 دراسات وبحوث

عموميّة الوصيّة عند الأنبياء فى الأمم السابقة

بدر الدين شيخ رشيدإن وصية الأنبياء في الأمم السابقة  بشكل عام  تعنى التعهد بأمر الدين إلى واحد من خاصةّ أتباعه ليسدّ في مقامه الإرشادى والقيادي في الأمة. وقد حكى القرآن وصية الأنبياء بشيء من الإطناب من عهد إبراهيم إلى عيسي عليهم السلام. إلا أن تفصيل وصيّهم من أدم إلى عيسى عليه السلام بشكل عام، قد وردت في كتب التاريخ والسير.

إن مفهوم الوصيّة تنطبق على حميع الرسل بحيث تتصل بإستمرارية الدين وخاصة التوحيد. وقد أخبر الله جانبا من ذلك بقوله تعالى: ﴿ رع لكم من الدين ما وصّى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم، وموسى، وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا﴾ [الشورى:13].

فكما أن حكمة الله سبحانه وتعالى إقتضت أن يوصي إلى أنبياءه لحفظ الدين والشريعة، أيضا تعتبر وصيّة الأنبياء إلى واحد من خاصة أتباعه أمراً ضرورياً، لإستمرارية وظيفة الأنبياء في إقامة الدين وعدم التفرق.

ويؤيد عموميّة وصية الأنبياء ما ذكر المسعودي [ت:437ھ/1045م] من أن الوصية كانت أمرا عاما للأنبياء عليهم السلام، من بدء أدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم. فذكر أنّ وصيّ آدم كان هبة الله وهو سيث بالعبرانية. ووصيّ  إبراهيم كان إسماعيل، ووصى يعقوب كان يوسف، ووصيّ موسى هو يوشع بن نون بن أفرائم بن يوسف، ووصيّ عيسى كان شمعون. وأن وصيّ خاتم الأنبياء  محمد صلى الله عليه وسلم كان علي بن أبي طالب. ثم أحد عشر من ولده[1].

ويظهر لي أنّ وصيّة الإمامة، كمفهوم قيادي سياسي، أنه قد ظهر منذ عهد أبراهيم عليه السلام، وذلك لتطور الحياة بحيث إحتاجت البشرية إلى قيادة دينية راشدة، كما قال تعالى:﴿إني جاعلك للناس إماما قال: ومن ذريتي قال: لا ينال عهدي الظالمين﴾[البقرة:124].

وصيّة أدم عليه السلام  إلى شيث:

ذكرت المصادر التاريخية أن آدم عليه السلام وصي إلى شيث وهو من أولاده، ليستمر تعاليم نبي الله آدم. فذكر اليعقوبي[ت:292ھ/904م] خبر وصية آدم إلى شيث حيث بيّن أن آدم لما حضرت الوفاة جاءه شيث ابنه، وولده، وولد ولده، فصلّى عليهم ودعا لهم بالبركة، وجعل وصيته إلى شيث، وأمره أن يحفظ جسده، ويجعله إذا مات في مغارة الكنز، وأن يوصي بنيه، وبني بنيه، ويوصي بعضهم بعضا عند وفاتهم[2].

أما الإمام الطبري[ت:310ھ/922م] فذكر أن لفظ شيث تعنى في العبرانية هبة الله، وأنه وصي آدم حيث  صارت الرئاسة إليه من بعد وفاة أبيه آدم عليه السلام، ثم أنزل الله عليه فيما روي عن رسول الله خمسين صحيفة[3]. كما أضاف في ذلك بأن الوصية كانت قبل موته أحد عشر يوما... ثم دفع كتاب وصيته إلى شيث، وأمره أن يخفيه من قابيل وولده؛ لأن قابيل قد كان قتل هابيل حسدا منه حين خصه آدم بالعلم، فاستخفى شيث وولده بما عندهم من العلم، ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به[4].

وقد روي عن ابن عباس أنه قال:«كان معه(شيث) توأم، ولما حضرت آدم الوفاة عهد الى شيث وعلّمه ساعات الليل والنهار وعبادة الخلوة في كل ساعة منها، وأعلمه بالطوفان، وصارت الرئاسة بعد آدم إليه، وأنزل الله عليه خمسين صحيفة، وإليه أنساب بني آدم كلّهم اليوم»[5].

