 دراسات وبحوث

الميزان.. بين العقل الشرعي والقرآن

محمد ممدوحارتبط الميزان فى العقل الشرعى أو العرفى بالعدل، فهو رمز للعدل لا أكثر، هكذا دل القرآن غير ذات مرة (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الرحمن9) إنه أمرٌ بالقسط، بالعدل، بعدم تطفيف الميزان باعتباره رمزًا للعدالة، إنه معيار العدالة في المعاملات المادية الدنيوية، وهو كذلك معيارها في الآخرة أمام الله، إنه ذات اللفظ "الميزان"، وذات المقصد "العدالة" ... ولكن الجوهر يختلف كثيرًا بين الإثنين.

القرآن يقر بوجود الميزان في الآخرة (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) (الأنبياء47) (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) (الأعراف8) إنه يؤكد لفظية الميزان، بما يعطى انطباعًا بمادية مجردة وحسية محضة، إنه أقرب إلى الذهن بصورة الميزان ذى الكفتين، أو الميزان الناطق ذو الأرقام والأعداد الحسابية، ولكن هذا في ميزان الدنيا، ميزان الكيل، أو ميزان الوزن بالكيلو جرام، أو ميزان التقدير القياسى، فكلها أنواع مادية محضة ووسائل قُصد بها إقامة العدل، أما ميزان الآخرة فلن يكون أبدًا بذات الصفات المادية البحتة، لن يكون بكفتين، ولن يكون بمؤشر، ولن يكون بأرقام أو وسائل عددية أو حسابية للقياس ولكنه سيكون شيئًا آخر مغاير للمادية تمامًا.

القرآن ينطق مقرًا عملية الوزن، يصورها للذهن كأنها عملية حسابية بحتة، فما عسى أن يكون الميزان غير ثقلٍ وخفة، وهما ماديتان، والقرآن يقرهما لفظًا ومعنى (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) (القارعة6) (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) (القارعة8) إنه يتحدث بالصفة المادية المحضة، ولكن مراده أعمق من تلك الصورة بكثير.

لن يكون ميزان الآخرة لمجرد وزن الحسنات والسيئات، أبدًا، فليس هذا بمنطق لربٍ قد أحاط بكل شئ علمًا!!

لن تكون الحسنات ذات صفة مادية مع قدرة الله على كل شئ، وكذا لن تكون السيئات بذات الصفة على الرغم من توصيف القرآن لها بأنها حمل ثقيل، بما يعنى اكتسابها لصفة المادية، من ذلك قوله (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) (العنكبوت13) (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) (الأنعام31)، هذا مجرد معنى دلالى لا واقعى، فالمادية صفة دنيوية فقط لا أخروية .. الميزان رمز للعدالة في الدنيا لكنه في غالب الأحيان لا يحققها، هو مجرد رمز لا واقعية له أو مصداقية، فقد يطفف الناس الميزان، وقد يستوفون أو يخسرون بحسب مصالحهم وأهوائهم، وقد يقيمون القسط  في الوزن والجور في السعر والقيمة، مئات السُبُل لتطفيف الميزان في الدنيا، ليكون مجرد رمز للعدالة ولكنه مجردٌ منها تمامًا.

ولا يستسيغ عقل أبدًا أن تستمر تلك الصورة العبثية في الآخرة، فلن يكون الميزان مجرد رمز للعدالة، ولن يكون ماديًا قط، بل لن يشترك بين ميزان الدنيا المعوج وميزان الآخرة ذى العدالة المطلقة إلا الإسم فقط، ومن ثمّ فلا وزن للحسنات والسيئات كما صرح القرآن، هذا مجرد تقريب للذهن لا أكثر، ولكن الإنسان ذاته سيوزن، بشحمه ولحمه، بشعره وأظافره، بمكنونه وظاهره، الإنسان ذاته سيوضع في الميزان بكليته، سيوزن أمام الذى يعلم السر وأخفى، هذا ما تقوم عليه الشواهد، وتشير إليه الأدلة ..

القرآن يتحدث عن علم الله بمكنونات الصدور (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) (النمل74) (وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) (القصص69)

(وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) (النحل19)

(يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (التغابن4)

(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) (البقرة235)

