145 حميد الخربوشيقراة في كتاب التجليل في الخط المغربي - المجوهر الجليل أنموذجا

لقد حبا الله تعالى الخط العربي بمكرمات الجمال والقدسية، فكُتبت به الآيات القرآنية بأشكال اتخذت أبعادا جمالية متنوعة بتنوع الخطوط، ومنها الخط المغربي المجوهر الذي اتخذ صبغة جمالية خاصة في المنظومة الخطية المغربية، واتسم بالفرادة لشكله الجمالي وصغر حجمه المطاوع للمظاهر الجمالية من انحناءات وتدويرات وتقويس واسترسال.. وبالرغم من ذلك فقد ظل على مر التاريخ يخضع للبعد الوظيفي المتمثل في الرسائل السلطانية وعناوين الكتب وبعض ما يقتضي السرعة، وظل المجال الفني المرتبط بالتشكيل غائبا، شأنه في ذلك شأن التقعيد والتقييد والضبط.

وإن من أبرز الخطاطين المغاربة المعاصرين الذين اعتنوا بهذين الخاصيتين الغائبتين على مر التاريخ هو الأستاذ الخطاط حميد الخربوشي الذي يرجع إليه الفضل في تحقيق التجليل في الخط المغربي المجوهر ثم وضع أقصى ما يمكن وضعه من هندسة قويمة لتأصيل هذا الخط وإعطائه المكانة العلمية اللائقة به.

ولا شك أن لمركز الكويت للفنون الإسلامية دور في بعث هذا الإنتاج الجديد والجدير بالأهمية: إنه كتاب العصر: " التجليل في الخط المغربي – المجوهر الجليل أنموذجا، الجزء الأول في تأصيل القواعد. إنها بادرة تنم عن حكمة وبلاغة وهندسة وعلمية ومعرفية الأستاذ الخطاط حميد الخربوشي. فقد شكل هذا الكتاب الذي صدّره مركز الكويت للفنون الإسلامية دعما منه لحركة التجديد والتطوير في فنون الخط العربي، وقدّم له الدكتور أدهام حنش عميد كلية الفنون والعمارة الإسلامية بجامعة العلوم الإسلامية العالمية بالأردن، دائرة مهمة في تطعيم مجال التأصيل للخط المغربي المجوهر بالخصائص التي ترفع هذا الخط إلى مصاف خطوط الصفوة ضمن الخطوط العربية التي لها شأن تقعيدي وضوابط محكمة. وبذلك فقد حظي هذا الكتاب بعناية فائقة؛ إذ كان محل اهتمام هذه الرموز بسبب قيمة الكتاب وخصوبة مادته المعرفية وتقديمه مادة جديدة في الساحة الخطية المغربية والعربية.

ولعل في هذا كثير مما يدعو لدراسة محتوى هذا الإنجاز التاريخي، الذي يجمع بين النظرية والتطبيق، وذلك لما يتمتع به المبدع حميد الخربوشي من مؤهلات ثقافية ومعرفية وما يؤهله من قدرات علمية وإمكانات فنية، جعلته يستحضر الأسس الممارساتية إلى جانب المادة العلمية وهو الخطاط المغربي البارع في تجليل المجوهر، والباحث المقتدر الذي خبر حيثيات الخط العربي في مختلف تجلياته واطّلع على العديد من خبايا وأسرار الخط العربي والمغربي. الشيء الذي مكّنه من طرق هذا العمل الإبداعي الخالد بنوع من الموازنة بين النظرية والتطبيق ليقدم صورة استيطيقية جليلة للخط المجوهر المغربي؛ قام من خلالها الباحث حميد الخربوشي بعمليات التفكيك والشرح والتحرير، ليدجج ذلك بالتطبيق العلمي والممارساتي عن طريق مقاربة علمية مَتَحَت من المجال الهندسي مقوماته الأساسية ومن التجليل كل مظاهر الجمال، ليعلن ميلاد باكورة جديدة استثنائية في تاريخ الأبحاث الخطية المغربية. وهي تُحسب لهذا الباحث المجد الفطن النابغ الفذ.

وهو بعمله هذا؛ يقدم خدمة جليلة ليس للخط والخطاطين فحسب؛ وإنما للإسلام والمسلمين قاطبة، بفضل ما تزخر به تجربته العالمة، وخبرته القويمة، وما تتميز به شخصيته من طاقة فاعلة، مكّنته من وضع المسالك الأساسية لهذا الكتاب بمنهجية علمية محكمة، قدّم من خلالها تسلسلا بديعا من المدخل إلى المقاربات التحليلية لنقاد وخطاطين وجماليين من العالم العربي، مرورا بكراس تضمّن تشريح الحروف في حالة الإفراد والحروف المركبة بمنطق الشكل الهندسي المربع / المعين. ومعرّجا على تقييم استشرافي طرح من خلاله بعض البدائل المنهجية لتدليل الصعاب وتجاوز بعض إشكاليات التقعيد في الخط المغربي.

وقد اعتمد في استشرافه لعملية التقعيد على مقاربة جديدة، ومعايير جديدة، بغية الكشف عن حجب الجمال المخفي في الخط المغربي المجوهر، والذي لا يساعد القلم الدقيق العادي ذي السن الواحد من الإفصاح عنها. وهو جانب يؤسس لرؤية جديدة في التفاعل مع الخط المغربي المجوهر بل وإنها في الوقت نفسه رؤية فنية تتقاطع مع تكوين التجليل في مساحات علمية تمكّن الخط المغربي من الاستيزاد في قوته الجمالية وتؤهله للممارسة التقعيدية؛ إنها دراسة علمية حققت ضرورة حتمية لطالما تطلع إليها المغاربة منذ عقود.

إن ما أسفرت عنه جهود الخطاط الأستاذ حميد الخربوشي من تحقيق لأهداف تنظيرية علمية وتطبيقية على الخط المغربي المجوهر؛ هو مؤشر عن التعبير الجمالي الذي يخضع لسلطة الضبط والتقييد ويُمأسس لجمال الحرف ويُخضع الممارس لضبط ذلك الجمال بمقاييس علمية وسلطة هندسية تسمح بإنتاج المعنى الجمالي للحرف المجوهر. إنه بناء عملي في غاية التميز، ولا غرابة في ذلك فالخطاط الأستاذ حميد الخربوشي يعي جيدا معنى الصور الجمالية والأشكال الخطية والتركيبات الفنية لذلك أخضع الموضوع برمته إلى نسق جمالي متكامل عن طريق الدراسة والتفكيك والتشريح ثم التحرير في ارتباط وثيق بالأسس الجمالية وما تكتنزه المادة التراثية المغربية من مقومات حضارية تؤثر في فعل التقعيد. وهو أمر في غاية الأهمية. يقول حميد الخربوشي: "وحينما نتكلم عن مسألة التقعيد فإننا نتكلم عن تجميع وحصر كل الصور والأشكال الخطية (المتوفرة في المرسوم الخطي المجوهري) ضمن برنامج نسقي يسمح لها بإنتاج المعنى الجمالي ويفتح أمامها باب التنوع والإبداعية في ذات الوقت"[1] إن الرجل يشتغل وفق الشروط العلمية والموضوعية الصرفة، وهو ما يتيح له أن يجسد الفعل التقعيدية بمرونة وحنكة ومراس يستحضر كل الأساليب الجمالية في الخط المغربي المجوهر؛ لأن تحديد سمات الجمالية في الخط المغربي المجوهر لا تتحدد في الشكل العام فقط، وإنما في مختلف الأساليب ليستخرج الباحث أقصى ما يمكن الحصول عليه من المعاني ويحققه من أنواع الجمال.

وليدخل الأستاذ الباحث والخطاط الأنيق حميد الخربوشي في صلب المادة التقعيدية تسلح بعُدة من المستلزمات الأساسية وتمكن من سبر حروف العديد من الكتب والمؤلفات، لأنه أمام بحث علمي يعتمد المنهج الشكلي لتفعيل أهم خطوات هذا الإنجاز الذي ينهال على التجليل دراسة وبحثا لترشيد الرؤية البصرية والحسية نحو الجمال المجوهري المغربي. إنه تفاعل يأخذ بعين الاعتبار تبسيط الطريق والأخذ بالمسلك المنهجي والبيداغوجي الذي يسهل اكتسابه. وليزيد من التبسيط رام المؤلف استجلاء بعض المفاهيم لمعالجة بعض الالتباس كما هو الحاصل في مفهوم الخط الذي يقترن بمفهوم الكتابة. وقدّم بعض المعارف حول ماهية المجوهر وخصائصه مسترشدا بسيل من الوثائق التي يستشهد بها، والتي تغذي المجال المعرفي والعلمي والتاريخي. وهي وثائق متنوعة؛ لكنه ركز على مخطوطات الفترة العلوية لما حققته هذه الحقبة التاريخية من تطور في فن الخط. فرسم تنظيريا ومعالجة قوامة السطر في المجوهر، ووضعية الحروف في مفصولها وموصولها، ومبادئ تكوين العمل الخطي الإبداعي. ثم طرق بحنكة وعلم باب الكتلة الحبرية حيث يهيمن الحبر الأسود على البياض الذي يشكل فيه المجوهر العادي نسقا كتابيا مبنيا بناء سطريا دقيقا.[2] والمؤلف يعطي بذلك المعلومات الخطية الوفيرة المتكاملة التي تمتد حد صياغة مكونات تجربة مجوهرية مغربية عربية تنبئ بفلسفة خطية ذات بعد تاريخي عريق، يعتمد الخط المجوهر الدقيق الذي تهيمن عليه الأحبار بسوادها الحالك، وهو ما يثير الدهشة في المؤلف وهو لا يخفي إعجابه بالرغم – حسب قوله – أن المخطوطات لا تتوفر على أدنى شروط التجليل المعروفة بحسن التشكيل في الخطوط العربية العريقة التي نالت حظها من النمو والتطور.[3] وقد رصد إشكالية التجليل في الخط المغربي وبين بعض الإشكالات التي طالت الأقلام وأشكالها.

وبذلك تتبدى خبرة المؤلف الفردية ومراسه الخطي في المجوهر، التي تشكل رؤية إنتاجه المعرفي والفني، ليرسخ لها مكانا لائقا ضمن خارطة الخط العربي في العالم الإسلامي؛ فقد دلل طرحه بالبحث في الآلة الفاعلة على حد تعبيره. وقد رسم لها الشكل الهندسي الذي كانت عليه، وأعزى كتابته الدقيقة إلى النساخين والخطاطين الذين لم يستحضروا مفهوم التجلية بما هي عليه حاليا. والأستاذ حميد الخربوشي يريد أن يبرر هذا الحلقة المفقودة في تاريخ الخط المغربي عموما وليس في المجوهر فحسب؛ ولذلك قدم مشهدا نظريا رائقا حول كيفية انتقال الحروف من دقيقها إلى جليلها مستعينا بتشبيه لتقريب القارئ من الصورة التي يحسها المؤلف ويريد نقلها بكيفية يتشربها الخطاط أو القارئ بنفس الكيفية. وهو يمهد للدخول في الأشكال الهندسية المتنوعة التي تتقيد بالمقاييس الدقيقة والضوابط العلمية اللائقة. فرسم صورا هندسية وأخرى تقريبية ليمكّن القارئ من قراءة حروف المجوهر بشكل مبسط يسهل تناوله. فتناول عددا من الحروف مفردة ومركبة ووضعها في موازين وقياسات تخص المجوهر الجليل، ثم ركب كلمات غاية في الجودة والجمال، وهي تفصح عن عبقرية المبدع الباحث حميد الخربوشي الذي يرجع له الفضل في السفر جليا بالخط المغربي المجوهر نحو آفاق علمية ومعرفية وفنية جديدة. وهذا ينم عن حسه الفني وثقافته العلمية التي شكل بها حيزا مهما في الوضع الحروفي المغربي وألبسه قيمة جمالية جديدة لتعد بنية خطية متكاملة رائدة في الظرف الراهن، وإذا كان تصوره العميق يقوم على هذه الأبحاث والصياغة الرائقة عن علم وخبرة، فإنه كذلك فتْح علمي وفني ارتشف من التراث الحضاري المغربي، وأخذ منحاه من محيطه الجغرافي المغربي الأصيل. ولأن الباحث أدرك مجمل المقاصد الجمالية التي تلف الخط المغربي، ولأن الخط المغربي كذلك « يتمتع بإمكانات هائلة وأسرار وجماليات غير متناهية، بما حمله بأشكاله الحروفية ورموزه الإيحائية من مضامين عميقة »،[4] جعلت منه بؤرة خصبة للتناول بطرق إبداعية بحثة.

ولقد أبدع الأستاذ الباحث حميد الخربوشي بخاصة في مجال دراسة الخط المغربي المجوهر؛ وهذا من نباهته وحنكته وخبرته؛ فقد أحاط بكل جوانب الخط المغربي المجوهر من الدقيق إلى التجليل وأبرز جمالية هذا الخط في سبق تاريخي، حقق خلاله الباحث نتائج مهمة لما يمتلكه من مفاهيم جمالية متعددة، جعلته يحظى بالأولوية في تدبير شأن الخط المغربي المجوهر. ولا غرو في ذلك، فهو الباحث المتمرس، والممارس الفذ الذي يقدم بين الحين والفين أعمالا مجوهرية غاية في الإبداع والجمال. بل ويسهم في تعميق صيغ الجمال وتجديده في مختلف أعماله. بمنطق يرتكز على الجمال المغربي في أصوله وتقنياته. حيث يغيّر في كل حين في المقاييس الجمالية والبلاغية، قياسا بالمعاينة البصرية التي تعتمد الواقع المرئي للكلمات والعبارات والنصوص التي يعالجها الخطاط حميد الخربوشي، مخصصا بذلك مساحة جمالية من الأعمال ومن الدراسة العميقة في مكونات الحرف المغربي المجوهر والتي رامت إثبات جمالية المبنى والمعنى، في كتاب مغربي فريد.

 

د. محمد البندوري

...............................

[1] التجليل في الخط المغربي، حميد الخربوشي، ص 21

[2] التجليل في الخط المغربي، حميد الخربوشي، ص32

[3] نفسه، ص 34

[4] د. محمد البندوري" جماليات الخط المغربي في التراث المغربي – دراسة سيميائية ". منشورات مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال، المطبعة والوراقة الوطنية- مراكش. 2016، ط1. ص: 113.

 

 

عبد الجبار نوريصدر للباحث أحمد علي الربيعي كتاب "مكرم الطلباني" ودورهُ السياسي والفكري في العراق 1923 – 1979 ورؤاه السياسية والأقتصادية في الأصلاح الزراعي في العراق ب480 صفحة – بغداد 2008، وهو كتاب قيّمْ وثر وثري بمجمل مواده ومدونات الكاتب والباحث المتألق أحمد الربيعي في تدوين منجزات الوزير الشيوعي الأسبق " مكرم الطلباني مواليد 1923، وسوف أكتب في أحدى مفاصل البحث وهي منجزات الأستاذ مكرم في الأصلاح الزراعي في العراق .

هو مكرم شيخ جمال الطلباني أكاديمي عراقي 1923 ولادة كفري من كركوك، هو وزير الري الأسبق، وقيادي بارز في الحزب الشيوعي العراقي نال شهادة الحقوق من بغداد عام 1946، مارس مهنة المحاماه في مدينة كركوك وكان من ضمن فريق المحامين العراقيين للدفاع عن الزعيم الشيوعي يوسف سلمان يوسف الملقب (فهد) ورفاقه زكي بسيم وحسين الشبيبي في العام 1947، تعرض في العهد الملكي للسجن والنفي والأقامة الجبرية، وبعد أعلان الجمهورية الأولى 1958 عين مديرا عاما في دوائر الدولة حتى مجيء أنقلاب شباط عام 1963 أعتقلته قوات الحرس القومي وحكمت عليه بالسجن ل3 سنوات ثم بعد مفاوضات ميثاق العمل الوطني الجبهوي بين الحزبين البعث والشيوعي عُيّن وزيرا للري مع السيد عامر عبدالله وزيرا بلا وزارة سنة 1972، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه من الأتحاد السوفييتي في العلوم الأقتصادية في رسالته (الأصلاح الزراعي والتطورات الأجتماعية في الريف العراقي 1973) ولهُ رسالة دكتوراه ثانية في موضوع (أزدواج الملكية في بلاد الرافدين) أيضا من الأتحاد السوفييتي 1975، مكرم الطلباني حالة خاصة لها ظروفها الأستثنائية شيوعي صادق وشجاع.

الأصلاح الزراعي Agrarain Reform هو مجموعة من الأجراءات التشريعية والتنفيذية التي تقوم بها السلطات العامة لأحداث تغيرات أيجابية في الحقوق المتعلقة بالأراضي الزراعية من حيث ملكيتها وحيازتها والتصرف بها، لينجم عن هذه التغيرات ألغاء أحتكار الأرض الزراعية أو تقليصه وضمان توزيع أكثر عدالة في (الثروة والدخول) ويتم ذلك عن طريق رفع حد أعلى للملكية الزراعية الخاصة، ولا يجوز تخطيه، والأستيلاء على ما يتجاوز هذا الحد من أراضٍ وتوزيعها على فقراء الفلاحين المستحقين وفقا لشروط وأوليات تختلف بأختلاف الأوضاع السياسية والأقتصادية والسكانية والأجتماعية لكل بلد، والأصلاح الزراعي بهذا المفهوم المحدد الأكثر شيوعاً والذي يركز على توزيع الأرض Land diatribation reform أي على تحقيق العدالة وفتح الطرق أمام تحرير الفلاحين أقتصاديا وأجتماعيا وسياسيا والتقليل من سطوة الأقطاع والشبه أقطاع أو العمل على أضمحلاله، وكذلك يعني فلسفة الأصلاح الزراعي بمعالجة سوء توزيع الثروة في الريف بما في ذلك الأراضي الزراعية التي تعتبر من عناصر الأنتاج الرئيسة ومصدر المعيشة والرزق، وتطور مفهوم الأصلاح الزراعي أخذ ينحو بأتجاهين الأول / مفهوم الأصلاح الزراعي القديم الذي يؤكد على أعادة توزيع حقوق التصرف في الأراضي الزراعية ويقصد هنا تطبيق قانون رقم 30 لسنة 1958، والثاني/ المفهوم الأصلاحي الحديث المعولم العصري الذي يتضمن أعادة بناء أقتصاد المجتمع الريفي بكامله لتحسين وضع الفلاحين ورفع مستواهم المعاشي وتغيير العلاقات الأنتاجية .

عالج الكتاب مواقف مكرم الطلباني الفكرية والسياسية من قيام ثورة 14 تموز 1958 لاسيما من قانون الأصلاح الزراعي في العراق رقم 30 للعام 1958، فكان دورمكرم الطلباني المهني صار واضحاً عند أستلامه حقيبة وزارة الري والنقل 1972- 1979

- برزت مهنية وزير الري مكرم الطلباني في معالجة شحة مياه نهر الفرات وأنجاز المشاريع الأقتصادية لتهيئة الزراعة بشكلٍ أفضل في العراق، فضلاً على أصراره على تنفيذ أكبر مشروع (الثرثار) في الشرق الأوسط، والذي يؤدي إلى درأ خطر الفيضانات عن حوض نهر دجلة يمكن تفريغ قسم كبير من المياه في بحيرة الثرثاروتغذية نهر الفرات بالكميات المطلوبة من المياه من هذه البحيرة وانجز المشروع سنة 1976 بفضل الجهود المضنية لمكرم ومساعدة الأتحاد السوفييتي ودوره في أيجاد الحلول لأزمة مياه الفرات الذي لعب دور الوسيط بين العراق وسوريا وتركيا خلال علاقته الوطيدة مع الرئيس التركي سليمان دمرل والرئيس السوري حافظ الأسد، وأقامة التعاون الأقتصادي مع البلدان الأشتراكية ولا سيما مع الأتحاد السوفييتي خلال دوره في جمعية الصداقة العراقية – السوفيتية، ومن الملاحظ أن مكرم الطلباني لم يركز على التجربة السوفيتية والبلدان الأشتراكية في تطوير القطاع الزراعي بل مع دول أوربا وبالأخص مع فرنسا

- وضع الوزير منهاجا تشمل خطة شاملة لمشاريع مهمة لعام 1973 – 1974 مستنداً على ناحيتين مهمتين في مجال الري ومشاريع (التخزين) للزراعة والوقاية من الفيضانات والتغلب على التقلبات المناخية في المناطق الزراعية التي تعتمد على الأمطار، أستخدم مكرم مركزاً للبحوث المائية في وزارة الري، معتمدا في أنجاز المشاريع الأروائية على بناء السدود والنواظم وعلى الشركات الأجنبية والمقاولين المحليين العراقيين، ونفذ مشروع ناظم الكسارة وممر للملاحة على نهر دجلة ضمن محافظة ميسان الذي يضمن الملاحة بين بغداد والبصرة، كما عمل على تبطين بعض قنوات المشاريع الأروائية منها مشروع الأسحاقي ومشروع ضخ الرزازة ومحطة ضخ البزل رقم 2 لمشروع بزل الحلة – الديوانية .

- قام بأنشاء مديرية عامة للدراسات والتصاميم تأخذ على عاتقها أجراء الدراسات والبحوث والتحريات ووضع الخطط العملية للري وأعطاء الأولويات لغرض أعادة تنظيم الري وأنشاء شبكات البزل والمشاريع الزراعية بتطبيق المزارع الكثيفة Plantaion والمطبقة في دول الغرب بنجاح والتي تعتمد تهيئة مستلزمات الزراعة الحديثة في البذور المحسنة والمكننة الزراعية والأسمدة العضوية والكيمياوية والري بالتنقيط، أقام مشاريع ضخمة للري بتنفيذ مشترك مع شركات روسية وخلق فرص عمل كبيرة للعاطلين

- أن سوء توزيع الأرض الزراعية وسوء أستغلالها كانا يؤلفان عشية صدور قانون الأصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958نموذجاً سيئا صارخا للأقطاع وجشعه وقصوره حيث كان 2% فقط من الملاك يملكون 68% من الأراضي الزراعية، كان شخصان في العراق تجاوزت حيازة كل منهما مليون دونم عراقي (الدونم =2500 م2 ) وأسر المستشيخة والبارزةفي أستغلال الأرض والفلاح وامتصاص جهوده وما سموهم بالشبه أقطاعي هم : عائلة الجاف والشيخ محمود البروزنجي وعائلة آل ياسر والفرحان والأمير والجلبي وعائلة الملك المزاح وعائلة القصاب والياور والخضيري وأل مرجان وآل جريان والسهيل والدنبوس في الكوت وعائلة الشيخ عريبي والشيخ مجيد لبخليفة في لواء العمارة .

