 دراسات وبحوث

شيوع التقليد في المذاهب الفقهية السُنية

منى زيتونلم يعرف المسلمون المذاهب الفرعية في الفقه قبل القرن الثاني الهجري؛ حيث كان مسلمو القرن الأول يأتسون بالنبي صلى الله عليه وسلم في أمور دينهم، وقل ما يسألونه إن لم يتبين لهم الحكم، فلم يسألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة، وكذا كانوا يسألون أمراءه على البلاد، ثم بعد وفاة النبي صاروا يسألون الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة، ثم الصحابة عامة، ثم كبار التابعين ممن صحبوا الصحابة وتتلمذوا عليهم، وكان عامة الناس يسألون الأقرب إليهم مكانًا ومن يظهر لهم علمه دون التقيد بقول واحد.

ثم تكونت وتبلورت مذاهب فقهية كثيرة في القرون الهجرية الأولى. كان أشهر المذاهب المنسوبة لأئمة أهل السنة مذهبي الإمام أبي حنيفة والإمام سفيان الثوري بالكوفة، ومذهب الإمام مالك بن أنس بالمدينة، ومذهبي الإمام الشافعي والإمام الليث بن سعد بمصر، ومذهبي الإمام أحمد بن حنبل والإمام أبي ثور ببغداد، ومذهب الإمام الأوزاعي بالشام، ومذهب الإمام سفيان بن عيينة بمكة، ومذهب الإمام إسحاق بن راهويه بنيسابور، وغيرها، إلا أنه بعد قصر الظاهر بيبرس تعيين القضاة من المذاهب الأربعة المعروفة؛ وهي الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، صارت هذه المذاهب هي المذاهب التي عليها أهل السُنة في كافة الأمصار منذ أن حُصر التقليد فيها وإلى عصرنا الحاضر. ولم يعد لباقي المذاهب أتباع بين الناس، واقتصرت المعرفة بفقه أصحابها على علماء أهل السُنة، كما تعددت مذاهب الشيعة وأشهرها الجعفرية والزيدية.

وكانت هناك ظروف أحاطت بكل إمام من أئمة المذاهب الأربعة ساعدت على نشر مذهبه حتى قبل قرار بيبرس، فأبو حنيفة استقطب تلاميذ كُثر أشهرهم القاضي أبو يوسف الذي تولى منصب القضاء للخلفاء المهدي والهادي والرشيد، وكان يختار القضاة من المذهب الحنفي، فسعى طلبة العلم في العراق وغيرها للانتساب للمذهب الحنفي طمعًا في ولاية القضاء وعلو الشأن. وكان للحظوة التي نالها الإمام مالك عند المنصور حتى نادى المنادي في الناس (لا يُفتينَّ أحد ومالك بالمدينة)، وعزمه على نسخ الموطأ وبعث نسخه للأمصار، ثم الحظوة للإمام لدى الخلفاء من بعده سببًا في انتشار مذهب الإمام مالك في المدينة، وكان الإمام الشافعي من تلاميذ الإمام مالك ولمّا كان بمصر كان يُكثر من الثناء عليه، كما نزل ضيفًا في مصر على عبد الله بن عبد الحكم وكانت له مكانة بين المالكية، لذا احتفى به المالكية هناك، ما ساعد على نشر مذهب الشافعي. أما الإمام أحمد بن حنبل فقد صبر وتجلد وضُرب في محنة خلق القرآن في عهد المأمون والمعتصم والواثق ما أعلى مكانته بين الناس، ثم تحولت الخلافة إلى المتوكل الذي كان على عكس المأمون ضد كل أفكار المعتزلة، فأكرم الإمام أحمد ولم يعد يتخوف أحد من اتباع مذهبه. وإن كان مذهبه قد تكون بعد وفاته بعقود، وبه كثير مما لا تصح نسبته إليه.

