الانتقال التاريخي للديمقراطية الثورية نفسها إلى مصاف الاشتراكية الديمقراطية.  لقد قادت هذه العملية إلى تكون التيار الثوري الاشتراكي بوصفه توليفا روسيا لتقاليد الديمقراطية الثورية والاشتراكية الديمقراطية، ومن ثم تحول الاشتراكية الديمقراطية (الروسية) إلى الممثل الأكثر تجانسا للحركة الديمقراطية الروسية ككل.

إن مطابقة الثوري مع الاشتراكي، والاشتراكي مع الثوري جعلت من تيارات "الإصلاحية" الأخرى، بنظر الاشتراكية الديمقراطية الروسية (البلشفية منها بالأخص)، مجرد حركات ليبرالية برجوازية نشأت على أطراف التيار الأصيل للحركة التقدمية الروسية.  مما حدد حتمية الصراع معها، وميز التاريخ السياسي الروسي حتى الثورة، عبر صراع الاشتراكية الديمقراطية مع التيار الليبرالي.

وإذا كان هذا الصراع السياسي قد اتخذ في بداية الأمر صيغة الصراع النظري مع "الماركسية العلنية" ثم الشعبية ثم "الاقتصادية" و"التحريفية" و"الانتهازية" وغيرها، فانه أدى في ميدان الفعل السياسي إلى تركزه في مجال التعارض التام بين الرؤية الثورية والرؤية الليبرالية البرجوازية في المواقف من إصلاح روسيا. وهو صراع اتخذ في بداية الأمر صيغة "تنقية" الرؤية الماركسية نفسها والحفاظ على ثوريتها. وافلح هذا الصراع في غضون ثلاثة عقود (قبل الثورة) على تذليل مختلف الماركسيات العلنية والتحريفية والانتهازية، التي كانت تهدف إلى البقاء في حيز الجزئية (كالماركسية العلنية) وتمييع فكرة الصراع الطبقي (كالتحريفية الكاوتسكية) وإلغاء جوهرية الهدف النهائي (كالانتهازية البرنشتينية). وهو صراع أدى إلى  بلورت البلشفية، باعتبارها التيار الأكثر تجانسا مع السياسة الثورية في رؤية الوسائل والغايات.

فالصراع مع الماركسية العلنية والكاوتسكية أدى إلى دمج الفكرة القائلة بجوهرية الصراع الطبقي وشمولها العقائدي في المواقف السياسية والآراء النظرية لكل جوانب الوجود الاجتماعي.  في حين أدى الصراع مع البرنشتينية وأفكارها عن جوهرية الحركة لا الهدف النهائي، إلى توكيد وحدة الحركة والغاية. إذ لا يعني إهمال الهدف سوى الإرجاء الدائم للاشتراكية. بينما لا طريق (أو وسيلة) إلى الاشتراكية إلا بالصراع الطبقي، الذي يفترض  ضرورة الثورة. وهي الحصيلة التي حالما جرى تثبيتها في المبادئ الكبرى للبلشفية ( باعتبارها التيار الديمقراطي الاشتراكي الروسي الأكثر فاعلية قبل الثورة) ، فأنها أدت إلى تركيز مواجهاتها السياسية الفكرية ضد التيارات البرجوازية بشكل عام والليبرالية منها بالأخص.

وليس مصادفة أن يرى لينين في التيارات التحريفية والانتهازية في الحركة الاشتراكية الديمقراطية (الأوربية والروسية) تعبيرا عن "أثر ومآثر" الليبرالية البرجوازية. وهذا ما جعله يشدد على أن تاريخ الماركسية بشكل عام (وفي روسيا بشكل خاص) هو تاريخ الصراع ضد الليبرالية البرجوازية في طروحاتها المتنوعة الهادفة إلى تمييع الصراع الطبقي وإلغاء ضرورة الثورة. لان ما تجتمع عليه الاتجاهات الليبرالية هو تنظيرها وعملها الهادف إلى عزل مفاهيم وممارسات الديمقراطية والاقتراع العام وإرادة الأغلبية والدولة عن مفهوم الطبقات والطبقية.

بينما كان مثال الديمقراطية الثورية الروسية والاشتراكية الديمقراطية هو التغيير الشامل للنظام القائم (القيصري). وهي الفكرة التي وضعها لينين في أبحاثه وبراهينه العديدة، حتى في فكرته القائلة بان المرء لا يمكنه أن يكون ثوريا ديمقراطيا في القرن العشرين، في حالة خوفه من السير صوب الاشتراكية. وقد حددت هذه النتيجة الموقف النهائي من تاريخ الإصلاحيات السابقة ككل.

وضعت الماركسية البلشفية فكرة الإصلاح ضمن مفاهيم الثورة، وجعلت من الثورة القابلة الضرورية للتاريخ، والقوة التي ينبغي أن تتخطى عقبات التاريخ الواقعي بنقله إلى أسلوب جديد في الملكية يحدد بدوره مضمون التحولات الاجتماعية - الاقتصادية والسياسية والثقافية ككل. ذلك يعني، أن الإصلاح الحق حسب نظر البلشفية هو الإصلاح الشامل، الذي يفترض مشروعية الثورة باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على أنسنة العلاقات الاجتماعية بالقضاء على الاستغلال الطبقي، وبلوغ ملكوت الحرية.

غير أن بلوغ الحرية الحقيقية والبقاء في إمكاناتها ليس تقنينا شبيها بما في الطوباويات القديمة وتخطيطاتها الشكلانية، بل هو الذروة التي يفترضها "منطق" التاريخ وتناقضات قواه المنتجة وعلاقاته الإنتاجية. بهذا المعنى فان الثورة إصلاح، كما أن الإصلاح ثورة. أما توليفهما العملي فيمكن أن يتخذ أشكالا يصعب حصرها مسبقا، مما فسح المجال أمام اللينينية لان تصوغ نظريا إمكانية الثورة السلمية والعنفية،  باعتبار أن ذلك لا يمس من حيث الجوهر إلا الأسلوب فقط. وإذا كان للأسلوب أثر في كيفية تفتح القوى الكامنة في الثورة، فان ذلك مرهون "بصدف" التاريخ وكيفية تجمع عقده المتناقضة لا بالرغبة الجامحة في كسر طوق التاريخ بالعبور إلى ما وراءه. إذ لم تعن الفكرة الماركسية عن تذليل التاريخ سوى القضاء على مقدمات صراعاته المقيدة بالملكية الخاصة. ومن ثم ليس "التاريخ الحقيقي" سوى الإمكانية اللامحدودة في الحرية.

الماركسية الينينة - الثورة والاصلاح

لقد شكلت فكرة التاريخ الحقيقي والحرية المتراكمة في الرؤية الماركسية منذ إرهاصاتها الفلسفية الأولى مرورا بالبيان الشيوعي وانتهاء بالرأسمال، المقدمة النظرية الكامنة للثورة الشاملة باعتبارها إصلاحا، وللإصلاح باعتباره ثورة دائمة. وإذا كانت الثورة الشاملة قد اتخذت في بادئ الأمر صيغة الثورة العالمية، بينما اتخذت الثورة الدائمة صيغة الفعل المتوجه صوب "التاريخ الحقيقي"، فان التجسيد العملي لهذه الأفكار في البلشفية لم يكن تحجيما لها بقدر ما كان استجابة واقعية لما في التقاليد الثورية للاشتراكية الديمقراطية (الأوربية) بشكل عام والروسية منها بالأخص. فالجوهري بالنسبة للينينية ليس الصيغة النظرية الدقيقة للماركسية، بل فرضياتها الكبرى واحتمالاتها المتجددة.  مما أعطى للينينية مرونة عملية هائلة وأبقاها في نفس الوقت ضمن حيز الاستيعاب الثوري للتقاليد الروسية. لهذا واجهت اللينينية إمكانية الانتقال إلى الاشتراكية عن طريق السلم والعنف. فالسلم والعنف بالنسبة لها مجرد أشكال ومظاهر للثورة بوصفها تحولا شاملا للوجود الاجتماعي السياسي والاقتصادي للامة.  فقد نظرت اللينينية إلى الثورة نظرتها إلى أسلوب ضروري للتسريع في بناء المجتمع الإنساني دون انتظار "حتميته" المتراكمة في الحاضر والمستقبل. ولم يكن ذلك تقديما للإرادية أو سقوطا في أحضانها أو انهماكا بالمستقبلية واستعجال آفاقها. على العكس! لقد كان ذلك إدراكا خاصا للعلاقة الواقعية والواجبة بين الحرية والضرورة، الواقع والمثال، وتحديد النسبة "المتذبذبة" لهذه العلاقة في الفعل السياسي. وهو الأمر الذي جعل اللينينية "ماركسية القرن العشرين". بمعنى تحويلها الروح الثوري للماركسية إلى روح الثورة الروسية. بصيغة أخرى، أنها وضعت الروح الثوري للماركسية في ثورية الفعل، وتركت للعقائديين مهمة الجدل حول ما إذا كان ذلك انحرافا أو ابتعادا أو تمثلا لحقائق الماركسية ومبادئها. كما مارست ذلك تجاه من بدا لها منحرفا أو مبتعدا أو مبتذلا لحقائق الماركسية ومبادئها. وقد كان ذلك جدلا له صداه وأثره التاريخي والمعنوي حتى في الموقف من ماهية الثورة والإصلاح في روسيا القرن العشرين.

إذا كانت الحصيلة الفكرية لتجارب الحركات الثورية في روسيا قد أدت إلى مطابقة الثوري الديمقراطي مع الاشتراكي الثوري، فان تجسيدها السياسي اتخذ صيغة المطابقة بين الثورة والإصلاح، وإعلان "الإصلاح الثوري" أسلوبا للإصلاح. لهذا كان بإمكان لينين في جدله مع التيارات المختلفة حول ضرورة الثورة ألا ينطلق من معايير وقيم الإدراك المتسامي للإصلاح الشامل والثورة فحسب، بل ومن تحليله لطبيعة التحولات الاجتماعية - اقتصادية على النطاق العالمي والروسي. فالإمبريالية لم تعد مجرد "درجة عليا" في التطور الرأسمالي العالمي، بل ومقدمة "لكسرها في اضعف حلقاتها".  وهي الرؤية التي لم تتحدد بالتخطيط المنطقي المجرد لفلسفة التاريخ الماركسية عن التشكيلات الاجتماعية - الاقتصادية، بل حددها روح الثورة واصلاحيته الشاملة.  لهذا وجد لينين في الفكرة القائلة بعدم استعداد روسيا للانتقال إلى الاشتراكية نتيجة ضعف مستوى تطورها الثقافي مجرد حذلقة مثقفين لا قيمة عملية لها في إطار الرؤية التاريخية ومهمات الانتقال الثوري إلى الاشتراكية.  فالجوهري بالنسبة للينين هنا ليس "مستوى التطور الثقافي"(الذي يصعب تحديد حده وحقيقته)، بل أداة التحول. لهذا وجد في السلطة السوفيتية ضمانة "المستوى الثقافي"، أو القوة (والوسيلة) القادرة على التعويض عن نقص المستوى الثقافي في بناء النظام الاشتراكي.

لم يعن ذلك، بالنسبة لقضية الثورة والإصلاح، سوى أن أولوية السياسة هي أولوية الإدراك العملي لحل إشكالية النظام والحرية،  باعتبارها الإشكالية "الخالدة" للوجود الاجتماعي - السياسي للأمم.  أما الصيغة الثورية لهذا الحل فهي النتيجة الملازمة لنشوء علاقة الحرية والنظام.  ومن ثم  فان الضمانة المفترضة في السلطة السوفيتية هي ضمانة النظام (السلطة) والحرية (السوفيتات).  وهي الرؤية التي حددت قيمة الثورة الاشتراكية وجعلت منها في نفس الوقت المقدمة اللازمة للإصلاح الشامل في الاقتصاد والاجتماع والثقافة.

لقد تضمن الإقرار بأولوية السياسة بالنسبة للإصلاح الشامل دمج تقاليد الثورية الديمقراطية والاشتراكية الروسية في رؤيتهما لمسألة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية.  من هنا قيمة "العنف الثوري" و"الإرهاب الأحمر" و"شيوعية الحرب"،  وكل ما كان بخدم بناء وحدة الحرية والنظام بمعايير الثورية الاشتراكية. ولا يغير من ذلك مساوماتها العديدة (كالسياسة الاقتصادية الجديدة وصلح بريست وغيرها). على العكس، أن ذلك يكشف عن المرونة العملية في استيعاب الأولويات السياسية في نظام الرؤية الثورية نفسها. إذ لم يجر وضع أولوية السياسة في متطلبات الاقتصاد والاجتماع، بقدر ما جرى تحويرها بالشكل الذي يخدم الأهداف القريبة والبعيدة للدولة. وتكشّف ذلك للمرة الأولى بعد الحرب الأهلية (1922) عن الإمكانيات الواقعية والأساليب العملية للبناء الاشتراكي. فالفرضيات التجريبية للبناء الاشتراكي تكشف عن أن أولوية السياسة لم تعد جزءا من استمرارية الثورة فقط، بل ومن كيفية الإصلاح الثوري الشامل أيضا. وهو الأمر الذي حدد مجرى  الصراع الفكري والسياسي منذ بدء تجارب البناء السوفيتي، وبالأخص الصراع بين التروتسكية وتصوراتها عن "الثورة الدائمة" والستالينية وتصوراتها عن "بناء الاشتراكية في بلد واحد".

كانت الستالينية بهذا الصدد استمرارا للرؤية اللينينية، حاولت تطبيق استنتاجاتها النظرية في ميدان البناء الاشتراكي. فإذا كانت الفكرة اللينينية عن إمكانية انتصار الثورة الاشتراكية في بلد واحد تتضمن كسر فكرة الحتمية والعالمية(أي اقترابها من  واقعية الرؤية الثورية الكامنة في الماركسية، أو بصورة أدق تذليل عاطفية الرؤية الحالمة لا منطق التحليل النظري المجرد)، فان تطبيقها الستاليني في ظروف الاتحاد السوفيتي ما بعد الحرب الأهلية هو الاستمرار الأكثر حدة  في استيعابه لقيم الإرادة والعزم، أو  ضمانة السلطة السوفيتية في إنهاض البلاد وإصلاحها الثوري الشامل.

وقد حسم هذا الصراع لصالح الستالينية بفعل ضمانة أو  ثبات المقدمات التي رافقت انتصار الثورة ونتائج الحرب الأهلية. عندها اصبح من الضروري دفع "تصفية" بقايا الحرب الأهلية إلى نتيجتها النهائية في الاقتصاد (من خلال مصادرة الملكيات الخاصة ونظام الجمعيات الزراعية)، وفي السياسة (من خلال بناء مركزية الدولة وآليتها الشاملة)، وفي الثقافة (من خلال فرض أيديولوجية الحزب والدولة). وهي المهمات التي كان يصعب تنفيذها دون بناء الأسس المادية والتكنيكية، مما حدد بدوره أولوية التصنيع الثقيل والزراعة الموسعة، أو كل ما كان يخدم مركزة الدولة الواحدة والسلطة الواحدة والأيديولوجية الواحدة والثقافة الواحدة والاقتصاد الواحد واللغة الواحدة والحزب الواحد والوطن الواحد والشعب الواحد.

وأدى هذا الاستعجال التوحيدي إلى إعلان البعض ظهور الكيان القومي السوفيتي أو "القومية السوفيتية". وبغض النظر عن البواعث الإنسانية العميقة وراء هذه الصياغة فأنها كانت التعبير المباشر عن استيعاب وترميم الصيغة النظرية المجردة لثنوية الشكل والمضمون (قومية الشكل اشتراكية المضمون). إن مد المضمون الاشتراكي على كافة نواحي الحياة جعل من الممكن احتواء القومية أيضا. وهي صيغة ايديولوجية استجابت في "تنظيرها" للروح البيروقراطي في تنظيمه للوجود الاجتماعي. فكان ذلك أحد الأسباب الأساسية وراء "اغتراب" القوميات في الاتحاد السوفيتي واستغلال فكرة القومية لاحقا بما في ذلك من  قبل "قادتها الامميين". هذا "الارتداد" لم تحدده  في حالات عديدة سوء التجربة السوفيتية في ميدان المسألة القومية، بل ارتجالية "الإصلاح الغورباتشوفي"، وتنامي عناصر الرذيلة السياسية والأخلاقية التي شكلت في كلها "منظومة الخيانة" وإفرازاتها الدائمة في تبرير المجرمين وتجريم الأبرياء،  وتجميل القبيح وتقبيح الجميل.

لم تكن هذه الواحدية نتاجا لازما للماركسية، ولا للنموذج اللينيني (البلشفي) للماركسية. وإنما نشأت في مجرى الصراعات السياسية ما قبل ثورة شباط (1917) وبعدها، وفي مجرى أحداث ثورة أكتوبر (1917) وفعل نتائج الحرب الأهلية. وترتب على هذه الأحداث عنفوان "الرؤية الطبقية" التي حاولت تأسيس كل الأشكال المعقولة واللامعقولة في ما يخص تنظيم الوجود الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للدولة بقومياتها وشعوبها المتنوعة. وهو تأسيس خدم في برامجه العملية وغاياته المعلنة أسلوب "التحدي التاريخي" و"السباق التاريخي" مع الرأسمالية العالمية وقواها الداخلية والخارجية. وذلك ما أغرى الرؤية السوفيتية بتصفية وتنقيه وجودها الذاتي في كافة نواحي الحياة و"توحيد" الاتحاد السوفيتي بالشكل الذي يمكنه من تحدي الحصار الخارجي وتمتين بنيته الداخلية. واستثار ذلك حمية الجماهير وقدرة الشيوعيين التنظيمية لدرجة أفلحت في بناء صرح الوحدة الصلبة للدولة ومؤسساتها، والمجتمع وفئاته (وقومياته أيضا)، والحزب في تنظيماته، بحيث تنامت فيه وترّسخت آلية مستقلة، تحولت شأن كل آلية مستقلة بذاتها إلى "الاستكبار والتجبر" على شروط وجودها الأولى. وهذه الآلية خلقت الستالينية وساهمت في بناء صرحها البيروقراطي، مما أدى تاريخيا (في الاقتصاد والسياسة والثقافة) إلى فقدان حدود الاعتدال، وافرغ الثورية اللينينية من مضمونها الأخلاقي والإصلاحي فتراكمت عناصر المركزية والإدارية البيروقراطية (الحزبية وغير الحزبية) في الدولة.

وأدت الحصيلة النهائية لهذه العملية التاريخية إلى تحول "التطرف" (الفردي والإرادي) إلى أسلوب امثل للممارسة، وبالأخص بعد إن جرى شحن هذا الأسلوب بقيم العقائدية، وبعد تحول هذه العقيدة نفسها إلى قيود عملية مباشرة (لا إلى مبادئ  مجردة كبرى أو مرجعيات روحية). إذ تجذّرت هذه القيود في العقل والوجدان كما لو أنها فرائض دينية. وجعلت سواء عند الناس التأييد او المعارضة. وهذا ما أدى إلى تجذير آلية الفعل لا آلية الاحتكام إلى نظام الرؤية العقلانية والأخلاقية الكامنة  في فلسفات الإصلاحية الثورية. لهذا أدت أول محاولة لتقييم الستالينية وإصلاحها على يد خروشوف إلا إلى إعادة  ترميم آليتها. لقد تمثلت الخروشوفية أسوء نماذج الستالينية،  لأنها جعلت من المغامرة الفردية النموذج الأمثل في تهشيم  مغامرات الستالينية (ادارتها البيروقراطية وعبادة الفرد). فالخروشوفية لم تستطع توظيف التقاليد الثورية الاشتراكية بالشكل الذي يمكنها من ترميم بناء التجربة الاشتراكية، باعتبارها تجربة التحرير الإنساني، فأخفقت. ووجد ذلك انعكاسه أيضا في البريجنيفية بوصفها الصيغة "التقليدية" لآلية رد الفعل لا الاحتكام إلى نظم الرؤية العقلانية. وهي الآلية التي حددت نماذج الرجوع التقليدي إلى "الستالينية المتنورة" عند اندروبوف وإلى "البريجنيفية المتكلسة" عند تشيرنينكو. وعندما ظهرت للمرة الثانية إشكالية الإصلاح، لم تتخذ سياسيا صيغة "إعادة البناء" (البيروسترويكا) إلا بعد أن مرت بموضوعات "التسريع" و"العلنية" (غلاسنوست). وليس مصادفة أن تطالب كل من الخروشوفية والغورباتشوفية في بداية أمرهما بالرجوع إلى اللينينية، بعد الهجوم المباشر وغير المباشر على الستالينية.  إذ لم يستوعب أي منهما أبجدية الإصلاح القائلة، بان الرجوع إلى الماضي وهم. فالستالينية هي خطوة هائلة بمعناها التاريخي، وشطب البريجنيفية مجرد مغامرة. إن الستالينية والبريجنيفية تقدمان حتى في سلبياتهما النموذج الضروري لبلورة عناصر النقدية الإصلاحية. ومن ثم فان الإمكانية العقلانية الوحيدة لتعمير الصرح الاشتراكي ليست في سياسة رد الفعل والإصلاح الجزئي ودمج الهزيمة في بنية الفكر السياسي، بل في تحديد الأولويات الموضوعية في نظام إصلاحي يعقل إمكانياته وغاياته المباشرة والبعيدة المدى. وهو ما كانت تفتقده الخروشوفية والغورباتشوفية نتيجة طابعهما الفردي والمغامر. وإذا كانت التجربة الخروشوفية قد واجهت في نهاية المطاف "معارضة" رسمية من جانب السلطة والحزب، فان الثانية (الغورباتشوفية) حصلت على "تأييد" من جانب الحزب والشارع على السواء.  وهما "معارضة" و"تأييد" حددتهما في نهاية المطاف آلية رد الفعل لا الاحتكام إلى منظومة الرؤية العقلانية وكوامنها الأخلاقية التي عادة ما تميز الإصلاح الكبير عن غيره من الإصلاحات.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

mohamad husanaldaghstaniالمقدمة: عقب عمليات التهجير القسرية التي تعرضت لها شعوب بلاد شمال القفقاس وبضمنها الهجرة الكبرى التي امتدت للمدة من 1859 م ولغاية 1864 م الى تركيا ومن ثم الى البلاد الواسعة التي كانت تحت سيطرة العثمانيين، كانت حصة العراق كبيرة من اعداد الاسر الشيشانية والداغستانية والشركسية (الأديغا) التي استوطنت بصورة رئيسية في مدن وريف كركوك و ديالى وبغداد والموصل والأنبار(الفلوجة) الى جانب العوائل التي قدمت طوعاً من شمال وجنوب داغستان الى العراق عبر أذربيجان وإيران قبل التهجيرالقسري وبعده بفترات غير قصيرة وإستقرت في دهوك وأربيل والسليمانية ... وكانت الغالبية العظمى من المهاجرين القادمين قسرا الى العراق تتكون من عوائل القادة العسكريين أو المقاتلين الذين إنضموا الى الجيش العثماني بدواعي دينية ومن ثم فضّلوا البقاء في العراق ولم يغادروه حتى بعد سقوط الدولة العثمانية.

وعلى إمتداد سنوات القرن الماضي ونتيجة الإفتقار الى مرجعية عشائرية مركزية تتولى رعاية شؤون الشيشان والداغستان والشركس في العراق تعذر القيام بتنظيم العمليات الإحصائية الدقيقة الخاصة بتحديد ومسح الأعداد الفعلية للشيشان والداغستان والشركس (الأديغا) في العراق ومواقع سكناهم لأسباب عديدة لامجال الآن للخوض فيها، لذا فقد كان من المستحيل تنظيم عملية إحصائية دقيقة عن واقع حال هذه العوائل، إلاّ أن رغبة نخبة من رجالها وإيمانهم بضرورة إيجاد وسيلة تنظيمية تتولى لّم الشمل ومعرفة التفاصيل الخاصة بها حياتياً وعلمياً وإجتماعياً والعمل على النهوض بها دفعتهم عام 2004 نحو تأسيس (جمعية التضامن الخيرية لعشائر الشيشان والداغستان والشركس في العراق) وأختيرمركزها العام في محافظة كركوك بالنظر للكثافة السكانية العالية لأبناء هذه العشائر فيها ولكونها تتوسط المدن والمناطق التي تسكنها الأكثرية المتحدرة عن شمال القفقاس .

ورغم غياب تلك الجهة الراعية قبل تشكيل الجمعية إلأّ أنه من باب الأمانة الإشارة الى الجهود الفردية التي بذلت من قبل رجال ورموز إجتماعية بارزة في تعزيز الصلات بين أبناء هذه العشائر ورص صفوفهم وتوحيد كلمتهم وإشعارهم بضرورة تعميق معارفهم عن مواطن الأجداد وفي مقدمة هؤلاء المرحومين مصطفى نجيب تيمور بك (1907 ــ 1989) الذي جعل قريته (جارشلو) في ناحية العباسي بقضاء الحويجة بكركوك نقطة إستقطاب حقيقية لعدد كبير من العوائل الشيشانية والشخصيات المتحدرة من شمال القفقاس منذ خمسينيات القرن الماضي، والمرحوم شمس الدين خالص (1906 ــ 1989) الذي كانت أبواب ديوانيته في قرية الشيشان (الحميدية) بقضاء المقدادية في محافظة ديالى مفتوحة أمام الزوار والضيوف القادمين إليها من داخل وخارج العراق، لقد كان المرحومان يتصفان بالكرم وسعة الصدر والحرص على المشاركة بكافة مناسبات العوائل القفقاسية في السراء والضراء، كما وكانا يعلنان بوضوح عن رغبتهما في إيجاد صيغة مــا للم شمل هذه العوائل وتوفير فرص التعارف والتماسك فيما بينها، لولا الضوابط المركزية القسرية التي كانت تحول دون التطلعات القومية المشروعة للأقليات القومية، لهذا فإنه يمكن القول بأن هاتان القريتان هما الوحيدتان المعروفتان بأنهما تضمان عوائــــل شيشانية في العراق قبل أي مكان آخر، ثم أضيفت إليهما قرية (ينكجة بابلان) الشيشانية في قضاء طوزخورماتو التابعة الى محافظة صلاح الدين وقضاء الفلوجة في محافظة الأنبار الذي كان لجمعية التضامن الفضل في التعريف بأبناء القفقاس فيهما على نطاق واسع وضمهم الى عضويتها منذ تأسيسها .

الفصل الأول: الحجم الســـكاني والتوزيع الجغــرافي

يستفاد من المعلومات التأريخية المتاحة من أن منطقة فيشخابور كانت معبرا للشيشان (يشكلون 75% من القفقاس المهاجرين) الى العراق مرورا بالموصل ثم نزولا الى وسط العراق، فسكن قسم منهم أول الأمر في الكلك الواقعة على الضفة اليسرى من نهر دجلة مقابل مدينة تكريت ثم إنتقلوا منها الى بقية المناطق، وكانت لبغداد حصة حيث تجمعوا في محلة أطلق عليها إسم محلة الججان (1)

تتباين التقديرات المنشورة حول أعداد المتحدرين من شعوب شمال القفقاس في العراق تباينا كبيراً، ومثلما أسلفنا فإنه نذكر للتأريخ بأنه لا تتوفر أية معلومات إحصائية دقيقة عن الحجم الحقيقي لهم في الوقت الحاضر، ولكن على ضوء المعلومات المتاحة بين أيدينا فإن عددهم قد يبلغ عشرة الآف نسمة، مثلما يحصر المستشار لشؤون العشائر في جمعية التضامن الخيرية في العراق السيد عبدالحميد مصطفى نجيب الججان أيضاً عددهم بـ 1890 عائلة متوزعة على كافة محافظات العراق (2)، فيما يقول الفريق الأول المتقاعد محمد عبدالقادر الداغستاني في محاضرة ألقاها في جمعية أصدقاء جمهورية الشيشان في عمان في الأردن في شباط 2006 أن العدد التقريبي للشيشان والداغستان والشركس في العراق لا يتجاوز الألفين نسمة (3) إلاّ أن الدكتور أحمد حسين كتاو نائب رئيس الهيئة الإدارية للجمعية وهو شركسي يطرح عددا طموحا فيؤكد بأنه يتجاوز الثلاثين ألف نسمة (4) بينما يشير عبدالله محمدوف الى أن المعطيات الرسمية تؤكد على أن عددهم في العراق يبلغ خمسة عشر ألفا حيث يعيشون الى الشرق من مدينة زاخو بمحافظة دهوك وجنوب محافظة أربيل (5)، إلا أننا بلا شك سنعول على خطة الجمعية المستقبلية الهادفة الى إجراء مسح دقيق لعدد العوائل في كافة المحافظات بعد أن يستتب الأمن وتتوفر الإمكانات الضرورية لأنجاز هذا المشروع الحيوي، وإنه لمن الضروري ذكر الروحية الجديدة التي بدأت تسري في عروق أبناء هذه العشائر ورغبتهم العارمة في تأمين سقف وجداني تستظل به مئات العوائل المبعثرة في محافظات العراق وخاصة في العاصمة بغداد التي تضم حوالي خمسمئة عائلة شيشانية وداغستانية وشركسية، وأغلب رجالها من القادة العسكريين والموظفين العاملين في مؤسسات الدولة المختلفة، وفيهم من المهندسين والأطباء والصحفيين والإداريين العدد الكبير، ويعيشون في مناطق سكنية متعددة ومتباعدة، وربما لا يعرف أحدهم الآخر . وقد افلح أغلب الشيشان والشركس في إنشاء قرى خاصة بهم منذ بداية القرن الماضي في عدد من مناطق البلاد وكالآتي :

1. قرية زندان (الحميدية) في محافظة ديالى :

قرية زندان ويطلق عليها أيضا الحميدية نسبة الى السلطان العثماني عبدالحميد، وقد شيدت من قبل الشيشان عام 1880 وكانت مساحتها عند بداية التكوين تبلغ حوالي عشرين دونما ثم إتسعت لتصل الى أكثر من خمسين دونما، وفيها من الخدمات الرئيسية الكهرباء ومصادرالمياه والطرق الحديثة والمدارس، وقد شيد أول مدرسة إبتدائية فيها عام 1947م والمركز الصحي عام 1963 وكليهما على نفقة المرحوم شمس الدين خالص، وتنحدر العوائل الشيشانية القاطنة فيها من عشائر معروفة في شمال القفقاس كالأرشتغوي والغلغاي والنشغوي ..وكانت تضم أكثر من خمسين عائلة تناقصت تدريجيا لأنتقال بعضها الى مركز المحافظة بعقوبة أو الى العاصمة بغداد والتي لا تبعد سوى (110) كيلومترا .

ولشيشان القرية صلات حميمة وقوية ودائمة مع أقربائهم من الشيشان والداغستان في البلدان المجاورة وخاصة في الأردن وسوريا، ومن أبرز شخصياتها التي كانت معروفة في القرية مراد آغا وسليمان آغا ومحمد عارف آغا وغوبا وصالح متي وتوبوت وبطل وقنديت وصالح بيبرت وعزيز آغا وأصلان وتويتا وعبدالقادر أغا ..

وفي خضم الفوضى العارمة التي سادت العراق فقد تعرضت القرية منتصف شهر أيلول من عام 2007 الى هجومين مسلحين غادرين من قبل مسلحين مجهولين وميليشيات طائفية قامت بحرق وتدمير جميع دوروجامع وبساتين القرية عن بكرة أبيها، وإستطاعت العوائل أن تنقذ بنفسها بالملابس التي على أفرادها بعد أن قاوم أبنائها الشباب القليلين وبأسلحتهم البسيطة جموع الغزاة المسلحين المدججين بكافة أنواع الأسلحة لحين وصول النجدة إليهم وبعدها تشتت العوائل على المحافظات بحثا عن الملجأ والأمان .

2. ناحية المنصورية (دلي عباس)

وتعتبر من أقدم نواحي محافظة ديالى سكنتها العديد من العوائل الشيشانية المهاجرة حتى يقال ان حوالي نصف سكانها كانوا من الشيشان ومنها انتقل قسما منهم الى الحميدية مثل عائلة خالص بك وأبنائه شمس الدين ونور الدين وعائلة احمد دولت وزارخمت وغيرها وبقيت هناك عدة عوائل منهم عائلة خالص بك وإبراهيم آغا وكان وابنه عبد الرحمن من ضباط الجيش التركي كان برتبة عقيد واشغل منصب مدير شرطة الديوانية والبصرة كما توكل قائمقامية ديالى ومن أحفاده الفريق الأول المتقاعد الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني، وهناك ضابط اسمه ابراهيم آغا ايضا وكان ضابط في الجيش القيصري ثم انضم للثوار كان من اكبر المعمرين عاش 125 عاما .

3. قرية الشيشان (جارشلو) في محافظة كركوك

تأسست هذه القرية التابعة لناحية العباسي في قضاء الحويجة عام 1936 م على يد المرحوم إبراهيم بك دولت، وتقع جنوب نهر الزاب الصغير وشرق نهر دجلة بمسافة عشرة كيلومترات عن نقطة إلتقاء الزاب بدجلة، وقد قدمت اليها العوائل الشيشانية من قرية (اللقلق) الشيشانية التي أسسها المرحوم تيمور بك بن علي المعروف بـ (تمربيك) سنة 1284 هـ بعد قدومه الى العراق من تركيا قبل عام من تلك السنة وشيدها على ضفة نهر دجلة الشرقية مقابل قضاء بيجي في محافظة صلاح الدين جنوب فتحة جبل حمرين، وكانت جارشلو قرية حديثة ومنظمة وجميلة مقارنة بالقرى المتخلفة المحيطة بها، وكانت ذات بيوت قليلة مكعبة الشكل تقع على جانبي شارع ترابي واسع فيه قليل من الأشجارويعيش سكانها عيشة مدنية منظمة وفق تقاليدهم وعاداتهم وأخلاقهم الجميلة وإكرامهم العالي للضيف (6)

وكانت ديوانية مصطفى نجيب بك في القرية مفتوحة على الدوام تستقبل الضيوف والأقرباء من كل حدب وصوب، وهي لا تزال في عهد خلفه الصالح الشيخ عبدالعزيز مصطفى نجيب بك الجاجان مقصد العديد من الزوار والعوائل والأسر القفقاسية سواء من العراق أو خارجه فضلا عن كون القرية نفسها ملجأ للمعتصمين بها في الظروف العصيبة .

ومن أبرز الشخصيات التي ساهمت في إنشاء القرية وعاشت فيها كل من الذوات حسين محمد علي ويونس محمد علي ومصطفى نجيب تيمور ومحمد عسكر وبشير أحمد وهم من سكان قرية اللقلق فيما كانت هناك شخصيات من عوائل شيشانية قدمت من الأردن بهدف الإستقرار في القرية وهم كل من محمد أسندر وإبراهيم أسندر وخليل إبراهيم وعثمان أبو بكر وشقيه طيب وموسى عثمان وخضر أرسلان .. وقد عاد هؤلاء وغيرهم الى الأردن بعد إنتشار الملاريا في المنطقة وإرتفاع مستوى الملوحة في الأراضي الزراعية عدا عائلة بدرخان برك خان التي لا يزال خلفه يعيشون مع بقية الشيشان في القرية .

4. قرية ينكجة بابلان في قضاء طوزخورماتو

يقول الباحث والمؤرخ صلاح الدين ناجي أوغلو(1945 م) بأن الشيشان القاطنين مركز قضاء طوزخورماتو قد إنفصلوا أصلاً عن العوائل الشيشانية المستوطنة في منطقة قره داغ في محافظة السليمانية وقد إستقروا فيه حوالي العام 1890 م، وأول من وصل القضاء منهم الأخ الأكبر لهذه الأسر وكان يدعى (ججان) ثم أعقبه إخوته بيرام وحلو ومحمد وفتاح وكانوا قد قدموا العراق عن طريق أذربيجان و إيران ليكون القضاء آخر مطاف لهم، وبلغ عددهم 27 عائلة . فيما إستقرت 40 عائلة شيشانية تنتمي الى عائلة البسلي في قرية ينكجه بابلان التي تبعد عن القضاء حوالي خمسة كيلومترات وقد جاءت تسمية البسلي نتيجة إختفاء جدهم أثناء حروب القفقاس ويقال أن الأتراك أطلقوا عليه هذه الصفة عندما وجدوه مختبأ مريضا في ركن غرفة منعزلة قذرة بعيدا عن أعين الروس الذين كانوا يقتلون كل من يصادفونهم من القفقاس (7)

يبلغ عدد العوائل القاطنة في القرية حاليا 72 عائلة تضم 112 شابا تمتهن غالبيتهم الزراعة وتربية المواشي الى جانب عدد منهم يعملون في دوائر الدولة وهم يتصفون بصفات الأجداد من الكرم وحسن وفادة الضيف والشجاعة والنبل .

5. قضاء الفلوجة

يعتبر قضاء الفلوجة أكبر أقضية محافظة الأنبار (مركزها الرمادي) ويبعد عن بغداد غربا حوالي 60 كيلومترا ً وعن مركز الرمادي حوالي 55 كيلومتراً، وتؤكد المعلومات التأريخية الدقيقة الى أن أول من إستوطن الفلوجة كان الشركسي مصطفى إسماعيل الذي قدم من تركيا العثمانية فأقطعه السلطان العثماني أراضي زراعية له ولعائلته الشركسية (الأوبيخ / أديغة) في أراضي تسمى بأراضي الخراب والبساتين المطلة على نهر الفرات (أصبحت هذه الأراضي الآن من ضواحي القضاء الحديثة) وكان ضابطا في الجندرمة وعالماً متضلعاً في شؤون الدين والتقوى،وهو والد الوجيه الفلوجي الثري صاحب الإقطاعيات المعروفة بإسمه حسن بك و وأخويه هما حسين وعلي، وقد خلف حسن بك كل من المهندس والمقاول الفلوجي الشركسي حقي حسن بك وخالد ومنذر و الحقوقي والكاتب الشركسي مؤيد ومصطفى . وبذلك فإن هذه الأسرة الشركسية هي المؤسسة الفعلية لقضاء الفلوجة الذي إتسع فيما بعد وتكونت بيوتاته من سكان الصقلاوية التي كانت مركزا للناحية وكانت الفلوجة تابعة له عام 1872 م . وأول ما بني فيها من الأبنية والمسقفات جامع (كاظم باشا) وهو الجامع الكبير حاليا والذي يطل على النهر ثم القلعة القريبة منه وكاظم باشا هو صهر السلطان عبدالحميد الثاني وقد بنى كذلك دارا مقابل الجامع وإسطبلا للخيول (8)، وعلى أثر إحتلال القوات الأمريكية لدور الأسرة وبساتينها وحرق وتدمير ممتلكاتها عام 2003 م إضطرت الى البحث عن سكن مؤقت لها في بغداد العاصمة بإنتظار ما يوؤول إليه المستقبل .

6. محافظة السليمانية

يعود تأريخ التواجد القفقاسي في مناطق كردستان العراق الى زمن الحروب والويلات القفقاسية والقيصرية الروسية ؛ حيث هاجر جمع من العوائل الشيشانية مع مواشيهم عبر إيران وأذربيجان وإستقروا في البداية في قرية (بيوكة) الواقعة في منطقة برزنجة في محافظة السليمانية ثم إنتشروا الى بقية القرى والمناطق بحثا عن الأمان والإستقرار والكلأ ومصادر المياه .

وتتوزع في قرى محافظة السليمانية ومركزها 630 عائلة جيجانية (شيشانية) وخاصة في قرى سيان زار وكل وسويره وجناره وجوزه كوره وشيره وبرده رشه وسليمانا وسه بوره وكاني ميران، وحصة المركز تتجاوز 200 عائلة منها (9) ويبدو واضحاً ذوبان هذه الأسر في بودقة المنطقة ففارقت على مر السنين سماتها القومية والثقافية وإكتسبت القيم والتقاليد واللغة السائدة، وبالتالي فإن قلة منهم فقط لا تتذكرمن الماضي سوى إنتمائها الأصلي الذي فقدته أيضا الى الأبد !

إحصائية رقمية تقريبية

وفيما يلي الإحصائية المتاحة (حالياً) لحجم العوائل القفقاسية في محافظات العراق مؤكدين عدم ثبات هذه الأرقام لحين إنتهاء عملية المسح :

المحافظة          العدد التقريبي للعوائل          الملاحظات            

بغداد                     500

ديالى                    250                         أغلبية شيشانية

كركوك                 190                         أغلبية داغستانية وشياشانية

أربيل                    10                          عوائل داغستانية

السليمانية               630                         أغلبية شيشانية

الموصل                150                         أغلبية داغستانية

النجف                   50                          أغلبية داغستانية

الكوت                   20                          أغلبية داغستانية

البصرة                 20

الناصرية               10

العمارة                  5

دهوك                   3

الحلة                    20

الديوانية                12

الأنبار                   20                                       أغلبية شركسية (أوبيخ)

المجموع                 1890 عائلة

وإذا ما تم إعتماد مقياس 5 أفراد لكل عائلة أو أكثر قليلا ً فإن العدد الكلي لنفوس هذه العوائل يبلغ حوالي عشرة الآف نسمة .

ملاحظات حول الحجم السكاني:

1. نشرت جريدة (الإتجاه الآخر) في عددها 183 الصادر في يوم السبت الموافق 21/ 8/2004 تحقيقاً صحفياً بقلم السيد حسان شروخ تحت عنوان (صقيع الأديغة يغلي في جحيم بغداد) وأشارت فيه الى وجود أكثر من (30) ألف عائلة شركسية فـــــي بغداد لوحدها، ولم يتسن التأكد من دقة هذه الإحصائية رغم محاولاتنا الدؤوبة للإتصال بكاتب التحقيق الصحفي عن طريق الجريدة ذاتها أو بواسطة البريد الألكتروني لمعرفة مصادره مع قناعتنا بأن الرقم مبالغ فيه .