وأعتدّ القانون نموذجا أيجابياً لأحدى مكتسبات ثورة 14 تموز 1958 الذي وضع الحد الأعلى للملكية الزراعية قدرهُ الف دونم في الأراضي المروية وألفي دونم للأراضي المطرية، ونصّ توزيع الأراضي ابمعدل 30- 60 دونم للأسرة في الأراضي المروية ومثليها في الأراضي المطرية، وشمل القانون 2400 مالك بلغت مساحة الأراضي والخاضعة للأستيلاء 26/11 مليون دونم أي نحو 7-48 من أجمالي المساحة المزروعة البيانات، وتعثر القانون في السنوات الأولى نتيجة بعض المشاكل الناجمة عن نقص البيانات وقصور في التخطيط وفي خبرة الأجهزة، وفي 1970 ألغي القانون من قبل أنقلابيي 63 وحلّ محله قانون في الأصلاح الزراعي رقم 117 لسنة 1970، الذي جعل الحد الأقصى للملكية الزلراعية بين 40-2000 دونم وذلك باختلاف أنتاجية الأرض ومصدر الري، والقانون الجديد من سلبيات وأستلابات انقلاب 63 الذي ألغى جميع فقرات قانون الأصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 وما تبعه من قوانين مكملة بشكل ملاحق، فأنصبت جهود الوزير مكرم الطلباني على التعامل مع القانون الجديد بالأهتمام بعناصر الزراعة الري والتربة والاسمدة والمكننة والأدارة والخبرة الزراعية الحديثة، وأصبح الوزير مكرم مكبل الخطى محبط ومحدد بالقانون التعسفي والثأري لحكومة البعث حتى نُقل وزيرا لوزارة النقل .

وأخيرا / أن الثلاثين من أيلول ذكرى صدور قانون الأصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 ندعو الحكومة العراقية الجديدة أن تعيد العمل بالقانون التقدمي المذكور وتطبيقه على الريف الزراعي، والوقوف وقفة جادة في دراسة وضع الريف العراقي وما يعانيه من سلبيات مدمرة حيث تلازمها الهجرة المستمرة إلى المدن، وأن الريف العراقي هش وأبعد من قاموس حكومات ما بعد 2003، ونحن بحاجة لوزير كشخصية مكرم الطلباني في أخلاصه وصميمية عراقيته وخبرته العلمية في حقل الزراعة .

 

عبد الجبار نوري - كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

..........................

هوامش ومصادر

صلاح وزان – الأصلاح الزراعي – الموسوعة العربية

كتاب مكرم الطلباني –أحمد علي سبع الربيعي –رؤى الوزير في الأصلاح الزراعي

مكرم الطلباني –الأصلاح الزراعي في الريف العراقي 1973

مذكرات باقر أبراهيم – مقالات في مجلة الثقافة الجديدة وطريق الشعب 78 – 79

مجلة دراسات في التأريخ والآثار- دور مكرم الطلباني في وزارتي الري والنقل

 

حاتم حميد محسنتتطلب الفردية الليبرالية انحلال الثقافة، وعندما تضمحل الثقافة تدريجيا يتآكل العملاق وتختفي الحرية المسؤولة. (من كتاب لماذا فشلت الليبرالية، للكاتب باتريك دينين، ص 88).

كتاب باتريك دينين شديد التشاؤم، اطروحته باختصار تؤكد على التالي:

1- الليبرالية هي فلسفة استخدمها الغرب لبناء المجتمعات.

2- لا يمكن الحفاظ على ديمومة الليبرالية لأنها تقدّس الفردية التي تُضعف القيم الثقافية والاخلاقية المطلوبة لكي يعيش الناس مجتمعين بانسجام.

3- حاجتنا لمثل هذا الانسجام يقود الناس للسماح بتعاظم سلطة الحكومة والمؤسسات الاقتصادية الكبيرة الحجم.

4- الحكومة والمؤسسات الاقتصادية الكبيرة الحجم تُضعف الحرية الفردية التي تزعم الليبرالية انها جاءت لترسيخها.

لكي نوضح، سنستخدم موقفا افتراضيا نلجأ فيه لطلب مساعدة اليد القوية للحكومة.

لو كنت تعيش في الطابق السادس من بناية ذات 15 طابقا في وسط مدينة كبيرة. كان لديك موعد في الصباح الباكر ليوم غد، لذا انت بحاجة لنوم كاف قبل ذلك الموعد. احد الجيران كانت لديه حفلة، والموسيقى الصاخبة تنطلق من بيته. انت حاولت النوم لكنك لم تستطع، واخيرا اتصلت بالشرطة. قبل 200 سنة لا يمكن ان تحصل مثل هذه المشكلة. الناس بدلا من ان يعيشون متلاصقين الى بعضهم، كانوا في السابق يعيشون في القرى في بيوت منفصلة عن الجيران. كل واحد يعرف الآخر بحيث ان جارك على اطلاع باهمية الموعد لديك، وانت ايضا تكون على دراية بالحفلة المخططة بحيث انكما تستطيعان التفاوض على تسوية معقولة. اخيرا، اذا فشلت كل تلك الجهود، فانت تعرف معظم الحاضرين في الحفل، تستطيع طرق الباب والطلب منهم خفض صوت الموسيقى.

النقطة هنا في هذا المثال هي ان المجتمع قد تطور، اصبحنا في حالة متزايدة من الاعتماد المتبادل، واصبحنا اقل حجما(ذرات منعزلة). اصبحنا اكثر اعتمادية لأننا اكثر تخصصا ضمن وحدات اجتماعية كبيرة مثل المدن والاسواق العالمية والمباني العملاقة. نحن اصبحنا اصغر حجما لأن الروابط الاجتماعية في القرية والعائلة جرى استبدالها بعلاقات اضعف واكثر تباينا خلقتها ارتباطاتنا المهنية وعاداتنا ومصالحنا.

لذا، نحن نستدعي البوليس للتعامل مع الصوت الصاخب في الحفل . في هذا الشأن الكاتب ليس اول من يقترح بانه عندما تضعف المؤسسات الثقافية فان الحكومة تميل للتوسع لتلبية الحاجات الاجتماعية.

لكن ما يريد المؤلف قوله هو اننا نستدعي البوليس لأن الليبرالية فشلت كفلسفة. الليبرالية تتجاهل بالضرورة القيم والمؤسسات الثقافية التي يمكنها ان تساعدنا لنعيش بانسجام.

يذكر المؤلف ان الليبرالية تصورت الناس كافراد ذوي حقوق يستطيعون متابعتها لأجل الحياة الجيدة... ويضيف، ان الليبرالية جاءت لتعزز مساواة اكبر ولكي تدافع عن النسيج التعددي لمختلف الثقافات والعقائد ولحماية احترام الانسان وتوسيع الحرية (ص3). ما يعارضه المؤلف هو ليس هذا المبدأ الشمولي والمهم لليبرالية وانما الطريقة التي طورتها الليبرالية في تفسير وتطبيق ذلك المبدأ. هو يكتب: حاجتنا الى الليبرالية تكمن في استمراريتها بالالتزام العميق بالتقاليد السياسية الغربية وخاصة الجهود لضمان احترام وحرية الانسان من خلال كبح الاستبداد والحكم الاوتوقراطي والقمع. في هذا الشأن تُعتبر الليبرالية مرتكزة على الالتزامات السياسية الضرورية التي طُورت عبر قرون في الفكر الكلاسيكي والمسيحي وتطبيقاته. غير ان ابتكارات الليبرالية حالت دون بلوغ التزاماتها المعلنة(ص19).

طبقا للكاتب، الفلاسفة الكلاسيك ركزوا على اهمية الاخلاق. الافراد يجب ان يمتلكوا فضيلة الكبح الذاتي لكي يعملوا جيدا في العوالم الفردية. هم يجب ان يمتلكوا فضيلة مدنية لتكون لديهم جاليات مزدهرة.الليبرالية كما يرى المؤلف لا تحترم هذه الحاجة للفضيلة.

ان التأكيد الكلاسيكي والمسيحي على الفضيلة وغرس قيود الذات اعتمد على تعزيز المعتقدات والهياكل الاجتماعية المنظمة بكثافة من خلال الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعائلية. ما اُعتبر كدعم جوهري للتدريب على الفضيلة – ومن ثم كشرط مسبق للتحرر من الاستبداد- نُظر اليه كمصدر للقمع والاوتوقراطية والتقييد(ص25).

أعداد متلاحقة من المفكرين في العقود والقرون الماضية كانوا يعيدون تعريف الحرية كتحرير للانسان من السلطات القائمة وانعتاق من الثقافة والتقاليد العشوائية وتوسيع لسلطة الانسان وسيطرته على الطبيعة من خلال التقدم العلمي والازدهار الاقتصادي (ص27).

يقول المؤلف ان الليبرالية ابتعدت عن القيم الكلاسيكية والمسيحية. ما كان جديدا في هذا الاساس الفاشل في تقييم المؤسسات والمجتمع والعضوية في الاتحادات وحتى العلاقات الشخصية اصبح خاضعا لإعتبارات الخيار الفردي المرتكز على حسابات المصلحة الذاتية وبدون اعتبار اوسع لتأثير خيار الفرد على الجماعة، والتزاماته نحو النظام ومن ثم نحو الله(ص33).

يرى الكاتب ان الديمقراطيات الغربية هي في مأزق ترزح فيه تحت اللامساواة المتزايدة وفقدان الثقة في الحكومة وتفكك النسيج الاجتماعي وانقسامات سياسية حادة. سبب هذه الكوارث برأي الكاتب هو الحداثة ذاتها. صعوبات اليوم هي نتيجة حتمية للافكار المعيبة لمفكرين مثل ميكافيلي وفرنسيس باكون وهوبز وديكارت وجون لوك الذين وضعوا دعائم التنوير والديمقراطية الليبرالية الحديثة. هؤلاء المنظرين يرى الكاتب انهم رفضوا الجهود الكلاسيكية والمسيحية الرامية لتعزيز الفضيلة وبدلا من ذلك بنوا نسختهم العلمانية للسياسة على رؤية عملاقة للفرد المتحفز بالفخر والانانية والجشع والبحث عن المجد. وعلى هذا الاساس تنامت قوة الديمقراطيات الغربية وتعاظمت ثروتها لكنها ايضا شهدت النتائج المدمرة للمصلحة الذاتية. الروابط الاجتماعية والقيم التقليدية اختفت، والمواطنون يشعرون مهددين من تنامي قوة الدولة. الكاتب يرى بضرورة العودة الى الوحدات الصغيرة كالعائلة والكنيسة والجاليات المحلية. حماية عالم الحياة الخاصة والمجتمع المدني هذا هو بالضبط ما سعت اليه الليبرالية .

يرى الكاتب ان ايمان الليبرالية بالسوق الحر وبالحكومات الدستورية وبالعلم قادنا للتسامح وحتى تشجيع سلوك المصلحة الشخصية الخالصة من جانب الافراد. نحن نثق بان التكامل الاقتصادي سيأتي من الحوافز التي تعمل في السوق الحر. اما التكامل السياسي كما يرى البعض سيتم ضمانه بفصل السلطات ...

في ادّعائه بفشل الليبرالية يشير الكاتب الى عدة ظواهر:

1- زيادة تركيز السلطة السياسية لدى موظفي الوكالات الحكومية غير المنتخبين.

2- لا مساواة اقتصادية حادة

3- هبوط في نسبة طلاب الجامعات الذين يدرسون العلوم الليبرالية وهبوط حاد في نوعية تلك الكورسات.

4- التكنلوجيا تهدد لتكون سيدا علينا بدلا من خادم لنا.

5- الكوارث البيئية.

اشار الكاتب الى ان نجاح حملة ترامب الانتخابية وخروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي كعلامة على ان النظام الليبرالي فقد اعجاب الرأي العام . لكن هذا الانتصار لم يأت ضمن نقاط الفشل التي حددها الكاتب اعلاه، حملة ترامب وبريكست بُنيت على مسائل الهجرة .

في كتاب "فضائل البرجوازية"للكاتبة Deirdre N.McCloskey الذي نُشر عام 2006 تشير فيه : ان نوعية الحياة الحالية هي افضل من حياة اجدادنا . المرأة الفلاحة االايرلندية التي كانت تحرث لزراعة البطاطا عام 1805 او الفلاح النرويجي في عام 1800 او البنت الامريكية لفقير انجليزي عام 1795 كلهم عاشوا حياة قصيرة وقاسية واكثرهم لا يستطيع القراءة . الكاتبة رفضت الأدّعاء بان الليبرالية اضعفت الشخصية الانسانية. فهي تقول ان العرق الانساني مليء بالعيوب الاخلاقية ولكن هذا حصل ايضا ايام الكلاسيك الاغريق واوربا المسيحية.

بناء على ما تقدم لا نستطيع الاعتراف بان الليبرالية فشلت لكنها بالتأكيد تبدو تمر بمشاكل صعبة ونحن لانزال بامكاننا التساؤل عن سبب ذلك. المركز السياسي يبدو ضعيفا في العديد من الدول الغربية. الاحزاب التقليدية الكبيرة اصبحت غير قادرة على تكوين تحالفات في المانيا وايطاليا.

الناخبون يكثفون باستمرار دعمهم للاحزاب الجديدة وللحركات الصغيرة . بعض مقترحات الكاتب للاصلاحات ربما مفيدة. فهو يرغب ببناء حكومة جاليات ومؤسسات وسيطة اخرى لتقليل حجم السياسات المقررة في مستوى الحكومة المركزية . نجاح الدول الصغيرة مثل سنغافورة او الدول الاسكندنافية يبين ان الحكومة لا تحتاج الى دوائر انتخابية كبيرة الحجم لكي تكون فعالة. سويسرا ذات الـ 8.4 مليون شخص لها نظام فيدرالي تناط به المسؤوليات في مستوى الادرات المحلية (الكانتونات) والذي هو مشابه لما في الولايات المتحدة.

افكار الكاتب ليست كلها جيدة . هو يفضل الاقتصاد المحلي وهو امر يبدو اكثر كلفة مقارنة بالفوائد، لاننا حاليا نعتمد بكثافة على التخصص والتجارة. في الاقتصاد المحلي ربما سنعود الى استخدام الاشياء البدائية القديمة.

ان الخوف الرئيسي على مستقبل الليبرالية يكمن في ميول خطاب الرأي العام. يبدو اننا نصبح اقل تسامحا مع من لا نتفق معهم. الناس يتحدّون خصومهم، يسخرون من ذكائهم ويتجاهلون حقهم بالاستماع اليهم. من الصعب القبول بهذا السلوك السياسي المتضاد مع قيم الليبرالية. الكاتب يتهم المدافعين عن الليبرالية بمحاولة حل مشاكل الليبرالية بمزيد من الليبرالية. نعتقد انه لو جلبنا الليبرالية الحقيقية للنقاشات السياسية عندئذ سنكون اقل خوفا من المستقبل.

 

حاتم حميد محسن

...................

كتاب لماذا فشلت الليبرالية للكاتب Patrick J. Deneen (استاذ الفلسفة السياسية في جامعة نوتردام)، صدر عن مطبوعات جامعة يال، 2018.

 

 

134 صبري الفرحانصدر حديثا ضمن اصدارات دار المحجة البيضاء للطباعة والنشروالتوزيع بيروت لبنان يحتوي على 134صفحة من الحجم المتوسط (1)

حدث التغير في العراق وبقيت البلدان العربية تحت اشراف الادارة الامريكية وبفسحة من الديمقراطية صعد الاسلاميون على راس السلطة بانتخابات حرة، ولم تستقر الاوضاع في تلك البلدان لدرجة بدأ جمهور الاسلاميين يتمنى عودة الدكتاتوريات للحكم، للماساة التي عانها الشعب،لفشلهم، او لفخ نصبه لهم صناع السياسة العالمية، ام لتقاطعهم مع العلمانيين او بعضهم مع البعض

بداية يطالعنا عنوان تمهيد وتحته ثلاثة مواضيع المدخل والمقدمة والحركات الاسلامية قبل حركة الاخوان المسلمين وحزب الدعوة الاسلامية .

بعد التمهيد تاتي تسعة فصول واهديت الكتاب الى روح والدي رحمة الله رحم الله من قراء له الفاتحة ولمن مات على الايمان من ادم عليه السلام الى قيام يوم الدين ذلك الاب الذي احدودب ظهره ليس بعملة الشاق كنجار بل اجراء اعتقال ولدية واقاربة واصبح يخاف الناس حتى بالقاء التحية عليه

ونلخص ماذكر بين دفتي الكتاب بما يلي

. 1- جماعة الاخوان المسلمين مصر1928 بامانة حسن البناء ومنظرهم المفكر الاسلامي الاديب المرجع سيد قطب

2- التيار السلفي الذي نشط لمراوحة الاخوان نتيجة لتقاطعهم مع عبد الناصر ودمويته السلفية منحدرة من افكار شيخ الاسلام المجدد بن تيمية الا انها ليس تجديد بل اسوء صورة للاسلام وابشع فهم له وتبناها الشيخ محمد عبد الوهاب وعرفة بالوهابية وجددها بن لادن فعرفت بالسلفية وهي لم ترقى الى مذهب اسلامي رغم وصول تعداد المذاهب الاسلامية الى 52 مذهبا واختصرها الخليفة العباسي باربع وثبت الامام جعفر الصادق علية السلام مذهب اهل البيت وعرف باسمة المذهب الجعفري كمذهبا خامسا .

3- حزب الدعوة الاسلامية العراق 1957بامانة صاحب دخيل ومنظرهم المفكر الاسلامي الفيلسوف المرجع محمد باقر الصدر .

4- التيار الصدري الذي نشط لمراوحة حزب الدعوة لتقاطعة مع حزب البعث ولدموية البعث وخصوصا صدام حسين ويعتبر التيار الصدري الجيل الثاني لحزب الدعوة ولكن طرح تجربة جديدة .

5- حزب التحرير فلسطين 1953بامانة تقي الدين النبهاني.

6- الجماعة الاسلامية باكستان 1941 بزعامة ابو العلاء المودودي.

7- منظمة العمل الاسلامي العراق1964 باشراف السيد المرجع محمد مهدي الشيرازي.

8- حركة امل لبنان 1975 باشراف السيد موسى الصدر

وعلى مستوى الحكم والدولة.

تجربة السودان الاسلامية حزيران 1983 م، وتجربة ايران الاسلامية شباط 1979م، وتجربة طلبان الاسلامية ايلول 1996م .

ومابين الحزب وتجربة الدولة .

يمكن ان يسجل اسم الجبهة الاسلامية للانقاذ في الجزائر شباط 1989 م-اذار1992م

وما بين التبعية الخارجية والانتماء الداخلي

يمكن ان يسجل اسم المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق1982 الذي حاول ان يوفق بين املاءات ايران وما يطالب به الشارع العراقي.

وحزب الله لبنان اذ يعمل تحت ظل ولاية الفقيه الايرانيه ولم يتخلى عن عروبته وقضاياها المصيرية

ومابين التطرف والاعتدال

يمكن ان يسجل اسم السلفية السرورية التي اسسها محمد سرور زين العابدين السوري الجنسية 1992م حيث حاولت الجمع بين فكر الاخوان المعتدل افكار سيد قطب، وفكر الوهابية المتطرف افكار محمد بن عبد الوهاب.

ومن الدول الاسلامية يمكن ان نناقشها المملكة العربية السعودية على اعتبارها تحوي مكة المكرمة قبلة المسلمين وتركيا لما كانت لها من هيمنة على العالم الاسلامي باسم الخلافة الاسلامية وماليزيا على اعتبارها دولة انموذج للدول الاسلامية .

والحديث عن الاسلاميين في الدول الاسلامية

اختلفت الواجهات التي يعملون تحتها ولكن تصنف الى فكر اسلامي معتدل يمثل كواجهات لحركة الاخوان وحزب الدعوة، وفكر اسلامي متطرف كواجهات للتيار السلفي تدعمها السعودية وكواجهات للتيار الصدري تدعمها ايران، وفكر بين هذا وذاك .

ومن الشخصيات السياسية الاسلامية البارزه

يعتبر نبية بري اول شخصية اسلامية برزت في المعترك السياسي وانقسمت مدارس علم النفس الامريكية الى اتجاهين في تحليل احد خطاباتة، الاول اعطى تقيما ايجابيا الى شخصيته واثقا بنفسة ... الثاني اعطى تقيما سلبيا له غير واثق بنفسة ... وكذلك نطرح شخصية

الدكتور ابراهيم الجعفري، الدكتور ابراهيم يزدي، السيد حسن نصر الله، الداعية فتحي يكن الدكتور محمد سعد الكتاتتي، الدكتور محمد مرسي، الدكتور محمود احمدي نجادي، الدكتور محمود المشهداني، الاستاذ نوري المالكي.

ونذكر فصلا عن الكادر النسوي، وفصلا عن الاسلاميين والعمالة للاجنبي وفصلا اخر عن الحجتيه منتظري الفرج الذين لايؤمنوا بمشروعية العمل الاسلامي السياسي، والمهوسون بظهور المنتظر، والذين يبررون ضعفهم بظهور المنتظر

ويمكن ان انوه ان غلاف الكتاب من تصميم الدار وان طلبت ان يكون بصور للسياسيين ولكن الصور من اختيارها على ما يبدو للتسويق التجاري او ما يوافق رسلتها .

كما اختارة في كتاب دليل المرجعية صور للمراجع واختصرت على مراجع الشيعة فقط وركزت على علماء بيت الحكيم وطلبت ان يوضع بعض الصور لمراجع المذاهب الاربعة او الطوائف الاخرى ولكن لم يتم ذلك لا ضير فاللدار رسالتها وكلي ثقة بادارة الدار ورئيسها الاستاذ احمد الخرسا وما عزز ثقتي بالدار وتعريفي بها احد العاملين في الدار سابقا الاخ المهندس عامرالكاظمي البهادلي

 

صبري الفرحان      

......................

