 دراسات وبحوث

النسوية واستلاب الهوية

مقدمة: لا ريب أن ضروب الظلم التي حاقت بالمرأة كانت كثيرة ومتعددة وبعضها كان من أفظع أنواع الظلم وأقدمها في التاريخ الإنساني، وهو ما يحتم على العقلاء وطلاب العدالة في المبادرة بمعالجة هذا الموضوع بالوساذل العلمية المنطقية، دون مراعاة إلا للحقيقة، ولتحقيق العدالة.

لأن معالجة هذا الموضوع له تبعات جديرة بالاهتمام، وغاية في الأهمية خاصة أنها تتعلق بإنصاف المرأة وأعادتها إلى أحضان دورها المتوازن، بعد أن جرها الظلم الذي وقع عليها للارتماء في أحضان كل صيحة ترفع شعار حقوقها وتحريرها، دون أدنى نظر منها في حقيقة تلك الشعارات ومنشأها وحاضنتها، ومآلاتها على شخصيتها وكينونتها وأسرتها ومجتمعها ووظيفتها ككل. فليس كل من يطالب بإنصاف المرأة هو من دعاة الأنثوية، وليس كل من ينتقد الأنثوية هو من مناوئي حقوق المرأة، بل القضية قضية معرفة وبحث عن واقع الأمر وعن الحقيقة التي تحقق العدالة والإنصاف للجميع.

فحقيقة الإنسان تكمن في أصالة الروح وفرعية البدن، إذ لو كان لهذا الجسد أو للجنس مدخلية في إنسانية الإنسان، لكان يدفعنا ذلك إلى الحديث عن المذكر والمؤنث، ولكنا سلطنا الضوء على أن هل المذكر والمؤنث متساويان أم متفاوتان؟ ولكن الحقيقة هي أصالة الروح في إنسانية الإنسان وأداتية الجسد للتعبير عن هذه الأصالة في واقع الحياة والدنيا، حيث يصبح الجسد الأداة التي من الممكن أن تكون أنثى أو ذكرا.

"إن القرآن الكريم اعتبر أن حقيقة كل إنسان روحه، والبدن أداتها، وهذا لا يتنافى مع أن يكون للإنسان بدن في النشأة الدنيا والبرزخ والقيامة، وكما أن لديه بدنا في الدنيا، والبدن هو فرع – وليس أصلا أو جزءا من الأصل – كذلك أيضا في البرزخ والقيامة. حيث أن الله تعالى ينسب البدن الذي هو فرع إلى الطبيعة والتراب والطين ويسند الروح التي هي الأصل إليه إذ يقول في سورة الإسراء آية 85 (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)"[1]

وحينما تكون أصالة الروح هي الأساس في إنسانية الإنسان وليس الجسد، إذا تكون الخلافة الإلهية متعلقة بمقام الإنسانية وليست متعلقة بشخص أو جنس. ولكن ما هو معنى الخلافة الإلهية؟

معنى أن يخلف الله سبحانه وتعالى أحدٌ في أرضه.. يعني تنفيذ المقاصد الإلهيّة وتطبيق أوامره سبحانه وتعالى في الأرض. وليس معنى الخلافة الإلهيّة على الأرض مجرد وجود إنسان عاقل مريد ومختار يريد ويفعل، فمجرد وجود الإرادة والاختيار لا يعني جعله خليفة، بل انطباق إرادته واختياره مع إرادة الخالق في تنفيذ أوامره ونواهيه. وبالتأكيد هذا الانطباق هو الميزة هي التي جعلت من الإنسان خليفة لله سبحانه وتعالى.

فالميزة التي جعلت من الإنسان خليفة لله سبحانه وتعالى إضافة إلى كونه إنساناً مختاراً يريد فيفعل، هو أنه يريد ما يريده الله سبحانه وتعالى، وهي ذات الميزة التي أهّلت آدم وجعلته خليفة لله على الأرض.

ونخلص إلى أن متعلق الخلافة هو الإنسانية التي تطبق إرادة المستخلف عنه وتقيم أوامره وتنهى عن نواهيه في ساحة الاستخلاف. وبما أن القرآن جعل الميزان في التمايز التقوى حيث قال عز شأنه:"وجعلناكم شعوبا قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" إذا المسألة تتعلق بالإنسانية وليس بالجنس الإنساني والتمايز قائم على أساس تقوى الإنسان بما هو إنسان وليس بما هو جسد وبدن، فلا وجود إذا للجنس ذكرا أو أنثى في مسألة الخلافة على الأرض فكليهما كإنسان معنيان بالخلافة وإقامة حدود الله تعالى كما أرادها المستخلف، ومن لم يطبق ذلك من ذكر أو أنثى خرج من سنة الاستخلاف واستبدل بغيره.

فلسفة التنوع (الجنس وتنوع الوظائف):

حينما جعل الإنسان هو محور الخلافة الإلهية بماهيته لا بجنسه فإن ذلك لدليل على أصالة الإنسانية في المسيرة التكاملية نحو الله تعالى. إلا أن ممارسة هذه الوظيفة والهدف العظيم في الدنيا انتقل بهذا الإنسان ليتلبس لباس الجسد فيعطى صفة الذكر وصفة الأنثى لا على أساس التناقض والمقابلة وإنما على أساس تكامل الأدوار ووحدة الهدف. وقد انقسمت الآراء حول طبيعة الأدوار وتوزيعها بين كل من المرأة والرجل، فبعضهم ذهب إلى أن الأدوار وظائف وزعت وفق مقتضيات الطبيعة البيولوجية كل من المرأة والرجل، وبعض رفض هذه النظرية القائلة بتلاؤم الوظائف مع النظام الطبيعي للخلقة. حيث اعتمد أصحاب الرأي الأول على أن الأٍسرة هي الاساس في المنظومة الاجتماعية والتي توزع فيها الأدوار وفي النظام الطبيعي أو نظام الخلقة، واعتبروا أن الرجل هو صانع الحضارات ومدير المجتمع وتقع على عاتقه تقدم وتطور الحضارة والفكر الإنسانيين، أما المرأة فوظيفتها القيام بالأعمال التي تقع في دائرة تحصين المقومات التي تساعد الرجل في القيام بهذه المهمات العظيمة الملقاة على عاتقه. فأنصار النظام الطبيعي تبنوا نظرية ثبات الأنواع التي تتبنى ثبات الاختلافات الجسدية والنفسية بين المرأة والرجل في كل زمان ومكان، ما أصحاب النظرة الثانية أو أنصار القراءة التاريخية للاختلافات النفسية والجسدية بين المرأة والرجل فقد تبنوا نظرية التكامل التاريخي التي لا ترى ثبات لهذه الاختلافات الجسدية والنفسية وأنه يمكن للموجودات أن يكون لها ألف نوع وشكل. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل المراة التي كانت موجودة منذ آلاف السنين هي نفسها جسديا ونفسيا في عصرنا هذا؟ وهل الوظائف التي كانت تؤديها المرأة في السابق هي نفسها الوظائف التي تؤديها الآن؟ وهل بقيت المرأة في أدوارها محصورة ضمن حدود وأطر الأسرة فقط؟ وهل الظروف الاقتصادية التي كانت تعيش فيها المرأة هي ذاتها الأن؟

موضوعة المرأة من الموضوعات القلقة التي لم تخل أي ساحة تاريخية من طرح إشكالياتها، خاصة في القرون الأخيرة التي اختلطت فيها كثير من العادات والتقاليد مع الأديان، ولعل أصل الموضوع ليس في اختلاف الجنس بين المرأة والرجل، بقدر ما هو الكشف عن منظومة الحقوق والواجبات، ومحاولة استرجاع الحقوق المسلوبة، أو سلب حقوق ليست ذات صلة بالجهة المطالبة، ولكن هناك تجاهل أو تغافل عن أمر ذا أهمية قصوى، وهو عدم التطرق للمنظومة القيمية الفردية والاجتماعية وعلاقتها بمنظومة الحقوق والواجبات، وأيهما يقدم في حال التزاحم؟

وطالما كان موضوعنا عن الأنثوية، فأجد من الضرورة عمل إطلالة سريعة إلى الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه الحركة، والتي في واقع الأمر نشأت كرد فعل إما على ظلم المرأة وسلبها حقوق واقعية لها، أو نتيجة الانحلال التدريجي لمنظومة القيم الفردية والاجتماعية، وقيام بنية فلسفية مغايرة اتخذت فيما بعد كقاعدة معرفية، لازمها كبناء فوقي كثير من اللوازم المعرفية والأفكار التي رسمت معالم العلاقات الفردية والاجتماعية ومنظومة القيم والحقوق والواجيات على ضوء تلك القاعدة الفلسفية.

وقفة مع المفهوم " الاستلاب":

اكتسب مفهوم الاستلاب حق الوجود الفكري الراسخ منذ أواخر القرن الثامن عشر.. ورغم أن المفهوم يرجع في بداياته المعروفة الأولى ؤلى اللاهوت البروتستانتي، أي بدايات القرن السادس عشر، فإن اساتخداماته تشعبت وتنوعت على مدى قرنين من تطور الفكر الفلسفي والاجتماعي الأوروبي، ابتداء من توماس هوبز وجون لوك، مرورا بجان جاك روسو، ويوهان غوتليب فيخته وفريدريك شيلنع، وصولا إلي هيجل الذي يحتل الاستلاب موقعا مركزيا في فلسفته.[2]

الاستلاب عند هيجل هو لحظة ديناميكية، نتيجة وسبب، فهو نتيجة للانسلاب أي النشاط الخالق الذي تقوم به الروح إذ تجسد فكرتها خارج نفسها في موضوع (تشيؤ في موضوع، في آخر)، وتصير بذلك غريبة أو في حالة استلاب/ اغتراب عن نفسها، مما يستفز أو يحث على رفع الاستلاب/ الاغتراب، نقضه، إلغائه، تجاوزه، نفيه.

يعبر هيجل، بلغة تجريدية، عن حالة الاستلاب/الاغتراب بتحليل:

تشيؤ النشاط الروحي (تجسده في شيء، أي موضوع).

تحول الموضوع إلى آخر.

فقدان الطابع الكلي.

إذا هو التشيؤ في الموضوع، والتحول إلي موضوع آخر، التخارج، فقدان الطابع الكلي.[3]

وهنا نحن بصدد الحديث عن استلاب هوية المرأة، وتشيء وجودها، لتتحول إلي وجود آخر، وشخصية أخرى، ترسم معالمها الأنثوية خاصة الراديكالية منها، وتسلبها روحها ووجودها الحقيقي، حيث تفصل بين التكوين الطبيعي البيولويجي، وتكوينها الروحي الإنساني، في حالة من الفردانية التي هيمنت على الفهم الغربي العام، وركزت على أصالة الفرد في قبال أصالة المجتمع التي تبناها الفكر الاشتراكي.

وهنا يدفعنا مفهوم الفردانية لعمل إطلالة سريعة، لدور مفهوم أصالة الفرد في تسييل الأنثوية كمفوم مقبول في المجتمعات الغربية، بعد أن فككت علاقات الفرد بمحيطه وفككت بعده الاجتماعي بالتالي بعده ودوره الأسري.

الفرادة والفردانية :

اليوم كثير من العناوين التي تطرحها ما يسمى بدورات التنمية البشرية، والتي تركز على الأنا والذات الأنانية وتكرسها كأصيل وأولوية مطلقة قد تكون في عرض الأسرة والمجتمع، هي عناوين خرجت من رحم مفهوم أصالة الفرد، وهي دعوة صريحة للفردانية.

يقول الدكتور علي وطفة في محاولته لتعريف الفردانية:

ترمز الفردانية إلى واقع اجتماعي وثقافي يستطيع فيه الناس، بوصفهم أفرادا، اختيار طريقة حياتهم وسلوكهم وممارسة عقائدهم، كما ترمز إلى مجتمع يضمن فيه النظام الاجتماعي والقضائي حماية حقوق الناس بوصفهم أفرادا غير مكرهين علي التضحية أو التنازل عن شيء يعتقدون به.

هناك فرق بين الفردانية والفرادة يتجلى في أن الأولى تدعو لأصالة الفرد في قبال المجتمع والدولة والجماعة يكون فيها الفرد هو محور الكون بطريقة تهدم فيها العلاقات المحيطة به، فلا يجد أن لأحد عليه حق، ولا عليه واجب اتجاه أحد غير ما يفرضه القانون عليه، بينما الثانية (الفرادة) تعتني بالفرد في بعده الحقوقي، ولكنها في ذات الوقت لا تنفي علاقاته وما يترتب على هذه العلاقات من واجبات وحقوق، كعلاقته بالمجتمع وعلاقته بالدولة وعلاقته بالأسرة والمجتمع، لكنها تحترم وجوده وشخصيته الذاتية، ويكون له الحق في التشخيص المستقل عن الجامعة والمجتمع، والتحليل واتخاذ المواقف التي تتوافق وشخصيته بحيث لا تؤثر علي مجتمعه ولا تضر بالمصالح العامة.

والفردانية هي موقف أخلاقي وفلسفة سياسية، ونظرة اجتماعية تؤكد على القيمة المعنوية للفرد. وتدعو إلى ممارسة أهداف الفرد ورغباته لتكون قيمه مستقلة ومعتمدا على نفسه، وتعتبر الفردانية أن الدفاع عن مصالح الفرد مسألة جذرية يجب أن تتحقق فوق اعتبارات الدولة والجماعات، في حين يعارضون أي تدخل خارجي على مصلحة الفرد من قبل المجتمع أو المؤسسات مثل الحكومة. وغالبا ما تتناقض الفردانية والديكتاتورية أو الجماعية. .

