 دراسات وبحوث

التذكية بالطرائق الحديثة.. دراسة فقهية مقارنة (1)

خلاصة البحث:

1- لا يحل لحم الحيوان البرّي إلّا إذا تمت تذكيته بطريقة خاصة وشرائط معينة نصَّ الشارع المقدس عليها.

2- تباينت آراء فقهاء المسلمين في الشرائط المعتبرة لتذكية الحيوان البري، فذهب الامامية الى اعتبار (إسلام في الذابح، وأن تكون آلة الذبح من الحديد، وأن يُستقبل بالحيوان القبلة، والتلفظ بالتسمية المقصودة، وفري الأوداج الاربعة)، في حين لم يشترط فقهاء المذاهب الأخرى إسلام الذابح، واستقبال القبلة، و الحديد في آلة الذبح.

3- اتفق جميع فقهاء المسلمين المعاصرين على حلية التذكية بالطرائق الحديثة إذا ما تحققت فيها شرائط الذبح المعتبرة، وكل بحسب ما اعتبره من شرائط.

 

Summary

1- It is not permissible to eat wild animal meat unless slaughtered in a special way and certain conditions legislator Bible text on them.

2- Muslim jurists were varied views him of considered conditions for the slaughter of wild animals, Imami went to be regarded as (Islam of the slaughterer, and be machine slaughter of iron, and animals must be to the point of the Kaaba, and uttering the name of God, and cut the four members), while the other of doctrines jurists not required Islam of the slaughterer, the point of the Kaaba, and iron in the slaughter machine.

3- All contemporary Muslim jurists agreed on the permissibility of slaughter by modern machines if the requirement achieved of the prestigious slaughter.

 

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسلام على سيد المرسلين أبي القاسم محمد (صلى الله عليه وآله)، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد..

فإنَّ أوامر السماء ونواهيها صادرة عن ذاتٍ محيطة عالمة بما تُحِلّ وتحرِّم على الإنسان من طعام وشراب وفق ما تقتضيه مصلحته ودوام بقائه على هذه البسيطة، فمن المعلوم أنَّ الطعام والشراب فيهما قوام بدن الإنسان واستمراريته، وشحنة نشاطه وطاقته، وفي الوقت نفسه فإنَّ هذا البدن له ارتباط قوي الصلة بالنفس؛ ولذا فلا ريب أنَّ الجسد إذا ما بُني على الحلال الطيب من الطعام فسيكون له التأثير الطيب على النفس وفعالياتها الأخلاقية، والعكس بالعكس.

قال الإمام الصادق ع(: «...إنَّ اللَّه سُبْحَانَه وتَعَالَى... خَلَقَ الْخَلْقَ وعَلِمَ عَزَّ وجَلَّ مَا تَقُومُ بِه أَبْدَانُهُمْ ومَا يُصْلِحُهُمْ فَأَحَلَّه لَهُمْ وأَبَاحَه تَفَضُّلاً مِنْه عَلَيْهِمْ بِه تَبَارَكَ وتَعَالَى لِمَصْلَحَتِهِمْ وعَلِمَ مَا يَضُرُّهُمْ فَنَهَاهُمْ عَنْه وحَرَّمَه...»1، ومن هنا فالشريعة المقدسة لم تُحِلّ ولم تحرِّم أصنافًا من الطعام والشراب جزافًا أو من غير عِلّة؛ وإنما لما لها من أثر إيجابي أو سلبي على صحة الإنسان وخُلُقه، ولعل هذا الأثر يستشعره الإنسان المؤمن ويتلمّس وجوده في بدنه ونفسه أكثر من غيره. فهو يشعر بالسعادة والنشوة النفسية إذا ما تناول الطعام الطيّب المعروف المصدر والمكسب، على عكس ما لو عَلِم بحرمة مصدر الطعام ومكسبه، فستراه منقبض الشهية مكتئب النفس لا يستلذ بما يأكل، ولعل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)2 فيه إشارة إلى ذلك؛ لعلمه -سبحانه- بأثر الطعام الطيّب على نفوس المؤمنين، بل بأثره على الناس كافة، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)3 إذ الأمر موجّه للناس كافة بأكل الطيّب من الطعام، الذي تستلذه النفس ولا تتنغّص به.

