مجدي ابراهيميحتفل المسلمون بمولد سيد الخلق، صلوات الله وسلامه عليه، وهو بلا شك ظل وارف من ظلال المحبة، ويحتفون معه بمولد الرسالة الإسلامية، وليت الاحتفال يكون احتفالاً حقيقياً ولا يجئ صورة لا تزيد عن الصور الكثيرة التي تنقلب معها القيم الإيمانية فيتحوّل أعلاها مع غيبة الفهم إلى أسفلها، وأرقاها في سُلم القيم إلى أدناها؛ فيُساء فهم المقصود من كل حفاوة علويّة وكل تكريم ربانيّ.

الفرقُ ولا شك كبير جداً بين العلم والمعرفة والقيمة والدلالة وقصد المفهوم من كل علم ومعرفة وقيمة باقية، وبين أن يتحوّل ذلك كله، مع تدني الممارسات، إلى مبتدعات الحياة الشعبية فيصبح الدين جزءاً من فلكلور شعبي، وتصبح شعائره عرضة للعادة تتجرّد عن العبادة، وتصبح العقائد والاحتفاء بها مجرّد ممارسات فلكوريّة تصادم الفكرة المستنيرة عن الدين كونه معرفة وعلماً ومجموعةً من قيم معقولة باقية، وتجرده من حيوية الاعتقاد، ليتحول كما تحولت العقائد السابقة عليه (كالمجوسية واليهودية والمسيحية) من الدين إلى نقيض الدين.

هذه خشية الغيورين على عقائدهم من الدُّخلاء، او المنتسبين إليها انتساب الجاهل الغافل ينطلق من الحب وهو يُسئ أو يُساء فهمه في كافة الأحوال، ومنها تنبعث أقلامهم للتنبيه على ما يُحاك ضدهم أو ما يفهم على غير المقصد الأسمى من مقاصد الدين أو الاعتقاد.

بالطبع، أنا لا أنكر بالبداهة الاحتفالات بمولد النبي، صلوات الله وسلامه عليه، على الإطلاق، وليس لي من سبيل بالبداهة كذلك إلى نكرانها، كيف وقد أبان مولده عن طيب عنصره كما يقول البوصيري طيّب الله ثراه، ولكنّ أنكر الإنكار هو ما يكون فيها من ممارسات لا تمس حقيقتها ولا تقوّم المحبّة المُجرّدة لشخصه الكريم ولحضرته المباركة تقويماً يُرقيها في قلوب الناس ويُعليها في عقولهم وضمائرهم، بل تتوقف عند الصورة البرانيّة منها ولا تزيد، فهو من ثمّ إنكار أشخاص ومسالك لا إنكار قضايا وعقائد، والفرق من بعدٌ كبير؛ ولقد عرف تاريخ المسلمين جدلاً واقعاً بين أئمتهم وعلمائهم، واختلف جماعة من الأوائل في الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف فمنهم من أجازه وهم الجمهور الغالب من العلماء كابن حجر العسقلاني والحافظ السيوطي والسخاوي وغيرهم من علماء الأمة وهم كثيرين، ومنهم من أنكر الاحتفال به أشدّ النكران وقال ببدعته؛ لعلة ظهرت لديهم إذ ذاك في تقويم المسائل الإيمانية وبخاصّة العقائد الكبرى تقويماً يحفظها من الالتباس من أرجاس الناس، ومنهم ابن تيمية وابن الحاج المالكي والشاطبي، فكان ابن تيمية ومن جرى مجراه يخشى عادات النصارى في الاحتفال بالسيد المسيح أن تتلبس بعادات المسلمين فضلاً عن أن هذا الاحتفال أصلاً لم يكن على زمن الصحابة ولا أجراه التابعون ولا قرره أحد في الصدر الأول وإنما هو من عادات المتأخرين.

وعلّل رفضه باشتمال كثير من الكبائر وعظائم الأمور عليها مثل الطرب والغناء الماجن واختلاط الرجال والنساء وتناول المحرمات. وظن ابن تيمية أن ما يحدثه بعض الناس أمّا أن يكون مضاهاة للنصارى في ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وأمّا ان يكون محبة للنبي صلوات الله عليه والمحبة توجب التعظيم، والله يثيبهم على هذه المحبة والإجهاد لا على البدع الخارجة عن صحيح الدين. ولئن كانت البدع إحداث أمر في الدين لا أصل له في الشرع والتعبّد بغير الطريقة النبوية اقتفاءً للصراط المستقيم فإن الاحتفال بمولده عليه السلام كما ذكر السيوطي إن يكن بدعة فهو حسنة لما يشترط فيه من تعظيم قدر النبى صلوات الله وسلامه عليه، وإظهار الفرح بمولده. والصحيح أن تسمى بدعة حسنة لقوله عليه السلام " من سن في الإسلام سُنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ".

التنطع في الدين سمة غالبة لكل متشدّد يكاد يخنق أنفاس الناس ويملي عليهم عنوة ما يفهمه وإن جاء ضيق الفهم غارقاً في التحجير، فليس كل مستحدث له أثره من عمل الصحابة أو عمل التابعين وإلا ضيقنا الخناق وحسبنا الأنفاس وظلمنا سنة التطور كما تجري بها عادة الزمن وكل زمان كان، وليس من مانع أن يتم العمل بجنس المأثور مما ورد من المأثور، وإن لم يكن مأثوراً في ذاته، ويجوز إلا يعمل به ولا يجزى من ثمّ عليه ولا يثاب على تركه أو إهماله.

قلت إن الفرق واضح وضوح الشمس في ضحاها بين إنكار أشخاص ومسالك، وإنكار قضايا وعقائد، فالأشخاص ممّا يجوز لك الاختلاف معهم ومع مسالكهم فيما شاءت لك حجة الخلاف أن تمضيها نقداً على الأعمال والافكار وعلى ما يكون وراؤها مما يكشف عنها فيما هو مخبوء تحتها من طوايا ونوايا وتخريجات، وليست العقائد هكذا؛ لأنها ليست سوى النصوص صامتة في ذاتها لا ينطقها إلّا من أراد النطق بها بمقدار ما يفهم وبمقدار ما يلهم منها ومن ذلك الفهم الذي يتوخّاه.

ومع هذا كله تبقى العلة التي ذكرناها فيما تقدم سارية، ويبقى قيامها في عقول المصلحين وهى : تقويم المسائل الإيمانية وبخاصة العقائد الكبرى ومنها عقيدة النبوة، تقويماً يحفظها من الوقوع في شرك الالتباس من أرجاس الناس. فليست حلاوة المولد، ولا احتفالات المواسم والإتّجار بها واستغلالها أسوء استغلال، ولا منح الأجازات في أغلب المؤسسات، ولا راحة الأبدان فيها من مشقة الأعمال يوم المولد، إلّا صورة ليست تحتها حقيقة تجوهر هذا الاحتفال بقيمه العلمية، أتراهم - وهم في أمس الحاجة إلى الرشد والتهذيب فضلاً عن الفقه والمحبّة والتقريب - فقهوا الدلالة أم هل عرفوا الإشارة من مضمون الرسالة؟

لم تكن تلك القيم العلمية المُشار إليها إلا الغرض الإلهي الذي أتاح الدين الجديد للظهور، وإلّا العناية الإلهية التي مهّدت لظهوره يوم كان العالم كله يموج بالتيارات الدينية المتناقضة، يُضاف إليها عبث السياسة بالمذاهب والآراء، وبالمعتقدات والشرائع التي تنظم حركة المجموع فضلاً عن حركة الأفراد في سياقات متصلة بقانون الوجود أو قانون البقاء.

كانت هنالك مقدّمات مهّدت لظهور البعثة المحمدية وسبقت مطلع النور، ثمة بواعث من عناية الله حفّت هذا الكون بسياج الحفظ الذي تمّم الرسالة لتجيء رحمة للعالمين. كانت هنالك حاجة جديدة إلى إصلاح جديد بمقدار ما كانت هنالك حاجة ماسّة إلى دعوة جديدة لدين جديد، ونحن نعمد إلى سفر ممتاز من أسفار الأستاذ عباس العقاد عنونه بهذا العنوان "مطلع النور أو طوالع البعثة المحمديّة"، وهو طيّب الله ثراه أقدر القادرين على استيفاء البحث في أسباب تلك العلل وتخريجها بصواب الرأي والرؤية؛ شارحاً تلك المقدمات التمهيدية التي سبقت الدعوة الإسلامية قبل أن يصدع بها لأول مرة أكرم نبي عند الله، وأحب نبي إلى الله، وحامل لواء الحمد، وأول شافع، وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة.

جاء في هذا السفر القيم : أن العالم المعمور شاعت فيه قبيل الدعوة المحمديّة أديان قديمة كبرى وهى على حسب قدمها : المجوسية واليهودية والمسيحية؛ فلم يكن أتباع دين من هذه الأديان على استقرار في عقيدتهم أو ثقة بأحبارهم وأئمتهم، وأولها وأشدّها اضطراباً ديانة الدولة الفارسية او دياناتها المتعددة التي تشكلها الثنوية، أي الإيمان بربّ للنور وربّ الظلام وعالم للخير وعالم للشر في كون واحد.

فقد كانت هذه المجوسيّة تستعصي على الدعاة المصلحين منذ أيام الوثنية الآريّة الأولى التي اشترك فيها الهنود والفارسيون، وقد عمل  "زرادشت" نبي الآريين جهده لتطهيرها من الوثنية وإخلائها من شعائر الهياكل والمحاريب الخفية فلم يتيسر له من ذلك غير القليل، وجاء بعده مصلحون من اتباعه مزجوا الفلك بالتنجيم بالخرافة بالعبادة في نحلة واحدة، ولم يعرف الناس عنهم على البعد إلى عصر الميلاد المسيحي إلا أنهم رصدة للكواكب طلعة للخفايا والغيوب من وراء حجاب الظلام.

أمّا اليهودية فقد كان قيام المسيحية في معقلها الأكبر إيذاناً حيّاً بنفادها وانتهائها إلى الغاية من وراء الجمود والضيق، إذ كانت المسيحية في الواقع حركة إصلاح واسع في جميع العقائد اليهودية التي جمدت على النصوص والمراسم وتحوّلت من الدين إلى نقيض الدين. ولا شئ يناقض الدين كما ناقضته تلك الأنانية القومية التي حسبت الإله المعبود ملكاً لها دون سائر عباده يبيح لها في سائر الأقوام ما لا يباح في شريعة ولا قسطاس مستقيم. وفي عصر الميلاد نفسه ظهر من حكماء اليهود من أحسّ الحاجة إلى إصلاح عقائد قومه وشعائرهم، فاختار "فيلون" الحكيم أسلوب التعبير الرمزي لتفسير مسائل الكتاب التي لا تقبلها الحكمة، ثم سري الإصلاح المسيحي مسراه، فمضي معه من اليهود من صلح له وبقي الجامدون على شرّ ممّا كانوا عليه قبل الدعوة المسيحية، وجنى العناد والإصرار على الباطل جنايته المعهودة فذهبت ريح الكهانة والمراسم الهيكلية وتفرّقت مراجع الديانة مع كل مجمع وكل معبد وكل طائفة ذات مذهب في التوراة أو التلمود أو تقاليد الأحبار والربانيين. وكان من آثار هدم الهيكل سنة سبعين للميلاد أن أشياعه فقدوا وحدة المراسم بعد أن فقدوا وحدة العقيدة والروح فلم يأت عصر البعثة المحمدية حتى استفحل الخطب بينهم من جراء تفسيراتهم الكثيرة فنهضت بينهم طلائع الطائفة التي عرفت بعد ذلك بطائفة القرائين، وأنكرت كل رأي غير النصوص والحروف في الكتب المنسوبة إلى موسى الكليم، فكان خوف التفرقة سبيل النكسة إلى أيام العصبية والأنانية القومية ولم يكن سبيلاً إلى الحرية والتجديد.

كان يهود العالم في عصر البعثة المحمدية بين أشتات يذهب كل منها مذهبه على حسب المجمع أو المعبد الذي ينتمي إليه، وبين شراذم متعنتين في الجمود على الحروف والنصوص يرجعون بهذه النكسة إلى الدواء الذي قامت المسيحية لإصلاحه قبل بضعة قرون. فتلك حاجة جديدة إلى إصلاح جديد (يُراجع : مطلع النور، ص ٣٧ - ٣٩)

وجاء الإسلام، والمسيحية منتشرة في بلاد الدولة الرومانية شرقاً وغرباً يدين بها ملوكها وروساؤها ومعظم رعاياها، وكان هؤلاء الملوك والرؤساء قبل تنصّرهم يضطهدون المسيحيين ويعذبونهم ولا يتورعون عن لون من ألوان العذاب يصبونه عليهم، فكانت محنة عظيمة صبر لها المسيحيون الأولون صبر المؤمنين الصادقين . ولكن هؤلاء الملوك والرؤساء كانت محنتهم للمسيحية بعد تنصّرهم أشدّ عليهم من محنة الاضطهاد والتعذيب لأنهم لم يكفوا عن الظلم وزادوا عليه عبث السياسة بالعقائد والآراء، فدسوا مطامعهم بين المختلفين على تفسير المسيحية الأولى وفرّقوهم شيعاً متباغضة متنافرة يرمي بعضها بعضاً بالكفر والضلالة وينسب بينها الجدل فلا تتفق على قول حتى تفتح أمامها مذاهب الخلاف على أقوال. فلم تبق نحلة من النحل الكثيرة إلا حكمت على مناقضيها بالمروق والهرطقة .

وتعددت هذه النحل بين الأريوسية والنسطورية واليعقوبية والملكية على تباعد الأقوال في الطبيعة الإلهية ومنزلة الأقانيم الثلاثة منها. ويأتي النزاع بين الكنيستين الشرقية والغربية فيقضي على البقية الباقية من الثقة والطمأنينة، ولا يدع ركناً من أركان العقيدة بمبعدة من الجدل والاتهام، فلا جرم يتردد على الألسنة ويدّون في كتب التاريخ يومئذ أن القوم جميعاً قد استحقوا العقاب الإلهي وإن أبناء إسماعيل قد جاؤوا من الصحراء بأمر الله عقاباً للظالمين والمارقين. فلمّا بطل الأمان كما بطل الإيمان جاءت خلاصة هذه الأحوال تتلخص في خلاصة واحدة هى ضياع الثقة بكل منظور ومستور فلا أمان من السياسة ولا من الدين ولا من الأخلاق ولا من الواقع ولا من الغيب .

هكذا كانت أحوال العالم قبل مطلع البعثة المحمدية كما لخصناها من كتاب مطلع النور للأستاذ المفكر الكبير عباس العقاد، فقد كانت مقدمات الدعوة الإسلامية، كما قال رحمة الله عليه، لا تتأتى على وتيرة الداء الذي يتبعه الفناء، ولكنها مقدمات العناية الإلهية التي تدبّر الدواء للداء المستحكم على غير انتظار وبغير حسبان. عالم إذا صحّ أن يقال عنه إنه إن كان ينتظر شيئاً من وراء الغيب، فإنما ينتظر عناية من الله.

مرة أخرى نطرح السؤال كما طرحناه في السابق : أتراهم فقهوا الدلالة أم عرفوا الإشارة من مضمون الرسالة؟

لا يزال التهديد الحقيقي يواجههم، ولا يزال القتل والتدمير وفزع الصغار والكبار، وسفك الدماء وخراب العقول والقلوب أموراً تفعل فيهم الأفاعيل.

ولا يزال الاحتفال بيوم مولده - صلوات الله عليه - يمر عليهم مراسم تخضع في الغالب لحكم "العادة" وتتجرّد عن "العبادة" لكأنها أصنام كما الوثن لا روح فيها ولا حياة.

حطم رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، الأصنام والأوثان ليقول لنا بأبلغ لسان : حرّروا عقولكم وضمائركم وقلوبكم عن عبادة الأصنام، وستكون لكم - معشر المسلمين - في مستقبل الأيام أصناماً وأوثانا تخلقونها على هواكم، وتتصورها أوهامكم، وليست بالضرورة أن تكون حجراً أو قطعة من طين أو عجين، فلربما تكون قيمة ساقطة تخلقها الغفلة، أو تكون لافتة يتصوّرها الوهم، أو شارة ينسجها الخيال العاطل، أو تكون رباً من الأرباب تعبدونه من دون الله، أو تكون منصباً أو جاهاً أو سلطة أو فكرة أو عقيدة تغشي عيون قلوبكم وتظلمها فلا ترون الحق أبداً، وعلى قلوبكم غشاوة وفي أبصاركم غبش، فيتحول الدين معها من الدين إلى نقيض الدين، ومن العبادة إلى نقيض العبادة، ومن المعرفة إلى الجهالة العمياء.

هذا هو الرمز، وتلك هى الرسالة الدائمة التي يجب على عقلاء الإسلام، وعارفي فضله، الاضطلاع بها : تحطيم الأصنام والأرباب والأوثان التي تتراءي لنا صباح مساء، صنم المال، وصنم المجد الزائف، وصنم السلطة البالية، وصنم النفوذ الطاغي، فتصرفنا عن روح الدين وجوهر العقيدة السّمحة تماماً كما تصرفنا عن نهج الرسالة المحمديّة كونها؛ في كفاحها المتصل وجهادها الجميل وصبرها الدائم الموصول على سُبل الكفاح والجهاد، رحمة للعالمين.

فالعنف والإرهاب والدمار والخراب والقتل والسرقة والعدوان وأكل حقوق الناس بالباطل والشر والرزائل على اختلاف ألوانها وأشكالها مدعاة للخروج عن نهج الرسالة، لأنها مدعاة للخروج عن الإنسانية ليست فيها رحمة تفرضها مقومات الرسالة المحمديّة، ومن ثمّ فهى أعمال شيطانية ملوثة بالخبث والدهاء ومكر الطويّة خارجة عن جوهر الدين، وعن نهج الرسالة مادامت الرحمة بالإنسانية هى من الأسس القويّة لبناء الذات المؤمنة في رسالة محمد عليه السلام .

فمن نهج نهج الرسالة كان مرحوماً بذاته، رحيماً بغيره، وأنه مادام مرحوماً بذاته، فلن تكون رحمته في نفسه إلا مشمولة بالعموم على جميع خلق الله تعالى عملاً بقوله (وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين).

وليفتش كل مسلم في داخله وليبحث عن الصنم الذي يعبد من دون الله : المال، الجاه، النفوذ، السلطة، الرئاسة، وليتحرر من كل هذا كله؛ ليشهد الله على الحقيقة، وليعلم إنما الدنيا أسباب وراء أسباب، وإنه بهذه الأسباب لمحجوب عن الله بالسبب المعلق بوسائل الدنيا، فليعتق نفسه ليشهد تجلي الفعل الإلهي فيه من خلف حجاب الأسباب.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

 

 

 

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (36)

في الإيمان المسيحي، تعتبر عقيدة صلب يسوع المسيح وموته متعذبا على خشبة الصلب، من اجل افتداء خطايا البشر، الركن الأساسي في ذلك الإيمان، ولا يمكن اعتبار الشخص مسيحيا ما لم يقبل هذه الحقيقة ويقبل يسوع المسيح على اساس انه المخلص الذي حصل الخلاص بموتهعلى الصليب، فاديا بعذابه ذنوب ومعاصي البشر!

إن هذه العقيدة، بطبيعة الحال،لم تأت من فراغ، وإنما لها ما يسندها من إشارات تاريخية قوية، تشير إلى أن عملية الصلب هي واقعة تاريخية قد حدثت بالفعل، ولم يقتصر ورود هذه الاشارات على الكتب الدينية المقدسة لدى المسيحيين، بل قد ورد ذكر هذه الحادثة في مصادر تاريخية من خارج الدائرة المسيحية، رغم انه ذكر عابر وبشكل مقتضب.

أن ورود قصة صلب يسوع الناصري في مصادر تاريخية قديمة وقريبة من زمن حدوثها، يجعل حادثة الصلب تتمتع بموثوقية تاريخية قوية، وهنا يجب التنبيه على أن الكلام حول وقوع الحادثة،  لا يعني بالضرورة التسليم والوثوق بكل التفاصيل التي وردت حول هذه القصة في النصوص المقدسة المسيحية، وذلك لاسباب عديدة، سنحاول تبيان بعضها .

ونحن نبحث في تفاصيل قصة صلب المسيح، علينا ان نتذكر ان النصوص التي تطرقت الى تلك التفاصيل، هي من نوع النصوص (البعدية) والتي تم تدوينها بعد وقوع الحادثة بزمن طويل، وبعد أن خضعت القصة للمؤثرات العقدية !

فمن المعلوم أن قصص صلب المسيح وقيامته وظهوره للتلاميذ قد ابتدأت بالتداول بين المؤمنين بيسوع المسيح ومن ثم أخذت تتناقل من مجموعة الى اخرى ومن منطقة جغرافية الى منطقة اخرى على شكل حكايات وقصص شفوية، تضمنت الكثير من الاسطرة الدينية و التضخيم الايدلوجي لغرض جلب الانبهار والتقديس لدى المستمعين لهذه القصص التي كانت في بداية مرحلة التبشير المسيحي المبكر، بمثابة المفتاح الرئيسي لجذب مؤمنين جدد للايمان الناشئ.

والدليل على صحة هذه الفرضية، هو التباين الواضح في سرديات تفاصيل القصة، بعد ان تم تدوينها، وبعد ان اخذت حيزا في نصوص اصبحت لاحقا تمثل كتابا مقدسا لدى اتباع الإيمان المسيحي حين اكتمل تدرج تطوره بمراحل تاريخية متعاقبة

عند الحديث عن قصة صلب المسيح، ومن خلال تتبع التدرج التاريخي في سرد تفاصيل تلك القصة، و بطريقة مقارنة النصوص حسب أزمنة تدوينها، نلاحظ بشكل واضح، كيف تمت عملية الاضافة والتعديل و حشر معلومات متناقضة لغرض اعطائها صفة الحقيقة التاريخية من اجل انتاج فكرة عقدية تدعم الإيمان الجديد !

رسائل بولس (شاول الطرسوسي) والتي تعتبر أولى نصوص العهد الجديد من ناحية الترتيب الزمني (20-30 سنة بعد الصلب) لم تتطرق الى تفاصيل احداث قصة الصلب، رغم انها ذكرت صلب المسيح وأهميته، من باب التبشير الإيماني.

وعندما نذهب الى الأناجيل القانونية، ونتابع سردياتها حول تفاصيل القصة، وحسب تسلسل زمن كتابتها، نلاحظ التباين بين الصورة التي أخرجها إنجيل مرقس (كتب بعد عام 65 م) وبين الصورة التي يخرجها لنا إنجيل لوقا (حوالي 80م)

وسنلاحظ ان الصورتين تختلفان عن ما سيسرده وما سيضيفه للقصة مؤلف إنجيل يوحنا الذي كتبه اواخر القرن الاول!

في إنجيل مرقس نقرأ قصة الصلب في الإصحاح الخامس عشر، ونلاحظ ان يسوع المسيح، وأثناء محاكمته من قبل الحاكم الروماني (بيلاطس) لم يتحدث الا بكلمة واحدة فقط وهي :

انت قلت !

جوابا على سؤال الحاكم، وبعدها بقي صامتا تماما، طوال مجريات المحاكمة وما تلاها من تعذيب و سخرية واهانة

بقي يسوع المسيح صامتا، بعد ان علقوه على الصليب، وكأنه قد استسلم لقدره، ولم ينطق الا بعد ان خارت قواه وبلغت روحه التراقي، حينها صرخ معاتبا إلهه الذي قد تخلى عنه !

(الوي الوي...لما شبقتني!!) …..ثم اسلم الروح !

وعند الانتقال الى انجيل لوقا الذي تمت كتابته في زمن لاحق لزمن كتابة إنجيل مرقس، نجد ان مؤلف الإنجيل يحاول إعطاء صورة مختلفة لوضعية يسوع الناصري في تلك الساعات الأخيرة من حياته،  فيضيف الكاتب تفاصيل جديدة على أجواء المحاكمة، ثم يمضي في الإصحاح الثالث والعشرين ليسرد لنا كيف ان يسوع كان رابط الجأش، غير مكترث لما يجري عليه، وإنما كان مهتما خلال الطريق بالحديث الى النسوة الباكيات، و تحذيرهن من المستقبل المشؤوم المقبل على مدينة اورشليم واهلها، ثم نجد يسوع ايضا وهو معلق على الصليب، يدخل في حوار مع أحد اللصوص المعلقين الى جانبه يبشره فيه بأنه سيكون معه بعد قليل في الفردوس!

وبعد ذلك يظهر لنا كاتب الانجيل كيف ان يسوع استقبل الموت بشجاعة وهو يقول (يا أبتاه لديك استودع روحي!)

انجيل يوحنا والذي هو آخر الأناجيل القانونية في التسلسل الزمني، نجده قد توسع في اضافة تفاصيل جديدة لم تتطرق اليها الاناجيل التي سبقته، رغم أهميتها، وهذا امر مفهوم من ناحية تضخم السرد التاريخي للقصص الذي ينحو باتجاه التأصيل القداسوي في المتخيل الإيماني

لذلك نجد مؤلف انجيل يوحنا، يضيف الى محاكمة يسوع امام الحاكم الروماني تفاصيل جديدة، يظهر فيها يسوع الناصري وكأنه منخرط في حوار وسجال جدلي مع الحاكم، وبعد ذلك يضيف ايضا تفاصيل وكلام على لسان يسوع وهو على  الصليب لغرض غرس مفاهيم ايمانية جديدة من الممكن ان العقيدة الآخذة بالتطور قد احتاجت إليها !

فنجد يسوع المسيح، في الإصحاح التاسع عشر من إنجيل يوحنا، يتكلم الى والدته !!!...التي ظهرت فجأة في مشهد الصلب حسب رواية مؤلف هذا الإنجيل والتي تفرد بها من دون بقية الاناجيل!!

وكذلك نجد يسوع يوصي تلميذه (الحبيب) بوالدته !!!... ثم يواجه يسوع الموت وهو يردد كلمة (قد اكمل!!)

وطبعا هذه الاضافة الجديدة هي لغرض الايحاء الى نتيجة عقائدية، مفادها ان المكتوب قد اكتمل بموت المصلوب!

اللاهوتيون المسيحيون، يواجهون هذه الاختلافات في سرديات تفاصيل قصة الصلب، من خلال انتهاج أسلوب الهروب الى الأمام، وعمل التفاف ذكي، للتخلص من مأزق التباين الواضح، وذلك عن طريق جمع كل التفاصيل الواردة في كل إنجيل، ومن ثم اخراجها على شكل قصة جديدة !!!... جامعة لكل التفاصيل!!... فتصبح لدينا قصة خامسة (مبتكرة) ومتضمنة لكل التفاصيل التي ذكرتها كل قصة من قصص الأناجيل الاربعة على حدة!!!

وهذا الاسلوب هو مراوغة فظيعة، وتلاعب بعقلية القارئ للعهد الجديد، الذي يريد اللاهوتيون خداعه من خلال اخفاء اهمية التسلسل الزمني في كتابة هذه الأناجيل، والتي اصبحت -لاحقا- ضمن كتاب واحد ( العهد الجديد) بقرار كنسي !

ومن المغالطات التاريخية الواردة في سرد تفاصيل قصة الصلب، أننا نجد كتبة الأناجيل، يحاولون الايحاء ان الغرض من عقوبة الصلب التي تم اقرارها بحق يسوع الناصري هو اخضاعه للعذاب والالم وتعليقه لكي يلقى حتفه….فقط !

وهذه المغالطة يكشفها البحث في التاريخ الروماني و تتبع طريقة وأهداف صلب الخارجين عن قانون الدولة الرومانية

حيث نرى ان الرومان تبنوا هذا النوع الوحشي من العقوبات لاغراض عديدة، بالاضافة الى البطش بالمصلوب!

فعقوبة الصلب لدى الرومان تنفذ في مكان عام يشهده اكبر عدد ممكن من الناس ليشاهدوا العقوبة،لكي تكون رادعا مخيفا للآخرين، من خلال تعليق جسده لايام عديدة وربما اسابيع ليكون عبرة لغيره، وكذلك تتضمن هذه العقوبة الإذلال والاحتقار للضحية المسكينة، حيث يبقى جسده معلقا لفترة طويلة،فيكون طعاما للجوارح من الطيور، وبعد ان تتحلل الجثة، يتم انزالها ورميها للكلاب والحيوانات المفترسة !

(فكان المصلوب يظل أحيانًا لمدة أسبوع كامل مُعلَّق على الصليب حتى تنتهي حياته، وفي هذا يُترك لنهش الطيور الجارحة والحيوانات الضارية، ويقول المؤرخ الروماني "Horace": "كانت النسور تسرع من جثث الماشية والكلاب والصلبان حاملة لحم الموتى إلى أعشاشها لكي تطعم صغارها) 1

هذا كان السائد في جميع عمليات تنفيذ عقوبة الصلب في تاريخ الدولة الرومانية، ولا يوجد في السجلات التاريخية الرومانية الا حالة استثناء واحدة، حيث تم انزال جثة شخص تم صلبه في الاسكندرية، والسبب انه تم صلبه في يوم عيد ميلاد إمبراطور روما ...لذلك كان إنزال الجثة اكراما لذكرى ميلاد الامبراطور! 2

ومن هنا يتضح ان الطريقة الرومانية في صلب الخارجين عن القانون كانت تتطلب تعليق الضحية لأيام طويلة لغرض الإمعان في الاذلال والتحقير وكذلك لغرض الردع والتخويف للاخرين، ولا  يتم انزال الجثة الا بعد ان تنهشها الطيور الجارحة وبعد ان تتعفن وتتحلل،ثم بعد ذلك ينزلونها من على الصليب، ووقتها اما ترمى للكلاب او يدفنها الجنود الرومان في مقبرة خاصة باشرافهم مثل مقبرة الجمجمة باورشليم، واذا كان اهل الضحية محظوظين او اغنياء، فربما ينجحون في اخذ ما تبقى من جسد فقيدهم( ليدفنوه بطريقتهم) بعد ان يسترضون الجنود باموال او عطايا !

وقد يعترض البعض، ليقول، ان جسد يسوع قد تم انزاله، بعد ان توسط ( يوسف الرامي) لدى بيلاطس الحاكم الروماني

وهنا، نحتاج الى معرفة، ماهو السبب الذي جعل هذا التلميذ الذي كان يخفي اتباعه ليسوع ويخفي ايمانه بالملكوت، الى المغامرة بحياته، وكشف نفسه امام رؤساء اليهود والكهنة،مما سيعرضه للخطر الذي كان بالأصل يخفي إيمانه ليتجنبه؟!

ولو سلمنا، وقبلنا، ان هذه القصة صحيحة، وان الحاكم الروماني، استجاب لتلميذ يسوع المتكتم على ايمانه، وان بيلاطس قرر ان يعطي استثناء لحالة يسوع، وأمر بانزاله من على الصليب!

لكن في هذه الحالة، سيبرز لنا مشكلة أخرى، وهي، ما الذي يدفع الرومان الى انزال اللصين المصلوبين الى جانب يسوع؟

ولماذا تم شمولهم بهذا الاستثناء النادر والغريب؟!

وهنا قد يلجأ البعض الى نفس طريقة التفذلك، التي انتهجها مؤلف إنجيل يوحنا، وذلك باتباع أسلوب خلط المفاهيم!

حيث نجد هذا الكاتب، يبرر انزال اجساد المصلوبين بسبب الاستعداد ليوم السبت المقدس لدى اليهود !

وهو هنا اراد اللعب من خلال خلط الاوراق، والايحاء الى حرمة ابقاء المصلوب معلقا الى الليل كما ورد في سفر التثنية

(وَإِذَا كَانَ عَلَى إِنْسَانٍ خَطِيَّةٌ حَقُّهَا الْمَوْتُ، فَقُتِلَ وَعَلَّقْتَهُ عَلَى خَشَبَةٍ،فَلاَ تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ. فَلاَ تُنَجِّسْ أَرْضَكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا) تثنية 21

ان النص المتقدم، هو نص خاص باليهود، يلزمهم باتباع تعاليم التوراة في حال تنفيذهم (أي اليهود) لعقوبة الصلب

اما في حالة يسوع الناصري واللصين الذين كانا معه، فان الذي قرر ونفذ عقوبة الصلب هم المحتلون الرومان!

وهؤلاء المحتلون لم يكونوا ابدا يكترثون او يحترمون طقوس او تعاليم أديان الجاليات الاخرى غير الرومانية، بل كانوا فقط حريصون على تنفيذ القانون الامبراطوري الروماني بكل حسم وبشكل كامل وتطبيق العقوبات بحق الخارجين عن القانون، كما هو الحال مع يسوع الناصري واللصين الآخرين.

ان حماسة المؤلف المجهول لإنجيل يوحنا في ابتداع وابتكار اضافات جديدة لقصة الصلب، واندفاعه في هذه المنهجية رغم مناقضتها للثوابت التاريخية، جعلته يقع في مغالطات منطقية فادحة !!... ومن أمثلتها

تفرده بذكر خبر حضور السيدة مريم والدة يسوع المسيح في حادثة الصلب، وانها كانت على مقربة من مكان صلب ابنها بحيث انها كانت تسمع الكلام الذي وجهه له ابنها وهو معلق على الصليب!

وبعد ان فارق يسوع الحياة، وبعد إنزاله عن الصليب، ومن ثم قيام التلميذ يوسف الرامي ومعه (نيقوديموس) بنقل جسد يسوع الى حيث يتم دفنه...بعد كل هذا نجد ان والدة يسوع المسيح قد اختفت تماما من تلك المشاهد !!!

ان المنطق و العقل في مثل هذه الاحوال يستدعي ان تكون الوالدة قريبة من ابنها بعد ان يتم انزاله من صليب العذاب

او انها من المفروض ان تسارع الى حضن ابنها و ربما تقبيله بعد ان أخذ جسده يوسف ونيقوديموس!

وإن اي والدة مكلومة بولدها الشاب المعذب ستحرص على اللحاق بالتلميذ الذي اخذ جسده، لكي تحضر مراسيم دفنه!

كاتب انجيل يوحنا غفل عن هذه اللوازم المنطقية، لانه كان مهتما فقط، بدس معلومة بشكل متطفل على القصة الخالية اصلا من تلك المعلومة (حضور مريم في عملية الصلب) من أجل الخروج بنتيجة ذات ثمرة عقدية، تعطي للتلميذ (يوحنا بن زبدي) مكانة خاصة تميزه عن باقي تلاميذ يسوع المسيح..الأمر الذي يعلي من مكانة هذا التلميذ واتباعه.. والذي يعتقد أن كاتب الإنجيل المنسوب ليوحنا قد كان واحدا منهم ! 

 

د. جعفر الحكيم

.............................

مصادر:

1- كتاب أسئلة حول الصليب، أ. حلمي القمص يعقوب

2-  How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee

    by Bart D. Ehrman

 

ميثم الجنابي"من شرط المقلد أن لا يعلم انه مقلد. فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو  شعب لا يرأب" (الغزالي) 

لقد رد الغزالي في إحدى رسائله الأخيرة على الطلبات المتكررة الداعية إياه بالعودة للتدريس في نظامية بغداد قائلاً: "إن هذا الوقت هو وقت فراق الدنيا لا السفر إلى العراق"[1]. أما الحافز والتأسيس القائم وراء دعوته للتدريس بوصفه من يمكنه جمع الخلق للتوجه إلى الله وأن وجوده في قلب الخلافة (بغداد) هو الأمثل، أجاب:"إن الطريق إلى الله من طوس ومن بغداد ومن كل مكان سواء"، أي أن الطريق إلى الحقيقة والمطلق واحد. وقد أنجز هو ما استطاع إنجازه في غضون سنواته السابقة، وليس له بالتالي سوى انتظار أيامه الأخيرة ليكف الزمان والمكان عن التباين، ولتحلّ الوحدة في موته! فهي اليقظة التي تقطع عليه نوم الوجود، كما سيقول ذلك لاحقا متتبعاً أثر الصوفية.

ولم يصل إلى هذه الذروة إلا بعد شوط طويل من "تنقية" النفس، التي لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد حياته الخاصة فقط. فقد كانت هي في حقيقتها التمّثل الغزالي لثقافة العصر ككل. لقد مّثل هو عصارتها الذهنية. وليس هناك أفضل منه ممن اكتشف أخطاءه كما ترجمها في (المنقذ من الضلال).

وشكلت وحدة رفض التقليد والبحث عن الحقيقة جوهر (المنقذ)، أو ما يمكن دعوته بجوهر الظاهرة الغزالية. إلا أنها شأن كل ظاهرة فكرية لم يكن بإمكانها أن تتشكل خارج محيطها الثقافي. فروايات الكتب التاريخية والسير عن طفولته اليتيمة، ومسعى أبوه المحب للمتصوفة والفقهاء في أن يكون وليده من بينهم، واضطرار مربيه الأول (الصوفي) إلى أن يرسله وأخاه أحمد إلى المدرسة الفقهية لتوفير لقمة العيش لهم، لا يمكنها أن تكشف عن الأسباب الفعلية وراء التحول الذي سينسب له لاحقاً في عبارته القائلة "أردنا العلم للدنيا فأبى إلا أن يكون لله". إذ لم يكن بإمكان هذا التحول الجارف في توجه علمه من الدنيا إلى الله، أو من المصلحة إلى الغاية المتسامية، أو من المهاترات إلى الحقائق، أن يتبلور إلا من خلال نفي المصلحة والمهاترات نفسها. وهو ما تكشفه ليس فقط حياته الاجتماعية السياسية وتطوره الفكري الروحي، بل وصراعهما على خلفية الثقافة السائدة آنذاك.

ففي هذا العالم يمكن للشخصية المفكرة أن تظهر بهيئة استقلال تلقائي لا هدف مسبق لها، مختطّة لنفسها مصيرها الخاص كي تعيه فيما بعد على أنه ما لم يكن بالإمكان تصور غيره واستبداله، أو حسبما صاغته العبارة الإسلامية الوجيزة:"ما أصابك لم يكن ليخطأك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك"، أي عندما تتخذ الدراما الحياتية هيئة التفاؤل المطلق. آنذاك سيغيب الجميع وراء الكلّ. وهي الصيغة التي لابد وأن يواجهها كل وعي ذاتي عميق. إلا أن كلاً منها يضمّنه مضمونه الخاص. وفي هذه الخصوصية تظهر حقيقة الشخصية ما زال الإنسان لا يمكنه تعدي حدود الزمن بوجوده. بينما الأخير هو مطلق النهاية في اللانهاية. وقد أدرك الغزالي حقيقة هذه الحقيقة في ذاته. ومن العسير تتبع جزئياتها فيه، بمعنى أنه لا يمكننا تخطي حدود الشرطية التي تناولها هو عن نفسه. فهو يظهر لنا منذ البداية بوصفه حركة الحقيقة، أي التركيز على الاستقلال الفردي والفكري المبني على "نبوغ مبكر"، كما ستحاول الصيغ التاريخية فيما بعد إبرازه بهيئة تناقض خفي في موقف استاذه" إمام الحرمين" الجويني منه، بمعنى الاعجاب والتباهي الظاهري به والامتعاض والحسد الداخلي منه. وقد لا يخلو ذلك من صدق واقعي لاسيما وأننا لا نعثر على تبجيل أو احترام أو حتى ذكرى عابرة في مؤلفات الغزالي اللاحقة عن استاذه. ومن الصعب الآن الجزم عما إذا كانت الحكايات المروية حول علاقة الجويني بتلميذه الغزالي أو الغزالي باستاذه حقيقة أم خيال، وذلك لما فيها من اختلاق وتناقضات. والشيئ الوحيد المشترك بينها هو تركيزها على هذه العلاقة. ففي بعضها يجري اظهار نبوءة الجويني عن صعود الغزالي وتألق نجمه في العبارة التي تصفه بانه "بحر مغرق". بينما تشير بعض الروايات إلى صورة أخرى تعّبر عن حسده الداخلي وامتعاضه منه في العبارة المنسوبة اليه بعد أن كتب مؤلفه الأول (المنخول):"دفنتني وأنا حي! هلا انتظرت حتى أموت!". ومن الصعب الأخذ بالعبارة الأخيرة كما هي لاعتبارات واقعية تتعلق بحجم وقوة إبداع الجويني وشخصيته. ولكن يمكن القبول بها في حال النظر اليها باعتبارها شكلا من اشكال الاعجاب المتحمس بكتاب تلميذه الغزالي. ولربما كانت هذه الصيغة شكلا ماكرا من أشكال الإدانة المبطنة من خلال تصوير شخصية الجويني الاشعري بالنفاق الأخلاقي. والاحتمال الأكثر رجوحا في تفسير هذه الرواية يقوم في نزعة الغزالي نحو الاستقلال وعدم التقليد لأي كان. إلا أنه لم يبن ذلك على قاعدة التبجح الشخصي والخواء الروحي، بل على أساس وعي إمكانية الإبداع الفكري الجديد، أي الاستناد إلى التراث العقلاني واللاعقلاني بمختلف اشكاله ومظاهره ومستوياته. بمعنى إلى كل المتناقضات القائمة في مرحلته، والتي أسس لها وبلورها تاريخ الخلافة السابق. إذ لا إبداع كبير خارج المتناقضات. فعندما يشير الغزالي في (المنقذ) إلى مساره الفكري، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن انعكاس تلك المعاناة الفكرية التي مر بها، أو ما اسماه باستخلاص الحق من بين اضطراب الفرق. بمعنى سيره في وسطها مترفعاً في الوقت نفسه عن التقليد، أي وعي ضرورة قبول الفكرة والاستنتاجات بعد غربلتها العقلية المستقلة. وهذا ما يعادل معنى عدم الاقتناع بالكلمة أياً كان مصدرها. ولم يكن ذلك بمعزل عن شدة الصراعات الفكرية التي أظهرت في معاركها عدم إمكانية القناعة الموحّدة حتى تجاه أبسط الحقائق، مما جعله يخوض غمار الجدل من أجل أن يكتشف هو الآخر حقيقة اليقين من بينها. إلا أن البحث عن الحقائق الخاصة لم يكن في الواقع سوى حقائق الأسلوب الجدلي والبحث عن الحقائق المتضاربة. بحيث جعله ذلك يجد نفسه كما سيقول في (المنقذ) مرمياً منذ وقت مبكر قبل بلوغه العشرين في "لجة هذا البحر العميق"[2]، أي بحر المعارف والصراعات الفكرية.

وقد خاض هذا الصراع خوض "الجسور لا خوض الجبان الحذور". إذ كان يتوغل في كل مظلمة، ويهاجم كل مشكلة، ويقتحم كل ورطة، ويتفحص عقيدة كل فرقة، ويستكشف أسرار كل طائفة ليميز المحق والمبطل فيها[3]. وقد وضعته هذه الحالة العقلية والاجتماعية أمام مهمتين بمضمون واحد ألا وهما محاربة التقليد، والبحث عن الحقيقة. وبالتالي فإن ما أبدعه قد تأرجح ضمن هذين القطبين المتصارعين. من هنا فإن التصورات والأحكام التي حاولت أن تجعله سنياً متشدداً أو ما شابهها من الأحكام تغفل الجوهري لحساب الثانوي، والجزئي والعابر لحساب الكلي الدائم، والتاريخي لصالح غير التاريخي، والماضي ودقائقه لصالح المصطلح المعاصر.

ففي التاريخ الفكري لا يمكن للمنظومة أن تكون سخفاً لا معنى له حتى في حالة تحول السخف واللامعنى إلى عناصر جوهرية فيها، أو إلى عنصر من عناصر القناعة الذاتية. فحتى في هذه الحالة يمكن رؤية إدراك أهمية غير العقلاني في الوعي، أي العنصر الضروري بالنسبة لإمكانية تثوير الفكر القائم سواء في عناصره ومكوناته المجردة أو في أحكامه. إننا نقف هنا أمام تجربة الوعي التاريخي في متضاداته بوصفها المقدمة الضرورية لتثويرها الممكن. وقد تعامل الغزالي مع مجموع هذه المتضادات في الثقافة المعاصرة له. بمعنى أنه تعامل مع تجربة الوعي الإنساني المتعدد المناهل، والتي اتخذت تشكلت في إطارها العام آنذاك في الفقه وعلم الكلام والفلسفة والتصوف، أي في كل تلك العناصر الأساسية لثقافة عصره ومكونات فكره الخاص. وأدرك أكثر من غيره آنذاك، بأن معياره في التعامل مع ثقافة عصره النظرية والمجردة وشخصياتها ليس السياسة بل الحقيقة. وبهذا المعنى تصح كلمات السبكي عنه والقائلة، بأن الغزالي كان "ضرغاماً لا كالأسود، وقمراً لا كالأقمار! حمى حوزة الدين دون أن يلطخ حسامه بدم المعرضين"[4]. ففي هذه العبارات نعثر على تصوير أدبي مذهبي لا يتعارض في الوقت نفسه مع الحقيقة، رغم أنه لا يتطابق معها.

فقد مثّل في تطوره وتحوله ديناميكية الوعي الثقافي، بمعنى أنه مثّل أكثر من أي مفكر آخر آنذاك المثال الايجابي الذي عبّر وعكس الرموز المتعددة في البحث والجدية، والشك والعقلانية، والقدوة الفعالة وجوهرية القناعة الذاتية، ووحدة العلم والعمل، وضرورة اليقين، أي التجربة التي كشف في صيرورتها الدائمة، عن أن أي ادعاء مطلق لامتلاك الحقيقة يعادل معنى الهيئة والهيبة الفعلية لنسبية الجهل. وفي هذه الصيرورة سعى لأن يوحّد ما هو جوهري في الاتجاهات المعاصرة له بوصفها النتاج التاريخي لتطور الفكر، أي البحث عن الحلقة الوسطى، تماماً مثلما فعل ارسطو تجاه مكونات الثقافة الاغريقية. بمعنى السعي لصنع تآلف فكري جديد. وقد جرت هذه العملية جريان الأنهار إلى بحارها، بوصفها العملية التاريخية التي جرت عبر صراعه مع أساليب وقيم ومفاهيم مرحلته التاريخية، متمثلاً اياها على أساس ضرورة وعي الحقيقة كما هي.

إذ لا يمكن فهم حقيقة موقفه من الاتجاهات الأساسية، التي مثلت في خطوطها العامة مراحل وتداخل ثقافة العصر التجريدية (الكلام والفلسفة والباطنية والتصوف)كما وضعه في (المنقذ من الضلال) على أساس ما واجهه منها وجهاً لوجه. فقد كان (المنقذ من الضلال) الصيغة المبطّنة والحذرة، التي تعكس ما ينبغي أن يقال لا الحقيقة كلها. إنه أراد الكشف عما أنقذه. فهو لم يوجه كتابه للمؤمنين والوثنيين  كما فعل أوغسطين، بل للباحثين عن الحقيقة وأسلوب بلوغها.

فالموقف من التقليد الذي صاغه في (المنقذ) هو التعبير الخارجي عما تراكم في مجرى تطوره الحقيقي منذ بداياته الأولى. فقد بدأ الغزالي من تلك الملاحظة الدقيقة للتناقض القائم بين وعي الإنسان الاجتماعي التاريخي والعقائدي وبين حقيقة هذا الوعي، بين الإيمان الظاهري المذهبي وحقيقة الإيمان. إلا أن هذه الصياغة الأخيرة ليست إلا الملاحظة الأولية عما هو قائم، والتي ستتطور لاحقاً حول إشكالية الحقيقة كما هي. فقد اصطدم شأن مفكري تلك المرحلة الكبار بظاهرة الإيمان التقليدي السائد، والذي أفلح الوعي الكلامي العقلاني بتأطيره بصيغة الحديث المنسوب للنبي محمد، والقائل بأن الإنسان يولد على الفطرة، وإنما أبواه هما اللذان يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه. وإذا كان الإسلام يتطابق بالمفهوم السنّي الخالص مع الفطرة الإنسانية، فإن الغزالي لم يشغل ذهنه بهذه التفريعات التبريرية، وتعامل أولاً وقبل كل شيء مع واقع الحديث كما هو. مما اضطره لاحقاً إلى أن يدخل الأسلمة في إطار التقاليد التي لا تختلف من حيث الجوهر والظاهر عما هو مميز للمعتقدات الدينية ككل. مما اضطره للبحث عما هو جوهري في الإنسان وعما هو قبل كل هذه الاعتقادات فيه. وهذه بدورها ليست سوى "اعتقادات طارئة" على حقيقة الفطرة. ولم تعن  الفطرة بالنسبة له مجموع الصفات الطبيعية التي يولد عليها الإنسان، ولا الصفحة البيضاء للوجود الإنساني الأول، بل والقدرة الطبيعية الأولية، التي تتجلى في ميدان المعرفة "بغريزة العقل"، وفي الوجود الاجتماعي التاريخي بفكرة الاستعداد للتقليد، وفي الوجود الحياتي بالطبع والمزاج. وقد وجّه الغزالي اهتمامه في الموقف من التقليد صوب هذه المظاهر في وحدتها، لأنه وجد في تفاعلها سرّ التقليد، وفي إدراك هذا السر ّعلاجه.

ووضعه تتبع واقع التقليد وأشكاله أمام مهمة انتقاده ليس في ميدان المعتقدات الدينية، بل وميدان القناعة الفكرية. انه حاول البحث عن محك ومعيار للحقيقة خارج الطابع الشرطي للوجود الاجتماعي التاريخي، أي مناقشة حقيقة المعرفة وطرق بلوغها وأشكال تجلياتها.

فالتقليدية العادية المترعرعة في الوسط الاجتماعي التاريخي يمكنها المساهمة في نقلا القناعة الأولية إلى ميدان التبرير والدفاع "العقليين" مما يجعل من العقل، كما يقول الغزالي، وسيلة الخداع الذاتي. لاسيما وأن الواقع الاجتماعي مليء بالظواهر التي تتحول فيها القدرة العقلية إلى أسلوب عقلنة الرذيلة. بمعنى إمكانية استغلال العقل في الصراعات الاجتماعية والسياسية من أجل السلطة والكبر والخداع والإثراء وما شابه ذلك.

لقد وضع الغزالي مهمة الرجوع إلى البداية الأولية وضرورة النظر إلى حقائق الأشياء كما هي عبر استلهامه فكرة الفطرة الإنسانية، أي محاولة انتزاع تكلس الأحكام والتصورات والرموز الاجتماعية التاريخية. لكنه لم يطابق بين عدم التقليد والحقيقة، ولا بين التقليد وغير الحقيقة. إنه ينتقد أسلوب التقليد والعناصر المانعة لرؤية الحقيقة كما هي. إذ لم يصل إلى مرحلة إدراك الحقائق كما هي إلا بعد المرور بكل ما هو تقليدي. فقد كان هذا المرور يعادل ثقل التقاليد وتجربة المدارس وتصارع الفرق والتربية الثقافية ولحد ما نمط الوعي، أو ما يمكن دعوته  "بالموضوعية الثقيلة"، التي لا يستطيع المفكّّر التخلّص منها دون أن يقدم لها تضحية خاصة في ممارساته وتصوراته وأحكامه. فالغزالي الذي هاجم "المبتدعة" بقي لحد الآن في نظر الكثيرين ضحية ما سعى لتثبيته. أما في الواقع، فان هذه الحالة جزء من مفارقات التناقض الدائم بين الوجود الاجتماعي التاريخي والفكري المجرد. فالتطور الفكري وبوادره الأولى الناشئة في صيرورة الدولة والأمة الإسلامية، الذي تصلّب في هياج الصراع الاجتماعي والسياسي والديني والعقائدي، أدى بالقوى المتحاربة إلى إقحام كل مناهض لها تحت خيمة الكفر والالحاد. وبالتالي تقديم الحقيقة ومعيارها في الاحكام بصيغة الخطأ والباطل، أي انعدام الحقيقة والحق فيه. مما حدد بدوره أسلوب الحكم على ما ينبغي من خلال الحكم على ما لا ينبغي، والحكم على الفضيلة من خلال إدانة الرذيلة، والحكم على المؤمن من خلال تكفير وتفسيق مرتكب الكبيرة.

وقد خاض الغزالي غمار هذه "الشروط الأولية" ليكتشف فيها إرادته الخاصة بوصفها جزء من سلسلة "الشروط  غير المتناهية"، أي أنه اكتشف حريته بفعل الضرورة. أما هذا الاكتشاف فهو حصيلة تجربة فكرية معرفية وعملية اخلاقية عميقة أوصلته إلى اكتشاف حقيقة ذاته في هذه الشروط الاولية (الضرورية) للثقافة، بوصفها أوهاماً وعقائد طارئة وزيفاً أخلاقياً. لكن  هذا الاكتشاف، شأن كل ظاهرة عميقة في التجربة الفردية الفكرية، كان الحصيلة المفاجئة لصيرورة المعرفة. وحتى في حال بلوغ ذروتها (كالشك العميق أو التحول الفكري العقائدي)، فإن كل ما ساهم في هذه الصيرورة المفاجئة لا يكفّ عن التأثير، مازال الأخير ذاته هو نتاج التراكم الدائم للعلم والعمل. لهذا لم يفعل في "نزاله الأخير" مع المذاهب ووعيها التقليدي، أي في مجرى انتقاله من "عالم التجزئة" الكلامية والفلسفية (المجردة والتأملية) إلى "عالم الوحدة" الصوفية سوى أن نقل تجربته العلمية والعملية السابقة إلى الميدان الذي طالبه بإعادة النظر تجاه كل ماله وفيه وعليه. فهو أسلوب معرفة النفس ومن ثم حقائق العالم وإعادة اكتشافها كما هي. وقد كمن ذلك في الحافز الدائم لمهاجمة التقليد بفعل الرؤية الدقيقة التي وجدها في مخاطره باعتبارها آفة عمى للبصر والبصيرة، وتشويه العقل، وصدأ الروح الأخلاقي.

إذ يكشف ما وضعه في (المنقذ من الضلال) من حيث الجوهر إعادة تقييم تطوره الفكري. وبالتالي من الصعب المطابقة بين حقائق وعيه الجديد وتجربته الفعلية السابقة. إلا أن قيمة إعادة التقييم الفكرية، تقوم في أنه تتبع على مثاله الشخصي مساعي محاربة التقليد، الذي كان أحد الحوافز الأكثر فعالية في تطوره. ومن الممكن التسليم فيما أورده في (المنقذ) على أنه تصوير صادق مازال "تقلبه" اللاحق و«مزالق عقله في العلوم والأعمال هو المثال الحي على ما أراد قوله بهذا الصدد.

فقد وقف أمام مهمة إعادة النظر بالقيم والمفاهيم التقليدية منذ سن مبكرة. فهو يخبرنا في (المنقذ) كيف أنه بلغ مرحلة كسر التقليد في عمر يناهز العشرين. آنذاك أدرك الصيغة الأولية للحقيقة التي صورها بدقة بالغة والقائلة بأن من "شرط المقلّد ألا يعلم أنه مقلد، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو شعب لا يرأب"[5]. وجعله ذلك يتحمل لنفسه بنفسه وزر مهمة البحث عن "حقيقة الفطرة الإنسانية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليدات الوالدين والاستاذين"[6]. ولم يعن ذلك من الناحية التاريخية سوى ما كان سائداً في العقائد الايمانية والسياسية اللاهوتية (الباطنية خصوصاً) والكلام والفلسفة والتصوف. إذ أدرك خصوصية التقليد في هذه الميادين. وقدّم أمثلة عديدة ملموسة للمقارنة فيما بين تقليدية الوعي في الفقه والكلام والباطنية والفلسفة والتصوف. لكنه أدرك أيضاً التباين الشاسع فيما بينها بسبب تباين موضوع ومادة هذه الاتجاهات وتقاليد كل منها. لهذا فإن انتقاده للتقليدية الواقعية في هذه الاتجاهات، لم ينف الحقائق التي صاغتها في مجرى تطورها. إنه سعى لانتقاد التقليدية القديمة والمعاصرة له، التي أخذت تجثم على رؤوس الأحياء من البسطاء والدهماء، والمفكرين والمتحذلقين.

فقد نظر إلى تقليدية الفكر الفقهي في تحجّره المذهبي، والكلام في أيديولوجيته العقائدية، والباطنية في خضوعها لعصمة الإمام، والفلسفة في استلابها أمام ادعاءاتها المنطقية الصارمة بصدد قضايا الميتافيزيقا وتقليدها لفلسفة الإغريق. فعلم الكلام على سبيل المثال، لم يهتم بالكشف عن الحقائق[7]. إذ ليست مهمته سوى "الدفاع عن عقيدة العوام من تشويش المبتدعة" كما يقول الغزالي. بحيث جعله هذا الموقف النقدي الحاد أن يدرج في الكتب الكلامية "التي لا تبحث عن الحقائق كما هي" الكثير من مؤلفاته الكبرى (كالاقتصاد في الاعتقاد) و(تهافت الفلاسفة) و(المستظهري) وغيرها. ومن الممكن أن تثير هذه الفكرة اعتراضات جدية بصدد حقيقة موقفه من كسر "زجاجته" التقليدية في مراحله الأولى، مازالت مؤلفاته الكبرى لا يمكن إدراجها في مضمار الكتب الباحثة عن الحقيقة كما هي. أما حقيقة هذه القضية فتقوم في الصلة المتعلقة بتطوره الفكري ومضمون ووظيفة مواقفه من الفلسفة والكلام وتمارين الجدل. فقد أدى كل ذلك في حياته الفكرية والروحية الى إدراك خطورة الوعي المذهبي والطابع المدمر للخلاف والاختلافات بالنسبة للروح الأخلاقي. وبالتالي فان لها مسارها وأثرها الخاص على بلورة معارضة التقليد. إذ شقّت هذه المعارضة لنفسها الطريق في جمعية هذه الجوانب. وبالتالي، فإن التناقض الممكن تصوره عن الفكر الكلامي عند الغزالي في بداية امره من جهة، ومعارضة التقليد من جهة أخرى، يمكن  تذليله في حالة إدراكنا حقيقة موقفه من التقليد ومعارضة التقليد السائد عند الخواص والعوام على السواء.

فعندما يتناول الغزالي قضية رفض التقليد، فإنه ينظر إليها من زاوية الكشف عن حقيقة المعرفة، أي البحث عن الحقائق الموضوعية كما هي، على عكس ما يظهر في ميدان الصراع الفكري الاجتماعي السياسي والعقائدي. وأن هذا التناقص بدوره ليس تناقض الفكر، بقدر ما هو النتاج الطبيعي للماضي، الذي لم يقض عليه تطور الممارسة الاجتماعية السياسية والفكرية. بمعنى انه الافراز الملازم لما يمكن دعوته بعدم التطابق الدائم بين الأيديولوجية والحقيقة، بين السياسة والمعرفة الأخلاقية، بين الجزء والكلّ. والغزالي لم يضع أي منهما بالضد من الآخر، بقدر ما أنه أشار إلى مستوى تاريخي ملموس للوعي القائم آنذاك ومقدماته التي تبلور هو نفسه فيها. بمعنى أن رفض التقليد لا يعني التطابق مع الحقيقة، تماماً كما لا تتطابق الحقيقة بالضرورة مع رفض التقليد. فهو لم يسع من وراء اطروحاته إلا إلى أن يصنع الوحدة الممكنة بين الحقيقة ومعارضة التقليد. ولهذا السبب يمكن أن نفهم لماذا وضع مصنفاً كبيراً (كتهافت الفلاسفة) في إطار كتاباته التي لا تبحث عن الحقيقة كما هي، بل للدفاع عن عقيدة العوام، رغم إدراكه للجديد الذي أدخله في علم الكلام والفكر الفلسفي. وهي الفكرة التي بلورها للمرة الأولى  في (الاقتصاد في الاعتقاد)، باعتباره احد مؤلفاته الكلامية المهمة عندما أكد فيه على أن تقليدية أهل الكلام تقوم في كون اعتقاداتهم وتصوراتهم مبنية على النظرات المسبّقة. فالمعتزلي يرفض الآراء الأشعرية بغض النظر عما هو صحيح فيها والعكس هو الصحيح. وهي الظاهرة المميزة لأكثر هؤلاء "الذين رآهم من المتوسمين باسم العلم. فإنهم لم يفارقوا العوام في أصل التقليد، بل أضافوا إلى تقليد المذهب تقليد الدليل. فهم لا يطلبون الحق، بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقاً بالسماع والتقليد"[8]. ووجد في هذه التقليدية الصارمة المخيمة على عقول المتكلمين مقدمة وسر ّمأزق علم الكلام. فعلماء الكلام لم يكن بإمكانهم الخروج من هذا المأزق كما سيردد في (المنقذ من الضلال)، بفعل بقائهم في إطار التقليد. إلا أنه كما سبق وأشرت، لم يقف في انتقاده للتقليدية في الفقه وعلم الكلام، بل وأشار إلى إمكانية التقليد في الفلسفة. (يتبع.....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

............................

[1] الغزالي: فضائل الإنام من رسائل الإمام، ص75.

[2][2]  الغزالي: المنقذ من الضلال، ص79.

[3] المصدر السابق، ص79-80.

[4] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج4، ص102.

[5] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص89-90.

[6] المصدر السابق، ص81.

[7]  الغزالي: جواهر القرآن ودرره، بيروت، دار الافاق الجديدة، 1983، ط5، ص21.

[8] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، مصر، المطبعة الادبية، ط1، ص77.

 

ميثم الجنابي"خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به

في طالع الشمس ما يغنيك عن زحل" 

تميزت المرحلة التي عاش فيها الغزالي باشتداد الصراع بين الفرق والمذاهب. ولم تكن هذه الظاهرة غريبة بالنسبة لواقع وتاريخ الخلافة منذ نشوئها حتى سقوط الدولة العباسية. إلا ان الفارق بين صراعات الخوارج والشيعة والجهمية والكرامية والمعتزلية والاشعرية وغيرها من الفرق والمذاهب في القرون الثلاثة الأولى والمتأخرة تقوم في كون صراعاتها الأولية كانت تجري ضمن مسار وصيرورة المدارس والفرق الفكرية والسياسية، أي ان الغالب عليها صراع الافكار. اما اندماجها اللاحق في صرح السلطة السياسية والحقوقية فقد ادى الى صنع نموذج جديد تداخل فيه الانتماء المذهبي والفكري بحيث ساهم في تأسيس نوع من التشابك المعقد في انعكاساته العملية. وقد أرّخ وصور كل من ابن الجوزي وسبط ابن الجوزي على امثلة ونماذج عديدة بهذا الصدد. اذ يورد لنا ابن الجوزي على سبيل المثال اضطرار محمد بن احمد بن الوليد المعتزلي (ت- 478 للهجرة) الذي درّس الاعتزال والفلسفة والمنطق ان يلازم بيته خمسين عاما لم يتجاسر خلالها على الظهور علنا[1]. كما ينقل لنا الكثير من الحوادث والأمثلة بهذا الصدد. في حين ينقل سبط ابن الجوزي عن الكياهراسي (ت- 504 للهجرة) زميل الغزالي في الدراسة وأستاذ المدرسة النظامية ببغداد، كيف اثارت محاضراته عن الأشعرية ودفاعه عنها ألى رميه بالحجارة واتهامه بالباطنية ومحاولة قتله لهذا السبب[2]. كما ينقل لنا ابن الجوزي صورا عديدة عن حوادث وصراع الحنابلة والأشاعرة على مثال تدريس عتيق البكري(ت- 467 للهجرة) بطلب من نظام الملك في نظامية بغداد، وكيفية مهاجمة الحنابلة له ورميه بالحجارة عندما قال مرة "ما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا، وما كفر احمد بن حنبل وإنما اصحابه"[3]. كما ينقل ابن الجوزي بعض الحوادث التي تشير إلى طلب بعض الشافعية النجدة من المستنصر بالله الفاطمي، إمام الإسماعيلية في مصر آنذاك، ضد طغيان الحنابلة[4]. وعموما هي الحالة التي وجدت احد انعكاساتها الفلسفية والنقدية العميقة في بعض اشعار الحكيم بن الشبل البغدادي(ت-474 للهجرة) كما صوّرها في إحدى قصائده:

بربـــك أيها الفــــــلك المدار   أقصــد ذا المسير أم اضطرار؟

وعندك ترفع الأرواح، أم هل   مـــع الاجساد يدركها البوار؟

فإن يك آدم أشـــــقى بنيه    بـــــــــذنب ما له منه اعتذار

فيا لك من أكلة مازال منها    علــــــــــــينا نقمة وعليه عار

نعاقب في الظهور وما ولدنا    ويـــــذبح في حشـا الأم الحوار

وننتــظر الرزايــا والبــلايا    وبعـــد فالبوعيد لــــــنا انتظار

فإذا الامتنــــان على وجود   لغـــــــير الموجودين به الخيار؟

وكانت انعما لــــو أن كونا    نخّير قبــــــــــله أو نستشار[5]

تكشف هذه الصورة عن الوسط المتصدع في صراعاته المذهبية والفرقية والعقائدية والفكرية الذي ابدع فيه الغزالي. وبالتالي لم يكن بإمكانه ألا يتأثر بها أو أن لا يستند عليها ويأخذها بنظر الاعتبار في ما كتبه آنذاك. غير أن مأثرته تقوم في سعيه ومحاولاته لانتزاع الفكر من ميدان المذاهب المتحاربة عبر نقله إلى مجال البحث عن الحقيقة في موقفه من الوجود والإنسان. وبهذا المعنى كان المسار الموضوعي لفكره يصب في اتجاه كسر وتهشيم العقائدية الضيقة، ووهم العصمة المذهبية، وتقليدية القناعة العقائدية، وبالتالي فسحه المجال أمام توسيع مدى الروح الحر.

فقد حارب الغزالي المذهبية أياً كان نوعها. وإذا كان بالإمكان الحديث عن مذهبية فهي مذهب البحث عن الحقيقة والاستقلال الفكري. فعندما حلل مفهوم المذهب وصراعات المذاهب، التي شبهها "بتناحر القبائل"[6]، فإنه انطلق من تحليل فكرة المذهب نفسها، ليتوصل في نهاية المطاف إلى أنه لا اتفاق حول حقيقة المذهب. بمعنى تعدد التصورات والأحكام عن المذهب بعدد المذاهب. مما حدد بدوره الانتقاد الخفي والمتجانس في آرائه للمذاهب التقليدية ككل. فالناس تختلف، كما يقول الغزالي، في مفهوم المذهب إلى اتجاهين عامين. ويشمل الاتجاه الأول ثلاث مراتب. المرتبة الأولى، وهي التي يتطابق فيها مفهوم المذهب مع التعصب الفكري والانتماء العقائدي، أو ما يدعوه بمذهب الآباء والأجداد ومذهب العلم وأهل البلد الذي يقطنه المرء. وهذا المذهب يختلف باختلاف الأقطار والبلدان والمعلمين. لهذا نرى أن من ينشأ في منطقة المعتزلة أو الأشعرية أو غيرها فإنه ينغرس في نفسه منذ الصبا التعصب لهذا المذهب. بصيغة أخرى، لا يعني هذا المذهب من حيث حقيقة محتواه إلا التعصب، أما من حيث توجهه أو وظيفته الاجتماعية السياسية والفكرية فهو مجرد وسيلة إخضاع العوام للسلطة. فهو يشير إلى أن "مبدأ هذا التعصب حرص جماعة على طلب الرياسة بإستتباع العوام. ولا ينبعث دواعي العوام إلا بجامع يحمل على التظاهر"[7]. وقد أدرك بحذاقته المعهودة الوظيفة الاجتماعية السياسية لاحتكار وعي العوام في إطار المذاهب (الايديولوجيات). فقد شدد على أن الحافز الأكبر والأكثر فاعلية في تصارع المذاهب واشتداد تعصبها يعود في الأغلب إلى الفئات السائدة ومحبي السلطة. حيث أدى بالبعض كما يقول الغزالي إلى تأجيج الخلافات استناداً حتى إلى صنع الرموز الجديدة من أجل شق المذهب نفسه في حال الضرورة، كما هو واضح في وضع الأمور التي تستدرج بها العوام كالعلم الأسود عند البعض والأحمر عند الآخر، الذي أدى في حالات عديدة إلى إثارة الخلافات المذهبية. وفي حالة نجاح ذلك فإنه يكون قد انتظم كما يقول الغزالي "مقصود الرؤساء في استتباع العوام بذلك القدر من المخالفة، وظن العوام إن ذلك مهم، وعرف الرؤساء الواضعون غرضهم من الوضع"[8].

أما المرتبة الثانية للمذهب من الاتجاه الأول فهي الصيغة المرتبطة بالإرشادات والتعليمات التي يلقيها صاحب المذهب لهذا الشخص أو ذاك. وبالتالي فإن مضمون هذا المذهب يتغير ويختلف بالارتباط مع شخصية ومستوى إدراك الشخص الراغب في الارشاد والتعلم، أي أنه هو الآخر ذو صلة بالايديولوجيا. أما المرتبة الثالثة من الاتجاه الأول فهو ما يعتقده الإنسان في نفسه، مما انكشف له من النظـريات، أو ما يعتقده الرجل "سراً بينه وبين الله" لا يطلع عليه غير الله ولا يذكره إلا مع من هو شريكه في الاطلاع على ما اطلع أو بلغ رتبة يقبل الاطلاع عليه ويفهمه.

أما الاتجاه الثاني، وهم الأغلبية، فأولئك الذين يقولون بأن المذهب واحد وهو المعتقد، أي الذي تنطبق عليه الصفتين الأولى والثانية، بمعنى ما نطق به الجميع تعليماً وإرشاداً، وهو الذي عادة ما يتعصب له المنتمي، كمذهب الاشعري والمعتزلي والكرامي وغيرهم[9]. مما سبق يتضح، بان الغزالي أراد الكشف عن الهوية الايديولوجية للمذهب (التقليدي) وطابعه المحدود، كما نراه في مواقفه اللاحقة من علم الكلام. إلا أنه يهمل في جدله صيغة المذهب في مرتبته الثالثة، أي ما يعتقده المرء مع نفسه. فقد رفع هذه الفردية إلى مستوى عال دون أن يطابقه مع الحقيقة. بمعنى أنه جعله الأسلوب الأكثر ضرورة لإدراك حقيقة المذهب التقليدي ومحاولة نفيه.

فهو يؤكد على أن الخلافات القائمة بين الاتجاهين العامين لم تعق التقائهما في الاقرار بأن المذهب واحد، وكذلك اشتراكهما في التعصب له. من هنا سؤاله الايجابي القائل "ما هي يا ترى منفعة طلب هذا المذهب أو ذاك مازال كل واحد يخالف الآخر، وليس مع أي منهم معجزة يترجح بها جانبه؟". من هنا مطالبته المرء "مجانبة الالتفات إلى المذاهب، وطلب الحق بطريق النظر لتكون صاحب مذهب"[10]. لقد دعا الغزالي إلى تعددية المذاهب في سعيها نحو الحقيقة، أو بصورة أدق إلى مذهب الحقيقة المستقل. وليس مصادفة ان يشدد على الشك باعتباره الأسلوب الضروري لبلوغ الحقيقة.

من كل ذلك يبدو واضحاً بأن الغزالي سعى لإظهار العقد الداخلي أو  القناعة الذاتية (الشخصية) إلى حيز التنظير المستقل والمستند إلى العمل من أجل طلب الحق. ولا يمكن إغفال ما في هذه الفكرة من قيمة معرفية أخلاقية رفيعة تضع على عاتقها مهمة الدفاع عن وحدة المعتقد والممارسة، والظاهر والباطن، والغاية والوسيلة ليس في مجال العمل فحسب، بل وفي مجال العلم، أي في التفكير ذاته. ذلك يعني فسحه المجال أمام حرية الفكر والتمعّن النظري كما بلوره في المبدأ العام الداعي إلى رفض الالتفات إلى المذاهب وطلب الحق بطريقة النظر (المستقل)، أو ما دعاه بضرورة أن يكون كل إنسان صاحب مذهب. فهو يبدو ههنا كممثل لأكثر النماذج تعبيرا عن حرية الفكر والتفكير، الذي ينظر إلى التقليد باعتباره مجافاة للحقيقة. فالحقيقة بنظر الغزالي، لا تمتلك معنى دون معاناة البحث الفردي المستقل.

من هنا رفضه للتقليد اياً كان، بحيث نراه يشدد في (الإحياء) على أنه "ليس من شرط المريد الانتماء إلى مذهب معين أصلاً"[11]. إذ ليس هناك من يستطيع أن يكون قائداً للناس في معرفة الحقيقة دون أنفسهم. فكل ما يحيط بالإنسان من وجود يمكنه أن يكون مؤشراً أو حافزاً لدعوته إلى إدراك الذات ومعنى الوجود. من هنا استنتاجه القائل بأنه "لا خلاص إلا بالإستقلال"[12]. تلك الفكرة التي عادة ما كان يرددها على شعر المتنبي القائل:

خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به     في طـالع الشمس ما يغنيك عن زحل

وهي ذات المفاهيم التي سيطور جملة من عناصرها في(الإحياء) وبالأخص موقفه من العلم كفرض عين. اذ يبلور هنا موقفه المؤسس لما يمكن دعوته بالأسلوب المتساهل الذي يفسح المجال أمام وحدة المعرفة الحية في نفيها للتقليد المذهبي، أي المستمرة في تراكمها وتدرجها بالشكل الذي يجعلها مقبولة ومعقولة بمعايير الثقافة. ومن ثم تغلغلها في الوعي دون اثارة حفيظته في الوقت نفسه. ذلك يعني سعيه النظري والمعرفي والمنهجي القادر على الحفاظ على الكلّ الاجتماعي الموحّد من جهة، وتوسيع مدى ارتباطه بالمطلق (الله) بوصفه مضمون العالم الوجودي والروحي للإنسان، من جهة أخرى[13].

وقدّم أمثلة كثيرة عن ضرورة التساهل التدريجي باعتباره مقدمة القناعة الدائمة. لهذا لم يضع، خلافاً لبعض الاتجاهات الفقهية، حدا مطلقاً أولياً ينبغي للمسلم أن يلمّ به مرة واحدة وإلى الأبد. ففي مجال التروك كما يقول الغزالي، لا يجب على الأبكم تعلم ما يحرّم من الكلام، ولا على الأعمى تعلم ما يحرّم من النظر. بعبارة أخرى، انه يجب تعلم ذلك بحسب ما يتجدد من الحال. وحاول أن يطبق ذلك على قضايا الفكر القائمة آنذاك، بما في ذلك الاعتقادات، من أجل تفتيت حدّة المذهبية الضيقة.

ولعل في موقفه المعارض للإجماع كدليل للحقيقة نموذجا لهذا الموقف والأسلوب. فالإجماع لا يمثّل الحقيقة ولا يتطابق بالضرورة معها. والغزالي يسير هنا، على الأقل في بداية الأمر، بالطريق الذي عبّدته المعتزلة خصوصاً النظّام (ت-226 للهجرة) والمستند إلى الأفكار والمواقف المؤيدة لحرية النظر والشك العلمي. فالغزالي من جهة، لا يرى في الإجماع حجة[14]، ومن جهة أخرى يشك بطابعه اليقيني[15]. وسوف نرى في وقت لاحق، إن معارضة الحجة بمفهوم اليقين تستند من حيث الجوهر إلى تثوير العقل من خلال مفهوم الالهام والوحي الصوفيين وطريقة التأويل والتعامل مع ما تدعوه الصوفية باستدراج أرواح المعاني وقيمه الملازمة من خلال مفهوم الآن الدائم. ففي هذه المنظومة المعرفية الأخلاقية لا يمكن للإجماع أن يمتلك قوة اليقين، وبالتالي ليست حرية الفكر سوى حرية التعامل مع موضوعه.

إن استقلال الغزالي الفكري لم يظهر في إطار تطور سعيه الخاص نحو بلوغ اليقين كما اورده في (المنقذ من الضلال). فالأخير لم يكن بإمكانه جمع حروفه دون عناصر التجربة الباحثة عن الحقيقة التي وضعته أمام "الحق الالهي" لرؤية موقع الإنسان والتعامل معه. ولم يكن هذا التعامل الحذر مع الأحكام الجامدة سوى نتاج شخصية الغزالي، وتقاليد الفقه العقلانية التي سارت في الاطار العام بين نفس الاتجاهين العامين السني المتشدد والعقلاني الإسلامي. وقد ظل أميناً للعقلانية الإسلامية وأسلوبها الداعي للاجتهاد الدائم. فالأعمال الفقهية للغزالي، وبالأخص تلك التي جعل المنطق أداتها الجوهرية كما نراه للمرة الأولى في كتاب (معيار للعلم) تبرز بوضوح سعيه النظري والمنهجي لعقلنة الفقه، بما في ذلك تذليل المعنى اللاعقلاني للعبادات من خلال احتوائها العقلاني باعتباره أسلوب الاجتهاد الدائم وحافزه الملازم في رؤية حقائقها (العبادات)، أي أنه يفسح المجال أمام فكرة الاحتمال الظنية وبالتالي إمكانية "التفاوت غير المحدود ولا المحصور، المختلف بالوقائع والأحكام، الأمر الذي ينبغي أن يكون موكولاً إلى المجتهد"[16]. إن هذا الاستنتاج هو حصيلة الفكرة الجوهرية في آرائه والقائلة بأن" الفقهيات كلها نظر من المجتهدين في إصلاح الخلق"[17]، أي تلك العملية النظرية المرتبطة بتطور الواقع الدائم، والذي لا يمكن حدّ حدوده بصورة مطلقة. وبهذا المعنى يصبح التقليد لا معنى له. من هنا الضرورة الدائمة للاجتهاد والاستقلالية في الحكم.

