 دراسات وبحوث

علامات الخوارج.. التاريخ يعيد نفسه!

منى زيتونيقولون إن التاريخ يعيد نفسه، وأقول: إذا ما تعلق الأمر بالخوارج أو المارقة كما أسماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأمر أجلى وأوضح؛ فالخوارج -كما سبق أن ذكرنا وفصّلنا في مقالين عنهم (1) (2)- ليسوا فرقة مرّت وانتهى أمرهم، بل هم جماعات تظهر في كل زمن لهم فكر واحد.

‏ولهم علامات لا تخطئها أعين المدققين، تتكرر في كل زمان ومكان يُبتلى بهم فيه المسلمون. لكن، وكما علامات المنافقين، فليس كل منافق فيه كل خصلات النفاق، ليس بالضرورة أن توجد كل علامات الخوارج في كل جماعة من تلك الجماعات القديمة والحديثة التي وُصمت بذلك.‏

وفي هذا المقال سنُعنى بسرد أهم هذه العلامات التي تحققت في مارقة زماننا، كما سبق وتحققت في أسلافهم.

الخروج على الإمام وقتله

أهم علاماتهم والتي اشتُق منها اسمهم، هو خروجهم على إمامهم، ويمكن اعتبار ما حدث مع سيدنا عثمان بن عفان اغتيالًا غادرًا ممن خرجوا عليه، فقد قتلوه غيلة وسط زحام الدار حتى لم يُعرف يقينًا من قتله! مما أعجز سيدنا علي عن إقامة الحد. بالرغم من ذلك فإن أول شهيد اغتيال لأول طائفة معلنة من الخوارج في تاريخ الإسلام هو سيدنا الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.

وكما خرج الحروريون قديمًا على سيدنا الإمام عليّ بن أبي طالب، ثم قتلوه، خرج الوهابية على الخليفة العثماني، ولو تمكنوا منه لقتلوه.

وكذا الإخوان لم يعجبهم إمامهم، فخرجوا عليه. لم يعجبهم حسن البنا! يحكي من أرّخوا لجماعة الإخوان المسلمين أن حسن البنا كان قد فقد سيطرته على الجماعة منذ مطلع الأربعينات، حتى وصل به الحال قبل أن يُقتل بشهر أن كتب مقاله الشهير "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين!"، متبرئًا فيه من الجماعات السرية التي اعتمدت الاغتيالات السياسية أسلوبًا لها.

وكذلك قد يفعل الدواعش أحيانًا بزعمائهم وفقًا لما يصلنا من مصادر إخبارية.

كما أن الإخوان يحلمون بخلافة تتزعمها تركيا، والسلفيون يعتبرون ملوك السعودية خلفاءهم، ولا ولاء لديهم لحكام دولهم القُطرية حتى لو لم يكونوا فاسقين!

الاغتيالات السياسية لكبراء المسلمين

لم يأذن الرسول صلى الله عليه وسلم يومًا باغتيال رءوس المشركين. قال عليه الصلاة والسلام: "الإيمان قيّد الفتك. لا يفتك مؤمن"، بل إن مشركي مكة أنفسهم لم يفعلوها مع المسلمين. لم تكن العرب تعرف هذا النوع من الخسة والغدر.

ومع ظهور فرق الخوارج حدثت بعض حوادث الاغتيال للخلفاء كما أوضحنا، ولكن لم يعرف المسلمون الاغتيالات بكثرة إلا عندما ظهرت طائفة الخوارج الحشاشين (الإسماعيلية النزارية)، وهم إحدى أهم فرق الخوارج في تاريخ الإسلام، والذين سبق وفصلّت في سيرتهم في مقالي "هل يجوز تكفير الخوارج؟!2"

انفصلت طائفة الباطنية أو الحشاشون ASSASINs أو الإسماعيلية النزارية أو الإسماعيلية (من باب التخفيف) عن الفاطميين الإسماعيلية في القرن الخامس الهجري. تمركزهم كان في بلاد فارس ثم أيضًا في بلاد الشام. وكانوا يُستأجرون للقيام بالاغتيالات السياسية عن طريق مباغتة الضحية بخنجر بعد التربص به، وعُرِف عن قادتهم أنهم يُعطونهم مخدر الحشيش بكميات كبيرة حتى يدمنوه، ويكون من السهل التأثير عليهم والانقياد لهم لتنفيذ ما يؤمرون به من عمليات.

