 دراسات وبحوث

هل دلالة معنى الخلافة والإمامة شيء واحد أم فيه فرق؟

بدر الدين شيخ رشيدينبغي أن ندرك أن الشائع في مصطلح الإمامة عند الشيعة الإماميّة هو إستخدام كلمة «الإمامة»، بينما نجد أن المشهورعند الأشاعرة هو إستخدام كلمة «الخلافة» في تعريف الزعامة الدينيّة والدنيويّة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل مفهومهما واحد؟ أم بينهما فرق من حيث الإصطلاح عند المدرستين؟.

إذا نظرنا إلى هذه الإشكاليّة من ناحية مفهوم الخلافة والإمامة عند الأشاعرة والإماميّة، نجد أن الشيخ سعيد عبد اللطيف فودة في كتابه «بحوث في علم الكلام» يقول:« هناك إصطلاحان يستعملان في هذا المقام، (الأول): الخلافة، (والثانى): الإمامة. فأهل السنة لا يرون إختلافا بينهما، ويستعملون أحدهما محل الآخر وأما الشيعة فيفرقون بينهما».[1]

العلامة سعد الدين التفتازانى [791/792ھ/ 1388/1389م] حاول كشف حقيقة الفرق بين الإمامة والخلافة عند الأشاعرة والإماميّة، حيث يظهر أن وجه تخريجه في حلّ هذا الإشكال قائم: بأن مفهوم الإمامة أعمّ من الخلافة. إلا أن وجه تخريجه للتفرقة بين الإصطلاحين لايزيل الإشكال عند الأشاعرة.

إذ خرّج التفتازاني عموميّة الإمامة على الخلافة عند الأشاعرة  من ناحيّة الزمن، حيث أطلق مفهوم الخلافة، خلافة الراشدين، وما بعدها يمكن أن يطلق على الإمامة، لا الخلافة. وفسّر هذا التخريج  بناء على الحديث:"الخلافة بعدي ثلاثون سنة" «فما بعدها لا يكون خلافة، فالإحتمال أن يكون ما وراء الثلاثين إمامة لا خلافة بناء على أن الإمامة أعمّ»[2].

غير أن التفتازاني أبطل هذا الإحتمال، لعدم وجود من إستعمل هذا الإصطلاح عند الأشاعرة. وهكذا نجد أنه إختار في حلّ هذا الإشكال بالتفرقة بين الخلافة والإمامة عندهم، من حيث الكمال والنقص، حيث أطلق على الخلافة الراشدة بالكاملة، وما بعدها بالخلافة الناقصة (الملكيّة) ، فقال:« ولعل المراد أن الخلافة الكاملة التي لا يشوبها شيء من المخالفة وميل عن المبايعة تكون ثلاثين سنة. وما بعدها قد تكون وقد لا تكون»[3].

أما مفهوم الخلافة والإمامة عند الشيعة الإماميّة، فيبدو أن هناك فرقا بينهما، لكن هذه الفرق يصدق عند فريق من الشيعة الإماميّ كما يفهم من كلام العلامة التفتازانى الأشعرى [ت:791/792ھ/13891388/م]، حيث قال: « بل من الشيعة من يزعم أن الخلافة أعمّ؛ لأنهم  يقولون بخلافة الأئمة الثلاثة (أبوبكر، عمر، عثمان)، دون إمامتهم»[4].

إلا أن الشيخ سعيد عبد اللطيف فودة ردّ هذا الإحتمال في كتابه «بحوث فى علم الكلام» رغم أنه أشار هذا الفرق بينهما، في أخر كلامه، فقال:« ونفهم تماما، أنه لم تزعم الشيعة الفرق بين الإمامة والخلافة. فهم لا يعترفون للخلفاء الثلاثة. وهم أبو بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم، ولا يعترفون لهؤلاء بالإمامة، بل ربما ينسبون لهم بالخلافة فقط»[5].