لقد وضع الغزالي أمامه مهمة إنجاز المساومة التاريخية الكبرى، التي توّج نتائجها في تآلفه الفكري. وقد كانت هذه الممارسة في تاريخيتها الصيغة الأكثر شمولا لتجاوز الخلافات المذهبية الضيقة. الأمر الذي جعل منه أحد ممثلي الفكر الحر العظام، والذي لم تعن له حرية الفكر سوى حرية بلوغ الحقيقة وتطوير الذات الأخلاقي. مما جعله شاكراً حتى لأعدائه لأنهم مرآة رؤية مساوئه. فعندما تكلم عن طرق التربية الذاتية (مراقبة النفس) فإنه يصوغ إلى جانب طرق عديدة أخرى فكرة ضرورة الاستفادة في معرفة "عيوب النفس من أَلْسِنة الأعداء، فإن عين السخط تبدي المساويا. فعدو مشاحن أفضل من صديق مداهن. رغم أن الطبع مجبول على تكذيب العدو… لكن البصير لا يخلو من الانتفاع بقول أعدائه فإن مساويه لابد وأن تنتشر على ألسنتهم"[18]، أي أن كل ما هو ثانوي بمعايير حقيقة الوجود والقيمة المطلقة للعالم الإنساني يصبح عابراً، دون أن يفقده ذلك باعث الملاحظة، أي تفتيت عناصر اللامبالاة في وعي الإنسان وممارسته تجاه كل ما هو موجود. وفي هذا الأسلوب يمكن ليس اكتشاف حقائق الأشياء فحسب، بل وإبداع الحقيقة أيضا. وهو مضمون السعادة. فحقيقة السعادة في إدراكها الشامل وفي تأمل نورها وبهائها الذي لا يطفئه شيء بما في ذلك الموت. بحيث يتحول الموت نفسه الى استيقاظ خاص لرؤيتها المتجددة.

ولم تكن حرية الفكر بالنسبة للغزالي معزولة عن رؤيته وإدراكه لمأزق الأحكام المذهبية ومحدودية المعرفة التاريخية كما ظهرت وتجسدت في التاريخ الإسلامي في علوم الكلام والفلسفة. إضافة إلى البواعث الاجتماعية النفسية والأخلاقية. فعندما يقارن فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبارها قضية اجتماعية سياسية وأخلاقية بالقضايا الميتافيزيقية واللاهوتية، فإنه يطرحهما على أسس ومستويات متباينة. إلا أنه يكشف في كل منها عن مستوى لحرية التعبير والبحث عن الحقيقة. فقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مستواها الفقهي والكلامي تبرز ضمن إطار فكرة "كل مجتهد مصيب" وذلك لأن معيار الحقيقة هنا هو الظن لا اليقين. أما في القضايا الكلامية الفلسفية فإنها ذات مستوى آخر. فأفكار المعتزلي حول القضايا المتعلقة بعدم إمكانية رؤية الله، وأن الخير من الله والشر من الناس، وإن كلام الله مخلوق، وآراء الحشوى من أن الله جسم وله مستوى ومستقر على العرش، وآراء الفلاسفة عن عدم بعث الأجساد وإنما تبعث النفوس… الخ، ليست اجتهادات فكرية بالمعنى الأول (الفقهي) إذ لا تعدد في الحقائق. بمعنى ان الحقيقة واحدة. ولا يمكن بالتالي لمفهوم الظن أن يؤدي نفس الوظيفة الاجتهادية الاجتماعية السياسية والحقوقية، كما هو الحال في الفقه.

إن الغزالي يرفض تعدد الحقائق. ولا يعني ذلك أو يتطابق مع رفض تباين الأفكار والحلول. فرفض تعدد الحقائق لا يعني اضطهاد الرأي والحقيقة بقدر ما يعكس في شكله الظاهري موقف الغزالي من واحدية الحقيقة. وينطبق هذا أيضا حتى على تلك الصيغ القائلة بضرورة الوقوف ضد البدع بحسم أبوابها وإن اعتقدوا إنها الحق كما هو الحال في التعامل مع اليهود والنصارى بردّ "كذبهم عليهم"، وإن اعتقدوا أنه الحق. إذ ليست هذه الحدية في آرائه جوابا نهائيا إلاّ في مجال الفكر المجرد (الكلامي العقائدي) لا في مجال الموقف من حرية الفكر. وبالتالي، فإن صيغتها النهائية الجازمة ليست في الواقع سوى احد مظاهر الوظيفة الأيديولوجية السياسية، التي لعبت تقاليد التقييم الإسلامية دوراً هائلاً في غرسها في منظومة الغزالي الفكرية، بمعنى السيطرة الموحدة للعقيدة الواحدة، التي أدت منذ البداية صيغة الخلاصة المكثفة والمباشرة للحقيقة المطلقة.

إلا أن التطور الثقافي كان يفرض بالضرورة تقبّل العناصر الجديدة المنبثقة من وعي الوجود التاريخي لتفاعل الحضارات والقيم والأفكار، أي أن الحدّية الصارمة لم تتطابق مع الدعوة المباشرة للتكفير، ولم تعن أيضاً التأييد غير المشروط لإعدام الفكر المناهض. إذ من الصعب العثور على صيغ كهذه حتى في أشد الأشكال "السلفية" وأقرانها، باستثناء مستواها الغوغائي عند العوام والحنابلة. فاتهامات التكفير تتطابق من حيث الجوهر مع اتهام التخطئة المنطقية في الفكر أو "الانحراف" عن المبادئ المهيمنة، أي مع ما حصل في عالم الإسلام على تسمية "البدعة". غير أنه ليس كل بدعة حرام. في حين شكّل معيار الموقف منها مؤشراً لغلو الفكر وطابعه السلفي المتشدد.

فالجديد يلاقي على الدوام مهمة تحمّل "العقوبة" من أجل أن يحيا بسلام، ولكي يعاقب بدوره ما سيبدو له لاحقاً تجاوزاً وتجنياً على إبداعه (جدارته)! وبهذا المعنى لا ينبغي فهم الموقف المعارض للبدعة على أنه موقف معارض لكل جديد. إذ ليس هذا التعارض سوى شكل من أشكال الدفاع عن القناعة الذاتية التقليدية.

والغزالي في صراعه ضد بعض "البدع" لم يتخط حدود العقلانية. على العكس! انه فسح المجال أمام الاعتراف بها، بدفعها لاحقاً إلى درجتها القصوى في مجرى محاولته تذليل قوة الاتهام الداخلية للنفس التقليدية. فقد خاطب المرء قائلاً، بأنه في حال النظر في كلام أحد الناس ممن اشتهر بعلم، فلا تنظره "بازدراء كمن يستغني عنه في الظاهر وله إليه كثير حاجة في الباطن. ولا تقف به من حيث وقف به كلامه. فالمعاني أوسع من العبارات، والصدور أفسح من الكتب المؤلفات. وكثير علم ما لم يعبّر عنه"[19]. ومع ذلك لا تعبر هذه الصيغة في آرائه إلا عن طبيعة الموقف العام، الذي ينبغي أن تذلل فيه مسبقاً "شرعية" الاتهام و"قيمة" القناعة المعارضة. لقد سعى إلى إبراز ما دعاه بالنظر القلبي، الذي لم يعن في الحالة المعنية سوى "أخذ الكلام إلى غاية ما يحتمل" فيه من مضمون ايجابي. غير أن هذا الاستنتاج ليس إلا المقدمة الفكرية الاخلاقية للبحث عن صيغة التسامح باعتباره أسلوب تعميق وعي الذات الأخلاقي والمعرفي. فقد حذّر طلاب المعرفة من أن يكونوا "كالذبابة لا تنزل إلا على أقذر ما تجده".

وشكل هذا الموقف العام المقدمة الضرورية للموقف الأكثر تشدداً في سعيه إلى الحقيقة المتجددة، التي عبر عنها بكلمات "ألا يقطع المرء لأي عالم أو إمام بصحة ولا يحكم عليه بفساد"[20]. إذ لكل عالم، كما يقول الغزالي "عورة وله في بعض ما يأتي به احتجاج"[21]. من هنا نستطيع القول، بأن الغزالي أراد رفع شعار "لا عصمة لمن يفكر ولا حرمة لمن يدعي الحقيقة". لقد وضع في كلّ واحد مهمة رفض التقليد المسبق واللاحق. ورفض الرفض المسبّق واللاحق باعتبارهما أسلوب تعايش نفي التقليد ودعم حرية الفكر.

إن هذه الحصيلة هي نتاج إدراكه لمحدودية المعرفة وتناقضات الفكر، أو بصورة أدق نتاج وعيه استحالة حسم المشكلات العقائدية (الفلسفية) الكبرى، بسبب كونها قناعات فردية وعندية أيضاً، أي أنه أدرك صعوبة رد القناعات أو تحريمها، لاسيما وأن القضايا وحلولها في هذا الميدان، هي تضادات خلف غير قابلة للحسم المطلق ضمن أطر الأشكال الفكرية السائدة آنذاك باستثناء عالم الصوفية الروحي.

فهو يؤكد على أنه مهما اعترض المرء على فكرة القدري من أن الشر ليس من عند الله، فهو سيعترض بدوره على فكرة أن الشر  من الله. وينطبق هذا على القضايا الأخرى للميتافيزيقيا الإلهية. وهذا ما يفسر سعيه اللاحق للبرهنة الأخلاقية على وجود الله. فقد أدرك الغزالي وتحسس المضمون الاجتماعي (والوظيفة السياسية) لتضادات الخلف الفكرية. فهو يؤكد على أن المبتدع محق عند نفسه، والمحق مبتدع عند المبدّع. وكل يدعي أنه محق وينكر كونه مبتدعاً.  بصيغة أخرى، إن الغزالي يدرك نسبية التبديع وأرضيته الهشة، مما أعطى له إمكانية الاقرار النسبي بالبدعة وتبديع الجزمية المطلقة، المبنية على أساس القناعة العقائدية الشخصية. وقد أسبغ هذا على آرائه ملامح الوظيفية الداعية للوحدة الاجتماعية، أي أنه يرّكز على الجانب الاجتماعي السياسي "للبدعة" من خلال الدعوة للموقف الملموس من مستوى فعاليتها وتأثيرها الفكري والسياسي والأخلاقي الآني والآتي. فهو يقف إلى جانب محاربتها في حالة كونها ضيقة التأثير وغريبة "الطبع" في الوسط الاجتماعي المعين. أما في حال تأثيرها المتكافئ سلباً وإيجاباً وفي حالة اثارتها "فتنة القتال" فمن الضروري بنظره الكف عنها وتوليتها للسلطان لحسمها[22]. إن هذا التناقض القائم في هذه العبارة (الفكرة) ما هو إلا انعكاس لتناقض المرحلة وتقاليدها الفكرية، أي أنها تحمل في أعماقها العناصر الجوهرية المميزة لمراحل التطور الاجتماعي الحقوقي والسياسي للحضارة.

إن قيمة آرائه تتجلى هنا أيضاً في إظهارها شرعية "الإبداع" الذي لا يفترض في الوقت نفسه سلوك الانتهاك الفوضوي لحرية الرأي. إنه الأسلوب غير المباشر في التعامل مع "البدع" بإرجاعها إلى الميدان الاجتماعي الحقوقي وأحكامه الجزئية الظنية، على عكس ما هو مميز للحقائق المتسامية.

فالغزالي ظل يربط على الدوام بين المتسامي والواقعي،و الملموس والمجرد، والاجتماعي والسياسي، والمطلق والأخلاقي في السعي نحو إدراك الحقيقة، أي تلك التعقيدات المميزة لمهمة إنجاز التآلف الفكري الشامل، أو السعي لإدراك وإنجاز الوحدة في عالم التجزئة، أو البحث عن مساومة تاريخية فكرية كبرى تستند إلى أسسها الخاصة وتمتلك تجانسها المتميز. لقد أراد الغزالي القول بأنه مع الجميع وبالضد منهم، تماماً كما سبق وأن صوّره السبكي بعبارة شاعرية لاهوتية في رده على اتهامات ابن الصلاح (ت-634 للهجرة) ويوسف الدمشقي قائلاً: "إن حال الغزالي حال فارس دخل في مجموع المسلمين قاتل وخرج سالماً وغسل الدم عنه، ودخل معهم في صلاتهم، فتوهموا أثر الدم عليه فأنكروا عليه"[23]،  أي كل ما رأيناه وسنراه في مواقفه من الاتجاهات الفكرية الرئيسية لعصره من فقهاء ومتكلمين وفلاسفة وباطنية وصوفية.

لقد حاول أن يجعل من "أنا"ته والبحث عن الحقيقة شيئا واحد. فذهنيته لم تكف عن حوافزها النقدية حتى في تلك المراحل التي أخذ يعي نفسه بها باعتباره "قطب" الوجود الروحي، أي عندما أصبح الكل بالنسبة له واحداً والتباين سواء. إلا أن الانتقاد والبحث عن الحقيقة لم يعد في هذه الحالة سوى الكشف الدائم عن الأخلاق المطلقة، التي ستلفّ في ردائها كل بديله النظري والعملي. وسوف يدفع بهذه الفكرة لاحقاً إلى أقصى درجاتها في محاولته التذليل الكلي للاتهام الداخلي للتباين كما هو جلي في الصيغة التي رد بها في (الإملاء) على الدعاوى التي اتهمته بالزيغ والضلال. وبالأخص عندما تكلم عن عدم خفقان أعلام المعرفة عند منتقديه وعدم ستر عوراتهم بلباس الخشية. تلك المعرفة العملية والأخلاقية التي قطع أشواطها في بلوغ "أحوال النقباء ومراتب النجباء وخصوصية البدلاء وكرامة الأوتاد وفوائد الأقطاب"[24]،  أو ما صاغه في (الإملاء) بنصيحته القائلة: "أيها الطالب للعلوم والناظر في التصانيف والمستشرف على كلام الناس وكتب الحكمة! ليكن نظرك فيما تنظر فيه بالله ولله وفي الله، لأنه إن لم يكن نظرك به وكّلك إلى نفسك أو إلى من جعلت نظرك به أياً كان غيره من فهم أو علم أو إمام أو صحة ميّز أو ما شاكل ذلك. وكذلك إن لم يكن نظرك له فقد صار علمك لغيره ونكصت على عقبيك وخسرت في الدارين صفقتك وعاد كل هول عليك"[25].

لقد رفع الحقيقة إلى مصاف المطلق. وبهذا لم تعد المذاهب والشخصيات باختلافها سوى مظاهر وشخصيات وتجليات للبحث عنها، أي أنها لا تمتلك بحد ذاتها معيار الحقيقة وحاكميتها النهائية. وطبّق هذا الموقف اولا وقبل كل شيء على نفسه. أما إلى أية درجة أفلح فتلك قضية أخرى لها مساس بتطور المعرفة ونسبيتها. لكنه استطاع في مجرى تطوره الفكري الروحي تأسيس التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي، الذي ساهم في استثارة الانقلاب الكبير في الوعي النظري والعملي لعصره.

****

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] ابن الجوزي: المنتظم،ج9، ص20

[2] سبط ابن الجوزي:مرآة الزمان، ج8، ص38.

[3] ابن الجوزي: المنتظم، ج3، ص403

[4] ابن الجوزي: المنتظم، ج8، ص305

[5] ياقوت الحموي: معجم الأدباء. إرشاد الأريب الى معرفة الأديب ج4، ص38-40.

[6] الغزالي: ميزان العمل، ص150.

[7]  المصدر السابق.

[8] المصدر السابق.

[9] المصدر السابق، ص152.

[10] المصدر السابق.

[11] الغزالي: الإحياء، ج3، ص75.

[12]  الغزالي: ميزان العمل، ص152.

[13] الغزالي: الاحياء، ج1، ص15.

[14] الغزالي: فيصل التفرقة، ص88.

[15] المصدر السابق، ص93.

[16] الغزالي: معيار العلم، ص126.

[17] المصدر السابق، ص129.

[18] الغزالي: الإحياء، ج3، ص65.

[19] الغزالي: الإملاء، ص18. وهنا تجر الاشارة الى ان الغزالي كتب (الإملاء على إشكالات الإحياء) أو (الاجوبة المسكتة) ردا على الاتهامات التي جرى توجيهها اليه والاستهانة بعمله (الإحياء) والاستهزاء به في الاوساط الفقهية. وبالتالي هو شرح لما اشكل في بعض جوانبه من كتاب (الإحياء) بالنسبة للقارئ. وليس مصادفة ان يكتب في بداية (الإملاء) ما اسماه بالنصيحة. فقد تجاهل الغزالي وأهمل، كما هو جلي في اغلب كتبه، اسلوب ونمط الوعظ والنصائح. لكنه اضطر اليها هنا فيما يبدو للمرة الاولى بعد (الإحياء). من هنا دعوته للوقوف ضد الاستهزاء والازدراء والاستعلاء والازدواجية في المواقف من كتب الآخرين و"بدعهم"، أي بالضد ممن هاجم (الإحياء). اذ نعثر في (الإملاء) على اشارت تكشف عن كمية ونوعية الاستهزاء الكبير بين الفقهاء من كتابه، رغم حاجتهم الفعلية إليه. لقد أراد القول بأنهم وقفوا بكلامه عند حدود حروفه دون معانيه. دعك عما هو اعمق من ذلك، أي ما يحتوي عليه من روح كاتبه. ان هذه السيرة الشخصية المقلوبة في الفكر المجرد تظهر لنا جانب واحد من جوانب آراءه ومواقفه المستقلة، أي تنظير التجربة الفردية والشخصية ووعيها الذاتي، ومنطق تألفه النظري الذي هو نتاج للبحث عن حقاق المعاني.

[20] الغزالي: الإملاء، ص18.

[21] المصدر السابق.

[22] الغزالي: الإحياء، ج2، ص327.

[23] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج4، ص129.

[24] الغزالي: الإملاء، ص13.

[25] المصدر السابق، ص18.

 

ميثم الجنابي"خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به

في طالع الشمس ما يغنيك عن زحل" 

إن تقييم التجربة الذاتية للغزالي في (المنقذ من الضلال) أقرب ما تكون إلى تعميم تجربة استقلال الفكر في بحثه الدائم عن الحقيقة. وقد أشار الغزالي بوضوح إلى أنه سار بين جميع الفرق مترفعاً عن التقليد. غير أن آراءه هذه لا تعني رفضه أو نفيه التام لتراث الأسلاف، رغم تضمنه الجزئي لهذا الموقف. فقد كان الغزالي يعي ضرورة الوحدة المرنة بين الحقيقة والتاريخ. وحتى حالما ستتراءى له في يوم ما، بعد مرضه وأزمته النفسية والأخلاقية والفكرية، بصورة "القذف النوراني الإلهي"، فإن الأخير لا يمكن فهم حقيقته إلا ضمن إطار واقعية التقاليد الاجتماعية والنفسية والصوفية وأزمة الوعي العقلاني، التي خاض غمارها بقوة  بحيث أدت به في إحدى درجاتها إلى هاوية الشك تجاه حقائق المعرفة كما هي. وبالتالي لا يمكن توقع هذه الأزمة خارج إطار مساعيه الفكرية العقلانية، التي أخضع كل ما في الوجود إلى مبضع العقل الباحث في كل يقين عن يقين لكي يبلغ، كما تقول الصوفية، حق اليقين وعين اليقين.

فالغزالي كما يقول في (المنقذ) "لم يبحث عن سر الصوفي بل وعن جرأة الزنديق"[1]. وفي كل هذه العملية لم يدع بلوغ الحقيقة. وذلك لإدراكه القائل، بأن ادعاء امتلاك وناصيتها هو تضييق فعلي لما اسماه بالرحمة الإلهية تجاه الخلق. بينما يستلزم ذلك مساعي البحث الدائم عنها في كل ما هو موجود. من هنا تشديده على أنه ليس في الوجود علاج للمرض المطلق بل لمرض معين[2]. ولم تعن هذه الفكرة في آرائه سوى ضرورة البحث الدائم والحر عن الحقائق، أي بمعزل عن اثر وتأثير التقليد والهيبة المعنوية لأي كان، بل وبالضد منهما. ومن الممكن الاشارة هنا إلى تلك النصيحة التي قدمها في (ايها الولد) لسائله عندما طالبه بالاستفادة من ممارسة الخضر وموسى ونصيحة الأول للثاني، التي نظر إليها بوصفها نصيحة الخضر للنبي محمد على لسان موسى وبالتالي إمكانية تحولها إلى نصيحة لأي كان. بمعنى الدعوة للسير الشخصي من أجل معرفة ما لم يعرف استنادا الى معنى الاية القرآنية: "سيروا في الأرض وانظروا". تلك الممارسة التي جسدت الصوفية أحد تجلياتها الرفيعة بمفهوم بذل الروح. إذ لا معنى ولا قيمة للحقائق دون بذل الروح، تماماً كما قال أحد المتصوفة الكبار "إن قدرت على بذل الروح فتعال، وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية".

إن هذا الاستنتاج العام هو حصيلة تطور طويل، شكلت الاستقلالية الفكرية مقدمته وأساس تطوره وأحكامه اللاحقة. فقد حقق الغزالي في ذاته وإبداعه الفكري وحدة التطور الفكري الروحي لمرحلته في سعيه نحو الاستقلال الفكري. وشأن جميع المفكرين العظام لم يكن هو نفسه إلا نتاج مرحلته وظروفها ومقدماتها المتراكمة في كافة الميادين، التي جعلت منه حصيلتها الطبيعية وحامل استمرارها الفعلي. إذ من الصعب، بل من المستحيل فهم وتقدير عمق وقيمة تآلفه الفكري خارج إطار هذه الظروف والمقدمات. ومما هو جدير بالاهتمام هنا هو أن قضية التآلف الفكري ليست حصيلة إدراكنا المعاصر وفهمنا الجديد للغزالي، بقدر ما كانت هي نتاج وعيه الخاص. وإذا كان من الصعب رؤية الطابع الخاص والمستقل لتآلفه الفكري بفعل ثقل الجهاز التقييمي الذي بلورته تقاليد الملل والنحل الإسلامية ووطأة الصراعات الفكرية السابقة[3]، والتي مازالت تخيم على أغلب البحاثة المعاصرين، فإن ذلك لا يعكس إلا محدودية التصورات عنه لا حقيقته كما هو. ونحن لا نسعى من وراء ذلك إلى القول، بأن الغزالي أعلى مما في تقييمات منتقديه وأوطأ من إطراء مداحيه. فقد جمع هو في كل واحد ما بدا غاية في التعقيد. أما إلى أية درجة أفلح فذلك جزء من أحكام الماضي، أما الحاضر فليس أمامه سوى مهمة وعي ذاته في ضوء ما أبدعه الماضي ليرى ما هو جوهري فيه بوصفه عنصر وعيه الدائم. وأن استقلال الغزالي الفكري وسعيه صوب وحدة الحقيقة والإصلاح تمثل تياراً خالد الشعلة.

فالاستقلال الفكري مشروط دوما بواقعه التاريخي. وإذا كان التصنيف الإسلامي السابق والذي أثر على شخصية الغزالي وتحديده وكذلك بلورة مواقفه من التيارات الفكرية وانتمائه الشخصي لبعض منها، فانه قد ساهم أيضاً في إدراجه عنوة في فرقة الأشعرية والشافعية وغيرهما. وهذا بدوره كان احد نتائج المرحلة ونوعية صراع المدارس والمذاهب والفرق وتكلّسها الذاتي، كما هو جلي في محاولة كل منها إضفاء "الصفة الشرعية" على ما فيها من أجل كسب الأتباع الجدد وإبراز قوة المذهب. غير أن هذه التسميات رغم صحة بعض عناصرها، تظل ناقصة في استيعاب الحقيقة التاريخية للشخصيات الكبرى، خصوصاً عندما ترتقي إلى مصاف الاجتهاد الفعلي. آنذاك يكف الانتماء المذهبي عن أن يضغط على ذهنية المفكر ويصبح الانتماء العقائدي مجرد وسيلة الاستقلال الفعلي، أي أنه لا يفعل إلا على تأكيد استقلالية المفكر عن الآخرين. وبهذا المعنى يفسح المجال أمام التطور الذاتي المستقل حتى ضمن إطار المنظومة الفكرية التي اعتنقها وانتمى اليها. ولكن هل ظل الغزالي أسير قناعة ما محددة، أو تيار ما محدد أو مذهب ما معين، أم انه أوسع من أن تحويه أي من التيارات السابقة؟ وقبل الاجابة عن ذلك يجدر القول، بان ذلك لا يعني أن أكثر الشخصيات قيمة هي تلك التي لا تخضع لتحديد صارم. ومن مفارقات هذه الظاهرة، ان تصبح "هلامية" الشخصية بمعايير التقييم التقليدية وصعوبة حدّها وتحديدها ذات قيمة في استثارة السعي نحوها تماماً كما هو حال السراب بالنسبة للعطشان. غير أن الغزالي بالخلاف عن ذلك هو من أولئك الذين يكشفون مع كل تطور تاريخي وازدياد معرفي عن أنهم معلمون ذو شأن كبير.

إن الغزالي أوسع وأعمق من كل تلك الأحكام القديمة المؤيدة له. ولعل المفارقة التاريخية والعلمية تقوم في أن من أدرك أو ما يمكننا أن نستشفه من أحكام دقيقة عن الكثير من جوانب شخصيته واستقلاله وسعيه لإبداع تآلفه الفكري، هم اولئك الذين صبوا جام غضبهم عليه بالنقد والتجريح. فقد أكد ابن تيمية (ت- 728 للهجرة) على سبيل المثال، ما اسماه بشخصية الغزالي المضطربة لأن "عنده من الذكاء والطلب ما يتشوق به إلى طريقة خاصة الخلق"[4]. وهي ذات الفكرة التي سبق للذهبي وأن عبّر عنها بما دعاه بدخول "سيلان ذهنه مضايق الكلام ومزال الأقدام. وليس هذا سوى الطريق الخاصة". كل ما في الأمر، أن أحدهما عبّر عنه بدقة كلامية تحليلية والآخر بروح التشفي العقائدي للخيال المذهبي.

لقد أكد الغزالي على أن من غاية الحمق أن يجمع المرء بين الاقتداء وبين التقدّم، أي لا يمكن الجمع بين متضادين في آن واحد. إذ التقليد والاستقلال نماذج ومناهج متضادة. تماماً كما لا معنى لأن تصلي وراء الإمام وترفع رأسك قبله! وإذا كانت هذه الفكرة البسيطة صحيحة في معيار وإطار العبادات الدينية، فإنها كاملة الانطباق على شخصية الغزالي. بمعنى إذا كان لا يسمح للتقليد والاستقلال أن يجتمعا في أبسط ممارساتها فمن العبث أن يمارسها هو في ميدان الفكر. وإذا كان الغزالي يرفض التقليد فليس ذلك إلا نتاج وعيه الخاص باستقلاليته الفكرية، التي هي بدورها حصيلة تطوره الفردي.

ومن الصعب أن نحصر استقلاليته في مجال ما محدد. وإن أفضل تجل لها هو إبداعه الفكري ككل. وقد أشار هو في (الإحياء) إلى أن ما يحاول أن يؤسس له هو إعادة النظر بالمكونات الاساسية للمنظومات الفكرية السابقة وبالتالي فان ما يميز عمله الجديد أو ما يمكن دعوته بـبديله الشامل هو استخلاصه المنظومي الجديد. ذلك يعني انه كان يدرك مضمون وأهمية ما يطرحه ويميزه عن الآخرين في استيعاب الظواهر الفكرية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية وحلولها في مختلف الميادين وعلى كافة المستويات. فهو يشير في بداية (الإحياء) إلى أن ما يميز كتابه عن المؤلفات الأخرى ذات الصلة بالموضوع هو "حلّ ما عقّدوه وكشف ما أجملوه، ترتيب ما بددوه ونظم ما فرّقوه، إيجاز ما طوّلوه وضبط ما قرروه، حذف ما كرروه وإثبات ما حرروه وتحقيق أمور غامضة اعتاصت على الافهام لم يتعرض لها في الكتب أصلاً"[5]. إننا نقف هنا أمام محاولة ربط شكل ومحتوى المنظومة الفكرية الجديدة، التي تحوّل فيها التصوف إلى العنصر العملي لمنظومة الاخلاق المطلقة، أو العمود الفقري (الروحي العلمي) للفكرة الأخلاقية؛ والكلام إلى أيديولوجية التعامل مع قضايا العقائد في وعي العوام ومتطلبات ومستلزمات الوجود الاجتماعي الاقتصادي والسياسي، والفلسفة إلى منهج التحليل.

وقد تكلم الغزالي هنا أساساً عن التجربة الصوفية ومستويات التعبير عنها، بوصفه اسلوب ادراك الحقائق بصورة جزئية وذاتية كما وضعها في (الاحياء) بعبارة تقول: "إذ الكل وإن تواردوا على منهج واحد، فلا مستنكر أن يتفرّد كل واحد من السالكين بالتنبه لأمر يخصه ويغفل عنه رفقاؤه"[6]. لقد سعى الغزالي هنا الى أن يدمج في صرحه النظري فردانية الوعي والممارسة الصوفية، ومن ثم تحويلهما إلى جزء جوهري في الثقافة المعرفية الأخلاقية العامة لعصره، بمعنى أنه حاول إزالة "الاغتراب المعرفي" المحترف تجاه تيارات الفكر الكبرى القائمة آنذاك. ولم يتجاهل حتى أبسط تجلياتها وأشكالها، أو تلك التي تبدو حالياً كما لو أنها من "سذاجة العصر". لقد استند في محاولته النظرية هذه إلى إعادة تقييم التجربة التاريخية الفكرية للاتجاهات التي خاض غمارها.

وبغض النظر عن أن بديله الجديد يبدو في ظاهريته استمرارا لما مضى، فإنه في الواقع تهذيب شامل ومضموني للتراث الإسلامي ككل. فهو يقدم على سبيل المثال، لكل فصل من فصول (الإحياء) الآيات والأحاديث والآثار، التي لا ينبغي النظر إليها كما لو انها مجرد تعبير  عادي عن الانتماء الاسلامي والأسلاف، أو كتعبير عن الذهنية التقليدية وما شابه ذلك من أحكام  ظاهرية وعامة. انها تمثل في بالنسبة له تعبيرا عن محاولة استشفاف التجربة التاريخية الواقعية والخطابية السائدة آنذاك. إنها تقدم مواد ومؤشرات استنباط الفكرة الجديدة. فتقييم التجربة بما في ذلك المؤدلجة (والحديث النبوي الذي يستعمله الغزالي هو في الأغلب من الموضوع المؤدلج) لم يكن ذا وظيفة ايديولوجية في منظومته الفكرية. إنه يدمجها في مؤلفاته ويحللها بطريقة تجعلها توابع لفكرته الأساسية. وهذا ما يفسّر سبب الهجوم الشديد اللاحق ضد "شناعته" في استعمال الأحاديث النبوية والآثار.انه يدرج مختلف الافكار في منظومته أيا كان مصدرها، مازالت هي قادرة على التعبير الظاهري عن فكرته الجوهرية. فالجمع والحشر الكبير للأقاويل المتعددة المصادر حول قضية ما من القضايا تؤدي إلى توسيع المخيلة وشحذ دقة المقارنة وإيجاد الصلة المشتركة، التي ميزت فكر الغزالي. فعندما يتكلم عن التجربة التاريخية المتباينة لمختلف الشخصيات الإسلامية وغير الإسلامية، التي عادة ما يبدأها بالتراث النبوي المحمدي مروراً بالصحابة والتابعين والحكماء، فإنه يصنف لنا بصورة واعية تطور الأفكار والأحكام بصدد القضية المطروحة. فعندما يتكلم عن "فضيلة الصمت"، فإن الممارسة العملية لشخصيات الثقافة الإسلامية والسياسية والفكرية (وليست الاسلامية فقط) تقدم مادة "نظرية" هائلة بالنسبة له. فأبو بكر، على سبيل المثال، كان يضع حصاة في فمه يمنع بها نفسه عن الكلام، وابن مسعود كان يقول"ما شيء أحوج إلى طول سجن من اللسان"، وطاووس كان يردد "لساني سبع إن أرسلته أكلني"، بينما كان الحسن البصري يقول "ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه"، أما الأحنف بن قيس، فأجاب في مجلس معاوية بن أبي سفيان على استفسار الأخير له عن سبب صمته: "أخشى الله إن كذبت وأخشاك إن صدقت"[7]. إن كل هذه المادة تعطي له إمكانية التحليل العقلاني والأخلاقي لفضيلة الصمت، أي أنه يستند إلى التجربة الأخلاقية والسياسية والفكرية ليعمّق حقيقة فضيلتها. وينطبق هذا بدوره على كافة القضايا التي يناقشها. فعندما يتناول آفة الغضب، فإنه يؤكد على أن القرآن نظر إلى الغضب باعتباره من حمية الجاهلية. بينما بلورت "آثار" الثقافة اللاحقة استنتاجات عديدة، تؤكد على أن أقدر وقت لهلاك المرء في حالة  غضبه، وأن الغضب هو مفتاح الشر، وأنه يصيّر المرء إلى ذلّة الاعتذار.  إنها التجربة التي تولّد نقيضها: فضيلة الحلم. فالمرء لا يثبت عقله عند الغضب، تماماً كما لا تثبت روح  الحيّ في التنانير المسجّرة. أما الحلم فهو العلم الأعظم. وبالتالي لا معنى ولا قيمة للعلم بدون تزيينه بالحلم. إذ هو دعامة العقل. ولا يمكن للمرء أن يبلغ مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله. بل ان الحلم أرفع من العقل لأن الله تسمى به. فعندما قال رجل لعمر بن عبد العزيز: اشهد أنك من الفاسقين! أجابه: لن نقبل شهادتك!

إننا نقف أمام لوحة عريضة يقدمها حول مختلف القضايا والتي تتحول فيها المادة المعروضة إلى جزء من أسلوب التحليل الضروري، بفعل تضمنها عناصر ومكونات الأحكام اللاحقة، أي تضمّنها وحدة الحكم الاخلاقي العقلاني والتجربة التاريخية الثقافية، التي عادة ما يعبّر عنها في بدايات تحليله بعبارة "إن كشف الغطاء عن الحقيقة أولى من نقل الأقاويل المختلفة".

وقد حدد ذلك بدوره أهمية وقيمة الفكرة بحد ذاتها، وبالتالي إمكانية دمجها في منظومته الفكرية. ولا يمكن عزل ذلك عن الاستقلالية الفكرية، التي تنزع بفعل متطلبات عالمها الروحي وإدراكها الفعلي  للنظر الى الأفكار باعتبارها هويات مستقلة. الامر الذي يجعل من النظر الى الحقائق وقبولها بغض النظر عن حاملها وقائلها، تماماً كما لا يغير طبيعة العسل وجوده في إناء الحجّام. آنذاك تصبح كافة الانجازات الحقيقية للوعي والمعرفة الانسانيتين مقبولة بحد ذاتها. مما يؤدي بدوره إلى صياغة المبدأ الدقيق في التعامل الفكري مع الحقائق من خلال تغييب ثقلها التاريخي والعقائدي. وقد تعامل مع هذه الحالة وطبقها بدرجة فائقة من الجرأة والحذر. إذ نراه يرفع من شأن إظهار أهمية الفكرة بحد ذاتها فوق كل العوارض العقائدية والمذهبية، لينقلها بالتالي إلى مستوى المبدأ النظري. وليس مصادفة أن يكرر في أماكن عديدة من مؤلفاته عبارة انه "لا معنى للاشتغال بالأسامي، فإن المصطلحات مختلفة، وأن الضعيف يطلب المعاني من الألفاظ وهو عكس الواجب"[8]. وليست هذه الصيغة في منظومته الفكرية سوى وسيلة وإمكانية الاستعمال المتعمد بما في ذلك للأحاديث المنكرة والموضوعة والأقوال "الشنيعة" للمتصوفة، بل والمناقضة من حيث مظهرها الخارجي للشريعة، وللمنطق والعقل (من حيث لفظه)، إلا أنه يصهرها في منظومته للدرجة التي تتخذ فيها هذه الأقوال والأحاديث طابع العنصر العقلاني المكمّل، أي يحوّلها إلى جزء من الفكرة المنظومة. فالحديث القائل مثلاً، بأن "الله يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة "يتحول إلى جزء أو مثال لتوضيح فكرة التباين في معرفة الله وإدراكه، أو بصورة أدق إلى جزء من فكرة مستوى ولذة المشاهدة. ولهذا علّق على هذا الحديث قائلاً "لا ينبغي أن يظن أن غير أبي بكر ممن هو دونه يجد من لذة النظر والمشاهدة ما يجده أبو بكر"[9].

فالغزالي يفسره ضمن إطار تصوراته عن المشاهدة والرؤية المرتبطتين بمستوى وعمق المعرفة. إنه يحوّل شخصية أبو بكر إلى صورة ومثال لشرح الفكرة لا مثال مطلق لتجليها. وينطبق هذا بدوره على الصيغ الظاهرية العديدة والأخبار والأحاديث النبوية، التي لا تشكل بحد ذاتها بالنسبة له أهمية جوهرية قائمة بنفسها. والاستثناء الوحيد هنا للآيات القرآنية، التي بدورها تصبح جزء من الفكرة لا مصدرها، ودليلاً "ايجابياً" عليها، ومثالاً للكشف لا وسيلة لليقين. فالغزالي شأن أساتذته القدماء كالباقلاني يدرك أن أهمية القرآن "النظرية" هي أهمية "إسلامية"، بمعنى أنه لا يشكل مادة برهانية بالنسبة لغير معتنقيه، أي أن القرآن لا يشكل بحد ذاته مادة برهانية  بذاتها. ويمثّل في هذا المجال ما سبق للتقاليد الكلامية إن صاغته في موقفها من التفسير والتأويل العقلانيين. غير أنه يدخلها في عالم الصوفية، الذي تصبح  الكلمة فيه وتتحول إلى تعبير ومقياس للحقيقة، بعد أن تمتلئ بمشاهدة التجربة الصوفية وتذوقها الخاص. لهذا السبب يمكن أن نفهم سر تلك الأعداد الهائلة من الأحاديث التي اعتبرتها التحقيقات الإسلامية من أصناف المنكر، والضعيف، والذي لا أصل له، وما شابه ذلك[10]، أي كل ما أعطى لمنتقديه لاحقاً فرصة اتهامه بالكذب والتذبذب. أما في الواقع فلا كذب ولا ذبذبة ولا زندقة ولا إيمان فيما يطرحه. إنها مجرد جزء من الرؤية "الباطنية" أو الذوقية للصوفي، التي تصبح فيها الكلمة رمزاً للمعرفة المتعمّقة لا المعرفة ذاتها. وقد صرّح الغزالي في أكثر من موضع وبالأخص حالما ميّز بين درجات وأتباع المعتقدات إلى أن الدرجة الأعلى لها (أرباب البصائر) هم "أولئك الذين نظروا إلى أنفسهم ثم إلى سائر أنواع المخلوقات فتأملوها فرأوا على كل منها خطاً منطبعاً ليس بعربي ولا سرياني ولا عبراني ولا غير ذلك"[11].  وليس مصادفة أن يورد الغزالي هذه اللغات الثلاث. لقد أراد الكشف بصورة غير مباشرة عن لا أهمية النص بحد ذاته العربي (القرآن)، السرياني (الانجيل) والعبراني (التوراة). فعندما يستشهد الغزالي على سبيل المثال بالحديث المنسوب للنبي محمد عن رأيه بما يقال من أن عيسى مشى على الماء، قائلا "لو ازداد يقيناً لمشى على الهواء[12]. والغزالي يدرك فيما يبدو إلى أية درجة يمكن أن تصفع عبارة من هذا النوع الضمير الإسلامي الورع والوعي الارثوذوكسي النصراني، بل وتناقضها مع مفاهيمه ذاتها عن النبوة التي لا تستلزم زيادة اليقين، إذ أنها ذاتها التجلي الأمثل لليقين المطلق. إلا أنها تصبح ضمن آراء الغزالي مثالا مقبولا لتوضيح فكرة الازدياد في ايضاح اليقين، أي يصوغها بروح التقاليد الصوفية، التي أعجبتها أيّما إعجاب في رمزيتها عبارة عامر بن عبد قيس القائل: "لو كشف لي الغطاء لما ازددت يقيناً". مما جعل الغزالي يشدد على ضرورة فهم ما يقوله باعتباره رموزاً وإشارات[13].

إن الجوهري فيما يقوله الغزالي هنا هو إظهار الفكرة لا الاستعارة والاستشهاد بالأقوال. وليس ذلك في الواقع سوى أسلوب تحطيم الأطر العادية في الوعي والتعامل مع المادة المطروحة بالشكل الذي تعطي فيه للفكر والتفكر حرية التعامل مع مادته وبالتالي إبراز هوية الفكر المستقلة. غير أن هذه الممارسة مرتبطة، كما سنرى لاحقاً، بخصوصية المعرفة الصوفية وموقف الصوفي من موضوع ومادة معرفته. أما أسسها الشخصية بالنسبة للغزالي، فقد سبق وأن تبلورت في مجرى صراعه السابق، أي في مجرى تلك العملية الطويلة من الصيرورة الفكرية التي ثقّفت عنده مرونة التعامل مع المنظومات الأخرى. وليس بالإمكان فهم حقيقة هذه المرونة وتبلورها دون رؤية عناصر التحليل الواقعي والمنطقي عنده، أي النظر إلى الظواهر في ترابطها وحركتها وتعدد جوانبها وتأثيرها المتبادل وطابعها التاريخي الملموس. مما حدد بدوره موقفه من ضرورة التعامل الملموس مع القضايا وأهمية الأحكام والتقييمات النسبية، ومن ثم فسح المجال لرؤية الواقع في ظل احتفاظ الفكرة المجردة المبدئية بأهميتها المستقلة. فالغزالي لم يرفض التحديد الصارم للمفاهيم، بل وقف بالضد من اضفاء الصيغة المطلقة عليها. لقد كان يطبق الفكرة المجردة ويضعها في الوقت نفسه ضمن سياق طابعها الملموس والنسبي. الامر الذي اعطى لآرائه طابعاً راديكالياً في امكانية توظيفها الاجتماعي والسياسي. فعندما يتكلم على سبيل المثال، عن الحب والبغض في الله، فإنه يدرك الوحدة في التناقض، ولكنه يربط أقطاب التناقض في الموقف العملي. فمن أحب بسبب، كما يقول الغزالي، فبالضرورة يبغض لضده. وهو كما يكتب "طرفان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر"[14]. والغزالي يدرك في الوقت نفسه صعوبة المقابلة العملية في الموقف من اختلاط المتناقضات، أي في حالة امتلاك الظاهرة اقطاب التناقض وطابع المتناقضات نفسها، مثل اختلاط الطاعات بالمعاصي. لكنه يكشف في مواقفه هذه عن أن التسامح في الأحكام يتطابق مع تعدد جوانب الظاهرة  نفسها. فهو لا يرفض، على سبيل المثال، الشخصية ككل بفعل أقطاب الظاهرة المتناقضة ولا يتقبلها كلياً كما هي. فالمحبة والبغض يمكنهما أن يكونا في آن واحد وتجاه شخصية واحدة، مثل أن نحب ونبغض في الآن ذاته الزوجة الحسناء  والفاجرة، والولد الذكي الخدوم والفاسق… الخ.

وقد حدد تعامله الملموس مع الظواهر في تجلياتها ومستوياتها المتباينة نظرته إلى الوظيفة الواقعية، ولكن بعد تقييمه لصيغتها المجردة. فهو يربط على الدوام بين الصيغة المجردة والواقعية،و الشكل والمضمون، والوظيفة والغاية للظاهرة، وبالتالي تحديد قيمتها النسبية والمطلقة. وعمّق هذا النزوع الواقعي استقلالية الأحكام الغزالية تجاه مختلف القضايا المعروضة للدرس والنقاش، وبالتالي حدد التوجّه العام في منظومته الفكرية المناهض للنظريات والنظرات الأحادية الجانب تجاه مختلف القضايا. فعندما يناقش قضية العزلة والمخالطة، فإنه يتكلم في آن واحد عما يدعوه بفوائد وغوائل العزلة، وفوائد وغوائل المخالطة، أي أنه يرفض الحكم المطلق بصدد أفضلية كل منهما بصورة مجردة. لهذا نراه يحذر من التسرع في الأحكام، إذ أن "كل مفّصل فإطلاق القول فيه بلا أو نعم خلف من القول محض، ولا حق في المفّصل إلا التفصيل"[15]، أي ضرورة الملموس في المطلق، والحقيقة الملموسة، لا الأحكام العامة، الشكلية والوحيدة الجانب أياً كان مضمونها، بل التفصيل الملموس بعد دراسة مختلف جوانب الظاهرة المعنية. لكن ذلك لا يعني رفض التعميم بحد ذاته، بقدر ما انه سعى للتوكيد  على أن كل تعميم ينبغي أن يكون ملموساً، وكل ملموس ينبغي أن يستند إلى فكرة معممة. فهي الصيغة التي يمكنها أن تشكل المعيار الوحيد الحق، الذي يمكن تطبيقه على كافة القضايا والأخلاقية منها بالأخص.

ومع ذلك فإن أحكامه المستقلة، هي ذاتها نتاج لمنهجيته القائمة في تتبع ودراسة الظواهر الواقعية وتأثيرها المتبادل، وطابعها الملموس ووظيفتها الفعلية من حيث ارتباطها بالنشاط الاجتماعي للإنسان وتقييمها الأخلاقي. وقد حدد ذلك بدوره تباين مستويات وتجلي هذه الظواهر ، ومن ثم تباين مستويات ونوعية الأحكام عنها. فعندما يتطرق لقضية العزلة فإنه لا يتطرق إليها من وجهة نظر أهميتها في "المعراج" الصوفي وسلوك السائرين فحسب، بل ويكشف عن مستويات تجليها وأهميتها في ميادين السياسة والأخلاق والمعرفة. وفي كل ذلك ينظر إلى حركتها وطابع هذه الحركة السلبي منه والإيجابي، بمعنى نظريته الى الصيرورة الدائمة التي تعطي للمبادئ العامة مضامينها المتغيرة. مما يجعل من منظومته في استقلالها الفكري، ظاهرة بارعة للوعي التحليلي. لهذا رفع الحذر من إطلاق الأحكام التقييمية قبل أو دون رؤية الأسباب الواقعية للظاهرة وبواعثها وترابطها الى مصاف الضرورة. فهو يؤكد على أنه إذا "عرفنا فوائد العزلة وغوائلها تحققت أن الحكم عليها مطلقاً بالتفضيل نفياً وإثباتاً خطأ"[16]، بل ينبغي أن ينظر المرء إلى الشخص وحاله ،وإلى الخليط وحاله، وإلى الباعث على مخالطته، وإلى الفائت بسبب مخالطته... ويقاس الفائت بالحاصل فعند ذلك يتبين ويتضح الأفضل"[17]. وفي الوقت نفسه حارب الغزالي امكانية تغلغل السفسطة في هذا النوع من المواقف والتحليل.

فتاريخ الغزالي كله منذ بداياته الأولى، هو تاريخ الصراع ضد السفسطة. مما أعطى لمرونته الفكرية مضموناً اجتماعيا وأخلاقياً يتصف بالتجانس المبدئي في أطروحاته. فعندما يتكلم على سبيل المثال، عن "بدعة" الوقوف للشخصية كتعبير عن الاحترام والإجلال، فهو يقدم من جهة مثال العرب والصحابة، الذين لم يتقيدوا ويعرفوا تقليد القيام للشخص أياً كان بما في ذلك للنبي محمد، إلا أنه يعتبر القيام في البلاد التي جرت العادة فيها بإكرام الداخل بالقيام مما لا بأس به. وطبّق اسلوبه هذا على مختلف القضايا الفكرية التي أثارت في وقتها جدلاً بين المفكرين والفقهاء والمتصوفة، مثل قضية الغناء والرقص وغيرها من القضايا. ومن الممكن النظر إلى موقفه من علاقة النسبي والمطلق في الظاهرات كأحد التجليات الملموسة لمرونته الفكرية. ومن المناسب ههنا الإشارة إلى موقفه من نسبية الظاهرة ومضمونها الأخلاقي، أي طابعها الشرطي. فإعطاء رغيف لسائل هي طاعة مستحسنة، ولكن إعطاء ملك من الملوك رغيفاً أو رغيفين لسائل منكر عند الناس. وبقدر ما ينطبق هذا على المسائل العادية والتافهة، فإنه يمكن أن يكون مثالاً للقيم الأكثر شأواً فيسموها. من هنا تمسكه وتطويره للفكرة الصوفية الأخلاقية القائلة بأن مباحات العوام سيئات الأبرار، وحسنات الأبرار سيئات المقرّبين، أي النسبي في المطلق، دون أن يفقد الأخير أهميته كمثال شامل.

ذلك كله يذلل الاتهامات والأحكام الضيقة التي وجهت للغزالي عما يسمى بانتقائيته الفكرية. فالغزالي لم يكن أسيراً للانتماء المذهبي أيا كان مشربه. لقد كان هدفه وغايته الحقيقة. فهو يضع على سبيل المثال، جالينوس والحكماء (الفلاسفة) في مصاف أئمة الاسلام[18]، أي أنه لا يأبه بموقع ومكانة وانتماء الشخصية الفكرية في العرف والتقليد العاديين، مقارنة بقرب أو بعد الشخصية المعنية عن الحقيقة. لقد رفض الغزالي المرونة والمساومة اللامبدئية. ومن الممكن القول، بأن آراءه لا تتميز بالانتقائية المبدئية، بل بمبدئية الانتقاء. فعندما يناقش فكرة الحب والبغض في الله فإنه يقدم أولاً كمثال فكرة أبي ذر الغفاري (ت-32 للهجرة) القائلة "إذا انقلب أخوك عما كان عليه، فابغضه من حيث أحببته". ثم يقارنها بما ورد في "الاسرائيليات" من قصة ذهاب أحد الأخوين العابدين، اللذين كانا يسكنان الجبل إلى السوق لشراء اللحم، وكيف عشق إحدى النساء ومن ثم مكوثه في المدينة، بفعل شعوره بالخجل أمام نفسه، مما حدا به إلى البقاء وعدم الرجوع. وقد حدا ذلك بالعابد الآخر إلى تفقده، وبعد العثور عليه، أنكر الأول معرفته به بفعل خجلته مما فعله، مما دفع بالثاني بعد معرفة بواعث الانكار إلى أن يحبّه ويعزّه أكثر مما سبق. وعلّق الغزالي على ذلك قائلاً "هذه طريقة قوم وهي ألطف وأفقه من طريقة أبي ذر"! لكنه وجد في الوقت نفسه في طريقة أبي ذر الأحسن والأسلم[19]. فالطريقة الأولى ألطف لأنها تتضمن الرفقة والاستمالة والتعطّف الذي يصنع إمكانية الرجوع والتوبة، وأفقه من حيث أن الأخوّة عقد نزل منزلة القرابة فإذا انعقدت تأكد الحق ووجب الوفاء[20].

ان الغزالي يذلل هنا الحدود التقليدية (الشكلية) للفقه، الذي شدد على أن الحكم إذا ثبت بعلّة فالقياس أن يزول بزوالها، لينقله إلى ميدان الفقه الأكبر، أي الموقف الأخلاقي من الإنسان باعتباره كياناً قابلاً للإصلاح، ومهمة التعامل معه على أساس السمو الاخلاقي والروحي. فهي العملية التي يمكن أن يجري من خلالها تطويره الروحي الدائم، لأن ممارسة كهذه تصنع الحياء عند دوام الصحبة على عكس المقاطعة فهي لا تصنع سوى الاصرار الأعمى. غير أن طريقة أبي ذر أحسن وأسلم لأنها لا تترك الأمر سائباً، أي أن الغزالي يربط في كل واحد، وعلى أساس أخلاقي نفسي، ما سبق للشافعي (ت- 204 للهجرة) ان قاله بأنه لا ينبغي للمرء أن يكون حماراً أو شيطاناً، إن استغضب فلم يغضب وإن استرضى فلم يرضَ. ويقدّم الغزالي أمثلة كثيرة عن نزعته المبدئية في انتقاء الحقيقة ضمن سياقها الملموس ونسبيتها وقيمتها الاجتماعية الأخلاقية، بعد دراسة معمّقة لحدّها وحقيقتها.

من الممكن القول، بأن الوحدة الداخلية لآرائه وترابطها، ترتقي إلى مصاف الضرورة المنطقية. وهذا ما سأتناوله لاحقاً حالما أتطرق الى مختلف جوانب منظومته التآلفية، وذلك لأن المهمة الحالية تقوم في استعراض وتحليل مواقفه الاجتماعية السياسية والأخلاقية، والطابع المرن لآرائه ومواقفه الفكرية العملية، أي كل ما يساهم في إبراز واستيعاب وتحديد استقلاليته الفكرية، وبالتالي دحض الأسس الوهمية لوصمه بالانتقائية. على العكس! فقد حارب الغزالي  دوما الانتقائية الفكرية من خلال مواقفه البديلة وليس عبر مواجهتها المباشرة. فهي المواقف التي تتسامى على مختلف نماذج التشنج المذهبي. فعندما يتكلم على سبيل المثال، عن المواقف المتباينة تجاه "أهل المعاصي"، فإنه لا يستند إلى فكرة المعصية واللامعصية، رغم أنه يحددهما حالما يتكلم عنهما باعتبارهما مفاهيم مجردة. ، بل ينطلق من تطبيق أفكاره بصورة غير مباشرة، أي أنه لا يحكم على الفكرة بالرجال، بل على الرجال بالفكرة. ولم يضع مفاهيمه ومواقفه هذه ضمن صيغة مجردة وشكلية فارغة، بل من خلال جعلها قضية أخلاقية عملية. ومن هنا ذوبان الحكم المباشر في تتبع المشاهدة التاريخية وتجارب الاسلاف لا بوصفها مثالا مطلق وملزم للجميع، بل بوصفها مظاهر مختلفة لاستيعاب الفكرة المجردة ذاتها. وفي الوقت نفسه شدد على انه لا يمكن لأية فكرة وسلوك ان تكون حكما مطلقا او استنفاذا تاما للفكرة المجردة. فأحمد بن حنبل (ت-241 للهجرة) كان على سبيل المثال، شديد الانكار "لأهل المعاصي" واختار المهاجرة (المقاطعة) في مواقفه من يحيى بن معين لقوله "اني لا أسأل أحداً شيئاً ولو حمل الشيطان إلي شيئاً لأخذته"، ومن الحارث المحاسبي (ت-234 للهجرة) لأنه كان في تصانيفه في الرد على المعتزلة يورد أولاً آرائهم ثم يرد عليها، مما يحمل الناس على التفكّر فيها[21]، ومن أبي ثور (ت- 240 للهجرة) تجاه تأويله الحديث "إن الله خلق آدم على صورته". في حين نظر آخرون البهم بعين الرحمة. والغزالي يأخذ بالاتجاهين. فتجربته الحياتية وتطوره الفكري هو تجل ملموس لذلك. إلا أنه لم يفهم ويمارس المقاطعة (الهجر) في إظهار الجفاء الصامت والحسي والمباشر، بل من خلال الدفاع عن الفكرة والقناعة الشخصية، كما هو جلي في كل كتاباته السابقة (للإحياء)، بما في ذلك هجومه العنيف ضد مخالفيه. وهو لم يتفاد الاقرار "بعين الرحمة" والتمسك بها عملياً، بالقدر الذي يسمح به صراع الأفكار. فقد أكد في آخر كتاباته الكلامية ما قبل (الإحياء) على أن "المجادلة والمعاندة داء محض لا دواء له، فليتحرّز منه جهده وليترك الحقد والضغينة ولينظر إلى كافة خلق الله بعين الرحمة"[22]. وهي ذات الفكرة، التي سيعمّقها لاحقا في (الإحياء) وغيره من المؤلفات. بمعنى محاولة ربط الاتجاهين انطلاقا من الحقيقة وتجلياتها النسبية ووظيفتها العملية وليس من خلال الانتقاء العندي. وقد ظل الغزالي متمسكاً بفكرة النظر بعين الرحمة تجاه الجميع، ولكنه سيدرك أيضاً إمكانية احتواءها على المداهنة. إذ أن أكثر بواعث الاغضاء عن المعاصي، هي "المداهنة ومراعاة القلوب والخوف"[23]. فالمرونة الفكرية لا تعني بالنسبة له سوى النفي الفعلي للمداهنة، مما يؤدي بدوره إلى فسح المجال أمام حرية الفكر والممارسة.

فالتجربة السلفية تكشف عن أن ممارسة البغض والهجر والإعراض لا تدخل في "ظاهر العلم تحت التكليف والإيجاب"، أي أن المواقف الشخصية لا يمكنها ولا ينبغي لها أن تتطابق مع القانون الرسمي (الشريعة). وإذا كانت هذه النظرة تتضمن بعض "التنازلات" ضمن الاطار العام لمواقفه من وحدة الدين والدنيا، فإنها تبدو مقبولة ضمن إطار تصوراته وأحكامه عن العقل والشرع في صياغتهما ومضمونهما الصوفيين، باعتبارهما العلاقة الأعمق والأشمل، والأكثر تجريداً لعلاقة الدين والدنيا.

فما يسمى "بالرقائق الدينية"، أي المواقف المتباينة في نظر وممارسات الأوائل تجاه "مرتكبي المعاصي" كانت موزّعة بين الرفض والمقاطعة واللامبالاة الظاهرية والنظر بعين الرحمة. وعندما يتقبل الغزالي هذه المواقف جميعاً ضمن سياقها التاريخي،فإن ذلك لا يعني انتقاءه العندي لها، بقدر ما يعبر عن حرية اتخاذ الموقف الذي استند، كما سنرى، إلى المضامين الجديدة في نظراته تجاه الوجود ومعنى الحياة، وموقف الانسان من الحق (المطلق).

وقد تعدت حرية المواقف عند الغزالي مجال الحقوق الفقهية. وإذا كان من الصعب حد حرية القناعة الشخصية (الباطنية) في ميدان الفكر، فإن الغزالي حاول ابرازها من خلال تحطيم حواجز الفقه التي حاولت ان تبني نتائج التجارب السياسية والمصالح الاقتصادية على أسس منطقية. لقد ابقى الغزالي على هذه الابعاد المنطقية لكنه حاول اخضاعها إلى تقييم أخلاقي يناسبها. ومن الممكن رؤية ذلك في مواقفه وتقييمه للمؤسسات الرسمية (الحكومية) ومهماتها الاقتصادية والسياسية. غير أن إبداعه الأكبر هنا يقوم في تعميق ما اسماه بالفقه الأكبر، أي عالم الروح الأخلاقي والمعرفي. ففي الوقت الذي ابقى فيه على فكرة الحقوق ووظيفتها الاجتماعية والسياسية، فانه حاول تذليل قوتها القمعية وضغوطها "الشرعية" على عالم الإنسان الروحي، من خلال ازالة "قدسية" الفقه في التعامل مع عالم الروح والفكر. ولم يتطرق الغزالي الى هذه المسألة بوصفها قضية مجردة، بل حاول شأن المتصوفة الكبار ممارستها بصورة فردية وشخصية. ولعل في موقفه من السلطة احد نماذجها الملموسة، حيث نراه يجد في الابتعاد عنها المقدمة الضرورية لحرية الفكر والتفكير. لكن ذلك لا يعني عنده تطابق أو تشابه مناهضة السلطة مع الخمول والوداعة الشخصية! على العكس! لقد كانت تلك مجرد الصيغة المتسامية للموقف من الوسائط. وسوف ينظر الغزالي في وقت لاحق إلى كل العلاقات الاجتماعية والسياسية ومؤسساتها، بما فيها السلطة، باعتبارها وسائط في وحدة الوجود، أي لا تمتلك بحد ذاتها قيمة مطلقة، وان القيمة المطلقة لا توجد إلا في المنطق، كما  لا يمثل المطلق في الوجود سوى الروح الاخلاقي المعرفي، أي المدرك لذاته كجزء من الكلّ

ذلك يعني، إن آراء الغزالي هذه لم تكن معزولة من حيث صيرورتها عن تجربته الشخصية وقناعاته بقيم التجربة الفردية باعتبارها وسيلة وأسلوب بلوغ الحقيقة. لقد حاول الكشف عن ضرورة الصلة الداخلية القائمة فيما بين الحقيقة الموضوعية ومستوى إدراكها في التجربة الفردية. فلا حقيقة ولا معرفة موضوعية دون استقلال النفس في مداركها. وما عدا ذلك مجرد تقليد إيماني ساذج. غير أن الغزالي لم يسع هنا للقول بمركزية الإنسان في التعامل مع الوجود.  إنه سعى إلى تأسيس التناسق والتجانس الوجودي المعرفي الأخلاقي للإنسان، مما أعطى بدوره للمعرفة العلمية في تجربتها الفردية قيمة هائلة.

ان الغزالي لم يحوّل التجربة الفردية إلى معيار مطلق للحكم على الحقيقة، لكنها يمكن أن تكون وسيلة بلوغ الحكم المطلق. فعندما ينتقد الأفكار المتضادة في مواقفها مما يسمى بتذليل الغضب والشهوة، فإنه يكتب قائلاً "وقد جرّبنا  ذلك بطول المجاهدة وعرفنا أن ذلك من مقتضى المزاج والطبع. فإنه قط لا ينقطع عن الآدمي. فانشغاله به تضييع زمان بغير فائدة"[24]، أي أنه ينتقد منهج التطرف الفكري بجميع اشكاله المتضادة من طبيعية سائبة وإرادة متطرفة. فالأولى ترفض إمكانية تغيير الأخلاق والثانية تفصل الأخلاق عن أرضها المادية (البيولوجية والاجتماعية). مما يجعل من كلتا الفكرتين في نهاية المطاف، مكملتين إحداهما للأخرى في سلسلة تشويش إدراك الحقيقة. وقد حددت هذه المواقف استنتاجه القائل بواحدية الحقيقة. وليس ذلك من حيث الجوهر سوى الاقرار بالطابع الموضوعي للحقيقة. وبالتالي لا انتقائية ولا تبريرية ولا سلفية ولا لاعقلانية، بل وحدة السعي المستقل في بحثه عن الحقيقة.

وسوف نرى في وقت لاحق، بأن منظومته الفكرية لا تتقبل من حيث الجوهر عناصر التبرير. فتطوره الفكري هو نموذج لمعاداة التبرير. وإذا كان الغزالي قد سبق وإن مارسه في البداية، وبالاخص في بعض مواقفه من قضايا الكلام والسياسة، فإنه يكون قد صنع في الوقت نفسه عناصر تفتيتها الداخلية من خلال تعميق قوة العقل الجدلية والشك المعرفي. وهذا ما نلمسه بوضوح في (تهافت الفلاسفة) و(المستظهري). وبالتالي ساهم التبرير الجزئي، أو بصورة أدق الأدلجة المحترفة في تعميق الأزمة النفسية الأخلاقية التي وجد في ضرورة تذليلها الكلي أسلوب بلوغ الحقيقة. وينطبق هذا بدوره على ما يدعى أحياناً في الدراسات المعاصرة "بأرثوذوكسية" الغزالي. بينما الأرثوذوكسية فكراً وممارسة لا تحتمل إمكانية تطبيقها الشكلي على الاسلام. وفي حالة "أسلمتها"، أي فهمها ضمن إطار الثقافة واللاهوت الإسلاميين، فإن مثالها المناسب للمقارنة هو السلفية الصارمة والحشوية المتطرفة. إضافة لذلك إن للسلفية مظاهرها ومضامينها المتباينة. فإذا كان المقصود بها التقليد الأعمى للسلف فذلك ما يتعارض بصورة كلية مع آراء الغزالي. وإذا كان المقصود بها الأخذ بالتجربة السلفية فذلك مرتبط بطبيعة استيعابها من قبل المفكر. إذ أن مضمون هذا الاستيعاب يحدده كل من ظروف المرحلة والمهمات التي يطرحها المفكر. وقد سار الغزالي في مجرى هذين الاتجاهين الأخيرين، أي عدم إهماله لتجارب الاسلاف من جهة، وتأكيده على أهميها القصوى باعتبارها مصدراً من مصادر وعي الذات وضرورة بعثها على أساس فهم الحقائق المجردة وظروف المرحلة، من جهة أخرى. وقد كان (الإحياء) في جوهره نتاج تأمله وتجربته الفكرية في هذا المجال، أي أن (الإحياء) كان العمل الإحيائي (الاصلاحي)، الذي ربط الفهم الجديد لتقاليد السلف بمهمات الحاضر. ولا تمت هذه الممارسة للسلفية بصلة جوهرية من حيث أسسها الفكرية. فتجربة الغزالي هي تجربة الوعي الثقافي في مختلف اتجاهاته (الكلام والفلسفة والفقه… الخ) والمصهورة في تعاليم الصوفية وطريقتها. ومن هنا لا معنى للسلفية بل وحتى  التسنن بالمعنى التقليدي للكلمة. وذلك لأنه لا سنيّة ولا تسنن في الفكر الصوفي. فالأخير يمتلك مقوماته الخاصة وطريقه الخاص في الوعي والممارسة،والتي تتعارض في جوهرها لكل "أرثوذوكسية" أو سنيّة ممكنة. وإذا كانت الدراسات المعاصرة تطلق عبارة "التصوف السنّي" عليه وعلى غيره، فلأنها استندت في حالات عديدة على مثال شخصيات معينة كعبد القادر الجيلاني (ت-561 للهجرة) وشهاب الدين السهروردي (ت-632 للهجرة) و الحسن الشاذلي (ت- 656 للهجرة) وغيرهم. أما في الواقع، فإن مثال هذه الشخصيات لا يتطابق مع المفهوم السنّي العادي. فما بين "حقائق" الصوفية وطبيعة إدراكها الأمور ومواقفها من العالم وبين السلفية تباين لا يردمه إلا الجهل بحقيقة هذين الاتجاهين. وحتى في حالة عبد القادر الجيلاني، فإن تقييم وفهم طريقته ظل متبايناً في تقاليد الصوفية نفسها. فإذا عظّمه البعض فلأنه أحد نماذج التقاليد الصوفية لا الصوفية النظرية والعملية، كما هو جلي في عبارة أحد تلامذته أبو السعود الشبلي البغدادي، الذي وصفه ابن عربي" بالفتى الظريف الملامتي، الخفيّ البريّ"، الذي قال عن أستاذه "طريق عبد القادر في طريق الأولياء غريب، وطريقنا في طريق عبد القادر غريب".

لقد سعى الغزالي إلى تجاوز الصراعات المذهبية والفرقية الضيقة. وبهذا المعنى فإن الغلاف اللاهوتي لصياغاته الفكرية لم يعق ديناميكية المضامين الفكرية وتجاوز التجزئة المذهبية التي أصبحت من بين أهم عناصر ومميزات الفكر اللاهوتي العقائدي المسيطر آنذاك، أي أن صراعه ضد انعزالية وعصمة المذاهب التي حولت آراءها ومواقفها إلى بديهيات عقائدية وأركان صلدة ويقين غير قابل للجدل، يتضمن عناصر الفكر الحر، رغم أن نفيه لها لم يتخذ صيغة المقاطعة الظاهرية. بصيغة أخرى، إن محاولته رفع وإزالة  فكرة العصمة والحقيقية الابدية المميزة للذهنية المذهبية آنذاك، كانت تعني في تاريخيتها تقديم افتراض سياسي فكري جديد يتسم بجرأة راديكالية هائلة ضمن وسط متصدع بصراعاته المذهبية والفرقية الضيقة.   (يتبع....)

*** 

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص 80 -81.

[2] المصدر السابق، ص 126.

[3] ميثم الجنابي: ثقافة التقييم والأحكام في الإسلام (تقاليد علم ملل والنحل)، دمشق، 1993.

[4] ابن تيمية: موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، القاهرة، 1951، ج1، ص 199؛ نقض المنطق: القاهرة 1951 ص55-56.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص 3.

[6] المصدر السابق. ياقوت الحموي: معجم الادباء(ارشاد الاريب الى معرفة الأديب، ج4، ص38-40.

[7] المصدر السابق، ج3، ص111.

[8] الإحياء ج4، ص308.

[9] المصدر السابق، ص 313.

[10] انظر على سبيل المثال لا الحصر ما افرده السبكي عما اسماه "بالأحاديث الغريبة في كتاب الإحياء او الملاحظات والتصنيفات التي كتب عنها العراقي في (المغني عن الاسفار) وتكملة ابن حجر العسقلاني.

[11] الغزالي: الإملاء ص 20.

[12] تورد المصادر الاسلامية هذا الحديث بصيغ متباينة. فابن ابي الدنيا يورده في (كتاب اليقين) عن قول بكر بن عبد الله المزني على مثال قصة مشي عيسى على الماء بعد ان تفقّده الحواريون، أي شبيهة بتلك الصيغة التي يصرها انجيل متي (الاصحاح 14:24-25). اما ظاهرة المشي على الماء وشخصية المسيح فيها كما يوردها ابو منصور الديلمي في (مسند الفردوس) على لسان المسيح نفسه القائل :"لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على البحور ولزلزلت بدعائكم الجبال. في تشبه أو تستند إلى الفكرة الواردة في انجيل متي (الاصحاح 21:21).

[13] الغزالي: الإحياء، ج4، ص97.

[14] المصدر السابق، ج2، ص166.

[15] المصدر السابق، ص 232.

[16] المصدر السابق، ص229.

[17] المصدر السابق، ج3، ص339.

[18] المصدر السابق، ج2، ص184.

[19] المصدر السابق، ج2، ص184

[20] المصدر السابق.

[21] لقد اثارت هذه القضية جدلا واسعا بما في ذلك بين احمد بن حنبل والحارث المحاسبي، الذي ساهم في نقل الفكر المنظم إلى الاوساط الصوفية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الغزالي نفسه قد طبق أسلوب المحاسبي كما نراه بصورة جلية في كتبه (مقاصد الفلاسفة) و(المستظهري أو فضايح الباطنية) و(تهافت الفلاسفة). ليس ذلك فحسب، بل وأثّر المحاسبي نفسه في تصوف الغزالي. لكن الغزالي حاول أن يعطي لأسلوبه طابعا منهجيا وعلميا ما زال يمتلك لحد الآن قوة فكرية ومنهجية. وبالأخص تأكيده على أن الجدل العلمي والعميق يستلزم أولا عرض آراء الخصم عرضا منهجيا دقيقا لا لبس فيه ولا تشويش وتشويه من اجل الرد عليه. لهذا وجد في اعتراضات الحنابلة افتراضات سطحية. بل اعتبرها مزاعم لا اساس متين لها، لاسيما وأن أفكار الآخرين موجودة في كتبهم ومنشورة بين الناس. وقد ظل الغزالي امينا لهذا الأسلوب والمنهج رغم تعرّضه لبعض التغيير والتعديل. ففي مرحلته الصوفية لم يعد الجدل ذا قيمة علمية، وليس أسلوبا لبلوغ الحقيقة. من هنا جدله مع الأفكار بوصفها هويات ومبادئ وقيم أفكار مستقلة. وكان هذا بدوره نتاج الفلسفة الأخلاقية الصوفية من جهة، ونفي للأساليب العقيمة والمتشددة المميزة لجدل المرحلة، وعلم الكلام بشكل خاص وأساليبه في التهجم والتكفير وتشويه سمعة الخصوم. لقد أراد الغزالي أن يزيل من الجدل آفة الجدل نفسه، والاستعاضة عنه بالبحث عن الحقيقة كما هي.

[22] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص 7.

[23] الغزالي: الإحياء، ج2، ص168.

[24] المصدر السابق، ج3، ص55.

 

ميثم الجنابي"لو كان بعد النبي نبي لكان الغزالي" 

يفتقد الغزالي شأن المفكرين العظماء إلى حياته الشخصية، بمعنى أنها عادة ما كانت تختبئ في خبايا الأسرار. أما الأخبار التاريخية التي توردها عنه كتابات السير والطبقات[1]، والشروح والاختصارات والردود عليها[2]، فهي لا تتعدى في الأغلب تعبيرها وتصوراتها وأحكامها الخاصة عن الغزالي. بمعنى أنها تجرّد الطابع الاجتماعي والسياسي والتاريخي في شخصيته لترفعه إلى مصاف الحكم المجرّد على موقعه في التاريخ الفكري للخلافة. وقد ساهم هو شخصياً في هذه الصورة الباهتة عنه. ففي مراحله الأولى، كان الحماس المفرط والسعي للشهرة قد أقفلا عليه حتى خاطر الرجوع لتذكّر الماضي. وفي وقت لاحق، عندما واجه حقيقة ذاته وجهاً لوجه، فإنه فّضل رمي كل ماضيه الحياتي وأبقى شعلة الفكر لحالها بوصفها جوهر وجوده، الذي لم يعد يربطه بالحياة والسلطة سوى تغلغل الفكرة المطلقة فيه، والتي جعلته أسيرها الواعي. فما كان يبدو حرية بالنسبة له في بداية الأمر تحول إلى قيد، وما كان قيداً تحول إلى ضرورة روحية خالصة. آنذاك لم يعد الماضي حلقة مفقودة، بل أصبح "الآن الدائم"، بوصفه فعل المطلق في وجوده المندهش بلحظات التأمل الخاطفة. لهذا لم تتخذ سيرته الذاتية حالما اخذ بكتابتها صيغة ومظهر حياته الخاصة، بقدر ما تحولت الى سيرة "المنقذ من الضلال". فالمهم فيها ليست جوانب حياته الشخصية، بل حركة وتطور الروح التي تتبعها، بوصفها حركة التطور الفكري التاريخي للخلافة منذ النبي محمد حتى نهاية القرن الخادس الهجري. لقد تتبع مراحل الاتجاه الفكري المجرّد على مثال شخصيته حتى بلوغه التصوف، والذي فتح له طريق العودة لرؤية حقيقة النبوة على أسس جديدة. إنها العملية التي رأى فيها ضرورة استعادة أو إحياء الحق من جديد، كما بدأه في (الإحياء).

وقد استثارت هذه الظاهرة في الوعي التقييمي اللاحق لشخصية الغزالي ضروباً شتى من الأحكام التي لم تر الصلة الداخلية في تطوره الفكري ومشروعه الروحي البديل. كما لم تر ما فيه من انعكاس لرؤية آفاق الخلافة المسدودة، ومحاولة استعادة واستثارة الإصلاح الاجتماعي السياسي الشامل من خلال المنظومة الفكرية الجديدة وروحها الأخلاقي. الأمر الذي يفسر لنا طبيعة ومصدر التقييمات المتباينة والمتناقضة عنه عند المفكرين والدارسين على السواء.

فالاتجاهات الفكرية اللاحقة نظرت إليه في الاطار العام، نظرة المجزّئ. إنها جزأت الوحدة الداخلية في تطوره، بفعل تلك القواعد والقوالب الجاهزة التي حكمت عليه بها في موشور رؤيتها الذاتية العقائدية. بينما وقف الغزالي من حيث الجوهر خارج إطار المذاهب القائمة، مما جعله هدفاً للتجريح المتعدد الجوانب. ففي مجرى حياته الأولى لم يترك اتجاهاً فكرياً أساسياً ومهما آنذاك إلا وخاض غماره. ونفّذ مفارقة الوجود التي استغربها الحلاج (ت 309هـ) عندما وجد نفسه مرمياً في اليمّ مكتوفاً، لكنه خرج منه دون أن يبتلّ بالماء. واستثار ذلك حفيظة واستغراب الأغلبية. فقد وجد عبد الغافر الفارسي(ت529هـ)،  كما ينقل لنا ابن عساكر (ت571هـ)، في تحول شخصيته من الزعارة والجأش والبأس والنظر بعين الازدراء والاستخفاف بمعارضيه وكبره وخيلاءه وطلب الجاه والعلو في المنزلة إلى مضادها، إفاقة بعد الجنون[3]. أما ابن الجوزي فينقل عن أبي منصور الرزاز قوله، بان ما كان على أبي حامد الغزالي حال دخوله بغداد عام 484 للهجرة من ملابس وركاب بقيمة خمسمائة دينار، فلما تزهّد وسافر وعاد إلى بغداد لم يكن قيمة ما كان عليه أكثر من خمسة عشر قيراطاً. بينما استغرب الوزير أبو شروان في آخر زياراته للغزالي بعزلته كيفية رده عليه قائلاً: "إن المرء أجير في زمانه وهو محسوب عليه، فليوفر ذلك على نفسه عوضاً عن زيارته"، مما حدى بالوزير للقول "لا إله إلا الله! هذا الذي كان له في أول العمر القاب افتخر في حمل بعضها"[4]. بينما وجد الذهبي (ت-748هـ) في حياة الغزالي وانقلاباته الفكرية "سر الله في خلقه"، إذ "أدخله سيلان ذهنه في مضايق الكلام ومزال الأقدام ولله سرّ في خلقه".[5]

غير أن هذه التقييمات "التاريخية" لا تعبّر إلا عن رؤية المسار الشخصي للغزالي ومحاولة تصويره دون أن تقدّْم استيعاباً نقدياً له.فتقييمه هو الآخر ظاهرة تاريخية، لم يكن بإمكانها أن تنعزل عن نشاطه الفكري وتعدد ميادين إبداعه من جهة، وتقاليد التقييم الفكرية السائدة آنذاك من جهة أخرى. وبهذا المعنى فهو لا يشكل شذوذاً في هذا المجال، إلا أنه الأكثر تعقيداً. فقد دحض الغزالي الجميع، وتقبّل منهم ما تقبّل لأنه نفسه كان نتاج الثقافة القائمة آنذاك. لهذا فإن الموقف منه قد بني على ذات الأساس، أي دُحِض من قبل الجميع وتقبّله الجميع كلّ بمستواه واستيعابه ومدرسته. فالأحكام الأولية عنه لم تتعد حدود رؤية الصدمة التي أحدثها في الوعي التاريخي التقييمي بصيغة "الإفاقة بعد الجنون"، أو "سرّ الله في خلقه"، رغم أنه قائم كما أشار الذهبي بدقة فيما أسماه "بسيلان الذهن في مضايق الكلام". إلا أن هذا الحكم العمومي، الذي حاول أن يفسّر مسار الغزالي الفكري، هو نتاج مائتي سنة من التقييمات العديدة التي ابتدأت إشاراتها الأولية منذ الأعوام الأخيرة لحياته وبعد موته.

