 دراسات وبحوث

السر الأعظم

محمد ممدوحأحيانًا كثر حاولت العقول البشرية استنباط السر العظم القابع خلف غيب الغيوب، والباحث عن علة وجود الكون، سماء، وأرض، نجوم وأفلاك، غيب وشهادة، عوالم غير مرئية لا تحصى، وأخرى مرئية لا تُعد، نظام محكم لا عبثية فيه، تراتب أدائى وقانون كونى يحكم حركة الكون الكلية والجزئية، كلٌ فى فلك يسبحون، لا تأخر لشئ عن مجراه، ولا تخلف لشئ عن فلكه، كلٌ يسير فوق مرادات وضعها الخالق العظيم، لا تقديم ولا تأخير عما رتَّب سبحانه وقدّر !!

كون بديع، وحياة أكثر إبداعًا، ييأس العقل حينًا ويضنيه البحث فيظن ألا شئ إلا السراب، وألا وجود إلا للمجهول، وألا حقيقة إلا الوهم، ماذا عن أسرار تلك الحياة؟ ماذا عن الموت؟ ماذا عن الدار الآخرة؟ يحار العقل بحثًا عن إجابات، فيُعييه البحث أحيانًا فيجلس مستسلمًا ولسان حاله يهمس فى أذن غيب الوجود (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء85)

وإدراك الحقيقة، حقيقة الوجود، الغيب، المجهول، أسرار هذا الكون البديع والملكوت الفسيح يتطلب قدرات خاصة، وملكات فريدة، قدرات لا يؤتاها إلا الخواص، أولئك الذين خلعوا المادة من قلوبهم ليسكن محلها الله !! فإذا سكن الله القلوب، أبصرت البصائر والقلوب، وفتح الله لها مجال الإبصار فيصبح الغيب شهودًا، ويصبح ما وراء الأفلاك البعيدة  بين إصبعين من أصابع العبد الربانى الذى خشع بكل جوارحه لربه، فجعل الله الكون كله خاشعًا له، وفتح له مجال الرؤية فيصير رائيًا بنور الله، ماشيًا فى نوره سبحانه، إذ يصير عبدًا ربانيًا يقول للشئ كن فيكون.

أسرار هذا الملكوت فى حاجة إلى تلك القلوب التى تسبح فى بحر علم الله سبحانه لتأتى بالنبأ اليقين بعد مكاشفات لم ينالوها إلا بمجاهدات طالت طويلاً، ثم عادوا إلى الواقع بعد أن عاينوا الشهود وغيب الكون وسره الأعظم، فيصبحون أكثر لينًا وشفقة على هذا المخلوق الضعيف، يعودون ومنطق قلوبهم يبتسم سخرية من واقع بائس " يا ليتكم تعون ما نعى .. مساكين أهل الدنيا، لم يعرفوا الحقيقة ولم يعاينوا أنوارها"...

بهذا الزاد وحده يمكن لتلك القلوب أن تعاين أنوار الكشف، أن تسبح فوق سطح بحر الغيب، أن تنهل من نور الله سبحانه، فيفتح الله لهم القلوب ويرزقهم من لدنه علمًا.

وما كان علم الخضر عليه السلام إلا من معين تلك الكشوف وفيوضات تلك التجليات (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)(الكهف 64)

ويذهب العقل فى صحبة القلب متجردين عن الدنيا، عن علائقها، عن شهواتها، عن زيفها وغرورها، يعرجان إلى الملكوت تدبرًا وتفكرًا، علهما يرجعان بنبأٍ، أو يعودان بمعرفة تضفى على القلوب نوعًا من الشبع .. يسمعان صوت الخالق سبحانه، يخبر ملائكته بإرادته فى خلق خليفة، ولكن الملائكة تطرح سؤالاً استفهاميًا، أتجعل فيها المفسدين وسفكة الدماء، فإن كنت تريد هذا الخليفة لعبادتك فهل قصّرنا نحن فى تلك العبادة؟ ألسنا نحن الرُكع السجود لعظمتك، ولكن الله سبحانه يقطع عليهم الطريق بإجابة مقتضبة، من كلمات معدودة لا تتعدى نطاق الجملة الواحدة، ولكن معناها أكبر من كل الكتب، إنه ذاك الحوار الأول

 (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

 قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ

 وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ

 قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة 30)

كان رده سبحانه (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) أعلم غيبًا لم أُطلع عليه أحدًا، حتى ولا الملائكة ذاتهم الذين هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويخضعون لما يؤمرون..