مثلا دعوات تقديم النفس على كل شيء، والاعتناء بها فوق كل شيء، والتركيز على سعادتها قبل أي شيء، ككوني أنت، وأنا الأول وغيرها من العناوين التي تدور في فلك الأنا والذات وتقدم مفاهيم مادية تشخص حاجات هذه الأنا، هي من ذات ذلك الأصل " أصالة الفرد"..

هذا فضلا عن التركيز على حقوق الفرد دون التأسيس لمنظومة حقوق وواجبات تأخذ بالحسبان شبكة العلاقات الوظيفية والتفاعلية المتعلقة في الفرد، سواء نلك الطبيعية الفطرية أو الاعتبارية النظمية.

ومثال ذلك الحرية كحق أصيل للفرد، وهي فضلا عن كونها حق طبيعي فطري تكويني، إلا أننا لا نستطيع فصلها كحق فردي عن دائرة المجتمع، وعن دائرة النظم والقانون.

فالفرد يولد وله بعدين حقيقي وحقوقي، فالأول متعلق به كذات وكشخصية حقيقية لها مجموعة حقوق وعليها مجموعة واجبات، كون لا يخلو حق من واجب متلازم معه، والثاني عبارة عن مجموعة العلاقات والارتباطات التي يرتبط فيها بعد ولادته بشكل حقيقي أو كفرد من أفراد المجتمع بشكل اعتباري، ويترتب عليها مجموعة حقوق له ومجموعة واجبات عليه.

هذا التوازن بين الحق والواجب وبين الحقوق الفردية والاجتماعية لا يلغي الفرد لكنه يرسم له شبكة علاقاته وحدودها الحقوقية والقانونية التي تعتبر حاجة ضرورية للنظم والتطوير، بل حاجة لازمة لخلق جو تفاعلي يرتكز على التنافس التصاعدي المتوازي لا التنافس التصادمي المتقاطع، فالأول يفجر طاقات الفرد والمجتمع، والثاني يدخلها في صراعات قاتلة وهدامة.

فالتوازن هو بين بناء الذات والاهتمام بها من حيث النوع والكم والمعنى والمادة، مع ضرورة إهمال الأنا الفرعونية بل محاربتها، وبين الاندماج بالمجتمع والتفاعل والانفعال معه في التغيير والتطوير وخدمة الإنسانية.

فهو توازن بين ضرورة بناء الذات في كافة أبعادها، وبناء المجتمع في كافة احتياجاته.

لكن هل ذلك يتنافى مع الفرادة؟ وهل الفرادة تعني انقلاب على الذات وعلى الأصيل الثابت؟

وما الفرق بين الفرادة والفردانية؟

رفض الأنا كأصيل فرعوني، لا يعني رفض الفرادة، كون الفرادة تكمن في التميز والابداع الذي يفترض أن يطور من المجتمع ويدفع باتجاه تحضّره، . كون تمييز التميز والابداع لا يكون إلا من خلال التفاعل الاجتماعي ضمن المجتمع، فلا فرادة يمكن وصفها بذلك إلا من خلال مقارنة عمل مع آخر، وإبداع مع آخر. وهذا لا يكون إلا بإعطاء الفرد حقه في العلم وتنمية الذات والتعبير عن مهاراته وخصوصيته وإبداعاته ومن ثم ترجمتها في واقعه المعاش، وهذا يشترط أن تكون منظومة المعايير والقيم قائمة على أساس أصالة الفرد والمجتمع، بحيث لا تتعدى حقوق الفرد على المجتمع ولا العكس.

والفرادة لا تعني الانقلاب على الأصل، بل تعني تطويره وتبييئه، أي مواكبة هذا الأصل للواقع الزماني والمكاني، الفرادة تعني امتلاك قدرة على التميز في تطوير الواقع وتنضيجه، في سوق قابليات الناس لتقبل الحقيقة، في امتلاك المهارة لذلك والقدرة على إصلاح الواقع بفكر حضاري غير متصادم، الفرادة ليس كما تطرحها الحداثة في تحقيق إنجازات كمية ونجاحات متراكمة لا تصب إلا في صالح الأنا، الفرادة تكمن في تحقيق نجاح نوعي ينعكس على الواقع الاجتماعي وينهض به، حتى لو لم يقدم للشخص أي قيمة مادية، وحتى لو لم يحقق هذا الشخص الشهرة، فالأصل في الفرادة هو النوع لا الكم، ولكن لو انضم النوع إلى الكم فهو نور على نور.

و تتحقق الفرادة وتشتد قوة حينما تترجم في واقع اجتماعي وتحدث تغيير نوعي يدفع بالمجتمع للدول المتحضرة نوعيا وكميا. وهذا لا يتم إلا بالنقد البناء، ورفض التنميط بكافة أشكاله، ومحاولة القراءة الابتكارية للواقع، وامتلاك قدرة للخروج من الصناديق كافة مذهبية أو اجتماعية أو عصبوية، والتفكير الحر الذي لا يخضع لحسابات البيدر والميدان، كالحزبية والقبلية، أو الارتباط بمصالح مالية أو سياسية أو سلطوية. هي تحرر في الفكرة خارج المألوف والإجماع.

هي حالة نقد مستديم إيجابي للواقع، ومحاولة النهوض به حتى لو كان فهم في عكس التيارات كافة.

الفرادة في خصومة مع التقليد النمطي، وفي اندماج مع النظر والتأمل والخيال، الفرادة لا تتحقق مع المسلمات الكثيرة النمطية القائمة على التقليد، ولا مع اليقينيات المطلقة دون بحث وتنقيب ودليل.

تتحقق الفرادة لا بعنوان التقليد ولا الإخضاع والإذلال، وإنما بفعل التفكير والنظر والإقناع والتأثير، الفرادة لا تعني الأنا ولا فقط الذات، بل تعني النهوض بهذه الذات في سياق نهضة المجتمع والأمة.

أن تحقق الفرادة هي أن تقدم شيئا جديدا عجز أقرانك عن تقديمه، شيئا يحدث التغيير خاصة في واقعك الاجتماعي، وخاصة على مستوى الإدراك والقابليات ومنظومة القيم والمعايير.

نعم لنهتم بذواتنا في تطويرها وتنميتها ماديا ومعنويا، لكن لا ننسى أنتا كأفراد لنا حقوق وعلينا واجبات، فالفرد له أبعاد ولكل بعد ارتباط بالحق والواجب.

فبعد حقيقي هو ذاته التي لها عليه حق في العلم والاخلاق والمعرفة، وبعد حقوقي مرتبط بمنظومته العلائقية. كعلاقته بالله والوالدين والأخوة والأسرة المتكونة من الزوج والزوجة والأبناء والمجتمع والأصدقاء وإلخ.

فله عليها حقوق، وعليه اتجاهها واجبات، فلا يمكن أن ينفصل عنها ولا تنفصل عنه خاصة العلاقات الحقيقية التي لا تنفك.

والالتفات لعملية التفكيك البطيء لمنظومتنا المعرفية بعد العولمة، يحتاج إلى وعي وإدراك لكل بنية الحداثة الغربية وبنية الإسلام، لمعرفة الفروقات الجوهرية في البنى الفلسفية لكلا الحضارتين ومن ثم التمييز بينهما تمييزا مجهريا دقيقا، لنتمكن من الاستفادة من كل التجارب البشرية بطريقة تلاقحية لا تبدل الأصيل الثابت، لكن تطور سياقاتنا المعرفية وأدواتها، وتنهض بفهمنا وإدراكنا بما ينعكس بشكل إيجابي على سعينا نحو التطوير والنهضة في مساراتهما المعرفية السليمة، بعيدا عن التمييع والتركيب المصطنع.

يرى دوركهايم أنّ تبني مقاربة فردانية للمعرفة، أي الاعتقاد أنّ المعرفة تنطلق من التجربة الفردية، يثير بالضرورة مشكلات يستحيل حلها. ذلك أنّ الأشياء التي يجربها الأفراد تتغير من يوم لآخر ومن لحظة لأخرى. فلا شيء يعيد إنتاج نفسه بصورة متطابقة، كما أنّ مجرى التجربة في حالة ما إذا كان الأفراد لم يكتسبوا بعد مقولات الفكر العامة (يخضع لعملية تطور دائم وتمايز مستمر ) بما أنه في تدفق لا يتوقف فضلاً عن ذلك، فحتى وإن كان من الممكن الاعتراف بأنّ التجارب الفردية الخاصة صادقة تجريبياً، فإنّ كل محاولة للتعميم انطلاقاً منها تبقى غير صادقة إذا لم يكن ما أُضِيفَ أثناء عملية التعميم هذه خاصيةً أوليّةً للتجارب الخاصة. لكن ما الذي يميّز في هذه الحالة مقولة عامة عن تجربة مواضيع وأحداث خاصة؟ إذا كانت المقولات العامة شيئاً لا يوجد في التجارب الخاصة المأخوذة كُلّ واحدة على حدة، أي إذا كانت شيئاً أضافه العقل إلى مجموع الكيانات الخاصة، فإنّ الأفكار العامة تخلو من كلّ صدق تجريبي.

إن التفكيك بين الفرد والجماعة وبينه وبين المجتمع هو تعطيل جزئي للعقل وحصره في دائرة الأنا التي تتصف بالمحدودية، وهو دفع للتضارب لا التنافس بين الآراء وتلاقحها، هذا فضلا عن قتل كثير من القيم والمعايير التي لا تتفاعل إلا في بيئة جماعية اجتماعية وتعطيل لها، وهو ما ينعكس سلبا على المدى البعيد على السلوك الفردي والاجتماعي أخلاقيا ومعنويا، ويخلق بعد أناني يقتل روح التفكير بالآخر وروح التعاون، ويخلق حالة من التسابق الأنوي للكسب والشهرة وتحقيق مادي للذات فقط.

ولا ننكر أن المغالاة في العمل الجماعي وتكريس أصالة المجتمع على حساب الفرد، هو قتل للفرادة بحجة الخوف من الفردانية وتضخم الأنا الفرعونية، وتكريس العقل الجمعي والتنميط وتعليب الفكرة بصندوق خاص يكرس من ثقافة القطيع والجنود لحساب الجماعة.

إن ما نصبو إليه هو تحقيق ميزان الاعتدال بين الفرد والمجتمع، وتحقيق الفرادة التي تنهض بالأمة ولا تنهض الأمة إلا بنهوض أفرادها، ولا ينهض الأفراد إلا بتحقيق التعاون على كافة الأصعدة وبكافة المراتب.

فمن يشتغل بحقل الأفكار ويحقق الفرادة في هذا الميدان لا يمكن لفرادته أن تحقق النهضة إلا بالتعاون مع آخرين قادرين على ترجمة فرادته الفكرية في الواقع الاجتماعي لتحدث انزياحات حقيقية في الوعي، وهذا لا يتحقق إلا من خلال ترجمة هذه الأفكار بطريقة تناسب الزمان والمكان وتحاكي الواقع وتعالج إشكالياته.. ومن وجهة نظري أن الفردانية الغربية التي اعتمدت أصالة الفرد كانت سببا غير مباشرا في تطرف الفكرة الأنثوية وسببا غير مباشرا في نشوئها، بعد أن فصلت المرأة كما الرجل عن المحيط الأسري والاجتماعي، وجعلت لها حقوقا منفصلة عن مجموعة الحقوق العلائقية المرتبطة في الأسرة والمجتمع، فحقوقها منفصلة باتت عن واجباتها من جهة، وعن اتصالها العضوي بالأسرة، سواء كونها ابنة، أو زوجة وأم.