ويمكن ملاحظة أن الانغلاق الفكري قد أصاب الأمة تدريجيًا، فأبو حنيفة هو أول ‏الأئمة الأربعة ونجده أكثرهم انفتاحًا من حيث الطريقة والمحتوى. يقول عنه الإمام أبو زُهرة في "تاريخ المذاهب الإسلامية" (ص337): "كانت طريقة أبي حنيفة في درسه تشبه طريقة سُقراط في محاوراته، فهو لا يُلقي الدرس إلقاء، ولكن يعرض المسألة من المسائل التي تعرض له على تلاميذه، ويُبين الأسس التي تُبنى عليها أحكامها، فيتجادلون معه، وكل يدلي برأيه، وقد ينتصفون منه ويعارضونه في اجتهاده، وقد يتصايحون عليه حتى يعلو ضجيجهم، وبعد أن يُقلب النظر من كل نواحيه يُدلي هو بالرأي الذي أنتجته المحاورات، ويكون ما انتهى إليه هو القول الفصل، فيُقرّه الجميع، ويرضونه"أهـ. كان الإمام أبو حنيفة منطقيًا في تشريعاته يدور مع مقاصد الشارع فإن انتفت الشبهة انتفت ‏التهمة، مثلًا في عقود الإشهار كالزواج أباح شهادة الأصول للفروع والفروع للأصول بعكس ‏عموم القاعدة بعدم جواز ذلك، واستخدامه للمنطق ومراعاة المقصد في تقرير آرائه الفقهية دفع كثير من ‏الجهلاء لزندقته والافتئات عليه قديمًا وحديثًا بأنه يخالف الشرع وهم لا يسوون غرزة في نعله.‏

ويلي الإمام أبا حنيفة في الانفتاح والسماحة طريقةً ومحتوى، الإمام مالك ثم الإمام الشافعي ثم الإمام أحمد بن ‏حنبل. إنه ليس مجرد ترتيب زمني بل ترتيب يُعبر عن التطور السلبي الذي طرأ على طريقة ‏تفكير الأمة، ومع ذلك فهؤلاء الأئمة كلهم كان فيهم خير. يكفي أن أحدهم كان لا يخشى أن ‏يخالف من سبقه ويجرؤ على التفكير بشكل جديد فيما يعرض أمامه من مسائل. لذا كان لدينا ‏علم فقه رصين له قيمة لا زلنا نستفيد مما قرره فقهاؤه الأُول في معاملاتنا إلى يومنا هذا.‏

وكان آخر المذاهب ظهورًا هو المذهب الحنبلي، وهو أكثرها تشددًا، لكن أشد الانغلاق الذي حل هو غلق الآراء الفقهية على أصحاب المذاهب التي تكونت، وشيوع التقليد، بحيث يُلزَم كل شخص برأي الإمام الذي هو على مذهبه، ما أدى لإغلاق باب الاجتهاد المطلق في جميع مسائل العبادات والمعاملات، فلا قول يعلو على أقوال أصحاب المذاهب.

يحكي لنا الولي الدهلوي في "الإنصاف" (ص68-69) كيف تدرج الناس في الانتساب إلى المذاهب، فيقول: "اعلم أن الناس كانوا في المائة الأولى والثانية غير مجمعين على التقليد لمذهب واحد بعينه، وبعد القرنين حدث فيهم شيء من التخريج، غير أن أهل المئة الرابعة لم يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص على مذهب واحد والتفقه له والحكاية لقوله، كما يظهر من التتبع، بل كان الناس على درجتين: العلماء والعامة، وكان من خبر العامة أنهم كانوا في المسائل الإجماعية التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أو بين جمهور المجتهدين لا يُقلِّدون إلا صاحب الشرع. يقول الدهلوي: قال ابن الهمام في آخر التحرير: "كانوا يستفتون مرة واحدًا، ومرة غيره، غير ملتزمين مفتيًا واحدًا"أهـ. وأقول: يشذ عما حكاه الدهلوي، سُنة أهل بغداد في القرن الرابع، حيث أجمعوا على التقليد الخالص لما شاع عندهم أنه مذهب أحمد بن حنبل.

ومع تتابع القرون، وزيادة العلماء، تفاوتت طبقاتهم، والأشهر أن طبقات العلماء في الفقه تتفاوت، فهناك المجتهدون، وهناك المقلدون، وكل جماعة تتفاوت فيما بينهم، فأما المجتهدون؛ فهناك المجتهدون مطلقًا (المستقلون وهم الأئمة الكبار أصحاب المذاهب كأبي حنيفة ومالك والشافعي، والمنتسبون لهم غير المستقلين عن مذاهبهم)، كما أن هناك طبقة من المجتهدين في المسائل في المذهب الواحد. وأما المقلدون فتتفاوت طبقاتهم إلى (أصحاب التخريج- أصحاب الترجيح- القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف- من لا يُفرِّقون بين الغث والسمين).