لكن إذا كانت التقييمات النقدية تواجه صعوبة وضرورة البحث عن أسس لها في تحليل شخصية وآراء الغزالي، فإن الأحكام التقيمية العامة لموقعه في ثقافة الخلافة، كانت أسهل من الأولى. إلا أنها استندت دون شك، إلى نفس المقدمة الضرورية لكل حكم تقييمي، أي إلى إدراك مستوى وعمق مأثرة الشخصية في الوعي والوجود التاريخي للأمم والثقافة. وقد أورد تاج الدين السبكي في (طبقاته الكبرى) الكثير من الأحكام التقيمية التي يمكن الاستشهاد ببعض منها كأمثلة نموذجية. فقد قال عنه الإمام محمد بن يحيى بن منصور (ت-548 للهجرة)، أحد أشهر تلامذته وشارح كتابه "البسيط" ما يلي: "الغزالي لا يعرف فضله إلا من بلغ أو كاد يبلغ الكمال في عقله"[6]. بينما اعتبره شيخ الشاذلية أبو الحسن الشاذلي(ت- 656 للهجرة)، استناداً إلى رؤيته الصوفية، "الحبر الذي لا مثيل له في أمم الأديان الأخرى"[7]. بينما اعتبره السبكي "حجة الإسلام وجامع شتات العلوم والمبرّر في المنقول منها والمفهوم"[8]، و"قطب الوجود والبركة العامة لكل موجود والطريق الموصل إلى رضا الرحمن"[9]. وقد جرى رفع قيمته الشخصية في الوعي الثقافي للخلافة إلى الدرجة التي قيل بها عنه "لو كان بعد النبي نبيٌ لكان الغزالي!". وقد استند هذا الحكم ليس إلى شخصيته الفريدة ومثالها الأخلاقي الصوفي، بل وإلى إبداعه الفكري بحيث تحولت بعض كتاباته إلى معجزة، كما قال النووي (ت-676 للهجرة) "لو كان الغزالي نبياً لكان معجزته الوجيز". في حين جرى تصوير (الإحياء) بعبارة "كاد الإحياء أن يكون قرآنا".

إلا أن  ابو حامد محمد بن محمد ما كان بإمكانه أن يكون الغزالي لو لم يواجه في الفكر المناهض له، تقييمات تسلبه موقع الأصالة والقوة. فقد أورد طاش كبرى زادة (ت-962 للهجرة) الفكرة القائلة بأنه على الرغم من كل إنجازاته الكبرى، فإنه لم يخلص من قيل وقال، حتى خوطب بعبارة: إنك ما عملت شيئاً، أخذت الفقه من كلام شيخك امام الحرمين الجويني (ت- 478 للهجرة) في (نهاية المطلب)، و"التسمية لكتابك من الواحدي (ت- 468 للهجرة)[10]. بينما يورد صلاح الدين الصفدي (ت964هـ) ما سبق وإن جرت الاشارة اليه أعلاه، ويضيف لها تعليق البعض من أن (نهاية المطلب) لإمام الحرمين كانت زبر من حديد، فجعلها الغزالي زبر خشب[11]، أي أن مأثرة الغزالي ليست إلا حذلقة تلفيقية يقوم جوهرها في سرقة مضمون كتاب وتسمية آخر والربط بينهما، أو كما قال الصفدي في نقله، ليست مأثرته سوى في تحويله سندان الحديد إلى سندان خشب.

وقد كانت كل هذه التقييمات حصيلة التداخل والتنافر النقدي التحليلي، والاتهام العقائدي، والتعبير المجازي للثقافة العامة ككل، والتي نعثر في الدراسات المعاصرة على بعض صداها.

وإذا كان من الضروري بالنسبة للتحليل التاريخي أن يبتدئ من نقطة زمنية ليرتقي منها إلى تتبع استمرارها في الوعي الاجتماعي اللاحق فإنه من الممكن الابتداء بتلك التقييمات التي أطلقها تلميذه، القاضي أبو بكر بن العربي (ت543هـ) ، الذي حتى في انتقاده للغزالي لم يتجرأ أكثر من أن يردد كلمات "نحن وإن كنا نقطة من بحره فإننا لا نرد عليه إلا بقوله قلت كذا"[12]. إلا أن هذه العبارة لا تعدو كونها صياغة خجولة للفكرة التي سيطرحها ابن العربي نفسه في قوله "إن شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع"، أو تنقل عنه أحياناً بصياغة أخرى:"دخل في بطون الفلاسفة فما استطاع الخروج"، أي حصيلة الإشارات الأولية، التي حاولت أن تكشف في الغزالي إلى جانب الفقيه الشافعي، شخصية الفيلسوف الأكبر (في الصيغة الأولى)) أو المتفلسف (في الصيغة الثانية. وفي كلتا الحالتين فإن الفلسفة أخذت تبرز في الوعي التقييمي له، بوصفها جزء مكوناً أساسياً في منظومته الفكرية، والتي ستطورها حذاقة المعاداة للفلسفة والتهكم منها كما نراه في التعبير الجميل، القائل بأن الغزالي أمرضه الشفاء. إلا أن هذا التقييم الحذر الذي رافقه منذ البداية هجوم عنيف من جانب الفقهاء، إضافة إلى التقييمات العديدة الأخرى التي سنتناولها بالتحليل والنقد، أدى إلا أن يمزج في كل واحد سبيكة التعميم الأحادي الجانب، بإكسابها وإلباسها على الغزالي نفسه، فالطرطوشي محمد بن الوليد يشير في رسالته إلى ابن المظفر، كما ينقل الذهبي، إلى أنه رأى الغزالي وكلّمه شخصياً حيث شاهد فيه رجلاً جليلاً من أهل العلم يجمع العقل والفهم وممارسة علوم زمانه، إلا أنه هجر العلوم وأهلها ودخل التصوف ثم شاب آراءه بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج، وكاد ينسلخ عن الدين، فلمّا عمل (الإحياء) عمد إلى التكلّم في علوم الأحوال ومرامز الصوفية وكان غير أنيس بها وغير خبير بمعرفتها، فسقط على أمّ رأسه، وشحن كتبه بالموضوعات من الحديث[13]، أي أننا نقف أمام إضافة جديدة جدية تحاول أن تربط الوعي الفلسفي عند الغزالي بآراء المتصوفة "المتطرفة"، إلا أن هذا التقييم يعاني من عدم تجانس ونزعة عندية(ذاتية). لكنه يشير في الوقت نفسه إلى بعض الجوانب "الباطنية" في آراء الغزالي، بمعنى أن الصياغات الخارجية لآرائه مجرد غلاف. وسوف نلاحظ لاحقا عدم دقة هذه التقييمات عموما في موقفها منه. إلا أن الاستنتاج الأكثر خطورة هو القائل بجهل الغزالي حقيقة التصوف، هذا الحكم الذي سيأخذ به أيضاً بعض المتصوفة المتأخرين، وإن ضّمنوه مضامين أخرى.

أما محمد بن علي المازري (ت- 536هـ) الذي أفرد كتاباً خاصاً كما يقول الذهبي، بعنوان (الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء) حاول البرهنة فيه على أن آراء الغزالي في (الإحياء) تتردد بين مذاهب الموحدين والمتصوفة وأصحاب الاشارات والفلاسفة، وانه استبحر الفلسفة قبل علم الكلام وكان كثير العكوف على رسائل اخوان الصفا، ومصدره في الفلسفة ابن سينا (ت- 428هـ)، وفي التصوف كتب أبي حيان التوحيدي(ت-414 هـ). أننا نقف أمام محاولة  فرز بعض المصادر الجوهرية في رؤية تطوره الفكري وحقيقة آرائه. ومما لاشك فيه أن الغزالي قد تأثّر بمصادر الفلسفة بشخصية ابن سينا، وإخوان الصفا وكتابات التوحيدي. غير أن ما يقدّمه المازري من تردد الغزالي بين المذاهب (الموحدين والمتصوفة والفلاسفة) له أهميته الخاصة، وذلك لأن هذه الأحكام ستوضع لاحقاً في تقييمات الكثير من الاتجاهات الفكرية في موقفها منه.

بصيغة أخرى، رغم اعتراف أغلبية مفكري تلك المرحلة بقوة الغزالي، فإن الكثير من تقيماتهم، ظلت تتسم بالمواقف السلبية منه، مما ساهم بدوره في صنع الأرضية الايديولوجية والنفسية لإحراق كتبه في المغرب بأمر السلطان علي بن يوسف بن تاشفين (ت- 537 للهجرة).

لقد اثر الغزالي في فكر المغرب والأندلس تأثيرا كبيرا. ومن الممكن الاشارة هنا الى بعض من تلامذته مثل القاضي ابو بكر ابن العربي، ومحمد بن تومرت (ت- 525 للهجرة). غير ان هذه الشخصيات لا يمكنها مع ذلك تفسير كل حيثيات أو آلية تأثير الغزالي في الحياة الفكرية والسياسية للمغرب والأندلس. وليس من الصحي الفكرة الشائعة احيانا عن ان تأثره مرتبط اساسا بنشاط تلامذته هناك، اضافة الى اهتمامه الشخصي بالمغرب. ولعل فتواه ليوسف بن تاشفين دليلا على ذلك. اضافة الى كونه وجد في "الفكر الاندلسي صورة حية للفكر الاسلامي الذي يسعى هو لنشره. من هنا يمكن فهم سبب ثناءه على مؤلفات ابن حزم" كما يؤكد الباحث بالينثيا في كتابه بهذا الصدد (ترجمة حسين مؤنس، القاهرة، 1955). انه استنتاج مفتعل، اذ اننا لا نعثر في كل ما كتبه الغزالي سوى اشارة واحدة فقط عن ابن حزم وبصيغة عابرة نسبيا تشير بدورها الى ضعف معرفته بمؤلفاته. لقد اثر الغزالي في فكر المغاربة والأندلسيين بنفس الطريفة التي اثر بها المغاربة وأهل الاندلس بالمشرق. والسبب الفعلي القائم وراء ذلك هو قوة تأثير الفكرة والإبداع الفكري لأعلام الاسلام. فقد كان الموقف من (الإحياء) شبه واحد او متشابه في المشرق والمغرب. وبالتالي، فحتى حرق كتاب الإحياء في المغرب هو دليل على أثره وتأثيره. كما تجدر الاشارة ها الى ان فقه الفقهاء وسلوكهم ومواقفهم لا يشكل بحد ذاته اساسا او معيارا للحكم على طبيعة ونوعي تأثير الغزالي الفكري في المغرب والأندلس. وفي سلوكهم من كتب الغزالي وحرقها نعثر على اتجاه ومستوى ونوعية التأثير الفعلي لكتابات الأعلام الكبار. فقد كان السبب الجوهري وراء مهاجمة الفقهاء في المغرب لكتاب الإحياء ليس بسبب ما في آرائه الكلامية او الفلسفية او الصوفية، بل بسبب ما فيه من نقد لاذع للفقه والفقهاء. حيث اضطر علي بن يوسف بن تاشفين للرضوخ الى مطالبة الفقهاء آنذاك بحرق (كتاب احياء علوم الدين)، دون ان يعني ذلك قبوله بأحكامهم او مناهضته الشخصية للغزالي وفكره. لقد كان اضطراره بأثر الضغط الفعلي للفقهاء بوصفه الدعامة اللاهوتية للسلطة من جهة، وبأثر اهمية الوحدة والاستقرار في الدولة من جهة اخرى. فالمعلومات تشير ايضا الى وجود قوى متعارضة آنذاك بين الفقهاء وعلماء الدين حول هذه القضية. فقد كان ابو القاسم بن حمدين من اشد المناهضين له، وبالمقابل كان ابن النحوي من المؤيدين للغزالي. غير ان التأثير الحقيقي والفعال للغزالي في المغرب والأندلس يظهر من خلال الفلسفة والفلاسفة (ابن باجة، وابن طفيل وابن رشد) والتصوف (ابن عربي ومدرسته). وظل هذا التأثير قاما وفعالا عبر تناقضاته الخاصة. فابن عربي يورد في كتابه (روح القدس في محاسبة النفس) حادثة طريفة عن احد المتصوفة (ابو عبد الله بن زين اليابري) الذي هو حسب وصف ابن عربي "من افضل الناس، كثير الجد والاجتهاد والتقشف وكان يقرأ النحو بجامع العريس باشبيلية لا يؤبه له غامضا في الناس اعتكف على كتب ابي حامد (الغزالي). قرأ ليلة  تأليف ابي القاسم بن احمد في الرد على ابي حامد فعمي. فسجد لله في حينه وتضّرع، وأقسم انه لا يقرأه ابدا فرّد الله عليه بصره"[14]. تعكس هذه النادرة استمرار الصراع وشدته من معارض ومؤيد للغزالي. وفي الوقت نفسه يمكن العثور في هذه النادرة على صورة الغزالي الاسطورية في الوعي العادي. وهذا بدوره لم يكن معزو عن تأثيره الفكري الكبير على شخصيات دول المرابطين والموحدين في المغرب آنذاك. ولعل الطريفة التي يوردها كل من احمد الناصري في كنابه (الاستقصا لأخبار المغرب الاقصى)، واحمد الونشريسي في (المعيار المعرّب من فتاوي افريقيا والأندلس والمغرب) عن لقاء احد الشيوخ الفاسيين بالغزالي في بغداد بعد حرق (الإحياء)[15]، أي في اعوام 502-503 للهجرة، وتأثر الغزالي ودعوته على دولة المرابطين بالزوال ليس إلا احدى الصور الخيالية الشعبية. اذ لم يكن الغزالي آنذاك في بغداد بل في طوس. اضافة الى ان حالته الفكرية والروحية والأخلاقية والعلمية لا مجال فيها لنفسية الانتقام، بل تتعارض تعارضا تاما مع منظومة الاخلاق الجديدة التي بلورها في (الإحياء) وكتبه اللاحقة.

ومع ذلك، فإن لهذه الظاهرة شذوذها الخاص. فالغزالي يكشف هنا أيضاً عن فرادة أصيلة! لقد جرى الاعتراف النسبي "بنبوته" في وطنه وأحرق في الاماكن البعيدة على عكس ما سيحدث لابن رشد وابن عربي أو للكثير من مفكري تلك المرحلة الكبار: يولدون بالمشرق ليموتوا بالمغرب، أو يهربوا من المركز إلى الأطراف، أو بالعكس، أي تلك الديناميكية التي وحّدها الغزالي في ذهنه وشخصيته مما أكسبها أصالة نادرة وأعطى لمصيرها قوة لن تخمد، رغم خموله الأخير في طوس.

إن الادراك الحقيقي لشخصية وتطورها لم تكن عملية بسيطة بالنسبة لمعاصريه، أي لأولئك الذين امتلكوا قدرة التحليل العلمي الدقيق ورؤية موقعه الفعلي في الثقافة الفكرية آنذاك. فالغزالي بدا في أعين الجميع كما لو انه حركة متموجة، رغم استقامتها الداخلية. وإن الاشارات الأولية ظلت تحمل في ذاتها أجنّة الأحكام القيميية، وفي الوقت نفسه أفصحت عن صعوبة إدراك الظاهرة الغزالية. فالتقييمات الأولية لم تر سوى اعوجاج الغزالي، ولم يكن بإمكانها رؤية وكشف "الاستقامة" وراء حركته المتموجة. وبما أن الوعي التقييمي السائد آنذاك كان يبني تصوراته وأحكامه على أمثلة ملموسة ومستقيمة وواضحة للعيان، يبدأ بها المفكر وينتهي عليها، فقد اضطرته في حالات عديدة إما أن يطوّع الغزالي لثقافته التقيمية، أو أن يرميه خارجها، أو يبحث عن رديف ممكن لها في الثقافة السالفة المصورة لسير الرجال والمفكرين.

فالغزالي يخضع، شأن غيره، لإمكانية المقارنة مع بعض ممثلي الفكر الاسلامي الكبار كالأشعري (ت- 324هـ)، غير أن الأخير سار في مجرى علم الكلام متحولاً من إحدى مدارسه إلى أخرى، مما أوحى في ذهن معاصريه إلى مطابقته مع ظاهرة "التقدم" و"البديل" السنيّ، التي صاغ الفكر السابق بعضاً من مقوماتها الأساسية. اما في الواقع فلا يعني انتقال الغزالي في الحالة المعنية الى مدرسة اخرى ضمن اطار الأشعرية نفسها، سوى احد اشكال تمظهر الاشعرية نفسها في تيار مستقل او متميز آخر.  اضافة لذلك، ان هذه العملية ليست من انتاج الاشعري فقط، بل وأتباعه ومعارضيه في الوقت نفسه. فقد كان الاشعري من حيث الاصل "معتزلي مرتد" او "منحرف". وبالتالي، فهو يتشابه بهذا الصدد مع الشخصيات الكبرى للاعتزال، بمعنى تمايزها فيما بينها بصدد مختلف القضايا. لكن ما يميز الاشعري بهذا الصدد هو خروجه التام عن تقاليد الاعتزال من خلال نفي او معارضة اغلب المفاهيم والأساليب الجوهرية للاعتزال. وقد تحسس هذا الخلاف والابتعاد عن الاعتزال بمعايير الرجوع الى "اهل السنة والجماعة". من هنا رسوخ النظرة الي باعتباره احد اهم اكبر ممثلي اهل السنة والجماعة، على الاقل في مجال الكلام وعقائد الاسلام الكبرى (اصول الدين). ولا يستقيم هذا التقييم مع حقائق الأمور وذلك بسبب تشعب وتنوع واختلاف الفكر والتفكير حول هذه القضية بما في ذلك ضمن تيار "اهل السنّة والجماعة".

أما حياة الغزالي و"تحولاته" الفكرية فقد كانت أقرب إلى ظاهرة صعبة التقولب في كيان ما قائم من المدارس والفرق. وهذا مايفسّر لنا غياب دمجه أو تحليله في كتاب الملل والنحل للشهرستاني (ت-548 هـ)، وفي كتابات الملل والنحل الاسلامية اللاحقة. والاستثناء الوحيد قد يكون كتاب المعتزلي الزيدي ابن الرتضى (ت-840 للهجرة). ففي تحليله ودراسته لفرقة الصفاتية في تيارها الأشعري، يتناول الشهرستاني كل من الاشعري والباقلاني (ت-403هـ) والجويني أستاذ الغزالي، في حين يتجاهل الغزالي كليا. إذ لا يشير إليه بتاتا في كل كتابه الضخم، وهو المتوفى بعد موت الغزالي بثلاث وأربعين سنة. فالشهرستاني لم يترك أية شخصية كبرى دون أن يتطرق لها أو يستعرض آراءها. ولايمكن تفسير غياب الغزالي في تحليلاته لاعتبارات عقائدية أو مذهبية. فعمل الشهرستاني هو دراسة موضوعية للمدارس الفكرية القائمة آنذاك، او اننا نستطيع تفسير أو تأويل ذلك بما يتوافق مع اقرار الشهرستاني المستتر بأشعرية الغزالي أو اتجاهه الصفاتي. بمعنى إدراك خصوصية فكره، التي جعلت من الصعب إدراجه في التقسيمات القائمة آنذاك، أي من الصعب إدراج فكره ضمن إطار الجهاز المفهومي التقويمي القائم آنذاك، أو يكون قد ادرجه في الصوفية، لاسيما وأن الشهرستاني من بين مؤلفي علم الملل والنحل الإسلامي الذين لم يدرجوا الصوفية أو يشيروا إليها في كتاباتهم. ومن الصعب الاجابة عما أضمره الشهرستاني، إلا أن غياب الغزالي في منظومته الفكرية والتصنيفية عن الملل والنحل، يشير إما إلى إدراك خصوصيته الفكرية، واما إلى نظرته إليه كصوفي، ولهذا لم يدرجه بفعل عدم حديثه عن المتصوفة. ففي هذا الجانب يختلف الشهرستاني عن غيره من مؤلفي كتب الملل والنحل الاسلامية بهذا الصدد. فالأشعري يشير مرة واحدة وعابرة الى الصوفية ولكن بدون حكم خاص ايا كان شكله ونوعه، باستثناء ما هو شائع من استعمال كلمة "الغلاة". اذ يشير الى ان بعض منهم ممن يقول بالحلول ينتمون الى اصحاب الغلاة[16]. غير انه لا يشير الى اسم معين. وقد يكون قد قصد بذلك الحلاج، لاسيما وانه كان من معاصريه ومتبعي اخباره ومقتله عام 309 للهجرة. اما البغدادي (ت-429 للهجرة) فمشهور في موقفه المعارض والنقدي الحاد من الحلاج[17]. غير انه يفرد عبارات تتعلق بمصوفة "اهل السنّة". ويقصد بهم "اولئك الذين ابصروا فاقصروا، واختبروا فاعتبروا... وعلموا ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك مسؤول عن الخير والشر...، وجرى كلامهم في طريق العبارة والإشارة على سمت هل الحديث"[18]. وعلى الرغم من عدم تعيين هذا الاتجاه بشخصية ما اوسم محدد، بسبب صعوبة بل استحالة وجود هذا النوع بين المتصوفة، لكنه يدرجهم مع ذلك في آخر درجات ا"هل السنّة والجماعة". اذ يضعهم ما قبل الدرجة الاخيرة، اي بعد كل من المتكلمين والفقهاء واهل الحديث واهل الادب والنحو وأهل القراءات والتفسير. وما بعدهم فقط الجيش والعوام! اما ابن حزم الاندلسي(ت- 456 للهجرة) فقد كان اشد غلوا من البغدادي في موقفه من المتصوفة. اذ نراه يضعهم جميعا في سلة الغلاة الى جانب غيرهم ممن "ليس من اهل الاسلام"[19]. بل نراه يشنّع بالحلاج[20]، ويأبي سسعيد بن ابي الخير[21]. وفي موقف اخر يتكلم عما اسماه "بسنع الشيعة والخوارج والمرجئة والمتصوفة والمعتزلة وشنع لقوم لا تعرف فرقهم"[22]. وبالتالي، فان اغفال الشهرستاني ذكر المتصوفة يمن النظر اليه على انه موقف متعمد له دلالته التصنيفية والمعرفية والقيميية. بمعنى محاولة الخروج من مضيق التقاليد السائد انذاك في معاداة التصوف واتهامه بمختلف صنوف الاتهام.   

وقد كانت الحصيلة الأكثر عمقاً وتجانساً في الوقت نفسه، للنماذج العامة المذكورة أعلاه في مواقفها من تحديد ابداعه الفكري هي الاشارة إلى ظاهرة التناقض فيه. وقد كانت هذه الاشارة وتعمّقها اللاحق قد جرت ضمن تقاليد النقد الفلسفي، التي يمكن الاشارة من بينها إلى ابن طفيل (ت-580 هـ) باعتباره أحد ممثليها الأوائل. ونعثر على هذا النقد الفلسفي عنده في موقفه من كتب الغزالي. وكتب بهذا الصدد يقول:"أما كتب الشيخ أبي حامد الغزالي، فهو بحسب مخاطبته للجمهور يربط في موضع، ويحلّ في آخر، يكّفر بأشياء ثم يتحللها"[23]. وقد نظر إلى كتبه (تهافت الفلاسفة) و(ميزان العمل) كنموذج ممكن لهذه المقارنة النقدية. إلا أن ابن طفيل شدد في الوقت نفسه على عظمة الغزالي في كلماته القائلة: "لاشك عندنا في أن الشيخ أبا حامد، ممن سعد السعادة القصوى ووصل تلك المواصل الشريفة القدسية". أما التناقض الذي يشير له ابن طفيل، فهو ليس تناقض الحقيقة في فكر الغزالي، بقدر ما هو تمظهره  الكلامي ــ العقائدي (الايديولوجي). لهذا ربط هذا التناقض بمفهومي الحل والربط، والمخاطبة للجمهور. بصيغة أخرى، إننا نكتشف هنا بعض عناصر الرؤية النقدية للتناقض المترتب على تأثير فكرة وسلوك الخاصة (النخبة) والعامة (الجمهور) في الفكر. وهذا ما وضعه ابن طفيل بالفعل في استعراضه المختصر لتناقض الغزالي، دون أن يعني ذلك تخلّصه هو منه، أي أننا نقف أمام نفس التقييم، في خطوطه العامة، عند ابن رشد (ت-595هـ)، كما نعثر عليه في (تهافت التهافت) و(فصل المقال).

لا يمكن فهم حقيقة تقييم ابن رشد لشخصية الغزالي وإبداعه الفكري بمعزل عن (تهافت التهافت) والأزمة الاجتماعية السياسية والفكرية التي تعرّض لها بعد مهاجمته من جانب الفقهاء والمتكلمين،  والتي عرضته للمطاردة، أما كتبه فللحرق، كما كان الحال بالنسبة "لغريمه". فابن رشد من بين المفكرين الكبار الذين فهموا الغزالي في وحدة الصراع معه. لهذا نراه يسير معه شوطاً ويحاربه في آخر، متتبعاً حقيقة وأثر الغزالي، ومشاركاً جزئياً مصيره الخاص. وبهذا المعنى، فإن كل منهما يكمّل الآخر، وإن باتجاهات متباينة. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا يبدأ في (فصل المقال) باستعراض ظاهرة البدعة والموقف منها.

لقد حارب الغزالي في اعماله النظرية الاولى البدعة من الناحية الشكلية، ولكنه أيّدها من حيث الجوهر. لقد استند إلى فكرة الاجتهاد الدائم، وكان ممثلاً صريحاً وعميقاً لها، منطلقاً من أن ما ليس موجوداً لا يحرّم ما سيظهر، أي ذات الفكرة التي سيضعها ابن رشد في مقدمة وجوهر اطروحاته. إذ أن استعراض تطور العلوم الاسلامية بحد ذاته يكشف عن ظهور ما لم يكن في الصدر الأول من تاريخ الاسلام. وإذا كان ذلك واقعاً، فمن العبث أن يعتبر إدخال المقياس العقلي في التحليل والدراسة بدعة على أساس عدم وجوده في السابق. وبهذا المعنى لا يوجد أي خلاف جوهري بين حقيقة آراء الغزالي وبين ابن رشد في هذا المجال.

إن الخلاف يظهر في أسلوب التأسيس للفكرة، والذي ارتبطت به وحددته نسبياً، الأهداف المتباينة لكليهما، والتي أدى إليها موضوعياً استيعاب أهمية ووظيفة هذا التأسيس وتأثيره الممكن في الوعي والوجود الاجتماعي. فعندما ينتقد ابن رشد، على سبيل المثال من يحارب الفلسفة أو بصورة أدق من ينهي عن النظر فيها (وقد مارس والغزالي ذلك ظاهرياً من خلال وضع وصنع أسلوب الامتعاض النفسي تجاه حلولها لقضايا "الميتافيزيقيا الالهية"، فانه استند إلى الفكرة القائلة بأن هذه المحاربة لا معنى لها في حالة اجتماع ذكاء الفطرة والعدالة الشرعية والفضيلة الخلقية في المرء[24]. فالشيء الذي يؤدي إلى إبعاد الخلق عن معرفة الله حق معرفته هو الجهل وليس الشمائل التي جرت الاشارة اليها. من هنا يبدو واضحاً، بأن ابن رشد لم يهاجم الغزالي بحد ذاته أو بصورة مباشرة، بل انتقد التأثير السلبي للغزالي بهذا الصدد، والذي وجد انعكاسه في التأييد المنافق للآراء والمواقف الفقهية المتعصبة ومحدوديتها المعرفية وتحجّره المذهبي.

فقد كان كل من الغزالي وابن رشد يشعران بالقرف من المواقف الفقهية التي تدعي امتلاكها المعيار الوحيد والحاكم للحقيقة. وانعكس موقفهما المشترك في إدراكهما العميق للطابع العابر والجزئي لحقائق الفقه من جهة، وحرية الفكر وعالم الروح غير المتناهي من جهة أخرى. لقد سار ابن رشد هنا أيضاً في خطى الغزالي، إلا أنه يتجاوزه في صريح العبارة ويتباين عنه في نموذج الوعي وتجربة المعرفة. فابن رشد ينظر إلى الضرر المتأتي من دراسة الحكمة لا بسببها كما هي بل كشيء عارض، تماماً كما يؤدي الماء أحياناً وظيفة الموت بالنسبة للعطشان. إلا أن هذا الموت بفعل الماء عارض في حين أن الماء هو المنقذ من حيث جوهره. وعندما يطبّق هذه الفكرة على الفقه والفقهاء فإنه يسير في الواقع في نفس اتجاه الاراء النقدية للغزالي تجاه الفقهاء. إذ كم فقيه، كما يقول ابن رشد، كان الفقه سبباً لقلة ورعه وخوضه في الدنيا، بل ان أكثر الفقهاء يمكن إدراجهم تحت هذا الحكم، رغم أن الفقه يقتضي بجوهره "الفضيلة العملية"[25]. وهذه الصياغة تبدو أقلّ تهاوناً بما لا يقاس مقارنة بما طرحه الغزالي في موقفه من الفقهاء. ولم يكن وصولهما إلى نفس النتيجة مجرد صدفة ظاهرية، أو مجرد انعكاس بسيط لتجربتهما الشخصية، رغم أنهما سببان لا يمكن إغفالهما إذا أخذنا بنظر الاعتبار كونهما كانا فقيهين رفيعي المستوى. إن هذا الحكم حول الفقه والفقهاء، الذي يشير إلى التباين الفعلي شبه المطلق بين "الفضيلة العملية" للفقه وحالة الفقهاء الفعلية، ما هو في الواقع سوى الصيغة الظاهرية للمبدأ الأكثر عمقاً عند كل منهما، بمعنى الاقرار بحرية الفكر وفضيلة المعرفة. وذلك لأن ما يقدمه ابن رشد بهذا الصدد هو مثال من أجل الدفاع عن جوهر الحكمة (الفلسفة)، بوصفها مساع "لمعرفة الله حق معرفته"، أي المعرفة الحقيقية. فقد أدرك ابن رشد حقيقة الغزالي.ولهذا السبب أيضاً جعله علماً من أعلام حرية الفكر. فالغزالي كما يقول ابن رشد "لم يكفّر الفارابي وابن سينا في قضايا قدم العالم ومعرفة الجزئيات وحشر الأجساد. إذ أن الظاهر من قوله في ذلك أنه ليس تكفيرهما إياهما في ذلك قطعاً، إذ قد صرّح في كتاب (التفرقة) ان التكفير بخرق الاجتماع فيه احتمال"[26].

لم يكن هذا الموقف والاستنتاج الذي بلوره ابن رشد محاولة لتدجين الفكر الغزالي من أجل تحييد إرهاب الفقهاء، بقدر ما انه يعبّر عن إدراك عميق لضرورة ردم أساس التحزب المفتعل من جانب الفقهاء لجزيئيات الفكر الغزالي. فقد أزال ابن رشد فكرة التجزئة الذاتية تجاه ابداع الغزالي، وأبرز عوضاً عنها فكرة التحول. ولم يسع هو من وراء ذلك إلى اكتساب شرعية لتفكيره الحر ولا بفعل المعاناة المشتركة التي يمكن أن تؤدي اليها افعال الفقهاء المشترك في إحراق كتبهما، بل استناداً إلى ما هو جوهري في الفكر الغزالي، الذي بنى كامل وجوده على أساس حرية خرق الاجماع مازال هذا الأخير  يحتمل الظن لا اليقين.

لقد وصل كل مهما إلى نفس النتيجة، لكن بطرق متباينة. ولم يكن هذا التباين في الطرق بالنسبة لابن رشد قضية فكرية خالصة ومجردة، بل وكانت تتضمن على ابعاد اجتماعية وسياسية. اذ ادرك ابن رشد طبيعة هذه الابعاد في الخلافات الفكرية والعقائدية، على الاقل في ما يتعلق منها بالمسائل الثلاث التي ادرجها الغزالي في (تهافت الفلاسفة) تحت حكم التكفير. غير ان وقف الغزالي هذا كانت من مواقفه التي لازمت المرحلة الثانية (الكلامية الفلسفية) في تطوره الفكري. وعندما يشدد ابن رشد عل كتاب الغزالي "التفرقة" (التفرقة بين الاسلام والزندقة)، فانه كان يسعى الى ابراز حقيقة الغزالي المتأخر من اجل سحب البساط من تحت ارجل الفقهاء المتحجرين الذين تمسكوا بالغزالي "المجاهد" و"حامي السنّة" لا الغزالي المتسامح و"الهرطقي" "الزنديق"! من هنا يمكن فهم مهاجمة ابن رشد لكتاب (تهافت الفلاسفة) وليس كتاب (الإحياء)، ولماذا وجد في كتاب (فيصل التفرقة) ما يمكن دعوته بحليف المساومة. لقد التقيا في وسط الطريق واختلفا في مساره اللاحق باحثا كل منهما عن الحقيقة بطريقته الخاصة. عموما يمكننا القول، بان ابن رشد قد أدخل الاعتبار الفكري والسياسي في تقييم الغزالي. ولم يعن ذلك توفيقية أو انتقائية الغزالي، كما سيفهم الكثير من دارسيه اللاحقين كلمات ابن رشد عنه "مع الأشعرية أشعري ومع الصوفية صوفي ومع الفلاسفة فيلسوف"[27]، والتي يستكملها بالبيت الشعري، الذي يوحي هو الآخر عن الطابع الانتقائي والانتهازي للغزالي:

يوماً يمان إذا لاقيت ذا يمـن      وإن لقيت معدياً فعدنان

اما في الواقع فقد عكس ابن رشد في سلبية المظهر ايجابية المضمون، أي الأسلوب ذاته الذي اتبعه الغزالي والكثير من مفكري تلك المرحلة تحت ثقل سلطة الفقه والفقهاء. لقد أدرك ابن رشد وظيفة وحقيقة البرنامج الإصلاحي للغزالي، رغم تباينهما وتعارضهما بصدد الكثير من القضايا. فقد أشار ابن رشد إلى أن التأويلات العديدة المتباينة التي يقدّمها الغزالي، التي تجعله أشعري مع الاشعرية وصوفي مع الصوفية ما هي إلا محاولة "تكثير أهل العلم بذلك"[28]، التي أدت بنظر ابن رشد إلى نتائج معاكسة. وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة استنتاجه، إلا أن ما هو جوهري هنا هو أن التقييم الرشدي بني على أساس إدراك نتائج التجربة الغزالية في مظهرها المتسم "بالمساومة" لا حقيقة الغزالي نفسه. فالغزالي كما نفهم من آراء ابن رشد، لم يسلك هذا السلوك الظاهري إلا لأجل إيجاد أكبر عدد ممكن من المؤيدين، ومن ثم لأجل محاربة الحشوية والمجسّمة والسنيّة المتشددة وإجبارهم على القبول بإمكانية التأويل، مما فسح المجال أمام خرق الاجماع وبالتالي الاقرار بحرية الرأي. بصيغة أخرى لقد أراد ابن رشد الكشف عما لم يفلح به الغزالي في طرحه وحله لعلاقة الغاية بالوسيلة، والأسلوب بالمضمون. وبهذا المعنى فإن الاراء النقدية في (فصل المقال) ضده هي محاولة صنع بديل آخر لحل هذه العلاقة، استمدت اغلب مقوماتها وعناصرها من إعادة النظر بالفلسفة العالمية، ودراسة نجاحات وإخفاقات الفلسفة الإسلامية في استعراضها النقدي عند الغزالي وتجربته الفكرية ككل. لقد حاول ابن رشد مستندا ً في رؤيته التحليلية والنقدية لما وضعه الغزالي، أن يجد مستوى جديد لاستيعاب الصلة بين الحكمة والشريعة (الفلسفة والدين). وهذا ما يبرز بوضوح في التفسير اللاحق، الذي يقدمه لمفهوم ومضمون (إحياء علوم الدين). فهو لم يكتب هذا الكتاب، كما يقول ابن رشد، إلا بفعل الانحراف المتزايد تجاه "العلم النفساني"، أي علم الزهد وعلوم الآخرة، وبالتالي الابتعاد عن "العلم العملي" أو "العلم البدني"، أي الفقه. مما أدى به إلى وضع (إحياء علوم الدين) من أجل ربط الاثنين في كل واحد[29]، أو ما يمكن دعوته الآن بوضع الأساس الفكري لوحدة الأخلاق والسياسة أو المشروع الاصلاحي الشامل.

ويتميز موقف ابن رشد بهذا الصدد وحكمه الضمني على مستويات عديدة. إذ نرى فيه ادراكه الخاص للطابع الاصلاحي في فكر الغزالي ومنظومته الفكرية العامة من خلال ايجاد الصلة او التوليف الممكن بين التصوف والشريعة، كما عمل هو على ايجاد الصلة الممكنة بين الحكمة والشريعة. لكن مع ذلك، ينبغي الحذر من الانسياق وراء ما يضعه ابن رشد في تقييمه لإبداع الغزالي في (الإحياء). وذلك لأن (الإحياء) اكبر وأوسع من مجرد ايجاد الصلة او الربط بين التصوف والشريعة. كما انه من حيث الجوهر، ليس محاولة للربط بين اتجاهين فكريين (نفسي وبدني= التصوف والفقه). بمعنى انه ليس رد فعل تجاه انحراف ما ايا كان نوعه ومستواه، رغم اهمية هذه الاشياء بالنسبة لبواعث الابداع الفكري، لكنه لا يفسر حقيقة ومضمون (إحياء علوم الدين) بوصفه ظاهرة فكرية تاريخية توليفية كبرى. فكتاب (الإحياء) من حيث حوافزه الداخلية هو نتاج تطور الغزالي الفكري التلقائي. وعلى اساس هذه التلقائية فقط يمكن فهم حقيقة ومضمون جوانبه الاخرى. 

غير ان المفارقة التي نواجهها بهذا الصدد تقوم في أن التصورات والأحكام الدقيقة التي يقدمها ابن رشد قد جرى تجزئتها لاحقاً بأخذ الصيغة المجردة العامة المتعلقة بتحديد وتقييم شخصية وإبداع الغزالي، التي توحي بانتقائيته وتلفيقيته، تماماً كما فعل خصوم الفلسفة في اعلاء (التهافت) وإغفال (الإحياء)، أي أننا نكتشف نفس العملية العادية في الصراعات الفكرية، التي تجزئ حقيقة الوحدة بأخذ ما هو مناسب لها لأنها الوسيلة الوحيدة "للفوز" في هذا النوع من الصراع العقائدي، والتي حالما يجري استغلالها وتغلغلها في نسيج الجدل والبحث، فإنها تتحول إلى أسلوب ومصدر الأحكام اللاحقة.

ومع ذلك تجدر الاشارة إلى أن التقييمات لتي تتسم بطابع الاتهام لشخصية وإبداع الغزالي من جانب الفكر والمفكرين لم تكن معزولة عما مارسه هو ذاته قبل مرحلته الصوفية. فالجدل الفكري والخلافات المذهبية بما في ذلك تلك التي خاضها في بداية نشاطه الفكري لم تكن معزولة عن مصالح السلطة وصراعها السياسي والأيديولوجي. ومن الصعب بقاء الحقيقة متسامية بذاتها في أجواء من هذا القبيل دون أن تتمرّغ تحت أقدام السلطان و"تهذّب" تحت شفرة التقليد المذهبي. فالتوجه العام في هذا النوع من الصراع الفكري عادة ما تلازمه مساعي الاتهام والفضيحة، مما يغيّب في حالات عديدة مهمة البحث عن الحقيقة وإبعادها الى ما وراء تخوم معارضتها العندية والمذهبية. وفي الوقت نفسه يجعل من آراء المناهضين خطأ محضاً وضلالاً. فما عمله الغزالي في بداية نشاطه الفكري تجاه معارضيه كان لابد من دفع ثمنه لاحقاً وإن بعد الموت!

فالتقييم الذي صاغه ابن رشد، خيّم على ذهنية الكثيرين من دارسي الغزالي، ومنكسراً في حالات عديدة على موشور التراث الجدلي والمذهبي للمدارس والاتجاهات المختلفة. فالداعي الاسماعيلي المطلق علي بن الوليد(ت- 612هـ) في ردّه الشديد والعميق في كثير من جوانبه كما وضعه في كتابه (دامغ الباطل وحتف المناضل) على كتاب الغزالي (المستظهري أو فضايح الباطنية)، نراه يفرد باباً خاصاً يتضمن شرح "مروق الغزالي من الدين وتلونه في المذاهب"[30]. وفيما لو وضعنا جانباً الانتقادات المذهبية الايديولوجية المنصبّة في إطار الكشف عن مروقه من الدين و"إلحاده"، فإن الغزالي يظهر في تقييمه كشخصية قلقة مفتقدة للثبات المبدئي. فقد نشأ، كما يقول علي بن الوليد، على ملة الإسلام ثم مرق عنها إلى التفلسف قائلاً بنفي الوسائط (من نبي وإمام… الخ) ومعتمداً على العقل، حيث اضطره إلى الهيام "في أودية الانتحالات والانثناء عما يلتزم به من المقالات. ما شاد مقالة من المقالات إلا انثنى فهدمها، ولا أحكم عقيدة من العقائد إلا تعقبها بالنقض بعدما أبرمها. فهو تارة كما قلنا فلسفي وبرهة معتزلي ومدة أشعري وحيناً شبه حشوي[31].

وهنا تجدر الاشارة الى ان الداعي الاسماعيلي المطلق يبني احكامه فيما يسميه بمروق الغزالي والالحاد والطابع الفلسفي لكتاباته تستند الى كتاب (النكت والعيون) المنسوب للغزالي. مع ان هذا الكتاب من الكتب النحولة، اي ليس من ضمن قائمة كتب الغزالي الصحيحة. وبالتالي، تعكس هذه الظاهرة طبيعة الجدل الفكري وما يلازمه احيانا من الوقوع في اخطاء جسيمة من هذا القبيل. ومفارقة هذه الظاهرة تقوم في ان كتاب (النكت والعيون) الذي يورد الداعي الاسماعيلي بعض فقراته تقترب في بعض جوانبها من الفلسفة الاسماعيلية. اما اتهام الغزالي بالتفلسف باعتباره "خطيئة" فهو امر غريب لحد ما بالنسبة للتقاليد الاسماعيلية التي اكثر من ابدع في هذا المجال. ذلك يعني ان هموم علي بن الوليد هنا خاضعة لاظهار عيوب الغزالي. وهنا تختلف الغاية واسلوبها في نقد الغزالي مقارنة بابن رشد، رغم انهما كلاهما يستندا في الاغلب الى المادة الحية التي لازمت ابداع الغزالي وفكره. وهذه بدورها كانت جزء من تقاليد المرحلة من جهة، وعنصرا ملازما للجدل الفكري المميز للفكر الديني المذهبي من جهة أخرى. إاذ يمكننا رؤية ذلك على مواقف الكثير من الفرق الإسلامية والتيارات المذهبية والعقائدية. واغلب مواقفهاى واحكامها لا يتصف بالطابع العلمي المجرد،ة كما ان الكثير منها ينظر الى بعض جوانب الفكر الغزالي من زاوية الرؤية العقائدية ومبادئها او قواعدها السائدة. ويمكن اتخاذ ما كتبه ابن المرتضى (الزيدي المعتزلي) نموذجا لذلك. فهو من بين الكتاب الموضوعيين والممحصين للفكر والافكار، لكننا نراه يعتبر الغزالي جبريا. وهو حكم حدده في الاغلب اثر الصراع المعتزلي الاشعري اكثر مما حدده الموقف العلمي الدقيق من فكر الغزالي. اذ نراه يدرج الغزالي عنوة فيما اسماه بفرقة المجبرة الاشعرية الى جانب الباقلاني والجويني وابن الخطيب الرازي[32]. 

 إننا نقف هنا أمام تقييم مذهبي فكري يرتقي الى مصاف "الأخذ بالثأر" لما اقترفه بحق الباطنية (الإسماعيلية) في كتبه العديدة وخصوصاً (المستظهري أو فضايح الباطنية). والأغلب أنه لم يكن حصيلة التقييم الذي تركه ابن رشد في هذا الصدد. فتقييم الداعي الاسماعيلي المطلق ذو مضمون ووظيفة أخرى. لقد سعى علي ابن الوليد إلى كشف ما أسماه  بالتقلّب والتغير غير المبدئي في فكر الغزالي وأفعاله، وبالتالي غياب الحقيقة في آرائه. بمعنى أن أحكام وآراء الغزالي ما هي في نهاية المطاف سوى "ادلجة" المصلحة حسب العرض والطلب من جانب السلطة. وقد أصاب الداعي الاسماعيلي جزئياً في انتقاداته وأحكامه تماماً كما أصاب الغزالي جزئياً في انتقاده للباطنية. فكلاهما تشاطرا وتقاسما الخطأ التاريخي لثقافة الاتهام الفكري المذهبي العقائدي. غير أن الدقة الجزئية والنسبية للأحكام القييمية من جانب الداعي الاسماعيلي تنطبق على بعض نتاج الغزالي للمرحلة الأولى في مساره الفكري.

إن تقييم الغزالي كمفكر متقلب متغير قلق وما شابه ذلك، لم ينحصر في إطار الاتجاهات التي سبق وأن حاول هو نفسه دحضها ومهاجمتها فيما سبق، بل وعند بعض الاتجاهات الصوفية التي اعتبر نفسه أحد ممثليها. وهي ظاهرة لها شذوذها النسبي في تقاليد النقد الصوفي. فالفيلسوف الصوفي الكبير ابن سبعين (ت- 669هـ) صوّر الغزالي في كتابه (بد العارف) بالعبارة التالية: "لسان دون بيان وصوت دون كلام، وتخليط يجمع الأضداد، وحيرة تقطع الأكباد. مرة صوفي، وأخرى فيلسوف، وثالثة أشعري، ورابعة فقيه، وخامسة محيّر. وإدراكه في العلوم القديمة أضعف من خيط العنكبوت، وفي التصوف كذلك، لأنه دخل الطريق بالاضطرار الذي دعاه لذلك من عدم الإدراك[33]. بينما نراه في احدى رسائله يشير إلى ما أسماه "باضطراب الغزالي في رسائله"[34]. واستند هذا الحكم الصارم من جهة إلى موقف ابن سبعين المعارض لعناصر "اللاهوت السلبي"، الذي وجد في آراء الغزالي الكلامية تأييداً لها، ومن جهة أخرى إلى استيعاب جديد لآراء ابن رشد وابن عربي (ت- 638هـ) في موقفهما من الغزالي. ولعل الاستثناء الوحيد الذي وجد في هذا التنوع و"التقلب" في آرائه ايجابية كبرى، هو ابن خلدون. فقد أشار إلى ما أسماه بمأثرة الغزالي في تطوير الفقه من خلال استعماله وتطويره الفقه الاستدلالي[35]. أما في علم الكلام، ففيما أدخله في الرد على الفلاسفة وجهازهم المفهومي[36]، وبجمعه (تآلفه) بين التصوف الخالص والسنّة، أو بجمعه بين طريقة القشيري (ت-465 للهجرة) والسهروردي (ت- 632 للهجرة)، أي أنه حوّل التصوف، كما يقول ابن خلدون، من عبادة إلى علم[37].

وفيما بعد ستتحول ظاهرة "الاضطراب" و"التقلب" و"التحول" في شخصية الغزالي وإبداعه الفكري من "رذيلة" الى "فضيلة". آنذاك تحصل ظاهرة التعدد على صفة الايجابية، بوصفها حالة وظاهرة وشخصية موسوعية كبرى. ولم يعد متقلباً بين الفرق ومضطرباً ومتحرياً في وديان الأفكار بل الفقيه الشافعي وحامي السنّة وقامع الفلاسفة والمتصوف السنّي. حيث أخذ الاعتراف بها يسري خفياً بين أغلب الأوساط الفكرية والمذهبية، بما في ذلك الحنبلية والفقهاء المتشددين أمثال القاضي عياض (ت- 544 للهجرة)، الذي وصفه "بذي الأنباء الشنيعة والتصانيف العظيمة"، وابن الجوزي الذي اعتبر أطروحته في "الإحياء" وكتبه الصوفية الاخرى تركاً لقانون الفقه، في حين ردد سبط ابن الجوزي (ت- 654 للهجرة) ما قاله ابن الجوزي، أما القرطبي (ت- 671 للهجرة (فوصفه بشناعة أضاليله وأساطيره المباينة للدين، في حين اقترب ابن تيمية (ت- 728 للهجرة) من  آراء ابن الصلاح، أي ترك كتبه والكفّ عن الحكم عليه وتفويض أمره إلى الله! إلا أن ذلك لم يقف حائلاً دون انتقاده في (نقض المنطق) وغيرها من الكتب.

من كل ما سبق تبدو بوضح الصورة المعقدة والشائكة لشخصية الغزالي وإبداعها الفكري وتطورها الروحي في تقييمات المعاصرين له والتابعين. ومن الممكن النظر إلى كل ما قيل من أحكام عامة وخاصة تجاه مختلف جوانبه الأساسية، باعتبارها شكلاً من أشكال تأثيره في الفكر اللاحق. إذ لولاه لأصبح من غير المتوقع ذلك الاهتمام البالغ به. إلا أن هذا الاهتمام والتقييم المستمرين لا يعكسان موضوعياً، إلا الجانب التقييمي والنقدي وليس طبيعة واستمرار تأثيره اللاحق.

والمهمة الآن لا تقوم في تتبع هذه الظاهرة، إذ أنها تشكل بحد ذاتها مادة مستقلة، قد لا يكون الغزالي على الدوام مسئولا عنها بصورة مباشرة، أي أنها المادة والموضوع والقضايا المرتبطة باستمرار الفكر. فتطور الشخصية الفكرية هو إبداع وجودها الملموس، بينما تأثيرها هو اضمحلال وسريان عناصر منظومتها الفكرية في تاريخ الثقافة. والصورة القاتمة أحياناً والمضيئة أحياناً أخرى عنه هي في الغالب من "وعي روح العصر" ومستوى التطور الثقافي، ومستوى الاستمرار والانقطاع تجاه الارث الثقافي، وبالتالي حدود استيعاب الإبداع الفكري للماضي في حالة عدم الرجوع إليه ضمن محيطه الفعلي وخصوصية المرحلة.(يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

.............................

[1] من بين الذين تناولوا حياة الغزالي الشخصية والفكرية وتقييم بعض جوانبها، أو تحليلها الجزئي، او محاولة فهمها كما هي او فهمها العام هم كل من عبد الغافر الفارسي (ت- 529 للهجرة) في كتابه (السياق لتاريخ نيسابور)، والقاضي ابو بكر بن العربي (ت- 543 للهجرة) في كتابه (القواصم والعواصم)، وابن عساكر (ت-571 للهجرة) في كتابه (تاريخ دمشق)، واين الجوزي (ت-597 للهجرة) في كتابه (المنتظم)، وياقوت الحموي (ت-626 للهجرة) في كتابه (عجم البلدان)، وسبط ابن الجوزي(ت-654 للهجرة) في كتابه(مرآة الزمان)، ومحي الدين النووي(ت-676 للهجرة) في كتابه (الطبقات)، وابن خلكان (ت-681 للهجرة) في كتابه (وفيات الاعيان)، والذهبي (ت-748 للهجرة) في كتابه (اعلام النبلاء)، واليافعي (ت-768 للهجرة) في كتابه (مرآة الجنان)، وتاج الدين السبكي(ت-771 للهجرة) في كتابه (طبقات الشافعية الكبرى)، وابن كثير (ت-774 للهجرة) في كتابه (البداية والنهاية)، ومحمد الواسطي(ت- 776 للهجرة) في كتابه (الطبقات العلية في مناقب الشافعية)، وابن الملقن(ت-790 للهجرة) في كتابه (العقد المذهّب في طبقات حماة المذهب)، وابن قاضي شهبة(ت- 851 للهجرة) في كتابه ( طبقات الشافعية)، والعيني (ت-855 للهجرة) في كتابه (عقد الجان)، وجامي (ت-898 للهجرة) في كتابه (نفحات الأنس)، وطاش كبرى زاده (ت-963 للهجرة) في كتابه (مفتاح السعادة ومصباح السيادة)، وصلاح الدين الصفدي (ت-964 للهجرة) في كتابه (الوافي بالوفيات)، والمناوي(ت-1031 للهجرة) في كتابه (الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية)، والعيدروس باعلوي (ت-1038 للهجرة) في كتابه (تعريف الأحياء بفضائل الإحياء)، والزبيدي (ت-1205 للهجرة) في كتابه (اتحاف السادة المتقين في شرح أسرار إحياء علوم الدين). 

[2]  شكلت اغلب مؤلفات الغزالي مادة وموضوعا للشروح والاختصار والعليق وكتابة الحواشي والردود. من هنا اختلاف قيمتها بالنسبة لفهم شخصية الغزالي وحقيقته وابداعه الفكري. ولم يكن ذلك نتاج او حصيلة الاساليب المتنوعة في الموقف من كتاباته. ومن ثم تباين مستوى نوعية وقيمة ما كتب عنه. والمعيار الاساسي هنا لا يقوم فيما اذا كانت هذه الكتب محكومة بالتأييد أو المعارضة، كما لا يمكن تقييم افضلي نوع على اخر، على سبيل المثال اعتبار الاختصار اردأ من الشروح أو بالعكس. وذلك لأنها جميعها تمثل انماط مختلفة لثقافة لعصر والتقاليد الإسلامية من جهة، وكونها تتمثل مراحل او سلسلة المعارف وتوسعها وتعمقها حول القضايا التي تناولها الغزالي، او تلك التي جرى البحث عن جوانبها الغامضة والقابلة للتأويل في مؤلفاته من جهة اخرى. من هنا اختلاف هذه الكتب، بمعنى انها ليست على نسق واحد بسبب اختلاف مراحل الكتابة عنه وتنوع الانتماء المدرسي والعقائدي لمن كتب عنه في وقت لاحق. ومن هنا ايضا تباين محتواها ووظيفتها. فمنها ما لاقيمة علمي له، وبالأخص تلك التي تتعلق باختصار مؤلفاته، لكنها ذات وظيفة معرفية معقولة. بينما كان البعض الاخر منها يسير ضمن تقاليد الجدل الفكري والعقائدي والعلمي والفلسفي، وبالأخص في ميادين الفقه والكلام والفلسفة. بينما اهتم الاخر بقضايا الحديث من صحيح ومنحول. ومع ذلك كانت الحصيلة العامة لما كتب عنه تقوم في تسليطها الضوء على مختلف جوانب حياته وشخصه ومؤلفاته وآراءه وأهميتها جميعا بالنسبة للثقافة الاسلامية ككل.

فقد ساهم في شرح مؤلفاته الفقهية (كالوسيط والوجيز والمستصفى) كل من أسعد العجلي(ت-600 للهجرة)، وابن الصلاح(ت-642 للهجرة)، وعبد الكريم القزويني (ت-623 للهجرة)، وحمزة التنوخي (ت-727 للهجرة) وغيرهم. 

في حين ساهم في اختصارها كل من احمد الاشبيلي(ت-651 للهجرة)، ومحي الدين النوي(ت-676 للهجرة)، وابن الملقن (ت-790 للهجرة)، وابن حجر العسقلاني(ت-852 للهجرة).

بينما رد عليه كل من ابن ابي الدم (ت-624 للهجرة)، ومحمد الكردري(ت-642 للهجرة)، وعبد العزيز الديريني(ت-751 للهجرة)، ونجم الدين الاصفهاني(ت-751 للهجرة)، ومحمد الزركشي(ت-794 للهجرة). وشهاب الدين المكي(ت-972 للهجرة).

اما كتبه الكلامية ذات الصلة بقضايا الإمامة والسياسة وخصوصا كتبه المتعلقة بالرد على الاسماعيلية والتشيع (كالمستظهري او فضائح الباطنية)،فيمكن العثور عليها في عدد كبير من الكتابات الشيعية بشكل عام والإسماعيلية بشكل خاص، كما هو الحال عند حميد المحلي (ت-653 للهجرة)، ومحمد بن الحسن الديلمي(ت-711 للهجرة). اما الردود المعارضة للغزالي فتجدر الاشارة الى كنابات الداعي المطلق علي بن الوليد (ت-612 للهجرة).

وضمن هذا السياق تعرضت مؤلفاته الكلامية والفلسفية كما هو الحال بالنسبة لكتاب (تهافت الفلاسفة) و(الاقتصاد في الاعتقاد). وإذا كان كتاب النهافت الاكثر "حظا" في اثارة الشروح والردود، فلان ذلك مرتبط بخصوصيته الفكرية ومنهجه وموضوعاته المثيرة للجدل. ولعل رد ابن رشد (ت-595 للهجرة) عليه في "تهافت التهافت" من بين اكثرها اثارة وشهرة. ولم تخمد جذوة الردود عليه والتعليق والذب عنه على مدار قرون لاحقة، كما هو الحال في الجدل الذي دار حوله بين مصطفى البرموني(ت-893 للهجرة) وعلاء الدين الطوسي(ت-887 للهجرة). إلا أن الشروح والتعليق والردود الاوسع كانت من نصيب كتابه الاكبر (احياء علوم الدين). فقد اختصره كل من احمد الغزالي (ت-520 للهجرة)، وابن الجوزي(ت-597 للهجرة)، ومحمد العجلوني(ت-820 للهجرة) وكثير غيرهم.بينما شرحه عدد كبير من علماء الاسلام واشهرهم بهذا الصدد الزبيدي (ت-1205 للهجرة). في حين رد عليه بصورة مباشرة وغير مباشرة كل من ابن الجوزي ومحد المازري (ت- 536 للهجرة)، وأحمد السكندري(ت-683 للهجرة). اما الكتابات التي تناولت بالتدقيق والتحقيق والنقد موقف واستعماله للاحاديث النبوية فقد انقسمت فيما بينها بين مؤيد ومعارض. فاولئك الذين شككوا بمعرفته بالحديث كان هدفهم في الاغلب هو اثبات خروجه على اهل السنّة والجماعة او للبرهنة على انه خضع في اواخر حياته لتقليد المتصوفة دون وعي وتمحيص لمواقفهم من الحديث. بل وسعى البعض للكشف عن انحرافه في قضايا الفقه والفقه وقوانينه بشكل عام. وقد كانت نتيجة هذه المواقف احراق كتبه وبالأخص كتاب (الإحياء) في المغرب. اما من دافع عنه فقد رد على كل هذه الاتهامات والشبهات ومن ثم ابراز قيمته وشخصيته باعتباره "حجة الإسلام" و"حامي السنّة" وما شابه ذلك. بل ان بعضهم وجد في اهتمامه البير في اواخر حياته دليلا قاطعا على رجوعه التام لاهل السنة والجماعة. اننا نعثر في هذه المواقف المتعارضة والمتضادة على حالة الصراع الفكري والعقائدي آنذاك، لكنها في الوقت نفسه تشير الى موقعه الهام في الثقافة الإسلامية ككل، كما انها تكشف الكثير من جوانب شخصيته وفكره، أي مدى تأثره واستعماله للحديث والقرآن ونوعية التأثير الخاص للتصوف في مساره الفكري ونمط تفكيره اواخر حياته، وقضايا الظاهر والباطن. ومن بين الشخصيات المهمة التي تناولت هذه الجوانب تجدر الاشارة الى كل من ابن الجوزي، وتاج الدين السبكي(ت-771 للهجرة)، وابن الملّقن، وزين الدين العراقي(ت-806 للهجرة) وابن حجر العسقلاني.

إن الحصيلة العامة لكل ما كتب عنه فيما مضى تقوم في ابراز مأثرته الفكرية ودراسة مختلف جوانب حياته وإبداعه النظري. ففيها نعثر على كمية ونوعية القضايا التي مازالت باقية التأثير والأهمية في الابحاث والدراسات والمؤلفات الكبيرة المعاصرة. الامر الذي يعطي للأبحاث القديمة قيمتها العلمية والثقافية ايضا. وهذا بدوره مؤشر على وجوده الفعال في هموم الفكر النظري المعاصر ايضا. ففي الدراسات القديمة نعثر على نوعية الشعور والحدس الملازم لاحتكاكها المباشر به بوصفه احد اقطابها ومصادرها النظرية والروحية. لكنها تفتقد في الوقت نفسه الى ادوات البحث العلمي الحديث وكمية التراكم المعرفي بتراث الغزالي نفسه. ومع ذلك يمكننا الجزم، بان لكل مرحلة اكتشافاتها الخاصة للحقائق وفهمها الخاص للأحداث والوقائع. ومن ثم تحتوي على نجاح وإخفاق متنوع. لكنها تشكل في نهاية المطاف احدى المقدمات الجوهرية والضرورية لتوسيع وتعمق البحث العلمي النقدي التحليلي، ومن ثم تأسيس وترسيخ عناصر ومبادئ البحث الحقيقي عن الحقيقة.  

 [3] ابن عساكر: تاريخ دمشق

[4] ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والامم، ج9، ص169،

[5] الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 17، ص535، ج18، ص187، 619، ج19، ص403، ج20، ص32.

[6] تاج الدين السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، القاهرة، 1906، ج4، ص106.

[7] المصدر السابق، ج4، ص131.

[8] المصدر السابق، ج4، ص102.

[9] المصدر السابق، ج4، ص105.

[10] هو علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن الواحدي النيسابوري. والإشارة تجري هنا الى تفاسيره الثلاثة:(البسيط)، و(الوسيط)، و(الوجيز)، التي اخذ الغزالي عناوينها وجعل منها عناوين تصانيفه في الفقه. طاش كبرى زاده: مفتاح السعادة ومصباح السيادة، حيدرآباد، ج2، ص202.

[11] صلاح الدين الصفدي: الوافي بالوفيات، اسطنبول، 1931، نشر ريتر، ج1، ص276.

[12] الذهبي: سيرة أعلام النبلاء.

[13] المصدر السابق.

[14] ابن عربي: روح القدس في محاسبة النفس، ص82.

[15] يورد الشيخ محمد المنتصر الكتاني هذه الحكاية في مداخلته عن الغزالي تحت عنوان (الغزالي والمغرب) في كتاب (ابو حامد الغزالي في اذكري المئوية التاسعة لميلاده، القاهرة، 1962، ص701-715).

[16] الأشعري: كتاب مقالات الاسلاميين، ص13.

[17] عبد القاهر البغدادي: كتاب الفرق بين الفرق، ص197-199.

[18] المصدر السابق، ص242

[19] ابن حزم: كتاب الفصل بين الملل والنحل، ج2، ص112.

[20] المصدر السابق، ج2، ص114.

[21] المصدر السابق، ج4، ص188.

[22]  لمصدر السابق، ج4، ص226-227.

[23] ابن طفيل: حي بن يقظان، مصر، مطبعة واديالنيل، 1299 للهجرة، ص6.

[24] ابن رشد: فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الإتصال، الجزائر، (استنادا الى طبعة ليدن بتحقيق، ج. حوراني، 1977،ص11.

[25]  المصدر السابق، ص11-12.

[26] المصدر السابق، ص17.

[27] ابن رشد: فصل المقال، ص27-28.

[28] المصدر السابق، ص27.

[29] المصدر السابق، ص29-30.

[30] علي بن الوليد: دامغ الباطل وحتف المناضل، بيروت، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، تحقيق مصطفى غالب، 1982، ج1، ص33.

[31] المصدر السابق، ج1، ص33-34. 

[32] احمد بن يحيى ابن المرتضى: كتاب القلائد في تصحيح العقائد، بيروت، دار الشروق، 1985، ص59). 

[33] ابن سبعين: بد العارف

[34] ابن سبعين: الرسالة الفقيرية، ضمن (رسائل ابن سبعين)، القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1965، ص14.

[35] ابن خلدون: المقدمة، دار الفكر، ص361.

[36] المصدر السابق، ص370.

[37] المصدر السابق، ص372. وهنا تجدر الإشارة إلى أن كل ما نعثر عليه،وبالأخص في الدراسات الحديثة عن ربط الغزالي للتصوف بالسنّة هو من نتاج التقييم والفكرة التي وضعها ابن خلدون. وعموما هي فكرة ليست دقيقة وتجافي معنى وحقيقة التصوف بما في ذلك تصوف الغزالي.

 

 

 جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (35)

عند البحث عن شخصية يسوع الناصري، يحتاج الباحث الى التمييز بين ثلاث أنماط من الصور التي تشكل ملامح تلك الشخصية المؤثرة بشكل كبير جدا في تاريخ البشرية

الصورة الاولى والاشهر لهذه الشخصية هي الصورة المقدسة والتي غُرست في وجدان المؤمنين بألوهية يسوع المسيح والمؤطرة بكل صفات العظمة والتبجيل والتقديس

وهذا النمط من تصور شخصية يسوع المسيح ليس مدار بحثنا مع اقرارنا بحق كل إنسان او مجموعة بشرية باعتقاد ما تشاء ومع احترامنا لكل فكرة ايمانية او اعتقاد ديني سواء اختلفنا معه ام اتفقنا.

الصورة الثانية ليسوع الناصري هي الصورة التاريخية لهذه الشخصية، والمقصود بها، ما ذكرت عنه المصادر التاريخية من خارج النصوص الدينية المسيحية

ومع اعتراف الباحثين التاريخيين ان المعلومات التي وفرتها المصادر التاريخية المعاصرة لفترة يسوع الناصري او المتأخرة عنها نسبيا، هي معلومة قليلة وسطحية ولا تُغني الباحثين، لذا صار من الضروري جدا الاعتماد على النمط الثالث من صورة يسوع، من اجل التوصل الى رسم معالم أقرب ما تكون لشخصيته الحقيقية. 

والمقصود هنا، هو الصورة التي تقدمها لنا النصوص الدينية المسيحية وخصوصا الأناجيل

فلا يمكن لأي باحث لشخصية يسوع الناصري ان يستغني عن تلك النصوص التي سطّرت السيرة الذاتية والملامح العامة لذلك الشاب اليهودي المصلح

و هنا يواجه الباحث تحدي كبير، حيث يكون لزاما عليه التفكيك والتمييز ما بين القراءة التاريخية البحتة والمتجردة من كل القناعات العقدية المُسبَقة، وبين الأبعاد الثيولوجيةِ التي اطّرت بها النصوص الدينية المسيحية شخصية يسوع الناصري والذي تمت إحاطتها بظلال كثيفة من التقديس والأسطَرَة من خلال نصوص الأناجيل التي تم تدوينها لاحقا وبعد اختفاء يسوع المسيح من مشهد الأحداث، وخلال فترة التدرّج بصناعة الإيمان المسيحي، والذي تحوٌل من جماعة يهودية صغيرة تؤمن بتعاليم نبي يهودي مصلح الى دين جديد يقوم كله ويتمحور حول شخصية ذلك المصلح !

و بالرجوع الى نصوص الأناجيل القانونية الأربعة، نستطيع الاستنتاج ان الشاب اليهودي المصلح يسوع الناصري كان من ضمن سلسلة الأنبياء والمصلحين التبشيريين او المُنذِرين بقرب مجيئ مملكة الرب

حاله حال يوحنا المعمدان وغيره ممن سبقه من أنبياء بني إسرائيل. والذين تركزت نُبوَتهم ودعوتهم على تحذير الشعب اليهودي وانذاره حول قرب مجيئ مملكة الرب والتي ستضع حدا للشرور الموجودة على الأرض وستنتهي بحلولها كل معاناة الشعب اليهودي وآلامه، حيث سينعم المؤمنون بمملكة عاصمتها أورشليم وتكون مسنودة بالنصر من السماء ولا ينتمي لتلك المملكة الا المؤمنين فقط

لذلك كان الانبياء التبشيريين بتلك الرؤية حول مملكة السماء يدعون الشعب اليهودي الى الاسراع بالتوبة والاستغفار ليكونوا من المحظوظين الملتحقين بمملكة الرب !

ومن خلال تتبع نصوص الأناجيل وما تضمنته من أقوال منسوبة ليسوع الناصري، نلاحظ بشكل واضح انه قد أشار بطريقة مباشرة واحيانا غير مباشرة الى أنه هو المسيح القادم ليكون المتوٌج من قِبَل الرب على مملكته، مع ملاحظة ان هذه الفكرة كانت تُشكّل اعتقادا جازما لدى يسوع الناصري ومحورا رئيسيا في دعوته

إن هذا اليقين الراسخ والقناعة الأكيدة لدى يسوع الناصري بكونه هو المسيح الملك القادم ليقود مملكة الرب القاضية على كل الشرور والآلام، نجده يظهر بوضوح في حيثيات محاكمة يسوع أمام مجلس كهنة اليهود في أورشليم، فقد أوردت

نصوص الاناجيل ان يسوع قد اجاب رئيس الكهنة حين سأله اذا كان هو المسيح ؟

(قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ)

انجيل متى 26\64

وهنا نلاحظ ان إجابة يسوع قد احتوت على تحدي ورهان مبني على اعتقاد يقيني جازم جاء على شكل نبؤة تحذيرية للكهنة الذين أصروا على ظلمه والمضي قدما في تصفيته والتخلص منه

ولم يكترثوا للوعيد الذي أطلقه يسوع الناصري بأنهم سينظرون (من الان ) إليه بصفته المسيح (ابن الإنسان) الجالس على يمين القوة (الله) والقادم إليهم راكبا السحاب ليعلن قيام مملكة الرب التي ستقضي على الشر والأشرار !

لم يكترث كهنة اليهود .واستمروا في إجراءاتهم للتخلص من يسوع، ونجحوا فعلا في مسعاهم، ولم ينظروا لا هم ولا غيرهم الى ابن الانسان وهو جالس على يمين القوة! ولم يظهر المخلّص على السحاب منذ ذلك اليوم والى زماننا هذا الذي اصبح فيه الناس يطيرون فوق السحاب !

نجح كبار كهنة اليهود في تآمرهم على يسوع الناصري الذي خذله الجميع وتخلوا عنه، بما في ذلك تلاميذه، بل وخذله حتى يقينه واقتناعه بأنه سوف يكون الملك القادم على السحاب، فخسر بذلك رهانه المصيري! 

ومن الأمور اللافتة في متابعة النصوص الانجيلية التي اشارت الى ذلك الرهان والتحدي الذي تضمنه الحوار بين يسوع وكهنة اليهود

إننا نجد السادة الذين كتبوا انجيل (لوقا) وهو الإنجيل الثالث من حيث الترتيب الزمني .قد عمدوا الى حذف الجملة التي يقول فيها انه سوف يأتي راكبا السحاب واكتفوا فقط بعبارة تشير الى ان ابن الانسان سيكون جالسا على يمين الله !

وسبب حذفهم للجملة مفهوم ..حيث انه لحين وقت كتابة إنجيل لوقا، كان قد مضى عشرات السنين ولم تتحقق بعد نبوة يسوع

اما انجيل يوحنا والذي تمت كتابته اواخر القرن الاول

بعد ان مات معظم تلاميذ يسوع وهم ينتظرونه قادما على السحاب !! ..ولان يسوع لم يأتِ بعد ..فاننا نجد كاتب انجيل يوحنا قد الغى كل الحوار وجُمَله واستبدلها بعبارة جديدة وضعها على لسان يسوع ليقوم بتغيير كامل لمفهوم نبوءة يسوع التي لم تتحقق

حيث نجد ذلك الكاتب المجهول ينسب ليسوع مقولة جديدة لم تذكرها الأناجيل السابقة ! وهي عبارة

(مملكتي ليست من هذا العالم!)

وبذلك تم التخلّص من الحرج الذي سببته النبؤة الخائبة والغير متحققة حتى بعد طول انتظار !

فمن خلال وضع عبارة جديدة منسوبة ليسوع، اصبح مفهوم المملكة القادمة والوعيد والتحدي كله مرتبط بموعد سماوي لا أجل له وتحول الوعيد الدنيوي الى موعد أخروي متلازم مع حلول يوم الدينونة !

ورغم محاولة كتَبَة إنجيل يوحنا الالتفافية، لكن تبقى اشارات النصوص الانجيلية الاخرى واضحة الدلالة على ان يسوع الناصري كان معتقدا بشكل حاسم بقرب مجيء مملكته، حيث نجده قد أطلق لتلاميذه وأتباعه تنبؤات عديدة حولها تؤكد لهم قرب ساعتها وإنّ منهم من سيكون على قيد الحياة حينها

(اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ) متى 16\28

(حَقًّا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ) لوقا 9\27

(اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هذَا كُلُّهُ) متى 24\34

وفي إنجيل متى 23 /10 نجد ايضا معنى قريب من هذه الفكرة المبشرة بقرب مجيئ ابن الانسان

وقد انتظر التلاميذ والجيل الذي تلاهم وماتوا جميعا ولم تتحقق تلك التنبؤات الى يوم الناس هذا !

ومن المفارقات التي نلاحظها من خلال تتبع نصوص الأناجيل.اننا نجد يسوع الناصري قد أطلق وعدا اخرا، على شكل نبوءة أيضا، في معرض رده على طلب اليهود منه بأن يعطيهم اية على صدق دعوته

حيث نجده قد أجاب بقوله لهم

(فَأَجابَ وَقَالَ لَهُمْ: «جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ) متى 12\39

وهنا نرى ان استجابة يسوع لمطلبهم قد جاء على شكل نبوءة يتحداهم فيها من خلال وعده لهم بتحققها مستقبلا، حيث سيمكث في القبر نفس المدة التي مكثها النبي يونان في بطن الحوت وهي ثلاث ايام وثلاث ليال

ولكن هذه النبؤة اليسوعية قد خابت ايضا ولم تتحقق

حيث ان يسوع أودع القبر نهاية نهار الجمعة واكتشف فراغ القبر من الجسد بداية نهار الاحد !!

وقد حاول الكثير من اللاهوتيين المسيحيين ايجاد تفسير او تخريجة للتخلّص من مأزق هذه النبؤة الغير صحيحة، فخرجوا لنا بتفسيرات وتأويلات اقل ما يقال عنها انها تصورات كوميدية صادمة !!

وبالإضافة الى تلك التنبؤات التي لم تتحقق .هناك ايضا العديد من التوقعات والوعود والنبؤات التي نسبتها الأناجيل الى يسوع الناصري .ولكن مجريات الاحداث اللاحقة اثبتت عدم صحتها وتحققها. ولعل أشهرها هو تلك المقولة التي جاءت على

شكل وعد قاطع من يسوع لتلاميذه الاثني عشر في متى 28/19

(الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي، فِي التَّجْدِيدِ، مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ)

وقد اثبتت الاحداث خطأهذه النبوءة واستحالة تحقق ذلك الوعد بعد ان خانه أحد التلاميذ الاثني العشر الذي وعدهم يسوع بشكل محدد بقوله ( انكم انتم..

وبذلك نقص عدد الكراسي

واضطر الاتباع لاحقا لعمل قُرعَة اختاروا من خلال نتيجتها شخصا جديدا ليشغل الكرسي الفارغ !!

لقد وجد المجتمع اليهودي المعاصر ليسوع الناصري في تنبؤاته العديدة التي لم تتحقق، وجدوا في ذلك دليلا على عدم مصداقية ادعائه للمسيحانية، لان نصوص التوراة اليهودية تجعل احدى علامات الانبياء الكاذبين هي عدم تحقق التنبؤات

التي يطلقونها كما ورد في سفر التثنية 18

وَأَمَّا النَّبِيُّ الَّذِي يُطْغِي، فَيَتَكَلَّمُ بِاسْمِي كَلاَمًا لَمْ أُوصِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، أَوِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ آلِهَةٍ أُخْرَى، فَيَمُوتُ ذلِكَ النَّبِيُّ)

وَإِنْ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: كَيْفَ نَعْرِفُ الْكَلاَمَ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ؟

فَمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ وَلَمْ يَحْدُثْ وَلَمْ يَصِرْ، فَهُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ، بَلْ بِطُغْيَانٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ، فَلاَ تَخَفْ مِنْهُ

وقد تسببت هذه النظرة اليهودية في تعميق الهُوّة بين أتباع يسوع المسيح، وبين غالبية المجتمع اليهودي والذي انعكس لاحقا على شكل عداوة عقدية تمثّلت في محاولة الذين كتبوا النصوص الانجيلية تحميل اليهود(وحدهم) مسؤولية سفك دم المسيح

 

د. جعفر الحكيم

 

ميثم الجنابيالتاريخ الروسي شأن تاريخ الأمم الأخرى، ميدان للفضيلة والرذيلة، نعثر فيه على كل المظاهر الممكنة للوجود الإنساني. غير أن ما يميز تجارب الأمم هو أصالة إبداعها. وليس المقصود بالأصالة هنا سوى ما يمكنه شحذ الذاكرة والوعي برموز المناعة ضد تكرار الخطيئة والخطأ. وهذا ما صاغه الفكر العربي القديم في مفهوم العبرة. فالعبرة هي تعبير عن إدراك لمعنى، واعتبار لماض، وعبور منه إلى مستقبل يجعل من تجارب الأسلاف حكمة الحاضر لا غنيمة المصالح ونزوات النفس البهيمية. إذ أن الحياة في نهاية المطاف هي بداية ونهاية، والتاريخ صداها الملموس والمجرد في الآثار والمآثر.