2. أكد عدد من الرجال والوجوه الإجتماعية للشيشان القاطنين في قرية (كاني ميران) ـ وتعني باللغة الكردية ينبوع الأمراء ـ الواقعة في منطقة قره داغ الكردية في محافظة السليمانية وذلك خلال زيارتنا اليها صيف عام 2004 بأن لهم أقربــــاء يتوزعون على خمس قرى شيشانية تضم أكثر من ألف عائلة في منطقة (برزنجة) في السليمانية

الفصل الثاني: العادات والتقاليد واللغة

لا تزال العوائل المتحدرة من شمال القفقاس في العراق تمارس جانباً من تقاليدها العريقة سواءً في المناسبات الإجتماعية أو الدينية وخاصة تلك التي تتوافق مع القيم السائدة في المناطق التي يتواجدون فيها أو مع الأقوام القاطنة في الأراضي التي يعيشون عليها والذين تأثروا بها كثيراً بحكم المعاشرة والتقادم الزمني الطويل، لذا فالشيشاني أو الداغستاني أو الشركسي (الأديغة) عربي الهيئة والهواجس والقناعات واللغة حيثما ولد وترعرع في أحضان المنطقة العربية وهكذا الحال مع الذين يقطنون في المناطق الكردية أو التركمانية الأخرى في العراق فهم أكراد في هيئاتهم ولغتهم و أزيائهم وممارساتهم الإجتماعية في المدن والقرى الكردية وكذلك فهم تركمان في مناطق التركمان، فضلا عن إكتسابهم القناعات والعقائد الطائفية لسكنة هذه المناطق .

إلاّ أن كل تلك السنين الطويلة التي صهرت تلك العوائل في بودقة البيئة وأكسبتهم السمات الحضارية والإجتماعية السائدة لم تفلح في مسح وإلغاء روح الإنتماء الى عشائرها الأصلية أو ممارسة بعض التقاليد أو التحلي بالقيم والمثل ذات الدلالات التربوية ذاتها الموجودة في المجتمع القفقاسي كالحرص على تطبيق مفردات أعراف ومبادئ ما يطلق عليه (قانون أديغا خابزة) التي توجب بصرامة التحلي بقيم الآباء والآجداد وكأن التقاليد القفقاسية قد إمتزجت مع جينات الإنسان القفقاسي أينما وجد، ففي طقوس الزواج والولادة والمناسبات الإجتماعية الأخرى فإن بعضاً من التقاليد القفقاسية يفرض نفسه، كما ولا يزال مطبخ العائلة الشيشانية أو الداغستانية أو الشركسية عامراً بالكثير من الأكلات والمقبلاّت القفقاسية التي تتولى المرأة إعدادها بمهارة مثل (الحلطمش) و(الكلمش) و (الكرزنش) و (المهلبية) و(الشبس باصتا) و(الحلفة) وغيرها .

أما على صعيد اللغة فإن عدداً محدوداً من المسنين والمسنات في بعض العوائل القفقاسية يجد متعة بالغة في التحدث باللغات أو اللهجات القفقاسية القومية التي لا تزال حية في الذاكرة خاصة عندما يفد بعض الضيوف الى الديار ويتحدثون معهم بلغات الأجداد، ومما لا ريب فيه فإن هذا العدد يتناقص يوماً بعد يوم بسبب الوفاة وعدم حرص الجيل اللاحق على تعلم اللغة مما سيؤدي حتماً الى نسيانها لولا أن تتدارك جمعية التضامن ذلك وتضع عملية تعليم اللغة نصب عينيها مستقبلاً رغم صعوبة إقرار منهج مشترك لتعليم اللغات المتعددة المنتشرة حتى في بلدان الأسلاف نفسها .

إن الإكثار من فتح الدورات التعليمية وإيجاد فرص الإيفادات والزمالات الدراسية لأبناء هذه العوائل وخاصة الطلبة وتشجيع وتبادل الزيارات الى شمال القفقاس بالتنسيق مع السلطات الحكومية والجامعات الأكاديمية والمنظمات والجمعيات الشقيقة سيسهم فعليا ً في توسيع قاعدة المتحدثين بلغات الأجداد والتي تشكل عاملاً حاسماً في تعزيز الروح القومية في نفوس الأجيال الناهضة، كما أن الجمعيات الشقيقة في البلاد العربية وفي شمال القفقاس قادرة فعلاً على مد يد العون الى القائمين على جمعية التضامن في هذا المجال الحيوي نتيجة الخبرة العالية التي تتمتع بها خلال عملها طيلة السنوات الماضية التي سبقت تأسيس (التضامن) بعشرات السنين لإنقاذ هذه العوائل من الضياع والتشتت والذوبان في الكيانات القومية الأخرى ..

الفصل الثالث: دور القفقاس في الحياة السياسية والإجتماعية في العراق

هناك حقيقة تأريخية لاجدال عليها تؤكد على أن رجال وقادة عظام من الداغستانيين والشيشان والشركس كان لهم أبرز الأدوار في مختلف الفترات التأريخية المتعاقبة على العراق، بل وساهموا بشرف ورجولة في بناء اللبنات الأساسية للمؤسسات الحضارية والسياسية والعسكرية العراقية وفي المقدمة منها الجيش العراقي العريق منذ بدايات القرن العشرين منطلقين من مشاعرهم الصادقة في إنتمائهم الى تربة وادي الرافدين أرواحا وأجساد .

إن عشرات الفرقاء ومئات الألوية وأصحاب الرتب العسكرية من وطن الإمام شامل الشهير قد خدموا برجولة وبتفان في تشكيلات الجيش العراقي وإكتسبوا نتيجة لذلك شهرة فاقت حدود وطنهم العراق (10)، كما وأن هناك العديد من الأسماء المعروفة في الحياة الثقافية والإعلامية ورجال الأعمال لا يزالون يكرسون جهدهم في سبيل رفعة وتقدم العراق، وقد كان هؤلاء جميعهم موضع عناية وإهتمام حيثما وجُدوا لِما كانوا يتصفون به من إخلاص كبير وتفان متناه وإدراكهم بأن الجهد الذي يبذلونه مكرس لرفعة وطنهم العراق وليس للإشخاص أو المسؤولين الذين عملوا بمعيتهم، وهذا جعل العديد منهم يتبوأ مناصب قيادية عليا في الجيش وفي كافة العهود، وعلى الرغم من قلة عددهم فهم معروفون في كافة المناطق التي تواجدوا فيها نتيجة سمعتهم الطيبة (11) .

إن هناك قصص ووقائع تتحدث عن شيشان و داغستانيين و شراكسة وقفوا بصلابة لا تتزعزع أمام المغريات أو الضغوط التي كانوا يتعرضون لها من قبل قادة أو مسؤولين كانوا يفرضون عليهم ما يتنافى مع قناعاتهم ومبدئيتهم ووطنيتهم لكنهم كانوا لا ينحازون في النهاية سوى لعراقهم ودينهم مهما كانت الأسباب .

أعلام وشخصيات

كأي من الشعوب أو القبائل الحية التي رفدت مجتمعاتها بشخصيات بارزة لها خدمات متميزة أسهمت بفاعلية في تعزيز موقعها ودورها في الحياة، فإن لعشرات بل والمئات من أبناء ورجال القفقاس في العراق دورأً بارزاً فــي سبيل رفعة بلدهم المفدى العراق ومواصلة عطائهم الجليل وتأكيد دورهم الإنساني وبذلهم النقي والبعيد عن التعصب أو التطرف أو الإنحياز .

ويبدو واضحاً من خلال إستعراض أسماء الأعلام والشخصيات الداغستانية والشيشانية والشركسية أن للقادة والضباط العسكريين حصة كبيرة منها، وهذا نابع من الحقيقة التي أوردناها والمتمثلة بأن الغالبية العظمى منهم قد إختاروا المؤسسة العسكرية ليخدموا وطنهم وشعبهم، وكانوا بحق قادة ورجال عظام سيحفظ لهم التأريخ الوطني هذا الإرث النفيس من الذكر الحسن .

1. محمد فاضل باشا الداغستاني :

من أبرز الشخصيات في التأريخ العراقي الحديث، تقلد العديد من المناصب المهمة عمله مستشاراً ومرافقاً عسكرياً للسلطان العثماني، كما وساهم في عشرات المعارك فنال العديد من الأوسمة والنياشين، ولخبرته العسكرية فقد تدرج في الرتب حتى أصبح فريق أول ركن .

عين مفتشا عاماً للجيش العثماني في البلاد العربية ومقره بغداد كما وعهد إليه بولاية بغداد وكالة عام 1907م ثم عين واليا على ولاية الموصل وقائدا لقواتها ثم مفتشا لفيلق العراق في 1913، وعند بدء الإحتلال البريطاني للعراق عام 1915م قاتل ضد الغزاة قائدا للعشائر العراقية في عدد من الصولات المظفرة ثم إستشهد في إحدى تلك المعارك يوم 11/ أذار/ 1916 ودفن جثمانه الطاهر في مقبرة الأمام الأعظم ببغداد .

2. غازي محمد فاضل الداغستاني

ولد في بغداد عام 1912 م، تخرج من الكلية العسكرية في وولج (المملكة المتحدة) عام 1930 ثم دخل كلية الأركان عام 1938، تقلد عددا من المناصب القيادية في الجيش العراقي لينتهي قائدا للفرقة الثالثة، وكان واحدا من المرشحين ليكون رئيسا لوزراء العراق، ثم حكمت عليه محكمة الشعب المشكلة أعقاب ثورة عام 1958 بالإعدام بسبب تفانيه في واجبه وإخلاصه للملكية في العراق، إلا أن الحكم لم ينفذ فيه وأطلق سراحه من سجن أبو غريب في 28/ اذار/ 1961فسافر مع عائلته الى لندن، توفي هناك عام 1966إلا أنه دفن جوار والده في مقبرة الإمام الأعظم ببغداد في مسيرة وإستعراض عسكري مهيب شاركت فيه كل الصنوف العسكرية في الجيش العراقي .

3. تيمور علي بك

ولد في ارشت في الشيشن، هاجر مع والده الى تركيا ثم سكن مع صديقه الحميم وزوج أبنته محمد فاضل باشا الداغستاني ببغداد، إستقر في قرية اللقلق بتكريت شارك مع الفريق محمد فاضل باشا الداغستاني في العمليات العسكرية ضد الإحتلال البريطاني للعراق، وافته المنية في 24/8 /1921 ودفن في مقبرة الإمام الأعظم، من أبنائه محمد كامل ومصطفى نجيب الذي إستقر في قرية الشيشان التي ساهم بإنشائها في ناحية العباسي بقضاء الحويجة في محافظة كركوك .

شارك مع القائد الكبير محمد فاضل باشا الداغستاني في المعارك الضارية ضد الاحتلال الانكليزي في العراق ثم وافته المنية في 24 /8/ 1921 ميلادية ودفن في مقبرة تكريت .

ومن أبنائه محمد كامل ومصطفى نجيب الذي إستقر في قرية الشيشان و ساهم بإنشائها في ناحية العباسي بقضاء الحويجة في محافظة كركوك .

4. القاضي نورالدين خالص إسماعيل الجاجاني

ولد في قرية زندان / الحميدية المعروفة بقرية الججان في ديالى عام 1914 م وأنهى دراسته الابتدائية في بعقوبة والمتوسطة والإعدادية في بغداد وتخرج من كلية الحقوق 1936 م ونال شهادة الليسانس في الحقوق بدرجة إمتياز ومرتبة الشرف الأولى عين معاوناً لرئيس تسوية الموصل ثم حاكماً لمحكمة بداءة العمادية في العام 1955 وبعده رئيسا لتسوية أربيلا وكركوك ثم رئيساً للمحكمة الكبرى في ديالى في العام 1961 ثم رئيساً لمحكمة الإستئناف الوسطى ومقرها الحلة عام 1965 م ورئيساً لمحكمة بغداد عفي العام 1968 وأخيرا عضواً في محكمة تمييز العراق في العام 1973 لحين إحالته على التقاعد في العام 1977 م . كان واحداً من أعمدة عشائر الشيشان وكان معروفاً عنه بالجدية والصرامة والعدل ومحباً لقومه وله حضور وقور في حياة الناس من حوله . إنتقل الى جوار ربه في 1/8/2010 في بغداد .

5. الباحث التأريخي محمد علي مصطفى (شيخ الآثاريين في العراق)

ولد في 28/ 11/1910 بغداد وعائلته تنتمي الى عشيرة (الأوبيخ) الشركسية العريقة .

و درس الابتدائية والثانوية ثم تخرج من الكلية الأمريكية في بغداد ودرس الهندسة المدنية في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1935 م . حاز على المرتبة الأولى في العراق عام 1933 في سباق القفز بالزانة . وكذلك في سباق الجري مسافة 400 متر في نفس العام . تعين في مديرية الآثار العامة واصبح ممثلا لها لدى جامعى بنسلفانيا الأمريكية في موقع تبه كورا جنوب الموصل عام 1936. ثم عمل في عدد من مواقع الحفر والتنقيب في أنحاء العراق .

أحيل على التقاعد في العام 1973 إلا أنه إستمر في العمل كمستشار آثاري في بناية المتحف الوطني العراقي .

توفي يوم 10/10/1997 ودفن في مقبرة الكرخ في (أبو غريب) . وقد نظم له حفل تأبيني كبير يوم 19/11/1997 شارك بالحضور والكلمات كبار علماء الآثار في العراق، وكتب عنه في عدد من الصحف والمؤلفات كل من العالم الدكتور عبدالقادر حسن التكريتي والدكتور بشير فرنسيس والدكتور قحطان رشيد صالح وغيرهم وعلقت إدارة متحف الآثار البريطاني في لندن لوحة تعريفية عنه عام 1998كتبها كل من العالمين ديفيد وجوان لويس

6. الفريق الطيار الشهيد المرحوم صفاء شمس الدين خالص الشيشاني

ولد بمحافظة ديالى في العام 1942 م، وأكمل الإبتدائية فيها في العام 1956 م، وأكمل المتوسطة والثانوية في ثانوية المقدادية للبنين في العام م1961 م ثم دخل كلية القوة الجوية العراقية في العام 1962 وأوفد الى المملكة المتحـــدة حيث أكمل دورة الطيران عام 1963 ليتخرج منها برتبة ملازم طيار في العام 1965 .

أوفد الى المملكة المتحدة ثانية للمشاركة في دورة معلمي الطيران في العام 1970 ثم الى دورات تخصصية في كل من فرنسا وألمانيا الغربية .

تقلد خلال حياته الوظيفية عدة مناصب هامة فتعين آمر سرب في العام 1976، ثم آمر تشكيل طيران عام 1986، ثم قائداً لطيران الجيش العراقي للأعوام 1993 الى 1998 م.

إستشهد المرحوم إثر مواجهة مفتعلة بين فريقين من المسلحين المجهولين في منطقة نفق الشرطة في العاصمة ببغداد، حيث كان ينتظر مع نجله دوره في إستلام حصة سيارته من الوقود، وذلك في الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الإثنين الموافق 30/ تموز/ 2007، بعد أن أصابته طلقة في رقبته، في سياق العنف الأعمى الذي كان يعصف بالبلاد، أدت الى نزف شديد، مما إضطر نجله الى الإنتقال به بين عدد من مستشفيات بغداد بحثاً عن الإسعاف وتوفير العناية الطبية الطارئة له فأبدت هذه المستشفيات عجزها !، فأدى النزيف المتواصل الى إستشهاده وهو يوصي إبنه بأهله وأقربائه وعشيرته ومحبيه خيراً، قائلاً : (ياولدي إنه قضاء الله وقدره وعلينا أن نرضح لمشيئة الخالق).

كان المرحوم مثالاً للتواضع والمروءة، نبيلاً، يتصف بطيبة القلب وبشاشة الوجه ورجاحة العقل والقدرة على ولوج قلوب الآخرين دون إستئذان، وكان يعشق الإنكليزية فبادر الى ترجمة عدد من القصص الروسية التي تناول كتابها الحياة القفقاسية ولأول مرة الى اللغة العربية كقصة الغارة للكاتب الكبير تولستوي .

7. المصور الفوتوغرافي العالمي مراد الداغستاني

ولد في مدينة الموصل الحدباء في العام 1917 وإبتدأ رحلته مع التصوير الفوتوغرافية في عام 1935 وفي زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال بين الشعوب كما هي عليه اليوم، حيث استطاع الفنان الفوتوغرافي العالمي الموصلي مراد الداغستاني بجهوده الشخصية ان يشارك في اكثر من تسعين معرضاً للتصوير الفوتوغرافي داخل العراق وخارجه . فاز بعدة مداليات من دول عالمية مختلفة وحصل على شهادات تفوق من المانيا والبرازيل وفرنسا والصين ويوغسلافيا، كما حصل على شهادة الابداع من البرازيل وكان طليعة ثمانية فنانين فوتوغرافيين في العالم منحوا هذه الجائزة وذلك عن تصويره صور لحالات وحركات الناس التي قد لا تتكرر مرة اخرى، مثل صورة صياد الاسماك وهو يرمي بشبكته في نهر دجلة العظيم وصورة أرجل الخيول وهي تجر عربة الخيل وصورة احد صيادي الاسماك وهو يدفع بزورقه عكس اتجاه مجرى النهر وسواها الكثير من الصور الفوتوغرافية التي اثارت دهشة واعجاب المتلقي لها

أنتخب رئيساً للجمعية العراقية للتصوير فرع نينوى لعدة سنوات و كان من المولعين بالتدخين ما جعله يرقد في المستشفى لاستئصال احدى رئتيه عام 1973 وخرج من المستشفى برئة واحدة لحين وفاته . توفي في يوم 27 /7/ 1982 .

8. الفريق الركن الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني

ولد في العام 1942 م وهو من خريجي الكلية العسكرية العراقية عام 1961م (بكالوريوس علوم عسكرية ,و من خريجي كلية الأركان العراقية (ماجستير علوم عسكرية) و حاصل ايضاً على شهادة (دكتوراه بالعلوم العسكرية) حصل ايضاً على شهادات عليا ليضيف لمهنتة الإختصاصية علوماً أخرى ذات العلاقة .

عمل قائداً لعمليات شرق دجلة وقائدا لقيادة قوات شط العرب ثم قائداً للفيلق الرابع ثم الفيلق السابع ثم محافظا لديالى ومحافظا لنينوى ورئيسا لهيئة السياحة في العراق . من أعمدة عشائر الشيشان في العراق ومن القادة العسكريين العراقيين البارزين في مجالات التخطيط والحرب والأركان . وهوكاتب وباحث عسكري، وشارك في مؤتمرات متعددة داخل وخارج العرا ق .

9. الحقوقي والباحث الشركسي مؤيد حسن مصطفى بيك

ولد في 2/2/ 1934 في مدينة الفلوجة . و ينتمي الى عشيرة الآوبيخ الشركسية العريقة

درس الابتدائية والمتوسطة والثانوية في مدينة الفلوجة وتخرج من كلية الحقوق في بغداد في العام 1958 م . ثم إلتحق بكلية الاحتياط بتاريخ 1/11/1960م ثم تسرح من الجيش بتأريخ 1/8/ 1962تعين في وزارة الداخلية وكان أول منصب أنيط به مديرا لناحية الرحبة في النجف الأشرف في 11/11/ 1962 وعدد من النواحي فيما بعد .إرتقى الى منصب قائمقام حيث باشر بوظيفته الجديدة قائم مقاماً لقضاء الرطبة بتاريخ 30/3/1976م. إرتأى ترك الوظيفة الإدارية وقدم طلبا بذلك الى وزارة الداخلية وحصلت الموافقة ونقل موظفا على ملاك مديرية الدفاع المدني في بغداد ثم خرج من الوظيفة لأسباب صحية . وهو متفرغ حالياً لكتابة مذكراته الشخصية والدروس والخبر المستنبطة من سنوات عمله في أرجاء البلاد المختلفة .

 

محمد حسين الداغستاني (*)

..................

الهوامش

(*) أديب وشاعر وإعلامي عراقي (1948 ـ) / رئيس تحرير مجلة التضامن الشهرية / أمين سر جمعية التضامن الخيرية للشيشان والداغستان والشركس في العراق / والده المرحوم حسين داغستاني (1928 ـ 1984 م) عميد الداغستان في كل من محافظتي أربيل وكركوك .

(1) الفريق أول الركن المتقاعد الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني / الشيشان في العراق / مجلة التضامن الشهرية / العدد 7و8 الصادر في حزيران 2006 / ص 20 .

(2) مقابلة خاصة .

(3) مصدر سابق، ويمكن الإطلاع على أصل و نص المحاضرة أيضا على الموقع الألكتروني http://www.sukhneh.com

(4) من مقابلة له مع وكالة أنباء القفقاس التركية / أيار 2005 / موقع (وقف القفقاس) الألكتروني .

(5) داغستان والداغستانيون في العالم / تأليف عبدالله محمدوف / إعداد بدرالدين أواري / ترجمة زياد الملا / ط 1 / دمشق 1998 ص 83

(6) المحامي محمود نديم إسماعيل ونخبة من الباحثين / مشروع إصلاح القرى في العراق / بغداد 1954 م

(7) الأسر الشيشانية في طوزخورماتو وضواحيها / مجلة التضامن العدد 5و6 كانون الأول 2005

(8) المحامي صادق الجميلي / دور الشراكسة في إنشاء الفلوجة / مجلة التضامن العدد 9و10 أذار 2007

(9) الجيجان في السليمانية / مقابلة صحفية مع الحاج سعيد رحيم خالي الجيجاني / مجلة التضامن العدد 5و6 كانون الأول 2005 ص 22

(10) داغستان والداغستانيون في العالم / مصدر سابق ص 84

(11) الفريق أول الركن المتقاعد الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني / مصدر سابق .

 

 

mutham aljanabi2إن التاريخ لا يعرف سلطة بدون ثقافة خاصة بها، كما انه لا وجود لسلطة خارج ثقافتها. وكلاهما يظهران سوية ويتطوران أو يندثران في صراع مرير أو سأم مميت، أو وئام معقول أو تعايش مقبول. غير أن الشيء الوحيد الذي يبقى بمعزل عن هذه الصفات هو مستوى المعرفة واكتشافاتها وحقائقها. فقد اندثرت ثقافة السلطة في مصر القديمة مع اندثار سدنتها واضمحلال دولتها، بينما بقت اكتشافاتها وحقائقها في الأهرامات والرسوم و"المخطوطات". والشيء نفسه يمكن قوله عن ثقافة وادي الرافدين. فقد ظلت ملحمة جلجامش ترفد عقائد الأديان وأساطير الأمم وخيالها لما فيها من مساع لإدراك حقيقة الوجود ومعنى الثواب والعقاب وسر الحياة والخلود. وإذا كانت هذه الصيغة تبقى بيانية المظهر وخطابية الصيغة، فلأنها تعبرّ عن شاعرية الحقيقة، القائمة في تجلياتها غير المتناهية عن تمثل وتمثيل التجانس التام والأجمل والأعمق في الإنسان والطبيعة وفيما بينهما أيضا.

غير أن هذه القضايا تظهر بوصفها جزء من عملية معرفية معقدة هي بدورها حلقة في سلسلة الوجود التاريخي للدولة ومؤسساتها. ومن خلالها تتبلور وتمر مختلف أشكال ومستويات الصراع الاجتماعي والسياسي والفكري. ففي الوقت الذي تشكل الدولة، من الناحية التاريخية، القوة القادرة على إزالة حجب العتمة الكثيفة القائمة أمام حرية المعتقدات والأفكار، فإنها يمكن أن تكون أيضا هراوة القمع السافر. ومع ذلك تبقى الحرية التي توفر الدولة شروطها الأولية مقدمة ذاتية بالنسبة لإبداع الفكر الحر. وهي ظاهرة يمكن ملاحظتها في تواريخ كل الثقافات الكبرى.

فمن المعلوم أن لكل مرحلة تاريخية كبرى ثقافتها الخاصة، كما أن لكل منهما مثله النموذجية والمطلقة. والتاريخ اللاحق هو الذي يحقق مدى واقعية ومصداقية هذه المثل، بمعنى البرهان على مدى اقتراب أو ابتعاد "المطلق التاريخي" عن "المطلق المجرد". ومن خلال ذلك تتبين الأصالة من الزيف. وليس هذا التحقيق والبرهان والإبانة سوى النتاج المباشر وغير المباشر عن العملية الدائمة والمعقدة للوعي التاريخي الذي لا يمكن بدونه ترسخ وعي الذات الاجتماعي والسياسي. فهي العملية التي تتحكم بالإبداع التاريخي للأفراد والأمم بشكل عام وبإبداع المثقفين بشكل خاص. ومن ثم ليست حرية الإبداع الفعلية سوى قدرته على المشاركة الفعالة في تنظيم الرؤية الثقافية بالطريقة التي تخدم استمرار وحدة الحق والحقيقة. لهذا عادة ما تشق ثقافة الإبداع الحر طريقها بين تعرجات الوجود التاريخي للأمم بهيئة قوة ممثلة للصراط المستقيم وحاملة لواء الحق فيه. وليست الاستقامة هنا سوى تمثل الحقيقة كما هي، بمعنى استقامة مستعدة للالتواء مع تعرجات يصعب رسمها، لكنها تسير في نفس مسار البحث عن وحدة الحق والحقيقة. فهو المخزون الذي تتلألأ فيه مجوهرات الماضي والمستقبل. مع ما فيه من قدرة على تقديم مختلف صيغ ونماذج التأويل، بوصفها الرصيد الذي لا ينفذ لما يمكن دعوته بتراث الحق. كما أنه المصدر الذي يرفد المعاصرة الذهنية وذهنية "المعاصرة" بالصور والرموز الضرورية لاستمرار الوعي الثقافي الأصيل. إلا انه في نفس الوقت مخزون تتلألأ فيه أيضا أصداف الماضي وحراشف المستقبل. بمعنى قدرته على تقديم مختلف صيغ ونماذج التأويل التي عادة ما تشكل الرصيد الذي لا ينفذ لما يمكن دعوته بتراث التحزب الضيق. كما أنه المصدر الذي يرفد المعاصرة الذهنية وذهنية "المعاصرة" بالصور والرموز الضرورية لاستمرار الوعي الثقافي المزيف.

وفي كلتا الحالتين، ليست هذه الظاهرة حالة ثقافية محضة بل ووجودية تاريخية أيضا. وهو السبب الذي يفسر سرّ الانبعاث "المؤقت" لبعض تيارات ومدارس الماضي في ظل استمرار "التراث" ككل. وليس هذا الانبعاث "المفاجئ" و"الغريب" بين فترة وأخرى لهذا الجزء أو ذاك من تراث الماضي سوى الظل غير المرئي للرؤية العقائدية والحس الأيديولوجي، اللذين عادة ما يبحثان في الماضي عن نماذج مثلى وحلول واقعية عوضا عن النظر إليها باعتبارها تجارب لها قيمتها الجوهرية بالنسبة لشحذ وعي الذات النقدي. وعادة ما يؤدي هذا إلى تسطيح الوعي الاجتماعي والسياسي وإعدام أبعاده التاريخية النقدية. كما انه أحد الأسباب القوية الكامنة وراء ضعف وتشوه الوعي النظري العقلاني، أي كل ما يشكل مصدر ما أسميته باستمرار الوعي الثقافي المزيف.

في حين أن حقيقة التراث، بوصفه المخزون الذي تتلألأ فيه خزائن الماضي والمستقبل، تقوم في كونه الكيان الوحيد المتبقي من حطام الماضي، ومن ثم الكيان القادر على استثارة الذاكرة التاريخية وتوجيهها صوب إدراك الإشكاليات الفعلية الكبرى للمعاصرة. وفيما لو تجاوزنا المظهر البلاغي لهذه العبارة، فان مضمونها الفعلي يقوم في إبراز الحقيقة القائلة، بأن لكل تراث أصيل أسس استمراره الثقافي في تاريخ الأمم، ومن ثم استحالة استئصاله، بسبب أثره الجوهري والتلقائي في بناء مكونات وعي الذات الاجتماعي والقومي العام.

وهنا يجدر القول، بأن هذا الوعي الذاتي لا ينشأ فقط من خلال انحلاله في مجرى الفكر الحر الساعي لإعادة إنتاج ذاته بوصفه قوة حية، بل وفي بناء كينونة وجوده الأول. وفي هذه العملية المتفاعلة للوجود الثقافي وإدراك حقيقة النسبة وروحها الفعال في تعميق وترسيخ وعي الذات الثقافي تكمن القيمة "الخالدة" للتراث. ومن الممكن هنا الاستشهاد بالفكرة العميقة التي وضعها الشيخ البرنسي((846-899 للهجرة).) في معرض مقارنته للصوفي بالقطب، عندما كتب يقول، بأن "النسبة عند تحققها تقتضي ظهور أثر الانتساب. فلذلك بقى ذكر الصالح أكثر من الفقيه. لأن الفقيه منسوب إلى صفة من صفات نفسه هي فهمه وفقهه المنقضي بانقضاء حسه، بينما الصالح منسوب إلى ربه. وكيف يموت من صحت نسبته للحي الذي لا يموت بلا علة من نفسه"؟! وفيما لو جرى انتزاع الصيغة اللاهوتية من هذه العبارة، فإن الفكرة جلية للغاية وعميقة إلى أبعد الحدود. لقد أراد القول، بأن الإبداع الحقيقي يفترض ظهور أثر الانتساب فيه، أي التحقق بحقيقة الإبداع. والإبداع الحق ليس فهما حسيا عابرا لحدود التجارب الشخصية أيا كانت، بقدر ما هو تمثل وتمثيل الحق كما هو. والحق هو النسبة الدائمة الوجود في كل موجود. كما أنها النسبة التي لا تموت لأنها حقيقة وجود الأشياء كلها. لهذا لا تموت الحقيقة كما لا يموت من ينتسب إليها. وبالتالي فإن الصالح في الثقافة يقوم في الانتساب لحقائقها التاريخية الكبرى وإعادة تمثلها من جديد على نموذج الحي الذي لا يموت، أي على نموذج الحياة الحقيقية.

وقد وضع ذلك بالضرورة مهمة امتحان هذه الأفكار على محك التاريخ الثقافي العربي والإسلامي انطلاقا من أهميته النظرية والعملية. فالمعيار الأكثر واقعية وعقلانية لامتحان الأفكار أيا كانت تقوم في عرضها على تاريخ الثقافة الخاص، فهو الأسلوب الوحيد الفعلي لتحقيق وعي الذات في مختلف مستوياته. إضافة لما في هذا الامتحان من أهمية كبرى بالنسبة لتوظيفه الفعلي في العالم العربي المعاصر. بمعنى أن المهمة الأساسية من وراء ذلك تقوم في ضرورة استلهام الرؤية الذاتية للثقافة بالشكل الذي يجعلها قادرة على المساهمة في تعمير وعي الذات النقدي، وبالتالي العمل على ترسيخ أسس الرؤية الثقافية للإقرار بفكرة الاحتمال والبدائل العاملة ضمن معايير ومقاييس الإخلاص للحق والحقيقة.

لهذا سوف لن أتطرق بإسهاب إلى هذه الجوانب في ماضي وحاضر الثقافة العربية والإسلامية، بل اكتفي بتتبع نماذجها الكبرى من اجل وضعها أمام "امتحان" الواقع المعاصر وإشكالاته الفعلية عن علاقة السلطة بالمثقف وعن علاقة الحقيقة بالقوة، والفكر بالواقع وإشكالاته الكبرى.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن ما أسعى إلى تأسيسه هنا هو مجرد رؤية ثقافية المحتوى من حيث عناصرها الأساسية، مهمتها التعبير عن الفكرة القائلة بأن لكل ثقافة تاريخية مقدماتها وآفاقها، ومثلها النسبية والمطلقة، وحقائقها الجزئية والكلية فيما يتعلق بمواقفها من النفس والآخرين والحاضر والمستقبل. ومن هذه الجوانب تتكون معايير حكم الثقافة ومقاييس فعلها ووعيها الذاتي. الأمر الذي يساعدنا أيضا على بلورة الأساليب القادرة على تحرير الوعي الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي من خطر السقوط في أوحال التعصب والحزبية الضيقة ليرفعها إلى مصاف الرؤية السياسية والثقافية العقلانية. فتجارب الماضي تجاربنا، وفيها يمكن تتبع "مصير" الثقافة والمثقف والسلطة.

***  

 

 

mutham aljanabi2إن تلازم الثقافة الحقيقية والمثقف الحقيقي بقدر المعاناة الدائمة والدائبة هو الوجه الآخر لمساعيهما الجوهرية من اجل تحرير العقل والضمير من سلطة الأشباح بشكل عام والسلطة بشكل خاص. كما أنه التلازم الذي يصب من حيث المبدأ والغاية في اتجاه تأسيس مرجعية العقل الثقافي الحر، أي العقل الذي يحتوي بقدر واحد على قواعد المنطق المجرد وتمثل تجارب الأمة في كيفية حل إشكاليات وجودها التاريخي في مستوياته الطبيعية (الدولة والأمة) والماوراطبيعية (العقائد الكبرى والقيم). حيث تجد هذه المستويات انعكاسها بهذا الصدد فيما أسميته بأنماط البحث عن النسب المثلى لعلاقة الثقافة والمثقف بالسلطة في كل من النماذج الذهنية – الثقافية العامة، وتمظهرها التاريخي، وتحقيقها الفردي.

إذ تبرهن تجارب الأمم والثقافات الحية تبرهن على أن طريق العقل الفلسفي هو الوحيد القادر على رصف "الصراط المستقيم" بمكونات القوة والمتانة، كما انه الطريق القادر على جعل التراكم الثقافي منظومة حية في وعي الذات التاريخي. كما تبرهن التجارب التاريخية للأمم أيضا على أن السير في طريق العقل الفلسفي هو الفعل الأكثر درامية في فصل الانتقال التاريخي صوب منظومة العقل الثقافي. وبالتالي الأكثر تعقيدا من حيث تأسيسه النظري والعملي، وذلك لأنه يفترض انجاز النفي المنظومي لأنماط التفكير والذهنية السائدة والمفاهيم والقيم والأحكام والعادات والتقاليد. وفي مجرى هذا الانتقال تبرز بصورة حادة وجلية مختلف مظاهر ومستويات العلاقة الفعلية وإشكالاتها المتنوعة بين المثقف والسلطة.

إن المقدمة التي تجعل من طريق العقل الفلسفي طريق "الاستقامة" الفعلية في ميدان الثقافة، تقوم في قدرته على تمثل تجارب الأمم وإعادة إنتاجها من خلال رصفها في منظومة الرؤية النقدية والواقعية تجاه الإشكاليات التي تواجهها الدولة والأمة. بمعنى إعادة تكثيف تجارب التاريخ بمعايير المنطق. ومن ثم اختصار زمن التعلم الضروري وتمديد القدرة البشرية على الغوص في أعماق الماضي. إذ تقرّب هذه العملية المستقبل وتجعله في متناول الممارسة العملية مع كل خطوة كبرى في مجال توسيع وتدقيق منظومية الرؤية الثقافية. وفي هذا تكمن ضمانة توسع وترسخ الرؤية النقدية ومن ثم إضعاف وتذليل نفسية الرؤية الأسطورية واللاهوتية والتقليدية. وهي عملية تاريخية مديدة لكنها متواصلة تصنع بصورة موضوعية مقدمات وآلية إضعاف السلطة وتقوية الثقافة. وذلك لأنها تعمل من حيث المبدأ بآلية التراكم الثقافي. ومن خلاله تؤسس لقيمة المنظومة في وعي الذات التاريخي.

وشأن كل تأسيس لقيمة المنظومة لا يمكن صنعه بين ليلة وضحاها، وذلك لأنها عملية معقدة بفعل ارتباطها بالمنحى التاريخي لتطور الدولة والثقافة والأمة. وبما أن هذا المنحى عادة ما يتصف بالتعرج والالتواء في دروب الصعود والهبوط، والارتقاء والسقوط، والانتصار والهزائم، من هنا طابعه المركب في كيفية تأسيس منظومة وعي الذات. لكنه يبقى مع ذلك الطريق الوحيد والواقعي لصنع ما أسميته بالعقل الثقافي. كما انه الوحيد القادر على رسم معالم وحدود "الصراط المستقيم" في الوعي التاريخي القومي. إذ لا يعني "الصراط المستقيم" هنا سوى الصيغة الأكثر تجريدا ونموذجية للمفاهيم والقيم الجوهرية المتراكمة في مجرى التعرج التاريخي المذكور أعلاه. ومن ثم فهو احد النماذج المثالية للعقل الثقافي في رؤيته للماضي والمستقبل. كما أنه عقل تتجدد مهمته التاريخية مع كل تجدد للمرجعيات الثقافية الكبرى في العلم والعمل.

إن العقل الثقافي للأمة هو عملية تراكم يحدد قيمتها وفاعليتها وأثرها التاريخي، بما في ذلك بالنسبة لوعي الذات، كمية ونوعية منظوماتها المرجعية، أي كمية ونوعية المنظومات الفكرية ومستوى تمثلها للمرجعيات الثقافية للأمة. والمقصود بنوعية هذه المنظومات، ما إذا كانت يسير أغلبها من حيث التأسيس والكفاءة صوب تأسيس العقل النقدي الفلسفي أو اللاهوتي. والتجارب التاريخية للأمم، بما في ذلك تجاربنا (الأمة العربية) تبرهن على درامية هذه العملية. لكن تجاربنا القومية استطاعت إنجاز الانتقال التاريخي الأعقد من بنية ما قبل الدولة إلى الدولة، ومن المعشر إلى الأمة، ومن الثقافة الشفوية والحكمة العملية إلى حكمة المنظومات الفكرية، عبر إرساء أسس الفكرة الوحدانية وواحدية الثقافة المتسامية. كما نعثر عليه في تلك العملية التي رافقت انجاز المهمة الأولية الكبرى للانتقال بفكرة الدولة من السلطوية إلى الراشدية، وفكرة المعشر من القوم والعرق إلى الأمة الثقافية.

وفي مجرى هذه العملية التاريخية النموذجية والفريدة أيضا من نوعها في التاريخ العالمي استطاعت الأمة العربية الإسلامية في غضون قرون عديدة من معاناة حلها لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة أن تنجز انتقالها التاريخي صوب منظومة العقل الثقافي. بمعنى انجاز الصيغة الأولية والضرورية لتأسيس العقل النقدي الفلسفي. وهو تغير وتجديد نوعي ارتبط بفكرة الإسلام الوحدانية، التي استطاعت تأسيس منظومة أصيلة في تعاملها مع إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة. وبالتالي أرست أسس جديدة لأنماط من التفكير، وصناعة ذهنية تناسبها لها مدارسها في مختلف ميادين الحياة والمعرفة، وبلورة مفاهيم وقيم توافقها، ومن ثم هذبت وشذبت الماضي وتقاليده من خلال رفعه إلى مصاف العلاقة الروحية بين السلف (الصالح) والخلف. وضمن هذا السياق استطاعت الثقافة العربية الإسلامية أن تبدع منظوماتها ونماذجها الخاصة على مستوى العلم والعمل والأشخاص في تحديد طبيعة العلاقة الممكنة والواجبة بين المثقف والسلطة.

لقد أبدعت الثقافة العربية الإسلامية صيغا جديدة ومتنوعة للعلاقة المتبادلة بين المثقف والسلطة. وهي علاقة لا تخلو، كما هو الحال بالنسبة للثقافات الكونية، من تأثير نوعية الحضارة. من هنا ترابط التمايز الثقافي والانتماء الموحد لمرجعيات الحضارة الإسلامية. وضمن هذه العلاقة تبلورت مختلف نماذج المثقف الإسلامي. بمعنى إمكانية العثور فيها على نموذج المثقف الأديب، والمتكلم، والفقيه، والمتفلسف، والمتصوف، وغيرهم. وأرتبط هذا التمايز بنوعية وكمية المدارس المتخصصة. وفي نفس الوقت تجمعهم مرجعيات الانتماء الحضاري. وفي هذه الثنائية المبدعة تراكمت منظومات الفكر وفردانية الإبداع. بمعنى إننا نقف أمام تجربة فريدة في التنوع المتجانس في وحدته. من هنا الاحتراف العميق والموسوعية، والتمايز الغريب والجمعية، بوصفه الانجاز الأكبر الذي كان يحدد أيضا علاقة المثقف بالسلطة والسلطة بالمثقف، بوصفها الصيغة العملية والحياتية لكيفية تحقيق وتجسيد القيم والمفاهيم التي أبدعتها الثقافة الإسلامية في مختلف ميادينها.

وبغض النظر عن وجود كل الصيغ المميزة للعلاقة المتبادلة بين السلطة والمثقف، إلا أنها كانت تتراكم أيضا في ميدان ما أسميته بالعقل الثقافي وإعادة إنتاجه. فهو الميدان الذي كانت تتجسد فيه مستويات النماذج الذهنية – الثقافية العامة، وتمظهرها التاريخي، وتحقيقها الفردي. وقد اختمرت هذه المستويات في إبداع المبدعين ونوعية اختصاصهم نماذج متنوعة لعلاقة المثقف بالسلطة. بمعنى إننا لا نستطيع العثور على نموذج موحد، لكنها كانت تسير في اتجاه تأسيس قيمة العلم والمعرفة المستقلة عن السلطة. وقد حكمت هذه النتيجة طبيعة العلاقة بينهما عبر إدراك العلاقة الواجبة بين السلطة والحقيقة! وعادة ما يؤدي هذا الإدراك بالمثقف الحقيقي إلى شفا الخلاف مع السلطة دون أن يعني ذلك ضرورة الخلاف معها، كما يوصله إلى ضرورة الهروب منها من اجل تقوية الإرادة والبقاء ضمن حيز اليقين الصادق. ومن هاتين الظاهرتين كانت تتراكم عظمة الإبداع الكوني للثقافة العربية الإسلامية ومثقفيها ومأساتهم الجميلة أيضا.

