 دراسات وبحوث

الكتاب المقدس وظاهرة التلاعب بالنصوص!

يردد المتخصصون بالتاريخ، دائما، العبارة الرائعة (التاريخ : خبر ورؤية) والتي تعني باختصار، ان أخبار التاريخ المنقولة الينا تكون دائما مصبوغة بصبغة ناقل الخبر، التي تعكس رؤيته وميوله، وهذا الكلام الدقيق، لا ينطبق فقط على أخبار التاريخ، بل نجده أيضا، ينطبق في أيامنا هذه، على اغلب الاخبار والاحداث التي تجري في واقع حياتنا اليومية.

ويعلم كل مشتغل على مادة التاريخ الانساني، ان ما تم نقله الينا من اخبار او توصيفات للاحداث، ليست هي بالضرورة ما حدث في الحقيقة، وانما قد تكون في اغلب الاحيان، ما تصوره الناقلون للاخبار انها الحقيقة، وفي احيان اخرى، ما أرادوا أن يجعلوا الآخرين يصدقون انها الحقيقة.

الكتاب المقدس، في جزءه القديم يتضمن الكثير من الاخبار التي تعتبر سيرة تاريخية للشعب اليهودي، اما في جزءه الثاني (العهد الجديد) فهو يشتمل ضمن فقراته، على مجموعة كبيرة من الاخبار التي تشكل السيرة التاريخية لشخصية يسوع المسيح.

ومن خلال تتبع نصوص الكتاب المقدس، نلاحظ ان القاعدة السابقة تنطبق على الأشخاص الذين كتبوا تلك النصوص، وقد أورد العلماء المتخصصون في علم (النقد النصي) الكثير من الشواهد والأمثلة، وبعضهم قام بتأليف بحوث وكتب تناقش هذه الظاهرة.

الباحث في الكتاب المقدس، لن يجد صعوبة كبيرة لاكتشاف ظاهرة التلاعب بالنصوص وتغييرها، لغرض خدمة توجهات كاتب النص او ترسيخ فكرة يريد التأسيس لها وغرسها في ذهن القارئ، وهذه الظاهرة واضحة بشكل أكبر في نصوص العهد الجديد، لسبب مهم، وهو، ان الاشخاص (المجهولين) الذين كتبوا تلك النصوص كانوا حريصين جدا على إعادة صياغة الأحداث الماضية، لكي يخرجوها بشكل جديد، يتماشى مع الإيمان الناشئ حديثا، والذي كان لازال في طور التدرج والتطور في فترة كتابة تلك النصوص!

ويستطيع الباحث اكتشاف ذلك بسهولة ويسر، من خلال تتبع تلك النصوص حسب اقدمية زمن كتابتها، وكذلك من خلال ما يسميه خبراء النقد النصي، بالقراءة (الافقية) والتي تعني، مقارنة كل خبر او قصة واردة في احد الاناجيل مع نفس القصة في الاناجيل الاخرى، وتتبع التغيرات او الاضافات او حتى الحذف، التي تطرأ على الخبر في كل انجيل، وملاحظة تأثير ذلك على الغرض او الفكرة التي يريد كاتب ذلك الإنجيل، أن يسوق له من خلال مجموع النصوص المكونة لانجيله!

في هذه السلسلة، كنت قد اشرت، على عجالة، لبعض التلاعبات في النصوص، والتي تشمل مثلا، اضافة قصة جديدة لم يكن لها ذكر في النصوص المتقدمة، كما فعل (لوقا) في اختراعه لقصة (السامري الصالح) لغرض تسويق تعليمات الشاب (اليهودي) يسوع الناصري، الى المتلقين من الأمم الأخرى من غير اليهود، من خلال اخراج التعليمات من إطارها العقدي اليهودي الى اطار انساني اشمل!

كما بيناه في الحلقة الثانية من هذه السلسة . راجع ( لوقا 10) 25-37

وتشمل التلاعبات ايضا، ظاهرة فبركة نصوص لا اصل لها في العهد القديم، كما فعل كاتب انجيل (متى) مرات عديدة!

واحيانا يكون التلاعب عن طريق تغيير معاني بعض الكلمات الواردة في نصوص العهد القديم من اجل تمرير معاني اخرى تكون متطابقة مع التوجهات الإيمانية للسادة كتبة نصوص العهد الجديد، كما ذكرنا سابقا عن تغيير لفظة كلمة (الصبية او الشابة) من النص الاصلي الى كلمة (العذراء) لكي يخرج النص الجديد بشكل نبوءة سابقة تحققت في شخص يسوع !

(هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا) متى 1-23

رغم ان النص الاصلي يتحدث عن (شابة) وأحداث سابقة ليس لها اي علاقة بالمسيح !

