416 محمد عطوان(صور الآخر في الفكر السياسي العربي المعاصر)

تتعدد صور الآخر (الغرب) بتعدد طرق التماس والإحتكاك به، فمنها ما هو إيجابي نافع، مثل بعض مُعطيات الاستشراق، في تحقيقه للتراث العربي والإسلامي، أو في دراساته النقدية للتراث، بكل ما فيها من تجاوز على بنية التراث القُدسية في الوعي والمخيال العربي والإسلامي، وهنا يشرح لنا د. محمد عطوان ماهية الاستشراق بوصفه "الجُهد التمثيلي الذي يصنعه المُستشرقون الغربيون عن عالم الشرق" (ص39)، وما كان يشغل بال المستشرقين هو الإسلام الذي إمتد جُغرافياً في الشرق، ولكن حضارته وصلت إلى حدود أوربا.

صور الآخر الاستشراقي

يشتغل محمد عطوان على تمثل صورة الآخر بين الغرب والشرق، وتبادل الأدوار في تمثل هذه الصورة، وتبادل الأدوار بين من هو "أنا" ومن هو "آخر"، ومن دون الدخول في تاريخية نشوء الإستشراق التي استطرد بها محمد عطوان ودوافعه من دون حسم الإجابة عن قيمة الدوافع بوصفها من مُمكنات نشوء الاستشراق ونقد الفكر الإستشراقي والتقليل من قيمته، والدوران في فلك أطروحة إدوراد سعيد في كتابه "الاستشراق" وربطه له بالاستعمار أو الكولنيالية، لأنه يذهب إلى ما ذهب إليه إدوارد سعيد من أن الاستشراق قد صاغ صورة عن الشرق، لم نستطع نحن العرب تجاوزها أو كسر أُطرها، فلم يستطع الشرق بناء صورة حقيقة له من الواقع الذي يعيش فيه، إنما بنى تصوره عن ذاته عبر وسائل التمثيل التي رسمها الآخر عنه، ولأن الغرب هو المُهيمن فكرياً وسياسياً وعسكرياً، فقد تمكن من جعل الشرق تابعاً له، وبنى رؤية صيَرها هو له، على أنه نوع بشري أدنى من حيث التكوين العرقي، أو من حيث التكوين الفكري (العقلي)، وهي طريقة من طُرق الإستعمار الذكية في الهيمنة على الشعوب المُستعمرة، والعمل على إقناع الشعوب المُستعمرة بالحملات الاستعمارية بوصفها "بديلاً مُغرياً عن واقع الهيمنة العُثمانية" (ص69).

كان محمد عطوان ذكياً في كشفه وتعريته لأساليب الاستعمار ليس في الخداع الخطابي، وإن يكُن هو جُزء من "اللُعبة اللغوية" لأفاعيل (الكولنيالية)، في خداع الآخر (المُستعمَر)، ولكنه يكشف عن مقدرة تميز بها المُستعمرون هي تغيير الأسماء واستبدالها بأسماء أخرى جديدة، لا لغرض تغيير الإسم بمُسمى آخر، فإن كان هذا هو الغرض، فهو نوع من العبث، والحاذق الذكي لا يُحب قضاء الوقت بالعبث، إنما كان الغرض من تغيير الأسماء فيه ذكاء وسعي جاد لتغيير الدلالة أو محو للإسم السابق، وبناء وعي مفهومي تلعبه دلالة الإسم الجديد وظيفياً وأيديولوجياً في النشىء القادم، وهذا الأمر قد أفادت منه أنظمة الحُكم ما بعد الكولنيالية التي سُميت بـ "الوطنية" التي غيرت أسماء كثير من الشوارع والمُدن، فخُذ مثلاً على ذلك مدينة الثورة، فهي قد سُميت بهذا الإسم لأن من أنشأها الزعيم عبدالكريم قاسم بعد ثورة 14 تموز، وبعد أن تمكن نظام البعث من الإنقلاب على حُكم عبدالكريم قاسم، وبعد مُدة من تزعم صدام لقيادة الدولة، بعد إزاحته لأحمد حسن البكر، سُميت مدينة الثورة بمدينة صدام، وبعد إسقاط صدام، ولأن أغلبية سُكانها من الفُقراء الذين كانوا من مُحبي المرجع الأعلى مُحمد مُحمد صادق الصدر، سُميت بمدينة الصدر، ولربما سيتغير إسمها بعد تغير شكل الحُكم!، ومشكلة هذه المدينة الصابرة أن كل نظام حُكم إنما ينشغل بتغيير إسمها لا بتغيير واقعها نحو الأفضل!.

لقد كان أستاذي الكبير مدني صالح يُخبرني أن واحدة من مشاكل العرب، أنهم يهتمون بالإسم دون المُسمى، فستجد أن (للمُرحاض) أسماءٌ مُتعددة، وعُذراً على سوء إختياري للمثال، لكنه بقصد، ولكنك ستجده هو ذاته بكل ما فيه رغم تغيَر الإسم، ولكن المُسمى واحدٌ، ولكنك في الغرب، ستجد أن تغيَر الأسماء مُرتبط بتغيَر المُسمى.

نلحظ تردد محمد عطوان في قبول فكرة الربط بين الحركة الاستشراقية والتبشير، أو رفضها، لأنه يرى مرة "إن مُوجهات الإستشراق إن لم تكن سياسية، فإنها ذات طابع علمي في الغالب، ولا سُلطان للعمل الكنسي على مشاريع الغرب السياسية في تلك المرحلة" (الكولنيالي) (ص53)، وأخرى يرى فيها أن "ثمة علاقة بين الحركة الاستشراقية وبعض أطرافها، وبين عملية التبشير أيضاً" (ص53).

يعتقد محمد عطوان أن "القوى الاستعمارية اعتمدت على الاستشراق في تمرير طموحاتها في التوسع، ولكن لا يعني هذا أن الاستشراق أفاد من الاستعمار في أنشطته الميدانية" (ص54) (!)، وعلامة التعجب من عندنا، لأن محمد عطوان يعلم بأهمية أطروحة إدوارد سعيد، وهي تقوم على الربط بين الاستعمار والاستشراق وتبادل الأدوار في الخدمة، فالاستشراق بحسب إدوارد سعيد يُشتق من علاقة التقارب بين بريطانيا وفرنسا في الشرق، وهو استراتيجية تعمل على تكريس فكرة التفوق الغربي، وهذا لا يعني أن لا فعل وإبداع فكري للمُستشرق، كل حسب إختصاصه، إلَا أنه يسير بخط مواز وتفعيل إيجابي مع مقولة (رينان) في تأكيده على تفوق العقل الآري على العقل السامي.

وضع محمد عطوان مبحثاً عن (الاستغراب) (73)، وهو مشروع مات وهو في مرحلته الجنينية كما أحسب وأظن، ومن المُفكرين العرب الذين إشتغلوا على التنظير لهذا المفهوم هو حسن حنفي في كتابه "علم الاستغراب"، وأظن أن حنفي ومن سار على خُطاه إنما كان شغوفين في اجتراح المفاهيم على غرار تصميم سبق، ولكنهم لم يعوا أن الاستشراق ليس إجتراحاً لمفهوم، إنما هو منظومة فكرية عمل عليها مُفكرون ومؤسسات من شتى دول الغرب، وهو دراسة ومُعايشة وفهم لماضي الشرق وحاضره وتشكله الأنثربولوجي وتنوعاته الاجتماعية، بقصد الهيام بسحر الشرق، وفق وصف زكي نجيب محمود "الشرق الفنان"، أو وفق سعي لاستعماره واستثمار ثرواته.

أما الاستغراب، فهو دعوة وعظية من مفكر يأمل بتحقيق نهضة عربية وإسلامية تبدأ بفهم الذات وتمظهرات الآخر، ألا وهو حسن حنفي. وأظن إن كانت هناك مُحاولة لفهم الغرب نستطيع ادراجها ضمن مفهوم الاستغراب" هي مُحاولة الطهطاوي في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، لأن فيها رؤية ومُعايشة حقيقية للحياة والفكر الفرنسي، ومحاولة الإفادة من علومهم وثقافتهم ونُظمهم، وهو ما تنببه له محمد عطوان في (ص79)، مُتفقاً في ذلك مع حسن حنفي في كتابه "مُقدمة في علم الاستغراب".

ما يُميز محمد عطوان في كتابه هذا هو جلده وصبره وسعة قراءاته، لأنك تجده يعلم بمُحددات موضوعه وبتنقلاته الفكرية ومصادر بحثه المعرفية.

حاول محمد عطوان أن يُبين دور محمد أركون في نقد الاستشراق في اجتراحه لمفهوم "الإسلاميات التطبيقية" وهو مفهوم وضعه أركون كي يكون ضداً نوعياً للاستشراق = "الإسلاميات الكلاسيكية" أو الدراسة (الفيلولوجية للتراث).

صور الآخر العلماني

في قسم الكتاب الثاني الذي وسمه بعنوان (صورالآخر العلماني)، بتصور للعلمانية على أنها رديف للمدنية، كونها "تمنح الطوائف والأديان في المُجتمع الواحد فُرصاً مُتساوية للعيش، والشعور المُشترك بالمواطنة" (ص91)، ليتفق مع محمود إسماعيل بتجذيره للفكر العلماني من داخل التراث، مُستعيناً بمقولات المُعتزلة، ودعاة العلم الطبيعي التجريبي من عُلماء الطبيعة المُسلمين ونزوعهم التجريبي.

ولكن مُشكل الثقافة العربية المُعاصرة أنها تُحاول تحويل الصراع الاجتماعي السياسي بحسب عادل ضاهر "من مجال الواقع إلى مجال النصوص، يتحول العقل معه إلى تابع للنص، وتتحدد مُهمته في استثمار النص لتبرير الواقع أيديولوجياً" (ص105).

تناول محمد عطوان رؤى الجابري ونقده لاستخدام مفهوم العلمانية (بفتح العين) في الثقافة العربية رغم ما يشي به هذا المفهوم من حمولة لا يتقبلها التدوال المرجعي لها في تاريخ الثقافة، فيُحاول الجابري، أن يضع بديلاً لها هو العقلانية، أو الديموقراطية، في مُحاول جادة منه لتجاوز التداول السلبي لمفهوم العلمانية، لأنه يرى أن مُشكل المُجتمع العربي ليس مُشكلاً مُرتبطاً بفصل الدين عن الدنيا، أو عن السياسة، لأن الإسلام لا يخضع لسلطة كهنوتية كما هو الحال في المسيحية وأوربا، ولكن مُشكل المُجتمعات الإسلامية والعربية هو الديموقراطية.

كذلك عرج على آراء سمير أمين وبرهان غليون وعزيز العظمة، ليصل إلى نتيجة مُتفقاً فيها مع جورج طرابيشي، مفادها: أن مُشكل العلمانية ليس الإسلام في ذاته على أنه يُعارض العلمانية، إنما المُشكل الأساس هو في الدول العربية والإسلامية التي تحتاج للدين لتؤكد مشروعيتها (ص115).

كان لموقف الإسلاميين الرافض للعلمانية حصتهم في الكتاب، ومن كلا المذهبين (السني) و (الشيعي)، وكلاهما في الأغلب الأعم ينظران إلى العلمانية بأنها نزعة مادية لا دينية، أو أنها تعني "الحُكم بغير ما أنزل الله، ومن ثم فهي نظام جاهلي بعبارة الأخوان المُسلمين، وأن أي قبول بالعلمانية إنما هو برأي أنور الجندي "تنصل الدولة من الشريعة الإسلامية" (ص121) ومن طبيعة الإسلام بعبارة القرضاوي "أن يكون قائداً لا مقوداً، وسيداً لا مسوداً، فهو كلمة الله العُليا" (ص123)، لأن "الإسلام يقود الحياة" كما يقول محمد باقر الصدر، فـ "الإسلام دين ودُنيا"، ولا "رهبانية في الإسلام" أو كما يقول الندوي "ربانية لا رهبانية" وهذه الربانية تعني أن أحكام الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، ولا شبه بينها وبين الشريعة المسيحية بوصفها شريعة أقرب للرهبانية.

ولكن هناك من المفكرين الإسلاميين من يرى أن الإسلام يفصل بين السلطتين الروحية والزمنية، وكان من أوئل هؤلاء هو علي عبدالرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحُكم"، وتبعه فيما بعد خالد محمد خالد في كتابه "من هنا نبدأ"، وكلاهما عدَ النبوة رسالة روحية جاءت لهداية الناس وإتمام مكارم الأخلاق، فهي "نبوة وليست مُلكاً".

صور الآخر الأيديولوجي

في القسم الثالث من الكتاب يستعرض محمد عطوان تمثلات الآخر أيديولوجياً، وحضور نزعاته الأيديولوجية في الفكر العربي والإسلامي، وحاولة تقليدها أو إعادة إنتاجها وفق مُتطلبات الواقع العربي والإسلامي، وأهم هذه النزاعات الأيديولوجية ذات الجذور الغربية الفاعلة في الصراع الأيديولوجي العربي، هي: القومية، والليبرالية، والماركسية.

القومية

بدأت أولى بوادر الوعي القومي العربي بالظهور كحركة مع إمعان دولة الخلافة العثمانية في سياستها الإقصائية للعرب، ومُمارستها لا لسياسة "التتريك"، فكان لهذا الفعل رد فعل، تمثل بتنامي الوعي القومي العربي وإظهار بعض النُخب الفكرية ذات التوجه العروبي استيائها من سياسة الدولة العُثمانية، وقد "تشكل أول جُهد فكري قومي عربي مُنظم يحث على تشكيل حركة قومية في عام 1875، قبل أن يرتقي السُلطان عبدالحميد بسنتين" (ص144).

وقد كان بعض الطلبة الذين درسوا في الكلية البروتستانتية السورية ببيروت دوراً رائداً في نشر هذا الوعي، وبعدها توالت الدعوات عند الكثير من النُخب العربية، سواء أكانت مسيحية الأصل أم كانت إسلامية، وهناك أكثر من مُبرر لظهور مثل هكذا تيار، ساعد في ظهوره ظلم الدولة العثمانية للعرب، ودعم الكولنيالية الحديثة، ووجود مُبررات له مُستمدة من التاريخ المُشترك واللغة المُشتركة التي شكلت العامل الأهم في تكوين هذه الحركات، وفي الإسلام ما يُبرر القبول بهذه الفكرة "كُنتم خير أمة أخرجت للناس"، وهناك كثير من المُفكرين العروبيين والقوميين من لا يعتقد بوجود تعارض بين العروبة والإسلام بوصفه دعوة عالمية، ومنهم شبلي العيسمي في مقاله "لاتناقض بين عروبة الإسلام وعالميته"، ولكن كثير من مفكري الإسلام السياسي من السلفيين ينتقدون هذه الفكرة، ويجدون فيها تقليل وتحجيم لدور الإسلام بوصفه رسالة كونية.

لذلك فالقومية هي نزعة أيديولوجية غربية المنشأ، جاءت نتاج تطور تاريخي طبيعي، ولا يُمكن مُقاربتها مع القومية العربية التي لم تكن سوى ترديد أو إعادة صياغة لمقولات غربية، ولكن من دون إدراك حقيقي لمُمكنات تحققها وفق التطور التاريخي العربي الإسلامي.

الليبرالية

يرى محمد عطوان أن بذور الليبرالية قد بدأت بالظهور في منتصف القرن التاسع عشر، سماها بـ "الليبرالية المُزدحمة بالتناقضات الذاتية"(ص161) من فرط حيرة المفكرين الإصلاحيين بين الدفاع عن قيم التراث، والإعجاب بقيم الحداثة الغربية الجديدة، فكان الطهطاوي يروم نقل بعض مظاهر التجربة الغربية "الفرنساوية" في التقدم العلمي والسياسي والحضاري، وتبيئتها وفق معادلة الموازنة الحضارية بين تقدم حضاري عربي إسلامي (الماضي) وتقدم حضاري غربي (الحاضر)، فحاول التقريب بين مفاهيم غربية حداثية ومفاهيم عربية تراثية، مثل تقريبه بين مفهم الحُرية والدستور، بالعدل والإنصاف، بما يشي سعيه بتعسف اتبعه الطهطاوي، وحصر وتقييد لمفاهيم ذات حمولة من تراث وحضارة ناهضة لها قيمها وفهما الخاص للحُرية والعدل وتفسيرها بمفاهيم منظومة تراثية آفلة، الأمر الذي أوقعه هو وبقية مُفكري الإصلاح ممن أعجبوا بالتجربة الغربية الحداثية مثل خير الدين التونسي، أو محمد عبده أو الكواكبي.

ولكننا نجد في كتابات قاسم أمين "تحرير المرأة" و "المرأة الجديدة" رغم أنه يُدرج ضمن مدرسة محمد عبدة ما يُظهر لنا بوادر وعي ليبرالي مُتقدم، ومحاولة جادة لـ "تكييف الليبرالية بالشرع"، وإن أظهر محمد عطوان أن هذه المحاولة قد تمثلت بالطهطاوي (ص162)، ولكنني أرى أن الطهطاوي كان أقرب لأن يكون مُثقف السلطة الواعي، فهو نتاج البعثة الأولى لولي النعم (محمد علي باشا) كما يُخاطبه الطهطاوي، وهو يميل لتفسير مُعطيات الحداثة بالتراث، ويبني قناعة لدى القارئ أن كل نتاج هذه الحضارة إنما هو موجود أصلاً في ديننا، وأن سبب تأخرنا هو عدم معرفتنا لأمور هذا الدين، وهو ذات الرأي الذي يذهب له الأفغاني ومحمد عبده والتونسي، وجميعهم يُحذرون المجتمع من قراءة الفلسفة، إلَا بعد التمكن من علوم الشريعة والفقه، وأنا أجد أن لا ليبرالية من دون فلسفة، ولا وجود لفلسفة من دون حياة ليبرالية، فحتى مفهومي الفلسفة الإسلامية والفلسفة المسيحية، إنما هو تعبير فيه تقييد، ويُطلق للتمييز إجرائياً، لمعرفة بيئة أو جُغرافية هذا الوعي الذي نشأت فيه الفلسفة، لأن الفلسفة حرة، لا دين لها.

ربما يكون الكواكبي أكثر قُرباً من وعي الليبرالية الحداثي في نقده للاستبداد، وربطه أسباب الجهل وتخلف المجتمع في التربية وخراب البلاد اقتصادياً وعُمرانياً وسياسياً بسبب الإستبداد بشقيه الديني والسياسي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نجد أن الكواكبي لا يرمي التخلف على شماعة الآخر، إنما هو يكشف عن بنية المُجتمع الضامرة، أو المسكوت عنها في زمنه، ألا وهي الاستبداد بوصفه نظام شرقي، يحكم حياتنا الاجتماعية والسياسية، فالأولى بنا نقد الذات قبل نقد الآخر، ولكن محمد عطوان ذكره في سياق ذكره للماركسية وبدايات معرفتها في الفكر العربي! (ص172).

تمثل الليبرالية حداثياً

رغم أن محمد عطوان يضع عنوان "تمثل الليبرالية براجماتياً" (ص165) إلَا أنني أرى أن هذا العنوان مُقحم بالقياس للعنوان الذي وضعته أنا بديلاً عنه، أولاً لأن البراجماتية تيار فلسفي أمريكي مُعاصر، له خصوصياته، وأسباب ظهوره في الثقافة الأنكلوسكسونية، وثانياً لأن جُل المُفكرين الذين تناولهم محمد عطوان في مبحثه هذا هم أقرب للإتجاهات المادية والمدرسة التطورية، مثل سمير مراش، وشبلي شميل، وإن تغاضى عن ذكر بُطرس البُستاني، وفرح أنطون، الذي ذكره في سياق بداية التعرف على الماركسية في الفكر العربي الحديث!، ولم يُميز كما أظن محمد عطوان بين التأثر بالإشتراكية عند أنطون وبين تأثره بالماركسية.

وغاب إسماعيل مظهر، وسلامة موسى، اللذان هما من أقرب مُفكري النهضة للفكر الليبرالي، ومتبنياته، على ما بينهما ما إختلاف في الطرح، فهما من أوائل من دعوا لتبني الفكر العلمي بنزعته التطورية، ومن أوائل من تأثروا بالنزعة الاشتراكية الاجتماعية الأقرب للنزعة الليبرالية في دعوتهما لتحرير المرأة، وحرية الفكر.

توقف محمد عطوان عند أطروحات طه حسين، وأحمد لطفي السيد، وبسطور قليلة مرَ على ذكر جميل صدقي الزهاوي.

فقد ذهب هؤلاء للدعوة للحذو وفق الأنموذج الغربي والحياة الأوربية، وجعلها مثالاً نقتدي به للخلاص مما نحن فيه من تخلف وسطوة النزعة الماضوية ذات المنحى الغيبي "اللاعقلاني" والذهاب مذهبها في الحُكم، والسير مسيرها في الإدارة، وطرق التشريع أو القانون، وقد ذهب طه حسين في كتابه "مُستقبل الثقافة في مصر" إلى القول "أن مصر تنتمي إلى العالم ذاته (الأوربي)، الذي يجب الأخذ عنه والاقتداء به، وما مشرقية مصر، إلَا هي شيء من التاريخ القريب، وإن إنتمائها الغربي مما يضرب جذوره عميقاً في تاريخها"، وقد استمد طه حسين رؤيته هذه من دراسته في فرنسا وإعجابه المُفرط بالحضارة (الفرنكفونية) المُختلفة جملةً وتفصيلاً عن الحضارة الأنكلوسكسونية بطابعها التجريبي والبراجماتي، والبراجماتية هي امتداد في كثير من أطروحاتها لرؤى المدرسة النفعية الأنكليزية عند بنثام وستيوارت مل سواء في نزوعها نحو التجريبية، أو في نزوعها نحو البحث عن "القيمة الفورية" بعبارة وليم جيمس، المتأتية من تبنينا لقضية أو مسألة ما، بما فيها المسألة الدينية، "فما هو نافع، فهو صادق، وما هو صادق فهو نافع" بعبارة وليم جيمس في كتابه "البراجماتية" الذي أهداه لجون ستيوارت مل فيلسوف النفعية.

ولكن لربما في آراء لطفي السيد اقتراب مما يُمكن أن يُسعف محمد عطوان في القول بتمثل الليبرالية براجماتياً، لأن لطفي السيد يدفع باتجاه "التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة الأمة"، أو ما سماها محمد عطوان "الليبرالية المدموغة بوعي نفعي" (ص167)، لأن لطفي السيد يرى "أن أعمال الناس وأفكارهم تحوم حول أصل واحد، هو المنفعة" (ص167).

وعلى ما يبدو أن محمد عطوان قد تنبه إلى أنه قد ذهب بعيداً بالقول بوجود ليبرالية عند أصحاب التيار التراثي الماضوي بنزعتهم التجديدية، أو عند أصحاب التيار الحداثي بنزعتهم التغريبة، لذلك نجده ينقد بعض مُتبنياته في نهاية بحثه حينما ذهب إلى القول: أن جميع هؤلاء المفكرين، قد كتبوا في الحُرية، "لكنها لم تكن أسماء ليبرالية في الواقع،...بيد أنهم لم يكونوا ليتبنوا مبادئ الليبرالية كنسق مُتكامل، وعلى ذلك لا يصح تصنيف كل من يكتب في الليبرالية ليبرالياً" (ص170).

وكان يُمكن لمحمد عطوان أن يُدرج آراء زكي نجيب محمود وتبنيه للوضعية المنطقية، وآراء عبدالرحمن بدوي وزكريا إيراهيم في تبنيهما للوجودية، ومحمد عابد الجابري في نقده للعقل العربي، ضمن تمثل الليبرالية عربياً، وأكثر ما يُمكن أن تنطبق على آرائه أن توصف بأنه ليبرالية هو فؤاد زكريا الأكثر خلاصاً من نزعة النمذجة...إلخ، ولكنه قد قصر جهده في الفكر النهضوي العربي الحديث في هذا المبحث.

التمثل العربي للماركسية 

لا أعرف لماذا بدأ كتابته في هذا المبحث بالإشارة إلى علمانية فرح أنطون ودفاعه عن الاشتراكية، ومن ثم انتقل للإشارة للكواكبي في نقده للاستبداد، ودفاع الكواكبي عن ما أسماه "قضية الإشتراك العمومي المُنظم"، ولو كان عنوان مبحثه هو التمثل العربي للاشتراكية لصحت البداية، لأنني أرى وبصياغة منطقية (أن كل ماركسية هي اشتراكية، ولكن ليست كل اشتراكية ماركسية، فلربما نجد جذوراً للاشتراكية في كل تراثات الشعوب، وماضيها القريب والبعيد، لكنها ليست ماركسية، لأن الماركسية هي التفسير المادي للتاريخ، والماركسية، هي المادية الديالكتيكية، والماركسية هي كما يرى أصحابها نظرية علمية، والماركسية هي دفاع عن دكتاتورية "البروليتاريا"، ولا أظن أن في الفكر العربي الحديث ما تنطبق عليه بعض من هذه المُتبنيات وليس كُلها، ولا أجد في فكر فرح أنطون العلماني، ولا في فكر الكواكبي الاصلاحي ما يُسوغ لنا إدراجهما كتمهيد للقول بالتمثل العربي للماركسية.

لا أخوض بتاريخ دخول الشيوعية في الوطن العربي، ولكن بداية الوعي الحقيقي بها هو بعد الثورة البلشفية (1917)، ففي فلسطين تأسس عام 1919، وفي 1920بمصر، وفي لبنان وسوريا تأسس عام 1924، ثم في العراق عام 1934، والسودان عام 1946.

ركز محمد عطوان في مبحثه هذا على كتابات عبدالله العروي،  وإلياس مرقص، ومهدي عامل، وبعض من إشارات عن كريم مروه، وهؤلاء يُدرجوا من ضمن المُفكرين العرب المُعاصرين، ولكنه في مباحثه أو فصوله السابقة كانت نماذجه هي مُختارات من مفكري النهضة العربية!.

وضع مساحة للحزب الشيوعي العربي والعراقي بوصفه نوعاً من أنواع تمثل الماركسية أيديولوجياً، وإن تكن تابعيتها هذه للماركسية الأممية قد أضعف من استقلاليتها، لا سيما في تبنيها للأنموذج السوفيتي أو ما أسماه علوان "الشيوعية المُسَفيتة"، نسبة إلى الإتحاد السوفيتي، مُتفقاً في ذلك مع كريم مروة في بحثه "البحث عن المُستقبل"، ومع ياسين طه حافظ في كتابه "حول بعض قضايا الثورة العربية"، ومأخذ عطوان على الماركسيين العرب أنهم "لم يأخذوا= خصوصية الوضعية التاريخية العربية في الحُسبان، وبدت ماركسيتهم مُقحمة على التجربة المحلية العربية" (ص186).

صورة الآخر الاستعماري

في القسم الرابع والأخير يضع لنا عطوان تفصيلاً لعلاقة الأنا بالآخر عبر تمثل صورة الآخر الاستعماري، ولا شك ستكون بدايته مع القرن التاسع عشر مع دخول نابليون لمصر وبداية الحملة الفرنسية لمصر، التي شكلت وعي النهضة العربية، ولن أخوض في تفاصيل الحملة وخطابات نابليون للمصرين واستدرار عواطفهم عبر ادعاء تبني للإسلام، وتصويره للوجود الفرنسي على أنه وجود من أجل التحرير لا من أجل الاحتلال!، ورغم مساوؤ هذا الوجود أو الإحتلال إلَا أنه يُعد إحتلالاً إيجابياً بالقياس لأفاعيل الإحتلال البريطاني السلبية في الدول التي إحتلتها وأعلنت الوصاية عليها، وقد جلب نابليون معه أمهر المهندسين والجيلوجيين والآثاريين والمعماريين والإداريين والمُتخصصين في العلوم العسكرية من أجل خدمته، ولكن هذا الأمر إنعكس إيجاباً لخدمة المصريين فيما بعد.

وكان للبريطانيين حضور استعماري في القرن التاسع عشر في مصر، والعراق، وفلسطين، والجزيرة العربية" (ص205)..

من مشاكل الاستعمار المُستدامة هي "ترسيم حدود واختراع دول" (ص210)، وتفصيلات أفاعيل البريطانيين في أرض العرب تعرفونها، فمنها اتفاقية سايكس بيكو، ومنها وعد بفور، ومنها تقسيم جغرافي مُصطنع لحدود وهمية بين الدول العربية، بل ومنه وضع تنصيب لملوك، واختيار لساسة يحكمون هذه الدول المرسومة حدودها في الوهم!، فكان الكاسب هم الصهاينة من اليهود والخاسر وإلى يومنا هذا هُم أبناء فلسطين!. فأسس لنا البريطانيون في جسد خريطة الوطن العربي دولة دينية (راديكالية)، الأمر الذي جعل البريطانيين ومن ساعدهم من مُدعي التمدين والليبرالية محط سُخرية وتهجم إلى يومن هذا، فكيف يُمكن لدولة تؤمن بالعلمانية وبالنهج الديموقراطي وبفصل الدين عن الدولة أن تبني دولة تقوم على أساس عرقي وديني؟!. لا شك أن وجود دولة قومية لليهود ستظل وستبقى من خطايا الاستعمار، وهي صورة التمثل الحقيقي للتطرف الديني والعرقي الذي لا زال الغرب يُدافع عنه بكل عُهر. إنه وصمة عار في جبين الديموقراطية ورديفتها الليبرالية.

والأمر الأدهى أن أمريكا التي تدعي أنها بليراليتها قد تتوجت عرش العالم تسير وفق تخطيط بريطاني أهوج لا علاقة له بالليبرالية، لتجد أمريكا تسير في ركب مُخططات "حُكماء صهيون"!.

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة

 

409 جوتيار تمرصدر عن دار تموز: تموزي للنشر والطباعة والتوزيع كتاب (امراء في الدولة الايوبية) للكاتب الكوردستاني جوتيار تمر، ويضم الكتاب سيرة اربعة امراء استلموا مناصب مهمة وخطيرة في الدولة الايوبية، ولقد جاء في مقدمة الكتاب:

حين تحدثت عن احدى القبائل الكوردية في كتابي "الكورد القَيمُرية" التي برزت في العهد الايوبي وتبوأت مكانة عالية ضمن التشكيلات الادراية والعسكرية والسياسية داخل الدولة وقتها وبصورة مباشرة اكدت ان تأسيس الدولة الايوبية وظهورهم كانت ضرورة ملحة، فقد شكل الأيوبيون ركيزة أساسية للتاريخ الكوردي في أواخر القرن السادس الهجري وحتى منتصف القرن السابع الهجري/ الثاني عشر والثالث عشر الميلادي، فبعد انضمامهم الى معسكر نورالدين زنكي، واستلامهم لمهام إدارية وعسكرية كبيرة  التف حولهم الكثير من الأمراء الكورد، كما التحقت أغلب القبائل والزعامات القبلية الصغيرة بهم، وتبوؤوا مناصب عسكرية مهمة ضمن التشكيل العسكري الذي كان يقوده الأمير اسد الدين شيركو بن شادي (ت 564هـ/ 1169م)، وقد مهد الأخير بدوره ببروز العديد من زعماء تلك القبائل الكوردية، الذين شاركوا معه في حملاته على مصر، كما كان لاستلام ابن اخيه صلاح الدين الأيوبي (567- 589هـ/ 1171-1193م)، مقاليد الوزارة في مصر من بعده، أهمية  كبيرة واثر واضح على الصعيدين الإسلامي بشكل عام، والأيوبي بشكل خاص، وذلك لانضمام اعداد اخرى من الأمراء الكورد إلى صفوف الجيش الأيوبي في عهده ، وشكلوا قوة عظيمة في وجه التحديات التي تعرضت لها الدولة الإسلامية وقتها من قبل الصليبيين من جهة، والمؤامرات التي تحاك ضد الأيوبيون من جهة أخرى.

ومع بروز تلك القيادات الكوردية من الامراء وزعماء القبائل كانت نظرة الدولة الايوبية عميقة ومعاصرة للاحداث، فقد ادرك الملوك من البيت الايوبي ان الاعتماد على الكورد فقط سيشكل عائقاً امام امتدادهم نحو المناطق الاخرى، وكذلك ستكون تحركات القبائل غير الكوردية من العرب والتركمان خطراً ملموساً على امن وسيادة الدولة، فضلاً عن ان هناك بحق امراء لهم باع طويل في الامور السياسية والادارية، كما ان لهم قاعدة قبلية واسعة يمكن باسناد بعض المهام الحساسة اليهم كسب ثقة تلك القبائل وتلك القاعدة، وسواء أكانت الخطوة هذه هادفة ومحققة لطموحات البيت الايوبي، ام انها كانت السبب وراء الانهيار السريع لهم، فان الملوك الايوبية قاموا منذ بدايات تأسيس دولتهم باسناد بعض المهام الخطرة والحساسة الى امراء غير كورد، ساهموا بشكل واخر في توسيع المدارك السياسية للدولة من جهة، واعطوا زخماً عسكرياً وقوة من جهة اخرى امثال الامير جهاركس الصلاحي وجمال الدين بن يغمور وشمس الدين لؤلؤ الذين شكلوا علامات فارقة في تاريخ الدولة الايوبية من الناحية العسكرية والقوة التي تميزوا بها، وكذلك من الناحية الادارية التي استطاعوا من خلال سير الاحداث كسب ثقة السلطات الايوبية، بحنكتهم السياسية، ونفاذ بصيرتهم، وقوة حضورهم في الاحداث، وفي الوقت نفسه كان هناك امراء اخرين امثال زين الدين الحافظي كانوا وباء على الملوك والدولة حتى ان امثالهم اثاروا تساؤلات كثيرة حول المعايير والمقاييس التي يتبناها بعض الملوك والامراء المسلمين  بصورة عامة وقتها في اختيار وزرائهم وامرائهم.