مما لا شك فيه، أن المأساة لا ضرورة لها بحد ذاتها، لكنها تبقى جزء من مصادر الإبداع الكبير. ولكي يبلغ الإبداع معناه العملي في نقل انجازات العقل الثقافي إلى عالم الدولة والسلطة، فانه يواجه بالضرورة مهمة إيقاف الصراع الدموي بين السلطة والمثقفين مع الاحتفاظ الدائم باختلافهما.

فالخلاف والاختلاف بين السلطة والمثقف يستمدان مقدماتهما من طبيعة التباين والاختلاف الملازمين لوجود السلطة والحقيقة. من هنا استحالة اندماجهما وتكاملهما المطلق. وسبب ذلك لا يقوم فقط في طبيعة التطور التاريخي والسياسي للمجتمعات والدول فقط، بل وفي خصوصية السلطة والحقيقة. فقوة السلطة نسبية بينما قوة الحقيقة مطلقة، وجبروت السلطة عرضة للزوال، بينما جبروت الحقيقة في تزايد، والسلطة عرضة للشيخوخة بينما الحقيقة حية ناظرة، والسلطة لا تعيش بدون قيود فيها ولها ومنها وبها، بينما الحقيقة لا تتقيد بغير منطقها الذاتي، والسلطة تعتاش على الجمود وتنمو فيه بينما الحقيقة تموت فيه وتخبو، والسلطة عادة ما تنهمك في صنع أوهام السيطرة بينما الحقيقة تحطم الأوهام وتصنع اليقين، وغاية السلطة السيطرة والقهر بينما غاية الحقيقة الحرية والإخلاص. وهو واقع عادة ما يثير "غيرة" السلطة في محاولاتها بلوغ قهر الحقيقة من اجل بلوغ التحكم التام والكامل في كل شيء! لكنها ممارسة تؤدي في الأغلب إلى التدمير الذاتي. فإذا كان المنطق في حالات عديدة هو "سبب المشاكل"، فإن فقدانه هو سبب الدمار والخراب.

غير أن ذلك لا يتلازم مع حتمية التناقض بين الحقيقة والسلطة. فالسلطة هي أيضا المقدمة التاريخية للحقيقة. وذلك لأنها أحد الشروط الضرورية للمدنية والحضارة. ففيها وحولها ومعها وبالضد منها تتجمع أساليب التأييد والمعارضة والرفض والتحدي والمواجهة والصراع الدامي، ومن ثم تساهم في بناء صرح الثقافة واتجاهاتها المتنوعة. أنها تساهم في تهذيب العقل والضمير، وبالتالي تفسح المجال لاحتكامهما الدائم أمام النفس والتاريخ. وفي مجرى هذه العملية تتبلور معالم الصراع الاجتماعي في مختلف أشكاله مستوياته، باعتباره أيضا صراع من اجل الحقيقة. بل أن السلطة نفسها كانت وما تزال تبحث في "براهين الحقائق وأدلتها" عن سند فكري دائم، وذلك لإدراكها بغريزة الجاه أهمية القوة القائمة في الحقيقة. وبالتالي، فإنها تسعى لكي تكون بقوتها، وأن تكون هي "الحقيقة" المعترف بها. وليس مصادفة ألا تبخل السلطة جهدها على مر الأزمان من صرف الأموال وزهق الأنفس لأجله. وفي هذا كان وما يزال يكمن سرّ الخلاف العميق بينهما.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ryad alsindiتحّل في الخامس عشر من حزيران من كل عام ذكرى صدور اول صحيفة عراقية وهي (الزوراء) عام 1869 في بغداد على يد الوالي العثماني المصلح مدحت باشا والذي أعتبر فيما بعد عيداً وطنيا للصحافة العراقية. كما تحل في الأول من تشرين الثاني من كل عام ذكرى صدور أول صحيفة باللغة السريانية وهي صحيفة (ܙܗܪܝܪܐ ܕܒܗܪܐ) زهريرا دبهرا (شعاع النور) التي صدر عددها الاول في 1 تشرين الثاني 1849، والذي عُدّ عيد للصحافة السريانية.

ويرجع الكثير من الباحثين في تاريخ الصحافة العراقية بداية الصحافة النسوية في العراق الى 15 تشرين الثاني من عام 1923 ، وهو تاريخ صدور مجلة (ليلى) التي اصدرتها ورأست تحريرها بولينا حسون، الا ان تحديد بدايات الصحافة النسوية في العراق ليس بالأمر الهين، وقد اثيرت هذه المسألة في خمسينات القرن الماضي بعد ان تناول الباحثون تاريخ الصحافة في العراق، وكان المرحوم روفائيل بطي رئيس تحرير جريدة البلاد سباقاً الى ذلك، فقد القى عدة محاضرات في تاريخ الصحافة العراقية على طلبة معهد الدراسات العربية العالية عام 1955، جمعت فيما بعد في كتاب مستقل بعنوان (الصحافة في العراق). وكان قد سبقه شيخ المؤرخين العراقيين المرحوم عبد الرزاق الحسني فجرد كل الصحف والمجلات العراقية في كتاب بعنوان (تاريخ الصحافة العراقية) صدر جزأه الاول عام 1935، ولم تصدر بقية اجزاءه. كما ان انشاء نقابة الصحفيين العراقيين عام 1959 قد حفّز على اثارة هذا الموضوع مجددا.       

- مفهوم الصحافة النسوية

ظهرت الصحافة النسوية بصورة مستقلة وأصبح لها كيان خاص بها مع تأسيس في بداية القرن التاسع عشر في أوربا (Curtis) مجلة بيت السيدات كرتس التي نشرها وحررها ادوار بورك أكبر المحررين في تاريخ المجلات النسوية.

وتشير المصادر الى ان الصحافة النسوية العربية ظهرت في مصر عام ١٨٩٢ ولم تكن قد عرفتها دولة عربية أخرى، لان مصر شهدت نهضة صحفية لم تعرفها البلاد العربية من قبل وهي حديثة عهد بالصحافة وبصناعة الأقلام ولما كان اغلب أصحاب الصحافة وحملة الأقلام بها من الشاميين كان من الطبيعي ان تسعى نسائهم لإنشاء صحف تعالج قضايا المرأة تشبها بذويهن من الرجال، فقد انشات (هند نوفل) وهي فتاة لبنانية أول دورية نسائية في الإسكندرية في مصر تدعى مجلة (الفتاة). وتعد مجلة ليلى التي أصدرتها السيدة (بولينا حسون) ١٩٢٣ أول مجلة نسوية في العراق.

وتعرف الصحافة النسوية (صحافة المرأة) بأنها نوع من الصحافة المتخصصة التي تعالج شؤون المرأة ومشكلاتها وقضاياها حتى لو عمل بها وأصدرها رجال وهي ليست الصحافة التي تملكها او تعمل بها النساء وتعالج الأمور العامة.

وفيما يخص العراق فقد ظهرت الصحافة المتخصصة بمفهومها الحالي بعد الانقلاب الدستوري العثماني ١٩٠٨ وبعد إطلاق الحريات وانشاء الصحف الخاصة باللغة العربية وبذلك تكون الصحافة المتخصصة في العراق قديماً قياسياً الى بداية صدور الصحف في العراق.

يتسع مفهوم الصحافة النسوية ليشمل مجالين رئيسين:

المجال الأول: صفحات المرأة في الجرائد اليومية والمجلات العامة الأسبوعية والشهرية .

المجال الثاني: ويشمل المجلات المتخصصة بالشؤون النسوية سواء أكانت أسبوعية، شهرية ، فصلية.

وقد عرف المجال الأول في الصحافة النسوية في مدة مبكرة من تاريخ الصحافة، الا ان المجال الثاني ظهر بشكل واضح بعد نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في قارتي أوربا وأمريكا.

ووفق هذا التعريف تقسم الصحافة النسوية الى:

١- الصحافة النسوية العامة:

ونعني بها النشاط الصحفي الذي يقوم على أساس إصدار الجرائد والمجلات التي توجه الى جمهور عام يشمل قطاع النساء إلى جانب قطاعات أخرى والتي تجمع ما بين المضمون النسوي المتخصص المعالج لقضايا المرأة المختلفة العامة والخاصة والقضايا العامة.

٢- الصحافة النسوية المتخصصة:

وتعني النشاط الصحفي الذي يقوم على أساس إصدار الجرائد والمجلات التي توجه الى جمهور يتسم بالتجانس هو قطاع النساء وتحمل مضموناً نسوياً متجانساً متخصصاً بقضايا المرأة.

تعد الصحافة السريانية في العراق جزء لا يتجزأ من صحافة العراق، ولا نغالي إذا قلنا ان مسيحيي العراق على اختلاف طوائفهم ومسمياتهم كانوا من أوائل من ادخلوا الطباعة الى العراق أواخر القرن التاسع عشر. واشتهروا بالتأليف والطباعة، وبرزت لهم اسماء لامعة في هذا المجال، وقد رأينا ان رائدات الصحافة النسوية في العراق كنّ من هذه الطائفة، مثل بولينا حسون ومريم نرمه. ولا غرو في ذلك فلا يستطيع أيُّ منصِف أن يتحدث عن تاريخ الحضارات دون أن يذكر دور السريان ولغتهم التي لُقِّبَتْ ﺑ «أميرة الثقافة وأم الحضارة»، فكانوا بمثابة القنطرة التي عبرت عليها العلوم والمعارف لتصل إلى العرب وأوروبا؛ فترجموا من اليونانية إلى السريانية، ومنها إلى العربية، ثم إلى اللاتينية، وأخيرًا للغات الأوروبية الحديثة. ولم يكن السريان مجرَّد نَقَلة، بل كانوا مبدعين أيضًا؛ فقد أضافوا خبرتَهم ومعارفهم، فطوَّروا وجدَّدوا. وكتب السريانُ في عدة موضوعات منها: الفلسفة، والمنطق، والموسيقى، والأدب، والهندسة، والزراعة، والتجارة، والطبيعة، والرياضيَّات، والفلك، والفيزياء، والطب. وباختصار فان فضل السريان على العرب كبير ولا يمكن تجاهله ونكرانه.

 الا ان مساهمة السريانيات في صحافة العراق كانت ضعيفة نظرا للصعوبات التي واجهت الصحافة السريانية عموماً وصحافة المرأة السريانية خصوصاً، واهمها: -

• انها من صحافة الاقليات في العراق.

• انها مازالت في الغالب صحافة دينية أو حزبية، لصدورها عنها أو لاعتمادها عليها في التمويل.

• يستخدم معظم أفرادها اللغة العربية في الغالب، وتقتصر ممارسة اللغة السريانية داخل العائلة فقط.

• إن اللغة السريانية تعد في الوقت الحاضر من اللغات غير الحية لندرة استعمالها، ولعدم استخدامها في الكتابة والقراءة بين ابناءها، بل غدت لغة محكية فقط. ويشهد العراق الان محاولات جادة لإحيائها من خلال استحداث المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية منذ عام 1998.

• عدم توفر المطابع بالسريانية، مما دفع الكتاب والمطابع الى اعتماد صيغة رسم الحروف السريانية. وهذا ما ادى الى قلة استخدامها، في حين لم تعاني الصحافة الكردية من هذه المشكلة لاستخدامها الحروف العربية ولاحقا الحروف اللاتينية.

• تعدد المطبوعات الصحفية من مجلات وصحف الى جانب قلة القراء وضعف انتشار المطبوع، لابل ان بعض المطبوعات لا تلقى اي رواج وتكاد لا تذكر عند جردها.

• عدم وجود كادر صحفي متخصص بالصحافة والاعلام، وانما يعمل في هذه الصحف والمجلات مجموعة من الشباب الهواة. وهذا يسري على عموم الصحافة في العراق.

• لقد عانى مؤرخو هذه الصحافة من اشكالية التسمية نتيجة لاستخدام تسميات متعددة كالأثورية والاشورية والكلدانية اضافة للسريانية التي كنّا اول من استخدمها مجاراة للقانون في دراستنا الموسومة عن تاريخ الصحافة السريانية في العراق والمنشور في مجلة أثرا(الوطن) في دهوك، العدد 16 لعام 1997، الا ان ضعف المجلة وعدم انتشارها وضعف حماية حقوق الملكية الفكرية قد أضاع قيمة تلك الدراسة. ويبدو ان المرحوم فائق بطي قد استحسن هذه التسمية، فعنون كتابه الرائع موسوعة الصحافة السريانية في العراق عام 2014. وقد استقر هذا المصطلح مؤخرا فأخذت تستخدمه جميع الطوائف والاحزاب المسيحية في العراق.

• اعتماد اسلوب الاستبعاد لكل مطبوع أو كاتب أو صحفي أو مؤسسة تمارس العمل الصحفي بلغات أخرى حتى لو كانت تدافع عن السريان. وهذه نظرة قبلية تقوم على التخوين والنبذ والتجاهل.

• تجاوز إطار الدولة في الاعتماد على مطبوعات تصدر خارج العراق، لابل حتى في كتابة تاريخ هذه الصحافة. وكانت معظم الكتابات تشير الى مطبوعات صدرت خارج حدود العراق، كما هو الحال في الصحافة الكوردية والتركمانية.

وبشكل عام، فقد عانت الثقافة السريانية من اهمال كبير طيلة عشرة عقود متتالية، مما ادى الى ضعفها بعد ان كانت لغة العلم والثقافة طيلة عشرة عقود مماثلة سبقتها. وفي تقديرنا فان هذه الثقافة قد شهدت اضطهادا متواصلا على يد الحكام المسلمين عقب انتهاء الحروب الصليبية كما اضطهد ابناؤها، ولم يعد اعتبارها الا بعد زوال حكم العثمانيين وبداية الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917، باستثناء فترة قصيرة جدا بداية العهد المغولي للعراق. وكما قال أحد رواد الصحافة السريانية وهو الملفان نعوم فائق بأن:"الأمة التي ليس لها جرائد هي أمة خرساء وصماء وخاملة".

أما الصحافة السريانية فهي لم تحتل ما احتله الأدب من شهرة وديمومة، نتيجة للتنقلات المستمرة بين المناطق التي يعيش فيها السريان. وترجع بداية الصحافة السريانية عموما الى عام 1849 بظهور صحيفة (ܙܗܪܝܪܐ ܕܒܗܪܐ) زهريرا دبهرا (شعاع النور) التي صدر عددها الاول في 1 تشرين الثاني 1849 في مدينة أورميا بايران واستمرت بالصدور حتى عام 1918، والذي اعتبر لاحقا عيدا للصحافة السريانية. لذا تعد هذه الصحافة واحدة من أقدمها في المنطقة.

أما باكورة الصحافة السريانية في العراق فكانت مجلة (ܟܠܝܠܐ ܕܘܪܕܐ) أكليل الورد التي أصدرها الاباء الدومنيكان في الموصل اواخر عام 1902 واستمرت بالصدور حتى عام 1907. ومجموع ما صدر منها بالسريانية 330 عدداً. تلتها مجلة (ܐܬܘܪܝܐ) أثورايا (الاثوري) التي اصدرها نادي أثورية عام 1927، وفي السنة التالية أصدرت البطريركية الكلدانية مجلة (ܟܘܟܒܐ) النجم للقس سليمان الصائغ في الموصل، فصدر عددها الاول في 25 كانون الاول 1928 واستمرت تصدر بانتظام - سوى توقفها اثناء الحرب العالمية الثانية – لمدة ستة عشرة سنة، وآخر عدد صدر منها في 1 حزيران 1956. وكانت تكتب باللغة الكلدانية الا ما ندر في عناوين صغيرة للتوضيح وباستثناء اسمها الذي طرزت به غلافها. ثم تلتها مجلة (ܢܘܗܪܐ) النور في بغداد، التي رآس تحريرها القس (المطران لاحقاً) يوسف بابانا، وهي كسابقتها صدرت باللغة العربية ولم تكتب بالكلدانية باستثناء اسمها الذي طرزت به غلافها، وقد صدر عددها الاول في 25 كانون الاول 1949، وكان آخر عدد صدر منها في آذار 1956. ثم مجلة (ܩܠܐ ܡܢ ܡܕܢܚܐ) قالا من مدنحا (صوت من المشرق) والتي أصدرها السيد كاكو لازار في الموصل عقب الحرب العالمية الثانية، ثم مجلة (ܠܙܘܐ) لزوا (العصبة) للقس إيشو دمرزعيا في النصف الاول من القرن الماضي، واخيرا مجلة (ܦܢܩܝܬܐ) بنقيثا (المجلد) التي أصدرها القس يوخنا دانيال البازي عام 1951. واخير مجلة الفكر المسيحي التي أصدرها كهنة يسوع الملك في الموصل عام 1964 ومازالت مستمرة بالصدور.

- فترات الصحافة السريانية

ويمكن تقسيم تاريخ الصحافة السريانية في العراق الى عدة فترات، وهي: -

1. فترة الولادة (1901- 1968)، أي منذ بداية القرن العشرين الى حكم حزب البعث في العراق.

2. فترة الاقرار (1972- 1991)، أي منذ صدور قرار منح الحقوق الثقافية ولغاية انشاء الملاذ الآمن شمال العراق.

3. فترة الملاذ الآمن (1992- 2003)، أي منذ انشاء المنطقة الآمنة وحتى سقوط نظام حزب البعث.

4. فترة الانتعاش (2003- حتى يومنا هذا)، أي منذ دخول القوات الامريكية لبغداد حتى الان.

ولقد ظلت الحقوق الثقافية للسريان مهدورة ولم يلتفت اليها احد منذ تأسيس الحكم الملكي في العراق عام 1921 حتى عام 1972 حيث صدور قانون منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية بموجب قرار مجلس قيادة الثورة المرقم 251 لعام 1972، والذي نص على منح الحقوق الثقافية للمواطنين الناطقين بالسريانية من الأثوريين والكلدان والسريان، فبدأت الحركة تدب من جديد في اوصال الصحافة السريانية ، حيث نصت الفقرة (ه) من القرار المذكور على اصدار مجلة شهرية باللغة السريانية من قبل وزارة الاعلام، وقد صدرت تبعا لذلك عدة مجلات منها:-

- مجلة (ܡܘܪܕܢܐ ܐܬܘܪܝܐ) موردنا أتورايا (المثقف الاثوري) من 1974-1991.

- مجلة (ܣܦܪܐ ܐܣܘܪܝܝܐ) سبرا سوريايا (الكاتب السرياني).

- مجلة (ܚܘܝܕܐ) خويادا (الاتحاد) من 1985- 1990.

- مجلة (ܒܝܬ ܢܗܪܝܢ) بيث نهرين (بين النهرين) من 1973- حتى الان.

- مجلة (ܩܠܐ ܣܘܪܝܝܐ) قالا سوريايا (الصوت السرياني) 1973- 1984.

- مجلة (ܐܬܪܐ) التي اصدرها نادي نوهدرا في دهوك عام 1975- 1990، وظلت متعثرة في صدورها. وقد توليت شخصيا مهمة اعادتها بعد توقف طويل، فأصدرت بالتعاون مع الزميل أفرام فضيل البهرو عددا جديدا في صيف 1997، الا انها عادت متعثرة في صدورها ثانية.

- مجلة مجمع اللغة السريانية عام 1975- 2005 ورآس تحريرها الاب يوسف حبي.

أما صحافة الملاذ الآمن شمال العراق للفترة من 1991-2003 فقد تميزت بفترة انتعاش نسبي غير مسبوق في العراق، فصدرت عدد من الصحف والمجلات وظهرت عدد من القنوات التلفزيونية الفضائية، الا انها عانت من نفس ظروف شقيقتها الكردية في انها كانت أسيرة الاحزاب السياسية التي تمولها وتصدرها. ومن تلك الصحف: -

1. صحيفة (ܒܗܪܐ) بهرا (الضياء)، التي اصدرتها الحركة الديمقراطية الاشورية منذ 1982- ومازالت مستمرة.

2. صحيفة (ܟܓܒܐ ܕܒܝܬ ܢܗܪܝܢ) كخوا دبيث نهرين (نجم بين النهرين)، أصدرها المركز الثقافي الاشوري في دهوك عام 1992- حتى الان.

3. صحيفة (ܒܝܬ ܢܗܪܝܢ) بيث نهرين (بين النهرين)، أصدرها حزب بين النهرين في أربيل عام 1992- حتى الان.

4. صحيفة (ܟܟܒܐ ܕܡܕܢܚܐ) كوخوا دمدنخا (نجم المشرق)، اصدرتها بطريركية بابل الكلدانية في بغداد عام 1995- حتى الان.

5. صحيفة (ܐܘܦܩܐ) أوفقا (الافق)، أصدرتها الكنيسة الشرقية القديمة في بغداد عام 1997- وحتى الان.

6. صحيفة (ܟܢܪܐ ܕܪܘܚܐ) كنارا دروخا (قيثارة الروح)، اصدرها مطرانية كنيسة المشرق في بغداد عام 1998- وحتى الان.

7. صحيفة (ܩܠܐ ܟܠܕܝܝܐ) قالا كلدايا (الصوت الكلداني)، اصدرها المركز الثقافي الكلداني في دهوك عام 1998- وحتى الان.

8. صحيفة (ܦܢܝܦܐܠ) بانيبال، اصدرتها المديرية العامة للثقافة السريانية في أربيل عام 1998- حتى الان.

- بواكير الصحافة النسوية السريانية

وقد عانت الصحافة السريانية من ضعف مشاركة المرأة فيها اسوة بنظيرتيها العربية والكردية الا انها كانت سباقة عليهما – كما رأينا- فأقدم مساهمة نسوية تعود الى مريم نرمه لعام 1921، كما انها اول من اصدرت مطبعا نسويا متخصصا عام 1923. وقد حاولنا جاهدين تعقب أدنى مساهمة نسوية سريانية فأحصينا عدد من المساهمات الادبية وباللغة السريانية وإن بدت صغيرة وضعيفة الا انها تبقى محاولات جريئة، وهي: -

1- لوديا مرقوس، من أكلات الصوم في القرية الأثورية، مجلة المثقف الأثوري، العدد 15 لعام 1978.

2- يوليا ريحانة، دعوة للفتاة الأثورية، مجلة الصوت السرياني، العدد 26 لعام 1980.

3- يوليا ريحانة، من الاعياد الأثورية، مجلة الصوت السرياني، العدد 29 لعام 1981.

4- يوليا ريحانة، من الاكلات الشعبية، مجلة الصوت السرياني، المجلد السنوي لعام 1982.

5- ماركنيتا بدريشا، ترنيمة في الطريق الى المعركة - شعر، مجلة المثقف الأثوري، العدد 31 لعام 1984.

6- ماركنيتا بدريشو، حب كل شيء (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العدد 32 لعام 1985.

7- ماركنيتا بدريشو، قصة قصيرة، مجلة المثقف الأثوري، العدد 32 لعام 1985.

والى جانب هؤلاء، فقد جرى نشر مساهمات نسوية أخرى في الصحافة السريانية، ولكنها كانت جميعها باللغة العربية، وقد أحصينا اهمها، وهي: -

8- مارلين يترون، اليك ايها الغريب، مجلة المثقف الأثوري، العدد 1 لعام 1973.

9- جوليت زكريا، اليه، مجلة المثقف الأثوري، العدد 1 لعام 1973.

10- مارلين يترون، من الاعماق، مجلة المثقف الأثوري، العددين 3-4 لعام 1974.

11- مي اسطيفان بيداويد، الفكر السرياني المخضرم، مجلة الصوت السرياني، العدد 5 لعام 1975.

12- أكنس يوخنا جورج، اراء في الاغنية الاثورية، مجلة المثقف الأثوري، العدد 6 لعام 1975.

13- أستر دانيال، اراء في الاغنية الأثورية، مجلة المثقف الأثوري، العدد 6 لعام 1975.

14- نعيمة نجيب، نعم للرجل، للمرأة لا، مجلة الصوت السرياني، العدد 8 لعام 1975.

15- نوال خضر اسطيفان، حكم في الصباح الندي، مجلة الصوت السرياني، العدد 8 لعام 1975.

16- فلورنس جون ايشو سابر، بكاء لقديسة الوعد (شعر)، مجلة الصوت السرياني، العدد 8 لعام 1975.

17- ايف يوسف، أنا من فقدت ظلي (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العددين 9-10 لعام 1976.

18- زابيت رول، وعدتك (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العددين 9-10 لعام 1976.

19- برناديت سامبيو، نداء (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العددين 9-10 لعام 1976.

20- أكنس يوخنا جورج، بكاء الشمس، مجلة المثقف الأثوري، العدد 11 لعام 1977.

21- كبرييلا يونان، عرض لتاريخ الادب الأثوري الحديث، مجلة الصوت السرياني، العدد 23 لعام 1979.

22- جاكلين يوخنا زيا، الزمان (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العدد 31 لعام 1984.

23- جاكلين يوخنا زيا، أراك (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العدد 31 لعام 1984.

وبطبيعة الحال، فإلى جانب هؤلاء كان هناك صحفيات مسيحيات مارسن الصحافة والأدب في الصحف والمجلات الرسمية وكتبن باللغة العربية، وحققن شهرة واسعة تفوق اللاتي كتبن بالسريانية أو العربية في الصحافة السريانية، أمثال: -

- انعام كجه جي.

- مريم السناطي.

- فرقد ملكو.

وبحسب اطلاعنا وبحثنا المستمر يمكن القول بأن لوديا مرقس هي أول أمرأه تلج ميدان الصحافة السريانية في العراق وان كانت مساهمة وحيدة في هذا المجال. كما ان اول امرأة تتولى وظيفة صحفية في الصحافة السريانية العراقية هي الانسة جاكلين يوخنا زيا التي كانت عضوة هيئة تحرير مجلة المثقف الأثوري ابتداءً من العدد 31 لعام 1985. وتلا ذلك جريدة نهرانيثا التي كانت تصدر عن اتحاد النساء الآشوري في أربيل بالبداية، وهي متخصصة بشؤون المرأة ثم انتقلت الى بغداد وتوقفت لاحقاً. ويمكن ببساطة ملاحظة ضآلة الانتاج النسوي السرياني في العراق وتأخر المشاركة النسوية لفترة طويلة نسبيا عن مثيلاتها، وربما كانت اللغة سببا في ذلك. واليوم تشهد الساحة الاعلامية ظهور عدد كبير من الاعلاميات والصحفيات بما يبشر بجيل جديد واعد وطاقات شبابية مبدعة.

وقد تم استحداث قسم اللغة السريانية في كلية اللغات – جامعة بغداد، حيث قد حصلت الموافقة على فتح القسم المذكور بموجب كتاب مجلس الحكم المرقم 1228 في 31 آذار 2004، وبدأ التدريس في القسم في تشرين الثاني 2004. تخرجت الدفعة الاولى (دفعة نعوم فائق) عام 2008. عسى ان يساهم ذلك في تقدم وتطوير الصحافة السريانية عموما والنسوية خصوصا.

د. رياض السندي - سويسرا

....................

المصادر

أولا. الكتب

1. عبد الرزاق الحسني، تاريخ الصحافة العراقية، الجزء الاول عام 1935.

2. روفائيل بطي، الصحافة في العراق، طلبة معهد الدراسات العربية العالية، القاهرة 1955.

3. صبيحة الشيخ داود، أول الطريق الى النهضة النسوية في العراق، بغداد 1958.

4. فائق بطي، الموسوعة الصحفية العراقية، بغداد 1976.

5. د. فائق بطي، موسوعة الصحافة السريانية في العراق - تاريخ وشخصيات، بغداد 2014.

6. د. خالد حبيب الراوي، تاريخ الصحافة والاعلام في العراق منذ العهد العثماني وحتى حرب الخليج الثانية، (1810-1990)، ط1، دمشق 2010.

7. المس بيل، العراق في رسائل المس بيل 1917- 1926، ترجمة وتعليق جعفر الخياط، ط 1 بيروت

8. فيليب دي طرازي، عصر السريان الذهبي، القاهرة 2013.

9. يعقوب يوسف كوريا، حكايات عن الصحافة في العراق، ج 1، بغداد 1969.

ثانيا. المقالات والبحوث

10. المحامي رياض السندي، تاريخ الصحافة السريانية في العراق، مجلة أثرا (الوطن) دهوك، العدد 16 لعام 1997.

11. رياض السندي، الوصية الاخيرة لأول صحفية عراقية، صحيفة الاتحاد، اتحاد الصناعات العراقي (بغداد)، العدد 92، 2 تشرين الاول 1988.

12. د. شكرية كوكز خضر السراج، التغطية الصحفية لموضوعات المرأة في الصحافة العراقية بعد أحداث 2003، دراسة تحليلية في عينة من صحف بغداد، مجلة كلية الآداب-بغداد، العدد 93،2010.

13. د. شكرية كوكز خضر السراج، الصحافة المتخصصة في العراق بعد احداث ٩/٤/ ٢٠٠٣- تقويم الصحفيين العراقيين لأدائها، مجلة الباحث الاعلامي، العدد 4، آذار 2008.

14. شاكر مجيد سيفو، قراءة عامة في الصحافة السريانية، صحيفة صوت الاخر، العدد 408 في 24/10/2012.

15. حنان أويشا، (165) عامـا عـلى ميـلاد الصحافـة السريانيـة، صحيفة الصباح(بغداد)، 9/11/2014.

ثالثا. المجلات والصحف

16. مجلة دار السلام، العدد 11 من المجلد الرابع – السنة الرابعة والصادر في 29 آيار 1921.

17. مجلة نشرة الاحد، السنة الاولى، العدد 12 في 19 آذار 1922.

18. مجلة ليلى (بغداد) العدد الاول الخامس عشر من تشرين الأول-أكتوبر سنة 1923.، والعدد الخامس السنة الاولى 15 شباط 1924، والعدد 20 الصادر في 15 آب 1925.

19. مجلة النجم (الموصل)، العدد 11 السنة الثانية 25 تشرين الاول 1930.

20. مجلة المجمع العلمي العراقي (بغداد)، اعداد متفرقة للسنوات 1973- 2005.

21. مجلة فتاة الرافدين (البصرة)، العدد 9 آذار 1944.

22. مجلة مجمع اللغة السريانية (بغداد)، اعداد متفرقة للأعوام 1975-2005.

23. جريدة الجمهورية - الملحق الاسبوعي للعدد 470 في 41/6/1969.

24. مجلة المثقف الأثوري (بغداد)، اعداد متفرقة للأعوام 1978-1985.

رابعا. المواقع الالكترونية

25. ابراهيم خليل العلاف، بولينا حسون ومجلة ليلى وبدايات الصحافة النسائية في العراق، موقع الحوار المتمدن، 4/11/2009.

26. منى هلال، الآداب غير العربية في سورية، الجزء الأول، موقع معابر الالكتروني.

nabil alrobaei2المكانة الاجتماعية لغير المسلمين الشرعية في المجتمع الإسلامي نتاجاً لمعاملتهم معاملة حسنة بأنهم أهل الذمة أو أهل الكتاب التي نجدها في القرآن، وكذلك وفق اتفاقيات بدأت منذ صدر الإسلام عام 634م وما بعدها، حين فتحت المدن والبلدان على أيدي جيوش المسلمين، بدأوا بتبني سياسة أكثر انسجاماً تقوم على مبدأ الصلح المعتمد على الأمان أساساً له، أو الوعد بالأمان الذي يعطى مقابل أن يدفع أهل الذّمة أو أهل الكتاب الجزية. هذه المنظومة الأساسية كانت تطبّق على وفق الروايات التاريخية الإسلامية، مع بعض الشروط والالتزامات الإضافية التي كانت تطبّق أحياناً وتختلف من مكان إلى آخر. والمصادر الإسلامية التي تعود إلى القرن الثالث والرابع الهجري وما بعده تقّدم لنا غالباً تقارير تتعلّق باتفاقيات الحماية لأهل الذمة تحت نظام الدولة الإسلامية.

عند تتبع حال أهل الذمة في بغداد السلام يتبين لنا أن المسلمين قد تتبعوا ظهور التشريعات بغير المسلمين منذ ظهور الإسلام، وتطبيق هذه التشريعات عليهم في ظل الحكم الإسلامي، بدءاً بالاتفاقات الموقعة زمن ظهور الرسالة الإسلامية فصاعداً أو ما تسمى بالشروط العمرية، وهي حقبة وضعت فيها أسس العلاقة بين الحكام المسلمين وأهل الذمة.

يبدو أن بناء بغداد في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور مرحلة هامة على طريق تعزيز الدولة العباسية، كما لوجود علاقة وثيقة بين قيام الدولة العباسية وبناء بغداد ونمو العامة فيها وتعدد وجود أبناء الديانات والمذاهب والقوميات الدور الكبير في تطوير المدينة وخلق جو من التعايش السلمي بين أبنائها، في حين كان المجتمع الإسلامي يخرج من التنظيم القبلي إلى التنظيم السكني أو الحضري، باتجاه قيام مجتمع تتوفر فيه شروط الاستقرار السياسي والاجتماعي مما أصبحت مدينة بغداد كبرى المدن وعامرة بالناس والأسواق.

لذلك من يرغب أن يقدم دراسة عن حال أبناء الذمة في مدينة بغداد يمكن أن يشكل نقطة البداية لتطور حالة المجتمع البغدادي ويبين التعايش السلمي بين أبناء بغداد من جميع الطوائف ودور أهل الذمة في المجتمعات الإسلامية، وبخاصة أن بغداد كانت أول عاصمة عربية ضمت كثافة عالية من السكان المتعددي الأصول العرقية والدينية والمذهبية، واللذين خاضوا تجربة العيش ضمن ظروف جديدة في عاصمة عالمية تختلط فيها الثقافات القديمة، لكن بغداد استقبلت العديد من أبناء أهل الذمة مستفيدين من توسع مجالات الإنتاج وازدهار الحركة النقدية واحترام حكام بغداد وسلاطينها لأبناء أهل الذمة ورجالات الدين.

أهل الذمة يندرجون ضمن مفهوم الموقف الشرعي، وقد عبرَّ عنه الأوزاعي بقوله: (إنهم ليسوا بعبيد ولكنهم أحرار أهل الذمة). ورأى الليث بن سعد في فداء أهل الذمة إذا وقعوا في الأسر (أن يفدوهم من بيت المال ويقروا بذمتهم)(1). وقد عاش أهل الذمة مع المسلمين بموجب عهود كانت ترعى مصالحهم، مقابل ضريبة يؤدونها عن رؤوسهم(2)، وأهل الذمة هم من النصارى واليهود والصابئة والمجوس والسامرة.

نصارى بغداد:

ويذكر الشابشتي في كتابه الديارات حول مكانة النصارى في عهد الخليفة المنصور إذ قال: (أقام النصارى في منطقة بغداد قبل تمصيرها، وأدخل المنصور في مدينته الكثير من قراهم وأديرتهم، منها القرية التي بها دير مارفثيوس الذي عرف في العهد العباسي بالعتيق، ومنها قريتا درتا وقطفتا ومنها دير كيليشوع عند باب الحديد، وفي هذا الدير دفن البطريك طماثاوس (205هـ) الذي جعل إقامته فيه حتى عرف باسم دير الجاثليق)(3).

كانت إقامة النصارى داخل بغداد متجاورين مع المسلمين، وعرفت مناطقهم في بغداد بـ(قطيعة النصارى) التي أقطعها لهم المنصور وكانت تقع بين نهر الدجاج ونهر طابق، كما نزلوا في درب القراطيس(4).

قدر المؤرخ أدم متز في كتابه الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري عدد النصارى في بغداد خلال القرن الرابع الهجري ما بين 40 وخمسين ألف شخص (5)، وقد كانت واردات الجزية كما يذكرها آدم متز في كتابه أعلاه في القرن الرابع الهجري، التي كان يدفعها أهل الذمة في بغداد، والتي بلغت في القرن الثالث الهجري 130 ألف درهم، وبلغت في قائمة قدامة بن جعفر المائتي ألف درهم، كما بلغت في أوائل القرن الرابع الهجري 160 ألف درهم، ويعني هذا أن عدد دافعي الضريبة من أهل الذمة يبلغ خمسة عشر ألفاً مع العلم أن هذه الضريبة لم يكن يدفعها الجميع، إذا استثنى منهم الصبيان والنساء والمساكين والمقعدون والعميان والخدم والمجانين ومعظم أهل الصوامع (6).

خضع نصارى العراق لرؤساء دينيين، وكان الجاثليق ينتخب بين عدة مرشحين، وكان الجاثليق النسطوري رئيساً شرعياً للنصارى الشرقيين في خلافة المقتدر. ولعل الأهمية الخاصة التي كانت لمنصب الجاثليق كانت وراء التنافس الشديد الذي كان يجري بين المرشحين أحياناً، مما حملَّ البعض على دفع الرشا إلى الناخبين، أو الاستعانة بالسلطة السياسية للوصول إلى كرسي البطركية، فقد لجأ طاماثوس إلى إغراء تلامذة المدرسة الدينية في المدائن ووعدهم بتوزيع الأموال عليهم في حال انتخابه، واستعان أحد المطارنة بمال أودعه لديه أحد البدو والإعراب دفع منه مبلغ 200 دينار لأحد معارضيه (7).

كانت الكثير من المشاكل تجابه المرشحين لكرسي البطركية، وتعهد الكثير منهم أن لا يتعرض لجمع المال وأن يؤخذ الرشا وألا يمنح رتبة الكهنوت إلا لمستحقيها (8)، كما للبطاركة والمطارنة في بغداد نشاطاً طيباً فلهم الدور في تجديد أديرتهم وترميم بناء دير مارفثيون في العتيقة في القرن الثالث الهجري، وهو الذي أقيم في عهد الفرس، وأخرج المنصور من فيه من المسلمين عند بناء بغداد، وبعد تجديده، ألحقت بهذا الدير مدرسة مجهزة بالمعلمين، كما أصبح مقر البطركية. وفي سنة 349ه، بنيت البيعة الكبيرة بدار الروم وجددت بيعة العتيقة (9).

وفي العهد العباسي تولى النصارى الكتابة والجهبذة، وتولى نصرانياً كتابة ديوان الجيش لكل من الموفق والمعتضد، وفي القرن الرابع الهجري وجه اللوم إلى علي بن فرات الوزير في تقليده ديوان الجيش رجلاً نصرانياً، لأنه جعل أنصار الدين وحماة البيضة يقبلّون يده ويمتثلون أمره، كما كان النصارى داخل قصر الخلافة، فقد كانت إحدى جواري المهدي تعلق صليباً في صدرها، وكانت فرج النصرانية تعمل كاتبة لدى أم موسى القهرمانة (10).

مع كل الامتيازات التي حصلوا عليها النصارى في ظل الدولة العباسية إلا أنهم تعرضوا لنقمة بعض الخلفاء، فقد أمر الرشيد وهو في مواجهة البيزنطيين (191هـ)، بأخذ أهل الذمة في بغداد بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم، وأعاد المتوكل سنة (235هـ) أخذ النصارى وأهل الذمة بلباس الطيالسة العسلية والزنانير والركوب بالسروج، ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان، وأن يتعلّم أولادهم في كتاتيب المسلمين ولا يعلمهم مسلم، وفي سنة (296هـ) أمر المقتدر أن لا يستعان بأحد من اليهود والنصارى، فألزموا بيوتهم وأخذا بلبس العسلي والرقاع من خلف وقدام وأن تكون لهم ركبهم خشباً (11).

وفي القرن الثالث الهجري كان النصارى أرباب مهنة الطب ورجال المال، وقد اشتهر الطبيب أسد بن جاني كساد في مهنة الطب، وكان النصارى يمارسون حياة عادية لا تختلف عن غيرهم، وكانوا يتقدمون من القاضي المسلك لينظر في دعاواهم، كما دخلوا حمامات المسلمين، وأفادوا أحياناً من الصدقات التي تعطى للمحتاجين (12).

أما أعياد النصارى في بغداد فكانت مظهراً من مظاهر البهجة يشارك فيها المسلمون، فذكر الشابشتي في كتابه الديارات : (أن أعياد النصارى ببغداد مقسومة على ديارات معروفة، منها أعياد الصوم الكبير تقام على أربعة أيام آحاد متتالية. فالأحد الأول منه عيد دير العاصية، الأحد الثاني دير الزرافية، الأحد الثالث دير الزند ورد، والأحد الرابع دير رمالس الذي يجتمع إليه نصارى بغداد، كذلك نصارى بغداد يخرجون في أحد الشعانين (13).