وكانت وفاة آدم عليه السلام حسب ما ذكر المسعودي[ت346ھ/957م] يوم الجمعة لست خَلَوْن من نيسان، في الساعة التي كان فيها خلْقُهُ، وكان عمره عليه السلام تسعمائة سنة وثلاثين سنة،[6]

وصية إبرهيم ويعقوب عليهما السلام:

إن وصية إبراهيم عليه السلام، قد حكى الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، فقال:﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابنى إن الله إصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾[البقرة:132].  وقال تعالى: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله إصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾[البقرة:132].

وذكر الرازي في تفسير هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام وصى بنيه، مما يدل على شدة الإهتمام بهم، غير أنه أشار في تفسير هذه الآية إلى أن إبراهيم عليه السلام ،عمَّمَ تلك الوصية على جميع بنيه ولم يخص أحداً منهم[7]. غير أن العلامة العسكري ذكر أن وصيّ إبراهيم عليه السلام كان إسماعيل عليه السلام، وأن وصيّ يعقوب عليه السلام  كان يوسف عليه السلام[8].

وصية موسى  ليوشع بن نون عليهما السلام:

إن وصية موسى ليوشع بن نون بن إفرائيم هي أمر متفق لدي المسلمين وأهل الكتاب.

فقد ورد في مادة يوشع من قاموس الكتاب المقدس نقلا عن التوراة: «أن يوشع بن نون كان مع موسى فى جبل سينا ولم يتلوث بعبادة العجل على عهد هارون» [9].

وفى الأصحاح السابع والعشرين من سفر العدد، خبر تعيينه من قبل الله لموسى عليه السلام، ونصه:«فكلم موسى الربّ قائلا: ليٌوَكِلَ الربُ إلهُ أرواح جميع البشر رَجُلاً على الجماعة، يخرج أَمَاْمَهٌمْ ويدخلُ أماْمَهُمْ ويخْرِجُهُمْ  ويدخلهم لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التى لاراعى لها . فقال الربُ لموسى خُذْ يَشُوعَ بن نون رجلا فيه روحٌ وضَعْ يدك عليه، وأوقفه قُدّامَ أَلِعَاْزاَرَ الكاهنِ وقُدّامَ كُلِّ الجماعة، وَأَوْصِهِ أمامَ أعْيُنِهِمْ.... ففعل موسى كما أمره الرب، أخذ يشوع وأوقفه قُدّام ألِعَازاَرَ الكاْهِنِ وقدّامَ كلِ الجماعةِ ووضع يَدَيْهِ عليه، وأوصاه كما تكلم الرب عن يد موسى»[10].

وذكر اليعقوبي أن يوشع بن نون  كان من شعب يوسف بن يعقوب عليه السلام، فلما حضرت وفاته، أمر الله عز وجل أن يدخل يوشع بن نون إلى قبة الزمان،  فيقدّس عليه، ويضع يده على جسده لتتحول فيه بركته، ويوصيه أن يقوم بعده في بنى إسرائيل، ففعل موسى ذلك،  فلما مات موسى قام يوشع بعده في بني إسرائيل،  ثم خرج من التيه بعد وفاة موسى بيوم، وقال بعض أهل الكتاب ثلاثين يوما، وصار إلى الشام، وفيها الجبابرة »[11].

وقد أفاد العلامة السيد مرتضى العسكري، أن اليسع هو معرب يوشع. وهو المشار إليه بقوله تعالى:﴿وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين﴾[الأنعام:86 ]، و قوله تعالى: ﴿وأذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار﴾[ص: 48][12]. ونقل الألوسي قولا يؤيد ذلك، بأن اليسع هو معرب يوشع، أو أنه عربي منقول من يسع مضارعُ وَسَعَ[13].

إلا أن الرازي أشار ما يخالف ذلك ، حيث فرق بين يوشع واليسع، فقد ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾[البقرة:87]،  أن الرسل التي جاءت من بعد موسي كانوا : يوشع، وشمويل،  وشمعون،  وداود، وسليمان، وشعياء،  وأرمياء،  وعزير، وحزقيل، وإلياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم، وأنهم لم يأتوا بشريعة جديدة، بل كانوا متبعين شريعة موسى عليه السلام بخلاف عيسى فإنه أتى بشريعة نسخت أكثر شريعة موسي[14].

