المثقف - كتب وإصدارات

الفلسفة الإصلاحية الإسلامية الحديثة (باللغة الروسية)

ميثم الجنابيان كتاب الفلسفة الإصلاحية الإسلامية هو الأول من بين خمسة كتب فلسفية صدرت لي باللغة الروسية مؤخرا. وطبع في موسكو (دار صدره)، أي ضمن السلسلة التي اشرت إليها في مقال سابق. والكتاب حسب مقياسي متوسط الحجم (عدد صفحاته 463 ص). والكتاب يتألف من خمسة أبواب (بأربعة عشر فصلا) اتناول فيها فلسفة الفكرة الإصلاحية الإسلامية نفسها، وليس تاريخ الفكرة وشخصياتها. وتناولت في الباب الأول تحليل قضايا الإرادة والعمل في الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، من خلال التركيز على قضايا "الاجبار الحضاري" ومفارقة وعي الذات الإسلامي بمختلف مستوياتها ومظاهرها. اما في الباب الثاني فقد تناولت مختلف جوانب ما ادعوه "بالإسلام الثقافي" من خلال التركيز على قضايا "الأنا الثقافية" و"الانتماء الثقافي" والكينونة الثقافية للفكرة الإسلامية وإشكاليات الفكرة السياسية والقومية. وتوسعت في تحليل هذه القضايا في الأبواب اللاحقة من خلال تناول مظاهرها وصيرورتها الفكرية التاريخية كما تجسدت في اشكاليات القومي والديني، والديني والثقافي، والثقافي والسياسي وغيرها. ثم تتبعت "المصير التاريخي" للفكرة الإصلاحية في صعودها وهبوطها، ومن ثم آفاقها واحتمالاتها الممكنة. اما الشخصيات الأساسية الممثلة للفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة أو ما يمكن دعوته بالصيغة الكلاسيكية الكبرى لها فهي كل من جلال الدين الافغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، ورشيد رضا. ولم ادرج في النص الروسي شخصيات اصلاحية اخرى ضمن سياق تناول هذه القضايا. لكنني ادرجتها ضمن الصيغة المعرّبة، التي ستصدر قريبا ضمن سلسلة (تحليل ونقد الفكر العربي الحديث والمعاصر)(بأربعة اجزاء).

واكتفي هنا بنشر مقدمة الكتاب التي يمكن من خلالها الاطلاع الأولي والفكري العام عن هذا الكتاب. وادناه الصورة الخارجية لغلاف الكتاب

 

المقدمة

355 ميثم الجنابيإن حقيقة الفكرة الإصلاحية جلية شأن الحقائق الكبرى، لكن حقائقها الصغرى غامضة، شأن الحقائق الصغرى. من هنا الاشتراك العام في الموقف من الفكرة الإصلاحية، باعتبارها عملا فاضلا وصالحا وضروريا. لكن حالما تأخذ الفكرة الإصلاحية مسارها في دهاليز الحياة وإشكالاتها الواقعية، أي حالما تكشف عن "حقائقها الصغرى" فأنها تبدو "غريبة الأطوار" ومخالفة "للعقل" والعقائد "المقدسة" وما شابه ذلك من أوصاف مغروسة في الوعي التقليدي. وفي هذا تكمن مفارقة الإقرار بضرورة الإصلاح من جهة، ومعارضته الدائمة في تاريخ الأمم والعقائد والأديان، من جهة أخرى.

فالفكرة الإصلاحية من حيث الجوهر هي دعوة وتأسيس لضرورة تقويم وتعديل "الاعوجاج" في حياة الأمم والعقائد (الدينية والدنيوية). بمعنى أنها تتطابق مع مضمون "الاستقامة" و"الطريق القويم" بوصفها الصيغة الرمزية والبيانية لإصلاح "الانحراف" و"الزيغ والضلال" عن "الأفكار الأولى" و"المثل السامية" و"الأصول". وبالتالي، فإن ظهور فكرة الاستقامة والطريق المستقيم تعادل معنى الثبات في طريق الحق والحقيقة. ومن ثم لا يعني الطريق المستقيم سوى طريق الحق وتاريخه. الأمر الذي جعل من "تاريخ الحق" على الدوام اشد أنواع الاستقامة اعوجاجا، لأنه يحتوي على كافة الممكنات والاحتمالات. وذلك لأن استقامة الحق والحقيقة متعرجة بسبب تعرجهما في مسار التاريخ الإنساني، بوصفه تاريخ المغامرة الحية للجبر والاختيار، او الإرادة الحرة والقدر الغائب في مشاريع المستقبل. وليس مصادفة أن يتوصل ابن سينا إلى القول، بأن كل ما هو عصي على البرهان يمكن رميه في حيز الإمكان، وأن يقول ابن عربي، بأن الاعوجاج في القوس هو عين الاستقامة فيه. وفيهما ومن خلالهما يمكن الوصول إلى ما يمكن دعوته بفكرة الاحتمال العقلي وفكرة البحث عن نسب تستجيب لحقائق الوجود كما هو، بوصفها الصيغة المثلى والأصل الثابت في وجود الأشياء كلها. فالجمال والحق والحقيقة هو بسبب ما فيهم من تناسق النسب الذاتية المثلى. ولكل نسبة مستوى يعادل معنى الاعتدال. والإصلاح في جوهره هو بحث عن الاعتدال الأمثل. من هنا نفوره من "الاعوجاج" وبحثه عن الأصول المثلى والمثل المتسامية، أي كل ما يمكنه تجاوز "الواقع السيئ" وتذليل مختلف أشكاله وألوانه.