فالاعتبار بالماضي ليس تقليد مشاريعه الناجزة أو المجهضة، إذ لكل مشروع "منطقه" التاريخي في الفرادة وانعكاسه الوجداني في المصير. ومصائر الأمم هي تجاربها لا غير، لأن ما يخرج إلى الوجود هو استعداد لما فيها كالجود عند الكريم والشح عند البخيل، كما يقول ابن عربي. والاستعداد ليس فقط "حكم الأزل" بل والقدر التاريخي للإرادة. وعلى قدر إدراك النسبة الممكنة بين الأزل والتاريخ تتكون حصانة الرؤية والأفعال. إن الأزل ليس الغيب اللاهوتي في سواده المجهول، بل المصدر المتسامي للرؤية المتفائلة أيضا في حالة توظيفها العقلاني لشحذ الأمزجة بما يكفل لها إنقاذ العزيمة من جريمة الخور والهزيمة. ويمكن القول بأن التاريخ الروسي هو تاريخنا أيضا. لأن الرؤية العقلانية ينبغي أن تؤسس لذاتها حتى على تجارب الآخرين وليس بتكرار نماذج هذه التجارب أيا كانت نتائجها. فالتجارب البشرية لا تحب التكرار لأنه لا إنسانية فيها غير معاناتها. والمعاناة لا تعقل إلا بمعاييرها. وهي معايير ذاتية. ومن ثم فإن العبرة الوحيدة في التاريخ الروسي بالنسبة للعالم العربي تقوم فيما لا ينبغي تكراره. وهي عبرة لها قيمتها بالنسبة للكيان الذي تربى كثير من أحزابه وقواه الفكرية على تكراره ومحاكاته بالعبارة والمظهر، بحيث جعل من تاريخ هذه الأحزاب والقوى نيازك مجهولة الآثار وعديمة المآثر. لأن المآثر تفترض خوض غمار المجهول لا طرق المطروق، وإلا كانت هدية بين أصابع عجوز هرم!

ما من أمور اعقد على التكرار من الإصلاح واشق منه على العقل والضمير. فالإصلاح يكثف حزمة المعاناة الحقيقية وأضواءها المتوهجة على خشبة المسرح التاريخي للأمم. ففيه يتجلى حكم الأزل والإرادة أو الماضي والمستقبل وعلى قدر إدراك ماهية الإصلاح المفترض وتأسيسه العقلاني تكون مصائر الأمم، أي أن المصير يتوقف على قدر الاستعداد القائم في الأمم وقواها العاقلة. وهو استعداد تتوقف فضائله على وجود الوعي الذاتي بينما تتوقف رذائله على فقدانه. بصيغة أخرى إن عظمة الإصلاح تكون على قدر تأسيسه الذاتي بمعايير المرجعيات الثقافية الخاصة بوصفها الضمانة الوحيدة التي يلقيها إلينا التاريخ العالمي باعتبارها عبرته الحكيمة.

فالتاريخ العالمي بمعناه المتسامي هو تاريخ الصلاح والإصلاح. والإصلاح هو الرؤية الفعلية للواجب، والرؤية التي تتضمن بأقدار متكافئة حجج العقل وإحساس الضمير في محاولاتهما استكناه حقيقة الغاية الكبرى للجوهر الإنساني والخير العام. وهي رؤية تحكمت وما تزال تتحكم بالهواجس والمشاعر والأفكار التي لا تفتأ تعاني في بحثها عن معنى الوجود الإنساني الحق. وإذا كان "الإجماع" التاريخي المجرد قد بلغ ذروته في الإقرار بمبدأ الوسط باعتباره التجلي المعقول للحق، فلأنه إجماع تراكم في مجرى السيل الأخلاقي لتجارب الأمم باعتباره سبيل إدراكها المجرد للواجب. ومن الممكن العثور على هذا التراكم في أساطير الأمم وحكاياتها وفي إبداعها الوجداني وعقولها النظرية. وليس مصادفة أن يقرن الإسلام الصلاة بالفلاح في دعوته للآذان. فالفلاح هو إصلاح الروح والجسد. وليس لأن الفلاح والصلاح شيء واحد بالمعنى انطلاقا من أن فلاحة الأرض هي استصلاحها والعكس هو الصحيح، بل ولأن الغاية العملية منهما تهدف إلى خدمة الأرض ومن عليها. وهي حقيقة تمحورت عليها وحولها تجارب الأمم من أجل بلوغ السعادة. فالسعادة هي الغاية التي تسحق وتمحق نتوءات الأفراد والجماعات وتستثير فيهم في نفس الوقت كوامن المجهول بهيئة تحد وثورة، وإصلاح وتعمير. وتجبرهم أيضا على الوقوف عند كل منعطف حاد بغية تأمل ما جرى بمعايير الوعي الذاتي، أي تجبرهم على الوقوف أمام الإشكالية الأكثر تعقيدا بالنسبة للعقل والوجدان، اللذين لا يكون أمامهما أحيانا للتعبير عما يجري سوى لغة المفارقة لا عبارة المنطق. مما يجعل من العبارة المفارقة أسلوب تحسس الخيبة والأمل.

فالتاريخ الواقعي للأمم يحتوي بالضرورة على جملة من المفارقات المعقولة واللامعقولة. وبهذا المعنى لا يشكل التاريخ الروسي شذوذا. غير أن له، شأن تواريخ الأمم الكبرى مفارقاته الخاصة. ولعل قضية الإصلاح من بين أكثرها واقعية وحيوية1. وذلك لأن تاريخ الأمم جميعا هو ميدان تجلي الممكنات. ومن ثم فإن الإصلاح أمر طبيعي فيها. ولكل طبيعة نموذجها. فقد تكون الثورة هي الأسلوب الأمثل للإصلاح كما هو الحال بالنسبة للثورات الكبرى، لا الانقلابات الصغيرة المميزة للمغامرين والأنذال. وقد يصبح الإصلاح هو الأسلوب الأمثل. إذ لكل مرحلة وظروف متطلباتها أو ضروراتها التي تجعل من الثورة أو الإصلاح مجرد أسلوب في حل المشكلات الكبرى القائمة أمام الأمم. أما في روسيا فقد أحدثت فيها الثورة البلشفية انقلابا عميقا تاريخي المحتوى، إضافة إلى محتواها العالمي. أما ما سمي في وقت لاحق بعد حل  الاتحاد السوفيتي، "بالثورة الديمقراطية" أو "الثورة الرأسمالية" فهو تلاعب بالألفاظ ونكوص فعلي إلى الوراء سواء بالمعنى الاجتماعي أم الأخلاقي أم الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي.

ففي قضية الاصلاح وحولها يكمن أحد الأسباب الجوهرية لإشكال روسيا على الروس أنفسهم. وهو إشكال حيوي له قيمته الشبيهة بالقيمة التي اكتشفها أبو حيان التوحيدي عندما قال بأنه لا شئ أشكل على الإنسان من الإنسان نفسه. إننا لا نريد إجراء مقارنة أو تمرير موازاة بين تاريخ الإنسان وتاريخ روسيا، ولا أن نجعل أيا منهما نموذجا للآخر. فلكل منهما تاريخه الخاص في المعاناة. فمعاناة التوحيدي هي معاناة الثقافة الإسلامية في اكتشافها للأبعاد الخالدة في الوجود الإنساني. أما إشكال روسيا على الروس أنفسهم فقد عبّر عنه الشاعر الكبير تيوتشف (1803- 1873) في إحدى قصائده الشهيرة قائلا أن روسيا لا تدرك بالعقل، ولا يمكن قياسها بمقياس عام، وليس على المرء إلا الإيمان بها. ولم يقصد هو بذلك استحالة معرفة روسيا بالعقل، بقدر ما كان يقصد ضرورة عدم تطبيق التصورات والأحكام التقليدية والجاهزة عليها. وهي رؤية سليمة للغاية من حيث المطالبة بالنظر إلى تاريخ الأمة وتجاربها بمعايير غير عادية. وإذا كان تيوتشف قد نظر إلى هذه المطالب بمعايير "اللاعقلانية" فليس ذلك إلا لأنه أراد رفع إشكالية الواقع الروسي إلى مستوى الحدس الوجداني. لقد تعامل مع الواقع الروسي بوجدان الشعر المتسامي وكشف عن أن روسيا عصية على من لا يؤمن بها. وهو انطباع  متأت من وخز الآلام التي ولّدها كسر التقاليد الروسية وإخضاعها، وبالأخص بعد المرحلة البطرسية، لهوس المحاكاة العمياء للنزعة الأوربية في كل شيء.

 لكن لو تجاوزنا عبارات الذوق الشعري لإشكالية الروح الروسي، فإننا سوف نقف بالضرورة أمام الحيثيات الواقعية ومحاولات الرؤية الإنسانية لتذليل هذه الإشكالية. فالقضية هنا لا تكمن في تعارض العقل والإيمان من حيث محاولاتهما فهم التاريخ الروسي واكتشاف حقائقه الخاصة به، بل في القلق المثير للعقل والوجدان من حيث تعاملهما مع الإشكالية الكبرى لوجود روسيا التاريخي وتجربتها الثقافية. فهي الإشكالية التي جعلت من الصعب أحيانا فهمها حسب قواعد المنطق (العقلي). وهنا تجدر الإشارة إلى أن فرادة الأمم تتمثل في كيفية حلها للمعضلات الكبرى لوجودها الاجتماعي - السياسي والثقافي. وأن تاريخ روسيا هو تاريخ وجودها السياسي والثقافي، وهو تاريخ معقول سواء بمقاييس العقل أو الإيمان اللذين ينتج تعارضهما الشديد عن تعارض الحس الوجداني والعقل المجرد في رؤيتهما لواقع وآفاق تطورها. أما ارتقاء هذا التعارض إلى مستوى "المرجعية" الثقافية في الوعي الروسي التاريخي والأدبي فهو نتاج تطور الدولة الروسية وانعطافها الحاد عن "المسار الطبيعي" لكيانها الروحي (أو الماوراطبيعي).

  إن تحول تضاد العقل والوجدان إلى "مرجعية روحية" قابعة وراء أحكام ومواقف القوى المختلفة، يعكس أولا وقبل كل شيء تناقضات التكون التاريخي للدولة والأمة الروسيتين. فقد مرت روسيا بمرحلة طويلة قبل بلوغ استقلالها عن السيطرة التترية. وأدى هذا الاستقلال في بداية الأمر إلى تغذية مشاعر القوة، ون ثم استثارة الطاقات الكامنة للتوسع خارج حدود "روسيا الطبيعية" بدءا من إيفان الرهيب، الذي احتل قازان عام 1552. فقد كان احتلال قازان الخطوة الأولى في تبلور الذات الروسية القومية والدولتية. مما أثار بقدر واحد تهور الدولة والأمة في نظرتهما لذاتهما وللآخرين. وهو تهور له منطقه الطبيعي عند الأمم جميعا في حال خروجها من مأزق الخضوع إلى رحاب السيطرة. وهو خروج عادة ما يتخذ مظاهر غاية في التباين تتراوح بين الانزواء والاستكبار. أما الصيغة "النهائية" لهذا الخروج فعادة ما تحددها سيادة الأولويات في السياسة الداخلية والخارجية للدولة. وقد اعتمدت روسيا حينئذ صيغة المركزة الشديد للدولة وصيغة التوسع الخارجي من خلال ضم الأراضي المسلوبة. واستحدث إيفان الرهيب نظام "القوات الخاصة"، باعتبارها القوة الضاربة والحامية في نفس الوقت لشخصه ولإصلاحاته الإدارية في مواجهة القوى التقليدية. وأدى ذلك إلى استفحال قوة القمع المنّظم في تمرير التغيرات دون المساس بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي. ووجد ذلك انعكاسه في صعود فكرة المركز الروسي العام، مثل تحول إيفان الرهيب إلى "قيصر روسيا" عام 1547، وتحول الميتروبوليت الموسكوفي إلى "بطريرك روسيا" عام 1589. وهو  تحول كامن في أجنة الوعي الروسي السياسي والديني، ولاقى تجليه الأيديولوجي الأول في صعود فكرة "الرسالة الروسية" ومكانة موسكو فيها باعتبارها "روما الثالثة". بهذا المعنى يمكن فهم المساعي التوسعية لبطرس الأول ومحاولاته ترسيخ "الروح الإمبراطوري" لروسيا.

إن ظهور فكرة "الرسالة القومية" يرتبط عادة بالتحدي الميز الروح الساعي لتجسيد ما يعتقده خاصا  به.  وهذه الرسالة ليست اكثر من أحلام نابعة من سيادة الوجدان أو فيضه المفرط. والنتيجة المترتبة على ذلك - هي الطيش والتهور، ومشاعر الحب والازدراء، والانتقام والتشفي من كل استثمار جدي لتجارب الأسلاف مع ما يترتب على ذلك من تمهيد لطريق المغامرة. ورسالة كهذه عادة ما تؤدي إلى  بربرية لأنها لا ترى ابعد مما تريد ولا تعترف بما لا يدخل في تصوراتها عن الوجود. أما تصوراتها فهراوة خشنة. إن أقصى ما يمكن بلوغه بالنسبة للامة هو أن تعي رسالتها لنفسها، وأن يتكون وعيها الذاتي ضمن معاييرها وتجاربها الخاصة. ذلك ما يجنبها فرض تصوراتها المحدودة على الآخرين كما لو أنها أحكام شاملة. إذ لا أحكام شاملة في تجارب الأمم، لأنها تجارب فردية سواء بالمعيار العالمي أو التاريخي. فإدراك "الرسالة" يفترض إدراك المبدأ المتسامي والعمل بموجبه. وهو علم  وعمل يجردان الأمم من أثنيتها وقوميتها لأنهما يضعانها على محك المساواة التامة أمام المبادئ العليا. بهذا المعنى نستطيع الكلام عن رسالة إسلامية أو نصرانية أو بوذية أو اشتراكية أو شيوعية وليس عن رسالة قومية لأي كان. فالرسالة القومية لا تتحدد بقيم متسامية بل بقيم قومية. وهي قيم لها فضيلتها في حالة الاعتدال العقلاني الموازي لقيم الأخلاق العقلانية. وحتى في هذه الحالة لا يمكنها أن تقدم تجاربها كنموذج أعلى. والرسالة القومية بحوافزها الإمبراطورية، ليست أكثر من صيغة أيديولوجية للتوسع والهيمنة. من هنا تعارض وخلل "الرسالة الروسية" و"موسكو - روما الثالثة". فالرسالة كما أشرت تفترض سيادة المبادئ المتسامية، بينما الروسية هي قومية لها فضائلها ورذائلها، حسناتها وسيئاتها، خيرها وشرها، انتصاراتها وهزائمها. فالنفس الروسية شأن نفوس الأمم الأخرى تعاني من تناقضات لا تحصى. فهي ليست مثالا لغير ذاتها. أما موازاة موسكو وروما فهو حلم الأشرار مع أن ما أريد به هو الخير. فروما هي مركز الإمبراطورية وقلبها النابض. ولا شيء مقدس في روما. وفي رمزيتها لا تتعدى كونها مثال القوة والبطش لا الحق والسمو. أنها نموذج الإمبراطورية، ولا إمبراطورية بلا خلل في النفس. فالسائد فيها هو النفس الغضبية (قوة الاستحواذ والسيطرة). لذا يمكن القول بان محاولة تغليف النفس الغضبية الروسية بمسحة الرسالة المقدسة ليست إلا الاستعادة الأيديولوجية للإمبراطوريات "المقدسة" القروسطية التي لا قداسة فيها لغير الاستكبار.

أما من الناحية التاريخية فقد تصدى بطرس الأول لروسيا المترامية الأطراف بمشاكلها العديدة وتاريخها العريق بقبضات فولاذية. وتعامل معها بقوة الحديد والنار، كمن أراد إعادة صهرها من جديد في بوتقة تصوراته عن المثال والواجب، اللذين تمثلا له آنذاك في أوربا. وسواء كان ذلك صدفة أم لا، فان تغيير التقويم الزمني لروسيا من 1 – 9 – 7208 من "خلق العالم" إلى 1-1-1700 من ميلاد المسيح يرمز أيضا إلى إدخاله روسيا في الزمن الأوربي ومواجهة الواقع الروسي بمقاييس الزمن الأوربي، أي انه رفع تحدي الذات إلى المستوى الذي يفرضه منطق المواجهة الفعلية مع العالم المحيط. لقد حاول بطرس الأول أن يضع روسيا التاريخية في الزمن الأوربي وأن يجبرها على أن تواجه الآخرين كأنداد لا أن يعزلها في وداعتها التقليدية الثقيلة. وجعل من الإصلاح الشامل أسلوبا لتوحيد زمنها التاريخي وزمنها الثقافي.

وعلى عكس أسلافه جعل من التوسع الأوربي (الغربي) مقدمة سياسته الداخلية والخارجية. وإذا كان من الصعب اعتبار الحرب أسلوبا للإصلاح، فأنها مع ذلك خدمت إصلاحات بطرس الأول من خلال تأمين الوجود المستقل لروسيا واستفحال قوتها الداخلية والخارجية. فقد أدت انتصاراته العسكرية على الجبهة الغربية (مع السويديين) والجنوبية(مع الأتراك العثمانيين وإمارات تركستان) إلى إخراج روسيا من تقوقعها الجغرافي، إذ فتح لها ثغورا بحرية في الشمال (البلطيق) وفي الجنوب (قزوين والبحر الأسود). وبالمعنى الثقافي حولها إلى أحد المراكز السياسية الكبرى في العالم آنذاك. وتضمنت هذه الانتصارات تناقضاتها الداخلية. فالثمار "الطبيعية" لتجمع القوة الروسية في مجرى قرنين من الزمن، بعد التوسع الكبير الذي أنجزه إيفان الرهيب واستكماله في عهد بطرس الأول، ترافقت أيضا مع نبتات "غير طبيعية" بالنسبة للتاريخ الثقافي الروسي. وذلك لأن التاريخ الثقافي يتضمن في ذاته أولا وقبل كل شيء تأمل الحصيلة المجردة للتاريخ السياسي وإعادة إنتاجه في الرؤية الفلسفية للتاريخ القومي والعالمي. وهو تأمل يجد انعكاسه في إبداع نظريات سياسية جمالية وأخلاقية تستمد عناصرها الأساسية من تعميم التجربة الذاتية للأمة. وهذا ما فقدته روسيا منذ أن ظهرت على مسرح التاريخ العالمي في القرن العاشر الميلادي، مما أدى إلى تفتق نزوعها العسكري وطموحها الهائل للسيطرة، كظاهرة تستمد جذورها من ضعف المعاناة الروسية لإبداع مثالها الثقافي المستقل ومن افتقاد نموذجها السياسي الأمثل.

فقد كان تاريخ روسيا السياسي الثقافي في معظمه، وبالأخص منذ البطرسية، هو تاريخ التقليد الأعمى للغرب. بهذا المعنى أتكلم عن افتقاد روسيا للمعاناة الذاتية وبالأخص في مرحلتها الحاضرة. وإلا  فمن المضحك المبكي أن تكون لحد الآن مهمة صنع نظرية أو فكرة قومية هي الشغل الشاغل، على الأقل كلاميا،  لكل من اليمين واليسار والوسط! ويمكن أيضا فهم سبب الفرح الطاغي وراء التقييم اللينيني للمجالس الشعبية (السوفيتات) باعتباره الإبداع الثوري الأكثر أصالة في تاريخ البدائل السياسية لروسيا. وهو تقييم دقيق وموضوعي أدرك قيمة الأصالة في الإبداع الروسي السياسي القومي والعالمي على السواء. فقد كان النموذج السوفيتي لبناء الدولة هو الأول من نوعه تاريخيا بوصفه البديل الديمقراطي (أو حكم الشعب لنفسه). من هنا فان الخطأ التاريخي للستالينية يتمثل في استعاضتها عن المجالس الشعبية بالحزب ومن ثم إفسادهما كليهما بشكل انتقلت عدواه في وقت لاحق إلى مقاهي الإبداع "الثوري" للمغامرين والحثالات الاجتماعية والهامشية السياسية التي ما أن وصلت إلى سدة الحكم حتى جعلت من المجالس الشعبية المصطنعة والمجالس الوطنية واللجان والجمعيات وغيرها آلة أو غطاء لتمرير "السياسة الثورية"، التي ما هي في الواقع سوى استظهار جديد للبواطن الخربة لتقاليد الاستبداد.

 إن المثال السياسي يتكون في مجرى الصراعات الإجتماعية، التي تؤدي بالضرورة إلى ظهور محاولات متنوعة لإدراك الذات (الاجتماعية والقومية). وتجلت نتائج هذه العملية في روسيا بعد المركزة السياسية (السلطوية) الشديدة التي قام بها ايفان الرهيب. وظهرت بوادرها الأولى في صيغة البحث عن نموذج أعلى للوطنية وعن رموزها الجامعة. وليس مصادفة أن تشكل الإصلاحات الدينية للأرثوذكسية الروسية "الشرقية" وكذلك الإصلاحات "الغربية" في عهد القيصر اليكسي ميخائيلوفيتش (والد بطرس الأول) صيغتها النموذجية الأولى.

فقد كانت هذه الإصلاحات بشقيها (الشرقي والغربي) تمثل الحالة الأولى لتحرك العقل والوجدان الروسيين في مساعيهما صوب الإجماع على ما هو ضروري في الرؤية السياسية والثقافية. فالإصلاحات الدينية التي ارتبطت تاريخيا بالشخصية الروحية الروسية الكبيرة (البطريرك نيكون) لم تتعد في مظاهرها توحيد النصوص المتعلقة بالعبادات والطقوس الكنائسية، مثل ترجمة بعض كلمات الأناشيد وعدد قطع  الخبيزات والنبيذ وترديد كلمة "هلوليا" (مرتين أم ثلاث مرات) وكيفية الالتفاف والدوران (حسب عقارب الساعة أو بالضد من الشمس) والتصليب (بإصبع أم بإصبعين) وما شابه ذلك. وإذا كانت هذه "الإصلاحات" سببا في إثارة صراعات دموية حادة،  فلأنها كانت تتضمن موضوعيا إمكانية توحيد الأمة الروسية في حركات لسانها وجسدها اللاهوتيين، أو توحيدها من خلال هذه الحركات. وكشفت في الوقت نفسه عن أثر وفاعلية الكنيسة في الحياة الاجتماعية والسياسية. لقد طرحت هذه الإصلاحات بصورة غير مباشرة إشكالية الديني والدنيوي أمام الكنيسة والدولة والمجتمع. وحاول كل منهما استغلال هذه الإصلاحات بما يتلاءم مع غاياته وأهدافه القريبة والبعيدة. فالكنيسة سعت إلى الحصول على قدر من الاستقلال عن السلطة الدنيوية، والإبقاء على قدر من تأثيرها في شئون الدولة والمجتمع، باعتبارها السلطة الروحية المعبرة عن المصالح العليا لروسيا. إلا أن هذه المحاولة باءت بفشل وجد انعكاسه "العقائدي" في مواقف المجمع الكنسي لعام 1666-1667، الذي اقر، فوقية السلطة الدنيوية على الكنيسة. رغم أن الكنيسة الروسية لم تكن في تاريخها كله معارضة أو متحدية للسلطة الدنيوية. فهي لم تعرف المعارضة ولا التقية السياسية ولا حتى التحدي المبطن (باستثناء بعض الحالات الفردية). وبهذا استغلت السلطة الروسية نجاح الكنيسة وفشلها لتعزيز مركزيتها وإعلانها سلطة تمثل الدين والدنيا، مما أعطاها إمكانية ابتلاع رموز الإصلاح الديني الروسي بالشكل الذي يخدم القوة السياسية لا القوة الثقافية للدولة. الأمر الذي ساهم لاحقا في بروز وترسخ الوهم الأيديولوجي عن "الرسالة الروسية المقدسة" في توحيد العالم النصراني (الارثودوكسي).

أما الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة في التاريخ الروسي فقد لازم المرحلة السوفيتية التي أعلنت الدين أفيونا للشعوب وجاهدت من اجل تقويض أسسه وعقائده من خلال بناء الكيان الحكومي والاجتماعي على أسس خالية من تأثير الماضي وبناه التقليدية. إلا أن هذا الاستثناء ترافق مع قهر لا مبرر له. فالأيديولوجية  الشيوعية اعتبرت (وهو تصور سليم) بأن الإيمان (الديني) قضية شخصية، ومن ثم أعطت للمؤمنين حرية التصرف المقيّد، وذلك لأن المجتمع المدني التام هو مثال الفكرة الشيوعية. في حين تدخلت السلطة السوفيتية في شئون الدين الصغيرة والكبيرة، ومارست مختلف الأفعال المنافية لفكرة الانتماء الثقافي والروحي للأمم. فتاريخ الأمم ليس أحجارا يمكن رميها على قارعة الطريق لأنها قديمة. فالقيمة هنا لا تتحدد بالمنفعة المباشرة أو غير المباشرة، بل بمدى استيعاب تجارب الماضي وقيمه الروحية المتراكمة وذلك بهدف تحرير الإنسان من ثقل الماضي أيضا عبر استيعابه المتجدد وليس رميه في سلة المهملات.

ومع ذلك لم يجر تذليل هذا الوهم الأيديولوجي نظريا، أي التأسيس له فلسفيا وسياسيا. لقد تجزأ هذا الوهم في هواجس الوجدان والتهابات العاطفة السياسية المتقطعة مع كل نصر وهزيمة كما لو انه بقايا جروح على جسد الكيان الروسي. وساهمت هذه الالتهابات المتقطعة في مد الخيال التاريخي الروسي بإرهاصات متنوعة عن النموذج الأعلى "للسلافية" الروسية. حيث بدا هذا النموذج حينذاك كما لو انه الصيغة المثلى للإصلاح الروسي والمبدأ القادر على كبح جماح "العنصرية الأوربية". غير أن هذه التنظيرات اضطرت، بعد المحاولات العملية الأولى لتجسيدها، إلى أن تختار النموذج الأوربي نفسه (الألماني)! 

وبغض النظر عن أن المقارنة بين الأحداث القديمة والمعاصرة تأويل سقيم، لكنها قادرة على شحذ الرؤية النقدية بمعايير عملية بالنسبة لتقييم هذه الفكرة أو تلك ورؤية آفاقها. ومن الممكن أن نقارن الموقف من صربيا والجامعة السلافية في سلوك الدولة القيصرية والدولة الروسية المعاصرة. فالأحداث الحالية ولاسيما التدمير البربري لصربيا من جانب قوات حلف الأطلسي (والأمريكي منه بالأخص) وصعود موجة السلافية على مستوى السلطة التنفيذية والجماهير بمختلف أحزابها وقواها الاجتماعية يعيد نفس الظاهرة ويكررها بسخرية اشد. إن هذه الأحداث تكشف عن أن الوحدة المعقولة بمعايير الاثنية لا قيمة لها ما لم تؤسس بمعايير ثقافية سياسية لها مرجعياتها الحقيقة المتراكمة في مجرى المعاناة الفعلية للتاريخ والحداثة. لهذا استغلت السلطة التنفيذية الروسية آنذاك الزخم الجماهيري والعواطف الصادقة للروس من اجل توظيفها الدعائي. والقضية هنا ليست في ضعف روسيا آنذاك بقدر ما كان في ضعف إرادتها السياسية. فالبديل الواقعي "للرسالة الروسية" هو بناء ذاتها على أسس القومية الثقافية لا الادعاء الأيديولوجي أيا كان مضمونه. أما محاولات روسيا على مدار عقد من الزمن بعد انحلال الاتحاد السوفيت لدخول البيت الأوربي كشفت عن انه لا مكان لها فيه حتى عند عتبته. مع أن روسيا رغم كل ما فيهال من نواقص ليست اقل جمالا ورونقا من أوربا بأجمعها.

فالعناصر الأيديولوجية الأولية للسلافية ظهرت في عصر الإصلاحات الدينية التي أشرت إليها أعلاه. وساهم فيها كل من كريتشانيتش وكوتوشيخن. والمفارقة الأولية لهذه الظاهرة تقوم في أن كريتشانيتش الكرواتي الأصل والكاثوليكي المذهب، وجد في روسيا القوة الرادعة لألمانيا، وحالما اصطدم بالواقع الروسي اضطر إلى أن يعيد صياغة أفكاره بشكل يبرر لروسيا نفسها أن تتعلم من الألمان التحديث والعصرنة (من اجل تصنيعها وتقوية اقتصادها وازدهار علومها وآدابها)، وليس تقليد المظاهر. أما كوتوشيخن فقد كان بسيطا في آرائه، شديدا في انتقاداته لعادات الموسكوفيين وتقاليدهم. وإذا كانت خاتمة كريتشانيتش هي النفي إلى سيبيريا، فإن هجمات كوتوشيخن شيء لا قيمة له مقارنة بالنقد والامتعاض الذي قابل به الروس سلوك القياصرة الروس أنفسهم ابتداء من إيفان الرهيب وانتهاء ببطرس الأول. فقد جرى تصوير ايفان الرهيب في وقت لاحق على انه كان محبا للثقافة الأوربية، وكذلك الحال بالنسبة للقيصر بوريس غودونوف. بينما وجدت الجماهير الروسية في شخصية دميتري الدجال صديقا لللاتينيين (اللوثريين). في حين اعتبروا بطرس الأول تجسيدا كاملا  للنزعة الغربية الأوربية. فهو لم يكتف بإجبار الفئات العليا من الروس على العيش بالطريقة الأوربية (الألمانية والهولندية) في المأكل والملبس والمنام والمشرب والرقص، بل وطالبهم أيضا بإتقان ذلك والمثابرة عليه من المهد إلى اللحد. فبّدل كل ما طالته يداه من جيش وإدارة وصناعة وتجارة، ولكنه أبقى في نفس الوقت على نظام الحكم الفردي المطلق دون مساس. أما التطبيق الإرادي لإصلاحاته بالحديد والنار، فقد جعلها غير معقولة وغير مقبولة للأغلبية الساحقة من الشعب الروسي. إذ كانت في مظهرها خروجا عن التقاليد الوطنية للروس. وليس مصادفة أن يصف الجمهور الروسي بطرس الأول بالكافر واليهودي والزنديق والألماني ومصاص الدماء ومخرب البلاد والعباد وما شابه ذلك. فقد كان بطرس الأول عنيفا إزاء كل احتجاج إجتماعي، ولم يبق للمعارضين سوى الهروب إلى سيبيريا أو الصعلكة والالتحاق بفلول القوزاق.

هناك إجماع على الإقرار بمآثر بطرس الأول ودوره الكبير في تحديث وتطوير روسيا وترسيخ تقاليد المركزية الشديدة للسلطة والدولة فيها، مما أدى إلى صعوبة إخضاع السلطة والدولة نفسها لمنطق الفلسفة السياسية (العقلانية). فتاريخ الإصلاح البطرسي هو تاريخ الإصلاح الإرادي وتاريخ الإرادة الفردية، التي رسخت في الوعي واللاوعي الروسيين فكرة "القيصر – الأب" و"اليد القوية" باعتبارهما النماذج المثلى للحاكم والسلطة. إن إصلاحات بطرس الأول لم تستند إلى رؤية فلسفية تاريخية لها أسسها الخاصة في التراث القومي، أي لم  يستند إلى منظومة خاصة تستقي رؤيتها من حصيلة التجارب التاريخية لروسيا. من هنا سيادة الروح النفعي والعملي المباشر في الإصلاح،  مما أضاع البعد التراثي. ووجد ذلك انعكاسه غير المباشر في الوعي النظري التاريخي والسياسي والأدبي للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر من خلال تعمق وترسخ الانشقاق الروحي في الوعي الاجتماعي بشكل عام والوعي السياسي الثقافي بشكل خاص. وهو ما نعثر عليه في استفحال العداء والمواجهة بين التيارات "الوطنية" و"الغربية" و"الآسيوية" و"الأوربية" وغيرها.

إن عدم اكتمال التأسيس النظري للبديل الثقافي السياسي ضمن نظام للرؤية الإصلاحية المستندة إلى مرجعياتها الخاصة أدى إلى تعمق الإشكالية الثقافية والسياسية في الوعي النظري والعملي الروسي في غضون القرون الثلاثة الأخيرة. فالإصلاحات القيصرية، بما فيها البطرسية هي "إصلاحات لا تاريخية". لأنها إصلاحات لم تستوح رؤيتها من وعيها الذاتي. أنها لم تقم على أساس أيديولوجية قومية لها بنيتها النظرية في فلسفة للتاريخ الذاتي. وهو السر القائم وراء الهوس التحديثي الغربي. فان صعود التيار الغربي هو نتاج لعجز القوة الداخلية (النظرية والروحية) عن استقطاب وتثوير الطاقات الروسية من اجل تشييد بناء حضاري مستقل، فتشكل ما يمكن دعوته بالقاع الرخو لوعي الذات الروسي.

فالإصلاحات القيصرية لم تستجب لمتطلبات البدائل المتصيرة في عصر الأمم والقوميات البرجوازية. والإصلاحات المتنوعة للقياصرة المتنوعين صنعت في أفضل الأحوال جسدا برجوازيا بروح عبودي (القنانة)، مما حدد بدوره أيضا صعود وهيجان الروح الثوري المعارض بدءا من الديسمبريين وانتهاء بالبلاشفة. (يتبع...)

****

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1-  أما بالنسبة للعالم العربي، فإن تاريخه المعاصر هو تاريخ النشوء والارتقاء بعد غيبوبة القرون المظلمة للسيطرة التركية. وما "ثوراته" في الواقع سوى فورات النمو، ومن هنا انحرافها السريع عن الأهداف المعلنة بفعل تخلف قواه الاجتماعية والسياسية.  وهو السبب القائم وراء "خطورة" الثورة لا عدم جدوى الثورة بحد ذاتها. ومن ثم فإن الصيغة الأمثل بالنسبة للعالم العربي هي الإصلاح الدائم المستند إلى رؤية فلسفية تاريخية تستمد مقوماتها من  التاريخ العربي الإسلامي.

 

جميل حمداويالمقدمة: تتأسس الأنتروبولوجيا (Anthropologie) والإثنولوجيا (Ethnologie) على البحث الإثنوغرافي (Ethnographique) التوثيقي والمخبري بشكل خاص، على أساس أن هذا البحث العلمي هو دراسة حقلية (fieldwork) عملية تطبيقية بامتياز، تمد الإثنولوجي (Ethnologue) بمادة إثنوغرافية دسمة وعميقة وجادة لبناء نظرياته العلمية، وطرح فروضه وإشكالاته المختلفة والمتنوعة في دراسة الشعوب القديمة من جهة، أو البحث في العادات والأعراف الغريبة لجماعة معينة ومحددة، في زمان ومكان معينين. ومن ثم، فليس من الصائب، في المجال العلمي، القبول بالأبحاث النظرية المكتبية الإنشائية والذاتية المرتبطة بنقل المرويات المأثورة عن الرحالة، والمبشرين، والإداريين، والجغرافيين، والعسكريين، والمستشرقين، والإخباريين، دون النزول إلى الميدان المخبري الواقعي، أو الاحتكاك بالحقل التجريبي لمعاينة الظواهر الإثنولوجية ومراقبتها وتسجيلها وتدوينها وتوصيفها. ومن ثم، يصعب الحديث عن الإثنولوجيا والأنتروبولوجيا بشكل علمي دقيق ومركز، دون استحضار الإثنوغرافيا باعتبارها علما تخصصيا يستند إلى الأبحاث المونوغرافية الوصفية، والحفرية، والاستكشافية،  والتنقيبية، والاستقصائية، والتجميعية ...

المبحث الأول: تعريف الإثنوغرافيا

الإثنوغرافيا (L’ethnographie) هي دراسة وصفية لأنشطة جماعة إنسانية معينة، سواء أكانت جماعة بدائية تقليدية أم جماعة معاصرة ومتمدنة ، بالتركيز على بنيات القرابة، و التقنيات المادية، و المعتقدات الدينية، والتنظيم المجتمعي، واستعمال آلات العمل، والاستثمار في الأرض...

وتعد أيضا منهجية استكشافية تطبيقية في البحث العلمي في مجالي الإثنولوجيا والأنتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية[1]. وتوظف كذلك في علم الاجتماع[2] كما عند مدرسة شيكاغو[3].

ومن هنا، فالإثنوغرافيا هي دراسة ميدانية وتحليلية للعادات والقيم والتقاليد والأعراف لجماعات سكانية محددة. وقد ارتبطت هذه المنهجية، قديما،  بدراسة الشعوب البدائية. ومن هنا، فالإثنوغرافيا- حسب حسين فهيم- " هي الدراسة الوصفية لأسلوب الحياة ومجموعة التقاليد،والعادات والقيم، والأدوات والفنون، والمأثورات الشعبية لدى جماعة معينة، أو مجتمع معين، خلال فترة زمنية محددة."[4]

إذاً، تهتم الإثنوغرافيا، أو علم الأجناس البشرية، بدراسة الشعوب البدائية باعتبارها تمثل الطفولة الأولى للمجتمع الحديث المعقد؛ فنظرا لضيق حجم هذه الشعوب من الناحية الكمية والعددية، ونظرا لبعدها عن المؤثرات الخارجية، والبطء الذي يتجلى في تطورها، تقدم للباحثين صورة عن تحكم الضمير الجمعي، وسيطرته المطلقة على ضمائر الأفراد؛حيث نجد شخصية الفرد تذوب في شخصية الجماعة.ولاشك أن المقارنة بينها وبين الشعوب المتحضرة تقدم لعالم الاجتماع مجالا خصبا لمعرفة العوامل التي يخضع لها نشوء الظواهر الاجتماعية وتكونها.

إذاً، فالإثنوغرافيا هي وصف الشعوب القديمة والحديثة والمعاصرة، سواء أكانت بدائية متخلفة أم متحضرة متمدنة. وهي أيضا الجانب الوصفي التطبيقي من علم الإثنولوجيا التي تتخذ بعدا نظريا. ويتخذ هذا الجانب، في كثير من الأحيان، طابعا دراسيا مونوغرافيا يعنى بدراسة جماعة مجتمعية معينة، أو مؤسسة تضم جماعات عدة (تقنيات، وزواج، وعبادة دينية...).

وتعد الإثنوغرافيا، حسب كلود لفي شتروس(Claude -Levi Strauss)، المرحلة الأولى من عمل الإثنولوجي، والتي تتمثل في جمع البيانات والمعطيات والمعلومات حول الظاهرة الإثنولوجية. ويعني هذا " القيام عادة بتحقيق ميداني قوامه المعاينة المباشرة.الأمر الذي يطلق عليه الأنجلو- سكسونيون اسم (فيلد وورك/fieldwork)."[5]

أما الأنتروبولوجي الإنجليزي رادكليف براون، فيعرف الإثنوغرافيا بأنها بمثابة معاينة الظواهر الثقافية ووصفها، خاصة عند الشعوب المتخلفة.[6]"

وعليه، فالإثنوغرافيا هي وصف الظواهر الإثنولوجية، من عادات، وأعراف، وتقاليد، ومراسيم، وطقوس، ومعتقدات ...، وإخضاعها للمعاينة، والتدوين، والحفر الحقلي الميداني، والتحليل، والتفسير.

المبحث الثاني: أهداف الإثنوغرافيا وغاياتها

تتمثل أهداف الإثنوغرافيا في ربط ماهو نظري  بماهو تطبيقي.أي: ربط النظريات الإثنولوجية بالتطبيقات العملية التي تقوم بها الإثنوغرافيا. ومن هنا، تهدف الأبحاث الإثنوغرافية إلى جمع المعلومات والبيانات والمعطيات حول مجموعة من الظواهر الإثنولوجية المختلفة لدى جماعة محددة. ثم، السعي الجاد إلى توصيفها في ضوء المناهج العلمية الكمية أو الكيفية المتاحة. وبعد ذلك، كتابة التقرير العلمي حول مختلف المراحل والعمليات التي أنجزها  الإثنوغرافي في حقله الميداني.ثم، يأتي الإثنوغرافي (Ethnographe,) لاستكمال العمل فهما، وتفسيرا، وتحليلا، وتأويلا. 

http://www.faculte-anthropologie.fr/wp-content/uploads/2016/04/Définition-de-l’anthropologie.jpg" />

ومن هنا، فلإثنوغرافيا مجموعة من الأهداف والغايات التي يمكن حصرها فيما يلي:

u ربط التصورات والفروض الإثنولوجية النظرية بماهو عملي وتطبيقي وتجريبي واقعي، وفق رؤية علمية نزيهة ومحايدة وموضوعية؛

v النزول إلى الحقل الميداني لملاحظة الظواهر الإثنولوجية ومعاينتها وفق مقاربة علمية موضوعية دقيقة ومركزة؛

w جمع المعطيات والبيانات والمعلومات حول الظاهرة الإثنولوجية المدروسة؛

x تدوين المعلومات وتسجيلها بشكل علمي دقيق؛

y تنظيم تلك البيانات والمعلومات بشكل منهجي مركز؛

z توصيف البيانات والمعطيات المرتبطة بجماعة بشرية معينة في زمن ومكان محددين؛

{تحليل المعلومات الحقلية وتفسيرها وفق مقاربة سانكرونية قائمة على مبدأ المحايثة البنيوية من جهة، والمقاربة الدياكرونية القائمة على التاريخ والتطور من جهة أخرى؛

| المقارنة بين المجتمعات الإثنولوجية وفق بناها، ووظائفها، وتطورها؛

}رصد طبيعة الجماعة والمجتمع وفق رؤية عملية حقلية تطبيقية وميدانية؛

~ تطوير الدراسات الأنتروبولوجية والإثنولوجية إن نظرية، وإن تطبيقا، وإن وظيفة.

417 الانثولوجيا

المبحث الثالث: تاريخ الإثنوغرافيا

لم يظهر مصطلح الإثنوغرافيا (Ethnographie) إلا في سنة 1767؛حيث ورد هذا المفهوم في كتاب جوهان فردريك شوبيرلان (Johann Friedrich Schöpperlin (1732-1772))، وكان المصطلح يعني باقة من طبعات الكتب المتنوعة والمختلفة. وبعد ذلك،تأسست بفرنسا جمعية إثنولوجية سنة 1839م تهتم بالإثنولوجيا الطبيعية والثقافية من جهة، والبحث الإثنوغرافي من جهة أخرى. وكانت الإثنوغرافيا في روسيا تعني علم الشعوب. في حين، أطلقت الأنتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية على هذا النوع من الدراسة الحقلية الميدانية في الدول الأنجلوسكسونية.

http://www.faculte-anthropologie.fr/wp-content/uploads/2016/11/Archéologie.jpg" />

ولقد انتشرت الدراسات الإثنوغرافية كثيرا بفعل الاستعمار، وكان الهدف منها دراسة الشعوب المستعمرة، والبحث عن خصوصياتها الإثنية، واللغوية، والعرقية، والاجتماعية، والثقافية، والحضارية، ولقد استعان بها المبشرون في حملاتهم التنصيرية بشكل خاص.

وبعد انتهاء الاستعمار، تخلت الدول الغربية عن دراسة الشعوب الضعيفة والمتخلفة والبدائية لتنكب على مجتمعاتها وجماعاتها الخاصة بها. ومن ثم، فلقد انفتحت الإثنوغرافيا على موضوعات معاصرة كدراسة الطبقات الاجتماعية، ودراسة الإثنيات والأقليات والهويات المجتمعية القليلة العدد، ودراسة الجماعات الغريبة والمختلفة عن الجماعات المتحضرة والمتمدنة، ودراسة جماعات المدرسة...

واليوم، يلاحظ أن تسمية الإثنوغرافيا" لاتستعمل عند الأنجلوسكسونيين بقدر ما تستعمل عند الفرنسيين والألمان الذين ظهرت لديهم أول ماظهرت في أواخر القرن الثامن عشر وفي عناوين المجلات العلمية قبل أن تشيع في فرنسا على يد العالم الفيزيائي أمبير بشكل خاص.إذ جعل منها، عام 1824، فرعا من فروع المعرفة الإثنولوجية، وذلك في كتابه ( مقالة حول فلسفة العلوم).ثم اعتمدت التسمية كذلك عند الفلكلوريين في دراساتهم للتقاليد الشعبية في الأرياف الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين.واتخذت كلمة الإثنوغرافيا في فرنسا بصورة استثنائية وفي ما مضى، المعنى نفسه الذي اتخذته كلمة إثنولوجيا .وكان مارسيل غريول هو الذي حدد الإثنولوجيا، في الخمسينيات، عبر محاضراته أولا ثم في كتابه (منهج الإثنوغرافيا)، بأنها الفرع المعرفي الذي يحيط بأنشطة الشعوب المادية والروحية، ويدرس تقنياتها وأديانها وشرائعها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية وفنونها ولغاتها وأعرافها.[7]"

وغالبا، ما تستند الإثنوغرافيا إلى عمليات الملاحظة والمعاينة، والاستعانة بالمعايشة الميدانية الحقلية، وتسجيل المعطيات وتدوينها وتخزينها، وتوصيف الظاهرة، وكتابة البحث عنها من جميع جوانبها، وذلك بعد تحليل الظاهرة الإثنولوجية فهما وتفسيرا وتأويلا في ضوء المقاييس الكمية والكيفية من جهة، وفي ضوء المقاربة السانكرونية المحايثة والمقاربة الدياكرونية التاريخية والتطورية من جهة أخرى. ومن ثم، يرى كلود ليفي شتروس أن الإثنولوجيا والإثنوغرافيا لحظتان مختلفتان؛ إذ تسبق لحظة الإثنوغرافيا لحظة الإثنولوجيا التي تكون بعدية. والسبب في ذلك أن الإثنوغرافيا هي أول خطوة عملية تقوم على جمع المعلومات والبيانات والمعطيات وتوصيفها .بينما تتدخل الإثنولوجيا لتحليلها وتفسيرها وبناء النظريات في ضوء الاكتشافات الحقلية التطبيقية.وبهذا، تكون الإثنولوجيا نظرية.في حين، تكون الإثنوغرافيا تطبيقية وعملية وحقلية.

المبحث الرابع: مواضيع الإثنوغرافيا

من المعلوم أن الإثنوغرافيا فرع من فروع علم الاجتماع كالأنتروبولوجيا والإثنولوجيا. وتدرس ما تدرسه الإثنولوجيا من مواضيع مختلفة؛ حيث تنكب الإثنوغرافيا على دراسة العادات والأعراف والتقاليد والطقوس والمعتقدات الدينية لجماعة محددة، في زمن ومكان معينين، بالتنقيب والاستكشاف ومعاينة الظواهر الإثنولوجية، وتوصيفها بشكل كلي مونوغرافي أو استقصائي شامل.

وتهتم المقاربة الإثنوغرافية أيضا بدراسة طبيعة الشعوب القديمة وثقافاتها، وتعنى بأساليب عيشها، وتنكب على أنماط حياتها في ضوء أعمال حقلية ميدانية مخبرية. علاوة على دراسة الجماعات المحلية والبدوية والقروية، و الاهتمام بالجماعات المنعزلة الغريبة عن المجتمعات الحاضرة، ودراسة القبائل والعشائر المختلفة عن الشعوب المتمدنة والمتحضرة. فضلا عن العناية بمشاكل الجماعات والمجموعات التي يعرفها عالمنا المعاصر.

ويعني هذا أن علماء الأنتروبولوجيا والباحثين الحقليين الإثنوغرافيين" يجدون في الوقت الحاضر أسبابا كثيرة لتطوير طرق البحث التي يعتمدون عليها في جمع مادتهم العلمية، حيث يتجهون إلى دراسة مشكلات جديدة في أنماط مجتمعية غير منعزلة تتمتع بشيء من التغاير الديمغرافي، وتقع داخل دول حديثة، كما هم يسعون إلى تحقيق القضايا الكيفية التي انتهت إليها بحوثهم التي اعتمدت على الملاحظة بالمشاركة والرجوع إلى الإخباريين، مما يمهد للاتجاه إلى التزام ما نطلق عليه المدخل السوسيو-أنتروبولوجي في دراسة المجتمع."[8]

ومن هنا، فالإثنوغرافيا هي الدراسة الوصفية للشعوب والجماعات الإنسانية، وفق رؤية عرقية من جهة، أو وفق رؤية هوياتية وطنية من جهة أخرى. ومن هنا، فالإثنوغرافيا هي دراسة خاصة للشعوب.في حين، إن الإثنولوجيا هي بمثابة دراسة عامة وشاملة للشعوب.ويعني هذا أن الإثنوغرافيا ليست جزءا أو مبحثا من الإثنولوجيا كما هو سائد عند الطلبة والباحثين، بل هي علم مستقل بنفسه، ولكن هو المصدر الميداني المعتمد في الدراسات الإثنولوجية.

ومن ناحية أخرى، تهتم المقاربة الإثنوغرافية بدراسة مواضيع معاصرة جديدة كالتركيز على المدرسة والجماعة على المستوى المحلي، ودراسة المؤسسة والفصل الدراسي في ضوء المجتمع المصغر، مع الاستعانة بالملاحظة والمعايشة وطرائق البحث الميداني، واستعمال الكاميرا والمقابلة بشتى أنواعها، والتركيز على الوحدات الصغرى المكونة للفصل الدراسي، مثل: المتعلم، والمعلم، إلخ...لاستكشاف الجوانب الاجتماعية المخفية[9].

فضلا عن تناول مواضيع بيداغوجية وديدكتيكية مهمة كتعليم الكبار، والتنشئة الاجتماعية، والطفولة المبكرة، والمناخ المدرسي، والتفاعل داخل الفصل الدراسي والمدرسة، وطرائق التدريس، والثقافة المدرسية، والتعليم غير النظامي، وأساليب التحفيز، والثقافات الفرعية والتربية، وغيرها من المجالات والمظاهر التربوية)...

المبحث الخامس: منهجية الإثنوغرافيا

الإثنوغرافيا منهجية حقلية ميدانية تطبيقية وعملية.ومن ثم، فهي دراسة وصفية وتحليلية ميدانية لمختلف القيم والعادات والشعوب المعينة، ولاسيما الشعوب البدائية . ولقد استعملت أيضا في دراسة الظواهر الإثنولوجية والمجتمعية والأنتروبولوجية المعاصرة . ومن هنا، يستند البحث الإثنوغرافي إلى مجموعة من الخطوات العملية والإجرائية على النحو التالي:

u دراسة الظواهر الإثنولوجية لجماعة معينة في زمن ومكان محددين، كدراسة العادات، والأعراف، والتقاليد، والطقوس، والمراسيم، والمعتقدات الدينية؛

v دراسة الظواهر  الإثنولوجية ضمن حقل ميداني حفري معين (Field Work) ومحدد بدقة، أو وفق ما يسمى أيضا بالملاحظة الميدانية؛

w تجميع المعلومات والبيانات والمعطيات حول الظاهرة المدروسة حقليا؛

x تدوين المعلومات وتوثيقها وتسجيلها وتخزينها بشكل دقيق؛

y وصف الظاهرة الإثنولوجية وصفا نسقيا في مختلف بنياتها وعناصرها الجزئية؛

z تصنيف أجزاء الظاهرة وتنميطها وفق الأسس العلمية والمبادئ الموضوعية؛

{ تحليل الظاهرة الإثنولوجية وفق المنظور السانكروني من جهة، أو وفق المنظور الدياكروني من جهة أخرى؛

| استعمال منهج المقارنة بغية البحث عن أوجه الائتلاف والاختلاف بين الجماعات الإنسانية القديمة والمعاصرة؛

} تفسير الظاهرة الإثنولوجية وفق المناهج الكمية أو الكيفية على حد سواء؛

~ الاستعانة بالملاحظة المباشرة ومنهج المعايشة أو المشاركة الحية في بناء الأبحاث الإثنولوجية.

ومن هنا، يتميز البحث الإثنوغرافي عن المناهج البحثية الأخرى، ولاسيما الكمية والإحصائية منها، بمعايشة المجتمع المدروس، والاحتكاك به على جميع النواحي والمستويات والأصعدة، كأن يكون ذلك المجتمع قبيلة، أو عشيرة، أو صفا دراسيا،أو مصنعا، أو مؤسسة، أو مستشفى، أو سجنا، أو دار رعاية، أو زاوية، أو حزبا، أو منظمة، أو سوقا...وتتحقق الخاصية الإثنوغرافية بإجراء أبحاث ميدانية وحقلية لجمع البيانات والمعطيات والمعلومات بغية تدوينها وتسجيلها وتوصيفها، والاعتماد على المشاهدات اليومية، وإجراء مقابلات، وتحليل الوثائق والسير الذاتية...

وعليه، يقدم الباحث الإثنوغرافي مادة إثنوغرافية دسمة ومتنوعة وغنية بالمعطيات والمعلومات، يعتمد عليها الإثنوغرافي والأنتروبولوجي معا لبناء تحليلاتهما وتفسيراتهما النظرية. ويعني هذا أن الإثنوغرافيا عبارة عن مختبر عملي  تطبيقي، أو ورشة ميدانية بحثية تساعد الإثنولوجي على التنظير العلمي، وكتابة البحث الإثنولوجي، وإعداد التقارير الأكاديمية الموضوعية. ومن هنا، تستند المادة الإثنوغرافية إلى توصيف الظواهر الإثنولوجية وفق مقاييس كيفية من جهة، أو وفق مقاييس كمية من جهة أخرى. ومن بين هذه المقاييس الاعتماد على الملاحظة الميدانية، والمعايشة الحية المشاركة، والاهتمام بالسير الذاتية، والاستمارة، والمقابلة، ودراسة الحالة، وتحليل المضمون...

وتتميز الدراسة الإثنوغرافية بمجموعة من الخصائص كدراسة الباحث الإثنوغرافي، على مستوى العينة، لحالة واحدة في مجتمع صغير أو جماعة معينة، ضمن البيئة الطبيعية للسلوك الإنساني بغية فهم هذا السلوك بشكل علمي دقيق، وتقديم مجموعة من التفاصيل الدقيقة والعميقة حول هذا السلوك المرصود. ناهيك عن عدم وجود فرضيات مسبقة ينطلق منها ذلك الباحث. علاوة على تمثل الملاحظة المباشرة في الاستكشاف والتنقيب. ويعني هذا أن دراسة الإثنوغرافي وحفرياته غير موجهة بشكل مسبق، بل يستنتج معلوماته عبر العمل والبحث الحقلي الميداني.

وتسمى منهجية الإثنوغرافي بالدراسة الحقلية) Ethnographic field work (، أو البحث الميداني؛ لأنه من غير الصائب علميا في مجال الإثنولوجيا والإثنوغرافيا أن يظل الباحث حبيس المكتب، يعتمد على أقوال الرحالة والإخباريين والإداريين والمستشرقين والمبشرين والمكتشفين والعسكريين، دون النزول إلى الميدان الحقلي لجمع الحقائق والمعطيات حول الظواهر الإثنولوجية والاجتماعية والثقافية لجماعة معينة، في زمان ومكان محددين. ومن هنا، كان الأمريكي فرانز بواس (F.Boas) والبريطاني مالينوفسكي (Malinovski)  سباقين إلى الاهتمام بالدراسة الحقلية في مجالات الأنتروبولوجيا والإثنولوجيا. ثم تبعهم في ذلك مجموعة من الباحثين كراد كليف براون، وإيفانز بريتشارد، وكلود ليفي شتروس، ومارغريت ميد، و لويس مورجان، ومايير فورتس، ودافيد مونتكمري هارت، وباحثي جامعة شيكاغو، إلخ...

ومن هنا، " فإن المنهجية التي تقوم عليها الأنتروبولوجيا هي الإثنوغرافيا.إنه العمل الحقلي الشهير الذي يشارك فيه الباحث في الحياة اليومية لثقافة مختلفة بعيدة أو قريبة يراقب، ويسجل، ويحاول أن يعبر عن وجهات نظر الشعوب الأهلية، ثم يكتب.يعتبر كل من بواس ومالينوفسكي المؤسسين لهذه الطريقة، أحدهما عند الهنود على الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، والآخر عند سكان جزر تروبريون (Trobriand)على ساحل غينيا الجديدة.بواس بدءا من العام 1886م ومالينوفسكي عام 1914م، وحدهما قد ذهبا يستقصيان عن الحياة اليومية لثقافة ما على الأرض، بدل التفكير انطلاقا من روايات المكتشفين والرحالة والعسكريين والمبشرين، ما أتاح الدخول في مرحلة جديدة من هذا الاختصاص تقوم على دراسات أحدية وافية وعلى وصف دقيق كامل إلى حد ما، يتناول الحقائق المحلية، لقد أسهما بذلك في خلق صورة رومانسية عن الإثنوغرافي الذي يكرس وقته في وصف العادات الغريبة في مناطق بعيدة.إن كلمة حقل (Terrain) التي تشير في وقت واحد إلى مكان، وإلى موضوع بحث، قد صارت الكلمة المفتاح في الوسط الإتنولوجي:" يقوم بتسوية حقله"، " يعود من الحقل"، لقد تم القيام  ب" حقل أول"، ونقيم" علاقة بالحقل"...إلخ."[10]

ومن هنا، فالدراسة الإثنوغرافية هي دراسة حقلية ميدانية تطبيقية يختص بها الباحث الإثنوغرافي من جهة، أو بالمشاركة مع الباحثين الإتنولوجيين والأنتروبولوجين. ومن ثم، تبتعد البحوث الإثنوغرافية عن المرويات الغيرية، وتعتمد على البحوث الحقلية والميدانية الواقعية.ومن ثم، يقوم الإثنوغرافي بمجموعة من المهام الوظيفية كالسفر والارتحال إلى المكان المختار للدراسة، ولابد أن يكون مكانا أجنبيا غريبا غير مألوف، سواء أكان قريبا أم بعيدا. ثم اختيار موضوع إثنولوجي معين، كأن يكون دراسة العادات والتقاليد والأعراف والطقوس والمعتقدات عند جماعة معينة كالقبائل الإفريقية، مثلا. وبعد ذلك، يلتجئ الباحث إلى الملاحظة الميدانية، برصد الظاهرة المدروسة ومعاينتها بشكل مركز ودقيق، وجمع المعلومات والبيانات والمعطيات حول الظاهرة المدروسة، و تدوين البيانات وتسجيلها، ومراقبة الظاهرة، ووصف العادات والتقاليد عند تلك الجماعة المعينة وصفا دقيقا وشاملا من جميع الجوانب، في إطار دراسة مونوغرافية متكاملة، ثم تحليل تلك الظاهرة وفهمها وتفسيرها وتأويلها، والكتابة عن ذلك كله في شكل تقرير أو بحث علمي أكاديمي موثق.ويعني هذا كله أن الأبحاث السوسيولوجية والأنتروبولوجية والإثنولوجية والإثنوغرافية أبحاث تجريبية وموضوعية وعلمية وميدانية ومخبرية بامتياز.

وعليه،" فلقد كان من التقاليد العريقة في بريطانيا أن تكون الدراسة الإثنوغرافية الحقلية دراسة مركزة، ومن هنا كان تحقيق هذا بصورة جيدة يتطلب فترة ممتدة من الوقت لاتقل عن عام كامل، وقد تمتد لعامين أو أكثر في بعض الحالات. وفضلا عن هذا فإنه من المتوقع من الباحث الأنتروبولوجي أن يعيش بين أعضاء الجماعة المحلية كواحد منهم طالما كان هذا أمرا ممكنا، وهو ما يعني بقول آخر أنه سوف يتعلم أن يستخدم اللغة المحلية، وقد يستعين في هذا بمترجم من الأهالي الذين يعمل ويقيم بينهم، كما يعني أن لابد أن يهيئ نفسه للنفاذ إلى طرق تفكيرهم وأنساق معتقداتهم وقيمهم. ولعل التقليد الذي يتمثل في الدراسة الحقلية المركزة يدين- إلى حد بعيد إلى البحوث الرائدة التي قام مالينوفسكي (B.Malinovski) في ميلانيزيا والتي وضعت معايير جديدة تماما في الدراسات الأنتروبولوجية الحقلية."[11]

وبهذا، يوفر الباحث الإثنوغرافي المادة الإثنوغرافية التي تصف عادات الشعوب القديمة وأعرافها وتقاليدها وثقافاتها وفنونها وطقوسها وآدابها الشعبية. ومن ثم، تسعف الباحث الإثنولوجي على التحليل والتفسير والتأويل وفق ما تجمع لديه من معلومات ومعطيات ومعلومات عن مجموعة من الظواهر التي تتعلق بالمجتمعات والإثنيات القديمة.

ومن شروط البحث الحقلي أن يكون بحثا علميا دقيقا مركزا، يتسم بالموضوعية من جهة، والابتعاد عن الأحكام الذاتية والإسقاطية والتعميمية من جهة أخرى. ومن هنا، "تقوم فعالية الاستقصاء الحقلي دون شك، لا على بحث واع وفاعل، بقدر ما تقوم على التعلم العفوي.لذلك إذا ما اقتضى الأمر الاهتمام بالمنهجية، فإن فن الحقل كما جرت التسمية أحيانا لايمكن تعلمه من الكتب. فحين نكون في وسط ثقافة تختلف عن ثقافتنا، فإن هذه الثقافة الغريبة ستعمل على إعطائنا معلومات وعلى تشكيلنا ثقافيا أكثر مما تقدر ذاكرتنا على أن تعطينا إياه لنتفكر فيه. إنها تحدث فينا صدى أكبر من الصدى الذي نحدثه نحن فيها.هذا ما نطلق عليه اسم المعرفة عن طريق المؤالفة أو بالتشبع.إنها معرفة سيناريو الأحداث التي تدور حولنا. تسمح لنا التجربة بأن نقول ماذا يمكن أن يحصل، وبعدم تجاهل القواعد الكامنة في الثقافة. لأن التآلف البطيء والصبور مع الحقل لايجعل الأنتروبولوجي يتعامل بالكلية مع تنوع الظواهر أو أن ينقاد لها: إنه يحسن التمييز بين المعلومة وبين الضجيج المحيط. إنه اختبار الحقل-أو كما نقول منذ سيغموند فرويد- اختبار الواقع الذي يتيح عدم الاستسلام لإبداعات تحكمية وعدم إسقاط مايريد الباحث إسقاطه على الواقع الاجتماعي، وعدم الركون إلى مصالحه الذاتية أو الاستماع بالكلية لمصدري المعلومات الذين يحبذ العمل معهم.على الأنتروبولوجي في بذله جهده توصلا إلى الموضوعية أن يقاوم ضد نزعتين متباينتين: الأولى، أن يترك لعاداته قوة تنظيمها الحر والاعتيادي من حيث التقليل من أهمية الانطباعات الآتية من الخارج، وذلك بجعلها تنساب من المقولات الجاهزة التي تشكل تجميعا للاختلافات، بحيث يحول هذا التجميع كل معلومة خارجية إلى مجموعة الأصل كما لو كان ذلك إشارة إلى غرائبية  باطنية.أما الخطر الذي يكمن في مثل هذه الحالة، فهو المبالغة في التأويل."[12]

وينبغي على الإثنوغرافي أن يترك مسافة بين ذاته و موضوعه، ويبتعد عن الأحكام الجاهزة التي قد تسيء إلى موضوعه البحثي، وينصت جيدا إلى ما يقوله الحقل الاختباري أو الميداني.

إذاً، ينبغي " على الأنتروبولوجي في حقل عمله أن يجد نفسه باستمرار طارحا جانبا مقولات واهتمامات لاتتوافق مع مقولات ثقافته الأصلية، ولا مع المحصلات المدرسية في مهنته لقلة الاعتداد بها.إن موهبته تقوم على إظهار نفسه متقبلا.ومن جانبه وفي اتخاذه لموقع العارف، فإن صاحب المعلومة يعطي العالم معرفة يجهد في سبيل فهمها.والمعلومات التي يقدمها تندرج عند الأنتروبولوجي في مجموع لايعرفه.فإذا كان هذا الذي يعرف لايقول كل مايعرفه، فإن المعرفة التي يعطيها تبقى إلى حد ما معرفة منقوصة.فانطلاقا من توتر بين المقال وبين المسكوت عنه، وعلى المعارف التي يقوم كل طرف بنسبتها إلى الآخر، يتكون ما نطلق عليه اسم المعطيات الإثنوغرافية.لذلك على الأنتروبولوجي أن يكون على السمع.فعليه أن يخلق مسافة ليترك مجالا للتعبير ليس عن القيم فحسب، بل ليترك مجالا أيضا لتساؤلات وشكوك معطي للمعلومة.في مرحلتها العلموية، لم تعترف الإثنوغرافيا دائما بمعطي المعلومة كمحدث حقيقي. إن لهذا التمايز قيمته، ذلك أن عبارة معطي المعلومة تسحب النزعة الشخصية عن التجربة التذاوتية في الاستقصاء الحقلي."[13]

وعليه، فالإثنوغرافيا منهجية وصفية ميدانية وتطبيقية لما خلفه الإنسان من عادات وتقاليد وأعراف وثقافات ومخترعات وصناعات وتقنيات ومعتقدات وقيم  وفنون وفلكلور عند جماعة معينة، أو مجتمع معين، في زمان ومكان محددين.ومن ثم، تشكل المادة الإثنوغرافية قاعدة أساسية للبحث الإثنولوجي.ومن هنا، تكمل الدراسة الإثنوغرافية عمل الإثنولوجي؛ حيث تعضده وتقويه وتدعمه كما وكيفا.

إذا، فالإثنوغرافيا عبارة عن دراسات تطبيقية لمعرفة كيفية تنظيم المجتمع. أو بتعبير آخر،" تعني الدراسة الوصفية لأسلوب الحياة ومجموعة التقاليد، والعادات، والقيم، والأدوات والفنون، والمأثورات الشعبية لدى جماعة معينة، أو مجتمع معين، خلال فترة زمنية محددة.[14]"

وعلى العموم، فالإثنوغرافيا بحث تطبيقي ومنهجي وميداني، يهدف إلى دراسة قيم المجتمع، وعاداته، وأعرافه، وتقاليده، وأنشطته الثقافية الخاصة.ومن ثم، يعد الوصف الإثنوغرافي أول مرحلة في العمل البحثي.في حين، تهتم الإثنولوجيا والأنتروبولوجيا بتفسير العادات والأعراف والمؤسسات.أي: مرحلة التوليف أوالتركيب الذي كثيرا ما يتحقق عن طريق المنهج المقارن." إن هذا المستوى من المسعى البحثي هو الذي يشهد بروز التقنيات أو  المقاربات التي تختلف باختلاف الباحثين، إذ يذهب بعضهم إلى تفسير المراسم والشعائر الدينية مثلا بوظائفها المجتمعية الاستدماجية التوحيدية، بينما يذهب آخرون إلى المقارنة بين مزارعين مستقرين من جهة ورعاة رحل من جهة أخرى ليستخلصوا من أنشطتهم شخصيات ثقافية ونفسيات متباينة.هكذا ينتمي كل نمط من أنماط التفسير إلى مدرسة فكرية معينة."[15]

وعليه، تتجاوب الإثنوغرافيا - حسب كلود ليفي شتروس- " مع المراحل الأولى من البحث: المعاينة والوصف والعمل الميداني.والأدروسة التي تدور حول مجموعة محصورة النطاق بما يكفي لجعل الباحث قادرا على تجميع القسم الأعظم من معلوماته بناء على خبرته الشخصية، إنما تشكل نمط الدراسة الإثنولوجية بالذات. ولاحاجة بنا إلا أن نضيف أن الإثنوغرافيا يشتمل أيضا على المناهج والتقنيات المتصلة بالعمل الميداني من حيث تصفيف الظواهر الثقافية المخصوصة ووصفها وتحليلها (سواء أكانت أسلحة أو أدوات أو معتقدات أو مؤسسات).أما بالنسبة  للأشياء المادية، فإن متابعة هذه العمليات تتم عادة في المتحف الذي يجوز اعتباره من هذه الناحية بمثابة امتداد للحقل أو الميدان."[16]

إذاً، تستند الإثنوغرافيا - حسب كلود ليفي شتروس- إلى الملاحظة الحقلية، والمعاينة العلمية الدقيقة، والوصف التفصيلي، والعمل الميداني.

المبحث السادس: إيجابيات الإثنوغرافيا وسلبياتها

لاشك أن للإثنوغرافيا إيجابيات عديدة لاينكرها إلا جاحد متغطرس.فمن حسنات هذا العلم أن الإثنوغرافيا منهجية بحثية حقلية وميدانية بامتياز. علاوة على كونها منهجية قائمة على ملاحظة الظواهر الإثنولوجية في البيئة الطبيعية، ودراسة السلوك كما يظهر للباحث فهما وتفسيرا وتأويلا. ولا يتأتى ذلك إلا بعد جمع المعلومات والبيانات ووصفها.ومن هنا، فالإثنوغرافيا إجراء كيفي تطبيقي يقوم على الملاحظة الميدانية الموضوعية التي تتجاوز الدراسات الإثنولوجية الذاتية التي كانت تعتمد على أخبار الرحالة، والمبشرين، والعسكريين، والإداريين، والرواة...

بيد أن للإثنوغرافيا كذلك سلبيات وعيوب. ومن بين هذه السلبيات أن الدراسة الحقلية الميدانية ليست هي الطريقة الوحيدة لتطوير البحث الإثنولوجي من جهة، وتنمية الدراسات الأنتروبولوجية من جهة أخرى، فيمكن للباحثين والمفكرين والفلاسفة والعلماء أن يصلوا إلى نتائج مهمة في المجالات الإثنولوجية والأنتروبولوجية دون النزول إلى الميدان، فيكفي أن يجتهد الباحث في استقصاءاته الحدسية، والاستفادة من تجاربه الخاصة، والاعتماد على قدراته الكفائية في إدماج معارفه وموارده ودراساته وتقنياته ومهاراته في بناء البحوث الإثنولوجية بشكل علمي دقيق. ويمكن تعويض هذه المنهجية الكيفية النوعية بالمناهج الكمية المعروفة في مجال البحث العلمي لتحصيل النتائج اليقينية.وفي هذا، يقول مارك أوجيه وجان بول كولاين في كتابهما (الأنتروبولوجيا):" يمكننا، مع بعض المشروعية، أن نعتبر الاستقصاء الحقلي بمثابة الشروط الأولى لعمل أنتروبولوجي، إلا أن ذلك ليس بالترياق أبدا.فكل الباحثين الذين يحاولون الإجابة عن السؤال:" ماهو الإنسان؟" إنما يمارس الأنتروبولوجيا.ثمة لائحة طويلة من المفكرين من إيمانويل كانط إلى تودوروف، في إمكانهم تكوين أفكار عن السؤال دون أن تكون لهم تجربة عمل حقلي، بسبب علمه الغزير وحدوساته اللامعة. مارس مارسيل موس تأثيرا مستمرا في أفكار الأنتروبولوجيا، هذا دون أن يكون رجلا عمل في حقل؛ وإذا ماعلمنا مدى الدقة الواجب بلوغها للوصول إلى ملاحظات مناسبة، فقد كان أيضا أستاذ طرائق استقصاء.من  جهة أخرى، إن التنقل ومصادفة الناس وجها لوجه يمكن أن يثير الاعتقاد بوجود تجريبي لحقل مغلق جدا، إلا أنه ليس في وسع أي أنتروبولوجي أن يثبت إقفال ثقافة أو حقل. إن الاستقصاء لايقتصر على الوصف داخل المكان الذي يجري فيه الاستقصاء؛ ولايمكن أن نحرمه من التحديدات الخارجية التي يدرسها اختصاصيون آخرون، مثل الجغرافيين والديموغرافيين والمؤرخين واللغويين وعلماء النفس ...إلخ."[17]

ومن هنا، يتضح لنا أن الإثنوغرافيا ليست حقلية وميدانية بالضرورة، بل يمكن الوصول إلى حقائق إثنولوجية متميزة اعتمادا على صيغ أخرى من البحث كاستخدام التفكير الفلسفي، والاستعانة بالحدس التأملي العميق، وتوظيف التخييل العلمي الدقيق،وتوظيف الخبرة الكفائية للباحث العلمي، وقراءة الرموز الحفرية والحقلية سيميائيا ونفسانيا واجتماعيا، والاستعانة بالمناهج الكمية والإحصائية...

ناهيك عن كون هذه البحوث الإثنوغرافية تستغرق وقتا طويلا بين سنتين إلى عشر سنوات، وتستلزم الإلمام بلغة الجماعة المدروسة، ويتطلب هذا بدوره وقتا طويلا. ويصعب التعامل مع بعض المجتمعات المحافظة على مستوى اللغة، والعادات، والمعتقدات، والدين، والفصل بين الجنسين. وغالبا، ما يخضع الباحث لخلفيات دينية وفلسفية وسياسية وإيديولوجية وإثنية مسبقة تسقطه في الذاتية والأهواء والمنازع الشخصية.وقد يدفع حضور الباحث في جماعة ما ، في أثناء المعايشة الحية، إلى عدم تصرف الناس بعفوية وتلقائية كما في حياتهم اليومية. وقد يتعاطف الباحث مع المجتمع المدروس، إذا عاش معهم فترة طويلة.وبذلك، يتخلى عن النزاهة والحياد والموضوعية العلمية.

وقد يتعرض الباحث الإثنوغرافي لمجموعة  من الأخطار التي قد تودي بحياته نهائيا، ولاسيما إذا كان الحقل الميداني يقع في أمكنة صعبة وموحشة جدا كدراسة القبائل والعشائر الأفريقية والآسيوية؛ حيث لايوجد الأمن والسلم والاستقرار ؛ مما يؤثر سلبا في استمرار حفرياته التنقيبية، والقيام بالاستكشاف الحقلي.

دون أن ننسى صعوبة التدوين وتسجيل الملاحظات المرصودة بطريقة مباشرة وآنية وسريعة، فعلى الباحث الإثنوغرافي أن ينتظر وقتا طويلا حتى يعود إلى خيمته أو المنزل الذي يؤويه، وهذا سيؤثر في ذاكرته التحصيلية بلا شك.

وينبغي على هذا الباحث أن يمتلك مهارة وكفاءة فائقة في الملاحظة والمعاينة والتسجيل والتوصيف. ومن ثم، يتطلب البحث الميداني التدريب العملي المستمر على آليات الملاحظة والتدوين والمعاينة والتسجيل.

ومن جهة أخرى، يصعب تحليل النتائج التي توصل إليها الباحث الحقلي بسبب كثرة البيانات والمعطيات والمعلومات المحصلة؛ مما يجعل الباحث الإثنوغرافي عاجزا عن الإلمام بالتفاصيل العلمية الدقيقة كلها .

وأكثر من هذا فالبحث الإثنوغرافي مكلف جدا  من النواحي العملية، والمادية، والمالية، والإدارية، والبشرية؛ حيث تعجز بعض الدول الفقيرة أو النامية عن تمويل تلك الدراسات الحقلية مقارنة بالدول الغربية المتقدمة.

ومن عيوب البحث الإثنوغرافي كذلك أنه يعتمد على عينة محدودة ومعينة بدقة كأن يكون فردا واحدا، أو فصلا أو مدرسة واحدة.ومن ثم، تكون النتائج المحصلة مرتبطة بتلك العينة ؛ حيث يصعب تعميمها على باقي العينات الأخرى. 

الخاتمة: 

وخلاصة القول، إن علاقة الإثنولوجيا بالإثنوغرافيا كعلاقة النحو بالإعراب. ويعني هذا أن الإثنوغرافيا دراسة بحثية ميدانية تطبيقية بامتياز، تقوم على المعاينة الحقلية، والمشاركة الحية، والفحص الحفري، وملاحظة الظواهر الإثنولوجية، وجمع المعطيات والبيانات والمعلومات حول تلك الظواهر التي ستدرسها الإثنولوجيا والأنتروبولوجيا فهما، وتفسيرا، وتحليلا. وبهذا، فالإثنولوجيا نظرية من جهة، والإثنوغرافيا تطبيقية من جهة أخرى. ومن هنا، يوفر الإثنوغرافي مادة إثنوغرافية دسمة للباحث الإثنولوجي ليبني فرضياته العلمية، ويطرح إشكالاته المشروعة، ويقوي نظرياته وتصوراته البحثية.

ومن جانب آخر، يمكن القول، بأن الإثنوغرافيا هي ملاحظة الظواهر الإثنولوجية ملاحظة حقلية ميدانية، وتجميع المادة العلمية بغية توصيفها.وبعد ذلك، تتدخل الإثنولوجيا لتنظيم تلك البيانات وترتيبها،  وتصنيفها، وتنميطها، ومقارنتها. وفي الأخير، تتولى الأنتروبولوجيا مهام التحليل، والتفسير، والتنظير.