ويأتى الإختبار الأول لهم .. يخلق الله آدم، يُعلمه مسميات الأشياء، ثم يسألهم عن تلك المسميات دون جدوى، فيقول لآدم : أخبرهم يا آدم بتلك المسميات، وينجح آدم فى الإختبار، لتدرك الملائكة من توها أن ثمة إرادة لله لا يعلمونها، وأن آدم صار أفضل منهم، لقد نفخ الله فيه من روحه القدسية ولم ينفخ فى روحهم، وقد علّمه من علمه ولم يعلمهم....

 الملائكة تعبد الله منذ آلاف السنين لا تعلم شيئًا عن مسميات الأشياء وآدم الذى عمره يومًا أو بعض يوم يعلم تلك المسميات !!

إنه لمخلوق مكرّم إذن ! مخلوق ذو شأن !! هكذا سطر القرآن

 (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا

 ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ

 فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)

 قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)

 قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ

 فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (البقرة 31-33) ..

هكذا يثبت الله لملائكته أن علمًا ما ينقصهم، وأن حكمة ما خافية عليهم، وأن إرادة ما لم يُجليها لهم.

ثم يعصى آدم ربه، يأكل من الشجرة وقد نُهى عنها، يهبط إلى الأرض بأمر من الله سبحانه (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (الأعراف24) .. ينزل آدم وحواء والشيطان .. يزرع آدم الأرض، يأكل من رزق الله، علّمه جبريل كيف يزرع وكيف يحصد، وينجب آدم أربعة من الأولاد ذكرين وأنثيين فى عامين متواليين، قانون الله الذى سَّنه لأولاده أن يتزوج الذكر من الأنثى التى جاءت من بطن أخرى، حتى يفرق بين الإخوة الذين جاءا فى بطن واحدة فى عام واحد، إذ لم يكن مخلوقات على الأرض غيرهم، فكان هذا القانون لإعمار الكون فى بداية الخلق، ولكن قابيل يثور على هذا القانون إذ لم تعجبه أخته التى من المفروض أن يتزوجها، يثور على قانون الله، يتدخل آدم لإعادة القانون الإلهى، يقترح عليهما أن يقربا قربانًا، يقدم هابيل أثمن غنمه قربانًا لله، ويقدم قابيل أردئ قمحه، فيرسل الله نارًا تلتهم قربان هابيل كدليل على قبول الله سبحانه لقربانه، بما يعنى أنه على الحق وأن أخيه على الباطل، ولكن قابيل لم يقتنع بحكم الله سبحانه، فتوعد أخيه، ثم قتله، ليثبت للملائكة صدق نبؤتها القديمة (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) (البقرة30) ولكن الملائكة تفاجئ بشئ آخر، إنه من معين الغيب الذى خفى عليها من قبل والذى حوته إجابة الله عليهم (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)...

 لقد فوجئوا برغم القتل وسفك الدماء، بأن أحد أبناء آدم يؤثر السلام، يحسن إلى الوجود الإنسانى، يرفض أن يلوث يديه بجريمة فى حق الإنسانية، يؤثر الإحسان، فينظر الله سبحانه إلى هابيل بإكبار وإعزاز، يقول لملائكته، لأجل هذا خلقت ابن آدم، لأجل تحقيق الإحسان، لأجل السلام، لأجل أن يؤثر رضا ربه على أهواء نفسه، ولتسمع إلى ما قصّه القرآن فى تلك  المساجلة التى تمثل خلاصة السر الأعظم

