 دراسات وبحوث

عوالم الحياة والموت

محمد ممدوحقضية الحياة والموت ومشتملاتهما من الأسئلة الفلسفية الحائرة الكبرى، تلك التى ما انفك العقل الإنسانى عن البحث فيها والتساؤل عن كُنهها والمحاولات الدائبة لسبر أغوارها، لتظل الأسئلة مطروحة على مر الزمن بلا إجابة، لماذا خلق الله الحياة، ولماذا كتب الموت على الخلق؟ لماذا الفناء؟

وكيف؟ وماذا بعد الموت؟ وما المصير؟ وهل من حياة جديدة؟

مئات الأسئلة التى حاصرت العقل الإنسانى عبر تاريخه الطويل، تارة يجيب، وتارة يهرب، وتارة يعجز عن التفكير حتى يصاب بالملل فيشعر بالدوران الفكرى، ويكأنه يبحث عن المجهول، السراب، الخيوط التى ما من سبيل إلى جمعها، الطريق الذى ما من حيلة لاكتشافه.

وفى لحظات يتنسم فيها العقل وميضًا وإشراقًا تتجلى له بعض تلك الحجُب، يُماط له اللثام، يُكشف له الحجاب، فيرى جزءًا ضئيلاً من تلك الغيبيات لتصير لديه شهادة، وتنتقل من حال الغيب إلى حال الشهود.

من المجهول أتينا وإلى المجهول نسير، لقد سارت تلك العبارة خواءًا بلا مضمون، جوفاء بلا معنى، فنحن أتينا من الغيب، عشنا الشهود الذى غابت عنا حكمته كثيرًا، نسير إلى الغيب الذى حُجبت أستاره، هذا هو ملخص الحياة.

هكذا نطق القرآن مخاطبًا العقول (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة28)

أمواتًا حيث العدم قبل ألا كون ولا وجود ولا أمر

ثم أحياءًا لنصير فى عالم الشهود على مرحلتين، الأولى لا حس ولا عقل، فقط روح تسرى فى الجسد، تلك هى الرحلة من عالم الغيب غير المشهود إلى عالم الغيب الشهودى فى رحم الأم، نطفة ثم علقة ثم مضغة مخلّقة وغير مخلّقة، ثم عظامًا يسكوه الخالق لحمًا عبر رحلة هى فى حساب الأحياء تسعة أشهر ولكنها فى حساب الوليد ذاته لا زمن، إذ لا حس ولا عقل، فقط مجرد نبض يبقى على حياته من أثر نفخة الله فيه من روحه.

والثانية رحلة الحياة الدنيا ذات الحس والعقل والشهود، وتدرج الوعى العقلى والحسى والعضلى عبر العمر الذى حدده الخالق سلفًا فى طيات غيبه (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) (الحج5) (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيئا) (النحل78) ثم يتدرج الإنسان فى رحلته، طفلاً فصبيًا فشابًا فرجلاً فشيخًا فكهلاً، هذا هو الشهود، الحس المجرد، الحياة التى يعترف بها ويعرفها الجميع، دون أن يناقضها أحد بعقله.

حياة تجرى عليها نواميس الأحياء، وقوانين الحياة، ضعف وقوة، شباب وشيب، صغرو كبر، حزن وفرح، لذة وألم، تلك هى نواميس الحياة وقوانينها، بعث المتناقضات كلها على جميع الخلق فلا يطال أحدهم النعيم المطلق، ولا يطال آخرين البؤس المطلق، بل تسير الحياة بحكمة غابت أسرارها  أحيانًا كُثر فى مطويات علم الخالق سبحانه، تسير وفق أقدار قدّرها الله وإن غاب عن العقل إدراك أسبابها (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر49) ..