ومع ذلك لايمكن انكار الدور المهم الذي لعبه هولاء الامراء في سياقات ادارة الدولة من جهة، وفي اضفاء روح التشارك من جهة اخرى، فالايوبيون كانوا كورد هاجروا من مناطقهم الى الشام ومصر، وشكلوا دولة على اراضي غير كوردية، بالتالي فان الاستعانة ببعض الامراء من تلك المناطق كان له اهمية قصوى في تغيير السياسة المتبعة تجاه غير الكورد ضمن الدولة الايوبية، وكذلك في ارساء مبدأ التعايش السلمي على اسس متينة قائمة في الاصل على الانتماء الديني، وبتلك الصورة شكل الأيوبيون انعطافة مهمة وكبيرة في التاريخ الكوردي على وجه الخصوص، والإسلامي بصورة عامة خلال العصور الوسطى الإسلامية.

 

406 الزهاوي مسرحياتميَّز الدكتور علي محمد هادي الربيعي بدعم المكتبة العراقية والعربية بعناوين جديدة غير مطروقة سابقاً من قبل الكُتّاب والباحثين، وصدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام لهذا العام (2018م) في مدينة الحلة كتابه الموسوم (الزَّهاوي مسرحياً)، رصد الربيعي فيه دور الشاعر والفيلسوف جميل صدقي الزهاوي (1863م-1936م) في مجال المسرح، ونحن نعرف أن الزهاوي كان شاعر العقل ومعري العصر، وكان وفيلسوفاً ومحدثاً، إلاّ أن الدكتور الربيعي أثبت بالدليل القاطع إن الزهاوي كان مسرحياً من خلال أحد النصوص المسرحية للزهاوي.

نقدم لمحة موجزة عن حياة الدكتور علي الربيعي : فهو من مواليد مدينة الحلة عام 1967م، حاصل على شهادة البكلوريوس فنون مسرحية عام 1989م، وشهادة بكالوريوس آداب تاريخ عام 2000م، وحاصل على شهادة الماجستير في تاريخ وأدب المسرح عام 2001م، وشهادة الدكتوراه في فنون مسرحية عام 2004، شغل الوظائف التالية : رئيس قسم المسرح في كلية الفنون الجميلة/ جامعة بابل (2009م-2013م)، وعميد كلية الفنون الجميلة/ جامعة بابل (2013م-2017م). له أكثر من (12) مؤلفاً في مجال تاريخ الأدب والمسرح العراقي، واسهامات اليهود والمسيح في المسرح العراقي، والمسرح المدرسي في الحلة وتاريخه في العهدين الملكي والجمهوري.

استهل الدكتور الربيعي كتابه بمقدمة بَيَّن لنا فيها أن كتابه هذا كان (من المفترض أن يظهر قبل مدة طويلة من الآن)، فقد عقد الربيعي منذُ سنين أو ما يزيد على ذلك إلاّ أن انشغاله بعمل آخر قد استبقى الكتاب في أدراج خزانته، إلاّ أنه عقد النيّة مؤخراً على إخراجه إلى فضاء القراءة ولم يعدِّل فيه أو يضيف شيء عليه بل بقي على الصورة أو الهيأة التي كتبه فيها في المرة الأولى.

حملَ الكتاب ثلاث فصول، الأول منها خصص لحياة الزهاوي وآرائه الإصلاحية والتحديثية والأسباب والدوافع التي تقف ورائها، ففي ص17 يذكر الربيعي قائلاً : (لقد عاش الزهاوي في حقبة تعالت فيها الأصوات الداعية إلى الإصلاح والتحديث في النظم السائدة، فقد بدأت عجلة الحياة تأخذ مجرى معاكساً، وبدأت مظاهر الحضارة تصل إلى الشعاب والأودية العكرة، وبدأ الناس يتطلعون إلى كلِّ ما هو جديد بعدما تلمسوا مباهج المستحدث وجنوا فوائده). كان الزهاوي صريحاً في طرح أفكاره الحداثوية من خلال ثلاث لغات كان يقرأ بها (العربية والتركية والفارسية)، وبجرأة شاعر وفيلسوف يدعو الأمة إلى الابتعاد من الأفكار السلفية المقيتة والتطلع نحو الإصلاح والحداثة. ولعل التعدد اللغوي والتنوع الاثني في حياته، كان له بعض الأثر في تكوين شخصيته التي تجاوزت الانغلاق والتعصبات القومية والفئوية.

أما الفصل الثاني من الكتاب، فقد سلط الدكتور الربيعي الضوء على دأب الكتاب المسرحيون منذُ ظهور المسرح في العراق في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وحتى نهاية العقد الثاني من القرن العشرين على أهمية المسرح والنص المسرحي، ففي ص23 يذكر الربيعي قائلاً: (على الرغم من أهمية هذه المسرحيات كونها تشكل اللبنات الأولى في صرح المسرح العراقي، إلاّ أنها بقيت تفتقر إلى مقومات بنائية، وأخرى فكرية تحديثية تساير المسرحية المكتوبة في بلاد الشام ومصر في ذلك الوقت، إلاّ أن الحال تبدل مع تشكل الدولة العراقية الحديثة في سنة 1921م إذ أصاب الثقافة العراقية ومنها المسرح حراك عنيف قائم على التبدل والإحلال). من هذا يتبين لنا أن الكُتّاب المسرحيين بدأوا يصححون مسارهم ليتماشى مع مسار اقرانهم من المسرحيين العرب، وأخذوا ينشدون التحول والإحلال في مسرحياتهم، ومن نتائج التحول التحديثي ظهر لنا كُتّاب مسرحيون جُدد آمنوا بقضايا العراق الجديد، وتقدم في مقدمتهم جميل صدقي الزهاوي في مسرحيته (ليلى وسمير) الصادرة في صفحات الجزء العاشر من مجلة (لغة العرب) في بغداد عام 1927م.

تضمنت المسرحية دعوة الزهاوي الاصلاحية من خلال مسرحيته هذه، ووجد في المسرحية وسيطاً يبث فيه دعواته الإصلاحية فضلاً عن شعره ودواوينه ومقالاته التي سطرها في المجلات المصرية والعراقية، ويذكر الربيعي في ص33 قائلاً: (أحسب أن الذي قاد الزهاوي إلى ولوج المسرح والكتابة فيه أمران، أحدهما خارجي والآخر داخلي، فعلى الصعيد الأول، فإن المسرح بدأ صوته يعلو في العالم العربي وأخذت الأقلام الحُرة والمثقفة تتدافع للتأليف فيه وفي مصر بشك ملحوظ، وإن زيارة الزهاوي لمصر سنة 1924م وإقامته مدَّة من الزمن هناك جعلته يشاهد العروض المسرحية ويبدي فيها رأياً... أما على الصعيد الداخلي، فإن الزهاوي أراد أن يعود مرة ثانية إلى عرض موضوعات وآراء عصرية حديثة آمن بها في العقد الأول من القرن العشرين، ودافع عنها طويلاً)، لذلك وجد الزهاوي في نفسه هوى إلى الكتابة في هذا المجال. كما كان للحقبة الزمنية التي تميزت بها العاصمة بغداد بحراكها الفكري والسياسي والاجتماعي وما شهده العراق من صدور الدستور لعام 1908م والهرج والمرج السياسي في العقد الأول من القرن العشرين كان الدافع لكتابة الزهاوي في مجال المسرح، لتبيان سخطه على الولاة العثمانيين في المسرحية، فصور مفاسدهم وهم ينهبون خيرات البلاد.

مسرحية ليلى وسمير مسرحية حوارية بين شخصيات تدير الاحداث الدرامية بين (سالم بك) وولده (سمير)، وقد رسم الشخصيات المسرحية وبنائها وخصوصاً الشخصيات النسائية منها (ليلى ووالدتها وصلّوحة وابنتها)، فقد افلح الزهاوي في تصوير الشخصيات والاحداث الدرامية بشكل انسيابي، إلا أنه وقع في خطأ كبير أنه جعل طوب أبو خزامة شخصية مسرحية وثبتها في قائمة الأسماء، يذكر الربيعي في ص49 قائلاً : (في حين أنه مدفع يرد ذكره على لسان الشخصيات، وهذا الخطأ الذي وقع فيه الزهاوي يعطينا انطباع بأنه كان يعتقد بأن أي شخصية يرد اسمها في متن النص هي شخصية مسرحية).

أما في الفصل الثالث من الكتاب فقد نقل الدكتور الربيعي نص المسرحية كما هو عليه مستنسخاً من (مجلة لغة العرب) بشكل منضبط كما جاء في المجلة، الذي مضى على نشره تسعة عقود من تاريخ 1927م، وهي مدة كفيلة بأن يجعل منه نصاً نادراً وعزيز المنال، والكثير من قراء المسرح والمهتمين بهذا المجال لم يتسن لهم قراءته أو الاطلاع عليه، فكان الدكتور الربيعي السباق في تسليط الضوء على هذا المجال الذي طمرته الأوراق والكتب ونسيان الكُتّاب لهذا النص المسرحي.

وختاماً نقول الكتاب يعتبر دراسة وثائقية لرحلة ماتعة في تاريخ المسرح العراقي، وجهد مائز يستحق الثناء والاعجاب، فقد تناول الدكتور الربيعي فيه تاريخ النص المسرحي للراحل الزهاوي، لإعلاء راية الأدب والمسرح، مستعرضاً محطات ممتعة من حياة الزهاوي وتاريخه الأدبي والفكري الاصلاحي والمسرحي.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

74 majed200يدخل كتاب: النص وسؤال الحقيقة - نقد مرجعيات التفكير الديني (1) للمفكر الإسلامي ماجد الغرباوي في مضمار موجة التنوير الثانية التي بدأها الكواكبي وتابع معها علي عبدالرازق وآخرون. فهو لا ينكر الوحي ولا الكتاب المقدس (القرآن) كما هو حال صادق جلال العظم وطيب تيزيني ومحمد أرغون مثلا*، ولكنه يشكك بطرق انتقال وتداول الأفكار الدينية، وبهالة التقديس التي أضفاها أنصار الظاهراتية في التفكير والتفسير. بمعنى أنه يحتفظ بالعقل الإسلامي في موضعه من تاريخنا الروحي والحضاري،  ولكن في نفس الوقت يدعو للالتفاف حول تنظيم الأفكار وأدواتها وأساليب إنتاجها.

* الأحاديث الموضوعة

ويبدأ من ضرورة إعادة التفكير بما ينسب للرسول من أحاديث وأفعال. ويؤكد إن الجانب الأسطوري من أي قائد روحي يكون مفيدا أحيانا لأغراض التعبئة، ولكنه يتحول مع الزمن لعبء يمنعنا من التطور وإدراك الواقع. ولهذه المشكلة عدة جوانب أهمها: الوضع والإضافة أو الاختلاق. وسوء الفهم. فالنص لا يرتبط آليا بمعناه والعلاقة بينهما ليست أتوماتيكية وتخلو من المشاعر والخلفيات. والذي يبدأ بالوحي يجب أن ينتهي بالعقل. أو كما قال بالحرف الواحد: لنعرف الواقع لا بد من معرفة الحقيقة (ص9). ولا يتردد لحظة واحدة عن مهاجمة القراءة السكونية. فالحقيقة ليست مطلقة وأمامنا طرق لإدراكها. حتى أن الشخص الواحد قد يختلف مع نفسه. ولنأخذ الإمام الغزالي على سبيل المثال. فقد بدأ من الفلسفة وانتهى إلى التصوف. ومثله المفكر مطاع صفدي فقد  انتقل من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. وكان لمثل هذه التحولات نتائج حاسمة بدلت وجه العالم. فتحالف ستالين مع هتلر لم يصمد أمام المعطيات وانقلب لحرب دموية ومدمرة قسمت أوروبا لمعسكرين.

* تأويل النص

يحدد الغرباوي شروط معنى أي مدونة بثلاثة عوامل أساسية هي: مؤلف النص، والسياق، والقارئ (أو المتلقي بلغة دو سوسير). ولكنه ضمنا يشير لشرط رابع وهو علاقة اللغة باللغة. أو ما يسميه فوكو (التمثيل المضاعف). فالكلمة لها قيمة بسيطة أو تركيبية، وهذا يتحدد بواحد من إثنين، شاقولي وهو عنصر متبدل حسب الاستعمال، وأفقي وهو ما اصطلحنا عليه.  ولنأخذ كلمة نص الإنكليزية Text  فقد تطورت من كلمة  نسيج  اللاتينية   textus. وإذا فتحت معجم فاولير على أية صفحة لا على التعيين، لتكن ص614، ستجد أن كلمة talus  لها معنى يدل على كاحل، وجاء من اللاتينية. ومعنى يدل على منحدر، وجاء من الفرنسية (2). وللعرب خصوصيات باستعمال اللغة أيضا. ولا سيما بعد منعطف القرن العشرين ودخول الصناعة ومنتوجاتها لحياتنا. إن الإشارة، حسب تعبير فوكو، داخل المعرفة. وتنطوي على فكرتين: إحداهما عن الشيء الذي يمثل غيره، والأخرى عن الشيء الممثل. وطبيعتها تقوم من تحريض الأولى للثانية (ص180)(3). وهو ما يسميه لاكان في علم النفس بالآخر الحقيقي والآخر المزعوم. ولهذا السبب هناك ميول قوية للتفريق بين حالتين من حالات المدونة، وهما: النص والخطاب بحيث يختص الأول باحتكار الحقيقة (ص21)، ويختص الثاني بأساليب توصيل الحقيقة (ص22). وأهم ما في هذا التمييز أنه يأتي من خارج الثنائية الكلاسيكية، ويضيف إليها تحصيل حاصل الجدل الهيغلي. ولذلك نحن لسنا أمام خيارين فقط لفهم المدونة. وإنما لدينا خيار ثالث، أو منفذ نجاة يخفف من غلواء التعصب والتمسك الأعمى بحرفية الكلام. وكما ورد على لسان الغرباوي: النص بحد ذاته عديم الأهمية إن لم تفهم ما بين السطور (ص31).

* الفراغ التشريعي

ومن هذا المدخل يبدأ الغرباوي بمناقشة مسألة "منطقة الفراغ التشريعي". وتعني  كل موضوع لم يرد فيه حكم شرعي (ص34). وحسب هذا المفهوم يقسم مصادر الدين الإسلامي لنص مقدس ولتفسير هو نتيجة للجهد البشري (ص34).  ولكن يجب علينا أولا أن نثبت صحة هذه النصوص وأنها موجودة وثابتة فعليا. ويضرب لنا مثلا حول هذه المشكلة وهو عدد الأحاديث التي رواها أبو هريرة. فهي تبلغ 5374 حديثا مع أنه لم يرافق الرسول غير عامين. فكيف تسنى له رواية هذا العدد الكبير ومن المعروف عن النبي صمته وقلة حديثه (ص28). لقد تحولت حالة أبي هريرة لبالون اختبار سياسي في وقت مبكر من عمر الصراعات على الدولة. ويمكنني القول إنه تحول لما يشبه وزير إعلام أو ناطق رسمي باسم اتجاه من هذه الاتجاهات المتحاربة. وتذكر كتب السيرة أن عدد مريديه بلغ ما ينوف على ثمانمائة. ويمكنك التفكير بما تفعله هذه الشبكة بعد أن تتوسع بمتوالية هندسية. لقد كانت الأحاديث والمرويات بمثابة أناجيل تعيد بناء السيرة النبوية. وهذا يعني أن ما ورد فيها هو الرواية الإسلامية لواحدة من أكبر السرديات المعاصرة. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: ما علاقة هذه المروية بالواقع الإسلامي؟.

إنها علاقة شائكة وتحمل أوضار وشوائب المعاناة والشك وضرورة التجديد. لكن للأسف كان الرهان على التجديد هو في نفس الوقت رهانا على استعادة الماضي لا نقده وتفكيكه. ولذلك تدين الدراسات والبحوث الحالية للصبغة القاتمة التي ورثناها في الناحية العسكرية من الخليفة عمر، وفي الناحية الإعلامية من أبي هريرة و الصحاح، وفي الوضع الإيديولوجي أو بيان خطاب الدولة والدستور من ابن تيمية. ويعزى للأخير مبدأ الوسطية في الإسلام.

ومثل هذا الرضوخ الأعمى للماضي وأشباحه قادنا للاختلاف مع أنفسنا، وعدم الاعتراف بمنطق صراع الأجيال، واستبداله بتوريث الأفكار وحقنها دون مواءمة بشروط تعمل من فوق التاريخ. وأدى ذلك في النهاية، كما يقول الغرباوي، للمصادرة على حرية الرأي، وتوسيع نطاق المحرم والممنوع (ص41)، حتى أصبحت الحياة مجرد سلة للممنوعات والمكروهات أو حزمة عقوبات نفرضها على أنفسنا. ولكن حتى في مسائل الحلال والحرام دبت خلافات استوجبت إصدار فتاوى إما تذكي من شعلة الخلاف أو أنها تبرر أساليب الإدارة والحكم.  ويرى الغرباوي أن شعار التسامح لم يكن رادعا للاضطرابات الاجتماعية. بمعنى أنه لم يلعب دوره كمهدئ أو دواء ناجع. بالعكس استغلته كافة الأطراف لأغراض دعائية. وأشد ما يأسف عليه المرء في سياسات الشرق الأوسط أنها تفرز باستمرار حلولا عسكرية لقضايا المجتمع المدني، وتزيد من سعار العداوة والبغضاء. وكل ما جنيناه في النتيجة شعارات دون رغبة أو إرادة بالتطبيق. وأوضح مثال على ذلك تصريح لوليد جنبلاط. فقد أعلن أن حزبه يهدف لتوفير مؤسسة لأتباع الخيار الاشتراكي على الساحة اللبنانية. لكن الواقع (والكلام لا يزال لجنبلاط) أنه تحول لكيان خاص بالدروز. ويبدو لي أن النزوع العشائري والطائفي هو الذي يعمل شاقوليا في بنية معظم أحزابنا. حتى أننا أضفينا على الطوائف والمذاهب صفات سياسية. وقد تحول ذلك بمعجزة من معجزات التخلف إلى اعتبار انتفاضة الزنج والقرامطة من بين الحركات التي تبشر بالفلسفة المادية. بينما هي في حقيقة الحال محاولة لفك الالتزام بمركز الخلافة ثم محاولة الاستيلاء عليه. إنها انقلابات عسكرية بلا أي محتوى إيديولوجي، إلا إذا اعتبرنا الانتماء العرقي إيديولوجيا. ويمكن مقارنتها مع الانقلاب الفاشل الذي قاده سبارتاكوس، أو الانقلاب الذي وضع المماليك على رأس السلطة في مصر حتى عام 1952. لقد كانت الغاية مختلفة تماما عن ثورة الضعفاء التي قادها بنو هاشم ضد أغنياء قريش. وبنقد الفكر اليومي (والتعبير لمهدي عامل) ستلاحظ ارتفاع وتيرة التأليب والتعبئة على أساس المذهب. حتى أن الحلول الدولية لنزاعات الربيع العربي لم تكن تخلو من فيدراليات على أساس الطوائف. وأتساءل: أين ذهبت جهود وثمار حركات التحرر التي قادت المنطقة بعد نكبة فلسطين وحتى عام 2010. أين تبدد خطابها المدني والدولاتي، ولماذا تبخر مثل الكحول بعد أول نسمة هواء؟؟. وما هي الآلية التي تسببت بسقوط تلك الحركات وتعريتها من ثيابها البراقة ونياشينها، ولماذا اختفت الطبقة المتوسطة وسقطت إلى أسفل لتوفر الوقود اللازم لهذه الانتفاضات؟.

إن التوازنات التي تتحكم بمصيرنا السياسي ومستقبلنا يمكن أن تجد أثرها أيضا على تسليح الجيش. فالعتاد في الخليج أمريكي، بينما هو في سوريا إيراني وروسي. ويمكن أن تفهم من هذه الصورة طبيعة التنافر بين البلدين. إنه يدل، شئنا أم أبينا، على واقع الحرب الباردة وتطوراتها ومآلها، ولا يعكس رغبات أو ميول الشارع. وقد عبر الغرباوي بشكل بليغ عن هذه الظاهرة حين ربطها بسلطة الدولة. فالنشاط السياسي لدينا تحتكره نخبة لا تزيد على 5% وما تبقى إما يتعايش مع ظروف المعارضة أو العمل في الظلام.  وهذا يفسر لماذا توجد للنص الواحد عدة قرءات. فكما للإدارة السياسية أحكام ونقاط ارتكاز، للمعارضة أيضا مرجعيات تعيش وتتطور في عزلة تامة عن السلطات. والمشكلة أن الطرفين يعتمدان على سياسة الاتجاه الواحد ونبذ الحوار والتعصب، وبلغة الغرباوي: على الإيمان والتسليم لا على الدليل والبرهان (ص61). وهذا لا ينتج معرفة علمية كما يقول أيضا (ص61)، وإنما لا معقولا دينيا (ص62) أو قيادات وزعامات سياسية خارقة. ويلعب هذا التوجه دورا هداما لأنه يوظف الانتماء باتجاهين: داخلي لتعميق الأواصر، وخارجي للتحريض على الخصم (ص56). ولذلك نحن لدينا عدة مجتمعات في قالب اجتماعي واحد. وخطوط العزل ليست طبقية ولا سياسية، وإنما تحركها خيوط المذهب والمصلحة. وكل جماعة تتكفل بإنتاج نصوصها.

74 majed600

* حدود المعنى

وهنا لا بد من توضيح.

للنص عندنا سلطة توازي معنى الحقيقة كما يقول الغرباوي (ص61)، والمدخل لعالم الحقائق يكون عن طريق حراستها بنصوص جاهزة، مسبقة الصنع، وموجهة لخدمة جانب من الفكرة، وليس الفكرة كلها. لكن لأغراض الأمانة العلمية ولتنظيف الدين من الشوائب لا بد من الانتباه لمحددات تبدل المعنى أو المبنى أو كليهما في النصوص الدينية، وهي:

1- مقولات البنية المعرفية في بدايات تشكل الوعي عند الأفراد. فهي تصورات ومفاهيم تستمد وجودها من أعماق البنية المعرفية ويستحسن قراءتها بضوء معارف وتصورات العقل الجمعي (ص62).

2 – دور الوسيط أو المتلقي لأن الحقائق التراثية غير موضوعية، ولا يوجد لها طريق غير النص (ص63).

3 – الخلفيات الثقافية. وهي قبليات مكتسبة وتبدل من طبيعة إدراكنا لفضاء المفهومات في البنية المعرفية للأفراد والجماعة (ص67).

وأصلا حض القرآن، لتلافي هذه التحديات، على الإيمان البرهاني واستعمال العقل ومتابعة الأدلة وعدم التوقف عند الانقلابات الثقافية لتدارك الشكوك والمتغيرات (ص67).

إنه من الضروري التمييز بين الشريعة باعتبارها جملة أحكام وروحها التي هي الأهداف الأساسية للدين (كما يقول شكري المبخوت). وتنزيل الأحكام في التاريخ للنظر فيها باعتبار الأهداف وتحولات المجتمع مسألة ملحة بحيث يجري تطبيق المبدأ الأصولي القائل بأن الحكم يدور مع علته إيجابا وسلبا. ولنأخذ دور ميراث المرأة كمثال. فعلة الإنفاق على العائلة كانت هي الموجب وراء الحكم، وهو إسناد انتفى بدليل ما نشهده في الواقع، وعليه صار تبديل الحكم دون نقض للإسلام ممكنا. لأنه يحافظ على شرط تحقيق العدل والمساواة(4).

وعلى هذا الأساس يعرّف الغرباوي الحقيقة على أنها ما يطابق الواقع بدليل حسي أو برهاني دون الدليل الحدسي أو الظني ما لم تكن مقدماته يقينية (ص69) إلا الحقيقة الدينية فهي نسبية وتستمد صدقيتها من النص، وتتوقف على إذعان المؤمن وشروط تحقق النص وسلامته من التحريف أو الوضع (ص70). وهنا تواجهنا مشكلة النص الديني. فهو جزء خاص من التراث، ولا تجوز مساءلته، لكن هذا لا يمنع إمكانية إدخالات ظنية عليه، كما حصل بعد إضافة النقطة والهمزة للكتابة.  وقد سبق للغرباوي أن تناول إمكانية التصحيف في القرآن وضرورة الإجماع عليه بثبوت الأدلة، مع التدخل كلما اقتضى الظرف بالشرح والتفسير. ومن الأمثلة على ذلك قتل من أذعن. وهذا غير ممكن لأن الأساس في الإسلام هو التسامح والمغفرة وتوسيع أبواب التوبة.  وربما المقصود هو قتل النوايا الشريرة أو منعها. فالتعبير مجازي إذا لم نكن جاهزين للاعتراف أن الكلمة الصحيحة ليس "اقتلوهم" ولكن "أقيلوهم".  وكل ما حصل هو التباس في التنقيط.       

يمكن لأي إنسان نبيه يتحلى بقدر قليل من الذكاء أن يلاحظ تراكم المعرفة ثم انفصال أساليب الإدراك عن المعاني. فالفكرة تحتاج لنظام للتوضيح والتعبير والتداول، ومع التقادم تتحول إلى تراث. وهذه هي أول مراحل تشكيل العلوم. ثم نبدأ بالمرحلة الثانية، وهي تأويل ما لدينا من مخزون معلومات وأنباء وحوداث. ويمكن في بناء المعارف ثم في إدراكها أن تحصل تحولات، وستكون بالتدريج مسؤولة عن إلغاء حقيقة واستبدالها بحقيقة بديلة. حتى أن معاني الرموز يمكن أن نعقلها بطرق مختلفة، تبعا للمرحلة التاريخية وأساليب التداول المتبعة.

وبهذا الخصوص تكلم الغرباوي عن الهالة التي نعزوها لشهيدين من شهداء الإسلام على حد تعبيره وهما سيد قطب وباقر الصدر. فكلاهما من موقعه أسس لوعي حركي معارض، وكلاهما لفظ أنفاسه الأخيرة بعد محاكمة صورية وقرار بالإعدام (ص87). لكن لم يوضح الغرباوي لماذا استشرت شهرة قطب وبقيت سمعة الصدر محدودة ضمن جيوب صغيرة. لقد تحول قطب لأسطورة نضالية ولرمز، ولا يمكن أن يدانيه أحد فيما وصل إليه غير غيفارا. ولحد ما تروتسكي. وأستطيع أن أضع قطب بين التروتسكيين الإسلاميين لأنه بدأ من فكرة مجسدة، وانتهى بمجموعة أوهام روحية وميتافيزيقية تحيط بها هالة من النور الساطع، إن لم نقل شعلة مضيئة تحرق من يقترب منها. لماذا يكون سيد قطب من المبشرين بجنة تتخيلها المعارضة الإسلامية.  ولماذا يتحول اسمه لصورة إسلامية وكأنه سيزيف مسلم يدحرج صخرة العقيدة والإيمان، بينما يسدل ستار غير شفاف على أطروحة الصدر؟.

أعتقد أن النهاية التي كتبتها ظروف المنطقة لعبد الناصر ثم صدام يمكن أن تفسر لنا ذلك. لقد خرج عبد الناصر من السلطة بجنازة وطنية، بينما لا يعرف أحد مكان دفن صدام بالتحديد. وصفة زعيم وطني لا شك هي غير صفة طاغية ودكتاتور. وحتى إذا تساوت الشخصيتان من ناحية الحقيقة السياسية، فالرمز المرتبط بهما له سياق تأويل آخر، ناهيك عن أن السنة من يخطط لتعويم سمعة قطب، بينما الشيعة هم المسؤولون عن الصياغة النهائية لشخصية الصدر. وكما هو واضح للحركات السنية إمكانيات دعائية أقوى، وتفرض نفسها بعدة أساليب جهادية. في حين أن راعي الشيعة وهي إيران عجزت عن طرح بديل اقتصادي إسلامي، وعادت بعد 9 سنوات من المعاناة إلى الاقتصاد العالمي وحركة السوق بمسحة شرعية بسيطة جدا (كما يقول الغرباوي بالحرف الواحد) (ص87). فقد تراجعت إيران عن أسلمة العلوم الإنسانية واستسلمت لمنافسيها من الدعاة للعلوم الإنسانية الغربية (ص87). ويذكر مثلا عمليا على ذلك وهو انسحاب رضا داوري أردكاني من المشروع. وبعده بقليل حسن روحاني. وعلى هذه النتيجة يبني موقفه من نفي مطلقات الوعي الديني أو الثقافة الدينية. فهي نشاط اجتماعي مرموز، ويحمل كل نكهات ومقويات الأجنحة السياسة الداعمة أو المناوئة. وهذا برأيه يعكس مشكلة البشري والإلهي. فقد تساوى قطب مع الصدر من ناحية إلهية، لكن بشريا رجحت كفة قطب، وتحولت لأسطورة نكتب على هديها تاريخ صراع الإسلاميين مع السلطات. وإن لم نحاكم آلية ترويج هذه الصور النضالية (بين قوسين) سنقدم حسابا مشوها ومنحازا لمعنى الحقيقة (ص88). وإذا كانت هذه هي الصورة حيال مشاكل عاصرناها جميعا، فما بالك لو أنها عن مشاكل تراثية من فترات مبكرة في تاريخ الإسلام. لماذا لا نتوقف عند خروج طلحة مثلما نتوقف عند مقتل عثمان، وكلاهما من الصحابة الأوائل؟..

يجيب الغرباوي عن هذا السؤال أوتوماتيكيا بقوله: إن الصراع كان في سياسة الدين وليس في الدين بحد ذاته. ولذلك كان الجناح السياسي المنتصر والأقوى هو الذي يحدد من يستمر ومن يطويه النسيان (ص88).

إن حالة سيد قطب تعكس مشكلة المصادرة على الحقيقة بأمر إلهي يستند على وساطة بشرية أو على الإفهام وتفريعاته، وبلغة أوضح على الاجتهاد وما بني عليه. ودعوته لتجديد الدين وإصلاح العباد هي بطريقة من الطرق دعوة إلى الحداثة بدورتها العضوية المغلقة وبمركزيتها العدمية والمعادية للحس التاريخي. وكما يقول أرنست غيلنر: إن نشأة أي إيمان ديني تنطوي حكما على توجهات حداثية تعيد تفسير علاقة الإنسان بالإله (ص19). أو بلغة أوضح: تعيد إنتاج النص وتركيب السردية مع تحديد التزامات جديدة (ص20). لكن غيلنر سرعان ما يحذر من استغلال الدين لغايات غير دينية، ويعتبر أن الطقوس هي احتفالات الغاية منها زيادة ولاء الفرد لجماعته (5). وربما كان أفضل مثال لهذه الفكرة هو احتفالات رأس السنة الميلادية. فمع أنها مناسبة خاصة بالسيد المسيح لكن تحتفل بها كل البشرية بغض النظر عن العرق أو الدين. وشعارات هذا الاحتفال موحدة، ولا سيما شجرة الأرز دائمة الخضرة وبلورات الثلج التي تنهمر عليها. مثل هذه اللغة العالمية هي رسالة مشفرة فقدت معناها الديني ودخلت في اللاوعي الجمعي كإشارة على حالة نفسية تشمل علاقة الإنسان بنفسه أكثر مما تدل على علاقته اللامتناهية والغامضة بالسماء. وإذا نظرنا لشجرة عيد الميلاد من زاوية دينية، إنها رمز توراتي ولم يرد ذكرها في القرآن. بالعكس، عند المسلمين توجد إشارة للنخيل وكثبان الرمل، وليس للمرتفعات والأشجار التي صنعت منها شعوب المتوسط سفنها التجارية والحربية. ولذلك يمكن القول إن اللاشعور الجمعي هو الذي هضم صورة أو تناساها لمصلحة صورة أخرى لها رواسب في الذاكرة الحضارية. بمعنى أن الواقع تغلب على الحقيقة وتخطاها.

