 كتب وإصدارات

قراءة في كتاب: العراق بعد تحرير الموصل لرياض البياتي

sabah shakiraleghamاحتلت ما يسمى دولة العراق والشام الاسلامية (داعش) في عام 2014م محافظة نينوى بأكملها ومساحات شاسعة من محافظات صلاح الدين والانبار وديالى وكركوك، وكانت على وشك دخول بغداد،  فقامت القوات المسلحة العراقية بكل صنوفها والحشد الشعبي الذي تشكل على اثر فتوى الامام السيستاني بتحرير المناطق التي احتلتها داعش والذي استغرق اكثر من ثلاث سنوات، وكان من بينها مدينة الموصل التابعة لمحافظة نينوى .

 عن دار الفرات في الحلة صدر الكتاب الموسوم (العراق بعد تحرير الموصل ) للباحث اللواء الركن الطيار المتقاعد رياض البياتي والذي يحتوي على 119 صفحة من الحجم المتوسط، طباعة الكتاب غير جيدة لعدم وجود فواصل بين الكلمات وتقطيع بعض الكلمات الى مقاطع. الآراء التي وردت في الكتاب تمثل رأي شخصي وتحليل للأحداث التي وقعت والتي ستقع بعد تحرير الموصل  من وجهة النظر الشخصية  للمؤلف ومن خلال خبرته العسكرية وبتحليل استراتيجي دقيق، كما تضمن الكتاب استعراض تاريخي لبعض الحوادث التي حدثت في العراق وفي دول الجوار.

 الكتاب يحوي مقدمة وخمسة فصول وخاتمة، وقد ورد في المقدمة الاحتمالات المتوقعة بعد استعادة الموصل  منها ان داعش سوف يتحول الى حرب العصابات، وأن القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية سوف تتصارع للحصول على المكاسب والامتيازات، كما ان وصول الرئيس الامريكي ترامب الى السلطة والذي اكد بانه ماضي قدماً لاستعادة دور الولايات المتحدة الامريكية في العالم والذي انحسر لصالح روسيا الاتحادية، فذكر المؤلف في ص7 : (كل هذه العوامل يجب أن لا تغيب عن تحديد شكل العراق بعد معركة الموصل، لأنها سوف تكون مؤثرة في شكل العراق القادم ومستقبله السياسي، ويتعذر الحصول على صورة واضحة للموقف دون التعرف على هذه العوامل، ودراسة تأثيرها على المكونات العراقية).

 في الفصل الاول (الربيع العربي) فقد أستعرض المؤلف الكيانات السياسية التي تكونت بعد معاهدة " سايكس بيكو" التي ابرمت في العام 1917م بين بريطانيا وفرنسا وروسيا والتي تخلت عنها بعد ذلك، والتي شكلت بموجبها دول منطقة الشرق الاوسط ومنها العراق الذي وقع تحت الانتداب البريطاني، ثم تحول الى مملكة نصب عليها فيصل بن الحسين ملكاً، شهدت المنطقة سلسلة من الانقلابات العسكرية وخاصة العراق وسوريا ومصر، تحول العراق ومصر على اثرها من الملكية الى الجمهورية، التي عانت من التصدع الداخلي بعد هزيمة حزيران 1967م، الجيوش العربية نفذت سلسلة من الانقلابات العسكرية وكانت تنادي بالوحدة العربية وتحرير فلسطين، وكانت جميعها انظمة شمولية ديكتاتورية .

1210 iraq في أول ظهور للإسلام السياسي كان للإخوان المسلمين في مصر عام 1928م على يد حسن البنا، فلاقى مقاومة عنيفة لطغيان الفكر اليساري والاصطدام المبكر مع ثورة 23 يوليو في مصر، مما ادى الى مغادرة كوادره الى السعودية وقطر، التي كانت تدين بالفكر السلفي الوهابي .

أن احتلال العراق من قبل الامريكان في العام 2003م يصفه البعض بداية (الربيع العربي)، اعقبه في العام 2009م عندما ادت المظاهرات في تونس اسقاط نظام زين العابدين بن علي، ثم اعقبها الثورة الجماهيرية في مصر التي اسقطت نظام حسني مبارك، ثم اعقبها الثورة الدامية في ليبيا وبمساعدة فرنسا التي اطاحت بنظام معمر القذافي .

