 دراسات وبحوث

الأشباح والأرواح (4): المثقف والسلطة.. صراع الأبد!

mutham aljanabi2إن تلازم الثقافة الحقيقية والمثقف الحقيقي بقدر المعاناة الدائمة والدائبة هو الوجه الآخر لمساعيهما الجوهرية من اجل تحرير العقل والضمير من سلطة الأشباح بشكل عام والسلطة بشكل خاص. كما أنه التلازم الذي يصب من حيث المبدأ والغاية في اتجاه تأسيس مرجعية العقل الثقافي الحر، أي العقل الذي يحتوي بقدر واحد على قواعد المنطق المجرد وتمثل تجارب الأمة في كيفية حل إشكاليات وجودها التاريخي في مستوياته الطبيعية (الدولة والأمة) والماوراطبيعية (العقائد الكبرى والقيم). حيث تجد هذه المستويات انعكاسها بهذا الصدد فيما أسميته بأنماط البحث عن النسب المثلى لعلاقة الثقافة والمثقف بالسلطة في كل من النماذج الذهنية – الثقافية العامة، وتمظهرها التاريخي، وتحقيقها الفردي.

إذ تبرهن تجارب الأمم والثقافات الحية تبرهن على أن طريق العقل الفلسفي هو الوحيد القادر على رصف "الصراط المستقيم" بمكونات القوة والمتانة، كما انه الطريق القادر على جعل التراكم الثقافي منظومة حية في وعي الذات التاريخي. كما تبرهن التجارب التاريخية للأمم أيضا على أن السير في طريق العقل الفلسفي هو الفعل الأكثر درامية في فصل الانتقال التاريخي صوب منظومة العقل الثقافي. وبالتالي الأكثر تعقيدا من حيث تأسيسه النظري والعملي، وذلك لأنه يفترض انجاز النفي المنظومي لأنماط التفكير والذهنية السائدة والمفاهيم والقيم والأحكام والعادات والتقاليد. وفي مجرى هذا الانتقال تبرز بصورة حادة وجلية مختلف مظاهر ومستويات العلاقة الفعلية وإشكالاتها المتنوعة بين المثقف والسلطة.

إن المقدمة التي تجعل من طريق العقل الفلسفي طريق "الاستقامة" الفعلية في ميدان الثقافة، تقوم في قدرته على تمثل تجارب الأمم وإعادة إنتاجها من خلال رصفها في منظومة الرؤية النقدية والواقعية تجاه الإشكاليات التي تواجهها الدولة والأمة. بمعنى إعادة تكثيف تجارب التاريخ بمعايير المنطق. ومن ثم اختصار زمن التعلم الضروري وتمديد القدرة البشرية على الغوص في أعماق الماضي. إذ تقرّب هذه العملية المستقبل وتجعله في متناول الممارسة العملية مع كل خطوة كبرى في مجال توسيع وتدقيق منظومية الرؤية الثقافية. وفي هذا تكمن ضمانة توسع وترسخ الرؤية النقدية ومن ثم إضعاف وتذليل نفسية الرؤية الأسطورية واللاهوتية والتقليدية. وهي عملية تاريخية مديدة لكنها متواصلة تصنع بصورة موضوعية مقدمات وآلية إضعاف السلطة وتقوية الثقافة. وذلك لأنها تعمل من حيث المبدأ بآلية التراكم الثقافي. ومن خلاله تؤسس لقيمة المنظومة في وعي الذات التاريخي.

وشأن كل تأسيس لقيمة المنظومة لا يمكن صنعه بين ليلة وضحاها، وذلك لأنها عملية معقدة بفعل ارتباطها بالمنحى التاريخي لتطور الدولة والثقافة والأمة. وبما أن هذا المنحى عادة ما يتصف بالتعرج والالتواء في دروب الصعود والهبوط، والارتقاء والسقوط، والانتصار والهزائم، من هنا طابعه المركب في كيفية تأسيس منظومة وعي الذات. لكنه يبقى مع ذلك الطريق الوحيد والواقعي لصنع ما أسميته بالعقل الثقافي. كما انه الوحيد القادر على رسم معالم وحدود "الصراط المستقيم" في الوعي التاريخي القومي. إذ لا يعني "الصراط المستقيم" هنا سوى الصيغة الأكثر تجريدا ونموذجية للمفاهيم والقيم الجوهرية المتراكمة في مجرى التعرج التاريخي المذكور أعلاه. ومن ثم فهو احد النماذج المثالية للعقل الثقافي في رؤيته للماضي والمستقبل. كما أنه عقل تتجدد مهمته التاريخية مع كل تجدد للمرجعيات الثقافية الكبرى في العلم والعمل.