من هنا احتواء الفكرة الإصلاحية دوما على معنى النقد والتعديل لمجرى الحياة والتفكير والعقائد بما يتطابق مع الحق والحقيقة. وذلك لأن معنى الأصول والمثل المتسامية يتطابق مع معاني النفي الضروري لأشكالها الجامدة والقاتلة للعقل والضمير. الأمر الذي جعل من الفكرة الإصلاحية على الدوام تتضمن نقد ونفي النزعة التقليدية السائدة واليابسة، التي تعادل معنى التحنيط والتمويت البطيء للحياة نفسها. وضمن هذا السياق يكون الإصلاح جزء ملازما للوجود، بوصفه حركة التجديد الدائم، أي الحالة الطبيعية للصيرورة التاريخية في حياة الأمم، كما لو انه يعبر عن الدورة الأبدية للوجود والعدم، أي لدراما الولادة والموت. وفي هذا تكمن "دورته" الخالدة، كما لو انه يمثل حقائق الوجود الكبرى عبر تمثلها وإعادة صياغتها بمرجعيات عامة، لعل أكثرها جوهرية هي مرجعية "الرجوع إلى الأصول" ومرجعية "البدائل المثلى". والصيغة الأولى مظهرها الرجوع للماضي بينما حقيقتها تقوم بالتوجه صوب المستقبل، بينما الثانية مظهرها التوجه صوب المستقبل، بينما حقيقتها تقوم في التمّثل النقدي للحاضر والماضي. وكلاهما وجهان ونمطان وأسلوبان يكمل احدهما الآخر بوصفهما مساع وتجارب متنوعة في فلسفة الإصلاح. فإذا كانت الفكرة الإصلاحية المحددة بمرجعيات "قديمة" لكنها "حديثة"، والتي عادة ما تميز الفكرة الإصلاحية الدينية، فإن الفكرة الإصلاحية الدنيوية عادة ما تتحدد بمرجعيات مستقبلية. وسبب التباين والاختلاف يكمن في أن الأولى محكومة بفكرة الأصول الأولى ومبدأ الرجوع إليها بوصفها أعمدة اليقين العاصمة من إمكانية الشطط والغلط، بينما الثانية محكومة بفكرة التجريب والاحتمال العقلي.

 وليس هذا التنوع العام في الواقع سوى الصيغة الظاهرية والمتنوعة لثنائية الإصلاح والثورة، والإصلاح والتجديد. كما أنها تحتوي على قدر الخلاف الكامن في كمية ونوعية الراديكالية الذائبة في فكرة الثورة والتجديد. فإذا كانت الصيغة الدينية هي الأكثر تأثيرا وفعالية في تاريخ الإصلاح، فإن السبب الجوهري يكمن في سيادة وفعالية الوعي التقليدي وهيمنة فكرة "المراجع المثلى" النصية والمؤنسنة، أي التي تتخذ هيئة الهيبة المتسامية سواء في "نص مقدس" او "إنسان مؤله". بمعنى أنها الصيغة التي كانت وما تزال وسوف تبقى ما لم يجر الانتقال النوعي للوعي الاجتماعي النظري والعملي إلى مصاف ما ادعوه بالمرحلة السياسية – الاقتصادية في حياة الأمم، أي المرحلة التي تنفي في ظهورها واستتبابها المراحل الثلاث الكبرى السابقة للتطور التاريخي وهي المرحلة العرقية – الثقافية، والمرحلة الثقافية – الدينية، والمرحلة الدينية – السياسية. فهو التطور والتحول النوعي الذي يكفل للعقل النظري والعملي التحرر من ثقل الماضي ومرجعياته، وبالتالي النظر إلى المستقبل بمعايير المستقبل، أي التحرر من إشكالية الماضي والمستقبل، بوصفها إشكالية متناقضة وعصية على الحل، صوب توليفهما الديناميكي في فكرة الاحتمال العقلاني والبدائل الإنسانية.