لكن النصارى وأهل الذمة لم يسلموا من بعض المتعصبين والمتشددين من المسلمين أيام الاضطرابات السياسية، ففي سنة (271هـ) وثب العامة على النصارى وخربوا الدير العتيق ونهبوا كل ما فيه من متاع وقلعوا الأبواب والخشب وسار إليهم صاحب الشرطة فمنعهم من هدم الباقي وكان يتردد على حمايته أياماً. وتعرض هذا الدير في العام التالي لهجمات العامة وبسبب هذا الشغب أنهم أنكروا على النصارى ركوب الدواب. وعلى أثر ضائقة اقتصادية افتتحت الجوالي سنة (331هـ) في ربيع الأول فلحق أهل الذمة خبط عظيم وظلم قبيح، وفي سنة (392هـ) ثار العامة على النصارى فنهبوا البيعة بقطيعة الدقيق وأحرقوها فسقطت على جماعة من المسلمين فهلكوا. وفي سنة (403هـ) توفيت بنت أبي نوح بن أبي نصر بن إسرائيل أحد كتاب النصارى، فأخرجت جنازتها نهاراً ومعها النوائح والطبول والزمور والصلبان والشموع، فقام رجل من الهاشميين فأنكر ذلك، فضربه أحد غلمان الكاتب مما تسبب في فتنة أدت إلى تدخل العامة وانتهت بإلزام أهل الذمة الغيار(نوعية اللباس) (14).

تعتبر هذه الاضطهادات أحداثاً استثنائية قد تعرض لها أبناء النصارى في بغداد بسبب إقامتهم بين باب البصرة ذي الأكثرية السنية وبين الكرخ ذي الأغلبية الشيعية، فكانت الصدامات بين هاتين الفئتين تجري في قطيعة النصارى. لكن مع هذا فإن النصارى تمتعوا في ظل العهد العباسي بمركز أفضل بكثير من الذي كان عليه بعض الجماعات الإسلامية، لأن المحاورات لم تكن لتتم بين أعداء يريد بعضهم تدمير البعض، لكن الجاحظ يؤكد قائلاً : (وبالفعل فقد ترك كثير منهم عقد الزنانير وامتنع كثير من كبرائهم من أداء الجزية، مع اقتدراهم من دفعها، وسبّوا من سبَّهم وضربّوا من ضربّهم (15).

كما أجبروا النصارى على ركوب الحيوان دون سرج لكن يجب أن يركب على برذعة، وأي امرأة من نسائهم يجب أن لا تركب على سرج، بل يجب أن تركب على برذعة، ويجب أن لا يبخسوا على حيوانات الركوب بساقين منفرجتين، ويجب أن يضعوا سيقانهم في جهة واحدة. ويورد ابن عبد الحكم في كتابه سيرة عمر بن عبد العزيز قائلاً : اكتبوا لهم رسالة حازمة بشأن هذا وأرضوني فيما يتعلق بهذا(16).

أما في عهد الخليفة العباسي المنصور فقد أزال الصلبان من على قمم الكنائس، وأمر بوجوب إضافة علامات على أشجار نخيل الذّميين، وفرض الجزية على الرهبان، الذين كانوا معفيين منها حتى ذلك الوقت. لكن وجدَ أمر إزالة الصلبان من قبل عمر بن عبد العزيز، فهو يرجع إلى القرن الثاني الهجري، في حين أن أول محاولة منظمة لإقصاء غير المسلمين عن المناصب العامة قام بها عبد الملك بن مروان، في حين قام بالثانية عمر بن عبد العزيز (17).

أمر هارون الرشيد أن تسوي الكنائس في المناطق الحدودية بالأرض، أمر كان له علاقة من دون شك بالوضع الأمني على طول الحدود. أما أن يغير أهل الذمة مظهرهم فقد تمت صياغتها على يد المستشار الشرعي لهارون الرشيد، أبو يوسف (ت789م). ويذكر الطبري أن الرشيد أمر أن يغيّر الذّميون في بغداد مظهرهم كي يختلفوا عن المسلمين (18).

لكن مرسوم أبي يوسف مرسوم عام ينطبق على غير المسلمين جميعاً، والأسباب حيثما يكون هناك حضور إسلامي معتبر، وبين زمن هارون الرشيد وزمن المتوكل ثمة خبر يتعلّق بالخليفة الواثق (حكم 842/847م)، الذي حظر استخدام النواقيس في الكنائس (19).

ويخبرنا ابن الجوزي أنه في العام 236هـ/ 850-851م، في أعقاب المرسوم العام الذي صدر في شوال 235هـ/ 850م (20)، طُرِد المسيحيون من الوظائف العامة، كذلك فقد أعفوا من الولايات ولم يعودوا يستخدمون عموماً في أي شيء له علاقة بأمور المسلمين، والحظر على القيام بمواكب جنائزية عامّة، كما أجبروا أهل الذمة على اعتناق الإسلام.

نبيل عبد الأمير الربيعي

....................

المصادر

1- فاروق عمر. العباسيين الأوائل. ج2. ص167. دمشق. 1973. دار الفكر.

2- يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف. كتاب الخراج. بيروت. 1989. ص131.

3- أبو الحسن علي بن محمد الشابشتي. الديارات. تحقيق كوركيس عواد. بغداد. ط2. 1966. مكتبة المتنبي. ص3/4.

4- فهمي عبد الرزاق سعد. العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجريين. ط1. 2013. اتحاد الناشرين العراقيين. ص74.

5- آدم متز. الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري. ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة. ط3. القاهرة. 1957. ج1. ص66.

6- المصدر السابق. ج1. ص66.

7- أحمد بن علي القلقشندي. صبح الأعشى في صناعة الأنشا. القاهرة. 1964. ج10. ص295/297.

8- عمرو بن متي. أخبار بطاركة كرسي المشرق. من كتاب المجدل. بعناية جسمو ندي. بيروت. ص81/82.

9- أحمد بن القاسم ابن أبي أصيبعة. عيون الأنباء في طبقات الأطباء. تحقيق نزار رضا، بيروت. 1952. ص69/70.

10- هلال بن المحسن الصابي. تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء. تحقيق عبد الستار فرج. بغداد. 1964. دار إحياء الكتب العربية. ص109.

11- ابو جعفر محمد بن جرير الطبري. تاريخ الرسل والملوك. القاهرة. 1960/1969. دار المعارف. 1985. ج8. ص324.

12- أحمد بن محمد مسكوية. تجارب الأمم. القاهرة 1992. مطبعة التمدن. جزءان وملحقان. ج2. ص408.

13- الشابشتي. الديارات. مصدر سابق. ص3/4.

14- أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. حيدر آباد الدكن. 1992م. مطبعة دائرة المعارف. بيروت. ج5. ص82/84.

15- ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (255هـ). الرد على النصارى. ضمن ثلاث رسائل. القاهرة. 1382ه. المطبعة السلفية. ص18.

16- أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم، سيرة عمر بن عبد العزيز. القاهرة، 1994. ص140.

17- ملكة ليفي روبين. أهل الذمة في صدر الإسلام. ص215.

18- الطبري. تاريخ الرسل والملوك. مصدر سابق. المجلد الثامن. ص985.

19- ملكة ليفي روبين. أهل الذمة في صدر الإسلام. ص216.

20- ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، المجلد الحادي عشر. لندن وبيروت 1992. ص222/223.

 

 

mutham aljanabi2يبدأ الدين بالإلهام والوحي الباطني لأنه عادة ما ينطلق من الواحد والوحدة النافية للتجزئة والاختلاف والصنمية. وعادة ما يتراكم في شخصية الأنبياء في هيئة تحد مرير لحالة أكثر مرارة. ومن تراكم الأصوات القبيحة للتخلف والاختلاف المعجون بالتجزئة والانحطاط تتفجر ينابيع "الصوت الصافي" بعد مروره برمال وأحجار المعاناة المتكسرة في طريق الحلم بعالم يرتقي في ميدان الروح والجسد إلى مصاف الذرى. من هنا عادة ما يتخذ الحلم الإنساني في الدين أكثر الصور نقاوة، لأنه يحلم بروح متسامية وجسد متمتع بها خارج التاريخ، باعتبارها المعادلة الوحيدة التي تجعل الأسطورة معجزة، والمعجزة أملا مرتقبا وحلما ثابتا ومطلقا. كما أنه الحلم الذي يسعى للتعويض عن قيمة الحدس المحير لصوت الأزل الإنساني بالسعادة وصورتها الأبدية المتخيلة. فهو يسعى إلى أن يكون باطن الروح الإنساني وظاهره الجسدي. بمعنى حصر الروح والجسد في رؤيا غالية في الخيال مهمتها صنع اليقين الضروري والجازم بان خلاص المرء هو خلاص فردي بينما حياته بالجماعة. وهي ثنائية مرهقة بالنسبة لكيفية توليف الماضي والمستقبل، وذلك لأن حاضرها عادة ما يغيب في غيب الترقب الدائم لقيام القيامة بوصفها معقل الحلم وبوابته المثيرة.

أما العقل الفلسفي فيبدأ بالتأمل العقلي والشك المنطقي في كل قضايا الوجود ومظاهره. ومن خلاله تتراكم عناصر الرؤية الذهنية المستقلة في بحثها عن علل الأشياء والظاهر. وفي مجرى هذه العملية تتهذب أساليب بلوغ الحقيقة، لكنها تصب في نهاية المطاف في تيار واحد، ألا وهو تيار الإقرار بالتنوع والاحتمال ووحدة الشك واليقين. وقد أبدعت هذه الصيغة على نموذجها مثال الحلم الإنساني وإمكانية تحقيقه في مجرى المعاناة الفعلية المرافقة للحياة بوصفها صيرورة وكينونة دائمة للروح والجسد الفردي والاجتماعي والثقافي والعالمي. الأمر الذي جعل من العقل الفلسفي محور ومعقل المساعي المتنوعة والمختلفة والمتباينة والمتضادة لتمثل ما يبدو له الصيغة الأكثر تجانسا لتحقيق الحلم الإنساني. فقد سعى العقل الفلسفي دوما لتحقيقه وتجسيده في ميادين الروح والتاريخ من خلال تأسيس فكرة الحرية والرقي الدائم. وفي مجراهما يتراكم اليقين العقلي والعقلاني عن فكرة المنظومة القادرة على صنع الوحدة المرنة بين الظاهر والباطن، والماضي والمستقبل في حاضر الوجود الإنساني. من هنا نفيها مع كل تراكم عقلاني فكرة الجزم اللاهوتية لتستعيض عنها بفكرة الاحتمال، بوصفه الأسلوب الأكثر إنسانية وانفتاحا لبلوغ اليقين. كما أنه أسلوب تحرير الروح والجسد من قيود الأحكام الجازمة، وبالتالي تحرير الخيال وتوجيهه صوب الأحلام الواقعية ومعاصرتها. وهو تحول يجعل من المستقبل معاصرة، كما يجعل من الحاضر محل الالتقاء الدائم بين الماضي والمستقبل. وهنا يتحول الحلم إلى واقع. بمعنى إمكانية بلوغ الحالة التي كانت تقض مضاجع الأنبياء القدماء في البحث عن حل للمشكلة في إشكالية اعقد. من هنا كانت الحلول تذوب في الفكرة الدينية بالضرورة في نفسية الانقياد التقليدي وذهنية الإيمان المحكومة بالخوف وعقدة الذنب والتلذذ بوجاهة الخلاص الفردي من اجل نعيم سرمدي يعادله فرح طاغ بعذاب سرمدي لآخرين!! بينما كانت تذوب في الفكرة العقلية الفلسفية بالضرورة في عقلانية الرؤية ومحاولة تأسيسها العملي بالشكل الذي يجعل من معاناة الأفراد جزء من مصير العقل في محاكمة وجوده بين الأزل والأبد.

وفي هذين الأسلوبين العامين جرت وتجري محاولات النفس الإنسانية والعقل المجرد مباراة المنافسة الحرة من اجل المستقبل. ففي الرؤية الدينية كانت تجري من خلال الأتباع المقيد (للنبوة) بحروف النصوص "المقدسة" والتمسك المتوهج أحيانا بها حد التعصب المفرط وخلط الموت بالقتل على إنهما شهادة واستشهاد باسم الحق والحقيقة. كما كانت تفسح المجال أمام فكرة الولاية (الإلهام) بتذليل هذا الوجدان العام لسلطة النص المغترب عن معاناة الوجود التاريخي، والعبارة المعزولة عن معاناة الروح الباحث عن حقيقة المعنى، والكلمة المتكونة من حروف المعجم لا حروف التهجي المعذّب بعذوبة التعلم من وحدة الصوت والصورة. وهي عملية متناقضة وضرورية في الوقت نفسه لصنع مرتكزات الرؤية الثقافية وتطويرها وتأسيسها وتفاعل منظوماتها الفكرية. ومن خلالها كانت تتراكم الكمية الواقعية لتفعيل الثقافة والمثقف بالشكل الذي يحررهما من قيود النصوص وسلطته الكئيبة على العقل والضمير. الأمر الذي كان يضع الثقافة الحرة ومثقفيها على الدوام في مواجهة السلطة السياسية والاحتراب معها. وليس مصادفة أن تشترك السلطة السياسية والمؤسسة الدينية دوما في قمع فكرة الحرية وأحرار الفكر. وذلك لتحسسهما فيهم مصدر القوة "المخربة" لسلطة الأفراد والنصوص "المقدسة". وفي هذا الاحتراب كانت تتراكم الفكرة العقلية بوصفها الصدى المتوهج لاكتشاف الحق والحقيقة التاريخيين في مجرى الانتقال من الباطن إلى الظاهر. وقد قطع العقل الفلسفي هذا المسار المعقد في محاولاته الدائبة للانتقال من الظاهر إلى الباطن بوصفه الطريق المكمل في مساعي الفكر الحر لبلوغ تطابق الروح والجسد والظاهر والباطن.

إلا أن التجارب التاريخية للأمم والثقافات الحية تبرهن على أن طريق العقل الفلسفي هو الوحيد القادر على رصف "الصراط المستقيم" بمكونات القوة والمتانة. ومن ثم صيانته من الخراب السريع المترتب على تبدل الأجواء. لأنه الطريق القادر على جعل التراكم الثقافي منظومة حية في تاريخ وعي الذات الفردي والاجتماعي والقومي والإنساني. وهي منظومة تبدع على مثالها أنماط البحث عن النسب المثلى لعلاقة الثقافة والمثقف وموقف السلطة منهما. وضمن هذه العلاقة تتبلور ملامح النسب الواقعية والمثلى بين الأشباح والأرواح. ومن الممكن تتبع هذه العلاقة بصورة ملموسة في ثلاثة مستويات، الأول وهو مستوى النماذج الذهنية – الثقافية العامة، والثاني هو مستوى تمظهرها التاريخي، والثالث هو مستوى تجسيدها وتحقيقها الفردي.

ففي مستواها الأول هي النسبة التي تؤسس لها كل من الذهنية الدينية الإيمانية والذهنية العقلية الفلسفية. فالأولى عادة ما تصنع ذهنية مقيدة بتقاليد الإيمان التقليدي والخنوع "الواعي" وغير الواعي لمختلف هياكل وأصنام السلطة الخارجية من اله ونصوص وأفراد وأسلاف، بحيث تتحول حتى الروح والروحانية إلى قوى مستلبة بقوة المغناطيس الفاعل في نمط الاستعداد التام للخضوع والعبودية. وهو خضوع لا يتغير مضمونه بسبب شكله الخامل أو مظاهره الهائجة. فكلاهما يخضعان لسلطة الخارج. وعادة ما يلازم هذا الانقلاب تحول الوحي النبوي من معاناة فردية باطنية إلى هياكل خارجية شكلية. وفي هذا يكمن مصدر الإنتاج الدائم للأشباح التقليدية وضمور الأرواح الحقيقية. أما الذهنية العقلية الفلسفية، فإنها تصنع بالضرورة ذهنية نقدية فاعلة بحوافر التحري المنطقي ومرجعية الحرية. الأمر الذي جعل منها على امتداد التاريخ العالمي للبشرية وما يزال مصدر الإبداع الفعلي لمنظومات الفكر الحر. وقد لا تخلو من شطط وانحراف نسبي وجزئي عن القيم الأخلاقية أحيانا، إلا أنها مجرد مظاهر ملازمة لبقايا الغريزة في العقل الثقافي. وفي هذا يكمن السبب الذي جعل ويجعل من العقل الفلسفي القوة الجوهرية لتلقائية الارتقاء الروحي. ومن ثم مصدر الأرواح ومشتت الأشباح.

أما في مستواها الثاني، أي مستوى التمظهر التاريخي لهذه النماذج، فهي النسبة الدائمة بين الثقافة والسلطة، التي تبرهن بدورها على حقيقة دائمة يقوم فحواها في أن السلطة شبح صانع أشباح، بينما الثقافة روح صانعة أرواح. وينبع هذا الاختلاف من مكوناتهما الجوهرية ووظائفها المباشرة وغير المباشرة. فالسلطة هي معقل الغريزة، والمصالح، والصراع الضروري والمفتعل، ومختبر البرهنة الدائمة على كمية ونوعية المؤامرات والمغامرات، بينما الثقافة ميدان تجلي الممكنات المتسامية، لأنها ميدان اختبار واختيار العقل والواجب. حيث يؤدي هذا الاختلاف بالضرورة إلى خلاف بينهما في المبدأ والوسيلة والغاية. غير أن النسبة تبقى كما هي، بمعنى أن السلطة محكومة وحاكمة بالمادة، بينما الثقافة محكومة وحاكمة بالروح.

 أما المستوى الثالث فهو التجسيد والتحقيق الفردي لهذه النماذج. وفيه تظهر حقيقة النسبة بين الأشباح والأرواح في المصير والقدر الفردي للمثقفين الأحرار والسلطة. فالسلطة محكومة دوما بقوة العابر والمصالح الضيقة والغريزة، أما الروح فهو كينونة الوجود الفعلي وحامل ديمومته المعقولة. ومن ثم منظومته الفعلية في الوعي الذاتي للأفراد والأمم. وفي هذه المقدمة التاريخية والمعرفية تكمن طبيعة العلاقة بين الفكرة الحرة والسلطة المقيدة. فالثقافة الحرة هي ثقافة العقل النقدي الفلسفي. الأمر الذي يجعل من المثقف الحقيقي حامل فكرة الحرية ومشرّعها الروحي. بمعنى انه يبدعها من خلال تأسيس النسبة الواقعية والعقلانية بين الماضي والمستقبل في مجرى معاناة بحثه الفردي عن حلول لإشكاليات المعاصرة. وتشكل هذه الحلول المتنوعة بمجموعها كينونة النخبة المبدعة، بوصفها حاملة روح المرحلة، أو أرواحها الفردية المتنوعة، ومن ثم حاملة منظومة الثقافة الفعلية. وفي هذا يكمن سر خلافها الخفي والعلني مع السلطة بوصفها قوة القيود المادية المتجسدة في عنف القوة القاهرة، وسطوة النص الجامد، وانعدام التأويل العقلي الحر. وإذا كان مظهرها العام والخاص عادة ما يبرز في عنف القوة القاهرة للسلطة، فلأنها التجسيد الأكثر خشونة للعنف والسطوة غير العقلانية. وهي صفات تنبع من طبيعة السلطة. فالسلطة منظومة القهر والجمود واللاعقلانية، لأنها تتمثل في أعماقها وآلية فعلها نفسية الغريزة ومكونات ما قبل العقل الثقافي. من هنا استفحال النفس الغضبية فيها مع كل ضعف أو مواجهة للمثقفين الأحرار. تماما بالقدر الذي يتمثل المثقف الحر في أعماقه وآلية فعله العقل الفلسفي النقدي، ومن ثم ينفي في إبداعه ومشاريعه، بما في ذلك أشدها طوباوية، حدود الجمود المتراكم في قهر السلطة وسطوة النصوص الجامدة وخمول الخيال. وذلك لأن منطق الثقافة الحقيقية هو إبداع الحق والحقيقة والعمل بموجبها. حيث يجعل هذا الترابط من الثقافة الحقيقية ملجأ المثقف الحقيقي، كما يجعل من المثقف الحقيقي حامل الثقافة الحقيقة. وهي معادلة تنتج في كل قراءة أصيلة وفردية لها نموذج "أنا الحق".

إن المستويات الثلاثة المشار إليها أعلاه هي طبقات التراكم التاريخي والمنطقي لإشكالية الأشباح والأرواح القائمة في علاقة السلطة والثقافة. وتكشف هذه الطبقات وتبرهن على الحقيقة القائلة، بأن الثقافة الحرة لا تبدع غير سلطة الحقيقة. وهو إبداع يخيف السلطة (السياسية) ويثير غريزة الجاه فيها وحب الاستئثار وغيرة الأمامية. إنها أيضا تريد الاستئثار بما في الثقافة الحقيقية من قوة وسلطة، لكنها لا تدرك نوعية الخلاف بينهما. فالروح ليس كالجسد، والتاريخ ليس كالزمن، والمستقبل ليس كالماضي. فالسلطة من حيث تركيبتها وفاعليتها هي جسد الزمن الماضي، بينما الثقافة الحقيقة هي روح التاريخ والمستقبل. وفي هذا يكمن القدر المحتوم لاختلافهما الدائم وصراعهما المحتمل. من هنا كان تعايشهما وتلازمهما ودموية العلاقة بينهما، بما في ذلك في محاولات نفي وتذليل هذا التمايز والاختلاف.

ومن هذه المقدمات نستطيع القول، بأن السلطة الجيدة عادة ما تعي نفسها وتعمل بوصفها شبح الروح وليس الجسد، وشبح التاريخ وليس الزمن، وشبح المستقبل وليس الماضي. وحالما تريد الاستئثار بالاثنين معا، فإنها تفسد الاثنين معا. أما النتيجة الحتمية لهذا الفعل فهي استعادة فجة للعداوة والاستعداء والخراب والتخريب. كما أن الثقافة الحقيقية عادة ما تعي نفسها وتعمل بوصفها روح الأرواح المبدعة لمبدعيها، وأن سلطتها فيها وليس في أيدي أشباح عابرة. وبالتالي فإن قدرها المحتوم هو معاناة دائمة ودائبة من اجل تحرير العقل والضمير من سلطة الأشباح بشكل عام والسلطوية بشكل خاص. فالثقافة الحقيقة هي تاريخ المستقبل، وتاريخ التأسيس العقلاني الحر لفكرة الاحتمال والبدائل الإنسانية، وتاريخ دائم من وعي الذات العقلاني والإنساني الحر.

*** 

 

mutham aljanabi2من هنا جوهرية النبي محمد والقرآن في كل هذه الشبكة العنكبوتية الهائلة في تحرير الروح من أسار الجسد المباشر وإخضاعها "المنظومي" للعقيدة الدينية. وليس مصادفة أن يتوصل ابن سيرين في فكرته العامة حالما يفسر أنماط الأنبياء في أحلام البشر إلى القول، بأن من رأى كأنه نفسه أصبح نبيا معروفا، نالته الشدائد بقدر مرتبة ذلك النبي في البلاء، ويكون آخر أمره الظفر أو يصير داعيا إلى الله. وتعّبر هذه الصيغة عن مثالية النبي والنبوة في الفكر الإسلامي. بمعنى أنها تعبر عن واقع وحقيقة المآثر التاريخية الروحية للأنبياء بوصفهم مصلحين. ومن ثم فإن بدايتهم هي عين البلاء، وخاتمتهم عين الفلاح والصفاء. وليس مصادفة أن يكون للنبي محمد صيغة جامعة تشخصن الفكرة الإلهية في احد النماذج التاريخية الرفيعة للرؤية الإسلامية عن الرؤيا. من هنا مرجعية الفكرة العامة التي جرى وضعها في جملة أحاديث مثل "من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة فإن الشيطان لا يتمثل بي" و"من رآني فقد رأى الحق" و"من رآني في المنام فلن يدخل النار".

إننا نقف هنا أمام توكيد مسبق ومرجعية عقائدية كبرى يقوم مضمونها في تزاوج فكرة الحق والإخلاص في رؤيا النبي محمد، بوصفها حقيقة الرؤيا والرؤية الحقيقة. من هنا قول ابن سيرين، بان الله قد بعث محمدا رحمة للعالمين فطوبى لمن رآه في حياته فاتبعه، وطوبى لمن يراه في منامه، فإنه إن رآه مديون قضى الله دينه، وإن رآه مريض شفاه الله، وإن رآه محارب نصره الله، وإن رآه مسرور حج البيت، وإن رُؤِيَ في أرض جدبة أخضبت أو في موضع قد فشا فيه الظلم بدل الظلم عدلا أو في موضع مخوف أمن أهله. هذا إذا رآه على هيئته، وإن رآه شاحب اللون مهزولا أو ناقصا بعض الجوارح فذلك يدل على وهن الدين في ذلك المكان وظهور البدعة، وإن رأى أنه شرب دمه حبا له في خفية فإنه يستشهد في الجهاد، وإن رأى أنه شربه علانية دل على نفاقه ودخل في ذم أهل بيته وأعان على قتلهم. فإن رآه كأنه مريض فأفاق من مرضه، فإن أهل ذلك المكان يصلحون بعد الفساد، وإن رآه راكبا فإنه يزور قبره راكبا، وإن رآه راجلا توجه إلى زيارته راجلا، وإن رآه قائما استقام أمره وأمر إمام زمانه، وإن رآه يؤذن في مكان خراب عمر ذلك المكان، وإن رآه كأنه يؤاكله فذلك أمر منه إياه بإيتاء زكاة ماله، فإن رأى النبي قد مات فإنه يموت من نسله واحد، وإن رأى جنازته في بقعة حدثت في تلك البقعة مصيبة عظيمة، فإن رأى أنه شيع جنازته حتى قبره فإنه يميل إلى البدعة، وإن رأى أنه قد زار قبره أصاب مالا عظيما، وإن رأى كأنه ابن النبي وليس من نسله دلت رؤياه على خلوص إيمانه، وإن رأى كأنه أبو النبي دل على وهن وضعف إيمانه ويقينه. ورؤية الرجل الواحد رسول الله في منامه لا تخص، بل تعم جماعة المسلمين.

وتعكس الفكرة أعلاه عما يمكن دعوته بالمرآة الجمعية للصورة المحمدية في نفسية الجماعة الإسلامية، التي لا يشكل الحلم بها جزء من مسار النفس الفردية ومشكلاتها وعوالمها، بقدر ما هو جزء من النفسية الكلية للجماعة والأمة. ومن الممكن فهم المقدمات العقائدية لهذا الربط وتأثيره الفعلي في ظل منظومة أصبحت فيها الشخصية المحمدية معيارا جوهريا للحكم على نموذجية العقيدة المتغلغلة في جزيئات الوجود المادي والمعنوي للفرد. وليس مصادفة أن يكون القرآن هنا اقرب إلى كتاب نموذجي أو صورة مرجعية وميزان توزن به أحجام الصور وقيمتها. انه يستعيد نفس الصورة المميزة لنموذجية الله والأنبياء و"خاتم المرسلين". لهذا يكون من رأى كأنه يقرأ (الفاتحة) فتحت له أبواب الخير وأغلقت عنه أبواب الشر. ومن رأى كأنه يقرأ (سورة البقرة) طال عمره وحسن دينه. ومن رأى أنه يقرأ (سورة آل عمران) صفا ذهنه وزكت نفسه وكان مجادلا لأهل الباطل. ومن قرأ (سورة النساء) فإنه يكون قسّاما للمواريث صاحب حرائر من النساء ويورث بعد عمر طويل. ومن قرأ (سورة المائدة) علا شأنه وقوي يقينه وحسن ورعه. ومن قرأ (سورة كالأنعام) كثرت أنعامه ودوابه ومواشيه ورزق الجود. ومن قرأ (سورة الأعراف) لم يخرج من الدنيا حتى يطأ قدمه طور سيناء. ومن قرأ (سورة النحل) رزق علما وإن كان مريضا شفى. ومن قرأ (سورة طه) لم يضره سحر ساحر. ومن قرأ (سورة الأنبياء) نال الفرج بعد الشدة واليسر بعد العسر ورزق علما وخشوعا. ومن قرأ (سورة الفرقان) كان فارقا بين الحق والباطل. ومن قرأ (سورة الشعراء) عصمه الله عن الفواحش. ومن قرأ (سورة النمل) أوتي ملكا. ومن قرأ (سورة القصص) رزق كنزا حلالا. ومن قرأ (سورة المؤمن) رزق رفعة في الدنيا والآخرة وتجري الخيرات على يديه. ومن قرأ (سورة الدخان) رزق الغنى. ومن قرأ (سورة الفتح) وفق للجهاد. ومن قرأ (سورة النجم) رزق ولدا جميلا. ومن قرأ (سورة الحديد) كان محمولا الأثر صحيح البدن. ومن قرأ (سورة المجادلة) كان مجادلا لأهل الباطل قاهرا لهم بالحجج. ومن قرأ (سورة الجمعة) جمع الله له الخيرات. ومن قرأ (سورة نون) رزق الكتابة والفصاحة. ومن قرأ (سورة المطففين) رزق الأمانة والوفاء والعدل. ومن قرأ (سورة الليل) وفق لقيام وعصم من هتك الستر. ومن قرأ (سورة القدر) طال عمره وعلا أمره. ومن قرأ (سورة الإخلاص) نال مناه وعظم ذكره ووقى زلات توحيده.

نعثر فيما سبق على صورة تقليدية ومبسطة للغاية فيما يتعلق بتفسير الرؤيا. وذلك لأنها لا تتعدى في الواقع أكثر من تطبيق حرفي للأحلام على سور القرآن أو تطبيق المضمون المتميز لسور القرآن على الأحلام. وهو تفسير اقرب ما يكون إلى الأحكام الآلية المباشرة، التي لا تخلو من سذاجة الإيمان التقليدي. بحيث يتحول القرآن وآياته إلى مرآة لأحلام المسلمين والمؤمنين. وتستمد هذه الفكرة مقوماتها من نموذجية القرآن ومرجعية كلماته "المقدسة"، باعتبارها علم الله الأزلي والأبدي. أما في الواقع، فأنها تتمثل مظاهر الثقافة الروحية والأخلاقية السائدة آنذاك بصيغتها التقليدية الأقرب إلى سطحية وسذاجة العوام.

وتغتني معالم الرؤيا وتتنوع صور الحياة التاريخية للناس في ثقافة المرحلة، حالما ننتقل إلى ميدان الحياة العادية. ولعل أكثرها إثارة بهذا الصدد هي الرؤيا المتعلقة بالموقف من السلطة والمثقفين. فالعلاقة بالسلطة لا تحتوي على أية أبعاد ذات صلة بفكرة الدولة والمصلحة العامة. من هنا لا يتعدى تفسير الأحلام قضايا القرب والبعد والعزة والمذلة والرفعة والسخط من جانب السلطة تجاه أتباعها.

ففي القرب والرفعة من السلطة أن يرى المرء وكأنه ولي الخلافة. فإن رأى أنه أصبح خليفة بعينه وكان للخلافة أهلا نال الرفعة، وإن لم يكن للخلافة أهلا نال ذلا وتفرق أمره وأصابته مصيبة. ومن رأى أنه أصبح ملكا من الملوك أو السلاطين نال جدة في الدنيا مع فساد دين. وتحتمل هذه العلاقة في تفسير الأحلام الطبيعة المركبة لوحدة المجاورة والمخاطرة مع السلطة، فإن رأى كأنه نام قبل الإمام سلم مما خاطر بنفسه، وذلك لأن النوم معه مساواته بنفسه وهى مخاطرة. فإن رأى كأنه نائم على فراش الإمام وكان الفراش معروفا فانه ينال منه أو من بعض المتصلين به امرأة أو جارية. وإن كان الفراش مجهولا قلده الإمام بعض الولايات. إننا نعثر في هذه العلاقة على نفسية الحاشية والمتقربين من السلطة. كما أنها الميدان الذي تتمرغ فيه الرفعة. كما نراه في تفسير الأحلام التالية: من رأى كأنه ضاجع حرم الإمام اختلف في تأويله فمنهم من قال انه يصيب منه خاصية، وقيل انه يغتاب حرمه. فإن رأى انه أعطاه شيئا نال شرفا، فإن أعطاه ديباجة وهب له جارية أو يتزوج بامرأة متصلة ببعض السلاطين. ومن دخل دار الإمام ساجدا نال عفوا ورياسة، فإن اختلف إلى بابه ظفر بأعدائه. ومن رأى كأنه ولى الوزارة فانه يقوم بأمر المملكة. ومن رأى أنه قائد في الجيش نال خيرا. ومن رأى بواب أمير نال ولاية. ومن رأى كأنه يأكل من ديوان السلطان نال ولاية بلدة. ومن رأى أن يده تحولت يد سلطان فإنه ينال سلطانا ويجري على يديه مثل ما جرى على يد ذلك السلطان من عدله وظلمه. وهي نتيجة مرتبطة بدورها بطبيعة العلاقة المتبادلة التي تكشف الأحلام عنها، مثل إن رأى أن الإمام عاتبه بكلام جميل فإن ذلك صلاح ما بينهما. فإن رأى أنه خاصم الإمام بكلام حكمة ظفر بحاجته. فمن رأى انه سائر مع الإمام فانه يقتدي به. فان رأى كأنه صدمه في مسيره فإنه يخالفه. وإن كان رديفه على دابة فإنه يستخلفه في حياته أو بعد مماته. فإن رأى انه يؤاكله نال شرفا بقدر الطعام الذي أكل.

إننا نقف أمام علاقة نموذجية تحكم علاقة السلطة بأتباعها ومعارضيها على السواء. حيث تستمد هذه العلاقة مقوماتها من طبيعة السلطة، التي تحب الخضوع والانغماس في متعها بوصفه الأسلوب الذي يجعل من العزة والذلة والقرب والبعد أشكال متناوبة ومتوحدة فيها. ومن خلالها يجري تجديد "شبابها" الذي يجعلها عاجزة عن بلوغ سن الحكمة. وليس مصادفة فيما يبدو أن نعثر على تفسير متميز لصورة حلم يقول، بأن من رأى القراء مجتمعين في موضع، فإنه يجتمع هناك أصحاب الدولة من السلاطين والتجار والعلماء! إذ تكشف هذه الصورة بطريقة نموذجية واقع وآفاق العلاقة الممكنة بين العلماء والسلطة، بوصفها العلاقة التي يتوسطها التجار. ومع أن هذه الشريحة ليست دليلا ولا مؤشرا على شر اجتماعي بحد ذاته، لكنها تحتوي في أعماقها على حدّ المخاطرة. بينما حقيقة العلم والعلماء هو التجرد منها، لان العلم هو الشيء الوحيد الذي لا يحدد قيمته غيره. وضمن هذا السياق يمكن فهم قيمة القلم في تفسير الأحلام. إذ عادة ما يدل القلم في التقاليد الاسلامية المتنوعة عن تفسير الأحلام، كما نراه عند ابن سيرين، على ما تنفذ الأحكام بسببه كالسلطان والعالم والحاكم واللسان والسيف والولد الذكر. ولهذا جرى تفسير من رأى أنه أصاب قلما، فإنه يصيب علما يناسب ما رأى في منامه أنه كان يكتبه به. بل قيل القلم هو الأمر والنهي والولاية على كل حرفة. وقمة هذا التأويل في الموقف من الكتاب. فمن رأى بيده كتابا نال قوة. والكتاب خير مشهور إن كان منشورا، وإن كان مختوما فخير مستور.

إن هذا التوقير والتبجيل والاحترام للقلم والكتاب لا يخلو من تفاهة وسفاهات هائلة، لكنها كانت في اغلبها نتاج المرحلة ونمط التفكير المميز لتقاليد التفسير السائدة آنذاك. والشيء نفسه يمكن قوله عن كل ما جرى إيراده في بعض نماذج وأنواع الصور المتداولة للأحلام، التي تراكمت فيها كمية التجارب الفردية والاجتماعية ومحاولات الغوص في أعماق النفس الإنسانية المتحررة من كابوس العرف ومجهول الغيب. وما بينهما تتراوح تجارب الأقوام والثقافات والأفراد والعقائد ومشاربهم في الاقتراب مما يعتقدونه حقيقة. وهي تجارب متنوعة على قدر تنوع الثقافات والأجيال والأمم، لكنها محصورة دوما بين ثنائية الروح والجسد، والتاريخ والزمن، والثابت والمتحول، والمطلق والعابر.

وليس مصادفة فيما يبدو أن تكون الصبايا والنساء الأكثر ولعا بالحلم واكتشاف أسرار الماضي والمستقبل من خلال التأويل الحالم للأحلام. وذلك بسبب طبيعة الرغبة الوجدانية العارمة التي تتطابق من حيث كميتها ونوعيتها الإنسانية مع كينونة المرأة، بوصفها كتلة الوجدان المتمردة في أحضان المتناقضات من حب وكراهية، واشتياق واستياء، وحرب وسلم، وانتقام وعفو، وحنين وجفاء. وهي الوحدة المتناقضة للحياة التي يجسد الحلم بريق حريتها وحريق التهابها الكامن في الروح والجسد والظاهر والباطن. وفي هذا أيضا يكمن سبب الرغبة الجارفة للسباحة في مجراها من اجل العوم في بحر الحياة الهادئة.

فالأحلام الهائجة ترمي إلى الهدوء والسكينة. وهي الصورة الرمزية التي يمكن العثور فيها على الرغبة الأبدية الهائجة في أعماق النفس البشرية للتحرر من القيود التي تعرقل إمكانية حركتها المتجانسة بمعايير النسب الضرورية للجمال والفضيلة. بعبارة أخرى، إن الحلم يحتوي على قدر من الحرية الهائجة بذاتها، والمستعدة لتجاوز حدود الجسد والعرف والتقاليد والقيم من اجل الفناء في نعيم الهموم الدفينة للمرء. من هنا استعداد العقل للتعامل مع هذا الكم المتناقض من العجائب والغرائب الكامنة في الباطن من اجل استظهار حقيقتها. وهو سر التفسير والتأويل المتنوع لما يمكن دعوته بفلسفة الأحلام، التي تعكس في مسارها التاريخي ثقافة الروح والجسد في البحث عن نسبة عقلانية تعطي لهما إمكانية رؤية المستقبل وتكسير حواجز القوة والزمن والإرادة والسلطة .

إن الارتقاء التاريخي للفكرة الفلسفية عن الحلم هو جزء من الحلم الإنساني الدائم لتأسيس النسبة المعقولة بين مكونات الوجود المتناقضة. كما أنه الحلم الذي تمظهر تاريخيا بصور مختلفة ومتنوعة بدأ من أكثر أنواع الحدس الباطني غموضا وانتهاء بأكثر مظاهره عقلانية وجلاء، أي في الإيمان الديني والعقل الفلسفي. من هنا قيمة الإلهام والوحي في الدين، والبحث عن علل الأشياء وتأسيسها المنطقي في الفلسفة. فكل منهما يسعى إلى بلوغ اليقين بوصفها غايته الخاصة، احدهما من الباطن إلى الظاهر، والآخر من الظاهر إلى الباطن. فالدين يبدأ بالإلهام والوحي الباطني، بوصفه الصوت "النقي" للحلم الإنساني بعالم الروح والتاريخ والثابت والمطلق. فهو الحدس المتجسد في صوت الأزل وصورة الأبد، وباطن الروح وظاهر الجسد، وماضي الأنا ومستقبل الجماعة. أما العقل الفلسفي فيبدأ بالتأمل العقلي والشك المنطقي بوصفه الأسلوب الضروري لبلوغ الحقيقة، والأكثر تجانسا لتحقيق الحلم الإنساني بعالم الروح والتاريخ والثابت والمطلق. فهو اليقين المتراكم في البحث العقلي عن منظومة تستجيب للوحدة المرنة بين الظاهر والباطن، والماضي والمستقبل في حاضر الوجود الإنساني. وهو تنوع واختلاف سوف يشاطره الدين واللاهوت، والفلسفة والعلم على الدوام بوصفه قدرهما المحتوم. وهو قدر محكوم بما في وجودهما من تباين واختلاف ضروري. فإذا كان الله بالنسبة للإيمان التقليدي هو مصدر الحل الأمثل للمشاكل والمعضلات الوجودية والأخلاقية الكبرى، فإنه مصدر المشاكل والمعضلات الوجودية والأخلاقية بالنسبة للعقل النقدي. ولا يحل هذا الخلاف سوى جمع هذه المتناقضات، بمعنى الإبقاء عليهما بوصفهما اجتهادات الحلم الإنساني ببدائل متسامية. حينذاك يمكن للإيمان أن يتمتع برؤية المتناهي وغير المتناهي في كل شيء بما في ذلك في الخرافات والأساطير، تماما بالقدر الذي يمكن للعقل أن يتمتع برؤية المتناهي وغير المتناهي في كل شيء، بما في ذلك في أحلام الحالمين جميعا.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر عراقي

.................

1-  يمكن اعتبار الفرويدية احد النماذج المثلى لهذا الانتقال الفلسفي في تفسير الأحلام عبر نقله من سماء اللاهوت إلى غيب الناسوت، أو من مركزية الإله إلى مركزية الجنس. وهو نموذج يعبر عن إحدى محاولات جعل الحلم تحد للقيود وأسلوبا لتمثل الحرية المهدورة من خلال تحرير فكرة الجنس والممارسة الجنسية. مع أن تحرير الجنس ليس ضمانة الحرية، لأن الحرية منظومة. لكنه مكون جوهري للحرية، بما في ذلك للثقافة ومواقف المثقفين من النفس (وهي السلطة الباطنية الأولى) ومن العرف والتقاليد (وهي سلطة الماضي المقننة) وسلطة العقائد والقيم الأخلاقية المتعايشة (وهي سلطة الحاضر). وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى فلسفته على أنها تجسيد خاص لتحرير الجسد والقيم الأخلاقية عندما انزل تأويل الرؤيا من معتقدات اللاهوت وبهاء أنواره المشعة إلى غياهب الناسوت وعتمة غرائزه المحببة. وبهذا كان اقرب إلى الطبيعة والحقيقة وأصفى وأنقى فيما يتعلق بالعقل والوجدان، لأنه ينصف الجسد بمتطلباته، والعقل بتحريره من الرياء، والذهنية من خضوعها لدجل التأويل المفتعل والمرتهن لتقليد الأسلاف، والخضوع لسيطرة وسلطة النص والصورة الجاهزة. (التقييم هنا يخص الإمكانيات الفعلية للمنهج فقط ولا شيئا خر)!!