ويوضح الدهلوي (ص74) أنه بناء على ما قرره العلماء، فالاجتهاد المُطلق نوعان:

- اجتهاد مطلق مستقل: وقد فُقِد من رأس الأربعمائة، فلم يمكن وجوده.

- اجتهاد مطلق منتسب غير مستقل: وهو باق إلى أن تأتي أشراط الساعة الكبرى، ولا يجوز انقطاعه شرعًا لأنه فرض كفاية، ومتى قصّر أهل عصر حتى تركوه أثموا كلهم وعصوا بأسرهم.

ويُقسم الدهلوي الخاصة من العلماء إلى مجتهد مطلق (مستقل- غير مستقل)، ومجتهد في البعض. قال (ص70): "وبعد المئتين ظهر فيهم التمذهب للمجتهدين بأعيانهم، وقلّ من كان لا يعتمد على مذهب مجتهد بعينه"أهـ. وقد قسمهم الدهلوي إلى:

- المجتهد المطلق المنتسب غير المستقل: أي المنتسب إلى صاحب مذهب في الجملة. من أهل التخريج والترجيح، فله اختيار وترجيح يُخالف الراجح في مذهب الإمام الذي ينتسب إليه.

- المجتهد في المذهب: لا يصل إلى رتبة الاجتهاد المطلق، وقد يوجد له استدراكات على إمامه بالكتاب والسُنة وآثار السلف والقياس، لكنها قليلة بالنسبة إلى موافقاته.

ونخلص إلى أنه وحتى قرون متأخرة نوعًا لم يكن الاجتهاد قد أُغلِق بابه نهائيًا، ولكن كان الغالب التقليد، لكن أصبح يُحصر من وصل إلى رتبة الاجتهاد المطلق ضمن المذهب الفقهي الأقرب له الذي كان عليه قبل أن يجتهد، ويُنسب إليه. سواء حصره أصحاب المذهب أو حصر هو نفسه، رغم اعترافهم أنه أعلى من أن يكون مجتهدًا في المذهب. وللإمام السيوطي كتاب عن (نصرة المجتهدين).

ومن أشهر من حصروهم ونسبوهم إلى مذهب إمامهم رغم وصولهم رتبة الاجتهاد المطلق، من متقدميّ الحنفية أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني صاحبا أبي حنيفة، وقد انقرض المجتهد المطلق المنتسب في مذهب الإمام أبي حنيفة بعد المائة الثالثة، ومن متقدميّ الشافعية ممن يُعدّون مجتهدين مطلقين منتسبين في مذهب الشافعي، الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري، وإمام الأئمة أبو بكر ابن خزيمة، وغيرهم ممن عدّوهم في أصحاب الشافعي. يقول التاج السبكي في "طبقات الشافعية" (ج3، ص102) "قلتُ: –أي السبكي-: المحمدون الأربعة محمد بن نصر ومحمد بن جرير –يعني الطبري- وابن خزيمة وابن المنذر من أصحابنا، وقد بلغوا درجة الاجتهاد المطلق، ولم يخرجهم ذلك عن كونهم من أصحاب الشافعي، المخرِّجين على أصوله، المتمذهبين بمذهبه، لوفاق اجتهادهم اجتهاده، بل قد ادعى من هو بعد من أصحابنا الخلص كالشيخ أبي علي وغيره أنهم وافق رأيهم رأي الإمام الأعظم فتبعوه ونسبوا إليه لا أنهم مقلدون، فما ظنك بهؤلاء الأربعة فإنهم وإن خرجوا عن رأي الإمام الأعظم فى كثير من المسائل فلم يخرجوا فى الأغلب، فاعرف ذلك، واعلم أنهم فى أحزاب الشافعية معدودون، وعلى أصوله فى الأغلب مخرجون، وبطريقه متهذبون، وبمذهبه متمذهبون"أهـ. مع ذلك ينفي السبكي (ص127) إدخال ما خالفوا فيه باجتهادهم في المذهب. يقول: "لأن المحمدين الأربعة ابن جرير وابن خزيمة وابن نصر وابن المنذر، وإن كانوا من أصحابنا، فربما ذهبوا باجتهادهم المطلق إلى مذاهب خارجة عن المذهب، فلا نعد تلك المذاهب من مذهبنا، بل سبيلها سبيل من خالف إمامه فى شيء من المتأخرين أو المتقدمين"أهـ. ويؤكد السبكي على ذلك مرات كثيرة في ترجمة الطبري، منها قوله: "إنه وإن كان مجتهدًا مطلقًا معدود من أصحابنا"أهـ.

