 دراسات وبحوث

بعض أحكام التقية في الاسلام

بدر الدين شيخ رشيدرؤية الإمام الرازي: ينبغي أن ندرك أن التقية لا تستلزم الكذب، فالتقية جائزة بنص القرآن الكريم ، كما قال تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ [آل عمران:28].

فقد ذكر الإمام الرازى بعض أحكام التقية عند شرحه في قوله تعالى:﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ [آل عمران:28]. ومنها:

أن التقية إنما تكون، إذا كان الرجل في قوم كفار، ويخاف منهم على نفسه وماله، فيداريهم باللسان وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط أن يضمر خلافه، وأن يعرض في كل ما يقول، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب .

أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل. وأستشهد الرازي بذلك، قصة مسيلمة الكذاب مع رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم نعم نعم، فقال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم، وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة، ومحمد رسول قريش، فتركه. ودعا الآخر فقال أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم، قال : أتشهد أني رسول الله ؟ فقال : إني أصم ثلاثا، فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئاً له،وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه.

التقية إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة، وقد تجوز أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين. فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل، والزنا، وغصب الأموال، والشهادة بالزور، وقذف المحصنات، واطلاع الكفار على عورات المسلمين، فذلك غير جائز ألبتة.

يدل ظاهر الآية أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين، إلا أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس.

التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز، لقوله صلى الله عليه وسلم :«حرمة مال المسلم كحرمة دمه» ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد»، ولأن الحاجة إلى المال شديدة، والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء، وجاز الإقتصار على التيمم دفعاً لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز ههنا.

التقية كانت ثابتة في أول الإسلام لأجل ضعف المؤمنين، فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا، وهذا ما قاله مجاهد. ورَوَىْ عَوْفُ عن الحسن البصري أنه قال: التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة. وبه رجح الرازي معللا بذلك: أن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان1.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

......................................

1- الرازي، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط1/1421ھ/2000م، ج8/ص12.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4896 المصادف: 2020-01-31 01:28:58