 

 

 

mutham aljanabiتقديم عام: الأشباح والأرواح هو عنوان الجزء الأول من كتاب (بثلاثة أجزاء) عن علاقة المثقف بالسلطة والحقيقة على ممر التاريخ العربي منذ ظهور الاسلام وحتى اليوم.

والمقصود بالمثقف هنا الكلمة الجامعة عن أهل العلم والمعارف والآداب، وليس ما هو متعارف عليه الآن. ولم استطع لحد الآن نحت الكلمة المناسبة التي تعبر عن أهل العلم والمعرفة والأدب. فكلمة المثقف الأوربية لها على العموم ثلاثة معاني، الأول هو العادي ويعني الشخص المتصف بقدر من المعارف المتنوعة والمتصف بشخصية وسلوك ترفعه عن العوام. وهو يعادل ما كانت الثقافة العربية الإسلامية تطلق عليه عبارة أهل الرسوم من العلوم. والمعنى الثاني هو الشخص المتخصص والمحترف بعلم ما من العلوم أو المعارف والآداب يرفعه إلى مستوى كلمة "المفكر" الشائعة الاستعمال في الصحافة العربية المتأخرة. وهي كلمة (بالعربية) ملتبسة للغاية. اذ من يطلق عليهم ألقاب "المفكر" في الصحافة العربية الحديثة يندرج اغلبهم من حيث القابلية والفعل تحت عنوان أنصاف المتعلمين والمتحذلقين. أما المعنى الثالث فهو ما أدخلته التقاليد الروسية تحت عنوان الانتلجينتسيا، وهي تحتوي على معنيين الأول وهو ما يعادل الشخص المحترف في علم من العلوم مع معارف إضافية وسلوك فردي واجتماعي يتصف بالذوق الرفيع والأخلاق المتسامية، والمعنى الثاني اقرب ما يكون إلى ما كانت الثقافة العربية الإسلامية تطلق عليه كلمة الأديب أمثال ابن المقفع والجاحظ وأبو حيان التوحيدي وأمثالهم.

أما أنا فاستعمله بالمعنى الذي أشرت إليه في البداية. أما السلطة فليس المقصود بها السلطة السياسية فقط بل والهيبة التقليدية أيا كان شكلها ومحتواها (نصوص مقدسة وأئمة وقواد وزعماء وما شابه ذلك). 

ان كتاب (الأشباح والأرواح) من الكتب البسيطة، اي الكبيرة (بحدود ألف صفحة). لهذا سأختصره عبر المقالات واختيار ما أراه مناسبا الآن للنشر وإزالة الحواشي من مصادر ومراجع وتعليقات وشروح.

***

المثقف والسلطة – إشكالية الأرواح والأشباح

إن الصدى كالندى قطرات حالما يكون كثيفا، أي متراكما في خزين الذاكرة وعنفوان الوجد واضطراب الفؤاد وتأمل العقل. غير أن الصدى يعبث في السماع ويستثير ذاكرته تماما بالقدر الذي تستقطب قطرات الندى انتباه العين وخيال الرؤية. مما جعلهما من جنس الإحساس القادر على تفعيل الذاكرة والخيال. وهو تفعيل محكوم بقدرة السماع والرؤية على تصنيع النسبة المبدعة بينهما. إذ لا إبداع حقيقي دون وحدة الذاكرة والخيال. وكلاهما قطرات مكثفة من الرؤية والسماع المتراكمين في مجرى الحياة ومعاناة إشكالاتها. وذلك لأن المعاناة صيرورة تحترق وتتلاشي منذ الصرخة الأولى للحياة لكي تتكامل في صيحة الوداع الأخيرة. وكلاهما محكوم بقوة الوجود والعدم، كما أن كلاهما ضوء، أولهما "ابيض" وآخرهما "اسود". فللمحاكاة جذورها في ذاكرة الطفولة وخيالها المتراكم في مجرى التجارب الحياتية. وبالتالي فهي محاكاة لها أسسها الواقعية. فالوجود ضوء والموت عتمة. من هنا كانت الحياة مضيئة رغم كل مآسيها السوداء، والموت مكفهر رغم كل أشعة الهالة التي تحيطه بها عقيدة التضحية والشهادة. ولا يحل هذه المفارقة في الواقع سوى التقاءهما في "الخاتمة". آنذاك تصبح الخاتمة نهاية الحياة وبدايتها الفعلية، أي نهاية الجسد وبداية الروح، أو نهاية الأشباح وبداية الأرواح. لأنها تكشف عما إذا كان حاملها شبحا أو روحا. ذلك يعني أن إشكالية الأشباح والأرواح هي إشكالية الحياة والموت، والفاني والباقي، والثابت والفائت.

 وليس مصادفة أن تتغلغل في أعمق أعماق الذاكرة التاريخية للأفراد والجماعات والأمم والثقافات فكرة "المسكون" الخيالية التي تتمتع بثقل الندى المكثف لخيال الطفولة في تصور "الأشباح" المتراقصة مع كل حركة في ظلمة الحياة. بحيث يصبح "المسكون" غريبا قاطنا في جسد خرب أو بيت مهدم أو أطلال منسية. وتشير هذه المكونات ببساطتها المعهودة إلى حقيقة يمكن البرهنة عليها بمعايير المنطق والعلم والتجارب الفعلية، بأن الذي يسكن الخراب والمهّدم والأطلال أشباح قوتها في الظلام وخيالها في ذاكرة الطفولة. مما جعل ويجعل من الأشباح صورا مخيفة، وذلك بفعل تطابقها في الإحساس والحدس مع بقايا الزائل والمندثر، و"مآثر" الموت والميت. بينما يتناغم الحي والجميل في الخيال والذاكرة مع بهاء التجديد للحق والحقيقة.

وحالما ننقل المقارنة المذكورة أعلاه من سماء الفكر المجرد إلى دنيا الوقائع الفعلية، فإننا نقف بالضرورة أمام ثنائية الأشباح والأرواح المتنوعة. ولعل علاقة المثقف والسلطة من بين أكثرها إثارة وإدامة. ففي هذه العلاقة نعثر على كل مكونات الذاكرة والخيال، كما نرى فيها وقائع الأشباح الحائرة والمتخوفة والمخيفة والمسكونة في جسد السلطة وارتزاق مثقفيها. وبالضد منها تتكامل "أنا الحق" في شخصية المثقف الحقيقي بوصفه روح الثقافة وحامل معاناتها التاريخية. من هنا توتر الإحساس العميق حتى في الأحكام العادية التي تجعل من المثقفين المرتزقة مجرد أرواح تائهة. وبالتالي ليس الروح التائه بين المثقفين سوى شبح يتراقص بعنف و"إدراك" يناسبه من اثر الغريزة (الجسد). ومن ثم لا علاقة له بالعقل والوجدان الخالص. وليس مصادفة ان تستعيد هذه الثنائية نوعية الخلاف الطبيعي بين الحقيقة والسلطة، ومن ثم بين المثقف الحقيقي والسلطة الواقعية، بوصفه أيضا خلافا بين الروح والجسد. إذ يمكننا العثور عليه في كل المظاهر الملازمة لإبداع المثقفين في الكلمة والعبارة والشعر والنثر، والرسم والنحت، والصمت والنطق، والظاهر والباطن، أي في كل مظاهر اليقظة والمنام. سواء كانت اليقظة يقظة الروح والجسد أو نومهما في الفكر (المجرد) والواقع (الملموس).

وليس مصادفة أن يتلذذ الإنسان ويشقى في محاولاته الدائمة لتفسير وتأويل الأحلام منذ أن اخذ يتحسس هذين العالمين المتلازمين في ذاته. وهو إحساس تتشكل معاناته الداخلية من الرغبة الجامحة في معرفة المجهول وبلوغ المرام، بوصفها الصيغة البدائية لمحاولة الإنسان التحرر من سلطة المجهول عبر "التحكم" بسلطة المستقبل والمرام. أما صيغته المادية المباشرة فتقوم في سلطة الجسد على الروح القابعة في أعمق أعماقه. وليس مصادفة أن يتحول الجسد إلى عالم تتجول فيه ذاكرة النائم وخياله. وعند اليقظة يصبح تجواله في خبايا الرغبة والتمني والقلق "حلما".  وهو تصوير متناقض بحد ذاته، لكنه يحتوي على الحدس العميق المميز للرغبة الهائلة في "تحرير" الروح من قيود العادات والتقاليد والعرف. وعادة ما "يزاول" الروح هذه الحالة بحرارة قادرة على تحويل الأحداث والرغبات الدفينة إلى كيان واحد لا يحكمه شيئا غير حرية ما يجري. بمعنى سريانها كما هي بلا إرادة. والإرادة الوحيدة تقوم في الاستسلام لها كما هي و"محاكمتها" بعد اليقظة من خلال عرضها على ذخيرة التأويل والتفسير المتراكمة في وعي الثقافة وصورها النمطية. إذ نلمح في هذه الحالة طبيعة ومستوى الخلاف والتباين والصراع بين الروح والجسد. وفيها يمكن أيضا رؤية صراع سلطة جسد وإبداع الروح. ولعل صورتها الأكثر تمثيلا تبرز حالما يختلي الجسد لحاله بين جدران تقيه شر النظرات الشرسة للعرف والتقاليد والقيم السائدة. حينذاك تأخذ الروح بخط كل الحروف المحتملة على الجسد، بوصفها إبداعه المحبب. وعند ذاك يتلاشى الأدب المصطنع، والرصانة المزيفة، والرزانة المفتعلة، وكل المحرمات و"المقدسات". ويصبح قانون الوجود، بوصفه حركة الروح، مصدر الإلهام الفعلي المنظم والعابث بالجسد ومتطلباته سواء في الملذات أو الكوابيس. وفي هذا يكمن سر الإغراء والجذب الهائل للأحلام وتفسيرها. وذلك لأنها تنقله من مضيق الجسد إلى فضاء الروح، ومن استبداد السلطة أيا كان شكلها إلى حرية الإرادة بوصفها رغبة حية. ومن تصادم هذه المكونات تتطاير شظايا الأحلام بوصفها "وحيا" و"إلهاما" و"إشارة" و"دلالة". وليس مصادفة أن يتحول الحلم في المنام إلى جزء من تأمل المستقبل والرغبة في استكناه ما في خباياه من مسرة محتملة أو طامة كبرى، وفي اليقظة إلى جزء من التخطيط للمستقبل والرغبة في جعله كلا واحدة للمراد والمريد.

وليس مصادفة أن الإنسان حالما يحلم في المنام، فانه يحلم بالمستقبل، أو هكذا تبدو له الأمور. فتفسير الأحلام وتأويلها لا علاقة له بالماضي. انه السباق "العقلي" مع نوازع الروح الباحثة عن مخرج لها من ضيق الجسد. الأمر الذي أثار ويثير الإغراء الفاحش أحيانا في التلذذ أو التخوف مما فيه. فالاصطدام بخيبة الأمل يجعلها أضغاث أحلام. وما عدا ذلك فهي غيبوبة في التكهن، بما فيها من إشارة ودلالة ورمز على ما تخبئه قوادم الأيام. وفي الحصيلة لا ينفك ذلك عن رؤية المستقبل أو المصير. وكلاهما شيء واحد. كما إنهما كلاهما ينبعان من الرغبة الدائمة في معرفة الأبد. وهو تناقض يتمثل دراما الوجود دون أن يدركه بصورة نهائية، وذلك لنهاية المرء الحتمية وبقاء المشكلة كما هي. وهي معادلة تتكون من أطراف جميلة لكنها متناقضة شأن الحرية والقدر المحتوم. وذلك لأنها صيرورة أبدية وكينونة تائهة فيها. بمعنى تجدد الرغبة الأبدية في استشراف المستقبل بوصفه حرية مع كل ولادة جديدة، وبقاء المستقبل "غيبا" بوصفه قدرها المحتوم. وهو السر القابع في ثنايا البحث الدائم للأمم والثقافات والأفراد في أحلامها عن "معرفة الغيب" و"سر المجهول" و"استشراف المستقبل" و"حيلة القدر". أما في الواقع فان الغيب والمجهول والمستقبل والقدر يلعبون مع الإرادة الإنسانية ورغباتها الحسية الجسدية. من هنا إغراء الحلم الزائل بعد اليقظة وبقاءه باعتباره الشيء الأجمل في مخيلة العوام والخواص عما يعتمل في قلوبهم من رغبة لتذوق الجميل وبلوغ السعادة. وليس مصادفة فيما يبدو أن تربط العربية، شأنها في كل أصولها اللغوية والمعنوية، بين الحلم والحليم لكي لا تكون الأحلام مجرد تمنيات جوفاء وسفاهة سفهاء! وهو ربط يعكس خصوصية الفكرة العربية في النظر إلى الحلم بمعناه المباشر والأخلاقي. وهو ربط يمكن العثور عليه في كل الثقافات الكونية. إذ يمكننا العثور عليه في نماذج التراكم الثقافي للرؤية الصينية والهندية والإغريقية والعربية، باعتبارها أهم المصادر الكبرى للثقافة التاريخية العالمية. وهي نماذج تشترك في مباحثها الخاصة عن تحسس وإدراك قيمة الأحلام المعنوية والأخلاقية بالنسبة للمستقبل.

فعندما نتأمل كتاب ارطاميدورس الافسسي (تعبير الرؤيا)، الذي عرّبه اسحق بن حنين، فإننا نقف أمام منهجية تضع في أولوياتها التمييز بين الرؤيا والأضغاث . فالأولى تدل على ما سيكون، بينما الثانية تدل على الشيء الحاضر. وهو موقف فلسفي واضح يجعل من حقيقة الرؤيا (أو الحلم الجميل والحقيقي) أمرا وفعلا متعلقا بالمستقبل. وما عداه جزء من تمنيات أو رغبات عابرة، أي أضغاث أحلام. فالأمور الطبيعية الحادثة في المنام ليست حلما (رؤيا) بل أضغاث، مثل حلم الجائع بالأكل والعطشان بالشرب والمريض بالأطباء. وكونها أضغاث، أنها نتاج النفس أو البدن أو من امتزاجهما. أما الرؤيا، فإنها من نوع آخر. إنها حقيقة الحلم أو الحلم الحقيقي. وعادة ما تظهر بنوعين، وهما الرؤيا الظاهرة والرؤيا الباطنة . والأولى تتعلق بحدوث الأشياء، أما الثانية فتتعلق بما في الرؤية من دلالة. الأمر الذي جعل الرؤيا جزء من مباحث النفس وحركتها الذاتية في التعبير عما تراه. ومن ثم فإن ما يراه المرء في حلم سوف يلاقيه آجلا أم عاجلا. ذلك يعني أن الحلم يحتوي على قدر من "المعرفة" النفسية. وسبب كونها معرفة هو تعلقها بالخواص (النخبة أو المثقفين) وليس بالعوام. فالعوام ترى أضغاث أحلام. وضمن هذا السياق تكلم عن إمكانية الإلهام في الرؤيا بوصفه فعلا مرتبطا بالفكر وذلك للانشغال به .وليس مصادفة أن يقول ارطاميدورس من أن رؤية العامة المتعلقة بالأمور الكبيرة لا يمكنها أن تكون صحيحة. بينما الأمر يختلف لو رأتها الملوك، حينذاك تكون الرؤية حقا. وهو حكم محكوم بواقعية الرؤية، بمعنى ارتباط مستقبلها بمضمونها الواقعي. وقد وضع ارطاميدورس هذه لفكرة بما في ذلك تجاه تصنيفه لتجاوز ما اسماه بالصيغة التقليدية التي عادة ما كانت تبدأ في تأملاتها بالرؤيا "الإلهية والملائكية". لهذا نراه يتناول القضايا المرتبطة بالحاجة بالشكل الذي يجعلها أقرب إلى النزعة العملية منها إلى الطيران في سماء التأملات العقلية المميزة لأرسطو وعرافة الفيثاغوريين، رغم انه ظل يقر بقيمة الفكرة القائلة، بإمكانية الإلهام في الرؤيا. لكنها إمكانية محكومة بما اسماه بالتدرج في تصديق الرؤيا، بناه على ثمان درجات تبدأ بالملائكة وتنهي بالحيوان غير الناطق، مرورا بالكهنة والملوك وأهل الفضل (المؤدبون) والعرافون والموتى والصبيان. انطلاقا من أن الملائكة هي جواهر عليا، والكهنة هم سدنة المعرفة الملائكية، والملوك هم قمة البشر، والمؤدبون بفعل المهمة والوظيفة، والعرافون بفعل المهنة، والموتى لأنهم لا يخافون ولا يرجون شيئا، والصبيان على السجية، والحيوان كما هو. لهذا نراه يسحب من هذه القائمة "الناطقة" بحقيقة الرؤيا كل من المصارعين لان همومهم مرهونة بالغلبة، والسفسطائيين والفقراء والخصيان والمغنين، لان رجاء كل واحد منهم هو رجاء كاذب إضافة إلى أنهم لا يعدون بالطبيعة مع الرجال !

مما سبق يتضح، بأن مضمون الرؤيا وحقيقتها مرتبط بفكرة المستقبل وحتميتها من حيث كونها حركة النفس الذاتية (العارفة) السائرة بمختلف مستوياتها صوب إدراك قيمتها الفعلية بالنسبة للإرادة الإنسانية. مما يجعل الحلم على قدر الحالم. أما النتيجة فتصب في مسار التأسيس العقلي للفكرة الفلسفية، أكثر مما تفسر حقيقة ما يجري. وذلك لأن الحلم بالنسبة لها ليست "فعلا" حسيا جسديا، بل نفسيا معرفيا. ومن ثم فهو "دلالة" و"إشارة" على مستقبل، حقيقته على قدر حقيقة حامله. ولا تخلو هذه الفكرة من قدر قادر على تأسيس الحرية بوصفها فعلا معرفيا.

بينما نعثر في الرؤية العربية الإسلامية عن الحلم والرؤيا على أبعاد مختلفة محكومة، شأن كل منظومة لتفسير الأحلام بنوعية المرجعيات الثقافية الكبرى للحضارة (الإسلامية). وليس مصادفة أن تبدأ مختلف نماذج تفسير الرؤيا بالله مرورا بالقرآن والنبي محمد والصحابة لتنتهي بمختلف نماذج الحيوان. بعبارة أخرى، إننا نعثر على نموذج متقارب من حيث بواعثه منهجيته في تفسير الرؤيا يقترب من النموذج الإغريقي، لكنه يختلف عنه بفعل محكوميته بمنظومة العقيدة الإسلامية. من هنا أولوية وجوهرية الفكرة الأخلاقية العامة والخاصة، المجردة والملموسة في "تحرير" الإنسان من نوازع الشر والسقوط. دون أن يقلل ذلك من "واقعية" الرؤية ومهماتها العملية والنفعية. لكنها نفعية محكومة بالعقيدة العامة ومتطلبات الحياة "المتنورة" بها. وهي مكونات تاريخية ثقافية وثيقة الارتباط بالكيفية التي حلت بها الثقافة العربية الإسلامية إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للدولة والمجتمع والفرد من خلال بلورة مرجعيات الرؤية العامة بما في ذلك في الموقف من الرؤيا (الأحلام). وهي صيغة يمكن رؤيتها على سبيل المثال في تفسير ابن سيرين للرؤيا.

كما يمكننا العثور على تقديمها النموذجي فيما يصوره ابن سيرين نفسه، عندما يستشهد برؤيته في إحدى المرات قائلا: "رأيت في المنام كأني دخلت الجامع، فإذا أنا بمشايخ ثلاثة وشاب حسن الوجه إلى جانبهم فقلت للشاب:

- من أنت رحمك الله؟

- أنا يوسف!

- فهؤلاء المشيخة؟

- آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب

- علمني مما علمك الله! (ففتح فاه وقال)

- انظر! ماذا ترى؟

- أرى لسانك! (ثم فتح فاه فقال)

- انظر! ماذا ترى؟

- لهاتك! (ثم فتح فاه فقال)

-  انظر! ماذا ترى؟

- أرى قلبك!

- عبّر ولا تخف!

 فأصبحت وما قصّت علي رؤيا إلا وكأني انظر إليها في كفي!"

إننا نقف هنا أمام صيغة نموذجية معبرة عن طبيعة رؤية الرؤيا، أي تفسيرها أو تأويلها. وشأن كل رؤية محكومة بفكرة عقائدية عادة ما تبدأ من قمة العقيدة لتنتهي بمتطلبات الجسد. من هنا ابتداء ابن سيرين بنماذج الرؤيا المتعلقة بالله. مثل قوله من رأى في منامه كأنه قائم بين يدي الله والله ينظر إليه فإن كان الرائي من الصالحين فرؤياه رؤيا رحمة، وإن لم يكن من الصالحين فعليه بالحذر لقوله (يوم يقوم الناس لرب العالمين)، فإن رأى كأنه يناجيه أكرم بالقرب وحبب إلى الناس لقوله (وقربنا نجيبا). وإن رأى أنه يكلمه من وراء حجاب حسن دينه وأدى أمانة إن كانت في يديه وقوى سلطانه. وإن رأى أنه يكلمه من غير حجاب فإنه يكون خطأ في دينه لقوله {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب}. فإن رآه بقلبه عظيما كأنه قرّبه وأكرمه وغفر له أو حاسبه أو بشره. فإن رآه قد وعده بالمغفرة والرحمة كان الوعد صحيحا لاشك فيه لأن الله لا يخلف الميعاد، ولكنه يصيبه بلاء في نفسه أو معيشته ما دام حيا. وتستعيد هذه الصور التأويلية ن حيث الجوهر استفراغ مضمون الفكرة القرآنية بالطريقة التي تجعلها "مرجعية" في الموقف من رؤيا الله، بوصفها ذروة "الرؤيا"، بفعل مرجعية الله في ثقافة المرحلة. وضمن هذا السياق يمكن أيضا فهم ترتيب التأويل من حيث نزوله مع نزول الأنبياء، أو تاريخ المآثر المرتبطة بهم حسب الفهم القرآني. من هنا نماذج تفسير الرؤيا القائلة، بان من رأى آدم اغتر بقول بعض أعدائه ثم فرج عنه بعد مدة. ومن رأى شيثا نال أموالا وأولادا وعيشة راضية. ومن رأى إدريس أكرم بالورع وختم له بخير. ومن رأى نوحا طال عمره وكثر بلاؤه من أعدائه ثم رزق الظفر بهم. ومن رأى هودا تسفّه عليه أعداؤه وتسلطوا على ظلمه ثم رزق الظفر بهم. ومن رأى إبراهيم رزق الحج وقيل إنه يصيبه أذى شديد من سلطان ظالم ثم ينصره الله عليه وعلى أعدائه. ومن رأى إسحاق أصابه شدة من بعض الكبراء أو الأقرباء ثم يفرج الله عنه ويرزق عزا وشرفا وبشارة ويكثر الملوك والرؤساء والصالحون من نسله هذا إذا رآه على جماله وكمال حاله، فإن رآه متغير الحال ذهب بصره. ومن رأى إسماعيل رزق السياسة والفصاحة. ومن رأى يعقوب أصابه حزن عظيم من جهة بعض أولاده ثم يكشف الله ذلك عنه ويؤتيه محبوبه. ومن رأى يوسف فإنه يصيبه ظلم وحبس وجفاء من أقربائه ويرمى بالبهتان ثم يؤتى ملكا وتخضع له الأعداء. ومن رأى عيسى دلت رؤياه على أنه رجل مبارك كثير الخير كثير السفر ويكرّّم بعلم الطب وبغير ذلك من العلوم. ومن رأى مريم بنت عمران فإنه ينال جاها ورتبة من الناس ويظفر بجميع حوائجه، وإن رأت امرأة هذه الرؤيا وهي حامل أيضا ولدت أيضا ابنا حكيما وإن افترى عليها برئت من ذلك وأظهر الله براءتها.

نعثر في هذه النماذج "التأويلية" على استعادة شبه مباشرة للنماذج التقليدية المغروسة في الوعي اللاهوتي. بمعنى الاستعادة المباشرة وغير المباشرة لتأثير النماذج المثالية الدينية الإسلامية وموقعها المتميز آنذاك في اثر وتأثير العقيدة على انغماس النفس الإنسانية في عوالم اللاهوت وتبعية الناسوت إليها في الأحلام والسلوك. (يتبع...)

***

 

ميثم الجنابي

 

 

mutham aljanabi"إنما حجاب العقل حيث يحجب نفسه بنفسه" .. الغزالي

 لم يضع الغزالي فكرة حدود العقل في إطار نظرية متكاملة نسبيا إلا في  كتاب (الإحياء). أما الآراء التي تشير إلى ضعف العقل واستحالة قدرته على إيجاد الحلول الشافية لكل المعضلات الفكرية، كما هو الحال في بعض مؤلفاته الأولى (ما قبل التصوف) مثل كتاب (تهافت الفلاسفة) و(الاقتصاد في الاعتقاد) وجزئيا في (ميزان العمل)  فأنها تعبّر عن عناصر النقد العقلي للعقل، اي الصيغة المعتدلة لرؤية العلاقة الواقعية والنسبة الممكنة (المجردة) بين الحقيقة النسبية والمطلقة، بين الجزئي والكلي. وبهذا المعنى، فان بروز فكرة محدودية العقل تعكس مستوى من مستويات تطوره العقلي والروحي، أو إحدى الصيغ النموذجية لتجاوز العقلانية اللاهوتية التقليدية. وهو ما يظهره ليس شكل وصيغة ظهور القضية نفسها فحسب، بل ومضمونها ووظيفتها الاجتماعية الأخلاقية والمعرفية أيضا.

إن ارتباط أحكام الغزالي عن محدودية العقل بالمرحلة الصوفية يعكس طبيعة التحولات التي رافقت تطور العقلانية اللاهوتية في تجربته الفردية. فقد اتخذت مواقفه النقدية من العقل والعقلانية في بداية الأمر صيغة الشك المعرفي الذائب في أسلوبه الجدلي، أما في مرحلته الصوفية، فقد برزت ظاهرة "ما وراء العقل" أو حسب عبارته "طور الولاية"، بوصفها قضية فكرية، وأسلوبا للمعرفة، وأحد مستوياتها  (المعرفة) في الوقت نفسه.

 إن فكرة محدودية العقل التي نعثر على صياغتها العامة في كتاب (المنقذ من الضلال)، تستند إلى نظريته عن درجات المعرفة وترابطها كما بلورها في موقفه من  مفهوم الشك والعلم اليقيني. فتكذيب العقل لبعض أحكام الحس، يجعل من بعض أحكام العقل مشكوكا بها أمام ملكة ما وراء العقل، لاسيما وأن حالات النفس (في اليقظة والمنام) يمكنها أن تقدم مادة "برهانية" للمقارنة بهذا الصدد. فقد واجه الغزالي في إحدى مراحل تطوره، شأن كل ممثلي النزعة العقلية الجدلية، إشكالية الإيمان من جهة، وقضية الشك بقدرات العقل على اكتشاف الحقيقة والبرهنة عليها من جهة أخرى. فإذا كان الشك عنده مبنيا على أساس تحليله لصيرورة المعرفة كما هي، بوصفها عملية ارتقاء من الحسي إلى الوهمي إلى العقلي، فان الإيمان يستند إلى ما اسماه بالمعرفة الضرورية. ذلك يعني، أن وحدة الشك والإيمان تبقى على الدوام احد الحوافز الجوهرية القائمة وراء البحث عن الحقيقة كما هي. وبالتالي، فان الإقرار بما وراء العقل، كان يتضمن أيضا الإقرار بعدم نهاية المعرفة.

لم تكن فكرة اللاأدرية وعدم إمكانية المعرفة الحقة جزء من تفكير الغزالي. إذ إننا لا نعثر عليها في جميع مراحل تطوره الذهني والروحي. أما العناصر المتناثرة أحيانا للسفسطة واللاأدرية الصريحة والمبطنة في بعض مواقفه الفكرية، فأنها كانت جزء مما يمكن دعوته بالنتاج الطبيعي الملازم للروح الجدلي المميز لخلافات العصر وأساليبه النقدية واختلافاته المذهبية والعقائدية. ولا يغير من هذه الحقيقة شيئا أيضا أفكاره (خصوصا في مرحلته الصوفية) عن انه لا يعرف حقيقة الشاعر إلا الشاعر، ولا حقيقة النبي إلا النبي، ولا ذات الله إلا الله، وذلك لأنها كانت جزء من موقفه المشدد على أهمية التجربة الفردية والرقي الذاتي، بوصفها أسلوبا لإدراك حقائق الأشياء كما هي. لقد أبقى على ما يمكن دعوته بالجزئية النسبية للأشياء في ذاتها، لكنه لم يجعل منها حقائق خارج المعرفة وإمكاناتها غير المتناهية. بصيغة أخرى، انه شدد على عدم تناهي المعرفة لا على عدم إمكاناتها. وبهذا المعنى، فان "ما وراء العقل" هو في الوقت نفسه تجاوز "لحدود العقل"، وأسلوب جديد "ماوراعقلي" لرؤية الحقائق. ففي معرض حديثه عن درجات المعرفة، اعتبر درجة العقل (الدرجة الثالثة بعد الحس وقدرة التمييز) طورا آخرا يدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات وأمورا لا توجد في الأطوار التي قبله . ذلك يعني أنه نظر إلى العقل على انه طور في أطوار المعرفة أو مستوياتها. فإذا كان العقل يدرك الأمور الحقيقية (الضرورية، البديهية)، بحيث نراه يطابق بينها وبين مضمون العقل، فان هناك طورا آخر تتفتح فيه "عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل وأمور أخرى، العقل معزول عنها كعزل قوى التمييز عن إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحس عن إدراك التمييز" . من هنا يبدو واضحا، بأنه في نظرته إلى حدود العقل، ينطلق من مقدمات وأسس معرفية، تعتبر حدود العقل هي الدرجة التي يكف فيها العقل عن الإحاطة بحقائق الأشياء كما هي، وما بعدها تظهر ملكة القوة القادرة على الإحاطة بحقائق الأشياء كلها، والتي يطلق عليها الغزالي أحيانا عبارة "القوة النبوية" وأحيانا أخرى "روح القدس".

لا تتطابق فكرة حدود العقل عند الغزالي مع اللاعقلانية أو معاداة العقل أو تعجيزه. أنها تشير إلى محدودية العقل التقليدي ومستواه النظري، بما في ذلك المنطقي منه (الشكلي، الصوري). فقد شدد الغزالي على الفرق بين ما اسماه بقدرة العقل المعرفية وبين ما يستحيل إدراكه بالعقل، بين ما هو محال في نفسه وبين محدودية العقل في معرفته. فعندما يتكلم، على سبيل المثال، عن معنى البعث والنشور على أساس تحليل مفهوم الاسم الإلهي (الباعث)، فانه حاول البرهنة على أن الموت هو ليس العدم، وأن البعث هو ليس إيجادا مثل الإيجاد الأول. بصيغة أخرى، انه لم يتطرق إلى هذه القضايا بمعايير العقل اللاهوتي أو الفلسفي (الاستدلالي، البرهاني) بل بذوق المكاشفات الصوفية ومقاييس "الروح القدسي" و"«النبوي". إذ لم يعد الإنشاء أو البعث عنده مفهوما لاهوتيا قطعيا، أي إيمانيا وعقائديا، بل يتحول إلى صياغة ظاهرية لكينونة الإنسان الوجودية والمعرفية. بحيث يتحول البحث عن "الإنشاء الدائم" إلى أسلوب لتتبع ظهور وتطور الجسد والروح وخصائص المعرفة، بما في ذلك ارتقاؤها إلى اعلي المراتب، كالولاية والنبوة .

أما في إطار الوجود الإنساني، فان الإنشاء والبعث يصبحان الصيغة المجردة لتطور المعرفة وأشكالها من الجهل إلى العلم. لقد أراد الغزالي القول، بأن الصيغة المنطقية العقلية في تعاملها مع الوقائع والحقائق لا تتقبل في الأغلب إلا ما يقع ضمن قواعدها الخاصة. وذلك لأنها تخضع كل قضايا المعرفة لأسلوب إدراكه فقط. بينما نراه يعتبر هذا الأسلوب "تضييقا للرحمة الإلهية"، كما تقول المتصوفة.

أما في مجال المعرفة، فان هليس كل ما لا يدركه العقل محال في نفسه. وبغض النظر عن انه تناول هذه القضية في مجرى تأمله ومناقشته لقضايا الدين الماورائية، وبالأخص قضايا ما بعد الموت، إلا أن المبدأ المجرد العام ظل يحتوي على الكثير من العناصر العقلانية. انه حاول البرهنة على ضرورة التفريق بين البعيد والمحال بالنسبة للمعرفة. لهذا أكد على أن الشرع قد يحتوي على عجائب هي ليست مستحيلة وإنما هي مستبعدة .

إن محدودية العقل تكمن أساسا، بنظر الغزالي، في عدم قدرته على تخطي حدود قواعده الخاصة. فعندما تناول في (مشكاة الأنوار) مسالة قدرة العقل وصفاته الجوهرية مقارنة بالحس، فإنه حاول إبراز خصائص القدرة المعرفية للعقل ومحدوديتها في الوقت نفسه. فالعقل كما يقول لغزالي، يدرك نفسه ويدرك غيره. ويتساوى أمامه القريب والبعيد، بل انه يتصرف "في العرش والكرسي وما وراء الحجاب" . كما يتغلغل العقل إلى بواطن "الأشياء وأسرارها، ويدرك حقائقها وأرواحها، ويستنبط أسبابها، وعللها وحكمها، وكيف حدثت وخلقت، وعلى اي مرتبة في الوجود نزلت، وما نسبتها إلى سائر مخلوقاته" . فالعقل بهذا المعنى لا يدرك أعماق الأشياء وحقائقها، أسبابها وعللها فحسب، بل ومصدرها وكيفيتها وكمها ونوعها ونسبتها إلى بعضها البعض. وبقدرته يمكن التصرف أيضا بالعرش والكرسي، اي كل مكونات وعناصر الوجود وأشكالها. فالموجودات كلها "مجال العقل" كما يقول الغزالي . إضافة لذلك، إن تصرف العقل في الموجودات بنظره يعني أيضا قدرة العقل على بلوغ الحكم اليقيني الصادق عليها. فالأسرار الباطنة ظاهرة عنده، والمعاني الخفية عنده جلية، كما يقول الغزالي.  والعقل بهذا المعنى، لا يتعامل مع الوجود بمختلف ظواهره وأسراره الباطنة تعاملا تأمليا بحتا، بل وقادر أيضا على بلوغ الحكم اليقيني الصادق تجاهها. وفي هذه العملية العقلية (من إدراك المعقولات) لا يحدّه حدّ. ولا يغير من ذلك شيا الحقيقة القائلة، بأن العلوم المتحّصلة هي متناهية على الدوام، بينما في قوة العقل إدراك ما لا نهاية له . من هنا يبدو واضحا، بان تحديده لفكرة محدودية العقل لا تتطابق أيضا مع فكرة محدودية المعرفة.

إن محدودية العقل من وجهة نظر الغزالي، تقوم أساسا في رفض العقل أو عدم إدراكه محدوديته الذاتية. ولا تعني هذه الأخيرة سوى عدم إقرار العقل نفسه بالطور الأرقى في رؤية الأشياء، أو ما عبّر عنه أحيانا باحتجاب العقل. فالحقائق كلها لا تحجب عن العقل، و"إنما حجاب العقل حيث يحجب نفسه بنفسه بسبب صفات مقارنة له" . ذلك يعني أن الغزالي لم يسع لبناء أسس القطيعة التامة بين مستويات أو أطوار الإدراك، بل لتأسيس تداخلها الدائم، باعتبارها أنوارا تلتهم بعضها البعض في وهجها المعرفي صوب المطلق. لهذا أكد في (مشكاة الأنوار) على انه إذا كان الروح الحسي والخيالي والعقلي والفكري كلها أنوارا بعضها فوق بعض، فبالحري أن تكون نورا على نور . ولم يقصد هو بذلك سوى وضع الأساس الفكري لإمكانية المعرفة اليقينية الحدسية، التي ترتكز في جوهرها على المعرفة العقلية المذابة في تذوق الحقائق. لهذا شدد منذ مراحل مبكرة نسبيا، في كتاباته الصوفية، على انه "لا يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقضي العقل باستحالته. نعم يجوز أن يقصر العقل عنه، بمعنى انه لا يدركه بمجرد العقل. ومن لم يفرّق بين ما أحاله العقل وبين ما لا يناله العقل فهو أخسّ من أن يخاطب" . وهي ذات الفكرة التي يوردها في (مشكاة الأنوار) عن ضرورة تأويل كلمات الصوفية بالشكل الذي تكون مقبولة للعقل . حيث أكد على أن فكرة الاتحاد لم تكن حقيقة، إذ بعد الصحو، أي بعد أن يرجع المرء إلى سلطان العقل الذي هو "ميزان الله في أرضه"، يعرف أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد، بل شبيه الاتحاد .

من كل ما سبق نستطيع القول، بان "طور الولاية" أو طور ما وراء العقل لا يعني ولا يتضمن ما يقضي العقل باستحالته. ولكن يجوز أن يظهر في "طور الولاية" ما يقصر العقل عنه، بمعنى انه لا يدركه بمجرد العقل. وما يمكنه أن يكون مادة للذوق، أو أن يكون التذوق والمكاشفة هما الأسلوب الأعمق والأدق لرؤية الحقائق. وقد حاول الكشف عن آرائه هذه في (المنقذ من الضلال) على مثال تحليله لمفهوم ومضمون النبوة. انه أراد القول، بأن رفض طور ما وراء العقل، مبني في الأحكام العقلية العادية على أساس عدم وجوده. وهو الأساس الفكري، الذي فنّده في (الإحياء) عندما برهن على أن الانطلاق من مقدمة غياب الشيء لا يمكن أن يشكل أساسا حقيقيا للبرهنة على عدم وجوده. تماما كما أن الجهل به لا يمكنه أن يشكل أساسا حقيقيا ومقنعا للبرهنة على عدم معرفته (وجوده). من هنا استنتاجه القائل، بان أولئك الذين رفضوا طور ما وراء العقل واستبعدوه، لم يستندوا في الواقع إلا على "انه طور لم يبلغه، ولم يوجد في حقه، فيظن انه غير موجود في نفسه" . و اعتبر هذا الموقف هو عين الجهل. وذلك لأن ما وراء العقل بنظره هو الأسلوب الذي يجري به إدراك حقائق الأشياء إدراكا مباشرا كما هي عليه. ويتطابق ذلك في فكر الغزالي مع معرفة الحدس اليقيني، أو المستوى الذي صاغه في (المنقذ من الضلال) بعبارة: "الطور الذي يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل" .

غير أن الغزالي لم يجعل من "ما وراء العقل" كيانا مستقلا قائما بحد ذاته له قواعده الخاصة. فهو ينظر إليه، إن أمكن القول، كما لو انه حالة تضمحل فيها وتذوب مقدرات المعرفة، وخصوصا في مستواها العقلي النظري، فيما اسماه "بالروح القدسي النبوي". فهو المستوى الذي تتجلى فيه "لوائح الغيب وأحكام الآخرة وجملة من معارف ملكوت السموات والأرض، بل ومن المعارف الربانية التي تقصر دونها الروح العقلي والفكري" .

لقد أعطى لهذا الطور طابعا معرفيا ــ أخلاقيا، يتطابق مع أسلوب خاص في المعرفة النظرية والسلوك العملي. أما الصيغة المباشرة لادراكات ما وراء العقل، فهي انكشاف الحقائق انكشافا جليا. وهذا بدوره غير ممكن دون ذلك الجهد، الذي يفرضه تطور "الروح النبوي القدسي"، الذي تلازم في وعي الغزالي مع مضمون الطريق الصوفي نفسه.