لم يحرّم القرآن الكريم من الأطعمة، إلّا الميتة ولحم الخنزير والدم، ولحوم الحيوانات غير المذكّاة أو ما أُهِلَّ به لغير الله، (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ...)4 فظاهر الآية عام بتحريم الميتة سواء من الحيوان مأكول اللحم أو من غيره، وسواء ميتة البر أو ميتة البحر. قال الجصاص: «الميتة في الشرع اسم للحيوان الميت غير المذكّى، وقد يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لآدمي فيه، وقد يكون ميتة لسبب فعل آدمي إذا لم يكن فعله فيه على وجه الذكاة المبيحة له»(5) وتعليل التحريم يأتي في آية أخرى- في قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ...)6 إذ وصف -سبحانه- هذه الأصناف المحرّمة بأنها رجس وفسق؛ لما فيها من أضرار مادية تؤثر في صحة بدن الإنسان وروحه، أولاً؛ لكونها تكتنز كثيراً من الأمراض، وثانياً؛ لأنَّ فيها جانب معنوي يؤثر في الإنسان من الناحية الأخلاقية، ويؤيده ما جاء في إجابة الإمام الصادق (ع) حينما سُئل عن عِلّة تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، فقال: «...أمَّا الْمَيْتَةُ فَإِنَّه لَا يُدْمِنُهَا أَحَدٌ إِلَّا ضَعُفَ بَدَنُه ونَحَلَ جِسْمُه وذَهَبَتْ قُوَّتُه وانْقَطَعَ نَسْلُه ولَا يَمُوتُ آكِلُ الْمَيْتَةِ إِلَّا فَجْأَةً وأَمَّا الدَّمُ فَإِنَّه يُورِثُ آكِلَه الْمَاءَ الأَصْفَرَ ويُبْخِرُ الْفَمَ ويُنَتِّنُ الرِّيحَ ويُسِيءُ الْخُلُقَ ويُورِثُ الْكَلَبَ(*)والْقَسْوَةَ فِي الْقَلْبِ وقِلَّةَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ حَتَّى لَا يُؤْمَنَ أَنْ يَقْتُلَ وَلَدَه ووَالِدَيْه ولَا يُؤْمَنَ عَلَى حَمِيمِه ولَا يُؤْمَنَ عَلَى مَنْ يَصْحَبُه...»7، ومثله روي عن الإمام الرضا (ع) قول: «... وحُرّمت الميتة؛ لما فيها من فساد الأبدان والآفة، ولما أراد الله عز وجل أن يجعل تسميته سبباً للتحليل وفرقاً بين الحلال والحرام. وحَرّم الله عز وجل الدم كتحريم الميتة؛ لما فيه من فساد الأبدان، ولأنه يُورِثُ الْمَاءَ الأَصْفَرَ ويُبخر الفم ويُنتن الريح ويُسيء الخُلُق ويُورِث القسوة للقلب وقلة الرأفة والرحمة حتى لا يُؤمَن أنْ يقتل والده وصاحبه»8.

ومن هنا كانت غايتي في اختيار موضوع البحث، للوقوف على مصادر اللحوم المجمّدة التي غرقت بها أسواق المسلمين، والتي يشوبها الشك والشبهة من حيث طريقة تذكيتها ومدى تحقق الشروط الشرعية المعتبرة فيها، فانتظم في مبحثين، خُصّص الأول منها للتعريف بالتذكية الشرعية وبيان شروطها وأحكامها، وخُصّص الآخر لعرض طرائق التذكية الحديثة وآراء فقهاء المسلمين فيها، ثم خرج البحث بخاتمة تضمنت أهم ما رشح عنه من نتائج.

التذكية لغةً واصطلاحًا

أولًا: التذكية لغة: الذكاء في الشيء، إتمامه، ومنه الذكاء في الفهم: أن يكون فهمًا تامًّا سريع القبول، وكذا في السِّن والذبح، فهو تمام السِّن والذبح. وكل ذبح ذكاة، وتذكية الحيوان البرِّي أن تدركه وفيه بقية تشخب معها الأوداج وتضطرب اضطراب المذبوح الذي أدركت ذكاته9، قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ...10. والذي يظهر من المعنى اللغوي أنَّ الذكاةَ ذبحٌ مخصوص، لا كلَّ ذبحٍ، فهو خاص بطريقة معينة للحيوان البرّي الحي، فلا يُعد ذبح الحيوان الميّت –بأي سبب من الأسباب- أو نجس العين، ذكاةً، وإنْ كان بالطريقة المنصوص عليها شرعًا.