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا

 فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ

 قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ

 قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

 لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي

مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ

إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)

إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29)

 فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)

 فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ

 قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) (المائدة27-31)

هى قصة يرويها الله سبحانه ليعطينا عمق المعنى، الصراع بين الحق والباطل، الموت والحياة، إرادة الله وإرادة الظالمين، ليسجل لنا القرآن تلك المشاهد فى صحائف من نور البلاغة وعظمة الإرشاد، ثم ليعطى لنا ربنا قانونًا  ترتب على تلك الحادثة (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة32) ثم يؤكد على أن هذا القانون يقبع خلف الحجب، لأجله أرسل الرسل، ولأجله كانت الرسالات (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) (المائدة32)

لقد رسبت الملائكة فى استفهامها من كل وجه، ونجح آدم الذى علّمهم الأسماء، ثم نجح ابنه الذى آثر السلام، لينجح الإنسان من كل وجه، حتى وإن أثبت صحة نظر الملائكة فى سفك الدماء والبغى والظلم، إلا أن الإنسانية يظل فيها المحسنون، الإنسانيون، الراحمون، أولئك الذين مثلوا سر الوجود الأعظم.

ولم يكن الإحسان بإيثار السلام فقط هو السر من وراء هذا الوجود، بل كل إحسان وكل وجه للإنسانية يمثل جزءً من هذا السر.

 الإحسان إلى الفقراء والمساكين جزء من هذا السر.

(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (النساء36)

نصر المظلوم على الظالم حتى لو أفضى إلى الموت جزء من هذا السر (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) (هود113)

 كسوة العراة، جزء من هذا السر ..

تفريج كربات الناس جزء من هذا السر، لذا دخلت البغّى الجنة فى كلب سقته، لأنه مثلت جزءًا من هذا السر، ودخلت امرأة النار فى هرة حبستها لأنها انتهكت حدود ومعالم هذا السر. 

ثم يضفى الله بقدرته جزءًا من البلاء على أرضه وخلقه، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، يدفع بعضهم ببعض، ينظر إليهم من أعلى، يعطيهم امتحانًا من وراء امتحان، ينظر بنفسه فى إجاباتهم، تُرى من ينجح فى اجتياز الإمتحان ويحفظ هذا السر، سر الإحسان، سر الإنسانية !!

هكذا نطق القرآن (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك2) (لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ)

من هذه الوقائع يُستخرج السر، يصبح علانية ذا شهود ومكاشفة، الإحسان هو سر الخلق، والابتلاء للتمييز بين الخلق (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (الأنفال37) كان البلاء والإبتلاء لأجل إتمام ذاك الإختبار .. هو هو لم يتغير، اختبار ابنىّ آدم الأول، الدنيا أم وجه الله، القيم أم المصلحة، الأريحية أم الأنانية، الأثرة أم الإيثار، هو ذاته الصراع الذى يعانيه البشر كل يوم عبر أوجه عدة  للإبتلاء، وهو ذات الإمتحان الذى يمرون به عبر أقدار الله سبحانه، ليعلم الله الصادقين من الكاذبين، المخلصين من المنافقين، وليقف القرآن دومًا إلى جوار الصادقين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة119). وما من إحسان أعظم من طاعة الله سبحانه فى كل ما أمر، التقرب إليه بفرائضه، والتحبب إليه بالنوافل، السير إليه سبحانه بكل ما يسره ويرضيه، والبعد دومًا عن كل ما يُسخطه ويجلب غضبه، خشيته سبحانه بالغيب أعظم درجات الإحسان (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) (الأنبياء49)، الذين يعمقون اتصالهم به سبحانه، يخرون للأذقان يبكون ويزيدهم أنسهم خشوعًا، علموا مراده سبحانه من خلقه للكون، فلم يكونوا لشئ غير هذه الإرادة، لم يلتفتوا عن هذه الغاية، لم يلتمسوا غير طريقها أو يقصدوا غير سبيلها.

