 كتب وإصدارات

هؤلاء في حياتي (٩): موحان معدي.. الفقير الذي يساعد الفقراء

salim alhasaniمع اشتداد الأحداث وتزايد حدة المواجهة مع النظام البعثي في نهايات عام ١٩٧٩ وبدايات عام ١٩٨٠، كان واضحاً أن الأمور في طريقها الى المزيد من التصاعد، وقد صمم (موحان) على المضي بطريق الشهادة، فراح يودّع بعض أصدقائه المقربين الوداع الأخير. وفي يوم اتصل هاتفياً بالصديق العزيز (طه الأميري/ أبو هاني) يطلب منه لقاءه في متنزه ١٤ تموز في الكاظمية. وفي الموعد المحدد، وصل (موحان) مع عديله الشهيد (مهدي عيسى) على دراجة نارية، وجلس الأصدقاء الثلاثة على شاطئ دجلة.

كانت مفاجأة (طه الأميري) أنه رأى صديقيه على غير عادتهما المألوفة، ولم يكن (موحان) صاحب الابتسامة والنكتة التي يبثها في أجواء الأصدقاء فتغطي القلوب بالوداعة، لقد طلب اللقاء ليودع صديقه (الأميري) ببراءة الذمة، وهو سلوك عادة ما يقدم عليه الأصدقاء فيما بينهم حين يتوقع أحدهم أنه مقدم على الموت أو على المجهول. وكذلك فعل الشهيد (مهدي عيسى).

وقد ترك الموقف أثره في نفس (الأميري) فقد كان صديقه المقرب، وهو الذي رعاه لسنوات عديدة، ورتّب ارتباطه التنظيمي مع الشيخ الشهيد (عبد الجبار البصري).

...

لكن الحقيقة أن هذا الأمر كان طبيعياً لشخصية استثنائية، مثل (موحان معدي النصّاري)، فقبل ذلك بسنوات عديدة تزيد على عقد من الزمن أي في نهاية الستينات، كان يقضي معظم وقته مع الأصدقاء، ينتقيهم بعناية خاصة، ويشرف على إعدادهم ثقافياً، وقد كان السيد محمد الحيدري يترك له مفتاح جامع الخلاني، فيقضي عدة ساعات من الليل مع مجموعة مختارة من الشباب، ليدخل معهم في أحاديث ثقافية إسلامية، ويشجعهم على القراءة والقاء المحاضرات وخوض الحوارات.

وكان وهو الفقير أيامذاك، يستضيف أصدقاءه ويتعرف على أصدقاء جدد، فيدعوهم الى أحد المقاهي قرب ساحة الطيران، ثم يطلب لهم العشاء على نفقته، حتى أثقلته الديون، من دون أن يشعروا بذلك. فأخلاقه وطيبة نفسه وانسانيته ورساليته، تجعل المال شيئاً تافهاً بالنسبة له، وهو كذلك فعلاً لمن يحمل كبيراً.

كان (موحان) يعيش رسالة التغيير، ويطبّق في حياته بشكل دقيق مفاهيم حزب الدعوة (كيف نجعل الدعوة همنا الدائم) وقد فعل ذلك عملاً لا قولاً.

المال عند (موحان) لخدمة الآخرين، لمساعدة الفقير، لتوفير مستلزمات العمل الإسلامي المعارض ضد نظام الظلم البعثي، وما عدا ذلك فهو مجرد أوراق تافهة لا قيمة لها، إن تراكمت في جيبه، فأنها ستلوث روحه الصافية، ستجعله كاذباً وهو يحدث الناس عن مساعدة الفقراء، سيكون مزدوجاً وهو يتحدث عن الجهاد والكفاح والإيمان ومفاهيم الإسلام، وليس (موحان) الذي يرضى لنفسه أن يكون كذلك، كان (موحان) هو الصادق مع نفسه قبل صدقه مع الآخرين، وكان الملتزم بقلبه قبل أن تلتزم جوارحه بالركوع والسجود.

...

كنت أسير معه ذات يوم ربيعي في الأعظمية، وحين بلغنا منطقة راس الحواش، استوقفني محل لبيع الملابس، ودخلنا المحل، فاشتريت قميصاً، وأشترى هو قميصاً مثله، فقلت له مازحاً:

ـ أنت لا ترتدي هذا النوع، هل تريد ان تغيّر مظهرك؟

فأجاب اشتريته لأهديه لشاب فقير، وذكر أن ما نقرأه عن الأئمة عليهم السلام، يجب أن نطبقه على أنفسنا. وكانت كلماته صادرة من القلب، فهزتني لحظتها، وقلت له خذ قميصي لشخص يحتاجه، فقال:

ـ أعطه أنت لمن تعرفه فقيراً حتى توثق أخوّتك به.

كانت المبادئ والقيم تنطلق منه بدون تفكير، تنساب على لسانه، لأنه يعيشها بوجدانه، فتصل السامع عبر القلب مباشرة.

وقد لاحظت أن الذين تربّوا في مدرسة (موحان) وأشرف على تنظيمهم الحزبي، قد ترك فيهم قدراً من صفاته، فما كان يتحدث فيه بالحلقة الحزبية، كان مشهوداً على سلوكه وتصرفاته ومواقفه.

في عصر يوم كان يقوم بتدريسي كتاب (النحو الواضح) في جامع الشريف الرضي، فدخل رجل يحمل شريط كاسيت من نوع (فيلبس) يعرضه على الحاضرين لبيعه، ولا يجد من يشتري، فسارع (موحان) الى القول له:

ـ إي، الحمد لله، الله جابك، أنا اشتريه.

ولم يكن يحتاجه، لكنه أراد ان يحفظ كرامة الرجل الفقير.

للحديث تتمة عن الشهيد موحان معدي.

 

سليم الحسني

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

لكم جزيل الشكر على هذه الالتفاتات الدقيقة عن حياة والدي
جزاكم الله خيرا

وسام موحان مهدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3966 المصادف: 2017-07-15 05:36:25