غير أن هذا لا يغير من حقيقة الفكرة الإصلاحية بوصفها فكرة التأسيس الدائم لحقوق العقل النظري والعملي في البحث عن حلول واقعية وعقلانية وإنسانية للمشاكل والإشكاليات التي تواجهها الأمم. الأمر الذي جعل من تاريخ الفكرة الإصلاحية على الدوام جزء من تجارب الكلّ الإنساني من جهة، وحلقات ومستويات ونماذج في التجارب الإنسانية الحرة، من جهة أخرى. والمقصود بذلك التجارب التي تدرك قيمة الحرية بوصفها تجربة لا يقيدها شيء غير إدراك قيمة الاحتمال والإمكان العقلية المجردة. وما عدا ذلك مجرد نصوص تاريخية و"فصوص" مجردة، بغض النظر عن دعاوي مصادرها. إذ لا مصدر فعلي للنصوص أيا كانت، ومهما أطلق عليه من صفات وألقاب، غير تجارب الأفراد والجماعات والأمم. بمعنى أنها نصوص زمنية، لا يجعل منها نصوصا تاريخية غير ما فيها من استعداد للتحقق فقط، وليس للتجسّد والتنفيذ و"بلوغ المرام". فهذه تجارب إضافية او جانبية على هامش تجارب التحقيق الفعلي للمفاهيم والقيم الحية. ذلك يعني أن حدّ وحقيقة الإصلاحية يقومان في تأسيس فكرة الاعتدال العقلي، بوصفها تجربة الحرية المتسامية، ومن ثم غير المتناهية بالنسبة لترميم هوية الوجود الإنساني في مجرى الصيرورة الأبدية للكون والفساد (الوجود والعدم). وما عداه هو إصلاح مزيف او إصلاح جزئي.

ولا يخلو تاريخ الإصلاحية الدينية من هذا التنوع الفعال. إذ تكشف تجارب الأمم والأديان عن صيغ متنوعة للإصلاح الحقيقي والإصلاح الزائف، الإصلاح الجزئي والإصلاح الشامل. ومن الممكن الاكتفاء هنا باستعراض فلسفي مكثف للتجارب الإصلاحية الإسلامية، دون الخوض بمقارنات تاريخية وفكرية بينها وبين تجارب الإصلاحيات الدينية الأخرى (النصرانية بشكل خاص) لثلاثة اعتبارات، الأول وهو ارتباط البحث بتجربة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، والثاني لملئ الفراغ الكبير في الدراسات العلمية والفلسفية المتخصصة، والثالث لكثرة وتنوع الدراسات المتخصصة بتاريخ وأفكار وشخصيات الإصلاحية الدينية النصرانية.

فمن حيث وسائلها وأساليبها وغاياتها تشترك النماذج الإصلاحية الدينية بأربع صفات كبرى وهي:

- وجود نص مقدس ومرجعيات عقائدية ملزمة،

- هيمنة التأويل في الموقف من هذه النصوص والعقائد،

- الرجوع إلى نموذج ماض بوصفه نموذجا مثاليا،

وانتشار مبادئ وقواعد نظرية وعملية يجري اختزالها بمفاهيم الرجوع والتطهير والعديل والتصحيح. وعادة ما تدور هذه المفاهيم وتتجسد بالدعوة للرجوع إلى الأصول، وتطهير الوعي والسلوك العملي مما لصق بها من حراشف وتحريف، وبالتالي تعديلها بإرجاعها إلى حقيقتها الأولية، وأخيرا تصحيح الأخلاق والقيم.

أما من حيث مقوماتها وشروط عملها، فإن الإصلاحيات الدينية تشترك أيضا بأربع حقائق كبرى أساسية وهي: 

- كل حركة إصلاحية هي حركة تاريخية لها مقدماتها الخاصة ووسائلها العملية والعلمية وغاياتها المحددة،

- إنها وثيقة الارتباط بالحالة السياسية "القومية"،

- كل حركة إصلاحية هي حركة ثقافية،

- لكل حركة إصلاحية منطقها الثقافي والروحي الخاص

وتعطي هذه الحقائق الكبرى للحركات الإصلاحية وتأسيسها الفكري والفلسفي أنماطا وأبعادا غاية في التنوع والاختلاف، أي لكل منها خصوصيته وأصالته وفرادته.

أما الحصيلة العامة لتفاعل كل من هذه الوسائل والأساليب والغايات والمقومات التاريخية للإصلاحية الدينية، فإنها عادة ما تؤدي، من حيث منطقها الذاتي والاحتمال الكامن فيها، إلى الانتقال من سماء اللاهوت إلى ارض التاريخ الفعلي. ذلك يعني إنها تمثل حالة الانتقال من اللاهوت إلى السياسة، ومن زمن النصوص المقدسة إلى تاريخ البدائل الواقعية.