* النظرية والتطبيقات

لقد كانت الغاية من الدعوة هي إنجاز شرطين: وضع حد لحياة التنافس على الموارد، وتحرير الضعفاء من هيمنة من أهم أقوى منهم بالسيف والثروة. ويمكن القول إن الإسلام حاول تقديم حلول ناجعة لثلاث مشاكل أساسية: الأولى حالة التنازع بين القبائل. والثانية قبول وصاية الأجانب أو الإمبراطوريات المجاورة. والثالثة ما يعرف الآن باسم التفاوت الطبقي، أو إن شئت التفاوت في الاستفادة من الثروات والمصادر. ولكن بعد تراكم مجلدات من الفتاوى والتشريعات، وبعد اكتشاف منابع النفط والثروات المعدنية، نبدو أبعد ما نكون عن الحل. ولا نزال نعاني من الثلاثي السابق ذكره. فاقتصاد الدول الإشتراكية قاد بلاده إلى الإفلاس وأنهكها بالحروب الداخلية. بينما اقتصاد الدول الإسلامية الغنية ارتكز على رضا واستحسان المستثمرين. وحتى في ظل الهدوء النسبي بلغت نسبة الفقر في السعودية  25%. وهناك أكثر من أربع ملايين سعودي من أصل 20.5 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر(6). في حين وصلت نسبة العاطلين عن العمل أكثر من 12% بين الذكور، وأقل بقليل من 33%  بين الإناث(7).

وإذا نظرت لواقع الحركات الإسلامية المعاصرة سيخيفك مقدار التراجع في الأهداف أمام شهوة التملك والسلطة. ولم تنج من هذه المجزرة الإسلامية النصوص المقدسة وكل ما يبنى عليها. فالفتوى بالأصل أن تعود للنص، يعني أن تفهمه (ص137)، وترفع ما يبدو متعارضا بين نصوصه (ص137). والفتوى بالتعريف هي: رأي الفقيه المستند إلى دليل (ص137). لكن إذا نقبت في التشريعات الدينية ستكتشف بكل سهولة انحيازها لمصلحة الواقع السياسي والاجتماعي (ص137). ومنها نشأت ظاهرة الحيل الشرعية التي تبرر ما هو في أساسه حرام أو لا يجوز، حتى أن التشريعات تحولت لقيود تكبل يد الإنسان. ففتاوى ابن تيمية طبعت في 20 مجلدا مع أن آيات الأحكام في القرآن بمجموعها هي 500 آية فقط (ص140). لقد تراكمت الفتاوى وتشكلت بنتيجتها حياة شرعية موازية للحياة التي نعيشها. وبعد الربيع العربي وانتشار ظاهرة الإمارات الإسلامية أصبح لدينا تشريعات غايتها استباحة المسلم في عرضه وماله، والتقييد عليه بكل شيء إلا بشبهة التكفير والردة. والمشكلة أن هذا التطور في الأحكام والتشريعات لم يقابله تطور في الموارد والتحضر. ولذلك يدعونا الغرباوي لا لفحص التشريعات، التي تتوالد كل دقيقة وساعة، ولكن للتثبت من آليات الإفتاء. فالفتوى تعبر عن وجهة نظر الفقيه حتى لو ارتكزت للنصوص. فهذا الارتكاز استظهاري استحساني وليس صريحا ولا مطلقا على حد قوله (ص144).

ومن أبرز عيوب الاجتهادات والفتاوى الحديثة:

- الانتقائية: فقد استبعدت أكثر من 60 آية تدل على التوسعة والرحمة وركزت على آيات السيف والتكفير. وقد ناقش هابرماز مشكلة الانتقاء التي تأتي بين طورين من أطوار السرد التاريخي. وهما الطفرة في التفكير وتثبيت هذه التحولات المنتقاة (انظر كتابه: ما بعد ماركس).

- الجمود: فالكلمات محدودة لكن المعاني مفتوحة ولا نهائية.  ولنأخذ كلمة سيف على سبيل المثال فهي تدل في معجم المعاني على أداة حربية وعلى ساحل البحر.

- إهمال السياق: وعدم ربط اللاحق بالسابق. وهذه مشكلة تسبب التسرع وأحيانا التهور والنقصان. كما في تفسير معنى القوة في آية (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). فقد جاء بعدها ومن رباط الخيل. وعطف عدة الحرب على عدة الحرب ينتفي مع بلاغة وحكمة القرآن.

*الإسلام والحداثة

وبالنتيجة أصبح لدينا كم غير مسبوق من الأحكام السياسية التي جردت الدين من تاريخيته (ص144). لقد وضعتنا هذه التشريعات أمام أنفسنا وبمواجهة عدة تحديات لا يمكن إلا أن تتسبب للصورة والمرآة بشيء من التنابذ، فهي تشريعات توائم بين التراث والحداثة، وكأنهما علة ومعلول، أو طور يمهد لطور آخر من نفس الظاهرة. لكن الحقيقة هي شيء آخر. فالتراث هو ابن شرعي لمرحلته التاريخية، ولا يمكن تطعيمه أو تغليفه بمشاكل العصر الراهن. إنه موجود للإستئناس والقياس. ولكن ليس للتوليد منه حصرا (وهذه الحالة الإشكالية هي شرط مسبق ومعرفي عند مفكر إسلامي مثل طه عبد الرحمن)(8). فالمقاومة برأيه هي جزء من هوية مستمرة لا تعرف الانقاطعات أو التبدل. والحداثة ليست بالتخلي عن التراث ولكن بالسعي الدؤوب نحو الكمال. والحكمة من الفصل الحقيقي لا تكون بتفريق الأشياء ولكن بإنجاز آلية التكامل بينها (ص39). وحداثة المسلمين ليست حداثة غربية لأن الغرب حامل لمجموعة من الآفات بينها الفردانية والانفاصلية والمادية (ص42).

إنه من الطبيعي أن لا نعمد لأسلمة الحداثة، فهي من نتاج حضارة أخرى لها شرطها وظروفها، ولكن هذا ليس دليلا على الانتفاء وإنما اللزوم. وبلغة الغرباوي أيضا: لقد سقطنا (بسبب الهوية) في تناقض مروع ونجم عنه قلق حضاري يثبط العزيمة (ص154). وعلى ما أعتقد نحن لم نتخذ أي موقف من الماضي أو الآخر. وعلى الضد من ذلك، كنا نفكر بأنفسنا فقط، ونسعى لإيجاد طريقة للخلاص، وهذا هو الطابع العام لمعركة رواد التنوير في موجتين أساسيتين: الدفعة الأولى التي واكبت نهايات الحكومة العثمانية واختارت مصر لتنشط منها. واختارت تحرير اللغة من تركة العصر الوسيط (عصر الانحطاط العربي أو الإسلامي كما هو معروف) و تدعيمها بنظريات تدين لمنطق الكشوفات العلمية. والدفعة الثانية التي واكبت البيروسترويكا وسقوط الاتحاد السوفياتي (الزلزال السوفييتي بلغة حسنين هيكل). وكان رموز هذه الحركة من جيل الشباب، وقد نشطوا من عدة مراكز. والسبب برأيي مفهوم وواضح، فالحداثة التي بشر بها الرواد كاننت بحاجة لإعادة نظر وتوسع وتنقية، وبضوء من إنجازات فلسفة ما بعد الحداثة. وحتى هذه اختلطت بمصطلحاتها ووجهات نظرها مع ما قدمته اتجاهات ما بعد الكولونيالية. والفرق بين الجيلين مثل الفرق بين فلسفة الهجرة والنفي أو الخروج من المكان. فالهجرة فلسفة إلغاء، بينما المنفى فلسفة ترابط، لأنها تكون غنية بمشاعر النوستالجيا والرغبة النظرية بالعودة. وإذا كانت الثقافة الإسلامية هي الشعار الذي رفعه الجيل الأول، فالثقافة الغربية (تحرير وديمقراطية) هي شعار الجيل الحالي. وفي الحالتين يوجد فراغ بين الموضوع وأساليب علاجه. فالهداية ليست ذاتية، وتحمل إشكالات التجديد من مسافة (في المكان من الخارج، وفي التفكير من الأعلى).

ولذلك أجد أن دعوة الغرباوي لتخفيف القيود على العقل النقدي ومحاصرة عقل المحاكاة لها ما يبررها، لأن التراث نتاج بشري وليس له أي سلطة معرفية (ص162) حتى لو كان هذا التراث من المقدسات. وبهذا المعنى يسأل نفسه: لماذا نقتدي بسيرة وعهد الخلفاء الراشدين؟. ومن جعلهم مثلا أعلى في السياسة والحكم، ومعيارا للفضيلة والحكمة؟. هل ذات النموذج العملي لسلوكهم؟ أم الخطاب التنزيهي الذي تلى حقبتهم؟.

* الإسلام والسياسة

لقد كانت فترة الخلفاء الأربع فترة دموية مضطربة تخللها أكبر كم من الجرائم السياسية والاغتيالات والحروب في سبيل السلطة. وهذا البحر من الدم لا يمكنه أن يكون هو التفسير العملي المفيد لأحكام القرآن. وإذا كنا نعزو للخلفاء فضيلة توسيع الدولة وحراسة التركة التي تركها لنا الرسول فهم أيضا مسؤولون عن التحسس الذي نعاني منه وعن نموذج الاحتكام للسيف ليس لنشر الدين وحراسته وإنما لاغتصاب السلطة بطريقة حرق المراحل. فالظروف لم تكن ناضجة لتأسيس خلافات وإمارات حينما أصبحت الكلمة للسياسة وليس للدين، أو للإسلام الأموي لا النبوي. والأهم من ذلك أن الخلافة شأن سياسي، بينما النبوة شأن ديني، وصلاحيات الخلفاء بالتوافق. لكن صلاحيات النبي ربانية وإلهية (ص197). ولا يمكن جعلها لغيره إلا بنص صريح واضح وهذا غير موجود (ص198).

ويندرج نفس المنطق على مفهوم العصمة، ولا سيما خصوصها في أهل البيت. فكيف يكون ذلك مع انقطاع الوحي، والخلل في الإسناد لا تعالجه العصمة، ولذلك يجب النظر لهذه المسألة في إطار اللامعقول الديني (ص206). وتأتي في درجة تالية مشكلة الألقاب مثل الحاكم بالله وسيف الله، ثم العناوين مثل نهاية الأصول ونهاية الدراية ونهاية الفقه (ص207). وهذا يذكرنا بعناوين حديثة مثل: موت المؤلف وموت الإيديولوجيا والإنسان الأخير. إنها ألقاب وعناوين ذات إيحاء رمزي وبلاغي. وبسهولة تستطيع مقارنتها مع ألقاب وعناوين كانت شائعة قبل التوحيد وفي العصر الوثني مثل فارس بني عبس (عنترة)، الملك الضليل (امرؤ القيس)، الفتى القتيل (طرفة)، و(جمهرة أشعار العرب) وما شابه ذلك. فهي بنود غير فقهية ولكنها جزء من الذهن المجازي عند العرب. والغاية منها الاستيلاء على القلوب البسيطة بمكياجات لغوية معدومة من أي سند إلهي أو شرعي. وهو ما يسميه الغرباوي: سلطة النص على الوعي حتى لو أن الحقيقة تجافيه وتعارضه (ص208). فالوحدة الدينية ليست مشروطة بالوحدة السياسية (ص212). وكل هذا الخراب كان يمكن تجنبه باعتماد نظام غير ثيوقراطي وتعددي يضمن للمسلمين فرصا متكافئة في إدارة شؤونهم. إن الإنسان بحاجة لتعبئة وخلق فرص لتنشيط العقل، حتى لا يتعلم الكسل الذهني وتموت روح المبادرة والابتكار لديه. ويمكن للدين أن يلعب هذا الدور إذا توفر له إطار سياسي مناسب. وكما ورد في مناقشة الغرباوي لمشكلة الغلو (التعصب) إن الفهم الخاطئ للثواب والعقاب والصبر والتسليم يقود للحد من التغلب على الواقع. ثم يستشهد بمقولة ماركس المعروفة: هكذا يتحول الدين إلى أفيون (ص243).

ومع أن هذا الكلام لا غبار عليه، لكن منعا لسوء الفهم، لم يكن ماركس ضد الدين بحد ذاته، وإنما ضد أساليب تعبئة الدين. فقد مهد لتلك العبارة المجازية بقوله: إن التعاسة الدينية هي احتجاج على التعاسة الواقعية، والدين زفرة الإنسان المسحوق، وروح عالم لا قلب له،  كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي طرد منها الروح.

ومثلما نحن نجد فرقا بين الولاية الدينية والتولية السياسية، هناك فرق بين محاربة الدين والتعامل معه كنظام تفكير بشري يستند لسلطة لدنية (افتراضية).  فالماركسية كانت تقرأ قوانين الصراع بين طبقات المجتمع ومنهم رجال الدين (الإكليروس). وهي تجد أن إلغاء السعادة الوهمية التي تتوفر في الأديان هو المدخل لصنع السعادة الفعلية. إن معركة ماركس كانت مع ظروف الإنتاج المجحفة والأوهام المرافقة لها بصور ترفيهية رخيصة لا تساعد على تبديل واقع البؤس والحرمان. وهذا ينطبق على أي بيئة غير متوازنة سواء كان الدين موجودا أو غير موجود.

لقد كانت كل الروايات الأساسية في التاريخ هدفا للتجريح أو المبالغة. ولم تنج الماركسية من مؤاخذات مضحكة وتدعو للشفقة (بتعبير فراس السواح). ومثلها الرأسمالية، فهي بنظر كل حركات التحرر في العالم الثالث مصدرا للشر ولاستعباد واسترقاق الإنسان. ولكن المبالغة دائما تكون بالنص وليس في الحقيقة. فكل نظام لديه حسناته وسيئاته.

ويثبت الغرباوي هذه الفكرة من خلال الصور والبورتريهات التي رسمتها المذاهب لشخصية النبي. فقد وجد فرقا أساسيا بين ما ورد في الآية والرواية. كانت الآيات تؤكد على بشريته، في حين أن الروايات تعزو له العلم بالغيب وتميل للمبالغة وترفعه لصفات أسطورية (ص287). حتى أن الرواية صادرت على الآية، وبلغة الغرباوي حصرتها (اشترطت التمهيد للآية بالرواية). وهذا لا يختلف شيئا عن النكتة الماركسية المعروفة: أن هيغل جعل التاريخ يمشي على رأسه. والمنطق يعطي الأولوية لكلام الوحي لا للتفسيرات والشروح التي تترتب عليه.

ولذلك يتحتم علينا التدقيق في هذه الروايات. وإذا كانت من بين الأحاديث يجب التثبت من صحة صدورها، ثم مراعاة قواعد إضافية للتأكد من فعلية الأحكام وصحة المضامين (ص291).

ويختتم الغرباوي كتابه باقتراح عملي.

أن نقرأ النص ونعقله أولا، ثم نعود لمصادره. ففي زمن النقد الرجالي ورواية الآحاد لا تستطيع أن تضمن أن الإسناد ليس مزيفا. وكما قال جون ماكوري في كتابه (الوجودية): الوجود الحقيقي يفترض فك الارتباط مع الواقع الزائف والمشوه والذي هو نتيجة لاتفاقات يبرمها العقل الجمعي وانحرافاته (ص178)(9)..

 

كتاب: النص وسؤال الحقيقة.. لماجد الغرباوي

د. صالح الرزوق

....................................

هوامش:

1- منشورات دار الأمل الجديدة في دمشق، ومؤسسة المثقف العربي في سيدني. 2018/ 308ص.

2- Fowler’s Modern English Usage. Guild Publishing. London. 1985 

3- الكلمات والأشياء. فوكو. ترجمة بإشراف مطاع صفدي. مركز الإنماء القومي. بيروت. غاليمار. باريس. 1990.

4- شكري االمبخوت. الثورة الثقافية الثانية في تونس. ضفة ثالثة. 16 يونيو، 2018.

https://www.alaraby.co.uk/diffah/opinions/2018/6/15/%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3

5- أرنست غيلنر. ما بعد الحداثة والعقل والدين. ترجمة معين الإمام. دار المدى. دمشق. 2001.

6- مقالة في العربي الجديد لعلاء البحار. خريطة الفقر في السعودية تتّسع إلى 4 ملايين مواطن... وثروات النفط للأغنياء. مال و ناس. ص 12-13،عدد 19-8-2017.

https://www.alaraby.co.uk/economy/2017/8/19/%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AA%D8%B3%D8%B9-%D9%88%D8%AB%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D9%84%D9%84%D8%A3%D8%BA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%A1

7- السعودية.. مملكة الفقر.

https://www.al-sharq.com/article/20/08/2017/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%85%D9%84%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D8%B1

8- طه عبد الرحمن. الحداثة والمقاومة. معهد المعارف الحكمية. بيروت. 2007.

9- جون ماكوري. الوجودية. ترجمة إمام عبدالفتاح إمام. عالم المعرفة. الكويت. 1982.

* يجدر بنا تصنيف حركات التنوير في موجات. أول موجة هي التي مهدت للتخلص من سياسة الإمبراطورية العثمانية،  وثاني موجة هي التي تدعو للتخلص من حكم العسكرتاريا الوطنية (جنرالات المكاتب) لأن دورهم انتهى بانتهاء شعار تحرير كامل الأراضي الفلسطينية ومبدأ الكفاح المسلح. وضمن هذه الموجات توجد تيارات: أدبية (تهتم بتجديد اللغة والأسلوب)، وفكرية وحركية (وتهتمان بعلاقة المجتمع مع الحضارة والسلطة). وغني عن القول أن تأملات قاص وروائي مثل طه حسين، ستقود لتأملات كاتب مثل سعد محمد رحيم. بمعنى أن الليبرالية الوطنية ستقود المعركة باتجاه وطنية ليبرالية. وترتيب المفردات هنا يدل على أولوية في الاهتمامات. فالتيار الأول استعار أدواته من الغرب (طه حسين معروف باسم ديكارت العرب)، في حين أن التيار الثاني كان مهموما بتحرير أدواته من أي شبهات غربية. ولذلك كان اتجاه السهم متعاكسا. في أول حالة من الموضوع إلى الذات. بينما في الحالة الثانية من الذات إلى الموضوع. ولكن المشكلة الأساسية هي دائما في فرز التنوير من الإصلاح. وهنا تبدأ مشكلة التدين والخلطة العجيبة لمفهوم الإجبار في التكافل الاجتماعي مع المطالبة بمزيد من الحريات في مجال الحياة المدنية.  

 

405 سعيد نفاعهذه هي الرواية الأولى للكاتب سعيد نفاع، ابن قرية بيت جن، المتربعة على سفوح الجليل الاعلى، وعضو الكنيست الأسبق، التي كانت صدرت عن دار "الأماني" في عرعرة، لصاحبها الكاتب الاستاذ مفيد صيداوي، الذي أخذ على عاتقه مهمة اصدارها كأمانة وضعها سعيد نفاع في عنقه، قبل ان يدخل السجن، وقدم لها بكلمة نقتطف منها: " سعيد نفاع كاتب يضع هموم شعبه وهم السلام العادل أمامه وفي مخيلته، وهو بدون شك يضمن هذه الهموم في أدبه الذي اطلعنا عليه، وفي هذه الرواية التي هي اولى رواياته... وفي هذا الكتاب يبدأ بكتابة النص الروائي ويدخله من اوسع ابوابه ".

وكان قد صدر لسعيد نفاع مجموعتان قصصيتان هما: "سمائية البوعزيزي "، و"رسالة مؤجلة من عالم آخر".

ويتناول سعيد نفاع في روايته "وطني يكشف عريي" واقع الأقلية العربية الفلسطينية في البلاد، ونسيج العلاقات بين مركباتها، وكيف يكون الحب والعلاقات الحميمية في مجتمع تسوده وتقتله المظاهر الفارغة، وينخره سوي الخيانة.

وهي تعري هذا المجتمع من خلال بطلي الرواية " راشد " و" أنس البكري "، وتطرح المسألة النسوية وما تعانيه المراة من اضهاد وقهر مزدوج وظلم المجتمع الذكوري، ويتجلى موقفه الايجابي المساند للمرأة، وتاكيده على ان المجتمع لن يتطور ويرقى دون مشاركة المرأة على قدم المساواة.

وما يميز الرواية جماليتها وفنيتها وتناسقها وشخصياتها الواقعية وصدق طروحاتها ولغتها القريبة من لغة الناس.

 

كتب: شاكر فريد حسن

علي القاسمي"تاريخ الأمة الحقيقي إنما هو تاريخ تمدُّنها وحضارتها، وليس تاريخ حروبها وفتوحها"

جرجي زيدان في كتابه "تاريخ التمدُّن الإسلامي"

لا يجد الباحث المؤرِّخ إلا النزر اليسير من الإشارات إلى حضارة الحيرة التي ازدهرت في العصر الجاهلي؛ بل حتى العصر الجاهلي نفسه لا يلقى إلا القليل من الاهتمام، فنحن لا نعرف عنه إلا الشعراء الذين برزوا في أواخره، خاصة أصحاب المعلقات. ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن بزوغ شمس الإسلام الساطعة بوصفه حركة إنسانية عالمية، غطت على القناديل الثقافية التي سبقته في المنطقة العربية. وحتى دراسات الباحثين في عصر الورق للشعر الجاهلي وشرحهم للمعلقات، كان الهدف منها بصوة غير مباشرة، فهم معاني غريب القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. إضافة إلى أن منهجية التدوين التاريخي التي طوّرها الأخباريون العرب بفضل مناهج الجرح والتعديل في علم الحديث، قد نضجت في وقت بُعد فيه العهد بحضارة الحيرة وانشغل المؤرخون المسلمون بتدوين تاريخ الممالك الإسلامية الكثيرة العدد المترامية الأطراف.

وقد سعدتُ مؤخراً بالاطلاع على كتابيْن قيّميْن حول حضارة الحيرة للأديبة الباحثة الدكتورة نزهة بوعياد، أستاذة التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء ورئيسة شعبة اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بعين الشق، وهما:

الكتاب الأول، ديوان شعر في ملوك المناذرة: جمع وتصنيف وإحصاء

الكتاب الثاني، إمارة المناذرة: أول مُلْك عربي بالحيرة، دراسة تاريخية.

وهما من منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بعين الشق. وللباحثة كتاب ثالث يتعلّق بحضارة الحيرة كذلك هو:

ـ الخطاب الشعري في بلاط المناذرة: دراسة تحليلية لأهم الأغراض الشعرية.

وإذا كان الكتاب الثالث ينتمي من حيث الأساس إلى مجال النقد الأدبي، فإن الكتابين الأولين يتعلقان بصورة مباشرة بحضارة الحيرة. ويسعدني أن أعرّف بهذين الكتابين باختصار:

الكتاب الأول:  ديوان شعر في ملوك المناذرة:

399 نزهة بوعبادتكمن أهمِّية هذا الديوان الشعري الذي صنعته الأديبة الباحثة المقتدرة الدكتورة بوعياد في كونه المصدر الأساس لدراستها التاريخية في كتابها الثاني " إمارة المناذرة ". فتدوين التاريخ العلمي يحتاج إلى وثائق مكتوبة . وهذه الوثائق المكتوبة لم تكن متوافرة خلال العصر الجاهلي بسبب انتشار الأمية بين العرب. وتعود أسباب هذه الأمية إلى أن "الكتابة الألفبائية" التي يمثّل فيها كلُّ رمزٍ مكتوبٍ صوتاً أساسياً من أصوات اللغة، لم تكُن قد اختُرعت إلا قبل فترة قصيرة من ذلك العهد؛ فقد توصل إليها العقل الفينيقي حوالي 1050 ق.م، فنال الفينيقيون " مجد اختراع الكتابة الألفبائية" كما يقول المؤرخ الروماني بليني، اعتماداً على " الكتابة المسمارية" التي ابتكرها السومريون قبل سنة 3000 ق.م. ؛ وكانت لم تكتمل أدوات الكتابة الألفبائية بعد؛ كما أن الورق لم يُخترَع بعد، فكانوا يكتبون على الورق البردي في مصر، وهو قليل الانتشار، أو يكتبون على جلود الحيوانات في جزيرة العرب بصعوبات كبيرة.

 بيدَ أن العرب كانوا يعوِّضون عن أمّيتهم بقدرتهم على الحفظ، خاصة الشعر الذي يسهل حفظه بفضل أوزانه وقوافيه. أضف إلى ذلك، فإن لكل شاعر مشهور راويةٌ أو أكثر من أبناء قبيلته، يرافقه في حلّه وترحاله، ويحفظ عنه كل ما يوحي به إليه جنُّ عبقر.

ونظراً لندرة الوثائق التاريخية عن حضارة الحيرة التي ازدهرت مدّة تناهز ستمئة عام وتعاقب على إمارتها ما يقرب من خمسة وعشرين ملكاً، فإن الدكتورة بوعياد اختارت أن تتخذ من الشعر الذي قيل في ملوك المناذرة، مصدراً لدراستها التاريخية حول ازدهار الحيرة الثقافي، والاقتصادي، والعمراني، وتفاعلها الحضاري مع غيرها من الدول في المنطقة، والصراعات السياسية التي كانت تجتاحها. ولكي تكون مراجعها موثوقة متكاملة، قامت بصنع هذا الديوان المؤلّف من جميع القصائد التي قيلت في ملوك المناذرة.

يشير الأستاذ الأديب الدكتور محمد بلاجي في مقدمته التي كتبها لهذا الديوان، إلى أن ابن سلام الجمحي قد ذكر في كتابه " طبقات فحول الشعراء" أن النعمان بن المنذر كان يحتفظ في قصره بديوان يضمُّ قصائد فحول الشعراء في مدحه وأهل بيته. ولكن هذا الديوان مفقود لم يصلنا. ولهذا فقد صنعت الدكتورة بوعياد هذا الديوان من جديد.

ولفظ " ديوان الشعر " في اللغة العربية مشترك لفظي يدل إما على مجموعة قصائد لشاعر واحد مثل " ديوان المتنبي"،وإما على مجموعة قصائد تشترك في موضوعة واحدة، مثل " ديوان الحماسة" لأبي تمام. وصناعة الديوان بالمعنى الثاني ، يتطلب جهداً في جمع القصائد من مصادر شتى متفرقة زمانياً ومكانياً. وإضافة إلى ذلك اضطلعت الدكتورة بوعياد بما يأتي:

1ـ ترتيب الأشعار ترتيبا تاريخياً من الأقدم إلى الأحدث،

2ـ ضبط الأشعار بالشكل التام،

3ـ تحديد غرض كل نص شعري، ووزنه العروضي،

4ـ شرح المفردات والعبارات في الهوامش،

5ـ إعداد جداول إحصائية للأشعار حسب أغراضها: المدح، أو الهجاء، أو غيرهما. وتضم هذه الجداول :

أـ جدول بأسماء الملوك اللخميين وزوجاتهم الذين قيلت فيهم الأشعار، وأسماء الشعراء من أصحاب الدواوين وممن لا دواوين لهم.

ب ـ جدول لشعر المدح الذي قيل في الملوك اللخميين وفيه أسماء الملوك، وأسماء الشعراء وقصائد المدح، وقصائد المدح والاستعطاف.

ج ـ جدول لشعر المدح بكل أنواعه: المدح الخالص، والمدح والاستعطاف، والمدح والاعتذار، والمدح والقول في مرض، والمدح والتهديد، والمدح والتحريض. ومجموع أبيات القصائد في كل نوع، والمجموع الكلي هو 692 بيتاً..

د ـ جدول لشعر الهجاء بكل أنواعه؛ ومجموع أبياته 355 بيتاً.

هـ ـ جداول لكل ما قيل من شعر في الأغراض المختلفة، وتضم اسماء الملوك، وأسماء الشعراء، والغرض كالاعتذار والاستعطاف، والتحريض، والرثاء، والتحذير والإنذار، والتحدي، والوصف والتشبيب؛ ومجموع الأبيات 471 بيتاً.

ثم جدول عام يبين مجموع الأبيات في جميع الأغراض يبلغ 1518 بيتاً.

ويختتم الكتاب الذي يقع في 145 صفحة من القطع الكبير، بفهارس متعدِّدة مثل : فهرست الشعراء، وفهرست المصادر، وفهرست الموضوعات.

وقد يتساءل المرء عن دواعي هذه التفاصيل، وتكمن الإجابة في دقة الباحثة وشموليتها، وكذلك في كون هذا البحث في الأصل أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الآداب.

ومن هذه الجداول يتبيّن لنا أن الأشعار قيلت في الملوك التالية أسماؤهم:

المنذر بن ماء السماء، المنذر بن المنذر بن ماء السماء ( الملقب بالأسود)، عمرو بن المنذر بن ماء السماء (عمرو بن هند)، قابوس بن المنذر، النعمان بن المنذر.

أما الشعراء أصحاب القصائد فهم (بالترتيب الألفبائي):

الأعشى ميمون، أوس بن حجر، الحارث بن حلزة، الحارث بن ظالم، حجر بن خالد، الربيع بن زياد، الرهال العجلي، زهير بن أبي سلمى، سويد بن الخذاق الشني، طرفة بن العبد، عبد قيس بن الخفاف التميمي، عبيد بن الأبرص، عبيد الله بن قيس الرقيات، عدي بن زيد العبادي، علقمة الفحل، عمرو بن ثعلبة الطائي، عمرو بن كلثوم، عمرو بن ملقط الطائي، قيس بن جروة، لبيد بن ربيعة،مالك بن نويرة، المتلمس الضبعي، المثقب العبدي، المرقش الأصغر، الممزق العبدي، المنخل اليشكري، النابغة الذبياني، يزيد بن الخذاق.

وهكذا نرى أن هؤلاء الشعراء الثمانية والعشرين يضمون فحول الشعر الجاهلي.

ولكي نأخذ فكرة تقريبية عن صنعة هذا الديوان، نضرب مثلاً من أول قصيدة ومن آخر قصيدة فيه . ففي الصفحة 11 من الكتاب، نجد أول قصيدة وتعالجها الباحثة بالشكل التالي:

" َـ ما قيل من قصائد في المدح الخالص :

1ـ مدح الأسود بن المنذر(3):

+قال الأعشى الكبير يمدح الأسود بن المنذر في قصيدة مطلعها (4): [الخفيف]

طـ ما بُكاءُ الكبيرِ بالأطلالِ  وسُؤالِي، فَهَلْ ترُدُّ سؤالي؟

والتي يمكن تقسيمها على الشكل التالي:

من البيت 1 ـ 17: الوقوف على الأطلال وتذكُّر الحبيبة.

من البيت 18 ـ 36: وصف الناقة وهي في طريقها إلى الأسود.

من البيت 37ـ 75: مدح الأسود بن المنذر.

37ـ لا تَشَكّْيْ إليَّ وانتجِعي الأسْـــ     ــوَدَ أهلَ النَّدى، وأهلَ الفَعالِ (5)

38ـ فرعُ نبعٍ يهتزُّ في غُصُنِ المجْـ    ــدِ غزيرُ النَّدى شديدُ المِحالِ  (6)

... إلخ. "

أما آخر قصيدة في الديوان فهي:

" ما قيل في المتجرِّدة (723)

ـ قال المنخل اليشكري في قصيدة مطلعها (724) [ مجزوء الكامل]

إن كنتِ عاذلتي فسيري   نحو العِراقِ ولا تحوري

والتي يمكن تقسيمها على الشكل التالي:

ـ من البيت 1 ـ 12 : يخاطب الشاعر عائلته ويريدها أن ترافقه إلى العراق، وأن لا تسأل عن معظم ما عنده من مال بل تسأل عن كرمه وجوده وحسن أخلاقه وقوته وقوة فوارس قومه الذين تقر عينه بهم، كما تقر عينه بالنساء اللائي يعاتبهن ويجري في الهوى معهن.

ـ من البيت13 ـ 24: وصفه لمبادلته الحب مع إحداهن، ووصفه لحال سكره وصحوه، وتشبيبه بهند.

13 ولقد دخلتُ على الفتا     ةِ الخِدرَ في اليومِ المطيرِ

14 الكاعب الحسناء ترْ      فُلُ في الدَّمَقْسِ وفي الحريرِ(725)..

15 فدفعتُها فتدافَعَـــتْ      مَشْيَ القَطــاةِ إلى الغديـــرِ ( 726)

16 ولَـثِمتُها فتنفَّســـتْ      كَتَنَفُـــسِ الظَّبيِ البَهـــيــرِ (727)

....إلخ.

خاتمة:

وإذا نظرنا في هذين النموذجين والتعليقات عليهما في الهوامش ندرك بوضوح حجم الجهود التي بذلتها الباحثة الكريمة لجمع أشعار الديوان من المصادر والمراجع المختلفة، ودقتها في التعريف بالأعلام، وشرح المفردات. وهي تستحق بذلك الشكر من الحيرة وأهلها وجميع محبي الأدب العربي وتاريخ الحضارة الإنسانية.

الكتاب الثاني: إمارة المناذرة أول مُلك عربي بالحيرة، دراسة تاريخية

400 نزهة بوعباديقع هذا الكتاب في 145 صفحة من القطع المتوسط. وإذا كان صغيراً في حجمه، فإنه كبير في قيمته وأهميته، فهو يسلط الضوء على فترة حوالي500 سنة من تاريخنا العربي قبل الإسلام، لم تنل حظها من اهتمام المؤرخين.