إن العقل الثقافي للأمة هو عملية تراكم يحدد قيمتها وفاعليتها وأثرها التاريخي، بما في ذلك بالنسبة لوعي الذات، كمية ونوعية منظوماتها المرجعية، أي كمية ونوعية المنظومات الفكرية ومستوى تمثلها للمرجعيات الثقافية للأمة. والمقصود بنوعية هذه المنظومات، ما إذا كانت يسير أغلبها من حيث التأسيس والكفاءة صوب تأسيس العقل النقدي الفلسفي أو اللاهوتي. والتجارب التاريخية للأمم، بما في ذلك تجاربنا (الأمة العربية) تبرهن على درامية هذه العملية. لكن تجاربنا القومية استطاعت إنجاز الانتقال التاريخي الأعقد من بنية ما قبل الدولة إلى الدولة، ومن المعشر إلى الأمة، ومن الثقافة الشفوية والحكمة العملية إلى حكمة المنظومات الفكرية، عبر إرساء أسس الفكرة الوحدانية وواحدية الثقافة المتسامية. كما نعثر عليه في تلك العملية التي رافقت انجاز المهمة الأولية الكبرى للانتقال بفكرة الدولة من السلطوية إلى الراشدية، وفكرة المعشر من القوم والعرق إلى الأمة الثقافية.

وفي مجرى هذه العملية التاريخية النموذجية والفريدة أيضا من نوعها في التاريخ العالمي استطاعت الأمة العربية الإسلامية في غضون قرون عديدة من معاناة حلها لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة أن تنجز انتقالها التاريخي صوب منظومة العقل الثقافي. بمعنى انجاز الصيغة الأولية والضرورية لتأسيس العقل النقدي الفلسفي. وهو تغير وتجديد نوعي ارتبط بفكرة الإسلام الوحدانية، التي استطاعت تأسيس منظومة أصيلة في تعاملها مع إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة. وبالتالي أرست أسس جديدة لأنماط من التفكير، وصناعة ذهنية تناسبها لها مدارسها في مختلف ميادين الحياة والمعرفة، وبلورة مفاهيم وقيم توافقها، ومن ثم هذبت وشذبت الماضي وتقاليده من خلال رفعه إلى مصاف العلاقة الروحية بين السلف (الصالح) والخلف. وضمن هذا السياق استطاعت الثقافة العربية الإسلامية أن تبدع منظوماتها ونماذجها الخاصة على مستوى العلم والعمل والأشخاص في تحديد طبيعة العلاقة الممكنة والواجبة بين المثقف والسلطة.

لقد أبدعت الثقافة العربية الإسلامية صيغا جديدة ومتنوعة للعلاقة المتبادلة بين المثقف والسلطة. وهي علاقة لا تخلو، كما هو الحال بالنسبة للثقافات الكونية، من تأثير نوعية الحضارة. من هنا ترابط التمايز الثقافي والانتماء الموحد لمرجعيات الحضارة الإسلامية. وضمن هذه العلاقة تبلورت مختلف نماذج المثقف الإسلامي. بمعنى إمكانية العثور فيها على نموذج المثقف الأديب، والمتكلم، والفقيه، والمتفلسف، والمتصوف، وغيرهم. وأرتبط هذا التمايز بنوعية وكمية المدارس المتخصصة. وفي نفس الوقت تجمعهم مرجعيات الانتماء الحضاري. وفي هذه الثنائية المبدعة تراكمت منظومات الفكر وفردانية الإبداع. بمعنى إننا نقف أمام تجربة فريدة في التنوع المتجانس في وحدته. من هنا الاحتراف العميق والموسوعية، والتمايز الغريب والجمعية، بوصفه الانجاز الأكبر الذي كان يحدد أيضا علاقة المثقف بالسلطة والسلطة بالمثقف، بوصفها الصيغة العملية والحياتية لكيفية تحقيق وتجسيد القيم والمفاهيم التي أبدعتها الثقافة الإسلامية في مختلف ميادينها.

