 دراسات وبحوث

تطور مفهوم أهل الحل والعقد من خلال أدبيات فقهاء ومتكلمي الأشاعرة

بدر الدين شيخ رشيدإذا درسنا إشكالية مفهوم أهل الحل والعقد، والذين تنعقد بهم الإمامة عند الإمام الباقلانى [ت:403ھ/1012م] ، نجد أنه يعتبر أنّ ولاة عقد الإمامة هم فضلاء الأمة، إلا أن نظريتة في مفهوم أهل الحل والعقد، تتضاءل وتضمحل في مجال الممارسة العملية، بحيث يصدق مفهوم أهل الحل والعقد عنده ولو برجل واحدٍ في حالة الإنعقاد رغم إعتباره بأن فضلاء الأمة هم ولاة عقد الإمامة[1].

وعلى هذا، فالإمامة - حسب رؤية الباقلاني- تنعقد ولو«برجل واحد من أهل الحل والعقد إذا عقدها لرجل على صفة ما يجب عليه الائمة»[2]. هذا و قد ردّ الباقلاني الرأي المعتبر بأن أهل الحل والعقد هم كلُ فضلاء الأمة في كل عصر من أعصار المسلمين. بل أكّد بطلان هذا الرأى، بناء على عدة أمور، منها:

(أ)- إجماع أهل الإختيار على بطلان هذا الرأى.

(ب)- فرضيّة إطاعة الإمام إذا تمت له العقد.

(ج)- تعذر إجتماع أهل الحل والعقد في سائر أمصار المسلمين، وأن الله لا يكلف على عباده فعل المحال الممتنع.

(د)- أن السلف لم يراعوا في عقد إمامة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي حضور جميع أهل الحل والعقد في أمصار المسلمين ولا حتى في المدينة.

(ھ)- أن عمر بن الخطاب رد الأمر إلى ستة نفر فقط ، رغم وجود من يصلح للعقد فى غيرهم.

(و)- أن أبا بكر عقدها لعمر فتمت إمامته وسلم عهده بعقده له [3].

 

من تأمل رؤية الباقلانى حول تحديد مفهوم أهل الحل والعقد، وعدم إعتبار جميع فضلاء ألأمة يجد أنه متأثر بنظرية الشوكة والغلبة والقوة، وذلك يظهر من خلال رؤيته في تحديد مفهوم أهل الإختيار، حيث لم يعط مفهوم الشورى إيّ إعتبار حقيقيّ، ويؤيد ما قلنا بالإعتبارات التالية:

(أ)- أن أصل نظرية الباقلاني في مفهوم أهل الحل والعقد في إنعقاد الإمامة مبنية على مراعاة المصلحة،حيث إعتبر إ طاعة الإمام أنها فرض على الأمة إذا تمت له العقد ،وهذا يعنى، أن إطاعته تجب كيفما حصلت له العقد.

(ب)- أن نظرية الباقلاني في مفهوم أهل الحل والعقد في إنعقاد الإمامة يرجع أصلها، إلى كيفية إختيار أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. والمتتبع لكيفية إختيار الخلفاء الراشدين، يجد أنها تمت بأشكال مختلفة. فنجد مثلا أن بيعة أبى بكر تمت على شكل وُصِفَ بها أنها كانت «فلتة» (أى فجأة) بحيث لم تأخذ الشورى الكامل بين المهاجرين والأنصار، المتواجدين في المدينة فضلا عن خارجها،ويؤيد ذلك مقولةُ عمر بن الخطاب- والتي قالها فى أخر عمره- :«إن خلافة أبى بكر كانت فلتة وقى الله شرها»[4].

إضافة إلى ذلك فأن بيعة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، تمت له عن طريق تعين أبي بكر، وأن عثمان تمت له عن طريق تعين عمر الستة، أعنى على بن أبى طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن عوان رضى الله عنهم. وأن عليا تمت له البيعة بمبايعة أهل المدينة، رغم وجود من إمتنع عن بيعتة[5].

(ج)- إن إحتجاجه على صعوبة إجتماع سائر فضلاء الأمة فيه نظر؛لأن هذا القيد يضعف نظرية الإختيار، أعنى إختيار أهل الحل والعقد للإمام عند الأشاعرة. وذلك، إذا كان مبدأ إختيار أهل الحل والعقد للإمام مسلّماً عندهم، فكيف يكون متعذرا ومحالا.غير أنه يظهر لي أن الباقلاني، متأثر بمفهوم الشوكة والعصبية والقوة والغلبة.