وسواء كان يوشع هو السيع المشار إليه في القرآن إو غيره، فإن وصية موسي له تعتبر موضع إتفاق لدي المسلمين واليهود والنصارى. بخلاف وصية عيسى لشمعون(Simon/Peter)، حيث إن المسيحين إختلفوا وصية عيسى لشمعون(Simon/Peter). وهو أشبه بالخلاف الحاصل بين الشيعة وأهل السنة حول إشكالية وصية الرسول لعلى بن أبي طالب.

إلا أن هناك وجه شبه بين وصية النبي لعلي بن أبي طالب، ووصية موسى ليوشع بن نون، كما ذكر العلامة العسكري،  وذلك أن يوشع بن نون كان مع موسى في جبل سينا حيث لم يعبد العجل. وأمر الله نبيه موسى أن يعينه وصيا من بعده .. كما أن الإمام على بن أبى طالب كان مع النبى في غار حيراء حيث لم يعبد صنما وأمر الله نبيه في رجوعه من حجة الوداع أن يعينه أمام الحجيج قائدا للأمة من بعده، ولا يترك أمته هملا. وقد  صدع  في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيّنه وليّا للعهد من بعده[15].

وصية عيسى بن مريم لشمعون(بطرس) فى مصادر الدراسات الإسلامية:

ذكر اليعقوبي خبر شمعون حيث سماه شمعان الصفا[16].إلا أن المسعودي بيّن أن العرب تسسميه سمعان، واليونان تسميه شمعون والرومانيين يطلقون عليه بطرس، وأنه قتل برومية في أيام ملك قلوُديس[17].

ويؤيد تسمية العرب بسمعان، بما ورد في معجم البلدان للحمويّ[626ھ/1228م]: من أن دير سمعان:هي نواحى دمشق. وسمعان هو الذى ينسب إليه هذا الدير، وكان أحد أكابر النصارى، ويطلقون عليه شمعون الصفا [18].

فإذا تناولنا إشكاليّة وصية عيسى لشمعون عند المسعودي في كتابه «مروج الذهب» فإننا لا نجد ما يثبت تلك الوصية على سبيل القطع.

فقد ذكر المسعودي خبر حبيب النجار، حيث كان يسكن نواحي أنطاكية من أرض الشام. وكان بها ملك متجبر يعبد التماثيل والصُّوَر، فسار إليه إثنان من تلامذة المسيح، فدعوه إلى اللّه عز وجل، فحبسهما وضربهما، فعززهما اللّه بثالث. وقد إختلف الناس المعزز الثالث، فذهب كثير من الناس إلى أنه بطرس (Simon/Peter). حيث تسميه الرومية بطرس، أما بالعربية  فيطلق عليه بسمعان، وبالسريانية يطلق عليه بشمعون الصفاء.

وذكر كثير من الناس وإليه ذهب سائر فرق النصرانية أن الثالث المعزَّزَ به هو بولس، وأن الأثنين المتقَدمين اللذين أودعا الحبس هما توما وبطرس. فكان لهم مع ذلك الملك خطب عظيم طويل فيما أظهروا، من الإعجاز والأعاجيب والبراهين: من إبراء الأكمة والأبرص، وإحياء الميت، وحيلة بولس عليه بمداخلته إياه وتلطفه له، واستنفاذ صاحبيه من الحبس.

فجاء حبيب النجار فصدقهم، لما رأى من آيات الله عزوجل، وقد أخبر اللّه عزوجل بذلك في كتابه بقوله: ﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم إثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون﴾[يسن13- 14] إلى قوله تعالى: ﴿وجاء من أقصى المدينة رجل يَسْعَى﴾[يسن:20] وقُتِلَ بولس وبطرس بمدينة رومية، وصُلِبا منكسين، وكان لهما فيها خبر طويل مع الملك، ومع سيما الساحر[19].

