 كتب وإصدارات

قراءة في كتاب: الفكر السياسي عند نعوم تشومسكي

100 نعومي تشومكييعد البحث في الفكر السياسي عند تشومسكي من الموضوعات المهمة؛ وخاصة إذا ما علمنا أن تشومسكي في بداية شهرته امتاز بكونه عالم لغويات وليس فيلسوف سياسي؛ ولكن اهتمامه بالسياسة هي ما استدعت منه البحث فيها؛ وتناولت عدة كتبه فيما بعد الكثير من الأفكار السياسية؛ وأصبح منذ حينها أحد أقطاب الفلسفة السياسية المعاصرة.

انهمك الباحث "مصطفى مرشد" في كتابه "الفكر السياسي عند نعوم تشومسكي"؛ والذي هو بالأساس رسالة ماجستير قد أنجزها في جامعة القاهرة تحت إشراف د. حسن حنفي؛ إلى توضيح أهم الأفكار السياسية لدى تشومسكي؛ ويعرف عنه بكونه أكثر المفكرين تأثيراً في العالم؛ وذلك لنقده الجريء للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية. ونلاحظ أن الباحث قد غاص عميقاً في تحليل ونقد طروحات تشومسكي السياسية؛ لأجل إظهار وكشف زيف السياسة الأمريكية التي تكيل بمكيالين.

وفي هذا يسعى تشومسكي إلى فكرة جديدة في ميدان الفلسفة السياسية؛ وهي ربط السياسة باللغة؛ وهذا الربط لا نراه عند أي فيلسوف عداه؛ ويرجع ذلك إلى كونه عالماً في اللغويات واهتمامه بالسياسة؛ خاصة إذا علمنا أن هذين الميدانين اللذين أهتم بهما يرجع إلى بيئته المنزلية؛ فوالده كان عالم لغويات وكتب في اللغة العبرية؛ ووالدته كانت مهتمة بالأحداث السياسية؛ وكثيراً ما كانا يتناقشان عندما يتناولون الأكل. فالربط الذي قام به تشومسكي نتيجة أن الايديولوجيا المختلفة الذي يصوغها علماء الفكر؛ تعتمد في مقامها الأول إلى القدرة البارعة في صياغة قوالب لغوية مؤثرة وفعالة. وتتلاعب السياسة الأمريكية بالمعاني اللغوية؛ كاستبدالها تسمية الاحتلال بتسمية الحماية. وبذلك يعدها تشومسكي دولة لا تزال خارجة عن قانون؛ بسبب الانتهاكات التي تقوم بها اتجاه الدول الضعيفة. ويعطي تشومسكي وصفاً للمجتمع الأمريكي بكونه مجتمعاً خائفاً عن طريق ضبط الولايات المتحدة لرعاعها.

ونلاحظ أن الباحث قد أهتم بوسائل الإعلام من خلال طرحه لأفكار تشومسكي؛ لأن وسائل الإعلام الأمريكية تنادي بشعارات من قبيل الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة والسلام للعالم؛ ولكن الباحث يرى أن تشومسكي يعد حقيقة هذه الشعارات ليست نبيلة كما يتصورها الكثيرين؛ بل إن حقيقتها تكمن من أجل شن الحروب ضد الآخرين.

وحملت دراسته إشكالية؛ وهي: هل هناك اتساق بين ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية وما تروج له من خلال مؤسساتها الرسمية؟ إذ انبثقت هذه الإشكالية من عدة تساؤلات لدى الباحث؛ أهمها: مفهوم كل من الدولة المارقة والدولة الفاشلة؟ وهل الولايات المتحدة دولة مارقة أو فاشلة؟ هل تعد المبادئ في النظام العالمي الجديد مبادئ لتحقيق أهداف نبيلة أم ذرائع من أجل السيطرة والهيمنة؟ وغيرها من التساؤلات.

ومن أجل التحقق من هذه الإشكالية ومحاولة الإجابة عنها؛ عمد الباحث إلى وضع خطة فلسفية؛ اندرجت تحت أربعة فصول.