1- دار المحجة البيضاء

http://www.daralmahaja.com/home/bookdetails/Mjg2OA==/0

 

شاكر فريد حسنأهدانا الدكتور منير توما مشكورًا ثلاث كتب جديدة صدرت له العام الحالي ٢٠١٨، الكتاب الأول مجموعة شعرية بعنوان "سنابل انسانية"، وقد جاءت في ١٣٣صفحة من الحجم المتوسط، واهداها " الى محبي الحياة الذين يسعدهم قراءة الكلمة النابضة بالعاطفة السامية والاحساس الصادق بقيمة الانسان في هذه الدنيا الحافلة بالمتناقضات".

وتضم المجموعة قصائد متنوعة الموضوعات والأغراض، انسانية ووجدانية وعاطفية وغزلية واجتماعية ومناسباتية، تتسم بالرهافة والحس الانساني والتوهج الدافق بالرقة والانسيابية.

والكتاب الثاني في النقد الأدبي، وجاء تحت عنوان " شعر في الميزان: كفرساوي وأسديان "، وجاء في ١٨٠ صفحة من الحجم المتوسط، وأهداه " الى محبي الشعر والنقد الأدبي البناء في كل زمان ومكان، والى أهلنا الأعزاء في كفر ياسيف ودير الأسد".

والكتاب مكرس لبعض المقالات والدراسات الأدبية التي كان كتبها حول جزء من ابداعات الشاعر والفنان الأصيل المرحوم الدكتور سليم مخولي ابن كفر ياسيف، والأستاذ العريق الشاعر والأديب المرموق سعود الأسدي ابن قرية دير الأسد العامرة بأهلها والقاطن في الناصرة العربية، والأستاذ الشاعر الشاب نسيم عاطف الاسدي ابن قرية دير الأسد أيضًا.

وقد وقع اختياره على هذه المقالات والدراسات - كما يقول في الاستهلال - انطلاقًا من قناعته الأكيدة بجودة الانتاج الابداعي لشعرهم الذي يتسم بالشفافية والفرادة على شتى الصعد الانسانية والفكرية والاجتماعية.

أما الكتاب الثالث فهو مختارات من الشعر الاوروبي الحديث ترجمها عن الانجليزية. وقد جاء في ١٥٥ صفحة من القطع المتوسط، وأهداه " الى كل متذوقي للأدب الانساني من مختلف الحضارات والثقافات العالمية، والى الذين يستهويهم قراءة الشعر المترجم عن لغات الشعوب الأخرى الى العربية".

ويشتمل الكتاب على مجموعة مختارة من أشعار اوروبية مختلفة، تمثل جانبًا مهمًا من حضارة اوروبا في عالم الأدب والشعر من خلال بعض شعرائها في العصر الحديث.

يذكر أن مؤلف هذه الكتب الثلاث د. منير توما هو شاعر وأديب وناقد معروف من مواليد كفر ياسيف العام ١٩٥٢، يحمل شهادة الدكتوراة في اللغة الانجليزية، عمل مدرسًا للغة الانجلزية والرياضيات والعلوم الطبيعية في مدرسة يني يني الثانوية بكفر ياسيف لمدة ثلاثين عامًا، وخرج للتقاعد المبكر أواخر العام ٢٠٠٧، وله مئات القصائد والمقالات والدراسات الأدبية والنقدية التي نشرت في الصحف والمجلات والدوريات الثقافية والمواقع الالكترونية.

وقد صدر له ١٩ مؤلفًا في الشعر والنقد والترجمة والدراسات الأدبية.

انني اذ أهنىء وأبارك للصديق الدكتور منير توما بصدور كتبه الثلاث، مع تمنياتي له بالمزيد من التألق والعطاء والابداع والى أمام.

 

شاكر فريد حسن

 

128 صالح الطائيفي محاولة لسبر أغوار بعض المشاكل التي تعيق حراك شبابنا العراقي الذي انهكه العسف السياسي منذ أيام وعيه الأولى وإلى اليوم، حينما وضعه الحراك السياسي المتعجرف بين خيارين أحلاهما مر علقم:

خيار الدكتاتورية الفردية والحكم الشمولي القاسي؛ الذي يحاسب على أي فرصة يستغلها الشباب للترفيه عن أنفسهم بتقليد الصرعات الغربية، حتى ولو كانت على مستوى ارتداء البنطلون الضيق أو إطالة الشعر أو اللحية، ويحاسب على أبسط كلمة حتى لو قيلت مزاحا.

وخيار الانفتاح العبثي المطلق الذي يعجز عن توفير أي فرصة واعدة مهما كانت بسيطة، يمكن أن تتحول ولو على مستوى الخيال إلى بارقة أمل أمام الشباب، مما أسهم في خلق فراغ فكري عميق وواسع، امتد أثره من الانتماء هروبا إلى الأحزاب الدينية والعلمانية، إلى اعتناق الصرعات الفكرية الوجودية والإلحادية، إلى معاقرة الخمر، وإدمان المخدرات، إلى العصابات المنظمة وروح الافتراس التي قضت على آخر بقايا الرحمة في القلوب، مرورا بالمثلية الجنسية المتفشية إلى حد القلق المرعب، وعدم وجود مؤشر إلى أن الانهيار السريع والكلي سوف يقف عند حد الزنا؛ الذي كثر صنف زنا المحارم في أجوائه بسبب روح العبث المتفشية والإعسار المالي الذي تسببت به البطالة وضعف الوازعين الديني والأخلاقي وتفشي حالات الطلاق بشكل يهدد النظام الأسري بالانهيار، وتداعي مقومات الوطنية وبنى الحياة الاجتماعية، والبنى التحتية، والأمل بغدٍ أفضل.

في هذه الأجواء الملبدة بالمآسي والمحفوفة بالمخاطر، كان لابد من صرخة، حتى لو كانت خافتة، أو همسا، فقد يسمعها بعض المحظوظين، فينقلونها إلى غيرهم لتشكل موجةً ليس شرطا أن تكون عارمة، ولكنها مجرد موجة لها قدرة تحريك راسب الماء.

من هنا جربت حظي وأطلقت صرختي من خلال كتاب أسميته "إليك فقط" دون أن أحرك حرف الكاف بالفتح أو الكسر، طالما أن روح العبث لم تتفش بين الذكور فحسب بل انسحبت على الجنس الناعم الذي أصبح شريكا بالمأساة المرة، ولكي أؤكد على هذه الجنبة الشاملة للجنسين، أضفت إلى العنوان جملة باللغة الإنكليزية (just for you) لأؤكد أن الكتاب لكَ أنتَ ولكِ أنتِ ... لكما كليكما الذكر والأنثى.

لم أحول في هذا الكتاب تنصيب نفسي مرشدا ناصحا بقدر سعيي إلى نقل تجربة أكثر من ستين عاما، تعرضت خلالها إلى كثير من التقلبات الفكرية والعقدية، قادتني إلى أعتاب المقصلة عدة مرات، وأنجتني من براثن الموت مرات أخرى، ولم أمنع أحدا من اعتناق ما يشاء ولم أعترض على سلوك ولكني نقلت مواقف مشابهة مرت بي وكيف تجاوزتها مع تطور مراحل وعيي الفكري.

إن الاتصالات والملاحظات والأسئلة والحوارات التي أثارها الشباب حول مضمون الكتاب، أكدت لي أن صرختي لم تضع في وديان الطرشان لأن هناك من سمعها وتجاوب معها ورد صداها في أذنه.

ونظرا لأسلوب الكتاب وأهميته الفكرية والتربوية، حتى مع كونه لا يدعو إلى ترجيك كفة الدين، تولى قسم النشاطات الدينية في العتبة الحسينية المقدسة في كربلاء طباعته ونشره، فصدر بحلة قشيبة ليأخذ مكانه على رفوف المكتبة التربوية العراقية.

ولا يسعنى في الختام إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل والثناء الجميل إلى الأخ والصديق العزيز الشيخ عبد المهدي الكربلائي المتولي الشرعي للعتبة الحسينية والأخ والصديق الشيخ وسام البلداوي وكل العاملين في قشم النشاطات الدينية

 

صالح الطائي

 

 

124 كريم مروةعن الدار العربية للعلوم ناشرون، صدر حديثًا كتاب جديد للمفكر اليساري الكبير كريم مروة بعنوان " التجديد في الاسلام كالتجديد في الاشتراكية .. ضرورة تاريخية في شروط العصر ".

يقع الكتاب في ١٤٢صفحة من الحجم المتوسط، وهو مقاربة جديدة حول العلاقة بين الاسلام والاشتراكية، والربط في التجديد بينهما، كضرورة تاريخية في شروط العصر، ويستهله بما يعتبره مروة " مدخل ضروري قبل الدخول في متن الكتاب " بقوله: " قد يبدو غريبًا عندي هذا الربط بين التجديد في الاشتراكية والتجديد في الاسلام، لكنني فيما أدعو اليه وأنا مقتنع به انما أدعو الى تحرير مجتمعاتنا مما هي غارقة فيه منذ عقود من صراعات فكرية وسياسية غير مبررة ومن حروب اهلية مقرونة بتدخلات خارجية من كل الجهات والاتجاهات، وتحريرها على وجه الخصوص من الحركات السلفية التكفيرية التي تستند الى الاسلام، نقيضًا مطلقًا لقيمه الانسانية السمحة"، مع عدم اغفاله، حركات التجديد في الاسلام، وحتى المسيحية، مع الاضاءة على تجربة المطران غريغوار حداد، الذي تبنى فكرة العلمانية في الدين، وأكد على مدنية الدولة في كتاباته التجديدية.

ويقدم مروة تحليلًا حول أسباب انهيار التجربة الاشتراكية، وما تعرض له الاسلام من التشويه في قيمه العليا ومبادئه السامية عن طريق الحركات الاصول، ولكن من دون نسيان محاولات حركات الاصلاح الديني بدءًا من حركة النهضة العربية في القرن التاسع عشر واستكمالًا لها في القرن العشرين ".

يتوزع الكتاب على اربعة اقسام ، القسم الأول قراءة في سير أربعة مسلمين مجتهدين كبار والقاء الضوء على محاولات كل منهم في الاجتهاد والتجديد في الاسلام.

أما القسم الثاني فيتناول اعلان مؤتمر الأزهر الشريف ويحتوي على قراءتين حول الاجتهاد والتجديد فيه لكل من أنطوان قربان وخالد الدخيل.

بينما القسم الثالث فهو نصوص اسلامية أولى وآيات قرآنية مختارة، صحيفة النبي في المدينة وحديث شريف وثلاثة أحاديث للخليفة عمر بن الخطاب، وللخليفة علي ابن أبي طالب.

أما القسم الرابع والأخير فجاء تحت عنوان " هكذا قرأت ثورة اكتوبر الاشتراكية في مئويتها، وقدمت قراءتي التجديد في الاشتراكية، ويشتمل على نص مداخلة مروة في ندوة بجامعة مئوية في تونس.

وفي ختام الكتاب مرفق ملحق: رأي في الكتاب، ورأي في التجديد في الاسلام لسماحة السيد رحيم أبو زغيف الموسوعي رجل الدين العراقي المفكر الديمقراطي المدني.

يذكر أن كريم مروة هو باحث ومفكر سياسي مماركسي لبناني، من مواليد العام ١٩٣٠، انتمى الى الشيوعية منذ شبابه المبكر، وانتخب لمراكز قيادية في الحزب الشيوعي اللبناني، تفرغ للكتابة ونقد التجربة السابقة، بعد تقاعده من العمل السياسي اليومي الملتزم. كتب الكثير من الأبحاث في مجلة " الطريق "اللبنانية اليسارية، وتتميز كتاباته بالنقد والنقد الذاتي، وتشغله التحولات الكبرى التي يشهدها العالم والبحث الدائم عن الطريق المؤدي الى مستقبل أفضل لبلده لبنان ولسائر الأقطار العربية.

وانجز مروة أكثر من عشرين مؤلفًا، نذكر منها: الشيوعيون الأربعة الكبار في تاريخ لبنان الحديث، نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي، افكار حول تحديث المشروع الاشتراكي، قادة تاريخيون كبار في ثورات القرن العشرين، في البحث عن المستقبل، فلسطين وقضية الحرية، نحو جمهورية ثالثة، عشية افول الامبراطورية، جدل الصراع مع اسرائيل وجدل الكلام معها، الفكر العربي وتحولات العصر، حوار الايديولجيات، بين افكار ماركسية وافكار دينية، اعترافات نهايات القرن،، ازمة النظام العربي واشكاليات النهضة، ملامح الشخصية اللبنانية، وجوه مصرية مضيئة في الفكر والأدب والفن، الوطن الصعب، والدولة المستحيلة. 

كتب: شاكر فريد حسن

 

 

118 علي العلويصدر للباحث المغربي الدكتور علي العلوي كتاب جديد بعنوان "الاغتراب في الجسد، قراءة في شعر أبي العلاء المعري"(255 صفحة) ضمن سلسلة منشورات مؤسسة سلمى الثقافية بتطوان، عدد 130.

وقد جاء هذا الكتاب موزعا على مقدمة وخاتمة وأربعة فصول. خُصّ الفصل الأول بالحديث عن الحياة السياسية والحياة الاجتماعية والاقتصادية والحياة الثقافية والفكرية في عصر أبي العلاء المعري. أما الفصل الثاني الذي جاء بعنوان "الجسد سجن مدنس" فقد تطرق فيه الباحث إلى الكيفية التي يذكر بها أبو العلاء المعري بأصل الإنسان من أجل تحقير الجسد، ووصفه بصفات من قبيل النجاسة والخبث ونحو ذلك، كما وقف عند بعض الوقائع والأحداث التي مر بها أبو العلاء المعري، والتي قد تكون سببا في تشكيل هذه النظرة السلبية إلى الجسد. وأما الفصل الثالث الذي عنوانه "النفس شريرة مستلبة والروح علوية لطيفة" فتضمن مبحثين هما: "النفس شريرة مستلبة"، و"الروح علوية لطيفة"؛ وتم توزيع كل مبحث على محاور. وأما الفصل الأخير فخُصّ بالحديث عن الحل الذي رأى فيه أبو العلاء المعري خلاصا من الاغتراب في الجسد، والذي يتمثل في انفصال الروح عن الجسد؛ أي الموت. هكذا جاء هذا الفصل بعنوان "انفصال الروح عن الجسد هو الخلاص"، وتضمن مبحثين هما: "تمجيد الموت"، و"رأي المعري في التناسخ وفي البعث".

ويعرف الباحث "الاغتراب في الجسد" بأنه: "الهوة الفاصلة بين الجسد والروح على المستوى السيكولوجي، والمتمثلة في رفض الجسد باعتباره شيئا ماديا ذا طول وعرض وكتلة وعمق، وتبخيس دوره في تحديد علاقة الإنسان بالآخرين داخل المجتمع، والتنقيص من أهميته في تشكيل نظرة الناس إلى بعضهم بعضا، وكذا المساهمة في تحديد مختلف أنماط التفاعل فيما بينهم داخل المجتمع. وهذا الرفض تعكسه النظرة إلى الجسد باعتباره سفليا مدنسا، وإلى الروح باعتبارها علوية مقدسة. والروح من حيث كونها جوهر الإنسان قد أجبرت على الاستقرار في الجسد". وجدير بالذكر أن "الاغتراب في الجسد" مصطلح جديد في الدراسات الأدبية، ولباحثنا علي العلوي فضل السبق في وضعه وتخصيص كتاب بكامله للحديث عنه انطلاقا من شعر أبي العلاء المعري.

ولقد وظف الباحث المنهج النفسي في تسليط الضياء على بعض القضايا الموضوعية والذاتية التي طرحها أبو العلاء المعري في شعره؛ بمعنى آخر حاول الإفادة من بعض المفاهيم المنتمية إلى حقل علم النفس لتفسير بعض الآراء المطروحة في شعر الشاعر، ولفهم شخصيته ما أمكن، طالما أن الاغتراب هو أكثر التصاقا بالنفس البشرية من شيء آخر.

وفي كثير من الأحيان، كان الباحث علي العلوي يتعاطى مع المرجعيات التي يحفل بها بعض الشعر المدرج في هذا الكتاب سواء أكانت مرجعيات فلسفية أم دينية. والمعنى المراد بالمرجعية هو ثقافة الشاعر ومعرفته، التي اكتسبها من دراساته وقراءاته ومن خبراته أيضا، والتي ترد في شعره إما تصريحا وإما تلميحا. وما يحدد قيمة المرجعية وأشكال حضورها في النصوص الأدبية عموما، هي ثقافة القارئ واطلاعه.

من جانب آخر، عاد علي العلوي إلى بعض الكتب الفلسفية، وبخاصة الفلسفة اليونانية، وبعض الكتب الفقهية والدينية، لما وجد نفسه أمام تصورات وقضايا تستدعي سعة الاطلاع، وكثيرا من الصبر والمثابرة لاستيعابها، بهدف ربطها بما يزخر به شعر أبي العلاء المعري من معرفة واسعة عميقة. ويقر الباحث بأن قراءة شعر أبي العلاء المعري ليست بالأمر الهين، إذ لا بد من التزود بقدر لا بأس به من المعرفة الفلسفية والدينية ونحو ذلك.

ووظف أيضا المنهج التاريخي وغيره من المناهج التي استدعتها طبيعة بعض المقاطع الشعرية، كما شرح بعض الألفاظ كلما دعت الضرورة إلى ذلك، باعتبار الشرح أحيانا أولَ خطوة لتفسير النص أو تأويله.

 

معمر حبارقرأت كتاب "أدباء جائزة نوبل"[1] للأستاذ محمود قاسم، سفير الدولية للنشر، الطبعة الأولى 1427 هـ - 2007، من 143 صفحة. وكتاب: "أعظم 100 اكتشاف علمي، اكتشافات واختراعات غيّرت مجرى البشرية"، للأستاذ أكرم مؤمن، دار الهدى، عين مليلة، الجزائر، 2015، من 193 صفحة. وكتاب: "الخالدون: سيرة 25 شخصية من القدماء والمحدثين"[2]، للأمريكي ديل كارنيجي الطبعة الأولى 1437هـ - 2016، دار بداية بلبنان ومصر، من 193 صفحة، بالإضافة إلى كتب عديدة كثيرة حول شخصيات عربية وأعجمية وغربية.

ومن بين النقاط التي وقف عليها القارىء المتتبّع وهو يقرأ ويلخصّ وينتقد هذه الكتب، أنّها ركّزت على أمور بسيطة سهلة كانت من وراء بروز عباقرة غيّروا مسار التّاريخ وكانت من وراء اختراعات غيّرت مجرى الحياة.

في المقابل أرى خلال هذا الشهر بعض المصلين يحتكرون الصفّ الأوّل ويغلقون النّافذة ويمنعون إخوانهم المصلين من فتح النافذة فيفرضون عليهم حرارة لا تطاق، وآخرون يمنعون تشغيل المروحة التي بجانبهم أو فوق رؤوسهم ويمنعونها من التّشغيل عمدا دون مراعاة لمشاعر إخوانهم ومسبّبين أضرارا بالمصلين ، وعوض أن ينتقلوا لأماكن أخرى حيث يكونون بعيدين عن المروحة أو المكيف يطالبون غيرهم بتوقيفها، وليذهب بعدها إخوانهم في المسجد إلى الجحيم.

أقول لإمام المسجد بعد الانتهاء من صلاة التّراويح: لأوّل مرّة أقف على سبب تخلّفنا الذي كان وما يزال وراء عدم إنجاب الأمّة للمخترعين والاختراعات. والسبب في ذلك أنّ الذي يمنع المروحة والمكيّف في الصيف والمدفأة في الشتاء باعتبار المصلي لا يحقّ له أن يصلي والنار تقابله لأنّه "تشبيه بعبدة النّار !!"، معرّضا حياة إخوانه للحرارة المهلكة والبرد القاتل، لا يمكنه بحال أن يكون عاملا من عوامل دفع الأمّة للاختراعات، ولا يمكن لمثل هذه الظروف أن تلد مخترعا يحب العلم والابتكار ويدفع إليه، بل هذه الديكتاتورية التي نلمسها باستمرار باسم الدين تارة وباسم "إظهار الرجولة !" في غير محلّها ودون أصحابها، تخنق الأنفاس، وتقتل الطاقات، وتهدم الأركان، وتنسف الدول والمجتمعات، وتقبر كلّ اختراع، وتعدم كلّ مخترع.

أقول للإمام من جديد: كنّا نصلي بالمرحة ونحن أطفال قبل زلزال الأصنام 10 أكتوبر 1980 وكانت يومها المروحة من الاختراعات الخارقة، وكان من المفروض أنّنا نتجاوز اليوم بعد هذه العقود تلك الاختراعات إلى اختراع أكثر نفعا وأسهل استعمالا وأوسع انتشارا، لكن مع هذا السّلوك المتمثّل في انتشار مظاهر الديكتاتورية عبر المؤسسات المقدسة كمنع المروحة والمكيّف عن المصلين صيفا ومنع المدفأة شتاء، مازال المجتمع في عهده السّابق كما يتذكره الطّفل وقد مرّت عليه 5 عقود لم يتطور للرفع من مستواه وما زال يحتكر المروحة ويطرد النّاس منها ويرغمهم على الغرق في العرق.

إذا كانت الاختراعات تبدأ بأصغر الأشياء، فإنّ من شروط بروز المخترعين والاختراعات هو التخلي عن جميع مظاهر الديكتاتورية ولو بدت في بداية الأمر بسيطة صغيرة لا تلفت الانتباه.

 

معمر حبار - الجزائر

...............

[1] راجع مقالنا بعنوان: " كيف تتحصل على جائزة نوبل؟"، وبتاريخ: الأربعاء 19 رجب 1437، الموافق لـ 27 أفريل 2016

[2] راجع مقالنا بعنوان: " الخالدون لديل كارنيجي"، وبتاريخ: الجمعة 14 جمادى الأول 1439 هـ الموافق لـ 02 فيفري 2017

 

 

112 صالح حسن فارسصدر عن دار "الرّوسم" ببغداد كتاب "ضفاف أَمستِل: مُشاهَدات من المسرح الهولندي" للكاتب والفنان المسرحي صالح حسن فارس المُقيم في أمستردام منذ عشرين عامًا. وبما أنّ هاجسه الأساسي منصبٌّ على التمثيل والإخراج المسرحييّن فلابدّ أن يُكرِّس بعضًا من وقته لمشاهدة الأعمال المسرحية الهولندية على وجه التحديد، والأوروﭘية بشكل عام، ويكتب عنها بعين الخبير الفاحصة، فقد عرفناه كاتبًا صحفيًا، وناقدًا مسرحيًا يُقيّم الأعمال المسرحية التي يُشاهدها، ويُشخِّص فيها مكامن الضعف والقوّة، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو خير مثال لما نذهب إليه.

