المثقف - ثقافة صحية

العلاقة بين الطبيب والمريض والتقاضي والفصول العشائرية

العلاقات البشرية من الامور المعقدة وتشكل احد المرتكزات المهمة في تطورالانسانية. فمسألة الحقوق والواجبات هي دوما محل خلافات بين البشر وخصوصا في دول العالم الثالث ومدى امكانية ضبط توازنها في حياة البشر، وكانت ولاتزال سببا مهما من اسباب ما عاناه البشر من حروب وخلافات ونزاعات وتجاوزات وجرائم بحق المجتمعات والافراد، لذا وجدت الانسانية أنه من الافضل وضع قوانين لتوفير حدود لعلاقات البشر ببعضهم .

ومن جملة ذلك قيام الشرائع بتنظيم العلاقة بين اصحاب المهن وزبائنهم، وكذلك فيما بينهم، مما ابرز لنا مايسمى بالاخلاقيات المهنية اوالسلوك المهني سواءا في الطب او المهن الاخرى، وبما ان الطب كمهنة يتعلق بحياة البشر لذا سعى الاطباء منذ القدم الى وضع العلاقة مع المريض تحت حماية قوانين وقواعد صارمة لمنع الدجالين ومدعي المهنة وضعاف النفوس من ممارسي المهنة من ممارسة التلاعب بشكل كيفي دون رقيب او حسيب، وقد كانت شريعة حمورابي اول الشرائع التي وضعت العقوبات والغرامات على ممتهني الطب لردع المخالفين ومنع المدعين .ومن الامثلة على وعي الاقدمين من الاطباء بضرورة حماية المهنة والحفاظ على سلوكيات العاملين بها من الدجل والنصب والسلوكيات غير الاخلاقية، قيام ابوقراط المسمى (ابو الطب) بوضع قسمه المعروف بقسم (ابو قراط). وفي اوج تطور الدولة الاسلامية في عصرها الذهبي قام الحكام بوضع شرط قيام كبار الاطباء بأمتحان طلابهم والتأكد من كفاءتهم قبل منحهم الرخصة لممارسة المهنة .وفي العصر الحديث بدأت قواعد السلوك المهني للاطباء تدرس في كليات الطب قبل انهائهم الدراسة، كما اعتبر القسم الذي يؤديه الاطباء المتخرجين بحسن رعاية المريض والمحافظة على سرية العمل ضرورة قبل تخرجه في جميع كليات الطب .

وموضوع العلاقة بين الطبيب والمريض موضوع ذو اهمية بالغة، لكون طبيعة العلاقة خاصة، وتحتاج الى وعي وثقة لدى الطرفين فهي تقتضي السرية ولها حساسية خاصة وفي بعض الاحيان تتعلق بالحياة والموت ونوعية الحياة التي قد يعيشها المريض بسبب طبيعة مرضه، وتحتاج هذه العلاقة الى تبصير وتدريب لتحسين تواصل الطبيب مع المريض وتثقيف كبير للمريض والناس عموما لزرع الثقة في نفوسهم .كما تحتاج الى بناء (نظام صحي رصين) لتعزيز ثقة المريض بالطبيب والخدمة الصحية المقدمة .أن قيام وسائل الاعلام بتناول موضوع الخدمة الصحية بشكل سطحي غير مدروس ودون النظر في المشاكل والمعوقات التي تواجهها الخدمات والمؤسسات والافراد في هذا القطاع يؤدي الى الاساءة للخدمة الصحية والعاملين فيها من الاطباء والملاكات الصحية والتمريضية، وهذا سيؤدي الى نزع الثقة من نفوس الناس والمرضى ويعقد العلاقة ويؤدي الى تجاوزات وشكاوى في غير محلها .صحة الانسان هامة له وللدولة لأن المؤشرات الصحية في أي دولة تحسب بالرجوع الى تفاصيل الخدمات المقدمة للمواطنين وهي تعطي ارقام احصائية عن الوضع العام للصحة والنظام الصحي ومدى تطوره او تخلفه.