عمّت البلوى بهم ما بين القرن الخامس والسابع الهجري. وفي القرن الخامس زاد شرهم في بلاد فارس، وقاتلهم سلاطين ووزراء السلاجقة. وفي نهاية القرن الخامس والقرن السادس تسلّطوا على الكثير من الأمراء والوزراء وقتلوهم، حيث كثر قتلهم غيلة ونسبة القتلة إلى الباطنية. ووصل الأمر إلى قتل الخليفة المسترشد بالله سنة 529هـ، كما قيل في سبب موت الخليفة الراشد سنة 532هـ ثلاثة أقوال، أحدها أنه سُقي السم ثلاث مرات، والثاني أنه قتله قوم من الفراشين الذين كانوا في خدمته، والثالث أنه قتله الباطنية وقُتلوا بعده. واختلف المؤرخون كذلك حول قتل الوزير السلجوقي نظام الملك هل قتله أحد الحشاشين أم سلّط عليه السلطان ملكشاه من قتله سنة 485هـ. كما كان أكابر العلماء من الشخصيات المستهدفة بالاغتيال أو على الأقل الأذى إن لم يتمكنوا منهم.

وبالرغم من عدائهم مع الخلافة العباسية والدول والسلطنات الكبرى التابعة لها في الشرق كالسلاجقة والخوارزميين، وكذا الزنكيين والأيوبيين، وعداءها العقائدي والسياسي مع الفاطميين، إلا أن أحدًا لم يستطع استئصالهم بسهولة لأنهم اتخذوا من القلاع فوق الجبال حصونًا لهم.

وفي عصرنا الحديث عادت الاغتيالات السياسية أول ما عادت على أيدي الإخوان، فكانوا مغرمين بها، خاصة في حقبة الأربعينات؛ فقتلوا النقراشي باشا رئيس الوزراء، وأحمد ماهر باشا، والقاضي أحمد الخازندار. كما اختطفت جماعة التكفير والهجرة الشيخ الذهبي وزير الأوقاف المصري، وقتلته في السبعينات. وكذا قُتل الرئيس المصري محمد أنور السادات على يد الجماعة الإسلامية. والأمثلة كثيرة.

الدواعش أيضًا يكثر فيهم اغتيال الآمنين فهم يقتلون المدنيين غير الحربيين من المسلمين وليس فقط أهل الكتاب، ومن آخر المآسي الكبرى التي أحدثوها قتلهم لمئات من الصوفية في مسجد الروضة بشمال سيناء يوم الجمعة 24 نوفمبر 2017، وهي الجمعة السابقة على ميلاد الحبيب المصطفى، والتي يحتفي فيها الصوفية بذكرى مولده الشريف.

أما الانسحاب من المجتمع الذي يكفرونه، كما كان ينسحب الحشاشون في رءوس الجبال، فرأيناه في جماعات التكفير والهجرة، كما رأيناه في داعش.

الدعوة إلى تحكيم شرع الله "قولة حق أُريد بها باطل"

خرج الخوارج أول مرة في عهد الإمام عليّ بن أبي طالب بعدما كانوا يقاتلون إلى صفه في صِفين؛ حيث كان من نتائج معركة صفين بين سيدنا عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، أن تم الالتجاء إلى التحكيم، وذلك بعد أن رفع جند معاوية المصاحف على أسِنِّة الرماح، طلبًا للاحتكام إلى كتاب الله، فخرجت الخوارج من جيش عليّ، وأعلنوا أن "لا حكم إلا لله" و "الحكم لله- لا للرجل".

ذكر الشهرستاني في "الملل والنحل" (ج1، ص110)  أن أمير المؤمنين عليّ لما سمع قولتهم قال: "كلمة عدل يُراد بها جور، إنما يقولون لا إمارة، ولا بد من إمارة برّة أو فاجرة"أهـ.

وقد كفّره هؤلاء الخوارج بسبب قبوله التحكيم، كما كفّروا سيدنا عثمان وأصحاب الجمل والحكمين وكل من رضي بالتحكيم!

هذا بالرغم من أن الآية التي كفَّر بها الخوارج الإمام عليّ، وكفَّر من تلاهم من الخوارج جموع المسلمين، ولا زالوا يفعلون، وهي الآية الكريمة ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، جمهور أئمة المسلمين القدماء والمحدثين على أن المقصود بالكفر فيها ليس الكفر المُخرِج من الملة للمسلمين، هذا حتى في حال إن اعتبرنا أن المخاطب بها هم المسلمون!