بعد سقوط نظام البعث في العراق من قبل الامريكان أوضح المؤلف في ص14 " عندها تمكنت الأحزاب الدينية بفضل نظام انتخابي تحول الى قانون من الحصول على أغلبية برلمانية، حيث تمكنت القوى الدينية من اقصاء كل القوى اليسارية والقومية والوطنية لتنفرد بالحكم ".

اما في مصر وتونس استطاع الاسلام السياسي من الوصول الى الحكم عن طريق الانتخابات وتمكن من اقصاء كل القوى اليسارية والقومية، ولكن الشعب في البلدين استطاع  وبمظاهرات عارمة من اسقاط نظام الاسلام السياسي في البلدين .

اما اسرائيل فقد توترت العلاقات مع تركيا بسبب حادثة السفينة التركية، برغم اعتذار اسرائيل، حاولت اسرائيل اعادة العلاقات الى شكلها الطبيعي مع تركيا، بسبب الفوبيا التي تنتشر في إسرائيل من خطر التهديد النووي الإيراني، بعد الاتفاقية النووية المعقودة بين ايران والولايات المتحدة الامريكية في عهد الرئيس اوباما، اضافة الى حجم النفوذ الايراني في العراق، وتسليح حزب الله في لبنان .

أما في الفصل الثاني (صراع القوى الكبرى) فقد استعرض المؤلف كيفية اعتناق ايران المذهب الشيعي على يد الصفويين، والعداء بينهم وبين العثمانيون السنة والذي دار معظمه في العراق فسبب دماراً وخراباً فيه، وقد استمر هذا العداء حتى بعد تشكيل الحكومة العراقية في العام 1921م، ولم تعترف ايران بالعراق كدولة الا بعد اسقاط الشاه للدولة القاجارية عام 1929م، استمر توتر العلاقات بين الدولتين العراقية والايرانية حتى عامة 1975م حينما تنازل فيها العراق عن حقه في السيادة على كامل شط العرب، وبعد الثورة الايرانية التي اطاحت بالشاه نشبت الحرب العراقية الايرانية والتي استمرت ثمان سنوات وقد ذكر المؤلف في ص30 (تمكن العراق الذي ساندته كل الدول العربية من تحجيم دور ايران في مشروعها لنشر الثورة الاسلامية) وهذا رأي شخصي للمؤلف. 

في هذا الفصل بين المؤلف تأثير ايران على بعض الاحزاب العراقية كالمجلس الاعلى الاسلامي، وتدخلها بالشأن العراقي بعد سقوط نظام البعث عام 2003م خدمتاً لمصالحها، وقد ذكر المؤلف في ص32: "إصرار ايران على اصدار قانون يحظر حزب البعث في العراق كان من اولويات ايران في العراق، حيث كان الايرانيون يعتقدون أن حزب البعث هو الخطر الاكبر على ايران"، وهو رأي شخصي للمؤلف لا يستند الى مصدر).)

لقد بين المؤلف العداء بين ايران والولايات المتحدة الامريكية وتأثيره على العراق عندما قامت ايران بتدريب عدة فصائل مسلحة وتجهيزها بالسلاح لمقاتلة الامريكان وكما ورد في ص35 " لم تكتفي إيران بهذه القوى فقد توسع نفوذها وشمل فصائل اخرى مسلحة دفعتها لقتال الامريكان في العراق، حيث انتهجت سياسات مركبة، حيث تتواجد في العملية السياسية من خلال اصدقائها في الحكومة، وفي الوقت نفسه قدمت الدعم التدريبي والتسليحي لجيش المهدي التابع للتيار الصدري في قتال الامريكان".

ذكر المؤلف ان حجم التبادل التجاري بين العراق وايران وصل ارقاماً كبيرة كما ورد في ص44 "كان العراق يستورد الكهرباء والمشتقات النفطية، ولم يتخذ أي اجراءات فعلية لبناء مصافي للنفط، كما ان التعثر في اصلاح قطاع الكهرباء كانت ايران المستفيد الاول منه، وتوقفت المعامل العراقية بسبب عدم توفر الطاقة الكهربائية والى التكلفة العالية للإنتاج، مما فسح المجال لدخول البضائع الايرانية التي غزت الاسواق العراقية ".

