دراسات وبحوث

بنو اسرائيل والمصريون (5)

وممّا يعزز القول بتأثرالمصريين القدامى بالانبياء في توحيدهم، هو وجود التشابه في التوحيد بين المصريين واليهود والمسلمين، وهذا ممّا تنبه اليه "والس بدج"، الذي نشر كتابا له عام 1903م، اكّد فيه التشابه بين توحيد قدماء المصريين وتوحيد اليهود والمسلمين فيقول: (انه لاتوجد صعوبة في اظهار ان فكرة التوحيد التي وجدت في مصر منذ العصور المبكرة .. لاتختلف في ملامحها عن تلك التي تمت بين العبرانيين اليهود والعرب المسلمين) . (31).

واخناتون لم يكن اول الموحدين، بل عرف المصريون التوحيد قبله عن طريق الانبياء، فقد عرف المصريون التوحيد قبل اخناتون بالاف السنين . (32) . وامنحوتب الثالث والد اخناتون عرف التوحيد " بمعنى ان للوجود خالقا"، يقول الدكتور مصطفى محمود: (ونحن نرى هذا التوحيد في عهد امنحوتب الثالث في تلك الترنيمة المحفورة على لوحة في المتحف البريطاني .. وهي في صورة ابتهال ومناجاة للاله: (ايها الخالق الذي لم يخلقك احد، الواحد المنقطع القرين في صفاتك، والراعي ذو القوة والباس، والصانع الخالد في اثاره التي لايحيط بها حصر). (33)

 ويتحدث سارتون عن اخناتون (1470-1340 ق. م) فيقول:

(ان اخناتون.. ادرك من وجود الله قدر مانستطيع نحن ان ندرك من وجوده) . (34)

 وهذا يعني ان علوم قدماء المصريين مصدرها سماوي، يقول الدكتور احمد بدوي: (كان علم قدماء المصريين - في اعتقادهم - مرجعه الى السماء .. جاءهم به رسل من حكماء الماضي .. وهو مدّخر في الصحف يتناقله الناس جيلا بعد جيل) . (35)

وعلى هذا الاساس، فمن المرجح، وكما يذكر الثعلبي، ان الملك اخناتون الذي عاصر النبي يوسف (ع)، كان قد اسلم على يديه، واخذ التوحيد منه، يذكر الثعلبي: (وكان الملك يؤمئذ بمصر ونواحيها (الريان)، ويروى ان هذا الملك مامات حتى امن بيوسف .. وتبعه على دينه) . (36)

وينقل ابن كثير عن محمد بن اسحق .. ان صاحب مصر -الملك- .. اسلم على يدي يوسف (ع)، والله اعلم) . (37)

من اين جاءت تسمية العبريين؟

وقد اطلق اهل كنعان على ابراهيم ورفاقه (العبريين)، لعبورهم نهر الفرات؛ اذ لم يكونوا قد عبروا نهر الاردن بعد، اولانهم بدو متجولون يعبرون من واد الى واد) . (38)

العبرانيون والعزلة

كانت العزلة طابع العبرانيين في ارض كنعان، وقبلها في اور، وكانت طابعهم في مصر بعد ذلك بسبب ارتباط العبرانيين بالحكام المستعمرين في مصر (الهكسوس)، وبالتالي نظر الشعب لهم نظر ريبة فلم يتم اختلاط بين هؤلاء واولئك، ثم ان البون كان شاسعا بين العقليتين، فالعبرانيون كانوا قوما بدوا لاثقافة لهم، نزلوا بين اقوام لهم تاريخ ولهم حضارة، فلم يكن من السهل الاندماج بين الطائفتين. (39)

وبسبب هذه العزلة تكونت لدى اليهود النظرة العدائية الحذرة تجاه الاخرين، وبالتالي لم يدينوا بولاء الى الوطن الذي يجمعهم بالاخرين، وانما اتجهوا بولائهم الى جماعاتهم، فاصبحت هذه الجماعة هي وطنهم، وهي دينهم، وهي موضع تقديسهم وليس لهم بسواها صلة او ارتباط. (40)

الاسرائيليون كشعب وجدوا في كنعان

كان بنو اسرائيل قبائل مكونة من اسباط اسرائيل الاثني عشر، ولم يتشكلوا كشعب الا بعد استقرارهم في كنعان.. وفي السابق كان لكل قبيلة وجودها التاريخي الخاص .. قبل ان تكّون اتحادا متينا .. فبعد ان استقروا في فلسطين نمت لديهم فكرة ان لاسرائيل تاريخا مشتركا (41)

توراة موسى

يزعم " ول ديورانت" في كتابه (قصة الحضارة): (ان التوراة التي نزلت على موسى بعد الرسالة هي نسخة من قوانين حمورابي). (42)، كما قالوا:  ان دعوته قومية، اي: خاصة ببني اسرائيل . (43)

ونحن لسنا مع ماقاله ديورانت، بانّ التوراة التي نزلت على موسى (ع)، هي نسخة من قوانين حمورابي . نعم، التوراة حرّفت، وكتبت بعد السبي البابلي، وتاثرت بماعند البابليين، وبقوانين حمورابي. وهذا مايقرره (Welis)، من ان اسفار العهد القديم جمعت لاول مرة في بابل، وظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد . (44) ؛ وذلك لان التوراة الاصلية قد احرقت نسخها الاصلية على يد نبوخذ نصر عام 576 ق. م، ولم يتّم اعادة كتابتها الا قبيل ميلاد المسيح بعدة قرون. (45)

فرعون موسى

هناك بعض الاراء تدّعي ان فرعون موسى لم يكن مصريا، بل كان من الهكسوس، ومن هؤلاء الذين يتبنون هذا الراي الدكتور اسامة الكرم، يقول الدكتور اسامة الكرم: (وهناك اية تكشف بوضوح انّ فرعون موسى ليس مصريا بل كان من الهكسوس، وهي قوله تعالى: (فاوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا) . القصص: الاية: 38 .