 ثانيًا: التذكية اصطلاحًا

اختلفت تعريفات فقهاء المسلمين للتذكية الشرعية؛ تبعًا لمبانيهم الفقهية في كيفية الذبح وشروطه، ومن هذه التعريفات:

1- التذكية عند فقهاء الإمامية

لم أجد تعريفًا منطقيًا للتذكية عند متقدمي فقهاء الإمامية، ولكن الذي يُستشف من فتاويهم، والمنسوب إلى مشهورهم، أنّ التذكية عبارة عن فري -قطع- المسلم بآلة من حديد للأعضاء الأربعة، والأعضاء الأربعة، هي: الحلقوم، وهو مجرى النفس دخولًا وخروجًا، والمريء، وهو مجرى الطعام والشراب، والودجان، وهما عرقان في صفحتي العنق يحيطان بالحلقوم، ويقال للحلقوم والمريء معهما: الأوداج11.

أمّا من المعاصرين فقد عرّفها السيد البجنوردي (ت: 1395هـ) بأنها: «عبارة عن فري الأوداج الأربعة من مسلم بآلةٍ من حديدٍ مُسمِّيًا موجِّهًا إلى القبلة»12 ثم بيّن أنَّ «أثرها في الحيوان المحلَّل الأكل، أمران: طهارة أجزائه، وحِلِّية أكله، وفي الحيوان المحرَّم الأكل، طهارة بدنه وأجزائه فقط، وأما حرمة أكله فذاتية لا تزول، وأما الحيوان نجس العين كالكلب والخنزير البرّيان فالمحل غير قابل للتذكية»13.

وعرّفها السيد الخميني (ت: 1410ه)، بأنها عبارة عن: «إزهاق الروح بكيفية خاصة معتبرة في الشرع، أي فري المسلم الأوداج الأربعة متوجّهًا بالحيوان إلى القبلة، ذاكرًا عليه اسم الله، مع قابلية الحيوان لها»14، وكان من الممكن أن يكتفي السيد بذكر عبارة «إزهاق الروح بكيفية خاصة معتبرة في الشرع» لكنه بيّن أنَّ هذه الكيفية الخاصة تتحقق بالشروط الشرعية المنصوص عليها، إضافة إلى قابلية المحل.

وعرّفها الدكتور فتح الله، بـ : السبب (الشرعي) لحلِّية أكل لحم الحيوان المأكول اللحم15 .

2- التذكية عند فقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى

عرّفها ابن العربي (ت: 543هـ)، بأنها: «عبارة عن إنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور عليه، مقرونًا ذلك بنية القصد إليه، وذكر الله تعالى عليه»16. ويَرِد عليه أنه تعريف غير جامع وغير مانع، إذ لم يحدد نوع الحيوان المراد تذكيته، ولا أهلية الذابح، كما أنَّ شروط الكيفية ناقصة.

وعرّفها خليل الجندي (ت: 767هـ) بـ : «قطع مُميِّزٍ يُناكِح تمام الحلقوم والودجين من المقدم بِلا رفعٍ قبل التمام»17. ولا يخفى ما في هذا التعريف من قصور عن الجمع والمنع أيضًا، فهو وإنْ حدّد الذابح بالمميِّز وأخرج غيره من الأهلية، إلّا أنه لم يبين نوع الحيوان المذبوح، ولا تمام شروط الكيفية.

أمّا أرجَحُ التعريفات السابقة، فيبدو أنّ تعريف الدكتور أحمد فتح الله أرجحها إذا ما أضيف له (والانتفاع بأجزاء غير مأكول اللحم إلّا الكلب والخنزير)؛ لأنّ قوله: (السبب الشرعي) شامل لجميع شروط التذكية الشرعية، وإن اختلفت مباني الفقهاء، ومن كِلا الفريقين.

شروط التذكيـة الشرعيــة

حدد فقهاء المسلمين –ومن كلا الفريقين- شروطًا معينة للتذكية الشرعية بناءً على ما جاء من نصوص قرآنية، أو مما رُوي عن المعصوم ع، فإنْ لم تتحقق هذه الشروط –ولو شرطًا واحدًا- حَرُمت الذبيحة، ولا يجوز أكلها. ولأجل معرفة مدى تحقق هذه الشروط على الذبح بالطرق الحديثة أو عدم تحققها، لابدّ من ذكرها والوقوف على آراء فقهاء المسلمين فيها.