***

ميثم الجنابي

 

 

mutham aljanabiلقد توصلت في المقال السابق، عن ان أحكام حسن حنفي عما يدعوه "بالدورة المكتملة لحضارة للغرب الأوربي" ومسارها صوب "السقوط والانتهاء" لا تخرج عما أسميته بأوهام الأحلام التي ميزت بعض أمزجة التأمل الفلسفي منذ القدم. فهو يتكلم عما يدعوه "باكتمال الوعي الأوربي في دورته الثالثة في العصر الحديث". ويتطابق هذا "الاكتمال" عنده في "الكوجيتو من ديكارت إلى هوسرل". وما قبل ذلك "اكتمل" أولا في "عصر آباء الكنيسة" وثانيا في "العصر المدرسي" (السكولائي). وهي مراحل ودورات ومقارنات لا تصمد أمام النقد التاريخي والفلسفي. وفي أفضل الأحوال هي مجرد صيغة متعارف عليها في الكتب المدرسية، اي لتدريس نوعية المرجعيات المتحكمة في تطور المناهج والعلوم والرؤية العملية. بينما تاريخ "الوعي الأوربي" أكثر تعقيدا من أن يجري حصره ضمن هذه الصيغة المدرسية المبسطة. وعموما يمكن القبول بها ضمن الكتب المدرسية العادية لتدريس تاريخ الفلسفة "الأوربية"، في حال إدماج تاريخ آباء الكنيسة ضمنها، مع أنها من طراز وثقافة أخرى من حيث أصولها وجذورها ورجالها ومفاهيمها. وفيما لو جرى إهمال هذا الفعل (اكتمل) الهلامي المعنى، فانه فيما يبدو يتطابق مع ما استنتجه بهذا الصدد عما اسماه بتجربة الوعي الأوربي لكل شيء. بمعنى أن "الوعي الأوربي جرب كل شيء"، بحيث أدى ذلك به إلى "ضياع بؤرة التركيز". ومن ثم "أصبح غير قادر على توجيه نفسه نحو مركز يمكن من خلاله إبداع المذاهب والاتجاهات". وهي عبارة ليست دقيقة من حيث الصيغة والمعنى. كما أنها لا تتفق مع تحديد حسن حنفي نفسه للحضارة الأوربية بوصفها "حضارة طردية". ففيما لو قبلنا بهذا الوصف، فان الحضارة الأوربية لا تسير هنا صوب الزوال والموت بل تستجيب لما فيها. بمعنى استجابتها لمضمونها الغائي! وعموما أن "تجريب كل شيء" أمر مستحيل بأي معنى جرى فهم التجريب والاستحالة. فللتجارب الثقافية حدودها الخاصة. وان حدود "التجربة الأوربية" لم تؤد، كما يقول حسن حنفي، إلى انعدام القدرة على "إبداع المذاهب والاتجاهات"، والغوص في "الرفض والعدمية" وما شابه ذلك من أحكام انطباعية سطحية ومزيفة تطرب لها النفسية الإسلامية اللاهوتية، التي لا تدرك أن الأفكار يجري إنتاجها بأشكال مختلفة. والمذاهب ليست بالضرورة أبدية الإبداع. فتاريخ الفلسفة وما يدعو هو إليه من إعادة إنتاج "علم أصول الدين" يتناقض مع هذه الفكرة. لكن الشيء الأكثر جوهرية، هو أن مسار الفكر الفلسفي بمختلف ميادينه ومستوياته تتغير وتتبدل فيه الأولية والأهمية بالارتباط مع انتقال الوعي الثقافي من مرحلة إلى أخرى. فالأفكار الفلسفية و"إبداع المذاهب والاتجاهات" هي الصفة الأكثر تمييزا وقوة زمن الدخول إلى مرحلة الوعي الديني السياسي والخروج منها إلى مرحلة الوعي السياسي الاقتصادي، وما بعده إلى العلمي التكنولوجي. ففي مرحلة الخروج "تموت" و"تندثر" قيم اللاهوت التقليدي، ويتحول الوجود الإنساني إلى محور وجوهر كل شيء بالنسبة للفكر من اجل الارتقاء لاحقا إلى الطبيعة والكون بمعايير الرؤية العلمية. بمعنى الخروج من ميتافيزيقا الفكرة الدينية إلى إشكاليات الميتافيزيقيا الكونية ولكن بمعايير التجارب العلمية والعملية الإنسانية الخالصة، كما تتحول على سبيل المثال قضايا الحياة والموت الجوهرية للوجود البشري إلى قضايا المعنى. الأمر الذي يؤدي إلى انتقال الوعي الفلسفي من حيث طاقته التاريخية صوب العلوم التطبيقية. وهذه فلسفة جديدة أو أنها تحتوي على مقدمات "مذاهب وتيارات" متجددة على الدوام.

وضمن هذا السياق أيضا يمكن النظر إلى تحديده العام عن أن الحضارة الأوربية هي حضارة طردية وان الإسلامية نقيض لها بوصفها حضارة مركزية، فانه تحديد مفتعل، لا علاقة له بالواقع والتاريخ وحقيقة الثقافة ومرجعيات "الحضارة الغربية" والإسلامية. فقد عرفت القارة الأوربية حضارات مختلفة في العالم القديم، وبالأخص اليونانية والرومانية. وكلاهما ليست "أوربيتان" أو "غربيتان". ولكل منهما مركزيته الخاصة ومرجعياته الفلسفية والعقائدية الكبرى. وإذا كان بالإمكان الحديث عن "حضارة أوربية" موحدة نسبيا فهي "الحضارة النصرانية القروسطية"، وكذلك الحضارة الأوربية الحديثة، التي أخذت ملامحها بالتبلور منذ القرن الثامن عشر- التاسع عشر وحتى الآن، بأثر الانقلاب البنيوي الهائل الذي رافق انتقال الوعي الثقافي الأوربي من المرحلة الدينية اللاهوتية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. من هنا تباين واختلاف فاعلية "مركزيتها الثقافية" ومن ثم مركزيتها الحضارية. إذ لا معنى للحديث عن طابع طردي جوهري في الحضارة الأوربية والتمسك بفكرة "المركزية الأوربية". فالأخيرة هي الذروة الضرورية لكل تطور ثقافي وحضاري كبير. ومن ثم لا معنى للحديث عن خصوصية إسلامية في الحضارة يجري إرجاعها إلى "مركزية" ما. وذلك لان كل حضارة هي مركزية بالضرورة، بمعنى أنها تدور حول نفسها وحول مرجعياتها التاريخية الثقافية الكبرى.

إن عدم إدراك هذه الفكرة المنهجية يؤدي بالضرورة إلى أحكام تاريخية وسياسية لا يمكنها العمل على بلورة وعي ذاتي سليم فيما يتعلق بالحاضر والمستقبل. إضافة إلى ما فيها من مضيعة للجهود والوقت. ومن الممكن أن يشكل اهتمامه الكبير بتصنيع "علم الاستغراب" احد الأمثلة النموذجية بهذا الصدد. وذلك لان محاولة تأسيس علم يواجه الاستشراق والرؤية الأوربية الغربية ككل انطلاقا من فكرة المواجهة والتحدي لا يمكنها النجاح. فالاستشراق الأوربي هو جزء من تطور تلقائي لفهم الشرق بمعايير المركزية الأوربية وثقافتها، تماما كما فعلت الثقافة العربية الإسلامية في التعامل مع ثقافات "الشرق" و"الغرب". وبالتالي، فان "علم الاستغراب" لكي يكون علما بالمعنى الدقيق أو حتى أن يكون "استشراقا معاكسا"، يستلزم في بادئ الأمر أن يكون للشرق مركزيته الثقافية، أو مركزياته الثقافية. وإلا فان "الاستغراب" هو مجرد رد فعل وليس فهما. أما البحث عن جذور خاصة به في التراث العربي الاسلامي القديم من خلال تتبع العلاقة بالتراث اليوناني، انطلاقا من أن اليونان جزء من الغرب جغرافيا وتاريخيا وحضاريا، فهو استنتاج لا علاقة له من حيث الجوهر بالجغرافيا والتاريخ والحضارة. بل يمكن قول العكس. إن أوربة اليونان والتراث الإغريقي هو جزء من المركزية الأوربية الحديثة، وما قبل ذلك، في كل مجرى القروسطية الأوربية، فقد كانت علوم الإغريق هي علوم "الوثنية". إضافة لذلك أن "علم الاستغراب" يخلط بين مواجهة الاستشراق والمركزية الأوربية. بينما هما يمثلان علاقة الكل بالجزء. والمركزية الأوربية هي نتاج التطور الأوربي وذروته في ميدان وعيها الذاتي وتمثيلا لمرحلة الانتقال من الوعي الديني إلى الوعي السياسي الاقتصادي. بعبارة أخرى، إن القيمة النظرية والعلمية والمنهجية والعملية والثقافية للاستغراب تكمن في روحه النقدي ومحاولة النظر إلى النفس بمعايير التجارب الذاتية. وهذه فضيلة كبرى. لكنها ينبغي أن تجري ضمن سياق تناول إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للصيرورة والكينونة العربية أولا وقبل كل شيء، وبل وفي كل شيء. أما ما قام به حسن حنفي في كتابه فهو مجرد استعراض عادي مدرسي مبسط لتطور الفكر الأوربي. بعبارة أخرى انه مجرد استعراض عادي وسهل لما هو متداول في الكتب المدرسية. ولا يرتقي إلى معنى "الاستغراب" بوصفه علما محاذيا أو موازيا للاستشراق. إذ للأخير قيمة علمية هائلة، رغم كل المآخذ عليه. أما الأبعاد الثقافية فيه فهي أبعاد الصيرورة التاريخية للكينونة الأوربية ووعيها الذاتي.

وينسحب ضعف الإدراك الحقيقي لماهية الحضارة وقوانين تطورها على موقفه من البديل الحضاري الاسلامي. فالقول على سبيل المثال، بإمكانية بلورة "حضارة إسلامية بديلة" في العالم المعاصر من خلال إعادة النظر بعلم أصول الدين، لا يعني في نهاية المطاف سوى إرجاع التاريخ والفكر صوب مرحلة تاريخية ثقافية ينبغي تذليها. فالحضارة الدينية (الإسلامية) هي صيغة خاصة تاريخية وثقافة مناسبة لمرحلة الانتقال من الوعي الإثني الثقافي إلى الوعي الديني الثقافي. وقد استطاعت أن تصنع إحدى أعمق وأوسع المركزيات الثقافية في التاريخ الإنساني وحضارة تناسبها. وبالتالي، فان البدائل الممكنة هنا تقوم في تأسيس مرجعيات ثقافية كبرى، أو ما ادعوه بالمرجعيات المتسامية القادرة على إعادة توحيد الفرد والجماعة والمجتمع والأمة والدولة بمعايير المستقبل واحتمالاته العقلانية عبر نقله إلى مرحلة الوعي السياسي الاقتصادي. ومن ثم تذليل كل بقايا اللاهوت ومدارسه وفلسفاته وأنماط تفكيره وعقائده. لا أن يجري تخيلها بمعايير الرغبات، مثل القول، بأنه "إذا كان للوعي الأوربي الريادة في القرون الخمسة الماضية، فقد تكون لنا الريادة في القرون القادمة. وكما بدأت الحضارة قديما في الشرق ثم انتقلت إلى اليونان والرومان وأوربا، فقد تعود في عصرنا إلى الشرق من جديد وتكتشف الحضارة الإسلامية رسالتها نحو الشرق". إن هذه الصيغة وأمثالها العديدة المتناثرة في كتابات حسن حنفي لا تخلو من طرافة وأمل إنساني ورغبات مقبولة ومعقولة، لكنها غير مؤسسة بمعايير الرؤية النقدية الفعلية. أما محاولة بناءها استنادا إلى قوى الحاضر وتوحيدها من الإخوان المسلمين بوصفهم إخوة في الله، ومن الماركسيين بوصفهم إخوة في الوطن، ومن الناصريين بوصفهم إخوة في الثورة، ومن الليبراليين بوصفهم إخوة في الحرية، فهي مجرد أضغاث أحلام لا علاقة لها بالواقع والحاضر والمستقبل. كما لا يمكن إنقاذها بتوحيد تراث الإصلاحية الإسلامية القديمة (فلسفة ابن رشد، وكلام المعتزلة، وتاريخ ابن خلدون، وفقه ابن تيمية)، وتراث الإصلاحية الإسلامية المعاصرة (محمد عبده والكواكبي وإقبال وشريعتي والسنوسية وثورة عمر المختار والمهدية وعبد الحميد بن باديس وسيد قطب)، فهي مجرد خلطة غريبة لا علاقة لها بما يمكن دعوته بتاريخ المستقبل.

إن هذه الخلطة عاجزة عن أن "تمثل تحديا للحضارة الغربية وبديلا عنها". فهي مجرد  صيغة أيديولوجية. وذلك لان البدائل الحقيقية هي ذاتية وتلقائية. وبالتالي فإنها بديلة ضمن سياقها بوصفها نفيا منظوميا لما فيها. بعبارة أخرى، إن الفكرة الحضارية لا تستقي مقومات وجودها، بوصفها حركة تلقائية، من تأمل مسار الرؤية الفلسفية للحضارة الإسلامية وتاريخها الفعلي، ولا من تأمل الحالة التاريخية الفعلية والاحتمال المستقبلي للبدائل في العالم العربي. بعبارة أخرى، انه، كما هو الحال في فكرته السياسية، محكوم بعقائد يجري تأويلها، وليست تجارب حرة ضمن سياق الانتقال من الوعي الديني السياسي إلى الوعي السياسي الاقتصادي.

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر عراقي

 

 

دابت الجمهورية التونسية منذ الاستقلال على اصدار القوانين التي تعطي المراة حقها طبقا لما ذكر في القرآن حتى انها اعتبرت وبدون منازع رائدة عربيا في مجال حقوق المرأة.وها نحن نفاجأ مرة اخرى بتزكية حرية المراة التونسية في اختيار شريك حياتها وذلك باصدار قانون جديد يقف الى جانب المراة التونسية، وينصفها حقها في اختيار القرين، وقد جاء هذا على اثر الدعوة التي أطلقها الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في شهر اوت المنصرم بمناسبة عيد المرأة، من أجل إلغاء القيود القانونية التي "تمنع زواج المرأة التونسية من رجل أجنبي غير مسلم"، بعد ضغوط مارستها منظمات نسائية، وحقوقية طالبت بتمكين المرأة من حرية اختيار زوجها. وقد تم ذلك فعلا بعد ان وجه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسى إلى وزير العدل دعوة لإعادة النظر فى المنشور رقم 73 الذى يمنع زواج المرأة التونسية بأجنبى غير المسلم. وآتت دعوته اكلها حيث انه أعلن اخيرا ورسميا بان "للتونسية الحق في الزواج بالاجنبي غير المسلم" دون التنصيص على ذكر الديانة التي تنتمي اليها التونسية، وتونس ككل الدول فيها خليط من الاديان، خاصة بعد المصادقة على حرية الاديان بعد الثورة...حيث اننا نجد في تونس الديانات السماوية الثلاث لذا وجدت كلمة من الاجنبي غير المسلم. ففرحنا وقلنا مادام الامر هكذا فلا ضرر في ان تتزوج التونسية باجنبي غير مسلم ما دام هذا القانون لم ينص على ديانة التونسية ولم يأت على ذكر التونسية المسلمة ولم ينص عليها لا بين ظفرين ولا دون ذلك بل هو لم يذكرها مطلقا وهذا ان دل على شيئ انما دل على ان القانون التونسي عنى وبالدرجة الاولى الاقليات التونسية، لان تونس ككل دول العالـم فيها اغلبيـة واقلية، وكما يعلم جل التونسيين ان الشعب التونسي به تركيبة سكانيـة ذات اغلبيـة مسلمة واقليـة مسيحيـة واخرى يهودية، وربما هناك ديانات اخرى لم نسمع بها، او ربما لا وجود لها. وللتونسية المسلمة الحق في الزواج باجنبي مثلها مثل بقية النساء التونسيات لكن بشرط الزامي الا وهو ان يكون الاجنبي مسلما وذلك طبقا لتعاليم الدين الاسلامي الحنيف لان زواجها من غير مسلم يعتبر باطلا، وطالما هذا القرين الاجنبي يتدين بنفس الدين فلا حرج في ذلك لان الاسلام لم يحرم زواج المسلمة من اجنبي انما حرم زواج المسلمة من غير المسلم. وكما لا يخفى على احد ان الدين الاسلامي خاصة في السنوات الماضية انتشر انتشارا واسعا وبصفة كبيرة في جميع اصقاع العالم بصرف النظر عن الاجانب الذين اعتنقوا الدين الاسلامي منذ عدة قرون، منذ نشاة الاسلام الاولى وذلك عن طريق دروب التجارة القديمة، خاصة منها دروب تجارة الحرير، وذلك مثل الصين، والهند و

بورما او جمهورية اتحاد ميانمار، وبنغلاداش، ومنغوليا. واماريكا في القرن 16 عشر الميلادية، وفي القرن العشرين وما قبله دخل الاسلام كوريا وتايلندا وتايوان والفلبين وكمبوديا وفيتنام و...و...و...وكندا دون ان ننسى ان لنا جاليات عربية مسلمة مهاجرة تقريبا في كل اصقاع الدنيا. فالمسلم منهم الحامل لاحدى هذه الجنسيات يعتبر مسلما اجنبيا. اما الجدل الذي اثير نتيجة صدور قانون زواج التونسية باجنبي غير المسلم ارى انـه اما ان يكـون مفتعلا، والاصح انه ينم عن جهل بعض التونسيين والتونسيات مع كامل احترامي لهم ولهن بان تونس تحتضن ضمن شعبها المسلم 25.000 مسيحي ومسيحية مع 3000 يهودي ويهودية هل من المعقول ان تجبر الدولة ودار الافتاء التونسية التونسيات المسيحيات واليهوديات بالزواج باجنبي او تونسي مسلم غير ممكن لذلك وضع المشرع كلمة "اجنبي غير مسلم" وهذا خدمة للتونسيات غير المسلمات وهو يعتبر حقا عملا محمودا يذكر فيشكر عليه لا ان يثير ضجة كما يثير ضجة في غربال او زوبعة في فنجان.

الا اننا فوجئنا في بعض القنوات الاجنبية وغيرها ببث الخبر او الاعلان وترويجه ونشره بعد تحويره وتزييفه بصيغة مغايرة للحقيقة فاصبح (زواج التونسية المسلمة بالاجنبي غير مسلم) عوضا عن الاعلان الصحيح الا وهو للتونسية الحق في الزواج بالاجنبي غير المسلم، حتى ان دار الإفتاء التونسية، الإثنين 14 اوت، أعلنت تأييدها لمقترحات رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي التي طرحها خلال كلمته بمناسبة العيد الوطني للمرأة التونسية، ودعا السماح للتونسيات بالزواج من أجانب غير مسلمين.

بعد البحث والتثبت وجدت ان كلمة التونسية المسلمة لم ترد مطلقا ولم تذكر. ترى لماذا الاصرار على كلمة المراة التونسية المسلمة؟؟؟، وكاني باضافة كلمة مسلمة او صفة مسلمة الى كلمة التونسية الزواج باجنبي غير المسلم اضيفت لا عن سهـو ولا عن حسن نيـة انما اضيفت قصـدا وعمـدا بسابقيـة الاصـرار والترصد وذلك بغاية توظيفها لبث ونشر البلبلة بين الاقليات في تونس ولارباك الشباب، وهذا ما حدث فعلا حتى ان بعضا من الاقليات تساءلن هل لغير المسلمات الحق في الزواج من اجنبي غير المسلم؟ كيهودية مثلا ألها الحق في الزواج من غير يهودي؟...وهذا الاعلان الذي بث البلبلة روجته بعض وسائل الاعلام بهذه الصيغة المحرفة كمونت كارلو الدولية وFrance 24 والجزيرة نات وRT العربية مع ان القنوات التونسية ومن بينها قناة نسمة قالت رسمي: (للتونسية الحق في الزواج بالأجنبي غير المسلم) وذلك بعد ان أعلنت الناطقة الرسمية باسم رئاسة الجمهورية سعيدة قراش اليوم الخميس 14 سبتمبر 2017، عن إلغاء مرسوم 5 نوفمبر 1973 الذي يمنع ضباط الحالة المدنية وعدول الإشهاد من إبرام عقود زواج التونسيات من الأجانب غير المسلمين.وقالت ايضا السيدة سعيدة قراش معلنة في تدوينة لها نشرتها في حسابها الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك: "تم الغاء كل النصوص المتعلقة بمنع زواج التونسية بأجنبي يعني بعبارة أوضح منشور 1973 وكل النصوص المشابهة له. مبروك لنساء تونس في تكريس حق حرية اختيار القرين"."المصدر قناة نسمة" وكذلك قال موقع arabesque.tn وقد نزلت قائمة الوثائق المطلوبة للزواج وذلك يوم 16 سبتمبر 2017 تحت عنوان زواج التونسية بغير المسلم دون ذكر كلمة المسلمة.

لعلمنا بان المشرع التونسي يتمتع بحدة الذكاء وبالنظرة الثاقبة وواسع المعرفة الفقهية لا يمكن ان يقع في مازق يجلب عليه المشاكل والمصائب والويلات لذا حدد القانون بكلمة التونسية دون ربطها بكلمة المسلمة الا اننا فوجئنا باحدى السيدات في قناة France 24 الا وهي احدى نساء المجتمع التونسي ذات مركز محترم قالت في تصريـح لها لقناة ''فرانس 24''، ان القانـون يخص المـراة التونسيـة المسلمـة دون غيـرها واعتبرت في نفس التصريح لقناة ''فرانس 24''، أنّه ''لا يوجد أي نص ديني صريح يمنع زواج المسلمة من غير المسلمين" في حين ان الرئيس قال زواج المراة التونسية باجنبي غير المسلم وهي تقول المراة التونسية المسلمة. لماذا هذا التحوير؟؟؟ ولماذا اقحمت كلمة المسلمة؟؟؟. يبدو ان هناك شيئا ما وخلفية ما وراء كلامها الذي خصته بالمراة التونسية المسلمة دون غيرها. وهذا ما اثار حفيظة

كثير من التونسيين مع استغرابهم لجهلها او نسيانها اوتجاهلها وربما تناسيها لبعض الايات الصريحة في منع زواج المسلمة من غير المسلم. ان ما صرحت به السيدة لقناة France 24 ان لا وجود بالقران ما يمنع زواج المسلمة من غير المسلم.فهو كلام خاطئ وخطير للغاية، فيه مغالطة كبيرة وجسيمة للراي العام، وان لا اساس له من الصحة، ولتعلم هذه السيدة وكل منهن على شاكلتها ان زواج المسلمة من غير المسلم حرام لانه مخالف لشرع الله ولا علاقة له قانونيا بالشريعة الاسلامية والقرآن الكريم.

 ان قضية الزواج على علاقة بالحلال والحرام تتطلب نقاشا فقهيا. اما مسالة زواج المسلمة من غير المسلم لا اجتهاد فيها مع القرآن لأن زواج المسلمة من غير المسلم - مهما كانت ديانته- من الفواحش العظيمة التي نهى الله عنها وهو باطل لانه حرام؛ بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول وذلك تطبيقا لكلام الله سبحانه وتعالى (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة:221).صدق الله العظيم. ان السور القرآنية ليست بنصوص كما قالت السيدة فالنصوص معروفة كتبها البشر، والفها البشر ككتب القوانين وكتب البحوث والدراسات والفلسفة والكتب المستنبطة والروايات وكتب القصة ودواوين الشعر وما الى غير ذلك، اما القرآن فهو سور منزلة من الله سبحانه وتعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الانبياء والمرسلين عن طريق الوحي، ولم يؤلفها بشر لذا هي ليست نصوصا ولا يمكن ان نطلق عليها هذه التسمية بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ. ان الله سبحانه وتعالى اعتنى بالمراة احسن عناية وبين حقوقها احسن تبيين في الزواج والطلاق والرضاعة والارث وما الى غير ذلك. في القرآن الكريم ورد عديد الايات المحكمات خاصة بالمراة في سورة النساء والبقرة. وفيما يخص الزواج هناك عديد الآيات القرآنية المانعة لزواج المسلمة من غير المسلم - ايا كانت ديانته- لانه معصية كبرى وخطيئة من الخطايا العظمى التي نهى الله عنها وهو باطل؛ بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول. لانه مخالفة للشَّريعة الإلهيَّة لذا لا جدال فيه ولا نقاش.

ان الله سبحانه وتعالى نهى نهيا قاطعا في سورة البقرة الرجل المؤمن عن الزواج بغير مؤمنة ونهى المراة او الانثى المؤمنة عن الزواج بغير مؤمن وقد اجتمع فقهاء المسلمين على أنّ زواج المسلمة من غير المسلم بغض النّظر عن ديانته هو أمر محرّم في الشّريعة الإسلاميّة. قال شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر الطبري : "إن الله قد حرَّم على المؤمنات أن ينكحن مشركاً كائناً من كان المشرك، ومن أيّ أصناف الشرك كان، فلا تنكحوهنَّ أيها المؤمنون منهم، فإنّ ذلك حرام عليكم، ولأن تزوجوهن من عبدٍ مؤمن مصدق بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، ولو شرُف نسبه وكرم أصله، وإن أعجبكم حسبه ونسبه"، وقال الإمام القرطبي: "أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك، وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام".وذلك لقوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة الآية (221) (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). صدق الله العظيم.

ان هذه الآية المرادً بها كل مشركة وكل مشرك من أيّ أصناف الشرك، غير مخصوص منها مشركةٌ دون مشركة،او مشرك دون مشرك وثنيةً كانت أو مجوسية أو كتابيةً،او وثنيا كان او مجوسيا او كتابيا.ولا نُسخ منها شيء. والمراد بنـزول هذه الاية هو تحريم نكاح كل مشركة على كل مسلم من أيّ أجناس الشرك، عابدة وثن كان، أو يهودية كانت أو نصرانية أو مجوسية أو من غيرهم من أصناف الشرك وتحريم نكاح كل مشرك على كل مسلمة من أيّ أجناس الشرك، عابد وثن كان، أو يهوديا كان أو نصرانيا أو مجوسيا أو من غيرهم من أصناف الشرك. وهذا تحريم صريح بين وجلي صادر من الله عز وجل انه على المؤمنين أن لا يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان او المجوس او النصارى او اليهود حتى يؤمن وعلى المؤمنات ان لا يتزوجن من عبدة الاوثان والمجوس والنصارى واليهود حتى يؤمنوا، ثم إن كان في العموم المراد به أنه يدخل فيها كل مشركة ومشرك من كتابية ووثنية وعبدة النار. قوله تعالى (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) هذا إجماع : لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك (ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك) يعني المشركين (يدعون إلى النار) أي إلى الأعمال الموجبة للنار (والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه) أي بقضائه وإرادته (ويبين آياته للناس) أي أوامره ونواهيه (لعلهم يتذكرون) يتعظون .

 وكذلك لقوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) صدق الله العظيم الآية (10) سورة الممتحنة.

وقال تعالى} فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَاهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ{(الممتحنة:10) صدق الله العظيم فالتكرير في قوله تعالى:} لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَاهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ{ بالتأكيد والمبالغة بالحرمة وقطع العلاقة بين المؤمنة والمشرك.

وقوله تعالى} وآتوهم ما أنفقوا { أمر أن يعطي الزوج الكافر ما أنفق على زوجته إذا أسلمت فلا يجمع عليه خسران الزوجية والمالية. وقال تعالى} وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا{]النساء [141. والزوج له ولاية وقوامة على زوجته، وهما ممتنعان من الكافر على المسلمة؛ اذا فالكافر لا ولاية له على مسلمةٍ باي حال, بإجماع أهل العلم.

اما قوله: (فَامْتَحِنُوهُنَّ) يعني: سلوهنّ ما جاء بهنّ فإن كان جاء بهنّ غضب على أزواجهنّ، أو سخطة، أو غيره، ولم يؤمنّ، فارجعوهنّ إلى أزواجهنّ. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يمتحن المؤمنات إلا بالآية، قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. (12) سورة الممتحنة صدق الله العظيم.وكان "امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله".

أن النبي صلى الله عليه وسلم فرَّق بين جميع المسلمات وأزواجهن الذين لم يسلموا، ومنهم ابنته زينب زوج أبي العاص بن الربيع، فلما وقع في الأسر يوم بدر أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يبعث ابنته إليه، فوفى له بذلك ثم أسلم بعدها فردَّها عليه.

وأخرج مالك في الموطأ وابن سعد في الطبقات عن ابن شهاب قال لم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله وإلى رسوله (أي اعتنقت الاسلام) وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها (أي اسلامها) بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجراً (أي مسلما) قبل أن تنقضي عدتها".

أما الإجماع: فقد انعقد إجماع العلماء على أن زواج الكافر بالمسلمة باطل لا ينعقد أصلاً؛ لمخالفته صريح القرآن الكريم.

فالمسلمة بحكم كونها زوجة يجب عليها الطاعة للكافر الذي تزوجته والخضوع له، بل هي عانية (أسيرة) عنده كما في الحديث الصحيح، وهو سيد عليها؛ كما نطق به القرآن الكريم في قوله تعالى} وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ{ صدق الله العظيم ولا يجوز بحال أن يُمكَّن الكافر من السيادة على المسلمة او على المسلمين.

- والكافر لا يحترم دينها، بل يذلها في دينها. ليضلَّها عن سبيل الله فيتخذه هزوا .قال الله تعالى (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا) ﴿6 لقمان﴾) صدق الله العظيم اي يتخذ سبيل الله سخرية واستهزاء.

 - ثم إنه لا يُؤمَن على المرأة المسلمة

- والمراة بطبعها تميل إلى العاطفة أكثر من الرجل

 - يخشى عليها أن تتأثر بزوجها إذا دعاها لدينه، والرجل شديد التأثير على المراة. والنساء شقائق الرجال.

- وكما قيل: "المرأة على دين زوجها". ومخالطة ذلك الكافر تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة وهي جهنم وبئس المهاد.

- والزوج الكافر؛ لا يؤمن على الأولاد أن يتابعوا أباهم على كفره.

ارى ان استناد السيدة كان مبنيا على كلمة (مؤمن) او على الآية الكريمة في سورة البقرة (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) صدق الله العظيم. ان الله سبحانه وتعالى في هذه الاية وضح توضيحا ظاهرا وجليا وحدد تحديدا بينا في قوله تعالى في المؤمنين من هم قال سبحانه وتعالى (المؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله) صدق الله العظيم. وكل البشرية تعلم ان المسيحيين واليهود اهل الكتاب مؤمنون موحدون لكن ايمانهم ناقص ومبتور لانهم لا يؤمنون برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رسولا ولا يؤمنون بالمصحف الشريف (القرآن) كلام الله اذا هؤلاء ليسوا بمؤمنين اذا النتيجة محرمون على المسلمات والمسلمات محرم عليهن الزواج باحدهم.لا ننسوا ان هناك مسيحيون علاوة على ذلك لا يؤمنون بالمسيح عليه السلام رسولا انما يؤمنون به ابنا لله كما يؤمنون بثالث ثلاثة يعني انهم اصبحوا مشركين، قال الله تعالى (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون (116) بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117) سورة البقرة صدق الله العظيم. اشتملت هذه الآية الكريمة، والتي تليها على الرد على النصارى ومن أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب، ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم : إن لله ولدا . فقال تعالى : (سبحانه) أي : تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا (بل له ما في السماوات والأرض) أي : ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السماوات والأرض، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم ورازقهم، ومقدرهم ومسخرهم، ومسيرهم ومصرفهم، كما يشاء، والجميع عبيد له وملك له، فكيف يكون له ولد منهم، والولد إنما يكون متولدا من شيئين متناسبين، وهو تبارك وتعالى ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد ! كما قال تعالى) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم) سورة الأنعام : الاية 101 صدق الله العظيم وقال تعالى) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (سورة مريم (الايتين 88 - 95)صدق الله العظيم وقال الله تعالى بسم الله الرحمان الرحيم (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) صدق الله العظيم سورة الإخلاص. وقال الله تعالى في سورة المائدة (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72) لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (74) مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (75)قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) صدق الله العظيم.

قال الله تعالى وقوله الحق (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) يعني فيه إضمار معناه : ثالث ثلاثة آلهة، لأنهم يقولون : الإلهية مشتركة بين الله تعالى ومريم وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، يبين هذا قوله عز وجل للمسيح (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) سورة المائدة، الاية (116) صدق الله العظيم ، فإن الله يقول (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (7) سورة المجادلة صدق الله العظيم.(ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) (سورة المجادلة،الاية 7) صدق الله العظيم، (إلا هو رابعهم) يسمع سرهم ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه " ما ظنك باثنين الله ثالثهما " . ثم قال الله تعالى ردا على الكافرين في الاية (73) (وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم) صدق الله العظيم (أي ليصيبن الذين كفروا) خص الكافرين لعلمه أن بعضهم يؤمنون .

وهذا باختصار ما جاء في القرآن عن شرك اهل الكتاب قال الله تعالى:(وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30)اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) سورة التوبة صدق الله العظيم

نلاحظ في هذه الاية الكريمة قول اليهود (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ)، وقول النصارى(وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ).(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) أي إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا . وقال الله تعالى في سورة مريم (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72)) صدق الله العظيم.ثم في قصة خلق عيسى عليه السلام من مريم بدون رجل .. قال الله سبحانه وتعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً(88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً(89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً(90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً(91) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً(92) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً(93) سورة مريم . صدق الله العظيم

ان الشبهة التي جعلتهم يقولون ولد الله ولجوؤهم إلي هذا الافتراء حيث قال الله سبحانه وتعالى مخاطبا اهل الكتاب في شان عيسى بن مريم عليه السلام (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚإِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) سورة النساء صدق الله العظيم.

القول في تأويل قوله : (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) قال بعض المفسرين يعني بقوله : "وروح منه" إنه كان إنسانا بإحياء الله له بقوله : "كن" . قالوا : وإنما معنى قوله : "وروح منه"، وحياة منه، بمعنى إحياء الله إياه بتكوينه. والمقصود بكلمة الله هنا هى كلمة "كن" (انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون) صدق الله العظيم سورة يس وفي سورة آل عمران قال الله تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(59) صدق الله العظيم. وقال آخرون : معنى قوله : "وروح منه"، ورحمة منه، كما قال جل ثناؤه في سورة المجادلة (وأيدهم بروح منه) الاية :]22["وكلمته ألقاها إلى مريم "، قال : هو قوله : "كن"، فكان.

يجب على المؤمن ان يكون مؤمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله لا يفرق بين احد من رسله، ومادام أي انسان كان لا يؤمن برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رسولا وخاتما الانبياء والمرسلين ولا يؤمن بالقرآن كتابا من الله عز وجل لا يعد مؤمنا لان ايمانه منقوص وزيادة على ذلك لا يعتبر مسلما لانه لايؤمن برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رسولا وخاتما الانبياء والمرسلين وبالقرآن كتابا ولا ينطق بالشهادتين ايمانا واحتسابا لذا فهو ليس بمؤمن ولا مسلم. ولا يزوّج كافر مسلمةً بحال، أمّا الكافر وهو المشرك فلا ولاية له على مسلمة بحال، وهذا بإجماع أهل العلم، منهم: "مالك، والشّافعي، وأبو عبيد"، استنادا لكلام الله وامره.وأصحاب الرّأي.

ولو ان النصراني (المسيحي) يزعم أنه يؤمن بالله وجميع الرسل، وذلك بمشاركته المسلمين اعيادهم الدينية، لا يصح زواجه من المسلمة؛ لأنه مازال متشبث بدينه، وذلك لانه لم ينطق بالشهادتين بنية الدخول في الإسلام، مع الإقرار بمقتضاهما، والعمل به وطالما انه لم يفعل ذلك، فهو كافر غير مسلم، وحكم زواجه من المسلمة في حكم الزنا، ويجب أن يفرق بينهما في الحال هذا اذا تزوجا. وفي حال كون المسيحيّ يؤمن ايمانا قاطعا بان عيسى عليه السلام رسول الله ولا يعتقد أنّ عيسى المسيح هو ابن الله، فإنّ ذلك لا يجعله مسلماً بأيّ حال وايمانه منقوص ما دام لا يؤمن بسيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا ولا بالقرآن منزل من الله، ولا يكون مسلماً إذا لم ينطق بالشّهادتين، مع نيّته أن يدخل في الإسلام، وذلك مع إقراره بمقتضاهما، وإذا لم يفعل ذلك يعتبر كافراً غير مسلم، ويحرم عليه الزّواج من مسلمة بأيّ حال. (1)

ومن تزوجت بمسيحي او يهودي او مشرك ايا كان وهي عالمة بحرمته مستحلة له، فقد ارتدت عن دين الإسلام، ويجب عليها المبادرة بمفارقة هذا الرجل الغير مسلم فوراً؛ لأن نكاحها له باطل، بل هو محض الزنا، قال الله تعالى (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) صدق الله العظيم والله تعالى نهى عن الزنا بكونه فاحشة وساء سبيلا. يقول تعالى ذكره : وقضى أيضا أن (لا تقربوا) أيها الناس (الزنا إنه كان فاحشة) يقول : إن الزنا كان فاحشة "أي معصية" (وساء سبيلا) يقول : "وساء طريق الزنا طريقا، لأنه طريق أهل معصية الله، والمخالفين أمره، فأسوئ به طريقا يورد صاحبه نار جهنم". لذا وجب عليها فراقه والتوبة إلى الله تعالى بالندم على ما صنعت والعزم على عدم العودة إليه أبداً، وان كانت فعلته من غير استحلال ولا جحود؛ فتكون عاصية ومرتكبة لكبيرة من الكبائر، وإن كانت جاهلة بالحكم؛ لنشأتها في غير بلاد المسلمين فلا إثم عليها حينئذ، ويكون نكاحها نكاح شبهة فلتفارقه وإن أسلم زوجها، فهو أحق بها ما دامت في العدة.

ان زواج المسلمة من غير المسلم ايا كان يعد فعلا منكرا عظيما ومعصية كبرى، لانه ليس زواجاً شرعياً، وإنما يعد علاقة محرَّمة آثمة، والواجب على المسلمة التي تزوجت غير مسلم ان تفارقه اولا، مع محاولة دعوته إلى الإسلام لعل الله يبعث النور في قلبه ويهديه الى الاسلام.

الحكمة من منع زواج المسلمة من غير مسلم (مشرك) او من مسيحي او يهودي والحكمة من تحريم زواج المسلمة من شخص غير مسلم (مشرك) أو كتابي، هو أنّ الإسلام دين يعلو ولا يُعلى عليه، وإنّ للزوج فيه قوامةً على زوجته، وهذا أمر ممنوع في حقّ من كان كافراً، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) سورة النساء، 141 صدق الله العظيم .وفي هذه الحالة فإنّه لا يؤمن على المرأة أن تميل إلى زوجها في حال دعاها إلى اعتناق ديانته، ولا يؤمّن على الأطفال أن يقوموا باتباع والدهم في ديانته، وأمّا في حال تزوّج المسلم بامرأة كتابيّة فإنّ هذه المفاسد لا تكون موجودةً، لأنّ القوامة تكون للزوج المسلم، ومن الممكن أن يؤثر هو على زوجته وبالتالي تسلم، والزّوج هو الكلف بأن ينشئ الأولاد تنشئةً إسلاميّةً تحميهم من متابعة الأمّ في دينها، وفي حال قصّر في هذا الأمر فإنّ حسابه يكون على الله عزّ وجلّ، وفي حال زواجه من امرأة كتابيّة فإنّه يكون مؤمناً بكتابها غير المحرّف وبنبيّها، وبالتالي يكون لديهما أساس للتفاهم ويمكن لحياتهما أن تستمرّ، وأمّا المشرك او الكتابي عند زواجه بالمسلمة فإنّه لا يؤمن بدينها ولا بنبيها، ولا يوجد بينهما أيّ طريقة للتفاهم والوئام، ولذلك منع المشرع هذا الزّواج ابتداءً. (2).

بعد كل هذه الاثبات القطعية كيف يمكن للمسلمة المؤمنة ان تتزوج بمسيحي او يهودي يشرك بالله لم اقل كلهم انما اغلبهم وحتى ان يكن بينهم فئة ضئيلة تؤمن بسيدنا عيسى نبيا ولكن وللاسف كلهم في جميع اصقاع العالم لا يؤمنون بالقرآن ولا يؤمنون برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا وخاتما الانبياء والمرسلين ولا ينطقون بالشهادتين هؤلاء رافضون رفضا قاطعا وباتا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورافضون للقرآن الكريم في حين ان الله سبحانه وتعالى اشترط والشرط واضح وجلي في هذه الاية الكريمة في قوله تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) سورة البقرة صدق الله العظيم. استنادا الى اواخر سورة البقرة لا يكون الانسان مؤمنا مادام لا يؤمن بجميع الرسل وبجميع الكتب السماوية... وقال الله تعالى في سورة المائدة الآية (5) (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) صدق الله العظيم. والخطاب هنا في النكاح او الزواج موجه للرجال دون النساء اذ قوله تعالى '' وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ " صدق الله العظيم وهنا المقصود والله اعلم الحرائر العفيفات المراد بالمحصنات : العفيفات عن الزنا، قال الله تعالى في الآية 25 في سورة النساء : وهذا جزءا منها (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ) وقد تكرر ذكر كلمة "محصنات غير مسافحات ولا متخذات اخدان" ولم يقل المحصنين او المؤمنين وفي الطعام موجه للكل. ولكن اذا كان في الطعام خنزير فهو حرام طبعا لأن الانسان يجب ان يتبع كل القرآن وليس آية واحدة.

ان الدين والشرع والعقل والعادات والتقاليد والاعراف ترفض زواج المسلمة من غير المسلم ايا كانت جنسيته وبلده ااجنبيا كان او غير ذلك. ان زواج المسلمة بغير المسلم يجعل المسلمة العابدة لله الواحد الاحد والمؤمنة بالله وملائكته وكتبه ورسله ولا تفرق بين احد من رسله وهي مطيعة لله ومستغفرة لكن شهوتها للزواج او اعجابها بذاك الكتابي او السيخي او المشرك الوثني او الزرادشتي او البوذي او الهندوسي او عابد الشيطان او عابد الفرج واستمالها بهواه فاتبعت هوى نفسها والمعروف عن المراة انها عاطفية اكثر من الرجل وهذا لا يخفى على احد بإهدائها وردة واحدة او طبطبة صغيرة او هدية بسيطة ترضيها وتجعلها تركع مطيعة لزوجها في دينه ومعاشه وان لم تجد من يتصدى لها او يفهمها او يقنعها ارتدت خاصة اذا اقتنعت بان من سمح بزواج المسلمة من غير المسلم هو المشرع رجل الدين عالم باصول الفقه وبالحلال والحرام وبتاويل كلام الله وبالشريعة ومقاصدها فتزوجت منه وهي متاكدة ان زواجها حلال وليس باطل من يتحمل وزر ارتدادها عن دين الاسلام وكلنا نعرف مدى تاثير الرجل على المراة خاصة ان كانت محبة له وعاشقة او طامعة في ماله ومقتنعة به جملة وتفصيلا. وتتزوج برجل غير مسلم. هل فكرتم في الناشئة التي ستولد من اب مشرك وام مسلمة كيف سيكون دينها اسلاميا او مسيحيا او يهوديا او مشركا لا يؤمن بالله الواحد الاحد. والمعروف ان المراة تتبع دين زوجها وهذا لكونها عاطفية اذا ستكون هناك كثير من النساء المرتدات عن دينهن الاسلام.

