 كتب وإصدارات

عبد الغفار العطوي ناقدا وكاتبا وباحثا.. الكتابة في الوجود

سأتكلم عن الاصدارات الثلاثة للناقد والكاتب والباحث العراقي الاستاذ الصديق عبد الغفار العطوي وهي على التوالي: في النقد النسوي صناعة القارئ في السرد النسوي العربي المعاصر عن دار ضفاف للنشر الشارقة 2016 وفي الكتابة التحدث مع الرواية عن دار امل الجديدة سوريا 2017 وفي البحث البعد الثقافي في الإسلام في المفاهيم التأسيسية عن دار سطور للنشر بغداد، والعطوي هو الذي تصدى للكتابة عنا نحن أدباء مدينته وتجاوزها الى معظم الادباء العراقيين البارزين ووصلت كتابته عن بعض الروائيات والروائيين العرب في الوطن العربي، وإني اود التوقف عند محطات إبداعاته واجتهاداته فيما يتعلق بهذه الاصدارات الاخيرة بالذات لأنها تبين أمرين يجب تسليط الضوء عليهما فيما يخس اهتمامات العطوي يسيران بتواز غير منظور في مسيرته الكتابية

إنه يكتب في الخطاب الديني، ويطرح موضوعات شائكة في الفكر الإسلامي مثل المستقبل من وجهة نظر اسلامية و(نحن والمهدي) وفي الوقت نفسه يثابر على غربلة المنجز الادبي، وهذه ظاهرة تستحق عندها، فقلما جمعت شخصية ثقافية بين هذيت الامرين، طبعا هناك (محمد عبده) في رسائله الى تولستوي و(سيد قطب) الذي ابتدأ ناقدا أدبياً وانتهى مفكرا دينيا، أما العقاد فلم يخض في الفكر الآسلامي وإنما كتب عن شخصيات اسلامية، وكذلك (طه حسين) أما في العراق فلا تحضرني شخصية دينية او ثقافية خاضت في هذين المجالين معا، لعل طبيعة العراقيين التي تميل الى التزمت والتوجس تجعلها اكثر تحفظا في الخوض في هكذا مجالات دفعة واحدة، فتراها تأخذ مجالا واحدا

إن العطوي كان أمينا في نقده للنصوص بإتخاذه (النقد الثقافي) منهجا، وإن النقد الثقافي في ابسط مفاهيمه : ليس بحثا او تنقيبا في الثقافى، إنما بحث في أنساقها المضمرة ومشكلاتها المركبة والمعقدة، أقصد في ذلك (النقد الثقافي) في السرد، ففي موضوع النص بوصفه ايقونة ثقافية والانتقال بالنص الى الخطاب ورصد التغيرات الحاصلة في كسر الفواصل التعددية في النقد، فكان امينا بتسليط الضوء على النصوص بوصفها نسقا ثقافيا يؤدي وظيفة ما

إن منحى العطوي في دراسته للسرديات شكل في الآونة الاخيرة تصاعدا في منهجه الثقافي، حيث أخذ في الكتابة عن نصوص متماثلة تربطها موضوعات مشتركة (ثقافة الجسد) و(القارئ في السرد) أما كتابه (صناعة القارئفي السرد النسوي) فيأخذنا الى عوالم القارئات وسنقرأ في فصوله الاربعة عن المرأة | الكاتبة ــ القارئة المتلقية الا وهي المرأة الكاتبة والراوية والنسوة من الشخصيات الروائية اللواتي يقمن بدور شهرزاد، قارئات يقرأن بمجهوداتهن بهمة انتقلت إليهن من شهرزاد، فالاستاذ عبد الغفار العطوي يدفع اتجاه القارئ كطرف سترايجي في العملية الابداعية وهو يسوغ مفهوم كاديمير(أن لا فرق بين القراءة والكتابة)مادام الاستهلاك واحدا،أي إن الكاتب (ة) لا تكتب الا لتقرأ،و يتعامل مع الكاتبات كونهن يتمتعن بذوات يشعرن بعالمهن ولأن القراءة تجعلنا جميعا من كل الاوجه إنسانيين، ففي الفصل الاول وضع الكاتبات السعوديات (زينب حفني وبتول مصطفى ورجاء الصانع) قارئات متشظيات يختزلن عوالمهن في عوالم الروايات والشخصيات وهن يتشظين على شكل اطار فسيفسائي في سلسلة من الحكايات، وفي الفصل الثاني فالروائيات (سحر خليفة وهيفاء بيطار وناهدة سعد) فهن قارئات هذا العصر يجتشدن كقارئات داخل النصوص ومع ذلك لا ينفصلن عن شهرزادالتي تسرد مع تنامي فعل القراءة، أما (أنعام كججي وحوراء النداوي وعالية ممدوحو احلام مستغانمي وسلوى النعيمي ورحاب ضاهر) فهن قارئات في الغربة وهن يتأرجحن بين الغربة والجسد، وبحثهن عن شهرزاد بحث عن هوية ضائعة ويفاجئنا العطوي في الخاتمة بقراءة عن قارئات من خارج القراءة (هدية حسين وجنى فواز الحسن) بكونهن قارئات لا يقرأن ولا يتقمصندور شهرزاد ولعلها محاولة من الكاتب لكسر تسق كتابته، أو من هاتين الكاتبتين للابتعاد عن سلطة شهرزاد التي تروي كي تعيش، وحسنا ما فعل لتسليط الضوء على كسر افق التوقع وكذلك اضفى على منجزه النقدي ميزة الشمول في الاحاطة بالموضوع الذ يتصدى للكتابة عنه، هذه الدراسة تعد مهمة في النقد الثقافي لما شخصه من لبنات فيه