أولًا: عند فقهاء الإمامية

اتفق فقهاء الإمامية على شروط عامة أوجبوا تحصيلها في تحقق التذكية الشرعية، مستندين في ذلك إلى سنّة المعصوم ع المبيِّنة والمفصِّلة لأحكام القرآنن الكريم.

 أما الشروط التي استخلصوها من الروايات فهي:

1- إسلام الذابح: إذ ذهب مشهور فقهائهم –لاسيما المتأخرين منهم- إلى اشتراط الإسلام أو حُكمه(*) في الذابح، فلا يتولاه الوثني والكافر، وإن كان من كفار المسلمين كالمرتد والغالي والناصبي –الذي ينصب العداء لأهل البيت عليهم السلام-، وكذلك أهل الكتاب18. ومستندهم في ذلك ما روي عن المعصومين عليهم السلام، منها: صحيحة سليمان بن خالد قال: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه ع عَنْ ذَبِيحَةِ الْغُلَامِ والْمَرْأَةِ هَلْ تُؤْكَلُ فَقَالَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُسْلِمَةً وذَكَرَتِ اسْمَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ عَلَى ذَبِيحَتِهَا حَلَّتْ ذَبِيحَتُهَا وكَذَلِكَ الْغُلَامُ إِذَا قَوِيَ عَلَى الذَّبِيحَةِ وذَكَرَ اسْمَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهَا وذَلِكَ إِذَا خِيفَ فَوْتُ الذَّبِيحَةِ ولَمْ يُوجَدْ مَنْ يَذْبَحُ غَيْرُهُمَا»(19) إذ اشترط الإسلام في المرأة، ولا ريب أنَّ اشتراطه في الرجل أولى؛ لأنّ الأصل في تولي هذا العمل مُوكلٌ إليه.

غير أنَّ ابن أبي عُقَيل (ت: 267هـ)، وابن الجُنيد (ت: 381هـ) شذّا في عدم اعتبار هذا الشرط، وقالا بحِلّية ذبائح أهل الكتاب مطلقًا(20)، في حين قيّدها الشيخ الصدوق (ت: 383هـ) بسماع التسمية منهم أثناء الذبح، وهو ما ذهب إليه السيد الروحاني -من المعاصرين- أيضًا، بعد أن أفاض البحث في الأدلة عليه(21).

2- أن تكون آلة الذبح من الحديد، ولا خلاف بين الإمامية في ذلك، فلا تصح التذكية إلّا به مع التمكن منه، لما جاء في صحيحة حسن بن مسلم «سألت أبا جعفر ع عن الذبيحة بالليطة والمروة(*)، فقال: لا ذكاة إلّا بحديد»22، وصحيحة حسن الحلبي عن أبي عبد الله(ع) «سألته عن ذبيحة العود والحجر والقصبة، فقال: قال علي ع: لا يصلح إلّا بحديدة»23... وغيرها من الأحاديث. أما إذا تعذّر وجود الحديد وخيف فوت الذبيحة جاز بأي شيء يفري أعضاء الذبيحة، لما ورد عن زيد الشحّام: «سألت أبا عبد الله ع عَنْ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِه سِكِّينٌ أيَذْبَحُ بِقَصَبَةٍ فَقَالَ اذْبَحْ بِالْقَصَبَةِ وبِالْحَجَرِ وبِالْعَظْمِ وبِالْعُودِ إِذَا لَمْ تُصِبِ الْحَدِيدَةَ إِذَا قَطَعَ الْحُلْقُومَ وخَرَجَ الدَّمُ فَلَا بَأْسَ»24.

3- أن يُستقبَل بالحيوان القبلة حين الذبح، بحيث يكون مقاديم بدنه -نحره وبطنه- مستقبل القبلة مع الإمكان إلّا إذا كان الذابح ناسيًا أو جاهلًا، ومع عدم التمكن –لتردّي الحيوان او استعصائه- يكفي صدق الاستقبال ولو كان الحيوان واقفًا ويكون رأسه ومقاديم بدنه إلى القبلة؛ لمقتضى إطلاق النصوص25، منها ما جاء عن محمد بن مسلم، أنه سأل الإمام الباقر ع عنن الذبيحة، فقال: «استقبل بذبيحتك القبلة...»26، وعن الحلبي أنَّ الإمام أبي عبد الله الصادق (ع): «سُئل عن الذبيحة تذبح لغير القبلة، قال: لا بأس إذا لم يتعمّد...»27.