الإمام الماوردي [ت:450ھ/1058م]، سلك نهج الإمام أبى الحسن الأشعري[ت:324ھ935م] والباقلاني[ت:403ھ/1012م]، في تحديد مفهوم العدد الذى تنعقد به الإمامة، حيث ردّ المذهب المشترط بجمهور أهل الحل والعقد من سائر بلاد المسلمين. فقال:«إختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتى:

فقالت طائفة: لا تنعقد إلا لجمهور أهل الحل والعقد من كل بلد، ليكون الرضا به عام، والتسليم لإمامته إجماعا. وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة بإختيار من حضرها، ولم يُنْتَظَرْ ببيعة قدوم غائب عنها.

وقالت طائفة أخرى: أقل من تنعقد به الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة وإستدلوا على أمرين:

(أحدهما) أن بيعة أبي بكر إنعقدت بخمسة إجتمعوا عليها، ثم تابعهم الناس فيها، وهم: عمر بن الخطاب، وأبوا عبيدة عامر بن الجراح، وأسيد بن حضير، وبشير بن سعد، وسالم مولى أبى حديفة.(الثاني): أن عمر جعل الشورى في ستة، ليعقد أحدهم برضا الخمسة، وهكذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة.

و قال أخرون من علماء الكوفة: تنعقد لثلاثة، تولاها أحدهم برضا الإثنين، ليكونوا حاكما وشاهدين، كما يصحّ عقد النكاح بولى وشاهدين.

وقالت طائفة أخرى: تنعقد بواحد؛ لأن العباس قال لعلي رضي الله عنهما: أُمْدُدْ يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك إثنان؛ ولأنه حكم واحد نافذ»[6].

يصدق مذهب الجويني في مفهوم أهل الحل والعقد ولو على رجل واحد. وهذا المذهب منقول عن الإمام أبي الحسن الأشعري، وبه إرتصاه الإمام الباقلاني. ومفاده أن«الإمامة تثبت بمبايعة رجل واحد من أهل الحل والعقد»[7]. هذا وقد وردّ الجوينى- تبعا للباقلاني- الإعتبارات القائلة بعدد معين من أهل الحل والعقد، كالقول: بإثنين من أهل الحل والعقد، والقول: بأربعة أشخاص قياسا على أكمل عدد البيانات(الشهادات) في الشرع، والقول: بأربعين مثل عدد الجمعة. بل أكّد الجويني أنّ«تلك المذاهب لا أصل لها من مأخذ الإمامة»[8].

وقد بنى الجويني مذهبه قياسا على العقود المدنية«والعقود في الشرع مولاها عاقد واحد، وإذا تعدى المتعدي الواحد فليس أولى من عدد»[9]. والغريب كيف رد الجويني إشتراط أهل الحل والعقد بعدد معين؟ و كيف إكتفى برجل واحد من أهل الحل والعقد؟ وكيف قاس عقد الإمامة الكبرى على العقود مثل البيع والنكاح وغيرهما من العقود المدنية؟

غير أن الناظر إلى نظرية الجويني لمفهوم أهل الحل والعقد يجد، أنه متأثر بالإمام الباقلاني في إعتبار الشوكة والقوة، في إنعقاد الإمامة، بقدر ما يحصل النصرة والإتباع للأمام[10].

تطور نظرية الإمام الغزالي والنووي في مفهوم أهل الحل والقعد:

إعتبر الغزالي[ت:505ھ/1111] مفهوم أهل الحل والعقد جمهور الأمة. ويبدو أن الغزالى قد طوّر مفهوم أهل الحل والعقد بإعتبار من تقدمه من الأشاعرة، كالأشعري، والباقلاني والماوردي، والجويني، الذين إعتبروا مفهوم أهل الحل والعقد، بأنه يصدق ولو برجل واحد من أهل الحل والعقد.

وعلى هذا، فالغزالي يرى أن الشوكة تحصل بالأكثرية، حيث قال:« إن شرط ابتداء الإنعقاد، قيام الشوكة وانصراف القلوب الى المشايعة، ومطابقة البواطن والظواهر على المبايعة. فإن المقصود الذي طلبنا له الإمام، جمْعُ شتات الأراء في مصطدم تعارض الأهواء، ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينة المتنافرة، على متابعة رأى واحد، إلا إذا ظهرت شوكته، وعظمت نجدته، وترسّخت في النفوس رهبته ومهابته، ومدار جميع ذلك على الشوكة، ولا تقوم الشوكة الا بموافقة الأكثرين من معتبري كل زمان »[11].