ولكن الدهلوي في (الإنصاف) (ص75) يقول عن الطبري: "أما من بلغ رتبة الاجتهاد المطلق المستقل، فإنه يخرج بذلك عن كونه شافعيًا، ولا تُنقل أقواله في كُتب المذهب، ولا أعلم أحدًا بلغ هذه الرتبة من الأصحاب إلا أبا جعفر بن جرير الطبري، فإنه كان شافعيًا ثم استقل بمذهب"أهـ. وأقول: قد كان المذهب الجريري مذهبًا فقهيًا متبِّعًا بالفعل في وقت من الأوقات، ولكنه درس بعد أن حُصرِت المذاهب الفقهية في الأربعة المتبوعة، وضم متأخرو الشافعية الطبري إليهم، واعتبروه من أصحابهم.

ومن الشافعية أيضًا ممن وصل إلى رتبة الاجتهاد المطلق المنتسب، في طبقة تالية، إمام الحرمين الجويني والإمام الغزالي، أما من متأخري الشافعية، فأشهرهم: الإمام ابن دقيق العيد، والإمام العز بن عبد السلام، والإمام تقي الدين السُبكي، والإمام البُلقيني. يقول التاج السبكي في ترجمة والده الفقيه المجتهد تقي الدين السبكي (ج10، ص153) "أحيا إمامة الشافعي، بنشر مذهبه، ونصر ذي النسب القرشي في علياء رتبه، وقام بالاحتجاج لإمام بني المطلب في الائتمام بشريعة سيد بني عبد المطلب وإقامة الحجة في سبب تقديمه"أهـ. ويصف الصفدي التقي السُبكي في (أعلام العصر) (ج3، ص418) بـ "أوحد المجتهدين"، حيث كانت تُكتب تلك الكلمة للسبكي على أحكامه القضائية –ليس هو من يكتبها-. ومع ذلك نرى الصفدي ينظم الشعر في سعد الإمام الشافعي أن يُعد التقي السُبكي من أصحابه.

وورد في (الإنصاف) للدهلوي (ص73) عن سبب عدم استقلال السُبكي بالاجتهاد المطلق بعيدًا عن نسبته إلى الشافعي "قال الولي أبو زرعة: قلت مرة لشيخنا الإمام البُلقيني: ما تقصير الشيخ تقي الدين السُبكي عن الاجتهاد وقد استكمل آلته؟ وكيف يُقلِّد؟ قال أبو زرعة: ولم أذكره هو –أي شيخه البلقيني- استحياء منه، لِما أردتُ أن أرتِّب على ذلك، فسكت البلقيني، فقلتُ -أي أبو زرعة-: فما عندي أن الامتناع عن ذلك إلا للوظائف التي قُدِّرت للفقهاء على المذاهب الأربعة، وأن من خرج عن ذلك لم ينله شيء من ذلك، وحُرِم ولاية القضاء، وامتنع الناس من استفتائه، ونُسب إليه البدعة، فتبسم –أي البلقيني- ووافقني على ذلك"أهـ. ويُعقب الدهلوي قائلًا: "أما أنا فلا أعتقد أن المانع لهم من الاجتهاد ما أشار إليه، حاشا منصبهم العليّ على ذلك، وأن يتركوا الاجتهاد مع قدرتهم عليه لغرض القضاء أو الأسباب. هذا ما لا يجوز لأحد أن يعتقده فيهم، وقد تقدم أن الراجح عند الجمهور وجوب الاجتهاد في مثل ذلك، كيف ساغ للولي نسبتهم إلى ذلك؟! ونسبة البُلقيني إلي موافقته على ذلك"أهـ.