الفصل الأول كان بعنوان: "جدل اللغة والسياسة"؛ ويرى الباحث في هذا الفصل أن تشومسكي أخطى خطوة جريئة في مجال اللسانيات؛ وهي إدخاله دور العقل في العملية اللغوية؛ وهو بذلك أعاد الاعتبار للذات الإنسانية التي طالما استبعدتها اللسانيات البنيوية. وعلى الرغم من اشتغاله في اللغة؛ فكما قلنا قد استهوته السياسة.

الفصل الثاني والذي حمل عنوان: "الدولة والنظام العالمي: تصنيف الدول واسترتيجيات الهيمنة العولمية"؛ ويتطرق الباحث في هذا الفصل إلى الأهداف الحقيقة التي تكمن وراء قيام نظام عالمي جديد من وجهة نظر تشومسكي؛ وكما تطرق إلى الدولة عنده وموقفه منها في ظل السياسة الخارجية الامريكية وفي إطار النظام العالي الجديد الذي أصبحت فيه بعض الدول مارقة وأخرى فاشلة.

وفي الفصل الثالث الذي كان عنوانه: "الإرهاب بين النقد والنقد المضاد"؛ عرض الباحث في هذا الفصل إلى تعريف الإرهاب بصورة عامة وإلى تعريف تشومسكي للإرهاب؛ فالإرهاب بصورة عامة يعرف على أنه «استخدام العنف بأشكاله المختلفة كالاغتيال والتشويه والتعذيب والتخريب والنسف؛ بغية تحقيق هدف سياسي معين مثل: كسر روح المقاومة والالتزام عند الأفراد؛ وهدم المعنويات عند الهيئات والمؤسسات؛ أو كوسيلة من وسائل الحصول على معلومات أو مال؛ وبشكل عام استخدام الإكراه لإخضاع طرف مناوئ لمشيئة الجهة الإرهابية»؛ وأما تشومسكي يتبنى تعريفاً للإرهاب الموجود في كتيب للجيش الأمريكي؛ ويعرفه بأنه «الاستخدام المحسوب للعنف أو للتهديد بالعنف بغية تحقيق أهداف سياسية؛ أو دينية أو أيديولوجية من حيث الجوهر؛ وذلك من خلال التهويل؛ أو الإكراه أو بث الخوف».

وأما الفضل الأخير حمل عنوان: "الدعاية وصناعة الحقيقة"؛ ويرى الباحث أن الإعلام قد شغل حيز كبير من كتابات تشومسكي؛ إذ خصص له العديد من المؤلفات والمقالات والحوارات التي أجراها؛ وكان سبب اهتمامه بالإعلام هو بحثه عن مدى صحة ما تنقله لنا وسائل الإعلام؟.

وتوصل الباحث إلى عدة نتائج في نهاية دراسته حول "الفكر السياسي عند نعوم تشومسكي"؛ أهمها:-

هناك علاقة واضحة بين الجانب اللغوي والجانب السياسي في فكر تشومسكي؛ ويتمثل ذلك من خلال الطبيعة البشرية التي جبلت على التحرر.

توضيح الغموض الذي يشوب مفهوم الإرهاب ومعرفة الصانع الحقيقي له؛ وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بتصدير ودعم الإرهاب بشقيه الفكري والعسكري.

علماً أن الكتاب نشر لدى دار قناديل للنشر والتوزيع؛ في بغداد – شارع المتنبي؛ في 2018.

 

محمد حسن فيصل

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً استاذ محمد لهذا المقال الرائع بحق كتاب الاستاذ مصطفى.. تكمنياتنا لكما بكامل التوفيق والسداد والى مزيد من الابداع.

د. صباح الحاج مفتن..
This comment was minimized by the moderator on the site

هناك اطروحة دكتوراه بنفس العنوان ((لاطروحة الدكتوراه / فرع الفكر السياسي للطالب اسعد عبد الوهاب عبد الكريم والموسومة بــــ الفكر السياسي عند نعوم تشومسكي)) في عام 2014 -جامعة بغداد.. فهل الكتاب هو لرسالة ماجستير ام مستقى من صاحب السبق باطروحة الدكتوراه ...

Ameer Lafta Researcher
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4277 المصادف: 2018-05-22 03:45:39