 دراسات وبحوث

إثبات الإمامة بولاية العهد عند الأشاعرة

بدر الدين شيخ رشيدتعتبر ولاية العهد إحدى طرق إنعقاد الإمامة كما قرر بها الماوردى، حيث ذكر أن الإمامة تنعقد من وجهين، أحدهما: إختيار أهل الحل والعقد. والثانى: التعهد من الإمام السابق[1].

ولا خلاف بين العلماء على جواز ولاية العهد. بل نقل الماوردي الإجماع على ذلك، حيث أسند جوازها إلى أمرين:

(الأول): تعيين أبي بكر عمر بن الخطاب ليتولي العهد بعده، وأن المسلمين أثبتوا إمامته بعده.

(الثاني): تعيين عمر وعهده إلى أهل الشورى الستة، حيث قبلت الجماعة دخولهم فيها، وهم أعيان العصر إعتقادا لصحة العهد بها، وخرج باقى الصحابة منها، وقال عليّ للعباس رضوان الله عليهما، حين عاتبه على الدخول في الشورى، "كان أمرا عظيما من أمر الإسلام، لم أر لنفسي الخروج منه" فصار العهد بها إجماعا في إنعقاد الإمامة[2].

وأكد الجويني على جوازها فقال:« فأما أبوبكر رضي الله عنه فقد تواترت البيعة له يوم السقيفة، وكان عمر رضى الله عنه وليّ عهده [3].

إلا أن فكرة ولاية العهد تُضْعِفُ نظرية الأشاعرة المبنية بالإختيار، وتقوّي من جهة آخرى نظرية الإماميّة المبنيّة على النص. وذلك، ما دام النبي صلى الله عليه وسلم، ترك الأمر للأمة ولم يوجد نص منه، فمن أين جاء الإستخلاف والتعهد من بعده!؟.

فإذا شَعُرَ أبو بكر أهمية الإستخلاف، ولم يتردد في ذلك كما تردد  فيها عمر فما مستند إستخلافه لعمر؟

وأيضا، إذا كانت عزيمة عمر عدم الإستخلاف، فمن أين جاءت النظرية القائلة: لا تترك أمر المسلمين بغير راع؟ حتى عيّن أخيرا ستة من  قربش يختار الإمام من بينهم

وإذا كان علي رضي الله عنه، ترك أمر الأمة  بدون تعيين، ثم إختار المسلمون الحسن، فمن أين جاء إستخلاف معاوية لابنه يزيد؟.

هذه الأسئلة، تشكل إشكاليّة كبيرة عند الأشاعرة القائلين بالإختيار وعدم النص من الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أهملوا الشورى في الحكم، ثم حصروا إختيار الإمام في العصبية والشوكة والقوة.

إن مفهوم ولاية العهد- في مفهومه الصحيح- لا يغاير النص الذي تقول به الإمامية، ويقصد به التعيين، إما من الرسول أو من الإمام الذى قبله. ومن هنا نحد أن الأشاعرة وافقوا الإماميّة القول بالنص أى ولاية العهد أو الأستخلاف.

وذكر الإمام العضدي الإيجي الأشعري [ت:756ھ/1355م] أن الإمامة تثبت بالنص من الرسول، أو من  الإمام السابق بالإجماع، كما تثبت ببيعة أهل والعقد والحل خلافا للشيعة[4].

وقال الإمام الحلىّ الإماميّ: «تعقد الإمامة بالنص عندنا على ما سبق ولاتنعقد بالبيعة خلافا للعامة بأسرهم فإنهم أثبتوا إمامة أبي بكر بالبيعة ووافقوا على صحة الإنعقاد بالنص  لكنهم جوزوا إنعقادها بأمور: (أحدها): البيعة... (الثانى): إستخلاف الإمام الذى قبله وعهده إليه كما عهد أبو بكر إلى عمر.. الثالث القهر والغلبة والإستيلاء»[5].

إن ولاية العهد يقصد بها التعيين، وعلى هذا، يعتبر إستخلاف أبى بكر لعمر كان أوفق وأولى لاجتماع كلمة المسلمين من تعيين عمر في الشورى السداسيّ، حيث إنه لم يكن في الحقيقة ولاية عهد كما فعل أبوبكر، وأيضا لم يكن الشورى المطلق بين المسلمين[6].

ويؤيد ذلك، أن الإمام ابن حزم بعد ما ذكر طرق إثبات الإمامة، فضل ولاية العهد،  لكونها أضبط لأمر المسلمين من الفوضى والإضطراب، و تشتت الأراء، قائلا:« فوجدنا عقد الإمامة يصح من وجوه: أوّلها وأفضلها وأصحها، أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان، يختاره إماما بعد موته، وسواء فعل في ذلك في صحته، أو في مرضه أوعند موته، إذ لا نص ولا إجماع على المنع من أحد هذه الوجوه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر، وكما فعل أبوبكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز، وهذا هو الوجه الذى نختاره ونكرهه غيره، لما في هذا الوجه من إتصال الإمامة، وإنتظام أمر الإسلام وأهله، ورفع مايتخوف من الإختلاف والشغب، مما يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى، ومن إنتثار الأمر وإرتفاع النفوس وحدوث الأطماع»[7].

إشكاليّة إنعقاد الإمامة بولاية العهد عند الأشاعرة:

الأشاعرة لم يتقيدوا بنظريّتهم المبنيّة على الإختيار، ولم يطوروا بها نظريا وتطبيقيا، كما طورت الإماميّة نظريّتهم المبنيّة على النّص والتعّهد من الرسول أو من الإمام . ولذا نجد أنّ نظرية الإختيار لم تجد أرضية مقبولة بعد السقيفة، حتى بادر أبوبكر رضي الله عنه تعيين عمر للإمامة بعده.