وبغض النظر عن وجود كل الصيغ المميزة للعلاقة المتبادلة بين السلطة والمثقف، إلا أنها كانت تتراكم أيضا في ميدان ما أسميته بالعقل الثقافي وإعادة إنتاجه. فهو الميدان الذي كانت تتجسد فيه مستويات النماذج الذهنية – الثقافية العامة، وتمظهرها التاريخي، وتحقيقها الفردي. وقد اختمرت هذه المستويات في إبداع المبدعين ونوعية اختصاصهم نماذج متنوعة لعلاقة المثقف بالسلطة. بمعنى إننا لا نستطيع العثور على نموذج موحد، لكنها كانت تسير في اتجاه تأسيس قيمة العلم والمعرفة المستقلة عن السلطة. وقد حكمت هذه النتيجة طبيعة العلاقة بينهما عبر إدراك العلاقة الواجبة بين السلطة والحقيقة! وعادة ما يؤدي هذا الإدراك بالمثقف الحقيقي إلى شفا الخلاف مع السلطة دون أن يعني ذلك ضرورة الخلاف معها، كما يوصله إلى ضرورة الهروب منها من اجل تقوية الإرادة والبقاء ضمن حيز اليقين الصادق. ومن هاتين الظاهرتين كانت تتراكم عظمة الإبداع الكوني للثقافة العربية الإسلامية ومثقفيها ومأساتهم الجميلة أيضا.

مما لا شك فيه، أن المأساة لا ضرورة لها بحد ذاتها، لكنها تبقى جزء من مصادر الإبداع الكبير. ولكي يبلغ الإبداع معناه العملي في نقل انجازات العقل الثقافي إلى عالم الدولة والسلطة، فانه يواجه بالضرورة مهمة إيقاف الصراع الدموي بين السلطة والمثقفين مع الاحتفاظ الدائم باختلافهما.

فالخلاف والاختلاف بين السلطة والمثقف يستمدان مقدماتهما من طبيعة التباين والاختلاف الملازمين لوجود السلطة والحقيقة. من هنا استحالة اندماجهما وتكاملهما المطلق. وسبب ذلك لا يقوم فقط في طبيعة التطور التاريخي والسياسي للمجتمعات والدول فقط، بل وفي خصوصية السلطة والحقيقة. فقوة السلطة نسبية بينما قوة الحقيقة مطلقة، وجبروت السلطة عرضة للزوال، بينما جبروت الحقيقة في تزايد، والسلطة عرضة للشيخوخة بينما الحقيقة حية ناظرة، والسلطة لا تعيش بدون قيود فيها ولها ومنها وبها، بينما الحقيقة لا تتقيد بغير منطقها الذاتي، والسلطة تعتاش على الجمود وتنمو فيه بينما الحقيقة تموت فيه وتخبو، والسلطة عادة ما تنهمك في صنع أوهام السيطرة بينما الحقيقة تحطم الأوهام وتصنع اليقين، وغاية السلطة السيطرة والقهر بينما غاية الحقيقة الحرية والإخلاص. وهو واقع عادة ما يثير "غيرة" السلطة في محاولاتها بلوغ قهر الحقيقة من اجل بلوغ التحكم التام والكامل في كل شيء! لكنها ممارسة تؤدي في الأغلب إلى التدمير الذاتي. فإذا كان المنطق في حالات عديدة هو "سبب المشاكل"، فإن فقدانه هو سبب الدمار والخراب.

غير أن ذلك لا يتلازم مع حتمية التناقض بين الحقيقة والسلطة. فالسلطة هي أيضا المقدمة التاريخية للحقيقة. وذلك لأنها أحد الشروط الضرورية للمدنية والحضارة. ففيها وحولها ومعها وبالضد منها تتجمع أساليب التأييد والمعارضة والرفض والتحدي والمواجهة والصراع الدامي، ومن ثم تساهم في بناء صرح الثقافة واتجاهاتها المتنوعة. أنها تساهم في تهذيب العقل والضمير، وبالتالي تفسح المجال لاحتكامهما الدائم أمام النفس والتاريخ. وفي مجرى هذه العملية تتبلور معالم الصراع الاجتماعي في مختلف أشكاله مستوياته، باعتباره أيضا صراع من اجل الحقيقة. بل أن السلطة نفسها كانت وما تزال تبحث في "براهين الحقائق وأدلتها" عن سند فكري دائم، وذلك لإدراكها بغريزة الجاه أهمية القوة القائمة في الحقيقة. وبالتالي، فإنها تسعى لكي تكون بقوتها، وأن تكون هي "الحقيقة" المعترف بها. وليس مصادفة ألا تبخل السلطة جهدها على مر الأزمان من صرف الأموال وزهق الأنفس لأجله. وفي هذا كان وما يزال يكمن سرّ الخلاف العميق بينهما.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4075 المصادف: 2017-11-01 01:00:20