وأقول إن ما دوّنه التاج السُبكي في ترجمة الإمام الطبري، يوضح أن سبب عدم إعلان أبيه التقي السُبكي الانفلات من المذهب ليس المناصب كما ظن أبو زُرعة والبُلقيني، بل ربما هو يرى أن التمذهب ديانة، وأن في هذا تضييق لهوة الخلافات بين المسلمين، خاصة بعد أن حُصِرت المذاهب السُنية في أربعة مذاهب منذ عهد الظاهر بيبرس، خاصة وأن تمذهبه لم يمنعه من الاجتهاد في مسائل. وقد تولى السُبكي قضاء الشافعية لأنه بالأساس شافعي مع مخالفته له في نحو مائة مسألة، وحتى من نازع في أن السُبكي إنما وصل لرتبة الاجتهاد في المذهب (الشافعي) وليس الاجتهاد المطلق، فإن هذا لا ينفي اجتهاده، وهو على كل حال رأي ضعيف لم يقل به إلا قلة.

ويشرح الدهلوي في (الإنصاف) (ص93-94) الأسباب التي أدت بعد ذلك إلى أن دبّ التقليد في صدور العلماء والعوام. يقول: كان سبب ذلك:

- تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم، فإنهم لمّا وقعت فيهم المزاحمة في الفتوى، كان كل من أفتى بشيء نُوقض في فتواه، ورُدّ عليه، فلم ينقطع الكلام إلا بالمصير إلى تصريح رجل من المتقدمين في المسألة.

- جور القضاة، فإن القضاة لمّا جار أكثرهم ولم يكونوا أمناء، لم يُقبل منهم إلا ما لا يريب العامة فيه، ويكون شيئًا قد قيل من قبل.

- جهل رءوس الناس، واستفتاء الناس من لا علم له بالحديث، ولا بطريق التخريج، وهذا ظاهر في أكثر المتأخرين، وفي ذلك الوقت يسمى غير المجتهد فقيهًا.

ويختم الدهلوي كلامه فيقول: "وفي ذلك الوقت ثبتوا على التعصب"أهـ.

وقد كان من أشد المتضايقين من هذا الوضع الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي، المتوفي سنة 456هـ، فصنّف الباب السادس والثلاثين في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام" تحت عنوان "في إبطال التقليد"، وناقش فيه دعاوى المقلدين وأورد الروايات الكثيرة للرد عليهم. والملاحظ أنه كان يتكلم تحديدًا عن تقليد الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي دون غيرهم، ولم يأت على سيرة باقي الأئمة أصحاب المذاهب كالإمام أحمد وأبي ثور وكبار أصحاب أبي حنيفة ومالك إلا مرات معدودة، ما يدل على أن تلك المذاهب الفقهية الثلاثة كانت الغالبة لدى الناس حتى قبل إصدار الظاهر بيبرس لقراره الشهير بتخصيصها –إضافة للمذهب الحنبلي- ليكون القضاة من بين علمائها.

وأورد هنا بعضًا مما أورده ابن حزم. يقول:

- وليعلم من قرأ كتابنا أن هذه البدعة العظيمة -نعني التقليد- إنما حدثت في الناس وابتديء بها بعد الأربعين ومائة من تاريخ الهجرة، وبعد أزيد من مائة عام وثلاثين عامًا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن قط في الإسلام قبل الوقت الذي ذكرنا مسلم واحد فصاعدًا على هذه البدعة، ولا وجد فيهم رجل يقلد عالمًا بعينه فيتبع أقواله في الفُتيا فيأخذ بها ولا يُخالف شيئًا منها.

- قال أبو محمد: وهذا أقبح ما يكون من التقليد وأفحشه، كالذي يفعل مقلدو مالك وأبي حنيفة والشافعي؛ فإنهم إنما يأخذون من الحِجاج ما وافق مذهبهم وإن كان خبرًا موضوعًا أو شغبًا فاسدًا، ويتركون ما خالفه وإن كان نص قرآن أو خبرًا مسندًا من نقل الثقات.

- والعجب أنهم ينسون التقليد ويقولون إن المقلد عاص لله، ويقولون لا يجوز أن يؤخذ من أحد ما قامت عليه حجة، ويقولون ليس أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك، ثم إنهم مع هذا لا يفارقون قول صاحبهم بوجه من الوجوه.

- ويكفي من هذا أن كل ما ذكرنا من الفقهاء الذين قُلدوا مبطلون التقليد، ناهون عنه، مانعون منه، مخبرون أن فاعله على باطل. وقد حدثنا حمام عن الباجي عن أسلم القاضي عن المازني عن الشافعي أنه نهى الناس عن تقليده وتقليد غيره.