ينبغي أن ندرك أن إشكال الفرق بين الخلافة والإمامة الذي نسبه العلامة التفتازاني الأشعريّ لبعض الشيعة، هذه الفرق يصدق في تعريف الخلافة عند الأشاعرة. وذلك، حسب رؤية بعض  الشيعة الإماميّة أن الخلافة تطلق بالإمارة الظاهرة، بخلاف الإمامةلأن مفهوم الإمامة عند الشيعة لا يقتصر بالإمارة الظاهرة التي تقول بها الأشاعرة، بل أكثر من ذلك هي رئاسة دينية تشكل الطاعة والإنقياد التام للإمام  مثل الطاعة الموجبة لله ورسوله. ومن هذا المنطلق، فرقت الشيعة بين الخلافة والإمامة. وهذا المفهوم، أعنى  التفرقة بين الخلافة والإمامة عند الإماميّة، أكد السيد محسن الخزاري شارح كتاب «عقائد الإماميّة» للمظفر، حيث وافق كلام التفتازانى الأشعري الذى نسبه إلى الشيعة في التفرقة بين الخلافة والإمامة. فقال السيد الخرازى:«ولا يذهب عليك أن جمهور العامة(أهل السنة) فسروها بما أعتقدوها في الإمامة من الخلافة الظاهرة والإمارة، وقالوا: إن الإمامة عند الأشاعرة هي خلافة الرسول فى إقامة الدين وحفظ حوزة الملة، بحيث يجب إتباعه على كافة الأمة، ومن المعلوم أن مرادهم منها هي الخلافة الظاهرة، التي هي إقامة غير النبي مكانه، في إقامة العدل وحفظ المجتمع الإسلامى، ولو لم ينصبه النبي صلى الله عليه وسلم للخلافة بإذنه تعالى»[6].

وعلى هذا، فالخلافة الحقيقية عند الإمامّية لاتصدق إطلاقها بالإمامة، إلا إذا كانت في مفهومها الإلهيّ المتعيّنة من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم  كما تقول به الإمامية «فالإمامة عندهم من جنس النبوة، لافرق بين النبي والإمام، إلا من جهة أن الإمام -غير النبي- لا يوحى إليه، أو لا تنزل إليه رسالة وشريعة جديدة ويشترك مع النبوة فيما سوى ذلك»[7]. وبناء على ذلك، فالخلافة والإمامة الحقيقية عند الشيعة الإماميّة هي:« الخلافة الكليّة الإلهيّة التى من آثارها ولايتُهم التشريعيةُ التى منها الإمارةُ والخلافةُ الظاهرةُ»[8]. ويقصد حقيقة المعنى الإلهيّ للخلافة عندهم، أن الإمامة تشمل مفهومى التّكوينىّ والتّشريعىّ، بل التشريع تابع ولازم للتكوينيّ، ويقصد بالتكوين التدبير للعالم إيجادا وإعداما، أو تصرفا تكوينيّا له لا تشريعيا فقط، لأن الولاية التشريعية تابعة للتكوينية، لأن من يملك التصرف الكونىّ يملك قطعا أن يأمر وينهى[9].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

...............................

[1] - فودة سعيد عبد اللطيف، بحوث فى علم الكلام، دارالرازى للطباعة، عمان، الأردن، ط1/2004م، ص131.

[2] - التفتازاني،  شرح العقائد النسفية، تحقيق محمد عدنان درويش، بمراجعة، فضيلة الشيخ أديب الكلاس مكتبة دار البيروني، 1411ھ ، (بدون رقم الطبعة )،ص234.

[3] - المصدر السابق، ص232.

[4] - التفتازاني، شرح العقائد النسفية، تحقيق محمد عدنان درويش، بمراجعة فضيلة الشيخ أديب الكلاس مكتبة دار البيروني ،(بدون رقم الطبعة)، 1411ھ ، ص234.

[5] - فودة سعيد عبد اللطيف، بحوث فى علم الكلام، دار الرازى للطباعة عمان، الأردن،ط1/2004م ، ص132.

[6] - الخزازي، السيد محسن، بداية المعارف في شرح العقائد الإمامية، مكتبة مديرية الجوزية العلمية، قم، إيران،ط1/1411ھ ،ص11

[7] - فودة سعيد عبد اللطيف، بحوث فى علم الكلام، دار الرازى للطباعة عمان، الأردن،ط1/2004م ،ص132.

[8] - الخزازي، بداية المعارف في شرح العقائد الإمامية، مكتبة مديرية الجوزية العلمية، قم، إيران،ط1/1411ھ ،ص12.

[9] - فودة سعيد عبد الليف، بحوث فى علم الكلام، دار الرازى للطباعة عمان، الأردن،ط1/2004م، ص134.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4873 المصادف: 2020-01-08 01:32:33