 ثقافة صحية

الشيخوخة والتعامل معها / بهجت عباس

bahjat_abaasالفرق بين الشاب والشيخ من الناحية البدنية / الحيوية هو الطاقة الخلوية، فكل خلية في الجسم لها القدرة على إنتاج طاقة تستعملها في وظيفتها التي تخصّصت فيها،

إضافة إلى الدفاع عن ذاتها وإبطال المواد الضارّة الناتجة عن التفاعلات الكيميائية التي تحدث في داخلها وخارجها. فهنا تكون الخلية في الشاب قادرة على القيام بهذه الفعاليات بسرعة، بينما تكون بطيئةً في من تقدم به العمر. وسبب هذا إنَّ الخليةَ في الشاب تنقسم / تتكاثر بسرعة لتعويض ما يُفقَـد، بينما الأمر يسير ببطء في المُسنِّ وبمقدار أقلَّ، مما يجعله واهناً وأكثرَ تعـرّضاً للأمراض. وإذا كان مردّ هذا يعود إلى الطاقة التي تنتج في الخلية، فهل من الممكن ديمومتـها أو إنتاجها بكمية كافية في الشيخوخة، ليستمرَّ من تقدم به العمر في التمتع بحـيوية ونشاطِ مَنْ هو في ربيع العمر؟ ليس تماماً، ولكن الاحتفاظ بشيخوخة نشيطة وحيوية نسبياً ممكن جداً، وما يرثه المرء من الأبوين، وخصوصاً الأم، يلعب دوراً كبيراً، وكذلك نمط الحياة التي يحيا. فالمعروف أنَّ المرء يرث نصفَ كروموسومات أبيه ونصف كروموسومات أمِّـه، ولكنه في الحقيقة يرث من الأم أكثرَ مما يرث من الأب. ذلك أنَّ الأب يشارك في تكوين الطفل بالكروموسومات الموجودة في الحيمن (الخلية الجنسية في الذكر)، بينما تشارك الأم بالكروموسومات الموجودة في البويضة (الخلية الجنسية في المرأة) زائداً محتويات البويضة كلـها التي تشمل الميتاكوندريا، مصدر (بيت) طاقة الخلية. فما هي هذه الميتاكوندريا وكيف تعمل ؟.

 

الميتـاكوندريا

الميتاكوندريا حبيبات خيطية تشبه حبوب القهوة في شكلها، موجودة في سايتوبلازم الخلية وتحتوي على قطعة كبيرة من دنـا DNA تتكوّن من 16,569 قاعدة زوجية. يتراوح عدد الميتكوندريا بين بضعِ مئاتٍ وبضعة آلاف في كل خلية. ويُـعـتَـقد أنّها منحدرة من أمٍّ واحدة فقط تدعى بالحوّاء الميتاكوندرية، وبعضهم يعتقد أنّ أصلها بكتريا، وخصوصاً أنها تتكاثر بالانشطار مثل البكتريا دون أنْ يطرأ على الدنا التي تحتويها أيّ ُ تغـيّـر أثناء انشطارها، بينما يكون التغير في دنا النواة شيئاً لازباً. ولكنها بعد تكوينها تكون عرضة للتشوهات عشرَ مراتٍ أكثرَ من دنا النواة.  وهذا التشوه يكون في بعض الميتاكوندريا ويسلم البعض الآخر من التشوه. وعند انقسام الخلية الجنسية في المرأة إلى أربع بيوض تتوزع الميتاكوندريا في هذه البيوض اعتباطاً، فقد تكون إحدى البيوض ملآى بميتاكوندريا مشوَّهة وميتاكوندريا البيضة الأخرى سالمة، ولما كانت بيضة واحدة فقط تتخصّب وتتفسخ الثلاث الأخَـر، يلعب الحظّ دورَه هنا في تكوين الطفل من حيث استلامه ميتاكوندريا جيدة أو رديئة، معتمداً على البيضة المخصَّبة. على أنَّ عمر الأم يلعب دوراً أيضاً، حيث يزداد التشوه بتقدم العمر.

أما أهميتها للخلية فتكون بإنتاجها الطاقةَ التي تحتاجها الخلية لأداء عملها. هذه الطاقة تتمثل بجزيئة تسمى أدينوسين ثلاثيّ الفوسفاتAdenosine triphosphate  (ATP) حيث يكون المصدر الأساس لهذه العملية  سكر العنب (الكلوكوز Glucose) الناتج من تناول الكاربوهيدرات / النشويات مثل الخبز والسكر.