- هذا وهم يقرون أن الفقهاء الذين قلدوا مبطلون للتقليد وأنهم قد نهوا أصحابهم عن تقليدهم، وكان أشدهم في ذلك الشافعي فإنه رحمه الله بلغ من التأكيد في اتباع صحاح الآثار والأخذ بما أوجبته الحجة حيث لم يبلغ غيره، وتبرأ من يقلد جملة، وأعلن بذلك نفعه الله به وأعظم أجره، فلقد كان سببًا إلى خير كثير. فمن أسوأ حالًا ممن يعتقد أن التقليد ضلال، وأن التقليد هو اعتقاد القول قبل اعتقاد دليله، ثم هم لا يفارقون في شيء من دينهم، وهذا مع ما فيه من المخالفة لله عز وجل، ففيه من نقص العقل والتمييز عظيم. نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله التوفيق والعصمة، فكل شيء بيده لا إله إلا هو.

- وقد حدثنا أحمد بن عمر العذري...... حدثني الهيثم بن جميل قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قومًا وضعوا كتبًا يقول أحدهم: حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا، وحدثنا فلان عن إبراهيم بكذا ونأخذ بقول إبراهيم. قال مالك: صح عندهم قول عمر، قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يُستتابون.

- وقال أبو حنيفة: "علمنا هذا رأي من أتانا بخير منه قبلناه منه".

- ثم إنا نقول إن العجب ليطول ممن اختار أخذ أقوال إنسان بعينه لم يصحبه من الله عز وجل معجزة، ولا ظهرت عليه آية، ولا شهد الله له بالعصمة عن الخطأ ولا بالولاية، وأعجب من ذلك إن كان من التابعين فمن دونهم.

- فليت شعري كيف قصرت عقولكم عن فهم ما افترض الله تعالى عليكم تدبره والأخذ به، واتسعت عقولكم للفهم عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وما أمركم الله تعالى قط بالسماع منهم خاصة دون سائر العلماء، ولا ضمن لكم ربكم تعالى قط العون على فهم كلامهم كما ضمن لكم في فهم كلامه إنه لا يكلفكم إلا وسعكم.

وذكر ابن القيم في "إعلام الموقعين" (ج3، ص469) ‏"وقد فرّق أحمد بين التقليد والاتباع، فقال أبو داود: سمعته يقول: الاتّباع أن يتّبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، ثم هو بعد في التابعين مخيَّر. وقال أيضًا: لا تُقلدني ولا تُقلد مالكًا ولا الثوري ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا"أهـ.

وقال السيد سابق في "فقه السُنة" (ج1، ص8): "بذل أئمة المذاهب الأربعة أقصى ما في وسعهم في تعريف الناس بهذا الدين وهدايتهم به، وكانوا ينهون عن تقليدهم، ويقولون: لا يجوز لأحد أن يقول قولنا من غير أن يعرف دليلنا، وصرّحوا أن مذهبهم هو الحديث الصحيح؛ لأنهم لم يكونوا يقصدون أن يُقلَّدوا كالمعصوم صلى الله عليه وسلم، بل كان كل قصدهم أن يعينوا الناس على فهم أحكام الله. إلا أن الناس بعدهم فترت هممهم، وضعفت عزائمهم، وتحركت فيهم غريزة المحاكاة والتقليد، فاكتفى كل جماعة منهم بمذهب معين ينظر فيه، ويُعول عليه، ويتعصب له، ويبذل كل ما أُوتي من قوة في نُصرته، ويُنزل قول إمامه منزلة قول الشارع، ولا يستجيز لنفسه أن يُفتي في مسألة بما يُخالف ما استنبطه إمامه، وقد بلغ الغلو في الثقة بهؤلاء الأئمة حتى قال الكرخي: كل آية أو حديث يُخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ. وبالتقليد والتعصب للمذاهب فقدت الأمة الهداية بالكتاب والسنة، وحدث القول بانسداد باب الاجتهاد، وصارت الشريعة هي أقوال الفقهاء، وأقوال الفقهاء هي الشريعة، واُعتبر كل من يخرج، عن أقوال الفقهاء مبتدعًا لا يُوثق بأقواله، ولا يُعتد بفتاواه. وكان مما ساعد على انتشار هذه الروح الرجعية، ما قام به الحكام والأغنياء من إنشاء المدارس، وقصر التدريس فيها على مذهب أو مذاهب معينة، فكان ذلك من أسباب الإقبال على تلك المذاهب، والانصراف، عن الاجتهاد، محافظة على الأرزاق التي رُتّبت لهم!!"أهـ.