لا يدّعي المؤلف بأنه يُقدِّم دراسة مُتخصصة في المسرح الهولندي العريق الذي يمتدّ تاريخه إلى عام 1638، وهو العام الذي عُرِضت فيه مسرحية "خايسبريخت فان أمستِل" للشاعر والكاتب المسرحي الهولندي يوست فوندل، وإنما يقدِّم لنا قراءة فنية وجمالية لـ 37 مسرحية شاهدها على مدى عقد ونصف العقد تقريبًا، وهي قليلة جدًا بالنسبة إلى فنان متخصص بالفن المسرحي، ويبدو أن ثمن التذكرة الباهض قد وقف حائلاً دون ذلك ولم يُتَح له سوى مشاهدة العدد المذكور أعلاه.

يضم الكتاب مقدمة بقلم الشاعر شعلان شريف، وتمهيد دبّجه الناقد بنفسه، إضافة إلى خمسة أقسام رئيسة وزّعها المؤلف على الشكل التالي: (المسرح الهولندي: عُروض ومُخرجون، عُروض عالمية في أمستردام، الجسد على المسرح، عُروض مسرح الطفل، والمسرح في مجتمع متعدد الثقافات)، وقد خلا الكتاب من الخاتمة التي تشتمل على النتائج التي توصّل إليها الباحث في جولاته النقدية المتأنية.

يضم القسم الأول من الكتاب "المسرح الهولندي" عشرة عروض مسرحية لأربعة مُخرجين هولنديين وهم يوهان سيمونس، أليكس فان فارمردام، خير تايس، ماتياس رومكا، إضافة للمخرج البلجيكي إيفو فان هوفه، والألماني أندرياس كريغنبورغ. حظي المخرجان يوهان سيمونس وإيفو فان هوفه باهتمام الناقد صالح حسن الذي تابع ثلاث مسرحيات لكل واحد منهما على انفراد. ولو تأملنا "المقالات" الست لوجدنا فيها آراءً فنية مهمة في كل ما يتعلق بالنص المسرحي، والأداء، وسينوغرافيا العرض، والمؤثرات الصوتية والبصرية، والرؤية الإخراجية وما إلى ذلك. ففي مسرحية "الألوان الثلاثة" يتحدث صالح عن البداية الصادمة للعرض، وإقحام المُخرج لمتلقيه في زخم الأحداث، ثم سرده للحكايات اللونية الثلاث المستوحاة من ألوان العلم الفرنسي، ثم ينتقد الفصلين الثاني والثالث لأنهما لم يكونا برشاقة الفصل الأول وقوّة إدهاشِه.

ربما يتجلى التركيز في مسرحية "أيوب" على التلاقح مع القصة التوراتية المعروفة لما تنطوي عيله من ثيمة كونية مهمة تتمحور على الصبر، والمعاناة، وتحمّل المصائب لكن بصيص الأمل كبير في هذا العرض المسرحي حيث يُشفى الابن المُصاب بالصرع، ويُصبح موسيقيًا مشهورًا كما تنبأ الكاهن. ورغم توفّر كل عناصر الشدّ والتشويق والإثارة في هذا العمل المسرحي إلاّ أن الاستغراق في السرد الطويل كان مثلبته الواضحة، وربما تكون الترجمة من اللغة الألمانية إلى الهولندية قد ساهمت في تشتيت انتباه المتلقي بين قراءة الترجمة على الشاشة ومتابعة الأحداث على خشبة المسرح.

لم تسلم مسرحية "اللاجئ" رغم براعة الأداء من انتقادات صالح حسن للديكور الذي ظلّ جامدًا ولم يتغيّر طوال العرض، كما أنّ بعض المَشاهِد كان فائضًا عن الحاجة، وساهم في ترهّل النص المسرحي الذي يسخر من الأفكار النمطية السائدة لدى الكثيرين عن شخصية اللاجيء أو المُهاجر المقتلع قسرًا من جذوره.

يحظى المخرج البلجيكي إيفو فان هوفه بمراجعة لثلاث مسرحيات أيضًا وهي "التراجيديات الرومانية" التي تتحدث عن صعود الزعيم السياسي وأفول نجمه في مسرحيات "كريولانس، يوليوس قيصر وأنطونيو وكليو باترا". وقد ركزّ الناقد على استعمال تقنية الـ "ملتي ميديا" أو الوسائط المتعددة التي أبهرت المتلقين، ووضعتهم في دائرة الدهشة طوال مدة العرض. كما لفت الناقد انتباه القرّاء إلى أنّ مُصمم الديكور لم يَنْقَدْ لرغبات المخرج، وإنما جسّد رؤيته الشخصية كمصمم مبدع يدرك ما يحتاجه هذا العرض المسرحي بالذات. لا يخفى على القارئ الحصيف النفس التراجيدي الذي يهيمن على مسرحية "الحِداد يليق بإلكترا" للكاتب المسرحي يوجين أونيل، وهي مسرحية مأساوية بامتياز حيث تقتل كريستين زوجها العائد من الحرب، ثم يقتل الابن عشيق أمه، ثم ينتحر في خاتمة المطاف، وتبقى الابنة لافينيا محاصرة بالفقد والخسارات المتتالية. لعل الملحوظة المهمة هي استعمال المخرج هوفه للتفسير النفسي للأحداث، وهو يرى بأنّ "المسرح هو محطة التنقية للمجتمع". أما مسرحيته الثالثة "الصوت البشري" فقد ركزّ الناقد على صعوبة المونودراما التي يؤديها ممثل واحد عليه أن يشدّ انتباه الجمهور على مدار العرض وهي مهمة صعبة بكل المقاييس غير أن الممثلة المبدعة هالينا راين نجحت في هذا العرض، وتألقت فيه، وسحبت أحداثه صوب النهاية المفتوحة القابلة لتأويلات عديدة.

يمكن اختصار مسرحية "الأم الفظيعة" للمخرج أليكس فان فارمردام بأنه "نص درامي يدور حول أم داعرة، وأب سفّاح، وابنة مقموعة جميعًا يعيشون تحت سقف واحد كأنه سجن، يعاقب فيه أحدهم الآخر". تُعرّي هذه المسرحية المجتمع الهولندي من الداخل وتنتقده بطريقة لاذعة. أشاد الناقد بدور الممثلين وببراعتهم الأدائية، كما أثنى على التشكيلات البصرية التي لم تتكئ على التقنيات الحديثة التي غزت المسارح الأوروبية والأميركية.

يتوالى تتبّع الكاتب للمسرحيات الهولندية والأوروبية ويفيدنا بالكثير من المعلومات المهمة المقصودة لذاتها أو التي تأتي عفو الخاطر، وهذه واحدة من جماليات الكتاب، فـ "غرفة ديموقليس" للمخرج خِير تايس هي في الأصل رواية للكاتب ﭬيليم فردريك هيرمانس الذي يشكِّل الركن الثالث في الرواية الهولندية إلى جانب الروائيَين هاري موليتش وخيرارد ريفه. تنطوي المسرحية على رسالة احتجاج قوية ضد الحرب "التي لم تنتهِ بعد" كما يؤكد الحوار في نهاية النص المسرحي. فيما يقدّم ماتياس رومكا مسرحية "ريتشارد الثالث" بطريقة تجريبية جريئة، تكسر الأنماط السائدة، وتخترق التابوهات المُتعارف عليها. أما العرض العاشر والأخير في هذا القسم فهو "ريتشارد الثالث" أيضًا للمخرج الألماني أندرياس كريغنبورغ الذي يراهن على سلاسة السرد، وأداء الممثلين، مبتعدًا فيها قدر الإمكان عن الوسائط التقنية الحديثة، مع الاعتماد على عصرنة الأحداث، وإخضاعها للواقع الراهن.

يتضمّن القسم الثاني قراءة مُتمعِّنة في سبعة عروض مسرحية أولها "مدام دي ساد" للمخرج الـﭘولوني ﭬارليكوﭬسكي التي يمكن إيجاز قصتها بإيداع الماركيز دي ساد إلى السجن بسبب ممارساته الجنسية الشاذة مع ست نساء. القصة ذائعة الصيت ومعروفة لدرجة اشتقاق مصطلح السادية من هذا الاسم المعروف. ينوّه الناقد صالح حسن بأن المخرج قد اعتمد كثيرًا على السرد والحوار لكنه لم يسبب الملل للجمهور الذي شاهد العرض واستمتع بأداء الممثلين والرؤية الإخراجية المغايرة لما هو سائد ومألوف.

لا يخالطنا الشك في رغبة الفنان صالح حسن بمشاهدة أي عمل مسرحي لـﭘيتر بروك فكلاهما أصحاب مهنة إبداعية واحدة، ولعل مسرحية "تيرنو بوكار" هي سانحة حظ له كناقد وكمُشاهِد، ولكل عشّاق المسرح لأنهم يقفون أمام مخرج كبير لا يلتزم بقدسية النصوص مهما كانت عظيمة ومُكتفية بذاتها، وربما تكون حكاية المتصوف الأفريقي هي النموذج الأمثل الذي أخضعه لقناعته الفكرية، ورؤيته الفنية التي ترصد إشكالية العنف والتسامح الديني التي تشغل العالم برمته. يعتمد بروك على الأسلوب الاختزالي، والمونولوغ الذي يروي لنا حكاية هذا الشيخ الصوفي الذي يقول في خاتمة المطاف:"هناك حقيقتك، وهناك حقيقتي، وهناك الحقيقة نفسها".

يصطحبنا المؤلف إلى "الكابوكي" التي تعني، بحسب المؤلف، التمثيل الغنائي الراقص، ويعتمد في عروضه على الموسيقى، والرقص، وتقنيات الميم. وقد تألق في هذا العرض الفنان الياباني المشهور إبيزو السادس ونال استحسان النقاد والمتلقين.

يعتمد المخرج الألماني يورغن غوش في مسرحية "مكبث" على أسلوب القسوة المثيرة للمُشاهِد كما يعوّل على الديكور البسيط الذي يذكِّرنا بالمسرح الفقير الذي يراهن على طاقة الممثل، ولا يتعكّز على معطيات التكنولوجيا الحديثة.

يُحيلنا المخرج الألماني نيكولاس شتيمان في مسرحية "بابل" إلى أحداث "أبو غريب" ومعركة "الفلوجة" في العراق وما تنطوي عليها من فظائع يندى لها جبين الإنسانية خجلاً. ومع ذلك فقد أخذ النص المسرحى منحىً تراجيكوميديًا كي يخفف من وقع الأحداث المأساوية المُفجعة. ولعل ملحوظة الناقد صالح حسن مهمة بمكان حينما قال بأن العرض ينمو من البُعد الواحد إلى البُعد الثالث.

لا تخرج مسرحية "أوبو" لسباستيان نوبلينغ عن هذا الإطار المأساوي، فأوبو هو رجل عسكري قريب من ملك ﭘولندا تحرّضه زوجته على قتله والاستحواذ على العرش لكنه يُصبح دكتاتورًا فظيعًا فلم يسلم من القصاص الذي ينتظر المُستبدين.

تقترب مسرحية "دون جيوفاني" من تراجيديات أخرى كثيرة ناقشها المؤلف في هذا الكتاب حيث تنتهي مصائر الأبطال بالموت. وفي هذه المسرحية يموت البطل في نهاية العرض لكن المُشاهدين يحملون في ذاكرتهم صورة هذا الرجل الغني، اللعوب الذي يطارد النساء ويغويهن الواحدة تلك الأخرى في عملية غرائزية متوحشة يحرّكها الجنس بعيدًا عن حالات الحُب المُتعارف عليها. ما يميز هذا العرض، بحسب الناقد، أنه متماسك، ورصين، وخال من الترهل.

لا يمكن الوقوف عند المسرحيات العشرين التي وردت في الأقسام الثلاثة المتبقية من الكتاب وهي "الجسد على المسرح" و "مسرح الطفل" و "المسرح في مجتمع متعدد الثقافات". يتألف القسم الثالث من توطئة مهمة تحمل عنوان "تأملات في الجسد" لم يستمدها الناقد فقط من قراءاته النظرية وإنما من مشاهداته لأحد عشر عملاً مسرحيًا من بينها "تاريخ الدموع"، "سوترا"، "كارمن" ، "ليلى والمجنون" وغيرها من المسرحيات التي تحتفي بالجسد، وتترك له الحرية فيما يقول بلغته الخاصة التي يفهمها الجميع تقريبًا، فالكلمات، على حد تعبير مايرهولد "لا تستطيع أن تقول كل شيء في حين أن حركات الأيدي وأوضاع الجسم والصمت والنظر هي التي تشير إلى حقيقة العلاقات المتبادلة بين الناس". أما القسم الرابع فقد تضمن ثلاث مسرحيات الأولى بعنوان "فتاة البحر" التي تتمحور حول المهاجرين، ومسرحية "الرسول" للمخرج الهولندي آيكة ديرك زفايخر التي قُدمت بطريقة محايدة، تخلو والإساءة، أو التحيّز إلى أفكار نمطية مسبّقة. و"حلم متجول" لجيرارد بلن الذي شحنَ ذاكرة الأطفال، وحفزّ خيالهم المجنّح أصلاً.

يختم الناقد صالح حسن كتابة بالقسم الخامس والأخير الذي يتمحور حول "المسرح في مجتمع متعدد الثقافات"، وربما تكون مسرحية "سيفاس" لشعبان أُول هي الأكثر تأثيرًا على المُتلقي الذي شاهد احتراق الفندق نتيجة عمل إرهابي أفضى إلى مصرع أربعين شخصًا بينهم 33 فناناً وأديبًا تركيًا، وجرح أكثر من ستين إنسانًا بسبب التجاذبات السياسية والدينية والطائفية. ثمة مسرحيات تركز على جرائم الشرف، وأخرى تتناول موضوعة الهجرة، فيما تبحث أعمال مسرحية أخرى عن أوجة التشابه والاختلاف بين الشعوب التي تتعايش على وجه المعمورة. وفي الختام لا بد من القول بأنّ هذا الكتاب لا يخلو من لمسات ذاتية لفنان مسرحي ينظر إلى العالم بعين كوزموبوليتانية تحتفي بالثقافة، والتسامح، وتكتفي بلغة الجسد كوسيلة للتفاهم بين الكائنات البشرية التي لا تُحسن أكثر من لغة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

109 ابراهيم القطيفيصدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة كتابي الموسوم (الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي آخر المراجع العلمية العليا في الحلة.. حياته وآراءه الفقهية (ت951هـ- 1544م) )، يحتوي الكتاب على 285 صفحة من الحجم الوزيري، الكتاب يوثق حياة الشيخ إبراهيم القطيفي آخر علماء الحوزة العلمية في مدينة الحلة، هذا الشيخ الذي أهمل بقصد وتعمد من قبل اغلب العلماء الشيعة بسبب توجهاته وآراءه الفقهية التي تخالف آراء علماء القرن العاشر الهجري وعلى رأسهم المحقق الشيخ (علي عبد العال الكركي) أبان حكم الدولة الصفوية في إيران،

كانت هجرة العلماء العرب من لبنان والعراق والبحرين إلى إيران في بدايات أيام العلامة الحلي، وفيما بعد أيام المحقق الكركي، ولم يصبح التشيع المذهب الحاكم على مستوى كل البلاد إلا بعد أكثر من تسعة قرون من بداية الإسلام. وهكذا الحال عندما يتحدث البعض وهم غير الواعين ضمن خلفية متعصبة، ناعياً على شيعة القطيف أو الإحساء ارتباطهم بعلمائهم ومرجعياتهم، نامياً ذلك إلى أن أصولهم المذهبية جاءت من إيران، فإنه يتجاوز الكثير من الحقائق التاريخية التي تشير إلى أن منطقة القطيف والإحساء والبحرين دخلها الإسلام في السنة السادسة للهجرة، وتولى عليها في الغالب ولاة كانوا على خط منسجم مع أهل البيت عليهم السلام، ولذلك ظل هذا الاتجاه هو الاتجاه السائد منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا بالرغم من تعرضها لضغوط مختلفة.

وكان من الطبيعي أن تشهد فترات التاريخ لهذه المنطقة والمجتمع بروز علماء وفقهاء، كان من ألمعهم الشيخ إبراهيم بن سليمان المعروف بين العلماء بـ«الفاضل القطيفي». ولقبه «الفاضل» الذي عرف به في الكتب الفقهية، يشير إلى منزلته العلمية، وبهذا اللقب ذكره الحر العاملي فقال «عالم فاضل فقيه»والمحدث البحراني عندما يتكلم عن الشيخ القطيفي يصفه بالإمام الفقيه الفاضل المحقق المدقق. كما استشهد بكلماته بعنوان الفاضل القطيفي وناقشها الشيخ مرتضى الأنصاري في كتابه المكاسب في أكثر من موضع.

إن بروز هذا العالم الجليل ليشير إلى وجود حالة علمية في منطقته تدعو إلى المعرفة، ومستوى من الفكر يتسلقه المتعلم حتى يصل إلى أعلى الدرجات، وليس طبيعياً أبداً أن ينبغ شخص بهذا المستوى العلمي من دون أن يكون في محيطه الذي يعيش فيه حالة علمية داعية إلى ذلك.

وبالرغم من أننا لا نجد في كتب التراجم تفاصيل دراسته ومدرسيّه في القطيف، سوى ما يذكر من أنه درس في أوائل عمره على يد والده في القطيف، ثم غادرها إلى النجف والحلة في العراق ليستقر فيها إلى آخر حياته.

ولا يكاد يذكر الفاضل القطيفي إلا ويذكر معه المحقق الشيخ علي عبد العال الكَركَي، وذلك لأنهما كادا أن يكونا ممثلين لخطين متوازيين في ما يرتبط بالتعامل مع السلطات الزمنية في زمان الغيبة. وربما نجد آثار هذين المنهجين ـ كلاًّ أو بعضاً ـ في هذه الأزمنة لدى بعض الفقهاء موجودة، ولم تخل العلاقة بينهما والجدل الدائر في المسائل المختلفة من حِدَة لفظ، يلحظ في كتاباتهما، وزاد الأمر شدة «تعصباً» من جاء بعدهما لأحد الطرفين بالغض من شأن منافسه أو معاصره.

فليكن لنا تقديم وتمهيد يشرح بشكل إجمالي الأوضاع التي عاش فيها كلا الفقيهين، وأنتجت اختلافاً بينهما في عدد من المسائل المرتبطة بالعلاقة مع الدولة والسلطة. فبعد تحول صفي الدين الأردبيلي من طريقته الصوفية إلى التشيع، وقيام خلفائه فيها بتأسيس نواة سيطرت بالتدريج على إيران، ومجيء الشاه إسماعيل وحكمه لمناطق إيران «گيلان وفارس» من سنة (906 إلى 930) هجرية ثم هزيمته أمام الأتراك العثمانيين في معركة جالديران، جاء إلى الحكم الشاه طهماسب الذي كان صغير السن، ولكنه تميز مع شبابه بالذكاء والقدرة واستطاع أن يهادن أعداءه في البداية لكي يبني إيران داخليا ثم استطاع استعادة ما فقدَ من الأراضي، بل أحدث نهضة علمية مهمة في إيران، وقد ساعده على ذلك طول مدة حكمه التي استمرت 54 سنة (930 هـ/ 984هـ) ، وأيضا استقدامه لأكابر العلماء الشيعة من مختلف المناطق.

فبعد أن استقر إعلان التشيع في إيران باعتباره مذهب الدولة الرسمي، بعث الشاه طهماسب إلى عدد من علماء الشيعة في لبنان والعراق والبحرين وأرسل لهم الهدايا، لكي يأتوا إلى إيران، ويبثوا علومهم. لقيت دعوة الشاه طهماسب أذناً صاغية من كثير من العلماء، كان أبرزهم المحقق الثاني الشيخ علي عبد العال الكَركَي، الذي كان يعد في زمانه في طليعة الفقهاء. واستجاب هذا وأولئك لطلب الشاه طهماسب. وجاء المحقق الكركي لكي يصبح الرجل الأول في مملكة الشاه طهماسب إلى حد قيل بأن «منصوب الشيخ لا يُعزل ومعزول الشيخ لا يُنصب».

وكان من الطبيعي أن يؤسس هذا الوضع لجملة من القضايا في كيفية تعامل الفقهاء في زمن غيبة المعصوم، وهي التي كانت محل نقاش بين المحقق الكَركَي، والفاضل القطيفي. وهي وإن لم تكن سياسية بالمعنى الشائع أي أنها لم تكن تخضع لأدوات المسألة السياسية والموقف السياسي، بل كانت أدوات البحث فيها شرعية، ولكن الفهم لتلك الأدوات، والنظر إليها كان مختلفا بين الفقيهين.

تنتظم هذه الدراسة في مقدمة وثلاثة فصول، يبحث الفصل الأول منها تمهيداً في أحوال الحلة، لأن الشيخ القطيفي قد عاش فيها حتى وفاته، ودرس الفصل الأول تاريخ مدينة الحلة وموقعها الجغرافي وأهم ما قيل فيها من الرحالة العرب والأجانب خلال حقب زمنية مختلفة، ودراسة الحالة الاجتماعية والسياسية والفكرية لمدينة الحلة، فقد تعاقب على الحلة حكم المزيديين أيام الخلافة العباسية (447هـ -590هـ/ 1081م-1193م)، والحكومات التي حكمت الحلة من حكم المغول والإمبراطورية الإيلخانية (656هـ-738هـ/ 1258م-1337م)، والحكم الجلائري ولغاية الحكم العثماني.

وتناول الفصل الثاني حياة الشيخ المحقق إبراهيم القطيفي، متضمناً اسمه ومولده ونشأته ورحلاته العلمية من البحرين إلى النجف ومن ثمَّ إلى مدينة الحلة التي أصبحت البيئة الثانية له بعد مدينة النجف الأشرف، وآراؤه الجريئة التي أطلقها، مما ادَّت إلى انتعاش المذهب الجعفري، ومصنَّفاته، وانتعاش مدرسة الحلة لأكثر من ثلاثة قرون، وبعدها ضعفت مدرسة الحلة.