إما إذا تناولنا إشكالية وصيّة عيسى لشمعون عند الإمام ابن حزم، فنجد أنه أشار عموميّة وصيّة عيسى إلى الحواريين جميعا ،حيث لم يذكر الوصية الخاصة إلى  شمعون دون غيره من الحواريين«ومن ذلك الموضع ابتدأ يسوع بالوصية وقال: توبوا فقد تدانى ملكوت السماء، وبينما هو يمشي على ريف البحر بحر جلجال إذ بصر أخوين أحدهما يدعى شمعون المسمى باطرة والآخر أندرياس وهما يدخلان شباكهما في البحر وكانا صيادين فقال لهما اتبعاني أجعلكما صيادي الأدميين.. هذا نص كلام متى في انجيله حرفا حرفا... أما نص  إنجيل لوقا: وبينما الجماعات يوما تزدحم عليه، رغبة في إستماع كلام الله، وكان في ذلك الوقت واقفا على ريف بحيرة بشيرات، إذ بصر مركبين في البحيرة قد نزل عنهما أصحابهما لغسل شباكهم، فدخل يسوع أحدهما الذي كان لشمعون، وسأله أن يتنحى به عن الريف قليلا فقعد في المركب، وجعل يوصي الجماعات منه. فلما أمسك عن الوصية، قال لشمعون: تنح عن العمق والقواجر أفاتكم للصيد، فقال له شمعون: يا معلم قد عنينا طول الليل، ولم نصب شيئا، ولكنا سنلقي الجرافة بأمرك وقولك. فلما ألقاها، قبضت على حيتان كثيرة جليلة، فكادت تقطع الجرافة من كثرتها فاستعانوا بأصحاب المركب الثاني»[20].

أما إذا نظرنا إلى إشكالية وصية عيسى عند ابن الأثير فنجد أنه يثبت وصية عيسى لشمعون حيث عيّنه المسيح عليه السلام، ليكون رأس الحواريين. فبعثه المسيح عيسى بن مريم عليه السلام  إلى نصرة من سبقه  من الإثنين الذين سبقهما إلى أنطاكيه،  حيث حبسهما ملك أنطيخس بعدما كُذِّب وضُرِبَ.

وهو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث﴾[يسن:14]. فدخل البلد متنكرا وعاشر حاشية الملك، فرفعوا خبره إلى الملك فأحضره ورضي عشرته وأنس به وأكرمه، فقال له يوما: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى دينهما، فهل كلمتهما وسمعت قولهما... فحينئذ دعا شمعون الملك إلى دينه فآمن قومه وكان الملك فيمن آمن، وكفر آخرون. وقيل: بل كفر الملك، وأجمع هو وقومه على قتل الرسل. ..فبلغ ذلك حبيب  النجار، وهو على باب المدينة، فجاء يسعى إليهم فيذكرهم ويدعوهم إلى طاعة الله وطاعة المرسلين فذلك قوله تعالى: ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث﴾[يسن:14]، وهو شمعون فأضاف الله تعالى الإرسال إلى نفسه، وإنما أرسلهم المسيح؛ لأنه أرسلهم بإذن الله تعالى. [21]

أما الإمام الشهرستاني فقد ذكر وصية عيسى إلى شمعون، ضمن إشكالية نزول عيسى إلى الأرض عند النصارى، حيث إن بعضا من النصارى يرون نزوله قبل يوم القيامة مثل إعتقاد المسلمين. بينما يرى بعضهم أنه، لا ينزل قبل يوم الحساب فهو«بعد أن قتل وصلب نزل ورأى شخصه شمعون الصفا وكلمه، وأوصى اليه. ثم فارق الدنيا وصعد الى السماء. فكان وصية شمعون الصفا. وهو أفضل الحواريين علما، وزهدا، وأدبا. غير أن فولوس شوش أمره وصير نفسه شريكا له وغير أوضاع كلامه، وخلطه بكلام الفلاسفة ووساوس خاطره»[22].

وصية عيسى لشمعون فى  المصادر المسيحية:

إن إشكالية وصية عيسى لأحد من أتباعه قد وقع الخلاف فيها بين المسيحيين، كالحاصل بين الأشاعرة والإمامية في وصيّة الرسول لعليّ ،حيث إعتبرت كنيسة رومان الكاثوليكيّة أن شمعون (بطرس) هو وصي عيسى. بينما إعتبرت الكنيسة البروتستانية، أن عيسى لم يوصي أحدا بعينه، بل شملت وصيته على جميع الحواريين في نشر تعاليمه. وهذا الخلاف يرجع إلى إشكالية التأويل في العبارات الموجودة في العهد الجديد.