وأورد ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج2، ص989) (‏1887) "قال عبد الله بن المعتز: لا فرق بين بهيمة تُقاد وإنسان يُقلد". هذا، وقال ابن عبد البر: ولم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا".

وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (ج3، ص453): "والمصنفِّون في السُنة، جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله، وبين زلة العالِم؛ ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالِم قد يزلّ ولا بد؛ إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله، ويُنزَّل قوله منزلة قول المعصوم؛ فهذا الذي ذمّه كل عالم على وجه الأرض، وحرّموه، وذمّوا أهله، وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم، فإنهم يقلدون العالم فيما زلَّ فيه وفيما لم يزلّ فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولا بد، فيُحلّون ما حرّم الله، ويحرّمون ما أحلّ الله، ويُشرّعون ما لم يشرّع، ولا بد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منفية عمن قلّدوه، فالخطأ واقع منهم ولا بد. وقد ذكر البيهقي وغيره من حديث كثير هذا، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "اتقوا زلّة العالم، وانتظروا فيئته". ومن المعلوم أنّ المخوفّ من زلة العالم تقليده فيها؛ إذ لولا التقليد لم يُخف من زلة العالم على غيره"أهـ.

وغير ذلك من الأقوال الكثير مما قاله أصحاب الأئمة عن أئمتهم، وما سرده العلماء من أدلة، كأمثال ما رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله"، وابن القيم في "إعلام الموقعين"، والتي تؤكد بطلان التقليد وعدم جواز التعبد بمذهب معين. أما اتِّباع رأي ثبت عليه حجة فمسوغ في الشرع، على ألا يكون الحامل على الأخذ به والتعصب له أنه قول فلان صاحب المذهب الذي أُقلده.

لكن للدهلوي حكم في (الإنصاف) عن تقليد العوام لإمام بعينه، فيرى أنه قد يكون واجبًا، وقد لا يكون واجبًا. يذكر (ص79) "إذا كان إنسان جاهل في بلاد الهند أو في بلاد ما وراء النهر، وليس هناك عالم شافعي، ولا مالكي، ولا حنبلي، ولا كتاب من كتب هذه المذاهب، وجب عليه أن يُقلِد لمذهب أبي حنيفة، ويحرم عليه أن يخرج من مذهبه، لأنه حينئذ يخلع ربقة الشريعة ويبقى سُدى مهملًا، بخلاف ما إذا كان في الحرمين، فإنه متيسر له هناك معرفة جميع المذاهب، ولا يكفيه أن يأخذ بالظن من غير ثقة، ولا أن يأخذ من ألسنة العوام، ولا أن يأخذ من كتاب غير مشهور"أهـ. ولا شك أنها حالة خاصة لا يصح تعميم حكمها.

وجاء في (جامع بيان العلم وفضله) (ج2، ص983) (‏1874) عن ابن مسعود أنه كان يقول: "اغد عالمًا أو متعلمًا، ولا تغد إمعة فيما بين ذلك"، وعنه قال: "كنا نعد الإمعة في الجاهلية الذي يُدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره، وهو فيكم اليوم المُحْقِب دينه الرجال"أهـ. قال المحقق: قال ابن الأثير في "النهاية" (ج1، ص412): "الذي يُقلد دينه لكل أحد، أي يجعل دينه تابعًا لدين غيره بلا حجة ولا برهان ولا رويّة". وروى ابن عبد البرّ أيضًا في (جامع بيان العلم وفضله) (ج2، ص984) (1878) وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد النخعي: "الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق"أهـ. جعلني الله وإياكم من المتعلمين على سبيل النجاة، وأبعدنا عن أن نكون من جملة الهمج الرِعاع.

وأقول: فماذا لو رأى أئمتنا ما آل إليه الحال من انعدام الاجتهاد في عصرنا إلا فيما ندر، مع وجود مستحدثات كثيرة تستوجب من الفقهاء الإفتاء فيها، ولكن اقتصر اجتهادهم على البحث عما يشابهها في فتاوى أئمة المذاهب، وقصُرت رتبة معظمهم أن يجتهدوا فيها اجتهادًا يوفق بين نصوص الشريعة ومقاصدها وظروف العصر؟!