صورة الغلاف:

أول ما يلفت نظرنا في هذا الكتاب غلافه، فهو يضمُّ لوحةً منمنمةً فنية من القرن الخامس عشر الميلادي، وردت في مخطوطة " خمسة " لنظامي بريشة بهزاد، تصوّر لنا ـ بمنظور عجيب وحركية آسرة وألوان خلابة ـ بناء قصر " الخورنق " في مدينة الحيرة الذي يقال إنه استغرق عشرين عاماً بأمر من النعمان بن امرؤ القيس ملك الحيرة (390ـ 418م ) الذي بلغت الإمارة في عهده شأوا عالياً من السمو الثقافي، والرفاه الاقتصادي، والتقدم العمراني.

لقد نال هذا القصر شهرة عالمية، وذاع خبره في كثير من البلاد، حتى أُطلِق اسمه على كثير من المعابد والقصور الفخمة المحصَّنة. كنتُ، ذات مرة، مع بعض أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة في زيارة للكرنك بالأقصر في مصر، فسألني عالم اللغة الدكتور تمام حسان ما إذا كنتُ أعرف أصل تسمية " الكرنك"؛ وعندما أجبت بالنفي، قال إنها " الخورنق" من العراق.

التقديم والمقدمة:

في تقديمه للكتاب، أشار المؤرخ الدكتور محمد رزوق إلى النقص الموجود في المصادر التاريخية حول إمارة الحيرة، ولهذا فإن المؤلفة استثمرت المصادر الأدبية لتسدّ " ثغرة كبيرة في تاريخنا العربي"، وتمكنت من إعطائنا صورة محددة عن هذه الإمارة " تختلف عن الصورة التي عرفناها سابقاً".

وفي مقدمتها، أكدت المؤلّفة ما ورد في التقديم بقولها إن صناعتها لديوان الأشعار التي قيلت في المناذرة اقنعتها " بأن الشعر هو وثيقة جاهلية لن أقول عنها فنية فقط، بل وثيقة تاريخية أيضاً أرَّخت وتؤرخ لماضٍ عريق لا يمكن تجاهله أو تناسيه "، وأن عنايتها بالشعر العربي القديم هو الدافع الأول وراء الدراسة التاريخية لإمارة الحيرة.

مدينة الحيرة ومكانتها في العراق:

في القسم الأول من الكتاب، تتناول المؤلِّفة الفاضلة مدينة الحيرة من حيث تسميتها، وتأسيسها، وموقعها وتركيبتها السكانية. فتشير إلى أن الحيرة، لغةً، تعني التردُّد ، كما تعني الإقامة في المكان والتجمّع فيه. ويُطلق لفظ " الحيرة" كذلك على بعض التجمعات السكانية في الوطن العربي، مثل بلدة "الحيرة" الواقعة بالقرب من مدينة الشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وتقع " الحيرة " العراقية على بعد ثلاثة أميال من مدينة الكوفة، وتمرُّ بها فروع من نهر الفرات، ما أكسب هواءَها رقة، وماءَها عذوبة، وأرضها خصوبة، فكثرت فيها النباتات والبساتين. ويقول الأخباريون إن نبوخذ نصر ملك بابل (605ـ 562 ق.م.) باني الجنائن المعلّقة فيها، هو الذي أسس الحيرة، وأن المناذرة، الذين ينتمون إلى قبيلة لخم إحدى قبائل تنوخ، هاجروا إليها من جنوبي اليمن، بدءً من نهاية القرن الميلادي الأول، بسبب انهيارات سد مأرب، وأن الملك الحميري تبع أبو كرب (ت 430م) ترك فيها بعض جيشه في إحدى غزواته.

وأهل الحيرة خليط من القبائل البدوية العربية التي كانت تلتمس أسباب الحياة، لها ولإبلها وماشيتها، في المناطق الخصبة. وهكذا فالحيرة ضمت قبائل متعدد من القحطانية والعدنانية مثل لخم، وأزد، وحمير، وطي، وكلب، وتميم. وكانت تلك القبائل تعتنق نِحلاً دينية كثيرة: فمنهم الوثنيون، والصابئة، والمجوس، واليهود، والنصارى، النسطوريون واليعاقبة، وغيرهم.

وكان لانتشار النصرانية في الحيرة أثرٌ في إلمام أهلها بالآرامية التي كانت غالبة في دراسات الكنيسة اللاهوتية وما يتصل بها من العلوم، التي كانت تكتب بالخط النبطي المتأخرالذي تولَّد منه الخط العربي قبل الإسلام.

ملوك الحيرة:

ومن الناحية السياسية، كانت الحيرة عاصمة مملكة المناذرة، نسبة إلى أسماء ملوكها. وعندما استطاع أردشير بن بابك، سنة 230م، تكوين الدولة الساسانية وإعادة توحيد الإمبراطورية الفارسية بعد تقسيمها إلى دويلات من قبل الإسكندر المقدوني، أخذ يبسط سلطانه على الكيانات السياسية المجاورة، ومنها مملكة المناذرة التي أخذت تحرس التجارة الفارسية، وتحفظ حدودها، فنالت استقلالا ذاتياً.

تخصّص المؤلِّفة الفاضلة القسم الثاني من كتابها القيم لملوك المناذرة: قوائم اسمائهم، وسني توليهم الحكم، وعلاقاتهم بالقبائل العربية والإمارات المجاورة لهم، وأثرهم في حياة العرب الجاهليين أدبياً وثقافياً.

ويختلف الأخباريون في عدد ملوك الحيرة ومدَّة حكمهم، فمنهم من يعدّهم خمسة وعشرين ملكاً حكموا في مدة ستمئة وثلاث وعشرين سنة وأحد عشر شهرا؛ ومنهم من ينقصهم لعشرين ملكاً حكموا مدة خمسمئة واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر. وقامت الباحثة الفاضلة بإعداد التشجيرات المختلفة لحصر أسماء أولئك الملوك طبقاً لرواية كلِّ أخباري: الطبري، الدنيوري، اليعقوبي، المسعودي، ابن رشيق القيرواني. وتعرِّف بكلِّ ملك يرد اسمه في إحدى الشجرات. وتنتهي إلى ما يأتي:

"حياة الملوك اللخميين في الحيرة يمكن النظر إليها انطلاقاً من طورين:

الأول، بدأ مع عمرو بن عدي إلى تولية ملوك كندة الإمارة في الحيرة.

والثاني، بدأ من استرجاع المنذر بن ماء السماء الحيرة من أيدي كندة إلى تولية آخر ملوكهم الأقوياء النعمان بن المنذر.

أما ما بعد هذا الطور الثاني، فقد تولى الفرس مهمة تعيين الحكام الفارسيين لإدارة حكم الحيرة. وفي هذه المرحلة ذكر بعض الأخباريين تولية المنذر بن النعمان بن المنذر لمدة ثمانية أشهر، وكان آخر ملوك الأسرة اللخمية حيث انقرض أمرهم مع زوال ملك فارس بقدوم الجيش الإسلامي بزعامة خالد بن الوليد وفتح الحيرة."

الحركة الثقافية في الحيرة:

ازدهرت حركة ثقافية أدبية في الحيرة وصار لها إشعاع حضاري على ما حولها من البلاد. وتضطلع الدكتورة بوعياد بتحليلٍ علميٍّ موضوعيٍّ لأسباب ذلك، فتردُّه إلى أن مملكة المناذرة استفادت من علاقاتها الوثيقة بالفرس وبالرومان معاً. فسياسياً كانت مرتبطة بالإمبراطورية الفارسية، ودينياً كانت تدين بالنصرانية التي يتبناها البيزنطينون . كما انها اشتركت في حروب ضد البيزنطينيين، وأستفادت من الاحتكاك بهم عسكرياً وتجاريا، في تعلُّم اللغات وفي اكتساب المعارف في العمارة والطب وترجمة بعض العلوم الإغريقية. أضف إلى ذلك التنافس بين إمارة المناذرة في العراق وإمارة الغساسنة في الشام، ورغبتهما في التطوُّر والتفوّق.

علاقة الحيرة بالقبائل العربية:

بعد تحليل عميق للبيئة العربية في شمال جزيرة العرب، تجد الباحثة الفاضلة نوعين من البيئة:

ـ الأولى، بيئة بدوية معظم أهلها من القبائل البدوية التي كانت تتنقَّل طلباً للماء والكلأ، وتعيش على تقاليد الغزو والنهب فيما بينها، ولا تخضع إلا لتقاليد القبيلة.

ـ الثانية، بيئة مدنية تخضع لإمارة مستقلة، مثل إمارة المناذرة في العراق، وإمارة الغساسة في الشام.

فعلاقة إمارة الحيرة بالبيئة الأولى يمكن تلخيصها في قيام الإمارة بدور الوسيط بين تلك القبائل المتناحرة أحياناً، ودور المشرّع للمواثيق والعهود بينها، ودور المدافع عن ممتلكاته وحدوده.

المناذرة والغساسنة:

أما العلاقة بالبيئة الثانية ، أي العلاقة بين المناذرة والغساسنة، فكانت تخضع لمصالح الدولتين العظميين: الساسانيين والبيزنطيين. وتقول المؤلّفة الفاضلة: "فلما كان المناذرة الدرع الواقي للفرس والغساسنة المانع الحاجز للروم، كان طبيعياً أن تنشأ مثل هذه العلاقة القائمة على المناوشات والحروب."

وبطريقة غير مباشرة تنبّه المؤلّفة الفاضلة إلى مقولة " ما أشبه اليوم بالبارحة". فدولة المناذرة ودولة الغساسنة دولتان عربيتان، فالأولى يعود أصلها إلى لخم اليمن، والثانية يعود أصلها إلى أزد اليمن. ولكن هاتيْن الإمارتيْن دخلتا في صراعات دامية وحروب طاحنة دامت قروناً عديدة، ليست في مصلحتهما، ولكن في خدمة أسيادهما من الفرس والبيزنطينيين .

وتسرد المؤلفة الفاضلة بأسلوب شائق ماتع، بعض تفاصيل هذه الصراعات، التي تدمي القلوب أسفاً وحسرة على الأرواح العربية التي أزهقت من أجل مصلحة المستعمِر.

أثر المناذرة في الحياة العربية الثقافية:

ويتناول القسم الأخير من الكتاب تأثير الحيرة في الحياة العربية الثقافية والأدبية، فتلخصه المؤلِّفة الفاضلة بقولها:

" كانت إمارة الحيرة أقوى الإمارات العربية، وأطولها عمراً، وأكثرها استقراراً، وأبلغها تأثيراً على عرب الجاهلية، سواء على مستواها الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو العمراني، وهي مستويات تداخلت فأدت إلى نهضة أدبية كان لعرب الحيرة ولأمرائهم فيها أبلغ تأثير في إذكاء قرائح الأدباء والشعراء على وجه الخصوص؛ وهي نهضة أدبية ارتكزت على عوامل متعددة يمكن حصرها في الازدهار الاقتصادي، والعمراني، والصراع السياسي."*

استنتاج وخاتمة:

كان التاريخ في بداياته، وحتى لدى كثير من المشتغلين في التاريخ حالياً، يقتصر على سرد الأخبار أو ذكر الوقائع أو وصف الحوادث الماضية في تسلسلها الزمني فقط. ولكن إذا أُريد للتاريخ أن يكون علماً له تطبيقاته المستقبلية، فيتوجَّب عليه أن لا يكتفي بالسرد أو الإخبار، فذلك ما كان الأخباريون العرب القدامى يفعلون. [في المغرب يُقال الإخباريون، نسبة إلى المصدر " الإخبار" أما في المشرق فيُقال الأخباريون، نسبة إلى الاسم "الأخبار"] (1) ، بل ينبغي على المؤرّخ اليوم تحليل الحوادث والوقائع، وتفسيرها، وتعليلها، والوقوف على أسبابها ونتائجها، والبحث بعمق عن الدوافع والقيم والعوامل والقوانين الكونية والفكرية المؤثرة في حركة التاريخ والمؤدية إلى صناعة الوقائع والأحداث. فالتاريخ لم يعُد مجرَّد أخبارٍ مرتبةٍ ترتيباً زمنياً، بل وسيلة لفهم الماضي، وتدبُّر الحاضر، والتنبؤ بالمستقبل.

وهذه النظرة العلمية للتاريخ هي التي أدت إلى ظهور النظرية " التاريخية" القائلة بأن الأمور الحاضرة والأوضاع الراهنة ناشئة عن التطوُّر التاريخي، ولا يمكن تبديل نتائجها ولا فهمها على حقيقتها إلا بدراسة تاريخها. فهنالك قوانين علمية عامَّة، كونية وفكرية، تحكم سير الوقائع التاريخية وتطوُّر الجماعات الإنسانية على مر الزمان. ونجد جذور تلك النظرية لدى العلامة ابن خلدون (ت 808ه) في " المقدمة". فهذه المقدمة تتضمَّن القوانين التي تتحكّم في الأحداث والوقائع التي سردها ابن خلدون في تاريخه " العِبر" فقد تطرق في " المقدمة" إلى قوانين التطور التي يسير عليها تحوُّل المجتمعات البشرية من البداوة إلى الحضارة، والقوانين التي تتحكم في قيام الدول وسقوطها. وما تسميته لتاريخه بـ " العِبر"، إلا نتيجة إدراكه العميق لإمكان الاستفادة من أحداث الماضي في مستقبل حياتنا. ولهذا فهو يقول في "المقدِّمة" : " التاريخ يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم... حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك." (2)

يفرّق المؤرخ المفكِّر المغربي الدكتور عبد الله العروي في كتابه " مفهوم التاريخ"، بين " الأرّاخ " والمؤرّخ"، فالأول يضبط التواريخ للأحداث، أما الثاني فـ " يسجل الأحداث في حال حدوثها، يحلِّلها على حالها، يعطي أسبابها الظاهرة، يستطلع نتائجها التي لا زالت خفية، ثم يتابع الحركة مقارناً في كل لحظة المتوقَّع بما يتحقق فعلاً"(3). [ يُلاحظ أن هذا المفكِّر العبقري اشتقّ كلمة "أرّاخ" على وزن (فَعّال) الذي يُستخدَم عادة لأصحاب المهن اليدوية مثل: خدّام، شغّال، زبّال، عتّال، حمّال، نجّار، صبّاغ، إلخ. ، على حين أن "مؤرِّخ" على وزن ( مُفعِّل) الذي يُستعمل عادة لأصحاب المهن الفكرية مثل: مفكِّر، محقِّق، مُفسّر، مُحدِّث، مُنجِّم، مُحلِّل، إلخ.]

إذن، لا يتوقف عمل المؤرِّخ على جمع الأخبار وغربلتها وتمحيصها، وترتيب الوقائع والأحداث ترتيباً زمينا، بل عليه أن يستنبط القوانين الكونية التي تحكّمت في تلك الأحداث والتي ستتحكم في وقوعها في المستقبل.

والقانون العلمي هو قاعدةٌ تعبِّر عن علاقاتٍ ثابتة بين ظواهر الأشياء التي نعرف أحكامها منه. ولا يتضمَّن القانون العلميُّ أحكاماً إنشائيةً تشير إلى ما يجب أن يكون، بل أحكاماً وجوديةً تشير إلى ما هو كائنٌ فعلاً. فالقانون هو قاعدة توحي بها الملاحظة وتوكّدها التجربة(4). واكتشاف القوانين العلمية التي تصف الظواهر الطبيعية وتفسِّرها، تيسِّر للإنسان فهم العالم الذي يعيش فيه، بحيث يكون مقبولاً لديه، أو معقولاً، أي يتقبّله عقله. ولاكتشاف القوانين الطبيعية غايتان: وصف الظاهرة وتفسيرها.

وللقانونِ العلميِّ خصائصُ رئيسةٌ ثلاث:

1) الشمولية، أي أنه لا يقتصر على وصف حالة جزئية أو واقعة فريدة، بل يصف جميع الحالات الجزئية التي تنتمي إلى صنف واحد.

2) الشرطية، أي أنه يُصاغ في صورة " إذا... إذن". بمعنى أنه يخبرنا: إذا توفرت شروط معينة، وظروف محددة، إذن سيحصل كذا وكذا.

3) التنبؤية، أي القدرة على التنبؤ بالمستقبل عند تطبيق القانون على الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية التي يشملها(5) .

 

وتنضوي هذه الخصائص الثلاث تحت مبدأ القوانين (مبدأ الحتمية) الذي ينصُّ على أن العِلل نفسها ينتج عنها حتماً معلولاتٌ واحدة، في الظروف نفسها، وتحت الشروط ذاتها. أي أن مبدأ القوانين يقرّ بوجود نظام كليٍّ واحد في العالم، وهو نظام دائم ثابت لا يشذّ عنه شيء في الزمان ولا في المكان.

ومعروف أن علم المستقبل (أو المستقبليات أو الدراسات المستقبلية) الذي تطوَّر في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، والذي يختص بالمحتمل والممكن والمفضَّل في المستقبل، ينبني على خصائص القوانين العلمية وحتميتها. فهو يرمي إلى تصوُّرِ وضعٍ مستقبلي مع سيناريوهات للحالات الطارئة المحتملة، بناء على عبرة مستخلصة من الماضي، ودراسة التطورات الراهنة على المستوييْن العالمي والإقليمي، واستخدام نماذج رياضية، واستثمار الإمكانات الحاسوبية. وهذا هو الأساس في الدراسات التي يكتبها بعض كبار المؤرخين والاقتصاديين الأمريكيين عن قرب انهيار الإمبراطورية الأمريكية، بناء على القوانين المستخلصة من التاريخ حول قيام الإمبراطوريات وانهيارها (6).

لقد ألّفت الدكتورة نزهة بوعياد كتابها " إمارة المناذرة " في الحيرة، بالاعتماد على مبادئ علم التاريخ. فقد جمعت أخبارها من مختلف المصادر الأدبية والتاريخية والمعجمية، ومحّصتها وغربلتها، وحللت الوقائع، وبحثت عن الأسباب والعلل التي أدت إليها. فمثلاً هجرة اللخميين إلى العراق، سببها انهيار سد مأرب؛ وعلة اختيارهم الحيرة تكمن في موقعها الجغرافي وخصوبة أرضها وطيب هوائها؛ وتركيبة سكان الحيرة المتنوعة تعود إلى انتجاعها من طرف القبائل البدوية التي تبحث عن الماء والكلاْ لأنعامها؛ وسقوطها تحت التأثير السياسي للإمبراطورية الفارسية ناتج من جوارها جغرافياً لهذه الدولة القوية التي تريد من إمارة الحيرة التعامل مع القبائل البدوية وحماية حدود الدولة الفارسية؛ وازدهار الإمارة الثقافي والاقتصادي والعمراني، نابع من تشجيع امرائها للثقافة، والاستفادة ليس من العلوم الفارسية فحسب، بل كذلك من البيزنطينيين بفضل الاحتكاك بهم تجارياً وعسكرياً ولغوياً؛ وهكذا دوليك. فتحليل الوقائع وتعليلها وتفسيرها كانت من أدوات البحث الموضوعي التي استخدمتها الباحثة الفاضلة بمهارة واقتدار.

وقد تضمّنت دراستها التاريخية قوانين ونتائج يمكن أن تستفيد منها الأمة العربية في راهنها ومستقبلها. فالدكتورة نزهة بوعياد قد رضعت الوطنية وحبَّ أمتها من أسرتها العريقة ذات النضال الطويل من أجل استقلال المغرب. بيدَ أن لباقة الدكتورة ولطفها وبراعتها اللغوية جعلتها تعرض تلك القوانين باستخدام التلميح لا التصريح، واستعمال الإشارة لا العبارة، ، بحيث يدرك القارئ اللبيب المغزى من الكلام؛ وهذا ما يقتضيه فنّ السرد الراقي، فالسرد لا يقتصر على القصة والرواية والمسرحية، بل على التاريخ كذلك.

ومن أهم هذه القوانين التي ألمحت إليها المؤلِّفة:

القانون الأول: تقسيم الأمة إلى دويلات صغيرة يؤدي إلى ضعفها وتخلّفها. ويستشف القارئ ذلك بوضوح من رواية أوردتها حول خطة الاسكندر المقدوني الذي تغلّب عسكرياً على الإمبراطورية الفارسية، فقام بتقسيمها إلى دويلات صغيرة وعيّن ملكاً على كل دويلة لا يأبه إلا بمصالحه، بحيث لا تقوم لتلك البلاد بعدها قائمة.

القانون الثاني (وهو مقلوب الأول): إن وحدة الأمّة تؤدي إلى ازدهارها ورفعتها. ويدرك القارئ ذلك من تفسيرها لتمكُّن الدولة الساسانية الفارسية من بسط نفوذها على الكيانات السياسية المجاورة لها ومنها إمارة المناذرة، وذلك لاستطاعة آردشير بن بابك، سنة 230 م، توحيد دويلات الإمبراطورية الفارسية، ما أدى إلى تعاظم قوتها، وعلو شأنها.

القانون الثالث: إذا كانت دويلات الأمة تحت نفوذ دول أجنبية، فإنها ستقاتل بعضها بعضاً، عندما تتعارض مصالح الأجانب. ويفهم القارئ الكريم هذا القانون من تفسير الدكتورة بوعياد للحروب الطاحنة بين المناذرة والغساسنة، على الرغم من أنهم من أصل واحد (اليمن)، ويتحدثون بلغة واحدة (العربية)، ويدينون بدين واحد (المسيحية آنذاك). ولكن المناذرة كانوا تحت التأثير الفارسي والغساسنة كانوا تحت التأثير البيزنطي، وعندما تتعارض مصالح البيزنطينيين والفرس، تندلع الحرب بين الغساسنة والمناذرة.

القانون الرابع: إن المنازعات بين الكيانات العربية المختلفة تؤدي إلى ضعفها وتسيُّد القوى الأجنبية عليها. وإذا كانت الباحثة الفاضلة قد أوضحت صحّة هذا القانون من خلال الخلافات المستمرة بين القبائل العربية، وكذلك بين المناذرة والغساسنة، في العصر الجاهلي، ما أدى إلى تسلّط الفرس والبيزنطينيين على العرب، فإن هذا القانون قد أثبت صحّته في العصور اللاحقة. فالمنازعات بين الممالك والإمارات العربية أواخر العصر العباسي خلال القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين شجَّع الحملات الصيــلبية (1096 ـــ 1291م) وأدى إلى احتلال الصليبين الأماكن المقدسة في الشام وإقامة دويلاتهم . وعندما استطاع صلاح الدين الأيوبي (1138 ـــ 1193م) توحيد الممالك العربية في مصر والشام والحجاز والعراق، سرعان ما تغلّب العرب وسقطت ممالك الصليبين في الشام تباعاً.

وأثبت هذا القانون صحته في حالة المنازعات المستمرة بين ملوك الطوائف في الأندلس في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، واستعانة بعضهم بالإسبان على محاربة بعضهم الآخر، ما أدى إلى استيلاء الإسبان على الإمارات العربية الواحدة تلو الأخرى حتى سقط آخر المعاقل العربية في غرناطة سنة 1492 م، وانتهى الوجود الإسلامي في الأندلس بعد أن دام حوالي ثمانية قرون من الزمن.

 ومن تطبيقات هذا القانون ما حصل في الخليج العربي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين. فقد أدت المنازعات المستمرة بين العمانيين، والسعوديين، والقواسم، والبحرانيين، واستعانة بعضهم بالإنجليز ضد بعضهم الآخر، إلى تدخلات الإنجليز وعدوانهم المتواصل على العرب حتى تمكنهم من استعمار هذه المنطقة العربية، كما أوضح ذلك الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في كتابه القيم " القواسم والعدوان البريطاني 1797 ـــ 1820) " (7).

القانون الخامس: إن تشجيع التعليم والثقافة يؤدي إلى تطور اجتماعي واقتصادي وعمراني. وقد شجع الملوك المناذرة الثقافة والمعرفة والترجمة وأغدقوا العطاء على الشعراء فكان بلاطهم ملتقى الشعراء من جميع أنحاء البلاد العربية. وقد أثبت هذا القانون صحته في التقدّم الذي أحرزته الأمة الإسلامية في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، بفضل تشجيع الخلفاء العباسيين ـــ خاصة المنصور وهارون الرشيد والمأمون ـــ التعليم والثقافة والآداب، فكانوا يجزلون العطاء للعلماء والشعراء والمترجمين.

وهذا القانون هو محور "تقارير التنمية البشرية" التي يصدرها سنوياً البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة منذ سنة 1990 والتي يؤكد فيها إن تقدُّم الدول يعتمد على إعطائها الأهمية القصوى للتعليم والصحة.

ويمكننا أن نضيف قانوناً سادساً وهو مقلوب القانون الخامس، ولو أن الدكتورة لم تتطرق إليه لعدم علاقته بموضوعها في تلك الفترة وهو:

القانون السادس، إذا أردتَ تأخّر البلاد وتفكيكها، فعليك بتدمير ثقافتها المشتركة القائمة على لغتها الموحِّدة التي تعدُّ وسيلة أداة الاندماج الاجتماعي وأداة النفاذ إلى مصادر المعرفة وتراكمها. ولهذا فإن الغزاة في كل عصر يقومون أولاً بإحراق المكتبات أو إغلاقها وتعطيل المدارس وازدراء المثقفين وأهل العلم، كما فعل المغول عند اجتياحهم بغداد سنة 1258، وكما فعل المستعمِرون الفرنسيون عندما احتلوا الجزائر سنة 1830، وكما تفعل بعض حكومات الدول المتخلّفة التي تهمل التعليم والصحة، وتوقف بناء المدارس والمصحات.

وهذه القوانين معروفة متداولة في ثقافتنا العربية الإسلامية التي عبّرت عنها بالأمثال والحِكم والأقوال السائرة. فالقانونين الأول والثاني، مثلاً، عبّر عنهما معن بن زائدة ببيت شعر ذهب مثلاً وهو:

    تأبى العِصيُّ، إذا أجتمعن، تَكسُّراً    وإذا افترقن، تكسَّرت آحادا

وختاماً، لقد أنتجت لنا الدكتورة نزهة بوعياد دراسة تاريخية علمية عن إمارة المناذرة في الحيرة، وكلنا أمل في أن انشغالاتها الأكاديمية العديدة تسمح لها بالإيفاء بالوعد الذي قطعته على نفسها في مقدمة الكتاب، عندما عبّرت عن رغبتها في أن يكون فاتحة سلسلة من الكتب تتناول الإمارات العربية في العصر الجاهلي كإمارة كندة وإمارة الغساسة، وهكذا ستوفّر للباحثين مادة علمية دسمة عن أهم الكيانات السياسية العربية في العصر الجاهلي، وتعمّق من فهمنا لأحوال ذلك العصر.

 

بقلم : الدكتور علي القاسمي

 ...................................

الهوامش

( ملاحظة: إن الهوامش من 3 إلى النجمة *  هي أرقام الهوامش في النصوص الأصلية في الديوان، أما بقية الهوامش من النجمة إلى آخر الهوامش فهي هوامشي)

3ـ الكامل في التاريخ لابن الأثير، 1/ 326، الأسود: هو لقب للمنذر بن المنذر بن المنذر بن ماء السماء.

4ـ ديوانه، ص 283ـ 295، والأبيات 37ـ 75 في ديوانه 289ـ 295.

5ـ انتجعي: اقصدي، الندى: الكرم، الفعال: الأعمال الجيدة 

723ـ  المتجرّدة ، كما جاء في الأغاني، 21/6: اسمها ماوية، وقيل: هند بنت المنذر بن الأسود الكلبية، وهي كما جاء في الشعر والشعراء، ص 255: امرأة النعمان بن المنذر وكان للنعمان منها ولدان، كان الناس يقولون إنهما من المنخل.

724ـ الأصمعيات، ص 58 ـ 61.

725 ـ الكاعب: البادي ثديُها، ترفل: تختال، الدمسق: الحرير الأبيض.

726 ـ القطاة: واحدتها القطا وهو نوع من الطير، الغدير: قطعة من الماء يغادرها السيل.

727 ـ البهير: من البهر وهو ما يعتري الإنسان عند السعي الشديد والعدو من النهج وتتابع النفس.

- نزهة بوعياد. إمارة المناذرة، ص 111.

(1)    د. علي القاسمي (المنسِّق) وآخرون. المعجم العربي الأساسي ( تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1989)

(2) ابن خلدون. مقدمة ابن خلدون (بيروت: الكتاب العربي، ب ت)

(3) د.عبد الله العروي. مفهوم التاريخ ( بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط 5: 2012)، ص 44.

(4) د. جيمل صليبا. المعجم الفلسفي ( بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1982)

(5) د. محمود فهمي زيدان. " قانون" في الموسوعة الفلسفية العربية (بيروت : معهد الإنماء العربي، 1986)

(6) Nail Ferguson. The Rise and Fall of the American Empire ( Penguin, 2005)

(7) د. سلطان بن محمد القاسمي. القواسم والعدوان البريطاني 1797ــ 1820 ( الشارقة : منشورات القاسمي، 2013)

 

من خلال كتاب "السرد النسائي العربي بين قلق السؤال وغواية الحكي"1 للدكتورة سعاد الناصر

يعرف الدرس النقدي، النص النقدي بكونه حالة وسطى، بين الأدب والعلم، نظرا للصرامة والجدية اللتين يتطلبهما. كما أنه يكتب بلغة مختلفة عن لغة الإبداع. فيها الكثير من أدوات النقد . فهي ذات خصوصية، بصفتها لغة تكتب عن لغة أخرى. ويفصل الدكتور شوقي ضيف، النصوص التي تتكون انطلاقا من النص الإبداعي: لتتفرع قراءات متعددة له، إلى:

ـ النص الأول: وهو النص الإبداعي،

ـ النص الثاني: وهو نص منجز حول قراءة في النص الأول . أي نص ينبني عبر استنتاجات أفرزتها قراءة الناقد للعمل الإبداعي الذي

يمثله النص الأول.

ـ النص الثالث: وهو منتوج قراءة في النص الثاني، أي كتابة نقدية أخرى، حول النص النقدي الأول، أو ما يصطلح عليه لدى أصحاب النقد الحديث وعلى رأسهم " تودوروف " ب " نقد النقد .

كما يضيف الدكتور شوقي ضيف: أن هناك نص رابع لنقد النقد، يولد عبر قراءة رابعة، للكتابات النقدية المتعددة حول الأثر الأدبي . وتعرف الناقدة يمنى العيد، مفهوم القراءة النقدية أنها " نقد ينتج معرفة بالنص.. تمكن من يمارسها من أن يكون له حضوره الفاعل في النتاج الثقافي في المجتمع. أي من أن يكون معنيا بالحياة التي تنمو وتتغير حوله، فيساهم ه ـ من موقعه في المجتمع ـ في تطويرها".

وكتاب " السرد النسائي العربي، بين قلق السؤال وغواية الحكي"، هو نتاج قراءة ونقد، أفرزت نصا ثانيا حول النص الأول الإبداعي، الذي هو في الحقيقة، ليس نصا واحدا، بقدر ما هو ستون نصا . الكتاب من تأليف الدكتورة سعاد الناصر ـ أم سلمى ـ، ويقع في مائتي وعشر صفحات"210". تقودك صورة واجهة غلافه، نحو وجود أنثوي، تجسده نظرات فاحصة . متراوحة بين السماء والأرض. وهذا ما يجعلك تدرك كقارئ ـ عند آخر صفحة منه ـ أن صورة الغلاف هذه، لها دلالتها بين دفتي الكتاب، غير أنها تشبه جبل جليد، يخفي أكثر مما يبدي.

تنتمي الدكتورة سعاد الناصر إلى فئة النقاد الكتاب.حيث لها عدة مصنفات.كتاباتها تحكمها فلسفتها الخاصة في الفعل الأدبي، وفي الحياة. كتبت الشعر، والقصص والرحلات، ومجالات مختلفة أخرى. وقد أقر تودوروف أن: " الأدب متصل بالوجود الإنساني، وأنه خطاب موجه نحو الحقيقة والأخلاق."2. والكاتبة، بمرجعيتها العلمية ومنهجها الفكري، تقدم للقارئ، من خلال مؤلفها هذا، نموذجا من النقد المعرفي. وذلك بتقصيها مكونات نصوص إبداعية، من جنس السرد الأدبي،كتبت بأقلام نسائية، وكذا موضوعاتها وآليات اشتغالها وتشكيلها. وهي نصوص متصلة بوجود نسائي/إنساني، مبحر في البحث عن سؤالي "الحقيقة والأخلاق".

وظفت الناقدة مجموعة من المواضيع المعرفية، الخاصة بالحضور النسائي، كوجود فعلي، تاريخيا وحضاريا وفكريا، سواء في "المدخل" الذي يمثل أولى وحدات مؤلفها، بعد "التوطئة"، التي سخرتها المؤلفة لبصم كتابها بالهوية النقدية، مصرحة بهذا الخصوص قائلة: "... أراهن على إثارة مجالات متعددة، تفسح الحضن للمساءلة والتأويل في إطار الدرس النقدي"3. وهذا فعلا، ما سنكتشفه في ثنايا نصوصها الاستقرائية، حيث سنجدها قد تسلحت بجملة من المصطلحات النقدية كمفاتيح لقراءتها، منها السرد، والحكي، والجمالية، وبلاغة الزمن السردي، وتجليات الوصف، والوعي والفكر الجمالي...

