 دراسات وبحوث

مناقشة إشكالية الوصيّة فى صدر الإسلام

بدر الدين شيخ رشيدإن الوصية تعتبر مصطلحا خاصا تستعملها الإمامية في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب في الإمامة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذه الوصية - بغض النظر عن النصوص التى تعتمد الإمامية- أصبحت مفهوما شائعا في أوساط المسلمين من عهد عثمان بن عفان ثالث خلفاء الراشدين. فإذا نظرنا إلى سياق الأحداث التاريخى، نجد أن مفهوم الوصية كان أمرا مشكلا.

ويدل على إشكالية الوصية في صدر الإسلام أن أباذر الغفاري، كان ممن يقول بالوصيّة في عهد عثمان رضى الله عنه، حيث كان يجلس في المسجد فيجتمع إليه الناس  فيحدث الوصية بما كان فيه الطعن على أمر عثمان فكان يقول:«أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري. أنا جندب بن جنادة الربذي. إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. محمد الصفوة من نوح، فالأول من إبراهيم، والسلالة من اسماعيل، والعترة الهادية من محمد. إنه شرف شريفهم واستحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة، وكالكعبة المستورة، أو كالقبلة المنصوبة، أو كالشمس الضاحية، أو كالقمر الساري، أو كالنجوم الهادية، أو كالشجر الزيتونية، أضاء زيتها وبورك زبدها، ومحمد وارث علم آدم، وما فضل به النبيون، وعلي بن أبي طالب وصي محمد ووارث علمه، أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها، أما لو قدمتم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم، لأكلتم من فوق رؤوسكم، ومن تحت أقدامكم، ولما عال ولي الله، ولا طاش سهم من فرائض الله، ولا اختلف إثنان في حكم الله إلا وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب الله وسنة نبيه. فأما إذ فعلتم ما فعلتم، فذوقوا وبال أمركم، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون»[1].

هذا ومما يدعم إشكاليّة الوصية في صدر الإسلام ما ذكر اليعقوبي في خطبة مالك بن أشتر والتي قالها أثناء إدلاء بيعته إلى علي بن أبي طالب، نيابة عن أهل الكوفة قوله:« أيها الناس، هذا وصي الأوصياء، ووارث علم الأنبياء، العظيم البلاء، الحسن الغناء، الذي شهد له كتاب الله بالإيمان، ورسوله بجنّة الرضوان. من كملت فيه الفضائل، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر ولا الأوائل »[2].

علاوة على ذلك، فقد أصبحت قضية الوصية، موضع تساؤل لدى بعض كبار التابعين الذين لقوا الصحابة رضوان الله عليهم،  فهذا التساؤل إن دل على شيء، فإنما يدل على أن أمر الوصية قد أخذت بعدا سياسيا، ذا أهمية بمكان في صدر الإسلام، وخاصة  بعد ما انتشر الخلاف في عهد عثمان.

فقد أخرجه البخاري في قصة طلحة بن مصرف اليمامي الكوفي التابعى[3] وعبد الله بن أوفى الصحابي الجليل الذى شهد صلح الحديبية[4]. وهزيل ابن شرحبيل الأودى الكوفى[5] حول إشكالية الوصية، والتعهد بالخلافة من الرسول صلى الله عليه وسلم.

هذا وقد سأل طلحة بن مصرف اليامي عبد الله بن أوفى أمر الوصية فقال:« هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: لا، قلت: فكيف أمر المسلمين بالوصية ؟ قال: أوصى بكتاب الله، قال هزيل:أبو بكر كان يتأمر على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لود أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزم  أنفه بخزام» [6].

فإذا نظرنا إلى إشكالية الوصية التي استشكل بها طلحةُ فى الحديث، والتي ينفي بها عبد الله بن أوفى هى: الوصية بالخلافة لا مطلق الوصية. وجه الإشكال من طلحة بن مصرف، يأتي حيث إن الله أمر المسلمين بالوصية في الكتاب عند وفاتهم،  فكيف لم يوص النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاته؟ ويؤيد ذلك قول هزيل: أبو بكر كان يتأمر على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لودّ أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزم  أنفه بخزام[7].

أشار ابن حجر إلى أن إشكالية طلحة في أمر الوصية في الحديث كانت في الخلافة، وذلك لوجود«قرينة تشعر بتخصيص السؤال بالوصية بالخلافة ونحو ذلك لا مطلق الوصية» [8]. إلا أنه اختار وجها أخر في حَلَّ هذا الإشكال. وهو ما أخرجه إبن حبان من طريق ابن عيينة ابن مالك بن مغول أنه قال: سئل ابن أبي أوفى: هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما ترك شيئا يوصى فيه. قيل: فكيف أمر الناس ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله»[9].

أما القرطبي فيرى أن  إستبعاد طلحة واضح؛ لأنه أطلق، فلو أراد شيئا بعينه لخصه به، فاعْتَرَضَهُ بأن الله كتب على المسلمين الوصيّة وأمروا بها فكيف لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأجابه عن ما يدل على أنه أطلق في موضع التقييد، وهذه تشعر بأن ابن أبي أوفى وطلحة بن مصرف كانا يشعران أن الوصية واجبة[10].

وإشكال طلحة وارد في عموميّة الوصية عند الوفاة، وعدم وصيّة الرسول صلى الله عليه وسلم، عند وفاته. وهو يظهر أنه يقصد بالخلافة، لا مطلق الوصية كما أشار ابن حجر [11].

لكن إذا نظرنا إلى  وجه تخريج أهل السنة في حَلِّ هذه الإشكالية، نجد أنها غير وافية. وذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب الوصة للصحابة عند وفاته.

فقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده،  فقال عمر: إن النبى قد غلب عليه الوجع،  وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فأختصموا،  منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول: ما قال عمر،  فلما أكثروا اللغو والإختلاف عن النبي قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوما عني فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية، ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من إختلافهم ولغطهم»[12].

فهذه الرواية تشير إلى أن الرسول صلى اله عليه وسلم أراد أن يوصي-وكانت عزيمته- إلا أنه حيل بينه وبين تلك الوصية، بسبب الإختلاف الذى حدث بين الصحابة، وخاصة قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله. وإذا كانت حالة الوصية من الرسول صلى الله عليه وسلم، إنتهت بهذا الشكل،  فكيف جاءت جواب عبد الله بن أوفى،  في كشف إشكاليّة الوصيّة من الخلافة: بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بكتاب الله؟.

و يظهر لي أن جواب عبد الله بن أوفى رضي الله عنه، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالكتاب، تحتمل أمرين:

(الأول): إما أنه أخذ دلالة الحديث بناء على إجتهاد عمر بن الخطاب رضى الله عنه القائم« عندكم القرآن حسبنا كتاب الله»، فحينئذ يعتبر جوابه إجتهادا في مقابل النص، وهو لا يجوز؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: إئتونى بكتاب هو: أمر وجوب، كان من حقه الإمتثال.

وقد أكد العلامة الشيخ بشر بن سليم المالكي في المراجعات بأن هذا الأمر للوجوب- رداً على من فسره أمر إختبار ومشورة، أو أمر عطفة ورأفة للأمة- فقال:« لكن الإنصاف أن قوله عليه السلام: "لاتضلوا بعده يأبى ذلك" لإنه جواب ثانى للأمر، ومعناه: أنكم إن أتيتم بالدواة والبياض وكتبتُ لكم ذلك الكتاب لا تضلوا بعده. ولا يخفى أن الإخبار بمثل هذا الخبر لمجرد الإختبار إنما هو من الكذب الواضح الذى يجب تنزيه كلام الأنبياء عنه،  ولا سيما في موضع يكون ترك إحضاره الدواة والبياض أولى من إحضارهما... لأن قوله عليه السلام: لا تضلوا، يفيد أن الأمر أمر عزيمة وإيجاب، لأن السعى فيما يوجب الأمن من الضلال واجب مع القدرة عليه بلا ارتياب، وإستياؤه منهم، وقوله لهم: قوموا حين لم يتمثلوا أمره دليل أخر، على أن الأمر إنما كان للإيجاب لا للمشورة ... إلى أن قال: ومن أمعن النظر فيه جزم ببعده عن الصواب؛ لأن قوله عليه السلام: لا تضلوا يفيد أمر إيجاب كما ذكرنا، وإستياؤه منهم، دليل على أنهم تركوا أمرا من الواجب عليهم. وعلى هذا،  فالأولى أن يقال فى الجواب: أن هذه قضية في واقعة كانت منهم خلاف سيرتهم كفرطة سبقت، وفلتة ندرت، ولا نعرف وجه الصحة فيها على التفصيل»[13].

(الثاني): أو أن يقال: إنه إكتفي في أمر الوصيّة من الرسول صلى الله عليه وسلم، العمل بالكتاب، فهذا الجواب أيضا، ناقص؛لأن الرسول صلى الله عليه وسلم، أوصى التمسك بالكتاب والعترة معا، حيث يدلان على أن التمسك بمجموعهما يفيدان العصمة من الضلال كما ورد في حديث الثقلين،وذلك لتلازم الكتاب والعترة[14]

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

.......................................

[1] - اليعقوبى،تاريخ اليعقوبى، تعليق ووضع حواشيه، خليل منصور، دار الكتب العلمية، بيرةت، لبنان، ط1/1419ھ/1999 م، ج2/ص171.

[2] - اليعقوبى، تاريخ اليعقوبى، تعليق ووضع حواشيه، خليل منصور، دار الكتب العلمية، بيرةت لبنان، ط1/1419ھ/1999م، ج2/ص124.

[3] - قال الحافظ ابن حجر: ثقة  قارئ فاضل مات  إثنتى عشرة أو بعدها، أنظر:  تقريب التهذيب تحقيق: أبو الأشيال صغير أحمد شاغف الباكستانى، تقديم: بكر أبو زيد، دار العاصمة، الرياض‘ط1/1423 ھ ، ص، 465.

[4] - قال الحافظ ابن حجر: صحابى شهد الحديبية وعمّر بعد النبى صلى الله عليه وسلم مات سنة سبع وثمانين، وهو أخر من مات بالكوفة، أنظر: المصدر السابق، ص492.

[5] - قال الحافظ ابن حجر: ثقة مخضرم من الثالثة. أنظر المصدر السابق، ص1020.

[6] -ابن حجر، أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد  العسقلاني،  فتح البارى شرح جامع صحيح البخاري كتاب الوصايا، باب الوصايا وقول النبي صلى الله عليه وسلم وصية الرجل مكتوبة عنده. كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين إلى،  دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان ، ط4/1408ھ/1988م، ج11 ص 392

[7] -  المصدر السابق، ج5/ص277.

[8] - المصدر السابق، ج5/ص277.

[9] - المصدر السابق، ج5/ص277.

[10] - المصدر السابق،ج5/ص277.

[11] - المصدر السابق،ج5/ص277.

[12] - المصدر السابق،ج10/ص103

[13] - الموسوى شرف الدين، المراجعات، تحقيق وتعليق، حسين الراضى ط2/1402ھ/1982م، ص358-360.

[14] - السبحاني، الإلهيات على هدي الكتاب والسن والعقل، بقلم، الشيخ حسن محمد العاملي، مؤسسة الإمام الصادق، قم، إيران، ط4/ج4ص105-106.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4851 المصادف: 2019-12-17 11:47:08