وبعد حياة الشهود تلك، التى امتلأت حسًا وواقعًا وشهودًا ومادة،  ينتقل الإنسان إلى حيث المرحلة قبل الأخيرة (ثم يميتكم) ليذهب إلى البرزخ، الذى هو فى عداد علم الله قنطرة بين الدنيا والآخرة، أقرب للآخرة منه للدنيا، بل هو مبتدأ الآخرة لأن عليه يتوقف مستقبل الحياة القادمة للإنسان، ولذا تجد قول النبى الكريم (ص) " من مات فقد قامت قيامته "(1)، لأنه يكون قد عاين الحقائق، أزيلت عنه الحُجب، اتضحت له الرؤية (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (ق22)، ثم تنعدم نواميس الكون والحياة وقوانين الوجود مرة أخرى من جديد شبيهة بسالفتها تلك التى كانت أول مرة حيث الموتة الأولى التى لم تسبقها حياة.

وبعد ولوج البرزخ تتوقف الحياة، تتوقف تمامًا، إذ تنعزل النواميس الطبيعية عن الإنفعال، إنها لا تنفعل إلا مع الحياة والأحياء فقط أما الموت والموتى فلا انفعال ولا حياة ولا وجود.

فالموت الأول الذى سبق الوجود كان معزولاً عن نواميس الزمان والمكان وقانون الحياة والأحياء.

والموتة الثانية تلقى ذات المصير، حيث العود إلى ذات العزلة التى كانت من قبل، ليصير الموت قد كُتب على كل حىٍ سوى الله مرتين، وكذا الحياة مرتين، والقرآن يسجل لنا ذاك المشهد الإعترافى (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) (غافر11)

وعودة العزلة عن قوانين الزمن للأموات فى الموتة الثانية شئ طبيعى لا ينكره القرآن، بل يسجل اعترافًا واضحًا به فى مشهدين جليلين.

(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ)(البقرة259)

إنه أحد أنبياء بنى إسرائيل، يتعجب من كيفية إحياء الله الموتى بعد أن صاروا لا شئ، لا وجود، لا حياة !!

وهذا سؤال مشروع سبق إليه الخليل إبراهيم (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) (البقرة260) !!

هو سؤال للعقل والوعى الإيمانى معًا، فالاستدلال على الله ليس مشينًا للمستدلين، بل هو أقوى لإيمانهم وأدعم ليقينهم.

وأراد الله سبحانه أن يلقن النبى الصالح درسًا عمليًا، فأماته مائة عام ثم بعثه ... والقرآن هنا يؤيد مشهد سهولة خروج الروح، حتى وإن كانت تلك السهولة حكرًا على المؤمنين بالله الواحد الأحد دون غيرهم، إنه يؤكد تلك الحقيقة بين ثنايا حروفه وسطوره، أماته الله مائة عامٍ ثم بعثه، يسأله سبحانه، كم لبثت؟ والجواب يؤكد جوهر تلك السهولة، حيث يقول (قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) بما يعنى أنه أولاً لم يتذكر أى ألم لخروج الروح، بل إنه ما علم قط أنه غادر حياة الشهود إلى حياة الغيب، لم يدرِ أنه غاب جسدًا وروحًا ووجودًا وشهودًا عن عالم الحس والمادة، وثانيًا أن مدة المائة عام بتمامها وطولها مرت عليه كأنها يوم أو بعض يوم، بما يؤكد توقف نواميس الكون فى الشهود عن حياة الغيب، وتوقف الزمان تمامًا، وتوقف كافة قوانين الحياة عن السريان، وهو ما أكده قوله سبحانه(قال كم لبثتم فى الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يومًا أو بعض يومٍ فاسأل العادين) لم يشعروا بالزمن فقد انقطع الزمن بانقطاع الحياة وغدا هناك لازمن..

أما المشهد الثانى فيأتى فى قصة أولئك الفتية الذين خرجوا فى الزمن الأول فارين بعقيدتهم من حاكمٍ ظالم، فأرخى الله عليهم قانون الموت ليعزلهم تمامًا عن قانون الأحياء (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) (الكهف25) أحصى الله عليهم تلك السنوات خارج الزمن، خارج الحياة، ولكنهم حين تساءلوا عن مكثهم جاءت إجابتهم كإجابة نبى بنى إسرائيل... يومًا أو بعض يوم.. (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) (الكهف19) .

إن إجابتهم تمثل وعيهم، والوعى توقف تمامًا، القانون توقف، الناموس أُلغى عمله، ليصير الموت الثانى كالأول، بلا زمن فى حساب الزمن، وبلا وعى فى حساب العقل.