وبهذا، تتجاوز الإثنوغرافيا العلمية والحقلية ما كان يسمى من قبل بالتتبع التاريخي للمجتمعات الإثنولوجية، و تبتعد أيضا عن النظريات التطورية التي كانت ترصد مسار الشعوب القديمة وفق تطورها الطبيعي والبيولوجي، وبدأت تنأى كذلك عن تلك المقارنات التي كان يتكئ فيها الإثنولوجيون على روايات الرحالة، والمكتشفين، والمخبرين، والعسكريين، والمبشرين...، مستبدلة ذلك كله بتجارب حقلية وميدانية وحفرية تطبيقية علمية.

 

 د. جميل حمداوي

.......................

الهوامش:

 [1] -Jean Copans, L’enquête ethnologique de terrain, Paris, Nathan, 1998.

[2] -Coulon A. L’école de Chicago. Paris : PUF, 1992.

[3]- Louis M. Smith., « Ethnography », Encyclopedia of Educational Research, 5th edition, New York, Macmillan, 1982.

[4] - انظر:  حسين فهيم: قصة الأنتروبولوجيا: فصول في تاريخ علم الإنسان، عالم المعرفة، الكويت، العدد98، فبراير1986م، ص:14

[5] - جاك لومبار: مدخل إلى الإثنولوجيا، ترجمة: حسن قبيسي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب،الطبعة الأولى سنة 1997م، ص:12.

[6] - جاك لومبار: مدخل إلى الإثنولوجيا، ص:12.

[7] - جاك لومبار: نفسه، ص:13.

[8] - محمد عبده محجوب: الأنتروبولوجيا الاجتماعية، دراسات نظرية وتطبيقية، دار المعرفة الجامعية، مصر، الطبعة الأولى سنة 2009م، ص:13.

[9] - Sirota.R : (Approches ethnographiques en sociologie de l’éducation : l’école et la communauté, l’établissement scolaire, la classe), in : sociologie de l’éducation (dix ans de recherches), L’Harmattan, 1990, pp : 180-181.

[10] - مارك أوجيه وجان بول كولاين: الأنثروبولوجيا، ترجمة: جورج كتوره، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2008م، ص: 71-72.

[11] - محمد عبده محجوب: الأنتروبولوجيا الاجتماعية: دراسات نظرية وتطبيقية، ص:61.

[12] - مارك أوجيه وجان بول كولاين: الأنتروبولوجيا، ص: 72-73.

[13] - مارك أوجيه وجان بول كولاين: نفسه، ص: 71-72.

[14] - عدنان أحمد مسلم: محاضرات في الأنتروبولوجيا (علم الإنسان)، مكتبة العبيكان، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 2001م، ص:55.

[15] - جاك لومبار: نفسه، ص:13-14.

[16] - كلود ليفي شتروس: الأنتروبولوجيا البنيوية،ترجمة: حسن قبيسي، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1995م، ص: 375-376.

[17] - مارك أوجيه وجان بول كولاين: نفسه، ص: 81.

 

بقلم: شارلس بترورث

لم يعد بإمكاننا أنْ نبقى صامتين، لأنه بدى أصلاً أننا لسنا صامتين تواضعاً بل صامتين خوفاً.

سيبريان، ضد ديمتريانوس

Tacere ultra non oportet; ne jam non verecundiae sed diffidentiae esse incipiat quod tacemus (Cyprian, Against Demetrianus(

يعرف الضالعون في ترجمة نصوص فلسفية معقدة من لغة إلى أُخرى بدرجة من الدقة في الحَرْفية والاسلوبية أنَّ مثل هذا الجهد ليس باليسير. وتصبح المهمة أشد وعورة حين يسعون لتقديم فكر المؤلف بدلاً من تقديم وعرض تصوراتهم (افتراضاتهم) عن ذلك الفكر. ولكي يتحاشوا الحكم على المؤلف مُسبقاً، فَهُمْ يتناولون النصَّ كما يبدو، في أصل صياغته، محاولين فهم ما يقوله المؤلف فعلاً. وفعلهم هذا منطلق من فرضية أنَّ المؤلف محل الدراسة يعرف ما يريد توصيله وهم يضعون هدفهم فهم ما قصد اليه المؤلف.

على أنَّ هناك منهج آخر في التعامل مع هذا الأمر يرى أنَّ الفكر البشري مقيد بزمان وبمكان تشكله، وحتى بالأعراف اللغوية السائدة أثناء تشكله؛ وعليه سيعتمد فهم الفكر على الاعتبارات التاريخية والفيلولوجية (فقه اللغة). ويرى أتباع هذا المنهج أنَّ عملهم البحثي يقوم على تأكيد، اعتمادا على التحقيق التاريخي المزعوم بالنزاهة، على ما قد تمكن مؤلف ما من معرفة موضوعه ومن ثم تفسير المؤلف وفق هذا الحتمية. ويقوم أتباع هذا المنهج، على هدى هذه التأملات، بإعادة بناء نصوص معينة ومن ثم ترجمتها.

ورغم أنَّ كل ترجمات أعمال الفلسفة العربية في القرون الوسطى التي ظهرت في الربع الأخير من القرن الماضي قد تمت وفق أحد هذيّن المنهجيّن، لكن لم يفلح أيٌ من أتباعهما في عرض منهجه بوضوح كافي. واكتفوا بتقديم تمهيد قصير عن الاعتبارات التي اتبعوها في الترجمة، على سبيل توضيح هذه الاعتبارات بدلاً من الدفاع عنها. اضف لهذا، إنَّ قلة من الترجمات المتوفرة كانت مطلوبة بشدة بحيث أنَّ اتباع المنهجيّن حرصوا للحصول على اي نص متغاضين عن هذه الفروقات مجاملةً. على أننا اليوم نتوفر على عدد كبير من النصوص الأساسية وترجمتها بحيث بتنا واعين بهذه الفروقات. وتُسوِّغ هذه الفروقات، بين هذيَّن المنهجيَّن، لكونها أساسية لدراسة الفلسفة العربية القروسطية، الدراسة والتحليل المعمقيَّن.

التاريخية، فقه اللغة والفلسفة

يبدئ الاعتراض،على المنهج الأول الذي ذُكِرَ في الفقرة الأولى من البحث، بإنكار امكانية تناول نص ما بما هو عليه (أي بصياغته الأصلية). وهذا راجع لاعتقاد أنَّ الظروف التاريخية تفرض قيودا على مؤلف ما بحيث لا تمكنه من الكتابة بصورة حرة أو أنْ يكون واعيا تماما بما يريد قوله. وبإشارة خاصة إلى شرح ابن رشد على كتاب فن الشعر لأرسطو، شدد الباحثون على أنَّ ابن رشد ما استطاع احتمالا فهم كتاب أرسطو كما نفهمه نحن اليوم. فكل ما استطاع فهمه من النص ‘‘ كان محصورا ومحددا بصورة موضوعية بالمدى الدلالي والتصوري للترجمة العربية التي بحوزته وأية شروحات كانت متوفرة لديه.‘‘ [1] ولكون الفكر البشري مقيد بهذه الطريقة، فعلى المرء اللجوء ‘‘ للتحليل الفلسفي واللغوي الفيلولوجي [الذي] يهيئ الإطار الذي يعمل ضمنه التقويم والتثمين المعياريَّن للأفكار المنطوية فيه-أي التحليل- ...... ويصف الحدود القصوى التي تصل إليها هذه الأفكار. “

والتفسير الاضافي هو أنَّ بإمكان الباحث، بعد إرساء أُفق رؤية النص، تمعن أساس (مذهبه) الفلسفي والحكم على ميزاته .ولكن بغض النظر عن النتيجة العملية إنْ كان لوحظ أصلاً فائدة فلسفية لمثل هذا التحليل الفلسفي واللغوي، فهناك اعتبار وصله مباشرة أكثر. وبتوضيح بسيط، التفسير المطروح لتسويغ هذا المنهج البديل خاطئ لسببيّن .

اولا، إنَّ اقرار الباحثين بوعي مؤلف ما بما يفكر به ورضاه عن عرض تفكيره بوضوح لا يفترض إطلاقا تطابق آراء المؤلف مع آراء الباحثين. إذ ينظر الباحثون لمهمتهم من جهة صلتها لاكتشاف بماذا يفكر المؤلف حقا وهم يفعلون ذلك، قدر الإمكان، بدون تقييد انفسهم بأية آراء مسبقة . وغاية مثل هذا المهمة هي العلم والوقوف بما قاله المؤلف وفهم دلالته، يعني معناه وأهميته.

بالطبع أنَّ النصَّ الذي كان بحوزة ابن رشد يختلف عن النصَّ الذي بين أيدينا. وبالتأكيد افتقر ابن رشد للمعرفة المفصلة عن اليونان القديمة وتاريخها وسياستها وثقافتها المتوفرة لدينا الآن. غير أنَّ هذه الاعتبارات ليست محل خلاف ولا هي موضوع البحث . على العكس، بعد قبول نصّ ابن رشد باعتباره نقطة البداية الحية الوحيدة، ستكون المهمة في المقام الأول هي تقدير وتحديد ماذا قالَ عن كتاب الشعر لأرسطو. وعندما نلاحظ غموض تفسيراته وقصورها في تبيين المعنى، يتوجب علينا البحث عن سبب ذلك أهو النصّ الذي في حوزته، أم فهمه القاصر عن تاريخ اليونان وثقافتها أم رغبته لإتيان حكم معين. لا يمكن للباحثين الجادين تجاهل استدلاليا تميز ابن رشد،بغض النظر عن التأثيرات الثقافية المحيطة به، بموقع فكر متماسك يستحق التوضيح. فمهمة المُترجِم هي تعريف ذلك الموقع وتجلي مضامينه.

ثانيا، لا اعتراض على ذكر الفروقات الزمانية والمكانية واللغوية والثقافية التي تفصل ابن رشد عن أرسطو، لكن الوعي بهذه الفروقات لا يؤدي لمعرفة─ وبالتأكيد ليست معرفة ‘‘موضوعية‘‘─ ما الذي يُقيِّد فهم ابن رشد لأرسطو. وبرغم التفاصيل الكثيرة التي أوردها وساقها باحثو فقه اللغة تاريخيا حول طرق استخدام الكلمات في أزمان مختلفة وحول حالة النصوص التي كانت موجودة زمن ابن رشد، لكن هذا لا يسمح الحكم مسبقا على ما استطاع ابن رشد أنْ يفهمه من كتاب الشعر. وحقاً، ترفدنا مثل هذه التفاصيل بعوامل تخمينية ظنية فقط تفيدنا عندما نواجه تعقيدات في النصّ. يمكن طرح المسألة بصورة أشد وضوحاً: لا يهم كم نعرف الآن عما أثر على ابن رشد أو عن ماذا عرف ابن رشد عن نصّ أرسطو، لعدم تمكين هذه المعلومات الباحثين من أنْ يُقدروا مسبقاً ما يقوله ابن رشد عن النصّ أو ما كان باستطاعته أنْ يقول عنه.

يُقَدِمْ الكلام المذكور في أعلاه المعرفة التاريخية واللغوية المحدودة التي يمتلكها المرء باعتبارها نوعا من العلم وتُصَوِر الذين يتبنونها ويسلكونها بأنهم من العلماء. وتدل هذه المعرفة ضمنياً على التقدير الدقيق لما استطاع ابن رشد فهمه عن أرسطو . بمعنى آخر، إنها تمكن المرء من فهم ابن رشد ليس كما فهم هو نفسه بل بأحسن مما فهم نفسه. وهذه المعرفة، التي تعلن مساهمتها للتطور في الفكر البشري، وللوعي الجديد الذي تبشر به حول كل الفكر القديم بمحدودية زمانه ومكانه، تعفي نفسها من نفس هذه القيود والتحديدات.

أما المنهج الآخر فيعتبر التعلم (learning) أكثر فائدة للفلسفة. وأصحاب هذا الاتجاه، مثلهم مثل الفلاسفة الذين يدرسونهم، ينطلقون من وعي عسر المشكلة الموجودة في النصّ الذي بين أيديهم وكذلك من حدود معرفتهم انفسهم. ويسعون لفهم أفضل للمشكلة الرئيسية والقضايا الأخرى الصغيرة المرتبطة بها لكي يبحثوا فضائل الحل الذي يقدمه فيلسوف ما. وهكذا، فبخصوص بعض المشاكل، يرون انفسهم في حمة نقاش وجدل جرى بنجاح وبدون أية تحويرات مهمة عبر الأزمنة والأماكن واللغات والثقافات.

ولكيلا يبدو هذا عويصا جدا، سأعرض لأمثلة ثلاث لهذيَّن المنهجيَّن المختلفيَّن نحو التفسير النصِّي ومثله للترجمة. وستوضح هذه الأمثلة الفروقات بجلاء مما يسمح بتقويم عادل لفضائل كل منهما. يركز المثال الأول على كيفية سعيهم لفهم النصوص التي يقرؤونها خصوصا الطريقة التي يفترقون بها في تفسيرهم عن التأثيرات المحتملة على مؤلف ما. أما المثال الثاني فيبحث ما يدعيه الفيلولوجي الحتمي باعتباره الانجاز المهم لتلك المقاربة، الوضوح المتحقق من دراسة التغيرات التي تطرأ على النصّ أثناء انتقاله عبر الزمان وعبر المكان وعبر موروث الاتجاهات اللغوية. وأخيرا- أي المثال الثالث- نعير الاهتمام لما يعتبره ذلك الاتجاه جدير بالاستحسان في الترجمة ولسبب وجوب الحكم على معاييره بصورة غير مُرضِية.

الشعر باعتباره جزء من المنطق

انطلاقا من ذلك البعد الفقهي اللغوي الخاص، تُعتبر ترجمة وتفسير شرح ابن رشد الأوسط على كتاب الشعر لأرسطو غير مستحسنة لأن مؤلفها ‘‘يلح معاندا أنَّ ابن رشد هو الذي ‘يعتبر فن الشعر جزء من فن المنطق،‘ ويسعى لتفسير سبب ‘ اتخاذ ابن رشد لهذا الموقف ‘.‘‘[2] ورُفضتْ الحجة التالية القائلة – على وجه الخصوص، لأن ابن رشد يسعى في شرحه الوسيط على كتاب الشعر‘‘ لإرساء الأسس ... لفن شعر يهدف أساسا لتشجيع الأفعال المحمودة والحط من الأفعال الرذيلة... يبدو معقولا تماما اعتبار الشعر أنه جزء من المنطق ‘‘[3]– بناء على الأسس التالية:

وهذا الأمر هو قلب الحقائق على رأسها : فليس لأنه أراد أنْ يعطي الشعر وظيفةً وعظيةً قام ابن رشد باعتبار الشعر جزء من المنطق، لكن لأن الموروث (التقليد،التراث) الذي يتبعه ابن رشد أعتبر الشعر جزء من المنطق فتوجب عليه أنْ يُسوغ هذه الحقيقة ويرى وظيفة وعظيه للشعر.

فالإشكالية لا تخص إنْ كانت فكرة جعل الشعر جزء من المنطق قد نشأت مع ابن رشد أم لا، لأنه لم يتم التعرض لسوابق ضم الشعر ضمن المنطق. بل بالأحرى، المشكلة هي طرح هذا التفسير النزق للسؤال المهم جدا عن سبب إتباع ابن رشد التراث الذي يجعل الشعر ضمن المنطق للدرجة التي تفترض أنَّ ابن رشد والفلاسفة الآخرين يتبعون طوعا أو كرها أي تفسير مُحدَثْ يصادفهم ويُطَوِّعون آرائهم ليناسب ويوافق ذلك التفسير.[4] وهذا مما يسمح للمؤلفين بقدر كاف للتحوير ولكن ليس بقدر كاف ليكونوا حذرين وواعين بالتفسير الجديد المُحدَثْ.

بتعبير اخر، تُصبح كل الخلافات الفلسفية الكبرى لا قيمة لها من وجهة نظر هذا البعد الحتمي. ويصر هذا البعد على أنَّ ما يجب أنْ يشغل الباحث المفكر هو ليس محاولة فكر القضية أو الموقف الذي تبناه فيلسوف معين بل البحث عن أصل الموقف المعين. وبدلا من رؤية البحث من خلال فائدته لإلقاء الضوء على المواقف، لتوضيح غير المُفسَر كلية أو غير المعروض بكفاية─ إيجازا، باعتباره مسانداً للبحث الفلسفي─ يعتقد أنصار هذا الاتجاه أنَّه يقوم على وجه الخصوص بتوضيح محددات وقيود كل الفكر السابق عليه. وما إنْ يتمكنوا من تشخيص منشأ وأصل رأي معين، فلن يجدوا داعيا لتقصي قيمته وأهميته. يجب فهم كل الفكر السابق، غير واعين من تجذره في التاريخ، فقط في إطار ما يخبرنا عن المناخ الفكري لذلك العصر.

لتعزيز الاعتقاد بأن ابن رشد قد أُجبر على تحريف تفكيره ليوائم التراث الذي يتبعه، يجدر بنا التوجه لمقدمة اسماعيل دحيات عن شرح ابن سينا لكتاب الشعر لأرسطو. وهناك، جرت محاولة لعرض نفس الادعاء بخصوص طريقة ابن سينا في تفسير كتاب الشعر لأرسطو. فيمضي دحيات ويؤكد أنَّ كل هؤلاء الفلاسفة الذين قبلوا بالتراث القائل ان الشعر جزء من المنطق وجب عليهم تأييد وظائفه الوعظية. ومع أنَّه يعترف ويقر علنا عدة مرات أنَّ الفلاسفة يكرهون الشعر، إلا أنه لم يتوقف مطلقا لمعرفة أسباب هذا الكره. إذْ يكفيه أنْ يلاحظ أنَّ الشعر‘‘ ‘ وُضِعَ في أسفل سلم المنطق،‘‘ وأنَّه ‘‘ أُعتبر ضمنا أقل أهمية، لنقل، من الجدل أو البرهان،‘‘ ويستنتج بأنَّ‘‘ هذا يفسر العناية القليلة التي أولاها الفلاسفة له مثل الفارابي الذي كان جل اهتمامه هو المنطق الصرف والفلسفة‘‘.[5]

ويخفق تفسير دحيات في استيعاب المقام الأساسي للبرهان في المنطق عند الفارابي وعند الذين وافقوه في فهمهم لكتاب أرسطو الارجانون. وبسبب اعتقادهم أنَّ القياس البرهاني هو أرقى صور المنطق، فقد صنفوا كل أشكال المنطق الأخرى وفقا لدرجة بعدها عن البرهان. وسواء كانوا حقا مقتنعين بأنَّ المنطق البرهاني ممكنا في كل الأحوال─ بالأخص في الحالات العملية─ أو لم يكونوا، فإنهم دافعوا بقوة عن ذلك. وفعلوا هذا أساسا لكي يصدوا فتنة الشعراء. كان الصراع بين الفلاسفة، باعتبارهم المشرعين المفترضين للنظام الأفضل، وبين الشعراء أو ما شابههم، الذين ينافسون الفلاسفة أما من خلال دفاعهم عن الوضع القائم أو من خلال تقديمهم رؤية بديلة عن النظام الأفضل، قضية ساخنة عند الفارابي أو ابن رشد مثلما كان عند سقراط في جمهورية افلاطون. وإنَّ عدم ادراك وجود هذا الخلاف، ناهيك عن ذكر مضامينه السياسية العريضة، هو الذي جعل دحيات ومن يشاطره في افتراضاته يخفقون في ادراك وفهم المغزى الكامل لإدخال الفلاسفة للشعر ضمن فنون المنطق.

انتقال نص ابن رشد

يتمثل الافتراض الأساسي لمنهج الفيلولوجي الحتمي بأنَّ الكتابات الموجودة في تراث الفلسفة العربية في القرون الوسطى، اعتمدت بالكامل على ما كان متوفراً من نسخ من نصوص أرسطو. وبخصوص الشرح الأوسط لابن رشد على كتاب الشعر، تم التشديد على أنَّ ‘‘ أصداء النص العربي الأساسي لكتاب الشعر ... كانت بمثابة الحافز للشرح فضلا عن تشكيله أساس الشرح.‘‘[6] وهنا تصبح رواية طريقة وجوب تحوير وتغيير نص أرسطو من خلال ترجمته من الإغريقية للسريانية ومن ثم للعربية، أمراً اساسياً لتوضيح هذا الموقف والدفاع عنه. ولتوضيح كيفية‘‘ تغير المعنى وتحريفه عند كل مرحلة تالية من الانتقال‘‘ يتم عرض ترجمات مختلفة لتعريف أرسطو للتراجيديا وكذلك للشروحات عليها (Poetics 1449b 24-28).

منطلقاً من ترجمته الإنجليزية الخاصة لأفضل النسخ الموجودة من النصّ اليوناني الأصلي، يقوم الناقد بالانتقال إلى النصّ العربي لشرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر ولترجمته الإنجليزية الخاصة به للنصّ العربي، ثم لترجمة ابو بشر متى العربية وترجمتها الإنجليزية .[7] ولاحقا، يعرض ‘‘شكل محور قليلا‘‘ لنصّ أبو بشر متى. وعلى أسس غير مُبينة ولا موضحة أبدا، يؤكد الناقد أنَّه الشكل الذي ‘‘فهمه ابن رشد‘‘ لنصّ أبو بشر متى الأصلي؛ ويصاحبها أيضا لترجمته الانجليزية لها.[8] ويستعرض أيضا النصّ العربي لشرح ابن سينا في الشفاء على التراجيديا مع ترجمتها الانجليزية من قبله أيضا.[9] ووضع كل هذا أمام ما اعتبره ‘‘ الترجمة بالكاد مفهومة، لأنها غير مُفسِرة، للمقطع ذي الصلة‘‘ من شرح ابن رشد الأوسط لشعر أرسطو(يعني ترجمة كاتب المقال).

وتواجه هذه القضية ثلاثة صعوبات. أولا، أنها تفيد في عرض اعادة بناء تاريخية فيلولوجية مفترضة لانتقال كتاب الشعر أكثر مما تعزز ترجمة كتاب ابن رشد. فهنا مثلا يكتب الناقد أكثر من ثلاثة آلاف كلمة لتوضيح ترجمة مائة وعشرة كلمة من نصّ ابن رشد. ولو اتبعت هذه العملية بصورة منهجية فسيواجه القارئ الممكن ─إنْ وجد مثل هذ القارئ─ بحجم قوامه ستمائة ألف كلمة أو ألفان وأربعمائة صفحة. ولو تركنا هذا الجانب العملي جانبا، يبقى السؤال المهم : هل بإمكان إعادة بناء النصّ المساعدة في فهم نصّ ابن رشد بأي طريقة نافعة.

لكنها ترينا أنَّ ابن رشد عجز عن شرح بعض كلمات وردت في ترجمة أبو بشر متى وأنَّه فهم بعض أجزاء منها بطريقة تناقض المعنى الظاهري للنصّ. وكلا الأمرين واضحان لأي شخص يقرأ شرح ابن رشد مقابل ترجمة أبو بشر أو حتى نصّ أرسطو نفسه - باليونانية أو مترجما. ولا تُعين اعادة تركيب النصّ أي شخص على تعليل التغيرات التي أدخلها ابن رشد. على العكس، يحاول الناقد لإرجاع مثل هذ التغيرات لصعوبات واجهها ابن رشد أو من سبقوه في فهم نصّ أرسطو كما وصل اليهم. ولم يفكر الناقد مطلقا او يتأمل احتمالية ان المؤلفين المتأخرين قد استخدموا النصّ لأغراضهم الخاصة وهي أغراض تتوافق مع غاية أرسطو النهائية لكنها تتباين بالتفاصيل بسبب الفروقات والاختلافات بين جمهورهم وبين جمهور أرسطو. ورغم اقرار الناقد وبعضا من الفيلولوجيين، الذي يدعي أنهم [10] يوافقونه الرأي، بوجود رابطة بين الشعر والخطابة، لكنهم ينكرون ويتجاهلون المضامين العملية لمثل هذه الرابطة. ومع ذلك فالفارابي وابن رشد كتبا في الفلسفة السياسية مثلما شرحا أيضا لكتابات أرسطو. وتتميز كتبهما في الفلسفة السياسية بالدقة جدا حول الدور المُوجِه للسياسة ─ وبالأخص الفلسفة السياسية─ في النظام الأمثل.

تتعلق المشكلة الثانية بمسألة إنْ كانت اعادة التركيب أو أي دليل أقامته (اعادة التركيب) تُجيزان الحكم على أنَّ هذه الترجمة لكتاب شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر لأرسطو:

ككل ليست دقيقة ولا تمثل ما عناه ابن رشد، لأنها [الترجمة] تخفق في اظهار التأثير الفاصل الذي كان للترجمة العربية المشوهة لكتاب أرسطو عن الشعر وشروحاته العربية المتقدمة على فهم ابن رشد للنص.[11]

وإحدى الطرق لاختبار دقة وموضوعية هذا الادعاء هو وضع ترجمة الناقد (A) للمقطع المحلل بصورة شاملة واسعة بجانب الترجمة قيد المناقشة (B؛ أي ترجمة كاتب المقال). وتظهر مقارنة النصيَّن أنَّ ترجمة الناقد- التي يزعم أنها استفادت من الوعي بهذه التأثيرات ‘‘الفاصلة‘‘─ هي ترجمة غير دقيقة، مُملة، وغامضة بلا داعي:

A                                                          B

The craft of poetry of praise is that it is a likening and imitation of a voluntary virtuous and complete action that has a universal potential [of application] with regard to virtuous matters not a particular potential [of application] with regard to each one of the virtuous matters [separately]; an imitation whereby souls are moved to temperate state through the mercy and fear which has been generated in them, this [coming about]through the images of purity and cleanliness which are evoked [as existing] in virtuous men.[i]

The art of eulogy… is a comparison and representation of a complete virtuous voluntary deed ̶ one that with respect to virtuous matters is universal in compass not one that is particular in compass and pertains only to one or another virtuous matters. It is a representation that affects souls moderately by engendering compassion and fear in them. It does this by imitating the purity and immaculateness of the virtuous.

يكمن هدف الترجمة في التعبير بلغة ما عما عُبرَ عنه في لغة أُخرى، ويتوجب أنْ يكون النصّ المُترجَم مفهوماً بذاته بقدر ما هو مفهوم في لغته الأصل. وفوق هذا كله، فهو موجه نحو القارئ غير المتمكن من قراءة النصّ بلغة الأصل. ويتوجب بهذا الخصوص استعمال الهوامش لتفسير المصطلحات غير العادية وأي صعوبات نصية أُخرى؛ غير أنه يُستحسن تجنب الإطالة التي تثقل النصّ وتجعله عسر القراءة. وبالقدر الذي يتجنب فيه مؤلف النصّ الأصل استعمال الأقواس، يتوجب على المُترجم أنْ يستوعب فكرة النصّ المُترجَم بلا لجوء لمثل هذه الوسائل المتكلفة. والأكثر أهمية، يتوجب على المُترجِم أن لا يضيف للنصّ المُتَرجَمْ ولا يحذف منه مالم يتم توضيح مثل هذه الاستدلالات واسنادها. وأخيراً، يجب على المُترجِم استخدام مصطلحات متوافقة مع ما يجري الحديث بشأنه؛ مثلا ليس هناك من مسوغ لترجمة الرحمة ب ‘‘ mercy‘‘ بدلا من ‘‘ compassion‘‘ أو ‘‘ pity‘‘.[13]

والمشكلة النهائية التي تناولتها عملية اعادة التركيب المبينة هنا هي إنْ كانت تُسوغ نقد الجملة التالية:

يستنتج أرسطو وابن رُشد الاجزاء المُكَوِنة للشعر من فهمهم لما يتوجب ويفترض أنْ تفعله المأساة أو المديح، يعني، لتصوير فعل فضيلة كامل أو كلي بكلام يكون موزون ومتجانس.[14]

في هذا المقام هل من المعقول أن تربط أرسطو وابن رشد في هذه العبارة وتعزو لهما فكرة أن المأساة ─ في حالة أرسطو ─ أو المديح─ في حالة ابن رشد ─ ‘‘ تصور فعل فضيلة كامل أو كلي.‘‘ وكما هو واضح ليس لأي منهما سند وتأكيد، يؤكد الناقد: ‘‘ لم يَقُل أرسطو شيئا حول فعل الفضيلة في تعريفه للمأساة. ‘‘[15] وللتأكيد، ليس هناك من ذكر لفعل الفضيلة في نقل الناقد لمقطع من أرسطو: ‘‘ المأساة هي محاكاة لفعل جدي كامل وبمقدار معين.‘‘ لكن العبارة قيد المناقشة تسمح بالتأويل، وهي نقطة يقرها الناقد ضمنا عندما يعترف بأنه اتبع في ترجمتها تحليل (D.W.Lucas) للمقطع.

يبين لوكاس أنه من الصعوبة تقدير أفضل ترجمة للمصطلح الاغريقي spoudaias، الذي تُرجِمَ هنا ‘بالرصين،‘. ولكنه يلاحظ الأتي:

إنَّ كون المأساة هي mimēsis قد توضح في الفصل الأول، بأنها تحاكي ال prattontes في الفصل الثاني، والنقطة الرئيسية في ذلك الفصل أنهما spoudaioi.[16]

وبملاحظته أكثر أنه ‘‘ لا توجد مفردة انجليزية واحدة لل spoudaias تصح على كلتي الرجال والفعل ‘‘، يُحيل لوكاس القارئ لملاحظة وردت في تعليقه على كتاب الشعر b61451. وهو يفسر، في ذلك المقطع الأخير، بأن ‘‘spoudaios المستعملة للأشياء لا تعني ما سيفعله أو يقره ال ho spoudaios.‘‘ ثم يُحيل القارئ لأخلاق أرسطو a211219، حيث يستعمل أرسطو الصفة spoudaios مقترنا مع المصطلح arēte لكي يلاحظ أنه ‘‘ إذا وجدت ميزة في حرفة الاسكافية [arēte skutikē] واسكافي جيد [ spoudaios skuteus]، فعملهم هو حذاء جيد [hupodēma spoudaion].‘‘ [17] ولربما لاحظ لوكاس أنَّ أرسطو يجري اقتران مشابه في الاخلاق النيقوماخية حين يدعي ‘‘ يبدو ..... أنَّ الفضيلة [arēte] والانسان الفاضل [أو الإنسان الجيد، ho spoudaios] هما معيار كل الأشياء.‘‘[18]

في ضوء هذا النقاش─ يجب ملاحظة أنَّ المرء ينطلق من نصِّ ذكره الناقد للدفاع عن ترجمته لتعريف أرسطو عن المأساة─ نجد عدم وجود مُسَوِغ للرفض المتعالي للمقطع قيد المناقشة. يقدم البحث الفيلولوجي المتميز بالتجريب والاستكشاف أكثر مما بالقطع والرفض، فكرة واضحة عما يعنيه أرسطو حين يتكلم عن مأساة تحاكي فعلاً هو عظيما spoudaias . وهو يفسر محور اهتمام مثل هذه الأفعال في الفصل الثاني من كتاب الشعر. وإضافة لذلك، فمجرد التأمل بالتراجيديا المشهورة يعيد للذهن أنواع الأفعال التي يقصدها أرسطو: قتلُ أوديب لأبيه غضبا وبالتالي زواجه من أُمه، رفض أنتيجون ليعير انتباهه لبلاغ كريون بألا تدفن أخاها بولينيسز، وازدراء هيبوليتويس المتعجرف لفادريرا. وبالتأكيد هذه هي أفعال جدية (serious) لكنها جدية على وجه التأكيد فقط لأنها تتضمن قضايا أساسية عن الصواب والخطأ، يعني، أفعال ذات ميزة أخلاقية . لم يكن ابن رشد بحاجة لينتظر ابن سينا، ولا أن ابن سينا سيعتمد على ‘‘ نقاشات مبكرة في الإرث الأرسطي‘‘، لرؤية هذا الدفق الأساسي لنصِّ أرسطو. وكل ما توجب عليهم فعله هو قراءة نصّ أرسطو بعمق والتأمل للحظة حول الموضوعات التي تناولها في كتابه الشعر، سواء المأساة أو المديح. وبقدر ما كان كل منهم ─ على وجه الخصوص ابن رشد─ مُصرا على تفسير نصّ أرسطو، فعلى المترجم الواعي أنْ يربط الأثنيّن معا.

ترجمة نصّ ابن رشد

المنهج المتبع في الترجمة، الذي ندافع عنه هنا، الموجود في شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر، يعتمد على فكرة أن الباحثين يترجمون نصوص المفكرين المتقدمين لاعتقادهم (أي المترجمون) بوجود رؤى عند المفكرين المتقدمين عن مشاكل قد تُحير المفكرين المتأخرين. ولا يسعى المنهج للحكم مسبقا على ابن رشد باراءة (اظهار) ماهي التأثيرات التي كانت للترجمات العربية القديمة لكتاب الشعر عليه(أي ابن رشد) أو كيفية تقييد فهمه لأرسطو. يُقدم مُترجِم شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر تفسيرا واضحا عن كيفية انطلاق ابن رشد (في شرحه) ويسعى (أي المُترجِم) لكي يميز بين تفسيره او تأويله وبين ترجمته له. ويُنبه المُترجِمُ القارئ لتعديلاته في النصّ، ولشكوكه حول مقاطع معينة، ومُسوغاته لمثل هذه التعديلات والشكوك. وقبل كل شيء، فهو يعرض الترجمة بوصفها عمل يقوم بذاته. ويتوجب قراءتها (أي الترجمة) بكونها أفضل شيء مقابل للنسخة الأصلية من النصّ. وتقصد الترجمة لخدمة التفسير والتفسير بالطبع يوضح الترجمة؛ ولكن لا يمكن لأي منهما أنْ يحل محل الآخر.[19]

و البعد التاريخي عند الناقد لا يحفل بكل الاهتمامات الاخرى. وهكذا في مراجعة مشوهة أُخرى لترجمة لإحدى شروحات ابن رشد الاخرى، وهي مراجعة يعتبرها مُصَوِّرة تماما لهذا المنهج، يدعي الناقد:

إنَّ شرحاً لنصِّ أرسطو مذكور في ترجمة عربية، شبيه بشرح ابن رشد، هو عبارة عن بناء فكري مركب يجمع عدة عناصر تاريخية وتصورية مختلفة متناقضة ويعمل من خلال الاستعمال الدقيق لمصطلح يكون عمله كالهيكل الذي يحمله ويمنحه تخصصه التاريخي. ويجب أنْ تديم ترجمة لمثل هذا العمل إلى لغة اخرى ضرورياً وبوضوح الفرق ضمن هذه العناصر وتحفظ وبدقة التفاصيل المصطلحية. وبخلافه فلن يتحقق غرض الترجمة، لأن المستفيدين المؤملين، ومؤرخي الفلسفة الذين لا يعرفون العربية، ستفوتهم الفروقات الدقيقة التي تساعدهم على التقويم الصحيح لعمل ابن رشد ومعرفة ديْن سابقيه وتأثيره على اللاحقين.[20]

وهذا بالتأكيد يقلب ترتيب الأشياء. تكمن مهمة التفسير (التأويل)،وهي مهمة تالية للترجمة، في ملاحظة ‘‘الفروق الدقيقة‘‘ في المصطلح. ووحده التفسير القائم على الانتباه الدقيق للحجج وتقدير صحتها سيساعد ‘‘مؤرخي الفلسفة ممن لا يعرفون العربية...... في تقييم بدقة عمل ابن رشد.‘‘

ومع ذلك فالناقد يخطئ وينقد ترجمة المصطلحات الفنية في شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر بكونها ‘‘اعتباطية وغريبة ‘‘ ويورد معالجة مصطلحي التخيل والنظر ليثبت التهمة.[21] وللنقد بخصوص ترجمة المصطلح الأول بال ‘‘ imitation‘‘ثلاثة أبعاد: أولا، إنَّ ‘‘evoking images‘‘(اثارة الصور) ينقل معناه بدقة؛ ثانيا، لم يتكلم بما فيه الكفاية حول أسباب ترجمة التخيّل ب ‘‘imitation ‘‘ ؛ وثالثا، فهذه الترجمة ‘‘ تُشوه فهم ابن رشد لكتاب الشعر وتلغي الغرض الأساس للترجمة.‘‘ تبدو النقطة المهمة هنا هي اخفاق المُترجِم ليسند ويدافع بصورة صحيحة عن قراره لترجمة التخيّل إلى ‘‘imitation ‘‘. ودليل ذلك، أنه تم عرض جملة واحدة مُقتبسة من هامش كبير مُوَسع لتفسير هذا القرار؛ ثم عُوقِبَ المُترجِم لغياب مراجع المصادر الثانوية دفاعا عن قراره. وزُعِمَ أنَّ أفضل ترجمة وهي ال‘‘evoking images‘‘، عبارة عن نقل انجليزي للمفردة الألمانية vorstellungsevokation التي طرحها Wolfhart Heinrichs في عمليَّن يبدو أنهما ‘‘ يضيئان التراث الذي كُتب به شرح ابن رشد وهما لا غنى عنهما لتفسيره.‘‘[22]

إنَّ الهامش المشار اليه، ولم يُقتبس كاملا، يعالج صعوبة استيعاب المصطلحات المختلفة التي يستخدمها ابن رشد للتعبير عن مصطلح أرسطو mimēsis . ولأن هدف المُترجِم المُعلن هو لجعل شرح ابن رشد مفهوم بلغة إنجليزية مقروءة، فقد نبَّه القارئ للصعوبات الكامنة في ترجمة هذه الجملة:

بخصوص القضايا الشعرية، فال imitation والrepresentation تتولدان وتنتجان من ثلاثة أشياء: النغمة المنسجمة، الوزن، والتشبيه نفسه.

يشير الهامش قيد المناقشة، الذي أقتبس الفيلولوجي الحتمي منه الجملة الثالثة، لترجمة التشبيه ب ‘‘comparison ‘‘ ويوضح المشاكل المهمة بالطريقة التالية:

إنَّ مصطلح التشبيه، المستعمل في الفقرة2، في اعلاه بالاقتران مع التخيّل، imitation، كلاهما ينفعان في نقل معنى مصطلح أرسطو mimēsis. لاحظ أنَّ ابن رشد في هذه الجملة يربط الrepresentation (محاكاة) بال imitation ومن ثم يستبدل مصطلح التشبيه بالمحاكاة ومشتقاتها في بقية الفقرة. يستخدم ابن رشد مصطلح التخيّل الذي تُرجم بانتظام بimitation، بمعنى عام ولذلك يستوعب بدقه فكرة ال mimēsis عند أرسطو. ان مصطلحي المحاكاة والتشبيه اللذيَّن اترجمها بانتظام ب representation وcomparison على التوالي، استخدمها ابن رشد كما لو كانا انواعا من التخيل (imitation أو mimēsis) لتصوير التخيل في الكلام، في الميلودي، أو في الشعر. انظر ايضا الفقرة 24 مع الفقرة 22 في ادناه، مثلا كيف يستعمل ابن رشد هذه المصطلحات بصورة متبادلة بدون أن يؤدي لأي اضطراب.[23]

يُعتبر هذا التوضيح رغم قصره وايجازه، ─ عندما يطرح كاملا مثلما طُرح هنا─ توضيحاً مناسباً. هدف المُترجِم هو لتجنب تحميل قارئ الترجمة عبء تفسير النصّ من خلال الهوامش الكثيرة. وحقا، تسعى مقدمة المترجم لتنبيه القارئ لكيفية فهم المُترجِم للنصّ.

مع ذلك، هل يصح الادعاء أنَّ استعمال مصطلح ‘‘imitation‘‘ مقابل التخيل يعمل على ‘‘ تشويه وتحريف فهم ابن رشد لكتاب الشعر ويبطل الغرض الأساسي من ترجمته؟‘‘. بالتأكيد لا. إنَّ قيمة مصطلح مثل ال vorstellungsevokation هو في اشارته لل imitation بوصفه اسقاط لخيال أو إثارة خيال(صورة) في عقل القارئ أو المستمع. لكن غاية المُترجِم في العثور على مصطلح إنجليزي─ سويا مع مشتقاته─ ليناسب السياقات المختلفة التي يقع فيها مصطلح التخيل ومشتقاته، جعلته يتبنى الاختيار الذي دافع عنه في الهامش المذكور في أعلاه. وهو ‘‘لا يحرف فهم ابن رشد لكتاب الشعر‘‘ ولا ‘‘يبطل غرض ترجمته‘‘، لكنه يجعل ما يقوله ابن رشد عن نصِّ أرسطو مفهوما ويساعد القارئ للتأمل بما يعينه ال imitation أو مشتقاته في أي سياق معين. وبعيدا عن استبعاد معنى ‘‘evoking images‘‘، فالمصطلح imitation يحيط به ويشتمل عليه ─ تماما مثلما يشتمل على عدد من معاني اخرى يتكلم فيها ابن رشد عن التخيل.[24] علاوة على هذا، يُبيِّن الانتباه الكافي لكتابات الفارابي التي استعملها Heinrichs ليصل لفهمه عن التخيل بكونه vorstellungsevokation أو‘‘evoking images ‘‘(إثارة الخيال) ومحاكاة بلفظ Nachahmung أو ‘‘imitation ‘‘، أنَّ الفارابي يستعمل المحاكاة بنفس الطريقة التي يستعمل فيها ابن رشد التخيل. يعني، بالرجوع للملاحظة قيد البحث، يتخذ الفارابي المحاكاة بمعنى عام لل ‘‘mimēsis ‘‘ ويستعمل التخيل والتشبيه بانهما أصناف له.[25]

ويُعتبر ما يمكن تعلمه من الدراسات النصِّية الشاملة التي قدمها الفيلولوجيون مثل لوكاس وهاينريشز بكونه أمرٌ مهمٌ وحتى اساسيٌ للترجمة والتفسير النهائي لنصوص مثل شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر . وتزداد أهمية هذه الدراسات بالقدر الذي يقدمها مؤلفوها على أنها غير حاسمة ولا نهائية، وهم باحثون يدركون حدود معرفتهم. وفي أيادي مثل هؤلاء الباحثين، نجد أنَّ المعرفة الفيلولوجية ليست حتمية ولا هي عصا يضربون بها معارضيهم ليذعنوا لهم.

لكن عودة لقضيتنا: يُلام لجوء المُترجِم على حد سواء لمفردة ‘spectacle‘ لنقل استعمال ابن رشد لمصطلح النظر حين يُشير لهذا الفن من المأساة أو المديح، مثلما سيختاره ابن رشد،. ورغم ايراد هامش يُبيِّن وعي المُترجِم بالاستعمال العادي للمصطلح بأنه يعني ‘‘التفكر أو التأمل‘‘، فيُبدي الناقد دهشته بأنَّ المصطلح يمكن مع ذلك ترجمته ب ‘spectacle ‘ ولهذا ‘‘مُقدماً ثانيةً صورة مشوهة عن فهم ابن رشد لكتاب الشعر.‘‘ وثانية، فمن المفيد أنْ نورد الهامش كاملاً:

يستعمل ابن رشد نفس المصطلح الذي يستعمله المترجم العربي القديم، النظر، حيث يتكلم أرسطو عن opsis . ولكن كما سيتوضح لاحقا جدا، وخصوصا في الفقرات 24 و31، فانه يفهم المصطلح بمعناه العادي جدا للتفكر والتأمل.[26]

وفي تلك التتمة التالية المباشرة، يقول ابن رشد:

والذي يُشَّبه في المدح ثلاث أيضا: العادات، والاعتقادات والنظر─ أعني، استدلال صواب اعتقاد ما.

هنا، كذلك حين يرد المصطلح ‘spectacle ‘ ‘النظر‘ في الفقرة 24 و31، يُحال القارئ للملاحظة التي ذكرت للتو. وقد أُستُعمِلَ المصطلح ‘spectacle ‘ وليس مصطلح ‘speculation ‘ أو حتى ‘reflection ‘ في كل الحالات الأربعة ليدل على معرفة ابن رشد بوجود شيء ما قيد الاستعمال أكثر من مجرد كونه ‘speculation ‘ أو ‘reflection ‘، لكنه غير متيقن تماما ما هو ذلك الشيء.

فمثلا، في الفقرة 24 يلاحظ ابن رشد:

إنَّ ‘النظر ‘‘spectacle ‘ هو ما يفسر صواب اعتقاد. وكأنه كان عندهم ضربا ما من الاحتجاج لصواب الاعتقاد الممدوح به. وهذا كله ليس يوجد في اشعار العرب، رغم وجوده في الاقاويل الشرعية المديحية.

ثم يضيف في الفقرة 31 :

الجزء السادس هو النظر─ اعني، الاحتجاج لصواب الاعتقاد أو صواب العمل، لا بقول اقناعي فان ذلك غير ملائم لهذه الصناعة، بل بقول محاكي. فان صناعة الشعر ليست مبنية على الاحتجاج والمناظرة، وبخاصة صناعة المديح ولذلك ليس يستعمل المديح صناعة النفاق والاخذ بالوجوه كما تستعملها الخطابة.

وترجمة النظر ب speculation أو reflection وبالتأكيد ليس ‘‘البحث النظري ‘‘، لن ينفع ولا يضيف شيئاً في أي من هذه الحالات. يُفترض بالترجمة أنْ تستوعب معنى النصّ المُترجَم، تذبذباته فضلا عن يقينياته وأنْ يتم ذلك بطريقة لا تحط من شأن المؤلف ولا تضخمه. وحين يحمل النصّ المُترجَم عبء اضافي لكونه ترجمة لنصّ مشروح عليه، فيتوجب أنْ يسعى أيضا لأن ينقل للقارئ أفضل فهم وحتى أعلى فهم تحصل عليه من النصّ. وتُحقق ترجمة مفردة النظر هنا ب ال spectacle، بوجود تفسير كامل الهامش، هذه الغايات بدقة.

يشير رفض الناقد لترجمة هذا المصطلح إلى قضية أعمق وبالغة الفائدة. ويوضح هذا الاعتراض، شبيه بذلك الذي يتعلق بترجمة جينكواند(Généquand) المذكورة أعلاه، شوق رغبة الناقد لترجمة تُقدم بوضوح وبصرامة─ بوجود الدليل الذي يملكه المُترجِم حول استعمال اللغة في تلك الفترة ─ التقييم العُلمائي المعاصر لما كان بإمكان المؤلف معرفته عن النصّ. ولكن، باستثناء المُحدِدِات الزائفة الواضحة التي يفرضها هذا المنهج على المؤلف (مثلا، ترجمة الرحمة ب mercy لكون ابن رشد مسلم)، فهو يعتمد بصرامة على البيانات التاريخية التي هي إطلاقا واضحة لا لبس فيها. إنَّ مُترجِم شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر، مُقِراً بسعيه ليتعلم من ابن رشد أكثر مما أنْ يحوصله (يحصره) في دائرة محددة مسبقا، قَدَّمَ نصَّا يترك الاحتمالات مفتوحة على التفسير والتأويل المشار اليه الان. اضف على هذا، وكما لاحظ في مقدمة لترجمة أُخرى لابن رشد، فهو يعي تماما سقطة المُترجِم خائن (traduttore, traditore).[27] يبدو الناقد من الناحية الأخرى مطمئنا جدا بأن علمه يحميه من مثل هذا الخطر.

وتقود مثل هذه الثقة للمغالاة بخصوص عمل باحثين آخرين. مثلا، على الأساس الذي ‘‘يقدمه كانتارينو لترجمة عن مقطع مهم‘‘ في كتابه الشعر العربي في عصره الذهبي لشرح ابن رشد، يصر الناقد بأنَّ المُترجِم ‘قد يكون اطلع على عمله – عمل الناقد‘.[28] ويوضح للمتمعن في ترجمة كانتارينو أنَّ ترجمته ليست بذي فائدة لرؤية كيفية ملائمة ترجمة هذيَّن المصطلحيَّن في السياق.

ويقوم الناقد بحذف الفصل الرابع (الفقرات 20-32) من الشرح─ يعني، المقطع الذي يدور فيه الحديث عن مصطلح النظر ─ بدون أي توضيح لذلك.[29] ولا تُقدم ترجمته اي فائدة بخصوص مسألة التخيل. في جزء من كتاب كانترينو الشعر العربي المكرس لمناقشة الشرح(= شرح ابن رشد)، يبذل كانتارينو جَهدا جهيداً حول كيفية ترجمة المشتقات المتعلقة بالتخيل ويقرر في النهاية بأن ‘‘العملية الذهنية هي التي يستطيع بواسطتها الشاعر أنْ يُوَلِد ويُحدِث تصوراته التخيلية لتكون خيالية، فعالة وخلاقة ابداعية.‘‘ وبالتالي، فهو يختار ‘‘الخلق التخيليimaginatively creating [يُخيِّل]‘‘، ثم يختار ‘‘ خطاب خلاق تخيليا imaginatively creative discourse [ مُخيِّل]‘‘ في ترجمته الطويلة (انظر ص 178). لأن كانتارينو يُترجِم الرابطة، التي ناقشناها في اعلاه، التي يقيمها ابن رشد بين التشبيه والتخيّل، بال ‘‘creative and mimetic representation،‘‘ ثم بعد خمسة عشر سطراً يُترجِم التخيَّل بال ‘‘imaginatively creation ‘‘ (ص.179).[30]

علاوة على هذا يغفل كانتارينو، لعدم اهتمامه الكافي بالمصطلح الفلسفي، المسألة الأساسية لاطروحة ابن رشد. مثلاً، عندما يناقش ابن رشد القصائد المتعلقة بالأفعال الارادية، فالمسالة قيد الاهتمام هي الفضيلة والرذيلة وليس ‘‘ الحَسَنْ والقبيح.‘‘[31] يُسئ كانتارينو ترجمة هذه النقطة الأساسية باستمرار، كما توضح المقارنة التالية بين نصِّه (A)، مع النصِّ المُراجَع (B):

A  

Since all comparison and representation deal with what is beautiful and what is ugly it is obvious that all comparison aims at embellishment (tahsin) or defacement (taqbih).

B

Since every comparison and narrative representation is concerned only with the noble and the base it is clear that in every comparison and narrative representation only praise and blame are sought.[ii]

 

نجد أنَّ كانتارينو يُخطئ في قضايا أقل تعقيداً أيضا لأنه يخفق في ترجمة مفردات بطريقة مضطردة. لذلك، فأياً كان قراره اشكاليا لترجمة الصدق والحق بانهما ‘‘subjective truth ‘‘ و‘‘objective truth ‘‘، على التوالي، فهو لا يديم هذا التفريق عندما يترجم لاحقا التصديق بانه ‘‘ objective representation .‘‘[33]

وعلى الجملة، إنَّ حظر الحتمي الفيلولوجي لترجمة المصطلحات الأساسية بكونه ‘‘اعتباطي وشاذ‘‘ يُثبت عند التمعن أنه لا أساس له. ويكشف التمعن الدقيق للمراجع المذكورة دفاعا عن النقود، علاوة على هذا، بأنها لا تُقدم أي تجسيد مادي لأنها أما تمت تسويتها ضمن الترجمة المطروحة─ كما هو الأمر في حالة هاينريشز─ أو أنها توضحت بعدم فائدتها لترجمة صحيحة لنصِّ ابن رشد.[34]

وضع حد للصمت

تُركز الفروقات بين المنهجيّن الموضحيّن هنا على الطريقة التي يحكم بها المرء على القابليات الفكرية للفلاسفة الذين يدرسهم الباحثون. لقد قيل أنَّ ابن رشد بوعي وعن قصد ابتعد عن نصِّ أرسطو، وأنه فعل ذلك لكي يبين أُمور معينة ما كان بإمكانه أنْ يفعلها بصورة مختلفة. بمعنى آخر، لقد أُفترض أنَّ ابن رشد كانت لديه معرفة كافية عما كان يقصده أرسطو لدرجة أنه كان قادرا على ادراك بعض النواقص في النصِّ الذي وصل اليه وأنه استعمل هذه النواقص ليقدم ويستعرض حجته. برغم ذلك، المؤلف قيد النقاش هو نفس ابن رشد المعروف من قبل طلبة أرسطو لتفسيراته المستقلة والجديدة ‘للمعلم الأول‘. ومن اللائق جداً حين التعامل مع كتابة فيلسوف كهذا، وجوب اتخاذ كل محاولة لاحترام وتقديم نصَّه مثلما كتبه هو. وعليه، للدلالة على تلك الحالات التي تظهر فيها الاخطاء في الترجمة المتوفرة لابن رشد أو حيث يبدو أنه مشوش بحق وحتى مخطئ، اشرنا لذلك بملاحظات اضافية دقيقة – وليس اعادة تركيب افتراضي لها.

وكما شاهدنا، يرغب مروجو المنهج الحتمي الفيلولوجي هنا لمعارضة فهمهم الضعيف لابن رشد وقابلياته للحكم على التراث الفلسفي. ورغم شهرة ابن رشد بكونه الشارح لأعمال أرسطو حتى من قبل أولئك المختلفين معه، فلا يساور ناقدنا قلق لرفضه باعتباره مؤلف من درجة ثانية. فهو يؤكد (الناقد) أنه بسبب النصِّ الناقص الذي في متناوله، لم يكن باستطاعة ابن رشد فعل أي شيء غير الذي فعله─ يعني أنه لم يكن عنده معرفة أفضل. هنا ينكر الناقد قطعيا امكانية امتلاك ابن رشد فهم للنصِّ يسمح له أنْ يستعمل أرسطو انتقائيا. وكما توضح الآن، يستطيع الاصرار على تفسيره الضيق فقط من خلال تجاهله عمداً الرهافة التي أرسى بها ابن رشد وزملاءه من الفلاسفة تعليمهم وبالتجاهل المقصود للبعد السياسي الكبير لذلك التعليم.

توضح فيما سبق أنَّ المنهج الآخر لا يؤدي لتبيان أخطاء التفسير المنسوبة له، ودافعنا عن الترجمة محل التساؤل ضد تلك الصيحات. وعلى طول مسار البحث، فقد لفتنا الانتباه للنتائج الخاطئة التي يقود اليها النقد سواء من حيث الطريقة التي يُفهم بها شرح ابن رشد لكتاب الشعر، وللطريقة، المهمة أيضاً، التي يُنقل بها النصّ للإنجليزية. وما يهمنا هو أنْ نتذكر أنَّ أي شخص سيختار المسير في ضوء الطريق الذي أوصى به الناقد سيوافق، بعد عناء شديد والتفافات غير ضرورية، على شرح ابن رشد. في الواقع، من غير المحتمل تماما أنْ تُثمر تلك الجهود بأي شيء سوى إعادة تركيب ظنية للنصّ، نصٌّ يُنقل للإنجليزية بطريقة مخيفة. إنَّ إيمان الناقد بتفوق معرفته التاريخية المزعومة تجعله غير قادر على تعلم أي شيء من ابن رشد وتلهمه أنْ يستبدل التقصي المُتفهم في هذه المسائل الفلسفية الكبيرة بتخمينات ظنية شكية حول ما قد يعنيه نصّ أرسطو لابن رشد.

علاوة على هذا، بسبب أنَّ اتجاهات قراءته تستحق اللوم كما فعلنا هنا، يتوضح عدم ايلاء ثقة للتأكيدات والنتائج التي تقود اليها تلك القراءات. يتوجب القول مع ذلك، أنَّ كل هذه النقود قد وُجهت ضد نوع خاص من الفيلولوجيا وقراءة التاريخ، وبالأخص، النوع الذي لا يفهم حدوده الخاصة ويتظاهر لذلك أنْ يكون فلسفة للتاريخ. وهذه النقود لم تُوجه ضد الفيلويوجيا أو التفسير التاريخي بذاته.

في مقدمة هذه المقالة وضعنا اعلان سانت سيبريان لدميتيريانوس بأنَّ وشاياته لن تهمل بعد الآن. وملاحظاً بأنه ‘‘ لم يعد بإمكاننا أن نبقى صامتين، لأنه بدى أصلاً أننا لسنا صامتين تواضعاَ بل صامتين خوفاً،‘‘ يواصل القديس سيبريان التوضيح ‘‘ وطالما نحتقر دحض الاتهامات الكاذبة، سيبدو أننا نقر اللوم، التهمة.‘‘[35]

 

بقلم: شارلس بترورث

عن مجلة IJMES، مجلد 26، عدد 1،صص:19-35.

 

ترجمة واعداد: زيد العامري الرفاعي

م. علوم/ م. فلسفة

............................

الملاحظات

ملاحظة المؤلف: ربما يتساءل القراء العارفين بالمصادر الثانوية المعاصرة عن السبب وراء عدم ظهور هذه المقالة- التي ركزت على مقالة مراجعة مذكورة في الهامش رقم 1 ادناه- في المجلة التي نشرت مقالة المراجعة الاصلية. يكمن السبب الرئيسي في أنَّ مجلة الجمعية الشرقية الامريكية لا تسمح بالردود، حتى لو أن محرريها سمحوا بمقالة المراجعة أن تطلب ردا عليها. والسبب الآخر هو، رغم حديثي عن القضايا المطروحة هنا، أنني أذهب لما وراء هذه القضايا لمسائل أوسع تهم الباحثين عموما. وأنا مدين بالشكر للمراجعين المحررين لمجلة IJMES لقراءتهم المعمقة لمقالتي ولمساهماتهم المفيدة.

[1] انظر Dimitri Gutas, “On Translating Averroes' Commentaries, “ Journal of the American Oriental Society 110 (1990): 93, column b (henceforth 93b). التشديد في الأصل.

[2] انظر On Translating,” 93b-94a‘‘؛ ثانية، التشديد في الأصل. والإحالة هي لكتاب شرح ابن رشد الأوسط على كتاب الشعر لأرسطو ترجمة Charles E. Butterworth (مع تمهيد وملاحظات)، مطبعة جامعة برنستون، نيوجرسي 1986، x. في السياق، فالمقطع بعلامات التنصيص المفردة يقرئ كالاتي:

‘في المقدمة، استكشف، بعض المسائل التي تحتاج الحديث عنها لأجل فهم أصح لحجة ابن رشد واضاءة الموضوعات الأساسية لتفسيره. مثلا، فأنا على وعي بأنَّ ابن رشد يعتبر فن الشعر جزء من فن المنطق، أُحاول تفسير سبب تبنيه لمثل هذا الموقف وأبحث عن سند له في كتابات ارسطو نفسه.‘

[3] انظر ‘‘مقدمة‘‘Averroes' Middle Commentary on Aristotle's Poetics، ص 49، ؛و ص14 والاحالات لنص ابن رشد. الاقتباس الذي يلي هو من ‘‘“On Translating، ص94a.

[4] لدلائل عن كيفية ابتعاد ابن رشد عن أرسطو حين توافق أغراضه، انظر (Averroes' Middle Commentaries on Aristotle's Categories and De Interpretatione) ترجمة Charles E. Butterworth (مع تمهيد وملاحظات) (مطبعة جامعة برنستون، نيوجرسي)، ص 91-92 .إنَّ استعمال مثل هذه التجديدات بصورة واعية من قبل الفلاسفة في التراث العرب القروسطي لأسباب دينية عديدة هو أمر مقبول عند كثير من الباحثين . فمثلا، تُبيِّن Miriam S. Galston في مقالة منشورة حديثا أنَّ الفارابي لم يصور ارسطو بانه يقول بانتساب الخطابة والشعر لفن المنطق في كتابه فلسفة ارسطو حتى لو انه ينسب هذه الفكرة لأرسطو في كتابه احصاء العلوم ؛ انظر

Al-Farabi et la logique aristotélicienne dans la philosophie islamique," in Aristote aujourd'hui, ed. M. A. Sinaceur (Paris: Erès, 1988), 202-6, 208-10.

ومقالة اخرى ذات صلة بهذا الخصوص هي مقالة Thérèse-Anne Druart's "Al-Farabi and Emanationism,، المنشورة في

‘‘دراسات في فلسفة العصور الوسطى‘‘ اعداد وتحرير John F. Wippel

(Washington, D.C.: The Catholic University of America Press, 1987), 42-43.

وانظر أيضا

Deborah L. Black, Logic and Aristotle's Rhetoric and Poetics in Medieval Arabic Philosophy

(Leiden: E. J. Brill, 1990), 1-16, esp. 8-13.

[5] انظر

Ismail M. Dahiyat, Avicenna's Commentary on the Poetics of Aristotle, A Critical Study with an Annotated Translation of the Text (Leiden: E. J. Brill, 1974), 18; see also ibid., 20 and 28.

وتجد في The Middle East Journal 30 (1976): 576-77.، مراجعة للعمل الذي يتناول هذه المسائل بتفصيل اكثر.

[6] انظر On Translating,” ‘‘ a93؛ ولما يلي، انظر نفس المصدر 95a و94b-97b .

[7] النصوص الأصلية موجودة في كتاب ابن رشد تلخيص كتاب الشعر، تحقيق تشارلس بترورث وأحمد هريدي (Cairo: GEBO, 1986)، الفقرة 20؛ وأبو بشر متى ابن يونس القنائي، كتاب ارسطوطاليس في الشعر، في ارسطوطاليس فن الشعر، تحقيق عبد الرحمن بدوي (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1953)، 96: 24-27 .

[8] يختلف النصُّ الظني عن نصِّ أبو بشر متى فقط في الكلمات الستة الأخيرة. قول أبو بشر ابن متى وتُنَقِي وتُنْظِفً الذين ينفعلون[لذلك، On Translating," 95a ؛ لكنه يتوجب قراءة النصَّ العربي هكذا تُنَظِفُ، لعدم وجود صيغة رباعية للفعل ]، يطرح الناقد أن ابن رشد فَهمَ الجملة هكذا: ويَنقى وينظُفُ الذين يفعلون (96 a). وحيث يترجم النصوص، فهذا المقابل في الانجليزية لنصِّ ابو بشر متى

"and it (sc. the craft of poetry of praise) purifies and cleanses those who suffer"

يُفهم كالآتي ‘‘while those who act are pure and clean ‘‘. سيلاحظ قراء العربية أنَّ على الناقد أنْ يقرأ تُنَظِفُ لكي يتم ترجمتها ب ‘‘cleanses ‘‘ باعتباره فعل متعدي متجاوزاً كل قواعد النحو في ترجمته للنصِّ الذي يقدمه بانه فهم ابن رشد لأبي بشر متى.

وبخصوص الفعل ينفعلون عند أبو بشر، يشير الناقد ايضا ويقترح قراءته بهيئة يفعلون وينقله كالاتي ‘‘“[those who] act. . سيكون النصُّ مفهوما بطريقة صحيحة ولا يحتاج لتعديله لو نقل الفعل ينفعلون بصورة أكثر وضوحا كالآتي ‘‘[those who] are affected، ‘‘ يعني، يتأثرون بمشاعر العطف أو الشفقة والخوف.

إنَّ ‘‘الصيغة المحرفة قليلا ظاهريا‘‘ لنصِّ أبو بشر متى، كما ‘‘ فُهمت من قبل [أبن رشد]،‘‘ طُرحها الناقد هنا ليساعد نفسه تفهم شرح ابن رشد على هذه الفقرة : وذلك بما يُخَيَل في الفاضلين من النقاء والنظافة، التي يترجمها كالآتي

“through the images of purity and cleanliness which are evoked (as existing) in virtuous men“ (94b; الاقواس من صنع الناقد).

وستكون الترجمة المباشرة والمقنعة، ترجمة تُبيِّن معنى قوة الشعر الفريدة لإثارة مَنْ يستمعون اليه بمحاكاة تعاطفيه لما يفعله الآخرون، كالآتي:

“it does this by imitating the purity and immaculateness of the virtuous “

انظر شرح ابن رشد الأوسط على كتاب الشعر لأرسطو، فقرة 20.

[9] مع أن الناقد يشير لترجمة اسماعيل دحيات هنا، وكذلك الهوامش المصاحبة، إلا أنه يفضل بوضوح ترجمته الخاصة للمقطع؛ أنظر “On Translating, “ 96b, n. 18.

[10] على سبيل المثال، S. A. Bonebakker and J. C. Bürgel; see ibid., 99a.

[11] ibid., 92.

[12] لترجمة الناقد، انظر ibid., 94a. ؛ الاقواس المربعة من صنعه. ونسخة الترجمة الاخرى مأخوذة من الفقرة 20 من شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر لأرسطو.

[13] مع أنَّ استعمال مفردة ‘‘mercy ‘‘ كان القصد منها تبيان كيفية قراءة ابن رشد لأرسطو من منظور المُسلم، لكن لا شيء يؤكد مثل هذا الحكم المسبق. كما أنها لا تساعد على توسيع فهمنا للنصّ.

[14] انظر On Translating 97b‘‘. ينسخ الناقد، لأغراض ملاحظاته التالية، المقطع بالطريقة التالية، مُقرا أنَّ اشارات التأكيد هي من صنعه:

يستدل ارسطو وابن رشد على الأجزاء المكوِّنة للشعر [!] من فهمهم لما يُفترض أنْ تفعله المأساة أو[!] المديح، بالأخص، لمحاكاة فعل فضيلة [!] تام أو كامل في كلاهم هو موزون ومتجانس.

الجملة أعلاه موجودة في صفحة 20 من كتاب شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر لأرسطو.

[15] On Translating 97b؛ التشديد في الأصل. ولما يلي، انظر نفس المصدر،94b وكذلك ملاحظة رقم.7 .

[16]

  1. Lucas, Aristotle, Poetics: Introduction, Commentary, and Appendices (Oxford: Clarendon Press,

1968), 96.

وكما يوحي السياق، يفهم لوكاس ال mimesis باعتباره محاكاة “imitation“ ؛ ويمكن ترجمة ال prattontes بانه ‘‘فاعل الفعل‘‘ ‘‘doers of actions ‘‘.

[17] انظر نفس المصدر .،118 . الترجمة هي من صنعي. ليس هناك من نقاش حول ترجمة aretē بانها فضيلة او امتياز. بالرغم من أنَّ الحرفة البسيطة هي قيد النقاش، لكن الربط بين ال aretē وال ho spoudaios هو ربط مهم. ومن الواضح، فإن ال ho spoudaios تعني الانسان الخيِّر─ انسان ممتاز، فاضل، أو الماهر في الأعمال الشاقة البشرية المهمة. ولذلك فالسؤال يتعلق هل يمكن فهم ال spoudaios باعتبارها صفة تشير إلى مثل هذه الاهتمامات أو انها تعني فقط شيء آخر ثقيل وممل. هنا، على أية حال، من المفرط الادعاء بأن ‘‘ حذاء رصين‘‘ ينتج من ‘‘ ميزة صنع الاحذية‘‘ من قبل ‘‘ اسكافي جيد‘‘.

[18] انظر Nicomachean Ethics 1166a13 ؛ ثانية، الترجمة من صنعي. يشدد السياق على أنَّ الإنسان الخيِّر (ho spoudaios) هو الإنسان الذي يمتلك الحكمة العملية أو الامتياز الفكري للعمل وللفضيلة الأخلاقية. وبدلا من هذا المقطع، استشهد لوكاس Nicomachean Ethics 117713 حيث يستعمل ارسطو ال spoudaios لتصوير الفضيلة(aretē) في العمل:

يُعتقد أنَّ حياة السعادة أنْ تكون وفقا للفضيلة. وتنتج مما هو خير [spoudēs]، وليس مما هو طفولي. نقول أنَّ الاشياء الجيدة [ta spoudaia] أفضل من الأشياء المضحكة والطفولية وأن نشاط جزء أو انسان يكون أفضل كلما كان باتفاق مع الخيرية [spoudaioteran].

من الواضح، يمكن ترجمة كل من ورود ال spoudaios بال‘‘الرصين‘‘ فقط إذا فُهم ‘‘الرصين‘‘ بأنه يعني‘‘ عالي المقام‘‘ أو ‘‘ النبيل‘‘، يعني شيء ما فاضل.

[19] لتفسير اكمل عن هذه الآراء ودلالة كيفية تطبيقها، انظر

Charles E Butterworth, "Review of F. W. Zimmermann, Al-Farabi's Commentary and Short Treatise on Aristotle's 'De Interpretatione,'” The Muslim World 78 (1988): 149-50; "An Account of Recent Scholarship in Medieval Philosophy," Interpretation 16 (1988); 87-97.

وتأمل أيضا الملاحظات التالية من التمهيد لترجمة شرح ابن رشد الاوسط لكتاب الشعر لأرسطو، xii-xiii:

جهدت هنا للحرفية وللبلاغة، باعتباره أمر مناسب فقط لنصِّ عن فن الشعر، لكني ضحيت طوعا بالبلاغة لأجل الحرفية حينما ظهر الاختيار محتوما. وللمدى المرئي، اتبعت نفس اللفظة الانجليزية لنفس اللفظة العربية خلال الترجمة ولاحظت دائما استثناءات مهمة لهذا المبدأ...... وكان هدفي تقديم ترجمة انجليزية مقروءة ومع ذلك امينة لمقالة ابن رشد. وللاستمرار بهذا الهدف، نبهتُ القارئ للمشاكل من خلال الهوامش متجنبا الترجمة التفسيرية التي تخفي المشاكل دون أن تحلها.

[20]

Dimitri Gutas, “Review of Charles Généquand, Ibn Rushd's Metaphysics: A Translation, with Introduction, of Ibn Rushd's Commentary on Aristotle's Metaphysics, Book Lam," Der Islam 64 (1987): 123.

[21] انظر “On Translating," p. 92; also 93a and 98a.

[22] انظر نفس المصدر 99a. . عند الهامش 98a, n. 21، يحيل الناقد ل

Wolfhart Heinrichs, Arabische Dichtung und griechische Poetik: Häzim al-Qartäğanni's Grundlegung der Poetik mit Hilfe aristotelischer Begriffe, Beiruter Texte und Studien, Vol. 8 (Beirut: Imprimerie Catholique, 1969), 149-54,

في تشديده لترجمة تخيّل بالمفردة الالمانية Vorstellungsevokation. ومن المفيد بهذا الخصوص ايضا ملاحظة

Heinrichs's “Die antike Verknüpfung von Phantasia und Dichtung bei den Arabern," Zeitschrift der Deutschen Morgenländischen Gesellschaft 128 (1978): 252-98.

يتوجب ملاحظة أنَّ السؤال البارز هنا هو ليس استعمال أو عدم استعمال المُترجِم للمصادر الثانوية، بل ماذا يعني التخيّل (وبالتالي mimēsis) وأي مفردة واحدة هي القادرة على نقل المعنى. والاقتباسات من الباحثين الآخرين، لا يهم كثرتها، غير مكافئة للحجة المنطقية.

[23] انظر Averroes' Middle Commentary on Aristotle's Poetics, 63, n. 18. الاشارة للفقرة الثانية في الجملة الأولى من الهامش، هي خطأ مطبعي، يجب أنْ يكون للفقرة الثالثة.

[24] بهذا الخصوص، نجد أنَّ D. W. Lucas, Aristotle, Poetics, app. I, “Mimesis"، مفيدة على وجه الخصوص. ومقراً بأنَّ ‘‘ الترجمة القياسية لل mimēsis ‘‘ هي ال ‘‘imitation ‘‘ (258)، يستمر لوكاس مع ذلك على التشديد (259) بأنَّ:

للمفردة mimesis معنى واسع بامتياز مما يجعل من الصعوبة تبيان تماما بماذا كان يفكر الإغريق حين استعملوا المفردة لوصف ما الذي يفعله الشاعر والفنان. ولكي نترجمها فنحتاج للمفردات التالية في سياقات مختلفة “imitate," “ represent," "indicate.” “suggest," "express.” . فكل من هذا المفردات يمكن HkX تشير للفكرة المفردة عن عمل أو فعل شيء ما يشابه شيء آخر.

وبعد أنْ تَتَبَعَ الطرق المختلفة التي أُستعملت فيها ال mimēsis في الكتابات الإغريقية في القرن الرابع ونظَرَ للترجمات الاخرى المختلفة الممكنة، يُولي اهتماما ب Hermann Koller's Mimesis in der Antike (Bern: A. Francke, 1954).. يشدد كولر، بعد محاججته بأن المصطلح mimēsis يعود أخيرا للراقص الطقوسي، mimos، أنَّ ‘‘ المعنى الأولي لل‘mimeisthai ‘ ليس'copy' أو 'imitate' بل give expression'” ‘‘(انظر Lucas, Aristotle, Poetics, 270-71) .

رغم أنَّ لوكاس لا يشير لمصادر الصفحة، لكنه يبدو أنه يتحدث عن صفحات 46، 104-6،110 وعلى وجه الخصوص صفحة 39 . إنَّ ادعاء كولر على ترجمة ال mimēsis ب “Nachahmung" ("imitation") هو تأكيد محدود جداً وخاطئ احيانا، خصوصا من حيث علاقته بالرقص؛ انظر نفس المصدر، ص18 و210. هو يؤكد،بدلا من ذلك، بأنَّ ال mimēsis يمكن نقلها كالآتي

“Darstellung" ("expression" or, even better, “representation").

وفي رسم تخطيطي يوضح تطور مصطلحات ال mimēsis وال mimeisthai في صفحة 120، يشدَّد كولر أن لفظة Darstellung افضل ما تستوعب الاستعمال النظري للمصطلح، بينما لفظة Nachahmung أفضل ما تستوعب الطريقة المستعملة في الكلام العادي.

حكم لوكاس النهائي، المعتمد على دراسته للنصوص المختلفة التي ذكرها كولر دفاعا عن حجته، قائم على أنه في معظم الحالات ‘‘ لا يمكن القول أنَّ المعنى المتعارف عليه لل‘imitate ‘ مستحيل.‘‘ وحقا، فهو مستعد فقط للقول ‘‘ يتوجب القبول أنَّ هناك مقاطع يكون فيها استعمال كولر دقيق‘‘.(Lucas, Aristotle, Poetics, 271).. ويعتبر ذلك الحكم، بتطبيقه على الحالة التي نحن بصددها، حكما معقولا: هناك حالات يكون فيها تأدية أخرى للمعنى ─ حتى ‘‘اثارة الخيالات ‘‘─ ‘‘دقيقا‘‘. وعلى الجملة، وهو الكل في المسالة قيد المناقشة، فلفظة imitation تستوعب معنى ابن رشد بصورة واضحة جداً. وتقدم ربطا مهما بكتاب الشعر لأرسطو، النصّ الذي يشرحه ابن رشد. فعلى سبيل المثال، حتى لو كانت موجودة ضمنيا في imitation، فان اثارة الصور evoking images ببساطة لا تنفع عند ترجمة التخيَّل في الفقرة 77 في Averroes' Middle Commentary on Aristotle's Poetics.

[25] انظر، الفارابي، رسالة في قوانين صناعة الشعراء، في ارسطوطاليس : فن الشعر، تحقيق عبد الرحمن بدوي،150:3-9, 15-16, 151:7-8, 15, 155:10. 14, 156:1-3 و158:2-3؛ وانظر أيضا الفارابي: كتاب الشعر، تحقيق محسن مهدي، in Shi'r 12 (1959) 91:4-6, 92:3-4, 12-17, 93:7-10 ff.. هذان هما العملان اللذيَّن اعتمدهما هاينرشز في تحليله الاول عن التخيّل في Arabische Dichtung ومنهما انطلق حين سعى لتحديد كيفية استعمال الفارابي لهذا المصطلح واشباهه بدراسة فعليا كل كتابات ‘‘المعلم الثاني‘‘ في المقالة ‘‘Die antike Verknüpfung. .‘‘

إنَّ سبب الاستعمال المختلف لألفاظ المحاكاة والتخيل عند الفارابي وابن رشد ربما يعود لابي بشر متى في نقله المتكرر لل mimēsis مرة بالمحاكاة ومرة بالتشبيه (انظر Heinrichs, Arabische Dichtung, 121, 146) أو تنشأ من الفهم المختلف لكل من هؤلاء الفلاسفة لنصِّ ارسطو. وأيا كان السبب، فالواضح أنَّه لا يمكن استعمال مصطلح الفارابي لتفسير ابن رشد بدون معرفة أولا كيفية فهم ابن رشد للشعر─ نوعما مثلما سعى المترجم أن يفعل في الهوامش كهذا الذي ذكرناه.

رغم أنَّ الاختلاف بين الفيلسوفيّن هو الحاسم هنا، لكنه يتوجب ايضا ملاحظة عدم قدرة هاينرشز على ادامة مصطلحه الجديد في ترجمة مقاطع من الفارابي ─ خصوصا حين كان عليه توسيع شبكته لتشمل مصطلح التصور (انظر Die antike Verknüpfung," 283-84, 288, 290 and nn. 112 and 114, 294) . ومثلما هو يعترف، ليست كل النصوص تسند هذا التفسير لمصطلح الفارابي (انظر نفس المصدر 285-86, nn. 101-4,، والاخص n. 104 والسطريّن قبل هذه السطور المذكورة).

[26] انظر Averroes' Middle Commentary on Aristotle's Poetics, 76, n. 19؛ وايضا “On Translating," 98aالاحالة هي للنصّ في الفقرة 22 من الطبعة والترجمة.

[27] انظر

Butterworth, trans., Averroes' Middle Commentaries on Aristotle's Categories and De Interpretatione, xx.

ويبدو تقدير باسكال للحالة البشرية، ومضامينه للمعرفة، مناسباً في هذا السياق:

"notre état véritable ... nous rend incapables de savoir certainement et d'ignorer absolument"; ؛ وانظر Pensées (Paris: Garnier Frères, 1958), 90, no. 72.. ولذلك ايضا هل أن تأمل نيتشه في رسالته لاوفربك بتاريخ 23 شباط 1887 : "Zuletzt geht mein Misstrauen jetzt bis zur Frage, ob Geschichte überhaupt möglich ist?"(= وأخيرا، فارتيابي يصل لحد التساؤل إنْ كان التاريخ ممكنا حتى؟)

[28] انظر

“On Translating, “ 98b، and V. Cantarino's Arabic Poetics in the Golden Age: Selection of Texts accompanied by a Preliminary Study, Studies in Arabic Literature, Supplements to the Journal of Arabic Literature, Vol. IV (Leiden: E. J. Brill, 1975).