في الفصل الثالث (دولة كردستان) اوضح المؤلف بعد تحرير العراق من داعش فان الخطر الاكبر الذي ستواجه الحكومة العراقية هم الكرد بسعيهم الى الانفصال، وتكوين دولتهم المستقلة والذي كان مطروحاً ضمن معاهدة (سيفر) التي عقدت في 10 ايلول عام 1920م، وهذا يعني تفتيت الدولة العراقية، وقد أوضح المؤلف في ص57 " حيث لم يشهد التاريخ دولة كردية في أي مكان".

استعرض المؤلف علاقة الكرد مع الحكومات المتعاقبة بعد قيام الجمهورية، فذكر التمرد الذي حصل عام 1960م بعد عودة مصطفى البارزاني من منفاه في الاتحاد السوفيتي بعد فشل دولة مهاباد، والذي استمر الى اتفاقية آذار عام 1970م والذي بموجبها منح الكرد الحكم الذاتي، ولم يوافق الكرد على ذلك لعدم ضم كركوك الغنية بالنفط، فنشب قتال عام 1974م والذي انتهى بعد الاتفاقية التي عقدها العراق مع ايران والتي قبل فيها العراق بمشاركة ايران السيادة في شط العرب.

بعد اخراج العراق من الكويت عام 1991م من قبل التحالف الدولي استغل الكرد الفرصة وبمساندة القوات الامريكية شكلوا ادارة محلية مستقلة عن الحكومة العراقية، والتي استمرت الى عام 2003م بعد احتلال القوات الامريكية للعراق.

وبعد احتلال العراق من قبل القوات الامريكية كان للكرد دور باحتلال الموصل وتسليمها الى القوات الامريكية، كما تم الاستيلاء على اسلحة الجيش العراقي السابق وتسليح البيشمركة التابعة لهم، وقد اصرت على حل الجيش العراقي بمساندة الساسة الشيعة، كما تمكنوا من ادراج نص في قانون ادارة الدولة والدستور العراقي الذي اقر عام 2005م، (أن العراق عضو في الجامعة العربية متجاهلين حقيقة ان العراق بلد عربي عريق)، وكان الكرد ومنذ اليوم الاول للاحتلال كانوا يخططون للاستقلال عن العراق، كما وضع في الدستور مواد تعطي الحق للكرد باستخراج وتصدير النفط دون الرجوع الى الحكومة المركزية  في المادة 112، وفي المادة 114 سمحت للإقليم بمشاركة الحكومة المركزية بإدارة المنافذ الحدودية،  كذلك تم وضع المادة 140 التي تعطي الكرد حق ضم مناطق متنازع عليها وخاصة مدن كركوك وسنجار وخانقين ومناطق واسعة من سهل نينوى، وغيرها من المواد .

وبعد احتلال الموصل من قبل داعش في 10 حزيران عام 2010م قامت البيشمركة باحتلال كركوك وسنجار وربيعة وعدة وحدات ادارية من سهل نينوى  ووحدات ادارية من محافظتي صلاح الدين وديالى وضمها الى الإقليم .

أما في الفصل الرابع(المشروع العربي للعراق) فقد اوضح المؤلف أن أغلب العرب السنة  كانوا منخرطين في المشروع القومي العربي، والقسم الآخر منخرط  في مشروع الاخوان المسلمين، وبسبب الفشل الذي اصاب المشروع القومي العربي اتجه العرب الى المشروع الاسلامي وكما ذكر المؤلف في ص81 "من المنطقي أن الفرد العربي المسلم في احباطه من المشروع القومي أن يتجه الى المشروع الديني"، من الاحزاب القومية التي حكمة العراق حزب البعث، الذي ذكر المؤلف في ص81 "تحول منذ الثمانيات الى مؤسسة عسكرية إقطاعية بدلاً أن يكون حزب سياسي "، وبعد اخراج الجيش العراقي من الكويت في العام 1991م وقيام الانتفاضة الشعبية في وسط وجنوب العراق، استخدم النظام العنف والقسوة في قمعها للتغطية على فشله في الحرب مع التحالف الدولي، وبدلاً من معالجة الاوضاع استمر بمنهجه الطائفي متبنياً سنة العراق، الذين شغلوا ومنذ تشكيل الدولة العراقية المناصب العليا في الجيش والشرطة، فتم بعد الاحتلال الأمريكي حل الجيش وكل الاجهزة الامنية بقرار من بريمر الحاكم المدني للعراق، وهذا ادى الى انخراط اعداد كبيرة من العسكريين في التنظيمات الارهابية التي ظهرت بعد الاحتلال الامريكي للعراق، وكان اول هذه الفصائل هو تنظيم القاعدة الذي تشكل في المناطق السنية، وللتصدي لهذا التنظيم شكل الامريكان قوات الصحوات والتي استطاعت القضاء على تنظيم القاعدة، ثم ظهرت بعد ذلك ما يسمى دولة العراق والشام الاسلامية(داعش)،والتي استطاعت احتلال ثلث مساحة العراق متمثلة بمحافظة نينوى بأكملها ومساحات شاسعة من محافظات الانبار وصلاح الدين وديالى وكركوك وبابل .