الموت إذن وما يحدث بعده غيب، عذابه ونعيمه أشبه بالحُلم، حتى هذا الحلم يُعد غيب الغيب، فما الموت الثانى إلا بداية لحياة سرمدية أبدية باقية لا فناء بعدها ولا موت.

إن الحياة الآخرة هى التى تحمل معنى الحياة الحقيقية، وتجرى عليها نواميس الوجود جزءًا لا كلاً، بمعنى أن الحياة الآخرة فيها نعيم مادى لأهل الولاية وحسنى المعتقد، فيها أنهار من عسل مصفى، أنهار من لبن، أنهار من خمر، حور عين، فاكهة مما تشتهى الأنفس، لحم طير مما يعلمون ومما لا يعلمون، متع لم تخطر لهم على بال مسبقًا قط، وكذا أهل التكذيب والظلم لهم شراب من حميم، وعذاب أليم، وقيح وصديد، ودركات فى جهنم بعضها أعمق من بعض، وكلاهما ماديان، النعيم والعذاب، هذا مادى حسى، وهذا مادى حسى شعورى، يقول الله عز وجل (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (الزخرف71) ويقول عن الثانى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) (النساء56)

هذا جزء من الناموس الذى يسرى على الأحياء، أما الجزء الآخر من صغر وكبر، وحزن وفرح، ولذة وألم فلا يجرى أبدًا، فأهل الجنة لا يشيبون، لا يسرى عليهم قانون الوجود ضعف فقوة، وصغر فكبر، وشباب فشيب، وكذا أهل النار، بل يتوقف الزمن تمامًا عن إحداث أى تغييرات بهم، ثم إنهم معًا خالدون، أهل الجنة فى النعيم خالدون، وأهل النار فى العذاب مقيمون إلا ما شاء ربك (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)(هود105-108)

يسرى على هؤلاء وأولئك قانون السرمدية، فلا موت، ولا هرم، ولا شيخوخة، ولا كهولة، ولا ضعف، ولا مرض، ولا نوائب الدهر التى كفلها قانون الوجود الأول، بل تصبح حياة غير الحياة، ومعيشة غير المعيشة الأولى تمامًا، بل ليس لها من الحياة الأولى غير اسم الحياة الموازى للوجود لا أكثر.

إذن ليس المجهول هو الذى يحكم عالمنا، وليس من المجهول أتينا وإلى المجهول المصير والمسير، بل من علم غيب الله أتينا وإليه سبحانه المصير، وهذه المعانى هامة لتغيير حياة الأفراد المحققين لأدنى درجات الوعى، ليعلموا أن الحياة التى يعيشونها وجود ممهد لوجود آخر، حياة سابقة على حياة أخرى، لكن تلك الأخرى متوقفة تمامًا على ما يقدمه الإنسان فى حياته الدنيا (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) (النجم 39-41) (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) (الإسراء12-14)، هذا هو السر من وراء تلك الحياة الدنيا، لم تكن محض مصادفة، ولا مجرد أهواء إلهية أراد الله بها أن يخلق الناس سُدى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون 115) بل تعالى سبحانه عن الهوى، وتعالى عن الهزل، وتعالى عن كل نقصٍ لا يليق بكماله وبهاء جلاله، فما  الحياة الدنيا إلا مقدمة يعقبها نتائج، إما السعادة، وإما الشقاء، وما الحياة الدنيا إلا مصفاة يميز الله بها الخبيث من الطيب، وما الموت إلا قنطرة بين الدارين، الدنيا والآخرة، ثم يكون إلى الله المصير، وبين يديه سبحانه الحساب (وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الأنعام32).

 

د. محمد ممدوح

...................

  1) أخرجه أبو نعيم فى الحلية 266/6 وابن عساكر 214/37

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

جزاكم الله خيراً سعادة الدكتور الفاضل، مقالة ممتازة والأسلوب سلس واضح جميل، والموضوع مهم، بارك الله فيكم💐💐💐💐

د. فاطمة إسماعيل
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4558 المصادف: 2019-02-27 01:56:01