ورغم أنه لا يستشهد بالعنوان الفرعي لعمل كانتارينو، إلا أن الناقد يؤكد نقطة هامة عند ذكر الصفحات 70-99 ‘‘‘لمناقشة عمل ابن رشد في سياق تطور كتاب الشعر لأرسطو في العربية‘ وصفحات 177-90 لترجمة النصّ.

ورغم الانكار المُطول للمُترجِم لعدم الاستفادة كثيرا من مقالة سابقة لكانتارينو عن ابن رشد والشعر، يغفل الناقد ملاحظة أنَّ النقاش في الصفحات 70-99 من كتاب كانتارينو الشعر العربي في العصر الذهبي هو ببساطة اعادة للمقالة ؛ انظر مقالة

Cantarino, “Averroes on Poetry," in Islam and its Cultural Divergence: Studies in Honor of Gustave E. von Grunebaum, ed. Girdhari L. Tikku (Urbana: University of Illinois Press, 1971), 10-26; also "On Translating," 99a-100 and nn. 22-23.

تفسر الملاحظات التالية عن ترجمة كانتارينو في كتابه الشعر العربي في العصر الذهبي عدم رضى المُترجِم في التمهيد (ix) بأنَّ ‘‘اعادة كتابة كانتارينو التخيلية لعبارة ابن رشد، لكي تتفق وتصوراته المُسبقة، مرت بدون أنْ يتعرض لها احد بالنقد لمدة اكثر من خمسة عشر عاما‘‘.

واتفاقاً، يتوجب ملاحظة أن تقدير هلينريشز لاهمية عمل كانتارينو هو اكثر انسجاما مع تقييم المُترجِم منه مع تقييم الناقد؛ انظر

“Die antike Verknüpfung, “ 263, n. 31; 264, n. 37.

[29] انظر الشعر العربي في العصر الذهبي،ص184 ؛ تنتقل الترجمة فجأة مما يسميه كانتارينو ‘‘ القسم الثاني ‘‘ (شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر لأرسطو، الفصل الثالث، يعين، الفقرات 13-19) إلى ما يسميه ‘‘ القسم الرابع‘‘(نفس المصدر، الفصل الخامس، يعني، الفقرات 33-47).

[30] يستعرض كانتارينو في مقالته ‘‘ ابن رشد عن الشعر‘‘ نفس التردد؛ انظر صفحتيّ 14-18 .

[31] المقطع العربي هو : في الأمور الإرادية ─ أعني الحسنة والقبيحة. أنظر، ابن رشد تلخيص كتاب الشعر وشرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر، الفقرة 3، مع كتاب كانتارينو الشعر العربي،ص177 . ومرة اخرى، تُبيّن مقالة ‘‘ ابن رشد عن الشعر‘‘(14, 18-19) نفس الاضطراب حول هذه المصطلحات. ولم يغفل هاينرشز عن الحكم الأخلاقي الموجود في هذه المصطلحات ؛ انظر Arabische Dichtung, 161, n. 4..

[32] انظر شرح ابن رشد الأوسط على كتاب الشعر، الفقرة8، سويا مع كتاب كانتارينو الشعر العربي، ص180 .

[33] انظر كتاب كانتارينو الشعر العربي، 83-84،90 سويا مع شرح ابن رشد الأوسط على كتاب الشعر، فقرة 65 ؛ نفس المصدر، مقالة ‘‘ ابن رشد عن الشعر‘‘، ص20 .

[34] نقيض هذه التأكيدات غير المسنودة، فمن المفيد الأخذ بنظر الاعتبار ملاحظة فيلولوجي قديم وأكثر وعيا ‘‘ يٌقال وبحق أنه في العلم، ليس للاعتقادات حقوق مدنية‘‘. وانظر نيتشه ‘‘ العلم الجذل‘‘،344 . انظر ايضا ‘‘‘ما وراء الخير والشر‘، الامثال 224 و227 ؛ وجينولوجيا الاخلاق، III.23.

[35] العبارة اللاتينية هي :

‘‘et dum criminationes falsas contemnimus refutare, videamur crimen agnoscere”.

[i] لترجمة الناقد، انظر ibid., 94a. ؛ الاقواس المربعة من صنعه. ونسخة الترجمة الاخرى مأخوذة من الفقرة 20 من شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر لأرسطو. 

[ii] انظر شرح ابن رشد الأوسط على كتاب الشعر، الفقرة8، سويا مع كتاب كانتارينو الشعر العربي، ص180 .

 

مهدي الصافياذا اردنا من باب المحاولة النظرية او حتى العملية الدخول الى الحضارة الحديثة (الحضارة الالكترونية.. الكمبيوتر العملاق) بعموم التراث الاسلامي (القران الكريم والسنة النبوية والمذاهب والفرق)، تحت نظرية ايجاد مذهب اسلامي واحد، قادر ان يكمل مسيرة الحضارة دون عقبات او ازمات ونكسات وحروب وفتن، لما استطعنا ان نخرج بشيء، انما سنعود مرغمين الى فكر الشارع، ورغبات العامة، وثقافة الموروث، والذي سيحيل بدوره الامر الى دائرة التشرذم والتفكك والانقسام والتمذهب....

بعد اكثر من اربعة عشر قرنا وفي عصر الالكترون اتضح من الواقع واستمرارية حركة التاريخ ان الاديان السماوية المقدسة تحولت تلقائيا او هي تتحول تدريجيا الى اديان شعبية عامة وخاصة (المذاهب والطوائف والفرق) تستقطب كل المتغيرات والافكار والاراء والثقافات والاضافات الشخصية او المذهبية، ليس على غرار ماذهب اليه بعض المفكرين والباحثين وحتى المستشرقين في ابواب دراسة حقيقة علاقة المقدس باللنبياء والرسل (الكتب السماوية المقدسة)، او تفكيك فكرة او طبيعة علاقة واسطة (ناقل الوحي) نقل ماجاء في الكتب المقدسة بين الاله والانبياء والرسل، عبر طرح مفهوم دراسة التغييرات، التي قد تحصل اثناء عملية ارسال الوحي او اداة الربط الواصلة او النازلة من السماء الى الارض (الملائكة او الالهام)، بل من باب ان المجتمعات او الامم والشعوب كانت ولازالت في حالة حركة متطورة دائمة،

اي عند مراجعة التاريخ وقراءة قصص الانبياء والرسل نجد ان عملية ارسالهم كانت نتيجة طبيعية لصيرورة التغيير الكوني، وبأن الله عزوجل هو المحرك الرئيسي لتلك التغييرات المتصاعدة حضاريا (العالم في حالة تطور لايتراجع علميا او معرفيا بل يتقدم الى الامام دوما)، ولهذا كانت عملية او طريقة ارسال الانبياء والرسل طريقة متدرجة، لكنها في حركة متقدمة معرفيا بأستمرار، اما مايخص بحثنا المختصر هذا، نتطلع الى شرح طبيعية الامم والاقوام المتقلبة دينيا، فما ان تؤمن امة او شعب او ايا من الاقوام المذكور في التاريخ القراني من قبل الخالق عزوجل باحد الانبياء او الرسل حتى نجد انها ترجع بعد فترة من الزمن (قد يكون بعضها طويل نسبيا) الى مرحلة التغيير والانحراف، والطبيعية الشعبية في التعامل مع تعليمات ونصائح الانبياء والرسل التي ارسلت اليهم، هذا مانقصد به التطور والانتقال الطبيعي الذي رافق الاديان السماوية منذ نشوءها او نزولها، وهكذا كانت ترسل اليهم انبياء او رسل اخرين كما ذكر ذلك تفصيلا في القران الكريم (ومعروف ايضا في الاديان السماوية الاخرى)، ثم جاءت مرحلة ختم الاديان على يد النبي محمد ص، وهنا كما يذكر اغلب علماء وفقهاء المسلمين بانها فترة ختم التشريعات والمحرمات، ومن ان الاسلام كان شاملا وواضحا وعميقا في الشرح والتوصيف والتفصيل، بل كان محددا ودقيقا في بعض التفاصيل الخاصة، اذ شمل قضايا الحقوق العامة والخاصة والمساواة، كالارث والديات، والكفارات، والحدود، وحقوق المطلقات، الخ.

لكننا نرى ان الامة او الاقوام التي دخلت في الاسلام عادت الى سيرتها الاولى، اذ ان التاريخ يذكر لنا وبشكل موثق ان الاسلام تغير بسرعة بعد وفاة التبي محمد ص او حتى في ايامه الاخيرة، برجوع الناس الى قاعدة وعقلية التفكير والتصور الشعبي الارضي للدين، بعد ان انقطع التواصل المقدس بينها وبين السماء (عبر المبي محمد ص)، فظهرت مايسمى بسنة الخلفاء والصحابة وسيرة الائمة "وعباد الله الصالحين"

 (جدير بالذكر وهذا رأي شخصي، نعتقد ان اي بحث او طرح فكري لايستند الى مصادر الاخرين، هو بحث ذو نزعة فلسفية اجتماعية شخصية، ولكل انسان فلسفته ونظرته الخاصة به وبالحياة عموما، على ان مقياس ومعايير التفوق والابداع والانجاز الفكري او الفلسفي يعتمد على عقلية ومعرفة وثقافة وتأملات الشخص الفكرية، فالعقول والقدرات الذهنية او درجات الذكاء او العبقرية تختلف وتتميز نسبيا من شخص لاخر، وبين جميع بني البشر)،

ولهذا ظهرت الفرق والمذاهب والجماعات الطائفية الصغيرة، وبرزت عقيدة الخلافة والامامة والاجتهاد، وازدادت الصراعات والمواجهات والفتن والحروب، حيث اصبح الفهم الشعبي للاديان (اي نقصد به ان بأمكان اي شخص من عامة الناس ان يصبح فقيها او مفتيا او رجل دين بعد مراحل دراسية معينة، فالامر مشاع ومتاح لجميع المسلمين، بل بات كارثة حقيقية تواجهها المجتمعات والدول الاسلامية، هي ظاهرة انتشار الفقهاء واصحاب الفتاوى الشباب) راسخا ومتجذرا، بدءا من الخلفاء الراشدين، مرورا بالدولة الاموية والعباسية، وصولا الى الدولة العثمانية ومابقي منها، فقد ظهرت مايسمى المدارس او المراكز والمؤسسات الدينية او الحوزوية، واكثر من جسد تلك الادوار هم حركات الخوارج والفرق المتشعبة عنها، ومن ثم ولدت الحركات والمذاهب والفرق السلفية والوهابية السنية، والطقوسيين الشيعة، فقد كان لهؤلاء جرئة كبيرة في صياغة دين شعبي (مقدس ارضي) مؤثر، عبر توسيع الشرح الشعبي لسلسلة من التأويلات المتوارثة للايات القرانية، ومايعرف ايضا بسنة الخلفاء او السلف الصالح (وسنة الائمة من ال البيت ع عند الشيعة)، هذا الامر يرجع الى اهمية ودور الاديان في بناء المجتمعات البدائية، وكذلك دوره المتذبذب في الهيمنة والتغلغل في ما يعرف حاليا بالدول المتحضرة الحديثة.....

عندما نطرح اسئلة كبيرة طويلة عريضة كما يقال في عصرنا الحالي (كما اطلق عليه دائما عصر الالكترون) حول تلك الظاهرة الكارثية المتوارثة، ليس الغاية والهدف ضرب حقيقة الاديان وعقائد الناس، انما من اجل التركيز المباشر حول ظاهرة التحول التاريخي للاديان السماوية الى اديان اجتماعية او شعبية ارضية، لاترتبط فعليا ولاعمليا بما جاء به الانبياء والرسل، من اجل توعية المجتمعات البدائية المغلقة على الثقافات الطائفية والمذهبية، والخاضعة بقوة لسلطة رجل الدين او المؤسسة الدينية، والتطرق ولو من باب التذكير او الاشارة الى عدة امور مهمة منها مايتعلق بالفرق او البون الشاسع بين الاديان السماوية، وبين الاديان الشعبية (التي هي اشتقاق منها، لكنها تغيرت كثيرا بمرور الزمن)، والمتمثلة بما نراه اليوم من تصاعدة حدة التكفير والالحاد (كرد فعل على شعبية الاديان وعدم استخدامها او اعمالها للعقل والمنطق والمعرفة الاكاديمية في ايصال الفتوى والتأويل الديني السليم للناس) والارهاب الديني، والمتجسدة ايضا بما يتوارثه المسلمون من افكار واراء وتصرفات وتوجهات واطروحات دينية متشددة، اصبحت في عهد الارهاب الديني اقوى بكثير في بشاعتها ووحشيتها مما توعد به الله عزوجل الظالمين والمنافقين والكفرة الجبارين (وفقا لابواب التوبة والمغفرة المفتوحة دوما لجميع بني البشر، هذا مع وجود نظرات وتفسيرات مختلفة حول مفهوم العقاب، وطبيعة نار جهنم يوم القيامة)، من تكفير وتفسيق وقتل وتقطيع للبشر، وكذلك حالات الاغتصاب الجماعي للنساء بأسم الدين والجهاد، وقطع رؤوس الابرياء بما فيهم الاطفال، مع تنامي ظاهرة الارهاب الاجتماعي -ديني المدعوم رسميا احيانا من الانظمة المتسبدة اللادينية (طاعة اولياء امور المسلمين من الحكام حتى وان كانوا ظلمة فاسقين)، ولعلنا نجد الفرق كبيرا بين وضعية الاقوام والامم التي ارسل اليها الانبياء والرسل وحجم المعاناة التي ظهرت لها بعد رحيلهم، على سبيل المثال الاسلام (بعد فتح مكة) في عهد النبي محمد ص لاتوجد فيه معاناة وظلم وتكفير وارهاب واقصاء اجتماعي وديني كما حصل بعد وفاته، كل شيء كان واضحا الايات والسور القرانية، والسنة النبوية، والتأويلات او التفسيرات المتعلقة بهما، بينما ظهرت المواجهات الدموية والصراعات والتشرذم والانقسام بين المسلمين عندما انزل الدين من السماء او المقدس الى الارض، وتم التعامل معه بعقلية الانسان العادي (الخليفة او امير المؤمنين، او رجل الدين)، صار كل شيء يفسر وفقا لعقلية وتفكير وثقافة ونشأة ونفسية الاشخاص، حتى اصبح بمثابة التراث الاسلامي الشامل المقدس البديل، الذي لايمكن للمذاهب او المسلمين عموما ان يتجاوزوه او يعيدوا مناقشته اونقده وتنقيحه او توثيقه، بل ان من يعبر تلك الخطوط الحمراء يتعرض لعدة هجمات وافتراءات وتعليقات ومواجهات خطيرة (تبدأ بتعابير ومصطلحات التكفير والردة والالحاد، وخروج عن الاجماع والملة، وصولا الى ازدراء الاديان، الخ.) .......

من الاسئلة الكثيرة التي يمكن ان يطرحها اي انسان مسلم او من اي ديانة اخرى، هو كيف او اين ومتى يشعر الانسان ان الدين اصبح شعبيا ارضيا منفصلا عن اصل الدين، نقول بكل صراحة عندما تظهر قوة وسلطة المذاهب والفرق على اتباعهم، وكذلك عندما يتحول الدين الى سياسة وتجارة، ومصدر تشريعات الدول والمجتمعات، ولهذا لم تنجح اي تجربة دينية تدخلت بالشؤون السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية عبر تاريخ البشرية الطويل كله،

وذلك يرجع الى ان الله عزوجل ارسل الانبياء والرسل لشرح ولتعريف الانسان بربه وبحكمته في الخلق والتكوين والايمان بهما، اضافة الى بقية القضايا والمسائل والامورالاخلاقية الانسانية والاجتماعية والمعرفية، فالقران الكريم اضافة الى انه كتاب تشريع مفتوح، نجد فيه شرح مفصل للكون والطبيعة والحياة عموما، وفيه ايضا اسس ومبادئ ومفاهيم اخلاقية وانسانية عظيمة، ورد فيه ايضا الكثير من ضرورات الحياة الامنة البعيدة عن شرور الشيطان وجنوده، مؤكدا على اهمية الاعمال الصالحة (الخ.)، والابتعاد عن الفسق والفجور والاسراف والنفاق والظلم والاعتداء، انه كتاب يفتح للانسان طريق الحياة المتحضرة البعيدة عن الجهل والتخلف والبدائية المتوارثة، لاتوجد فيه اية اشارة الى انه يمكن ان يكون دستورا للناس لبناء الدول وتنظيم حياتهم العملية، (حتى قيل ان الرسول محمد ص لم يفسر القران بل تركه يفسر نفسه عبر اهل العلم والمعرفة، ووفقا لطبيعة الحياة وظروفها وتطورها الحضاري)، ولم يعطي الله عزوجل اية وكالات او صكوك للفتوى والغفران والتحكم بالناس، لمن يجعلون من انفسهم وكلاء نيابة عنه على خلقه، يحللون ويحرمون ويفتون بالتكفير بحرية مفرطة، يامرون احيانا بقتل المخالف (المرتد او الملحد او من يقال عنه كافر)، ويعملون على سلب ارادة الاشخاص، وقمع حرياتهم الشخصية، ومراقبة تفكيرهم، ومنع اختيار حياتهم وخصوصياتهم بالطريقة التي يراها الناس مجتمعين او منفردين،

من هنا نجد ان قطار الحضارة الذي تدعمه ضرورات الحياة وسنن التطور والتغيير الطبيعي عبرت المجتمعات المتمسكة بالتراث الديني الشعبي بأشواط كبيرة، حتى باتت عبئا مملا وثقيلا على هذه القرية الكونية، فصارت تلك الدول المتحضرة غاية كل شعوب الارض المنهمكة والغارقة في وحل الصراعات والمواجهات ومتاهات الاديان الشعبية وتفرعاتها الفئوية، فهناك يجد المسلم وغير المسلم السقوف العالية لمايحتاجه الانسان في حياته الحرة الكريمة، التي لاتشجع عليها الاديان عموما، من قوانين وانظمة وتشريعات اخلاقية وانسانية واجتماعية

 (نسبيا) مقبولة، وهي افضل بكثير مما يراه او سمع عنه في بلده، قديما او حديثا، بل وجد اكثر من ذلك دول ومؤسسات ومنظمات انسانية تحميه وتدافع عنه من بطش وظلم وفساد اخيه المسلم، سواء كان حاكما او مسؤلا سياسيا او دينيا او قبليا (كقوانين اللجوءالانساني او السياسي، الخ.)، تصور ان الشر لاحدود له عند هؤلاء المنحرفين، الذين استولى بعضهم حتى على رموز واطروحات وتوجهات ومؤسسات الاديان الشعبية الشبه مستقلة (اي ان الاديان الشعبية لاتخلوا تماما من بعض الضرورويات الدينية الصالحة التي يتعذر المساس بها لوضوحها وصعوبة تغييرها او الافتاء والتلاعب بتأويلاتها، انما هؤلاء يعملون بالمناطق والفضاءات الفارغة التي اصبحت بمرور الزمن هي جلباب وغطاء الدين، فظاهرة اطلاق احكام التكفير والردة لاتبقي شيئا للدين يمكن ان يستعين به الشخص المتهم بهذه الاوصاف، اي بعبارة اخرى لامعنى للدين، عندما تجد رجل الدين او الفقيه قادر ان يطلق تلك الاحكام، التي يترتب عليها تبعات خطرة على حياة الناس، وهذا مايحصل حاليا سرعة الاتهام والافتاء والتتفيذ ايضا، وقد تم تسييس الدين والمذاهب لاغراض حزبية اوسياسية اقليمية او دولية او اجتماعية) ..

استمد المسلمين الرادكاليين او الاصولية الاسلامية (الذين هم بمثابة الورثة الشرعيين لمؤسسي الاديان الشعبية) وحشيتهم وثقافتهم الاجرامية او الارهابية من التاريخ الاسلامي الرسمي (الشعبي)، ومن مايسمى بتراث تنفيذ واقامة الحدود الشرعية، والتي غالبا مايستخدم العنف المفرط فيها، في مجالات التعزير والعقوبات الجسدية الاخرى (كقطع يد السارق، والرجم، والاعدام الخ.)، فهناك عدة دول اسلامية (ظاهريا وليس جذريا او جوهريا، على اعتبار ان الاديان الشعبية هي ابعد مايكون عن الاديان الحقيقية الاصيلة، انما هي اديان المصالح) تعتمد الاساليب الشرعية في العقوبات، اي تنفذ مايسمى بالحدود الشرعية بشكل علني وامام الناس (وفي الحقيقة غالبا ماتكون تلك الاساليب موجهة للمجتمع ككل، فأمتداد واتساع قاعدة ومنظومة الحدود والعقوبات الشرعية، تكاد شمل كل شيء، حتى الثقافة والابداع والفن، وانتقاد سياسة الحاكم او الدولة الخاطئة او الفاسدة، الخ.)، بينما لم يعد هذا الامر مقبولا لا انسانيا ولا اخلاقيا في عصر الحضارة الحديثة، الذي اتجهت فيها العديد من الدول الى الغاء عقوبة الاعدام، اي لم يعد بمقدور الناس تحمل تطبيق تلك الاحكام العقابية الشرعية-الجسدية، لخروجها تماما عن طبيعة المجتمعات الانسانية الحديثة، هذا لايخرج عن طور الايمان بضرورة تنفيذ الاحكام المقدسة (تحت قاعدة ليست قرأنية ولا حتى شاملة انما ذكرت في التراث"حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة، علما ان الرسول محمد ص لم يقم يوما بتشريع المحرمات من تلقاء نفسه، انما الحرام جاء وفقا لمايذكر في القران الكريم، فقد كان النبي على خلق عظيم كان يستحي من رد قساوة وصلافة تعامل الناس معه، كدخولهم بيته دون استئذان، ورفع اصواتهم فوق صوته، فكيف يكون مشرعا للتحريم السماوي، الخ.)، وانما هي جزء من منظومة القيم المتغيرة الحديثة، مع الاختلاف في النهج والاسلوب وطريقة التطبيق، وهي بالطبع ضرورات انسانية واجتماعية متطورة، وصلت اليها البشرية بأرادة الخالق عزوجل، وليس بأراداة البشر انفسهم، هذا الامر يحيلنا الى مفهوم الحاجة الدائمة الى الدين، واين موقعه من الدولة والحضارة،

اي بعبارة اخرى طرح اشكالية او جدلية مفهوم او فكرة علاقة الدين بالدولة، ولان الدين مقدس شعبيا يصبح من الصعب ان لاتقول انه لابد ان يكون احد مصادر او هو المصدر الوحيد احيانا لدستور وتشريعات الدولة، الا ان شعبية الاديان واختلافها جزئيا او كليا عن الاديان السماوية الاصيلة، تجعل من مسالة اعتبار ان الدين الشعبي دين مقدس لايمكن ان تتجاوزه الدولة او المجتمع، والا تحولت الحالة الى مادة وغاية وشعار للمواجهة والصدام مع الدولة، ومع النخب المتحضرة (كالمحرمات الدينية الشعبية التي هاجمت التطور الحضاري التكنولوجي في بداية دخوله بلادنا العربية والاسلامية بدايات القرن الماضي)، هذه الاختلافات الكبيرة بين اصل الاديان، وماتم تحويره والتلاعب به وتحريفه شعبيا، يعطينا الحق بالقول ان الاديان كانت في عهد الانبياء والرسل سماوية مقدسة، اما ماجاء بعدهم مر بمراحل متعددة من التغيير، ابعده عن حالته المقدسة السابقة، بفعل الادوار المختلفة للسلطات الدينية، والتدخلات المتعددة للمؤسسات الدينية الرسمية والشعبية (خلفاء وامراء ورجال دين) في اصوله وثوابته وحتى تأويلاته، مما جعلها اديان نقمة على المجتمعات العربية والاسلامية لارحمة، لاتنفك عن الفتك بأرواح المسلمين، وتدمير دولهم ومجتمعاتهم، واهدار مواردهم وثرواتهم في فراغات غائرة في صحراء المعرفة الدينية الشعبية البائسة...

خلاصة البحث:

هل هذه الاشارة الى شعبية الاديان تعني ان الاديان انتهت في عهد الانبياء والرسل وعلى الناس ان تتخلص منها ام هي دعوة اصلاحية دينية ام علمانية،

في الحقيقة لايمكن التصور بأن تعيش الامم والشعوب بدون الاديان والمعتقدات السماوية او حتى الارضية، لكنها يمكن ان تعيش بعيدا عن الاديان الشعبية، ففي الحضارة الاوربية العلمانية لازالت المعتقدات الدينية حاضرة بقوة الحضارة المدنية الحديثة، الا ان الحاجة اليها اقل بكثير مما عليه الحالة في المجتمعات العربية والاسلامية، على اعتبار ان منظومة القيم الحضارية الاخلاقية الانسانية الحديثة هناك دخلت او توحدت مع المنظومة السياسية الاخلاقية والتشريعية للدولة (حتى بات المسلم يردد عبارته الساذجة تلك ان اوربا تحتاج فقط نطق الشهادتين ليدخل اهلها الجنة)، فالاديان لها ضرورة نفسية وروحية ووجدانية ومعرفية تاريخية، لكنها ليست ضرورة سياسية او اجتماعية او حتى تربوية او علمية، فقد تقدمت ونهضت الامم دون الرجوع الى الاسلام او الاديان، فمن المؤكد ان الله عزوجل لم ينزل الاديان السماوية الى الارض كي تعلم الناس كيف تبني بيتا او مصنعا او معملا او جامعة او مدرسة او مزرعة او برلمان، الخ.

ولهذا نعتقد ان الاديان السماوية يمكنها ان تكتسب التقديس بعد رحيل الانبياء والرسل وفقا لقدرات عباقرة المجتمع واذكياءه سواء كانوا رجال دين او مفكرين او باحثين اكاديميين، او ايا من العلماء ممن نسميهم عباد الله الصالحين، بحيث يمكن لهؤلاء ان يشغلوا تلك الفراغات الاجتماعية المتروكة من قبل الله عزوجل تبعا للضرورات والحاجات الانسانية والاخلاقية والاجتماعية، ليس على غرار اظهار دين اخر مليء بالمحرمات والمكفرات والمنفرات، انما بالحفاظ على نقاء وصفاء وقدسية الاديان السماوية، وابعاد التأثيرات التراثية الشعبية والتدخلات والتحولات السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية والاخلاقية عنها، حتى يمكن ان يدخل الدين كحالة وسطية معتدلة بين الحضارة والدولة،

فبديل الانبياء والرسل والسلطات البدائية القديمة هي سلطة الدولة المتحضرة الحديثة المطلقة، ولهذا نرى اصرار اصحاب "نظرية علاقة الدين بالدولة"

 على ادخال سلطتهم فيها، كشريك شرعي اصيل في ادارتها، وبما انه دين شعبي متوارث، سوف يصبح حتما عقبة كبيرة امام حركتها وحركة المجتمع معها، سوف يؤخرعملية بناء الدولة المتحضرة، ويعرقل حركة تطور المجتمعات الطبيعية، ويجعلها مجتمعات ارض بائسة تسير عكس حركة التاريخ، وبمواجهة صيرورة التكوين والتطور،

اما ان كانت جزءا من منظومة القيم الاجتماعية العامة للدولة والمجتمع، عندها لايرى الناس فرقا شاسعا بين ما امرت به الاديان-الاسلام وبين نظام الدولة الرسمي، شرط ان لايقدم على انه دين سماوي لايجوز التغيير ولا التطوير او قبول التأويل الانساتي الحديث فيه (كالرأي القائل بضرورة الالتزام بتنفيذ الحدود حرفيا اوعدم المساس بقضايا الارث، وفوائد البنوك الخ.)، انما دين فيه اصل ثابت ليس له علاقة بالدولة والمجتمع، انما بعقيدة وايمان الافراد، وفروع تترك حرية اختيارها والعمل بها تبعا لنظام الدولة الديمقراطية، وحاجات المجتمع...

 

مهدي الصافي

 

قوله تعالى: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ، إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها).. التوبة 40:

يكثُر الكلام في كل سنة عن - هجرة النبي - من مكة إلى المدينة، وتُحاك من حولها الكثير من القصص والكثير من الحكايا والطرائف التي ما أنزل الله بها، وتأتينا دائماً بصيغة أهروجه للتقول والتندر والمماحكة، وقد حاول البعض جعلها جزءاً من أدبيات الكتاب المجيد ونصوصه، مستندين في ذلك على النص رقم 40 من سورة التوبة، ومن أجل تصحيح ذلك يلزمنا ضبط حركة النبي والرسول داخل نصوص الكتاب لتكون موافقةً ودالةً على المعنى المقصود، وفي ذلك يجب التنويه إلى إن عامة الأخبار والروايات التاريخية والتراثية في هذا المجال، لا يعتد بها ولا يعتمد عليها كدليل في إثبات ذلك والتدليل عليه، والربط المزعوم بين هجرة النبي والنص رقم 40 من سورة التوبة ربط غريب لا تدل عليه لغة الكتاب ولا معناها، وأصل الغرابة هو في المغايرة التي نقرئها بين هذا النص والحكاية التاريخية في هذا المجال، وبحدود علمنا إن الكتاب المجيد لم يبين لنا على نحو واضح وجلي شكل الهجرة ولا طبيعتها ولا كيفيتها، ولم يكن الكلام فيه إلاَّ على نحو عام في معنى الهجرة والمهاجرين [وهذه غير تلك بكل تأكيد] .

 وفي هذا نقول: - لا دلالة في الكتاب المجيد على ان - هجرة النبي - هي نفسها التي نقرئها في كتب التاريخ والأخبار -، إذ: - [إن - هجرة النبي - بلسان الأخبار والروايات ما هي إلاَّ وهم وخيال صاغه وضاعون أمتهنوا حرفة التلفيق والكذب] -، كما إن النص رقم 40 لم يتعرض إلى الهجرة لا في سياق التعريف بها ولا في سياق الإشارة إليها، بل ولم نجد في الكتاب المجيد نص أخر يتحدث عن كيفية الهجرة وعن طبيعتها، وما بين أيدينا من شروحات في هذا الشأن، إنما جاءت وفقاً للحكاية التاريخية التي جعلوا منها الدليل الدال على هذا النص وشأنية نزوله، ذلك أن: - [نصوص الكتاب لم تنزل بسبب ما أو لسبب ما] -، وشأنية النزول المُدعاة إنما جيء بها للتغطية عن مفاهيم مبتكرة ومصاديق معينة بذاتها .

لكن كيف تم الخلط بين المادة التاريخية والنص الديني؟، وفي الجواب نقول: عادةً ما يتحكم بالنص الديني وفي تطويعه وفي عمله - أهل السياسة - التي بيدهم تُصاغ المادة التاريخية وهي التي تجعل منها نصاً دينياً، ولنتذكر هنا قول الإمام الحسين: - [الدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ‏ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ] وهذه حقيقة تثبت تطويع الدين لخدمة مصالح أهل السياسة ومن بيدهم السلطة، وتاريخ الإسلام القديم والجديد حافل بذلك والشواهد أكثر مما تُعد، ولهذا تتم كتابة النصوص الدينية وفقاً لرغبة السلطان ومن بيده الحكم، ثم تكون هذه النصوص هي نفسها المادة التاريخية بعدما يضعون لها الأسانيد المتصلة إلى النبي، وهذا النوع من الخلط يؤدي إلى التحريف والتزييف، مما يفقد الحس الجمعي قدرته على الرد والمناورة، وبالتالي تصبح المادة والفكر الذي يُشاع ويسود هو ذلك الذي يريده السلطان، حسب مقاساته ومسوغاته ومايؤمن به ويرتضيه .

ويعني هذا إن النصوص الدينية قد تعرضت إلى سرقة معرفية، وإلى تدليس سرى أثره في الفكر وفي الثقافة وحتى في المُخيلة العامة وذهنية الإيمان، مما ولد لديناً مُركباً هجيناً لا نعرفه في لغة الكتاب ولا في القواعد العقلية، ومع إن الوهم والخرافة لا يشكلان جُل الحقيقة الدينية لكنهما يتحكمان بها وفقاً لرغبة أهل السياسة وأرادتهم، ولعلكم سمعتم عن - جماعة الوضاعين - الذين يمتهنون وضع الأخبار وتلفيق القصص، وهذه الجماعة نمت وكبرت في ظل نهايات الدولة الأموية والعباسية - ولقد أفرد الشيخ الأميني رحمه الله في كتابه الغدير للوضاعين وأحاديثهم كتاباً بالأسماء والصفات - ، وهؤلاء هم أنفسهم الذين سخروا هذا النص من سورة التوبة لمهمة ومعنى - هجرة النبي -، وجميعنا يعلم إن تلكم الأخبار فاقدة للشرعية من جهة الدلالة والمعنى وجهة السند .

ولكن ما الربط بين النص 40 من سورة التوبة وهجرة النبي ؟، من حيث المبدأ لا ربط بينهما في الأصل، ذلك إن مادة النص شيء والهجرة شيء أخر، ولغة النص ومادته تتحدثان بطريقة الإستدراك والإحالة إلى الماضي وإلى أمر ما قد حدث، ودلالة النص هنا في بيان صحة النبوة وصدقها، وتسلسل النص وتراتبيته، ليس فيه مايدل من جهة اللفظ أو المعنى على ما نُشر في كتب الأخبار والروايات، وبحسب منطوق النص والشرح الأبتدائي عليه، إنما هو تعريف: (بحكاية النصر الإلهي الذي حصل للنبي حين داهمه الكفار وأخرجوه من الغار)، ويُفهم من تحليل النص إن لغته تتضمن معنى التقريع والتوبيخ، هكذا هو خطاب النص المطلق عن الزمان والمكان الذي تحقق بهما النصر .

ولنتأمل ذلك في قوله تعالى: - (إلاَّ تنصروه فقد نصره الله) -، حرف - إلاَّ - على رأي أبن هشام في المُغني وأبن مالك في الألفيه وأبن منظورفي اللسان، إنما: - [هو حرف مركب من جزئين، هما (إن الشرطية) و(لا الناهية) أو (لم النافية)]، ومعناها - إن لم - أو - إن لا - وجملة [إلاَّ تنصروه فقد نصره الله] هي جملة مركبة من الشرط وجوابه، وبيان ذلك في الأين - المكانية -، حين قال: - إذ أخرجه الذين كفروا ثاني أثنين إذ هما في الغار -، وحرف - إذ - المكرر الذي يفيد التوكيد في لغة العرب يأتي بمعنى (لما أو حين)، ومعنى ذلك: - إن الله نصره - لما - أخرجه الذين كفروا من الغار -، وليس كما توهم عامة المفسرين بقولهم: - [إن الله نصره حين فر هارباً من مكة يريد المدينة]، مع إن الكلام في النص واضح ودلالته على المحل الذي نصر الله به نبيه كذلك واضح، قال: - إذ هما في الغار -، وطبعاً لم يكن وجود النبي في الغار بسبب خروجه مهاجراً إلى المدينة كما توهم البعض، إنما الكلام في النص كان عن الكيفية التي نصر الله بها النبي من بطش الكفار حينما أخرجوه عنوة من الغار، [والذي كان فيه مصادفة وليس للعبادة ولا للهجرة]، بدليل وجود هذا - الصاحب - المجهول الهوية والحال .

 وتعريف صاحب من الصحبة وهي الرفقة المجردة، والتي تحصل في السوق وفي العمل وفي وسائل النقل وفي الشارع وفي السجن وفي غيرها من الأماكن، ولا دليل يفيد بإن يتبع الصاحب صاحبه في الفكر وفي الإعتقاد، والنص مورد البحث إنما يتحدث عن هذا بصيغة مطلقة مجردة، وبحسب منطوق النص إنها جاءت مُصادفة وليست عن ترتيب مسبق، وذلك واضح ولم يُشر النص على خلافه، بل تركه مجرداً في معناه الذهني واللغوي، وفي الحالة هذه لا يمكننا تلبيس المعنى أكثر مما يحتمل هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يصح الإدعاء أو القول: (إن الصاحب هنا هو فلان من الناس)، وإلى ذلك دلت إستخدامات لغة العرب في: - إن معنى الصاحب لا يدل على الصديق أو الأخ أو الحميم -، إنما هو ذلك الشخص الذي يكون بمعية أخر في سفر أو في غيره، وجاء لفظ - الصاحب - مفرداً وجمعاً منكراً ومعرفاً في الكتاب المجيد نحو خمساً وعشرين نصاً ذُكر فيها اللفظ، كما في قوله تعالى: [يا صاحبي السجن أَأَرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار] 39 يوسف، ولفظ صاحبي هنا دال على مجرد التواجد في ذلك المكان، جاء وصفاً لحالهم وتواجدهم مع يوسف النبي في السجن، وفي الكتاب المجيد هناك نوعين من المعاني::

[أولهما: ورد بمعنى - المالك - الدال التملك والملكيَّة، كما في قوله - أصحاب النار، واًصحاب الجنة وهكذا -، وأصل الدلالة هنا هو الملازمة [بين اللفظ ومعناه]، وعلى ما يصح معه إطلاق معنى الملكية - .

وثانيهما: ورد بمعنى عام دال على - مطلق العلاقة بين الناس -، كما هو ظاهر في قوله تعالى من سورة يوسف 39 المتقدمة، وهذا النوع من الإستعمال للفظ يأتي في صيغة وصف حال، وفي الكتاب المجيد أمثلة على ذلك متنوعة، تُبين أو تذكر مجرد العلاقة بين طرفين أو أكثر ولا يربطهم رابط ديني أو فكري، ولا ملازمة عقلية في هذا النوع توجب أو تدل على أن يكون الصاحب على فكر صاحبه أو على إيمانه، إنما الشرط في صحة إطلاق اللفظ على معناه المجرد .

 . وأما قولهم: بأن المُراد من معنى - الصاحب - في النص رقم 40 من سورة التوبة هو الخليفة أبي بكر، فهذا قول مردود ولا دليل عليه سوى الظن، وتغليب الفعل السياسي اللاحق على المعنى الديني، ولم يكن الغار المُشار إليه في هذا النص هو نفسه غار حراء في جبل ثور، كما لم يكن معنى الإخراج في النص هنا دليل على هجرة النبي من مكة إلى المدينة، والقول في مجمله قول عام لا يحتمل أكثر من ذلك، كما إن النص ليس في معرض الكلام عن مزايا حسنة لمن صاحب النبي في الغار، ولهذا لا يمكن الأستفادة منه في مجال الأحقية السياسية في الزعامة والخلافة، ذلك إن شأنية الخلافة وإستحقاقاتها شيء أخر مختلف عن معنى الصحبة المجردة، الخلافة كما نفهمها تقوم على أساس الشورى والإختيار العام .

 من أجل هذا ندعوا لإسقاط الجملة التراثية الرائجة والتي تقول - أصحابي كالنجوم بمن أقتديم أهتديم - التي يترنم بها غير واحد من المُتبارين في سوق الأحقيات السياسية المزيفة، كما يجب إسقاط فرضية (عدالة الصحابة) من البين لأنها وظفت في سياقات من التناكف والتنطاح الفرقي السيء، وإعتبارها مجرد أخبار كاذبة توظف من أجل تحقيق أهداف ومصالح سياسية، وهذا فعل ممنوع وباطل شرعاً، بل إنه نوع من أنواع الدجل والتدليس المخالف لنصوص الكتاب ومعناه، والتي قالت وتبنت معنى: - (إنما المؤمنون أخوة)، ولم يصدر عنها القول: - (إنما المؤمنون أصحاب) -، والكتاب حين أستخدم لفظ - الأخوة - أستخدمة في معناه الحقيقي الدال على العلاقة الصالحة والصادقة بين المؤمنين، ولم يتبن الكتاب لفظ الصحابة كدليل على ذلك ..

ونعود لنقول: - أن لا دلالة في النص 40 على كون معنى الإخراج المقصود هو من مكة إلى المدينة ولا من بيته إلى المدينة -، بل ظاهر اللفظ وعمومه يعني الإخراج من الغار: (الذي كانوا فيه هو وصاحبه)، وعملية الإخراج من الغار إنما تمت بواسطة الفرق الجوالة التي داهمت الغار وأخرجت النبي ومن معه، وهذا بحسب منطوق النص - [أي إستخدام العنف والتهديد بالسلاح في ذلك]، من أجل هذا الوضع إنتابت صاحب النبي حالة من الخوف والحزن، وهي حالة مبررة إن نظرنا إليها في سياقها الموضوعي الطبيعي، من رجل عادي وضعه القدر في لحظة بصحبة النبي حين تمت مداهمة الغار .

وهذا البيان يدعونا: - لرد فكرة المُعجزة المادية والحسيَّة المُدعاة في هذا الشأن -، ونفي فكرة المعجزة الحسية على كل نحو مع بعثة النبي محمد - بالقرآن -، والنفي أساسه وجود المانع وفقدان المقتضي، ومعنى ذلك إن بعثة النبي مانعة لحدوث معجزات حسية ومادية، بدليل وجود - القرآن - الذي أعتمد على العقل في التعاطي مع الأشياء في الحياة والكون، ونمت معه ما نطلق عليه - بالمعجزة التجريدية -، والتي تعتمد العقل والعلم والبرهان أساساً لها، أي إنه ومع نزول القرآن أنتفت الحاجة للمعجزات الحسية، وبدأ دور العقل والعلم في تبيان الأشياء وتوضيحها، كما في كل المسائل ذات الصلة بالحياة والكون من حق وباطل أو من خير وشر .

 نعم حين تحدثت نصوص الكتاب المجيد عن الماضي وعن الأنبياء الذين سبقوا نبينا محمد، ذُكرت بعض المعجزات المادية التي حصلت كوسيلة إيضاح في الإيمان وفي المحاججة لغرض ما ولعلة معينة ما كانت في وقتها، ولكن هذا النوع من المعجزات أنتهى أوآنه بعدما أكتمل تطور العقل مع نبوة محمد، ومعها سيكون الدور للعقل والعلم في موضوعة التحليل والشرح والتدبر والإكتشاف والإختراع، وفسح المجال لهما في تفسير الظواهر الكونية والحياتية، والفكرة هذه صحيحة تماماً فجميع الإبداعات والقفزات العلمية تمت حين تجرد العقل من ضواغط الحسابات الميكانيكية .

أقول هذا: ولازال الكثير من مفسري الكتاب المجيد يعتمدون على ماهو مادي وحسي من قبيل فرضية شأن النزول والناسخ والمنسوخ وغيرهما، ولازال البعض غير مبال بما يحدث من طفرات علمية هائلة، ولازال البعض يحاول تعطيل حركة العقل والعلم، متكأين على الوهم والخرافة ووسائل الإيضاح البدائية، ولازالت حمامة أبوجهل وعنكبوت أمية بن صفوان هي التي تشكل وعيهم ومفهومهم عن الهجرة وتداعياتها، مع العلم: إن العقل الطبيعي يقول بإستحالة أن تعيش حمامة في الصحراء، لكن هذه الصيغة من أخبار ساسة قريش وظفت في الفكر والثقافة والروايات والتاريخ وأعتمدها عامة المفسرين كدليل على نصر الله وحمايته للنبي، مع إنها مجرد قصة خيالية وكذبة أتى بها قصاص محترف، وأظنه كان يعلم إنه في ذلك يخالف قوله تعالى: (فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروا)، ومعنى - أنزل - أي جعل السكينة على النبي في مواجهة خطر المداهمين، ولكن كيف كان ذلك ؟ قال إنما السكينة كانت من خلال تلك الجنود التي أيدت النبي ودعمته وساندته، - وأيده بجنود لم تروها -، وهي نفسها التي حققت للنبي النصرة والعون، إذن النصر والعون والدعم من الله كان بهذه الجنود التي لم يرها أحد، وليس بالحمامة أو العنكبوت وهذه الأخبار المزيفة ..

وخلاصة القول: إن هذا النص لا علاقة له بهجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة، كما إن المُراد بصاحبه في الغار ليس أبي بكر على نحو التعيين واليقين، إنما هو مجرد صاحب كان في لحظة معينة وفي مكان معين، ومعنى أخرجه الذين كفروا ليس من مكة بل من الغار، ولولا تأييد الله بجنوده له لما كان يمكنه الخلاص والنصر الذي تحدث عنه النص، وفي المجمل لم يكن النص إلاَّ تذكير لمن حول النبي وغيرهم بأنه سينتصر حتماً بتأييد الله ولو لم ينصروه، تلك هي سنة الله وثقة النبي وإيمانه ...

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

مقدمة: هذه أفكار أرَدنا بها المساهمة في تفسير العلاقة المعقدة التي وَصَلت بين التصوف، كظاهرة روحية، وبين الواقع السياسي (وبضمنه الإجتماعي والإقتصادي) وذلك من خلال تتبع ثلاثة مَسارات، أولها المسار التاريخي، وثانيها المسار الفكري، وثالثهما: المسار الصوفي، بوصف هذه المسارات تمثل خطوطاً متوازية هي نتاج التفاعل بين الفكر والواقع، وبكلمة أخرى فإن هدف هذه الورقة هو توجيه نظرة جديدة إلى الفكر الصوفي تضعه بين غيره من العلوم التاريخية وليدة التفاعل بين الفكرة والواقع، وليس فكراً مجرداً تأملياً هائماً.

أولاً: نظرة في تطور الواقع السياسي للدولة الإسلامية

1-  بدأ المجتمع حياته السياسية حراً

كانت المجتمعات الإسلامية في أول نشوء الدولة مجتمعات حرة، تعترف للفرد منه بحقوق كثيرة، أهمها حرية تقرير السياسة ونقدها، والوقوف ضدها، وحرية التعلم، وحرية التفكير عموماً.. الخ، وكانت هذه الحرية من صفات المجتعات القَبَلية السابقة، الذي هو أقرب بطبيعة الحال إلى مجتمع الإنسان البدائي الأول، واعترافه بفرديه، بطابع من الفوضوية القديمة. 

2-  الحرية السياسية تؤدي إلى الثورة الدائمة على الواقع، ولا تعترف بأية قيمة مطلقة له

ولم يكن المجتمع يعترف لذلك بوجود أية سلطة مطلقة، ولا بأية قيمة مطلقة، ولم يكن يستطيع- بحكم حريته شبه التامة- أن يرى في الواقع أمراً مفروضاً، أو حقيقة مطلقة (يُضطر) إلى قبولها، فكان دائم الثورة على السلطة، وهذا ما يفسر الثورات العديدة التي قامت في القرن الأول للهجرة. لقد كانت نظرته إلى الواقع أنه أمر متغير، نِسبي، وأن الواقع لا يمكن أن يكون ثابتاً، ولهذا فإنه لا يمكن أن يطابق الحقيقة، ولا يمكن أن يكون هو نفسه حقيقة، ذلك أن الحقيقة- على نقيضه- مطلقة لا تتغير.

3-  تطور الدولة وتعقدها التدريجي أدى إلى فقدان المجتمع حريته الأولى

أدى تطور الدولة وتنوع مهامها ونموها إلى زيادة إحكام هيمنتها على المجتمع، وذلك بسلبها حريته القديمة تدريجياً، لقاء ما تكفله له من نظام، واستقرار في الملكية، وأمان عام. وبعد أن كان الدين وسيلة للثورة على الدولة في العصر الأموي، اتخذته الدولة، منذ أوائل العصر العباسي، وسيلة لتثبيت سلطانها، وركناً من أركانها، فصار من يخرج على الدولة يُعد خارجاً على الدين، وبعد أن كانت المساجد أماكن للإحتجاج على الدولة، أضحت دور إعلام تابعة لها. وفي القرن الثالث حاولت الدولة (متمثلة في خلافة المأمون) فرض عقائد معينة على المجتمع، وهي التي عرفت بفتنة خلق القرآن. وفي القرن الخامس والسادس ضمت الدولة– وهي ماضية في نموها وتعقدها- العلم إلى جملة وسائلها وأركانها، فأنشأت المدارس، وهيمنت على التدريس، وعلى مناهجه ومصادره (بعد أن كان حراً تماماً)، وهكذا كان المجتمع يفقد حريته السابقة (المتمثلة في نظرته النسبية المتغيرة إلى الواقع، التي تدفعه إلى تغييره) تدريجياً، ليحل محلها الولاء والإيمان بالدولة (المتمثل في نظرته المطلقة للواقع، بوصفه حقاً لا يمكن تغييره).

4-  فقدان المجتمع حريته تدريجياً يقترن بتبريره لواقعه، مهما كان سيئاً، على اساس أنه ضرورة

وهكذا نجد أن الواقع السياسي الإسلامي كان يتغير – بتطور الدولة- من واقع متغير نِسبي، إلى واقع ثابت مطلق، وتغيرت نظرة الناس إلى الحق على أساس أنه أمر يمكن التوصل إليه وتطبيقه في الواقع، طالما تمتع المجتمع بإرادة الاختيار، الحرية، تغيرت إلى أن اعتبار الحق هو الواقع نفسه، وأن المجتمع (مضطر) لقبول ذلك الواقع لأنه حق. ولسوف نرى كيف اعترف الفكر الإسلامي بهذه الضرورة، وكيف أن الفكر الصوفي وقف الموقف نفسه منها، وذلك في مرحلة معينه من مراحل تطورهما.

وعليه فإننا نخلص مما نقدم كله إلى أن تطور الواقع السياسي الإسلامي كان يمثل إنتقالاً تدريجياً من القيم المتغيرة، الحرة، النبية، إلى القيم المثابتة، غير الحرة (الضرورة)، المطلقة.

ثانياً: نظرة في تطور نظرية الحكم، أو الفكر السياسي

1-  بدأ الفكر السياسي- كالواقع السياسي- حراً

كان الفكر السياسي في أول نشوء الدولة الإسلامية فكراً حراً بسيطاً، يرى كل فريق أنه من الممكن الوصول إلى الحقيقة التي ينشدها عن طريق الثورة وتغيير الواقع، وذلك أن الأخير ليس إلاّ واقعاً نسبياً متغيراً بطبيعة زمانه ومكانه، وهذا يفسر كثرة الأحزاب الثائرة، والجماعات السياسية، في أوائل عصر الدولة، حتى ضربت رقماً قياسياً في كثرتها، وتفرعاتها، وانشقاقاتها، وتعدد وجهات نظرها، وهو أمر طبيعي طالما آمن الإنسان بحرية إرادته، وأنه (مُخيَّر) في أن يرضخ للشر، أو أن ينتصر للحق، بمحض إرادته الحرة وحدها.

2-  تطور الدولة الإسلامية اقترن بتطور نظرية عصمة الأمة

لما كان الواقع السياسي الإسلامي – كغيره- دائم الحركة والتغير (للأسباب المذكورة)، وكانت الدولة التي بدأت بالاستقرار والنمو تحتاج إلى واقع ثابت، مستقر، تقوم عليه، وإلى قيم ثابتة مطلقة، تدعم وجودها، ولم يكن في السوابق الإسلامية الأولى ما يمكن أن يكون حقيقة مطلقة (منذ أن نفت الخلافة عن نفسها المعرفة اللاهوتية)، فقد بدأت في التطور تلك الفكرة القديمة القائلة بأن للأمة الحق في تغيير واقعها، إلى نظرية متكاملة مفادها أن الحق يمكن أن يكون دائماً مع الأمة، وطالما كانت الأمة موجودة فعلاً في الواقع، فإن الحق إذن هو الواقع نفسه. وبمعنى آخر، فقد تحولت النظرة المتغيرة، النِسبيّة، للواقع، إلى نظرة إليه بوصفه واقعاً ثابتاً و(حقيقياً)، وهو حق لأنه حدث بإرادة العقل الكلي للأمة (بجميع عقول أفرادها، أي بإجماعها).

وهكذا تكاملت لدينا نظرية (عِصمة إجماع الأمة). ولما كان اجماع الأمة عملياً غير ممكن، فقد كان الإجماع (بمفهومه النظري الواسع) يمثل رضا الأمة عموماً، وهذا الرضا هو من إرادة الله الحتمية، لأنها تمثل حقاً مطلقاً.

بدأت النظرية السياسية الإسلامية تفقد تدريجياً قوة التقرير وتغيير الواقع، إلى أن تصبح مُبرِّرة له ، ومُكرِّسة، ومضى الفقهاء يفسرون كل السوابق السياسية الماضية على أساس أنها تمت بإرادة الأمة وبرضاها، التي هي من إرادة الله المطلقة، وإنما لذلك تمثل (ضرورة حتمية) لا مفر منها، ولا اعتراض عليها إذ (لا اعتراض على حكم الله)، وأمسى ذلك المبنى الجليل من النظم السياسية تسويغاً (بَعدياً)  للوقائع التاريخية السابقة التي أقرها الإجماع.

3-  النظرية السياسية الإسلامية تعترف تدريجياً بالضرورة الحتمية

أمست النظرية السياسية الإسلامية مجرد مبررة لواقع الحكم، واعتراف بضرورته الحتمية، وهذا ما نراه جلياً في فكر الماوَردي السياسي، حين اضطر إلى إكساء كثير من الحوادث السياسية (حتى التي تخالِف الدين) بصبغة دينية مطلقة ثابتة، ولكنه لمّا أعيَته الحِيَل في تبرير إمارة الاستيلاء، وهي تنازل الخلافة عن سلطاتها للأمراء الذين حازوا سلطتهم بالقوة (لأن مخالفتها للخلافة الدينية جليّة) نجده يُقِر صراحة بحكم الضرورة الحتمية إذ يقول (إن الضرورة تُسقِط ما أعوَزَ من شروط المُكنة) منتهياً إلى أن الخوف من الإضرار بالمصالح العامة (السياسية) يُسَوِّغ التخفف من الشروط الدينية، وبمعنى آخر فإنه اعترف بأن للضرورة (من الحق) ما يُسَوِّغ مخالفة القواعد الشرعية.

وهكذا كان تطور الفكر السياسي الإسلامي لأن يكون فكر تبرير (مطلق) لا فكر تقرير، وتغيير (نِسبي)، واعترافه لذلك بالضرورة، وبأحقيتها، بوصفها من إرادة الأمة المستمدَّة من إرادة الله، وبإلغائه التدريجي لإرادة الاختيار الحرة، فكان ذلك كله ما أوقعه في تناقض كبير فيما بعد.

4-  سقوط الحكم الإسلامي يُحدِث فجوة في التفكير السياسي

 

كان للجمود الذي تملك واقع الحكم الإسلامي (وما تضمنه من واقع اجتماعي واقتصادي)، وإيمان الناس بأن واقعهم السيئ ما هو إلاّ حقيقة ثابتة مطلقة، أي أنه إرادة إلهية لا يمكن تغييرها، الدور الأساس في شيخوخة الحكم، وبطء تحركه لمعالجة الأوضاع المادية السيئة، فلما سقط الحكم الإسلامي في المشرق على يد المغول وأعقابهم، وسقط في المغرب على يد القوى الأوربية، وقعت النظرية السياسية في تناقض كبير، فإن الفقهاء الذين كانوا يبررون كل سابقة تاريخية على أساس أنها ضرورة، وهي لذلك من إرادة الله فلا مجال للإعتراض عليها، واجهوا – عند سقوط الحكم الإسلامي على يد غير المسلمين- التناقض الآتي:

كيف يمكن التوفيق بين سقوط حكم الإسلام، وبين أن يكون ذلك السقوط من إرادة الله؟ وكان الجواب أسرع مما يُتَوقع، حيث برّر الفقهاء تخلي الله عن حكم المسلمين بأنه عقاب لهم، وأن مجيء المغول مثلاً لم يكن إلاّ من إرادة الله، وهو لذلك لم يكن إلاّ حقاً، وقد تم برضا الأمة نفسها، التي ترضى بحكم الله (والنصوص التي ترد في أثناء أخبار سقوط بغداد حافلة ومؤيدة لهذى المعنى). وهكذا تطورت النظرية السياسية إلى أن وصلت إلى نقطة فلسفية خطيرة، وهي أن الخير حق والشر (كسقوط الخلافة مثلاً ومآسي الاحتلال) هو أيضاً حق، وكلاهما يمثلان ضرورة أرادها الله، وإذن فلا فرق بين الخير والشر على المستوى السياسي، وإنه مهما يكن في الواقع من شرور وسيئات، فهو حق، لا مجال لتغييره أو تبديله، أو حتى الاعتراض عليه.

لنقف عند هذه النتيجة الخطيرة، وهي تبرير النظرية السياسية الإسلامية للشر بأنه ضرورة حتمية، وأنه حق مطلق، مثله مثل الخير تماماً، لنتتبعها في الفكر الصوفي. 

ثالثاً: نظرة في تطور الفكر الصوفي

يصعب التمييز عند البحث في نشأة التصوف، بينه وبين نشأة الزهد (وقد أدى هذا التشابه في النشأة إلى إرجاع بعض الباحثين، كزكي مبارك، التصوف إلى عهود سابقة)، وإن هذا الاتحاد في البداية يدلنا بوضوح على أن التصوف نشأ كرَدِّ فعل عنيف على الواقع السيئ، ولهذا فقد كان التصوف في المراحل الأولى من التاريخ الإسلامي يمثل حركة مناوئة للواقع السياسي للمجتمع والدولة، إذ احتقر ذلك الواقع بصراحة، ونادى بأن الحقيقة ليست في ذلك الواقع لأن الحقيقة مطلقة (كل شيئ خلا الله باطل)، بينما ذلك الواقع نسبي، يتغير، ويزول، وأن الدولة لا تمثل الحق، وإنما يستطيع الإنسان الوصول غليه والاتحاد معه بنفسه عن طريق وقوفه ضد الواقع، وتجرده من نوازعه ومغرياته، لذلك فقد كان الفكر الصوفي في عهده الأول- عهد الجُنيد ومعروف والسَقطي والحلاج وغيرهم- يمثل ثورة الإنسان على الواقع الذي يؤمن بحرية إرادته في تغييره، ولذلك وقف النظام السياسي ضد التصوف واضطهد بعض المتصوفة بقسوة بالغة.

وهكذا نجد أن التصوف وقف نفس الموقف الثائر الذي وقفه من قبل الفكر السياسي، في تقريره للواقع، وإيمانه بحرية الإرادة في تغييره.

5- التصوف يسير في نفس مسار الفكر السياسي من قبل فيعترف بالضرورة

وكلما بررت النظرية السياسية الواقع، وعدته ضرورة لا محيص عنها، كان التصوف يأخذ في تطوره نفس المجرى، فمنذ القرن الخامس للهجرة هدأت ثورة الصوفية، وأخذ موقفها من الواقع السيئ يتحول من رد الفعل إلى قبوله وتبريره، فخفتت أصوات من قال بأن الحقيقة المطلقة ليست في الواقع المتغير، وأنه يمكن تغيير الواقع للصول إلى تلك الحقيقة المنشودة، ولم نعد نسمع تلك الأصوات التي دعت إلى نبذ الواقع باعتباره شرا لابد من محاربته بالإرادة الحرة للإنسان، وبدأت تحل محلها أصوات تدعو إلى أن الإنسان مُسَيَّر في إرادة عامة، وهو مضطر لقبولها، وأن ما يحدث في الواقع ليس إلاّ نتيجة لتلك الإرادة، ولذلك فإن الحقيقة تكمن في الواقع ذاته، وفيما أحدثته الأمة عليه من مؤسسات (وبالطبع فإن الدولة أبرزها وأهمها)، وهكذا بدأ الصوفية – هم أيضاً- يضفون الحق على الواقع السياسي ويبررونه بإخلاص مُتناهِ، حتى إذا ما جاءت نهاية القرن السادس للهجرة، كان التصوف قد غدا من أركان حكم الخلفاء، لا سيما الخليفة الناصر لدين الله العباسي، الذي أراد شد مفاصل الدولة به.

إن هذا التكريس الصوفي للواقع هو الذي دفع بصوفية متأخرين إلى إعلان مقاومتهم لمن يريد تغيير النظام السياسي، كما فعل الشعراني مثلاً، بل صار "حفظ النظام ومراعاة المصلحة العامة.. وتحريم الخروج على الإمام" قاعدة من قواعد التصوف المهمة (أحمد زروق: قواعد التصوف).

6- سقوط الحكم الإسلامي يحدث فجوة وتناقض في الفكر الصوفي هو أيضاً

ومثلما أحدث سقوط الحكم الإسلامي فجوة وتناقضاً في بناء النظرية السياسية الإسلامية، أحدث هذا السقوط هزة كبيرة في الفكر الصوفي أيضاً، ذلك أن تبرير الصوفية للواقع باعتباره حقاً، أدى إلى الوقوع في التناقض الآتي: ما دام الواقع السياسي المادي يمثل حقيقة مطلقة، وما دامت هذه الحقيقة هي إرادة الله، فكيف التوفيق بين سقوط هذا الواقع= الحق، وبين أن تكون تلك النهاية من صنع الله؟

ومثلما قدمت النظرية السياسية الجواب السريع على هذا السؤال المحرج، مجتازة ما يثيره من تناقض على ما سبق ذكره، خَطَت النظرية الصوفية الخطوة نفسها، فذهبت إلى أن سقوط الحكم الإسلامي، على ما نتج عنه من شرور، فإنه يمثل إرادة الله، وهو لذلك حق مطلق لا يمكن تغييره والإعتراض عليه. وكما أن الخير ضروري لهذا العالم، فإن الشر ضروري أيضاً، وأن هذه الضرورة حتمية، إذ هي تمثل حقاً مطلقاً، الذي هو الله تعالى، لأنه طالما كان الله نفسه حق، فإن كلاً من الخير والشر يمثل وجهاً من أوجه الله، أي أنهما الله ذاته. وهكذا تبلورت لدينا في هذا الاتجاه نظرية (وحدة الوجود) الذي حمل لواءها ابن عربي، فحين يقول ابن عربي "فسبحان من أظهر الأشياء وهو عينها" يعلم أن من هذه "الأشياء" (في الواقع) ما هو شر، كما أن فيها ما هو خير، وحين يقول "وقد ثبت عند المحققين أنه ما في الوجود إلاّ الله، ونحن وإن كنا موجودين، فإنما كان وجودنا به "يعلم أن من بين هؤلاء"الموجودين" (في الواقع" من هم من الأشرار ومن هم من الأخيار، وهو حينما يتوصل إلى أن "حقيقة الموجودات واحدة"، يعني أنه لا فرق بين الموجودات الخيرة والموجودات الشريرة، فإنها جميعاً تمثل حقيقة مطلقة واحدة، هي الله تعالى.

وبهذا يبرر لنا الصوفي ابن عربي الشر بأنه ضرورة إلهية، وهو لذلك حق مطلق لا سبيل لدفعه، وهو بهذا أيضاً وصل بالنظرية الصوفية إلى المنعطف نفسه الذي وصلت إليها النظرية السياسية الإسلامية.

هذه هي الخطوة الخطيرة التي خطاها ابن عربي في تطوير نظرية (وحدة الوجود) الصوفية، إلاّ أن ابن عربي لم يستطع حل المُعضلة الأخيرة التي تبقَّت نتيجة ذلك التناقض الذي أدى إليه تدهور الواقع السياسي الواضح، وهي: كيفية التوفيق بين نظرية وحدة الوجود التي أنضجتها الظروف التاريخية وصيرتها إلى ما صارت إليه، وبين الفكرة الإلهية القديمة، القائلة بوجود خير قائم بذاته، وشر قائم بذاته، وأن على الإنسان أن يختار بإرادته الحرة (التي سيُحاسَب عليها) بينهما لينال بعدئذ ثوابه إن اختار خيراً، وعقابه إن اختار شراً.

7- التطور الأخير في النظرية الصوفية جاء تبريراً آخر للواقع

كان الانحطاط السريع الذي دَبّ في جسم النظام السياسي الإسلامي في القرنين السابع والثامن للهجرة، يوجِب تبريراً أقوى لأسباب ذلك الانحطاط، وكانت فكرة وجود الجنة والنار، كنتيجة لوجود الخير والشر، وما يوجبان من وجود إرادة اختيار حرة، تشكك دائماً في تبرير الشر على أنه يمثل إرادة إلهية ضرورية مطلقة، لهذا فقد ظهر في الميدان صوفي آخر طوَّر ما تركه ابن عربي من الفكر الصوفي، متوصلاً إلى أنه كما لا يوجد فرق بين الخيروالشر، فإنه لا فرق أيضاً بين نعيم الجنة وعذاب النار، وكان ذلك الصوفي هو الشيخ عبد الكريم الجيلي (المتوفى سنة 832هـ) الذي رفع أكبر مشكلة كانت تعترض القائلين بوحودة الوجود، أعني مشكلة العقاب والثواب، حين ذكر بأن جميع الناس مهتدون، في أحوال الطاعة وفي أحوال العصيان، وقرر بأن الله تعالى يسمى المُضِل كما يسمى الهادي "فالطائع متحقق بصفة الهداية، والعاصي متحقق بصفة الضلال، وكلاهما أمام الحق سواء"، وما إرادتنا المخلوقة – في رأيه- إلاّ "عين إرادة الحق سبحانه وتعالى"، وهي "عين الإرادة القديمة". ويحاول الجيلي جاهداً التوصل إلى أن النار لا تختلف بعذابها عن نعيم الجنة، فمما يقول" إن لأهل النار لذة فيها تشبه لذة المحاربة والمضاربة، وهم عارفون أنهم يتألمون بذلك، ولكن الربوبية الكامنة التي هي النفس تحملهم على خَوض ذلك، ثم أن لهم لذة أخرى تشبه لذة من به جَرَب فيَحُكَّه.. ولهم لذة أخرى تشبه لذة الجاهل المستغني برأيه ولو أخطأ.. الخ" (كتابه: الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل).

والواقع أن الجيلي مضطر إلى أن يصل بالنظرية الصوفية إلى هذه النقطة، فهو في تفسيره لعذاب النار على هذا النحو ، فأنه يُوفق بين كون الواقع السياسي (بكل ما فيه من شرور) حقاً مطلقاً، وبين فكرة الثواب والعقاب، ويرفع ما بينهما من تناقض أخير.

خاتمة:

تتضح لنا، مما تقدم، الصلة الوثيقة بين الفكر الصوفي من جهة، وبين الواقع السياسي والفكر السياسي من جهة أخرى، وأنه ليست هناك أية (تجربة روحية) منفصلة عن الواقع، بل أن التصوف كله كان تفاعلاً بين الفكر والواقع السياسي، كل منهما رسم طريق الثاني وحدد اتجاهه، وإن دراسة التصوف كمعرفة تأملية محضة دون دراسة واقعه التاريخي أمر غير مجد.

  

الدكتور عماد عبد السلام رؤوف

 

 

النص الديني وآفة التقديس: القرآن كنموذج

القرآن كنص: دراسة تفكيكية نقدية للنص القرآني بعيداً عن القدسية

مقدمة: جذور المقدس الديني

علينا توخي أقصى درجات الحذر عندما نلج المنطقة المحرمة في الإسلام والمس بالمقدس الديني الأهم ألا وهو النص القرآني. ولكن لا يمكننا الإفلات من الأساسيات المهمة والضرورية في عملية البحث في النص القرآني والتغاضي عن أسئلة جوهرية من قبيل: كيف نشأ النص القرآني ومن أين جاء وكيف تشكلت قدسيته ومتى ظهر أولاً وكيف كتب أو دون وبأية لغة كان قد كتب وأي شكل أتخذ ومن كان الجمهور الذي تلقاه وكيف انتقل من جيل إلى آخر من نظمه وصنفه وجمعه وبوبه. الإجابة على هذه الأسئلة تعد كمن يخوض في حقل ألغام فلا يوجد إجماع مع وجود صعوبات تتعلق بالنص نفسه وبمادته اللغوية وغموضه، ولا تتوفر للباحثين سوى الرؤية التراثية من وجهة نظر إسلامية بحتة التي يمكن اللجوء إليها في أية مقاربة حتى ولو كانت نقدية حيث يتطلب مثل هذا الجهد الجرأة على التحدي لكشف الرؤية التبسيطية الساذجة المستمدة من معتقدات الإسلام والعقلية الخرافية السائدة فيه . لذلك لا بد من القيام بدراسة نقدية تحليلية جريئة ومحايدة وصريحة لمصادر القرآن لكي نتوصل لنتائج تاريخية صحيحة ومحددة ولن يحصل ذلك إلا بروح علمانية ودنيوية صرفة من قبل باحثين أكفاء غير متأثرين بعلوم الدين الإيمانية. أعمال أغناس غولدزيهر Ignaz Goldziher وهنري كوربان Henri Corbin عن تأثير الزرادشتية على الإسلام وأعمال جيجر Geiger وتوري Torreyو كاتش Katsch عن تأثير اليهودية وعمل ريتشارد بيل Richard Bell الطليعي عن تأثير المسيحية وأعمال ويلهاوسن  Wellhausen ونولدكة Noldeke وهرغرونج Hurgronje وروبرتسون سمث Robertson Smith عن تأثير الصابئية وتأثير المحيط في الجزيرة العربية في العصر الجاهلي وعمل آرثر جفري Arthur Jeffery عن المفردات الأجنبية في القرآن، كلها تجتمع لتجعلنا نتفق مع استنتاج زويمر Zwemer أن الإسلام " ليس اختراعا، ولكنه خلطة، ليس هنالك من جديد فيها ما عدا عبقرية محمد في مزج مواد قديمة ليكون وصفة لعلاج كل الآلام الإنسانية وليفرضها بواسطة السيف". ولقد جمع عصارة ما تفقتق عنه ذهنه وتجاربه واتصالاته في كتاب هو " القرآن" الذي قال عنه أنه من عند الله وبالتالي فهو كلام الله لذلك فهو مقدس، ومجموعة من الأحاديث والأفعال التي دمغت حياته وتناقلتها الأسلن في كتب السيرة والحديث واشهرها " صحيح البخاري" الذي أضفت عليه المؤسسات الدينية المتتالية منذ تدوينه إلى اليوم نوع من القداسة بمعنى أن كل ما جاء فيه صحيح. ولم قيقتصر الأمر على الطائفة السنية ذات الأغلبية الساحقة في الإسلام بل حدث نفس الشيء لدى الطائفة الشيعية الأقلية في الإسلام وورد في أدبياتها ونصوصها المعتمدة كالكافي وبحار الأنوار وغيرها الكثير من الحشو والوضع استناداً، ليس فقط لتراث محمد، بل وكذلك للأئمة من أهل بيته من حفيديه الحسن والحسين وكذلك دون تمحيص أو تدقيق.

والحال، يعيش العالم الإسلامي اليوم، حركة غير مسبوقة في انتقاد التراث الديني، تناولت جميع المرويات المنسوبة لمحمد وأخضعتها للمناقشة والتمحيص، إذ أن تلك المرويات تضمنت الكثير من التناقضات، والخرافات، التي تعارض مقتضيات المنطق السليم والعقل الواعي، سيما وإن الكثير مما جاء فيها معارضاً ومخالفاً لصريح النصوص القرآنية، في الكثير من المضامين، ثم إنتقل النقاش والجدل والنقد من الوسط الفكري، الذي يضم العديد من المثقفين والباحثين، إلى الوسط الديني أيضا داخل بعض الموؤسسات ذات الطابع الديني كالأزهر والمرجعيات الدينية الشيعية، حيث تخرج من هاته الموؤسسات فقهاء ومحدثون بدأوا يناقشون هاته المرويات ويمحصونها، وينتقدونها ويأخذون منها ما يعتبرونه صحيح مثبت ويرفضون مايعتبرونه موضوع ومزور ولايتوافق مع النص القرآني، فتم التعامل مع هاته النصوص على انها نصوص تاريخية، لا قدسية لها، وشرع هؤلاء في تمحيصها بنفس الآليات العلمية والعقلانية التي يتم بها مناقشة وتمحيص النصوص التاريخية. ومما ساعد على هاته الحركة الفكرية بخصوص انتقاد التراث الديني، ما يعيشه العالم اليوم من ثورة علمية غير مسبوقة أيضا، جعلت العقل البشري يتبوأ مكانة السيادة والريادة في جميع المجالات، فاتحا مستقبل البشرية جمعاء، على آفاق ِ واسعة من التقدم المذهل في شتى ميادين الحياة، بل إن تقدم الوسائل والوسائط والتكنولوجيا العلمية مكنت البشرية من التعرف على الماضي في كلياته، وحتى السحيق منه، وكأنها تعيش داخل تلك العصور البائدة، كما ساعدت تلك الوسائل على التحقق من مصداقية الروايات التاريخية، والأعمال المنجزة في هذا الصدد قبل قرون من خلال المنهج التفكيكي. ومن الكتب التراثية التي لقيت انتقادا كبيرا منذ تأليفها كتاب «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله وسننه وأيامه» الشهير بالجامع الصحيح أو صحيح البخاري حيث أنجزت العديد من الدراسات ُ والبحوث والتحقيقات التي تناولته بالانتقاد، لإبراز الأحاديث والآثار الواردة فيه، سيما الأحاديث المناقضة للعقل والعلم والقرآن، والأحاديث المنحولة والمأخوذة من الإسرائيليات، وغيرها من البحوث التي صار معها «صحيح البخاري» من  أكثر الكتب إثارة للجدل على مر التاريخ الإسلامي ورغم الحملة القوية التي واجهها صحيح البخاري من حيث انتقاد مضامين الأحاديث الواردة فيه، ومن حيث انتقاد بعض رجاله الذين روى عنهم مؤلف الكتاب أحاديثه، ومن حيث الانتقادات التي وجهت لمحمد بن اسماعيل البخاري نفسه، إلا أن فئة الشيوخ والفقهاء والمحدثين ظلت في مجملها متمسكة بالجامع الصحيح على أساس أن كل ما فيه صحيح، وأنه أصح الكتب بعد كتاب الله، بل تم حمل سلاح التفسيق والتكفير والزندقة في وجه كل من ينكر أحاديث في هذا الكتاب أو يوجه إليها سهام انتقاداته، حتى لو عارضت متونها كتاب الله الموحى إلى نبيه، فصار لدينا كتاب فوق النقد، وفوق العلم، وفوق العقل، بل فوق القرآن نفسه لدى معظم الشيوخ السنة مع كامل الأسف. لقد تضمن الكتاب المئات من الأحاديث تحبل بكوارث خطيرة، فمنها ما يسيء إلى مقام الألوهية، ومنها ما يسيء إلى مقام النبوة، ومنها ما يسيء إلى مقام الإنسان نفسه والمرأة على وجه الخصوص.

القرآن من الداخل:

"قل الحق ولو على نفسك" ترى من يطبق هذا القول اليوم في العالم الإسلامي؟ نحن أمة لا تزال أسيرة الماضي ومقدساته التي لا تستطيع الفكاك منها، فكل النصوص والأشخاص باتوا مقدسين وخطوطاً حمراء لا يسمح بالمساس بها، ناهيك عن انتقادها أو دحضها أو مناقشتها. فالنبي والصحابة وآل بيته مقدسون، بل وبعضهم معصومون عن الخطأ، والقرآن والحديث مقدسين، لا يحق لأحد أن يتساءل بشأنهما أو يشكك بأصالتهما وصدقيتهما مثل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وبالعقاب والثواب ويوم القيامة والحساب والجنة والنار والنعيم والجحيم، وغيرها من المسلمات، ومن يخرج عن ذلك فهو زنديق وكافر ومشرك ومرتد يطبق عليه الحد ألا وهو القتل.