لذا اجمع علماء الإسلام على ان الشرع الإسلامي يحرم زواج المسلمة بغير المسلم ايا كانت ديانته، تحريما قطعيا وذلك إستنادا إلى قول الله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون}. سورة البقرة: 221صدق الله العظيم. دلالة الآية الكريمة على تحريم زواج المسلمة بغير المسلم لا خلاف فيه بين المفسرين وعليه إجماع الفقهاء سلفا وخلفا، والمقصود بغير المسلم كل كافر أو مشرك سواء أكان من الوثنيين أو المجوس أو من أهل الكتاب، وفيما يلي أقوال بعض العلماء :

قال الإمام القرطبي: " أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام ". [الجامع لأحكام القرآن: ج: 3 ص: 72، وانظر: فتح القدير:ج1ص224].

قال الإمام الرازي: "فلا خلاف ها هنا أن المراد به الكل-أي جميع غير المسلمين- وأن المؤمنة لا يحل تزوجها من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفرة ". [التفسير الكبير:ج6،ص64، وانظر: تفسير ابن كثير:ج1ص258].

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " وإن كانت الآية نزلت في تحريم نساء المسلمين على المشركين من مشركي أهل الأوثان يعني قوله عز وجل: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} فالمسلمات محرمات على المشركين منهم بالقرآن بكل حال وعلى مشركي أهل الكتاب لقطع الولاية بين المسلمين والمشركين وما لم يختلف الناس فيما علمته ". [أحكام القرآن للشافعي ج: 1 ص: 189].

قال الإمام الكاساني: " فلا يجوز إنكاح المؤمنة الكافر لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} ولأن في إنكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع المؤمنة في الكفر لأن الزوج يدعوها إلى دينه والنساء في العادات يتبعن الرجال فيما يؤثروا من الأفعال ويقلدونهم في الدين وإليه وقعت الإشارة في آخر الآية بقوله عز وجل: {أولئك يدعون إلى النار}. [سورة البقرة: 221]. لأنهم يدعون المؤمنات إلى الكفر والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار لأن الكفر يوجب النار فكان نكاح الكافر المسلمة سببا داعيا إلى الحرام فكان حراماً. والنص وإن ورد في المشركين لكن العلة وهي الدعاء إلى النار يعم الكفرة أجمع فيتعمم الحكم بعموم العلة فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}. [سورة النساء: 141]. فلو جاز نكاح الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل وهذا لا يجوز". [بدائع الصنائع ج: 2 ص: 271].

قال الإمام مالك: " ألا ترى أن المسلمة لا يجوز أن ينكحها النصراني أو اليهودي على حال وهي إذا كانت نصرانية تحت نصراني فأسلمت إن الزوج أملك بها ما كانت في عدتها ولو أن نصرانيا ابتدأ نكاح مسلمة كان النكاح باطلا ". [المدونة الكبرى ج: 4 ص: 301].

قال الإمام ابن جزي: " وإن نكاح كافرٌ مسلمة يحرم على الإطلاق بإجماع ". [القوانين الفقهية ج: 1 ص: 131].

قال الإمام الشافعي: " فإذا أسلمت المرأة أو ولدت على الإسلام أو أسلم أحد أبويها وهي صبية لم تبلغ حرم على كل مشرك كتابي ووثني نكاحها بكل حال ". [الأم ج: 5 ص: 7].

قال الإمام البهوتي : " ولا يحل لمسلمة نكاح كافر بحال حتى يسلم لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}. [سورة البقرة: 221]، وقوله: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} . [سورة الممتحنة: 10]. [كشاف القناع ج: 5 ص: 84].

قال الإمام ابن مفلح: " إذ لا يجوز لكافر نكاح مسلمة قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ولأن دينها اختلف فلم يجز استمراره كابتدائه وتعجلت الفرقة وكان ذلك فسخا". [المبدع ج: 7 ص: 117].

قال الإمام ابن قدامة: "إن أسلمت الكتابية قبله وقبل الدخول تعجلت الفرقة سواء كان زوجها كتابيا أو غير كتابي إذ لا يجوز لكافر نكاح مسلمة قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ". [المغني ج: 7 ص: 129].

قال الإمام ابن حزم: "ولا يحل لمسلمة نكاح غير مسلم أصلا... برهان ذلك قول الله عز وجل: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}. [سورة البقرة: 221]. [المحلى ج: 9 ص: 449].

وحكمة ذلك: أنّ المسلم يؤمن بكل الرسل بما فيهم موسى وعيسى عليهم السلام، وبكل الكتب بما فيها التوراة والإنجيل، بينما لا يؤمن أهل الكتاب إلا برسلهم وكتبهم.

 وبما ان المسيحيين يؤمنون بثالث ثلاثة فهم يعتبرون مشركين لانهم يعتبرون ايضا ان المسيح ابن الله ومنهم من يعتبر ان المسيح عليه السلام ممثل الله فوق الارض وهذا كفر ظاهر وبين وشرك بالله فالله واحد احد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد.

من خلال الايات الكريمة ومما تقدم يتضح وضوحا جليا لا لبس فيه ولاطمس أن زواج المسلمة من غير المسلم دون استثناء كتابي كان أو كافر(مشرك) فإنه حرام وهو زواج باطل شرعاً وقانوناً، لما تقدم من ذكر الايات المحكمات وأقوال العلماء والفقهاء قديماً وحديثاً، وإن وجد يجب فسخ هذا الزواج في الحال.

و لكن للاسف كثير يجهلون احكام القران والدين لهذا كثير من الناس يقعون في الخطأ. لذا اقول لا يمكن ان يضاف في اي تصريح لوسائل الاعلام الاجنبية او العربية او المحلية بان النص القانوني ملزم بالتونسيات المسلمات لان هذا يثير البلبلة في الاوساط التونسية والعربية والدول الشقيقة ونحن في غنى عنها وليكن في علم الجميع ان ضمن الشعب التونسي المسلم هناك تونسيات غير مسلمات وكذلك تونسيون غير مسلمين كما ذكرت آنفا 25.000 مسيحي ومسيحية و3000 يهودي ويهودية اننا نتساءل لماذا التاكيد على ان النص القانوني الجديد ملزم بالمراة التونسية المسلمة دون غيرها ولماذا اضيفت كلمة المراة التونسية المسلمة لواسائل الاعلام ولم يبق الاعلان على ذكر كلمة المراة التونسية بصفة عامة. يبدو للمستمع من الوهلة الاولى انها مقصودة لكون دينها الاسلام يحرم عليها الزواج من غير المسلم ايا كان اجنبيا او غير اجنبي. وقد يبدو كأن هناك تحريض نوعا ما للمراة التونسية المسلمة على الارتداد عن دينها. هل التونسيون كلهم مسلمون لا غير صحيح بعد الثورة ظهرت في تونس ديانات شتى ومختلفة وتبجحوا بها حتى ان منهم من ترك وصية الا وهي الامر بحرق جثمانه بعد موته اترى من يوصي بحرق جثمانه بعد موته مسلما لا اظن.

كان على المفتي او المشرع التونسي ان يصر بان يكون هناك قانونا خاصا بالمسلمين وينص فيه بوجوب منـع زواج المسلمـة من غيـر المسلم وكـان لزاما علـى المشـرع التونسـي ان يوجـد قانـونا يجبـر التونسـي والتونسية كليهما على التصريح بديانتهما وكتابتها في هوية كل منهما(بطاقة التعريف الوطنية) وان يجبر المراة بالتصريح بديانتها التي تنتمي اليها مع الاستظهار بما يثبت ذلك قانونيا عند كتابة عقد زواجها.

و لحسم النزاع وكفى الله المؤمنين شر القتال يجب فرض اضافة كلمة الدين الذي تنتمي اليه الزوجة والدين الذي ينتمي اليه الزوج في نص عقد الزواج ويكون هذا الشرط ضمن قائمة الوثائق المطلوبة في ابرام عقد الزواج. بعد صدورهذا القانون نتساءل اتصبح تونس متعددة الاديان مثل الهند بعد السماح للتونسية بالزواج من اجنبي غير مسلم حيث ان الابناء الاغلبية الساحقة منهم يعتنقون دين آباءهم ويتبنون سلوكهم وحتى تصرفاتهم وقلة منهم يعتنقون دين امهاتهم لذا منع الاسلام زواج المسلمة من غير المسلم ايا كان اجنبيا او عربيا.

فيما يلي: قائمة الوثائق المطلوبة لزواج التونسية بغير المسلم16 سبتمبر 2017 .(3)

اصدرت وزارة الشؤون المحلية والبيئة بلاغا نصت فيه انه وبعد الغاء القانون عدد 73 الذي يمنع التونسية من الزواج بغير المسلم

يجب على المعنيين ,عند إبرام العقود المذكوره ان تتوفر جملة من الشروط وهي .

- مضمون ولادة لكل من الزوجين (مدة صلوحياته 20 يوما) دون التقيد بمدة الصلوحية بالنسبة للأجانب, الشهادة الطبية لإتمام الزواج.

- نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو أي وثيقة رسمية أخرى تثبت هوية الزوجين ,إذن من المحكمة لمن هم دون السن القانوني.

- موافقة الولي والأم أو الأم بمفردها في صورة وفاة الأب بالنسبة الى القاصر الذي لا تتوفر فيه السن القانونية للزواج أو اذن بالزواج من المحكمة في صورة امتناع الولي أو الأم ,مضمون وفاة الزوج أو الزوجة بالنسبة للأرامل.

- نسخة من حكم الطلاق بالنسبة للمطلقين أو مضمون ولادة منصوص به على الطلاق.

- بينة من القنصلية أو البعثة الدبلوماسية تشهد بإمكانية عقد الزواج بالنسبة للأجانب.

- شهادة في عدم الارتباط بأي علاقة زوجية بالنسبة للأجانب.

- ترخيص من الادارة بالنسبة للمنتمين الى قوات الأمن الداخلي والديوانة (أعوان الأمن الوطني والشرطة الوطنية، وأعوان الحرس الوطني، وأعوان الحماية المدنية وأعوان الديوانة).

- الاستظهار ببطاقة التعريف بالنسبة للشاهدين (مع وجوب توفر الشروط القانونية لكلا الشاهدين).

- ترخيص من وزارة الدفاع الوطني بالنسبة للعسكريين.

- ترخيص من الادارة بالنسبة لأعوان السلك الدبلوماسي

 

 الكاتبة فوزية بن حورية

...................

المراجع:

 (1) بتصرّف عن فتوى رقم62835/ تحريم زواج المسلمة من غير المسلم مطلقاً/ مركز الفتوى

(2) بتصرّف عن فتوى رقم31025/ الحكمة من منع زواج المسلمة من كتابي/ مركز الفتوى

 [الجامع لأحكام القرآن: ج: 3 ص: 72، وانظر: فتح القدير:ج1ص224].

 [التفسير الكبير:ج6،ص64، وانظر: تفسير ابن كثير:ج1ص258].

 [أحكام القرآن للشافعي ج: 1 ص: 189].

 [بدائع الصنائع ج: 2 ص: 271].

 [المدونة الكبرى ج: 4 ص: 301].

 [القوانين الفقهية ج: 1 ص: 131].

 [الأم ج: 5 ص: 7].

 [كشاف القناع ج: 5 ص: 84]

 [المبدع ج: 7 ص: 117].

 [المغني ج: 7 ص: 129].

 [المحلى ج: 9 ص: 449].

 (3) الشروق

 

 

khadat jleedلا شك أن الحرب ظاهرة تاريخية ملازمة لوجود الإنسان منذ فجر التاريخ، حتى يمكن أن نقول أنّ تاريخ الإنسان هو تاريخ الحرب حيث لا يخلو مجتمع أو حضارة من هذه الظاهرة المرعبة التي تحصد الأرواح وتفسد العمران، ونظرا لأهمية هذه الظاهرة في التاريخ فقد تطرق إليها كل من إبن خلدون  وهيجل، كل من زاويته الخاصة وفي إطار ظروف العصر التي تحدد المرجعية الفكرية والموقف السياسي والإيديولوجي لكل واحد منهما، ولكنّ قبل أن نتطرق إلى هذا الموضوع عند هذين الفيلسوفين، فلا بأس أن نتطرق إلى الأسس النظرية والفكرية لظاهرة الحرب فنتساءل: هل للحرب بعد فكري؟ وهل لها مبررات نظرية وفلسفية؟ وهل يمكننا أن نتساءل عن وظائف إيجابية للحرب؟.

إذا كانت الحرب ظاهرة عدوانية وفعل عنيف فهل يمكننا أن نربط هذه الظاهرة بالطبيعة البشرية ( LA NATURE HUMAINE  )؟ وبمعنى آخر « هل العدوانية غريزة فطر عليها الإنسان أم هي ردّ فعل مكتسب؟ يمكننا أيضا طرح هذا السؤال على الشكل التالي: هل الإنسان عدواني بطبيعته؟ من الصعب جدا معرفة ذلك فليس ثمّة من شخصية تعيش في حالة الطبيعة الصرفة، أي بمنأى عن تأثير العوامل الثقافية » .

ولا شك أنّ الإنسان تتنازعه طبيعتان طبيعة الخير وطبيعة الشر كما يقول الحكماء وأنّ طبيعة الشر أقرب إلى الإنسان من طبيعة الخير، لذلك نجد أنّ الكثير من الفلاسفة أقاموا فلسفتهم السياسية على الطبيعة البشرية خاصة طبيعة الشر وهذا مما جعل الفيلسوف الإيطالي مكيافيلي يقول: « لا يفعل الناس الخير إلاّ مكرهين، ولكن ما إن يحصلوا على حرية الإختيار في ارتكاب الشر من دون عقاب حتى يزرعوا الشغب والفوضى في كل مكان وهذا ما دفع إلى القول أنّ الفقر والحاجة يجعلان الناس حاذقين وأنّ القوانين تخلق أناسا صالحين » .

كما نجد أيضا من الفلاسفة الذين ربطوا ظاهرة الحرب والنزعة العدوانية بالطبيعة البشرية الفيلسوف الإنجليزي هوبز (1588 – 1679 ) الذي كان يدعو إلى ضرورة الخروج من مأساة حالة الطبيعة والبحث عن السلم، لأنّ حالة الطبيعةعنده تعني شيئا واحدا وهو أنّ الإنسان ذئب لأخيه الإنسان ( L’homme est un loup pour l’homme  ) وبعبارة أخرى « إنّ سياسة هوبز تتأسس على أنّ الإنسان محدد برغبتين أساسيتين: الرغبة في السلطة والخوف من الموت العنيف الذي يتعرض له من طرف الآخر، فمنذ زمن بعيد والناس يعيشون بدون سلطة مشتركة تحكمهم في إطار الإحترام، إنّهم يعيشون في هذه الظروف التي نسميها الحرب، وهذه الحرب هي حرب كل واحد ضد الآخر » .

وإذا كان الخروج من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة يعني الخروج من حالة الحرب إلى حالة السلم والإنتقال من النزعات الطبيعية إلى القيّم الإجتماعية والسياسية المشتركة، فإنّه لا يمكننا ربط الحرب بالطبيعة البشرية وحدها لأنّ الإنسان أيضا كائن ثقافي واجتماعي وتاريخي ولأنه وعلى مسرح التاريخ وجدت ثقافات وحضارات تمجد الحروب وتقدس الأبطال الذين يخوضون هذه الحروب بكل فخر واعتزاز، وسواء كانت الحرب من أصل طبيعي أو ثقافي أو كليهما معا فإنّه     « تبقى أكثر عنفا وعشوائية وتقلبا بين جميع القوانين الإجتماعية، تبقى رفيق الدرب العظيم للتاريخ وهي بنفس الوقت رحمة القوي تسير مع الموت الفردي الطبيعي والطارئ الذي يعتبر أعلى مشكلة مطروحة في ساعتها بالنسبة لكل كائن بشري وترافق الكوارث الطبيعية التي تدفن مناطق بكاملها فهي الموت الجماعي الأعظم، بل هي المذبحة الكبرى للإنسان على يد الإنسان التي تعرض للخطر الدول والمجتمعات والحضارات بالإضافة لتهديدها للأشخاص والأسرة من جميع الأنواع »

وبالرغم من الطابع التدميري والعنيف للحرب، إلاّ أنّ هناك من يرى أنّها ضرورية وأنّها تؤدي وظيفة إيجابية وأنّها حالة إنسيابية لا يمكن توقيفها وإنّما هي موجودة على الدوام مثل الوجود الإنساني، وإنّما يمكن فقط التقليل من آثارها من خلال عقد الإتفاقيات والمعاهدات وتشجيع السلم وتمجيده بين الدول والشعوب « ومن هنا يأتي السؤال التالي: ألا يعني دوام وكلية وجود هذه الظاهرة المرعبة رغم كل الجهود والنوايا الحسنة التي بذلت لمحاربتها ألا تعني بأنّ الحرب تقوم في المجتمعات والحضارات بوظائف لا تزال ضرورية حتى الآن ولا يمكن الإستعاضة عنها؟ ولهذا أليس من الواجب أن تكرس جهود جميع المسؤولين في المجتمع الإنساني لتوجيه عدوانية الإنسان نحو مخارج أقل دموية وأقل تدميرا؟» .

وإذا ثبت تاريخيا أن الإنسان لم يستطع أن يمنع الحرب حتى ولو أراد ذلك لأنه مدفوع إليها دفعا فإننا نجد أيضا عبر التاريخ من يدافع عن الحرب من باب أنّ مصائب قوم عند قوم فوائد فالحرب عبر التاريخ تبرز المنتصر والمنهزم كما تبرز الحضارة المتقهقرة والمنتهية والحضارة الصاعدة والمتألقة لأنّ الحرب تقوم عادة في التاريخ « عند احتضار وموت الحضارات وهنا لابد من التفكير أيضا بأولئك الذين يستفيدون من هذه الخاتمة المدمرة ففي مثل هذه المناسبات يبرز على المسرح المناصرون للحرب والمدافعين عنها فهي بالنسبة إليهم امتحان للشعوب ومن وظائف الحرب كما يدعي هؤلاء إزالة الأشكال الإجتماعية والدول والأعراق والحكومات المنهكة المنحلة لتخلي المكان للقوى الغضة والأشكال من التفكير والتنظيمات الجديدة وهذا يعني في النهاية إعطاء الحرب دورا خارقا يتعدى حدود البشر حكم التاريخ أو حكم الإله حسب العبارة الهيجيلية التي اشتهرت في القرون الوسطى » .

وإذا كانت الحرب عبارة عن فوضى اجتماعية فإنّ ذلك في نظر بعض الفلاسفة مرحلة مؤقتة لأنه طبقا للمنطق الجدلي الهيجلي كل أطروحة تؤدي إلى نقيضها وكل فكرة تحمل في ذاتها بذور فنائها فالنظام وليد الفوضى والفوضى وليدة النظام، وفي هذا الإطار يقول أحد الفلاسفة « إنّ أكبر تأثير مألوف للثورات التي تعصف بالأمبراطوريات هو ذلك الذي يجعلها تمر من النظام إلى الفوضى ليعود بها فيما بعد إلى النظام ولم يكتب أبدا لما هو بشري أن يتوقف في نقطة ثابتة عندما يبلغ أقصى كمال ممكن، وعندما يعجز عن الإرتقاء أكثر فإنّه يسقط ولنفس السبب، فهو عندما يسقط في منتهى الفوضى ولا يتأتى له السقوط أكثر من ذلك فإنه يرتقي، وهكذا فإن كل ما هو بشري ينتقل بالتعاقب من الخير إلى الشر ومن الشر إلى الخير، الفضيلة تولد الراحة والراحة تولد الفراغ والعطالة  والعطالة تولد الفوضى والفوضى تؤدي إلى خراب الدول، ثمّ بعد قليل يولد من رحم خرابها النظام من جديد والنظام يولد الفضيلة ومن الفضيلة يولد المجد والرخاء، ومهما كان بالإمكان خلق أفضل أشكال الحكم التي يراد تكوينها فلن يمنعها ذلك من الزوال ذات يوم إذ أنّ كل شكل يحمل في أعشائه بذرة فنائه »

ومن هنا نستنتج أنّ هناك اختلاف بين المفكرين والفلاسفة في تقييم ظاهرة الحرب وتحديد وظيفتها الإجتماعية والتاريخية وهذا لا شك مرتبط بالظرف التاريخي والحضاري الذي كان يعيشه كل مفكر وفيلسوف في عصره، أي حسب منطق العصر وحسب الأطر الإجتماعية للمعرفة التي تكون شعوريا أو لا شعوريا المنهج العام الذي يرى من خلاله الفيلسوف العالم ويحدد علاقته به سواء على المستوى الإبستمولوجي أو الإيديولوجي وإذا كانت الحرب كظاهرة إنسانية شغلت الفلسفة والفلاسفة منذ القديم إلى اليوم فإنّ التساؤل المطروح هو: كيف ينظر كل من ابن خلدون وهيجل إلى هذه الظاهرة؟ وهل يمكننا أن نجد تقاطعات معرفية لتحديد هذه الظاهرة عند كليهما؟ وإذا كان إبن خلدون  متقدم على هيجل في الزمان والمكان فكيف ينظر إلى هذه الظاهرة؟ وهل رؤيته إلى هذه الظاهرة رؤية واقعية أم مثالية؟ وهل الحرب عنده تحمل في ذاتها قيمة سلبية أم إيجابية؟.

ينطلق إبن خلدون  من فكرة الطبيعة البشرية لتفسير ظاهرة العدوان والحرب، وهو بذلك سابق لكل من هوبز ولوك ومكيافيلي.

ويرى إبن خلدون  أنّ العدوان غريزة متأصلة في الإنسان وأنّها هي أصل الشرور وبالتالي الحروب، ولكبح هذه الغريزة العدوانية فلا بد من وجود وازع سياسي تكون له الغلبة والسلطان والقهر لردّ الظلم عن الناس فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا في إطار جماعة وهذا ما معناه أنّ الإنسان حيوان إجتماعي، فلا بدّ من وجود سلطة فوقية لتحديد وتنظيم العلاقة بين أفراد الجماعة وإلاّ أصبحت الحياة الجماعية متعذرة، يقول إبن خلدون  « ثمّ إنّ هذا الإجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه وتمّ عمران العالم بهم فلا بدّ من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم وليست آلة السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع العدوان عنهم لأنّها موجودة لجميعهم فلا بدّ من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم فيكون ذلك الوازع واحدا منهم يكون عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتّى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان وهذا هو معناه الملك، وقد تبين لك بهذا أنّه خاصة للأنسان طبيعية ولا بد منها، وقد يوجد في بعض الحيوانات العجم على ما ذكره الحكماء كما في النحل والجراد لما استقرئ فيها من الحكم والإنقياد والإتباع لرئيس من أشخاصها متميز عنهم في خلقه وجثمانه، إلاّ أنّ ذلك موجود لغير الإنسان بمقتضى الفطرة والهداية لا بمقتضى الفكر والسياسة».

ويمكننا أن نستنتج من هذا النص الخلدوني أنّ غياب الملك واحتكام الإنسان إلى طبيعته العدوانية هو السبب الرئيسي للمنازعات والحروب، وإذا كانت الحروب قديما تحدث أكثر بين القبائل فلأنّ هذه القبائل لم تخضع لإطار سياسي مشترك ولسلطان غالب قاهر، ولأنّ هذه الحروب أيضا كانت تخضع للعصبية القبلية والعصبية فكرة طبيعية تقوم على الرابطة والدموية وليس على مبدأ أخلاقي واجتماعي وسياسي، أما فكرة الوازع السياسي فنجدها عندما تنتقل القبيلة من البداوة إلى الحضارة أي بعد تأسيس الدولة وإخضاع العصبيات إلى عصبية واحدة قاهرة تحمل مشروعا سياسيا وبالتالي كما يقول إبن خلدون  الإنتقال من الشظف إلى الترف ومن حالة الطبيعة إلى حالة الحضارة.

وإذا كان إبن خلدون  يربط العدوان بالطبيعة الإنسانية التي لم تخضع بعد لفكرة الوازع فكيف ينظر إبن خلدون  إلى ظاهرة الحرب في التاريخ؟.

يرى إبن خلدون  ومن منظور واقعي أنّ الحرب ظاهرة إنسانية تاريخية ملازمة للبشرية منذ فجر التاريخ وأنّها تقوم لغرض انتقام البعض من بعض الآخر، يقول إبن خلدون : « إعلم أنّ الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض ويتعصب لكل منها أهل عصبيته فإذا تذامروا  لذلك وتوافقت الطائفتان إحداهما تطلب الإنتقام والأخرى تدافع، كانت الحرب وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل » .

وإذا تأملنا هذه العبارة الأخيرة  لإبن خلدون ندرك حقيقة الحرب بالنسبة إليه وهو الذي حنكته التجارب بحيث يعتبر فكره خلاصة تجاربه، فهو يرى إذن أنّ الحرب أمر طبيعي وكل ما هو طبيعي واقع لا محالة ولا يمكننا أن نمنع وقوعه فلم يوجد ولن يوجد هناك أمة في التاريخ لم تعش الحروب أو تواجه أمما وأجيالا أخرى بها .

وإذا كانت الحرب أساسها الإنتقام عند إبن خلدون  فإنّه وبلغة الفيلسوف الذي يبحث عن الأسباب والعلل يقوم بعملية تفسير لهذه الظاهرة وهذا من خلال وقوفه على دوافعها ومنطلقاتها  يقول إبن خلدون : « وسبب هذا الإنتقام في الأكثر إمّا غيرة ومنافسة وإمّا عدوان وإمّا غضب لله ولدينه وإمّا غضب للملك وسعي في تمهيده فالأول أكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة والعشائر المتناظرة والثاني وهو العدوان أكثر ما يكون من الأمم الوحشية الساكنين بالقفر كالعرب والترك والتركمان والأكراد وأشباههم لأنهم جعلوا أرزاقهم في رماحهم ومعاشهم فيما أيدي غيرهم ومن دافعهم عن متاعه آذوه بالحرب ولا بغية لهم فيما وراء ذلك رتبة ولا ملك وإنّما همهم ونصب أعينهم غلب الناس على ما في أيديهم والثالث هو المسمى في الشريعة بالجهاد والرابع هو حروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها » .

ونستنتج من هذا النص أنّ أسباب الحروب أربعة عند إبن خلدون  أولها الغيرة والمنافسة وهذا يحدث بين القبائل وأساسه التنافس في المال والسلطان والجاه بحيث تريد كل قبيلة أن تظهر بمظهر القوي أمام القبائل الأخرى المجاورة وهذا ما تؤكده وقائع التاريخ البعيد منه أو القريب سواء عند العرب أو غيرهم من الشعوب الأخرى لأنّ نظام القبيلة هو نظام اجتماعي إنساني عرفته البشرية منذ مراحلها المتعاقبة عبر التاريخ ولا تزال شعوب إلى اليوم  تخضع إلى هذا النظام البدائي والشكل الإجتماعي، وثانيها العدوان وهو الذي يكون في الأمم الوحشية البعيدة عن الحضارة والمدنية والتي هدفها توفير أقواتها وأرزاقها ولا يكون ذلك إلاّ بالغزو والحروب واستعمال السلاح، وحرب العدوان هذه ليس لها هدف سياسي أو إجتماعي وإنّما هدفها طبيعي محض أي الصراع من أجل البقاء والحياة وهي حرب أشبه بصراع الحيوانات مع بعضها البعض لا يحركها شيء سوى إرادة الحياة، وثالثها حرب الجهاد وهي حرب دينية مقدسة الهدف منها نصرة دين الله والدفاع عن الأمّة الإسلامية وهذه الحرب تجسدت من الفتوح الإسلامية سواء في عصر الخلفاء الراشدين أو في عصر الدولة الأموية والعباسية، ورابعها حرب الملك، أي الحرب ضد أولئك الذين لا يعترفون بالسلطة المركزية والمناوئين لها ولا يسلمون بشرعيتها السياسية وهذه الحرب كانت معروفة في التاريخ الإسلامي سواء مع الدولة الأموية ضد مناوئيها أو مع الدولة العباسية ضد خصومها وحتّى في عصر إبن خلدون  في القرن الرابع والخامس عشر بحيث كانت تعيش تلك الدويلات في المغرب العربي إشكالية الشرعية السياسية، بحيث كانت دائما في حالة حرب ضد القبائل التي لم تدخل في طاعتها بعد.

وبعد أن يبرز ويحلل إبن خلدون  أسباب الحروب فإنّه يقوم بعد ذلك بتصنيفها حسب طبيعة كل واحدة منها مع تحديد أيضا أنواع القتال حسب الثقافة الحربية لكل أمّة في التاريخ، يقول إبن خلدون: « فهذه أربعة أصناف من الحروب: الصنفان الأولان منها حروب بغي وفتنة والصنفان الآخيران حروب جهاد وعدل، وصفة الحروب الواقع بين الخليقة منذ أول وجودهم على نوعين نوع بالزحف صفوفا ونوع بالكر والفر أمّا الذي بالزحف فهو قتال العجم كلهم على تعاقب أجيالهم وأمّا الذي بالكر والفر فهو قتال العرب والبربر من أهل المغرب » .

وما يمكننا إستنتاجه من هذا النص هو تصنيفه للحروب فالصنف الأول والثاني هي حروب بغي وعدوان في نظره ورغم أنّها تحمل في ذاتها قيمة أخلاقية سلبية إلاّ أنّها مسألة طبيعية في نظر إبن خلدون  لأنها تقع في إطار شروط إجتماعية وتاريخية معينة، أمّا الصنف الثالث والرابع فهي حروب جهاد وعدل وهنا يعطي إبن خلدون  المشروعية الأخلاقية لهذه الحرب مادامت مرتبطة بهدف أخلاقي وسياسي وهو العدل أو هدف ديني الذي يتمثل في نصرة دين الله، ومن هنا نستنتج الوظائف الإيجابية للحرب عند إبن خلدون  .

وإذا كان هذا بصورة مختصرة يعكس التصور الخلدوني للحرب في إطار نظرته التاريخية والإجتماعية والفكرية، فكيف يتصور هيجل الحرب؟ وما هي المنطلقات والمرتكزات النظرية والتاريخية التي ينطلق منها لمقاربة هذه الظاهرة الإنسانية والتاريخية؟ وهل ينطلق هيجل من نفس منطلقات إبن خلدون؟ وما هو الجديد الذي تحمله فلسفة هيجل في تفسير ظاهرة الحرب؟ وهل الحرب عنده ضرورية؟ وأخيرا وليس آخرا هل تؤدي وظيفة إيجابية وحضارية؟.

ينطلق هيجل من مبدأ سياسي جوهري في مقاربة علاقة الدولة بالحرب وهذا المبدأ الأساسي عنده هو السيادة، لأنّ الحرب من شأن الدول وليس الأفراد، فالدولة قد تضطر للحرب للمحافظة على سيادتها التي تحقق لها التمايز والإختلاف عن بقية الدول الأخرى وبالتالي التحقق الفعلي لماهية الدولة، يقول هيجل: « السيادة الداخلية هي هذه المثالية بمعنى أنّ لحظات الروح وتحققها الفعلي الذي هو الدولة، قد تطورت في ضرورتها وأصبحت لا توجد إلاّ بوصفها أعضاء في الدولة، غير أنّ الروح في حريتها هي علاقة سلبية بذاتها على نحو لا متناه ومن ثمّ فإنّ طابعها الجوهري من جهة نظرها الخاصة هو فردانيتها وهي فردانية تجمع في داخلها هذه الإختلافات وهي بالتالي وحدة لكنها وحدة مبعدة للوحدات الأخرى والدولة حين تتسم بهذه السمات إنّما تكون لها فردية والفردية من حيث ماهيتها عبارة عن فرد ومن حيث السيادة فرد مباشر متحقق بالفعل، الفردية هي إدراك المرء لوجوده كوحدة تتميز تمايزا حادا عن الأخرى وهي تتجلى هنا في حالة الدولة بوصفها علاقة الدولة بغيرها من الدول التي لكل منها استقلال ذاتي في مواجهة غيرها من الدول وهذا الإستقلال الذاتي يجسد الإدراك الفعلي للروح لذاتها بوصفها وحدة ومن ثمّ فهي الحرية الأساسية التي يمتلكها شعب ما كما أنّها أيضا أعلى كرامة يصل إليها» .

يرى هيجل إذن أنّ ما يربط أي دولة بأخرى هو السيادة والسيادة تتضمن الحرية، وعندما تلجأ الدولة للحرب قد تكون مدفوعة بهذا المبدأ السامي، كما يرى هيجل أيضا أنّه لا يجب أن ننظر إلى الحرب كشر مطلق أو مظهر خارجي عرضي، بل قد يعبر في نظره عن قوة الضرورة والطبيعة، يقول هيجل: « إنّ اللحظة الأخلاقية في الحرب متضمنة فيما سبق أن قلناه في هذه الفقرة إذ ينبغي ألاّ ينظر إلى الحرب على أنّها شر مطلق، على أنّها مجرد حادث خارجي عارض لها هي نفسها، ، أو باختصار هذا السبب أو ذاك من الأمور التي ما كان ينبغي لها أن توجد، فالأحداث العرضية إنّما تقع لما هو بطبيعته عرضي، وهكذا يكون القدر الذي تحدث به عبارة عن ضرورة وهنا، كما هي الحال في أي مكان آخر، تزول وجهة النظر التي تبدو منها الأمور أحداثا عارضة، تماما إذا ما نظرنا لهذه الأمور في ضوء الفلسفة والفكرة الشاملة، لأنّ الفلسفة تعرف أنّ العرضي هو مظهر وترى الضرورة في قلب ماهيته، فمن الضروري أن يوضع أن يوضع المتناهي، الملكية والحياة على نحو قاطع بوصفهما أمرين عارضين لأنّ العرضية هي فكرة المتناهي وتبدو هذه الضرورة من زاوية معينة في صورة قوة الطبيعة وأنّ كل شيء فان وعابر غير أنّ الدولة والطبيعة في الجوهر الأخلاقي تسلب هذه القوة وتمجد الضرورة على أنّها عمل الحرية وعلى أنّها شيء أخلاقي وسرعة زوال المتناهي يصبح زوالا مرادا وتصبح القابعة في أعماق المتناهي الفردية الجوهرية المناسبة للجوهر الأخلاقي » .

والفكرة التي يمكننا أن نستنتجها من هذا النص الهيجلي بصفة عامة هو أنّ الحرب مسألة طبيعية وأنّها قضية جوهرية ذات ماهية وليست بالشيء العرضي، بل إنّ هيجل يذهب إلى أكثر من ذلك وهذا عندما يؤكد أنّ الحرب ضرورية في حياة الدول والشعوب لأنّ الدول تستيقظ وعيها في حالة الحرب وبالتالي تصبح حالة نفسية باعثة على التجديد وحث الهمم على الفكر والفعل، يقول هيجل: « فللحرب ذلك المغزى الرفيع إذ بفاعليتها كما قلت في مكان آخر تحافظ الشعوب على صحتها الأخلاقية حيث تقف موقف لا مبالاة من المؤسسة المتناهية، تماما مثلما أنّ هبوب الرياح يحفظ البحر من التلوث الذي يوجد نتيجة لفترة طويلة من السكون، كذلك فإنّ فساد الأمم قد يوجد نتيجة لفترة طويلة من السكون، كذلك فإنّ فساد الأمم قد يوجد نتيجة لفترة طويلة من السلام دع عنك السلام الدائم، ولقد قيل أنّ تلك ليست سوى فكرة فلسفية أو إذا شئنا استخدام تعبير آخر شائع، هي تبرير للعناية الإلهية كما قيل أنّ الحروب التي حدثت بالفعل لازالت بحاجة إلى مبرر» .

ولا شك أن الحرب عند هيجل مرتبطة بالحركة والنشاط وأنّ السلم الدائم قد يخنق الإرادة ويمنع الفعل من التحقق، فالتراخي والتكاسل لا يمكنه أن يدفع الأمم إلى الأمام بل إلى القهقري والتراجع وفقدان السيادة والتبعية للآخر، ولا شك أنّ هذا النص الهيجلي الذي يعبر عن هذه الحقيقة يقابله نص خلدوني يقول تقريبا نفس الشيء، يقول إبن خلدون  في الفصل الرابع والعشرون من المقدمة والذي عنوانه: في أنّ الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء « والسبب في ذلك والله أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها وصارت بالإستبعاد آلة لسواها وعالة عليهم فيقصر الأمل ويضعف التناسل والإعتمار إنّما هو عن جدة الأمل وما يحدث عنه من نشاط في القوة الحيوانية، فإذا ذهب الأمل بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الأحوال وكانت العصبية ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم وعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم بما خضد الغلب من شوكتهم فأصبحوا مغلبين لكل متغلب وطعمة لكل آكل وسواء كانوا حصلوا على غايتهم من الملك أو لم يحصلوا » .

ولا شك أنّ هذا التقابل بين النصوص يشير إلى الإتفاق الفكري بين إبن خلدون  وهيجل فكلاهما يؤكد أنّ الدولة إذا جنحت للتكاسل والتراخي وهما نتيجتان للسلم، قد يؤدي هذا إلى فقدان السيادة والدخول في حكم الآخرين وبالتالي ينطبق عليها الفناء التاريخي بتعبير إبن خلدون ، وإذا اعتبر هيجل أنّ الحرب ضرورية في حياة الشعوب كما أسلفنا سابقا فإنّه يؤكد من جهة أخرى على وظائفها الإيجابية فالحرب في نظر هيجل من شأنها أن تقضي على الإضطرابات الداخلية وتحل الأزمات التي تمر بها الدولة، يقول هيجل « إنّ المثالية التي تبدو واضحة في الحرب، أعني تبدو بوصفها علاقة عرضية من الدولة لدولة أخرى، هي نفسها المثالية التي بناء عليها تكون القوى الداخلية في الدولة لحظات عضوية في كل واحد وتظهر هذه الحقيقة طول التاريخ في صور مختلفة فمثلا الحروب الناجحة تحول دون الإضطرابات الداخلية وتعزز السلطة المحلية للدولة وهناك ظواهر أخرى توضح نفس هذه النقطة فمثلا الشعوب التي تنفر من تحمل أعباء السيادة الداخلية أو تخشى أن تخضعها وتستعبدها شعوب أخرى خارجية وتكافح من أجل استقلالها بجد أقل ويقل نجاحها فيما كانت تفعله فيما سبق من تنظيم قوى الدولة في الشؤون الداخلية، لقد ماتت حريتهم بسبب خوفهم من الموت، أمّا الدول التي كان استقلالها مضمونا لا بواسطة قواتها المسلحة وإنّما بوسائل أخرى مثلا عن طريق كونها صغيرة جدا على نحو غير متكافئ بالنسبة لجيرانها فقد أمكنها الإستمرار في الوجود رغم تكوينها الذي لم يكن يضمن لها السلام في الشؤون الداخلية والخارجية » .

ومن هنا نستنتج تلك الوظائف الإيجابية للحرب في نظر هيجل ففي نظره أنّ الدولة المستعدة دائما للحرب هي التي تستطيع أن تضمن السلم لشعوبها لأنّ الصراع هو منطق التاريخ في نظر هيجل  ولكل فكرة لها ما يسلبها حسب فلسفته العامة وفي إطار تمجيد هيجل للحرب فإنّه يدعو الأفراد أو الموجودات الجزئية للتضحية من أجل الدولة وأنّ ذلك يعتبر قمّة الشجاعة والتعبير عن الحرية، يقول هيجل « تمثل التضحية في سبيل فردية الدولة الرابطة الأساسية بين الدولة وأعضائها وهي لهذا السبب واجب عام وما دامت هذه الرابطة جانب واحد من المثالية في مقابل واقعية الموجودات الجزئية فقد أصبحت في الوقت نفسه رابطة جزئية وأولئك الموجودين فيها يشكلون طبقة خاصة بهم تتسم بالشجاعة » .

وإذا كان هيجل يمجد الحرب من أجل سيادة الدولة وحريتها واستقلالها عن الدول الأخرى فإنّه من ناحية أخرى وهذا هو الأخطر في نظرته للحرب أنّه يدعو الدولة ذات القوة العسكرية والتي تعتدّ بشجعانها أن تنتقل من الدفاع الداخلي عن الدولة إلى غزو دول أخرى، يقول هيجل: « الأمر الذي يكون موضع نزاع بين الدول قد لا يكون إلاّ وجها جزئيا واحدا من علاقتها بعضها ببعض وسبب وجود أمثال هذه المنازعات فقد خصصت أساسا الطبقة الجزئية المكرسة للدفاع عن الدولة لكن إذا ما كانت الدولة بما هي كذلك، وإذا ما كان استقلالها الذاتي يحيط به الخطر وإذا كانت الدولة بكاملها في مثل هذه الظروف تحت السلاح وانتزعت نفسها من حياتها الداخلية للقتال في الخارج فإنّ حرب الدفاع في هذه الحالة تتحول إلى حرب من أجل الغزو والفتح » .