4- التسمية المقصودة من الذابح، أي يعمد إلى ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة أثناء الذبح، فلا تجزي التسمية الاتفاقية؛ لما ثبت بالنص القرآني، وتأكّد بقول المعصوم (ع)، قال تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ...)28، وقال: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ...)29، فإنْ تعمّد الذابح تركها حَرُمت الذبيحة، فإنْ لم يكن ملتفتًا ونسى ذكرها لم تحرم30، لرواية الحلبي عن أبي عبد الله(ع)، أنه سُئل: «...عن الرجل يذبح فينسى أنْ يسمِّي، أتؤكل ذبيحته؟ فقال: نعم إذا كان لا يُتّهم، وكان يحسن الذبح...»31، وعن محمد بن مسلم قال: «...وسألته عن رجل ذبح ولم يُسمِّ، فقال: إن كان ناسيًا فليُسمِّ حين يذكر، ويقول: بسم الله على أوله وعلى آخره»32.

5- فري الأوداج الأربعة، وهي: (الحلقوم، وهو مجرى النفس، والمريء، وهو مجرى الطعام والشراب ومحله تحت الحلقوم، والودجان، وهما عرقان كبيرانن أمام العنق في طرفيه محيطان بالحلقوم والمريء). وتحديد الفري بهذه الأعضاء متفق عليه بين المسلمين33؛ لما ورد من أخبار عن المعصوم(ع)، منها: عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: «سألت أبا إبراهيم (ع)عن المروة والقصبة والعود يُذبح بهن إذا لم يجدوا سكينًا؟ قال: إذا فرى الأوداج فلا بأس بذلك»34.

ثانيًا: عند المذاهب الإسلامية الأخرى

يتفق فقهاء المذاهب الإسلامية مع فقهاء الإمامية في وجوب إحراز تذكية الحيوان البرّي مأكول اللحم بفري أوداجه الأربعة، مصحوب بنيَّة القصد إليه، والتسمية(*). إلّا أنهم اختلفوا معهم في آلة الذبح، واستقبال القبلة، وأهلية الذابح. فقالوا:

1- يشترط أن تكون آلة الذبح حادة، قاطعة بحدِّها لا بثقلها، سواءً كانت حديدًا، أم حجرًا، أم خشبًا، أم زجاجة...إلخ، إلّا السِّن والظفر، فإن ذُبِح بهما حرمت الذبيحة، ودليلهم فيه عموم حديث رافع بن خديج، بجواز التذكية بكل ما أنهر الدم إلّا السِّن والظفر35، قال: «قلت يا رسول الله أنّا لاقوا العدو غدًا وليست معنا مُدًى، قال صلى الله عليه وسلم: أعجِل أو أرني ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل، ليس السِّن والظفر، وسأحدثك: أما السِّن فعظم، وأما الظفر فمُدَى الحبشة...»36.

2- توجّه الذابح والذبيحة نحو القبلة من سُنن الذبح -أي من المستحبات- ، لاسيما في التضحية37؛ «لأنَّ القبلة جهة معظّمة وهي أشرف الجهات، والتذكية عبادة، وكان الصحابة إذا ذبحوا استقبلوا القبلة، ولأنَّ النبي صلّى الله عليه وسلم لما ضحّى، وجَّه أضحيته إلى القبلة، فإن لم يستقبل ساهيًا أو لعذر، أُكِلت»38.

3- أمّا الذابح، فيجب أن يكون مميزًا عاقلًا، مسلمًا، أو كتابيًا-ذميًا أو حربيًا أو من نصارى بني تغلب- قاصدًا التذكية، ولو كان مكرهًا على الذبح، ذكرًا أو أنثى. فلا يصح ذبح غير المميز والمجنون والسكران، ولا تؤكل ذبيحة المشرك والمجوسي والوثني والمرتد، ودليلهم في حلّية ذبائح أهل الكتاب عموم قوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ...)39؛ لأنهم فسّروا طعام أهل الكتاب بـ (ذبائحهم)40، وعلّله بعض الأحناف بأنه «لو لم يكن المراد ذلك، لم يكن للتخصيص بأهل الكتاب معنى؛ لأنَّ غير الذبائح من أطعمة الكفرة مأكول، ولأنَّ مطلق اسم الطعام يقع على الذبائح كما يقع على غيرها؛ لأنه اسم لما يتطعم والذبائح مما يتطعم فيدخل تحت إطلاق اسم الطعام»41.