هكذا فهم الأنبياء والرسل ذاك التكليف، ثم فهموا غاية الإبتلاء للتمييز والتمحيص، ثم علموا أن الفائز هو الذى يجنح نحو تحقيق  مرادات الله سبحانه، هكذا يقدم لنا القرآن وصفًا لأخلاق أنبيائه (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة114) .. أواه كثير الأوبة والتوبة والأنين، حليم يعفو عمن ظلمه ويصل من قطعه.

ثم يرسل موسى إلى ألدّ الأعداء، أعظم المتكبرين فى الأرض بغير الحق برسالة مؤداها ينبع من عمق ذاك السر الأول (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) (طه45) لينًا مع من يدّعى الألوهية؟!

إنه سبحانه يؤكد عمق الرسالة الأولى، الغاية النبيلة من خلق الكون!!

ثم نذكر طرفًا من نبأ نبى آخر الزمان .. يذهب إليه ثمامة بن آثال يريد قتله، يطلب له النبى الكريم () الطعام والشراب، يحسن إليه  وقد أتى بنية القتال، يدخل الرجل فى الدين الجديد مأسورًا بإحسان صاحب الرسالة وأخلاقه، لا يجد القرآن غير أن يشهد له (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم4)  .. ثم يوصيه القرآن دومًا بالعفو والصفح (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف199) (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)(آل عمران159) (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة13) .. هكذا نطق القرآن مربيًا لأصحاب الرسالات، وهكذا فهم أصحاب الرسالات عمق إرادة خالق السماوات سبحانه، فكانت حياتهم تسير فى فلك تلك الإرادة، ولا تتخطى تلك الغاية.

إن الناجح الوحيد فى هذه الحياة هو من يفهم تلك الغاية من الخلق ويسير فى ركابها، هو من يتعقل تلك الإرادة ولا يتخطى حدودها، فيسير محسنًا إلى الناس، محسنًا إلى نفسه بحسن عبادته وخشيته لرب الناس، مستقبلاً قضاء الله وأقداره فى إطار الإمتحان والإبتلاء للتمييز لا أكثر، للتصفية لا غير، نجح من نجح، وفشل من فشل،ويبقى الحكم فى النهاية لله  الواحد الأحد، صاحب الحكم المطلق، والأمر المطلق، والغايات الحكيمة، التى لم يطلع أحد إلا على القليل من بحر فيوضاتها لتبقى الأسرار كلها فى معين خزائنه سبحانه، يفيض ببعضها من حين إلى حين، حين تخلع القلوب الأجساد وتسير إلى رحابه عارية، سائلة، ليس لها مقصد سوى وجهه سبحانه، أكرم مسئول وأعظم مجير.

عند معاينة تلك الأسرار يعلم المؤمن بأسرار ذاك الملكوت الفسيح أن كل صنوف الهم والحزن والمرض كانت من قبيل الإبتلاء بقصد التمحيص لا أكثر، لم تكن أبدًا لهوانٍ به على خالقه، فما كان البسط لفرعون فى الملك أو لقارون فى الرزق تكريمًا، ولا كان سجن يوسف ومرض أيوب انتقامًا، بل كٌل يجرى ليؤدى معنى الإبتلاء، النعمة ابتلاء، والنقمة ابتلاء، يريد الله سبحانه أن يعلم من يؤدى الشكر والصبر، من يثبت على غايته العظمى سبحانه، من يحترم نواميس الله فى خلقه (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء35) (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) (الفجر14-16) ..