   ــ2ــ

التحدث مع الرواية عبد الغفار العطوي يستنطق الروايات: إن الرواية بسردها اخذت تنطق وتتحول في وضع اكبر من محض حبر على ورق او كلمات مسطورة، إننا نعيش مع الرواية وفي الرواية مما نفعل مع اي شخص آخر، وتبقى معنا حتى بعد الانتهاء من قراءتها، فلهذا نجدها اكثر تماسا بحياتنا على الرغم من عدم واقعيتها

تدفعنا الرواية لسؤال كوني (من نكون؟) ليس كونها تقول كل شيء، وإنما لكونها تذهب بعيدا وتخترق حدود الممكنات المقيدة والحافات المجهولة للنفس البشرية ولغيرها من النفوس والصور الاخرى لقدرتها على التحدث عن اي شيء وعن كل شيء، فيمكنها ان تمضي اينما تريد ونحن معها، متعددو الوجوه والمسالك في خيالها الجامح او المبطن او العادي يقودنا الى الاندماج بسيولة سيميائية

يجرنا الكتاب الى منطقة او مناطق التفتيش التي يتحرك بها السارد او مجموعة الساردين الذين قسمهم الكاتب حسب ترتيب الروائي العالمي التركي (أورهان باموك) من حيث كونهم روائيين سذجا او حساسين، مما اعطى لنفسه مساحة مريحة يتحرك فيها كناقد وفق آليات النقد الثقافي في موضوعات الكتاب التي جاءت في اهداء وتمهيد وملاحق، إذ نفهم ان الكاتب قد استخدم التمهيد في عرض وجهة نظره النقدية عن العلاقة بين الرواية من جهة ومن جهة ثانية بين من يقرأها، الروائي اولا، وثانياً القارئ الساذج والجساس، وأخيرا القارئ الاول المتمكن (الناقد) الذي يميزبين الروائي الساذجوالحساس، وكذلك القارئ الساذج والحساس، كان العطوي شديد الملاحظة، أكسبته هذه الميزة قدرة إيحائية مستفزة احيانا للذات الجمعية لروائيين وروائيات عرب، فيعري ذائقتهم ويصدمهم في موضوعات الكتاب كالازمات التي تثيرها الرواية وهي تقرأ من قبل (أزمة النخبة في الرواية العراقية) و(أزمة النسويات) و الروائيات اللواتي جئن في ملاحق الكتاب ونالهن نصيب من الالماح كـ(إنعام كججيو هدية حسين وحوراء النداويو دنى غالي) وهو يضع الازمة النسوية قيد التحليل بينما شملت الروائيات الاخريات صفة التحدث مع الرواية (رحاب ضاهر واحلام مستغانمي ومنيرة سوار وزينب حفني وفتحية ناصر وبتول مصطفى وميس خالد العثمان) مما اكسب تحدثن مع ما يكتبن فرصة للعيش اطول مدة زمنية مما يتوقع لها، ولم يقف عند الروائيات، بل قدم قدم سبق في تحدث الروائيين مع رواياتهم وهي سابقة لم يجرأ أحد قبله في تناولها الا في حدود ضيقة حد علمي، فدرس (محمود عبد الوهاب واحمد السعداوي واسعد اللامي وياسين شامل وسعود السنعوسي وعبد الحليم مهودر وعلاء شاكر وباسه القكراني وعلي بدر) ان سبر اغوار الروايات ومحاورتها من جهات جديدة وتسيط الضوء على وعي كتابها هي ميزة اخرى للعطوي، وتكمن في الكتاب فطنة الربط بين تمهيد الكاتب وتطبيقاته قي الملاحق ؛ فقد درس (19) رواية وتحدث مع الروايات، ليكشف ما كان مخفيا في نظر كتابها وقرائها، وكل هذا الجهد المميز في حفريات تطبيقاته قادتنا للقول ان هذا الجهد المتفرد للأستاذ العطوي في كتابه (التحدث مع الرواية) يعطي للرواية قوة تستحق المواظبة والسير في طريقها

الحديث عن كتاب العطوي الاهم وأعني به (البعد الثقافي في اٌسلام في المفاهيم التأسيسية) يجعلنا ننوه الى حالة خطرة تتعلق بجمالية التلقي، لأننا نلحظ عدم صعوبة تمييز المتلقين لاطروحات هذا الكتاب وعدم الالتقات الى جديتها، وتهديدها لمزاعم فكرية اخذت استقرارها التاريخي ودمغت الإسلام بحقيقتها المزيفة إذ لم يقرأ الشارع ولا نخبة المثقفين ولا حتى المتدينون (الذين وكلوا كتاباتهم الاصولية للدفاع ن أية حركة مضادة تحاول زعزعة ذلك الاستقرار) ظل كتاب الاستاذالعطوي ينظر الى من يرد لكي يفهم لم نثق بالماضي ثقة عمياء، ونعتقد ان كل ما جاء به التاريخ الإسلامي صحيح بل مقدس، العطوي مثله مثل باحثين اخرين سبقوه يشكك في الإرث الثقيل الذي القى به الينا التاريخ وادعى بموثوقيته، وأراد ان نقبله بكل ترحاب هو يرفض الاصغاء لبديهياته والاعتماد على يقينياته، لهذا هو يذهب للمفاهيم التأسيسية للإسلام فيهز متبناته باستخدام المناهج الثقافية المعاصرة التي استطاعت تفكيك الاعتقادات الخاطئة التي رسختها تأويلات الصحابة والاخباريين وبعدهم دونها كبار المؤرخين، والكتاب هذا يطرح نسوغات المنهج الهيرمنيوطيقي وما كتبه العلامة الدكتور محمد مجتهد الشبستري ادعوكم لقراءته

 

عبد الحليم مهودر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3977 المصادف: 2017-07-26 04:07:03