كما استدل بعض المعاصرين على الحِلِّية بحديث (الشاة المسمومة) المروي في الصحاح عن أنس بن مالك: «أنَّ يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فأكل منها فجيء بها فقيل: ألَا نقتلها؟ قال: لا. قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم»42. بدعوى أنه لو لم يحل أكل ذبائح أهل الكتاب، لما أكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هذه الشاة43.. ولا ريب أنَّ هذا الاستدلال يكون قويًا وواردًا فيما لو كانت الرواية صحيحة ومتفق عليها بين الفريقين، ولكن هذا الأمر غير متحقق.

تجدر الإشارة إلى أنَّ فقهاء المذاهب الإسلامية وإن أحلّوا ذبائح أهل الكتاب بالعنوان العام، إلّا أنهم اختلفوا في تفاصيل شروط الحلِّية، ومن ثم تخصيص عموم آية الحل، وهو ما يصلح للرد على مَن يُشكل عليهم بأنَّ من طعام أهل الكتاب ما هو محرّم في الإسلام كالخنزير، والميتة ...وغيره. ومنه قولهم:

أ‌-  إن كانت ذبائحهم يسمونها لله تعالى فهي حلال، وإن كان لهم ذبح آخر يسمون عليه غير اسم الله تعالى مثل اسم المسيح، أو يذبحونه باسم دون الله تعالى، لم يحل هذا من ذبائحهم؛ لأنَّ الشيء قد يُباح مطلقًا وإنما يُراد بعضه دون بعض44.

ب‌- ألّا يغيب الكتابي حال ذبحها عن المسلم، فإن غاب لم تؤكل، قال ابن راشد: القياس أنه إذا كان يستحل الميتة لم تؤكل ذبيحته، ولو لم يغب عليها؛ لأنَّ الذكاة لابدّ فيها من النيّة، وإذا استحل الميتة فكيف ينوي الذكاة؟45، أي أنه لا يؤمَن منه صدق النيّة، ولا صدق قوله، فقد يكون قد قتل الحيوان ومن ثم ذبحه.

ت‌- ألّا يكون ما ذبحه الكتابي مما حرّمه الله على المسلمين بعينه كالخنزير، أو أنَّ الكتابي أزهق روح الحيوان بطريقة غير شرعية كالخنق، والضرب، وما في معناه لقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ...4647.

آداب الذبـــــــــــــح

 الآداب التي أوصت الشريعة بمراعاتها في الذبح، منها ما هو مستحب ومنها ما هو مكروه، يمكن إجمال بعضها في النقطتين الآتيتين48:

- النقطة الأولى: مستحبات الذبح

1- يستحب في ذبح الغنم أن تربط يداه ورجل واحدة، ويمسك صوفه أو شعره حتى يبرد، وفي ذبح البقر أن تعقل يداه ورجلاه ويطلق الذنب، وفي الإبل أن تربط أخفافها إلى آباطها وتطلق رجلاها هذا إذا نحرت باركة أما إذا نحرت قائمة فينبغي أن تكون يدها اليسرى معقولة، وفي الطير يستحب أن يرسل بعد الذباحة. ومستنده ما ورد في الروايات، منها: حسنة حمران بن أعين، عن أبي عبد الله ع، قال: «سألته عن الذبح، فقال: إذا ذبحت فأرسل ولا تكتّف، ولا تقلب السكين لتدخلها من تحت الحلقوم وتقطعه إلى فوق، والإرسال للطير خاصة... وإن كان شيء من الغنم فأمسك صوفه أو شعره، ولا تمسكن يدًا ولا رجلًا، وأما البقر فأعقلها وأطلق الذنب، وأما البعير فشد أخفافه إلى آباطه وأطلق رجليه...»49 .