بين النسوية والأنثوية:

المرأة في العصور الوسطى:

"شاركت المرأة في القرون الوسطى الرجل أشغاله في الحقل، والعناية بالحيوانات، بالإضافة إلى أشغال المنزل، ومع التنمية العمرانية، وظهور أشكال جديدة من العمل، ساعدت المرأة زوجها في مهن وفنون إلى أن وصلت إلى النيابة عنه وتعويضه حسب الحالات. وكان الأب يلقن فنه لأولاده الذكور منهم والإناث على السواء. وفي القرن الثالث عشر، أصبحت المرأة لا تمارس فقط حرف الحياكة والنسيج، وإنما أيضا أصبحت تقوم بأعمال الدباغة ومعالجة الجلد والمعادن. وبشكل عام فإن الأجور التي كانت تتقاضاها النساء، كانت منخفضة عن تلك التي كان يتقاضاها الرجال، الأمر الذي أدى إلى إسهام المرأة في الحركات الثورية التي عرف المدن في القرون الوسطى وحدث في القرن الخامس عشر أن اتهم عمل المرأة بكونه السبب في البطالة التي يواجهها الرجال، وقد نتج عن ذلك أن منعت مختلف التشريعات الأوربية ممارسة النساء لأية مهنة. وهكذا مع نهاية القرن السادس عشر وحلول السابع عشر، كانت المرأة قد أقصيت نهائيا من الحياة المهنية. وفي الجملة، إن عصر "المركنتيلية" (التجارية) كان يعني موت المرأة ككيان نشيط. فلما حل القرن الذهبي، وجد المرأة محبوسة في المنزل، وقد اقتصر دورها على تنشئة الأولاد، والقيام بأعمال البيت، ورعاية شؤون الزوج. أما على المستوى الفكري والثقافي، فقد حدث خلاف ما قد يتبادر إلى الذهن من إقصاء المرأة، حيث إنها في القرون الوسطى تمتعت بمساواة نسبية مع الرجل في المجال الثقافي، فعلى مستوى الطبقات الدنيا كان هناك غياب عام للتعليم بالنسبة للرجل كما للمرأة على حد سواء. أما في المستويات الاجتماعية العليا، فقد عرفت تحركات اجتماعية نسائية انطلاقا من القرن السادس عشر طلبا بالحق في التعليم الذي كان مقصورا على الرجل، مثل ما حدث في "بوركوس" و "بلنثيا". في القرن الثامن عشر، وضع حد للتمييز بين الرجل والمرأة في الحق في التعليم. في هذا القرن الثامن عشر، مع التطور الذي عرفته الحياة العمرانية، أنشئت مدرسة للفتيات مثل الفتيان على الرغم من أن عدد الفتيات كان أقل من عدد الذكور. وأما بالنسبة للجامعات، فقد منعن من الالتحاق بها، باستثناء المدرسة الحرة"بسلونو" في إيطاليا، التي كانت تمنح شهادات في الطب النسائي منذ القرن العاشر. ولن يحدث هذا في المدن الأوروبية الكبرى إلا في نهاية القرن الثالث عشر، حيث سمح للمرأة بممارسة الجراحة وطب الأنف والحنجرة وأمراض النساء. وقد اشتهرت القرون الوسطى بأساطير، سواء تعلقت بملاحقة الساحرات من طرف محاكم التفتيش، وكانت العقوبات التي كن يتعرضن لها خلال القرن السابع وإلى حدود القرن الثالث عشر، تتلخص في استتابتهن أو فرض غرامات مادية عليهن"[4]

وحول وضع المرأة في القرون الوسطى شرح الكاتب الدانمركي Wieth Kordsten اتجاه الكنيسة الكاثوليكية نحو المرأة بقوله: خلال العصور الوسطى كانت العناية بالمرأة الأوربية محدودة جدا تبعا لاتجاه المذهب الكاثوليكي الذي كان يعد المرأة مخلوقا في المرتبة الثانية.

وفي فرنسا عقد اجتماع عام 586م يبحث شأن المرأة وما إذا كانت تعد إنسانا أو لا تعد إنسانا؟ وبعد النقاش قرر المجتمعون أن المرأة إنسان، ولكنها مخلوقة لخدمة الرجل. وقد نصت المادة السابعة عشرة بعد المائتين من القانون الفرنسي على ما يلي:

المرأة المتزوجة حتى لو كان زواجها قائما على أساس الفصل بين ملكيتها وملكية زوجها لا يجوز لها:

أن تهب، ولا أن تنقل ملكيتها ولا أن ترهن، ولا أن تملك بعوض أو بغير عوض بدون اشتراك زوجها في العقد أو موافقته عليه موافقة كتابية.

وفي إنجلترا حرم هنري الثامن على المرأة الإنجليزية قراءة الكتاب المقدس وظلت النساء حتى عام 1850م غير معدودات من المواطنين، وظللن حتى عام 1882م ليس لهن حقوق شخصية.

يقول المؤرخ فردريك هير: إنه لم يكن للمرأة في الغرب الأوروبي في العصور الوسطى أي حق في أي شيء، فالقانون كان خاص بالرجال، وحدهم، والرجل هو صاحب السلطة الوحيد في العائلة وفي المجتمع وفي الدولة، بل إن إحدى القواعد الثابتة في العصور الوسطى كانت woman”s voice is not to be heard in public. هذا باستثناء حق واحد فقط هو الميراث، فقد كان من حقها أن ترث والدها أو زوجها. على أن المؤرخة بور توضح أن القانون الإنجليزي كان يعتبر المرأة النبيلة غير المتزوجة أو التي توفى عنها زوجها، شخصية متميزة عن العامة، فكان يهتم بحقوقها وواجباتها لدرجة المساواة بالرجل، فمن حقها حيازة الأرض الزراعية، وتحرير وصية أو عقد، ولها أن تقيم دعوى أمام القضاء أو ترفع عليها الدعاوى، لكن بمجرد زواجها فإن هذه الحقوق كلها تنسل من يديها ليستحوذ عليها الزوج.

وإذا كانت سيدة نبيلة كبيرة السن دون زوج فإنها تمنح نفوذًا وسلطة واسعة، وتصبح شخصية هامة ذات شأن كبير في المحيط الذي تعيش فيه.أما فيما يتعلق بحقوقها في الزواج، فإنه لم يكن للفتاة من الطبقة العليا في المجتمع أي رأي في اختيار شريك حياتها، إذ كانت المصالح المادية هي صاحبة الرأي الأول والأخير في هذا الأمر، وكان زواج المصلحة أمرًا شائعًا ومألوفًا في العصور الوسطى، ومثل هذه الزيجات كثيرًا ما أملتها المصالح التي تتعلق بالأرض، وكانت عبارة "لا أدري أية عوائق تحول دون الزواج بين أصحاب الاقطاعات الكبيرة" هي العبارة التي استرشد بها كبار السادة الإقطاعيين للموافقة على زواج بناتهم، أو (قاصر) تحت وصاية أحدهم.

وكانت النظرة للمرأة في أوروبا القرون الوسطى كما لخصها ترتوليان أحد قادة الفكر الأوروبي في القرون الأوروبية الوسطى "أنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، وأنها ناقضة لقانون الله، مشوهة لصورة الله. وبالتالي نرى أن المرأة في تلك العصور وقع عليها ظلما في النظر إليها كإنسانة حتى وصل الأمر إلى إقرار عدم أهليتها وقدرتها على اختيار الزوج والذي يعتبر شريك حياتها وكانت المسألة متعلقة بالبعد المادي لدى الطبقات البرجوازية وبالرغم من أن المرأة كانت في فترة من الفترات تشارك الرجل في أعمال تعتبر شاقة لها مقارنة مع تركيبتها الجسدية إلا أنه حتى هذا النذر اليسير سلب منها فيما بعد وحرمت الاستقلالية المادية لتعود بكل ما تملك لزوجها ومن قبله لأبيها، بل حرمت حتى من الميراث حتى تبقى تحت السلطة الأبوية التي كانت تعدها إنسانة من الدرجة الثانية وغير مؤهلة لحكم نفسها. فإن كانت الكنيسة لا ترى لها في القرون الوسطى أهليه على تدبير شئونها الخاصة فبالطبع هي لا تراها أصلا مؤهلة للدخول في عالم السياسة والمشاركة في أي مستوى من مستويات صنع واتخاذ القرار، أو أي مجال من مجالات العمل والحياة الاجتماعية. ونحن هنا لا ننكر أبدا نضال المرأة الأوروبية في تلك الفترة لكي تستطيع أن تخرج من هذه السلطة البابوية والأبوية ولكن ما حصل هو خروجها من هذه السلطة ودخولها في سلطة أخرى أضاعت شخصيتها الإنسانية، وجعلتها أسيرة النظام العلماني الرأسمالي وهذا ما سنتطرق له في البند التالي.

المرأة الأوروبية في العصر الحديث:

وفي العصر الحديث عندما قامت الثورة الفرنسية التي ينظر إليها الأوروبيون على أنها أم الثورات، وأم الحريات؛ حتى أصبحت محل فخر الدول الأوروبية المسيحية، فإنها اعتبرت المرأة إنسانًا قاصرًا لا تستغل بشؤونها إلى أن عدلت تلك القوانين لصالح المرأة وأخذت بعض الحقوق. عقد في فرنسا اجتماع سنة 1586 م ليبحث شأن المرأة، وما إذا كانت تُعدُّ إنساناً أو لا تُعدُّ إنساناً. وبعد النقاش قرر المجتمعون أن المرأة إنسان ولكنها مخلوقة لخدمة الرجل. وفي شباط عام 1938 م، صدر قانون يلغي القوانين التي كانت تمنع المرأة الفرنسية من بعض التصرفات المالية، وجاز لها ولأول مرة – في تاريخ المرأة الفرنسية – أن تفتح حساباً جارياً باسمها في المصارف. وفي إنكلترا بقيت النساء حتى السنة 1850م غير معدودات من المواطنين، وظلت المرأة حتى سنة 1882م وليس لها حقوق شخصية، فلا حق لها بالتملك. ولم تُسَوِّ جامعة أكسفورد بين الطالبات والطلاب في الحقوق (في الأندية واتحاد الطلبة) إلا بقرار صدر في 26 تموز 1964م.

"إن قضية المساواة بين الرجل والمرأة لم تأت عقب الثورة الصناعية وحاجة المصانع إلي أيدي عاملة من الجنسين وإنما ترجع بجذورها إلي الثورة الفرنسية 1789 في ظل أجواء تبنتها الثورة عن الحرية والمساواة والإخاء.. حيث شعرت المرأة أنها تعيش في ظلم حقيقي رسمت ملامحه الثقافة السائدة وطبيعة القوانين الجائرة، فطالبت بحقها في توسيع فرص التعليم للمرأة وتحسينها والمساواة في ذلك، والمساواة القانونية في العمل وتولى الوظائف الحكومية ورفعت عدة شعارات منها" إذا كان يحق للمرأة أن ترتقي منصة الإعدام فمن حقها أيضا أن ترتقي المنبر"[5]

وبمثل هذه الشعارات التي اجتاحت دول أوروبا وأمريكا في القرن الثامن عشر، انطلقت الحركة النسائية في أوروبا تطالب بعد أن نزلت إلي ميدان العمل وما صاحبه من تغيرات بتوفير دور للحضانة ورعاية الأطفال والحق في الأجر المتساوي وفي تشريعات تحمي النساء العاملات، وحق الملكية، الطلاق، وحق التعليم العالي وممارسة المهن الطبية وحق الانتخاب والترشيح.

وفي أمريكا عام 1848 عقد في "سينيكا فولز" أول مؤتمر للنساء أعلنت فيه النساء المشاركات عن رغبتهن في تنظيم جهودهن كحركة مجتمعية تسعى للإصلاح الاجتماعي.

وشكلت المطالب الاجتماعية للمرأة أهم ملامح هذه المرحلة ومع هذا استمرت أوضاع المرأة على ما هي عليه وتعنتت الأنظمة الحكومية في الرد علي المطالب الأنثوية حتى ولو كانت عادلة وحقه، حتى بدايات القرن العشرين خاصة مع الحرب العالمية الأولى التي أدت إلى زيادة حجم التواجد النسائي وبدأت كفة الحركات النسائية في الرجحان لصالحها .ومن هنا نجد أن المرأة الأوروبية أظهرت حراكا سياسيا واضحا وكان لها وجودا مؤثرا تجلى في الحربين الكونيتين الأولى والثانية ومارست مصداقا واضحا للمشاركة السياسية من خلال الضغط الشعبي لتحصيل حقوقها وبالتالي أحدثت تغييرا في مسيرتها، وإن كانت هذا التغيير سار بشكل بطيء إلا أنها استطاعت أن تحقق لها مكاسب ما كانت لتحلم بها بعد الظلم الذي مورس عليها في ظل الحكم الكنسي، ولكن أين وصلت المرأة الأوروبية بعد إعلائها شعار التحرر ومطالبتها بحقوقها والمساواة بين الجنسين

الأنثوية:

قبل تعريف المصطلح ومنطلقاته الفلسفية والمادية علينا أن نعي تماما أن هناك فرقا واضحا بين المطالبات الحثيثة في رفع الغبن الذي لحق بالمرأة العربية والمسلمة وإعطاءها حقوقها الطبيعية على ضوء الفهم الأقرب للشريعة الإسلامية وبين الحركات الأنثوية (Feminism) التي ترفع شعارات مماثلة ألا وهي التحرير والحقوق إلا أنها ترمي إلى مقاصد وتحقيق أهداف من هذه الشعارات غاية في الخطورة في كثير من تياراتها ودعواتها، وتكمن خطورة الشعار وخطورة الحركات الأنثوية في أنها تنشط في ساحاتنا التي امتلأت غبنا للمرأة وسلبا لحقوقها تحت شعارات دينية والدين منها براء. فهي تحاول أن توجه الضربة القاضية للدين الإسلامي من خلال توجيه التهم المباشرة والعميقة والأسئلة الحرجة على مسامع النساء الناشطات في الساحة العربية والإسلامية واستغلالهن ليكن الأدوات الفاعلة في نشر ثقافة الأنثوية وإحلالها كبديل للدين والقيم والاخلاق. ويأتي الدكتور عبد الوهاب المسيري إلى مصطلح Feminism والفرق بينه وبين المصطلح القديم للحركة النسوية Women’s Liberation Movement، ويقول: "ظهر منذ عدة سنوات مصطلح آخر هو Feminism وحل محل المصطلح الأول (حركة تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها) وكأنهما مترادفان أو كأن المصطلح الأخير أكثر شمولاً من المصطلح الأول، ولكننا لو دققنا النظر في المصطلح الأخير لوجدنا أنه يشير في واقع الأمر إلى مدلولين مختلفين تمام الاختلاف: (حركة تحرير المرأة) و (حركة التمركز حول الأنثى)، وهما حركتان في تصورنا مختلفتان، بل متناقضتان، فحركة تحرير المرأة هي حركة اجتماعية، بمعنى أنها تدرك المرأة باعتبارها جزءًا من المجتمع، ومن ثم تحاول أن تدافع عن حقوقها داخل المجتمع وهي واحدة من حركات التحرر القديمة التي تدور في إطار إنساني يؤمن بفكرة مركزية الإنسان في الكون، ولفكرة الإنسانية المشتركة التي تشمل كل الأجناس والألوان وتشمل الرجال والنساء، وبفكرة الإنسان الاجتماعي الذي يستمد إنسانيته من انتمائه الحضاري والاجتماعي. والإنسان من منظور حركة تحرير المرأة كيان حضاري مستقل عن عالم الطبيعة/ المادة لا يمكنه أن يوجد إلا داخل المجتمع، ولذا لا يمكن تسويته بالظواهر الطبيعية / المادية. ومن ثم تحاول هذه الحركة أن تدافع عن حقوق المرأة داخل حدود المجتمع وخارج الأطر البرجوازية الصراعية الطبيعية/ المادية الداروينية التي ترى المجتمع باعتباره ذرات متصارعة. والمرأة من ثم، في تصور هذه الحركة، كائن اجتماعي يضطلع بوظيفة اجتماعية ودور اجتماعي، ولذا فهي حركة تهدف إلى تحقيق قدر من العدالة الحقيقية داخل المجتمع (لا تحقيق مساواة مستحيلة خارجه) بحيث تنال المرأة ما يطمح إليه أي إنسان (رجلا كان أم امرأة) من تحقيق لذاته إلى الحصول على مكافأة عادلة (مادية أو معنوية) لما يقدم من عمل... لذا تأخذ حركة تحرير المرأة بكثير من المفاهيم الإنسانية المستقرة الخاصة بأدوار المرأة في المجتمع، وأهمها، بطبيعة الحال، دورها كأم. ورغم أن هذه الحركة علمانية -ـ في رأينا ـ في رؤيتها، تستند إلى فكرة العقد الاجتماعي والإنسان الطبيعي والإنسان الاقتصادي إلا أن مثلها الأعلى يحوي داخله أبعادًا إنسانية واجتماعية لعلها بقايا رؤى المجتمع التقليدي الديني الغربي، ومع تصاعد معدلات العلمنة، بدأت هذه البقايا في التبخر، وتراجع البعد الاجتماعي، وتم إدراك الأنثى خارج أي إطار اجتماعي، كأنها كائن قائم بذاته، وظهرت نظريات تتحدث عن ذكورة وأنوثة اللغة، والفهم الأنثوي للتاريخ، والجانب الذكوري أو الأنثوي في رؤية الإنسان للإله، أي أننا هنا لسنا أمام قضية حقوق المرأة الاجتماعية والاقتصادية أو حتى الثقافية، وإنما أمام رؤية معرفية متكاملة، نابعة من الإيمان بأن الأنثى كيان منفصل عن الذكر، متمركزة حول ذاتها، بل وفي حالة صراع كوني تاريخي معه، الأمر الذي أدى إلى تزايد هيمنة القيم البرانية المادية مثل الكفاءة في العمل في الحياة العامة مع إهمال الحياة الخاصة ـ الاهتمام بدور العاملة (البرانية) مع إهمال دور المرأة الأم (الجوانية) ـ الاهتمام بالانتاجية على حساب القيم الأخلاقية والاجتماعية الأساسية ( مثل تماسك الأسرة وضرورة توفير الطمأنينة للأطفال) -ـ اقتحام الدولة ووسائل الإعلام وقطع اللذة لمجال الحياة الخاصةـ إسقاط أهمية الإحساس بالأمن النفسي الداخلي ـ إسقاط أهمية فكرة المعنى باعتبارها فكرة ليست كمية أو مادية.. الخ. ومن هنا ما تطرحه لا يهدف إلى تغيير القوانين، أو السياق الاجتماعي للحفاظ على إنسانية المرأة باعتبارها أمًّا وزوجة وابنة وعضوًا في المجتمع، وإنما تهدف إلى تغيير اللغة الإنسانية، ومسار التاريخ والطبيعة البشرية ذاتها حتى يتم اختلاط الأدوار تمامًا وحتى يتحسن أداء المرأة في إدارة الصراع مع الرجل، وقد نتفق أو نختلف في هذا الوصف للحركتين، ولكن المهم أنهما حركتان مختلفتان، تستخدم كلمة واحدة للإشارة لهما في اللغات الأوربية، وقد بدأنا نحن أيضًا في اتباع هذا الأسلوب، ونشير إلى كل من حركات تحرير المرأة والتمركز حول الأنثى بأنها حركات تحرير المرأة، وفي هذا خلل أيما خلل، وهو تغييب لمجموعة من الفروق الجوهرية بين الحركتين"[6]

تعريف الانثوية

هي "حركة فكرية سياسية اجتماعية متعددة الأفكار والتيارات، ظهرت في أواخر الستينات، تسعى للتغيير الاجتماعي والثقافي وتغيير بنى العلاقات بين الجنسين، وصولاً إلى المساواة المطلقة كهدف استراتيجي، وتختلف نظرياتها وأهدافها وتحليلاتها تبعًا للمنطلقات المعرفية التى تتبناها، وتتسم أفكارها بالتطرف والشذوذ، وتتبنى صراع الجنسين وعداءهما، وتهدف إلى تقديم قراءات جديدة عن الدين واللغة والتاريخ والثقافة وعلاقات الجنسين".[7]

وقد مال الأستاذ مثنى إلى جعل الحركة النسوية الراديكالية المقياس في التعريف للأنثوية.

ومصطلح الأنثوية أو "الفيمينيسم" هو مصطلح فرنسي، يعني الدفاع عن حقوق المرأة عن طريق تحقيق المساواة المطلقة، وإزالة كل أنواع التمييز بين المرأة والرجل دون النظر إلى الفروقات الطبيعية، بل إعطاء الحق المطلق للإنسان لتحديد جنسه، بعنوان حق الإختيار الحر.

ويفند المفكر مثنى أمين هذا التعريف إلى عدة مفاهيم فكرية وسياسية واجتماعية يشرح من خلالها أهداف ومنطلقات هذه الحركة فيقول:

" يمكن شرح مفردات هذا التعريف التقريبي على النحو التالي:

حركة فكرية: بمعنى أنها تمتلك أفكارًا وثقافة خاصة وعندها نظريات لتفسير القضايا ذات الصلة بميدانها. حركة سياسية: بمعنى أنها تلتمس لتحقيق أهدافها نوعًا من ممارسة العمل السياسي عبر منظمات جماهيرية وجماعات ضغط ومؤسسات المجتمع المدني، والتى هي قناة من قنوات ممارسة العمل السياسي، سواء كانت هذه المنظمات تابعة للأحزاب التى تكون موجودة أم تكون مستقلة، بل إنها الآن تمارس العمل السياسي على مستوى العالم عبر ضغط على مؤسسات الأمم المتحدة، وبالذات عبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي وصناديق السكان والطفل، ولجنة المرأة ومؤتمراتها المختلفة، واتفاقياتها المتعددة، وسوف نتطرق لهذا في مجال خاص من هذا البحث.

حركة اجتماعية: لأنها تمس الأسرة وبنى العلاقات فيها ودور المرأة في المجتمع. وهي متعددة الأفكار والتيارات: وهذه إشارة إلى تعدد الخلفيات الفكرية والإيديولوجية التى تستند إليها هذه الحركة. وفي قولنا: "تسعى للتغيير الاجتماعي والثقافي" إشارة إلى أن هذه الحركة لا تتبنى إصدار بعض القوانين الشكلية لتحسين أوضاع المرأة، وإنما تريد تغيير الثقافة والنظرة والعلاقات وصناعة أعراف وقيم جديدة... إلخ، فوضع المرأة القانوني لا يتحسن إلا بوجود إدارة سياسية، وهي لا تتوفر إلا بتوفر وعي ثقافي جديد، وهذا لا يمكن إلا بتغييرات لابد من حصولها في نظرة الناس وكيفية تناولهم للأمور وهلم جرا."[8]

فكانت الحراكات النسوية في أغلبها تتولد ضمن سياق فعل اجتماعي ديني، أوقع ظلما كبيرا على المرأة، وجاءت هذه الحراكات كردود فعل عكسية ومتطرفة في أغلبها، وتحاول أن تدفع في مسارات حقوق المرأة إلى أقصى اتجاه، لدرجة أنها أخرجت نفسها من استبداد إلى استلاب، فالأول سلبها جل حقوقها بما فيها الطبيعية، والثاني سلبها وجودها وكينونتها وهويتها حتى الطبيعية منها. رغم أن هناك تمايز واضح بين حركات تحرير المرأة التي انطلقت لإنصاف المرأة ضمن إطارها الإنساني، إلا أن توغل الغرب في التنميط المادي للمجتمع، وتطوير النزعة الاستهلاكية المادية على حساب النزعة الإنسانية القيمية، وتحويل الشأن الحقوقي من شأن قيمي إنساني إلى مادة تخاصمية صراعية يغيب فيها البعد الأخلاقي لحساب البعد المادي الفرداني الذي يخرج المرأة من شخصيتها وكينونتها ضمن المنظومة الإنسانية ككل، إلى شخصية تتمحور حول ذاتها في بعدها الجسدي المادي لا بعدها الإنساني الذي يحقق كينونتها ضمن شخصيتها الحقيقية والحقوقية المرتبطة بذاتها من جهة كإنسانة، وبمحيطها الذي يشكل بعدها الاجتماعي كأم وزوجة وإبنه.

ويقول الكاتب والمفكر مروة أحمد إبراهيم عن وضع المرأة في الغرب الحديث "ويكفي أن نشير إلى أن إحدى السيدات الأمريكيات في 1986 م قد ألفت كتابا أسمته (حياة مهانة: أسطورة تحرير المرأة) واعتمدت في كتابها على إحصائيات دقيقة، حيث أكدت أن الأجر (الراتب الشهري) للمرأة في أمريكا لا يزيد على نسبة 64% من أجر الرجل عن العمل المؤدى نفسه، وفي السويد لا تبلغ النسبة إلا 81% فقط، أما عن حوادث الاغتصاب التي نتجت عن حرية المرأة المزعومة، فقد سجلت التقارير أن نسبة إمكان اغتصاب الأنثى في أمريكا من 1: 5، والتقديرات المحافظة من 1: 7، أي أنه على أفضل تقدير فإن واحدة من كل سبع نساء يتعرضن للاغتصاب في أمريكا.

وفي إحصائيات أخرى كان عدد المغتصبات اللاتي سجلن حوادث اغتصاب في الشرطة في عام 1996 م هو 90430 حالة، أما اللاتي لم يسجلن فيقدرن بحوالي 310000 حالة، وسبب عدم الشكوى هو اليأس من إمكان الشرطة أن تساعد أو تعرف، وعدم جدوى التقرير. وفي كندا سجلت 20530 حالة اغتصاب، وليس هناك إحصاء لغير المسجلين، ويوجد في كندا 150 مركزا لمساعدة المغتصبات، وفي استراليا 75 مركزا، وفي نيوزلندا 66 مركزا، وفي إسرائيل سبعة مراكز.

أما عن قتل النساء في الولايات المتحدة؛ فإنه يقتل كل يوم عشر نساء من قبل الزوج أو الصديق، من هذه الحالات 75% يتم القتل بعد أن تترك المرأة صديقها، فينتقم منها بالقتل، أو تطلب الطلاق من زوجها أو تعصيه، وفي روسيا عام 1995 م كانت نصف حالات القتل ضد النساء من قبل أزواجهن أو أصدقائهن، وفي 1993م كان عدد القتلى (14000)، وجرح(54000) جراحات شديدة.

أما عن الملاجئ التي خصصت للنساء المضروبات أو الهاربات من أزواجهن، وهن اللاتي لا يجدن ملجأً عند أهل أو أقارب؛ فيوجد في الولايات المتحدة ( 1400) ملجأ، وفي كندا (400)، وفي ألمانيا (325)، وفي بريطانيا (300)، وفي استراليا (270)، وفي نيوزيلندا (53)، وفي هولندا (40)، وفي أيرلندا (10)، وفي اليابان (5). كما أن دعارة النساء تمثل جانبا كبير الأهمية في اقتصاد بعض الدول ودخلها القومي مثل روسيا، وكوبا... وغيرهما.

وسيلة للضغط السياسي:

وقد كان للحديث عن حقوق المرأة أبعاداً في غاية الخطورة؛ حيث جرى التعامل مع هذه الحقوق على أنها مادة خام يمكن تصنيعها وتحويلها إلى أدوات تتجاوز وظيفتها التقليدية (الدفاع عن المرأة وحريتها) إلى أدوات شديدة الفاعلية في ممارسة الدول الكبرى للإكراه السياسي والاقتصادي على الدول الأخرى؛ وذلك لحمل هذه الدول على قبول شروطها في إدارة سياساتها الخارجية والداخلية، أو في الدعاية الرخيصة ضد ثقافة المجتمعات التي لا تروق للدول أو المنظمات والأحزاب المحتضنة لثقافات مغايرة، ومن تحول جسد المرأة من الاستثمار الاقتصادي إلى الاستثمار السياسي".