وأقول أيضًا: إن كتب التاريخ والتراجم قد حفظت لنا من الروايات الكثير التي تؤكد أن كبار أئمة المذاهب كانوا يأخذون في أحايين بآراء أئمة المذاهب الأخرى، ولا مجال هنا لسرد بعض تلك الروايات، ولكنّا انتقلنا إلى عصور صار العوام ممن لا يفهمون الأدلة التي بُنيت عليها الأحكام يتعصبون أكثر من الأئمة الذين قرروا الأحكام بأنفسهم!!؛ إذ أن الجانب الأهم للموضوع، هو تأثيرات ذلك التقليد والتعصب المذهبي على الأمة الإسلامية ككل؛ حيث أصبح رافدًا دائمًا للخلافات ومنبعًا للتطرف بين مذاهب أهل السنة، وبينهم وبين الشيعة. وصدق ربيعة بن أبي عبد الرحمن "ربيعة الرأي" الفقيه المشهور، فيما حكاه عنه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج2، ص989) (1885) قال: "الناس عند علمائهم كالصِبيان في حجور أمهاتهم، ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروهم به ائتمروا"أهـ.‏

يقول السيد سابق في "فقه السُنة" (ج1، ص9): ‏"كان من آثار ذلك التقليد أن اختلفت الأمة شيعًا وأحزابًا، حتى إنهم اختلفوا في حكم تزوج الحنفية بالشافعي –خطأ واضح، والصحيح الحنفي بالشافعية-، فقال بعضهم: لا يصح؛ لأنها تشك في إيمانها –تقول: مؤمنة إن شاء الله، فاعتبره بعض المتهوكين شكًا-، وقال آخرون: يصح قياسًا على الذمية، كما كان من آثار ذلك انتشار البدع، واختفاء معالم السُنن، وخمود الحركة العقلية، ووقف النشاط الفكري، وضياع الاستقلال العلمي، الأمر الذي أدى إلى ضعف شخصية الأمة، وأفقدها الحياة المنتجة، وقعد بها عن السير والنهوض، ووجد الدخلاء بذلك ثغرات ينفذون منها إلى صميم الإسلام. مرت سُنون، وانقضت القرون، وفي كل حين يبعث الله لهذه الأمة من يُجدد لها دينها، ويوقظها من سُباتها، ويوجهها الوجهة الصالحة، إلا أنها لا تكاد تستيقظ حتى تعود إلى ما كانت عليه، أو أشد مما كانت"أهـ.

ودائمًا نجد ارتباطًا بين التطرف والتقليد، حتى أن المتطرفين يغيرون في المصطلح ليوافق رغباتهم في التقليد والالتزام بمذهبهم وإن خالف الجمهور. يقول عبد الله الجبرين في مقدمة تحقيقه لشرح الزركشي الحنبلي على مختصر الخرقي (ص40): "وبالجملة فنحن لا نُلزم بما في هذا الكتاب لكونه قول الإمام أحمد، كما لا نقول بالتقيد بما في كتب الحنابلة، كالمحرر والمقنع والعمدة والهداية ونحوها، لكن لمّا كان هذا الشرح الذي بين أيدينا يعتني بإيراد الأدلة الشرعية وذكر التوجيهات وما يرجح به كل قول وما له أو عليه، ويناقش ما يرد عليها من اعتراضات وأجوبة ضعيفة، أصبحت له هذه الميزة الشريفة، مما يكون مرجحًا له على الكثير من المؤلفات في هذا المذهب وغيره، فإن الواجب على المكلف إذا لم يكن معه أهلية وقدرة على معرفة كل قول بدليله من الكتاب والسنة أن يرجع إلى أهل العلم أو مؤلفاتهم التي تعتني بالأدلة والأصول الشرعية، وليس هذا تقليدًا، فإن التقليد المذموم هو التقيد بقول شخص بعينه، لا يخرج عنه في التحليل والتحريم بغير دليل، أما هذا فهو اقتداء بمن يحتج بالأدلة الشرعية"أهـ. فهل باقي الأئمة يحللون ويحرمون بغير دليل؟! وكما نرى فالخاتمة تناقض ما بدأ به، وليس هذا بغريب عليهم.

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4841 المصادف: 2019-12-07 01:01:28