ونفس الظاهرة نلاحظها في نقلهم للعبارة التي ينسبونها للمزمور 22 ( ثقبوا يدي ورجلي) من أجل جعل القارئ يقتنع بانها نبوءة قديمة تتحدث عن تفاصيل حادثة صلب المسيح، رغم ان نفس النص في التوراة بالعبرية ليس فيه اي ذكر لثقب اليدين والرجلين!

وقد تطور التلاعب بالنصوص الانجيلية، لاحقا، الى اضافة قصص او فقرات إيمانية مهمة ليس لها وجود في النصوص الاصلية، لغرض ترسيخ عقيدة جديدة تطورت ضمن سلسلة الايمان المتدرج، من اجل غرسها في أذهان المؤمنين وايهامهم ان تلك المواقف والعبارات، قد صدرت فعلا من قبل يسوع المسيح أو أحد تلاميذه!

ويكفي هنا، ان نذكر للقارى، ان النص الشهير الوارد رسالة يوحنا الأولى والذي يشير الى عقيدة التثليث

(فان الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الأب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد)

هذا النص، ليس له اي أصل في كل المخطوطات التي يرجع تاريخها حتى القرن العاشر، اي بعد الف سنة من ميلاد المسيح، وانما تم اضافته الى المخطوطات التي كتبت فيما بعد!

ونفس الأمر ينطبق على القصة الشهيرة لتلك الزانية التي قال يسوع الناصري قولته التي صارت مثلا (من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر) هذه القصة أيضا، لا أصل لها في كل المخطوطات القديمة التي تم كتابتها خلال الف عام بعد المسيح

في هذه الحلقة من السلسلة، سنعرض لمثال واضح ومهم للتلاعب بالنصوص في الأناجيل، لغرض ادخال مفهوم عقدي او نظرة ايمانية جديدة في الإيمان الناشئ والاخذ بالتطور، لكي يستقر هذا المفهوم، لاحقا، في الشكل النهائي للايمان الجديد !

ونتحدث بالتحديد، عن توقيت حادثة صلب المسيح، والتي تعتبر الحدث الاهم في سيرة حياة يسوع الناصري، والحجر الأساس الذي تم تشييد العقيدة المسيحية عليه.

وهذه الحادثة تزامنت -وفقا للاناجيل- مع مناسبة يهودية كبرى وأساسية في الوجدان والمعتقد اليهودي الا وهي مناسبة (عيد الفصح) الذي يعتبر من اهم الاعياد اليهودية، وفيه استذكار لحادثة تخليص الله تعالى لبني إسرائيل من قبضة فرعون

اعتاد اليهود في مناسبة عيد الفصح، على القيام ببعض الطقوس، ومنها ما يتم فيما يسمونه ب(الاستعداد) وهو اليوم الذي يسبق عيد الفصح، حيث يقوم اليهودي بشراء خروف واخذه الى الهيكل ليقوم احد كهنة الهيكل بذبحه لكي ياخذه اليهودي الى بيته ويقوم باعداد وجبة طعام تحمل مواد غذائية لها رمزية تشير الى احداث تلك المناسبة، فالخروف المذبوح يشير الى ذبح اليهود في مصر للاضحيات وطلي عضادات أبواب بيوتهم بدمائها، لكي لا يشملهم انتقام الرب من المصريين، والذي تحدد بسلب حياة كل مولود بكر !

في الاناجيل المتقدمة زمنيا وحسب الترتيب (مرقص ثم متى ثم لوقا) نجد ان يسوع الناصري وتلاميذه كانوا في أورشليم وقت الاستعداد لعيد الفصح (قبل العيد بيوم) وقد سال التلاميذ معلمهم عن وجبة طعام الفصح، التي سيعدونها في مساء عيد الفصح، وانهم اعدوا الوجبة واجتمعوا مساءا مع معلمهم، واكلوا، وكسر لهم يسوع الخبز، وقدم لهم النبيذ، وبعدها انصرفوا الى بستان (جيشيماني) حيث تطورت الاحداث في الليل الى القبض على يسوع، وتقديمه للمحاكمة ومن ثم الى بيلاطس في صباح اليوم التالي، ومن ثم صلبه في الساعة التاسعة صباحا من يوم عيد الفصح حسب ماجاء في انجيل (مرقص) اقدم الاناجيل زمنيا، الذي يؤكد ان صلب المسيح تم في يوم الفصح، وقبل حلول مساء ذلك اليوم الذي صادف ان يكون (جمعة) تم انزاله ودفنه قبل (الاستعداد) ليوم السبت. راجع مرقص 15

حينما نتفحص نفس القصة في انجيل (يوحنا) المتأخر زمنيا عن انجيل(مرقص) بحوالي خمسين عاما او اكثر، نلاحظ امرا لافتا، وهو ان الاشخاص الذين كتبوا هذا الانجيل، اهملوا تماما ذكر سؤال التلاميذ ليسوع عن اقامة وجبة الفصح، ولم يذكروا اي شئ عن طعام الفصح واظهروا ان المسيح بعد ان تناول العشاء مع تلاميذه وقام بغسل أرجلهم(اضافة جديدة!) بعدها انصرف الى البستان وتتابعت الاحداث، ليقدم يسوع للمحاكمة ويتم تقديمه للصلب في يوم (الاستعداد) للفصح قبل حلول المساء!

(وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ، وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. فَقَالَ لِلْيَهُودِ:هُوَذَا مَلِكُكُمْ! .فَصَرَخُوا: خُذْهُ! خُذْهُ! اصْلِبْهُ!) يوحنا 19-14

هنا نلاحظ ان كتبة انجيل (يوحنا) تعمدوا تغيير توقيت صلب المسيح، حيث قاموا بتقديم وقت الصلب من يوم (الفصح) الى اليوم السابق وهو يوم (الاستعداد) للفصح !

ان الخطأ في توثيق وقت حادثة مفصلية في تاريخ سيرة حياة يسوع المسيح، امر مستبعد جدا، نظرا لما تمثله حادثة الصلب من رمزية ايمانية وعمق عقائدي، تأسس عليه الايمان المسيحي بكامله، فما هو الداعي الذي جعل كتبة الانجيل المتأخر زمنيا، يتلاعبون في نصوص سابقة وثقت بشكل واضح ودقيق توقيت وتفاصيل حادثة الصلب؟

نستطيع اكتشاف الجواب، من خلال تتبعنا للأفكار والرؤى التي يحاول كتبة إنجيل (يوحنا) ترسيخها وتأكيدها في ذهن القارئ لكتابهم، والتي سنكتشف ان واحدة منها، هي فكرة ان يسوع المسيح هو ( حمل الله!)

عبارة (حمل الله) ينفرد بذكرها انجيل (يوحنا) فقط، والحمل يعني (الخروف الصغير)، وقد قام كتبة هذا الإنجيل بفبركة عبارة على لسان ( يوحنا المعمدان) يوصف فيها يسوع بأنه (حمل الله) حين التقاه في حادثة التعميد

(هوذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم) يوحنا 1- 29

ثم قاموا بتكرارها بشكل مريب على لسان (يوحنا المعمدان) في العدد 36 بعد ان ادعوا انه التقى يسوع في الغد!

رغم ان الاناجيل الثلاثة السابقة زمنيا، والتي ذكرت نفس الواقعة، لم تذكر مطلقا اي شئ عن هذا التوصيف، ولم تنسب الى (يوحنا المعمدان) مثل هذا القول، بل ان انجيل (مرقص) الاقدم زمنيا، ذكر ان يسوع بعد لقاءه بالمعمدان خرج فورا الى البرية ولم يكن هناك لقاء ثاني في الغد !

(وللوقت اخرجه الروح الى البرية. و كان هناك في البرية اربعين يوما يجرب من الشيطان) مرقص 1-12

مما تقدم، يتضح ان السبب الذي جعل الاشخاص الذين كتبوا انجيل (يوحنا) يتلاعبون بالنصوص، ويغيرون توقيت صلب يسوع المسيح من يوم الفصح الى يوم الاستعداد للفصح، هو لغرض اضافة نظرة ايمانية جديدة الى شخص يسوع المسيح، واعتباره الرمز الذي يمثله (خروف) الفصح الذي يذبحه اليهود عادة قبل حلول مساء عيد الفصح!

وبهذه الطريقة يصبح يسوع المسيح هو الحمل (خروف الفصح) الذي تجلب التضحية به الخلاص من جميع الخطايا، لذلك كان من المهم تقديم موعد صلبه، من يوم الفصح الى ما قبل مساء يوم (الاستعداد) ليكون موافقا لوقت ذبح اليهود للخراف في الهيكل !!

ويبدو ان هذه الفكرة قد تلقفها كتبة انجيل (يوحنا) من عبارة منسوبة لبطرس في رسالته الأولى، يذكر فيها على سبيل التشبيه ان دم المسيح يشبه الحمل الذي بلا عيب ولا دنس (بطرس الاولى 19)، فقام هؤلاء الكتبة، لاحقا، بإعادة صياغة هذا التشبيه وبلورته ليصبح مفهوم إيماني راسخ، ومستند الى نص كتابي مقدس، من خلال التلاعب وتغيير معلومات وردت في النصوص الكتابية السابقة!

وقد نجحوا فعلا في ترسيخ هذه الصورة، بعد ان قاموا باضافة رمزية الخروف المذبوح في (رؤيا يوحنا)، وبعد ان قاموا بربط هذا التصور بعبارات وجمل مجتزأة من نصوص العهد القديم.

 

د. جعفر الحكيم

حوارات في اللاهوت المسيحي 23

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4122 المصادف: 2017-12-18 03:13:59