وحول تجاوز المهام المركزية للمرأة، ودورها الحقيقي في البناء الحضاري السليم، وما وقعت فيه أوروبا الحديثة من أخطاء بسبب مبالغتها في تجاوز وظيفة المرأة في الحياة الإنسانية يقول غورباتشوف في البيريسترويكا ما يلي: "لقد قضت الدولة السوفييتية بحزم وبلا هوادة على كل تمييز بحق المرأة مما كان يميز روسيا القيصرية. وهي قد ساوت بينها وبين الرجل من الناحية الاجتماعية وضمنت هذه المساواة بالقانون. نحن نعتز بما قدمته السلطة السوفييتية للنساء: الحق المتساوي مع الرجل في العمل ولا وجود لأية فوارق في الأجور والحماية الاجتماعية. وحصلت المرأة على كل الإمكانيات للحصول على التعليم والترقية والمشاركة في النشاط الاجتماعي والسياسي. ولولا المساهمة النشيطة للمرأة وتفانيها ما كان بإمكانها بناء المجتمع الجديد ولا الصمود في الحرب ضد الفاشية. وببساطة لم يعد للمرأة العاملة في البناء والإنتاج ومجال الخدمات وفي العلوم ولدى تلك الغارقة في العمل الإبداعي، الوقت الكافي للشؤون الأكثر حيوية وهي شؤون الأسرة، وتبين أن مصائب كثيرة،سواء في مجال تصرف الأطفال والشبيبة أو في مسائل الأخلاق الاجتماعية والتهذيب حتى في الإنتاج مرتبطة بضعف الأواصر العائلية وهبوط مستوى الواجب الأسري. هذه هي المفارقة التي حدثت رغما عن أنه كان لدينا طموح مخلص تم التأكيد على صحته سياسيا بتساوي المرأة مع الرجل في كل شيء.ولكن بدأنا تصحيح هذا التقصير الذي كما لو كان قد أصبح من أفضليات المجتمع، في مسار البيريسترويكا. ولذا تناقش عندنا الآن بحدة ونشاط في الصحافة والمنظمات الاجتماعية بل حتى في كل مكان، في العمل والمنزل، مسألة كيفية استعادة المرأة لوضعها الحقيقي كامرأة".

وهنا يتضح لنا أن التقدم الذي أنجزته المرأة الغربية في أوروبا الحديثة هو تقدم موهوم في كثير من نواحيه خاصة الإنسانية منها والتي أبعدت المرأة عن دورها الحقيقي وأدخلتها في عالم المساواة مع الرجل بدل أن تحقق لها العدالة المنشودة التي تنصفها كدور ووظيفة، والذي تختلف عنه في تركيبتها السيكولوجية والبيولوجية كما أثبتت الدراسات الحديثة حيث أن الأساس في العلاقة بين الرجل والمرأة هو العدالة. ولكن لماذا فشلت المرأة الغربية رغم أنها تحررت من الحكم الأبوي والتسلطي وأصبحت شريكة حقيقية في الدخل القومي الذي يؤثر بشكل إيجابي وكبير على السياسة العامة للدولة.

وبإطلالة على الإيديولوجية الغربية والرؤية الكونية التي تعتمدها في نظرية المعرفة والتي هي الأساس في الفروقات والجدل الفكري العام في العالم ككل.

فنظرية المعرفة التي تعبر عن منظومة الفكر الغربي تعتمد على الحس والتجربة كمصادر رئيسية منفردة للمعرفة، فالحس هو المصدر الرئيسي للمعرفة الإنسانية على مستوى التصور والتجربة على مستوى التصديق، وانطلقت نحو رسم مشروعها الفكري والسياسي ورؤيتها الكونية لتنتهي إلى إيديولوجيا اعتمدتها في منظومتها السياسية ضمن ثالوت (الديمقراطية-الليبرالية-الرأسمالية) مثل الأول نظام الحكم والثاني اعتمد الفرد كأساس للمجتمع أي آمن بأصالة الفرد والثالث النظام الاقتصادي. ولعل ما حرك المجتمع الإنساني نحو التفكير في وضع نظام معرفي ينطلق منه ليحدد إيديولوجيته في هذه الحياة المترامية الأطراف هو السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية وتسعد به في حياتها الاجتماعية؟

وتصدى الغرب للإجابة عن هذا السؤال بعد مروره في تجربة الحكم الكنسي الذي حكم باسم الدين فقمع الحريات وأنشأ محاكم التفتيش التي تعتبر وصمة عار في جبين العصور الوسطى، لذلك كانت هناك ثورة غربية على كل ما هو ديني وكانت الثورة نتاج ردة فعل لما مارسته الكنيسة على المجتمع الغربي فانطلقت الثورة وتبنت إيديولوجية أطاحت بلون من الظلم في الحياة الاقتصادية وبالحكم الديكتاتوري في الحياة السياسية وبجمود الكنيسة وما إليها في الحياة الفكرية وهيأ مقاليد الحكم والنفوذ لفئة حاكمة جديدة حلت محل السابقين وقامت بنفس دورهم الاجتماعي في أسلوب جديد.

وكان النظام الجديد هو النظام الديمقراطي الرأسمالي والذي قام- على الإيمان بالفرد إيمانا لا حد له، وبأن مصالحه الخاصة بنفسها تكفل- بصورة طبيعية - مصلحة المجتمع في مختلف الميادين.. وأن فكرة الدولة إنما تستهدف حماية الأفراد ومصالحهم الخاصة، فلا يجوز لها أن تتعدى حدود هذا الهدف في نشاطها ومجالات عملها. إلا أن الواقع هو التخلص من تغول الكنيسة والانتقال إلى تغول الدولة الحديثة، وكأنها سلطة انتقلت من جهة إلى جهة، مع اختلاف الشعارات وتشابه الممارسات وإن بشكل غير مباشر.

ويتلخص النظام الديمقراطي الرأسمالي: في إعلان الحريات الأربع: السياسية، والاقتصادية، والفكرية والشخصية.

ومن وجهة نظري أرى أن العالم اتجه نحو الرأسمالية الاقتصادية والتي نعتبرها البوابة التي من خلالها سيطرت القوى الكبرى على العالم وأصبحت الحريات الأخرى فروع لا أصالة لها في المنظومة الغربية الجديدة. لذلك قامت هذه القوى بتسخير كل الطاقات البشرية من الرجال والنساء في عملية الإنتاج.

ولعل الاطلاع على ما يحدث حاليا في الغرب من حراك سياسي- حقوقي- اجتماعي نسائي يدلل على مدى معاناة المرأة الغربية وعدم وصولها إلى الكمال الذي حلمت به بعد الثورة الغربية على الكنيسة وبعد عزل كل ما هو ديني عن الحياة العامة للإنسان الغربي، "فالروائية الإنجليزية فرجينيا وولف (1941) والأديبة الفرنسية سيمون دي بوفوار (1986) ـ وكانت الأخيرة من أهم وأشهر فلاسفة النسوية على الإطلاق ـ عالجتا قضايا المرأة وهمومها، وعاشتا مع آلامها وتطلعاتها، وتحدثتا عن إيجاد الطرق الكفيلة بمعالجة الضمير الإنساني ومشكلات الزواج، والسعي نحو الحط من الآخر، والدعوة بشكل صريح إلى المساواة بين المرأة والرجل، فضلا عن إتاحة الخيارات المناسبة والرئيسة للمرأة والتي يجب أن تتصف – حسب دعوتهما- بالخيارات نفسها المتاحة للرجل، وبشكل مستقل عن التحيز الجنسي أو العرقي، وقد أكدت دي بوفوار- في إطار دعوتها إلى تحرير المرأة ومساواتها بالرجل- على إلغاء الدعوة إلى (الأنوثة السرمدية Eternal Feminine) التي تشير إلى المعنى المتوارث عن المرأة.[9]

والحقيقة العلمية تؤكد على موضوعية أطروحات وولف ودي بوفوار القاضية بمنح الفرصة للمرأة كي تثبت وجودها وإتاحة المجال لبناء الحضارة بوساطة المشاركة الفاعلة بين الرجل والمرأة، من دون الجنوح إلى فنتازيا تقر بوجود مجتمع رجولي بلا أنثى، أو وجود مجتمع أنثوي بلا رجل. لذلك فالعلاقة الضرورية الواجب توفرها هي علاقة تفاعلية تكاملية وليست علاقة هيمنة أو اتحاد مفتعل"[10]

"ونشرت دوبوفوار عام ١٩٤٩م كتاب " الجنس الثاني"، وحللت فيه العلاقة بين المرأة والرجل على أسس وجودية ـ ماركسية. وبما أن الوجودية تؤكد على قضية حرية الإنسان لماهيته، تدعي دوبوفوار أن الإنسان يختار جنسه بإرادته أيضا، وتؤمن أن علم الحياة يستخف بنا معشر البشر، حيث إنه حرر الإنسان الذكر من قيود توليد المثل بينما لم يعط هذه الحرية للمرأة، ولذلك فإنها تعتقد بأن الأنوثة تمثل سدًّا في وجه التحول إلى إنسان حقيقي. [11]

ومن ضمن النقود التي وجهت لدويفوار من قبل النسويين المتأخرين كانت أنها تحقر جسد المرأة، بل رأوا أنها تريد ترجيلها، ومع ذلك اعترفوا أنها طرحت أفكار كان لها أثرا بالغ الأهمية على الكتابات النسوية اللاحقة وأهمها تمييزها بين الجنس والجنوسة. (sex / gender)

هذا وقد أشار برنادشو إلى أن وطأة النظام الرأسمالي كانت أشد وأقسى على المرأة منها على الرجل في بعض النواحي، لا سيما الاجتماعية والسياسية.[12]

وقد ذكر الرويلي أن المتتبع للفكر الغربي يدرك أنه فكر استعبد الأنثى وبنى على ذلك مسيرة المعرفة القائمة على الذكور، المؤهلة للقيام بالمسالك المعرفية من دون تأثير عاطفي غير موضوعي، وقد تسنى لتلك المسيرة الكبيرة الخلط بين مفهوم الجنوسة وبين مفهوم التكوين الجنسي للإنسان فالمفهوم الأول يقابل (Gender) وهو مفهوم اجتماعي نفسي، والمفهوم الثاني يقابل (Sex) وهو مفهوم وجودي بيولوجي، وأدى هذا الخلط إلى الاشتباك مع القضايا السياسية وقضايا البناء الاجتماعي، ومفاهيم اجتماعية أخرى وقد قصدت مباحث الجنوسة لإزاحة الأسباب الكامنة وراء الخلط السابق"[13]

ورغم قيام ثورة المثقف الغربي وما ادعاه الرجل المثقف الغربي عن إيمانه بضرورة تحرير المرأة الغربية من استبداد الكنيسة وإعطائها حقوقها ومساواتها بالرجل إلا أن كلمات بعض المفكرين الغربيين بعد الثورة لا تدل أبدا على حقيقة هذا الإيمان أو حتى العمل بهذا الشعار وأن تحرير المرأة ظل شعارا ومازال شعارا لم ينزل إلى الآن إلى مستوى التطبيق الفعلي والعملي.

فعلى سبيل المثال لا الحصر يعتبر "رامان سلدن" أن الرجل هو الأحق في تمثيل الإنسان وليس المرأة وحدد خمسة بؤر للاختلاف الجنسي: (علم الحياة، البيولوجي، الخبرة، الخطاب اللاوعي، الظروف الاجتماعية والاقتصادية) وقد حققت الرجولة هيمنة كاملة على خط سير هذه البؤر على حد قول سلدن."[14]

لذلك نجد أن الحضارة الغربية رغم تقدمها المادي إلا أنها لم تقدم شيئا جديدا للمرأة على المستوى الإنساني بل بالعكس فالممارسات التعسفية الناتجة عن التمييز الجنسي وعدم الأخذ بمقياس الكفاءة والإبداع كمعايير أولية للتعامل مع الإنسان لا لكونه ذكرا أو أنثى بل لكونه إنسانا يتميز بإبداعات وكفاءة عالية أهلته للتميز فإن ذلك أدى إلى ظهور حركات نسائية ذات فاعلية كبيرة تحت عنوان النقد النسوي (Feminism (Criticism وهو من وجهة نظري رد فعل معاكس للممارسات العنصرية ضد المرأة في المجتمع الغربي، وكان الإفراط سمة واضحة في هذا الحراك والذي أدى أيضا إلى ترسيخ فكرة النظر إلى المرأة كجسد وإعطاء هذا الجسد كل الصلاحيات في الممارسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها وبالتالي سقوط المرأة الغربية من جديد في فخ أغرقت فيه نفسها ولم تستطع إيجاد الحل المناسب لتخرج بذاتها الإنسانية وترتقي بها كإنسانة وليس كوجود جسدي.