ومن الاية يتضح ان مباني فرعون وقومه كانت من الطين، على عكس مباني ملوك المصريين ومعابدهم التي كانت من الحجارة .. فقد كانت حضارة الهكسوس مبنية على الطين وليس الحجارة مثل المصريين) (46)

وانا لا ارى تناقضا بين الطين والحجارة ؛ فقد استخدم القران في مسألة خلق الانسان مفردات عديدة، فتارة يذكر خلق الانسان من ماء، وتارة من تراب، فطين، فصلصال كالفخّار، ولايوجد اي تناقض بين هذه التعابير، فالطين هو عبارة عن مزج التراب بالماء، والصلصال الذي وصف بانه كالفخّار يتكون حين يعرض الطين على حرارة النار.

 وقد كفانا الرد على كلام الدكتور اسامة الكرم غير العلمي، البروفسور " جوزيف دافو ديفيت "، مدير معهد جيوبو ليمار الفرنسي لهندسة البناء، والذي توصل الى فرضية " بناء الاهرامات"، بواسطة قوالب طينية، تمّ تجفيفها وتحجيرها بواسطة النار في موقع البناء. ونشر هذه الفرضية في كتاب له، وحسب رأيه: (ان الفراعنة استخرجوا الطين من ضفاف النيل ثم صبوه في قوالب متساوية تم تسخينها الى درجة 900 مئوية.

 بعد هذا البحث الطويل الذي اجراه البروفسور الفرنسي جوزيف دافو ديفيت الذي يؤكد فيه ان حجارة الاهرام قد صبّت في قوالب خشبية، وبعد سنوات قام احد العلماء الامريكيين بالتأكد من صدق هذه الفرضية باستخدام المجهر الالكتروني وتحليل نماذج من حجارة الاهرامات . (47)

الهكسوس كانوا خليطا

والهكسوس لم يكونوا جنسا واحدا، وانما كانوا خليطا متحالفا من قبائل متعددة الجنسيات . تذكر الموسوعة المصرية مايلي: (ولانزاع ان الهكسوس لم يكونوا من جنس واحد) . (48)، وفي موسوعة لانجر:

(وكان الهكسوس جنسا خليطا) . (49)، ويذكر الدكتور احمد فخري: (ان الهكسوس ليسوا من شعب واحد، وانما من شعوب متعددة) . (50)

 

زعيم الخيرالله

.............................

المراجع والمصادر

31- (J.D. Smith: God and Man in Early Israel) نقلا عن كتاب (اليهودية)، د. احمد شلبي، ص 53.

32- انظر (اضواء على السيرة النبوية)، ج1، ص 5، عبدالحميد جودة السحار.

33- كتاب (الله)، عباس محمود العقاد، ص 64، نقلا عن (قدماء المصريين اول الموحدين)، د. نديم السيار، ط 2، ص 43 .

34- تأريخ العلم، جورج سارتون، ج1، ص 133، نقلا عن (قدماء المصريين اول الموحدين)، د. نديم السيار، ط2، ص 39.

35- تأريخ التربية والتعليم في مصر، ج1، ص 160، نقلا عن (قدماء المصريين اول الوحدين)، د. نديم السيار، ط 2، ص 195 .

36- العرائس، ص 70 .

37- قصص الانبياء، ج1، ص 336 .

38- مقارنة الاديان، اليهودية، د. احمد شلبي، ط2، ص 52، 1988، منشورات مكتبة النهضة المصرية.

39- التوراة، الدكتور فؤاد حسين، نقلا عن كتاب (مقارنة الاديان)، د. احمد شلبي، ص 53.

40- مذكرات وايزمان، ص 3، نقلا عن (مقارنة الاديان، اليهودية)، احمد شلبي، ص 54.

41- جارودي،فلسطين، ص: (111-112)، نقلا عن كتاب: (النبي موسى واخر ايام تل العمارنة)، د. سيد القمني، ص 647 .

42- قصة الحضارة، ول ديورانت، المجلد 1، ج2، ص (322- 385)، وانظر ايضا، (الشرق الخالد)، ص 379 و 399 .

43- حضارة مصر والشرق القديم، ص 355، نقلا عن كتاب (ذرية ابراهيم والمسجد الاقصى)، جمال عبدالهادي، دار الوفاء، ط1، تاريخ الطبع 1986 م، ص 105.

44- (A short history of The World)، نقلا عن كتاب " اليهودية "، د . احمد شلبي، ص 354 ز

45 - ذرية ابراهيم والمسجد الاقصى، جمال عبدالهادي، دار الوفاء، ظ1، تاريخ الطبع 1986 /، ص 329 .

46- القران يؤكد: رمسيس لم يكن فرعون موسى، د. اسامة الكرم، مدونات مكتوب، تاريخ 16-1-2008 م .

47 - هل بنيت الاهرامات من الطين ؟ وهل فرعون هو الذي بناها ؟ موقع الاعجاز العلمي في القران والسنة، عبدالدائم الكحيل .

48- الموسوعة المصرية، المجلد 1، ص 40 .

49- موسوعة تأريخ العالم، ج1، ص 48 .

50- مصر الفرعونية، ص 245 .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4192 المصادف: 2018-02-26 01:20:29