يدخل الكلوكوز الخلية بعد أن تفتح الإنسولين (أبواب) الخلية له، فيتجزأ بواسطة خمائر معينة بطريقتين: طريقة التأيض اللاهوائي (دون وجود أوكسجين anaerobic)، في عملية تدعى بتحلّـل الكلوكوز Glycolysis التي تقع في سايتوبلازم الخلية (خارج الميتاكوندريا)، فتتولد مادة الطاقة ATP، كما وإنَّ الشحوم تتحطم هنا أيضاً وتستعمل كطاقة. غير أنَّ إنتاج الـ ATP ليس كثيراً أو كافياً لسدّ حاجات الخلية المتعددة، وهنا يكون الأوكسجين والميتاكوندريا هامَّـيْن، حيث تتمّ عملية تأيّض/تحلل الكلوكوز داخل الميتاكوندريا فيما تسمى بدورة كريبس Kreb’s، الذي يكون إنتاج الـ ATP فيها كثيراً. في هذه العملية تُـنـتَج 24-28 جزيئة ATP مقابل 4 جزيئات فقط في العملية الأولى (اللاهوائية) من كلّ جزيئة كلوكوز. فيكون العدد الإجمالي حواليْ 30 جزيئة ATP في العمليتين. وهذه كمية كافية من الطاقة التي تحتاجها الخلية لصنع البروتين من الحوامض الأمينية ولاستنساخ الدنا DNA مثلاً، فإذا لم يتـمَّ هذان الأمران، لا تنقسم/تتكاثر الخلية، ويتضاءل النسيج أو العضو، وخصوصاً العضلة التي تحتاج إلى طاقة كبيرة للقيام بالأعمال الفيزيائية / البدنية. لذا تتميّز خلايا العضلة عن بقية الأنسجة بوجود عدد كبير من الميتاكوندريا فيها.

ومن هنا أيضاً تأتي محنة المصاب بمرض السكر. فعدم وجود الإنسولين أو وجوده بكمية غير كافية، أو مقاومة الخلايا له، تسبب قلّـةَ (دخول) الكلوكوز إلى الخلية، فلا تكون ثمة طاقة كافية، فيشعر المصاب بالانحلال والإعياء إضافة إلى عواقب وجود الكلوكوز بتركيز عالٍ في دمه.

في الشيخوخة تتضاءل الإفرازات، خمائر وهورمونات، فيتضاءل إنتاج الطاقة، لِتَشَوُّهِ الميتاكوندريا من ناحية، فيبطل عملها، ولعدم دخول كمية كافية من الكلوكوز إليها، فيكون إنتاج الـ ATP (الطاقة) قليلاً. ثمَّ إنَّ الفضلات الناتجة عن تأيّـض المواد الغذائية – الجذور الحرة (سيأتي ذكرها قريباً) تتراكم لعدم وجود آليّـة فعّـالة للتخلص منها، تسبب تدهوراً في صحة المُسِنِّ، والذي يكون أهمّ ُ مظاهره

 

اضمحلال الأنسجة العضلية في الشيخوخة

يعود إلى قلّـة إفـراز هورمون النمـو والتستوستيرون والإنسولين المشابه لعامل النمـو (1) وعدم كفاية البروتينات  والسعرات الغذائية وتزايد الهموم النفسية وعدم ممارسة الرياضة البدنية وغير ذلك. هذه الأسباب تؤدي إلى انعدام الفعاليات التي يسبب ضمور العضلة وتلف أليافها، هذه الألياف التي تلعب دوراً كبيراً في رفع الأشياء الثقيلة والقيام بأعمال جسمية. وتسمّى هذه الحال ساركوبينـيا Sarcopenia التي تَعني فقدان كتلة العضلة قوّتَـها ووظـيفتَـها نتيجة التقدم في العمر، والذي يمثّـل نقصـاً في وظيفة الميتاكوندريا، وتظهر بعد الأربعين سنة من العمر وتتسارع بعد سنِّ الخامسة والسبعين، حيث يكون النقص في الـATP واضحاً. وهنا تكون الحاجة ضرورية إلى :

 