وما يمكننا أن نقوله في الآخير وبعد عرضنا للنصوص سواء نصوص إبن خلدون  أو هيجل في الحرب فإنّنا نؤكد أنهما يتفقان في مسألة أنّ الحرب ظاهرة طبيعية أي أنّها ملازمة للإنسان منذ وجوده على هذه الأرض كما أنّ كليهما يشرع للحرب ونجد هذا على سبيل المثال حروب الجهاد والملك عند إبن خلدون  وكذلك هيجل عندما يقول بضرورة الحرب كما أسلفنا سابقا فكل منهما يعتبر أنّ الحرب طبيعية وضرورية ومشروعة، غير أنّ إبن خلدون  ينفرد عن هيجل وهذا عندما يربط الحرب بالتحضر، فغزو المتحضر يختلف عن غزو المتخلف وبتعبير إبن خلدون  ومفاهيمه فإنّ حرب الحضري تختلف عن حرب البدوي ونجد هذا واضحا وجليا في الفصل السادس والعشرون من مقدمة إبن خلدون  هذا الفصل الذي عنوانه: في أنّ العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، يقول إبن خلدون : « والسبب في ذلك أنهم أمّة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلق وجبلة وكان عندهم ملذوذا لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم وعدم الإنقياد للسياسة، وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له، فغاية الأحوال العادية كلّها عندهم الرحلة والتغلب وذلك مناقض للسكون الذي به العمران ومناف له ».

غير أنّ ما يفهم من العرب هنا ليس بالمعنى العنصري، فلا يقصد إبن خلدون  العرب ولكن يقصد طريقة معينة في التفكير والعيش تنطبق على العربي وغيره، فهو يقصد ذلك النموذج من البشر الذي يعيش في البادية ويقتات من الضروري وهو في ترحال دائم للبحث عن معاشه وعادة ما لا يخضع لأي سلطة سياسية .

وبعد توضيح ذلك فإنّه لا يسعنا إلاّ أن نذكر بالتقارب الفكري الكبير بين إبن خلدون وهيجل في مقاربة ظاهرة الحرب، ومع ذلك فإنّه لا يسعنا إلاّ أن نتساءل: هل يمكننا أن نعتبر إبن خلدون  وهيجل فيلسوفان من فلاسفة الحرب

 

الدكتور قادة جليد

 

 

mutham aljanabiتشكل فلسفة "الاستغراب" التي حاول حسن حنفي تأسيسها، الاستمرار العجول لأخذ الراية التي رفعها ادوارد سعيد في نقد الاستشراق ودفعها إلى نهايتها المحببة أو "المنطقية. فإذا كان للاستشراق مقدماته التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية المتناغمة مع التطور الأوربي الهائل عبر نقل شعوب القارة من الطور الديني السياسي إلى الطور السياسي الاقتصادي، فان دفع فكرة "الاستغراب" تتسم بانفصام مادي ومعرفي فيما يتعلق بالموقف من الغرب وحضارته، كما أنها لا تخلو من تقليد مقلوب ومحكوم بمركزية إسلامية لم تنضج بعد ولا نعثر حتى على براعم الظهور الأولي لمرجعياتها النظرية والعملية.

بعبارة أخرى، ان البديل الحضاري هو بديل فعلي فقط، أو انه بديل تاريخي وواقعي أولا وقبل كل شيء. بينما الانهماك بقضايا "الاستشراق" و"استغراب" بالصيغة التي نعثر عليها في اغلب الكتابات العربية المعاصرة، باستثناء ادوارد سعيد، هو هرولة دون وعي وراء التقليد الغربي الذي يجري نقده، وانهماك دون وعي في فلك الاهتمام الأوربي الغربي وضياع في تأويله. بينما المواجهة الحقيقية للغرب (الكولونيالي) هي مواجهة النفس أولا وقبل كل شيء، أي صنع وعي الذات العربي أو الاسلامي بالمعنى الثقافي وليس الديني. فالأخير لا يحرر بل يقيد، وأفضله تسطيح وتخريف للوعي النقدي.

وفيما يخص حسن حنفي، فانه ينطلق بهذا الصدد من أن مواجهة التغريب (النزعة الغربية) ضرورية، وذلك لان التغريب مَس كل معالم الحياة والفكر، وشوّه كل شي بما في ذلك اللغة(1). فهناك مساحة كبيرة من ثقافتنا المعاصرة، كما يقول حسن حنفي، تحولت إلى وكالات حضارية للغرب، وأصبحت امتدادا لمذاهب غربية لكل ما هب ودب وفي مختلف المجالات(2). بحيث أصبح التقليد والتكلف فيه والمسابقة في التقليد من معالم الإبداع. أما النتيجة فهي  تحول التغريب الثقافي إلى موالاة سياسية للغرب(3). كل ذلك حدد الطابع الحاد والصارخ لقضية الهوية أو الأصالة. إذ وراءها، حسب تصور حنفي، تكمن "مشاكلنا الاجتماعية والسياسية لانها هي المشكلة الحضارية"(4). والسبب يقوم في أن معظم التيارات الفكرية العربية الحديثة اقرب إلى التغريب منها إلى الأصالة. إذ ليس التيارات الليبرالية والعقلانية فقط، بل وحتى حركات الإصلاح الديني ترى في الغرب نمطا للتحديث ونموذجا للتقدم(5).

حددت هذه الرؤية النقدية السليمة والعميقة أيضا حقيقة "الاستغراب" ومهماته النظرية والعملية. فحقيقة الاستغراب بنظر حسن حنفي تقوم في كونه "الوجه الآخر والمقابل بل والنقيض للاستشراق". ومن ثم فان مهمته الأساسية تقوم في "فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر"(6). ذلك يعني أن "الاستغراب" لا ينوي بلورة تصور قومي للعلم أو نظرة قومية للحضارة، قدر ما انه يسعى لوعي بدء حضارتنا في مرحلتها الحالية، مرحلة الأحياء والتجديد والتطوير(7). وفي نهاية المطاف ليس "علم الاستغراب" سوى "الرد على المركزية الأوربية".

وقد حصر حسن حنفي "مهمات الاستغراب" في جملة قضايا أو اتجاهات عامة هي كل من القضاء على المركزية الأوربية عبر رد ثقافة الغرب إلى حدوده الطبيعية، والقضاء على أسطورة عالميتها، وان التراث الغربي ليس تراثا إنسانيا، بل فكر بيئي محض، وإعادة التوازن للثقافة الإنسانية، وتصحيح المفاهيم المستقرة عما يسمى بالحرب العالمية الأولى والثانية وما إلى ذلك لانها حرب أوروبية استعمارية، وإنهاء أسطورة كون الغرب ممثلا للإنسانية جمعاء وأنهم مركز الكون وقطبه(8).

إن النتيجة التي توصل إليها حسن حنفي بهذا الصدد تقوم في أن "الوعي الأوربي" قد قدم صور نمطية ومجحفة وعنصرية وخاطئة عمن غيره. فقد سعى إلى القضاء على الثقافات المحلية والنظر إلى التاريخ حسب رويته الخاصة فقط. وفي نهاية المطاف يكشف عن أن هموم هذا الوعي هو "نتيجة استلاب". والمهمة تقوم في تحرير النفس و"الوعي الأوربي" من هذا الاستلاب عبر صناعة ثقافة وطنية ناجحة. ومن الممكن بلوغ ذلك فقط في حال تحقيق السيطرة على الوعي الأوربي، اي احتواءه بداية ونهاية وبالتالي تقليل إرهابه، ودراسته على انه تاريخ وليس خارجه، وانه تجربة بشرية ومسار حضاري شأن غيره من التجارب، وردّ الغرب إلى حدوده الطبيعية، والقضاء على عالميته، والقضاء على عقدة النقص . حينذاك ستبدأ "بداية فلسفة جديدة للتاريخ من ريح الشرق". وهو مؤشر على "انتهاء الاستشراق وانتهاء كونه مادة أو موضوعا للبحث"(9).

إن "لعلم الاستغراب"، كما يقول حسن حنفي جذوره الخاصة. بمعنى انه ليس "علما جديدا". فهو قديم. وأول بداياته بالنسبة للعالم الاسلامي هو اللقاء بالتراث اليوناني. فاليونان جزء من الغرب جغرافيا وتاريخيا وحضاريا. وقد مرت هذه العلاقة به بحالة النقل الحرفي، ثم النقل المعنوي، ثم الشرح والتلخيص، ثم التأليف بالوافد بالعرض والأعمال، ثم التأليف بالوافد في موضوعاته وموضوعات الموروث، ثم نقد الوافد، وأخيرا رفض الوافد(10). أما في المرحلة الثانية التي رافقت الحروب الصليبية، فانا نقف أمام صورة نمطية يقوم فحواها في قوة العالم الاسلامي وعظمته، بينما تميز الغرب بالجهل والتعصب. أما المرحلة الثالثة  التي رافقت العصر الحديث فأنها تميزت بالتأثر  بالغرب وتقليده. وبلغ ذروته فيما يدعوه حسن حنفي بالاستغراب المقلوب، مثل السعي لبناء ماركسية عربية، ونزعات مادية، ووجودية عربية معاصرة وما شابه ذلك(11). بمعنى الموقف من التراث بمعايير التجارب الغربية ومناهجها(12).

كل ذلك يضع مهمة مواجهة الخطر الحضاري للغرب، باعتباره  أكثر الأخطار التي تهدد الشعوب الإسلامية. ومن ثم مهمة بلورة البديل الاسلامي. والمهمة الكبرى أو الغاية المباشرة لهذا البديل تقوم في "رد الحضارة الغربية داخل حدودها الطبيعية"(13)، و"القضاء على أسطورة عالمية الغرب بعد أن جعل نفسه مركز الثقل الحضاري في العالم". وآنذاك فقط "يمكن فك الحصار حول حضارات الشعوب غير الأوربية"(14). ولا يحقق هذه المهمة الكبرى غير "اليسار الإسلامي" بوصفه "تيارا فكريا حضاريا"(15). فاليسار الاسلامي "ليس مقولة سياسية، بل حضارية"، لأنه "يعنى بإبراز مواطن التقدم في التراث من عقلانية وطبيعية وحرية وديمقراطية" (16). وضمن هذا السياق "يمثل تحديا للحضارة الغربية وبديلا عنها "، وذلك لأنه "يدافع عن جماهير الأمة الإسلامية من داخلها"(17)، وبالتالي "تحجيم الغرب"، اي رده إلى حدوده الطبيعية والقضاء على أسطورة عالميته(18).

ذلك يعني، أن هذا اليسار الاسلامي الجديد هو حركة أصيلة "لا هي ماركسية جديدة، ولا هي ليبرالية ثورية، ولا هي حركات خوارج أو شيعية، ولا هي هرطقة قرامطة أو زنج"، كما يقول حسن حنفي.  وفي الوقت نفسه "انه لا يمثل حزبا سياسيا، ولا يمثل معارضة حزبية، ولا يتوجه ضد احد"، إنما يرى "السياسة في ثقافة الأمة". وبالتالي هو ليس موجها "ضد حكومات أو أنظمة، انه لا يمثل اتجاها واحدا". فإذا كانت "الأمة لدينا أمتان: حكام ومحكومين، قادة وشعوب، علية وسفلة" فان "اليسار الإسلامي يركز على الطرف الثاني ويعبر عن الأغلبية الصامتة المقهورة بين جماهير المسلمين"(19). وبهذا المعنى فهو يقترب من الإخوان المسلمين بوصفهم إخوة في الله، ومن الماركسيين بوصفهم إخوة في الوطن، ومن الناصريين بوصفهم إخوة في الثورة، ومن الليبراليين بوصفهم إخوة في الحرية(20). كما انه يسعى للاستفادة من تراث الإصلاحية الإسلامية القديمة التي وجدت انعكاسها في ميادين مختلفة، عند ابن رشد في الفلسفة، وعند المعتزلة في الكلام، وعند ابن خلدون في التاريخ، وعند ابن تيمية في الفقه. كما يمكن الاستفادة من تراث الإصلاحية الإسلامية المعاصرة عند كل من محمد عبده والكواكبي وإقبال وشريعتي، وفي الحركة السياسية عند كل من السنوسية وثورة عمر المختار في ليبيا والمهدية في السودان وعبد الحميد بن باديس في الجزائر وسيد قطب في مصر.

ذلك يعني أن هذا البديل الاسلامي اليساري ينبغي أن يقوم "بثورتين في آن واحد" كما يقول حسن حنفي. الأولى ومهمتها "تحويل الإصلاح الديني من الوعي الفردي إلى الوعي الاجتماعي"، والثانية "تحويل ثورة العقل إلى ثورة الواقع". وليس بإمكان أية قوى أخرى تحقيق هاتين الثورتين غير "اليسار الاسلامي"، بوصفه "مقولة ثقافية" تتمثل وتستمر بتقاليد "التراث التقدمي والثوري الإسلامي". والسبب يقومن في أن كل الاتجاهات الدينية وغير الدينية المعاصرة في العالم العربي لم تستطع تقديم البديل الحضاري الحقيقي للأنظمة القائمة. فحالما تستلم الأحزاب الدينية السلطة فأنها أما أن تحول الدين إلى مجرد شعار أو إلى "مسار يخفي مولاة الغرب والإقطاع العائلي ورأسمالية العشيرة"، ا وان يجري العمل بتقاليد ومفاهيم "التعصب وضيق الأفق وتكفير الاتجاهات التحديثية". أما بالنسبة للأحزاب والتيارات الغربية (الماركسية وأمثالها) والوطنية الثورية، فشلتا في تقديم البديل الحضاري. والنتيجة جلية في انقلاب الوطنية الثورية إلى ثورة مضادة، وعجز الماركسية الغربية عن تطوير التراث، رغم مساعيها لتجسيد نظام العدالة الاجتماعية. بينما وقعت التيارات الليبرالية في مستنقع الاستعمار الجديد.

كل ذلك يجعل من "اليسار الاسلامي" حامل البديل الحضاري الجديد. وهو بديل يدرك حقيقة الأهداف الكبرى وكيفية بلوغها. وقد حصرها حسن حنفي في خمس ألا وهي: "اشتراكية جماهير الأمة"، و"جعل القرآن أداة العمل الذي يفترض بدوره مهمة تفسيره الشعوري، اي جعل القرآن وصفا للإنسان وعلاقته بالآخرين ووضعه في العالم ومكانه في التاريخ، و"تحويل علم العقائد إلى أيديولوجية ثورية"، و"إيجاد الصلة بين الله والأرض والربط بين علم العقائد وثقافة الجماهير"، وأخيرا "إيجاد الصلة بين التوحيد ووحد الأمة"(21).

إن الخلل الجوهري في فكرة حسن حنفي عن الحضارة يقوم في فقدانها لأسس تاريخية أو فلسفية أو ثقافية، بمعنى أن فكرته الثقافية والحضارية هي مجرد "نقد" سياسي أكثر حتى مما هي نقد ثقافي. فهي ليست قائمة على أسس دقيقة ومتجانسة، بما في ذلك في تحديد المفاهيم. وفي اغلبها مجرد أحكام جاهزة مستقاة في الكثير من جوانبها ليس من تحليل ماهية الحضارة العربية الإسلامية و"الحضارة الغربية"، بل مما هو جاهز في الدراسات الغربية نفسها.  إذ إننا لا نعثر عنده على تحديد دقيق لماهية "الحضارة الغربية" و"الحضارة الأوربية" و"الوعي الأوربي" و"العقل الأوربي"وما شابه ذلك. إضافة لذلك، إن اغلب المصطلحات التي يستعملها ليست مدققة ولا محققة ومن ثم ليست دقيقة من حيث حدها وحقيقتها، كما هو الحال بالنسبة لمفاهيم الحضارة والثقافة، ومصادر الوعي الأوربي، ومصادر المعرفة الأوربية، وتجريب العقل الأوربي لكل شي، والحضارة الطرية، والابتعاد عن المركز. ليس هذا فحسب، بل وتتداخل هذه المفاهيم في مقارنات سطحية مع "الحضارة الإسلامية". بعبارة أخرى، إن هذه المقارنات ليست منهجية بحد ذاتها. فافتراض وجود "حضارة غربية" يستلزم مقارنتها بأخرى "شرقية"، أو وجود "حضارة إسلامية" يفترض مقارنتها بمقابل ديني آخر، وفي الحالة المعنية "الحضارة النصرانية". وذلك لان إدراج كل تراث القارة الأوربية في معارضتها "للإسلامية" يفترض القول "بحضارة أسيوية". وإذا كانت النصرانية جزء من الأولى، فان الإسلامية جزء من الثانية. وهذه كلها أحكام تميع خصوصية الحضارات بالمعنى التاريخي والثقافي والعقائدي. ذلك يعني أن حسن حنفي ليس دقيقا في تحديده لمفهوم الحضارة الأوربية، كما انه يخلط بين مكونات مختلفة وعديدة ومراحل تاريخية متباينة من حيث أصولها وجذورها ومرجعياتها الفكرية والمنهجية والعقائدية. ونفس الشيء يمكن قوله عن "العقل الأوربي" و"مادية الوعي الأوربي". ومع انه يتكلم عن مصادر مختلفة "للعقل الأوربي" ألا انه يرجعه إلى التقاليد الرومانية فقط. والرومانية بالنسبة له المادة والركض وراءها. ومن هذه الأحكام العامة يستنتج ما يدعوه "بمادية الوعي الأوربي". ومن هذه المقدمة يستنتج بان هذا العقل أدى بدوره إلى إلى الاقتتال، ومن ثم تحول حب المادة إلى استعمار خارجي. وبالتالي، فان "الكولونيالية والعنصرية الحضارية هي نتاج العقل الأوربي المادي".وهو تفسير أيديولوجي بسيط. إذ كيف يمكن تفسير الحروب الأخرى في كل مكان وعلى امتداد التاريخ؟ والتاريخ العربي الاسلامي والإسلامي العام؟ فهو أيضا توسع (فتح) وغزو واقتتال دموي شرس لم تخل منه مرحلة من مراحل المسار التاريخي للحضارة العربية الإسلامية. وفي الإطار العام يمكن القول بان حسن حنفي هنا يتبع بصورة غير نقدية بعض ما هو متداول في الأبحاث التاريخية المسطحة "الغربية والشرقية" على السواء من الحضارة الرومانية. وأين اليونانية بوصفها مصدرا؟ فهل كانت تتمتع بعقل مادي؟ والتراث الإغريقي كان على الدوام الأكثر تأثيرا بمختلف التيارات الفكرية بما في ذلك النصرانية. ثم أن تاريخ النصرانية هو تاريخ الروح الزهد الرهبنة واحتقار "العقل المادي". بل أن العلاقة بين عالم الإسلام والعالم النصراني وبالأخص منذ الحروب الصليبية كان يقدم مادة أخرى متناقضة ومعاكسة. فقد جرى تصوير الإسلام من جانب النصارى آنذاك على انه عالم اللذة والمادة وانعدام الروح الأخلاق المتسامية وما شابه ذلك. وبالعكس نظر المسلمون إلى النصارى آنذاك باعتبارهم نموذجا للتخلف المادي والعقلي والعلمي. ووجدوا في ذلك دليلا على ضعف الروح الأخلاقي المتسامي والعقل السليم. من هنا هيمنة الأفكار والأحاديث المتعلقة بنفي ونقد الرهبنة، وبالمقابل الدعوة للتلذذ بالحياة، وان الله يريد بالناس اليسر لا العسر، وان الحياة الدنيا طريق إلى الحياة الأخرى، وأن الإنسان ووجوده ليس خطيئة بل هبة إلهية عظمى. ومن يقرأ تاريخ الخلفاء بوصفهم "ظل الله في الأرض" سيرى حجم "العقل المادي" المرعب بما في ذلك بمعايير المعاصر وثرواتها الفاحشة.

والشيء نفسه ينطبق على ما اسماه "باكتمال الوعي الأوربي" في مراحله المتنوعة وانتهاءه بالكوجيتو، اي حالة الانتقال من "الأنا أفكر إلى الأنا موجود". أما في الواقع، فان هذه الصيغة وأمثالها لا تتعدى كونها مجرد تأثر بالترجمات والمنشورات المتعلقة بالثقافة الفرنسية التي غزت مصر والمغرب الكبير. بمعنى أنها لا تعكس ولا تعبير عن المسار المعقد للتاريخ الأوربي. وعموما إن إرجاع التطور الثقافي المعقد المميزة للقارة الأوربية على امتداد قرون عديدة لفكرة أو شخصية فلسفية أيا كان وزنها، يعكس النزعة المنهجية الضيقة أو التسطيح المترتب على إعجاب عابر أو تأثر شخصي. ولا تخرج الرؤية "الإسلامية" أيا كان شكلها ومحتواها عن هذا الإطار. بل أنها رؤية تطبع، بأشكال مختلفة ومتناقضة اغلب التصورات والأحكام العربية الفكرية المعاصرة عن الثقافة الأوربية. وبالتالي، فان ما وضعه حسن حنفي عن مراحل تطور "الوعي الأوربي" و"العقل الأوربي" و"اكتماله" هي صيغة شكلية وغير دقيقة ومبتسرة ومتناقضة ولا تفهم حقيقة ما جرى. أنها تؤرخ لرغبتها النقدية لا غير. فاعتبار العقل بؤرة الوعي الأوربي، ومن ثم التوصل إلى اكتماله وانغلاقه بسبب "تجريبه كل شيء"، هو تناقض لا يحله عقل، باستثناء "اللاهوتي". وهو ليس عقلا بالمعنى الدقيق للكلمة بل نفسية خطابية محكومة بمسلمات عقائدية مسبقة. وذلك لان من العبث الحديث عن نهاية للعقل، لأنه بلا نهاية. وليس مصادفة ألا نعثر عند حسن حنفي على أية إشارة أو تحليل لمفهوم وفكرة وفلسفات وعي الذات الأوربي (التاريخي والثقافي والقومي). إذ ضمن هذا السياق يمكن تذليل الأفكار المسطحة عن "نهاية" و"موت" الحضارة الأوربية والثقافة، كتلك التي يقول بها بعض الفلاسفة الأوربيون المحترفون بهذا المجال. وكما بقال فان الرجال بالحقيقة وليس بالعكس. إضافة لذلك، إن كل الأفكار بهذا الصدد، أيا كان حجم التدليل والتفسير والتأويل تبقى في نهاية المطاف جزء من منظومة وعي الذات الأوربي الثقافي والحضاري وليست حكما خارجيا أو مطلقا عنها.

إننا نقف أمام صيغة تحيل بعض أحكام المعاصرة المفهومة بطريقة أيديولوجية على كل "التاريخ الأوربي"، و"الحضارة الأوربية" و"الغربية".بينما يحتاج كل مفهوم هنا إلى تدقيق بمعايير التاريخ والثقافة والقومية. أما نقد "الحضارة الغربية والأوربية" بالصيغة التي يتبعها حسن حنفي، بما في ذلك فيما يسمى "بعلم الاستغراب"، فانه يعكس بدون وعي اثر "الحضارة الأوربية" و"غزوها الثقافي" وهمومهما الدفينة في فكره وتفكيره.بمعنى أنه لم يستطع الخروج من هموم واثر الثقافة الغربية التي يتناولها بالتأويل والنقد. وذلك لان كل يضعه بعبارات موت الحضارة الغربية واكتمالها وما شابه ذلك ليس جديدا ولا حتى عميقا مقارنة بما نعثر عليه في بعض مدارس الفلسفة الثقافية والحضارية. غير أنها هناك هي جزء من رؤية نقدية ومنهجية تتراوح ما بين فكرة الدورة التاريخية (ولادة وحياة وموت) وأصالة الحضارات التاريخية وطابعها الفريد. فالحديث عن "غروب" أوربا وأفولها وموتها ليست جديدة ضمن سياق الفكر الاسلامي الحديث، كما هو جلي عند حسن البنا عن دوران الحضارة، بوصفها حركة البدائل، و"العصر الذهبي للإسلام" وما شابه ذلك من أوهام الأحلام والخيال اللطيف التي ميزت بعض أمزجة التأمل الفلسفي منذ القدم.

 

 ...................

(1) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص22

(2) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص24

(3) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص24

(4) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص26

(5) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص26

(6) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص29

(7) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص33

(8) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص36-42.

(9) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص50-53

(10) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص58-59

(11) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص73

(12) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص74-75

(13) حسن حنفي: اليسار الإسلامي، ص21

(14) حسن حنفي: اليسار الإسلامي، ص21

(15) حسن حنفي: اليسار الإسلامي ص46

(16) حسن حنفي: الدين والثورة. اليسار الاسلامي والوحدة الوطنية، القاهرة، مكتبة مدبولي، ج8، ص29

(17) حسن حنفي: الدين والثورة. اليسار الاسلامي والوحدة الوطنية، ج8، ص29

(18) حسن حنفي: الدين والثورة. اليسار الاسلامي والوحدة الوطنية، ج8، ص30

(19) حسن حنفي: اليسار الإسلامي، ص5.

(20) حسن حنفي :اليسار الإسلامي، صص44-46.

(21) حسن حنفي: اليسار الإسلامي، ص18-19.

 

 

mutham aljanabiلقد استحكمت فكرة المبادئ وأولويتها في الموقف من الواقع والمستقبل، والمنبثقة بدورها من مهمة تأصيل "علم أصول الدين" الجديد في رؤية حسن حنفي للحضارة بشكل عام والغربية والإسلامية شكل خاص. وكما هو الحال في فكرته السياسية، فأننا لا نعثر عنده على منظومة فكرية بشكل عام وفلسفية بشكل خاص فيما يتعلق بالحضارة بشكل عام والإسلامية بشكل خاص. وبالتالي، فان حصيلة أفكاره ومواقفه وأحكامه بهذا الصدد تصب ضمن سياق التوظيف المعاصر لمهمات "علم أصول الدين" الذي سعى لتأسيسه. وهذا بدوره لم يخرج عن حدود التأويل السياسي المخلوط بمعلومات وأحكام أيديولوجية. وهو أمر جلي يمكن رؤيته في هيمنة "الهم الغربي" و"الأوربي" "الحضاري" على مواقفه وأحكامه ورؤيته للنفس والبدائل.

إننا لا نعثر عند حسن حنفي على تحديد لماهية الحضارة، ولا على فلسفتها، ولا تاريخها الملموس. لكننا نعثر عنده على تصنيف عام ليس معروفا أصوله ومقدماته، ومن ثم تأسيسه الفلسفي، يقول، بان هنا حضارتان اثنتان هما "حضارة مركزية" وأخرى "حضارة طردية". والمقصود بالأولى هي الحضارة التي تدور العلوم فيها حول مركز واحد"، والثانية هي الحضارة "التي تخرج منها العلوم كرد فعل على المركز ونفيا له". واعتبر الحضارة الإسلامية تجسيدا للأولى (المركزية) والأوربية تجسيدا للثانية (الطردية)(1).

إن خصوصية هذه "الطردية" تقوم في "طرد المركز ورفضه بعد اكتشاف عدم اتساقه مع العقل". كما تتميز بكون الإنسان هو بؤرة العقل والثقافة والحضارة نفسها. وأخيرا هي "نتاج تطور صرف دون بناء، لهذا يغلب عليها المنهج التاريخي"(2). وللحضارة الغربية الأوربية مصادرها الخاصة في الوعي، والتي يردد حسن حنفي ما هو معروف مشهور عنها في الفكر الأوربي نفسه، ألا وهي كل من المصدر اليوناني الروماني، واليهودي النصراني، والمصادر الخفية للشرق القديم والبيئة الأوربية(3) . وينحصر هذا الوعي بين بداية ونهاية زمنية ومنهجية. حيث يربط ما يدعوه ببداية الوعي الأوربي بعصر الإصلاح والنهضة (القرن الخامس عشر-السادس عشر)، ثم العقلانية (القرن السابع عشر) ثم التنوير والثورة (القرن الثامن عشر).أما نهايته (الوعي الأوربي) فقد ترافق مع حالة الانتقال من "الأنا أفكر إلى الأنا موجود"، بوصفها بداية النقد الذاتي لكل ما وضعه(4). وفي موقع آخر يتكلم عما يدعو باكتمال الوعي الأوربي في دورته الثالثة في العصر الحديث. معتبرا المرحلة الأولى هي "عصر آباء الكنيسة، والثانية هي "السكولائية"، والثالثة في "الكوجيتو من ديكارت إلى هوسرل"(5). وبغض النظر عن سطحية هذا التقسيم والتقييم وعدم اتساقه، إلا أن الفكرة الجوهرية التي يمكن التوصل إليها من خلال استعراض ونقد حسن حنفي لخصوصية الحضارة الأوربية ووعيها الثقافي تقوم في محاولته إبراز مصادر الوعي الأوربي وخصوصيته الثقافية والمعرفية والعملية المتوافقة مع خصوصية "العقل الأوربي". فهو يتكلم عما يدعوه "بالعقل الخاص" للحضارة الغربية، الذي يتطابق حسب تقييمه مع "مضمونه الروماني". والمقصود بالمضمون الروماني هو أساسا "الركض وراء المصالح المادية"!! وان الصفة الجوهرية "للعقل الأوربي" هو طابعه التجريبي الصرف. ومن ثم فهو "عقل حسي" ويتصف بطابع التجزئة. وحالما انتقل طابعه التجريبي، أي أولوية التجربة إلى نظرية الأخلاق، عندها أصبحت المادة مصدر القيم، ومن ثم أدت إلى "مادية الوعي الأوربي". وهذا بدوره قد إلى الاقتتال من اجلها، ومن ثم تحول حب المادة إلى استعمار خارجي. ذلك يعني، أن "الكولونيالية والعنصرية الحضارية هي نتاج العقل الأوربي المادي" (العقلانية المادية)

 وبما أن "للأسباب الفكرية الروحية اثر هائل في بلورة خصوصية الحضارات، كما يقول حسن حنفي، لهذا أدى ارتباط وانصهار اليهودية والمسيحية، الذي طمست فيه الأخيرة لصالح اليهودية، إلى "تحويل العنصرية اليهودية التاريخية إلى الوعي الأوربي"، ومن ثم "تغذية عنصريته الحضارية". أنها حضارة تتمتع بروح أنانية واندفاع وراء الملذات والقيم المادية. وضمن هذا السياق فّسر ونظر حسن حنفي إلى الامبريالية المعاصرة على أنها تحّضر دوما "لحروب صليبية جديدة" تسعى إلى تحويل الحضارة الإسلامية إلى "حضارة متحفية" تدّرس في "متاحف الانتروبولوجيا، ونصبح نحن جزء من تاريخ الإنسان"(6).

ووضع هذه الأحكام السياسية الأيديولوجية في صلب موقفه النقدي من ماهية ووظيفة الحضارة الأوربية (الغربية) وكيفية مواجهتها بالفكرة الإسلامية الحضارية. فقد كرر حسن حنفي واخذ بعض الآراء الأوربية النقدية تجاه المسار التاريخي والصيرورة الحضارية الأوربية على أنها حقائق مسلمة بها. إضافة لذلك انه فهمها بطريقة "إسلامية" و"شرقية" لا علاقة لها بتقاليد النقد الأوربي واستنتاجاته المترتبة على نوعية واختلاف المناهج التاريخية الفلسفية بشكل عام والثقافية الحضارية بشكل خاص. من هنا وضعه للاستنتاج القائل بنهاية الحضارة الأوربية وموتها وغروبها في أساس نقده الفكري والثقافي والسياسي. فهو ينطلق من يقين يقول بان "الدورة الحضارية للغرب الأوربي قد اكتملت. وهي في دورها إلى السقوط والانتهاء"(7). لكنه لم يحدد ماهية ونوعية هذه "الدورة"، وفيما إذا كانت مجرد ترديد لما هو متعارف عليه في الفلسفات الأوربية الحديثة عن التاريخ والحضارة، اي عن الدورة الحياتية للدولة والحضارة (ولادة ونمو وموت). لكنا نعثر عنده على تقييم مواز يجعل من "اكتمال الوعي" صنوا أو موازاة لفكرة الانتهاء والموت. فهو يتكلم عما يدعوه "باكتمال الوعي الأوربي في دورته الثالثة في العصر الحديث". ويتطابق هذا "الاكتمال" في الوعي مع "الدورة الثالثة" مع ما يدعوه "باكتمال الوعي الأوربي" في "الكوجيتو من ديكارت إلى هوسرل"(8). وما قبل ذلك "اكتمل" أولا في "عصر آباء الكنيسة" وثانيا في "العصر المدرسي" (السكولائي).

وفيما لو جرى إهمال هذا الفعل (اكتمل) الهلامي المعنى، فانه فيما يبدو يتطابق مع ما استنتجه بهذا الصدد عما اسماه بتجربة الوعي الأوربي لكل شي. وكتب بهذا الصدد يقول: "لقد جرب الوعي الأوربي كل شيء". الأمر الذي أدى به إلى "ضياع بؤرة التركيز". ومن ثم "أصبح غير قادر على توجيه نفسه نحو مركز يمكن من خلاله إبداع المذاهب والاتجاهات"(9). مما أدى به إلى نهاية محزنة هي الرفض والعدمية. إن "الوعي الأوربي يصل إلى نهايته" ليعلن "انهيار الغرب" و"انقلاب القيم" و"خواء الروح" و"إلوهية المادة" و"العدمية المطلقة" وأخيرا "اليأس والانتحار"(10). إننا نقف هنا أمام حكم اقل ما يقال فيه هو انه صورة مقلوبة عن الوجود والمعنى والواقع والفعل والتاريخ والمستقبل. وبالمقابل تندفع إلى الأمام ذهنية التأويل السياسي المباشر والحدي والسهل في تناول إشكاليات التاريخ والحضارة المعقدة. ووضع هذا التأويل في فكرة تقول، بان الغرب حالما اكتشف العالم الخارجي وأحس برياح الشرق، بعد أن حاول تشويهه وهو في إبان عنفوانه، فانه اخذ بإعادة النظر فيه بما في ذلك عبر تشويهه أو توظيفه أو تحويله إلى مادة للدراسة(11). بينما اخذ يشعر الآن بقوة اكبر "يقظة الإسلام بعد الثورة الإسلامية الكبرى في إيران". أما نتيجة كل هذا "الاكتمال" الذي أمات الحضارة الأوربية ووعيها النظري والثقافي، فانه اخذ يبرز بظهور وصعود "الشعوب غير الأوربي" التي أصبحت "حاملة أروع ما أنتجه الوعي الأوربي- فلسفة التنوير". بعبارة أخرى، إننا نقف أمام تحول وانقلاب تاريخي يقوم في اضمحلال وتلاشي وزوال الغرب الأوربي بحضارته التاريخية وصعود بدائل أخرى، لعل الإسلامية هي من بين أكثرها رصيدا. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "إذا كان للوعي الأوربي الريادة في القرون الخمسة الماضية، فقد تكون لنا الريادة في القرون القادمة. وكما بدأت الحضارة قديما في الشرق ثم انتقلت إلى اليونان والرومان وأوربا، فقد تعود في عصرنا إلى الشرق من جديد وتكتشف الحضارة الإسلامية رسالتها نحو الشرق"(12).

عموما إننا نقف أمام يقين محكوم "بقد تعود" لكنه مؤسس برؤية تستجيب له! ينطلق حسن حنفي في تطبيق أو تحقيق استنتاجه التأملي (الذي قال به الكثيرون، وبالأخص حسن البنا)، من ضرورة إعادة النظر بالتراث الغربي، أي كل ما وضعه فيما اسماه بنقد الفكر الغربي، ولاحقا في نظرية الاستغراب. ومن اجل بلوغ ذلك يستلزم، حسب رؤية حسن حنفي دراسة ونقد التراث الغربي، وبالتالي لا معنى لأخذ اي شي منه. ذلك يعني " دراسته كجزء من اجل تحليل واقعنا" و" كجزء من دراسة تراثنا القديم" و"كجزء من المساهمة في الدراسات الإنسانية العامة لإفادة الغربيين أنفسهم"(13). وجعل من نقد لياسبرز وأمثاله نموذجا لتطبيق تقييمه السياسي تجاه تاريخ الثقافة الأوربية وإبداعها الفلسفي. فقد هاجم ياسبرز بقوة من خلال إبراز كل الكوامن السيئة في فلسفته(14). إذ يجد فيه مبررا للاستعمار والنزعة الغربية، ومعاديا للعرب والحريّة، وممثلا للفكرة اليمينية والعنصرية. لقد وجد فيه نموذجا حيا "لفيلسوف الغرب بكل ما فيه من عنصرية ونازية واستعمار قديم وجديد"(15).

إن البديل الاسلامي الحضاري يستمد مقوماته من جوهر الاختلاف الثقافي. فالحضارة الأوربية ووعيها الثقافي هو نتاج مصادره اليونانية الرومانية، واليهودية النصرانية، والبيئة الأوربية الخاصة. وكلها مصادر بلورت الوعي الأوربي الخاص، وبالتالي لا علاقة لاستنتاجاتها بنا. فالمصدر اليوناني الروماني  هو صانع النمط الفكري للشعور الأوربي في بدايته. وبالتالي، فان أية محاولة لتقليد الغرب في نهضته هو خطا حضاري.الأمر الذي يستلزم "الرجوع إلى أصولنا". إذ ليس الديمقراطية الأثينية هي ما يناسبنا، بل بل الشورى الإسلامية. أما "المسار اليهودي النصراني للكتاب المقدس" فقد صنع سبيكة من نمط يختلف اختلافا هائلا عن مثيله الاسلامي. بينما تشكل "البيئة الأوربية" احد أهم مصادر الوعي الأوربي الذي ما زال غائبا عن رؤيتنا النقدية. ففي الفكر السياسي، على سبيل المثال، تعتبر الفكرة القومية تحررية من السيطرة الرومانية أو الجرمانية أو الانجلوسكسونية، بينما هي في تاريخ الإسلام فكرة شعوبية عنصرية(16). وكذلك الحال بالنسبة لأثر وقيمة التيار العقلي الديكارتي. فقيمته العالية في التاريخ الأوربي هي بسبب ظهوره في بيئة لم تعرف سلطان العقل(17)، بينما في التراث الاسلامي كان العقل جوهريا ويستغنى به عن الوحي كما هو الحال عند المعتزلة وابن رشد. إضافة لذلك أن العقل الديكارتي ليس عقلا خالصا. كل ذلك جعل حسن حنفي يتوصل إلى موقف نظري وعملي بقول بضرورة إعادة النظر في كل ما قاله وكتبه الأوربيون عن العالم وتراثه. وذلك لان كل ما قالوه وكتبوه يعبر عن العقلية الأوربية أكثر منها دراسات موضوعية(18). وهو الجانب الأكثر ضعفا في الثقافة الأوربية . ، كما قول حسن حنفي. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار كيفية تمييزهم بين أنفسهم والآخرين في كل شيء. فهو ينادون بالحرية لأوربا والعبودية لغيرها، والاستقلال لأنفسهم والاستعمار للآخرين، و التقدم لهم والتخلف لغيرهم(19).

إن هذا الخلاف العميق في الأسس الحضارية الثقافية يجعل من مواجهة الغزو الثقافي الغربي أمرا لا مفر منه. ولا يمكن مواجهته بأخذ فتات الثقافة الأوربية. فالثقافة العربية المعاصرة، كما يقيمها حسن حنفي، هي زيادة كمية بدون أفكار أساسية، أي أنها مجرد ترجمة وعرض(20). من هنا مهمة نقد مفاهيم ومناهج الغزو الثقافي، مثل ما جرى حديثا من  محاولات للبرهنة على انتحال الشعر العربي، وان القرآن هو تجميع وسوء فهم للنصوص اليهودية والنصرانية، ثم محاولات كتابة التاريخ والحضارة الإسلامية بروية يهودية وصهيونية كما هو الحال في دائرة المعارف اليهودية.(21)، وكذلك الحال بالنسبة لأثر اليهودية الصهيونية في الماسونية والاشتراكية عبر توظيف فكرة الإنسانية والحريّة والعدالة وإلغاء الدين(22)، والدفاع عن البهائية وأمثالها،والتطبيل لفكرة "العقل العربي" ومحاولة رسم صفاته المتخلفة، بحيث جرى تحويله الى فكرة فلسفية وسهولة استعماله من جانب بعض المفكرين المعاصرين  (محمد عابد الجابري وأمثاله)(23).

لقد أراد حسن حنفي القول، بان الغزو الثقافي هو تيار غربي عام، وليس الغزو الثقافي الصهيوني سوى جزء منه. فكلاهما نشأ في الغرب، الذي جعل من اليهودية الصهيونية إحدى الأيديولوجيات الغربية التي تعتمد على مبررات دينية لإحدى القوميات المنبوذة(24). وهناك أنماط عديدة للغزو الصهيوني للتراث الاسلامي تتوقف على طبيعة العلاقة بين التراث اليهودي وتراث الشعوب القديمة والحديثة(25). ففي السابق كان يجري عبر سرقة تراث الآخرين (الكلداني في فلسطين، والديانة المصرية في مصر، والحضارة الآشورية والبابلية في وادي الرافدين)(26)، والآن يجري عبر سرقة التراث الفلسطيني. كما أن هناك نمط آخر هو نمط الإسرائيليات في الدس. أما الآن فيجري تجريب وتشغيل ما يمكن دعوته بنمط التشويه المتعمد للثقافات عبر التغلغل إلى مراكز الأبحاث اللغوية والثقافية والحضارية من اجل الاستيلاء عليها عبر إرجاعها إلى الحضارة اليهودية(27). بمعنى يجري قلب الحقائق وتوظيفها الأيديولوجي.