بهذا اليقين لا يملك المؤمن إلا التسليم لمرادات الله، الإنقياد لإرادته سبحانه، البلاء يرفعه، يحط عنه ذنوبه، يعيده إلى طهارته ونقائه كيوم ولد حيث لم يكن شيئًا مذكورًا، لا تتلوث نفسه بإثم إلا حال تلوث قلبه، حال درن الداخل، ليسمع نداءًا إخباريًا عزيزًا على النفس، كلكم هلكى إلا أصحاب القلوب النقية، الأفئدة الوضيئة (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء88-89) قلب قام على المراد وقصد السبيل نحو الغاية والتزم أطرها القويمة، لم ينشغل بالدنيا وأهوائها وقناطيرها المقنطرة، قلب أفرغ ذاته من كل شئ ليسكن الله، لأنه علم الهدف، فقه الغاية، فما انشغل بالمخلوق عن الخالق، ولا بالكون عن المكون، ولا بالنعمة عن المنعم، هذا القلب وحده هنيئًا له السعادة العظمى، هنيئًا له جنة الدنيا وملك لا يبلى فى الآخرة، إنها السعادة التى يحققها الرضا، القدرة على امتصاص أى قدر وأى بلاء، إنه يتعامل على أنه زائر أو عابر سبيل " كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل "().. يتعامل على أنه راحل غير مقيم، يعرف الغايات العظمى وراء هذا الوجود، يفهم كل شئ فى إطاره، على حقيقته، بلا تبديل ولا رتوش، فتقع النعمة عنده موقع الشكر، وتقع النقمة موقع الصبر، ويعلم أنه فى الحالين يسير فى معية الناموس الذى لا يتبدل، ليكون الله فى نهاية الطريق، أفلح من سار إليه، وخاب من انشغل بزحام الطريق عن غايته، أولئك هم الأخسرون أعمالاً الأضلون صنعًا.

هكذا كان إيمان أهل اليقين الذين علموا هذه الحقائق، بنو إسرائيل يؤمنون بقلوبهم، يتوعدهم فرعون، يخرج الرد من جوهر الغاية (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه72) افعل ما تشاء، فغاية ما تملكه أن تقضى وتنكل فى ظاهر الأمر وظاهر الحياة، لكن هناك حياة أخرى تستوجب التضحية، وتتطلب النجاح فى الإختبار.

وأولئك الصحب الكرام المستضعفون فى الأرض، الذين سطر القرآن ذكرهم متفاخرًا (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) (آل عمران 174) .. لا وزن للناس أمام التسليم لله فى أمره، لا قيمة لأحد أو لشئ طالما نعلم غاية السر الأعظم، طالما نفقه سر هذا الوجود، بذا المنطق كانت الدنيا هينة فى أعين من صدعوا بالحق فى مواجهة السلاطين، مؤمن آل فرعون، مؤمن آل ياسين، المؤمنون فى عهد طالوت، الغلام المؤمن الذى شقت لأتباعه الأخاديد، وكذا المؤمنون من أصحاب الأخدود، الذين استقبلوا المنايا تسليمًا ورضا لامتلاء يقينهم فى حقيقة هذا الوجود (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (البروج3-9) وهكذا كان صبر يعقوب (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)(يوسف18) (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (يوسف86) وكان صبر أيوب (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأنبياء83) وكان قتل الأنبياء سنة وناموسًا لذات القانون، فلا هم فروا من الموت أو القتل، ولا الله سبحانه حجب القتل أو الظلم عنهم، بل ترك الناموس يعمل فى أنبيائه وأوليائه، ميزان الدفع يبلغ منتهاه، ثم إليه سبحانه المصير، ليعلم المفسد من المصلح، ويعلم الصابرين من الظالمين، ثم ينصب الموازين فى خاتمة مطاف رحلة الدنيا، لتجزى كل نفس بما كسبت وجودًا وضمنًا، يدًا وقلبًا، وليبتلى السرائر، وتُفضى الحقائق، وتسير إلى رحابه المقدسة كل ما أضمرته النوايا وأخفته النفوس، فى يوم لا تخفى عليه خافية  (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ)(الحاقة18) لتكون نهاية هذا البلاء، نهاية الإمتحان، وعندها يُكرم ابن آدم أو يُهان، ينجو أو يهلك، كلٌ رهن بما قدمت يداه (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) (النجم 39-41) ...

 

د. محمد ممدوح

أستاذ الفلسفة جامعة القاهرة فرع الخرطوم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4481 المصادف: 2018-12-12 01:20:52