يفتقد النظام الصحي في العراق الى مؤسسة محايدة للتقاضي اي يثق فيها المريض والطبيب، فبالرغم من المشاكل التي تحدث يوميا وبشكل اصبح كبيرا لم تستطع وزارة الصحة وبالاتفاق مع النقابات المهنية (اي نقابات ذوي المهن الطبية والصحية) أن تتوصلا الى تهيئة قانون او نظام للتقاضي، يدار من قبل جهة اومؤسسة يستطيع المريض الشكوى اليها ولا يشك بقرارها بكونها تتحيز للطبيب او الموظف في المؤسسة الصحية خارج الوزارة والنقابات، ويتم التقاضي حاليا في حالة وجود شكوى على الخدمة الطبية او الطبيب باحدى الطرق التالية:

1- اللجوء الى الشكوى في وزارة الصحة ودائرة واقسام التفتيش والشكاوى

2- الشكوى في مراكز الشرطة ثم تعرض الشكوى على المؤسسة القضائية

3- اللجوء الى الجهات العشائرية وهي جهات غير متخصصة ولاتدرس مضمون الشكوى او تحقق بها وأنما تلجأ في كل الاحوال الى طلب الفصل او الدية .

وبما أن المؤسسة القضائية تعاني من الضغط الشديد من حجم القضايا والاجراءات القانونية الطويلة ولا توجد محكمة مختصة لحد الآن بالنظر في شكاوى الاخطاء الطبية، فقد اصبح تقديم الخدمة الصحية محفوفا بالمخاطر الناتجة عن ترصد المريض لمقدم الخدمة وعدم فهمه بأن واجبه واجب عناية وليس واجب شفاء وأن الاختلاطات والمضاعفات الناتجة عن تقديم العناية الطبية هي احدى مخرجات العناية الطبية المعروفة علميا .وغالبا ما تنتهي الشكوى بطلب القاضي من المشكو منه باللجوء الى ارضاء المشتكي عشائريا لغلق الدعوى لمعرفة القضاة بدوافع المشتكين في مثل هذه القضايا، اي أن المشتكي يلجأ الى القضاء ليستطيع الضغط على الطبيب، او يتم تهديد الطبيب وابتزازه مباشرة من قبل صاحب الشكوى .

وهذا يعني أنه بدون وجود جهة مهنية متخصصة تنظر في الدعوى العشائرية ومدى صحتها وهل هناك تقصير من الطبيب او اهمال او أن الامر يتعلق باختلاطات ثانوية تحدث بعد الاجراء الطبي عادة اصبح ذلك يشكل خطرا يقض مضاجع العاملين في القطاع الصحي ويجعلهم خائفين من اجراء الكثير من الممارسات الطبية الاعتيادية خوفا من حدوث المضاعفات التي تؤدي الى وقوعهم تحت طائلة التهديد .أن وجود مؤسسة محايدة فيها تمثيل مهني وقانوني وحكومي من الوزارة والقضاء والنقابات كما يمكن وجود وجود تمثيل عشائري لدراسة الدعوى او احالتها الى جهة مهنية محايدة للبت في وجود التقصير او عدمه اصبح امرا ضروريا وقبل احالتها النهائية الى القضاء في حالة وجود تقصير واضح او قبول الطرفين بحل تعرضه اللجنة المختصة وبعيدا عن طرق التقاضي الطويلة او الفصول العشائرية ويمكن تكليف لجنة ممثلة من هذه الجهات يحدد محلها في مكان محايد للبت في مثل هذه الدعاوى .

يتم حاليا وبمجرد حدوث شك بوجود تقصيرالاعتداء على الطبيب او الكادر الصحي او المؤسسة الصحية وقد يتم احداث اضرار بالاجهزة او المعدات ثم يتم توجيه تهديد عشائري للطبيب او الكادر الصحي، كما يتم الشكوى في القضاء وغالبا ماتنصح الشرطة او الجهة القضائية الطبيب المهدد عشائريا بحل الموضوع عشائريا أي الفصل العشائري واعطاء ذوي المريض المبلغ او الدية، اي حتى لو لم يكن هناك تقصير من الطبيب وهذا يعني وفي كثير من الاحيان الخضوع لابتزاز مالي دون وجه حق وفقط بسبب التهديد المباشر .