من هنا، فإن من المحرمات التي لا يجب انتهاكها في زمننا الحاضر، والتي فرضتها الأورثوذكسية الإسلامية، كان موضوع قدسية النص القرآني الذي لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه ولا من فوقه ولا من تحته فهو كلام الله المنزل الكامل والشامل الخالي من أي نقص أو تناقض. والحال أن تراث الإسلام لا يقول بذلك لا من الناحية الفقهية ولا من الناحية الثيولوجية أو الكلامية أو الفلسفية أو المنطقية، بل ولا حتى من الناحية اللغوية، وهو مليء بالأمثلة التي تثبت عدم قدسية وكمالية النص القرآني خاصة فيما يتعلق بجمعه وتدوينه وتفسيره وتأويله، فبعد موت محمد أصبح أمام المسلمين ثلاث أولويات عاجلة، حسم مسألة الخلافة الدنيونية، وفيما بعد الدينية لو أمكن، وتأسيس القرآن ككتاب مقدس قانونياً ومصدراً وحيداً للتشريع، وجمع الحديث وتدوين السنة النبوية. فكان على المسلمين أن يجمعوا النصوص القرآنية المتفرقة من المصادر الشفهية والمكتوبة، وأن تؤسس هيكيلية نص من الحروف الساكنة وأن يستكمل العمل على مراحل لتثبيت نص مضبوط بعلامات للحركات والتنقيط والتشكيل لكي يكون مقبولاً كمقياس قانوني. ولقد استغرقت هذه المهمات ثلاث قرون تقريباً وفق سيناريو زمني وجغرافي معقد حيث من المفترض أن محمد لم يترك نصاً مكتوباً أو مدوناً كاملاً للقرآن كما تقول المصادر التي تشدد على أنه حفظ بصيغة شفهية في ذاكرة عدد كبير من مستمعيه وحفاظه وقرائه المباشرين من الجيل الأول من الصحابة، ومن ثم من قبل التابعين وتابعي التابعين وهلم جراً .إلى جانب نتف مما كتبه في حياة محمد من سميوا بكتاب الوحي ولقد تمت المهمة بعد موت محمد بعقدين من الزمن في زمن الخليفة الثالث عثمان لذلك صار الكتاب المجموع يعرف بالمصحف العثماني بيد أن النص النهائي للقرآن المضبوط والمشكل والمنقط أنجز في النصف الأول من القرن العاشر الميلادي بعد طرق متعددة لقراءته وتنويعات طفيفة في الضبط بالشكل حظي بالقبول والتسامح وأصبح مقبولاً كنص قانوني ملزم كما تقول الرؤية الإسلامية التقليدية، في حين إن الباحثين الغربيين في مجال الدراسات والأبحاث القرآنية، ومنهم جون وانسبورغ سنة 1977،وجون بورتو في سنة 1977 أيضاً، توصلا إلى استنتاجين متباينين. الأول حاول أن يثبت أن القرآن لم يجمع على هيئته الحالية حتى بعد مائتين او ثلاثمائة سنة بعد موت محمد، بينما الثاني حاول أن يثبت العكس وهو أن محمد حرص على تثبيت نسخة نهائية للقرآن في حياته مكتوبة بحروف ساكنة، ولكن لم يتم العثور على نص قرآني مرتب وفق التسلسل الزمني الكرونولوجي للنزول .أما المستشرق الألماني لولينغ فقد سعى للبحث عن القرآن الأصلي في كتابه المثير للجدل " تحد للإسلام" الذي نشره سنة 2003. ومن حيث توقف لولينغ بدأ لوكسينبرغ محاولاته لحل شفرة القرآن بمقاربة غريبة وجديدة في آن واحد بشأن التأثيرات السريانية والآرامية في اللغة القرآنية وهي الدراسة التي نشرها سنة 2004 وأحدث ضجة في وسائل الإعلام الشعبية والشعبوية ذات الإثارة الجماهيرية، وهي دراسة ابتعدت عن كامل التراث التفسيري الإسلامي التقليدي للقرآن وتقول بأن كل النسخ الباقية للقرآن، قديمه وحديثها، تتضمن كماً هائلاً من الأخطاء في القراءة، من وجهة نظر القراءة الفيلولوجية ذات النتائج التخمينية وليست اليقينية،لأنه لا يأخذ بالاعتبار الأبحاث المتراكمة على مدى قرنين من الزمن في سياق النقد النصي للقرآن، والنتيجة التي توصل إليها لوكسينبرغ هي أن اللغة التي استخدمها محمد في القرآن الأصلي الذي تلاه على مسامع المسلمين كانت متأثرة تأثراً عميقاً باللغة السريانية والآرامية التي أخفاها محمد بحذاقة منقطعة النظير في إعادة صياغة لغوية نثرية مسجعة خاصة به، والتي يمكن إعادة اكتشافها بتغيير التنقيط على المفردات القرآنية لكي نقترب من أصلها السرياني والآرمي، ويتوسل منهجية الاستبدال الدلالي. فالنص القرآني الذي بين يدينا الآن ما هو سوى نسخة مجزأة عن نص أصيل تقول الأسطورة الدينية أنه موجود في اللوح المحفوظ لا يمكن الوصول إليه ولا حتى من قبل الأنبياء والرسل، كما جاء في سورة البروج للآية 22 وسورة الأنعام الآية 19 وسورة القدر. قال الله في القرآن: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وقال إنا أنزلناه في ليلة القدر اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال أحدها وهو الأصح الأشهر أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجما في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامته بمكة بعد البعثة . وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسول الله بعضه في أثر بعض .وأخرج الحاكم والبيهقي أيضا والنسائي من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال أنزل القرآن في ليلة واحدة إلى السماء الدنيا، ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك بعشرين سنة ثم قرأ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا. وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه وفي آخره فكان المشركون إذا أحدثوا شيئا أحدث الله لهم جوابا. أخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس قال أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل نجوما، أي على أجزاء، وعن ابن عباس أنه سأل عطية بن الأسود فقال أوقع في قلبي الشك قوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر وهذا نزل في شوال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة وفي المحرم وصفر وشهر ربيع فقال ابن عباس إنه أنزل في رمضان ليلة القدر جملة واحدة ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام. فذلك هو القرآن الحقيقي والأصيل وليس النص الدنيوي المتداول اليوم والذي هو عرضة لكثير من الغموض والإشكاليات والاجتهادات والتأويلات والتفسيرات المتناقضة والمتباينة والذي وصفه الإمام علي بأنه" حمال أوجه". فالنص الحالي لم يملى على النبي حرفياً بل بواسطة الوحي والإيحاء لذلك نجد فيه المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ، وبالتالي فهو ليس ذلك المقصود بالآية: إنا أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون" فالكتاب المتداول اليوم بين الناس ليس هو " الذكر" المشار إليه في الآية، وبالتالي فهو ليس خالد ومطلق وثابت. فهناك قصة وتاريخ للنص المعروف باسم القرآن اليوم وفيه نواقص وإضافات وتحريفات كما تروي لنا الروايات التاريخية المتعلقة بهذا الموضوع، وبالتالي فهو نسبي. وتكفينا الإشارة إلى موضوع الآيات الشيطانية، الواردة في القرآن الدنيوي المتداول حالياً والتي استوحى منها الروائي والكاتب البريطاني من أصل هندي روايته الشهيرة " آيات شيطانية" التي أثارت ضجة في العالم الإسلامي بعد فتوى الخميني باستباحة دم الكاتب ووجوب قتله، والحال أن هذه الحادثة حقيقية حصلت في التاريخ الإسلامي ونقلتها كتب التراث . فلقد أكد الدكتور عفيف عبد الفتاح في كتابه روح الدين الإسلامي أن الرسول كان يفرق بين الملاك والشيطان إلا في حالة واحدة عندما امتدح النبي آلهة قريش ونطق الآية على النحو التالي:" تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" وهو يقصد بالغرانيق هنا الللات والعزى ومناة. ولقد أكد السيوطي في كتابه أسباب النزول ص 184 وابن هشام في سيرته النبوية جزء 2 ص 126 وابن كثير في تاريخه جزء 3 ص 229، بأن الشيطان هو الذي وضع على لسان محمد هذه الصيغة ليمتدح آلهة قريش عندما كان يقرأ على قريش سورة النجم . يقال أن هناك كتبة للوحي لم يكونوا أمناء ومخلصين ومنهم من ارتد عن الإسلام وآخرون مثل معاوية استخف بأصالة النص بل وأنكره إبنه يزيد ابن معاوية، وهو خليفة للمسلمين، حينما ردد مقطعاُ شعرياً يقول:" لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل". فبعد وفاة النبي كان القرآن موزعاً بين الصدور في ذاكرة الحفاظ والقراء، وعلى جلود الماعز وكرب النخيل والعظام والأقمشة وغيرها من الدعائم التي دونت عليها الآيات والسور القرآنية، ولم تنضج فكرة جمع النصوص القرآنية إلا في وقت متأخر في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وحول ذلك الحدث قصص وحوادث كثيرة تطعن بأصالة ومصداقية النص القرآني الحالي، سنتطرق إليها لاحقاً. فأقل ما يقال أن الجمع تم على نحو اعتباطي وعشوائي لأغراض سياسية وأيديولوجية مسبقة ومتعمدة وليس وفق توجيهات النبي أو وفق تسلسل نزول الآيات وحدث خلط مقصود ومتعمد بين الآيات المكية والآيات المدنية ونقل الكثير منها من سورها الأصلية إلى سور أخرى. هناك روايات غير مثبتة تقول أن أول محاولة للجمع حدثت في حياة النبي من قبل علي بن أبي طالب وبعد ذلك بقليل في زمن الخليفة الأول أبو بكر والمحاولة الثالثة تمت في زمن عثمان، وهناك محاولة أخيرة تمت بعد زمن طويل في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي. كانت هناك عدة نسخ للقرآن تبعاً لاختلاف القراءآت، وأشهرها نسخة عبد الله ابن مسعود التي أحرقت في عهد عثمان وبأمر منه. وتم إقرار نسخة زيد بن ثابت بالقوة وإحراق باقي النسخ ما عدا نسخة الإمام علي التي لم يتجرأ أحد على أخذها منه وحرقها، والمعروف أن زيد بن ثابت الأنصاري من قبيلة الخزرج كان كاتب من كتاب الوحي ومترجم للنبي من والى اللغة الفارسية والإغريقية والقبطية والإثيوبية حيث تعلم اللغات في المدينة ومن رحلاته المختلفة الى تلك البلدان، وكان سكرتيرا لأبو بكر وعمر وعثمان، وكان هو الذي يكتب الرسائل للملوك والأمراء في زمن النبي والخلفاء الثلاثة الأوائل . وتقول أسطورة دينية أخرى أن الملاك جبريل كان يلتقي النبي محمد سراً كل عام بهذا الصدد للقيام بمراجعة لما تم إنزاله على النبي خلال العام المنصرم وتدقيقه وتثبيته.

د. جواد بشارة

عدنان عويدأسس التفكير الفاشي: يقول "فلا ديمير جابو تنسكي" حول طبيعة الفاشية ومواقفها من الآخر: (كل إنسان آخر على خطأ وأنت وحدك على صواب، لا تحاول أن تجد عذراً من أجل ذلك، فالأعذار غير ضرورية وغير صحيحة، بوسعك ان تعتقد أي شيء في العالم، إذا اعترفت ولو لمرة واحدة أنه ربما يكون خصومك على صواب، لا توجد في الواقع إلا حقيقة واحدة، وهي بكاملها ملكك أنت، وإذا لم تكن واثقاً فابق في بيتك، وإذا كنت واثقاً لا تتطلع إلى الوراء هي ستأتي في اتجاهك).(1)

مقدمات في العنف والعنف المضاد في الدولة الاسلامية:

لم يأخذ المسلمون بحديث الغدير الذي اختلف انصار علي ومعارضيه على دلالات مفردة الموالاة، (اللهم والي من والاه)، حيث فسرها أنصار علي بـ (الولاية – الخلافة)، بينما فسرها معارضو علي بـ (المحبة والمودة). كما لم يقتنع معارضو علي بالدليل النصي المقدس الذي قال أنصار علي بأن الله قد أمر الرسول آنذاك أن يبلغ المسلمين ممن كانوا معه رسالته بشأن علي، وهي الآية التي على أساسها تمت خطبة أو حديث الغدير : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). (المائدة – 67).

كان الرسول على فراش الموت... والأنصار والمهاجرون في السقيفة يتداولون في أمر الخلافة. بينما علي كان إلى جوار الرسول، وبقربه أبو سفيان يؤلب العصبيات القبليات، محرضاً علي على أخذ الخلافة، وطالباً منه أن يمد يده ليبايعه، فكان رد علي عليه: (إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة)... ودعوة علي لأخذ الخلافة جاءت في الوقت نفسه، وفي المكان نفسه من عمه العباس، فشعر بأن دعوة عمه ستشكل موقفاً قبلياً، فرد على عمه قائلاً: إني لا أحب هذا الأمر من وراء رتاج).

لم يُبَايَعْ علي الخلافة، لا عن طريق الشورى (وأمرهم شورى بينهم)، ولا حسب وصية الغدير. بل بُويع أبو بكر بعد سجال حاد بين المهاجرين والأنصار:

قال الأنصار: (نحن أحق بها، لأنا من أوائل الذين آمنوا بالرسول ونصره.).

فرد المهاجرون: (نحن أحق بها، لأننا أسبق في الإسلام ومن هجر أهله وماله في سبيله ، ونحن قرابته أيضاً.).

قال الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير).

رد المهاجرون: (منا الأمراء ومنكم الوزراء.).

وهنا وضُع لأول مرة حديث على لسان الرسول من قبل دعاة السلطة ومريديها من القريشين لتثبيت أمرهم وشرعنته: (الخلافة في قريش ما بقي من الناس إثنان.). عن الصحيحين. (مسلم والبخاري).

لم يبايع "سعد بن عبادة وعشيرته، وتركوا السقيفة ليشكلوا أول معارضة للسلطة في الإسلام، وليكون سعد بن عبادة بعد أن رفض بيعة أبي بكر وعمر، أول قتيل في المعارضة أيضاً، وكانت طريقة قتله أول وسيلة تمارسها السلطة وينطبق عليها المثل الشعبي القائل: (تقتل القتيل وتمشي في جنازته). حيث شُيع بين الناس بأن من قتل سعد بن عبادة هو الشيطان كونه بال واقفاً، أو بال في حفرة.

أما معارضة علي، فقد تصدرت لها "فاطمة" زوجة علي وبنت رسول الله، إذ امتطت ظهر جملها وراحت تطوف في شوارع المدينة وأسواقها تطالب الناس البيعة لعلي، وتطعن ببيعة أبي بكر، فكان رد من صادفها من المهاجرين والأنصار بقولتهم الشهيرة: (لقد بايعنا الرجل). وانتهى الأمر.

من هنا ابتدأت مأساة العنف في الخطاب الإسلامي والدولة الإسلامية معاً، ومن هذا المنطلق الغائم لمفهوم السلطة وآلية الوصول إليها، وبالتالي حتى آلية عملها وغنيمتها، اندفع المتنافسون عليها إلى العنف، وتسخير النص الديني المقدس تفسيراً وتأويلاً ووضعاً أو انتحالاً خدمة لشرعنة هذه السلطة والحفاظ عليها، وبإسم ذلك رفع السيف وانتُهكت الأعراض وحُرقت المقدسات.

استلم أبو بكر الخلافة، فكانت الردّة عن الإسلام من بعض القبائل التي دخلت الإسلام بحد السيف، حيث كانت العصبية القبلية وروح الزعامة في أوجها، ولم يستطع الإسلام حتى التخفيف من غلوائها (ولن يستطع) رغم محاربته لها، فراحت هذه القبائل بزعمائها يحسدون قريش على زعامتها الدينية، هذا اضافة للخلافات بين المهاجرين والأنصار على هذه الخلافة، ثم لموقف اليهود وتحريضهم على الخلافة الإسلامية. هذا مع ظهور عدد ممن ادعى النبوة بعد وفاة الرسول وراحوا يبشرون بدعواتهم مثل: مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي في اليمن، وطليحة بن خويلد في غطفان.

إن الملفت في أمر السلطة هنا، أن أبا بكر قد أرسل كُتباً للقبائل المرتدة يطالبهم بالعودة إلى الإسلام، وإن رفضوا العودة، سيمارس بحقهم كل أساليب (العنف) من قتل وحرق وسبي لنسائهم وذراريهم، وأنه سيجبرهم على دفع ما كانوا يؤدونه للرسول من (ضريبة)، حتى ولو كان ثمن عقال بعير. والمؤسف أن هذا الوعد نفذ، وكان من أبز ضحاياه مقتل (مالك بن نويرة) وأخذ زوجته زوجة لخالد بن الوليد (سيف الله المسلول)، بعد أن أغراه جمالها، فكان هذا الجمال بقعة سوداء في تاريخ حروب الردّة.

انتقل أبو بكر إلى جوار ربه، وتذكر بعض المصادر أنه مات مسموماً، وبموت أو مقتل أبي بكر استلم عمر الخلافة بأمر من الخليفة أبي بكر قبل رحيله، دون قيد أو شرط. كان رجلاً عادلاً أعز الله به الإسلام، وكان أول خليفة يستخدم العقل في فتح النص الديني على كل مقاصده ونظمه وأحكامه، فقرأه قراءة تعمل على مجاراة الواقع ومستجداته، فكان له مواقف عقلانية مشرفة في ذلك، كموقفه من السرقة في عام الرمادة، وكذلك موقفه من المؤلفة قلوبهم، وأراض سواد العراق. ونتيجة مواقفه هذه وخاصة الايجابية منها تجاه الفقراء والمحرومين، وحرمان المؤلفة قلوبهم من الزعماء وشيوخ القبائل من حصتهم في الغنائم التي كانت تعطى لهم لشراء ضمائرهم حتى لا يرتدوا عن الإسلام، ثم لعدم توزيع أراضي سواد العراق المفتوحة على المقاتلين وتجار الحروب، وغيرها من مواقف اتخذها عمر ضد حركة وتنقل أغنياء قريش، ألب عليه المؤلفة قلوبهم وتجار الحروب الذين شكلوا طبقة غنية واسعة الثراء، فكانت النتيجة قتله على يد رجل مستعبد لاحول له. وقبل موته كلف ستة من الصحابة في اختيار الخليفة بعده، وبعد أن رفض تكليف ابنه عندما أشار إليه بعض انتهازي السياسة تكليفه إذ رد عليهم قائلاً: (يكفي آل الخطاب واحد يتحمل وزر هذه الأمة).
استلم عثمان بن عفان الخلافة، فقرب من حاربهم عمر ومنع مغادرتهم المدينة.. ووزع الأطيان والأموال على أهله وأصحابه، وتصرف ببيت مال المسلمين على هواه، حتى وصُف في كتب التاريخ بأنه (وضع أسناناً من ذهب) كناية على ثرائه، (وهو ثري في الأصل)، ولتبذيره وتصرفه بأموال المسلمين، الأمر الذي أغضب الفقراء والمحرومين، ومن وجد في غضبهم من المعارضة مصلحة سياسية... فطلبوا منه التخلي عن الخلافة أو القتل.. فقال رافضاً طلبهم : (هذا قميص ألبسني الله لي فلن أتخلى عنه)، وهو بذلك أول من جعل من السلطة تفويضاً إلهياً ... حُوصر في منزله وراح يقرأ القرآن.. لم تنفعه قراءته له ولم تحميه... قتله الفقراء ومن كان يقودهم من المعارضة.

بُويع علي بن ابي طالب، فوجد في المعارضة بعض المتطرفين ممن حرضوا على عثمان وراح يقول بأحقية علي بها، بل تجاوز الأمر ذلك مع "عبد الله بن سبأ" الذي راح يبشر بمذهب الوصاية، أي أن علي وصي محمد، وأنه خاتم الأوصياء بعد محمد خاتم النبيين، واتهم أبا بكر وعمر وعثمان بالتعدي على حق علي بالخلافة، كما روج بين المسلمين يومها نظرية (الحق الإلهي) التي أخذها عن الفرس، والتي تعني في هذا الموضع أن علياً يستمد حكمه من الله. (2). وهذا ما ألب خصوم علي عليه فوجدوا في هذا القول كفراً وخروجاً عن الدين الذي بشر به محمد، بل هذا الموقف ذاته من السبئي أغضب علي نفسه وأمر بقتله.

ابتدأت المعارضة المسلحة لخلافة علي مع عائشة وحرب الجمل، حيث كان طموح الزبيرين في هذه الخلافة، وتحريض آل الحكم من البيت الأموي وراء قيامها.. انتصر علي وصحبه في هذه الحرب، وإن كان طموح الزبيرين في الخلافة قد هدأ قليلاً بعد صفين، إلا أن طموح البيت الأموي صعد مع معاوية.

كان معاوية والياً على الشام، وقد حركته شهوة البيت السفياني للسلطة التي لم تطفئها عقيدة الإسلام، فالدماء الزقاء لم تزل تتدفق بقوة في عروقه وعروق البيت السفياني.. وقف معاوية ضد خلافة علي ورفض مبايعته، متهماً إياه بدم عثمان الذي تحول قميصه الملطخ بالدماء إلى راية للمعارضة الأموية، هذه المعارضة التي وجدت في قول علي ووعيده بحق من استفاد من خلافة عثمان، تهديداً لها، حيث جاء في تهديده: (ألا أن كل قطعة اقتطها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شيء ولو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء وفُرق في البلدان، لرددته إلى حاله، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق.). (3). أمام هذا القول لعلي كان الضيق أولاً على معاوية الذي وجد في علي تهديداً مباشراً له ولكل من حاباه عثمان من الأمويين. فكانت صفين ولعبة التحكيم بين أبي موسى الأشعري في سذاجته، أو موالاته لمعاوية غير المعلنة، وبين عمر بن العاص بحنكته ودهائه، وبعورته التي لم تزل تقبح وجه التاريخ... رفعت المصاحف، فكانت الطامة الكبرى على الإسلام والمسلمين معاً، حيث شُرعنة السياسية، وراح يُؤكد من جديدي هنا توظف الدين فيها كما وظفت في السقيفة. فقال علي قولته المشهورة : (القرآن حمال أوجه.).

مع صفين انفصل قسم من المقاتلين عن علي ومعاوية، وكانوا الخوارج، الذين وجدوا في صراع علي وماوية صراع بيوت قبيلة قرشي بين بعضهم على السلطة، وبالتالي هي حرب ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل.

ومع ظهور الخوارج قُتل علي، واستلم معاوية السلطة، وأكدها ثانية بعد عثمان كحق إلهي يمنحه الله لمن يشاء ويمنعه عن من يشاء. وقبل موته وهو على فرش الموت اجتمع حوله الولاة، فوقف أول انتهازي سياسي في الدولة الإسلامي وهو "يزيد بن المقفع" وكان والياً على شرق الأردن ليقول للولاة بحضور معاوية: (أمير المؤمنين هذا،- وأشار إلى معاوية- وإن مات هذا فهذا- وأشار إلى يزيد- وإن مات هذا فهذا، - وأشار إلى السيف.). فُسر معاوية من قوله وقال له: (تعال واجلس إلى جانبي فإنك والله خير المتكلمين). ويكون يزيد بن المقفع بقوله هذا قد أسس ومعاوية معاً للحكم الوراثي، واستخدام العنف بحق كل معارض. وهذا ما كان فعلاً بعد تولي يزيد السلطة حيث سالت الدماء دون حساب في عاشوراء، حيث نكل بالحسين وآل البيت العلوي من بعده، كما سالت الدماء وانتهكت بكارات العذارى في حراء، تلك المعركة التي نال فيها أهل المدينة الذين عارضوا خلافته وخلافة أبيه قبله، مالم تنله معارضة في تاريخ الدولة الإسلامية، حيث تذكر المصادر بأن آلاف النساء العذارى قد فكت بكارتهن، وقتل آلاف الرجال وسلبت أموالهم ودمرت بيوتهم، وقد تجلت في هذه المعركة الروح القبلية الثأرية التي دعا الإسلام إلى تجاوزها، فهذا قائد يزيد بن معاوية "مسلم بن قبة" في حملة (حراء) ينشد بعد انتصاره على أهل المدينة من الأنصار قائلاً:

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع السل

ثم جاءت بعد ذلك غزوة مكة في عهد عبد الملك بن مروان، ضد معارضي حكمه وعلى رأسهم "عبد الله بن الزبير" الذي قام بصلبه وحرق الكعبة ذاتها. ثم استوى بعد قتل الزبير على عرش الخلافة وقال: (من يقل لي بعد اليوم اتق الله سأقطع رأسه بهذا السيف.).

من هنا ابتدأ العنف المسلح بين السلطة والمعارضة، ومن هنا راح الطرفان يتخذان من الدين ونصه المقدس (القرآن والحديث) ذريعة أو حجة لشرعنة ما يمارسونه من عنف بحق بعضهم البعض. ومن هنا انشق الإسلام عقيدة وتشريعا بين إسلام جبري وآخر قدري، وعادت القبلية وعصبياتها تظهر على الساحة السياسية بين الأمويين والهاشميين (العلويين والعباسيين) من البيت القرشي بكل عنفها وجبروتها. ومن هناك تَدخل الأعاجم في السلطة وكانت الفرق والطوائف والمذاهب التي تقول كل واحدة منها بأنها وحدها الفرقة الناجية وما عداها كفرة وزنادقة، وراحت تشكل محاكم التفتيش وما يرافقها من عنف لقتل الناس على الهوية السياسية أو المذهبية أو الطائفية.

التأصيل التاريخي للفاشية في الدولة الإسلامية: ظهور الخوارج:

بعد التحكيم في صفين، انشق فريق من المقاتلين الذين وجدوا في الصراع بين علي ومعاوية صراع عشيرة وقبيلة على السلطة، وهم ليسوا أكثر من أدوات فيها، واعتصموا بعد انشقاقهم في منطقة (حروراء) قرب الكوفة ونادوا بأن تكون الخلافة شورى، والبيعة لله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسموا منذ ذلك اليوم بالخوارج.(4). وبناءً على هذا الموقف السياسي والعقيدي راح الخوارج بعد أن استفحل أمرهم وتبلور موقفهم السياسي والعقيدي ينظرون إلى غيرهم من المسلمين كفاراً تُستحل دماؤهم وأموالهم معتمدين في موقفهم هذا على الكثير من الآيات المدنيات والأحاديث التي تبرر قتل الكفار. وهم هنا يتطابقون في الحقيقة مع العقلية اليهودية التي رسمتها مبادئ (التلموذ).(5). أما أهم هذه الآيات والأحاديث التي اعتمدوا عليها في موقفهم هذا فهي، كقوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا). (النساء- 89). وقوله تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27). (سورة نوح). وقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). البقرة – 39).

أما في الحديث فقد اعتمدوا على قول الرسول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله .).رواه أبو هريرة. عن الصحيحين – مسلم والبخاري.

وقبل أن نناقش دلالات وأبعاد هذه النصوص المقدسة الداعية للقتال، دعونا نقف عند هؤلاء الخوارج كأول فرقة إسلامية مارست القتل بطريقة فاشية على المختلف معها فكراً وممارسة من خلال اعتمادهم على النص المقدس، ووفقاً لما فسروه أو أولوه لهذا النص. هذا وقد تفرق الخوارج إلى فرق وشيع كان أهمها: الأزارقة، نسبة إلى عبد الله بن الأزرق- والصفوية- نسبة إلى عبد الله بن الصفار السعدي- والإباضية – نسبة إلى عبد الله بن إباض- والبيهسية- نسبة إلى حنظلة بن بهيس- والرسيّة- نسبة إلى عبد الله بن وهب الرسي. وهناك أيضاً النجدية نسبة إلى نجت بن عامر...

أما أهم أهدافهم ومبادئهم بعد أن نصبوا من أنفسهم دعاة حق وعدل، ومدافعين عن الفقراء والمستضعفين، وحرباً على المستبدين الطاغين.

أولاً: اعتبار الخلافة حق لكل عربي حر، ثم تجاوزوا هذا الشرط وقالوا هي حق لكل مسلم ، وإذا جار استحلوا عزله أو قتله عند اقتضاء الضرورة ذلك.

ثانياً: رسموا الدور الذي يحب أن يقوم به الحاكم وهو إقامة العدل بين الناس، وتقسيم الفيء على الرعية حتى لا يستأثر به أحد، والمساواة بين الناس في الأرزاق، وتأمين حاجات العامة، وإفداء الأسير ومجاهدة العدو.

ثالثاً: أما بالنسبة لرؤيتهم في مسأة الايمان، فقد قالوا بأن العمل بأوامر الدين من صلاة وصوم وصدق وعدل تعتبر جزءاً من الإيمان، وليس الإيمان الاعتقاد بالله ورسوله ورسالته، فمن اعتقد أن لا إله إلا الله ثم لم يعمل بما فرضه الدين وارتكب الكبائر فهو كافر.

رابعاً: لقد كانوا قساة مع من يخالفهم رؤيتهم في العقيدة وأمر السياسة، ورحماء مع المشركين. لقد كانوا يأتون أفظع المنكرات وأكبر الكبائر كأنهم لا يدينون بإله ولا يعرفون شفقة. لقد قال صاحب أحد فرقهم وهو نافع: بأنه لا يحل لأصحابه المؤمنين أن يجيبوا أحدا من غيرهم إذا دعاهم للصلاة، ولا أن يأكلوا ذبائحهم، ولا يتزوجوا منهم، وهم في نظره مثل كفار العرب وعبدة الأوثان. وقال عن بلادهم هي بلاد حرب ويحل قتالهم وقتل أطفالهم ونسائهم لأنهم كانوا يعتقدون أن أطفال مخالفيهم مشركون، وأنهم مخلدون في النار.

خامساً: كما كان الأزارقة لا يجيزون التقية، وكانوا يستحلون الغدر بمن خالفهم، ويكفرون القعدة عن القتال ممن هم على رأيهم، وأوجبوا امتحان من ينضمون إليهم بتكليفهم بقتل أحد أسراهم، فإن قتله صدقوه، وإن مانع قالوا عنه منافقاً وقتلوه.

سادساً: أسقطوا الرجم عن الزاني المحصن لعدم ورود نص، وكذلك على من قذف الرجل المحصن، ولكنهم أقاموا الحد على المحصنات من النساء. (6).

تعتبر بقية تياراتهم تنوس بين قبول هذه المبادئ أو رفضها أو تعديلها أو الإضافة إليها.

إن مشكلة الخوارج وكل من آمن بهذه الدرجة من العنف سابقاً ولاحقاً، هي اعتمادهم على الآيات القرآنية والأحاديث المتعلقة بجهاد الكفار التي جئنا على بعضها في موقع سابق، حيث اعتمدوا هنا في تفسيرهم أو تأويلهم لهذه الآيات ثم العمل على تطبيقها بناء على القاعدة الفقهية التي تقول بضرورة الأخذ بعموم اللفظ بدل النظر بخصوص السبب. وهذا ما أدخلهم كما أدخل غيرهم ممن آمن بالعنف ضد المختلف/ الكافر، منطلقين من فهمهم الخاص لطبيعة الكافر وماهيته. أي منطلقين من فهمهم هم لمعنى الكفر الذي راحت تهمته تنال كل مخالف لهم أو لمصالحهم تحت ذريعة أنهم يخالفون تعاليم الدين الصحيح، بالرغم من اختلاف الأولين من الصحابة أنفسهم في تفسيره أو تأويله أو حتى الخوض فيه. لا سيما وأن هذا النص المقدس، أي النص القرآني قد جمع بعد أربعة عقود ونيف من وفاة الرسول. وإن الرسول نفسه لم يأمر بجمعه، وكان يقول في تعدد وجوه آيات القرآن : (القرآن ذلول ذو وجوه محتملة، فاحملوه على أحسن وجه).(7). وهذا الحديث يأتي مستنداً إلى الآية القرآنية التي تقول: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.). (آل عمران- 7).

ومن الآيات المتشابهات التي بررت مسألة القتل، نأخذ مثالاً على ذلك الآية التي ذكرناها اعلاه وهي : (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا .) النساء- 89. في الوقت الذي نجد فيه آيات تقول عكس ذلك تماماً، كالآية التالية التي تقول دلالاتها إن من يحاسب الكافر هو الله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.). التوبة -129. أو الآية القائلة : (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون.). النحل -101.

ربما يعلق البعض ويقول إن هناك آيات نسخت كقولهم في الآية الخامسة من صورة التوبة : (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). التوبة - 5). إذ أن هذه الآية قد نسخت برأيهم خمس مائة آية من الآيات المكيات. وهذا القول أي قول الناسخ والمنسوخ قضية إشكالية لا يحق لأي كان أن ينسخ على هواه ويقول كما يقول أبو حامد الغزالي إن الحديث ينسخ القرآن والقرآن ينسخ الحديث. علماً أن هناك مئات الآلاف من الأحاديث الموضوعة، وأبو حامد نفسه اعتمد على أكثر من ألف حديث ضعيف. إن النسخ يتم من قبل الله وحده وهو القائل: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مقتر بل أكثرهم لا يعلمون.). النحل-111. لذلك نؤكد بأن النسخ من حق الله وحده، والله أكد في القرآن ورود الآيات المتشابهات، وقال إن من في قلوبهم زيغ هم من يفسروها ويؤولوها كما يشتهون خدمة لمصالحهم الأنانية الضيقة. وبالتالي فإن كل الأحاديث اتي تقر بالقتال الواردة على لسان الرسول إن لم ينظر في خصوصية سببها، فهي موضوعة وتناقض قول الرسول ذاته وهو من قال : كما جاء عند مسلم والبخاري والترمذي : (لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني غير ذلك فاليمحه.). وهو القائل أيضاً : ("كل شيء مردود إلى كتاب الله والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف".). (من كتاب روضة الواعظين).
على العموم نود أن نقف هنا في ختام حديثنا عن هذه المسألة وخاصة فيما يتعلق بالتفسير والتأويل عند آراء بعض المشايخ وهي على درجة عالية من الأهمية.

ذكر القاضي أبو بكر العربي في كتابه (قانون التأويل): (إن علوم القرآن خمسون علماً وأربعمائة وسبعة وسبعين ألف علم، على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة ثم يتابع حديثه: لكل آية ستون ألف فهم وما بقي منها أكثر. فلكل كلمة حد وظاهر وباطن ومطلع.). (9). هذا مع تأكيدنا هنا أن هذا القول سلاح ذو حدين، ففي الوقت الذي نستطيع توظيفه ضد من يحاول أن يفسر النص أو يؤوله على هواه، هو سلاح أيضاً بيد القوى السلفية التي تريد إيقاف باب الاجتهاد، وإيقاف حركة الزمن عند القرون الهجرية الثلاثة الأولى. كما نود أن نذكر هنا قول عبيدة بن قيس الكوفي المتوفى سنة اثنان وسبعون للهجرة من أصحاب ابن مسعود عن سبب نزول بعض آيات القرآن حيث قال :

(عليك باتقاء الله والسداد، فقد ذهب الذين كانوا يعلمون فيما نزل القرآن.). (10). وقد روي عن أحمد بن حنبل قوله: (ثلاثة أشياء لا أصل لها، التفسير والملاحم والمغازي.(11). وإذا كان ابن حنبل لا يعتبر للمغازي أصلاً وهي جرت في زمن الرسول، فكيف يقول إن (الحديث الضعيف عندي أهم من الرأي.)؟. أعتقد أن هذه المسألة فيها نظر. وهذا الشعيبي يقول في الاتجاه نفسه: (ثلاثة لا أقول فيهن حتى أموت، القرآن والروح، والرأي.).(12). أما الأصمعي فكان شديد الاحتراز في تفسير القرآن والسنة، وإذا سئل قال: (قالت العرب معنى هذا كذا ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنة أي شيء.). (13.).

وبناءً على كل ذلك، فإن اعتماد حاكمية الخوارج ومن جاء بعدهم من القوى السلفية الجهادية المعاصرة على الآيات والأحاديث الدالة على القتل وتقطيع الأوصال للمختلف تحت ذريعة الفرقة الناجية، ومصادرة حق تفسير وتأويل القرآن كما يريدون، هو أمر يخالف قول نص الآية التي تقول: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). الأنبياء- 107). ويخالف نص الآية القائلة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.). سبأ 28. وغير ذلك من الآيات التي تقف ضد العنف وإجبار الناس على اتخاذ الدين بالقوة. كما يدخل في هذا الاتجاه قول الرسول نفسه في حديثه المشهور : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فالرحمة والقيم الأخلاقية النبيلة لا تفرض بقوة السيف ولا بتكفير الآخر وقطع الرؤوس.

الحاكمية في الخطاب السلفي الجهادي المعاصر:

تُعتبر السلفية الجهادية المعاصرة فكراً وممارسة، امتداداً طبيعياً لتيار الخوارج، من حيث تفسيرهم للنص المقدس واتخاذهم هذا النص مرجعاً تشريعياً وحيداً في إدارة حياة الفرد والمجتمع والدولة، مع اختلاف ظرفي الزمان والمكان لوجود كل منهما. فالعقلية التي تقوم بتفسير النص المقدس وتأويله بروح وثوقيه جامدة تؤمن بتكفير المختلف ومحاربته، وبالتالي العمل على لي عنق الواقع بحد السيف كي ينسجم مع رؤيتهم الدينية التي ترفض الاجتهاد، والبحث في النص المقدس عن المخزون الدلالي ونظمه ومقاصده وأهدافه الإنسانية الداعية إلى الرحمة والمحبة وتنمية حياة الإنسان، والسعي لتحقيق مقاصد الرسالة الدينة الحقيقية التي أرادها الله وبشر بها الرسول. بل إن هذه السلفية المعاصرة أمام مفاسد الواقع المتنامية ازدادت تمسكاً في وثوقيتها وسكونتيها، الأمر الذي ساهم بدوره في زيادة التحدي لهذا الواقع من قبل هذه القوى السلفية التكفيرية وتمسكها أكثر بالنص المقدس وتفسيره وتأويله كما قدمه لنا السلف في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، أو بتعبير آخر رفضها الشديد للآخر المختلف وزندقته وتكفيره، واستخدام كل الوسائل العلمية والتكنولوجية الحديثة في محاربته وتدميره أو التنكيل به، كما نرى اليوم على يد فصائل القاعدة مثل داعش والنصرة وغيرهما. واعتبار الواقع المعيش واقعاً كافراً لابد من تدميره وإعادة بنائه من جديد وفقاً لمتطلبات فهمهم وتفسيرهم للنص المقدس وحاكميته.

يعتبر "أبو الأعلى المودودي" المؤسس الرئيس لفكرة الحاكمية بصيغتها المعاصرة التي تمثلها الحركات الإسلامية الأصولية الجهادية، والمؤسس أيضاً للممارسة العنف ضد المختلف أفراداً ومؤسسات، وخاصة بعد أن وجد دعاة هذا التيار الجهادي السلفي في الدول العربية والإسلامية أنظمة شمولية وضعية استبدادية تدعي العلمانية، في الوقت الذي تنافق فيه كثيراً للدين والمتدينين، كما تدعي هذه الأنظمة بأنها هي وحدها من يمثل الدين الصحيح، في الوقت الذي تقوم فيه بممارسة الفساد من القاعدة على القمة، وتعمل على ظلم الرعية الذين لم يصلوا بعد إلى درجة المواطنين في دولهم، تحت شعارات دستورية براقة تقول بدولة المؤسسات والمواطنة ودولة القانون والديمقراطية وحرية الرأي والصحافة وتحرير المرأة وغير ذلك. الأمر الذي وجدت فيه هذه القوى السلفية الجهادية المجال الواسع للتبشير بأفكارها واستقطاب الأعداد الكبيرة من الناس الذين لم يزل الوعي الديني الفقهي الشفهي يهيمن على حيز واسع من تفكرهم، وذلك عبر التبشير من قبل دعاة راحوا يستخدمون كل الوسائل المتاحة من تلفاز وصحافة ومواقع الكترونية وأشرطة تسجيل، بساعدهم في هذا العمل التبشيري القوى والأنظمة السياسية الشمولية، كونها وجدت في هذا العمل التبشيري خير وسيلة لتجهل الناس وإقصاء عقولهم عن مشاكلهم الأساسية ومعاناتهم، بغية إقناعهم بأن كل ما يعيشونه من قهر وظلم واستلاب وجهل وتخلف، لا دخل للأنظمة الحاكمة به، وإنما مرده إلى قدر محتوم لا مناص لهم منه إلا بالعودة إلى الدين والدعاء لله كيف يرفع الغمة عنهم. هذا في الوقت الذي راحت فيه هذه القوى السلفية الجهادية تعمل في التوازي سراً على التبشير أيضاً بدولة الخلافة وحاكميتها التي ستحقق العدل والمساواة بين الرعية.

يقول أبو الأعلى المودودي في معرض تعريفه للجهاد: (الجهاد كلمة تشمل جميع أنواع السعي وبذل الجهد من أجل تغيير وجهات نظر الناس وتبديل ميولهم ونزعاتهم، وإحداث انقلاب عقلي وفكري بواسطة الكلمة وحد السيف من أجل القضاء على الحياة القائمة .. على نظام الحكم السابق الذي أسس نظام حكمه على غير قواعد الإسلام واستئصال شأفتها، وتأسيس نظام جديد على قواعد العدل، وهذه أصناف الجهاد.). (14). أما فهمه للحاكمية التي بنت عليها كل التيارات السلفية الإسلامية ومنها الجهادية مشروعها فهو: (ليس لفرد أو أسرة أو لطبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية، فالحاكم الحقيقي هو الله. وليس لأحد من دون الله حق التشريع، والمسلمون جميعاً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً لا يستطيعون أن يشرعوا قانوناً أو تغيير شيئاً من شرع الله. إن الدولة الإسلامية لا يُؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون الذي جاء به النبي من عند ربه، مهما تغيرت الظروف والأحوال والحكومات. لأن الدستور الإلهي سرمدي لا تغيير فيه ولا تبديل، فقد كتب له أن يبقى ثابتاً واضحاً إلى يوم القيامة.).(15). ثم يقول في موقع آخر عن الدولة غير الإسلامية: (كل دولة مؤسسة على فكرة غير فكرة الإسلام، يقاومها الإسلام ويريد القضاء عليها قضاءً مبرماً، ولا يعنيه الإسلام في شيء بهذا الصدد أمر البلاد التي قامت بها الحكومة غير المرضية أو الأمة التي ينتمي إليها القائمون بأمرها.).(16). وهذا الموقف ذاته نجده عند كل القوى الجهادية في عالمنا العربي وخاصة تنظيم (الإخوان المسلمون). ويأتي هذا الموقف المشدد تجاه الفرد والمجتمع والدولة واضحاً لدى سيد قطب في كتابه (معالم على الطريق)، الذي يعتر الكتاب المؤصل للسلفية الجهادية في عالمنا العربي بعد كتابات المودودي، كما نجده عند مؤسس حركة الإخوان حسن البنا الذي يقول : (علينا ان نقف عند هذه الحدود الربانية، حتى لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا به الله. ولا يكون عصرنا بلون لا يتفق معه.). (17).

يستوقفني هنا موقف فكري للحاخام اليهودي المقتول "مئير سهاته"، يشير فيه إلى تلك العقلية الوثوقية اليهودية تجاه مستجدات الحياة المدنية المعاصرة بما تحمله هذه الحياة من مشاريع تدعوا إلى حرية الإنسان وامتلاكه مصير نفسه، وتحديد أسس مشاركته في بناء دولته ومجتمعه على الطريقة التي تؤمن له إنسانيته، وخاصة موقفه من الديمقراطية والعلمانية ودولة المؤسسات: حيث يقول "سهاته": (لا حاجة لوجود دستور لأن التوراة هي الدستور، ولا حاجة لوجود برلمان لأن السلطة العليا هي للحاخامية، ويجب أن يهتم البرلمان بالسجون والجيش. - ثم يتابع – في دولة التوراة لاوجود لحرية الكلام ، ولا حرية للفرد في مخالفة تعاليم (الهالاخاه – الشريعة الدينية المتعلقة بالأحوال الشخصية.). إن الديمقراطية تغذي الكذب والغش وكل ما هو خاطئ ومريض في الطبيعة الإنسانية.).(18).

إن هذا الموقف السلفي الوثوقي المعادي لحرية الإنسان يتمثله أيضاً التيار الإسلامي الجهادي السلفي المعاصر، كما تمثل الخوارج قواعد التلمود. لقد جاء في المنطلقات الفكرية لحزب التحرير الإسلامي السوداني ما يؤكد هذه النظرة التي أدلى بها الحاخام "سهاته): (لا يسمح بمفهوم الديمقراطية في الدولة الإسلامية لأنه غير منبثق عنها.. ولا حمل للبشر في وضع أحكام لتنظيم علاقات الناس أو تخييرهم على اتباع قواعد أو أحكام غير ما تبناه الخليفة أو الإمام، فهو نافذ ويرفع الخلاف.). (19). أما موقف "سيد قطب" من العلمانية فقد جاء فيه:(إن العلمانية تسعى إلى حصر الدين الإسلامي في دائرة الاعتقاد الوجداني والشعائر التعبدية، وكفه عن التدخل في الحياة الواقعية، ومنعه من الهيمنة على كل نشاط واقعي للحياة البشرية كما هي طبيعته، هذه الطبيعة التي تمتاز بخصائص تغضب الصليبية العالمية والصهيونية العالمية وتدفع كل المعسكرات المتخاصمة للالتقاء على الخوف من البعث الإسلامي الوشيك الذي تحميه طبيعة الإسلام ...إن الجماهير تنظر إلى الإسلام كمخلص لها على قاعدة المنهج الرباني، عن علم بدل الجهل، وكمال بدل النقص، وقدرة بدل الضعف، وحكمة بدل الهوى.).(20). أما الشيخ القرضاوي أحد أعمدة تنظير الفكر السلفي الإخواني حيث يقول عن العلمانية: (إن الدعوة إلى العلمانية بين المسلمين معناها الالحاد والمروق على الإسلام.).(21).
هكذا إذا يفهم الدين بنصوصه المقدسة عند هذه القوى السلفية الجهادية، على أن "الواقع للدين وليس الدين للواقع" كما يقول سيد قطب في كتابه معالم في الطريق. وعلى هذا الفهم يجب أن يتهيكل الواقع دائماً بكل ما فيه من قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وفقاً لمفهوم التيارات الإسلامية الجهادية، أو الفرقة الناجية كما تفهم الدين وتفسره أو تؤوله.

ملاك القول : إن التيارات الجهادية السلفية التكفيرية المعاصرة في موقفها هذا من الدين والدنيا ، ترتكز على جملة من المعطيات الفكرية والمنهجية أهمها:

1- العودة دائما إلى الأصول كما حددها فقهاء السلف الصالح حتى القرن الثالث للهجرة، حيث تعتبر هذه الأصول هي النبع الصافي الذي علينا دائماً أن نستقي منه طريقة حياتنا وسبل نجاتنا.

2- النظر إلى البيئة الاجتماعية وفق منظور ديني عقيدي "(مؤمن كافر زنديق .. مع غياب كامل لمفهوم المواطنة.

3- النظرة الريبة دائماً لأصاحب الديانات الأخرى، ولكل الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة معها في الفهم الديني، على أنهم كفار.

4- احتقار المرأة وعملها، واعتبارها ضلعاً قاصراً وكلها عورة، وقد خلقها الله لتربية الأولاد وتامين حاجات الرجل الغريزية والبيتية.

5- رفض كل الفكر الوضعي الذي تتبناه الدولة الحديثة وكل قوانين مؤسساتها الوضعية، واعتبارها مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه، وبالتالي فأي دولة لا تتبنى حاكمية الإسلام (تشريعه)، هي دولة كافرة يجب ان تقاتل وتدمر.

6- التمسك بسلوكيات السلف الصالح بكل تفاصيلها، من حيث اللباس للرجل والمرأة، مثل تطويل الدقن وحف الشارب، ولبس الدرع والجلباب للمرأة، وتصل مسألة التمسك بقيم السلف حتى إلى رفض استخدام التكنولوجيا الحديثة كالتلفاز وغيره.

في مواجهة هذه القوى السلفية الجهادية الوثوقية التكفيرية، تقف أنظمة شمولية أصولية بلبوس معاصر، بغض النظر عما تحمل هذه الأنظمة أو أحزابها من أيديولوجيات ليبرالية أو اشتراكية أو قومية تدعي العلمانية والديمقراطية ودولة المواطنة والمؤسسات أو القانون، وهي بعيدة من الناحية العملية عن كل هذه القيم والمبادئ التي تدعيها. وغالباً ما تزايد هذه الأنظمة أيضاً على القوى الإسلامية ذاتها في تبنيها للدين الذي تعتبر نفسها هي الوحيدة التي تمثل وجهه الدين الصحيح من جهة، مثلما تعتبر نفسها وهي وحدها من يمثل العلمانية والديمقراطية من جهة اخرى، في الوقت الذي نجدها فيه تمارس العنف والقمع والعنف تجاه المختلف معها من يمين ويسار ومعتدل، تحت ذريعة الخيانة للوطن والارتباط بالمستعمر والصهيونية والتآمر على سلامة الوطن والمواطن.

د. عدنان عويّد - كاتب وباحت من ديرالزور- سورية

.......................

المراجع:

1- حمد سعيد الموعد- الأسلمة المعاصرة – قضايا وآفاق- دمشق- دار حطين – 1994- ص153 وما بعد.

2-حسن ابراهيم حسن- تاريخ الإسلام- دار الجيل- بيروت- 1991- ج1- ص 294و295. باعتماده على الطبري ج5-ص 70و71و72.

3- الدين في المجتمع العربي – (ندوة) – مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت – 1990- ص 208

4- - حسن ابراهيم حسن- تاريخ الإسلام- دار الجيل- بيروت- 1991- ج1- ص307.

5 - حسن ابراهيم حسن- المرجع نفسه- ص- 309.

6- - للاستزادة في هذا الموضوع يراجع –حسن ابراهيم حسن –المرجع السابق –ص 317 وما بعذ. كذلك يراجع أيضاً- أحمد أمين فجر الإسلام – دار الكتاب العربي- بيروت – 1969 -ص256 وما بعد.

7- النهج – مركز الدراسات والأبحاث الاشتراكية في العالم العربي- دمشق- العدد 9- لعام – 1997- ص-177.

8- عن الزركشي- النهج – المرجع السابق- ص-177

9 - النهج – المرجع السابق- ص- 179

10- حسن ابراهيم حسن- المرجع السابق- ص41

11- حسن ابراهيم حسن- المرجع نفسه- 410.

12- ضحى الإسلام- ص144.

13- ضحى الإسلام –ص 144.

14- أحمد سعيد الموعد- الأسلمة المعاصرة قضايا وآفاق- دار حطين- دمشق- 1994- ص174.

15- الأسلمة المعاصرة – مرجع سابق. ص 189.

16- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه- ص 193.

17- الأسلمة المعاصرة. ص161.

18- الأسلمة المعاصرة – مرجع سابق. ص – 188.

19- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه- ص 189.

20- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه- ص 299.

21- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه –ص 199.

مهدي الصافيان الفكر الحديث المتطور هو الذي يقدم الافكار والاراء والاطروحات المختلفة بطريقة علمية مختصرة تماشيا مع روح العصر الالكتروني، لهذا نحن لسنا معنيين بتقديم شرح مطول عن اسس وبدايات نشوء عقيدة الامامة او الاجتهاد، انما بما تمخض عن نتائج مانطلق عليه انحراف العقائد عند الحركات الاسلامية والطقوسيين الشيعة (وكذلك السنة والجماعة) .

بادئ الامر لابد ان نشرح لماذا اعتبرنا ان الاجتهاد عقيدة، او بالاحرى هي اخطر العقائد في الاسلام بعد وفاة الرسول محمد ص، اذ تحول رجل الدين الفقيه او المرجع او الدجال احيانا الى وكيل مطلق لله عزوجل على جماعته او اتباعه او طائفته، او عموم عباد الله المسلمين، يحلل ويحرم ويفتي وفقا لرؤيته وقناعاته الشخصية التي يربطها بما يسمى الاحكام المستنبطة، هذا الامر لايقتصرعلى المذاهب والفرق الشيعية، انما على جميع المذاهب الاسلامية (التي تنكر باب الاجتهاد او المؤيدة له)، فهي تعمل بالاجتهاد ضمنا، وان انكرت ذلك (حيث تعد اخطر تلك المذاهب على الاطلاق هي الحركات الارهابية السلفية من الوهابية، والدواعش، وجماعة اخوان المسلمين، فهي نتاج ظاهرة الخوارج والاجتهاد في الاسلام)،

فالاجتهاد يعد بمثابة العقيدة الرئيسية المتناقضة احيانا، اي يمكن ان تجد فيها فيها الاراء الباطنية الشخصية، وكذلك الرؤية والمعتقدات والاسس الظاهرة للمجتمع، مع انها مشتقة او نابعة من بقية العقائد، وهنا تكمن اغلب ان لم تكن جميع مشاكل المسلمين، وهي عقيدة الاجتهاد الفردي الشخصي ( اي خارج اطار العمل المؤسساتي او الاستشاري العلمي، او حتى التفسبر القراني العقلي والمنطقي) .

مرة اخرى نؤكد ان الغاية والهدف من هذا الرأي لايتعلق ولايستهدف اثبات او نفي او نقد تلك العقائد، انما هي فقط عبارة عن تحليل علمي منطقي كما نعتقد لتوضيح اسباب توارث ظاهرة الانحراف العقائدي الكبير عند الاسلاميين، وبعض رجال الدين (او عند الفرق المغالية)، وشرح اسباب تراجع اهم المذاهب الاسلامية عقلانية واعتدالا، والذي كان يقارن بأراء المعتزلة وفلاسفة العقيدة والمنطق،

ولماذا تعرضت تلك العقائد المهمة عند الشيعة للتحريف المتزايد، المتجهة او المنحدرة بقوة نحو التقديس المفرط لكل الروايات المنقولة عن ال البيت ع، وجعلها بموازاة القران الكريم او السنة النبوية كما فعل السلفيين السنة، على يد مجموعة من المجتهدين او المدارس الطقوسية العبثية، فالاولى هي مدرسة القبول والتشجيع والاستحسان والتشريع لممارسة الشعائر والطقوس الدخيلة على الاسلام والمذهب (التي لاترد الاحاديث الخرافية والاساطير الطقوسية)، والثانية مدرسة الفكر الاسلامي السياسي الحركي الحاكم،

استغلت هاتين المدرستين الكم الهائل من الروايات والاجتهادات القديمة الغير موثقة، اوالتي لم تنال نصيبا جيدا من البحث والتدقيق والتحقيق التاريخي العلمي، حيث جاءت كنتيجة طبيعية لحالة الاضطهاد الذي تعرض له التشيع العلوي، فقد كان ممنوعا وملاحقا ومحاربا من قبل السلطات العباسية، ولم يسمح العمل به اوالافصاح عنه رسميا، لهذا انعدمت شروط واسباب التوثيق التاريخي المطلوبة لتصحيح هذا العدد الكبيرمن الروايات القابلة للزيادة دوما، بقيت مسالة تصديق او رد تلك الاحاديث المروية عن ال البيت ع راجعة الى عقلية المرجع او رجل الدين او المسلم الشيعي عموما، تماما كما حصل مع السنة النبوية، التي هي ايضا تعرضت للتحريف الكبير في عهد مايسمى الخلفاء الراشدين، وعلى طول تاريخ الدولتين الاموية والعباسية، ومن ثم تصاعدت وتيرة الاجتهادات الشخصية او المؤسساتية التقليدية المنبثقة منها او تلك التي جاءت بعدهم، (الحركات الصوفية، ورسائل اخوان الصفا، وعلماء الفقه والفلسفة والفلك، وبقية الاراء والفرق الاسلامية المتعددة)، حيث أدخل عليها مايطلق عليه بالاسرائيليات، وسنة السلف الصالح من الصحابة، مما سمح للنفوس الضعيفة من اتخاذها كوسيلة مريحة لفتح بيوتات او جماعات دينية تتوارث تلك البضاعة او التجارة المربحة (والفاسدة اخلاقيا وشرعيا)، وبالتالي انعكست سلبا على الاجيال المتعاقبة، حتى وصلت الامة الى طريق مسدود لامنفذ فيه، ولامنه الا بصعود ركب الحضارة الانسانية العالمية، او البقاء في نقطة اللاعودة حتى الانهيار والتحلل والاندثار،

ولكن نعتقد ان ارادة الله عزوجل اقوى من هؤلاء الفاسدين، بان يجعل في هذه الامة عقولا مستنيرة تنهض دائما بها عبرالفكر والعلم والاطروحات العقلانية السليمة...

عقيدة الامامة عقيدة طارئة على الاسلام، حصل الاجتهاد فيها بعد وفاة الامام الحسين ع او بطرح المدرسة الفقهية الجعفرية (الامام جعفر الصادق ع)، مع ان الالتباس حول احقية وضرورة خلافة ال البيت ع للرسول محمد ص، من انها تشريع الهي ملزم وفقا للاية الكريمة قال تعالى في سورة المائدة

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)

وكذلك ماورد في الحديث الصحيح عن اعلان الولاية للامام علي ع في غدير خم، او رواية الخلافة في قريش (الخ.)، هذه القضايا الخلافية تحولت بمرور الزمن الى عقائد متجذرة ومتصلبة، فالمذاهب السنية التي ترفض عقيدة الامامة، هي ذاتها مذاهب امامية متزمتة، تابعة لمؤسسي المذاهب، ولجميع الصحابة والخلفاء الراشدين، فقد اصبح ابو حنيفة، واحمد بن حنبل، والمالكية والشافعية ائمة في عرف اهل السنة، بل ذهبت الوهابية والحركات الاصولية السلفية الرافضة لفكرة الامامة عند الشيعة الى اعتبار كل ماورد عن الصحابة سنة، بمافيهم الطالح او الظالم والمنحرف من الخلفاء الامويين والعباسيين (وكذلك شارب الخمر، والدموي او السفاح) واعتبرت افعالهم وجرائم قطع رقاب المؤمنين والمعارضين والمخالفين والرافضين لظلمهم وانحرافاتهم سنة مارسها الدواعش وغيرهم من الحركات الارهابية الدموية المتوحشة، وهي حالة متطرفة واكثر تقديسا مما يعتقده الشيعة في ائمة ال البيت ع، الذين اتفق واجمع على تقواهم وورعهم وايمانهم وزهدهم المسلمين جميعا، لكننا نركز على حالة شاذة متوارثة في المذاهب الاسلامية، وصلت الى ذروة الانحراف عندما نجحت الثورة الاسلامية الايرانية في اسقاط نظام الشاه، واقامة ثالث اقوى نظام شيعي في التاريخ بعد الدولة البويهية والصفوية، ومن ثم تصاعدت حدة الخلاف بين المراجع الشيعة انفسهم، حول مفهوم وقواعد واسس اقامة النظام الاسلامي (في غياب الامام المعصوم، اي وفقا لعقيدة الغيبة للامام المهدي ع) الشيعي، وكذلك الاجتهاد الخاص بعقيدة ولاية الفقيه، وقد واجه قائد الثورة الايرانية السيد الخميني رحمه الله العديد من الخلافات بقوة مع بقية المراجع الايرانيين وغيرهم (ابرزها خلافات المرجع الشريعتمداري، والشيخ المنتظري، والسيد الخوئي، الخ.)،

الا ان سقوط نظام البعث في بغداد بعد٢٠٠٣، واستلام الحكم من قبل الحركات الاسلامية الشيعية والسنية، ودخول تلك الحركات والاحزاب الى معترك المحاصصة والتوافق والفساد السياسي مع بقية المكونات الاجتماعية، من الطوائف والاعراق الاثنيات الاخرى، واستلام حركة اخوان المسلمين الحكم في مصر بعد ثورات الربيع العربي، وبروز ظاهرة التجارة الدينية عبر الاستيلاء على الحكم بأستغلال العواطف والفطرة الشعبية السليمة، المندفعة والراغبة بالعيش في الدولة الاسلامية العادلة (وليست المتوحشة على شاكلة داعش او الفاسدة على غرارنموذج العراق)، وتصاعدة حدة الصراع الطائفي في سوريا، اتضح من خلال كل تلك الممارسات السلبية المفرطة والموغلة في الانحراف والفساد، ان الامرليس له علاقة باخلاق وتدين الافراد او رجال الدين، انما بالمنظومة الاخلاقية الاسلامية العامة، وبعقيدة الامامة او الاجتهاد،

ولعل الحالة اوالصورة الضبابية السابقة عن روابط علاقة التقوى والورع والتدين الظاهري مع افعال رجال الدين اثناء الاختبارات الحقيقية، اصبحت اكثر وضوحا بعد استلام السلطة، وزوال اغلب الاقنعة السوداء عن تلك الوجوه الشيطانية، ليرى الناس كم هي رخيصة حياتهم في عيون هؤلاء المنافقين، وكم هي عميقة الهوة بين الايمان الحقيقي وبين المنافع المادية لهذه الطبقة المتعالية او المتصنعة البعيدة عن قضايا وحاجات المجتمع الاساسية، كونهم جزء من القيادة الروحية المطلوب حظورها دائما في الشارع، لانقاذهم من اية حالات خارجة عن الاسلام كالظلم الحكومي اوالاجتماعي، ومن هنا يمكن فهم لماذا على سبيل المثال لاالحصرالغى حزب الدعوة الاسلامية فكرة او عقيدة فقيه الدعوة، فقد اعتبر مايسمى بقيادات الدعوة انهم ليس بحاجة لهذا الفقيه المجتهد المتسلط، بل هم على دراية ومعرفة كافية بالفقه والتشربع، اي لم تعد الدعوة بحاجة الى فقيه يحلل ويحرم او يجيز العمل او يرفضه،

نعتقد ان الامر ليس بهذه البساطة، انما هي احدى صور او حالات التمرد والفوضى الداخلية للحزب الاسلامي، وكذلك عدم قناعتهم بمفهوم او عقيدة الامامة والاجتهاد، المبنية كما قلنا على روايات غير محققة بشكل علمي رصين، مما ادى الى بروز ظاهرة الاجتهاد الشخصي للقيادات الاسلامية الحركية، والتي تؤكدها الافعال والتصرفات العملية لهذه الشرائح المنحرفة، فهي لم تتمرد لانها استخدمت الحجج والادلة العقلية والنقلية والعلمية لنقض فكرة او عقيدة او مفهوم

الامامة والاجتهاد، بل تمردت من اجل المنافع والمصالح المادية والطبقية (فرجل الدين يعد اكثر الناس وقارا واحتراما في العالم) الشخصية او العائلية والفئوية،

اذن مالعلاقة بين انحراف الحركات الاسلامية الشيعية، وعقيدة الامامة والاجتهاد، سنحاول بأختصار شديد توضيح انشقاقات المفاهيم والمعتقدات المتذبذبة،

فقد كانت على سبيل المثال لا الحصر اراء السيد محمد حسين فضل الله (فقيه الدعوة الروحي، الذي يقول انا بالطبع اكثر وعيا من شيوخ الطائفة بحكم المرحلة العصرية المتطورة حاليا) في مايخص عصمة الائمة مختلفة وخارجة عن التقليد السائد لدى مراجع او المدرسة الحوزوية الشيعية، ولكنه بقي الى حد ما داخل دائرة الحذر الشديد في الافصاح عن رأيه بهذا الموضوع المعقد والشائك، وكأنها عبارة عن تلميحات وتسريبات فقهية خفيفة، يراد منها فتح بصيص ضوء خافت في هذا النفق المظلم الذي دخلته الامة منذ قرون، وهكذا استمرت حالة الانعتاق التاريخي من الروابط او القيود المذهبية المتوارثة عند جميع المذاهب الاسلامية، ظهرت مدرسة اخرى اكثر جراة في التنظيراو التحديث الاسلامي الفقهي، كانت ولاتزال اكثر وضوحا وتنظيما وتحليلا وعقلانية من كل ماطرح سابقا، بفكر وابحاث السيد كمال الحيدري، الذي تعرض جراء اراءه وافكاره وتفاسيره المنطقية الى نفس الهجمة المتخلفة الشرسة التي واجهها ولايزال وهو في قبره السيد فضل الله،

هذه المنافذ والفضاءات او الفسحات المحدودة التي يراد لها ان تفتح طريقا للتنوير من بين هذا الكم الهائل المتراكم من التعمية المذهبية المتعمدة، الموجهة بقوة مفرطة من قبل تجار الدين ضد كل من يحاول ان يرجع الامور والقضايا والاجتهادات والتأويلات الدينية او المذهبية الى لغة العقل والمنطق السليم، مع ان الاصوات المتحررة من تلك القيود بدأت بالتزايد والتفاعل مع لغة العلم والمعرفة والحداثة الكونية...

وبالتالي يمكننا القول ان هذه العقائد المتأرجحة تسمح وفي جميع الاديان والطوائف بمرونة كبيرة لرجال التحريف والتزييف والتدليس من استغلالها لتمرير اجنداتهم الخاصة، وعادة ماتكون مصالح شخصية واجتماعية وعائلية، ولهذا توارثت بعض البيوتات الدينية تلك المهنة المربحة، فدليل عدم ايمان الاسلاميين بتلك العقائد هو الفساد واعتماد الرأي الشخصي كأحد وسائل الافتاء والتشريع، كظاهرة الحيل الشرعية، او قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، فالاجتهاد بحد ذاته يعد احد اهم الوسائل الثقافية الاسلامية المتغيرة، وبالتالي ادى بالتدريج ومع التطور العلمي والتكنولوجي الى فتح افاق التفكير الاسلامي العام، حتى بات بأمكان كل شخص ان يدعي الاجتهاد، وتقديم نفسه على انه عالم او مفكر او باحث او مرجع اومفتي (الخ.)، يمكن بسهولة ان يعرض نفسه على من يشتري تلك البضاعة، ليكون له موقع في القنوات الفضائية او الجامعات والمراكز والمؤسسات التكفيرية او الطائفية،

اي ان الامر ليس له علاقة بعقيدة راسخة لها مبادئها وشروطها واخلاقياتها وحججها وادلتها الشرعية، انما عقيدة مركبة ومتناقضة تسمح لهم بالتوسع طولا وعرضا فيها، وقد احرجهم كثيرا راي الدكتور الشحرور الذي يقول لايحق لاحد ان يحرم او يحلل، فالحرام لايأتي الا من عند الله وحده سبحانه وتعالى، بينما نحن نجد ان الحرام اصبح كالسلسلة المترابطة، او كالغزل الكثيف الذي صنع سجادة التحريم الارضي، فقد الحقت المذاهب الاسلامية العديد من المحرمات، وفقا لعقيدة الاجتهاد بالحرام االمذكور في القران (وكذلك عبر الاستنتاج من القصص والاحداث القرانية)، فصار الاجتهاد اشبه بالسيف المسلط على رقاب المسلمين (ذاك يكفر، وهذا يقول بموت المسلم ميتة جاهلية)، ان هذه العقائد الغير مثبتة قرأنيا بشكل واضح وصريح، تعطي اثارا عكسية لمن يتمسك بها ظاهريا،

وقد اثبت التاريخ ان اغلب الانحرافات والتجاوزات مصدرها رجال الدين والطوائف والحركات السياسية الاسلامية،

حيث يمكن ان تتغير القناعة والفتاوى تبعا للهوى الشخصي او نسبة للاوضاع السياسية والاجتماعية والمادية (الامثلة كثيرة اخرها الاصطفاف الارهابي السني التكفيري ضد الشيعة بعد٢٠٠٣)، وذلك هو اطار الانحراف المقدس (كما حصل عبر التاريخ في الاديان السماوية الاخرى اليهودية والمسيحية)، اي يصبح الانحراف بمرور الزمن جزء من العقيدة المقدسة...

التحليل العلمي لتلك الظاهرة يثبت ان الانسان بطبيعته يعمل على ايجاد المخارج وكسر القيود من اجل التحرر او الانعتاق من العبودية او لمنفعته ومصالحه الذاتية او حتى العامة، فعندما يجد ان الامامة والاجتهاد (عند الشيعة وكذلك بعض الفرق السنية المتطرفة) عقائد قابلة للزيادة والنقصان، سلبا وايجابا، كفتوى استغلال (سرقة) المال العام على انه مجهول المالك، وفق مبدأ ايجاد المخرج الشرعي، اي الحجة والدليل الشرعي المبررة لتلك الافعال المنحرفة عن جادة الحق والصواب او عن اصول الدين وعدالة الخالق عزوجل، قسم كبير من الاسلاميين الذين حكموا العراق بعد٢٠٠٣لم يكتفوا بالفساد المذهبي او العقائدي الشخصي، انما عمدوا الى تشجيع المكونات والكتل والطوائف الاخرى على المشاركة في عملية نهب الثروات وتدمير دواىر القضاء والرقابة والنزاهة والمتابعة والتدقيق، والى زعزعة عقائد المجتمع الدينية، الذين لاينتهون ولايغفلون ان يضعوا دائما فيما بينهم عمامة (غالبا سوداء) رجل الدين كدليل ظاهري يساق للعامة وللمراجع الكبار في الطائفة على ان بينهم فقيه ولايعملون بالاجتهاد الشخصي، فصار هؤلاء هم بمثابة الائمة والمجتهدين الذين يحق لهم الاجتهاد والافتاء بأمور ومصالح المسلمين، لا لشيء الا لترسيخ الحكم العائلي او الاسري، واستغلال الفرصة القارونية التاريخية، التي يعتقدون جازمين انها لن تتكرر ابدا، بغية كسب الاموال وتكديس الثروات الطائلة على حساب الدين والعقائد والمجتمع، فهم يعتبرون في الاصل ان الحقوق الشرعية القادمة من الخمس تذهب بعد وفاة المرجع لاولاده واصهاره احيانا، وهي بحاجة الى ثورة كما كانوا يقولون ذلك من على منابرهم الحزبية في دول المنفى قبل العودة للعراق، وهي دليل على عدم وجوظ قناعة راسخة بعقيدة الامامة او الاجتهاد..

عقيدة الخلافة عند اهل السنة، والامامة عند الفرق والمذاهب الشيعية، جعلت النظر والافتاء والتشريع عبر تلك العقائد من الامور التقليدية اليسيرة، اي ان ظهور او وجود تلك المذاهب تعد بحد ذاتها دليل على وجود انبثاق عقيدة متوارثة هي الاجتهاد، حيث ساق اهل السنة حسنات متفاوتة للمفتي في جميع الاحوال، سواء كانت فتواه صحيحة او خاطئة، وهكذا فعل الطقوسيين والمتطرفين الشيعة مع من لايؤمن اولايقلد مرجعا معينا، او يعترض على عقيدة الامامة التي تجدها عند بعض الفرق الشيعية مجرد قشرة مذهبية سميكة ليس لها علاقة بافعالهم وطقوسهم وتأويلاتهم، فهؤلاء ياخذون الروايات ثم يعاملونها على انها اية قرانية مقدسة، تبدأ

عقولهم المريضة بتفسير وتأويل وتوسيع دائرة الحديث ليصبح كأنه اية من كالكتاب الاسلامي المقدس، تحت قاعدة السنة النبوية الشريفة وسنة ال البيت ع المعصومين، او اراء الصحابة ااي السلف الصالح لواجبة الاتباع، مما ادى الى مايطلق عليه في عرف الحوزات الدينية بتزاحم المراجع فيما بينهم، واسموه بتحاسد العلماء، وهو ايضا دليل اخر على انهم لايتمسكون بعقيدة الامامة انما بالاجتهاد، ومن ثم ظهرت مرحلة اخرى من الاجتهادات والالقاب كلقب شيخ الطائفة او المرجع الاعلى او اية الله او روح الله ) الخ.)، هذه المؤسسات العريقة الممولة ذاتيا بشكل جيد واحيانا خاريجا، فالحقوق الشرعية، واموال الخمس ليست اموالا عادية، بل وصلت في عهد المرجع الخوئي رحمه الله الى ملايين الدولارات مع عدة مشاريع وابنية واستثمارات، حتى قيل ان له اموال لايعلمها في بعض دول الخليج (وقد تم مصادرة البعض منها لعدم وجود متولي شرعي او وكيل قانوني عنها)،

هذه الاموال تجمع مايسمى بحاشية ووكلاء المراجع، وهذه الفئة تعد من اخطر الفئات في تاريخ الاسلام والمجتمعات الانسانية،، اي فئة حاشية الخليفة او الملك او رئيس الجمهورية او المسؤول الحكومي او رجل الدين، وقد استولت على الحكم في اكثر من مرة في تاريخ الدولة العباسية (كما في عهد السلاجقة والمماليك، الخ.)، المغالطات الفقهية كثيرة ومتشعبة، ولكنها وصلت الى مرحلة لايمكن السكوت عنها، اذ بات تمويل الحزب او الحركة الاسلامية من اللجان الاقتصادية (مافيات الفساد وعصابات سرقة المال العام)، فلا يشترط رجل الدين الفاسد ان يعرف مصدر الحقوق الشرعية والتبرعات والهدايا، معتبرا وفقا لقناعاته الفقهية ان تلك اموال ستصرف في سبيل الله، بعد ان تمر بمراحل متعددة من الاستقطاعات والتقسيمات الشخصية والاسرية (تحت قواعد فقهية متعددة، سهم الامام، والعاملون عليها، والاقربون اولى بالمعروف)، عمليات تلاعب وخداع وكذب على النفس وعلى الاخرين، تصل تصرفات وافعال وحالات البعض منهم حد الانحراف عن الاسلام تماما...

الخلاصة ان عقيدة الخلافة او الامامة عند السنة والشيعية ادت الى اشاعة ظاهرة الاجتهاد حتى في مقابل القران والسنة النبوية (هناك الكثير من الحدود المبتدعة كقتل شارب الخمر او الملحد والمرتد او المراة الغير محجبة او المتبرجة او الرجم عند الحركات الاسلامية المتطرفة السنية والشيعية غير موجودة في القران الكريم ولم تمارس في عهد الرسول محمد ص)، وصل الحال ان يمارس العديد من المفكرين والمثقفين الاسلاميين دور الفقيه والمفتي او المجتهد، ولا نسجل اعتراضنا على تلك الحالة اذ لايشترط وكما نعتقد بمن يستطيع ان يفهم اسس التفسير والتأويل القراني ان يجتهد في بعض المساءل الدينية الغير معقدة، ليس من اجل ممارسة دور الفقيه في المجتمع، انما في سبيل فهم الدين وقواعد واصول الاسلام الصحيح، والتمييز بين الفكر الاسلامي الصالح وبين الارهابي الفكري المتطرف او الاستبداد الديني، وهي حالة طبيعية كونية لما وصلت اليه الحضارة الانسانية الالكترونية، من مستوى عال من التقدم العلمي والمعرفي، فأصبح فهم الانسان لاموره الدينية اكثر نضوجا من العقود او القرون السابقة، وبات التوثيق الالكتروني واسلوب التحليل الرياضي العلمي لحركة الارض والنجوم والكواكب والبحار والمحيطات والرصد المناخي والبيئي الخ.، متاحا للجميع، ومن خلال عالم الالكترون يمكنك تجميع الاحداث والوقائع والقصص والروايات والعهود والازمنة والعصور لمعرفة صحة هذا الراي او ذلك الحديث، مع ان العقل صار احد اهم معايير التصديق والتصحيح والتوثيق الديني العلمي للسنة النبوية، او الاحاديث المروية عن الصحابة او ال البيت ع، فوصية الرسول محمد ص بعرض احاديثه على القران للتأكد من صحتها من عدمه هو تصريح ضمني بأن السنة النبوية هي القران الكريم وليس كما يفعل الدواعش او الطقوسيين المغالين في عصمة وقدسية روايات ال البيت ع، اي بمعنى لاتوجد سنة للنبي الاكرم غير القران الكريم والفرائض التي وضحها في عهده (الصلاة والصوم والحج والزكاة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والاعنال الانسانية الصالحة)، اما ان يجد المجتمع الاسلامي نفسه غارقا في الفتن الطائفية، والاجتهادات الشخصية، التي ادت به الى ان يبقى في اطراف الكرة الارضية ثقافيا وعلميا وحضاريا، او ينهض بكل قوة لبناء دول متقدمة في جميع المجالات تفصل الدين عن القرار والادارة والتنمية والثقافة والابداع وحرية الانسان وخصوصا المراة عن البرنامج الحكومي او السياسي العام للبلد...

لقد طحنت فتوى الجهاد الكفائي ابناء الطبقات المحرومة من مجتمع العشوائيات، والطبقات الملتزمة بعقيدة الامامة او الاجتهاد، بينما تلاعب ومارس النفاق والخداع والانحراف عنها السياسيين الاسلاميين وبعض رجال الدين، تحت باب انهم لايقلدون او لايتبعون لهذا المرجع او ذاك، بقي اغلب هؤلاء المرائين المتلونين هم واولادهم ينهبون ثروات الشعب دون رادع قانوني او وازع اخلاقي او ديني، يستمدون شرعية افعالهم من فساد عقيدة الامامة والاجتهاد عندهم، فهم يعتقدون انفسهم بمثابة ائمة او مجتهدين قادرين على استنباط الحيل الشرعية، ليس بحاجة الى اراء او فتاوى او اوامر مراجع الدين، مع انهم يتعمدون ان يظهروا امام المجتمع بجلباب التقوى والتعظيم لرجال الدين او المراجع، ولسانهم لايتوقف عن ذكر الروايات والاحاديث الواردة عن ال البيت ع، بينما افعالهم وتصرفاتهم وسرقاتهم التي اوصلت الناس الى حالة اليأس، مرددة عبارات او هتاف بأسم الدين سرقونا الحرامية، وهذا اكبر دليل على انتشار قصص فسادهم بين المجتمع..بل حتى في اعتراض ونقد بعض رجال الدين الشرفاء على تصرفات هؤلاء المنحرفين، تجد انهم يذكرون دائما ان هذه الزمرة منحرفة عن طريق ال البيت ع، اي معنى انها لاتؤمن بتلك العقيدة

..هذه العقائد بحاجة الى اعادة فهم وبحث وتحليل قرأني، كي تصبح ملزمة شرعا للجميع دون استثناء بما فيهم مراجع الافتاء، او ان تتغير عقائدهم بالعتماد على القران الكريم والعقل والعلم لاستنباط الاحكام والاخلاقيات الانسانية العصرية..