وقد ورد خبر وصية عيسى في إنجيل متى الأصحاح العاشر مانصه:«ثم دعا- يعنى عيسى – تلاميذه الإثنى عشر وأعطاهم سلطانا على أرواح نجسة حتى يخرجوها، ويشفوا كل مرض وكل ضعيف. وأسماؤهم كالآتي: سمعان(Simon) الذى يقال له بطرس، وأخوه أندرياش((Andrew، ويعقوب بن شيذاي( James)، وأخوه يوحنا(John)، وفيلبس (Philip) وبرثلوما (Bartholomew)، وطوما (Thomas)، ومتى الجابيMathew) tax collector )، ويعقوب (James) ويهوذا(/Judas  Thaddaeus)  وشمعون الكنعاني(Simon Patriot) ويهوذا الأسخربوطي(Judas Iscariot)[23].

إعتمدت كنيسة البروتستانية، الرواية المتقدمة، بحيث تعتقد بأن عيسى لم يوص أحدا بعينه، بل ألقى المسؤولية على عاتق جميع الحواريين، وذلك لهداية الضّالّيين من بني إسرائيل، وأيضا، ليشفوا المرضي ويحيوا الموتي ويبرؤوا الأكمه[24].

إلا أن  ابن حزم  إنتقد  تلك الرواية بحجّة أنها تشير إلى أن عيسى عليه السلام منحهم كلهم سلطانا على الأرواح النجسة، وأيضا أن يبرئوا من كل مرض، حيث سمّى أسماءهم كلهم مع ما فيهم يهوذا الأسخربوطي الذى دلّ اليهود المسيح، وسلّمه، وعلى هذا«فكيف يجوز أن يقرب الله تعالى، ويعطي السلطان على الجن، والإبراء من كل مرض، من يدري أنه هو الذي يدل عليه ويكفر بعد ذلك»[25].

أما كنيسة رومان الكاثوليكية المعروفة بفاتكان، فهي تؤكد وصية عيسى لشمعون( بطرس)، وقد إعتمدوا على ما ورد في إنجيل يوحنا، من أن عسى أوصي  إلى شمعون(بطرس) وقال له «إرع غنمى» كناية عن رعاية من أمن به، حيث كررها ثلاثة  مرات [26].

كما إستدلوا أيضا على ما جاء في قاموس الكتاب المقدس أنه« عينه المسيح، لهداية الكنيسة»[27].

الخلاصة أننا لا نجد ما يؤكد وصية عيسى لشمعون على سبيل القطع، من خلال المصادر الإسلامية والمسيحية،  مثل وصية موسي ليوشع بن نون ،بغض النظر عن كونه رجلا فعّالا في نشر تعاليم المسيح من بين الحواريين في أوساط المجتمع، في وقت المسيح، وبعد رفعه عليه السلام[28].

من جانب آخر، فإذا قلنا بإطراد العادات والقياس في أمر الوصيّة عند الأنبياء، يقتضي ذلك وصيّة النبي صلى الله عليه وسلم لعلى بن أبي طالب، بحيث إن هذا الإطراد هو نفس الحجة التي إعتمد عليها الإمام الجوينيُّ رحمه الله في إثبات الإمامة بالإختيار عن طريق الإجماع على العرف وإطراده بالدول، والأديان والملل حيث إثبت أن«مدار الكلام في إثبات الإجماع على العرف وإطراده، وبيان إستحالة جريانه حائدا عن مألوفه ومعتاده، فكل ما يتعلق بالدول،  والأديان والملل، فالعرف مستمر على إتباع  شوف ومطمع يجمع شتات الآراء، ويؤلف إفتراق الأهواء»[29].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

..................................

[1] - المسعودي، أبو الحسن، علي بن الحسين، المسعودي، إثبات الوصية، المطبة الحيدرية، الجف الأشرف، ص5-70. نقلا عن:العسكرى  السيد المرتضى  معالم المدرستتين،  قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة المطبعة الإتحاد، طهران إيران، ط3/1409ھ/1989م، ص269.

[2] - اليعقوبى، تاريخ اليعقوبي، تعليق، خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1/1419ھ/1999م، ج1/ص8-9.

[3] -  الطبرى، أبي جعفر محمد بن جرير، تاريخ الطبري تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2/1411ھ/1991م، ج1/ص96.

[4] - المصدر السابق، ج1/100.