وتناول الفصل الثالث أهم نتاجات الشيخ القطيفي الفكري وآثار مصنفاته في العلوم الإنسانية وردّه على المحقق الكركي في أكثر من رسالة فقهية، وتوضيح الأسباب الرئيسة للخلاف والخصومة بين الشيخين «القطيفي والكَركَي» في عهد الشاه طهماسب، ثم توضيح الأسباب والعوامل التي أدت إلى ضمور مدرسة الحلة الدينية وآخر علمائها الشيخ القطيفي، وبيان لغة النقد والنقاد المتابعين لتلك الأحداث والخلافات الفكرية والفقهية ورأي الباحث في ذلك.

أما ما يخص كتابنا هذا فهو دراسة لحياة وآراء الشيخ القطيفي الفقهية، إذ كانت للشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي معارضات ومناقضات مع الشيخ علي الكركي ونسبته إلى الجهل، كما هو شأن جملة المعاصرين، حتى أنّه ألفَ في جملة من المسائل في مقابلة رسائل الشيخ علي الكركي ردّاً عليه ونقضاً لما ذكره منها : مسألة حلّ الخراج، ورسالة حرمة صلاة الجمعة زمان الغيبة، ورسالة المنزلة في الرضاع، ورسالة ولاية الفقيه، ورسالة السجود على التربة المطبوخة، والرسالة الحائرية في تحقيق المسألة السفرية.

ومن مصنّفات الشيخ إبراهيم القطيفي كما ذكرنا في صفحات الكتاب : الهادي إلى سبيل الرشاد في شرح الإرشاد، تعيين الفرقة الناجية من أخبار المعصومين عليهم السلام، نفحات الفوائد في أجوبة السؤالات الفرضية، رسالة في محرّمات الذبيحة، رسالة في الصوم، رسالة في أحكام الشكوك، رسالة في أدعية سعة الرزق وقضاء الدين، رسالة كتبها لعمل المقلدين سمّاها النجفية، وكأنّها في مسائل العبادات الشرعية، شرح على ألفيّة الشهيد، شرح لأسماء الحسنى طويل الذيل جليل الفوائد، تعليقات كثيرة على الشرائع والإرشاد وغير ذلك، كتاب الأحاديث الأربعين، مجموعة في نوادر الأخبار الطريفة.

كما أن للشيخ القطيفي رأي في قبول الهدية المرسلة من قبل الشاه طهماسب رداً على تقبلها من قبل الشيخ علي الكركي قائلاً : «ترك أخذ ذلك من الظالم أفضل، ولا يعارض ذلك أخذ الحسن عليه السلام جوائز معاوية، لأن ذلك من حقوقهم بالأصالة، إن العالم إذا تورّع عن جوائز الملوك وتنزه عنها وتجنب الانحياز إليهم تورّعا، فلا لوم عليه ولا يقدح ذلك فيه، بل هو طريق السلامة». وقد كثرت المعارضات بينه وبين الشيخ علي الكركي، حتى أن أكثر الإيرادات التي أوردها الشيخ علي الكركي في بعض رسائله في الرضاع والخراج وغيرهما ردَّ عليه.

وقد عرفَ صحة ما ذكره الشيخ القطيفي، إلاّ أن الشيخ علي الكركي اعترض على ردّ القطيفي برسائله ومواقفه، فترى من المفارقات عن واقع اعتراض الكركي وجواب القطيفي عليه، لكن عرف القرن العاشر الهجري ما لفضل الشيخ القطيفي والشيخ الكركي في دعم المذهب الشيعي، وعلمهما وتبحرهما وحلمهما وفضلهما وكانت بينهما مناظرات ومباحثات كثيرة، فلا محيص عن التعارض بين القولين والموقفين، ولا يدري السابق عن اللاحق.

وكانت لتلميذ الشيخين نعمة الله الحلي مواقف مع كلا الشيخين، فقد درس لدى الشيخ علي الكركي ورجع ودرس عند الشيخ إبراهيم القطيفي، فعندما خاصم الشيخ القطيفي الشيخ علي الكركي رجع الأمير نعمة الله الحلي الذي كان من تلامذة الشيخ علي الكركي، رجع عنهُ واتصل بالشيخ إبراهيم القطيفي مع جماعة من العلماء في ذلك العصر كالمولى حسين الأردبيلي والمولى حسين القاضي مسافر والمولى حسين وغيرهم ممن كان بينهم وبين الشيخ القطيفي، ودفع الأمير نعمة الله الحلي مع الجماعة من العلماء دفعوا الشيخ إبراهيم القطيفي على أن يباحث مع الشيخ علي الكركي في مجلس السلطان الشاه طهماسب في مسألة صلاة الجمعة.

لا شبهة في تقدم الشيخين في العلم والتحقيق والتبحّر، كما لا شك في أن الشيخين أبعد غورا وأصحّ رأيا وأقوى سياسة في مواقفهما في ذلك العصر.

اعتمدتُ في إعداد هذه الدراسة على مجموعة من المصادر، أفادت في تحديد نسب الشيخ القطيفي، وكتب تراجم الرجال في ترجمة شيوخ القطيفي وتلاميذه ومعاصريه، واعتمدت في انجاز هذا البحث على كثير من المراجع التي أفادتني، والتي احتوت على معلومات مهمة تتعلَّق بالحياة الإدارية والفكرية للقرن العاشر الهجري، وآخير دعوانا أن الحمد لله ربَّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الشكر والامتنان للأخ والصديق العزيز الأستاذ عدي حاتم عبد الحسين، لما بذله من جهد ووقت في مراجعة وتقويم الكتاب لغوياً، وأخذ على عاتقه تقديم الاقتراحات الصائبة وتحقيقه، وإضافة الملاحظات الإيضاحية وإعداد الكتاب للطبع ومراجعة المسودات.

ومن دواعي العرفان بالجميل يُحتم عليّ أن أتقدم بالشكر الجزيل للدكتور عبد الرضا عوض، للاشارة والبحث والتمحيص في تاريخ العالم الفاضل والمحقق إبراهيم بن سليمان القطيفي، ومساعدته لي علمياً ودعمه معنوياً، واسداء النصيحة في كتابة هذه الدراسة.

أدعو المولى عز وجل أن يوفق جميع من أسدى ليّ النصيحة في دعم كتابي هذا، ولا يفوتنا هنا أن اسجل شكري للصديق الباحث علي عبد الرضا عوض لما بذل لنا في توفير كتاب «موسوعة الفاضل القطيفي»، فقمنا بالاستفادة منها في تحقيق هذا الكتاب، مع خالص تقديري واعتزازي.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

103 مصطفى العمريثمة أمتان متضادتان، تتخذ كل منهما تسميات وسمات تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والناس، ولايذهب بنا الفكر بعيدا حيث القومية او العنصر وهو مالم نكرس له مقالتنا، الأمة الاولى تتدرع بالعقل فتفسر الحسي والمجرد وفق منطق العقل، والجماعة الاخرى تتذرع بالعاطفة فتفسر الحسي والمجرد وفق منطق اللامنطق، ثمة امتان دائما: الاولى منحازة للخير كما هو والأخرى منحازة لمحاربة الخير كلما بدا، امة مع السلام وقبول الآخر وامة مع الحرب وإلغاء الآخر، فما العمل؟ جاء في القرآن الكريم (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) ومن قبل قالت الديانات السماوية والوضعية الاصلاحية مثل هذا او قريبا منه، وقال فلادمير لنين (دائما ثمة أمتان ونقيضان)، والحرب بين جبهةالعقل وجبهة التخلف قديمة قدم الوعي البشري، فقدمت جبهة العقل تضحيات مفجعة وتكبدت خسائر موجعة كالتشهير والتعزير والتخوين والتجهيل والإلحاد، فمنذ افلاطون ت 347 ق.م الذي اتخذ من خرائب قصر أكاديموس معهدا يلقي فيه على مريديه دروسا في الفلسفة والرياضيات وقف ضد مشروعه العقلي الامبراطور الروماني جستنيان فأغلق المعهد زاعما ان افلاطون يدعو الى إنكار الرب ومناكفة القيم الاجتماعية، لكن افلاطون وضع افكاره في – جمهورية افلاطون – ولم يخرج افلاطون عن وصايا استاذه سقراط ت 399 ق.م مبتكر تحليل الظاهرة من خلال الاسئلة والحوار وفق سلطة العقل وارسطو ت 322 ق. م وهو من مريدي افلاطون قرر الامعان في تدريس المنطق واللغويات والمسرح والموسيقا ، اذن المنهج النوري فعل والمنهج القبوري ردة فعل، ثمة دائماً امتان كما مربنا يعني ثمة دائماً مجابهة بين جبهتين ضدين،، ولم تتوقف المجابهة بين المنطق العقلي والمنظور اللاعقلي بين التجديد والتقليد بين السرب والتغريد خارج السرب لم تتوقف المجابهة في اي وقت من العصور وصولاً الى السلطات العربسلامية : الاموية والعباسية والاندلسية والفاطمية والعثمانية والملكية والجمهورية لكن المفارقة هي أن اوار المعركة بين العقل والوهم سجل سعيراً كارثياً غب 2003 فظهرت أمة من الادعياء الزاعمين انهم سفراء الرب وسدنة الدين وشن هؤلاء المدججون بالسلطة والمال والنصوص المحرَّفة حرباً مهلكة على الناس المتطلعين الى مجتمع متنور متحضر يُدَوْزِن حياته على ايقاع العقل، ومن هنا نقترب من اطروحة الاستاذ مصطفى العمري التي أودعها في كتابه (إشكالية الدين في أنمطة المجتمع قراءات نقدية) والكتاب وفق قراءتي ومرافقتي لمؤلفه ومفاتشاتي معه في اشكاليات اختلفنا فيها مرة وأتلفنا عليها أخرى يُعَد حزمة مواقف اتخذها العمري ضد مظاهر الخرافة والتخلف مهما كانت اللبوس التي تتمظهر بها، مواقف جريئة في وسط متطامن متضامن مع قناعات كونكريتية مسلحة، وقد نشط العمري في نشر مقالاته المثيرة للجدل مستثمراً هامش الحرية وفق بعض من الصحف، فشن عليه المتشددون المنغلقون حملات عنيفة من خلال المنابر والمجالس وبعض المؤسسات والصحف المحسوبة بهتاناً على الدين والاخلاق متهمين إيّاه بتهم هشة المبنى ركيكة المعنى لاتنم عن قدرات فكرية ولو بسيطة في مقابلة الحجة بالحجة، ودفع البرهان بالبرهان، كانت تجربة مصطفى العمري في دعواه للمنهج العقلي قد ابتدعت عاصفة جدل ناله منها شيء من الوضر بما يذكرنا بما كابده سلفه ادورد سعيد ومحمد اراكون وعبد الله العروي وعلي الوردي ومحمد عابد الجابري ونصر حامد ابو زيد .... ، ومصطفى العمري متلق واع لاطروحات كوكبة التنوير تلك ومتمثل ظَمِيءٌ لها و كانت تربطه علاقة افتراضية مع محمد عابد الجابري اطلعت بنفسي على قسط منها بهيئة إيملات فكرية متبادلة واشار العمري اليها في كتابه ص 15، وبهذا الكيف يكون كتاب (إشكالية الدين في أنمطة المجتمع قراءات نقدية) ثمرة دراسة ميدانية وليس ثمرة دراسة مكتبية فما أقل الدراسات الميدانية في وقتنا هذا، ومن هنا تكمن اهمية هذا الكتاب الذي يبتكر نيزكاً يخض فضاءات القناعات المتهافتة ،ولا اظن ان التضاد بين المنهج العقلي والمنهج النقلي سيتوقف يوما ما او توضع له الحلول الناجعة في المستقبل المنظور مع ان الغرب كابد ما كابدناه في حقبة تاريخية من مسيرته بهيئة صراع دموي بين الكنيسة والعقل ادت الى قتل المفكرين والمبدعين أو اجبارهم على التوبة، لكن مكابدة الغرب انتهت وصارت خبرا لكان، حين نهد واحد من اكبر رؤساء الكنيسة (مارتن لوثر) فتخندق مع العقل وفكك التلازم بين الكنيسة والسلطة بين سلطة الدين وسلطة العقل دون اساءة منه للدين الإلهي او اساءة للفكر البشري، وكتاب العمري يطمح الى فك الاشتباك بين الدين السماوي والدولة الارضية بين رجالات الدين وفضاءات المجتمع ولكن بأسلوب تلقائي ودم بارد، قارن (ص 74 أحاول ان اخرجك ايها القاريء من قراءة النص الى التفكير والتأمل والإمعان في هذه الاسئلة لتكون انت المنتج فيها وأنا القاريء) ثم قارن ايضا (ص50 هل بمقدور الخطاب الاسلامي ونصوصه المركزية التماشي مع لغة النهضة العالمية وهل يمكن تسويق الدين مع كل هذا الكم من النصوص الرثة الداعية الى القتل والرق والاستعباد) والكتاب يمتلك طموحا إنسانيا يتموضع في ان الانسان هو الانسان قبل ان نميزه او نؤذيه بمسوغات خارجة عن ارادته بل ان الهم المركزي لدى المؤلف هو تربية الناس على قبول الآخر والتعايش معه، قارن (ص48 لا اشكال في تطبيق تلك المفاهيم وان كنت يهوديا او مسلما او مسيحيا او حتى غير منتم الى دين المهم ان تكون انسانا ولا تتخيل انك الحق الذي يجب ان يسود الكون) وقد يستعين المؤلف وهو يجوس مساحات من التاريخ الضدي بمقولات رواد التنوير لتعزيز فكرته وهو سلوك اكاديمي متبع في صناعة الكتب الفكرية لاغبار عليه قارن (.. ص 51 يقول محمد اراكون : مسكين ابن رشد ليس له حظ في عالمه العربي الاسلامي، الفقهاء المالكيون يدينونه في عصره ويبصقون على وجهه في المسجد الكبير امام الناس عندما كان ذاهباً للصلاة مع ابنه وفقهاء عصرنا يفعلون الشيء نفسه وتمتقع وجوههم ما إن يذكر اسمه في الوقت نفسه يتلقف الغربيون كلامه ومؤلفاته ويترجمونها ويبنون عليها نهضتهم، ثميسألونك بعدها لماذا تاخر المسلمون وتقدم غيرهم) كي يبني استنتاجا مؤسسا على سبب تقدم جبهة وتخلف أخرى قارن (: هناك خطب كبير لحق بالمسلمين واوقف مسيرتهم وجعل منهم أضحوكة لزمن تفترس فيه غلمان الغرب العلوم والتكنولوجيا، بينما هم يفترس احدهم الآخر .... الاعتقاد بأن الخطاب الذي كان في عمق الجزيرة العربية يجب ان يستمر الى هذا العصر، خطاب ميت يدل على ان المتصدين للدين غير مدركين لمعنى الرسالة السماوية، لم تأت الأديان لكي ترغم الناس للولوج في ثقافة مغايرة او اعتقادات مختلفة) ونصل الى ان هموم المؤلف (هنا سيّان فتح لام المؤلف او كسرها) هي هموم صعبة المنال في وسط تكاثرت فيه المصالح واختلطت الاوراق واشتجرت مواقف الداعين والادعياء، ويمكن ملاحظات عدد من عنوانات فصول الكتاب لمعرفة المزيد من مركزية هموم الكتاب من نحو (.. تكهنات حول الوضع العربي القادم ونحو عرب في امريكا ونحو العقل اليقظ يصارع من اجل البقاء ونحو اسباب تأخر المسلمين وتقدم الغرب ونحو غاية الله ورغبة الناس ونحو الالحاد ظاهرة ام اعتقاد ونحو اسباب مخاوف المفكر العربي ونحو قراءة في سفر السيدة عائشة .... الخ وللمزيد انظر ص 185)

وكثيرا ما ناقش العمري مقولات العقل والنقل في الموروث الاسلامي مع ان جماعة النقل تتدرع بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والسيرة بعامة وفي معرض الكتاب الكريم فأغلبهم لايفقه مقولة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام (القرآن حمّال اوجه) ودون معرفة حقيقية لعلوم القرآن للتمييز بين المكي والمدني والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ واسباب النزول ......... فضلا عن اتباع علم الجرح والتعديل في قبول الحديث الشريف او رده، واذا كان عنوان الكتاب يصرف اذهان القراء الى الدين فإن المؤلف توسع في محمولات الدين فلم يقصر جهده على الدين الاسلامي بل تداول الجهد الاديان الاخرى ومحاولات الادعياء في استثمار اللاحصانة لدى الجمهور للعمل على (أنمطته) بل ان المؤلف كما ص 145 ناقش الأنمطة العلمانية ولم يرتض المصطلح مالم يكن التصرف وفق مقاسه وخاض مناقشات حادة جادة مع عدد من العلمانيين، واذا كان الاسلام السياسي يكفر المفكرين المغايرين فإن العلمانية السياسية تخوِّن مناكفيها وتجهلهم وهذه محنة الفكر المستقل ذي المنهج العقلي في مجتمع لم يتثقف كما ينبغي بثقافة قبول الآخر والتعايش مع المخالفين والمغايرين،، وكم تمنى المؤلف ان تكون المؤسسات الدينية نوادي ثقافية تنشر المعرفة وترجح سلطة العقل ص 85 (المراكز الاسلامية متناثرة في مدن وازقة الشوارع ولكن فعلها الاصلي غير موجود، المسجد او الجامع الذي اسس لكي يقرب الناس ويوحد كلمتهم ويجمع شملهم صار مكانا للتكريه والتحريض على البغض والعداء بين الطائفة الواحدة والمجتمع الواحد) وليس ثمة قطيعة بين العمري والدين او رجالات الدين بالمطلق،، فللمؤلف العمري علاقات وطيدة جدا برجال دين معروفين من نحو آية الله السيد الدكتور طالب الرفاعي والمفكر السعودي الاسلامي إبراهيم البليهي فهو يقول مثلا في صديقه السيد الرفاعي (ولايهم ان اختلفنا مع الرفاعي فيما يؤمن به او ما يفكر فيه فانا اختلف اكثر مما أئتلف معه ص 137) وآخرين لايسع المجال لذكرهم ويعن لنا ملاحظة اقتباساته من مقولات آية الله السيد طالب الرفاعي سواء بالمشافهة او بالإحالة على كتاب (أمالي السيد طالب الرفاعي) تأليف الكاتب الكبير رشيد الخيون، ومعروف موقف مصطفى العمري من الاطروحة الشيرازية فهو يكافحها في كتاباته ومحاضراته دون هوادة وقد اتكأ على استذكارات صديقه السيد الرفاعي في امالي السيد طالب الرفاعي ص 281 بتوريخ الفعل الشيرازي ليصل العمري الى القول ص 137 (يمتلك الخط الشيرازي اليوم العديد من الفضائيات والمراكز في جميع انحاء العالم ومدارس تنفث الغباء والغلو والسب والطعن، مدارس تعتمد التطبير والتطيين والمشي على النار والنباح وابتداعات سنوية غير مسبوقة والإشكال الأعظم ان المدرسة التقليدية الشيعية صامتة امام هذا التشويه والخرف ولا اجد اخطر على الانسان من ان يسري في ذهنه وباء التخلف والانغلاق واستعداء الآخر وقد ركز الخط الشيرازي في منهجه على تفشي ظواهر تحيل الانسان الى متخلف ومنغلق ومبغض للآخر المختلف ولا ارى اخطر على الشيعة والتشيع من الخط الشيرازي الذي حاول ان يرتدي لباس الاسلام وبألوان شيعية ثم بدأ يفتك بالعقل الشيعي ويرتد به الى ما قبل الجاهلية) .

وبعد

كتاب إشكالية الدين في انمطة المجتمع قراءات نقدية قبالة الامية الثقافية الدينية التي رانت على المجتمعات العربسلامية بمنهج عقلي انتهجه العمري ينأى به عن الشتم والقذف فالغاية هي كسب الآخر او تنويره وليس استفزازه وتنفيره ومن ثم خسارته، فما أحوج الشارع الديني الى قراءات نقدية جريئة ولذلك نحن ننتظر من الكتاب مخاضات فكرية جريئة في زمن إغراق الفكر الشرقي بكتب الخرافة والعرافة والجنس والسحر بكتب تغسل ادمغة الشباب وتحبب اليهم عسكرة الشارع بسلطات ادعياء الدين وحيتان السياسة وديناصورات الخرافة وتمددات سعلاة العشيرة للوصول الى المجتمع المؤمن بالحياة المدنية القائمة على الدساتير الوضعية التي تساوي بين الناس باختلاف السنتهم والوانهم وتقدس حق المرأة في مشاطرة الرجل الحقوقَ والواجبات .

 

عبد الاله الصائغ / مشيغن مايس 2018

 

 

102 الاسلام في الصينتُعَدّ كلمتا "الصين" و"الإسلام" من بين أكثر الكلمات تداوُلا بين المبحِرين في عالم الويب؛ لكن نادرا ما تُقرَن الكلمتان معاً طلبا لِما يجمع بينهما. حيث قلّةٌ تعلَم أن الصين تضمّ ما يربو عن ثلاثين ألف مسجد فوق أراضيها، وأن مسلمي هذا البلد -رغم تواضع عددهم حوالي ثلاثين مليونا، بما يعادل 2 بالمئة من مجموع السكان العام- يتوزعون على مختلف أنحاء البلد، ولاسيما في أقاليم الشمال الغربي (كسينجانغ ونيغسيا وغانسو وكينغاي)، وفي يونّان، وفي هينان، وربّما بشكل أقلّ في شانكسي، وهيباي، وشاندونغ. حيث يمثّلون عنصرا معتَبرا في النسيج الاجتماعي، بما أغنوا به التراث القديم وما يثرون به الثقافة الحديثة. وعلى خلاف الدينين الإبراهيميين الآخرين (اليهودية والمسيحية) ينعمُ الإسلام بوضعٍ إثنيٍّ مميَّز، وذلك على إثر تقسيم المجتمع الصيني إلى 56 إثنية (مينزو) مع السنوات الأولى لجمهورية الصين الشعبية. وبالتالي ينعم المسلمون بانتماء عرقي غير ديني -يتوزّع على أكثر من عشرين إثنية- بما يضفي تنوعا هائلا عليهم.