الكْرِيـاتيـن  Creatine

وهو مادة تتكون من ثلاثة حوامض أمينية هي : أرجنين، كلايسين وميثـايونين، (يجمِّـعـُها) الكبد فيكوِّن الكرياتين الذي يتحد مع الفوسفات الموجودة في الخلية  فيحوِّل الـ ADP ( أدينوسين ثنائيّ الفوسفات) إلى ATP ( ثلاثيّ الفوسفات )، طبقاً لدورة كريبس، فتُعاد الطاقة مرة أخرى. كما وإنّ الكرياتين يساعد على تكوين البروتين في العضلة أيضاً. فقلّة كمية الكرياتين في الشيخوخة تسبب قلة الطاقة ومن ثم الوهنَ. إنّ 95% من الكرياتين الموجود في الجسم يكون مخزوناً في العضل والباقي منه، (5%)، يُخزن في القلب والدماغ. ربما يكون مستحسناً تناول 2-5 غرامات يومياً من الكرياتين في الشيخوخة للتعويض عن النقص الموجود في الجسم، كمساعد في علاج اضمحلال العضل والإعياء والمرض الرعاش ومرض هنتـينغـتـن Huntington’s disease (مرض جيني يصيب الخلايا العصبية في الدماغ، فيسبب تفسخها، ويتميز باختلاج العضل غير الإرادي-غير المُسَـيطَـرِ عليه- بضمنه تشنّـج / تغضّـن الوجه واختلاج عضلته السريع، و يُـؤدّي هذا المرض في النهاية إلى عدم القدرة على استيعاب / معرفة الأشياء، تبدأ بتغيّـر المزاج وتنتهي بالذّ ُهان " البرانويا " ، ويقع عادة بين الـ 35- 50 سنة من العمر.)

فما السبيل إذاً للاحتفاظ بالحيوية في الشيخوخة أو بمعنى آخر، لتأخير وقوعها ؟

إدامة ثابتة لتجهيز الطاقة الخلوية بإدامة صحة الميتاكوندريا، محطات الطاقة في الخلية، قد يكون الجواب. والإدامة تعتمد على شيئين رئيسين: الرياضة البدنية والتغذية الصحيحة (ولا أريد أن أذكر اللامبالاة أو عدم الاكتراث للمصائب لأنَّ ذلك ليس بيسير). فالرياضة تسبب (دخول) الكلوكوز إلى الخلية للاحتراق وتوليد جزيئات الطاقة، وهذا مهم جداً لمرضى السكر، حيث يكون دخول السكر إلى الخلية صعباً، لعدم كفاية الإنسولين أو كفاءتها أو مقاومة الخلية لها، ولكن الرياضة تُـدخِـلُ الكلوكوز إلى الخلية دون توسط الإنسولين، وبهذا لا يرتفع تركيزهما في الدم. ولكن إنتاج الطاقة ليس بدون ثمن، إذ تتولد أثناء تحرر الطاقة ما تُسمّى

 

الجذور الحرّة Free Radicals

أيونات سالبة حصلت على إلكترون أو إلكترونات غير مرتبطة (حرة) وتكون فعالة جداً، حيث أنها ترتبط بأيّ شيء يصادفها، كالبروتين، الشّحوم أو الدنا في الخلية فتسبب تلف الخلية. ولكن توجد في الخلية خميرة تسمى سوبرأوكسايد ديسميوتيس  Superoxide dismutase ( SOD )، تعادل أو تُطفئ هذه الجذور الحرة (الطليقة)، فتتخلص الخلية من شرورها. ولكن بتقدم العمر يتضاءل إنتاج هذه الخميرة، فيكون تلف الخلية أمراً محتوماً، كالعلامات التي تظهر على الجلد مثلاً، فيـتغـضّن، وليست تجاعيد الوجه (علامة الشيخوخة) إلاّ مثلاً على نقصان هذه الخميرة في الجسم. ولذا تستعمل هذه الخميرة كمرهم يباع في الصيدليات لإزالة تجاعيد الوجه. إنَّ براعم القمح Wheat sprout غنية جداً بهذه الخميرة والمواد ضد التأكسد مثل كلوتاثايون بروكسيديس وكاتاليس. وتوجد هذه الخميرة أيضاً في الذرة والصّويا. وقد وجد بعض العلماء أنَّ للخميرة تأثيراً ضدَّ تشوّه الجينات، وهذا يعني أنها تحول دون (تحوّر) الجين السليم إلى جين سرطاني.