 

مهدي الصافي

 

ميثم الجنابي"هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان"

سفيان الثوري

إن إمكانية الحجاج بالنسبة للسلطة الأموية المتمركزة من جديد، والعاتية في انتصاراتها الكبرى، أخذت بالبروز مع صعود قوة الاستبداد فيها. فقد تلمست فيه ملاكها السياسي و"جبرائيل" وحيها الاستبدادي[1]! فقد كشف الحجاج عن أن النار الابليسية المحترقة فيه لا تحرق غير معارضة السلطة أيا كان معدنها وحجمها، وأنها النار الدافئة التي تعوضها عن برود التعاطف الروحي من جانب الأمة! وهي المعادلة التي جسدها الحجاج حتى موته في العراق، بوصفه مركز المعارضة التاريخية والسياسية والروحية والأدبية للأموية، ومنطلق السيطرة العامة والتامة على ممتلكات الإمبراطورية في آسيا. بمعنى إننا نعثر في هذين الجانبين على وجهين لشخصية الحجاج، بوصفه النموذج الأكثر تعبيرا عن حقيقة الأموية. وليس مصادفة أن يبقيان مترابطين في سلسلة العبودية الذهبية. من هنا الإبقاء عليه مع بقاء الأموية، وانتفاء الحاجة إليه مع زوالها. بحيث لم يبق منها شيئا غير ترسبات الأملاح المتكلسة على حواشي التاريخ والذهنية الخربة والضمير المتهالك وراء جشع الغريزة. من هنا يمكن فهم سر الاعتزاز به من جانب الوليد بن عبد الملك بعد توليه خلافة أبيه عام 86 للهجرة. فقد أبقاه واقره على كل ما كان فيه زمن والده. وليس مصادفة أيضا أن يفجع بموته بحيث نراه يصرخ، بان الحجاج ليس فقط جلدة عينيه، كما كان يقول أبوه عبد الملك بن مروان، بل وجلدة وجهه كله! الأمر الذي جعل الحجاج يستهزأ في حياته بتهديد ولي العهد سليمان بن عبد الملك في حال استلامه الحكم! وهو استهزاء متراكم في مجرى اليقين الفكري والسياسي الذي لازم حياة الحجاج وشخصيته الموالية للسلطة. بحيث وجدت هذه المولاة انعكاسها النموذجي في وصيته التي قال فيها، بأنه لا يعرف غير "طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث!"[2]. كما لو انه يعيد يقين الأنبياء والقديسين عن دنس الأشياء العابرة والنزوات الصغيرة وملهاة الحياة وما فيها. وهو وصف لا يخلو من دقة فيما يتعلق بالحجاج، الذي تجرّد عن كل شيء باستثناء حب السلطة والاستعداد الدائم لخدمتها بكلّه، بحيث لم يبق فيه شيئا لغيرها! من هنا يمكن فهم سرّ ردوده الجريئة والمتيقنة تجاه "الرحمة الأبدية" له ولأعماله. وهو يقين ينبع من طبيعة التماهي بين السلطة والله. فالعبودية لله هي عين العبودية للسلطة. لها نراه يجيب على سؤال وجه إليه قبيل موته:

- ألا تتوب؟

- إن كنت مسيئا فليست هذه ساعة التوبة، وان كنت محسنا فليست هذه ساعة الفزع!

وأكمل أجوبته هذه بعبارة قال فيها "اللهم اغفر لي! فان الناس يزعمون انك لا تفعل!"[3]. بل وينسب إليه تمثله ببيتين من الشعر:

يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا

إيمانهم إني من ساكني النار

أيحلفون علي عمياء؟! ويحهم!!

ما ظنهم بعظيم العفو غفار!!

وهي صيغة نموذجية معبرة عن شخصية الحجاج، أي الإيمان الجازم بصحة وسلامة ما فعل. والبقاء حتى الرمق الأخير وفيا لنفسية وذهنية الاستعداد للاستعباد والاستبداد.

فقد توفي الحجاج عام 95 للهجرة[4]. وما بعدها لم يكن "تاريخه" غير حالات الانتقام والهجران في الوعي النقدي والضمير الأخلاقي والوجدان الصادق. وليس مصادفة أن يتلاشى قبره في واسط العراق وتبقى ذكراه باعتباره النموذج التام للرذيلة السياسية والأخلاقية. وهي الحالة التي شاركتها أيضا بعض مراحل الدولة الأموية عندما كانت تخرج بصورة نسبية على نفسية وذهنية الأموية، كما هو الحال في زمن سليمان بن عبد الملك وخلافة عمر بن عبد العزيز. إذ تنسب لسليمان بن عبد الملك (96-99 هجرية) انه سال مرة كاتبه يزيد بن أبي مسلم:

- أتظن أن الحجاج استقرّ في قعر جهنم أم انه يهوى فيها؟!

- يا أمير المؤمنين! إن الحجاج يأتي يوم القيامة بين أخيك وأبيك، فضعه من النار حيث شأت!

وهي إجابة لا يرتقي إليها من حيث الصيغة والمعنى والرمز والباطنية الجميلة غير مواقف وتقييم الخليفة عمر بن عبد العزيز إياه. فقد استكمل عمر بن عبد العزيز ما بدأ سليمان بن عبد الملك. ولكل منهما أسبابه الخاص. فقد كان سلوك سليمان لا يخلو من نزعة انتقام شخصية. لهذا نراه يأمر بسبه على المنابر. وعندما امتنع خالد بن عبد الله القسري، أحد ولاة العراق الحجاجيين، عن سبّه وذّمه أرسل عليه سليمان يأمره بذلك، فتكلم على المنبر قائلا: "إن إبليس كان من الملائكة ففسق! وكذلك الحجاج!". وهي الأخرى صورة بليغة، والوجه الآخر لتقاليد النزعة الاستبدادية وانحطاط الروح الأخلاقي المميز للنخبة العائمة في زبد الأموية، والسائبة في سديم الخوف المرعب من معنى الحرية وفكرة الحق، التي وجدت في شخصية الحجاج نموذجا لحقيقة الإسلام! كما قال مرة احدهم: "من خالف الحجاج فقد خالف الإسلام"[5]. وهو إسلام عبودي، أي لا يأخذ منه سوى غلاف العبارة الميت. مع ما يترتب عليه من تحويل الإسلام الى إذعان بلا عقل، وخضوع بلا قلب، واستسلام بلا ضمير. لكنه، شأن كل ما هو عابر بمعايير الحق والحقيقة، سرعان ما يندثر بوصفه ذرة في غبار الزمن، وسراب في خيال الأشباح. وهو سراب بدد كثافته المتبقية بعد موت الحجاج سلوك رجال الدولة الأموية.

إذ لم يكتف سليمان بن عبد الملك بسب الحجاج وشتمه على المنابر بل وأمر عامله على الطائف بقتل آل أبي عقيل، لا لشيء إلا لأنهم من أقرب الناس إلى الحجاج. وهي مواقف تممها الخليفة عمر بن عبد العزيز بطريقته الخاصة. فقد كان عمر بن العزيز يعارض ويندد بسلوك الحجاج أثناء حياته.

غير أن موقعه ومكانته ووظيفته في السلطة آنذاك لم تسمح له بتغيير شيئا ما يذكر بهذا الصدد. لكن الروح الأخلاقية تبقى أيضا وفية للقصاص بالقدر الذي لا يتعارض مع ثوابت الفكرة المتسامية ورؤيتها الشخصية. الأمر الذي ميز مواقف وتقييم وسلوك عمر بن عبد العزيز تجاه "بقايا" الحجاج في الذاكرة والواقع من خلال اقتلاع بقاياه بالقدر الممكن. فقد نفى أسرة الحجاج الى اليمن وكتب إلى واليها يقول "أما بعد، فأنني بعثت في عملك قدر هوانهم على الله"[6]. بينما نراه يعزل أحد عماله بعد أن علم بأنه قد سبق وأن عمل مع الحجاج. وعندما قال له الرجل:

- إنما عملت له على شيء يسير.

- حسبك بصحبته يوما أو بعض يوم شؤما وشرا![7]ً.

في حين وضعته تقاليد الذاكرة الشعبية في إحدى أرذل الشخصيات المتخيلة في قصة (نعم ونعمة) من قصص ألف ليلة وليلة. وما بينهما ترامت مختلف الآراء والتقييمات والأحكام والمواقف منه. فقد وضعته تقاليد الحديث تحت أسم المبير، أي الظالم والمستبد[8]. بينما كفّره جمهرة من رجال الورع والزهد الإسلامي مثل مجاهد وعاصم والشعبي وسعيد بن جبير. وهي أحكام ليست معزولة عن مواقفهم السياسية، أي عن حقيقة الرؤية الإسلامية التي لا تعزل فكرة الإيمان عن قيم العدالة والحق والحقوق. وهي قيم لم يجرؤ أحدا على انتهاكها بالقدر والحجم والكمية والنوعية في تاريخ الإسلام أكثر من الحجاج. وليس مصادفة أن يقول الحسن البصري بعد سماعه بموته: "اللهم عقيرتك! أنت قتلته! فاقطع سنّته! وأرحنا من أعماله الخبيثة"، بل ودعا عليه[9]. بينما نرى موقفه من الحجاج أشد وضوحا في معرض إجابته على إحدى الحالات النموذجية التي استتبعت موته في العراق. فقد حلف رجل بالطلاق قائلا: "إن الحجاج في النار". فلما جاء إلى امرأته، فإنها امتنعت عن العيش معه. وعندما ذهب للحسن البصري يستفتيه في أمره، فأجابه الحسن البصري: "إذا لم يكن الحجاج من أهل النار، فما يضيرك أن تكون مع امرأتك على زنى!". وهي المرة الوحيدة التي ينطق بها الحسن البصري بهذه الطريقة الجازمة التي جعل من نفسه فيصلا نهائيا وناطقا بالحكم "الإلهي". لقد وجد في الحجاج تجسيدا تاما ومطلقا للرذيلة، بحيث جعله يستغرب التشكيك بالحكم المتعلق بضرورة العقاب الأبدي للحجاج في الجحيم. وبغير ذلك تصبح جميع الرذائل مباحة! وقيل أيضا، بأنه حالما بشروا حماد بن أبي سليمان بموت الحجاج، فانه سجد وبكى من الفرح. الأمر الذي جعل حماد يقول: "ما كنت أرى أحد يبكي من الفرح"[10].

من هنا يمكن فهم أحد البواعث التي جعلت ابن عبد ربه يفرد في كتابه (العقد الفريد) فصلا بعنوان (من قال إن الحجاج كان كافرا) استعرض فيه أقوال مختلف الشخصيات الإسلامية الفكرية والفقهية. بينما أجاب الشعبي على سؤال وجه إليه مرة[11]:

- أكان الحجاج مؤمنا؟

- نعم! بالطاغوت!

وقال عنه أيضا "لو جاءت كل أمة بخبيثها وفاسقها، وجئنا بالحجاج وحده لزدناه عليهم"[12]. وأطلق عليه الدميري عبارة "اللعين الحجاج! أخزاه الله وقبّحه"[13]. بينما قال عنه ابن عبد البر: "لا يؤثر حديثه، ولا يذكر بخير لسوء سره وإفراطه في الظلم"[14]. وقد يكون التقييم الذي رسم الذهبي ملامحه الأكثر دقة بهذا الصدد. فقد كتب بهذا الصدد يقول: "أهلكه الله كهلا! وكان ظلوما جبارا ناصبيا سفاكا للدماء. وكان ذا شجاعة وإقدام وكر ودهاء"[15]. وتكلم الذهبي عما اسماه بسوء سيرته في حصاره لابن الزبير بالكعبة ورميه إياه بالمنجنيق وإذلاله لأهل الحرمين ثم ولايته على العراق والمشرق عقدين من الزمن وحروبه مع ابن الأشعث وتأخيره للصلوات الى "أن استأصله الله! فنسّبه ولا نحبه! بل نبغضه في الله، فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان. وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه"[16].

وقد تحول هذا الكم الهائل من التقييم النظري الرفيع إلى مسند الخيال الشعبي والأدبي الذي وجد أحد نماذجه الرفيعة في قصة (نعم ونعمة) ودخولها مسرح الذاكرة الفعالة في (ألف ليلة وليلة). بحيث أصبحت سمير الأسمار واللعنة التي ترافق ضحك الأطفال وشماتة الرجال وحقد النساء وغضبهن! فهي القصة التي تصوره رجلا غشوما ظلوما سارقا قاسيا عبدا للسلطة وفاقدا للضمير والوجدان أمام رغبة السلطان وغرائزه. لقد حولت قصة (نعم ونعمة) الحجاج الى نقمة وصبت عليها جام غضبها من خلال تطويع كل إمكانيات الخيال الشعبي. فبالقدر الذي استعمل كل الأساليب الدنيئة لاختطاف نعم من زوجها نعمة وتسليمها إلى عبد الملك بن مروان، فإنها استطاعت أن تبعثه في حبكة القصة بالاقتصاص منه من خلال جعله مرافقا طائعا وعبدا ذليلا للرهينة التي احتال من اجل اقتناصها والتقرب بها إلى مالكه عبد الملك بن مروان! فقد اشترطت المرأة من عبد الملك أن يكون الحجاج مرافقا وقائدا لبعيرها. وهي القصة التي تروي مختلف أصناف الاحتقار والتهكم به، التي يتقبلها الحجاج بوصفها جزء من مظاهر العبودية للسلطة. وهي مظاهر يجري تتويجها بالحادثة الطريفة التي تروي كيف أن المرأة (نعم) حالما وصلت من بلدتها الى قصر الخليفة رمت دينار على الأرض وقال للجمّال (الحجاج):

- يا جمّال! سقط مني درهم!

- هذا دينار!

- بل هو درهم!

- بل هو دينار!

- الحمد لله الذي عوّضنا بالدرهم دينارا! ناولني إياه!

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حبكة قصصية تسرد بطريقتها الخاصة رغبة الانتقام الأبدية من الحجاج. ومن ثم لم يكن دخولها (ألف ليلة وليلة) سوى الصيغة الأدبية للرغبة الجامحة في الإبقاء على صورته الخبيثة حية في الخيال والضمير والوجدان المعذب من ذكراه المريرة. لقد ادخله الوعي العراقي في قرآنه القصصي وجعله في متناول الشماتة النقدية والسخرية الجليلة والاستهزاء الذي لا يخلو من حقد النساء الجميل، أي جمعه لكل المكونات الضرورية لتفعيل ذاكرة الانتقام التاريخي الحي.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.................

[1] ينقل لنا ابن عساكر في كتابة (تاريخ دمشق) على سبيل المثال "نصيحة" الحجاج لعبد الملك بن مروان بمنع القصاصين من الحديث عن سيرة الخلفاء الراشدين، وبالأخص أبي بكر وعمر بن الخطاب. إذ وجد فيما يقوله القصاصون مصدرا للثورة والانتفاض على السلطة". بحيث نراه يتكلم عما في هذه القصص من "إفساد للناس على أمير المؤمنين". بحيث يستصدر عبد الملك بن مروان أمرا يمنع فيه الحديث عن سيرة أبي بكر وعمر بن الخطاب. وهو أمر ظل ساريا حتى خلافة عمر بن عبد العزيز، الذي أعاد ترتيب هذه العلاقة بطريقة سليمة من خلال اختياره الشخصي للقصاصين.

[2] ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق، ج4، ص68.

[3] ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق، ج4، ص82. ابن كثير: البداية والنهاية، ج9، ص138.

[4] المسعودي: مروج الذّهب ومعادن الجوهر،ج3، ص187.

[5]أبن حبان: الثقات، ج5، ص421. وهي كلمات تنسب الى احد أتباع الحجاج وهو أبو حسان المنذر. وهي عبارة يشم منها رائحة العبودية التامة. وذلك لأن أولها كره المخالفة، أي عدم الخضوع، وآخرها رفض المخالفة، أي أولها الحجاج وآخرها الحجاج! لأن حقيقة الإسلام هنا هو الاستسلام للحجاج فقط!

[6] ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق، ج4، ص 84.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص132.

[8] وفي وقت لاحق يجري ابتداع حديث "نبوي" مزيف عن ان المقصود بالمبير هو المختار الثقفي!

[9] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، 159.

[10] ابن سعد: الطبقات، ج6، ص280.

[11] عامر بن شراحيل الشعبي الحميري، 19-103هـ/640-721م): راوية، يُضرب المثل بحفظه. وُلِد ونشأ ومات بالكوفة. اتّصل بعبد الملك بن مروان، وأصبح احد ندمائه. كما عمل رسولا عنده إلى ملك الروم. وسُئِل عمّا بلغ إليه حفظه، فقال: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدّثني رجل بحديث إلاّ حفظته. وهو من رجال الحديث الثقات، استقضاه عمر بن عبد العزيز، وكان فقيهاً شاعراً. (الزركلي: الأعلام، ج3، ص251.)

[12] الأبشيهي: المستطرف في كل فن مستظرف،ج1، ص83

[13] الدّميري، كمال الدين محمد بن موسى: حياة الحيوان الكبرى، دار الألباب، بيروت/دمشق (ب-ت)ج1، ص81.

[14] ابن عبد البر: التمهيد، ج1، ص10.

[15] الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج4، ص343.

[16] نفس المصدر السابق، ج4، ص343.

 

ميثم الجنابي"هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان"

سفيان الثوري

إن ظهور الحجاج من عدم الوجود السياسي الى هرم السلطة الأموية هو التعبير النموذجي عن حالة الانتقال الحرجة والسيئة التي رافقت تحول الدولة ونظامها السياسي من إمبراطورية الروح الإسلامي وفكرة الحقوق الأخلاقية الى سلطة الملوكية القبلية ووثنيتها الجديدة. وهي الحالة التي جعلت من العابرين والطارئين "أبطال" الزمن السلطوي. وفيها ينبغي البحث عن سر صعود الحجاج العنيف واندثاره الأشد عنفا.

ولد الحجاج في أربعينيات القرن الهجري الأول، أي في مرحلة "النبوة" المقلوبة. فقد كان صعود الأموية في العام الأربعين من سيادة الإسلام الروحية والسياسية والدولتية يعكس طبيعة الانحطاط والشرخ الهائل بين التاريخ والدولة. وهو الشرخ الذي جعل من كليب (الاسم الأصلي) بن يوسف الثقفي حجاجا. فالحالة الطبيعية لتاريخه الشخصي لم يكن بإمكانها أن تتعدى المسير الهادئ في الطائف لتعليم الصبيان قراءة القرآن. بمعنى الاستمرار بمهنة أبيه. مع ما يترتب عليه في العرف الديني التقليدي من أجرة وثواب! وقد مارسها الحجاج، على خلاف أبيه، بوصفها مهنة مجبور عليها. لهذا لم تثر فيه شهية الحماسة التي نعثر عليها في ولعه المفرط بالسياسة والحرب والقمع والإرهاب. وهي صفات لا علاقة لها بثقيف. فقد احتوت هذه القبيلة، شأن كل بنية قبلية على إمكانيات متنوعة. لكنها أنجبت ثلاث شخصيات دموية كبرى هي المغيرة بن شعبة الثقفي وكليب بن يوسف الثقفي (الحجاج) ويوسف بن عمر الثقفي وقادة عسكريون قساة مثل محمد بن قاسم الثقفي. وبالمقابل أو بالضد منهم شخصية المختار بن عبيدة الثقفي. وجميعها تتسم بقدر كبير من القسوة المحكومة بقيم مختلفة ومتضادة. وهي قيم لا علاقة لها بثقيف بقدر ما أنها كانت النتيجة المترتبة على حدة وعنف الصراع السياسي الذي شوهه دهاء الأموية وعنفها الغريزي من اجل الاستحواذ على المال والجاه. وهي الصفة المغروسة والمغمورة في مسام الأموية وتقاليدها المروانية والسفيانية القديمة، أي تقاليد الجاه والمال التي كسر النبي محمد شوكتها الأولية دون أن يقتلعها من جذورها. مما جعل من "ثأرها" اللاحق منظومة تقترب من توحيد الإسلام بإفراده لخدمتها!

وهو إفراد استمد مقوماته من الأصول القبلية والعرقية وتقاليد المال والجاه المميزة للأموية. ومنها تراكمت نفسية وذهنية الدهاء السياسي الخالص. وبالتالي إمكانية تطويع واستغلال مختلف القيم، بما في ذلك النبيلة أحيانا لخدمة الغرض الأساسي – إعادة تنظيم الأصول المذكورة أعلاه بالشكل الذي يخدم تفعيلها الدائم وفاعليتها الحاسمة. وهي أصول تطابقت فيها الوسيلة والغاية، بحيث أصبحا في آن واحد آلة وآلهة. مما أدى بالضرورة الى أن يكون تفعيلها وفاعليتها قرضا للجسد واقتراضا للروح من جانب الجميع. وبالتالي فان الانهماك فيها يستلزم في آن واحد الاندماج الفعال في آلتها، والعبودية التامة لآلهتها. أما النتيجة فإنها كانت محسومة شأن الفكرة الجبرية للأموية – العمل من اجل ترميم وديمومة العبودية التامة لأصنام الوثنية الجديدة. وهي المقدمة الفعلية التي تفسر طبيعة "الاختيار" السياسي للشخصيات القادرة على لعب دور السدنة المخلصين للإلهة الجديدة وأصنامها. إذ لم يكن الحجاج استثناءا بقدر ما انه كان الفرد الأكثر فردانية في إفراد كل ما فيه لخدمة الأموية، ومن ثم الشخصية الأكثر "إخلاصا" ونموذجية في تعبيرها عن هذه الحالة الجديدة في صيرورة الدولة.

فالمعلومات التاريخية تشير الى أن أباه كان من إتباع بني أمية. واشترك معهم في الحرب على خصومهم، وبالأخص مع مروان بن الحكم. بينما كانت حياة الحجاج السياسية متوافقة وملازمة لخلافة عبد الملك بن مروان. وهي ملازمة لم تكن معزولة عن انتقال الحجاج الى الشام والالتحاق المباشر بالسلطة الأموية. وهو انتقال لم يكن معزولا عن الصراع السياسي الحاد آنذاك بين الأموية المنحصرة والمحاصرة في دمشق الشام، وبين الحركة الزبيرية التي توسع نطاق الاعتراف بها بوصفها خلافة شرعية على اغلب أمصار الدولة آنذاك.

فقد كانت الطائف في أواخر خلافة مروان بن الحكم وبداية حكم أبنه عبد الملك بن مروان خاضعة لحكم عبد الله بن الزبير. وهو حكم اتسم، رغم طابعه المعارض للأموية، بنفس أمراضها وأخطائها وخطيئتها. وهو السبب الذي يفسر هروب ومعارضة ومصارعة أتباعه الأوائل، الذين انظموا الى الحركة في بادئ الأمر وواجهوها بالعداء العنيف في وقت لاحق. وهي ظاهرة يمكن رؤية ملامحها الدقيقة والواضحة على كافة ممثلي الحركات السياسية والاجتماعية والفكرية الكبرى كما هو الحال بالنسبة للخوارج (وبالأخص الازارقة) والشيعة (وبالأخص المختارية). ومن حصيلة هذه المكونات التي استجابت لشخصية الحجاج النفسية والفكرية والسياسية، يمكن فهم سر انتقاله التام والشامل للأموية. بمعنى التلاقي التام والشامل في إعلاء شأن السلطة واستعمال كل الوسائل من اجلها. وهو الشيء الذي يمكن التحقق منه ببقاء العلاقة المتينة والراسخة بينه وبين المركز الأموي، للدرجة التي يمكن الحديث عن تطابق مطلق بينهما. وهو تحقق يمكن رؤية احد أشكاله النموذجية في وصيته التي كتبها قبل موته عندما جعل من السلطة الأموية بداية الأزل ونهاية الأبد الوجودي بالنسبة له، أما الله ومحمد فمجرد حلقات متممة. فقد كتب في وصيته قائلا بأنه يشهد أن لا اله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، و"أنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث"!! وهو موقف يعكس شخصية الحجاج الفعلية، التي وجدت فيها الأموية نموذجها العملي التام. وليس مصادفة أن "يفجع" الوليد بن عبد الملك بموته بحيث نسمعه يقول لمن جاءه يعزيه بفقدان الحجاج :"كان أبي يقول أن الحجاج جلدة ما بين عينيه! أما أنا فأقول أنه جلدة وجهي كله!". وهي الجلدة التي شدت أزر الأموية في أكثر الأوقات حرجا، وظلت حتى النهاية "أمينة" لها بصورة مطلقة. وقابلته بالطريقة ذاتها. فقد كان عبد الملك بن مروان يجلّ الحجاج ويثق به رغم معرفته بسلوكه العنيف والدموي. وتروي كتب التاريخ كيف أن إبراهيم بن محمد بن طلحة (احد المقربين جدا من الحجاج) سعى كل جهده لكي يستمع عبد الملك بن مروان لرأيه بالحجاج. وحالما وافق عبد الملك، عندها قال إبراهيم بن طلحة:

- تالله يا أمير المؤمنين! لقد عمدت الى الحجاج في تغطرسه وتعجرفه وبعده عن الحق وقربه من الباطل! فوليته الحرمين، وهما ما هما، وبهما ما بهما من المهاجرين والأنصار والموالي الأخيار، يطؤهم بطغام أهل الشام ورعاع لا روية لهم في إقامة حق ولا إزاحة باطل، ويسومهم الخسف، ويحكم فيهم بغير السنّة، بعد الذي كان من سفك دمائهم وما انتهك من حرمهم!

- كذبت! وظنّ بك الحجاج ما لم يجده فيك! وقد يظنّ الخير بغير أهله! قم فأنت الكاذب!

وهو موقف لا علاقة له بالكذب والصدق، لأنه ليس نتاجا لأحكام المنطق، بقدر ما انه محكوم بغريزة السلطة. وهي الغريزة الوحيدة الحية والفعالة والفاعلة في شخصية الأموية والحجاج. ومن ثم، فان شخصية الحجاج هي شخصية الأموية الحقيقية. وكلاهما شيء واحد. بمعنى التقاءهما في الوسيلة والغاية. وهو التقاء محكوم بالنفسية والذهنية التي تجعل من استعمال كل الوسائل أمرا ممكنا ومرغوبا بل وضروريا من اجل المصلحة الخاصة. ولم تكن هناك مصلحة خاصة بالنسبة للأموية غير الجاه والمال. وهي صفة لها تقاليدها الخاصة في العائلة السفيانية – المروانية، وجدت تعبيرها العنيف في مرحلة الخلل التاريخي الذي أحدثته العفانية التي جعلت من الممكن استعادة البنية القبلية وجوهريتها بالمنسبة للتحكم والتسلط. من هنا إعادة تثوير ما دعاه الإسلام بالجاهلية. بمعنى التحرر من فكرة القانون الاجتماعي والحق المجرد والقيم الأخلاقية الكونية. وهو السر القائم وراء قوة التجاذب المتبادل بين الأموية والحجاج. بمعنى الاستعداد للاستبداد و"الإخلاص" له في الحياة والموت والبعث، كما جسدها الحجاج في وصيته المذكورة أعلاه. وهي "وصية" اكتشفت الأموية في شخص عبد الملك بن مروان "ناريها الأبدية" المشتعلة في غريزة الحجاج الفائرة عندما قدمه إليه رئيس شرطته ابن زنباع1 !

إن انتقال الحجاج الى الشام وانخراطه في سلك الشرطة، في مرحلة تبدل القيم، وانهيار فكرة القانون والشريعة، وسيادة نفسية وذهنية القبيلة وقيم الجاهلية السيئة، يعكس أولا وقبل كل شيء شخصية الحجاج المادية والمعنوية. فقد أعجب به روح ابن زنباع المقرب من عبد الملك بن مروان. واستطاع الحجاج خلال فترة قصيرة من إعادة ترتيب نظام الشرطة وقواعد التزامها بالخدمة. بحيث جعل من الانضباط والحماسة في تنفيذ مهامها مهمته الشخصية. بل جعل منها شكلا من أشكال سريان الوحدة الخفية والعلنية لوحدة السلطة. لهذا نراه يعاقب الشرطة أنفسهم والتابعين منهم لابن زنباع في وقت لاحق بعد تعيينه فيها، بسبب ملاحظته عدم انضباطهم في العمل2 . وجعل من الانضباط أسلوبا لتجسيد ما يمكن دعوته بقواعد الطاعة التامة لأولياء الأمر. لكنها لم تتحول الى منظومة لأنها محكومة بفكرة الطاعة الشخصية السياسية فقط. بمعنى افتقادها لمعنى الحرية ومنظومة القيم الأخلاقية المحكومة بالقانون. وهي الفكرة التي عبّر عنها الحجاج نفسه عندما اشتكى عليه ولي أمره الأول وصاحب نعمته (روح بن زنباع) إلى عبد الملك بن مروان عما فعله بأفراد شرطته. إذ تروي الحكاية كيف انه أجتاز مرة فسطاط روح بن زنباع وهم يأكلون. فنهاهم فما انتهوا. عندها ضربهم وطوف بهم واحرق الفسطاط. وعندما شكاه روح بن زنباع الى عبد الملك بن مروان، فان الأخير استفسر منه قائلا:

- لم صنعت هذا؟

- لم افعله! إنما فعله أنت. فإن يدي يدك وسوطي سوطك. وما ضرك إذا أعطيت روحا فسطاطين بدل فسطاطه، وبدل الغلام غلامين، ولا تكسرني في الذي وليتني؟

بمعنى تحويل السلطة ومركزيتها الشخصية الى مصدر الحياة والموت، والأخلاق والقانون، والأقوال والأفعال. وهي الصيغة النموذجية للجبرية السياسية التي جعلت من الخضوع للسلطة رديفا للخضوع لله. كما أنها الصيغة التي وجدت في لقاء الحجاج بعبد الملك بن مروان "صدفتها" النموذجية، بمعنى التقائهما في الغاية والوسيلة والمصير الشخصي!

فقد تسلم عبد الملك بن مروان الدولة وهي مهددة بالانحلال. فقد واجه خطر عبد الله بن الزبير الذي كان يسيطر بالفعل على اغلب أمصار الإمبراطورية العربية الإسلامية. بل وأعلن نفسه بعد وفاة يزيد بن معاوية، خليفة للمسلمين سنة 64 للهجرة. ولم يبق سوى الأردن التي ظلت على ولائها للأمويين، وبايعت مروان بن الحكم بالخلافة3 . حيث استطاع لاحقا استعادة مصر وضمها للدولة الأموية. وعندما استلم عبد الملك بن مروان السلطة، فان المهمة الكبرى بالنسبة له كانت إعادة تثبيت السلطة المركزية وحدة الدولة. وهي المهمة التي شارك فيها الحجاج بحمية مفرطة.

فقد دخل الحجاج الى دهاليز السلطة وأروقتها من خلال جهاز الشرطة، أي احد أحط مؤسسات السلطة الأموية وأكثرها قسوة ورذيلة. وقد لمس فيه روح بن زنباع العزيمة والقوة والصبر. وقدمه إلى عبد الملك بن مروان، الذي كان يتصف بالقوة والمكر السياسي. وقد كان جهاز الشرطة آنذاك يتصف بالترهل والانحطاط! بينما استطاع الحجاج في غضون فترة قصير إعادة ضبطه وتفعيله لخدمة السلطة. وهو الأمر الذي دفع بروح بن زنباع لتقديمه لعبد الملك بن مروان لولاية الشرطة. وتروي كتب التاريخ بهذا الصدد، المحاورة التي جرت بينهما، وكيف أن عبد الملك بن مروان سأله قائلا:

- ليس هناك من احد إلا وهو يعرف عيب نفسه! فصف لي عيوبك!

- أعفني يا أمير المؤمنين!

- لست افعل!

- أنا لجوج لدود حقود حسود!

- ما في إبليس شرّ من هذا!4

ومهما يكن من أمر هذه المحاورة، بمعنى دقة حروفها، إلا أنها كانت تعج بالمعنى الفعلي للحجاج الذي كشف عن مكونات العبارة المقتضبة بانقباضه الحاد تجاه كل ما يتعارض مع فكرة العبودية التامة للسلطة. وهي الصفة التي جعلت من شرور إبليس فضائل قديس! وهو تحول وجد انعكاسه السريع والمباشر في تقريب الحجاج من "مركز القرار" السياسي، بعد أن كشف عن موهبته الفذة في تنفيذ كل ما تحلم وترغب السلطة به وتريده. فقد مدّ الحجاج رصيد القوات العسكرية لأهل الشام بسرعة بالغة بعد أن طبق جملة من التدابير القاسية. إذ فرض على كل رجل قادر على حمل السلاح "التطوع" في الجيش! وأمهل الجميع ثلاثة أيام، وما بعدها القتل وحرق البيوت ومصادرة الأموال.

أعطت أفعال الحجاج ثمارها السريعة بحيث جعلته ينتقل بصورة سريعة من جهاز الشرطة الى قائد القوات العسكرية لإحدى أهم المعارك التاريخية السياسية التي كانت تتوقف على نتائجها مصير الدولة الأموية. فبعد انتزاع عبد الملك بن مروان العراق من سيطرة مصعب بن الزبير، جرى تجهيز الحملة للقضاء على مركز الزبيرية في مكة. وهي المهمة التي نفذها الحجاج بحذافيرها. فقد استعاد مكة وقضى على ابن الزبير. وسلك في مجرى صراعه من اجل استرداد الحجاز سلوك الرجل العسكري والسياسي الحازم والمحكوم فقط بفكرة مركزية الدولة والسلطة الاستبدادية. لهذا نراه يضرب الكعبة بالمنجنيق ويحرقها، إي انعدام ما يسمى بالوازع الديني5 . بل على العكس انه وجد في ذلك تعبيرا تاما عن "الإرادة الإلهية". وحالما أنجز المهمة جرى تعيينه واليا على الحجاز (مكة والمدينة والطائف)، ثم أضاف له عبد الملك بن مروان اليمن واليمامة. (يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1- شخصية روح بن زنباع + علاقته بالشعر الخارجي عمران بن حطان (الروية الخيالية)

2 - تحكي القصة كيف انه مر إحدى المرات وشاهد الشرطة منهمكين في الأكل واللهو. وعندما نهاهم عن ذلك رفضوا الانصياع له. مما حدا به الى سجنهم وحرق سرادقهم.

3 - تعليق حول الشخصية الأردنية واضمحلال أسسها الثقافية من هنا منظومة البداوة المتوحشة فيها وانعدام الرؤية الإنسانية والحس القومي وهشاشة الدولة واستعدادها الدائم للخيانة باسم المال

4 - ابن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد، دار المسيرة، بيروت، 1981م، ج6، ص 210. وليس مصادفة أن يعتبر الذهبي شخصية الحجاج ذنبا من ذنوب عبد الملك بن مروان (السير، ج4، ص249.).

5 - من بين الأدلة النموذجية بهذا الصدد ما ترويه كتب التاريخ عن نزول الصواعق على جيشه وقتل بعض منهم في مجرى حصاره لمكة وضربها بالمنجنيق. فقد أثار ذلك في أوساط الجيش وسوسة العقائد الإيمانية عن "حرمة" مكة و"قداستها" و"الغضب الإلهي" على من يمسها وما شابه ذلك. إلا أن الحجاج ظل ثابتا، وطلب منهم التريث حالما تنقشع الغمامة! وفي اليوم التالي تنزل صواعق على جيش ابن الزبير وتقتل عددا منهم! ونفس الشيء يمكن قوله عن سلوكه ما بعد تهديم الكعبة. إذ نراه يعيد بناءها، بل ويبني مسجد ابن سلمة في المدينة ويأخذ بحفر الآبار وبناء السدود وما شابه ذلك من الأعمال العمرانية.

 

ميثم الجنابي"هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان"

(سفيان الثوري)

تقديم: إن التاريخ خلافا للأحلام والأوهام يصدق فيما يقول ويفعل، بمعنى إن كل ما فيه مما فيه. وهو الشيء الذي يجعله على الدوام موضوعا للجدل والخلاف، خصوصا حالما تتدخل في تفسير وتأويل أحداثه وشخصياته المصالح الضيقة والأهواء، أي المكونات الملازمة لبقاء الزمن واضمحلال التاريخ أو انعدامه في الوعي. مع ما يترتب عليه بالضرورة من ضمور الرؤية النقدية وفكرة الحرية. بينما الحقيقة لا تعقل بدون الرؤية النقدية وفكرة الحرية. لاسيما وأن مسار التاريخ الفعلي هو تذليل دائم للزمن العابر، أي كل ما يؤدي بالضرورة إلى جعل الحرية الملاذ الوحيد والنهائي للحق والحقيقة. فهو المجرى الوحيد القادر على ربط حلقات التاريخ في سلسلة وعي الذات والتحرر من رق العبودية لغير ما فيه. فالتاريخ الحقيقي روح.

فقد كانت العبودية وما تزال، بوصفها ظاهر الاستبداد بشكل عام والسياسي بشكل خاص، من بين أكثر المعوقات الكبرى أمام التطور الطبيعي والارتقاء الثقافي السياسي للأمم. فكلما يزداد الاستبداد السياسي كلمات تنشط عناصر الوعي التاريخي بمختلف مظاهرها. وفيما لو القينا نظرة متفحصة على نوعية ما يجري تقديمه من معلومات وأخبار وقضايا مثيرة للاهتمام وولع بالأفكار وتياراتها القديمة والمعاصرة، فإننا نلاحظ تلازم النظم الاستبدادية مع ظواهر انتشار الأفكار المتخلفة بمعايير العقل، والرديئة بمعايير الأخلاق، والقاتلة بمعايير الروح، والمدمرة بمعايير العلم، والمغلقة بمعايير المستقبل. ولا غرابة في الأمر! فالاستبداد هو رديف الجمود والموت. ومن ثم تتجسد عبره ملامح الجمود والانحطاط. وبالمقابل تصبح مقارعة الاستبداد والسعي لإزالته، المهمة الرئيسية للوعي العقلي والعقلاني والنزعة الإنسانية، أي كل ما يؤدي إلى نمو واستقامة المساعي الحثيثة لتأسيس فكرة الحرية ونظامها الاجتماعي السياسي المناسب. ومن الممكن رؤية ذلك على مثال "الربيع العربي". فحالما جرى سقوط وإسقاط بعض النظم الاستبدادية، أخذت بالبروز مظاهر التشدد وبعث وتقوية مختلف أشكال التيارات السلفية والحركات الارهابية. بينما توسعت أذواق القتل والتفجير والاغتيال بعد انتصار "الحرية المفطومة" لثورات "الربيع العربي". ولم يكن ذلك معزولا عن كون ثورات "الربيع العربي" لم تكن ثورة عربية واحدة. الأمر الذي أبقى على بقايا الاستبداد في العالم العربي واستفحال قواته بأثر هلعه الغريزي من فكرة الحرية والمستقبل. وهذا بدوره استمرار لحالة البقاء المتشبث بالسلطة من جانب البنية السياسية التقليدية القديمة. "فالربيع العربي" حدث في بقاع المناطق الثقافية للعالم العربي ونظمها السياسية الجمهورية. وبغض النظر عن فشلها النسبي في التحديث والعصرنة وبناء النظام الاجتماعي والسياسي والعقلاني، لكنها استطاعت أن تنشأ مجتمعات سياسية حيوية وثقافة واسعة تناسبها، في ظل ظروف صعبة وقاسية بأثر تخلف المبنية الاجتماعية والاقتصادية، وضعف النخب بشكل عام والسياسية بشكل خاص، وضغوط ومغامرات المراكز الكولونيالية القديمة والحديثة، ومؤامرات البنى التقليدية المميزة للدولة الملوكية بشكل عام وشبه الجزيرة العربية بشكل خاص. وبالتالي، فإن ثورات "الربيع العربي" هو دليل على نشاط وحيوية هذه المجتمعات وتأملاتها المستقبلية، بينما كان وما يزال "ثبات" النظم التقليدية الملوكية استمرارا لتقاليد الاستبداد الشامل. الأمر الذي جعلها دوما وما يزال مرتعا للمؤامرة والانحطاط الأخلاقي والسياسي والقومي. فدول الجزيرة العربية استبدادية مطلقة بالمعنى السياسي والاجتماعي. من هنا تخلفها المريع وكراهيتها المطلقة لفكرة الحرية والمصالح القومية العربية العليا.

وقبل ذلك، حالما جرى إسقاط الحكم الاستبدادي المطلق للصدامية، بأثر الغزو والاحتلال الأمريكي، الذي أكثر من ساهم به والتحضير له على مدار عقدين من الزمن (الحرب العراقية – الإيرانية، والحصار الشامل لاحقا بأثر غزو الكويت) السعودية ودول الخليج نفسها، نراها تبدأ بالتخطيط والعمل على تخريب مساعي الحرية الآخذة بالنمو في عراق ما بعد الاحتلال. طبعا، ان مساهمتها في "تحرير" العراق تحت بيارق الغزو الامريكي كان امرا لابد منه بالنسبة لهذه الدويلات المخصية. لكنها مع ذلك تحسست بفعل الغريزة، الخطر الكامن في النظام السياسي العراقي الجديد. من هنا استعانتها بالفكرة الطائفية والمذهبية لكي تكون غلاف الصراع ضد الحرية. ولا يخلو هذا الموقف من تحسس فعلي للواقع الجديد. وبالتالي، أصبح الصراع ضد الشيعة والتشيع مادة التخريب وأداة المواجهة الشرسة، وجرى استذكار الصيغ الموضوعة والمشوهة والمبتذلة لتقاليد "أهل السنّة والجماعة" عما يسمى "بالروافض" و"الصفوية"، و"المجوسية"، و"مؤامرات" الشيعة وشخصية العلقمي ما شابه ذلك. أما السبب الفعلي فيقوم في تحوّل شيعة العراق إلى القوة الحاملة للفكرة الديمقراطية والاجتماعية والوطنية والعربية. واستطاعت السعودية وقوى الخليج الأًخرى إلى تأليب "أهل السنّة" في العراق ضد الحكم الجديد. مع إنهم لم يكونوا بحاجة للتأليب، وذلك لأن الفكرة الطائفية السياسية السنيّة "الجديدة"، كانت محكومة (وما تزال) بنفسية ضياع السلطة. فالنظام الانتخابي والديمقراطي يجعل الشيعة بالضرورة القوة الحاكمة، بغض النظر عن طبيعة احزابها السياسية الحالية (والتي يتسم اغلبها بضيق الافق والأنانية والدناءة وضعف الأخلاق والعقل). من هنا يمكن فهم حالة الاستنفار الارهابي الشنيع وتمويله من جانب السعودية وقطر والإمارات والكويت. وهذا بدوره لم يكن إلا الصيغة الجديدة لتقاليد الانقلابات العسكرية، التي كان يخطط لها ويقودها ويموّلها انجلترا والولايات المتحدة، وينفذها "أهل السنّة" على امتداد تاريخ العراق السياسي الحديث!! إن هذ الظاهرة المعقدة نسبيا، كانت من حيث الجوهر نتاجا لنفسية وذهنية الاستبداد بالسلطة. من هنا توافقها مع مساعي دويلات الخليج المخصية "باسم العروبة" المزيفة. إلا أن الصراع العنيف ونتائجه قد أدت إلى هزيمة هذه القوى بمعايير الفكرة المستقبلية. ومن ثم تحوّلها إلى جزء من الماضي المنقرض. لكن رصيدها "التاريخي" مازال فاعلا ما لم يجر تذليل الخلل والإعاقة العقلية والأخلاقية الكامنة في مصادره التاريخية والفكرية ونماذجه السياسية.

فالتاريخ العربي، كان في أغلبه زمن الاستبداد. وما وضعه الكواكبي في "طبائع الاستبداد" يكشف عن حيوته لحد الآن بسبب بقاء حالة الاستبداد بل واستفحالها المدعوم بأموال البترودولار أو مال الصدفة الغبية! وبالتالي، فإن نقد الاستبداد مازال مهمة فردية واجتماعية ووطنية وقومية وثقافية كبرى. الأمر الذي يجعل من الضروري تتبع ونقد مصادره ومظاهره في كافة المجالات والمستويات. لاسيما وأن الاستبداد في العالم العربي متغلغل في كل مسام الوجود والوعي، بدأ من الحرف والكلمة، وانتهاء بالنظم السياسية والقيم الاجتماعية والاخلاقية، والقواعد القانونية، والعقائد والأديان، والايديولوجيات والأحزاب، والأذواق والعادات، والملائكة والشياطين، والأئمة والله! باختصار في كل شيء!

غير ان الاستبداد السياسي يبقى في نهاية المطاف القوة المحددة لأغلب مظاهره. وهذا بدوره ليس معزولا عن استعداد "الوعي الجماهيري" أو وعي العوام للانسياق وراء أوهام "القوة" و"العظمة" للاستبداد نفسه. غير أن مفارقة هذه الظاهرة تقوم ليس في الطابع المستلب لهذا النوع من الوعي الجماهيري، بل وبأثر البطش الظاهري والباطني للاستبداد نفسه الذي جعل الانسان والجماعة أشبه ما يكون بنشارة الحديد المندفعة صوب مغناطيس القوة والبطش، أي صوب مغناطيس الاستبداد نفسه. وليس مصادفة أن نسمع صياح وعياط ونواح أيتام الاستبداد نفسه بعد إعدام الطاغية صدام حسين، أو كما نراه في بعث شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي لكي "يلّقن اهل العراق" ما يستحقونه من التعذيب والسجن والقتلّ. حيث ظهرت آنذاك الكثير من الكتابات المدافعة عن "مآثر" الحجاج! ولم يكن هذا في الواقع سوى الوجه الآخر لسيادة أو بقاء العبودية السياسية وأخلاق العبيد. اذ عثر على كتابات تحتوي على عباراتمثل "ليت الحجاج برجع الآن للعراق ليدعوا أصحاب العمائم السود والبيض وقواد جيوشهم ورعاعهم إلى المسجد ليعيد مخاطبته إياهم: "أنا ابن جلا وإطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني"، و"يا أهل العراق! يا أهل الشقاق والنفاق"، واستكمالا بعبارات مثل "استوثقوا واستقيموا، واعملوا ولا تميلوا، وتابعوا وبايعوا، واجتمعوا، واستمعوا، فليس منّي الإهدار والإكثار وإنمّا هو هذا الِسّيف". وبعضهم ينادي الله بعبارة "اللهم اعطنا حجاجا أو أبعث الحجاج من قبره وأرسله إلى العراق الآن، لأن العراق بحاجة قصوى لحجاج". كما ظهر من قال وسيقول نفس الكلام عن زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، والقذافي، وعلي عبد الله صالح..... ففي هذه العبارات النموذجية تنعكس نفسية وذهنية العبودية المترسخة في أعمق اعماق "المثقفين" وأمثالهم من مرتزقة السلطة.

يعكس هذا النمط من الثقافة والمثقفين تقاليد ما اطلقت عليه الثقافة الاسلامية القرّاء السفهاء، وعلماء السوء، والمأجورين وغيرها من الاوصاف. وعموما هي "ثقافة الجهل والجهلاء". وجميعها يشير إلى حقيقة جلية وهي إن أنصاف المتعلمين، ومرتزقة الثقافة منهم بالأخص هو جزء، وقد لا يكون صغيرا، من بقايا ثقافة الانحطاط والعبودية الصلفة، أي تلك الثقافة المنحطة التي يمكن اعتبار الحجاج الثقفي احدى امثلتها "النموذجية" الكبرى.

***

إن الظهور السريع لشخصية الحجاج الثقفي على مسرح الزمن السياسي للأموية وانهياره المريع أمام التاريخ الروحي للكينونة العربية الثقافية يعكس أولا وقبل كل شيء طبيعة الانقلاب الحاد والعاصف من الخلافة إلى الملك (الملوكية)، أي من إمبراطورية الدولة الإسلامية الى إمبراطورية السلطة القبلية. وقد لازم هذا التناقض الأموية واستحكم في أعماقها حتى النهاية. وهي نهاية كانت محكومة ببدايتها. فقد كانت الأموية النموذج الصارخ لافتعال الفتنة والعيش بمعاييرها. من هنا صراخها الداخلي الذي جعل الحياة وما فيها ولولة وعويل. مما طبع كل مظاهر حياتها بابتسامة الموت الشاحبة. مع ما يترتب عليه من سيادة القلق الداخلي وتناثره المرعب في الأعصاب والأنساب!

فقد كانت الأموية النموذج التاريخي للحالة التي تحوّل فيها القلق إلى سيد المواقف. وليست هذه الحالة معزولة عن سيادة زمن السلطة. وفيها يمكن رؤية الصعود السريع والهبوط المريع، لأنهما كلاهما من هوية واحدة، هي هوية الزمن العابر، وانعدام التراكم الطبيعي. وقد استمدت هذه الحالة مقوماتها وآلية فعلها من طبيعة وكيفية الصعود الأموي للسلطة، مما جعل من السلطة بداية ونهاية الوجود الفعلي لكل شيء.

ومن مفارقات التاريخ الغريبة أن يكون مولد الحجاج بن يوسف الثقفي عام 41، أي في "عام الجماعة"! فمن الناحية الفعلية لم يعن "عام الجماعة" سوى تتويج "الإجماع" بخيانة مضمونه الحقوقي. وهو المعنى الذي اخمد كل الاحتمالات الرمزية للوفاق الاجتماعي الحر بوصفه توفيقا للعقل والوجدان. كما أنها المقدمة التي جعلت من فكرة "الجماعة الإسلامية" فكرة عبودية، بوصفها الصيغة اللاهوتية لفكرة الاستبداد السياسي المميزة للأموية. وفيها ينبغي البحث عن مصادر الإرهاب الشامل الذي ميز شخصية الحجاج وعبوديته التامة للسلطة الأموية. مما جعل منه سبيكة لا مثيل لها في تمثيل الاستبداد. مع ما ترتب عليه من انتهاك شامل لفكرة الحق والحقوق والإنسانية. بمعنى تجسيده لفكرة المسخ والممسوخ الثقافية التي تجعل من الإعدام أسلوب الوجود الحق! وليس مصادفة أن تكون عقوبة الصبر (الإعدام) هي الأكثر قربا إلى نفسية وذهنية الحجاج الغريزي! حيث تشترك المعطيات التاريخية في إبراز الكمية الهائلة من البشر الذين تعرضوا إلى عقوبة الإعدام، إضافة الى عدد السجناء والمشردين والمنفيين والمجبرين على التنقل والهرب والإقامة الجبرية. ويوصل بعض المؤرخين عدد من أعدمهم أبان حكمه للعراق والمشرق الى مائة وعشرين ألفاً. إضافة الى خمسين ألفا ممن توفي في السجون1 .

وقد استخدم الحجاج أساسا أسلوب القتل السريع بقطع الرقاب. لكنه استعمل أيضا كل ما وصلت إليه قريحته وخياله المريض، بما في ذلك مختلف أساليب التعذيب. ومن تتبع مختلف أساليبه التي تشير اليها كتب التاريخ يمكن التوصل إلى "استفادته" من تجارب الدول والأمم جميعا. بحيث جعل أحيانا من التعذيب أسلوبا للترفيه و"الكرم" المريض كما نراه على سبيل المثال في القصة المروية عن استعمال الحيوانات الضارية في تنفيذ عقوبة الموت. حيث أطلق على لص أسد جائع بعد أن شد يد اللص اليمنى وأعطاه السيف ليمسكه بيده الأخرى (وهي أيضا طريقة للتعذيب والترهيب، باعتبار اليمنى اليد العملية، أما اليد الأخرى فهي مجرد اضافية!). وقد تمكن اللص من قتل الأسد، مما دفع الحجاج للإفراج عنه. وهو إفراج لا علاقة له بفكرة الحق. ومن ثم لم يكن الحق والحقوق بالنسبة للحجاج (والأموية عموما) سوى القصاص المقرون بالرغبة الفردية للحاكم. وهو واقع يعطي لنا إمكانية القول، بأنه لم توجد في الفترة الأموية فكرة إسلامية عن الحق والحقوق، باستثناء مرحلة عمر بن عبد العزيز. بل أن انعدامها اللاحق هو استمرار للأموية التي بذرت بذورها الأولى العفانية (من عثمان بن عفان).

وتمم ذلك بسلسلة من الإجراءات القمعية التي صنعت أحد أشد وأعنف النظم القمعية والإرهابية في التاريخ العراقي. إذ ربط في كل واحد أساليب القتل والتعذيب والقمع والإكراه. بحيث لم يرحم حتى الأطفال والعجائز والشيوخ2 . وجعل من مدينة واسط عاصمته من تحدي المعارضة. بحيث جعل الدخول إليها تحت رقابة أمنية مشددة. بمعنى الدخول إليها بموافقة رسمية!

لم تكن شخصية الحجاج القمعية فريدة من نوعها بقدر ما أن نموذجيتها تقوم في "تهذيب" منظومة الإرهاب والقمع إلى أقصى درجاتها الممكنة وتقديمها على أنها الصيغة المثلى لفكرة الدولة والأمة والدين. الأمر الذي "حرره" من كل التزام أخلاقي وقانوني. وضمن هذا السياق كان الحجاج التجسيد التام للرغبة الأموية الدفينة، أي للصيغة المطلوبة من جانب "الارستقراطية" القرشية التي وجدت في الحجاج الثقفي مهمة "تثقيفها"!، أي جعلها أكثر حدة في قدرتها على العقاب الشامل والقتل الكيفي. إذ نراه يدفع أساليب من سبقوه، وبالأخص زياد بن أبيه إلى ذروتها، بما في ذلك أساليبه الأخرى مثل تتبع ومعاقبة أهل المعارضين وأقربائهم وغيرها من الأساليب.

لقد جعل الحجاج من العراق سجنا كبيرا لأهله. وصمم كل ما من شأنه تفعيل طاقة وأساليب السجن الكيفي والأحكام العرفية، بحيث أوصل البعض عدد السجناء الذين خرجوا منه بعد موته الى ثمانين ألفا، ثلاثين منهم من النساء. وجعل من الجماعات أفرادا مجزأة. ودفع بالتجزئة الظاهرية صوب استكمالها الباطني من خلال تحويل السخرة الى "نظام" مقبول، أي جعل من السلطة مالكة "البلاد والعباد"، كما نراه على سبيل المثال في جعله السخرة أسلوبا في تنفيذ مشاريعه "العمرانية".

لم يكتف الحجاج بتحويل العراق الى سجن، بل وانهمك في بناء السجون الكبيرة. وتنقل كتب التاريخ عنه بناءه لأحد اكبر السجون في الكوفة، بحيث جعله بدون سقوف وغرف. ومن ثم تحويله الى مكدس للسجناء. وقد اختلفت روايات المؤرخين للأعداد التي خرجت منه بعد موته، إلا أنها تجمع على أن عددهم لم يقل عن عشرين ألف سجين. بينما يوصله البعض الى مائة وعشرين ألفا، بما في ذلك أعداد كبيرة من النساء. ومهما يكن من العدد المشار إليه أعلاه إلا انه يعكس حجم ونوعية الإرهاب والقمع الذي مارسه الحجاج. وقد يكون هناك بعض التهويل في العدد، وبالأخص تجاه النساء، إلا أنها معطيات لا تتعارض من حيث الرؤية النقدية لممارسة الحجاج مع الواقع. فقد وسع الحجاج مختلف أساليب الإبادة الجماعية التي اتبعها زياد بن أبيه، بما في ذلك قتل وإعدام النساء.

ويمكن اعتبار الحجاج الثقفي من بين اوائل من فكر واهتم ونفذ أساليب السيطرة الشاملة التي تقترب مما ندعوه اليوم بالنزعة التوتاليتارية في الحكم. ووجد ذلك تعبيره في وضعه لقواعد الحياة العامة والخاصة، أي التدخل في شئون المجتمع والأفراد بالشكل الذي يحيّد أية إمكانية لتجميع القوى والمعارضة. لهذا نراه يمنع التجمهر. بل بلغ به الأمر انه كان يمنع الناس من الركوب مترادفين، وألزم كل رجل أن يركب وحده. وبلغ به الاستهتار حدا بحيث اخذ يفرض عيش الجنود عند العائلات بدلاً من عيشهم في ثكنات ومعسكرات خاصة بهم.

أما ما يسمى بمشاريعه العمرانية، فإنها لم تكن في الواقع سوى أحد أساليب تشديد القمع، الامر الذي نراه في خرابها السريع وتدميرها لفكرة العمران والاقتصاد. وذلك لأن مشاريعه "العمرانية" كانت مجرد أدوات ومسامير في جهاز القمع والإرهاب المنظم. وهو السبب القائم وراء أساليب السخرة في "البناء". فالسخرة إرهاب. وفي الحصيلة لا تفعل إلا على تخريب الروح والجسد الاجتماعي والاقتصادي. وليس مصادفة أن تؤدي أساليبه في تسخير الفلاحين (النبط بشكل خاص) إلى تخريب الزراعة والري. بحيث انخفض الإنتاج الزراعي إلى درجات مريعة في حكم الحجاج. والتعويض الوحيد كان يجري عبر "الفتوحات" أي الغزو المنظم للخارج. وهي المفارقة التي يمكن رؤيتها في الجدل الفكري والسياسي بين قواد الجيش والمعارضة التي اكتملت لاحقا في تمرد ابن الأشعث3 .(يتبع.....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

1- المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي: مروج الذهب و معادن الجوهر، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1991، ج3، ص187.

2- الأبشيهي، شهاب الدين محمد بن أحمد: المستطرف في كلّ فنٍ مستظرف، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1989م، ج1، ص82-83.

3- مقارنة سريعة: إننا نعثر في شخصية صدام حسين على ما يمكن دعوته بتناسخ الأرواح. فقد استعمل نفس أساليب الحجاج في قمع المعارضة، وقتل وسجن وتهجير الملايين، وجفف الاهوار، ودمر الزراعة، وانهارت كل مشاريعه "العمرانية" و"خططه الانفجارية"، التي فجّرت العراق من الداخل. لقد أراد صدام، شأن الحجاج، تعويض خسائره الاقتصادية المريعة باحتلال الكويت للتعويض عنها. غير إن صدام ليس الحجاج، كما انه ليس عامل إمبراطورية كبرى في بداية قوتها الصاعدة. مما يبرهن مرة أخرى على الخلاف بين النسخة الاصل والمقلدة. فالأخيرة تبقى، مهما سعى صاحبها لتلوينها، مجرد نسخة باهتة. لأنها بلا معاناة! وكما أدى سلوكه الإرهابي والقمعي إلى ثورات وتمرد في العراق لم ينته إلا بانتهاء الأموية وإزالة آثارها ومحوها من الواقع والذاكرة العراقية، كذلك الحال بالنسبة لصدام. فقد تحول الى "هدّام"، واخيرا جرى نسف قبره بحيث لم بيق له أثر في العراق غير ذاكرة تمقت كل ما فيه.

***

 

ميثم الجنابيلقد تبلورت شخصية داوود الطائي (ت-165 للهجرة) بين عوالم اليأس والرجاء، أي بين ضغط العالم الواقعي المليء بالرذيلة الباعثة على التخلي عما فيه، بوصفها الحالة الملازمة للقلوب النقية والوجدان العارم. لكن السقوط في اليأس هو عين الاندثار الخائب، اي الفاقد للمعنى. كما انه يتعارض مع احد الأفكار والمبادئ الجوهرية للإسلام المعارضة لليأس والقنوط. فاليأس والقنوط ضروريان لتهذيب الإرادة وما دعته الصوفية بانتصاب القلب في طلب الحق. ولا يمكن بلوغ ذلك دون الرجاء أو الأمل المتنور بأضواء الحقيقة، والذي نعثر عليه في إحدى العبارات الجميلة والعميقة التي قال بها داوود الطائي:"اليأس سبيل أعمالنا هذه، لكن القلوب تحّن إلى الرجاء".وما بينهما تكاملت شخصيته وفردانية مساره الفكري والروحي.

ولد داوود بن نصير الطائي في الكوفة. ثم رحل إلى بغداد وأخذ عن علماء وفقهاء عصره بمن فيهم أبو حنيفة النعمان. غير ان تأثره الأكبر كان بزهاد عصره مثل الحسن البصري ومتصوفة زمانه كإبراهيم بن ادهم. وبعد عودته إلى الكوفة اعتزل الناس واختلى بمكابداته ومعاناة إشكاليات عصره بمعايير الروح. واحتل، شأن كل متصوفة زمانه، موقعه المناسب لصيرورة وتكامل الفكرة الصوفية. وما وراءها كانت تتراكم أيضا مختلف الصور والانطباعات التي أضفت عليه هالة من السمو الأخلاقي والرفعة المعرفية. فقد قال عنه احد أقرانه:"لو كان داوود في الأمم الماضية لقص الله شيئاً من خبره". كما كان سفيان الثوري يعظمه ويقول "أبصر داوود أمره". بينما قال عنه ابن المبارك" هل الأمر إلا ما كان عليه داوود!". بينما حصر سفيان بن عيينة شخصيته بوصفه أول "من جمع بين العلم والعمل". وقال عنه بهذا الصدد "كان داوود ممن فقه ثم علم ثم عمل ثم أقبل على العبادة، وتخلى ولزم الصمت". بينما يورد بن السماك هذه المحارة التي جرت مرة بينهما، اذ قال له ابن السماك:

- لو جالست الناس!

- إنما أنت بين اثنين، بين صغير لا يوقرك، وبين كبير يحصي عليك عيوبك. إنما الزاهد من قدر فترك.

في حين وصفه أبو نعيم الأصفهاني بعبارة ظاهرية تقول :"رأيت داود الطائي وكان من أفصح الناس وأعلمهم بالعربية. يلبس قلنسوة طويلة سوداء"، أما شخصيته الباطنة فوضعها بالعبارة التالية: "أبصر معتبرا، وسبق مبتدرا، وتشمر منتصبا، وانتظر مرتقبا"، و"أفناه الفرق وألهاه القلق". الأمر الذي جعله، شأن اغلب المتصوفة، إشكالية بأثر الخلاف النوعي الذي حققه بذاته لذاته عما هو حوله. وقد أجاد ابن السماك في تصوير هذا الجانب بعباراته القائلة:"إن داوود نظر بقلبه إلى ما بين يديه فأعشى بصر قلبه بصر العيون. فهو يبصر ما تبصرون، وهو لا يبصر ما تنظرون إليه. تتعجبون منه وهو يتعجب منكم". "كان حيا وسط موتى"، و"كل ما كان يقوم به في الظاهر هو على عكس ما يظنه الآخرين".

يعكس هذا الخلاف الظاهري لداوود الطائي عمن حوله جوهر الخلاف الباطني عما هو ظاهر في كل من الرؤية والموقف والحياة. وجوهر الخلاف لا يقوم في التعارض والاختلاف بينهما بقدر ما يقوم في تكامل الوجود الصوفي بالوجد الصوفي، اي تكامل النفس عبر نفيها بمعايير النفي الصوفي، أو التكامل الذاتي بمعايير الوجد الصافي. وقد كانت الخلوة أو الانعزال الصوفي هو طريق البداية أو توبة الأبد التي تجعل من مهمة التركيز الذاتي أسلوب تكامل الشخصية بمعايير العلم والعمل. فهو من بين الأوائل الذين أسسوا لسلوك الخلوة بوصفها انتقالا من العلم النظري إلى العلم العملي. وضمن هذا السياق يمكن فهم سلوكه عندما توصل إلى حقيقة الإدراك الذاتي لماهية العلم والمعرفة بوصفهما طريقا للعمل. فعندما بلغ هذه المقام المعرفي دفعه صوب الاجتهاد الذاتي بوصفه حالا جوهريا. من هنا يمكن فهم موقفه عندما رمى كتبه في نهر الفرات بعد رجوعه إلى الكوفة. فهو سلوك الاجتهاد الحر، اي المتحرر من بطون ومتون الكتب عبر وضعها على محك السلوك الفردي، أو وضع السلوك الفردي على محك الحقيقة. فعندما يبلغ المرء الحد الضروري من المعرفة، فان البقية عمل لا غير. والعمل هنا هو علم ولكن من طراز آخر، يبدأ بالخلوة وينتهي بحال الحرية الأبدية. من هنا قوله "كفى باليقين زهدا، وكفى بالعلم عبادة، وكفى بالعبادة شغلا".

اذ للخلوة العلمية أثرها الخاص في التأمل العميق، بحيث نرى انعكاسها في كل أحواله وموقفه. فعندما قال احدهم له:

- يا أبا سليمان ألا تسرح لحيتك؟ فأجابه

- أنا عنها مشغول!

ووصف محمد بن الحسن التقاءه بداوود الطائي قالا:"أتيت داوود الطائي لأسلم عليه، فقعدت على باب الحجرة، وقلت له:

- أنت وحدك هاهنا رحمك الله؟ فأجابه:

- رحمك الله وهل أنس اليوم إلا في الوحدة والانفراد؟!".

وعندما قيل له مرة في الوحشة، أجاب:"حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا". وتوصل بأثر هذه الممارسة إلى القول:"توحش من الدنيا كما تتوحش من السباع"، وان يطالب في موقف آخر قائلا:"فر من الناس فرارك من السبع، فإنه ما خالط الناس أحد إلا نسي العهد". ومن هنا أيضا قوله "صم الدنيا واجعل الفطر موتك. واجتنب الناس غير تارك لجماعتهم"[1]، أو أن يختتم كل هذه المعاناة الجوهرية للأنا المتصيرة بمعايير الحق بفكرة تقول "اجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطر على الموت". ووجد ذلك انعكاسه في تلك اللحظة التي صورها ابن السماك عندما صوف حالة داود الطائي في موته قائلا:"وجدنه في بيته على التراب وتحت رأسه لبنة[2]. وهي الصورة التي أيدها عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي في شهادته على حال داوود الطائي في موته قائلا:"دخلت على داود الطائي في مرضه الذي مات فيه وليس في بيته إلا دن يكون فيه خبز يابس، ومطهرة، ولبنة كبيرة على التراب يجعلها وسادة وهي مخدته".

لقد كانت حالة موته الخاتمة المتجانسة لدخول الطريق والخروج منه. فقد قيل عن إن سبب دخوله التصوف هو انه سمع امرأة تنوح، إي سماع الوجد الخالص للوجدان برنينه على أوتار عالمه الروحي الآخذ في التصّير، بوصفه طريقه الخاص في بلوغ الحق. فقد كان التجرد عن رق الاغيار، كما تقول المتصوفة، هو أسلوب كل من يدخل طريق الحق. كما انه أسلوب لا صغيرة فيه ولا كبيرة، بمعنى مساواة الكل بالكل. وهي الذروة الروحية والأخلاقية التي ينبغي أن تذلل كل جوانح النفس الهائجة من اجل الهدوء في حضن الحق. فهي السكينة الوحيدة القادرة على شحذ الوجدان بغليان الروح الباحث عن المعنى. فعندما دخل عليه مرة محمد بن بشر، فوجده يأكل الخبز بدون ملح، فقال له:

- لو أكلته بملح!

- إن نفسي لتدعوني إلى الملح منذ سنة! ولا ذاق داود ملحا ما دام في الدنيا![3]

ومن المعروف عنه انه كان يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز. فقيل له في ذلك فأجاب:"بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية"[4]. بينما ينقل لنا أبو حنيفة عنه هذه الحادثة الطريفة. فقد قالت مولاة له:

- يا داوود! لو طبخت لك دسمًا

- افعلي!

فطبخت له شحمًا ثم جاءته به، فقال لها:

- ما فعل أيتام بني فلان؟

- على حالهم!

- اذهبي به إليهم!

- فديتك إنما تأكل هذا الخبز بالماء.

- إني إذا أكلته كان في الحش، وإذا أكله هؤلاء الأيتام كان عند الله مذخورًا.

وقد وصف أبو سليمان الداراني الحالة العامة لداوود الطائي قائلا: ورث داوود من أمه دارًا فكان ينتقل في بيوت الدار كلما تخرّب بيت من الدار انتقل منه إلى آخر ولم يعمره حتى أتى على عامة بيوت الدار. كما ورث من أبيه دنانير فكان يتقوت بها حتى كُفّن بآخرها. وليس مصادفة ان يرد يوما على رجل دخل عليه فقال له:

- إن في سقف بيتك جذع مكسورا

- ابن أخي! أنا لي في البيت منذ عشرين سنة ما نظرت إلى السقف[5].

إننا نقف هنا أمام إحدى الصيغ النموذجية لتربية الإرادة وتقويمها بمعايير الروح الأخلاقي، والتأمل العملي لمعنى الوجود الفردي والعام من اجل بلورة نوعية الهموم العميقة والالتزام بنتائجها. من هنا قوله "لو أملت أن أعيش شهرا لرأيتني قد أتيت عظيما. وكيف أؤمل ذلك وأرى الفجائع تغشى الخلائق في ساعات الليل والنهار؟[6]. وبالتالي، فإن "من خاف الوعيد قصر عليه البعيد، ومن طال أمله ضعف عمله. وكل ما هو آت قريب...". وضمن هذا السياق يمكن فهم معنى وحقيقة قوله "إن أهل الدنيا جميعا من أهل القبور". وإن الإنسان الحق هو الذي يتحرر من ذل المعاصي، أي ذاك الذي تتكامل فيه حقيقة المعنى الأخلاقي للوجود، كما في قوله "ما أخرج الله عبدا مِن ذلّ المعاصي إلى عزّ التقوى إلاّ أغناه بلا مال، وأعزّه بلا عشيرة، وآنسه بلا بَشَر". وهو المعنى الباطن ومن ثم الحقيقي الذي تتكامل فيه الشخصية الصوفية، أي تلك التي بلورت التقاليد الصوفية حدودها في الفكرة القائلة، بأن حقيقة التصوف ومن ثم المتصوف تقوم في بذل الروح. من هنا قول داوود الطائي عن أن سيماء المرء ليس في وجهه بل في عمله وسرّه. الأمر الذي يستلزم منه دوما أن "لا يحسد الأخيار ولا يعيب الأشرار، ولا يقبل من السلطان عطية ولا من الأمراء هدية"[7].

إن هذا التجرد المتسامي يعكس ما يمكن دعوته بوحدة الخوف والرجاء أو التحدي والأمل.ووضع داوود الطائي هذه العلاقة الكامنة في صيرورته الصوفية بعبارة تقل الذاتية "اليأس سبيل أعمالنا، ولكن القلوب تحن إلى الرجاء"[8]. وحددت هذه الوحدة المتناقضة، أو بصورة أدق هذه الوحدة الحية للمتناقضات الأفكار الجوهرية التي ادخلها للتصوف وهي كل من فكرة العلم والعمل، وفكرة القلب المهموم، وفكرة الأحوال ووحدتها.

فقد شكلت فكرة العلم والعمل المقدمة الجوهرية للطريق الصوفي والفكرة الصوفية بشكل عام. وبالنسبة لداوود الطائي فقد تراكمت في مجرى التأمل النظري والأخلاقي للمعرفة. اذ أدت به التجربة العقلية التي بلورها اهتمامه الأول بالفقه والكلام وعلوم اللغة والأدب إلى ما أعتقده ذروة المعرفة، بمعنى إدراك الحد الضروري الفاصل بين كمية العلوم والمعارف وحقيقة المعرفة بوصفها تحقيقا للحقيقة. وتوصل في مجرى تجربته الفردية إلى ان حقيقة العلم هي عمل، وحقيقة العمل هي علم. الأمر الذي دفعه في أول أحواله العميقة بهذا الصدد بعد رجوعه إلى الكوفة ان يجمع كتبه ويرميها في نهر الفرات. بمعنى الوقوف عند الحد الضروري الذي يستلزم تحويل العلم إلى عمل. فعندما سأله مرة احد الأشخاص عن مسألة، أجابه: "أليس المحارب إذا أراد أن يلقى الحرب أليس يجمع له آلته؟ فإذا أفنى عمره في جمع الآلة فمتى يحارب؟ إن العلم آلة العمل، فإذا أفنى عمره فيه فمتى يعمل؟!". ولا يعني ذلك بالنسبة لحال داوود الطائي سوى الانتقال من تقاليد العقل النظري إلى العقل العملي المهموم بمعايير القلب الزاهد والمتلون بأشعة التصوف. من هنا صعود فكرة القلب والعمل بها، أو ما أسميته بمرجعية القلب المهموم. ووجد ذلك انعكاسه في الأقوال والأعمال والمواقف الحياتية. اذ ينقل عنه كون بيته كان دارا واسعة خربة، بلا باب. وعندما قيل له:

- أنت في دار وحشة. فلو اتخذت لبيتك بابا.

- حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا[9].

بينما نسمعه مرة يقول عن نفسه "كيف يتسلى من حزن، مم تتجدد عليه المصائب في كل وقت؟"[10]. وليست هذه العبارة سوى الصيغة المباشرة والمكثفة عن فكرة الهمّ الموحد، كما في قوله "اللهم همّك عّطل عليّ الهموم، وحال بيني وبين السهاد". وأن "كل نفس ترد إلى همتها، فمهموم بخير ومهموم بشرّ". وبالتالي، فان البديل الأسمى هنا هو العامل حسب قواعد الفكرة التي بلورها بعبارة تقول "ما اخرج الله عبدا من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه بلا مال، واعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس"[11]. وليس مصادفة ان تكون حياته الظاهرية كمية من الطرائف الرقيقة بمعايير القلب المهموم. اذ ينقل عنه، على سبيل المثال، انه في ليلة مقمرة تفكر فقام فمشى على السطح وهو شاخص حتى وقع في دار جاره. فوثب صاحب البيت عريانا من الفراش، فاخذ السيف ظنا انه لص. فلما رأى داوود رجع فلبس ثيابه ووضع السيف، واخذ بيده حتى رده إلى داره. وعندما قيل له بذلك، قال "ما دريت" أو "ما شعرت"[12]. ومن المعروف عنه انه ورث عن أمه أربعمائة درهم فمكث يتقوت بها ثلاثين عاما. فلما نفدت جعل يأخذ من سقف البيت ما يبيعه حتى بقي في نصف سقف[13]. وفي إحدى المرات شاهده شخص وهو بجبة مخرقة، فقال له:

- لو خطتها!

- أما علمت انه نهى عن فضول النظر؟![14]

وقال احدهم جئت إلى داود الطائي فسمعته يخاطب نفسه، فظننت أن عنده إنسانا يكلمه. فتوقفت طويلا، ثم استأذنت بالدخول عليه، فقال:

- ما بدا لك من الاستئذان علي؟

- سمعتك تتكلم فظننت أن عندك إنسانا تخاصمه!

- لا! ولكن كنت أخاصم نفسي[15]

و مرض مرة فقالوا له:

- لو خرجت إلى روح يفرح قلبك!

- إني لاستحي من ربي أن انقل قدمي إلى ما فيه راحة لبدني[16].

وعندما قال له مرة احد الأشخاص

- كيف تقرأ هذا الحرف؟ (فلما تراءى الجمعان) أو (ترى الجمعان)

- غير هذا انفع منه[17].

وعندما سأله شخص عن حديث نبوي فأجابه:"دعني! إنما أبادر خروج نفسي".

إن هذا التنوع في المواقف يعكس وحدة الهموم الداخلية أو ما أسميته بمرجعية القلب المهموم، الذي تتحول فيه كل مظاهر الوجود والموقف منها إلى جزء من تأمل الحقائق الكبرى والعيش بموجبها. الأمر الذي عادة ما يؤدي إلى الغربة الغريبة عما هو حوله رغم اندماجه الجوهري فيها. وهي الحالة التي عادة ما تلازم وجد ووجود كل أولئك "الغرباء" في السلوك الظاهر. مع ما يترتب عليه من اتهامهم بالخرافة والجنون. فقد قال البعض عنه "كنا في البداية نضحك منه، ونعتقد انه مجنون. فما مات حتى سادنا"[18].

لقد كان "جنون" الطائي هو عين اليقظة الباطنية بوصفها الأشعة المتلازمة شأن ألوان قوس قزح. وفي ألوان سلوكه تتوحد ما يمكن دعوته بالأنا المتكاملة بذاتها. وهذه بدورها مسار لا ينقطع ولا يتقطع من وحدة الأحوال التي بلور داوود الطائي معالمها النظرية الأولية، حما نراها في فكرته عن قهر النفس بأضدادها مثل قهر الكلام بالصمت، والشهوة بالخلوة، والتقليد بالتفكر. فقد كان داوود الطائي، كما ينقل عنه، شديد الانقباض يعالج نفسه بالصمت. وكان قبل ذلك كثير الكلام. فأخرجته تلك المعاملة إلى التفكر. وبالتفكر ملك نفسه. وبهذا يكون داوود الطائي من بين أوائل المتصوفة الذين أرسى أسس الصيغة أولية لفكرة الأحوال مثل الخوف والرجاء، وهموم القلب، والانهماك الدائم في الآن الدائم، أي فكرة الوقت بوصفه حالا، وكذلك فكرة بصيرة الاعتبار، أي الصيغة العقلانية الأخلاقية لفكرة الحدس.

وبهذا يكون قد استكمل ما هو مستعد له، بحيث تسامت شخصيته في المخيال الاجتماعي الى درجة قال بها احدهم: رأيت الليلة التي مات بها داوود الطائي نورا وملائكة صعودا، وملائكة نزولا. فقلت:

- أي ليلة هذه؟ (فسمع صوتا يجيبه)

- ليلة مات فيها داود الطائي! وقد زرفت الجنة لقدوم روحه[19].

فالأرواح المتسامية لكبار المتصوفة تبقى حية في جنة العوام و"جنون" الخواص، بوصفها السبيكة المحيرة والمثيرة للتأمل الحي والإبداع الحر.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص343.

[2] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص340.

[3][3] الغزالي: الإحياء، ج4، ص407.

[4] الغزالي: الإحياء، ج4، ص409.

[5] الغزالي: الإحياء، ج4، ص409.

[6] الغزالي: الإحياء، ج4، ص456.

[7] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص336.

[8] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص359.

[9] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص343.

[10] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص356.

[11] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص356.

[12] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص358.

[13] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص346.

[14] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص352.

[15] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص350.

[16] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص355.

[17] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص357.

[18] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج7، ص360.

[19] القشيري: الرسالة القشيرية في التصوف، ص178.