الكتاب الحالي "الإسلام في الصين.. من البدايات إلى جمهورية الصين الشعبية"، الذي نقدّمه للقارئ متفرّدٌ من حيث موضوعه. حيث تتناول فيه الباحثة الإيطالية فرانشيسكا روزاتي موضوعا على صلة بالحضارتين الإسلامية والصينية. تسعى فيه إلى تقديم خلاصة شاملة حول علاقة الدولة الصينية بموضوعي الإسلام والمسلمين، وهو مبحثٌ لا تنحصر حدوده بإقليم كسينجانغ، كما يسود التناول عادة، بل يغطّي كافة الشرائح والفئات المسلمة على التراب الصيني. فالكتاب يتتبّع مراحل انتشار الإسلام من أسرة تانغ (618-960م) إلى حدود أوضاع المسلمين في الراهن. مبرِزة الباحثة كيفية انتشار الإسلام في الصين بموجب التجاور، وما لعبه هذا الدين من دور ضمن السياق الثقافي-الاجتماعي الصيني، دون أن يفرز ردود فعل عنيفة، أو يمثّل تهديدا لنسق الوئام الاجتماعي داخل الفضاء الإمبراطوري السالف أو داخل النسيج الاجتماعي المرتبط بالصين الحديثة؛ بل مثّل الإسلام عنصرا فاعلا في التقارب مع الصين على أصعدة اقتصادية وتجارية واجتماعية، وقد شهد ذلك التواصل أوجه إبان نشاط طريق الحرير، واستمر وإن بنسق بطيء بعد اندثار ذلك الطريق.

تننمي الباحثة فرانشيسكا روزاتي إلى جيل الباحثين الإيطاليين الجدد، وهي خرّيجة أكبر جامعات أوروبا، جامعة روما لاسابيينسا، التي يرتادها 120.000 طالب، تخصصت في آثار الصين الإسلامية وفي فئاتها الاجتماعية التي تدين بدين الإسلام. كتابها الحالي هو خلاصة عشر سنوات من البحث والمتابعة الميدانية، ما أضفى على مؤلفها طابعا حيّا مكثَّفا، بعيدا عن الأبحاث الجامدة التي تقتصر على التنقيب في المؤلفات دون متابعة المعيش.

في المحور الأول من الكتاب، وهو بعنوان "من الهامش إلى المركز"، تتناول الباحثة تاريخ الإسلام في الصين من أسرة تانغ الإمبراطورية (619-960م) إلى أواسط حقبة كينغ (القرن الثامن عشر). وهي فترة حبلى بالتحولات، ومهمة كذلك لفهم التطورات التي ألمّت بالإسلام وتحديدا مع أسرة كينغ (1644-1911م) وما تلاها مع حقبة الجمهورية، التي حقّق المسلمون، المعروفون في الصين بـ"هوي" (hui)، أثناءها شكلاً من الاندماج ضمن الأمة الصينية الناشئة، وذلك بالتوازي مع شعور بكونهم جماعة متميزة، الأمر الذي دعا بعضهم إلى اعتبارهم جماعة دينية (هويجاياو)، ورآهم آخرون جماعة عرقية (هويزو) لا غير.

ولو عدنا إلى بدايات الإسلام في الصين نلحظ استعمال لفظة "كينغزينغجياو" القديمة كمسمّى لدين الإسلام ومعناها (دين الحق والصفاء). وفي الواقع ما كانت تلك التسمية خاصة بالإسلام، بل انسحبت في البدء على اليهودية أيضا، حيث نستشفّ ذلك من نص نقيشة موجودة في بيعة يهودية في كايفينغ تعود إلى العام 1489م. وأما اللفظ المستعمل في اللغة الصينية الحديثة فهو "يسيلانجياو" أي (دين الإسلام). هذا وتعود الاتصالات المبكرة بالصين إلى الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص، فقد كان أول سفراء الإسلام إلى "إمبراطورية التفويض السماوي". حلّ بشنغان (كسيان الحالية) سنة 628م نزولا تحت رغبة الإمبراطور تايزونغ، وتلبية لدعوة لتأويل حلم رآه في المنام بشأن رجل حكيم وصادق (النبي محمد عليه الصلاة والسلام) هلَّ من المغرب، أي من جزيرة العرب. وقد وردت القصة في "هويهوي يووانلاي" ضمن أدبيات الصين الكلاسيكية. ولا زال إلى اليوم في كانتون معلَمٌ يُنسب إلى الصحابي المذكور، حيث مسجد هوايشينغ الذي تُعدّ صومعته من أقدم المعالم العمرانية الإسلامية في الصين، وقد تجلى فيها تمازج الطراز الإسلامي بطابع العمران الكنفشيوسي الطاوي. من جانب آخر تورد "حوليات تانغ" حديثا عن أولى السفارات الإسلامية التي أرسلها قتيبة بن مسلم الباهلي سنة 713م، والتى أبى السفير المسلم أثناءها السجود التقليدي "كوتو" للإمبراطور زوان زونغ. حيث بقيت العلاقات الصينية الإسلامية المبكرة مستتبّة إلى حدود العام 751م، زمن تعرض قوات القائد الصيني كاو كسيانزي لهزيمة نكراء في معركة نهر طلس على يد القائد المسلم زياد بن صالح. وقد شكّل ذلك الحدث إنهاء لهيمنة الصين وبدءا لاختراق النفوذ الإسلامي آسيا الوسطى، والحادثة شهيرة في التاريخ بأسْرِ كوكبة من صناع الورق الصينيين ممن استفاد المسلمون من خبراتهم الحِرفية.

في المحور الثاني من الكتاب، وهو بعنوان "ثوار وانقسامات"، جرى استعراض التحركات الإسلامية، إبان القرن التاسع عشر، مع تتبّع مختلف تداعياتها وآثارها، التي تكشف عما دبّ من تباينات دينية وثقافية بين مسلمي الصين. فقد بلغ الحسّ بالامتعاض في أوساط المسلمين المقيمين في الشمال الغربي تحديدا، أي في إقليم كسينجانغ، وكذلك في إقليم يونّان جنوبا، أن أسّس دو وينكسو سلطنة دالي عقِب انتفاضة بانتاي (1856-1873) والتي خلّفت ردة فعل قوية سبّبت مذبحة ضدّ مسلمي الصين.

والبيّن أن المنطقة لم تخلُ من التوتر، منذ القرون الوسطى، حيث يروى المؤرخ منهاج السراج الجوزجاني في "طبقات ناصري" (1260) أن بعض الرهبان البوذيين أوغروا صدر كشلو خان (غوشلوغ) وأوحوا له بإخصاء المسلمين بدل قتلهم. وحين همّ بهم طاله عذاب من حيث لا يحتسب، انقضّ عليه كلبه الرابض قرب عرشه فطرحه أرضا ونهش ذكره وخصيتيه حتى أرداه قتيلا. هذه الرواية تكشف عمق التوتر الحاصل بين المسلمين والبوذيين في بعض الفترات. هذا وقد عمل الإنجليز في مطلع العصور الحديثة على استغلال عوامل التمايز في المنطقة. فمنذ أن تبيّن أن إقليم كسينجانغ يحوي ثروات مهمة كالشاي والقطن، بدأ تواصل الإنجليز مع كاسغاريا، ولم تأت سنة 1873 حتى أُبرمت معاهدة مقابل حماية الإقليم من تدخل الروس (ص: 112). هذا وقد جعلت يونّان، إحدى ثغور الإمبراطورية المهمة على طريق الحرير، أباطرة الصين يصرّون على ضمها إلى دائرة نفوذهم السياسي عنوة، ما أبقى المنطقة عرضة للقلاقل، أبرزها مجزرة 19 مايو 1856 التي ذهب فيها ألوف المسلمين ضحايا. حالة الاضطراب تلك لازمت المسلمين حتى مطلع القرن العشرين، حين شكّل سون يات-سين، مؤسس الصين الحديثة، حركة تونغمينغوي (التحالف الثوري) المناهض لنظام الحكم وبقصد قلب أسرة كينغ، حيث انضم إلى صفّه كثير من المسلمين. ولا يمكن الحديث عن خروج من حالة الأزمة سوى عشية الحرب الصينية اليابانية (1937-1945) التي أعقبها اعتراف إثني بالمسلمين، حيث دعا باي غونسغي أحد جنرالات الجيش القومي لجمهورية الصين وأحد أمراء الحرب في إقليم غوانغكسي الأئمة الأربعة الكبار وأعيان المسلمين إلى ووشانغ لإرساء تحالف استراتيجي، بقي ذلك نافذا وفاعلا إلى فترة طويلة (ص: 163). والواقع أن ثمة إقرارا في العقل السياسي الصيني أن تعاليم القرآن تشكّل دعامة للتوجه الاشتراكي، وهو ما انعكس في النظر للمسلمين بأنهم حملة تراث عريق بوسعه أن يكون سندا وعونا لترسيخ قوة اقتصادية سياسية تتطلع إليها الصين في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، إلا أن ذلك لم يحُلْ دون حدوث إجحاف، ما كان محصورا بدين الإسلام في الواقع، بل جاء جراء سياسة عامة سلكتها الدولة.

تبرِز الباحثة فرانشيسكا روزاتي أن جدلا شغل ساسة الصين الحديثة ومثقفيها، إبان مطلع العصر الجمهوري حوْل طروحات الهوية والأمّة والعرق. وقد شمل من ضمن ما شمل المسلمين، سواء بوصفهم جماعة دينية تنتمي إلى أمة عابرة للحدود، أو بوصفهم "إثنية" (مينزو) ضمن أمة الصين الناشئة. وهي تقريبا العناصر التي عالجها المحور الثالث من الكتاب المعنون بـ"أصوات القومية الإسلامية"، أي العناصر التي استلهمت الرؤى السياسية لباني الوطن سون يات-سان، وكذلك نظريات الحزب الشيوعي الصيني ووجدت سندا في الدعاية الإمبريالية اليابانية، بشأن الدور الذي يمكن أن يلعبه مسلمو الصين داخل الدولة الحديثة. كما يتابع المحور الثالث حديثَه عن الدور الحدودي اللافت للمسلمين، ما جعلهم عرضة للحملات الغربية التي رأت فيهم عنصرا قابلا للإغراء بفعل كونهم من شعوب الأطراف وبوصفهم أصحاب تراث كتابي.

في المحور الرابع والأخير المعنون بـ"الإسلام والقومية والهوية الإثنية في جمهورية الصين الشعبية" وهو محور يغطي الخمسين سنة الأخيرة من تاريخ الصين، وقد شهد الإسلام أثناءها تحولات كبرى. تتناول الباحثة التقسيمات العرقية في الصين، التي شمل الاعتراف فيها المسلمين بوصفهم دعامة من دعامات الصين الحديثة. وقد بُنيت تلك التقسيمات على أساس قواعد أربعة (اللغة والإقليم والاقتصاد والمخزون الثقافي) أرساها ستالين في كتاب "الماركسية والمسألة القومية" (1913). ركّز هذا المحور على أوضاع المسلمين في تلك الفترة وما خلّفته الأوضاع من أثر سلبي لا سيما إبان عشرية الثورة الثقافية (1966-1976)، وما أعقب ذلك من انتعاش إسلامي مع فترة رئاسة دانغ كسياوبينغ وإلى غاية الأوضاع الراهنة مع كسي جينبينغ التي باتت تخضع لتقلبات السياسة الدولية.

لقد جرى توزيع مكونات المجتمع الصيني إلى 54 إثنية معتمَدة من قبل الدولة، أُلحقت بها إثنية إضافية سنة 1979، إضافة إلى مكوَّن إثني غالب يضمّ السواد الأعظم من الصينيين يُعرف بالـ"هان". وعلاوة على هذا التقسيم تستند الدولة في وجودها إلى مرجع خلقي كنفشيوسي اشتراكي، تمثله الأغلبية المشار إليها، لتبقى سائر المكونات الثقافية والعرقية الأخرى موالية ومراعية له. ولا زال هذا التقسيم "الإثني" حاضرا على بطاقة الهوية الصينية. وفي خضم ذلك التنوع تدين عشرٌ من تلك الإثنيات بدين الإسلام: التتار (3556 نفراً)، الأوزبيك (10.569)، البونان (20.074)، الطاجيك (51.069)، السالار (130.607)، الكيرغيز (186.708)، الدونغسيانغ (621.500)، الكازاكي (1.462.588)، الويغور (10.069.346)، الهويزو (10.586.087). وفي الصين أقلية ضئيلة فحسب من "المسلمين المهتدين" (كسين مسيليم) ممن لا ينطبق عليها التقسيم الإثني السائد. هذا وقد مرّت علاقة الجموع المسلمة بأغلبية الهان وبجهاز الدولة العام بتحولات، من "ضيوف أجانب" إلى "صينيين مسلمين". وقد شهدت العلاقة تمتّنا مع نفوذ الحزب الشيوعي الصيني وذلك بفضل النشاط الحثيث للجمعية الإسلامية الصينية التي تأسست في بيكين سنة 1953. وهي جمعية نشيطة تتولى الإشراف على المؤسسات الإسلامية (جينغكسويان)، وتشرف على تكوين الأئمة، وعلى إقرار النصوص التعليمية التي تتناغم مع دعاية الحزب الشيوعي.

ما كانت علاقة مسلمي الصين بالنظام الشيوعي هيّنة، كما تبرز الباحثة فرانشيسكا روزاتي، وهو ما جعل بعض الرموز المسلمين يختارون المنفى الاضطراري في تايوان. وهو حال جملة من الشخصيات الشهيرة التي تركت الصين الحمراء والتحقت بخصيمتها. نجد باي كونغسكي، أحد جنرالات الجيش الثوري القومي، وكذلك ما بوفانغ، وما بوكينغ، وقد انضم جميعهم إلى برلمان تايوان. واليوم يبلغ عدد مسلمي تايوان نحو 60.000 على عدد سكان يناهز 23 مليونا.

وعلى ما تورد الباحثة روزاتي، عارض ماو بشدة مطلع خمسينيات القرن الماضي، شوفينية الهان تجاه الأقليات. وفي نطاق التعاطي مع جماعة "هوي" المسلمة في بيكين، على سبيل المثال، افتتحت الحكومة مدارس بقصد النهوض بالشرائح الفقيرة، كما تم تأميم مطاعم كينغزهان (الحلال)، وجرى ترميم جامع شارع بوي في بيكين إضافة إلى البنايات المجاورة، بأموال عمومية، مع مراعاة ألا تعلو تلك البنايات على الجامع. لكن منذ أن هلّت فترة الستينيات تحول كل شيء وباتت سياسة النظام تهدف إلى "إلغاء أنظمة الاستغلال الإقطاعي المتمثلة في الدين"، وتطلّع الحزب منذ العام 1965 إلى إلغاء أشكال التدين، وقد انجرّ عن ذلك ترحيل العديد من الأئمة إلى المحتشدات بقصد إعادة تأهيلهم (ص: 217). باتت حالة الإمام شان كالي (1924-1970) إحدى العلامات البارزة في هذا السياق المتعسف، حيث قضى الرجل شهيدا بعد معاناة طويلة.

أتساءل باستمرار عن محدودية مناهج التدريس في الجامعات العربية وقصورها عن الإلمام بقضايا العالم الإسلامي. إذ ثمة انغلاق رؤيوي وانحصار منهجي، والحال أن تلك المؤسسات الجامعية هي أولى بتناول قضايا المسلمين لما يربطها بهم من وشائج حضارية ودينية. كتاب الإيطالية فرانشيسكا روزاتي الذي آثرنا عرضه هو من إنتاج باحثة غربية في مجال الدراسات الشرقية. والمعرفة في هذه المؤسسات التي تُعنى بالشرق عملية، ولا تنزع إلى التجريد المشط أو الاغتراب المخل، بل تساير متطلبات الواقع. فأن تصدّر باحثة إيطالية كتابها بحديث نبوي، وإن ضعّفه البعض أو عدّه موضوعا، "اطلبوا العالم ولو في الصين"، فيه إيحاء للبون الشاسع الذي يفصل هواجس الدارس المسلم السالف عن نظيره الحديث.

 

الكتاب: الإسلام في الصين.. من البدايات إلى جمهورية الصين الشعبية.

الكاتبة: فرانشيسكا روزاتي.

الناشر: منشورات لازينو دورو (روما) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2017.

عدد الصفحات: 294ص.

 

عزالدين عناية - أستاذ تونسي بجامعة روما- إيطاليا

 

 

صالح الرزوقفي كتاب (مستقبل الزعامة في المجتمع الشيعي) لمهدي خالاجي، الصادر عام 2017 عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، توقعات تتنبأ بدور جازم لآية الله محمود هاشمي شاهرودي. فهو أبرز مرشح لخلافة خامنئي والسيستاني البالغين من العمر 77 عاما و86 أعاما على التوالي. وهذا يعني انه سيكون مرجعية توحد شيعة العراق وإيران. وهذا الدور التوحيدي سيردم الصدع بين التشيع العربي والإيراني. فقد أشارت كل المراجع إلى الفرق الأساسي بين الأسلوبين. الأول باهتمامه بالمسائل الشرعية والفقهية، والثاني باستئثاره بكل السلطات، الروحية والمدنية.

ويرى مفكر إسلامي هو ماجد الغرباوي أن مثل هذه التمايزات لها خلفيات تاريخية. وبالأخص بالنسبة للتشيع الفارسي الذي ورث تقاليد السلطة الساسانية. فقد كانت دولة مركزية ولا تتسامح بخروج أي مواطن من رعاياها على توجيهات البلاط.

وإن اختيار الشاهرودي سيتبعه انزياح في المؤسسة، وسيترك ذلك من الناحية الاجتماع سياسية بصمات الذوق الفردي للمرجع، وليس حقيقة المؤسسة. فالمرجع الأعلى عند الشيعة دائما يفرض حقائق فردية وليس واقع المؤسسة ككل.

وبتعبير آخر سيقود ذلك إلى تبدل في شبكة العلاقات الاقتصادية وشكل المجتمع وطرق الإدارة والتفكير السياسي، ناهيك عن شبكة المصادر والتمويل(ص1)، إن لم يبلغ العلاقة مع دول الجوار في هذا الجو المضطرب من الثورات.

وقد حصل ذلك سابقا حين الانتقال من دولة الخميني الراديكالي والمهتم بالمسائل الروحية إلى دولة خامنئي بخلفياته البيروقراطية المحافظة والمعادية للإحساس بتعاقب الفترات والعصور(ص 2).

ومهما يكن من أمر الإسلام بشكل عام افتقد للمرونة في اختيار الخلفاء، ففي العصر الراشدي كانت هناك إملاءات وشروط، حتى أن الأنصار استبعدوا من سدة الخلافة مع أن أول مبدأ في الإسلام هو عدم التفضيل بين المؤمنين إلا بدرجة الالتزام (أو التقوى). بينما في العصور اللاحقة فرضت القوانين العشائرية نفسها، واحتكرت دايناستي بعينها كل السلطات مع الثروات العامة (الخراج). وأصبح بيت مال المسلمين ملكا للخليفة ونزواته.

ومن نافة القول إن الإسلام بعد وفاة الرسول تنكر للديمقراطية، واعتمد على النخبة، واجتماع سقيفة بني ساعدة لا يمكن أن يمثل حال المسلمين لا من ناحية أساليب التفكير ولا الواقع الاجتماعي. واقتصرت الشورى على شريحة من قريش ومن المشهود لهم بالقوة والسيادة.

لقد وضع هذا الاجتماع الأساس لثيوقراطية غريبة على تفكير الرسول، وسرعان ما تحول إلى شكل أوليغارشي من أشكال ممارسة الحكم واغتصاب القرار السياسي.

ولذلك ليس من المستغرب أن لا تكون الخلافة استمرارية للتشريع والتحول الروحي، وإنما كانت هناك خطوط عزل بين الفترات.

فقد شغلت أبا بكر حروب الردة، بينما انشغل الفاروق عمر بالفتوحات. وغطى النزاع المكتوم ثم العلني فترة الخليفتين الأخيرين عثمان وعلي. وبرأيي إن الخلفاء الراشدين فعليا هم ثلاثة، فأبو بكر كان وكيلا لعمر فقط، وكل المدونات التاريخية تؤكد أنه هو الذي فرضه لتأخير خلافة علي، وهو من هاجم بيت علي وأجبره على مبايعته. وبعض الروايات تذكر أنه هم بحرق باب داره ليخرج بالإكراه، وروايات أخرى تؤكد أنه كسر باب الدار وأخرجه موثقا بعد أن طرح زوجته على الأرض. وهذا الموقف يكاد يتشابه مع دخول الثوار على الخليفة عثمان وضرب زوجته أمام عينيه. (كما روى أدونيس في الثابت والمتحول).

بعبارة مختصرة ليس هناك أية خصال تجمع أول أربع رؤساء للدولة الإسلامية، وهو ما تكرر في حالة إيران، وكل المراقبين لا يمكنهم تسجيل أية صفة مشتركة بين الخميني وخامنئي(ص 2).

ويبدو أن النهايات هنا نقطة محددة، فالخميني تنحى بالموت، بينما خامنئي قد يستقيل ويمهد الطريق لمن بعده لأسباب صحية، (ص3).

ويبدو أن خامنئي رسم صورة خليفته قبل أن يسلمه مقاليد الأمور، لقد توجب عليه أن يكون:

1- من أنصار مبدأ الثورة المستمرة، وهي فكرة تروتسكية، لم تنجح في روسيا في حينه، بسبب عقل ستالين البارد، ولكن نضجت بذرتها في عهد نيكيتا خروتشوف ثم أثمرت بعد 75 عاما بدخول غورباتشوف إلى الكرملين.

2- أن يؤمن بالعمل العسكري لحماية الثورة.

3- وأن لا يفرط بالأسس الاقتصادية والإيديولوجية للثورة (بمعنى أنه ثيوقراطي ومحافظ).

ومثل هذه الخلطة من الأفكار التي تساوي بين الفكر الحركي وثوابت الدولة تنطبق تماما على شاهرودي المولود عام 1948. فقد تلقى علومه الروحية في النجف، وتطور برنامجه السياسي في إيران (صxii ). وتاريخه الغامض الذي يكتنفه الظل من عدة جوانب لا يحدد بالضبط طبيعة هويته المركبة (ص 6). هل هو إيراني أم عراقي؟. وهل كان من عائلة مهاجرة أم أنه معارض له نشاط في المنفى؟. ولكن من المؤكد أنه انتقل في سلم الرتب السياسية من قائد روحي إلى شخصية بيروقراطية تعمل ضمن قواعد النظام الذي أرسى خامنئي دعاماته(ص xii). وينسب له تسييس القضاءالإيراني خلال رئاسته لمجلس القضاء حتى عام 2008. وخلال هذه الفترة بالتحديد كان حريصا على التنصل من هويته العراقية وتأكيد إيمانه بولاية الفقيه وإضافة لقبه الفارسي شاهرودي بعد كنيته العراقية التي تدل على جذوره الهاشمية(ص6).