2- تحديد الشفرة، وسرعة القطع، وألّا يُري الشفرة للحيوان، ويمر السكين بقوة وتحامل ذهابًا وعودًا، ويجدّ في الإسراع؛ ليكون أرخى وأسهل، لرواية شداد بن أويس، قال: «ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليُرِح ذبيحته»50. ولرواية سالم بن عبد الله عن أبيه، أن النبي (صلى الله عليه وآله) «أمر بحد الشفار، وأن تُوارَى عن البهائم، وإذا ذبح أحدكم فليُجهِز»51.

يشار إلى أنَّ الأبحاث الطبية الحديثة أثبتت أنَّ طريقة الذبح اليهودية والإسلامية هي أسرع في إماتة الحيوان وخروج روحه، ومن ثم لا تُحدِث أيَّ تأثير من القسوة؛ لأنَّ السكّين الحاد وسرعته، والقطع يُؤدّى بمهارةِ رجلٍ مدَرَّب، يتسببان بإحداث نزيف شديد بعد قطع الأوعية السباتية (بالرقبة)، الأمر الذي يتبعه هبوط سريع جداً في ضغط الدم بشرايين المخ؛ ولهذا يحدث نقص الأوكسجين نتيجة قلة الإمداد من الدم إلى أنسجة المخ، فيحدث فَقد الوعي في الحال.. وقد أثبتت دراسة أجريت بجامعة هانوفر، ونشرت بمجلة الطب البيطري الألمانية عدد فبراير سنة 1984م، أنَّ رسم المخ المقام لأعداد مختلفة من العجول والخراف يتوقف -أي فقدان الوعي تمامًا- بعد الذبح الحلال بـ (4-6 ثوان) فقط، و لا ألم بعد ذلك. في حين لا تثبت النتائج نفسها عند استخدام المسدس، إذ يبقى الألم و يستمر فترة أطول إلى ما بعد الذبح. كما أوضح العالم الألماني (البروفيسور شولتز) أن طريقة الذبح الحلال الإسلامي أو اليهودي، غير مؤلمة للحيوان إذا تمت بطريقة صحيحة، وقد ثبت أنه لا علاقة مطلقاً بين حركة الحيوان العنيفة بعد الذبح وبين إحساس الحيوان بالألم إذا كانت السكين المستخدمة حادة، إذ أنها مثل أن يُجرح إنسان بسكين مطبخ فلا يشعر بهذا الجرح إلّا بعد حين52.

3- أن يستقبل الذابح القبلة، وأن يُساق الحيوان إلى الذبح برفق، وأن يُضجع برفق، ويعرض عليه الماء قبل الذبح. وألّا يحركه إلّا بعد الذبح، ولا يجرّه من مكان إلى آخر، بل يتركه إلى أن تفارقه الروح.

النقطة الثانية: مكروهات الذبح

1- نخع الذبيحة، وهو أن يبلغ بالسكين النُخاع -الخيط الأبيض وسط الفقار- فيقطعه، أو يقطعه قبل موتها. لرواية محمد الحلبي، عن أبي عبد الله(ع) قوله: «لا تنخع الذبيحة حتى تموت، فإذا ماتت فانخعها»53، وعنه –الحلبي- عن الإمام الصادق(ع) أنه سئل «عن رجل ذبح طيرًا فقطع رأسه، أيؤكل منه؟ قال(ع): نعم ولكن لا يتعمد قطع رأسه»54.

2-إيقاع الذبح ليلًا؛ لما روي أنه (صلى الله عليه وآله) نهى عن الذبح ليلًا؛ ولرواية أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله(ع)، قال: «كان علي بن الحسين (ع) يأمر غلمانه أن لا يذبحوا حتى يطلع الفجر، ويقول: إنَّ الله تعالى جعل الليل سكنًا لكل شيء، قلت: جعلت فداك فإن خفنا؟ قال: إن كنت تخاف الموت فاذبح»55.

3- إيقاعه يوم الجمعة إلى الزوال، لرواية الحلبي عن أبي عبد الله ع قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكره الذبح وإراقة الدم يوم الجمعة قبلل الصلاة إلّا عند الضرورة»56.

4-أن يذبح الحيوان صبرًا، وهو أن يذبحه وحيوان آخر ينظر إليه، لرواية غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله(ع): «أنَّ أمير المؤمنين(ع) قال: لا تذبح الشاة عند الشاة، ولا الجزور عند الجزور وهو ينظر إليه»57.

 

د. حميدة الأعرجي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3825 المصادف: 2017-02-24 06:45:47