وخوارج عصرنا لا يختلفون عمن سبقهم في المسارعة إلى الدعوة نفسها، واعتبار حكامهم ومن يوافقهم كافرين لأجل السبب ذاته.

تكفير عامة المسلمين بالذنوب وبالمخالفة العقدية والفقهية لهم

من أهم صفات الخوارج اتهامهم المسلمين بالشرك، وتطبيق ‏نصوص القرآن التي نزلت في المشركين والكافرين على المسلمين.

يذكر الإمام البخاري في أول باب (قتل الخوارج ‏والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم) "وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا ‏إلى آيات نزلت في ‏الكفار، فجعلوها على المؤمنين"‏أهـ. ورواها ابن عبد البر في "الاستذكار" ‏‏(ج8، ص90) (10576) من رواية نافع عن ابن عمر. وأقول: ولا زالوا يفعلون. وصدق ابن ‏عباس عندما قال في الخوارج: "يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه".‏

وجميعهم بدءًا من الحرورية –أول فرق الخوارج- يُكفِّرون المسلمين بالذنوب؛ إذ كانت أهم عقائد الحرورية أن الإيمان لا ينفصل عن العمل، فهو ما وقر في القلب وصدّقته ‏الجوارح والعمل، وقد قادتهم تلك المقدمة إلى نتيجة خطيرة جعلتهم أول فرقة متطرفة في تاريخ ‏الإسلام، وهي أن الفاسق غير مؤمن، فمرتكب الكبيرة هو كافر بزعمهم، فكفّروا المسلمين ‏ووقعوا في دمائهم، وكان الأزارقة؛ أتباع نافع بن الأزرق الحنفي يعتبرون باقي ‏المسلمين مشركين، وديارهم ديار شرك! ولا نجد في أدبيات الخوارج حديث عن توبة صاحب ‏الكبيرة كما هو الحال عند المعتزلة، وفي هذا فتح لباب المعاصي، وتجاهل للضعف الإنساني، ‏وإغلاق لباب الرحمة في وجوه العباد.

ومسألة موضع العمل من الإيمان من أهم مباحث الخلاف العقائدي ‏بين طوائف الأمة، وجميع الفرق في تاريخ الإسلام التي قالت بأن العمل من أصل الإيمان ‏وليس فرعًا له وقعت في تكفير المسلمين أو تفسيقهم، وأبرزهم في عصرنا الفرقة المسماة ‏بالسلفية الوهابية.‏

كانت دعوة ابن عبد الوهاب تقوم على أساس تكفير جميع المسلمين؛ إذ تتضمن في أغلبها مخالفات ابن تيمية التي ابتدعها ونسبها للسلف وحُبس مرارًا بسببها، وهي: تحريم التوسل بالنبي، وتحريم السفر ‏لزيارة قبر الرسول، وإلغاء الطلاق المحلوف به عند الحنث فيه، وعقيدة حنابلة بغداد التجسيمية لذات الله تعالى بنسبة الجوارح إليه وتحييزه في جهات. كما ابتدع ابن عبد الوهاب بعض المستجدات مما لم يُسبق إليها كمحاربة التصوف وتحريم الاحتفال بالمولد الشريف خلافًا لابن تيمية الذي لم يحرِّمه. قال في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" عند حديثه عن الاحتفال بمولد النبي عليه الصلاة والسلام: "إن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا". ‏وكان من أول ما يفعلونه الوهابية عند السيطرة على منطقة أو عندما تتحالف معهم هو هدم الأضرحة، -ولا زال هذا دأب السلفية والدواعش المعاصرين-. وكانت أول قبة قبر هدمها ابن عبد الوهاب قبة قبر زيد بن الخطاب.

استباحة دماء وأموال عامة المسلمين

قتل الحرورية قديمًا عبد الله بن خبّاب بن الأرت. وطالما استباح القرامطة دماء وأموال المسلمين، حتى الحجيج منهم، ولم يسلم من الحشاشين الباطنية عامة المسلمين، فكانوا يغزونهم فيقتلونهم ويسبون نساءهم وينهبون أموالهم.