وفي إطار رهانها هذا، تناولت الكاتبة عينات من الإبداعات السردية النسوية، من زاوية كونها أعمالا تجمع بين المتعة الأدبية والرسالة الأخلاقية. فقدمت لنا عملا عن " تجربة نقدية"، تسردها أنثى أخرى، لها رصيدها من الإلمام بشؤون الإبداع والنقد الأدبيين من جهة، وبالتاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي للمرأة، بكل مراحله وقضاياه ومؤثراته. قبل أن تقف عند مرحلة أخرى عنوتها الكاتبة ب: " مرحلة انعتاق الذات الأنثوية "، وفيها التقطت بعين الباحثة/الناقدة حالة " أنثى تكتب عن ذاتها". وهي قراءة تتشابك سياقاتها بين الذاتي من حيث تجربة الكتابة النقدية، ونسبة الوعي بقضايا المرأة، وزاوية النظر التي تقف عندها الكاتبة، والموضوعي من حيث المخزون المعرفي، وامتلاك أدوات القراءة النقدية.

نحتت الدكتورة سعاد الناصر، آليات بحثها الفنية،و شيدت هيكلة قراءتها، ابتداء من اختيارها لنقطة انطلاقها الأولى، في عملية قراءتها للنصوص المختارة. حين بدأت تطبيقاتها المفاهيمية، على مجموعة سردية نسائية، ذات حمولة أنثوية تاريخية، راسخة في الذهنية النسائية والرجالية على حد سواء وهي مجموعة " شهرزاد تبوح بشجونها " . وهو اختيار ينم عن توجه في القراءة، يروم البحث عن المشتركن بين أديبات عربيات، من جنسيات عربية متنوعة، هن كاتبات المجموعة.و عن رأي الكاتبة في هذا الاختيار:" شخصية شهرزاد التي حققت طموح انعتاق الذات الأنثوية في التراث العربي."4 ص 55

قدمت الدكتورة سعاد الناصر، في الفصل الأول من كتابها، عرضا كرونولوجيا لتموقعات المرأة، الاجتماعية والثقافية والسياسية، عبر أزمنة التاريخ العربي . وبطرحها ـ في الفصل الثاني ـ لمحور " فتنة المصطلح"، المتعلق بما يسمى لدى البعض من الأدباء ب " الكتابة النسائية " ـ وهو مصطلح تتحفظ منه الأديبات العربيات ـ تصر الكاتبة على تصنيف مؤلفها في خانة المؤلفات النقدية، التي تجيب على السؤال الأساس للنقد . وتثير في نفس الوقت، مسألة نقدية، لا زالت مصدر جدل في الأوساط الثقافية والأدبية والنقدية، منذ الخمسينات من القرن الماضي. والحقيقة أن الكاتبة، تمكنت من ملامسة النصوص السردية النسائية المختارة، من موقع أكثر قربا، وفرته لها صفتها الأنثوية، التي مكنتها من التقاط إيحاءات السرديات المقروءة، الخاصة بخبايا الأنثى الدفينة . وقد أوردت في هذا الشأن، شهادات لأديبات وآراؤهن حوله،كالناقدة يمنى العيد، والأديبة السورية غادة السمان والقاصة المغربية خناثة بنونة.5، وجميعهن يرفضن التسمية.

الكتاب يعد قراءة في المنجز السردي لستين كاتبة عربية، من بينهن مغربيات . انطلقن في مسارهن الإبداعي من العام إلى الخاص، من قضايا الوطن والطبقية، والقضية الفلسطينية الى القلق النفسي الفردي، وإثبات الذات. يؤطرها التزام منهجي، لا يمكن تجاهله، في شقيه التنظيري والتطبيقي. وبوحداتها ومنطقيتها النسقية. استدلت المؤلفة لكل محور من محاور قراءتها، بالاستدلالات التي تناسبه. وثقت استنتاجاتها بمقاطع من النصوص المقروءة، لتؤكد رؤيتها الأدبية والأخلاقية. ضمنت كتابها، حقيقة كل يجسد تجربة نسائية في الكتابة عن ذات الأنثى.كما توحي لنا مضامين قراءتها للتجارب المعتمدة، أن ملامح منهجها تمتح من المنهج الاستدلالي، الذي من أسسه أن " الانسان يفعل وفقا لما يرى فيه الأنفع" . وهو منهج يعمل به في الرياضيات والقياس، وأيضا في العلوم الانسانية والاجتماعية، ومن ركائزه الأخلاقية أيضا:" أن كل إنسان يبحث عن السعادة".

مكنها هذا المنهج ـ الذي يبدو أن المؤلفة قد سلكته، من تفكيك البنيات الشكلية والفكرية، التي تنبني عبرها تلك النصوص، فقسمتها إلى مفصلين: الأول مفصل اختارت له عنوان: التشاكل الأنثوي في السرد النسائي، وقد فككته ـ هو الآخر ـ إلى محاور ثلاث هي:

ـ المستوى الطيني: وتعرفه الكاتبة:" أنه المستوى الذي تختزل فيه أنثوية المرأة في جسدها... إلى أن تقول:.. فتتكرر وتتشابه المعاني الدالة على كل ما يحوم حول اعتبار المرأة متعة جسدية لا ينظر اليها الا عبر جسدها"6 ص 88

ـ المستوى الروحي: ومما تسوقه المؤلفة في شانه: " ...و تضع المتلقي ازاء محكي ينتشل المراة من وظيفتها الجسدية الى وظيفة روحية محضة...7" ص 100

ـ المستوى المتوازن: ونورد مقولة للكاتبة بصدده:" من الصعب بمكان الحفاظ على توازن الذات الإنسانية دون التشبث بالقيم . فلا إنسانية دون قيم . ولا حضور جسدي في ظل غياب روحي، إلا عند الانغماس في الطين اللزج . ولا حضور روحي في ظل تغييب رغبات الجسد، ومتعه المادية المشروعة."8 ص 107

تقصت المؤلفة في مفصل "التشاكل الأنثوي في السرد النسائي " قضية " الحقيقة والأخلاق"، التي أشرنا إليها في البداية بنص تودوروف . وهي قراءة اهتمت بسلم القيم لدى إبداع سردي نسائي، خاص بعينات من الأديبات العربيات من مختلف المشارب والتوجهات.

المفصل الثاني، اختارت له عنوان التشكلات الجمالية في السرد النسائي. وفككته إلى أربعة محاور هي:

ـ جمالية العنوان: وتحته تدرج المؤلفة قراءتها في عتبة عناوين الأعمال السردية موضوع كتابها، ملخصة استنتاجاتها قائلة:" ويمكن القول من خلال هذه العينة من عناوين السرد النسائي، أنها تحمل في أغلبها طاقات تخييلية وانزياحات دلالية .. وتأويلات متعددة تشد القارئ وتحثه على المتابعة والتأمل." 9 ص 129

ـ بلاغة الزمن السردي: وتتحرى المؤلفة،عن هذا العنصر البنائي في التشكيل السردي في الأعمال موضوع القراءة، نأخذ عينة رواية "عزوزة" للأديبة المغربية الزهرة الرميج، حيث تقول المؤلفة:".... فالأحداث ترتد إلى البداية لتسم زمنها بالدائرة المؤطرة للرواية والحاملة للكثير من المعاني.......فرغم دورة الزمن ووصوله إلى النهاية فهي ما زالت تفرض حضورها الآسر."9 ص 146

ـ تجليات الوصف: بعد تعريفها لمصطلح الوصف قديما وحديثا، وإشارتها إلى وظائفه الجمالية والتقنية في النصوص، قدمت في نهاية المحور الخاص به، صورة عن استعمالاته في النماذج، نقدم هنا مقتطفا عنها " فتح ـ وتعني الوصف ـ آفاقا متخيلة لتقريب الأحداث وإضاءة أعماق بعض الشخصيات، من أجل التأثير على المتلقي، وإقناعه، وإمتاعه أيضا، لأنه يتصل بذاكرة المبدعات، ورؤيتهن ومواقفهن، بشكل لا يمكن الاستغناء عنه." ص 158

ـ الوعي الفكري والجمالي: وقد اختارت المؤلفة ان تتناوله من باب "النقد الأدبي" . وهو الباب الذي منه ولجت إلى قراءة نصوصها. تقول بهذا الخصوص: " والذي يهمنا في هذا المجال، هو الاستفادة من مفهوم" تيار الوعي في النقد الأدبي"، وأشارت في هذا السياق إلى تاريخ ظهور مصطلح " تيار الوعي في النقد الأدبي"، أسفل الصفحة. ومن تطبيقاتها لهذا المصطلح، ما أوردته الكاتبة عن استقراء الوعي الفكري الجمالي في " حواريات الإنسان والبحر" لنافدة الحنبلي من الأردن، في قولها:" نجد أن النص نوع من الاستجابة الواعية للدعوة إلى النظر في ملكوت الله سبحانه وتعالى، وسعي إلى كشف التناقضات التي يعيش فيها واقعنا والغربة التي يعانيها الإنسان المتمسك بدينه في عالم يسوده القهر، والظلم، والفساد، وتفسخ العلاقات." 9 ص 162

علقت الأديبات العربيات في شراك " غواية الحكي"، بعد أن حيرهن قلق السؤال، واختلفت بهن سبل البحث عن ينابيع الأجوبة . منهن من هرولت . ومنهن من مشت بتؤدة في مسلك روحاني وحيد الاتجاه . ومنهن من أمسكت بأسرار الكتابة المتوازنة، " المتصلة بالوجود الإنساني، الموجهة نحو الحقيقة والأخلاق." فجاء كتاب "السرد النسائي العربي، بين قلق السؤال وغواية الحكي"، تخطيطا لخرائط خطوهن. حيث صاغت مؤلفته ـ من خلالها ـ نصها النقدي الممتلك لشروط وجوده كاملا، من مصطلحات نقدية، ومفاهيم تحليلية وتأويلية، ووحدات متوالية ممنهجة. وثقته بفقرات من النصوص السردية المقروءة. كما لم يفتها أن توثق استنتاجاتها، بشهادات بعض النقاد والأدباء، التي تؤيد مواقفها من النصوص المقروءة، ووجهة نظرها، سواء تعلق الأمر بأشكالها البنائية، أو بمضامينها وبإيحاءاتها التأويلية .

 

بقلم: الزهرة حمودان

  

398 الرمز والمسرحصدر حديثاً عن دار المجتبى الجزء الاول من كتاب (الرمز والمسرح) للكاتب والباحث العراقي صباح محسن كاظم، يقع الكتاب ب 195 صفحة من الحجم الكبير،

الاهداء

(الى ارواح شهداء الحرية بالعراق وكل مكان بالعالم)

 المقدمة بقلم المفكر المسيحي انطوان بارا

(أهديك سلامي واتمنى لك الصحة الدائمة والتوفيق في رسالتك الاعلامية، ولاسيما وانك تغرف حبر قلمك في دواة اهل البيت الكرام عليهم السلام وتسترشد بسيرتهم العطرة في مؤلفاتك وخاصة كتابك المقبل الذي اخبرتنا عنه.

فلك الجزاء والبركة من الرموز العظيمة التي اوقفت قلمك لإبرازشمائلها النبوية وخصالها الرسالية، وهذا لعمري هو الذخر والوديعة الفكرية والقلادة الايمانية، التي يفتخر الكاتب الذي لايتحرك قلمه الا للحق، فمن هو الاجدر من اهل البيت اصحاب هذا الحق المبين .

قواك الله ببركة نجوم اهل البيت الكرام وان شاء الله سوف يسددون خطاك فيما تسعى اليه من مشاريع فكرية لإعلاء مناقبية اهل البيت عليهم السلام، ودمتم بخير وبإنتظار كتبك .

كذلك كتبت المقدمة  الدكتورة حسنية حويج من جامعة البلقاء / الأردن، جاء في جزء منها (في هذا الكتاب بشارات ان يعمم هذا العمل وإن كانت بذوره الاولى محددة المنشأ، وهذا ما نرجو ان يتم بفضل الله وعلى ايدٍ أخلصت محبتها لأهل بيت رسول الله .

وحيث ان للمسرح رسالة سامية ومهمة عظمى كما وجدت في هذا الكتاب الذي استعرض فيه مؤلفه عشرات المسرحيين، وهو جهد يشكر عليه  وأرجو أن يكون في ميزان حسناته وأن يسير على نهجه الخيرين ممن نذر نفسه لخدمة هذا الدين، والحمد لله ان جعل سيرة اهل البيت فواحة عطرة يُستلهم منها ما يضئ دروب الحياة .

كتب المؤلف الاستاذ صباح محسن كاظم التمهيد والمقدمة  نحاول ان ننقل اليكم جزء منها (ثمة ضرورة قصوى تقتضي دراسة العروض المسرحية بعد فسحة الحرية، وفضاءات التعبير بلا قيود بآفاق رحبة عن المسكوت عنه، والمتجاهل، والمهمل في التاريخ العربي، رغم تأثريه البالغ بحركة التاريخ , وصيرورة الأحداث، وتشكل الوعي الجمعي، مراجعة تلك العروض المسرحية , او الاصدارات المسرحية، يحقق الدراية  بالتحولات الثقافية، ومدى فاعلية المسرح بالتأثير بالجمهور  واستقطاب المتلقي ..

لقد انطلقت بعد الحرية بمدن العراق المختلفة العروض المسرحية التي تناقش قضية كربلاء الخالدة، لذلك حاولت في الجزء الاول من كتاب (الرمز والمسرح) تقصي ودراسة بعض تلك العروض التي اقيمت بالعاصمة، او بمسارح المدن المختلفة، وعرض الكتب، والمسرحيات المطبوعة  بالعراق، والوطن العربي التي تهتم بمسرح التعزية، وسيتبعه الجزء الثاني بمواكبة تلك العروض، والاصدارات عند الحصول على تسجيلات فديوية لمهرجانات الطف التي قدمت بمدننا المختلفة، في مسارح النجف وبابل وبغداد، فضلا عن العروض العربية التي تناقش نهضة سيد الشهداء .

لقد استعنت بآراء ومؤلفات اهم النقاد العرب في مجال المسرح من الاكاديمين والمختصين .. في كل سفرة لعاصمة  عربية ما حاولت الحصول على كتب المسرح لدعم الافكار والرؤى لهذا الكتاب .

تضمن الكتاب ثلاث فصول 

الفصل الاول: وفيه ثلاث ابواب

الباب الاول: الرمز بالادب – ورمز الحرية رمز الشهادة في الانسانية

الباب الثاني: الرمز والتضحية

الباب الثالث: تراجيديا  الطف والعروض المسرحية الجادة

الفصل الثاني: وفيه ثلاث ابواب

الباب الاول : المسرح الحسيني من التنظير الى التطبيق

الباب الثاني: رمز الشهادة في ضمائر الادباء

الباب الثالث: النص المسرحي والخطاب الاجمالي

الفصل الثالث: وفيه ثلث ابواب

الباب الاول: الرمز ورسالته الانسانية

الباب الثاني: المسرح التاريخي واهمية الرمز في العرض المسرحي

الباب الثالث: الرمز الحسيني بمسرح التعزية والرسائل الجامعية

من الجدير بالذكر ان المؤلف حاصل على شهادة  بكالويوس تاريخ من جامعة بغداد 1984-1985 ، عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين

عضو نقابة الصحفيين العراقيين

عضو اتحاد المؤرخين الدولي

عضو الموسوعة الحسينية بلندن

عضو موسوعة رجالات الشيعة في بيروت  للسيد عبدالله شرف الدين

وردت سيرته العلمية في اليوكبيديا العالمية

عضو اتحاد كتاب الانترنت العراقيين

منح شهادتي دكتوراه من اوزبكستان  مصر

صدرت للمؤلف الاستاذ  صباح محسن كاظم

1- الامام علي (عليه السلام) نموذج الانسانية 2009

2- فنارات في الثقافة العراقية – دراسات نقدية ج 1

3- مقام الامام علي  في ذي قار – 2010

4- الاعلام والامل الموعود  - 2011

5- فنارات في الثقافة العراقية – الكتاب الثاني - 2012

6 - العلامة التراثية في الازياء السومرية رموز وخبايا  - 2013

7 - فاطمة الزهراء والمرأة المعاصرة -   2016

8- راهب بني هاشم وسجون الطغاة – 2016

9 - فلسفة الانتظار والتمهيد للظهور  المهدوي – 2016

 

علي الزاغيني

 

397 عندما ينتحر الالهصدر عن دار كلكامش للنشر كتاب (عندما ينتحر الاله) للباحث الدكتور هادي عواد الخزاعي .. مراجعة الكاتب والناقد احمد عواد الخزاعي..

احتوى الكتاب على 523 صفحة من الحجم الكبير ..تناول اكثر من خمسمائة بحث ودراسة علمية وفلسفية عن نظرية التطور  تناول البحث وجهات نظر مختلفة لعلماء وباحثين كبار في العالم، إضافة الى ميكانيكيات التطور الدارويني، والبحوث التاريخية في هذا الموضوع.

 يضع الكاتب عددا من الأسئلة التي تمر بخاطر القارئ ويحاول ان يجيب عليها مستندا الى اراء عدد من الفلاسفة والباحثين، ويقول الكاتب في خاتمة الكتاب (نحن على يقين بأن الكثير الباحثين يبذلون جهودا كبيرة في مجال البحوث الطبيعية المادية، انه سعي حثيث محمود لتوسيع افق معرفتنا، هذه البحوث قادرة ليس فقط على الإجابة على الكثير من الأسئلة بل انها تطرح الكثير من الأسئلة العصية على الإجاب).

الكاتب هادي عواد الخزاعي بروفيسور مساعد في كلية الطب، حاصل على شهادة البورد في الجراحة من بغداد عام 1996، عضو كلية الجراحين البريطانية 2011.   

395 يوم الصخبصدر مؤخرا عن دار روافد للنشر والتوزيع المصرية كتاب (يوم الصخب العظيم) للمؤلف العراقي الدكتور وسام الشالجي .

 يتحدث الكتاب عن أحداث يوم 14 تموز عام 1958 بالعراق بشكل روائي وقصصي وهو إسلوب جديد يتبع لأول مرة في توثيق هذا الحدث التاريخي .

 الكتاب معروض الان في جناح (دار روافد للنشر والتوزيع) المصرية في معرض أربيل الدولي للكتاب، ويمكن لمن يحب الأطلاع على الكتاب أو إقتنائه زيارة جناح الدار في المعرض المذكور .

 

391 ابراهيم ابراشصورة لغلاف كتابنا الجديد حول صناعة دولة غزة وهو نسخة معدلة ومزيدة من كتابنا السابق حول صناعة الانقسام والذي صدر عام 2014،

في هذا الكتاب رصد لمخطط فصل غزة عن الضفة  والذي هو مخطط إسرائيلي شاركت فيه أطراف عربية وفلسطينية ودولية هدفه تمكين جماعة إسلامية - حركة حماس - من السيطرة على قطاع غزة لإقامة دويلة لتواجه منظمة التحرير والمشروع الوطني .

وقد رصدنا في هذا الكتاب كيف تسلست الأحداث ودور كل طرف في المخطط سواء كمشارك أو كعالم بالمخطط ولكن عاجز عن وقفه، وما يجري اليوم يؤكد كل ما كتباه وحذرنا منه منذ عام 2004 في اكثر من مقال وندوة ومقابلة تلفزيونية وقد استعنت بكتاباتي السابقة كجزء أساسي في هذا الكتاب .

 

نضير الخزرجيتسالم فقهاء الشريعة على أنَّ فعل المعصوم وقوله وتقريره حجة لازمة في التشريع إذا توفرت في النصوص والحوادث المعنية عوامل القوة ضمن متبنيات أصول الحديث وقواعد علم الرجال من قبول سند الحديث وتعديل الراوي وتجريحه، وموافقة النص للقرآن الكريم وعدم معارضته للثوابت العلمية والعقلية وانسجامه مع الواقع، لأن النص وإن قوي سنده ورجاله إن تعارض مع ثوابت القرآن الكريم فإنه يُرمى عرض الحائط، لأن القرآن قطعي الصدور، وما كان ظني الصدور لا يستقيم عوده عند المقابلة.

وخلال القرون الأولى من حياة الإسلام ظهرت مدارس فقهية كثيرة قادها فقهاء وعلماء أو نسبت إليهم بعد رحيلهم، وتحزبت الأمة الإسلامية على مفترق مشاربها إلى هذا المذهب الفقهي أو ذاك، ومع تقادم الزمن زال الكثير منها ودال القليل، واشتهر منها في الوقت الحاضر المذاهب: الجعفرية الإمامية، الحنفية، الشافعية، المالكية، الحنبلية، الزيدية، الإسماعيلة، والأباضية، ولكل مذهب حضوره في هذا البلد أو ذاك نتيجة إلتزام هذه العاصمة أو تلك، أو هذا الحاكم أو ذاك بمذهب بعينه وفرضه على الأمة بقوة السيف، والقليل من الذين حكموا البلدان الإسلامية كان يسمح بانتشار مذهب فقهي غير الذي هو عليه، والكثير من الحكام الطامحين استخدموا المذهب مطية لتوسيع سلطانهم، والكثير من الحروب التي وقعت داخل العالم الإسلامي تعود في مناشئها الى اعتبارات مذهبية، وبعضها قامت على أساس قومي أو عنصري ألبسه القادة جلباب المذهب من أجل خلق قاعدة شعبية مذهبية تقف مع الحاكم بالضد من الحاكم الآخر، وبسبب هذه الصراعات والإحتراب المذهبي اندثرت مدارس فقهية واندمجت بعضها ببعض، ومات مذهب في بلد وبرز في بلد آخر، وهكذا دواليك حتى استقرت على المذاهب القائمة اليوم.

ولعلَّ من الشخصيات العلمية التي وثَّقت هذه المسيرة التاريخية للمذاهب الإسلامية عبر صفحات التاريخ هو الفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في موسوعته الفريدة (دائرة المعارف الحسينية) عندما تناول بالتفصيل وبإسلوب جديد غير معهود به موقع الإمام الحسين(ع) من التشريع الإسلامي وذلك في أحد أبواب الموسوعة الحسينية الستين والذي أسماه (الحسين والتشريع الإسلامي)، وفيه وظَّف أدوات الفقه والأصول وعلمي الرجال والحديث إلى جانب العلوم المساعدة الأخرى في بيان التشريعات الإسلامية المنسوبة إلى الإمام الحسين(ع) من فعل وقول وتقرير، ومقارنة كل تشريع يُنسب بالضرورة إلى الشيعة الإمامية الإثني عشرية مع المتبنيات الفقهية للمذاهب الإسلامية الأخرى، في قراءة فقهية جديدة وبيان نقاط الإتفاق والإفتراق، بما يؤسس لفقه إسلامي على المذاهب الإسلامية.

وحتى يومنا هذا صدر من باب (الحسين والتشريع الإسلامي) ستة أجزاء، تابعنا في قراءات سابقة أربعة أجزاء، وبين أيدينا اليوم الجزء الخامس الذي صدر حديثا (2018م) في 398 صفحة من القطع الوزيري صادر عن المركز الحسيني للدراسات بلندن.

 الولادة بعد الطهارة

إعتاد فقهاء المسلمين على تقسيم المسائل الشرعية إلى مسائل عبادات ومسائل معاملات، أو ما يعبر عنه بفقه العبادات وفقه المعاملات، وأكثر فقهاء المذاهب الإسلامية يبدأون في فقه العبادات بباب الطهارة، باعتبار أن الطهارة هي مقدمة لكل عمل عبادي، وما كان واجبًا فمقدمته واجبة، ولم يشط الفقيه الكرباسي في تناول المسائل الشرعية التي أتتنا عن الإمام الحسين(ع) عن هذا الخط، فقد بدأ بحث المسائل الشرعية المتعلقة بـ "كتاب الطهارة" منذ الجزء الرابع من باب (الحسين والتشريع الإسلامي)، وواصل في الجزء الخامس هذا الباب لينتهي منه وليدخل بعده مباشرة في باب جديد هو "كتاب الولادة.

 وقد ضمّ الجزء الخامس بقية كتاب الطهارة العناوين التالية: تطهير الخبز الملوَّث، حكم اللقمة المتنجِّسة، الجنابة والمسجد النبوي، دخول غير المتطهِّر على المعصوم، والطلي بالنورة، أما كتاب الولادة، فقد اشتمل على العناوين التالية: تأذين المولود، تحنيك المولود، تعويذ المولود، العقيقة للمولود، حلق شعر المولود، تسمية المولود، التهنئة بالمولود، الإطعام للمولود، اللعب مع الأولاد، وعطاء المولود.

واعتمد المؤلف في تناول هذه المسائل كما يؤكد: (الأسلوب المتبع في عرض المسائل التي طرحها الإمام الحسين(ع) في مجال التشريع  يعتمد على ما نصَّ عليه (ع) أو ما قام به ومارسه بنفسه أو أجراه أحد المعصومين في حقه كجده أو أبيه أو أمّه أو أخيه أو نجله عليهم السلام منذ الولادة وحتى الإستشهاد، أو أنه سكت عمّا جرى امامه وهو في مقام يمكنه ان ينبِّه الفاعل أو القائل ولم يفعل فكان ذلك إمضاءً منه على ما جرى).

وفي كل مسألة استعرضها الفقيه الكرباسي قلّبها من أوجهها ممهِّدًا لها بمقدمة لغوية وعلمية شارحا كل مسألة فقهية ضمن عنوان مستقل، ثم يخوص بالتفصيل في سند رواية المسألة الفقهية ورواتها ورجالها، ودلالتها من حيث الوجوب والإستحباب أو الحرمة والكراهة ومواردها، والحكمة الشرعية منها إلى جانب الحكمة العلمية والعملية. 

في الفاه نعمة

 علّمنا الآباء منذ الصغر أنْ لو عثرنا على قطعة خبز في الطريق نهوي إليها باحترام ونلتقطها من الأرض ونمسح ما عليها من غبار أو قذارة ونقبلها ونضعها على رأسنا ثم نأكلها إن كانت قابلة للأكل أو أن ندسها في شق أقرب جدار يقابلنا أو أن نضعها في جانب من الطريق بعيدًا عن أقدام المارّة والسابلة، وقد عززت فينا هذه التربية قيمة الخبز وأهميته، بل وقيمة عموم الطعام الذي نأكله، وتثبيت العامل النفسي والروحي في جدوى احترام الطعام الذي هو هبة السماء، وأنَّ الإحترام هو أحد مصاديق شكر النعم في قوله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) سورة إبراهيم: 7، وبتطبيق مفهوم المخالفة، فإن إهانة الطعام من مظاهر الكفر بأنعمه الله وقد وضعت الآية الكريمة معادلة لطيفة يدركها كل صاحب عقل، فالشكر يزيد النعم والكفر بها يمحقها.

والخبز هو من أظهر مصاديق الطعام، ويمثل سفرة كثير من شعوب الأرض إن لم يكن أغلبها أو كلها، وقد بحث الفقيه الكرباسي المسألة ضمن كتاب الطهارة بناءً على ما ورد عن الإمام الحسين(ع) أنه ذات يوم دخل المستراح فوجد لقمة ملقاة – قطعة خبز- فدفعها الى غلام له وقال: يا غلام إذكرني بهذه  اللقمة إذا خرجت، فأكلها الغلام. فلما خرج الحسين بن علي(ع) قال: يا غلام أين اللقمة؟ قال: أكلتها يا مولاي. فقال(ع): أنت حرٌّ لوجه الله تعالى. فقال له رجل: أعتقته يا سيدي؟. قال(ع): نعم سمعت جدي رسول الله (ص) يقول: من وجد لقمة ملقاة، فمسح منها أو غسل ما عليها ثم أكلها لم تستقر في جوفه إلا أعتقه الله من النار. وأضاف(ع): لم أكن لأستعبد رجلا أعتقه الله تعالى من النار.

وهذه الرواية ومؤداها، دلالة ذات مغزى كبير على أهمية احترام اللقمة، وبتعبير الكرباسي: (هذه المادة الأساسية في الحياة بالاعتبار الأخص تعد نعمة إلهية، وذلك لأنَّ كل شيء يمكنك أن تستفيد منه يعد نعمة ورزقا من الله جلّ وعلا سواء كان ظاهرًا أو باطنًا حتى القوى الباطنية التي غفل عنها الإنسان وكشفها بعد ذلك، بل وكشف بعضها العلم الحديث تعد من النعم الإلهية بل من أقواها، وبهذا الإعتبار الخاص أصبح للخبز إعتبار آخر غير التغذية، بل وأصبحت له حرمة معنوية لا بدَّ من احترامها، ومن موارد الإحترام عدم تدنيسه بالخبائث بل إنقاذه منها).

من هنا فإن المستفاد من الرواية كما يؤكد الفقيه الكرباسي مسألتان: الأولى: على المكلف أن يطهّر الخبز الملوث بالقاذورات. الثانية: من المرغوب فيه شرعا أكل الخبز الذي طُهِّر من  القاذورات.

ولا يتوقف التطهير على خصوص الخبز، والظاهر كما يضيف الكرباسي: إنَّ كل نعمة من المأكولات الرئيسية محترمة شرعًا، ولذلك إذا تنجست استحب تطهيرها. ومن موارد الإحترام عدم الصلاة على الطعام ووطئه، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق(ع): (ولا يصلّى على شيء من الطعام، فإنما هو رزق الله لخلقه ونعمته عليهم، فعظِّموه ولا تطؤوه ولا تهاونوا به)، بل قد يشمله اللعن، فقد قيل للإمام الصادق(ع) أن أحد أصحابه يكون على سطحه الحنطة والشعير فيطؤونه يصلّون عليه، فغضب الإمام(ع) ثم قال: لولا أني أرى أنه من أصحابنا للعنته.

وتكمن حكمة تطهير اللقمة المتنجسة وأكلها كما يضيف الكرباسي: (في المجال النفسي حيث أن الإنسان بطبيعته لا يرغب بالقيام بذلك، فإذا تمكن من إخضاع نفسه عبر أكلها بعد الإطمئنان من أنها غير ملوثة فإنه بذلك يروض نفسه  ليصبح في علييين).

ومن الحكمة العلمية في رفع الخبث عن اللقمة: (النظافة والإقتصاد)، فالأولى دفع للجراثيم والأمراض لأن ترك الطعام للقذارة والتلوث هو بمثابة إنشاء لبيئة حاضنة للأمراض وإفساد للطبيعة، ومن الناحية الإقتصادية فإن ترك الطعام وهدره دون الإستفادة منه للإنسان أو الحيوان هو من موارد التبذير وهدر الأموال والأرزاق، وقد توأَمَ القرآن بين المبذر وإخوان الشياطين بقوله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) سورة الإسراء: 27.

في الواقع أن قصة الإمام الحسين (ع) مع غلامه، هو درس وعبرة لكل من يطعم الطعام في سبيل الله، وأهمية إحترام اللقمة والنعمة وتطهيرها من القاذورات، وهذا يقتضي من باب أولى عدم التبذير في الطعام، لأنه يبطل الثواب المرجو من الإطعام، ولما كان المسلمون يولمون الناس في مناسبات عدة، منها الأعياد، وفي شهر شعبان وشهر رمضان، وفي شهري محرم وصفر على حب الإمام الحسين(ع)، فإن التبذير يتعارض كليا مع رسالة الإسلام ويتناقض مع رسالة الإمام الحسين(ع) في أهمية إحترام لقمة الخبز وسلامة توزيع الطعام في المناسبات الدينية.

إيلام الطعام وأهميته

وحيث يحذر الإسلام التبذير في الطعام ويدعو إلى احترام لقمة العيش فإنه يحث بشكل كبير على الإطعام في المناسبات الخاصة والعامة، ويشجع عليه دون إسراف أو تبذير، وواحدة من هذه المناسبات هو عمل وليمة الولادة، حيث يناقش الفقيه الكرباسي هذه المسألة على ضوء الوليمة التي تم عملها في اليوم السابع من ولادة الإمام الحسين(ع)، أو ما يُعرف بالعقيقة.

ولعل من عوائد إيلام الطعام في المناسبات من الناحية الشرعية وعلى المستوى الإجتماعي كما يؤكد الفقيه الكرباسي: (إذا ما قيد الإطعام بالمساكين والفقراء كما ورد في بعض الروايات، هو إشباع من ليس له قوت يومه، والذي هو الفلسفة الكبرى في جانب من جوانب تشريع جميع الكفارات والصدقات لدفع العوز الموجود بين المسلمين وإطعام ذوي الحاجة)، وما يتعلق بخصوص طعام الولادة: (إشباع من لم يشبع بطنه وتأمين لقمة العيش من هذه الموارد والأمر الذي لا يتركه عرضه للقيام بما يخل بالأمن من سرقة أو الإنجراف نحو الإجرام أوّلاً، ويحافظ على المودة والوئام بين أفراد المجتمع الواحد ثانيًا، والتشجيع على الزواج والإنجاب ثالثًا، والإعلام عن نسب المولود رابعًا).