هذا الموضوع وبهذا الاسلوب اثر على طريقة معالجة الكثير من الحالات المرضية (خوفا من المساءلة غير العادلةعن طريق الفصول العشائرية) فأي حالة مرضية معقدة اصبحت معالجتها في العراق صعبة، لانه لا يستطيع اي طبيب قبول معالجتها، وقد يؤدي ذلك الى السفر الى الخارج للمعالجة وبنسبة اختلاطات وصعوبات اكثر مما لو عولجت في العراق، وحاليا الكثير من الاطباء ينصحون مرضاهم بالسفر خارجا في كثير من الحالات التي يمكن معالجتها من قبلهم لتجنب الدخول في اجراءات وتعقيدات هم في غنى عنها اي مانسميه في لهجتنا المحلية (قطع سبيل المعروف). اصبحت معالجة كبار السن خصوصا في الامراض السرطانية التي تقتضي تداخلا جراحيا كبيرا شبه مستحيلة في العراق لان اغلب هذه الحالات تنتهي بالوفاة او باختلاطات شديدة ويتجنب الجراحون استلامها لكونها تنتهي غالبا بمشكلة وفصل لا يريد الدخول فيه. في اغلب دول العالم يتم اتخاذ اجراءات مساعدة لتخفيف الالم او تحسين الحياة للفترة الباقية من عمر المريض في الحالات الميؤس من شفائها وهي اجراءات معروفة ومثبتة في جميع الدلائل الارشادية للعمل الطبي في جميع الدول، وعندما يسافر المريض لا يحصل على اكثر منها، ولكن بعد صرف اموال وسفر وازعاج لمريض في حالة صعبة والسبب هو الجهل والفصول العشائرية وعدم ادراك الناس الى ما سيسببونه لانفسهم من مصاعب بسبب هذه الاساليب . وحتى هذه ايضا لم يعد الكثير من الاطباء قادرون على النصح بها خوفا من المسائلة.لن تستطيع الدولة منع الفصل العشائري لان الدولة غير قادرة على ذلك في الوقت الحاضر، والاموال تخرج من العراق الى الهند ولبنان والدول الاخرى لعلاج حالات لا تحتاج الى ذلك ومع العلم انه لا فائدة مرجوة للمريض ولكن لا احد يستطيع افهام الناس المقدار المعقول الذي يمكن ان يعملونه لمساعدة مريضهم ودون الدخول في مشاكل. وملخص ما يمكن قوله أن ما يحدث هو (قطع سبيل المعروف) فالعائلة التي تعتقد انها حققت انجازا بأخذها المال على اساس الفصل العشائري من طبيب، منعت الطبيب من محاولة معالجة لمريض ممكن معالجته في العراق وكلفت عائلة اخرى تكاليف علاج لحالة ميؤس منها في المستقبل وارغمت اهله على السفر لمعالجته خارجا مع ان حالته لا تحتاج لذلك وجعلت البلد يخسر اموالا دون موجب. ومن هنا اوجه رسالة لشيوخ العشائر والى القضاء والى وسائل الاعلام بضرورة الاهتمام بهذا الموضوع لأنه اصبح معوقا لتقديم الخدمة الصحية وضرورة تناوله بشكل متأني يقوم على العلم والتوعية للمجتمع ويصب في مصلحة الناس جميعا والا فأن الجميع خاسرون حتى من يبتز الاطباء بدعوى الفصل العشائري، لأنه سيحتاج رأي علمي لنفسه اولمريض من اقاربه في المستقبل وقد يتجنب الاطباء اعطاءه الرأي الدقيق خوفا من الفصل العشائري.

 

د. احمد مغير /طبيب اختصاص وباحث/العراق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4344 المصادف: 2018-07-28 04:09:55