ومما يميز الخوارج المعاصرون فوق تكفيرهم عامة المسلمين استباحة دمائهم، واستباحة أموالهم، ‏مثلما فعلت كل طوائف الخوارج من قبلهم.

ومن يقرأ للوهابية يفهم مباشرة نظرة محمد بن عبد الوهاب إلى المسلمين في عصره، فممارساتهم بالنسبة إليه كانت شركًا، تستحق منه الجهاد ضدهم واستحلال دمائهم وحرماتهم، فكان يحاربهم ويسمي ما يفعله بهم غزوات، ويسبي نساءهم وأطفالهم. ويبدو أن الرجل من الناحية النفسية كان يرى في نفسه استئهالًا للنبوة، لأن هذا التصور لمجتمعه على أنه المجتمع المسلم الصغير الذي تقابله ديار شرك، لم يوجد سوى في عصر النبوة الأولى، وحتى الخوارج الأوائل كفّروا المسلمين، ولم يُسموا حروبهم معهم غزوات. كما أنه قد أطلق على حركته مسمى "دعوة"!! فلأول مرة منذ أن صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة الإسلام نجد شخصًا يتزعم فرقة من الفرق يُطلق على ما يعرضه مسمى "دعوة". وكانوا يقولون لمن يتبعهم أنه دخل في ديننا!!

والعجيب أن الوهابية المحدثين يصدّقون على ذلك التصور المتوهم لحال المسلمين وقت ظهور الوهابية، ولا يرون فيه أدنى مبالغة، علمًا بأن أحدًا غير ابن عبد الوهاب من معاصريه لم ير في ممارسات مسلمي جزيرة العرب وقته شركًا!

منع المسلمين بيت الله الحرام

لعله لم تبلغ فرقة من الخوارج درجة من الفسق وانتهاك الحرمات مثلما فعلت القرامطة، حتى وصل الأمر إلى سرقة أهل مكة والإغارة على الحجاج، وانتزاع الحجر الأسود من الكعبة سنة 317هـ، وخلع أستار الكعبة، ولم يُعد زعيمهم أبو طاهر القرمطي الحجر وأستار الكعبة إلا سنة 339هـ، بعد تهديد الفاطميين الذين أعادوا موسم الحج لما كان عليه، وكان يُخطب لهم بمكة طيلة قرنين من الزمان بدلًا من العباسيين. لكن ظل القرامطة يضايقون حجاج العراق ويمنعونهم من الحج.

كذلك سجّل لنا المؤرخون كثيرًا من الحوادث التي أحدثها الخوارج الحشاشون الباطنية مع الحجاج؛ ففي سنة، 498هـ، أغار ‏جمع كثير من هؤلاء الإسماعيلية النزارية من طريثيث عن بعض أعمال بيهق –وبيهق ‏مجموعة قرى بجانب نيسابور، كان الحشاشون يتمركزون في بعضها، ومن أهم ‏قراهم طريثيث وطرز-، على الناس، فقتلوهم ونهبوهم وسبوا نساءهم، بل ‏وقتلوا الحجاج عند عودتهم من الحج. وكان  ذلك بجوار الريّ.

وفي سنة 552هـ، قُتل حجاج خراسان قرب بسطام بأيدي الحشاشين. ‏يقول ابن الأثير: "وقُتِل فيهم من الأئمة العلماء والزهاد والصلحاء جمع كثير، وكانت مصيبة ‏عظيمة عمَّت بلاد الإسلام، وخصت خراسان".

وفي سنة 608هـ، وثب الباطنية على أخي الأمير قتادة أمير مكة، بمنى أيام الحج، ‏وقتلوه، ظنًا منهم أنه قتادة. ونُهِب الحجاج.

وما أشبه خوارج زماننا في هذا بالقرامطة والحشاشين، وكم منعوا الحجيج من الوصول إلى بيت الله الحرام ‏وأداء المناسك، بل ونهب الوهابية أول ظهورهم الحجرة النبوية وأخذوا ما فيها من الأموال ‏والجوهر.‏