ومع أن بعض الشائعات تدعم شائعة تفيد أن ولادته كانت في كربلاء بتبعية إيرانية، لكن هذا يبدو جزءا من غسيل جذوره. أو بتعبير آخر هو تبييض لشخصيته. فولادته في عام النكبة لا يكفي لتصنيفه في عداد الجنسية الإيرانية. ففي تلك الفترة كانت سايكس بيكو قد رسمت بشكل واضح حدود الشرق الأوسط وعزلت العراق عن بقية الخزان البشري للشيعة وعن الجيب العروبي الذي لم يكن يفهم معنى الحدود الجيوبوليتيكية.

وللتوضيح يمكن مقارنة ذلك بأصل أتاتورك. فهو مولود في سالونيك اليونانية عام 1881 بمعنى أنه كان تحت الحكم العثماني. وهذه أول مشكلة واجهها الشاهرودي لتطبيع هويته(ص 13)، فالدستور الإيراني يمنع تولي المناصب الحساسة إلا لمن كان إيرانيا بالولادة والتربية. ولكن الوثائق تحدد بوضوح أن أمه من خراسان وجده لأبيه من شاهرود. إنما حصل الاقتران بين الأب والأم في النجف بإثر هجرة الأسلاف نتيجة العوامل الاقتصادية وطلبا للعلم في الديار المقدسة ( ص13 ). مما يضع أصول الشاهرودي على المحك. ولا سيما أن ثلاثة من أشقائه قتلوا في العراق في أحداث عام 1980 التي تسبب بها حزب الدعوة (ص 13).

ومن استعراض المراحل المبكرة من تلقيه العلم وتكوين طباعه الشخصية تستطيع أن تفهم أن الشاهرودي شخصية كوزموبوليتانية تحمل بصمات عدة ثقافات. الذاكرة لإيران والحياة الاجتماعية للعراق ولكن الثقافة إسلامية ومتعددة المشارب. ولا سيما أن أساتذته من المثلث الشيعي: أفغانستان وإيران والعراق. ومنهم تلقن الأدب العربي الكلاسيكي والبلاغة التقليدية (ص 14).

غير أن التكوين الثقافي لا يقود أوتوماتيكيا لهوية حركية ذات عقيدة وإيديولوجيا. فقد أثرت مجموعة من العوامل في الشكل النهائي لشخصية شاهرودي، وفي المقدمة تعاليم قائده الروحي الإمام محمد باقر الصدر، بهويته العربية ذات البعد الأسطوري. بعبارة أخرى كانت تحدوه يوتوبيا لا تقل في إغرآتها ووعودها حول فكرة الثواب والعقاب أو التعادلية بين ذات الروح وفكرة الإله عن تصورات سيد قطب حول الإسلام السياسي.

ومن المؤكد أن هندسة حزب الدعوة العراقي وحزب الإخوان المصري خدما هدفا واحدا على المدى البعيد.

فلكل منهما أجندا عسكرية مع رافعة دينية هي مزيج من الرموز والكنايات التي تطورت بالانطلاق من بلاغة القرآن الكريم ومعجزات السيرة النبوية.

ولذلك يمكن اعتبار حزب الدعوة نسخة شيعية من حزب الإخوان السني ( ص 18)، ويكون بوسعنا مقارنة الهالة الأسطورية التي أحاطت بكاريزما سيد قطب مع الهالة التي أحاطت بحياة ومقتل الصدر. ولا يمكننا في ضوء هذه المعلومات إلا أن نعتقد أن شاهرودي من شجرة الإسلام السياسي العربي بما حمله من مكونات لها علاقة بالأسطورة والاستدلال والاستنتاج. بمعنى أنه يحمل في لاشعوره الأعصبة العربية التي تضع العقل أمام الموضوع. وللتوضيح: لا بد أنه يؤمن بمبدأ العلة والمعلول ويعمل على ترويج الترسانة التاريخية لتطور مبدأ الوحي وعلاقته بالهداية (كما ذكرهشام جعيط في: الوحي والقرآن والنبوة).

وبوجيز العبارة كان شاهرودي مدينا للصدر بالاعتماد على الإبداع في التفسير وعلى الفضول المعرفي في الإدراك والحوار (ص 19). ولا يفوتني هنا التنويه أن الإبداع لا يتعارض مع استراتيجيته المحافظة. وهو يعني فيما يعنيه تكرار معالجة الثوابت مثل المستدركات في علوم الدين ومشاكل الدولة كدور اللطف الإلهي في رعاية المجتمع وغير ذلك.

غير أن تلك الشجرة حملت براعم من تعاليم الخوئي، المربي الثاني لشهرودي والذي اعتنى به في إيران ولقنه مبادئ الحكمة وعلاقتها بالنفس الكلية والفيض الإلهي.

ويمكن اعتبار هذه العلاقة بمثابة منعطف في حياته الروحية. فإذا كان الصدر مثل رموز الإخوان مصدرا للتفكير الواقعي والمادي في الإسلام فإن الخوئي كان الملهم للجانب العرفاني من شخصيته.

لا شك أن هذه الملابسات لعبت دورا حاسما في إعادة صياغة شخصية شاهرودي. فقد اضطر لأن يتخلى عن صفة معارض عراقي في المنفى لحمل لقب سياسي إيراني.

وخلال هذا المعراج، أو رحلة ابتكار شخصية ثم هوية وطنية جديدة، كان الجانب الرومنسي منه يذوب كالجليد تحت شمس الواقع وضغوط الأولويات، ليضمن لنفسه مكانة مرموقة في الصف الأول من القيادة الإيرانية، وليتأهل لصفة مرجع شيعي.

والسؤال الآن: بعد وفاة خامنئي والسيستاني، هل سيحل شاهرودي مكان أحدهما أم كليهما؟.

إن التوقعات دائما مرهونة بالظروف. والسياسة مثل البساط الأحمر، له كواليس وتتدخل في اختيار من يسير عليه اعتبارات.

 

د. صالح الرزوق

..............

هذا عرض لكتاب:

The Future of Leadership in the Shiite Community, by: Mehdi Khalaji. The Washington Institute for Near East Policy. 2017. 144 p.

 

حسيب شحادةفي الرابع من أيار ٢٠١٨ ٱحتفل في جامعة هلسنكي بصدور كتاب للأستاذ المحاضر فاروق أبي شقرا ”العربية: قواعد وتمارين“ بأربع لغات، الإنجليزية والألمانية والسويدية والفنلندية وهي تحتوي على ١٩٣٠ صفحة. وفي هذه المناسبة السارّة، غير الاعتيادية، ألقى الأستاذ أبو شقرا محاضرة ضافية بالإنجليزية حول اللغة العربية ومكانتها في الماضي والحاضر. بعد انتهاء المحاضرة طُرحت بعض الأسئلة حول الفروق ما بين العربية المعيارية الحديثة التي، في الواقع، ليست لغة أمّ أيّ عربي وفق التعريف المتّبع للغة الأم واللهجات العربية الحديثة وهي بمثابة لغة أم العرب، وهل إمكانية الفهم متوفرة لدى الناطقين العرب بمختلف اللهجات، وحول تنقيط القرآن وتشكيله؛ ترجمة الكتاب المقدس أو أجزاء منه إلى العربية.

أبو شقرا لبناني الأصل من عماطور الشوف، حاصل على شهادتي ماجستير، واحدة من من جامعة لوند والثانية من جامعة غوتنبرغ بالسويد عام ١٩٧٢. ربّما كان السيّد أبو شقرا أوّل عربي لبناني يدرّس العربية للأجانب في جامعات السويد وفنلندا وإستونيا منذ بداية ستينات القرن الفائت وحتى تقاعده. هذه هي عناوين الكتاب باللغات الأربع:

|* Arabic An Essential Grammar (Routledge: London, New-York) December 2018 (475 pp.).

* Arabische Grammatik mit Übungen (Buske – Hamburg) December 2017 (436 pp.).

* Arabiska Grammatik med Övningar (Studentlitteratr – Lund) New print 2017 (553).

* Arabiaa Kielioppia ja Harjoituksia (Gaudeamus - Helsinki) new revised edition February 2018 (466 pp.).

في ما يلي أسجّل ملاحظاتي وانطباعاتي حول الطبعة الفنلندية التي كانت في متناول يديّ، ولكن قبل ذلك أود أن أشير إلى أن أبا شقرا قد عمل جاهدًا على تأليف هذا الكتاب التعليمي سنواتٍ طويلة في خلال تدريسه العربية في جامعة هلسنكي وصدرت باكورة ذلك في ما بين ستينات وسبعينات القرن الماضي. ومن الأسماء التي حملها هذا الكتاب: العربية حول العالم، ٢٠٠١ وطبعة ثالثة عام ٢٠٠٤؛ العربية عبر الحدود عام ٢٠٠١ وطبعة ٣، عام ٢٠٠٤. الغاية من هذا الكتاب عرض أُسس قواعد العربية الفصيحة المعاصرة (المعيارية، MSA) ومعجمها الأساسي. وممّا يلفت النظر في مقدّمة الكتاب قول المؤلف بأنّه على ضوء تجربته فإنّه من الأسهل للطالب الذي يدرس أوّلًا قراءة العربية المكتوبة أن يتعلّم لاحقًا اللغة المحكية، أمّا العكس فيكون أصعب. في تقديري هناك نظر في هذه الفكرة ولا بدّ من إجراء أبحاث في الموضوع، إذ أنّ الحالة الطبيعية لدى الناطقين بالضاد هي، كما هو معروف، بالعكس، أوّلًا لهجة ما فاللغة المعيارية لغة التراث المكتوب ولغة القومية العربية.

بين دفّتي هذا الكتاب تسع وثلاثون فصلًا منها: الحروف الأبجدية/ الهجائية/ الألفباء أو حروف المباني والحروف الأبتثية والنقحرة بحسب الطريقة العالمية (International Phonetic Alphabet, IPA)؛ لفظ الصوامت؛ الحركات القصيرة والطويلة؛ همزتا القطع والوصل؛ أل التعريف؛ الحروف الشمسية والقمرية؛ حتّى (وقد قال العرب: حتحتت نفوسنا من حتّى)، الإضافة، المفرد والمثنى والجمع؛ الأصل؛ الضمائر؛ الفعل المجهول؛ جمع التكسير؛ الممنوع من الصرف، النسبة؛ الصفة؛ إنّ وكان وأخواتهما؛ الاسم الموصول؛ المضارع بحالاته الثلاث، الرفع والنصب والجزم؛ الفعل المهموز الفاء؛ الفعل المعتلّ-المثال، الأجوف، الناقص، اللفيف؛ العدد؛ أيّام الأسبوع وأشهر السنة؛ الاستثناء؛ أفعال التعجب؛ الحال؛ التمييز؛ الشرط. في الصفحات الأخيرة ٤٥٨-٤٨٧ قوائم تصريف لعيّنة من الأفعال الصحيحة والمعتلّة وفق الأوزان العشرة الأولى: فَعَل/فَعِل/فعُل، فعَّل، فاعلَ، أفعل، تفعّل، تفاعل، انفعل، افتعل، افعلّ، استفعل .

تمّ عرض قواعد اللغة الأساسية بصورة واضحة ومبسّطة عبر أمثلة جيّدة والترجمة إلى الفنلندية سليمة ودقيقة في الغالب الأعمّ، والشكر موصول إلى المترجمين، بيرتل تِكّنن وپِكّا لهتينن، اللذين عملا سوية مع المؤلْف أبي شقرا. يبدو أن الهدف الرئيس من مثل هذه الكتب هو تعليم أُسس قراءة نصوص بسيطة في العربية المعيارية الحديثة واكتساب مفردات أساسية لتكون المدماك الأوّل في متابعة الدراسة المعمّقة والشاملة. وممّا يجدر ذكره وجود شريط مسجّل CD وهذا أمر في غاية الأهمية لتوضيح وتعليم اللفظ السليم والتدرّب عليه. وقد أحسن أبو شقرا صُنعًا في إضافة نقحرة للأمثلة العربية في النصف الأوّل من الكتاب، حتى ص. ٢٤٣. قد يكون من الأفضل لو رتّبت فصول الكتاب بشكل مختلف قليلًا، مثل تقديم فصل على آخر مثل تقديم فصل الضمائر المنفصلة، فصل ١٥. المتمعِّن في هذا الكتاب يلاحظ قلّة التمارين، حوالي الثلاثين تمرينًا فقط، لا سيّما وأنّ الكتاب يُعنى بالقواعد وبالتمارين عليها. ويذكر أنّ طبيعة التمارين واحدة وهي الترجمة من الفنلندية إلى العربية وكان من المفروض تنويع التمارين صرفا ونحوا.

هذه قائمة باقتراحات وبما وجدته من هفوات وأخطاء حبّذا تصحيحها في طبعة قادمة وهي وَفق ورودها في الكتاب.

١) إضافة الحرف التاسع والعشرين ”لا“، ص. ١١.

٢) إضافة قيمة الحروف بحسب حساب الجُمّل.

٣) كان من الأجدى الإتيان بكلمات متداولة مثل أسماء الأشخاص وكلمات شائعة جدا من أجل تعليم الحروف، ص. ٢٠-٢٣.

٤) معنى ”حَسُن“ لا يعني ”كان حسن المنظر“ فقط، ٢٤ وكذلك ”كرُم“ ص. ٢٧؛ شهيّا، ص. ٣٤، طبعًا، ص.٣٥؛ سحابا ص. ٤١، دجاجا، ص. ٤١؛ شهور، ص. ٤١؛ إلحاح، أصلعُ، ص. ٥٠؛ دجاجة، ص. ٧٥؛ ركب، ص. ٧٦؛شتمني، ص. ١٤٤،١٩٣؛ شجر، ص. ٢١٦.

٥) ”صَلَب“ لا يُلفظ بالتقريب مثل ṣolobo، ص. ٢٥.

٦) ”فَرَغَ“ لا ”فَرِغَ“؛ ”عَطِشَ“ لا ”عَطِشً“، ص. ٢٧.

٧) نقحرة ”طَبَعَ“ مغلوطة، ص. ٢٨ وكذلك ”حظًّا“ ص. ٣٥، ظروف، ص. ٤٢.

٨) حبّذا لو أضيفت أفعال شائعة مثل: كتب، قرأ، فهم، ذهب، سأل، عرف، أكل، شرب، شكر، عمل، ص.٢٧-٢٩.

٩) الأسماء بدون سياق تأتي عادة بحالة الرفع، ص. ٣٢-٣٣.

١٠) ”دنا“ بالأف الطويلة لا ”دنى“ بالألف المقصورة، ”طباشيرُ“ لا ”طباشيرٌ“، ص.٤٢؛ خوارجُ لا خوارجٌ، فوارقُ لا فوارقٌ، زوارقُ لا زوارقٌ، وزن فواعلُ ممنوع من الصرف، ص. ٤٣؛

١١) ”هاجر“ لا ”هجر“، ص. ٤٣؛

١٢) لماذا فجأة أحرف كبيرة في كلمتين فنلنديتين في أعلى ص. ٣٥ وفي أسفل ص. ٤٨.

١٣) ”نبّأ“ بدلًا من ”نبّه“، ص. ٤٩.

١٤) الأسماء الخمسة، الصواب: الأسماء الستّة، ”هن“ هو الاسم السادس ومعناه عضو الأنثى التناسلي، ص. ١٠٣.

١٥) ”طويل اللسان“ و”الثرثار“ ليستا مترادفتين، ص. ١٠٦.

١٦) هل هذه الاستعمالات سليمة في العربية المعيارية الحديثة: مسافرون غدًا في عطلة قصيرة، الشرطيان الجديدان غير مخلصين للقانون، ص. ١١٩؛ ذهبت الطالباتُ في رحلة إلى القلعة، ص. ١٣٣، ١٤٩؛ ذهبتُ أمسِ برحلةٍ مع يوسف، ص. ٢٣٣؛ … أن يكون هذان المشروعان سيؤثران على…، ص. ٣٣٤.

١٧) ”بريديةً“ بالنصب لا ”بريديةٍ“ بالكسر، ص.١٣٣.

١٨) كان من الضروري ذكر ستّة أوزان الفِعل الثلاثي المجرّد وصعوبة معرفة حركة عين الفعل قياسا:

فتحُ كسرٍ فتح ضمٍ فتحتان               كسر فتح كسرُ كسر ضمّتان، ص. ١٧٨

١٩) ”الكأس“ مؤنّثة، و”كِسْرة، كِسَرات أو كِسْرات“، ص.١٩٠.

٢٠) ”لهم“ عائدة لمن؟، ص. ١٩٠.

٢١)”بُعِدَ“ أم ”أُبْعِدَ“، ص.١٩٣.

٢٢) جرؤ على، ص. ٢١٠.

٢٣) ”طافتِ الأنهر“ بمعنى فاضت؟، ص. ٢٢١.

٢٤) ”يوسف“ لا يحتوي على أكثرَ من ثلاثة صوامت!، ص. ٢٢٧.

٢٥) ”أشياءُ“ ممنوعة من الصرف لأنّها هكذا وردت في القرآن، ص. ٢٣١. المائدة ١٠١ ”يأيّها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياءَ إن تُبْدَ لكم تسؤكم“؛ وقد علّل منع لفظة ”أشياء“ من الصرف بطرق شتّى منها: ”أشياء“ مختوم بألف تأنيث مدّية زائدة؛ إنها على زنة فعلاء وأصلها شيئاء عند الخليل وسيبويه والجمهور؛ إنها على وزن أفعال ومنع الصرف للتوهّم بأنّ الهمزة للتأنيث، عند الكسائي؛ منعًا لتوالي الصوت -إنْ مرّتين في الآية أعلاه: أشياءٍ إنْ.

٢٦) ”ألعاملُ“ لا ”ٱلعامل“، ص. ٢٣٨.

٢٧) ”أعلمتمُ الطاقِمَ“ لا ”أعلمتمْ الطاقِمَ“، تفاديًا لاجتماع ساكنين متتاليين، ص. ٢٦٤.

٢٨) ”الِاجتماعات“ لا ”الإجتماعات“، ص. ٢٨٢، الإتفاقية، ص. ٣٤٢.

٢٩) ”يحضُرُ“ لا ”يحضَرُ“، ص. ٢٩٤.

٣٠) ”...الشعوب عندما يتعلمون لغاتِ بعضهم“؟!، ص. ٢٩٤

٣١) ”ٱغسل“ ولا ”إغسل“، ص. ٣١٧.

٣٢) ”تُحِبُّني“ لا ”تُحِبَّني“، ص. ٣١٨.

٣٣) إضافة الفعل ”أمر“، ص. ٣٢٩.

٣٤) ”اللاجئين“ لا ”اللاجئن“، ص. ٣٣٥.

٣٥) يُكتب الجذر/الأصل/السنخ بدون حركات: وجه، ودع، ورم، وجع، وجد إلخ، ص. ٣٤١، ٣٤٢ إلخ. زور وليس زار، ص. ٣٥٢؛ قوم، ص. ٣٦٥؛ جوز، ص. ٣٨٧.

٣٦) يساعد على/في لا لـ، ص.٣٤٣.

٣٧) بدّل/استبدل بدلا من بدل، ص. ٣٥٢.

٣٨) من الأفضل استعمال ”السِّياقة“ بدلًا من ”السَّوْق“ فالصيغة الأولى شائعة على الألسن.

٣٩) ”فأوقفته دورية من الشرطة فسألوه عن الرخصة“، لم لا ”فسألته“؟

٤٠) ”...أنا لستُ آتيًا...“ كان من المحبّذ استبدال هذا التعبير الفصيح بآخرَ عاديّ يتناسب مع السياق مثل: لن أحضر إلخ. أو أعتذر إلخ.

٤١) ”مِن“ لا ”مِنْة“؛ ”لَهُ“ لا ”لِهُ“ ص. ٣٦٧.

٤٢) من الأفضل القول ”مشيتُ مسافة طويلة“ بدلًا من ”ذهبتُ مسافة طويلة على الأقدام“، ص. ٣٦٧.

٤٣) لم لا تستعمل اللفظة المألوفة ”المَعْذِرة“ بدلًا من ”المعذَرة“ ؟، ص. ٣٦٨.

٤٤) ”أَحَدٌ“ لا ”أَحَد“، ص. ٣٧٠.

٤٥) ”صَفِرَ“ لا ”صَفَر“ فالأوّل من الصِّفْر والجذر الثاني من الصفير، ص. ٣٧١.

٤٦) لمَ لا تضاف إمكانية الكتابة الشائعة ”ثلاثمائة“ بجانب ”ثلاث مئة“؟، ص. ٣٧٨.

٤٧) ”وٱثنتين“ لا ”وٱثنين“، ”وألْقت“ أفضل من ”ورمت“، ص. ٣٨٥.

٤٨) ”قبل/بعد الميلاد “ معناه ”قبل/بعد التاريخ الميلادي وهو المعروف بـ ق.م. وم. ولا يعنى قبل/بعد عيد الميلاد، ميلاد يسوع المسيح“، ٣٩٩.

٤٩) ”يوم الِاثنين“ لا ”يوم الإثنين“، ص. ٤٠١.

٥٠) ”أم“ لا ”أو“، ص. ٤٠٣.

٥١) ”يؤدّيهما“ لا ”يؤدّيها“، ص. ٤٠٤.

٥٢) أليس من الأفضل استعمال ”ألا“ بدلا من ”أليس“، ص. ٤٢٧؟

٥٣) أليس من الأفضل استعمال ”ألا“ بدلا من ”أليس“، في الجملة: أليس يوجد في الجامعة من هو أجدر منك…، ص. ٤٢٧؟

٥٤) أليس من الأفضل استعمال ”لإقلاع“ بدلا من ”حتّى تطير“، في الجملة: ”لم يزل (هناك) بعض الوقت حتّى تطير الطائرة…، ص. ٤٢٧؟

٥٥) ”أَيْمَتى“؟!، ص. ٤٣١.

٥٦) ”جِدًّا“ لا ”جِدًّ“، ص. ٤٣٣.

٥٧) ”للسفر/للركوب/لاستقلال“ بدلا من ”للذهاب“ في الجملة: ”أتاني ضيف فجأة وأنا أستعدّ للذهاب في سيارة أجرة كانت تنتظرني في الخارج“، ص.٤٤٠.

٥٨) ”غيابه عن“ لا ”غيابه“ من، ص.٤٥٤.