ولا شك أن الإيلام عند ولادة المولود، يمثل نموذجا شاخصا من نماذج الإطعام على المستوى المجتمعي، لأن ما من دار إلا وله مولود ذكرا كان أو أنثى، وعمل الولائم يخلق وعلى مدار السنة شبكة من العلاقات المجتمعية في المحلة أو الحي الواحد، ويذيب باستمرار المشاكل العالقة أو التي تحدث بين الفينة والأخرى بين أبناء المنطقة الواحدة، لأن النفسية المسلمة اعتادت في الأفراح والأتراح نسيان مشاكلها أو حلها، ومجالس الإطعام هي من البوتقات الطيبة لاستيعاب المشاكل وتذويبها أو التقليل من آثارها السلبية.

ربما تجد الأسرة الفقيرة صعوبة في عمل الوليمة لمولودها أو ميتها، لكنَّ خلة التهادي التي شجَع عليها الإسلام وتعمل بها الكثير من الشعوب بوصفها خصلة إنسانية جميلة منسجمة مع الفطرة، تجاوزت هذه المعضلة، فالإيلام وإطعام الأهل والأقرباء والأصدقاء من فقراء وأغنياء هو في واقعه مجلبة للهدايا المالية والعينية والغذائية تستفاد منها الأسرة الفقيرة المولمة.

أما من الناحية المالية فإن من حقوق الطفل على الأب توفير العطاء والرزق، بل ويستحق من بيت المال عطاؤه ورزقه، وهذا ما كان يُعمل به منذ صدر الإسلام الأول، وما نجده اليوم في عدد كثير من البلدان الغربية التي تصرف راتبا اسبوعيا او شهريا للطفل حتى سن البلوغ القانوني، إنما كان ساري المفعول في فترات طويلة من عهد الإسلام، ولكن الحكومات التي تعاقبت على حكم العواصم العربية والإسلامية في القرون السالفة أضاعت حق الطفل فضلا عن إضاعتها لحق الإنسان، ولهذا يشعر الإنسان المسلم بخيبة الأمل عندما يرى حفظ الغرب لحقوق الطفل وتضييع الشرق لحقوق الكبار.

ملاعب الطفولة

ويواصل الفقيه الكرباسي في كتاب الولادة، بيان الحكم الشرعي لحقوق الطفل على ضوء السيرة الحسينية، من تلاوة الأذان في أذنه اليمنى والإقامة في اليسرى، وتحنيكه بالتمر وما شابه، وتعويذه بكلمات الله من الشيطان وجنوده، وحلق شعره وتخضيب لحمة رأسه من أجل صحته وسلامته، وأهمية اختيار أحسن الأسماء والألقاب لما للإسم من تأثير روحي ونفسي وسلوكي على الإنسان، وتقديم التهنئة بالمولود كواحد من عوامل تمتين العلاقات الإجتماعية بين أفراد العشيرة والمحلة والمجتمع.

 كما يؤكد الإسلام على أهمية للعب بالنسبة للأطفال في داخل البيت وخارجه وعدم الضغط عليهم لأن الضغط الشديد يولد لدى الطفل أمراضا نفسية غير ظاهرة وبعضها ظاهرة مثل مرض التوحّد، وقد كان النبي محمد (ص) على عظمته يلاعب الحسن والحسين عليهما السلام وهو الذي قال فيه رب العزة والجلالة: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) سورة القلم: 4، فعظيم خُلُقِه لا يمنعه من التصابي مع الأطفال واللعب معهم، فهو من مظاهر الرحمة والتراحم، وقد ثبت كما يشير الفقيه الكرباسي: (إنَّ الحسنين كانا يلعبان مع الأطفال في الطريق).

فاللعب: (يوجب بناء الطفل بناءً صحيحاً يتناسب مع عمره وحاجته)، وفي اللعب: (فوائد جسمية وعقلية واجتماعية ونفسية وخلقية وتربوية)، كما: (إن اللعب في سن مبكرة يفتح للطفل آفاقا جديدة ويجعله منفتحا مع كل ما يحيط به)، ويوفر له فرصة طيبة: (يتعامل بها مع الآخرين عندما يكبر حيث يكتسب خبرة في تلك الفترة تساعده على معالجة ما يدور في المجتمع الذي حوله)، ويقدم له: (قدرة كبيرة على الاختيار، وبالطبع نحو الأحسن والأفضل، وهذا ما ينعكس على نفسيته وعلى تصرفه عندما يكون شابًا أو شابة)، كما يفيض عليه شعورا طيبا: (بالثقة بالنفس وتبتعد عنه الأخلاق الذميمة، بل تنمو عنده مكارم الأخلاق)، واللعب مع متابعة الوالدين دون تدخل مباشر هو عامل كبير في التنشأة السليمة، وإذا سلمت حياة الفئات العمرية الصغيرة أمكن الإستبشار بمجتمع سليم.

وللألبان نظرتهم

وحيث أنَّ الإمام الحسين(ع) بنهضته الإصلاحية هو رمز إنساني تجاوز إشعاعه دائرة المحيط العربي والإسلامي، فإن ما تركه للإنسانية يتجدد ألقه كل حين، وهذا ما يعرفنا عليه الأديب الألباني أستاذ فقه اللغة الدكتور رجب كوسيا المولود سنة 1936م في جمهورية الجبل الأسود، في المقالة التاريخية والأدبية التي كتبها باللغة الألبانية وهو يقدم للجزء الخامس من "الحسين والتشريع الإسلامي"، حيث استعرض جانبا من الأدب الألباني ومدى تأثير شخصية الإمام الحسين(ع) على نتاج الأدب الألباني، معتبرأ أن: (ما يربط المجتمع الألباني بالنهضة الحسينية هو الجانب الإنساني والحضاري من واقعة كربلاء التي جاءت لأنقاذ البشرية بعيدا عن الطائفية والعرقية والقومية والجنسية، فهي حركة كبيرة تهدف إلى تحرير الأمة من ربقة الظلم).

واعتبر الدكتور رجب كوسيا، الحاصل على "وسام شرف الأمة" من قبل رئيس جمهورية ألبانيا، أن ما يصدر من تحت يد المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي من مؤلفات عن النهضة الحسينية في إطار دائرة المعارف الحسينية هو أنجاز معرفي عظيم، استطاع فيه إنتاج موسوعة فريدة عن شخصية الحسين(ع) الهامة، فهي أكبر موسوعة معرفية كتبت حتى الآن، تميزت بتنوع أبوابها، ومنها الجانب التشريعي. ووصف الجزء الخامس من الحسين والتشريع الإسلامي الذي اطلع على فحواه بأنه إنجاز معرفي وفقهي وتشريعي لم يسبقه إليه أحد.

ولم يجانب الأديب الألباني الشهير رجب كوسيا الحقيقة في تأكيده على عالمية النهضة الحسينية وإنسانيتها، وأهمية الموسوعة الحسينية وفرادتها، حيث يأتي راعيها في كل باب معرفي بجديد يتجاوز حاجز المألوف، بحثًا عن الحقيقة وإن تعارضت مع التراث الشعبي، حتى بلغت المجلدات نحو التسعمائة طبع منها حتى اليوم (114) مجلدًا، ويمثل الجزء الخامس من "الحسين والتشريع الإسلامي" الجزء رقم 113، وما زالت بوابة التحقيق والتأليف مفتّحة على مصراعيها.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

390 امال عواد(كُنْ عَظِيمًا، لِيَخْتَارَكَ الْحُبُّ الْعَظِيمُ..) .. مي زيادة

هذا ما استهل به الناقد العراقي علوان السلمان مقدمته التي جاءت بعنوان رَسَائِلُ وجْدَانِيَّةٌ لديوان "أَتُـخَـلِّـدُنِـي نَوَارِسُ دَهْشَتِك؟" رَسَائِلُ وَهِيب نَدِيم وِهْبِة وآمَال عَوَّاد رضْوَان، والصادر في الثامن من أكتوبر 2018 عن دار الوسط للنشر في رام الله.

يتألف الكتاب (أَتُـخَـلِّـدُنِـي نَوَارِسُ دَهْشَتِك)، والذي صمم غلافه بشار جمال، من 36 رسالة، منها 18 رسالة للأديب وهيب نديم وهبة، و18 رسالة ردًّا عليها للشاعرة آمَال عَوَّاد رضْوَان، في كتاب من القطع المتوسط بواقع 186 صفحة . 

وقال الناقد علوان السلمان في مقدمته:

إنَّ بثَّ الوجدانِ بعوالِمِه المُؤطّرةِ بشغفٍ على ورقِ القلبِ وحِبرِ الوجْدِ يعني؛ تحقيقَ الرّسالةِ لطرفٍ يَحتلُّ مديّاتِ الرّوحِ، بصِفتِها النّاطق الكلميّ المُعبّر عن المشاعر والأحاسيسِ، والمُترجِم المرئيّ للعواطفِ، المُستنِدِ على منهَجٍ اجتماعيٍّ ونفسيٍّ ووصفيٍّ، موجزٍ بعباراتِهِ، وبُعدِ مُفرداتِهِ عن القاموسيّةِ والتّقعُّر.

  لقد شهدَ فنُّ الرّسائلِ نهضةً واضحةَ المَعالم، إذ إنّ مُسايرَتَهُ لحركةِ العصرِ الّذي وُسِمَ بعصرِ السُّرعةِ، وكانَ تَطوُّرُهُ في المحتوى والأسلوبِ، حتّى صارَ صناعةً ذاتَ قواعد وأصول، وأخذَ يستمدُّ أهمّيّتَهُ وقيمتَهُ مِن أمريْن أساسيّيْن: الخصائص والوظائف..

لقد ميّزَ صاحبُ الصّناعتيْن ما بينَها وبينَ الخطبة، كونَهُما نصّان مُتشاكلان، (إذ إنّهما كلامٌ لا يَلحقُهُ وزنٌ ولا تقفيةٌ، وقد يتشاكلانِ مِن جهةِ الألفاظِ والفواصلِ، فألفاظُ الخطباءِ تُشبهُ ألفاظَ الكُتّابِ في السّهولةِ والعذوبةِ، وكذلكَ فواصلُ الخُطبِ مثلُ فواصلِ الرّسائلِ، ولا فرقَ بينَهما إلّا في:

(الخطبةُ يُشافَهُ بها.. والرّسالةُ يُكتَبُ بها..)

وسواءً طالتْ الرّسائلُ أم قصُرَتْ، تبقى قطعةً فنّيّةً مُؤثّرةً دافعةً إلى استجابةِ المَشاعرِ لها، فنصُّ أبو هلال العسكريّ يعتمدُ آليّةَ المُقارنةِ المُضْمَرةِ، كوْنُهُ يَستحضِرُ جنسَ الشّعرِ، باعتبارِهِ المِعيار الّذي يَحتكمُ إليهِ في كلِّ عمليّةٍ تجنيسيّةٍ، فجنسُ الرّسائلِ ليسَ مُجرّدًا عن مضمونِهِ الكاشِفِ عن تأمُّلاتٍ نفسيّةٍ وعاطفيّةٍ، بل عادَ وثيقةً أدبيّةً تُعلنُ عن دواخلِ الذّاتِ الإنسانيّةِ، واشتغالاتِها الحالِمةِ باعتمادِ التّكثيفِ والإيجازِ، معَ ابتعادٍ عن التّكلّفِ، والمُبالغةِ والاستطرادِ، بتوظيفِ الأساليبِ البلاغيّةِ (مجاز/ استعارة/ كناية..)، وكلّ هذا يتطلّبُ ثقافةً معرفيّةً، وصياغةً مُتقنةً بليغة.

  وَهِيب نَدِيم وِهْبِة يقول:

آمَال؛ كُلُّ الْمَسَافَاتِ فَوْقَ وَطَنِ الْكَلِمَاتِ قَرِيبَةٌ، لِهذَا أَوَّلُ الْوَرْدِ أَنْتِ! أَنْتِ تَمْنَحِينَ لِلْإِبْدَاعِ قِيمَةً وَوُجُودًا وَكَيَانًا، بِتَوَاصُلٍ يَمْنَحُ الْحَيَاةَ قِيمَةً وَمَعْنًى، وَحَقِيقَةً أَدَبِيَّةً إِنْسَانِيَّةً، وَإِنَّنَا مَا نَزَالُ نَحْيَا الْمُعَانَاةَ، هذَا الشُّعُورُ الَّذِي يَجْمَعُ مَا بَيْنَ الْقَارِئِ وَالْمُبْدِعِ فِي بَوْتَقَةِ الْحَيَاةِ".

دَعِينِي أُهْدِيكِ أُغْنِيَةً؛

إِلَيْكِ.. وَإِلَى "سَلَامِي لَكَ مَطَرًا" لِلشَّاعِرَةِ آمَال عَوَّاد رِضْوَان:

مَا بَيْنَ زَغَبِ الْيَمَامِ وَطُيُورِ الْغَمَامِ..

غَزَالُ الْكَرْمِلِ الرَّاكِضِ.. مِنْ عَيْنِ "أُمِّ الشَّقَفِ"..

إِلَى مَرْجِ بْنِ عَامِر.. إِلَى سَهْلِ حُورَان.. 

أَمَا قُلْتُ..

هِيَ.. عَوْدَةُ الصَّيَّادِينَ مِنَ الْبَحْرِ عِنْدَ الْفَجْرِ؟

هِيَ.. صَرْخَةُ الْحَصَّادِينَ.. فِي الظَّهِيرَةِ فِي عِزِّ الْحَرِّ؟

هِيَ.. قِنْدِيلُ الْعَاشِقِ فِي ضَوْءِ السَّهَرِ؟

أَلَيْسَتْ أُغْنِيَةً.. تَنْبَعِثُ مِنْ بَيَاضِ الْوَرَقِ فِي عِطْرِ الشَّوْقِ؟

هَا أَنْتِ قَصِيدَةٌ.. تَمُوجِينَ.. مِثْلَ زُرْقَةِ الْبَحْرِ الْكَبِيرِ!

وَأَعُودُ لِلشِّعْرِ.. وَلِلْبَحْرِ

لِأَمْوَاجِ الْكَلِمَاتِ .. فَوْقَ بَيَاضِ الزَّبَدِ

لِهذَا النَّهْرِ الَّذِي .. يَخْتَارُ جِهَةَ الْفِكْرِ

لِمَصَبِّ النِّهَايَاتِ.. فِي خَوَاتِيمِ الْبَرِّ الْكَبِيرِ؛

"الْحَيَاةْ"!

لِعَصَافِيرِ الشِّعْرِ الَّتِي.. تَطِيرُ الْآنَ مِنْ أَوْرَاقِي!

سَأَكْتُبُ إِلَيْكِ أُغْنِيَةً.. وَفِي الْقَلْبِ "سَلَامِي لَكِ مَطَرًا"

آمال عوّاد رضوان تردّ:

أُسْتَاذِي وَهِيب نَدِيم وِهْبِة.. حَقًّا؛ تَنَعَّمْتُ بِلَذَائِذِ أُغْنِيَتِكَ، أَقُولُ بِمِلْءِ شُكْرِي الْعَمِيق:

عَلَى ثَرَى أَثِيرِي.. حَطَّتْ عُصْفُورَةُ ضَوْءٍ

تَهُزُّ عَرْشَ أَسَاطِيرِي!

مِنْ ذَاكَ الْمَدَى.. رَفْرَفَتْ.. هَلَّتْ وَهَلَّلَتْ

تُنْبِينِي.. بِهَدِيَّةٍ مَخْتُومَةٍ .. بِعِطْرِ الشِّعْرِ

مُظَلَّلَةٍ بِوَحْيِ حَرْفِي.. "سَلَامِي لَكَ مَطَرا".. ؟!

كَشَذَى بَتُولٍ خَاشِعٍ.. لَفْتَتُكَ الْمَلَائِكَيَّةُ

دَغْدَغَتْ سُحُبِي.. عَذْبَةَ الْجُرُوحِ

بِأَرِيجِ أَجْنِحَةِ السَّمَاءِ.. تُكَلِّلُ رُوحِي

وَأُفُقِي الشَّفِيفُ.. مَا انْفَكَّ يَنْضُجُ رَهْفَةً

عَلَى ضِفَافِ شُكْرٍ.. لِهَدِيَّةٍ تَغْلُو بِالشِّعْرِ تَرَفًا!

وَتَظَلُّ عَقَارِبُ الْأَيَّامِ ضَبَابِيَّةً..

تُمَاحِكُ سُوَيْعَاتُهَا ثَوَانِيهَا

لِتَخْتَالَ خُطَى الْبَهْجَةِ .. عَلَى بِسَاطِ الْغِبْطَةِ!

بِمُنْتَهَى حَرَارَةِ عَفَوِيَّةِ طِفْلٍ.. تَكَمَّشَ بِرَاحَةِ يَدِي

كَمَنْ يَقْبِضُ.. عَلَى مَاسَّةٍ زِئْبَقِيَّةٍ

يَخْشَى أَنْ تَنْزَلِقَ.. تَزُوغَ مِنْ أَنَامِلِهِ؟

وَبِجُنُونِ سَعَادَتِهِ الْبَاعِثِ

عَلَى إِرْبَاكِي .. عَلَى دَهْشَتِي

عَنْ صَهْوَةِ التَّحَايَا .. يَتَرَجَّلَ حَيَاؤُهُ الْجَهُورِيُّ!

نَبْضُ قَلْبِهِ يَتَهَدَّجُ.. عَلَى مَسَامَعِ الْحُضُورِ

وَمَا دَرَى .. أَنَّنِي ابْنَةُ بَلَدِهِ الْمَبْتُورِ!

 

الرّسالتانِ مُكتظّتانِ بالحقولِ الدّلاليّةِ المُكتنِزةِ بالعاطفةِ الّتي احتضنَتْها ألفاظٌ شفيفةٌ مُتميّزةٌ بِرقَّتِها وعذوبتِها، مع بُنْيَةٍ تتجاوزُ القوالبَ الجاهزةَ والهيكليّةَ الثّابتة، وهي تُعبّرُ عن نصوصٍ وجدانيّةٍ تَكشفُ عمّا يَختلجُ المُرسلَ لكلا الطّرفيْن (العاشق والمعشوق)، لبثِّ لواعجِ الشّوقِ، لتحقيقِ التّواصُلِ والوِصالِ واختصارِ المسافاتِ، عبرَ نثريّةٍ مُوجَّهةٍ بصياغةٍ وجدانيّةٍ مُمتعةٍ بتَوارُدِ الخواطرِ فيها، لتغدُوَ قطعةً فنّيّةً موجزةً مُؤطّرةً بإطارِ (الحُبّ) الخارجِ عنِ الذّات، مُؤثّرةً دافعةً إلى استفزازِ الذّاتِ الآخر، وتَحريكِ مشاعرِهِ للاستجابةِ لها..

     وَهِيب نَدِيم وِهْبِة يكتب:

آمَال؛ عُصْفُورَةُ الْحَنِينِ تَنْقُرُ شُبَّاكِي؟!

مَا بَيْنَ الْبَحْرِ "اللُّغَةِ" وَشُعَاعِ الْفَوَانِيسِ

تَحْمِلُ كَلِمَاتُكِ الرَّقِيقَةُ النَّاعِمَةُ.. غِنَاءَ عُصْفُورَةِ الصَّبَاحِ!

رِسَالَتُكِ الْعَائِدَةُ إِلَى الْجَبَلِ الْكَرْمِلِيِّ الشَّامِخِ تَقُولُ:

أَنْتِ الشَّامِخَةُ الْعَالِيَةُ.. أَنْتِ الْغَالِيَةُ الْمُبْدِعَةُ الرَّائِعَةُ

كَيْ تَزْرَعَ الدُّنْيَا "حَدَائِقَ الشِّعْرِ"

كَيْفَ سَقَطَ الطَّيْرُ فِي يَدِي؛ (الْكِتَابُ)؟

لِمَاذَا أَقُولُ أَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ تَفْقِدُ الْكَثِيرَ حِينَ تُقَالُ؟

إِنَّ غُمُوضَ الْبَحْثِ عَنِ الْمَجْهُولِ، مُخَيَّلَةُ الْقَادِمِ الْآتِي تَكُونُ بِالرَّمْزِ، بِالْإِشَارَةِ، فَالدِّينُ وَحْيٌ، وَالْكِتَابَةُ إِلْهَامٌ وَهَذَيَانٌ، وَحِينَ نُفَسِّرُ سِرَّ الْكِتَابَةِ، نَفْقِدُ رَعْشَةَ الْإِحْسَاسِ، وَحِينَ نُفَسِّرُ سِرَّ الْحَيَاةِ، نَفْقِدُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّنَفُّسِ، وَنَفْقِدُ سِرَّ الْحَيَاةِ، هذَا الْحَنِينَ الْعَتِيقَ الْغَامِضَ الَّذِي يَشُدُّ الْإِنْسَانَ لِلْبَقَاءِ.

آمال عوّاد رضوان تردّ:

يُسْعِدُنِي أَنْ أَفْتَرِشَ وَإِيَّاكَ بَعْضَ زَغَارِيدِ الْآمَالِ لِعَرُوسِ الْكَرْمِلِ الْخَلَّابَةِ، نُرَاقِصُ مَوْجَهَا، وَيُعَطِّرُ مَسَامَاتِ الرُّوحِ رَذَاذُ لْيَلِهَا، نَرْتَشِفُ أَثِيرَ هَوَاهَا، وَتَتَلَمَّظُ دِمَاءَنَا كُرُومُ غُرُوبِهَا الْعَابِقِ بِعِشْقِهَا.

الشَّاعِرُ وَهِيب نَدِيم وِهْبِة؛ دَعِ الْخَيَالَ يَجُولُ وَيَصُولُ فِي بَرَاحِ سَكْرَتِهِ الْمُتَيَقِّظَةِ، دُونَ أَيِّ تَصْرِيحٍ أَوْ جَوَازِ سَفَرٍ يَتَسَكَّعُ عَلَى الْحُدُودِ، فَتَهَلَّلْ/ لِنَتَهلَّلَ بِتَهَالِيلِكَ الْعَذْبَةِ.

 

387 عدالة جرداتصدر عن دار "السكرية" للنشر والتوزيع في القاهرة، الكتاب الثامن للشاعرة د. عدالة جرادات، اينة الناصرة، وهو نصوص شعرية وخواطر نثرية زاهية الألوان والصور، تجمع بين الرومانسية والوطنية، وتجاكي الحب والوطن والأرض والطبيعة وهموم المرأة وقضايا المجتمع والناس.

د.عدالة جرادات شاعرة ناعمة تكتب باحساس مرهف، وخيال رحب، وايمان بعدالة القضايا التي تؤمن بها وتذود عنها، وأسماها قضايا الحرية والمساواة والعدل والسلام، وفي صلبها قضية شعبها الوطنية التجررية، القضية الفلسطينية.

وكما عودتنا فهي تستفز القارىء بكلمات تحمل من نفحات الأنثى ما تقطر به نصوصها من سمات الحب والعشق والغزل والجمال، وبدعائم الصور الشعرية الفاتنة في ارتسام المعاني، وتوظيفها في خدمة النغمات والألحان العذبة التي تبعث من ثجمالية المفردات والتعابير المستخدمة في بوحها الشعري.

وفي قصائد عدالة جرادات تتحول فضاءات النفس وخفاياها الى أحاسيس رومانسية واضحة، بلغة شفيفة ورشيقة، وصور مبتكرة جديدة باذخة، ونسمع صوت الأنوثة في عمق نصها، فهي ترى، وتحلم، وتتأمل، وتكتب بسلاسة وانسيابية في المبنى والمعنى، وتنجح في مناجاة الروح ومحاذاة الأعماق.

فيا ايتها الصديقة د. عدالة جرادات مبارك اصدارك الجديد، وسلمت يداك، وما اروعك عاشقة وشاعرة.

 

كتب: شاكر فريد حسن

385 تاريخ معهد الفنون الجميلةبهذا العنوان قدم البروفيسور طارق العذاري كتاب (تاريخ معهد الفنون الجميلة في البصرة) لمؤلفه الأستاذ مجيد عبد الواحد النجار، الصادر عن دار الجنوب للطباعة والنشر والتوزيع، العراق، البصرة، ودار جيكور، بيروت، لبنان.

تحدث الكتاب عن تأسيس معهد الفنون الجميلة في البصـرة، حيث تناول مواضيع عديدة من خلال ساحة معرفية وارشيفية بحث فيها المؤلف عن المطالبين والمؤسسين لهذا الصرح الذي يعد رافداً من روافد الفن والمعرفة في البصرة، كما وتناول الكاتب خلال هذه السياحة أقسام المعهد التي تشكل منها، ومن ثمَّ توقف الباحث أمام قسم الفنون المسرحية، ليسهب في تفاصيل عديدة خاصة بالطلبة والأساتذة، والأعمال التي قدمت خلال فترة تتراوح بين 1977 - 2003.

وثق هذا الكتاب مراحل هامة من تاريخ المسـرح في محافظة البصـرة، وبين دور المعهد الذي كان نواة ولسنوات طويلة في انتاج الاعمال المسرحية في المحافظة منذ تأسيسه عام 1977 حيث (شكـّل تأسيسه منعطفا مهما في الحركة المسـرحية البصـرية، إذ استطاع عبر سنوات تأسيسه أن يُغني الحركة المسـرحية، ويفجّر الطاقات الشبابية ويصقل قدراتها لتحتل مواقعها المتميزة في مسارح المحافظات الجنوبية).

ونظرا لأهمية هذا الصـرح الثَّقافي لما قدمه من مشاركات مسـرحية، كان لطلبة المعهد الدور الكبير في التهيئة والإعداد لها، وبتغطية الجوانب الإدارية، والفنية من أعمال الديكور، والأزياء، والمكياج، والإضاءة. والدور الكبير للمدرسين الذين كانوا يشـرفون على المعهد لصقل مواهب الطلبة، واهمية الأعمال المسـرحية التي قدّمت في هذه المدة ونوعيتها، والأساليب الإخراجية التي اشتغل عليها هؤلاء الطلبة. وكذلك دور إدارة المعهد في تهيئة الجوانب اللازمة لإنجاح العروض المسـرحية. ولمعرفة الأجيال التي تخرجت منه، والكوادر التدريسية التي وضعت هذه الأجيال على الطريق الصحيح. حتى أصبحوا فنانين، قدموا فيما بعد كثيراً من الأعمال المسـرحية، التي خدموا بها الحركة الفنية بكل حب وإخلاص، ولوجود عدد من الطلبة الذين تخرجوا منه، ووجود بعض الوثائق، والمستمسكات، رأى المؤلف أن يقوم بعملية جمع المعلومات عن الأعمال المسـرحية التي قدّمها معهد الفنون الجميلة في البصـرة من بداية تأسيسه عام 1977 وحتى عام 2003. خوفا من ضياع هذه الإنجازات الفنية والإدارية التي تحققت في هذا الصـرح الكبير، ولعدم وجود مؤسسة تحمي أو تؤرشف هذه الإنجازات؛ لذا اختار (تاريخ معهد الفنون الجميلة في البصـرة 1977 - 2003)، عنواناً لكتابه.

سيكتشف القارئ في هذا الكتاب؛ أن هناك أشخاصاً يعملون خلف الكواليس قاموا بمطالبة الجهات الرسمية بتأسيس المعهد وقد بذلوا جهداً كبيراً في ذلك، حيث كانت الساحة الفنية في البصرة تعتمد على خريجي معهد الفنون الجميلة بغداد، من 1965- 1977 تاريخ تأسيس المعهد،

فضلاً عن اعتماد المعهد على مدرسين عرب اغنوا الساحة الفنية بخبراتهم الفنية، كما وسيكتشف القارئ الكم الكبير من الاعمال التي كانت تقدم في مسارح البصرة من خلال أطاريح الطلبة واعمال المدرسين، وهناك الكثير من الأمور الاخرى التي سيكتشفها القارئ خلال تصفحه لصفحات كتابنا هذا.

الكتاب: تاريخ معهد الفنون الجميلة في البصرة 1977-2003م.

المؤلف: مجيد عبد الواحد النجار.

الناشر: دار الجنوب للطباعة والنشر والتوزيع، دار جيكور

لوحة الغلاف: الفنان فاروق حسن

***

جواد المظفر

علجية عيشالنص وسؤال الحقيقة.. نقد مرجعيات التفكير الديني، كتاب صدر حديثا لماجد الغرباوي رئيس مؤسسة المثقف العربي، يندرج كما يقول كاتبه ضمن مشروع نهضوي طموح لاستعادة وعي الفرد، بعد نقد العقل الديني ومرجعياته المرتهنة في معارفها لقدسية التراث وأوهام الحقيقة، بعيدا عن المناهج العلمية والكشوفات المعرفية الحديثة. فهو كما يقول يبحث في كيفية اشتغال النص وفرض حقيقته ومحدداته، خاصة التبسا المقدس بالمدنس، والديني بالبشري ، كما يهدف الموضوع إلى استعادة الوعي من أجل نهضة حضارية تستعيد بها الإنسانية قوتها ومن خلالها  تستنشق رحيق الحرية.

ليس  بمقدورنا الإطلاع على مضمون الكتاب ولكن من خلال العنوان نلاحظ أن المؤف سلك منهج العديد ممّن خاضوا في مثل هذه القضايا والإشكاليات، لاسيما مرجعيات التفكير الديني، والخطاب الديني، وإعادة قراءة النص الديني وتحليله، وقضايا أخرى تتعلق بتحرير العقل العربي والإسلامي، بعيدا عن سطوة التراث وسيطرة الرموز الدينية، هذه الإشكاليات قد تتحول إلى ثورة. نقول ثورة دينية لتنبيه البشرية كلها، لا نقول العرب والمسلمين ولا المسيحيين أو اليهود، لأن التفكير الديني مرتبط بالنص الديني، وهذا النص يختلف في مضمونه من دين لأخر، فما تراه اليهودية مثلا مباحا تراه الأديان الأخرى محرما. كما قد نجد في النصوص الدينية قاسما مشتركا في بعض القضايا، خاصة وفي ظل سيادة نزعة التديُّن، تواجه البشرية اليوم معركة العقيدة في عالم متحضر، أصبح الإنسان  (ا الغير متدين) لا يؤمن بالتراث ويرى أنه لا جدوى من الإنشغال بالأمجاد الضائعة، لأن العولمة تعمل على خلق شعوب عالمة، أي شعوب بلا هوية ولا انتماء وبلا عقيدة، قد تجبرها وبأسلوب حضاري على الإنفصال عن كتبها المقدسة .

74 majed600

الصراع اليوم ليس صراعا بين المثقف والسلطة، فقد اندمج هذا الأخير في السلطة، وأصبح ينفذ ما يمليه عليه أصحاب القرار، الصراع اليوم هو صراع بين المثقف والكنيسة، صراع بين المثقف والمسجد. هو صراع بين الديني واللاديني،  كيف نفهم هذا الأخير كيف يفكر وكيف يمكن إقناعه بوجود إله خلق هذا الكون، كيف يمكن أن نحاوره؟.

 إن رجل الدين أو رجل السياسة أو المثقف هو رجل يملك جانبا فكريا وثقافيا ودينيا، والأمر ليس بالسهولة والبساطة عندما يرتقي واحد من هؤلاء الثلاثة (رجل الدين ورجل السياسة والمثقف) في سلم الحقائق، وبخاصة الحقائق الدينية والإجتماعية والنفسية، وقد ذهب الدكتور محمد جابر الأنصاري في نقده واقع العقل العربي إلى أبعد الحدود، لدرجة أنه لامس الخطوط الحمراء، وكسر كل الطابوهات بجرأة وشجاعة عندما شرع يبحث عن الحقيقة والتعامل مع المنطق والواقع، وقد وضع كل أفكاره وتصوراته في كتاب تحت عنوان: "رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية"، أراد به أن ينير الطريق لفكر متنور وبعقلية المفكر العصري المفتوح.

 والساحة الدينية كما يقول المفكر الجزائري محمد أركون لا يمكن أن تنفصل عن الساحات الأربع وهي الساحة الفكرية، السياسية، الاقتصادية والثقافية، كون هذه الساحات الخمس تشكل كلية الفضاء الاجتماعي، والدين أو الأديان في مجتمع ما، عند محمد أركون هي عبارة عن جذور، فلا يمكن لأيّ باحث أو مفكر أن يفرق بين الأديان الوثنية وأديان الوحي، ويرى أن التفريق أو التمييز هو عبارة عن مقولة  تيولوجية تعسفية، كما يرى أن النظرة العلمانية للأشياء وللنصوص الدينية تعلن بأنها تذهب إلى أعماق الأشياء، إلى الجذور من أجل   تشكيل رؤيا أكثر صحة وعدلا ودقة، ويذهب المفكر الجزائري محمد أركون بالقول:  لا نريد أن نقلب كل شيء رأسا على عقب، وإنما نريد أن نعيد النظر والتقييم لكل شيء من خلال نظرة أخرى جديدة، ليس بالضرورة أن تكون هذه النظرة نقدا للمرجعيات، وإن كانت أفكار محمد أركون قد تختلف مع أفكار رجل الدين، فهو يؤكد موقفه بأن كل الأديان قدمت للإنسان ليس فقط التفسيرات والإيضاحات، وإنما أيضا الأجوبة العملية القابلة للتطبيق والاستخدام مباشرة فيما يخص علاقة الإنسان بالوجود والآخرين والمحيط الفيزيائي.