كان الوهابية قد منعوا الحجيج المصري والشامي سبع سنين قبل أن يهزمهم إبراهيم باشا. ‏يذكر مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر النجدي الحنبلي في كتابه "عنوان المجد في تاريخ نجد" ‏‏(ج1، ص292) في حوادث سنة 1221هـ "فلمّا خرج سعود من الدرعية قاصدًا مكة، أرسل فرَّاج ‏بن شرعان العتيبي، ورجاله معه، لهؤلاء الأمراء المذكورين، وذكر لهم أن يمنعوا الحجاج التي ‏تأتي من جهة الشام واستنبول ونواحيهما، فلما أقبل على المدينة الحاج الشامي ومن تبعه، وأميره ‏عبدالله العظم باشا الشام، فأرسل إليه هؤلاء الأمراء أن لا يقدم إليهم، وأن يرجع إلى أوطانه". وفي ‏حوادث سنة 1223هـ (ص297) يذكر أنه "لم يحج في هذه السنة أحد من أهل الشام ومصر ‏والعراق والمغرب وغيرهم إلا شرذمة قليلة من أهل المغرب لا اسم لهم حجوا بأمان".‏

وفي القرن العشرين مُنع الحاج السوري من الوصول إلى مكة سنة 1959هـ، كما مُنع ‏الحجاج اليمنيين على إثر خلافات سياسية، وكذا حدث مع الحجاج الليبيين لسنوات، وأُرجعت ‏الكسوة المرسلة من مصر كهدية للكعبة المشرفة، والتي كانت مصر تقدمها لقرون، كما استأثروا ‏بالإمامة والوعظ في الحرمين الشريفين في مشائخ مذهبهم، وهي سابقة لم يحدث مثلها في تاريخ ‏الإسلام. والأسوأ هو واقعتين قام فيها الجنود بفتح النيران على الحجيج؛ الأولى ضد الحاج ‏اليماني سنة 1341هـ ‏‏/ 1921م والثانية ضد الحاج الإيراني سنة 1408هـ/ 1988م.‏

حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام

كان الخوارج ولا زالوا سفهاء العقول لا يفهمون مقاصد الشارع الحكيم ولا يعوا منها شيئًا. وقد رأينا كيف فهموا معنى أن لا حكم إلا لله بعقولهم القاصرة فضلّوا.

وكذا هو الحال في أيامنا؛ فمن أهم صفات خوارج آخر الزمان التي ذكرتها الأحاديث أنهم "حدثاء الأسنان، ‏سفهاء ‏الأحلام". ‏وحدثاء الأسنان جمع حديث السن وهو الصغير؛ فإن حداثة السن محل للفساد ‏عادة. وسفهاء الأحلام أي ضعفاء العقول؛ جمع حلم وهو العقل. ‏والسفهاء جمع سفيه وهو الطائش ‏خفيف العقل. ويُلاحظ أن ضعاف العقول يثبتون عند المستوى الطفولي الحسي في تصور المفاهيم الدينية، ومنها مفهوم الله.‏

ورءوس الجماعات المتطرفة في عصرنا يبحثون عمن لهم تلك الصفات من المراهقين والشباب اللاهين ضعيفي الثقافة والعقل لاجتذابهم وضمهم إليهم. ‏

جاء ذلك الوصف لخوارج آخر الزمان تحديدًا في أحاديث كثيرة، ففي صحيح البخاري (6930) عن عليّ رضي الله عنه قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‏‏"سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا ‏يُجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم ‏فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة". ‏ومثله: الأحاديث (3611) ‏و (5057) بصحيح البخاري. وبصحيح مسلم ‏(2511 -154/1066) وسنن أبي داود (4767) ‏وسُنن ‏ابن ماجه (168) وسُنن النسائي (4102) وسُنن الترمذي (2188).‏

التيه والعجب بأنفسهم لظنهم أنهم الفرقة الناجية

كان ولا زال التيه والعُجب بأنفسهم من صفات الخوارج النفسية؛ فهم معجبون بجماعاتهم. يظنون أنفسهم أنهم ‏وحدهم الفئة الناجية، والأمر يتجاوز تبديع وتكفير الشيعة بل إن تخطئتهم حتى لأئمة السُنة وتبديعهم غير مغفول عنه.

وقد تخيرت أكبر جماعاتهم في عصرنا لأنفسهم مسمى السلف ادّعاءً أنهم وحدهم متفردون بما كان عليه السلف، وما أبعدهم عنهم لمن يفقه.

كما يُحكى أن أحدهم قال في جنازة أحد المطرودين من جماعة الإخوان بعد ثورة يناير 2011 "اللهم حاسبه كما لو كان في جماعة الإخوان المسلمين"!