وعندما أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ترك الأمر للأمة، واجه إلحاحا شديدا من قِبَلِ بعض الصحابة، بأن لا يترك أمر الأمة من دون تعيين. وفي مقدمتهم ابن عمر، وحفصة، وعائشة رضى الله عنهم. ففي صحيح مسلم: أن ابن عمر رضي الله عنه قال: دخلت على حفصة فقالت: أعلمْتَ أن أباك غير مُسْتَخْلفٍ. قال: قلت ما كان ليفعل. قالت: إنه فاعل. قال: فحلفت أني أكلمه فى ذلك. فسكتُ حتى غدوت ولم أكلمه. قال: فكنت كأنما أحمل بيميني جبلا حتى رجعت، فدخلت عليه، فسألني عن حال الناس، وأنا أخبره، قال: ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك. زعموا أنك غير مستخلف، وإنه لو كان لك راعي إبل، أو راعي غنم، ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع؟ فرعاية الناس أشد قال: فوافقه قولي فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إليّ فقال: إن الله يحفظ دينه وإنى لا أستخلف؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد إستخلف، فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا، وأنه غير مستخلف[8].

فالإشكالية تأتي هنا، إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يستخلف كما صرح به عمر رضى الله  عنه نفسه، فلم ترك عمرُ فعلَ النبي صلى اله عليه وسلم، وتبع فعلَ أبى بكر رضى الله عنه؟.

لكن والذي  يظهر لي، أنّ الإستخلاف كان هو العزم الذي عزم به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي فعله أبو بكر رضي الله عنه حينما عيّنه عمر.

ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن سعد من طريق عبد الله بن عبيد الله أنه قال: قال أناس لعمر: ألا تعهد؟ قال:أيّ ذلك آخذ أى الفعل والترك؟ قال: ابن منير: وهو مشكل، إلا أنه أجاب بأن دليل الترك يؤخذ من فعله صلى الله عليه وسلم واضح، ودليل الفعل يؤخذ من عزمه صلى الله عليه وسلم، والذي روته عائشة رضي الله عنها بلفظ« لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى  المتمنون ثم قلت، يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون»[9].

قال ابن منير: والنبي صلى الله عليه وسلم لا يعزم إلا على جائز، ومن هنا يحمل إستخلاف عمر بناء على عزم النبي صلى الله الإستخلاف. وأيضا، فَهِمَ أبو بكر من عزمه صلى الله عليه وسلم  الجواز، فأستعمله واتفق الناس على قبوله.

قال ابن حجر: والذي يظهر أن عمر رجّح عنه الترك؛لأنه الذي وقع منه صلى الله عليه وسلم بخلاف العزم وهو يشبه عزمه صلى الله عليه وسلم على التمتع في الحج، وفعله الإفراد فرجح الإفراد[10].

قال ابن بطال:«إن عمر سلك في هذا الأمر مسلكا متوسطا خشية الفتنة، فرأى الإستخلاف أضبط لأمر المسلمين، فجعل الأمر معقودا على الستة لئلا يترك الإقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر،  فأخذ من فعل النبى صلى الله عليه وسلم طرفا، وهو ترك التعيين. ومن فعل أبى بكر طرفا، وهو العقد لأحد الستة وإن لم ينص عليه»[11].

يلاحظ مما سبق تقريره أن عزيمة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت التعهد والإستخلاف. وهذه العزيمة هي التي جرى عليها رسم الحكم بعد أبي بكر، سواء قلنا: إن أصل تلك العزيمة دل عليه حديثُ عائشة الذي أشرنا إليه، أو إرادته صلى الله عليه وسلم  في كتابة الوصيّة التى أراد أن يكتب للصحابة عند وفاته صلى الله عليه وسلم حيث لم يتم بها.

وعلى أي حال، فالتعهد إلى شخص مستكملٍ للشروط هو الأوفق من القول بالإختيار وترك الأمر فوضى  بين المسلمين.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

...............................

[1] -، الماوردى، الأحكام السلطانية، تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ ، دار الكتاب العربي بيروت لبنان، ط1/ 1410ھ/1990م، ص33.

[2] - المصدر السابق، ص 43.

[3] - الجوينى، الفياثى غياث الأمم فى التياث الظلم،  تحقيق، د/ عبد العظيم ديب، كلية الشريعة ، جامعة قطر، ط2/1401ھ/1981م ،ص 5 .

[4] -  الإيجي، المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت، لبنان،(بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ص399.

[5] -  الحليّ ، تذكرة الفقهاء، تحقيق ونشر، مؤسسة آل البيت، لإحياء التراث، المطبعة ستارة،  قم، إيران، 1429ھ ج9/ص398-402.

[6] -  السبحاني، بحوث في الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامي، قم ، إيران، ط3/1417ھ، ج6/190-192.

[7] - ابن حزم، الملل الفصل فى الملل والأهواء والنحل، تحقيق، أحمد شمس الدين، دارالكتب العلمية، بيروت، لبنان،  ط2/1999م ج3/ص 97

[8] - النووى، شرح صحيح مسلم ، كتاب الإمارة   باب الإستخلاف وتركه، تحقيق، لجنة من العلماء بإشراف الناشر، وبمراجعة ، الشيخ خليل الميس،  دار القلم ، بيروت، لبنان، (بدون رقم الطبعة والتاريخ) ج11-12/ص447-448

[9] - ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، كتاب الأحكام، باب الإستخلاف،  دارإحياء التراث العربي، بيروت، لبنان ط4/1408ھ ، 1988م، ج13/175.

[10] - المصدر السابق،ج13/ص175.

[11] - المصدر السابق،ج13/176.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4843 المصادف: 2019-12-09 02:09:23