 أما مالك بن نبي فكان له رأي آخر، فهو درس الإشكاليات من منظور هندسي إذ يقول: إذا رسمنا الخريطة ألإيديولوجية نجد عليها لون المجوسية أو لون الديانة الفارسية (إيران)، ولون البوذية والبرهمية أو الهندوكية كما يسمونها، والمسيحية واليهودية، ونقطة مغمورة في الكون هي مكة نقطة الإسلام، ويضيف: لو أردنا أن نرسم خريطة جديدة للإسلام، نجد أن البوذية قد شطب عليها قلم ماوتسي تونغ، فمحاها من الوجود، أما المجوسية فقد محاها عمر  يوم القادسية،  أما البرهمية فقد محتها ظروفها الخاصة دينا لا ثقافة، فهي كتراث ثقافي ستبقى إلى أجل لا ندرس مداه، مع تجنب التكهنات، وأما كدين فقد انتهت وانتهى دورها. والمسيحية مرت بتطورات غريبة وأصبحت تعاني  من مشكلات تعبر عن ظروف خطيرة، بمعنى أن المسيحية بدأت تفقد المبررات لمعتنقيها لاسيما الشباب والمرأة، يبقى اللون الإسلامي في الخريطة الإيديولوجية وهو يمثل الخط الموازي  كأنما الله يهيئ القاعدة التاريخية الإجتماعية لتحقيق الآية الكريمة من سورة الصف: (هو الله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهر على الدين كله.

***

قراءة: علجية عيش – كاتبة وصحفية جزائرية

................

للاطلاع

النص وسؤال الحقيقة.. لماجد الغرباوي كتاب جديد عن مؤسسة المثقف

 

 

 

ميثم الجنابيلقد صدر هذا الكتاب قبل شهر تقريبا عن دارالطباعة التابع للجامعة الروسية. (عدد صفحات الكتاب 432 ص). ويتألف الكتاب من مقدمة واربعة ابواب، وملحق بمؤلفات الغزالي. ان هذه الطبعة هي الثالثة. فقد طبع للمرة الاولى عام 2000 في الولايات المتحدة (نيويورك، دار ميلين)، ثم طبع مرة ثانية في موسكو قبل سنوات معدودة، وها هي الطبعة الثالثة.

ولكل طبعة خصوصيتها، التي يجعل منها تختلف بعض الشئ عما سبقها. والاخيرة تختلف عن سابقاتها في اضافة ثلاثة فصول تتعلق باشكاليات العقل عند الغزالي. اضافة الى المحلق الخاص بمؤلفات الغزالي. ومجموع صفحات الاضافة بحدود مائة وخمسين صفحة.

وبالتالي، فان القيمة العلمية الاضافية في هذه الطبعة تقوم في طباعتي للمرة الاولى البحث الخاص بالمؤلفات الحقيقيقة والمنحولة للغزالي. ولهذا البحث حياته الخاص في الضياع والعثور. فقد كانت قضية الصحيح من الكاذب في مؤلفات الغزالي بالنسبة قضية جوهرية قبل البدء بالكتابة عنه. وقد بذلت جهودا هائلة ولسنوات من اجل افراز الحقيقي من المنحول فيها. وقد كانت المخطوطة التي انجزتها انذاك اكثر من 700 صفحة بخط اليد، والتي تعادل ما يقارب الف وخمسمائة صفحة رسمية. وقد كان هذا عملا لا يشبه في شيئ كل ما كتب عنه بهذا الصدد. وذلك لانني حللت ودرست وانتقدت كل ما ينسب اليه استنادا الى منهج التحليل الفلسفي، والمنطقي، والفكري، واللغوي، والثقافي، والمقارن. ولم انشرها انذاك لانني لم اكن على يقين علمي فيما يخص بعض المؤلفات والرسائل. لهذا لم ادرج هذا النص، باعتباره الجزء السابع من كتابي عن الغزالي كما كنت قد خططت له. اما الخامس (حول نظريته السياسية والاصلاحية) فقد اختصرته وادرجته ضمن المجلد الرابع المطبوع. بينما لم ابتدأ بكتابة الجزء السادس عن فلسفة الحق عند الغزالي (فلسفة الفقه وعلم الاصول). وسوف انشر صيغة مختصرة عن هذا الكتاب مع مرور الزمن! وعندما طلبوا مني المساهمة في احد المؤتمرات الفلسفية العالمية لكتابة مداخلة عن مؤلفات الغزالي، فانني اكتشفت ضياع هذه المخطوطة. وعبثا حاولت الحصول عليها، لكنني عثرت على "قصاصات" ورقية عديدة تتعلق بهذه القضية مع صيغ اولية لترتيب وتصنيف المؤلفات الحقيقة من المنحولة واشياء اخرى متعلقة بها. لهذا جمعتها واعدت النظر فيها وتدقيقها وتحقيق ما فيها، وهي دراسة بحدود مائة وعشرين صفحة. من هنا فان هذه الصيغة الروسية هي الاولى. وسوف اعرّبها قريبا وانشرها لكي تكون بايدي القارئ والباحث العربي، لانها كانت من حيث الخطة الاولية مخصصة له اولا وقبل كل شيئ. 

367 ميثم الجنابييتناول كتاب (التالف اللاهوتي الفلسفي الصوفي) عند الغزالي في الباب الأول سيرة الغزالي الحياتية والفكرية.حيث تناولت فيه كل من شخصية الغزالي واثره في الثقافة الاسلامية والعالمية، ومختلف الواقف منه على ممر التاريخ، منذ موته وحتى الان. ثم تناولت خصوصية الشخصيةالغزالي في الفكر والابداع، ونمط ذهنيته ودراما الصراع الفكري الذي نقله باثر الوعي النقدي الذاتي الحاد الى عالم الصوفية والتصوف.

اما في الباب الثاني فقد تناولت المراحل المفصلية الكبرى في صيرورة منظومته الفكرية، التي اطلقت عليها عبارة "التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي". وفيه حاولت الكشف عن طبيعة ونوعية التجربة الفكرية للغزالي وانعكاسها في مؤلفاته، ومن ثم تراكمها وأثرها اللاحق في بلورة تآلفه الفكري الكبير. واحتلت قضية العقلي والاخلاقي، او المنطقي والروحي وصراعهما في التمهيد للانتقال الفكري الخاص الذي ساهم في بلورة منهجه النظري ومبادئه الاساسية. ثم تطرقت الى كيفية ونوعية وعيه الذاتي لانتقاله الشخصي للتصوف. واخيرا العلاقة الفعلية بين استمرار التراكم الفكري وتقطعه الحاد في سيرته الشخصية العلمية والعملية.

اما الباب الثالث فقد خصصته لاشكاليات وقضايا الكلام والفلسفة عند الغالي.

بينما خصصت الباب الرابع لنظريته الاخلاقية بشكل عام والصوفية بشكل خاص.

اما الملحق، فانه مخصص للصحيح والمنحول في مؤلفات الغزالي.

والكتاب على حجمه هو في الواقع اجزاء من العمل الاساسي عن الغزالي الذي جرى طبعه بالعربية (باربعة اجزاء عن دار المدى في دمشق انذاك) والكتاب العربي حوالي عشر مرات اكبر من الصيغة الروسية. والكتاب العربي لا يخلو من تعقيد بما في ذلك للمتخصصين. وبما اني لم انشره على صفحات المجلات العلمية والفكرية والثقافية، وكذلك الحال بالنسبة للجرائد ومواقع الانترنيت، لهذا سوف اسعى لنشره بصورة تدريجية حالما تتوفر الفرصة. والصعوبة الوحيدة هنا هو انه ليس للكتاب صيغة الكترونية. اما اعادة طباعتها فيحتاج الى وقت كبير لاسيما وان الكتاب كبير الحجم ويتجاوز بضعة الاف من الصفحات.

ا. د. ميثم الجنابي

 

362 نبيل ياسينقراءة في كتاب: الاصول الاجتماعية والفكرية للتيارات الإسلامية المعاصرة

هناك مجموعة من المشكلات التي ما زالت تهيمن على الثقافة والحياة العربية والإسلامية منذ سقوط الدولة العباسية والى يومنا هذا وازدادت هذه المشكلات تعقيدا وتداخلا حتى اصبحت لدينا إشكالية مستديمة تنظوي تحتها جميع المشكلات الآخرى، هذه الإشكالية هي إشكالية العلاقة بين السلطة والمثقف والمجتمع، ونعني هنا بالسلطة كل اشكال الهيمنة في التاريخ الاجتماعي للعرب والمسلمين لاسيما ببعدها الاستبدادي المرتبط بطريقة الحكم او بطريقة تماهي المثقف مع نوع الحكم هذا او مع قبول المجتمع لهذا الشكل من الهيمنة والقمع والغاء التفكير ودمجه بارادة السلطة الحاكمة التي استمدت الحكم بتبريرعقائدي عبر الربط بين حكم الله وحكم السلطان . هذه الإشكالية هي كانت محط إهتمام الدكتور نبيل ياسين في كتابه (الاصول الاجتماعية والفكرية للتيارات الإسلامية المعاصرة) الصادر من دار زيد للنشر ـ لندن بطبعته الاولى 1994.

يذهب المؤلف الى ان هناك صراع بين الدولة والمثقف الحر لكن هذا الصراع لايطال الدين كمعتقد ينظم علاقة الله والفرد وانما يجري على اساس حظر حرية المثقف وحرية التطور الثقافي من قبل السلطة التي تفرض شكل ومضمون عن طريق الاحالة الى المرتكزات الدينية واعطاء قهرها الاجتماعي طابعا مقدسا باستخدام الدين كسلاح ايديولوجي لتعبئة ادواتها المحموة ضد خصومها السياسين وضم الراي العام الى هذه الادوات .(ص17) لذلك فان تاريخ الحروب الدينية يكاد يكون حروب سياسية اجتماعية ارتدت طابعا دينيا .

يؤكد المؤلف على طابع التسامح والرحمة في الدين الاسلامي حتى في بعض المآخذ من الخصوم لاسيما في العلاقة مع المجتمعات التي لم تدخل الاسلام عدا استغلالها للجانب الاقتصادي بوصف هذه المجتمعات توفر ايرادات لبيت المال لإدارة الدولة كي تفي بحاجات المجتمع الجديد .

اشار المؤلف الى ان هدف السلطة الدينية باستمرار كسر شوكة المثقف (ص24) ويذكر نماذج لعلاقة السلطة بالمثقف ويشير الى اضطهاد الحجاج وقتله لاحد كبار المثقفين في الاسلام وهو سعيد بن جبير الا ان الحجاج برأينا لم يكن يمثل السلطة الدينية بل كان يمثل السلطة السياسية او السلطة السياسية ذات الصبغة الدينية سعت الى اضطهاد رجل دين ومحدث مثل سعيد بن جبير. كذلك فالسلطة الدينية في عصر النهضة العربية الى اليوم يمكن ان تمثل سعي الى كسر شوكة المثقف وقد اشار المؤلف حينما ذكر موقف المؤسسة الدينية من كتابات علي عبد الرزاق وطه حسين واضيف محمد احمد خلف الله ونصر حامد ابو زيد وسيد محمود القمني في يومنا هذا .

ذكر المؤلف ان فتاوى التحريم والاتهام بالكفر والالحاد معدة لكل مثقف يجرؤ على تحديث العقل. الا اننا نرى ان الثقافة الإسلامية لم تكن بهذا المستوى والا كيف ظهر المعتزلة وكيف ظهر الفلاسفة، اعتقد ان هناك صراع كما هو في الغرب بين المحافظين والمجددين ولكن الغلبة في مجتمعنا العربي كانت للمحافظين وقد بين المؤلف ذلك في موقع اخر اذ ذكر ان هناك رغبة من السلطة الى الحفاظ على ما هو موروث وسائد (ص26 )، هذه السلطة يسميها الايديولوجيا الدينية المعارضة والتي تسعى الى جعل الدين موقفا دنيويا يتدخل في كل التفاصيل اليومية للفرد ويقرر صلاحية كل اجراء او تطور (ص26) .

وهذا صحيح الى حد كبير ولكن هذا لا ينطبق على الايديولوجيا الدينية المعارضة بقدر ما ينطبق على الايديولوجيا الدينية الرسمية فالمعارضة رغم توجهها الشمولي الا انها يمكن ان تعد شكل من اشكال النزعة التجديدية والاصلاحية في الثقافة الاسلامية.

ان تماهي السلطة مع الدين كايديولوجيا رسمية وتماهي رجال الدين مع السلطة بوصفها سلطة الهية وربط الارادة السلطانية بالارادة الالهية هو الذي جعل الاسلام عامل ضغط على المجتمع والدولة ووقوفه ضد المتغيرات الجديدة وليس التيارات الاسلامية كما ذهب الى ذلك المؤلف (ص28) . فبعضها كان هو الدافع الى القبول بهذه المتغيرات والا كيف ننظر الى كتابات الطهطاوي اوالافغاني والتونسي ومحمد عبده والكواكبي وصولا الى علي شريعتي وحتى جمال البنا .

ان الصراع بين نزعة المحافظة ونزعة التجديد هو ما اتسمت به الثقافة الاسلامية ومن ثم هيمنة نزعة المحافظة التي تماهت مع السلطة منذ نهاية الخلافة الاسلامية الراشدة الى يومنا هذا، الامر الذي جعل المثقف والمجتمع يعيشان ازمة الجمود والتخلف، وقد اشار المؤلف الى ما يماثل ذلك اذ ذهب الى ان الدولة الاسلامية عندما انتقلت من مفهموم القبيلة والعشيرة الى مفهموم الامة كان هذا الانتقال السبب بحضورها الثقافي والسياسي رغم الهيمنة القرشية ذات الطابع العصبي على المنجزات الحضارية للاسلام وتأطيرها لإمتيازات الامويين في رداء ديني ودفاعها عن منظومة ايديولوجية مستمدة من الدين الجديد ومعتمدة عليه على اساس جبري استمدت بعض مببراته من تفسير نصوص قرآنية حول الجبر والقدر ينظر (ص33).

كان التوظيف الايديولوجي لمفهموي القضاء والقدر من الاسباب الاساسية لسيادة نزعة المحافظة وغياب العقل الحر فضلا عن غياب العصبية (الدينية) وظهور العصبية القومية المؤطرة " باطروحة ظهور الاسلام بين العرب واختصاصهم به دون القوميات الاخرى" الامر الذي دفع الى " عدم علمنة الفكر القومي وجعله دائم العودة الى حلقة وصل للنهضة القومية وجد تفسيرها في دور الدين، ولذلك لا يفصل المفكرون القوميون الدين عن الشعور القومي" .

هذه الالتفاتة الرائعة من المؤلف تعطينا فهما للحالة التي تعيشها المجتمعات العربية والاسلامية عامة والمجتمع العراقي خاصة لاسيما في تماهي التيارات القوموية مع النزعات الارهابية (الموظفة للاسلام ببعده السياسي) والدفاع عنها وكانها تمثل الاسلام القومي العربي، الامر الذي ادى الى سيادة نمط من العنف اخذ شكلا عالميا واصبح الارهاب وكأنه مرادف للاسلام، واصبح العراق الساحة الرئيسة للمشترك القومي الارهابي اذ شجع على استهاض الشعور الطائفي ودفع بالرؤى الاسلامية الاخرى الى ان تنكفأ على نفسها وتتمحور حول التوجه المذهبي والطائفي وكانه طريق الخلاص الوحيد .

هذه النزعة ذات البعد التاريخي في الثقافة العربية والاسلامية هي التي كانت الاصل في جعل دولة اسلامية مثل ايران تصبح ذات تكوين مذهبي وقومي كانت جذوره تمتد الى نشوء النزعة القومية مع الدولة الاموية والتمييز بين العرب والموالي لاسيما حينما " اصبح الدين المكون الاساسي لطبيعة الدولة القومية وشكلها السياسي " (ص37).

لكن ما يجدر قوله ان " الفكر الديني لايقوم على اساس قومي بل يرفض هذا الاساس رفضا قاطعا" (ص72)، ففكر الاخوان المسلمين اليوم مثلا وفكر محمد باقر الصدر كلاهما يرفض المجتمع القومي ويحل محله المجتمع الاسلامي " وفي الوقت الذي يشكل فية المجتمع القومي القائم على تقاليد الاسلام حلقة وصل بين التيارات القومية المختلفة نجد الاسلام يشكل حلقة وصل بين المجتمعات القومية المختلفة لدى التيارات الاسلامية الراديكالية، وينقسم المجتمع في نظر هذه التيارات الى مجتمع جاهلي ومجتمع اسلامي وهذا يشكل مشكلة اساسية بنظر المؤلف في العلاقة بين العصر والاسلام اذ "تقوم هذه العلاقة على تذويب متغير متقدم بثابت ساكن" (ص74)، المتغير المتقدم هو العالم اليوم بكل حركيته وديناميته والثابت هو الإسلام بوصفه منظومة نقلية تسليمية.

في سياق قراءة المؤلف لطبيعة تشكل الفكر الاسلامي وجدناه يحاول ان يفصل بين طبيعة تكون الاسلام السني وطبيعة تكون الاسلام الشيعي في ضوء نظرته لعلاقة الاسلام بالاستبداد والمثقف بالسلطة والاقتصاد بالدولة، اذ يجد المؤلف ان الفكر السني اقرب الى النزعة الرأسمالية (الملكية الخاصة) منه الى النزعة الاشتراكية (الملكية العامة) على العكس من الفكر الشيعي الذي يؤيد فكرة الملكية العامة منذ ايام علي بن ابي طالب حينما اقترح على عمر بن الخطاب عدم توزيع الاراضي المفتوحة في العراق والشام ومصر وابقائها بيد اصحابها كمزارعين على ان تكون ملكيتها للامة وخراجها لبيت المال، وحذر من ان توزيع الاراضي سيقود الى التناحر الاجتماعي وضعف هيمنة الدولة وهيمنة طبقة معينة على فائظ راس المال الامر الذي يدفع باتجاه زيادة النزاع الطبقي، وقد اشار المؤلف الى تطور نزعة الدعوة الى الملكية العامة لدى الخوارج ومن ثم عند القرامطة بشكلها التطبيقي .

ان الذي يعنينا من قراءة المؤلف هذه ليس تركيزه على الفصل المذهبي في الاسلام لان ذلك اصبح من السائد والمتعارف عليه، لكن الذي يعنينا هو قدرة المؤلف على الربط بين سيادة نزعة الملكية الخاصة وحضورها في الدولة الاسلامية منذ ايام الخليفة الثالث وسيادة نمط واحد من انماط الحكم هو نمط الحكم الاستبدادي وغياب المشاركة الاجتماعية في خلق الحياة وتجديدها لاسيما في تماهي الفكر بشكليه الديني والثقافي مع هذه النزعة، الامر الذي يعد باعتقادنا احد اهم الاسباب المهمة في تدهور وتخلف المجتمع العربي والاسلامي وهو السبب في غياب مقولة الفصل بين الدين والدنيا وهيمنة مقولة (الاسلام دين ودنيا) منذ ايام معاوية الذي بدأت معه الحاجة لوجود "حارس ايديولوجي" بعبارة المؤلف او (واعظ السلطان) بعبارة الوردي يدعم سلطة الدولة ويؤكد احقيتها بالخلافة مبررا هيمنتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية حتى " تحول الدين الى ايديولوجية رسمية ذات نفوذ استبدادي" (ص51) .

وادلجة مقولة (عبودية الامة للاله) الى عبودية الخليفة و"اعتبرت الامة نفسها ملكية عامة لمؤسسة الخلافة" (ص52) .

ونسي "وعاظ السلاطين" ان مبدأ التوحيد الذي تقوم عليه عبادة الامة للاله يقوم على تحرير الانسان من اية عبودية كونه " يعطي الضمان ضد طغيان سلطة التشريع ... وتحديد مفهوم الحرية بانه تحرير للعقل البشري من الجهل وتحرير للبشرية من عبودية الجسد وعبودية الروح وعبودية السلطان " (ص76) .

تكرست هذه النزعة مع تنماي الوجود الاجنبي لاسيما مع البويهيين والسلاجقة وظهور الاقطاعي العسكري الذي تميز به الحكم السلجوقي واشتداد الصراع الطائفي الذي كان واجهة للصراعات الثقافية والاجتماعية والسياسية .

بداية المرحلة السلجوقية ستكون بداية انحطاط طويلة الامد ما تزال المجتمعات العربية والاسلامية تعاني منها لاسيما في تبنيهاا " طابع الصراع العسكري في المجتمع على حساب طابعه السياسي والثقافي ونقلها لتقليدها العشائري بتقديسها الزعيم (الخان) وفرض الطاعة العمياء للنظام العشائري المراتبي الصارم والتزمت الديني والطائفي الذي اضافوه للاسلام " (ص57)، اذ استخدمت الطائفية في الصراع القومي بين الفرس والاتراك واستخدم العرب اداة لذلك، واصبح الصراع الطائفي هو الوجه الابرز للصراع القومي بين الصفويين والعثمانيين وقاد هذا الوضع كما يشير المؤلف الى " ان ينحط المستوى الديني الايماني وتضاف الى الدين كثير من الخرافات والمعتقدات القبلية " (ص58) متفقا في ذلك مع ما اشار اليه من قبل علي الوردي في كتبه لاسيما "وعاظ السلاطين" و"مهزلة العقل البشري" وكتابات علي شريعتي لاسيما " التشيع العلوي والتشيع الصفوي" و "دين ضد دين" الا ان الوردي وشريعتي ركزا على البعد الخرافي والاسطوري في الفكر الشيعي حينما هيمنة عليه النزعة الصفوية وتحويله من التجديد الى المحافظة غير متناسين هيمنة هذه النزعة على الفكر الديني الرسمي، بينما نجد نبيل ياسين يركز على الايديولوجية الرسمية التي ذهبت الى التأكيد بان " بقاء الاسلام اهم من رفض السلطان الجائر الذي يحكم باسم الاسلام " (ص59)، على ان لا ننسى ان هذا الامر له جذوره في المجتمع الاسلامي منذ الخليفة الثالث وايام معاوية بن ابي سفيان والذي وبخه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حينما شاهد الهيبة التي تحيط بموكبه وهو لم يكن سوى عامل الخليفة على بلاد الشام فأجابه معاوية اننا متاخمون لبلاد الروم وان هيبة السلطان عندهم من هيبة الدولة، الأمر الذي لم يعطه المؤلف اهتماما واضحا في كتابه .

حضور هذه النزعة كان السبب في عدم تفعيل حركات الاصلاح الديني فيما بعد لاسيما مع وجود التحدي الكولنيالي المتمثل بالاستعمار الحديث الذي يمثل الهيمنة الغربية على الحضارة الشرقية الامر الذي دفع النزعات الاصلاحية التجديدية ان تذهب الى ما ذهبت اليه النزعات المحافظة في الدعوة للعودة الى الاصول (المنابع الاولى) وغياب نزعة الفصل بين الدين والدولة وهيمنة هاتان النزعتان على الثقافة الاجتماعية وغياب الديمقراطية وتعثر المشروع المدني فضلا عن عدم قدرة الفكر الاشتراكي العلمي على تقديم صورة واقعية ملموسة لمجتمع عربي اسلامي متقدم (ص60-61) لاسيما دراسة الماركسيين للواقع العربي الاسلامي وكانه واقع شبيه بالواقع الاوربي وان المراحل الطبيعية التي مر بها هذا المجتمع تنطبق على مراحل التحول الطبقي في المجتمع العربي الاسلامي فالحالة الاوربية شهدت انفصال الدولة عن الكنيسة في المرحلة الراسمالية وشهدت تحجيما لدور الدين ... فالانتقال من الاقطاع الى الراسمالية (في المجتمع العربي) سيبدو ضربا من الوهم الايديولوجي فلا المرحلة الاقطاعية كانت سائدة في المنطقة العربية الاسلامية ولا الراسمالية مرحلة تم او يتم الانتقال اليها الان .(ص79 وص90 نفس المعطيات) .

لذلك نجد المؤلف يرى ان مبدأ الشورى في صورته التي ظهر فيها في التاريخ الاسلامي لايصمد امام الديمقراطية المعاصرة " فقد انحصرت الشورى في نخبة، كما انها لم تنقذ الاسلام من اول ازمة يواجهها حين ادت الشورى الصغرى الى مقتل الخليفة عثمان بن عفان وانشقاق صفوف المسلمين" (ص71).

نرى مما تقدم ان هذا الكتاب الصغير الحجم استطاع من خلاله المؤلف ان يكثف المعالجة لاشكالية العلاقة بين السلطة والمثقف والمجتمع عبر قراءة متأنية لطبيعة تشكل المجتمع العربي والإسلامي عبر تأريخه واستمرارية هذه الإشكالية الى يومنا هذا لاسيما بعد هيمنة التيارات الإسلامية والإيديولوجية احادية الرؤية وكأن حالة التماهي مع التاريخ لا بد وان تبقى مهيمنة على المجتمع العربي والإسلامي الذي يعيش حاضره وهو مشدود لماضيه ولا يفكر الا فيه وهذه ليست اشكالية المجتمع فقط وانما هي اشكالية السلطة والمثقف والمجتمع معا.

 

د. علي عبد الهادي المرهج

 

360 ميثم الجنابيلقد جرى طبع كتابي هذا بالتزامن مع كتابي الذي تناولته في الحلقة السابقة (فلسفة الاصلاحية الاسلامية الحديثة). ولم يتسن لي لحد الان تعريبه بصورة كاملة. اذ بقت الكثير من ابوابه وفصوله وما زالت مطبوعة باللغة الروسية فقط. وسوف اعرّبها حالما يتوفر الوقت.

يحتوي هذا الكتاب (عدد صفحاته 406 ص)، كما هو جلي من عنوانه، على ثلاثة محاور عامة، وهي قضية الحضارة الإسلامية، وإبداعها الثقافي بشكل عام وفي مجال العلوم النظرية بشكل خاص (علم الكلام والفلسفة والتصوف)، وقضايا الفكرة السياسية الإسلامية.

وهذا الكتاب هو مجموع اجزاء مقتطعة من مشروع سبق وان اقترحه علي احد المراكز الثقافية والدعم العلمي في روسيا لكي يكون "كتابا مدرسيا" للجامعات والمعاهد الروسية (كليات الفلسفة واقسام الثقافة والدين وما ينضوي تحتها أو يقترب منها). بمعنى اني كنت اخطط لنشره باللغة الروسية. واحتوى هذا المقترح أيضا على الدعم المادي والمعنوي الكامل للكتاب. إلا أن جملة من العوائق قد حالت وما تزال دون تنفيذه. غير أن الخطة وموادها في متناول يدي. وأملي في تسمح لي الحياة من إتمام هذا العمل الفلسفي الكبير من أجل أن يكون "كتابا مدرسيا" أيضا لاقسام الاختصاصات الاجتماعية والإنسانية والفلسفية منها بشكل خاص للجامعات والمعاهد العراقية (والعربية إن أمكن). وقد انجزت بعض اجزائه بصورة جزئية. والكتاب من خمسة اجزاء بأربعين بابا وأكثر من مائة وعشرين فصلا، اتناول فيها مختلف جوانب الحضارة الإسلامية وثقافتها في ميادينهما الاساسية.

والكتاب بطبعته الروسية الحالية يتكون من ثلاثة اقسام. القسم الأول وأتناول فيه أربعة محاور اساسية تتناول ماهية الحضارة الإسلامية؛ وصيرورتها الذاتية وخصائصها؛ ومرجعياتها الفكرية؛ واخير ما اعوه بالروح الثقافي الإسلامي.

أما القسم المتعلق بالثقافة، فقد تناولت فيه ثلاث مسائل كبرى، الاولى وتتعلق بإشكالية وجوانب فكرة الاعتدال وابعادها العقلانية في الثقافة الإسلامية كما جرى تناولها والجدل حولها في علم الكلام والفلسفة؛ وقضية "الحدود المتسامية للثقافة"؛ واشكالية العقل والايمان؛ والفلسفة والدين. كما تناولت فيه قضايا اليقضة العقلية والحدسية في الثقافة الفلسفية وعلاقتها بالحكمة التاريخية والثقافية؛ وأخيرا فلسفةالإنسان الكامل في التصوف.

أما القسم المتعلق بالسياسة، قد تناولت فيه ما ادعو بالمركزية الاسلامية، واشكالية القانون التاريخي ومنطق الثقافة؛ وتطور الفكرة السياسية الاسلامية؛ مع دراسة خاصة لأيديولوجية الإخوان المسلمين.

 

ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيان كتاب الفلسفة الإصلاحية الإسلامية هو الأول من بين خمسة كتب فلسفية صدرت لي باللغة الروسية مؤخرا. وطبع في موسكو (دار صدره)، أي ضمن السلسلة التي اشرت إليها في مقال سابق. والكتاب حسب مقياسي متوسط الحجم (عدد صفحاته 463 ص). والكتاب يتألف من خمسة أبواب (بأربعة عشر فصلا) اتناول فيها فلسفة الفكرة الإصلاحية الإسلامية نفسها، وليس تاريخ الفكرة وشخصياتها. وتناولت في الباب الأول تحليل قضايا الإرادة والعمل في الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، من خلال التركيز على قضايا "الاجبار الحضاري" ومفارقة وعي الذات الإسلامي بمختلف مستوياتها ومظاهرها. اما في الباب الثاني فقد تناولت مختلف جوانب ما ادعوه "بالإسلام الثقافي" من خلال التركيز على قضايا "الأنا الثقافية" و"الانتماء الثقافي" والكينونة الثقافية للفكرة الإسلامية وإشكاليات الفكرة السياسية والقومية. وتوسعت في تحليل هذه القضايا في الأبواب اللاحقة من خلال تناول مظاهرها وصيرورتها الفكرية التاريخية كما تجسدت في اشكاليات القومي والديني، والديني والثقافي، والثقافي والسياسي وغيرها. ثم تتبعت "المصير التاريخي" للفكرة الإصلاحية في صعودها وهبوطها، ومن ثم آفاقها واحتمالاتها الممكنة. اما الشخصيات الأساسية الممثلة للفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة أو ما يمكن دعوته بالصيغة الكلاسيكية الكبرى لها فهي كل من جلال الدين الافغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، ورشيد رضا. ولم ادرج في النص الروسي شخصيات اصلاحية اخرى ضمن سياق تناول هذه القضايا. لكنني ادرجتها ضمن الصيغة المعرّبة، التي ستصدر قريبا ضمن سلسلة (تحليل ونقد الفكر العربي الحديث والمعاصر)(بأربعة اجزاء).

واكتفي هنا بنشر مقدمة الكتاب التي يمكن من خلالها الاطلاع الأولي والفكري العام عن هذا الكتاب. وادناه الصورة الخارجية لغلاف الكتاب

 

المقدمة

355 ميثم الجنابيإن حقيقة الفكرة الإصلاحية جلية شأن الحقائق الكبرى، لكن حقائقها الصغرى غامضة، شأن الحقائق الصغرى. من هنا الاشتراك العام في الموقف من الفكرة الإصلاحية، باعتبارها عملا فاضلا وصالحا وضروريا. لكن حالما تأخذ الفكرة الإصلاحية مسارها في دهاليز الحياة وإشكالاتها الواقعية، أي حالما تكشف عن "حقائقها الصغرى" فأنها تبدو "غريبة الأطوار" ومخالفة "للعقل" والعقائد "المقدسة" وما شابه ذلك من أوصاف مغروسة في الوعي التقليدي. وفي هذا تكمن مفارقة الإقرار بضرورة الإصلاح من جهة، ومعارضته الدائمة في تاريخ الأمم والعقائد والأديان، من جهة أخرى.

فالفكرة الإصلاحية من حيث الجوهر هي دعوة وتأسيس لضرورة تقويم وتعديل "الاعوجاج" في حياة الأمم والعقائد (الدينية والدنيوية). بمعنى أنها تتطابق مع مضمون "الاستقامة" و"الطريق القويم" بوصفها الصيغة الرمزية والبيانية لإصلاح "الانحراف" و"الزيغ والضلال" عن "الأفكار الأولى" و"المثل السامية" و"الأصول". وبالتالي، فإن ظهور فكرة الاستقامة والطريق المستقيم تعادل معنى الثبات في طريق الحق والحقيقة. ومن ثم لا يعني الطريق المستقيم سوى طريق الحق وتاريخه. الأمر الذي جعل من "تاريخ الحق" على الدوام اشد أنواع الاستقامة اعوجاجا، لأنه يحتوي على كافة الممكنات والاحتمالات. وذلك لأن استقامة الحق والحقيقة متعرجة بسبب تعرجهما في مسار التاريخ الإنساني، بوصفه تاريخ المغامرة الحية للجبر والاختيار، او الإرادة الحرة والقدر الغائب في مشاريع المستقبل. وليس مصادفة أن يتوصل ابن سينا إلى القول، بأن كل ما هو عصي على البرهان يمكن رميه في حيز الإمكان، وأن يقول ابن عربي، بأن الاعوجاج في القوس هو عين الاستقامة فيه. وفيهما ومن خلالهما يمكن الوصول إلى ما يمكن دعوته بفكرة الاحتمال العقلي وفكرة البحث عن نسب تستجيب لحقائق الوجود كما هو، بوصفها الصيغة المثلى والأصل الثابت في وجود الأشياء كلها. فالجمال والحق والحقيقة هو بسبب ما فيهم من تناسق النسب الذاتية المثلى. ولكل نسبة مستوى يعادل معنى الاعتدال. والإصلاح في جوهره هو بحث عن الاعتدال الأمثل. من هنا نفوره من "الاعوجاج" وبحثه عن الأصول المثلى والمثل المتسامية، أي كل ما يمكنه تجاوز "الواقع السيئ" وتذليل مختلف أشكاله وألوانه.