عشرات الآيات تعطى هذا المعنى وتؤكده، فالله سبحانه يعلم ما أخفت النفوس وأضمرت، يرى ما عششت عليه النوايا وأطبقت عليه الصدور خلاياها، ومن ثمّ فعند الحساب سيوزن الإنسان كاملاً، بأفعاله ونواياه، بظاهره وخفاياه، بمكنونه وخباياه، بمطوياته ونجواه، كل ذلك سيوضع في الميزان، سيخضع للتقدير المحكم من العزيز الحكيم، التقدير الذى لن يخطئ خردلة، ولن يغفل مثقال ذرة، هذا ما تشير إليه مكنون الآيات (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)) (الزلزلة7-8) هذا المثقال لن يوزن أبدًا بميزان حسى مع قدرة الله على ذلك، ومع طلاقة قدرته وإرادته سبحانه، لن يوزن في كفتين إحداهما مضادة للأخرى، ولكن الوزن سيكون القسط، (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (الأنبياء47) ولن يكون هذا القسط  أبدًا بدون وزن الإنسان ذاته، بخفاياه وخباياه وظواهره ومطوياته، بشكله وفكره ومضمونه ومكنوناته، هذا ما يمكننى أن أفهمه من سياقات القرآن الآنفة، وما يمكننى فهمه من قوله (ص) :" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرء ما نوى".. لكل امرء ما نوى في صدره، في قلبه، في خفايا مكنونات نفسه، من ذا الذى أحاط علمًا بما يجرى هناك؟! إنه الله وحده ... من ذا الذى يعلم خفايا التفكير ومترددات الصدور بين ستائر أنسجتها، إنه الله وحده... لا الحفظة يعلمون، ولا الكرام الكاتبون، فتلك المكنونات علمها عند ربى وحده، ومن ثمّ فلا يعقل أن تفلت النوايا من الميزان، وإلا لما كان رسول الله (ص) قد جزم بالقول : " إنما الأعمال بالنيات" وما كان نبى الله عيسى حسم الأمر قائلاً (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (المائدة116) إنه التأكيد الجازم على أن مكنونات الصدور علمها عند الله وحده، ومن ثمّ لم يطلع عليها ملك فيكتبها، وتالياً فمحض تقديرها ووزنها من عمق اختصاصات الله سبحانه، ولن يقدر ذلك ميزانٌ، ولن يفلح في ذلك ملك ولا مؤشر ولا أى مقياس آخر، بل علم الله وحده هو الحكم، علمه سبحانه بمكنونات الصدور، بما أخفت النوايا، وبما أضمرت القلوب.

هذا فقط ما يمكننى فهمه من عبق القرآن وعمق وحى الدين وجوهره .. فالذين نافقوا، أبطنوا الكفر والإلحاد وأظهروا الإيمان!! من الذى يملك أن يفضح خباياهم أو يطلع على أسرارهم ؟ كيف يكون هناك ميزاناً للنوايا وهى محض نفسية داخلية باطنية لا شعورية ؟!! والذين كذبوا على الله، والذين تكبروا وعاندوا وتجبروا، والذين أصروا على الظلم والبغى أو ناصروا أهله ولو بالكلام أو بالرضا الصامت، من الذى يطلع على سرهم وأخفى ؟! ومن الذى يعلم مكنون صدورهم ومطويات نفوسهم غير الله ؟!

هذا ما أفهمه من قوله (ص) : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " .. النبى يتحدث بلغة الداخل، اللا شعور " من كان في قلبه" ومن الذى يحكم على القلوب .. إنه (ص) يعود للتأكيد غير ذى مرة أن القلوب من محض علم الله وحده، يتضح ذلك في قوله لخالد بن الوليد " هلا شققت عن قلبه" .. ويتضح من قول القرآن (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) (الأحزاب51) مناط علم القلوب إلى الله وحده، والوزن للسيئات لن يكون أبدًا على ما تم بالخطأ أو بعدم التعمد أو بعدم الإصرار، فذلك مما يسعه عفو الله، هكذا نطق القرآن (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الأحزاب5)،وهذا لا يقوم به ميزان عادى أبدًا، بل لن يُقدره إلا الله، فهو وحده العليم بما في القلوب وحكمه على الجميع بالقلوب، سواء في الدنيا بمثل ما قال لنبيه (ص) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ) (الأنفال70) أى لو وجد سبحانه فى قلوبهم خيرًا لآتاهم خيرًا، ولكنه وجد قلوبًا مظلمة، مصرة على الكفر إصرارًا، وذات الحال  في الآخرة بمثل قوله سبحانه (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)) (الشعراء88-89)..

القرآن يضع التبعة كلها في الأعمال على النية، على إرادة القلب، على التعمد والتصميم على الفعل، وكم من أمثلة على ذلك (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) (البقرة225)

(وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (آل عمران154)

القلب مناط الحساب، فالذى أكره على شئ لا حساب عليه ولا ذنب، أما من شرح بالكفر صدرًا فحسابه ومأثمه عند ربه، وهذا وذاك مما لا يقوم به إلا علم الله، ووزن الله سبحانه في ميزان يحقق العدالة المطلقة، ميزان غير ذى كفتين أو مؤشر أو مقياس أو بوصلة، ولكنه ميزان العليم الخبير، الذى لا يأتى علمه باطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يشوبه ظلم قط، بل هو الصورة المطلقة من العدل، تلك التى لم تقع العين قط قبل على مثلها.

فالذين يكذبون أبشروا بعدل الله وميزانه، فأنتم بروحكم وجسدكم ستكونون في الميزان، والوزن قسط، وحق، والله حكم عدل، والذين يظلمون بالقول أو بالفعل أو بالتضليل، والذين ينافقون ويخادعون .. والذين يعاندون ويكابرون .. الكل في هذا الميزان، الكل سيوزن، ويومئذ يفرح الصادقون (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) (المائدة119) ويخسر هنالك المبطلون الكاذبون، وتزاح الحُجُب، وتُعرّى الحقائق، وتُبلى الأسرار، والله من وراء الجميع محيط..

 

د.محمد ممدوح

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4482 المصادف: 2018-12-13 03:46:01