وبدأت في الآونة الأخيرة تتصاعد الحركة النسوية " الأنثوية " في الغرب وبعد العولمة باتت الفكرة أكثر انتشارا، خاصة في العالم العربي والإسلامي، الذي لا نستطيع أن ننكر فيه التمييز الواقع بحق المرأة، وما تعانيه النساء من تضييق باسم الدين أو لتحكم العادات والتقاليد في المجتمعات، فأصبحن أرضية خصبة لأي بذر يرفع شعار حقوقهن وتحريرهن من القيود كافة بما فيها الضوابط الصحيحة. إلا أن مراجعة التجربة النسوية الغربية مراجعة فاحصة دقيقة ستكون كفيلة في دفع الناشطات للتأني قبل قبول هذه الحركات بكلها كما هي، والعودة لفهم جذور هذا الحراك ومآلاته، والفروق الجوهرية بين حال المرأة الغربية والانتقالات القاعدية التي تعرض لها الغرب، وحال المرأة العربية والمسلمة وكيفية الانتقال الآمن الذي يضمن لها حقوقها من جهة، ويحفظ لها كينونتها الإنسانية والطبيعية، فلا رضوخ للظلم، ولا استسلام لظلم من نوع آخر يتم فيه استلاب المرأة هويتها ووجودها الإنساني، ويهدم فيه نواة المجتمع وهي الأسرة، ويشوه العلاقات الطبيعية بين المرأة والرجل.ويكون مبدأ الانطلاق في الدفاع عن الحقوق المستلبة هو مبدأ التكافؤ وليس التماثل، فالأول يشحذ طاقات الجنسين من دون مبالغة أو غلو، ويتمم قاعدة التكامل في الأدوار والطاقات، بينما الثاني يدخلنا في صراع تنافسي سلبي تنافري، يستنزف الطاقات في صراعات غير تقدمية ولا تحقق أي إنجاز يذكر.

المرأة في النموذج الحضاري الإسلامي

جاء الإسلام ليخاطب إنسانية الإنسان لا جنسه ونوعه وتجلى ذلك واضحا في قول الله تعالى " إني جاعل في الأرض خليفة" فكان الاستخلاف له دلالات عديدة من ضمنها أن هذه الوظيفة الإلهية أنيطت بالإنسان كإنسان وليس كرجل أو امرأة كما أن الأمانة الإلهية التي عرضت على الجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان بإنسانيته دون النظر لجنسه.

فنرى الإسلام جاء ليخاطب المرأة كخطابه للرجل بل قال أكثر من ذلك، بعد أن كانت ليس لها ملكية ولا حكم على نفسها فقال تعالى: " للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن"، رفع الإسلام هذا المخلوق المضطهد على مر العصور مكانتها وجعلها عزيزة كريمة ساوى بينها وبين الرجال في الأبعاد الإنسانية ولكن حينما تلبست هذه الإنسانية في أجساد مختلفة في البعد المادي والتركيب الظاهري استدعى ذلك الاختلاف في القوالب اختلافا في الأحكام والوظائف والواجبات تتناسب وأبعاد كل جنس المادية وبما يتلاءم مع هذا القالب.

وهكذا أخذت المرأة تحتل مكانتها الطبيعية في المجتمع الإسلامي ولقد قال العلامة الطباطبائي في ذلك  بتصرف: أما الإسلام فلقد أبدع في حقها أمرا ما كانت تعرفه الدنيا منذ قطنها قاطنوها، وخالفهم جميعا في بناء بنية فطرية عليها كانت الدنيا هدمتها من أول يوم وأعفت آثارها، وألغى ما كانت تعتقده الدنيا في هويتها اعتقادا وما كانت تسير فيها سيرتها عملا . [15]

ولقد قال تعالى في مقياس التفاضل بين الناس جميعا " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم". فجعل ميزان التفاضل التقوى لا الجنس، ولقد روي الإمام الصادق (ع) أنه قال ": المرأة الصالحة خير من ألف رجل غير صالح" (وبذلك أشار الإمام أن الإنسانية في نظر الإسلام لها قيمة وميزان واحد للكرامة بغض النظر عن الجنس والصفات الطبيعية وهذا الميزان هو التقوى وأفضلية العمل الصالح . فمتى ما توفرت التقوى والصلاح كانت الإنسانية أفضل وأكمل فلا المرأة بما هي امرأة تفصل الرجل ولا الرجل بما هو رجل يفضل المرأة.)[16]

" ولقد ساوى الإسلام بينها وبين الرجل من حيث تدبير شئون الحياة بالإرادة والعمل فإنهما متساويان من حيث تعلق الإرادة بما يحتاج إليه البنية الإنسانية في الأكل والشرب وغيرهما من لازم البقاء، فلها أن تستقل بالإرادة ولها أن تستقل بالعمل وتمتلك نتاجها كما للرجل ذلك من غير فرق (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) أما التمايز في بعض الأحكام أو الوظائف بينها وبين الرجل فهي ليست من باب الأفضلية فلقد قال تعالى (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم من بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما) يريد أن الأعمال التي يهديها كل من الفريقين إلى المجتمع هي الملاك لما اختص به الفضل وأن هذا الفضل ما تعين لحوقه بالبعض دون البعض كفضل الرجل على المرأة في سهم الإرث وفضل المرأة على الرجل في وضع النفقة عنها، فلا ينبغي أن يتمناه متمن ومنه ما لم يتعين إلا بعمل عامل كائنا من كان كفضل الإيمان والعلم والعقل والتقوى وسائر الفضائل التي يستحسنا الدين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء”[17]

فالإسلام جعل للمرأة مكانة لم تكن لها من قبل في العصور السابقة له وكما تشير إلى ذلك الشهيدة بنت الهدى" أنه جعلها مهد الحضارات والثقافات فهي المدرسة الأولى في الحياة وهي أحد العنصرين الأساسيين في تكوين المجموعة البشرية فهي مربية الأجيال وهي نقطة انطلاقة المجموعة البشرية وهي المهد الفطري للوليد وصدرها واهب الحياة للجيل لذلك أولاها الإسلام أهمية في شريعته وأحكامه ".

المرأة في نظر الفقهاء

لعل السبب في سياق العنوان بهذا الشكل هو غيبة الإمام المعصوم عليه السلام والذي يعتبر لسان الشريعة الناطق بحقائقها الواقعية كما يريدها الله وتصدي فقهاؤنا لهذه العملية التي تعتمد على استنباط الفقيه للأحكام وفق أسس علمية ومنهجية وأصولية ووفق فهمه للنص وقبل الخوض في هذا الموضوع لا بد من مقدمة صغيرة:

" فالشريعة الإسلامية عبارة عن مجموعة من الأركان والأصول والفروع المنزلة على النبي (ص) إضافة إلى سير الأولياء وسننهم، أما المعرفة الدينية فهي فهم الناس المنهجي والمضبوط للشريعة، ولها كما لغيرها من المعارف في مقام التحقق هوية جمعية وجارية فالمعرفة  الدينية كالمعارف الأخرى يمكن ملاحظتها في مقامين:

مقام يجب أو مقام التعريف، ومقام يوجد أي مقام التحقق.

في مقام التعريف: المعرفة كاملة وخاصة وصادقة، أي ما يجب أن تكون عليه، أما في مقام التحقق فهي ما أنتجه العلماء وأعلنوا عنه، وهي موضوع التعلم والتعليم وهي ناقصة حتما وكثيرة الأخطاء. فالمعرفة الدينية هي جهد إنساني لفهم الشريعة، مضبوط ومنهجي وجمعي ومتحرك..... فالمعرفة الدينية على الرغم من أنها مبنية على الدين ومرآة له، ولكنها ليست الدين نفسه، فالدين بنظر المؤمنين به، لا تناقض فيه ولا اختلاف أما المعرفة الدينية فتتضمن تناقضا واختلافا، أي أن آراء علماء الدين وفهم المفكرين للنصوص الدينية الكثير من التناقض والاختلاف : في الفقه أو في علم الكلام أ،و التفسير أو علم الأخلاق وغير ذلك و فالدين في نظر المؤمنين به حق كله أما المعرفة الدينية فمزيج من الحق والباطل"[18]

.إلا أننا نختلف مع هذه النظرية في إطلاقها للمعرفة الدينية وعدم تخصيصها بمعنى أن فهم الفقهاء في الأحكام الشرعية الفقهية والاصولية وخاصة في الأدلة الظنية هو المعني بقضية فهم الدين وفق خلفية الفقيه البيئية والفكرية.. أي أن فهم النص الشرعي يعتمد على عاملي الزمان والمكان وهما الوعاءان اللذان يحتويان المجتمعات الإنسانية، وهما عبارة عن مجموع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والطبيعية ومجموع العادات والتقاليد والأعراف البيئية المحيطة بالنص. إذا ففهم أهل الدين الذي هو محل بحثنا ليس كما أطلقه سروش وإنما محدد في علوم الفقه وأبحاثها.

ومن يقرأ الأحكام الخاصة بالنساء قد يخرج بتصور يشعره بنوع من الغبن في بعض الأحكام إذا ما قارن وضع المرأة في العصر الحالي وقد يثير ذلك تساؤل مفاده هل الإسلام واقعا صرح بذلك أم أن بعض هذه الأحكام هي خلاصة جهد الفقيه لفهمه واستنباطه؟ وهل تأثر فهم الفقيه بالظروف الاجتماعية المحيطة به؟

"إن الفقهاء لا يزعمون أبدا أن الفقه هو نفس الكتاب والسنة والحقيقة أن هناك إفراطا وتفريطا في كل واحدة من هاتين الرؤيتين، سواء القائلة بأن الفقه هو نفس الكتاب والسنة أو القائلة بالفصل التام بينهما. وهاتان الرؤيتان كلتاهما خاطئتان، وإنما نحن نقول بأن الفقه يستند للكتاب والسنة وهو ليس عينهما والفقيه يؤدي عمله في هذا الإطار... وصحيح أن الظروف الاجتماعية تؤثر في طريقة فهم الفقيه للأمور هذا فيما إذا كان المرء ينظر إلى الفقه من الخارج ولكننا لو سألنا الفقيه ماذا تفعل لقال إنني أبين أحكام كتاب الله وسنة الرسول أي أنه لا يرى لنفسه هوية غير الهوية التي رسمها له الدين " ويضيف " إن صور العادات والتقاليد قد تسربت إلى الفقه بالإضافة إلى أن المعرفة الفقهية المنتجة في قضايا المرأة لا تساهم في إنتاجها الأنثى في الغالب، وإنما تصدر عادة عن الرجل، والرجل بطبيعته لا يستطيع أن يتحسس بعمق آلام وآمال النساء وعواطف المرأة مثلما تعيشها المرأة نفسها، كذلك لا يمكن الجزم بعدم انحياز الرجل إلى قضاياه وهمومه سواء كان واعيا لذلك أم لا"[19]

ويذكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين بهذا الصدد قائلا " فقد جرى كثير من الفقهاء في فقه المرأة على العمل بما روي من النصوص، من دون احتراز عن الأحاديث الضعيفة، ومن دون محاكمة لمتون الأحاديث المعتبرة، وقد اعتبروا العرف مرجعا في فهم كثير من النصوص وهو عرف لم يثبت أنه بجميع تفاصيله سائدا في عهد النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع)) ليصلح مرجعا في فهم النصوص، بل من المعلوم إجمالا في بعض الحالات وتفصيلا في بعض الحالات، أن بعض عناصر هذا العرف تكون من العادات والأعراف الدخيلة المستحدثة التي لم يضعها الشرع وإنما أنتجها الإرث الثقافي الذي تأثرت به المجتمعات الإسلامية نتيجة لتفاعلها مع أهل الأديان والثقافات الأخرى، وهذا النوع من الأعراف لا يصلح مرجعا لفهم النص الشرعي" انتهى

ومثالا على ما قاله الشيخ محمد مهدي شمس الدين نذكر ما ذكره الشهيد مطهري في كتابه الحجاب " إن ستر الوجه واليدين إلى الرسغ غير واجب على المرأة، وأضاف أن ظاهرة ستر الوجه التي انتشرت في العهود الأخيرة استحدثت في الفقه، ولم تكن موجودة من قبل وهي من التقاليد الإيرانية التي تسربت إلى الفقه".

ولكننا لا نستطيع أن نعزي انفصال المرأة عن المجتمع وعزلتها إلى الآراء الفقهية، فالعزلة هي نتاج موروث ثقافي وعادات وتقاليد فرضت في المجتمعات باسم الدين ولا يوجد ما يثبت أن السبب الرئيسي في عزلة المرأة هو أحكام المرأة الفقهية، قد تكون سببا غير مباشر في ذلك،" لأن بعض المسائل لها حيثيات زمانية ومكانية فبحث الزمان والمكان الذي طرحه الإمام الخميني يحمل بعدين : بعد يتعلق بمن يريد استنباط الحكم وآخر يتعلق بزمن صدور الحديث وأكد بعض الفقهاء كالمرحوم آية الله بروجردي على أننا يجب أن نعرف زمن صدور الحديث لنفقهه بشكل أفضل"[20]

وللأسف استسلمت المرأة المسلمة لهذا الوضع دون محاولة منها للتغيير والنهوض بمستواها الفكري والديني لتفرض ما يريده الله لا ما تريده العادات والتقاليد التي يرفضها الدين

بمعنى أن هناك آراء فقهية تخص المرأة يجب إعادة النظر فيها وما يقصد من إعادة النظر كما يقول الشيخ مهدي مهريزي هو أحد أمور ثلاثة:

أن يقدم الفقيه لقوله تبريرا معقولا يمكن الدفاع عنه فيكون كلامه مبنيا على قاعدة رصينة، فبالأمس كان إصدار الحكم وحده يكفي أما اليوم فلا بد من بيان فلسفته.

أن يتمكن الفقيه من تفنيد الشبهات التي تثار بخصوص المسألة .