من هنا احتواء الفكرة الإصلاحية دوما على معنى النقد والتعديل لمجرى الحياة والتفكير والعقائد بما يتطابق مع الحق والحقيقة. وذلك لأن معنى الأصول والمثل المتسامية يتطابق مع معاني النفي الضروري لأشكالها الجامدة والقاتلة للعقل والضمير. الأمر الذي جعل من الفكرة الإصلاحية على الدوام تتضمن نقد ونفي النزعة التقليدية السائدة واليابسة، التي تعادل معنى التحنيط والتمويت البطيء للحياة نفسها. وضمن هذا السياق يكون الإصلاح جزء ملازما للوجود، بوصفه حركة التجديد الدائم، أي الحالة الطبيعية للصيرورة التاريخية في حياة الأمم، كما لو انه يعبر عن الدورة الأبدية للوجود والعدم، أي لدراما الولادة والموت. وفي هذا تكمن "دورته" الخالدة، كما لو انه يمثل حقائق الوجود الكبرى عبر تمثلها وإعادة صياغتها بمرجعيات عامة، لعل أكثرها جوهرية هي مرجعية "الرجوع إلى الأصول" ومرجعية "البدائل المثلى". والصيغة الأولى مظهرها الرجوع للماضي بينما حقيقتها تقوم بالتوجه صوب المستقبل، بينما الثانية مظهرها التوجه صوب المستقبل، بينما حقيقتها تقوم في التمّثل النقدي للحاضر والماضي. وكلاهما وجهان ونمطان وأسلوبان يكمل احدهما الآخر بوصفهما مساع وتجارب متنوعة في فلسفة الإصلاح. فإذا كانت الفكرة الإصلاحية المحددة بمرجعيات "قديمة" لكنها "حديثة"، والتي عادة ما تميز الفكرة الإصلاحية الدينية، فإن الفكرة الإصلاحية الدنيوية عادة ما تتحدد بمرجعيات مستقبلية. وسبب التباين والاختلاف يكمن في أن الأولى محكومة بفكرة الأصول الأولى ومبدأ الرجوع إليها بوصفها أعمدة اليقين العاصمة من إمكانية الشطط والغلط، بينما الثانية محكومة بفكرة التجريب والاحتمال العقلي.

 وليس هذا التنوع العام في الواقع سوى الصيغة الظاهرية والمتنوعة لثنائية الإصلاح والثورة، والإصلاح والتجديد. كما أنها تحتوي على قدر الخلاف الكامن في كمية ونوعية الراديكالية الذائبة في فكرة الثورة والتجديد. فإذا كانت الصيغة الدينية هي الأكثر تأثيرا وفعالية في تاريخ الإصلاح، فإن السبب الجوهري يكمن في سيادة وفعالية الوعي التقليدي وهيمنة فكرة "المراجع المثلى" النصية والمؤنسنة، أي التي تتخذ هيئة الهيبة المتسامية سواء في "نص مقدس" او "إنسان مؤله". بمعنى أنها الصيغة التي كانت وما تزال وسوف تبقى ما لم يجر الانتقال النوعي للوعي الاجتماعي النظري والعملي إلى مصاف ما ادعوه بالمرحلة السياسية – الاقتصادية في حياة الأمم، أي المرحلة التي تنفي في ظهورها واستتبابها المراحل الثلاث الكبرى السابقة للتطور التاريخي وهي المرحلة العرقية – الثقافية، والمرحلة الثقافية – الدينية، والمرحلة الدينية – السياسية. فهو التطور والتحول النوعي الذي يكفل للعقل النظري والعملي التحرر من ثقل الماضي ومرجعياته، وبالتالي النظر إلى المستقبل بمعايير المستقبل، أي التحرر من إشكالية الماضي والمستقبل، بوصفها إشكالية متناقضة وعصية على الحل، صوب توليفهما الديناميكي في فكرة الاحتمال العقلاني والبدائل الإنسانية.

غير أن هذا لا يغير من حقيقة الفكرة الإصلاحية بوصفها فكرة التأسيس الدائم لحقوق العقل النظري والعملي في البحث عن حلول واقعية وعقلانية وإنسانية للمشاكل والإشكاليات التي تواجهها الأمم. الأمر الذي جعل من تاريخ الفكرة الإصلاحية على الدوام جزء من تجارب الكلّ الإنساني من جهة، وحلقات ومستويات ونماذج في التجارب الإنسانية الحرة، من جهة أخرى. والمقصود بذلك التجارب التي تدرك قيمة الحرية بوصفها تجربة لا يقيدها شيء غير إدراك قيمة الاحتمال والإمكان العقلية المجردة. وما عدا ذلك مجرد نصوص تاريخية و"فصوص" مجردة، بغض النظر عن دعاوي مصادرها. إذ لا مصدر فعلي للنصوص أيا كانت، ومهما أطلق عليه من صفات وألقاب، غير تجارب الأفراد والجماعات والأمم. بمعنى أنها نصوص زمنية، لا يجعل منها نصوصا تاريخية غير ما فيها من استعداد للتحقق فقط، وليس للتجسّد والتنفيذ و"بلوغ المرام". فهذه تجارب إضافية او جانبية على هامش تجارب التحقيق الفعلي للمفاهيم والقيم الحية. ذلك يعني أن حدّ وحقيقة الإصلاحية يقومان في تأسيس فكرة الاعتدال العقلي، بوصفها تجربة الحرية المتسامية، ومن ثم غير المتناهية بالنسبة لترميم هوية الوجود الإنساني في مجرى الصيرورة الأبدية للكون والفساد (الوجود والعدم). وما عداه هو إصلاح مزيف او إصلاح جزئي.

ولا يخلو تاريخ الإصلاحية الدينية من هذا التنوع الفعال. إذ تكشف تجارب الأمم والأديان عن صيغ متنوعة للإصلاح الحقيقي والإصلاح الزائف، الإصلاح الجزئي والإصلاح الشامل. ومن الممكن الاكتفاء هنا باستعراض فلسفي مكثف للتجارب الإصلاحية الإسلامية، دون الخوض بمقارنات تاريخية وفكرية بينها وبين تجارب الإصلاحيات الدينية الأخرى (النصرانية بشكل خاص) لثلاثة اعتبارات، الأول وهو ارتباط البحث بتجربة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، والثاني لملئ الفراغ الكبير في الدراسات العلمية والفلسفية المتخصصة، والثالث لكثرة وتنوع الدراسات المتخصصة بتاريخ وأفكار وشخصيات الإصلاحية الدينية النصرانية.

فمن حيث وسائلها وأساليبها وغاياتها تشترك النماذج الإصلاحية الدينية بأربع صفات كبرى وهي:

- وجود نص مقدس ومرجعيات عقائدية ملزمة،

- هيمنة التأويل في الموقف من هذه النصوص والعقائد،

- الرجوع إلى نموذج ماض بوصفه نموذجا مثاليا،

وانتشار مبادئ وقواعد نظرية وعملية يجري اختزالها بمفاهيم الرجوع والتطهير والعديل والتصحيح. وعادة ما تدور هذه المفاهيم وتتجسد بالدعوة للرجوع إلى الأصول، وتطهير الوعي والسلوك العملي مما لصق بها من حراشف وتحريف، وبالتالي تعديلها بإرجاعها إلى حقيقتها الأولية، وأخيرا تصحيح الأخلاق والقيم.

أما من حيث مقوماتها وشروط عملها، فإن الإصلاحيات الدينية تشترك أيضا بأربع حقائق كبرى أساسية وهي: 

- كل حركة إصلاحية هي حركة تاريخية لها مقدماتها الخاصة ووسائلها العملية والعلمية وغاياتها المحددة،

- إنها وثيقة الارتباط بالحالة السياسية "القومية"،

- كل حركة إصلاحية هي حركة ثقافية،

- لكل حركة إصلاحية منطقها الثقافي والروحي الخاص

وتعطي هذه الحقائق الكبرى للحركات الإصلاحية وتأسيسها الفكري والفلسفي أنماطا وأبعادا غاية في التنوع والاختلاف، أي لكل منها خصوصيته وأصالته وفرادته.

أما الحصيلة العامة لتفاعل كل من هذه الوسائل والأساليب والغايات والمقومات التاريخية للإصلاحية الدينية، فإنها عادة ما تؤدي، من حيث منطقها الذاتي والاحتمال الكامن فيها، إلى الانتقال من سماء اللاهوت إلى ارض التاريخ الفعلي. ذلك يعني إنها تمثل حالة الانتقال من اللاهوت إلى السياسة، ومن زمن النصوص المقدسة إلى تاريخ البدائل الواقعية.

 ولا يشذ المنطق الذاتي للإصلاحية الإسلامية والاحتمال الكامن فيها من أثره الفعال بالنسبة لتمهيد وتأسيس حالة الانتقال من سماء اللاهوت إلى ارض التاريخ الفعلي. غير أن لهذه الحالة تاريخها وتقاليدها الخاصة. والمهمة المطروحة الآن لا تقوم في مقارنة الماضي بالحاضر، بقدر ما تقوم في رسم الصورة العامة لتقاليد الفكرة الإصلاحية، من اجل رؤية النوعية الخاصة للإصلاحية الإسلامية الحديثة. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الاحتمال الكامن فيها مازال يحتوي على إمكانيات مختلفة، لكنها تبقى في نهاية المطاف جزءا فعالا فيما ادعوه بصيرورة المركزية الإسلامية الحديثة بوصفها صيرورة ثقافية وسياسية لم تكتمل بعد.

لقد أبدع التاريخ الإسلامي مدارسه وأنماطه ونماذجه المتنوعة عن فكرة الإصلاح. وهذه جميعا بدورها وثيقة الارتباط بالعقائد الإسلامية الكبرى المتعلقة بالوحدانية والأمة والجماعة. الأمر الذي جعل من العقيدة الإسلامية الأولية العامة مصدر الفكرة النظرية والعملية للسلطة والدولة والمجتمع والأمة. مع ما ترتب عليه من بلورة تقاليد خاصة عن فقه الدولة والمجتمع والفرد.

إذ كان الدور والأثر الكامن للإسلام الأول يقترب، بمعايير التاريخ الواقعي آنذاك، من فكرة "الإصلاح الثوري" او "الثورة الإصلاحية" الشاملة. وفي هذا تكمن خصوصيته بهذا الصدد. فقد احتوى بقدر واحد على إدراك قيمة الإصلاح الشامل، وفي الوقت نفسه بقي ضمن إطار الرؤية المعتدلة. بحيث تحولت فكرة الاعتدال إلى عصب العقيدة الإسلامية الأولى سواء بمعناها الإيماني (الديني) أو السياسي. وبهذا يكون قد وضع أسس الفكرة الإصلاحية (العملية) بوصفها حقا وواجبا بقدر واحد. وبلور بصورة أولية مبادئها الكبرى وغاياتها في مفاهيم وحدة الجماعة والأمة حول أركان الإيمان الإسلامي (العقيدة الإسلامية). وبهذا يكون قد أرسى أسس الوحدة الاجتماعية والأخلاقية والروحية والمادية الشاملة، بوصفها واحدية إسلامية، مبدأها الأول وغايتها: الوحدانية. أما نموذجها العملي ففي فكرة "الأمة الوسط".

وإذا كانت هذه العقائد العامة تكمن في أعماق الفكرة الإسلامية الأولى (المحمدية)، فإنها برزت للوجود بوصفها احتمالا تاريخيا وواقعا جديدا بعد موت النبي محمد. بعبارة أخرى، إن انتهاء مرحلة النبوة كانت البداية الأولية للتاريخ السياسي. مع ما ترتب عليه من حالة الانتقال من نموذج "الوحي المقدس" إلى نموذج الاجتهاد الواقعي. ووجد ذلك انعكاسه الأولي في ظهور فكرة الخلافة ونماذجها العملية من حيث الأسلوب والإدارة والنتائج، بما في ذلك فيما اصطلح عليه لاحقا بعبارة "خلافة الراشدين". لقد كشف ذلك عن أن فكرة الخلافة كانت تعادل ما يمكن دعوته بديناميكية الإصلاح وحدودها في الاجتهاد السياسي الجديد، أي فكرة الاجتهاد في بناء الدولة ومؤسساتها، بوصفها صيغة واعية لإشكاليات العقائد العملية ودراما التاريخ الفعلي. ومن الممكن رؤية ذلك على مثال تطور بنية السلطة ونظامها السياسي في تلك الحلقات المتعرجة والمتدرجة كما جرت أولا في حالة طارئة (انتخاب أبو بكر) ثم إلى تنصيب في حالة (عمر بن الخطاب) ثم إلى شورى (وانتخاب عثمان بن عفان) ثم إلى ثورة (جاءت بعلي بن أبي طالب للحكم).

لقد كانت فكرة الخلفاء الراشدين تعادل فكرة الاسترشاد بنموذج النبوة ولكن عبر الاجتهاد العملي الجديد في مواجهة إشكاليات الدولة والأمة الناشئتين، بوصفهما دولة وأمة خلافة، او إمبراطورية إسلامية. من هنا تزاوج الفكرة السياسية والأخلاقية بوصفها نموذجا وليس مرحلة عابرة. الأمر الذي يفسر هيمنة فكرة الروح الأخلاقي الورع للتجسد السياسي، بوصفه الصيغة النموذجية للسياسة والأخلاق العملية. من هنا خلو السياسة آنذاك من اللاهوت، بوصفه مرجعية. وليس مصادفة أن تكون بداية اللاهوت السياسي زمن عثمان، بمعنى إدخال الله طرفا في الصراع بين المسلمين، بينما كان زمن محمد هو طرف في الصراع ضد الوثنية والجاهلية العربية. وترتب على ذلك حالة وممارسة التوظيف السياسي للدين، التي كانت في الوقت نفسه بداية وباعث الانتفاض والثورة الإسلامية الأولى. وهي الحالة التي ميزت في وقت لاحق كل بواعث وأساليب وغايات الثورة والإصلاح العلني والمستتر اللذين سادا في تاريخ الإسلام.

فقد لازم انتهاء مرحلة "خلافة الراشدين" انتهاء فكرة الرشد والرشيد والمرشد (بوصفها فكرة سياسية وأخلاقية). وبأثرها ظهرت فكرة الخلافة والملك، أي ظهور إشكالية المثال والواقع. من هنا انتشار ومطابقة فكرة الورع الأخلاقي مع فكرة الاحتجاج والإصلاح في موقفها من "الانحراف" التاريخي الهائل عن نموذج "خلافة الراشدين"، الذي وضعت الأموية أسسه الأولية. فقد احتوت فكرة الورع الأولية من حيث همومها وغاياتها العملية (السياسية) على موازاة فعلية لوحدة المصلحة والضرورة او الرقابة الخفية للنفس الإصلاحية. وفيها كانت تنعكس دراما التاريخ السياسي وبدايته في الوقت نفسه. وذلك لأن النموذج الأموي "للخلافة" كان بحد ذاته "انحرافا تاريخيا" شاملا عن مثال "خلافة الراشدين". إذ استبدل فكرة الإرشاد والمرشد بفكرة الإجبار والجّبار، بحيث وجد ذلك انعكاسه النموذجي في تصنيع أيديولوجيا الجبر بوصفها "حقيقة الإسلام".

لكن انكسار فكرة الخلافة الأولية وانهيار "رشدها" العقلي – الأخلاقي أمام القوة قد أدى إلى صعود قوة الخيال المبدع في استعادة الرشد والمرشد وتراكمها اللاحق في العقل التاريخي والثقافي بفكرة الرجوع إلى الأصول. ولم يكن ذلك أمرا اصطناعيا. فقد كان لفكرة الرجوع إلى الأصول ست مقدمات كبرى في الإسلام وهي كل من أعمدة الإيمان، وعقائد الإسلام، وفكرة الخلافة الراشدية (تاريخ الدولة ونظامها السياسي)، ومنظومة الأخلاق النظرية والعملية (الآداب)، ومرجعيات الروح الثقافي الإسلامي الكبرى. وتراكمت هذه المقدمات بدورها وأطرّت بمفاهيم ومعايير وقواعد في مجرى صراع ظاهري وباطني مرير وعلى امتداد القرن الأول الهجري. وساهمت فيه شخصيات فردية وفرق سياسية ومذهبية وكلامية وفلسفية. ومن الممكن رؤية صداه في كل تلك الكمية الهائلة من الخلافات النظرية والعملية المتعلقة بماهية الدين، والإيمان والإسلام، والمسلم والمؤمن، والفاسق والكافر، والجبر والاختيار، والفاضل والمفضول، والإمامة، والجماعة، والأمة، وتقييم الخلفاء، والرواية والدراية، والتقليد والاجتهاد، والآثار والعلم، ومئات غيرها مما كان يدور ويتمحور حول تأسيس أصول مجمع عليها، او مرجعيات متسامية كبرى.

وشاركت في ظاهرة التأسيس النظري والعملي لفكرة الرجوع إلى الأصول تيارات وفرق متنوعة ومختلفة من شيعة وخوارج ومرجئة ومعتزلة (قدرية) وجبرية وحشوية وعلماء لغة وقرآن، وشعراء وأدباء، ومؤرخون ومتكلمون وفلاسفة وفقهاء وزهاد، باختصار كل شخصيات الروح الثقافي الأوائل. وكان الرجوع (إلى الأصول) في بداية أمره مبسطا، لأنه كان جزئيا ومباشرا. مما حدد بدوره جزئية الفكرة الإصلاحية. ومن الممكن رؤية ذلك في نوعية الشعارات الكبرى الداعية للإصلاح، كما هو جلي في شعار الخوارج وفكرتهم الموضوعة في عبارة "لا حكم إلا لله"، وشعار الشيعة الأول عن "الأخذ بالثأر" وفكرة النص والعصمة، وفكرة المرجئة عن النية، وفكرة القدرية والجبرية عن العلاقة المباشرة بين الله والإنسان، وفكرة المعتزلة عن الإرادة العقلية للإنسان، وفكرة الاشعرية عن الجماعة والحق، وفكرة الفقهاء عن أولوية الشريعة (القانون)، وأفكار الفلاسفة عن جوهرية العقل والحكمة، وفكرة المتصوفة عن تربية الإرادة والسمو الروحي. واحتوى هذا التراكم للأفكار والشعارات بحد ذاته على تجمع عناصر الإصلاح الشامل من خلال إعلاء الوسائل او إشراكها الضروري بوصفها أدوات ووسائل ضرورية للغاية الكبرى القائمة بإسعاد البشر (السعادة).

وبلورت هذه الشعارات المفاهيم الجوهرية للرؤية الإصلاحية، من خلال إعلاء فكرة العمل الظاهري بوصفه محك الإيمان (عند الخوارج)، وفكرة اليقين والعدالة (عند الشيعة)، وفكرة الإخلاص الروحي (عند المرجئة)، وفكرة العقل والإرادة العقلية (عند المعتزلة)، وفكرة الجماعة والحق (عند الأشعرية)، وفكرة الحق والقانون (عند الفقهاء)، وفكرة العقل والحكمة النظرية والعملية بوصفها اجتهادا تاما وتنسيقا لعلاقة العقل وموقفه من كافة قضايا ومظاهر الوجود (اعند الفلاسفة)، وفكرة الشريعة والطريقة والحقيقة (عند الصوفية) بوصفها توليفا لتقاليد الكلام العقلي والفقه المجتهد والعقل الفلسفي.

وتداخلت هذه الأفكار وتشابكت في مجرى صيرورة الثقافة الإسلامية. فالفكرة والشعار المركزي للاتجاهات والمدارس الكبرى كانت تتفاعل بالضرورة في مجرى الجدل العقلي وتبحث في الوقت نفسه عن "مخارج" عملية للقضايا التي كان يواجهها الفرد (المسلم) والجماعة والأمة. بمعنى إننا نقف أيضا أمام تنوع وتداخل في رؤية الأساليب الضرورية للتغيير والإصلاح والثورة، مثل الأسلوب السياسي العسكري (عند الخوارج والشيعة)، والسياسي الفكري (عند القدرية والجبرية)، والفكري السياسي (عند المعتزلة)، والفكري العقائدي (عند الأشعرية)، والقانوني الشرعي (عند الفقهاء)، والعقلي البرهاني (عند الفلاسفة) والروحي الفردي العملي (عند المتصوفة).

أما الحصيلة المرجعية لكل هذا التنوع والاختلاف فقد وجدت تعبيرها وصيغتها العامة في الفكرة القائلة، بضرورة الإصلاح بوصفه حركة دورية (أي دائمة)، وضرورة تمثلها في "فرقة ناجية". وضمن هذه المرجعية الفكرية الكبرى للإصلاح، تبلورت مختلف التيارات الإصلاحية وفعلت ضمن تاريخ الإسلام القديم والحديث.

وقد كانت فكرة الإصلاح الدوري (المئوي) وثيقة الارتباط بالفكرة الإسلامية عن "الخلق الدائم"، بوصفها الصفة الجوهرية للذات الإلهية، كما بلورتها تقاليد الكلام والفلسفة والتصوف. بمعنى تبلور الفكرة المرجعية القائلة "بالخلق الدائم" للذات الإلهية بوصفها "الفكرة المثلى" للإبداع الحر الدائم. أما تجسيده الزمني (التاريخي) فقد حصل على انعكاسه النظري في الحديث القائل، بأن "الله يبعث لهذه الأمة من يجدد لها الدين كل مائة عام". بعبارة أخرى، إن الإصلاح الدوري المئوي هو التعبير الفكري والروحي عن ضرورة الإصلاح الدائم. وبالتالي ضرورة أن تجدد الأمة وتصلح حالها كل مائة عام. وشأن كل فكرة من هذا القبيل، فقد جرى تأويلها المتحزب، كما هو الحال بالنسبة لفكرة "الفرقة الناجية"، أي "فرقة الحق". وقد كان للتيارات "السنية" نصيبها الأكبر في التأويل المتحزب، بحيث أدرجت في "المجددين" شخصيات مختلفة كالشافعي وابن حنبل والأشعري والباقلاني وأمثالهم، وابن تيمية وأمثاله، وحتى محمد بن عبد الوهاب، بوصفه "مصلح الأمة" عند تخوم القرن الثاني عشر الهجري!! بينما لا يرتقي أفضل هذه الشخصيات (كالشافعي والأشعري وأمثالهم) إلى مصاف الإصلاحية الجزئية. أما البقية الباقية (وبالأخص ممثلو التيارات الحنبلية) فإنها مناهضة ومعادية لحقيقة الإصلاح، وفكرة الإصلاح، ومفهوم الإصلاح، ومعنى الإصلاح.

أما الفرقة الناجية، فهي الصيغة العامة التي تحتوي في احد جوانبها على تمثيل فكرة الحق. وبالتالي إمكانية تمثلها لفكرة الرجوع الدائم إلى الأصول، ومن ثم تمثيل مضمون الفكرة الإصلاحية. لاسيما وأن صيغتها العملية والنفسية تتمثل معنى "الغرابة" من خلال مطابقته مع "غرابة" الإسلام الأول في صراعه مع الوثنية. الأمر الذي وجد انعكاسه في الفكرة القائلة، بان الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ. فطوبى للغرباء! بمعنى الظهور الجديد والمتجدد للإسلام في مواجهة مختلف مظاهر "الانحراف" عن حقيقته الأولى. وبالتالي، فان الرجوع إلى أصوله الأولية يعني إصلاح الحاضر.

 وبغض النظر عما تعرضت إليه هذه الفكرة من تأويل متحزب، شأن كل فكرة كبرى في الثقافة العقائدية الدينية، فأنها أرست مع ذلك، الإقرار النسبي العام بضرورة الإصلاح وتمّثله وحق تمثيله. بينما كشفت التجارب الإصلاحية المتنوعة في تاريخ الإسلام، بأن الإصلاح الحقيقي والمستقبلي، كان بإمكانه أن يحدث بهيئة تعبير فكري روحي كما هو الحال عند التيار العقلي الخالص (المعتزلة) والفلسفي الخالص (إخوان الصفا والفلاسفة جميعا) والتوليفي الفلسفي الصوفي (الغزالي) والفلسفي العقلي الروحي (عند ابن عربي). ففي هذه التيارات كان يمكن تذليل التجزئة، والتعبير الأكثر تجانسا عن منطق الوحدانية في العلم والعمل، وانتزاع الغائية من عالمها الديني الإيماني وإدخالها في العقل التجريبي والعقل العملي (العقل المستفاد والعقل الفعال)، وإمكانية توليف جميع الاتجاهات على أسس ومبادئ فكرية متوحدة (منظومة) كما هو الحال عند الغزالي. وما عدا ذلك لم تكن نماذج "الرجوع إلى الأصول" سوى انغماسا في سلفية متشددة هي عين العداء لحقيقة الإصلاح، كما نعثر عليه على تعبيرها وانعكاسها "الكلاسيكي" في الحنبليات السابقة واللاحقة، كما هو جلي على مثال ابن تيمية، بوصفه ممثل التيار الخالص للرجوع العقائدي الإيماني، وتكملته الهمجية في الوهابية الأولية والوهابية المحدثة (مختلف السلفيات المتشددة).

فقد كشفت هذه الحالة عن حقيقة كبرى تقول، بأن الإصلاح الحقيقي الكبير هو ليس مجرد رجوع إلى الأصول، بل وتمثلا مبدعا لها بمفاهيم ومعايير الرؤية المستقبلية. فقد كانت الحنبليات المتشددة في دعوتها للرجوع إلى الأصول، بعد اندثار المراكز الثقافية الكبرى للحضارة الإسلامية (بغداد ودمشق والأندلس والقاهرة) محكومة منذ الولادة بالموت. الأمر الذي أدى إلى أن يصبح الوجود الإسلامي في كل مكان هامشيا أو "اطرافيا". وبالتالي استحالة بلورة أفكار كبرى للإصلاح قادرة على تمثل تاريخ المركزية الثقافية الإسلامية. أما السلطنة العثمانية، فقد كانت إمبراطورية الجسد لا الروح. وبالتالي لا علاقة لها بتاريخ الروح الثقافي الإسلامي. وقد أدى هيمنتها لقرون عديدة إلى استنزاف وضمور الروح العقلي المبدع في التاريخ الإسلامي، وانغلاق أية إمكانية للإصلاح الذاتي. لكن ذلك لم ينف إرهاصات جزئية متناثرة في التاريخ الإسلامي على امتداد القرنين الأخيرين قبل انهيارها، بوصفها تراكمات جزئية ومبعثرة للفكرة الإصلاحية، قبل أن تظهر بوضوح بوادر الإصلاحية الإسلامية الحديثة. مما حدد بدوره خصوصيتها بوصفها حصيلة تاريخ إصلاحي ديني ودنيوي، "إسلامي" وأوربي، أي انه يحتوي في ذاته على وحدة التاريخ والحداثة، القومي الاممي، العقلي والنقلي. أنها تمثلت تقاليد الاعتزال والفكر الفلسفي والروحية الصوفية ومدارس الفقه العقلية كما هو جلي في أفكار وأعمال شخصياتها الكبرى كالأفغاني ومحمد عبده والكواكبي ومختلف الشخصيات الفرعية (مثل رفيق العظم وشكيب ارسلان، وشخصيات عالقة مثل رشيد رضا، وأخرى طارئة مثل علي عبد الرازق). لكن مفارقة هذه الظاهرة تقوم في أن الصورة البيانية لظهور الشخصيات الإصلاحية الإسلامية المشار إليها أعلاه تعكس مسار الانحدار أكثر مما تعكس تطور الفكرة الإصلاحية الإسلامية. والسبب يقوم في أن الإصلاحية الإسلامية الحديثة لم تجسد ولم تحقق أفكارها العامة. بمعنى أنها لم تندثر في سماد الصيرورة التاريخية للإصلاح الحقيقي الشامل.

أما المسار اللاحق "للعالم الإسلامي" قد كان في اغلبه نتاجا للهيمنة الخارجية (الكولونيالية)، أي انه ليس مسارا تلقائيا. من هنا طابعه التقليدي. بينما يفترض الإصلاح الحقيقي والفعلي أن يكون "طبيعيا" بالضرورة، أي نتاج المسار الطبيعي لتطور الأمم وإنتاج خيالها المبدع.

من هنا قيمة التحليل النقدي للفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، لأنها الوحيدة الأصيلة، بما في ذلك من حيث مقارنتها بالتيارات الدنيوية العديدة. فإذا كان سبب فشلها النسبي جلي في عدم تحولها إلى بؤرة مركزية للإصلاح العملي اللاحق، فإن وجودها وأثرها التاريخي يقوم في وضعها لبنات الأسس النظرية والروحية الأولية لصيرورة المركزية الإسلامية الحديثة، بوصفها المرحلة الضرورية للانتقال من مصاف الوعي الديني اللاهوتي السياسي إلى مصاف الوعي السياسي الثقافي المتحرر من ثقل اللاهوت والتدين المتحزب والمفتعل. وفي هذا تكمن قيمتها الحية والكبرى سواء بمعايير العبرة التاريخية او الرؤية المستقبلية، وبالأخص في مواجهة تقاليد الحنبليات المتشددة بمختلف تياراتها القديمة والمعاصرة، وبالأخص ما ادعوه بالوهابية المحدثة، بوصفها أيديولوجيا غسل الأدمغة التائهة وغسيل الأموال المنهوبة (البترودولار) من خزائن الطبيعة والأمم عبر "تزكيتها" في بنوك المراكز الكولونيالية و"الصليبية" التي تدعي محاربتها! أما في الواقع فإنها لا تتعدى كونها "زكاة" نفعية للإبقاء على الأوضاع القائمة كما هي. ومن ثم تشكل الاستمرار الفعلي في محاربة الفكرة الإصلاحية بشكل عام والإسلامية بشكل خاص، القديمة منها والحديثة.

إن "خاتمة" الإصلاحية الإسلامية لم تنته بعد! ومن ثم فهي تبقى جزء من الاحتمال التاريخي الأكبر للفكرة الإصلاحية (الدينية والدنيوية) في العالم الإسلامي ككل. بمعنى أنها مازالت تحتمل إمكانية التوليف النظري والعملي بغيرها من تجارب الإصلاح الحديث. وبالتالي إمكانية توليف تجارب الفلسفات الإصلاحية القائلة والفاعلة بأسلوب الرجوع للماضي (كما هو الحال بالنسبة للإصلاحية الإسلامية)، والإصلاحيات القائلة بأسلوب السير نحو المستقبل. وذلك لأنهما كلاهما يمثلان بأشكال متنوعة فلسفة الاحتمال والتجريب النقدي للبدائل العقلانية الإنسانية. كما إنهما كلاهما يقفان بالضد من مطابقة فكرة الرجوع إلى السلف مع فكرة الإصلاح. وكلاهما يدركان حقيقة الإصلاح بوصفها فكرة مستقبلية، وان مفهوم الإصلاح مفهوم نقدي يدرك الخلل الجوهري ويسعى لإصلاحه بمعاييرها (الرؤية والفكرة المستقبلية). كما إنهما كلاهما لا يتعارضان مع حقيقة الفكرة القومية. إذ توصلت الإصلاحية الإسلامية الحديثة إلى أن لكل قومية "إسلامية" تاريخها النسبي والجزئي في الفكرة الإصلاحية. وذلك بسبب خصوصية الفكرة القومية في العالم المعاصر، التي تجعل من مرور الأمم بدهاليز التطور الذاتي أمرا شبه حتميا بسبب اختلاف وتنوع تقاليدهم السياسية ومستوى تطورهم الاجتماعي ونوعية الإشكالات التي تواجهها على صعيد بناء الدولة والأمة والثقافة. وبالتالي الإقرار بفكرة التعددية (القومية) دون وضعها بموضع التضاد مع فكرة "الوحدة الإسلامية" او "المصالح الإسلامية العامة". 

غير أن لهذا الخاتمة المنطقية منطقها المعقد في الروح والجسد الفردي والاجتماعي والقومي و"الإسلامي". والقيمة الحيوية للفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة بهذا الصدد تقوم في أنها حاولت التدليل، متأثرة بتيارات الفكر العقلاني والإنساني الإسلامي والعالمي، على أن الإدراك الخالص للحقيقة يفترض الإخلاص لها، أي التجرد المادي والمعنوي والروحي والأخلاقي، بمعنى الارتقاء على الجسد ورميه تحت أقدام الحدس الروحي، بوصفها المقدمة الضرورية لكل إبداع حق.

 

ا. د. ميثم الجنابي