بعد احتلال داعش للموصل قام الاهالي بتهجير المسيحيون وسلب بيوتهم، كما تعرض الايزيديون الى تهجير واسترقاق نسائهم وبيعهن في اسواق النخاسة، كذلك تعرض الشبك والشيعة الى ابادة جماعية، كذلك تعرض تركمان تلعفر من الشيعة الى تهجير الى محافظات الوسط والجنوب ومصادرة بيوتهم واملاكهم، والتي لا يرغب اغلبهم بالعودة الى تلعفر بعد تحريرها.

أما في الفصل الخامس (إدارة الرئيس ترامب) فقد اوضح المؤلف حال استلام ترامب قيادة الولايات المتحدة الامريكية، كانت سياسته مختلفة كلياً عن من سبقوه، وكان لا يخفي انه ضد سياسات الرئيس السابق (اوباما) وقد انتقده علناً في كثير من المناسبات، وكان مراراً يعلن معارضته لحرب العراق، وانه مع زيادة الدعم للعراق في حربه على داعش، وكان موقفه متشدداً مع ايران عندما قال في اجتماعه مع رئيس وزراء العراق (أنا لا افهم لماذا عقدنا اتفاقاً نووياً مع ايران، وربما نفهم ذلك في المستقبل)، كما انتقد سياسة بوش في العراق عندما قال (ما كان لنا أن نذهب الى العراق، وما كان لنا أن ننسب منه بعد ذلك، وانسحابنا خلف فراغاً كبيراً).

وفي الخاتمة أوضح المؤلف الاحتمالات المتوقعة بعد تحرير الموصل والقضاء على داعش في العراق في ص114 "الكرد استعجلوا عندما صوت مجلس محافظة كركوك على رفع علم كردستان على مباني المحافظة، ثم صوت على إجراء استفتاء لضم كركوك الى اقليم كردستان"، ثم اعقب ذلك قرار الحكومة الكردية اجراء استفتاء على استقلال كردستان، والذي رفض من قبل الحكومة المركزية ودول العالم والامم المتحدة، والذي سوف يؤدي الى دولة كونفدرالية كمرحلة اولى يتبعها استقلال كامل حال توفر الظرف . وبسبب وجود اقليات في محافظة نينوى فإنها قد تمضي الى تشكيل اقليم يضم مدينة الموصل وسهل نينوى ذو الغالبية المسيحية وقضاء تلعفر التركماني بسنته وشيعته . كما قد يؤدي الى تشظي السنة الى ثلاثة اقاليم، او تشكيل اقليم واحد، او الانضمام الى اقليم عربي كبير مع عرب الجنوب (الشيعة)، ولكون مناطق السنة قد دمر بناها التحتية، ومواردها الاقتصادية محدودة جداً، فهي غير قادرة على تلبية متطلبات سكانها. أما العرب الشيعة  فقد اوضح المؤلف في ص 116 "فهم يملكون كل المقدرات الاقتصادية، ولكنهم لا يمتلكون بنى سياسية ناضجة، مناطقهم تعمها فوضى الاسلحة، والولاء لدول الجوار" .

حذر المؤلف العراقيين في ص117 "الموقف معقد ولكنه متروك الى سكان العراق، إما أن يقرروا أن يصبحوا شعب تؤطره أهداف وطنية أو يستمروا مكونات سكانية لها هوياتها الفرعية دون هوية وطنية، وهو خطر كبير عليهم، يشجع دول الجوار أن تطمع بهم، وهو الخطر الأكبر على العرب شيعة وسنة " .     

 

  صباح شاكر العكام

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4153 المصادف: 2018-01-18 02:27:43