أن تتغير نتيجة الاستنباط كليا فمثلا إلى الأمس كانوا يقولون أن بلوغ الفتاة بتمام السنة التاسعة واليوم قد يقولون لا، الملاك هو الحيض أو سن الثالثة عشر، أو أن المرأة يمكن أن تصبح قاضية بعدما كان يقال بأن المرأة لا يمكن أن تصبح قاضية.

وبهذا نرى أن الرأي الفقهي ليس هو عين الكتاب والسنة بل هو رأي مستند إلى الكتاب والسنة وبذلك اشتهر الفقه الشيعي بالاجتهاد وأثبت هذا الفقه أن الدين صالح لكل زمان ومكان.

وما الهجمة الشرسة على الدين ووجود صدى لهذه الهجمة بين صفوف المسلمات باسم المساواة ورفض الاضطهاد الديني كما يقولون هو نتاج بعدنا عن الدين وعن أحكام فقهائنا وعدم معرفتنا لواقع الفقه، وعدم اعتناء النساء بفقههن وأحكامهن وبعدهن عن الساحة الفقهية التي قد تكون نتاج التزمت والتشدد باسم الدين.

وما نحتاج له في أحكام المرأة كما يقول الشيخ مهدي مهريزي هو :

أن يقوم الفقهاء بعملية نقد لمضمون الحديث أي يعرض الحديث على القرآن والسنة القطعية والواقع الخارجي والعقل القطعي.

أن تدرس الأحاديث والسيرة بمجموعها

بالإضافة إلى وجوب ملاحظة زمان ومكان صدور الأحاديث والأفعال عن الأئمة عليهم السلام.

ما هو النموذج الحضاري في الإسلام وخاصة حول شخصية المرأة

هناك عنصران يعتبران من لوازم الاعتقاد بخاتمية الإسلام وخلوده هما الأصالة والخلود. فالأول يؤكد على الحفاظ على الثوابت والقيم وأصالة التشريع، والثاني يؤكد على ضرورة طرح الإسلام طرحا آخذا في الحسبان عنصري الزمان والمكان ليحافظ على خلود الإسلام بتشريعاته الأصيلة لكل أمة وجيل وزمن.

ومن الموضوعات الجدلية في القرون الاخيرة وخاصة القرون الوسطى بعد ثورة التنويريين الغربيين ضد اللاهوت المسيحي المتمثل بالكنيسة ورجالاتها، بعد أن مارسوا كل أنواع التعسف والاضطهاد والديكتاتورية باسم الدين هي موضوعة المرأة لأنها العنصر الأكثر فعالية في واقع الحياة، والأكثر تضررا واضطهادا وظلما.

وقد نكون إلى الآن في معزل عن تلك الجدليات في مجتمعنا لأننا مازلنا تحت تأثير الرؤية التقليدية الدينية الممتزجة بمجوعة كبيرة من العادات والتقاليد، من جهة وبسطوة الرؤية التقليدية للمرأة من جهة أخرى. إلا أنني أرى أن مس الحركات النسوية المتطرفة طال المجتمعات كافة، ولم يصبح اليوم ـ بعد العولمة ـ والثورة التكنلوجية بمعزل عن هذا المس، وهذه الأفكار، ولا أنكر أن التدافع الفكري والثقافي بين الثقافات المختلفة، وإن أحدث لغطا وخللا في الظواهر الاجتماعية والعادات والتقاليد، إلا أن هذا اللغط والغيوم المعرفية التي تصاحبه يمكنها أن تتحول إلى أمطار خير تنبت معارف جديدة لكنها تحافظ على جذورها في أرضها الخصبة، في حال تصدى أهل المعرفة والتخصص لتفنيد الغث من السمين، وإعادة النظر في المسلمات المضطربة اجتماعيا، والمختلطة بالعادات والتقاليد، وإجالة النظر في الفقه مجددا لإعادة بناء رؤية منتظمة رصينة حول شخصية المرأة في الإسلام.

ولعل المفارقة هنا أن ثقافة التحضر والتمدن ارتبطت قهرا نتيجة العولمة السلبية بتحرر المرأة بطريقة سلبية، أيضا ونظر إلى مسألة التحرر والحرية بالنسبة للمرأة من جانبه المادي البحت مركزا في ذلك على تحرر الجسد من كل معوقاته المادية، وأصبحت الحضارة والمدنية في ذهنية الكثيرين ومنهم مثقفين وعلماء مرتبطة بالتحلل من القيم والأخلاق والعفة .

إلا أننا في هذه الإطلالة السريعة نود أن نسلط الضوء على موضوع غاية في الأهمية وهو محور بحث جدي في الحوزة العلمية في قم بين العلماء والمثقفين فيما يتعلق بموضوعة المرأة، وهو الرؤية الحضارية الإسلامية للمرأة وشخصيتها، وهي رؤية معتدلة نزعت عنها ثوب التقليديين والتجديديين، لأن النظرة التقليدية ضحت بخلود الإسلام في سبيل الحفاظ على الأصالة فيه، بينما يقوم الاتجاه التجديدي بالتخلي عن أصالة التشريع واستمرارها حفاظا على خلود الإسلام.

ولكن كيف ينظر التقليديون لشخصية المرأة وكيف ينظر لها التجديدين وما هي الاسس القائمة عليها رؤية كل جهة؟

١- الاتجاه التقليدي الإسلامي

وهم مجموعة من العلماء والمتدينين المسلمين الذين عاشوا في القرنين الأخيرين، وحصروا اهتمامهم فقط برفض الثقافة والحضارة الغربية ومحاربتها، وذلك بدافع من غيرتهم على الدين وتمسكهم بالمعارف والأحكام الدينية.[21]

وهم ينظرون لموضوعة المرأة بنظرة جزئية فردية فاقدة لرؤية جامعة ونظرة شمولية منفصلة عن المنظومة الاجتماعية، بل ينظرون للمرأة من وجهة نظر حقوقية تكليفية فردية

٢- الاتجاه التجديدي الإسلامي

وهم التنويرين الدينيين المطلعين على الحضارة الغربية، فلم يجدوا في ثقافتنا الإسلامية الشائعة في مجتمعاتنا والمختلطة بالعادات والتقاليد ما يستحق القياس والمقارنة مع ذلك الانتاج الغربي العلمي والفني والاجتماعي. والمرأة وفق نظرتهم مشبهة للرجل وأنها في مجال الحياة الأسرية والاجتماعية مفعمة بالرغبات الشخصية، ويستجيب للميول الطبيعية، وتعرف بأنها ذات غاية تنتهي إلى الرفاهية وحقوق المواطنة المتساوية.[22]

ومن الاتجاهين السابقين نلحظ النهج الإفراطي والتفريطي بينهما في رؤية الإسلام للمرأة.

٣- الاتجاه الحضاري الإسلامي

هذا الاتجاه يستطيع الحفاظ على عنصري الاعتقاد بخاتمية الإسلام وهما الخلود والأصالة. فهم يعتقدون بأن الطريق الوحيد للخروج من الاشكالية الحالية في المجتمعات الإسلامية، يكمن في التحرك في سبيل إيجاد حضارة حديثة، بحيث تعتمد برامج التنمية والتطوير فيها تعتمد على القيم الإسلامية وتهتدي بهداها.[23]

ومن خلال هذا العرض السريع للأفكار الأساسية لكل مدرسة نستطيع أن نشخص بذور وجذور الفكر المنتج لشخصية المرأة في مجتمعنا، وهي بذور عائدة غلى المدرسة التقليدية التي تنظر للمرأة في إطار الاحكام التكليفية والحقوقية الصرفة والمنحصرة في ازمنة سابقة لا تتناسب وزماننا ومكاننا، بل نستطيع القول أن كثير من الرؤية المرسومة للمرأة هنا تختلط بالعادات والتقاليد البعيدة عن روح الشريعة.

ولعل أبرز الأسئلة التي شكلت جدلية واسعة في الدائرة الاجتماعية في الآونة الأخيرة هي قضية خروج المرأة والعمل، وإلى أي مدى تكون هناك مقبولية اجتماعية لتواجد المرأة خارج منزلها؟ وهل الأساس هو خروج المرأة أم جلوسها في المنزل؟

ولو نظرنا إلى واقع المرأة المسلمة وجدنا أن الأسئلة المطروحة تعكس المدى الفكري الضيق الذي تعيش فيه المرأة في مجتمعنا إذا ما قارناها بوضع المرأة في دول أخرى مجاورة تخطت فيه المرأة عتبة هذه الأسئلة وجعلت لها بصمة قوية على واقع الحياة أثبتت فيه جدارتها في تأدية دورها الاستخلافي على الأرض.

فالمرأة وجود إنساني أي لها كينونة إنسانية وهذه الكينونة لها دور استخلافي هادف على الأرض، وهذا الدور يهدف إلى بناء صرح اجتماعي قائم على العدالة والقيم والمبادئ الأخلاقية التي تحفظ مسيرة المجتمع التكاملية.

إذا هي إنسانة لها وظيفة استحلافيه هادفة وتشخصت هذه الوظيفة أكثر حينما تمايزت في نوعها الجنسي إلى امرأة فحددت لها الشريعة مجموعة من الوظائف الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وتركت تشخيص الوظائف الاخرى لظروف المكان والزمان لها كمكلفة قادرة على تشخيص دورها في مجتعمها والنهوض به وفق قابلياتها واستعداداتها.

فلا نستطيع القول أن المرأة يقتصر دورها فقط على الاسرة ولا نستطيع أيضا أن نقول أن المرأة يجب أن تخرج للعمل الاجتماعي والسياسي.

فالواجب العيني المؤكد هو دورها الأسري الذي إن نهضت به بشكل متكامل بنت مجتمعها بشكل سليم وقدمت له جيلا مؤهلا من الناحية النفسية والاجتماعية والقيمية وهنا يجب عليها أن تمتلك من الادوات ما يؤهلها لهذه الوظيفة الشرعية العظيمة كالعلم والثقافة والمعرفة والخلق والاطلاع الواسع على آخر النظريات التربوية والاجتماعية من اجل أن تعكس ذلك على سلوكها التربوي مع عائلتها لأنها المدرسة التي يتخرج من أحضانها الأجيال،،أي أن دورها البيتي لا يسقط عنها ضرورة العلم والتعلم والمعرفة بل هو واجب في هذا العصر من أجل ان تقوم بشكل سليم بواجبها العيني الذي ستسال عنه يوم القيامة.

أما الخروج من المنزل والنهوض بمتطلبات المجتمع وسد الثغرات التي يعاني منها مجتمعها فهي واجب كفائي، فليس كل إمرأة مؤهلة للخروج وممارسة انشطة سياسية واجتماعية واقتصادية، بل الخروج هنا يكون للمؤهلات اللواتي يمتلكن القابلية العلمية والثقافية والدينية من أجل ممارسة دور الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي مؤهلات تكون كافية لها لكي تشخص حاجة المجتمع وضرورة تواجدها فيه. ولكن هذا لا يعني أبدا أن تجلس المرأة في البيت وتقول أنا غير مؤهلة هروبا منها من تأدية واجبها في الخلافة الإلهية، كما أنه ليس كل إمرأة تستطيع أن تقول أنني مؤهلة للخروج فتخرج ويكون ذلك على حساب بيتها واسرتها. إن المرأة القادرة على الخروج هي المرأة التي تستطيع أن تناغم وتوائم بين عملها وواجبها الاسري وبين واجبها الاجتماعي، وأعتقد أن شخصية الزهراء عليها السلام نموذج يحتذى فيه إذ أنها عاشت التوازن في شخصيتها فكانت الام والزوجة الصالحة وكانت في علاقتها مع الله كاملة وكانت نعم المعين في نصرة الاسلام ومواجهتها للفساد وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر. فكل إمرأة قادرة على أن تعيش هذا التوازن وقادرة على أن تنظم وقتها لتنهض بكل مسؤولياتها على أكمل وجه خاصة

في عصرنا هذا الذي بتنا فيه أحوج ما يكون لكل جهد بشري إنساني مخلص لمواجهة رياح العولمة السلبية التي بدأت تفتك بأجيالنا ومجتمعاتنا، وتعيش فيه أغلب المجتمعات صراع البقاء ولاوجود سواء على مستوى الهوية ومحاولات إعادة تشكيلها وفق أسس تسلبها أصالتها وبعدها التاريخي، أو صراع بقاءها على قيد الحياة نتيجة الفقر والحروب، أو بقاءها في بعدها الإنساني الذي يحتم عليها أداء وظيفة ودور في مجتمعاتها، في ظل أنظمة لا تعطي أي أهمية للإبداع والتنمية البشرية، وتعطل كثير من الطاقات والعقول.

والملاحظ في مجتمعنا أن المرأة تحت ذريعة الجلوس في المنزل، لا تقبل على العلم والتعلم وإن أقبلت أصبحت في خانة التفريط أو الإفراط، وابتعدت عن الاعتدال والعدالة النفسية، أو أنها اهتمت بالماديات والمظاهر تحت ذريعة حسن التبعل للهروب من مسؤولياتها الاستخلافية في مجتمع بدأ يئن تحت سياط الثقافة الغربية والانحلال القيمي والاخلاقي.

وأعتقد جازمة أن المرأة هي محور الإصلاح في الأسرة وفي المجتمع معا فإن هي صلحت وعفت صلح وعف مجتمعها وأسرتها والعكس بالعكس.