الصفات الشكلية والتدين الشكلي

تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بخروج الخوارج الأُول، ثم خروج طوائف عديدة منهم، وحتى آخر الزمان. وذكر صفاتهم الشكلية وكذا تدينهم الشكلي.

وقد وصف الرواة شكل الرجل الذي أطلق النبي نبوءته الأولى عنهم بسببه. والأحاديث في ذلك متواترة بأسانيد كثيرة وصحيحة، وجاء في وصف الرجل في حديث (4351) بصحيح البخاري ‏أنه "رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار". وهو الوصف نفسه في حديث صحيح مسلم (2500 -144/1064) و (2502 -146/1064) ‏أنه "رَجُلٌ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ ‏الإِزَارِ". وفي حديث صحيح مسلم (2499-143/1064)‏ و (2501 -145/1064) أنه "رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِيءُ الْجَبِينِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ". فذُكر أنه ناتيء الجبهة، ولم يُذكر تشميره للإزار.

وأقول: وكأنني برسول الله يصف أقوامًا نراهم بيننا.

وجاء في وصف التدين الشكلي للخوارج القدماء جملة صفات تكرر ذكرها في أحاديث كثيرة. على سبيل المثال: في الأحاديث بصحيح البخاري (‏3610) و (6931) وبصحيح مسلم ‏(2503 -147/1064) ‏و ‏(2505 -148/1064) و (2499-143/1064) ومستدرك الحاكم على الصحيحين (2649) وسنن ابن ماجه (169)؛‏ وهي أنهم شديدو الاجتهاد في العبادة "يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ"‏ أي يجدها قليلة ويظنها أقل ثوابًا وقبولًا إذا قارنها ‏بصلاتهم، فهم يجهدون أنفسهم بالعبادة. و"يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ –حَنَاجِرَهُمْ-" أي لا يتعداها، والتراقي جمع ترقوة وهي عظم يصل ما بين ثغرة النحر والعاتق. وفي وصف آخر بحديث صحيح مسلم ‏(2501 -145/1064) "يتلون كتاب الله رطبًا، لا يُجاوز حناجرهم"، والمراد لا يفقهون ‏معناه، ولا تخشع له قلوبهم، ولا يؤثر في نفوسهم، فلا يعملون بمقتضاه.

ووصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم "يحسنون القيل ويسيئون الفعل" في أحاديث مستدرك الحاكم على الصحيحين (2648) ‏و (2649) و (2650) و (2659) وحديث مسند الإمام أحمد (5562 م3).

تحليل الزنا مع التبرير له

روي في كتاب "وقعة النهروان أو الخوارج" أن عبيدة بن هلال اليشكري الحنفي وهو أحد قادتهم وشعرائهم اُتهم بامرأة رجل حداد، رأوه مرارًا يدخل منزله بغير إذن. فأتوا خليفتهم (قطري بن الفجاءة التميمي)، فذكروا ذلك له. فقال لهم: إن عبيدة من الدين بحيث علمتم، ومن الجهاد بحيث رأيتم، ثم احتال له فأخبره بالخبر قبل أن يجمعه بهم. فقالوا: إنا لا نقاره على الفاحشة فقال: انصرفوا، ثم بعث الى عبيدة فأخبره.

وفي الأربعينات انكشفت فضيحة لأحد كبار جماعة الإخوان المسلمين أقام علاقات غير مشروعة متعددة مع زوجات بعض أعضاء الجماعة!

http://www.civicegypt.org/?p=34892

ويُحكى أيضًا عن أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين المعاصرين أنه قد تم تجنيده من قِبل الأمن للتجسس على زملائه لسنوات بسبب تسجيلات له مع سيدة تزوجها عرفيًا دون وليّ ودون إشهار!

ومن منا لم يسمع بزواج النكاح الذي ابتدعته داعش؟! والذي تعظم الداهية من ورائه بأنه ليس فيه استبراء رحم! والأعجب أن من أكثر ما ينكره هؤلاء المنافقين على بعض سفهاء الشيعة الإمامية أنهم لا زالوا يستحلون زواج المتعة الذي ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرّمه بعد أن كان حلالًا رغم أن زواج المتعة أفضل حالًا –رغم حُرمته- لأن به استبراء رحم!

أخيرًا أقول: قطع الله دابركم جميعًا كما قطع أدبار قرونًا قبلكم.

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4643 المصادف: 2019-05-23 04:17:07