 

حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

100 نعومي تشومكييعد البحث في الفكر السياسي عند تشومسكي من الموضوعات المهمة؛ وخاصة إذا ما علمنا أن تشومسكي في بداية شهرته امتاز بكونه عالم لغويات وليس فيلسوف سياسي؛ ولكن اهتمامه بالسياسة هي ما استدعت منه البحث فيها؛ وتناولت عدة كتبه فيما بعد الكثير من الأفكار السياسية؛ وأصبح منذ حينها أحد أقطاب الفلسفة السياسية المعاصرة.

انهمك الباحث "مصطفى مرشد" في كتابه "الفكر السياسي عند نعوم تشومسكي"؛ والذي هو بالأساس رسالة ماجستير قد أنجزها في جامعة القاهرة تحت إشراف د. حسن حنفي؛ إلى توضيح أهم الأفكار السياسية لدى تشومسكي؛ ويعرف عنه بكونه أكثر المفكرين تأثيراً في العالم؛ وذلك لنقده الجريء للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية. ونلاحظ أن الباحث قد غاص عميقاً في تحليل ونقد طروحات تشومسكي السياسية؛ لأجل إظهار وكشف زيف السياسة الأمريكية التي تكيل بمكيالين.

وفي هذا يسعى تشومسكي إلى فكرة جديدة في ميدان الفلسفة السياسية؛ وهي ربط السياسة باللغة؛ وهذا الربط لا نراه عند أي فيلسوف عداه؛ ويرجع ذلك إلى كونه عالماً في اللغويات واهتمامه بالسياسة؛ خاصة إذا علمنا أن هذين الميدانين اللذين أهتم بهما يرجع إلى بيئته المنزلية؛ فوالده كان عالم لغويات وكتب في اللغة العبرية؛ ووالدته كانت مهتمة بالأحداث السياسية؛ وكثيراً ما كانا يتناقشان عندما يتناولون الأكل. فالربط الذي قام به تشومسكي نتيجة أن الايديولوجيا المختلفة الذي يصوغها علماء الفكر؛ تعتمد في مقامها الأول إلى القدرة البارعة في صياغة قوالب لغوية مؤثرة وفعالة. وتتلاعب السياسة الأمريكية بالمعاني اللغوية؛ كاستبدالها تسمية الاحتلال بتسمية الحماية. وبذلك يعدها تشومسكي دولة لا تزال خارجة عن قانون؛ بسبب الانتهاكات التي تقوم بها اتجاه الدول الضعيفة. ويعطي تشومسكي وصفاً للمجتمع الأمريكي بكونه مجتمعاً خائفاً عن طريق ضبط الولايات المتحدة لرعاعها.

ونلاحظ أن الباحث قد أهتم بوسائل الإعلام من خلال طرحه لأفكار تشومسكي؛ لأن وسائل الإعلام الأمريكية تنادي بشعارات من قبيل الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة والسلام للعالم؛ ولكن الباحث يرى أن تشومسكي يعد حقيقة هذه الشعارات ليست نبيلة كما يتصورها الكثيرين؛ بل إن حقيقتها تكمن من أجل شن الحروب ضد الآخرين.

وحملت دراسته إشكالية؛ وهي: هل هناك اتساق بين ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية وما تروج له من خلال مؤسساتها الرسمية؟ إذ انبثقت هذه الإشكالية من عدة تساؤلات لدى الباحث؛ أهمها: مفهوم كل من الدولة المارقة والدولة الفاشلة؟ وهل الولايات المتحدة دولة مارقة أو فاشلة؟ هل تعد المبادئ في النظام العالمي الجديد مبادئ لتحقيق أهداف نبيلة أم ذرائع من أجل السيطرة والهيمنة؟ وغيرها من التساؤلات.

ومن أجل التحقق من هذه الإشكالية ومحاولة الإجابة عنها؛ عمد الباحث إلى وضع خطة فلسفية؛ اندرجت تحت أربعة فصول.

الفصل الأول كان بعنوان: "جدل اللغة والسياسة"؛ ويرى الباحث في هذا الفصل أن تشومسكي أخطى خطوة جريئة في مجال اللسانيات؛ وهي إدخاله دور العقل في العملية اللغوية؛ وهو بذلك أعاد الاعتبار للذات الإنسانية التي طالما استبعدتها اللسانيات البنيوية. وعلى الرغم من اشتغاله في اللغة؛ فكما قلنا قد استهوته السياسة.

الفصل الثاني والذي حمل عنوان: "الدولة والنظام العالمي: تصنيف الدول واسترتيجيات الهيمنة العولمية"؛ ويتطرق الباحث في هذا الفصل إلى الأهداف الحقيقة التي تكمن وراء قيام نظام عالمي جديد من وجهة نظر تشومسكي؛ وكما تطرق إلى الدولة عنده وموقفه منها في ظل السياسة الخارجية الامريكية وفي إطار النظام العالي الجديد الذي أصبحت فيه بعض الدول مارقة وأخرى فاشلة.

وفي الفصل الثالث الذي كان عنوانه: "الإرهاب بين النقد والنقد المضاد"؛ عرض الباحث في هذا الفصل إلى تعريف الإرهاب بصورة عامة وإلى تعريف تشومسكي للإرهاب؛ فالإرهاب بصورة عامة يعرف على أنه «استخدام العنف بأشكاله المختلفة كالاغتيال والتشويه والتعذيب والتخريب والنسف؛ بغية تحقيق هدف سياسي معين مثل: كسر روح المقاومة والالتزام عند الأفراد؛ وهدم المعنويات عند الهيئات والمؤسسات؛ أو كوسيلة من وسائل الحصول على معلومات أو مال؛ وبشكل عام استخدام الإكراه لإخضاع طرف مناوئ لمشيئة الجهة الإرهابية»؛ وأما تشومسكي يتبنى تعريفاً للإرهاب الموجود في كتيب للجيش الأمريكي؛ ويعرفه بأنه «الاستخدام المحسوب للعنف أو للتهديد بالعنف بغية تحقيق أهداف سياسية؛ أو دينية أو أيديولوجية من حيث الجوهر؛ وذلك من خلال التهويل؛ أو الإكراه أو بث الخوف».

وأما الفضل الأخير حمل عنوان: "الدعاية وصناعة الحقيقة"؛ ويرى الباحث أن الإعلام قد شغل حيز كبير من كتابات تشومسكي؛ إذ خصص له العديد من المؤلفات والمقالات والحوارات التي أجراها؛ وكان سبب اهتمامه بالإعلام هو بحثه عن مدى صحة ما تنقله لنا وسائل الإعلام؟.

وتوصل الباحث إلى عدة نتائج في نهاية دراسته حول "الفكر السياسي عند نعوم تشومسكي"؛ أهمها:-

هناك علاقة واضحة بين الجانب اللغوي والجانب السياسي في فكر تشومسكي؛ ويتمثل ذلك من خلال الطبيعة البشرية التي جبلت على التحرر.

توضيح الغموض الذي يشوب مفهوم الإرهاب ومعرفة الصانع الحقيقي له؛ وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بتصدير ودعم الإرهاب بشقيه الفكري والعسكري.

علماً أن الكتاب نشر لدى دار قناديل للنشر والتوزيع؛ في بغداد – شارع المتنبي؛ في 2018.

 

محمد حسن فيصل

 

 

99 سعد ياسين يوسفصدرت حديثا في دمشق المجموعة الشعرية السادسة للشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف بعنوان (أشجارٌ لاهثة ٌفي العَراء) وضمت (48) نصاً شعرياً قدم لها الشاعر بالقول: (كلُّنا أشجارٌ لاهثة ٌ في عَراء الأسئلة).

وتناولت المجموعة التي اتخذت العنونة من إحدى قصائدها، حزن الإنسان وحيرته إزاء الأسئلة الكونية التي تواجهه وهو يعيد ترتيب الإجابة - بلا جدوى - عما يحصل له تاركة إياه في دوامة اللهاث في صحراء المعنى، مغادرا سلامهُ الروحي قسراً إلى خيمة ممزقة تعبث بها رياح الحروب والقتل والسبي والتهجير والنزوح والهروب الدائم من الموت .

ومن بين عناوين قصائد المجموعة التي صدرت عن دار أمل الجديدة (عشبة السماء، عيون الصّبّار، شجرة العروج، شجرة القصيدة شجرة المفاتيح، شجرة كربلاء -2، هديل الوردة العالية، حادث دهس ليلي، عصافير ميتة، أغصان عارية، شجرة الإنتظار، شجرة الابتسامة ،لاضير في حلم، ومكابدات خيمة).

يُذكر أنَّ الشاعر سعد ياسين يوسف الذي اعتمد الأشجار رمزا وسعى إلى أنسنتها في تجربته الشعرية كان قد أصدر خمس مجاميع شعرية هي: قصائد حب للأميرة ك ،شجر بعمر الأرض، شجر الأنبياء، أشجار خريف موحش، والأشجار لاتغادر أعشاشها .

 

المثقف / أحمد فاضل

 

101 التفسر الروائيصدر في أربيل - العراق - المجلّد الثاني من تفسير (التحليل الروائي للقرآن الكريم) للروائي السوري عبد الباقي يوسف متضمناً سورتَي (الأنعام – الأعراف)

وقد قع هذا المجلّد في 691 صفحة. وكان المجلّد الأول قدر صدر سنة 2016 متضمّناً سور (الفاتحة، البقرة، آل عمران، النساء، المائدة).

يتميّز هذا العمل بحداثة الطرح، وأنّه يقدّم القرآن تقديماً حديثاً وجريئاً، مستوعباً المُنجَز البشري الحديث، والتغييرات الاجتماعية التي وقعت وفق هذا التقدم التقني الذي حقّقته البشرية.

ومن الجوانب التي يشتغل عليها المؤلف في مشروعه الذي بدأه سنة 2013 ، التركيز على كيفية تجدّد القرآن الذي لا يمكن لأي تقدّم بشري أن يحيله إلى شيء من الماضي، بل على العكس، فإن كل تقدّم بشري، يزيد القرآن حضوراً وتفاعلاً في صلب الواقع الجديد. رغم أن بعض خطوات التقدّم الكبرى تحيل أشهر الكتب إلى شيء من الماضي، ومن ذلك بعض أمهات كتب التفسير، والفقه، والآداب الإنسانية.

يتناول هذا العمل بدقّة فائقة كينونة العلاقة بين تفاصيل وقائع الحياة اليومية للمجتمعات البشرية، وبين الآيات القرآنية، فيدخل القارئ إلى تلك الأجواء بلغة روائية حتى يتحسّس بأن الآيات تتنزّل للتو، وأن البدائية البشرية ما تزال موجودة تسري في الدم البشري من إنسان إلى آخر، مهما تقدّم الزمن، مهما خطا الإنسان خطوات حضارية. ولذلك نرى بأن تلك الأسباب التي تسبّبت في التنزيل، تتكرّر وتتجدّد وهي تحمل معها رائحة التنزيل الذي تسبَّبَت فيه، ذلك أن التنزيل لم يكن على أشخاص بعينهم، بل على أفعال الأشخاص، سواء أكانت هذه الأفعال سلباً، أو إيجاباً، وحَفَدة الإنسان يمارسون تلك الأسباب في وجهَيها السلبي والإيجابي.

كذلك يتميّز هذا العمل بلغته الأدبية، وتقنياته الفنّية العالية، وبنزعات إنسانية متقدّمة. وبذلك فهو يعتمد على المخيّلة الروائية، دون أن يلتفت كثيراً إلى القيل والقال كما الشأن بالنسبة لكثير من كتب التفسير التي تكون أحياناً مكرّرة عن بعضها البعض ، فذلك قد قيل وكفى كما يبيِّن المؤلف في هذا العمل، وهو بذلك يكون عملاً أدبياً إبداعياً يقدّم للقارئ أفكاراً جديدة لم يقرأها من قبل في كتب التفسير السابقة.

يُعنى هذا العمل بجوهر العلاقة بين الإنسان والله، حيث يكون الله أكثر قرباً من الإنسان كلّما كان الإنسان أكثر قرباً من إنسانيته، وأكثر بعداً عن الإنسان كلما كان الإنسان أكثر بعداً عن إنسانيته.

ويبدو الجهد جلياً في هذا العمل حيث يتناول المؤلف الآيات القرآنية آية آية على حدة، ويجعل لذلك محاور، كل محور يضعه في باب يحمل عنواناً يشير إلى المحور الذي يتم تحليل الآية ضمنه.

وقد جعل سورة الأنعام في ثمان وثلاثين باباً، وسورة الأعراف في أربعين باباً.

 

 

96 نايات الحنين

عن دار الحديث للطباعة والنشر في عسفيا، صدرت المجموعة الشعرية النثرية الجديدة للشاعرة الجليلية نجاح داوود كنعان، المقيمة في طمرة.

جاءت المجموعة في ٩٠ صفخة من الحجم المتوسط، وضمت بين دفتيها ٥٢ صفحة من الحجم المتوسط، وصمم غلافها الفنان التشكيلي ب. الهيجاوي، وأهدتها الى زوجها الذي دعمها وشاركها خطوات الانجازات التي حققتها.

قدم للمجموعة كاتب هذه السطور شاكر فريد حسن، ومما قاله: " الحب والحنين، الأرض والخصب، التراب والوطن، النفي والموت، الشجر والميلاد، التحمت نجاح فأسكنها الشعر، وأسكن الشعر فيها قلادة عطر نسغًا لحلم وردي وحياة للعنادل والسنابل الفلسطينية التي تطلق زغاريد الفرح والحرية بالدم والحناء، وبلغة الموت والشهادة".

أما الشاعر الفلسطيني باسم الهيجاوي فكتب على الغلاف الأخير: " تتوهج الفكرة الشعرية من بين ثنايا هذه الكلمات التي تزاوج النثر بالشعر .. فتعزف على نايات الحنين نشيد المشاعر التي تاثت وتتوق للحظة دفء .. وتنطر غيم السماء ليروي ظمأ الأرض .. فتعود الطيور الى أعشاشها بعد أن شابها النأي .. وينبت العشب من بين الصخور .. وتصدح شبابة الراعي .. فتصحو الطيور من بقايا نومها .. لتغني أناشيد الحياة .. أتمنى للكاتبة مزيدًا من الخطى التي تدرك أين تضع أقدامها لتعزف على نايات الحنين أغنية بلون الربيع الدائم ".

" نايات الحنين " نصوص تموج بالأحاسيس، ولغة عذبة جميلة في جمال الأحاسيس الشعرية، تتدفق من بين كلماتها أحلامها الأنسانية، قبل أن تكون شاعرة، وما الشعر الا بوح ونبض الروح. ونجد فيها تأملات ورؤية ورؤى فكرية وحلمًا ووجدانًا وزومانسية وانتماءً.

تقول نجاح في قصيدة " اتسألني من أنا ":

أنا الشوق الممتد الى عمق الجوانح

يشتد بالجوى..

أنا الغصن الأخضر الذي ما انحنى

أنا الزهر والسنا ...

أنا زنبقة بيضاء..

وحرفي ياء .. وباء ..

حروف تعشق الهناء

أنا أهزوجة الفلاح في ليل التعب .

ينشد الأمل القادم ..

أنا الحمام الحائم

أنا السوسن بربيع لا يفتى ..

وعنه لا غنى

قيثارة أوتارها

تنعش القلب ..

ياقوتة أنثى

نجمة يشع بريقها

طفلة تلهو في ظل نخلة

جذورها في الأرض ..

وطلعها في السماء .

" نايات الحنين " يضيء شعرًا ويوحًا جميلًا وحسًا مرهفًا وروحًا دافئة، ونجاح داوود كنعان شاعرة رقيقة تخافظ عبر قصائد مجموعتها على اسلوب شفاف وعفوي ورونق مميز مليء بعيق وعطر شعري خاص بها، بروح شاعرية رهيفة متوثبة.

فأحر التهاني للصديقة الشاعزة نجاح داوود كنعان، بصدوز مجموعتها الجديدة " نايات الحنين "، وبالتوفيق الدائم والبوح المميز الجميل .

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

94 التجاني بولعوالي"هل تحمل العولمةُ "فوبيا" ما للإنسان والكون أم أن ذلك محض توهّم يسكن ذوات وأفكار وواقع العديد من المسلمين المعاصرين؟" بهذه المساءلة الإشكالية العميقة يدبج الباحث المغربي المقيم في بلجيكا التجاني بولعوالي كتابه الجديد المرسوم ب: المسلمون و"فوبيا" العولمة، الذي صدر السنة الجارية عن دار مقاربات للنشر والتوزيع، وهو يحاول تفكيكها من منطلقات متعددة وعلى أصعدة مختلفة، معتقدا أن ظاهرة العولمة تعتبر بلا شك من القضايا المعاصرة التي تتخذ طابعا إشكاليا جراء تداخل مختلف العوامل التربوية والسوسيو- ثقافية والسياسية والاقتصادية في بلورتها، وقد أفاض الباحثون شرقا وغربا في معالجة ملابساتها وتداعياتها على الفرد والمجتمع.

ويذهب بولعوالي إلى أن ما يسترعي النظر، لا سيما في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، أنه عادة ما يتم اجترار رؤى بعينها تكرر ما أنتجه السابقون، سواء في الغرب أو في العالم الإسلامي، وتكاد مواقف المفكرين والمثقفين العرب والمسلمين تجمع على رفض ظاهرة العولمة، تحت ذريعة الخوف من هيمنة الأنموذج الثقافي الغربي على حساب الهويات المحلية والأصلية، ومنها الهوية العربية الإسلامية. وهي تشكك بذلك في مسألة العولمة دون التمييز الموضوعي بين إيجابياتها وسلبياتها، بين محاسنها ومساوئها، وبين ما هو إنساني مشترك فيها وما هو إيديولوجي ضيق، وتلتقي في هذا الرفض التيارات العلمانية والإسلامية واليسارية، حيث غالبا ما تُقدم العولمة بمثابة اختراع أمريكي قح، تسعى من خلاله الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها إلى قولبة العالم حسب قيم (ما بعد) الحداثة الأمريكية المناوئة لما هو ديني وتقليدي، في حين أن العولمة نتاج إنساني مشترك ساهمت في إرسائه شتى الثقافات والأديان عبر مختلف أحقاب التاريخ الإنساني .

ويرى بولعوالي ان العالم صار اليوم مفتوحا على جميع الأشكال الدينية والثقافية والإيديولوجية، حيث تكاد تتلاشى الحدود التقليدية أمام غزو الإعلام الفضائي والرقمي، ولا يمكن مواجهة هذا الزحف العولمي بالتقوقع والانطواء على الذات، بل بالانفتاح البنّاء والحضور المتنوع قصد ترسيخ مقومات الهوية الخاصة لدى الأجيال الصاعدة، لا سيما في المجتمعات الغربية التي يعيش فيها ملايين المسلمين والأجانب، وتوفر فلسفة التعددية وحوار الثقافات إمكانية التوفيق بين عناصر الهوية الأصلية ومقتضيات السياق التعددي الجديد.

ويتضمن هذا الكتاب مجموعة من البحوث والدراسات التي اشتغل عليها الباحث التجاني بولعوالي طوال الأعوام الأخيرة، ويمكن تقسيمها الى صنفين، أولها شارك به في بعض المؤتمرات والندوات العلمية، فكان محط نقاش بناء بين العديد من الباحثين والخبراء والاعلاميين ساهم في شحذ أفكاره وتوسيع آفاق المقاربة التي يتبناها الباحث. والصنف الآخر نشره في شكل مقالات ودراسات مستقلة في مجموعة من المنابر الرقمية والورقية، وذلك إسهاما منه في إغناء المشهد الفكري الإسلامي بمواقفه تجاه مختلف القضايا التربوية والاخلاقية والثقافية والسياسية الهامة، وتفسيراته لجملة من النوازل والمستجدات ذات البعد المحلي أو الكوني. وهذا يعني أن الكتاب يعيد قراءة التراكم المعرفي، الذي سبق للباحث أن أنجزه بكيفيات متنوعة، بغرض تنسيق أفكاره وعناصره بشكل متناغم، ويقتضي ذلك تارة البحث المعمق (من جديد) في بعض المسائل المطروحة سواء معرفيا أو منهجيا، وتارة أخرى إعادة كتابة العديد من الفقرات والمباحث بصيغة تناسب الرؤية الشمولية التي يحملها هذا الجهد المعرفي.

وتشكل العولمة، لا سيما في تجلياتها السالبة في المخيال الشعبي والفكري الإسلامي، البؤرة التي تتشعب منها أفكار وتأملات وتفسيرات الكتاب حول القضايا، سواء التي تتقاطع مع العولمة؛ استمدادا إيجابيا أو استلابا سلبيا، أو التي تتداخل فيما بينها؛ بنيويا أو عرضا. وتأتي على رأسها قضايا الدين، الهوية، التربية، اللغة، التنمية، الاعلام وغيرها. والمقصود بالاستمداد الإيجابي أن تأخذ أو تقترض من الآخر جملة من الآليات والمعارف بشكل عقلاني ومتوازن دون الوقوع في آفات الانجرار والاستلاب والذوبان. في حين يُراد بالاستلاب السلبي التخلي عن المقومات الهوياتية والثقافية والأخلاقية الأصلية لصالح ما هو دخيل، ما يفضي إلى ترسيخ التبعية للآخر وتقليد الغالب بالمفهوم الخلدوني.

أما التداخل البنيوي فيشير إلى طبيعة العلاقة الوثيقة والمطّردة بين بعض المكونات، كما هو الشأن بالنسبة للهوية في علاقتها بالدِّين والتربية التي تتخذ طابعا بنيويا ثابتا. في مقابل ذلك، تبدو العلاقة بين الهوية والإعلام في الغالب الأعم عرضية، ما دام أحدهما لا يقتضي حضور الآخر بالضرورة، فالهوية قائمة في كل الأحوال في انفصال عن الإعلام، والإعلام نفسه لا يحتاج الى الهوية لكي يستمر في وظيفته وسيرورته.

وهكذا يواصل بولعوالي مساره الفكري بهذا الإصدار الجديد الذي يضاف إلى جملة من المؤلفات التي أغنى بها المشهد الفكري العربي والإسلامي منذ حوالي عقدين من الزمن، مثل: المسلمون في الغرب، الإسلام والأمازيغية، وصورة الإسلام في المقاربة الأكاديمية الهولندية، والإسلاموفوبيا، وغيرها.