ومن هنا علينا أن نقدم نموذج حضاري لشخصية المرأة ودورها في المجتمع من أجل النهوض بمشروع حضاري قادر على أن يواجه الثقافة الانثوية الغربية، التي تريد أن تذهب بالمرأة إلى دور وهمي يفسد مجتمعها واسرتها. وأعتقد أن المرأة اليوم معنية في مواجهة التقليديين والتجديديين من خلال مثابرتها في إثبات دورها الحضاري الإسلامي في النهوض بالمجتمع وعدم رضاها بوضعها الحالي الذي اختلطت به العادات والتقاليد بالدين اختلاطا وامتزاجا شوها حقيقة شخصية المرأة في الإسلام.

 

النموذج الحضاري لشخصية المرأة في الإسلام” رؤية مقترحة “

من واقع الميدان هناك اختراق حقيقي للمرأة وتمييع لهويتها وشخصيتها انعكس كثيرا على البناء الأسري القائم، أو على كيفية تشكيل الأسرة وحدود دور المرأة فيها، هذا فضلا عن الارتفاع الملحوظ لنسب الطلاق في الوطن العربي والإسلامي، وما فعلته العولمة والحداثة من فعلها في العقول وأنماط التفكير خاصة عند المرأة، وما روجت له النسوية العالمية من مفهوم للحرية مغلوط، ومن حقوق للمرأة خرجت عن جادة العدالة تحت ضربات وصرخات المساواة بين المرأة والرجل.

وكان التأثير الثقافي كبيرا جدا، بسبب حالة الإفراط التي تعيشها كثير من المجتمعات وخاصة الخليجية منها، حيث هناك فهم مغلوط لشخصية المرأة ودورها، وهناك طرح فقهي تجزيئي فردي بات اليوم بعيدا إلى حد كبير عن الواقع، بل لا يغطي المرحلة الزمنية ومتطلباتها، وباتت الشبهات كثيرة عجز أمام ضرباتها كثير من العلماء عن تغطيتها نتيجة القراءات القديمة لفقه المرأة وشخصيتها. وهو ما يجعل الساحة مفتوحة أمام كل نظريات الحداثة والنسوية والعولمة وأمام أساليبها التي اخترقت كل البيوت.

لذلك ارتأينا وضع تصور أولي يحاول تصحيح المسار والنهوض بنموذج حضاري إسلامي حول شخصية المرأة، يواكب العصر ولا يتخلى عن الثوابت، وهو ما يتطلب تضافر جهود العلماء حول هذا المشروع والنهوض به.

الرؤية المقترحة:

* المرحلة الاولى:

١- تفكيك البني التحتية في حياة الأئمة وكيفية تعاملهم مع محيطهم النسوي وانتزاع المنهج واعادة بنائه، وجمع الروايات الخاصة بالمرأة ودراسة السند والمتن وعرضها على القرآن، كون كثير من متون الروايات وإن صح سندها فمتنها مخالف لصريح القرآن وقواعده.

٢- استقراء الجزئيات الفقهية الخاصة بالمرأة كموضوع مستقل واستخراج النظرية الفقهية الخاصة بها ليصبح لدينا نظرية فقهية حول المرأة، وليس فقط مجموعة أحكام تنظر للبعد الفردي، هذه النظرية تأخذ بالحسبان الزمان والمكان ومقاصد الشريعة. ثم استقراء المنهج القرآني في موضوع المرأة، بعد ذلك يمكننا الخروج بهيكل عام يوضح شخصية المرأة والنظر للتعارض في هذا الهيكل يساعدنا استكشاف الخلل. لذلك نحن نحتاج متخصصين في الفقه والقرآن والاستقراء ومفكرين.

ـ اي نتيجة علمية مكينة نخرج بها نحتاج العمل عليها على مستوى الفتوى في كل من النجف وقم.

* المرحلة الثانية:

ـ رسم الهيكل العام بعد انتهاء الاستقراءات والخروج بشكل الهيكل الأخير للنموذج الاسلامي الحضاري لشخصية المرأة في الاسلام.

* المرحلة الثالثة:

-ـ دراسة الهيكل وبناه ومتعارضاته واكتشاف الخلل والنقص.

* المرحلة الرابعة:

- ـ تشكيل الرؤية الكاملة لشخصية المرأة في النظرية الاسلامية من نواحي عدة اهمها:

١- هي كذات وكشخصية حقيقية: حقوقها وواجباتها وعلاقتها مع الله ووظيفتها المناطة بها من الله

٢- شخصية حقوقية

ـ كزوجة

- كأم

- كأسرة

- وظيفتها في المجتمع:

١- سياسيا

٢- اقتصاديا

٣- اجتماعيا

٣- حدود ولاية الرجل عليها كفرد وكزوجة وكأم وكناشطة في المجتمع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. أي الولاية وفق منظور فقهي اجتماعي وأسري وليس فردي، يحاكي الزمان والمكان.

٤- القيمومة حدودها، ملابساتها، فق نفس الشرط السابق في رقم (٣)

٥- الضرب حقيقته وحدوده ضمن منظومة الأسرة الكاملة حقوقيا وليس كمفردة من المفردات.

* المرحلة الخامسة:

- تشكيل غرف فكرية في الخليج والدول العربية لمعرفة خصوصيات كل مجتمع على حدة واشكالياته، وهذا يمكن من خلال مجموعة العلماء المنتشرين والمثقفين والمفكرين النخب.

* المرحلة السادسة:

ـ الخروج بالنظرية كاملة.

* المرحلة السابعة:

ـ عرضها على المرجعيات الدينية والفكرية لتنضيجها.

ـ المرحلة الثامنة:

ورش عمل متنقلة للتعريف والتوعية أو نشرها كمرجعية مستقلة حول المرأة.

قد تتطلب الخطة للتنفيذ من ٥-١٠ سنوات 

وهذه الأمور بالطبع بدأت تطرح بين الفقهاء وستكون محور بحث في السنين المقبلة للنهوض بالفقه نهوضا يتناسب مع ما أراده الله في كتابه وسنة نبيه (ص)، وكل ما نأمله أن نرى في المستقبل مجتهدات في أحكام النساء في كل مكان ولا يقتصر الأمر على وجودهن في إيران .

نداء وخاتمة:

وسأختم بنداء وجهته الشهيدة بنت الهدى منذ عقدين من الزمن قائلة: وإلى المتزمتين أوجه خطابي: لماذا فرضوا على المرأة قيودا وحدودا لم ينزل الله بها من قرآن؟ فالضغط يولد الانفجار والتزمت يدعو إلى النقمة على جميع الأمور حتى الشرعية الضرورية، وقد ينأى بالمرأة عن تعاليم الإسلام الحقيقية لا سيما إذا كانت ناشئة فتية، وفي هذا ما فيه من أخطار تواجه فتياتنا المسلمات. اسمع يا أخي المسلم ولا تتحكم مع ميولك ولا تندفع وراء أهواءك تحت ستار من الدعوة إلى تطبيق الإسلام فالإسلام سمح وسهل لا يرد للمرأة إلا العزة والكرامة والمكانة اللائقة.

وأوجه ندائي تأكيدا على نداء الشهيدة : إن انحراف فتياتنا وأخواتنا وانبهارهن بالحضارة الغربية وشعاراتها البراقة الكاذبة ما هو إلا نتاج فكر متشدد قامت أسسه على الموروثات والعادات والتقاليد وظهر باسم الدين فانظروا أخوتي ما يريده الله والدين لا ما يريده الناس والعادات والتقاليد البعيدة عن روح الإسلام فرضا الله هو الغاية فإن رضي الناس والله عليك ساخط فهي خسارة الدارين الدنيا والآخرة فإن الله يغضب لاثنين للمرأة والأطفال والمرأة أسيرة الرجل فأحسنوا لأسراكم وكما قال تعالى" وعاشروهن بمعروف أو سرحوهن بإحسان"، وقال " ومن يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب". .

ومن هنا أدعو إلى:

1- تفعيل العمل في الساحات الإسلامية وتشبيك العلاقات مع الناشطات والفاعلات في هذا المجال، والتأسيس لنشاط فاعل ضمن لجان نسوية من الفاعلات والناشطات في الساحة الإسلامية لبلورة مشروع بديل لمواجهة سلبيات النسوية.

2- تشكيل لجنة دائمة تضم فعاليات من كل الدول العربية والإسلامية تضم كل المكونات العلمية من حوزويات وأكاديميات وناشطات وحقوقيات وإلخ.. تقوم بمهام يتم تحديدها وفق متطلبات كل مجتمع ودولة من قبل المشاركات وتصاغ في أطر قانونية ومؤسساتية تكون فيها المرجعية للشريعة الإسلامية لينطلق منها الجميع في مجتمعاتهم لمواجهة النسوية الغربية بنسوية إسلامية قادرة على فرض هويتها وصياغة مشروعها في أوساط الجماهير لإعادة التموضع النسوي في المجتمعات بشكل يتناسب والعصر وبطريقة تحفظ الثوابت المتجذرة في هويتنا الإسلامية وخاصة القيم والأخلاق التي تصون كرامة وعفة وحياء المرأة فنصون معها المجتمعات ككل.

3- وأقترح المشاركة في كافة الانشطة الدولية الرسمية والغير رسمية التي تشارك بها الحركات النسوية لتؤثر ليكون لنا صوتنا ومشروعنا ولنفرض وجودنا ليس فرضا عنيفا وإنما فرض عقلائي يقوم على الحجة والدليل الإنساني على قاعدة الحسن والقبح العقليين ويفرض ثوابت وقيم أخلاقية تلامس فطرة الإنسان وتحاكي عقله،ولا أرى أننا يجب أن نقاطع هذه الجهات بل علينا أن نتواصل معها ونرفدها بما لدينا لأن بعض التيارات النسوية غير مغالية في نظرتها النسوية ونستطيع أن نتحاور ونتواصل معها وأن يكون لنا مشاريع مشتركة قادرة على فرض وجودها في ساحات المؤسسات الدولية والقوانين الخاصة بالمرأة.

4- رفع وتيرة الانشطة الإعلامية التي تبث الوعي بين الجماهير حول خطورة هذه الحركات وكيفية مواجهتها لأن الإعلام يلعب دورا هاما في نشر مبادئ النسوية السلبية، وطرح البديل الناجح الذي يعيد فعالية المرأة في المجتمع ويعزز من وجودها الأسري، ولا يعيق تقدمها الحضاري، ويحافظ على عفتها.

5- العمل على رفع مستوى المرأة المعيشي خاصة في الدول الفقيرة من خلال مشاريع خيرية تكافلية تعتمد على أموال الخمس والزكاة، إضافة إلى ضرورة الارتقاء بمستواها التعليمي وثقافتها الدينية المعتدلة لأثر ذلك في استيعاب ووعي خطورة هذه الحركات على سحق الهوية ومحو الثقافة الدينية.

6- المطالبة في إعادة النظر في أحكام المرأة وإعادة صياغة المشروع الإسلامي ونظرته للمرأة لإيجاد البديل الصالح وسد الثغرات التي تنسل منها الحركات النسوية لضرب صورة الدين.

7- تأسيس منتدى نسوي يعتني بالفئات الشابة فكريا وثقافيا، ويطرح القضايا المستجدة بطريقة علمية أكاديمية، يفسح فيها المجال للنساء من كافة الأعمار والتوجهات، لطرح التساؤلات والإشكاليات ومناقشتها، وعمل ورش عمل حول موضوع النسوية، وتقديم البدائل الناجحة.

 

إيمان شمس الدين

...........................

[1] الإسراء ٨٥

[2] الاستلاب / هوبز، لوك، روسو، هيجل، فويرباخ، ماركس / فالح عبد الجبار/ ص ١١/ دار الفارابي/٢٠١٨

[3] مصدر سابق ص ٧٣

La mujer en la Edad Media [4]

موقع الهيئة العامة للاستعلامات المصرية[5]

[6] قضية المرأة بيت التحرير والتمركز حول الأنثى/ د.عبد الوهاب المسيري/نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع/ ط ٢/ اغسطس ٢٠١٠

[7] مثنى أمين / بحث حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر[7]

[8] المصدر السابق

[9] (الموسوعة البريطانية

[10] د. محمد سالم سعد الله/ الأسس الفلسفية لنقد ما بعد البنيوية

[11] المرأة وقضاياها ـ دراسة مقارنة بين النزعة النسوية والرؤية الإسلامية ـ الإسلام في مواجهة النسوية تقابل في الرؤية والأهداف ـ محمد لغنهاوزن ـ مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي ـ ص ٧٠

[12] دليل المرأة الذكية إلى الاشتراكية والرأسمالية والسوفييتية والفاشية، ت: عمر مكاري ص 16،352

[13] Al- Ruwaili، A life: journal of comparative Peotics، No 8،1988: 98-99

[14] النظرية الأدبية المعاصرة ص 189- 190- 191).

[15] ( تفسير الميزان ج 2 ص 273 ).

[16] المرأة مع النبي للشهيدة بنت الهدى.

[17] تفسير الميزان ج2 ص 276.

[18] القبض والبسط في الشريعة للدكتور عبد الكريم سروش

[19] الشيخ مهدي مهريزي نحو فقه للمرأة يواكب الحياة

[20] الشيخ مهدي مهريزي نحو فقه للمرأة يواكب الحياة

[21] شخصية المرأة: دراسة في النموذج الحضاري الإسلامي لمحمد تقي سبحاني.

[22] مصدر سابق

[23] مصدر سابق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4903 المصادف: 2020-02-07 01:32:34