يعتبر الإمام النووي[ت:676ھ/1277م] مفهوم أهل الحل والعقد من حيث النظرية مفهوما يشمل جميع وحدات المجتمع وشرائحه من العلماء، ورؤساء القبائل والعشائر، وسائر وجوه الناس الذين يتيسر حضورهم. إلا أنه لم يعتبر الإتفاق شرطا لصحة إنعقاد الإمامة، بل تصح الإمامة ولو من بيعة رجل واحد مطاع من أهل الحل والعقد، وتلزم على الباقين الموافقة والمتابعة كما أنه لم يشترط أن يكون الذين يبايعون بصفة الشهود»[12].

إعتبار العصبية والشوكة في مفهوم أهل الحل والعقد عند ابن خلدون:

إن رؤية متكلمى الأشاعرة في مفهوم أهل الحل والعقد والتي طورها إبن خلدون [ت:808ھ/1405م] قد تمخضت أخيرا إلى نظرية «العصبيّة»، ومفادها أن أهل الحل والعقد -حسب نظريّة ابن خلدون- تعتبر الشوكة المبنية بالعصبية من كل زمان ومكان. حيث إن العصبية هي أصل الملك والحكم؛ لأنه«صار الحكم للعادة كما كان. فاعتبر أمر العصبية ومجاري العوائد، فيما ينشأ عنها من المصالح والمفاسد. وأصبح الملك والخلافة والعهد بهما مُهِمًا من المهمات الأكيدة، كما زعموا ولم يكن ذلك من قبل. فانظر كيف كانت الخلافة لعهد النبي صلى الله عليه وسلم غير مهمة، فلم يَعْهِدْ فيها، ثم تدرجت الأهميّة زمان الخلافة بعض الشيء، بما دعت الضرورة إليه، في الحماية والجهاد، وشأن الردة والفتوحات، فكانوا بالخيار في الفعل والترك، كما ذكرناه عن عمر رضي الله عنه، ثم صارت اليوم من أهم الأمور للإلفة على الحماية والقيام بالمصالح. فاعتبرت فيها العصبية، التي هي سر الوازع عن الفرقة والتخاذل ومنشأ الإجتماع، والتوافق الكفيل بمقاصد الشريعة وأحكامها» [13].

من هنا نستنتج أن الاستبداد والدكتاورية في حكم العالم الإسلامي قديما وحديثا هو من صناعة فقهاء ومتكلمي الأشاعرة من خلال صياغة مفهوم أهل الحل والعقد و الذي تنعقد به الإمامة مستدلين بذلك الوقائع التاريخية في نظام الحكم سواء من خلال تجرية عصر الخلفاء الراشدين أو عصر الملوك الأسرية كالدولة الأموية والعباسية والعثمانية.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

..............................

[1] - الباقلانى، التمهيد، تحقيق محمدود محمد الخضيرى، و محمد عبد الهادى، دار الفكر العربى، بيروت لبنان،(بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص178

[2] - المصدر السابق، ص 178

[3]- المصدر السابق، ص 178-179 .

[4] - ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، دارإحياء التراث العربي، بيروت، لبنان،ط4/1408ھ/1998م، ج12/ص124-125.

[5] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق، أب الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان ،ط1/1407ھ /1987 م ، ج3/ص81-82.

[6] - الماوردى، الإحكام السلطانية والولايات الدينية‘تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ دار الكتاب العربي بيروت لبنان، ط1/ 1410ھ/1990م، ص33-34.

[7] - الجوينى ،الفياثى غياث الأمم فى التياث الظلم ،تحقيق د/ عبد العظيم الديب، كلية الشريعة، جامعة قطر، ط2/ 1401ھ/1981م، ص 69

[8] - المصدر السابق، ص 68.

[9] - المصدر السابق، ص 69.

[10] - المصدر السابق، ص 70

[11] - الغزالى، فضائح الباطنية ، تحقييق، عبد الرحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت، ص177.

[12] - المصدر السابق ، ج10/43.

[13] - ابن خلدون، مقد مة ابن خلدون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط4/(بدون التاريخ) ص213.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4845 المصادف: 2019-12-11 02:05:52