[5] - ابن الاثير، علي بن أبي الكرم ،الكامل في التاريخ، تحقيق، عبد الله القاضي، دارالكتب العلمية بيروت، لبنان، ط2/ 1415هـ ج1/ص 43.

[6] - المسعودى، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تقديم، د/مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1/1984 ،ج1/ص33

[7] - الرازي، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ،دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط1/1421ھ/2000م،ج4/ص66.

[8] -  العسكرى، العلامة السيد مرتضى، معالم المدرستين، قسم الدراسات الإسلامية- مؤسسة البعثة المطبعة الإتحاد طهران، إيران، ط3/1409ھ/1989م،ج1/ ص270

- [9] التوراة من الكتاب المقدس، بيروت المطبعة الأمريكية سنة 1907م نقلا عن: العسكرى، السيد مرتضى ،معالم المدرستين، قسم الدراسات الإسلامية- مؤسسة البعثة المطبعة الإتحاد، طهران، إيران، ط3/1409ھ/1989م، ج1/ص271.

- [10] المصدر السابق،ج1/ص271.

[11] - اليعقوبى،  تاريخ اليعقوبي، باب أنبياء بني إسرائيل وملوكهم بعد موسى، تعليق، خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1/ 1419ھ/1999م، ج1/ص42.

[12] - العسكرى، العلامة السيد مرتضى،  معالم المدرستين، قسم الدراسات الإسلامية- مؤسسة البعثة المطبعة الإتحاد، طهران، إيران، ط3/1409ھ/1989م،  ج1/ص272.

[13] -  الألوسي،روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني،إدارة الطباعة المنيرة،  دار التراث العربي، بيروت لبنان، ط4/11405ھ/1985م، ج7/ص214.

[14] - الرازي، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1/1421ھ/2000م، ج3/ص161.

[15] - المصدر السابق، ج1/ص272.

[16] - اليعقوبى،  تاريخ اليعقوبي، باب  المسيح بن مريم، تعليق، خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1/1419ھ/1999م، ج1 ص 69.

[17] - المسعودى، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تقديم، د/مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1/ (بدون تاريخ) ،ج1/323.

[18] - الحموي ، ياقوت بن عبد الله أبو عبد الله، الروميّ البغداديّ،  ،معجم البلدان، دارإحياء التراث العربي، بيروت لبنان، ط1/1417ھ/1997م، ج4/ص348.

[19] - المسعودى،  مروج الذهب ومعادن الجوهر، تقديم، د/مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1/(بدون تاريخ)، ج1/323.

[20] -ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق، أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2/1420ھ/199م،ج1/ص267-268.

[21] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق، أبي الفداء، عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،ط1/1407ھ/1987م، ج1/ص282-283.

[22] - الشهرستاني ، الملل والنحل، تحيقق، محمد سيد كيلاني الناشر، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ج1/ص211.

[23] - THE HOLY GOSPEL, THE NEW TESTAMEN, 2001,The gospel Mathew(9-10),  the tweleve Apostle( mark 3.13-19; Luke 6.12-16, United Bible Societies Asia Pacfic Region Brisbane, Austrlia, p.32

[24] Ibid,p.33.

[25] -ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق، أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية،بيروت لبنان، ط2/1420ھ/، 1999 م،ج1/ص 275.

[26]-THE HOLY GOSPEL, THE NEW TESTAMEN, 2001,The gospel Mathew (9-10), the tweleve Apostle (mark 3.13-19; Luke 6.12-16, United Bible Societies Asia Pacfic Region Brisbane, Austrlia, p.394.

[27] - الأصحاح21، العدد:15-18، نقلا عن : العسكرى، السيد  مرتضى، معالم المدرستين، ، قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة المطبعة الإتحاد طهران، إيران، ط3/1409ھ/1989م، ج1/ص273.

[28] - THE HOLY GOSPEL, THE NEW TESTAMEN, the gospel of john 21, Jesus and Peter, United Bible Societies Asia Pacfic Region Brisbane, Austrlia, 2001, p.394.

[29] - الجوينى، الفياثى غياث الأمم فى التياث الظلم. تحقيق،  د/عبد العظيم الديب، كلية الشريعة، جامعة قطر،  ط1401ھ ، ص50.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4852 المصادف: 2019-12-18 14:32:45