وإضافة إلى المواد ضدّ التأكسد المعروفة مثل فيتامينات C  و E و كاروتين التي تقي من التأكسد، توجد مواد ثلاث أ ُخَرُ تلعب دوراً في الشيخوخة (الناجحة) وهي:

 

كارنتيـن Carnitine

وهو من عائلة فيتامين B ولكن تركيبه الكيميائي يشبه تركيب الحوامض الأمينية، فَصُـنِّـفَ كواحد منها، ولكنه لا يدخل في تركيب البروتين. يساعد في نقل الحوامض الشحمية طويلة السلاسل إلى داخل الخلية فتحترق وتنتج الطاقة، وهذا مصدر هام للطاقة في العضلة، وفي الوقت ذاته يساعد على عدم تراكم الشحوم  في الجسم، وبخاصّة في الكبد والقلب والعضلات. فهو يمنع تراكم الشحوم الناتجة عن تعاطي الكحول، ويساعد عمل فيتامينيْ C و E ضدّ التأكسد.

يساعد كارنتين على تقوية الذاكرة والسمع والبصر في الشيخوخة. ولما كان يساعد على إنتاج الطاقة في الميتاكوندريا، فهو يلعب دوراً ضدّ الإعياء / التعب الناتج عن قلة الطاقة في الشيخوخة. ويُعتَـقَـدُ أنّه يساعد على تكوين النواقل الكيميائية، فهو بهذا يساعد على تقليل الكآبة، ويسند عمل الأدوية المستعملة ضد الكآبة التي تزيد من إنتاج النواقل الكيميائية.

يتكون كارنتين في الجسم إذا كان ثمة مقدار كاف من فيتامينيْ B1 و B6 والحامضين الأمينين لايزين وميثايونين. ويمكن الحصول عليه من اللحوم ومصادر المواد الغذائية الحيوانية، ومن طحين الذرة المُشَبَّـع بالحامض الأميني لايزين.

 

لوتيولين Luteolin

مادة طبيعية ضدّ التأكسد موجودة في الأعشاب والخضر مثل الكَرَفْس وزيت الزيتون وإكليل الجبل (روزماري) وسَـيلَـري ( كرفس ذو سيقان طويلة خضراء باهتة)، تؤثر على جهاز المناعة فتقلل الحساسية وتساعد على الوقاية من السّـرطان. وقد اقتُـرحتْ في علاج الربـو.

 

حامض اللايبويك Lipoic Acid

مضاد قوي للتأكسد، وبخاصة مُشتَقّـه R-dihydro-lipoic acid ( R-DHLA

فقد أظهرت الأبحاث الحديثة أنّ هذا الحامض يمنع تآكل الميتاكوندريا، ألزهايمر، تصلب الشرايين والاضطرابات التي تصحب الشيخوخة، وهو يشبه الفيتامينات.

يُصنع طبيعياً في الأنسجة، ويساعد على تكوين ATP بتأييضه الكلوكوز.

وقد عُرف عام 1988 بتأثيره كمضاد للتأكسد يعادل عمل الخميرة CoQ10)) – وهذه خميرة هامة أيضاً في التأكسد- وفيتامين C. ولكنه يتميز بعمله في محيطين، مائي ودهني، لذا دعاه الباحثون بمضاد التأكسد الشامل Universal antioxidant

حيث يعمل فيتامينC  في محيط مائي وفيتامين E في محيط دهني فقط.

 

الاستـنـتـاج

خلاصة القول إنَّ الشيخوخةَ مُحتَّـمة لا ريبَ فيها ولا مَـفَـرَّ منـها، وإنَّ الميتاكوندريا، التي يرثها المرء حسب حظِّه من أمِّه فقط، هي مَربط الفرس. تتشَّوه الميتاكوندريا ويتضاءل أو ينعدم فعلها بتقدم العمر، فتقل الطاقة الخلوية وتموت الخلية وتكون الشيخوخة التي يصحبها الوهن وعدم القدرة على القيام بأعمال فيزيائية كأيام الشباب. ولكن الإنسانَ يستطيع أن يجعلها (حيوية) وأن يعيش نشيطاً خلالها، إذا عرف ما يجب عليه عمله من تنشيط الميتاكوندريا وإدامتها في إنتاج الطاقة والتخلص من (النفايات) الناتجة عن التفاعلات الكيميائية الحاصلة في الخلية، وذلك بممارسة الرياضة البدنية المنتظَمة يومياً والتغذية الصحيحة التي تعتمد على الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة، ، القمح والرز وغيرهما ، وتناول ما يعوِّض عما لا يوجد في الغذاء من مواد مانعة التأكسد وغيرها، والتقليل من تناول النشويات والسكريات واللحوم الحمر والقائمة تطول.

 

عضو متمرس في جمعية الكيمياء الحياتية البريطانية

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد:1821 الأثنين: 18 / 07 /2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1777 المصادف: 2011-07-18 12:51:56