 ولا يشذ المنطق الذاتي للإصلاحية الإسلامية والاحتمال الكامن فيها من أثره الفعال بالنسبة لتمهيد وتأسيس حالة الانتقال من سماء اللاهوت إلى ارض التاريخ الفعلي. غير أن لهذه الحالة تاريخها وتقاليدها الخاصة. والمهمة المطروحة الآن لا تقوم في مقارنة الماضي بالحاضر، بقدر ما تقوم في رسم الصورة العامة لتقاليد الفكرة الإصلاحية، من اجل رؤية النوعية الخاصة للإصلاحية الإسلامية الحديثة. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الاحتمال الكامن فيها مازال يحتوي على إمكانيات مختلفة، لكنها تبقى في نهاية المطاف جزءا فعالا فيما ادعوه بصيرورة المركزية الإسلامية الحديثة بوصفها صيرورة ثقافية وسياسية لم تكتمل بعد.

لقد أبدع التاريخ الإسلامي مدارسه وأنماطه ونماذجه المتنوعة عن فكرة الإصلاح. وهذه جميعا بدورها وثيقة الارتباط بالعقائد الإسلامية الكبرى المتعلقة بالوحدانية والأمة والجماعة. الأمر الذي جعل من العقيدة الإسلامية الأولية العامة مصدر الفكرة النظرية والعملية للسلطة والدولة والمجتمع والأمة. مع ما ترتب عليه من بلورة تقاليد خاصة عن فقه الدولة والمجتمع والفرد.

إذ كان الدور والأثر الكامن للإسلام الأول يقترب، بمعايير التاريخ الواقعي آنذاك، من فكرة "الإصلاح الثوري" او "الثورة الإصلاحية" الشاملة. وفي هذا تكمن خصوصيته بهذا الصدد. فقد احتوى بقدر واحد على إدراك قيمة الإصلاح الشامل، وفي الوقت نفسه بقي ضمن إطار الرؤية المعتدلة. بحيث تحولت فكرة الاعتدال إلى عصب العقيدة الإسلامية الأولى سواء بمعناها الإيماني (الديني) أو السياسي. وبهذا يكون قد وضع أسس الفكرة الإصلاحية (العملية) بوصفها حقا وواجبا بقدر واحد. وبلور بصورة أولية مبادئها الكبرى وغاياتها في مفاهيم وحدة الجماعة والأمة حول أركان الإيمان الإسلامي (العقيدة الإسلامية). وبهذا يكون قد أرسى أسس الوحدة الاجتماعية والأخلاقية والروحية والمادية الشاملة، بوصفها واحدية إسلامية، مبدأها الأول وغايتها: الوحدانية. أما نموذجها العملي ففي فكرة "الأمة الوسط".

وإذا كانت هذه العقائد العامة تكمن في أعماق الفكرة الإسلامية الأولى (المحمدية)، فإنها برزت للوجود بوصفها احتمالا تاريخيا وواقعا جديدا بعد موت النبي محمد. بعبارة أخرى، إن انتهاء مرحلة النبوة كانت البداية الأولية للتاريخ السياسي. مع ما ترتب عليه من حالة الانتقال من نموذج "الوحي المقدس" إلى نموذج الاجتهاد الواقعي. ووجد ذلك انعكاسه الأولي في ظهور فكرة الخلافة ونماذجها العملية من حيث الأسلوب والإدارة والنتائج، بما في ذلك فيما اصطلح عليه لاحقا بعبارة "خلافة الراشدين". لقد كشف ذلك عن أن فكرة الخلافة كانت تعادل ما يمكن دعوته بديناميكية الإصلاح وحدودها في الاجتهاد السياسي الجديد، أي فكرة الاجتهاد في بناء الدولة ومؤسساتها، بوصفها صيغة واعية لإشكاليات العقائد العملية ودراما التاريخ الفعلي. ومن الممكن رؤية ذلك على مثال تطور بنية السلطة ونظامها السياسي في تلك الحلقات المتعرجة والمتدرجة كما جرت أولا في حالة طارئة (انتخاب أبو بكر) ثم إلى تنصيب في حالة (عمر بن الخطاب) ثم إلى شورى (وانتخاب عثمان بن عفان) ثم إلى ثورة (جاءت بعلي بن أبي طالب للحكم).

لقد كانت فكرة الخلفاء الراشدين تعادل فكرة الاسترشاد بنموذج النبوة ولكن عبر الاجتهاد العملي الجديد في مواجهة إشكاليات الدولة والأمة الناشئتين، بوصفهما دولة وأمة خلافة، او إمبراطورية إسلامية. من هنا تزاوج الفكرة السياسية والأخلاقية بوصفها نموذجا وليس مرحلة عابرة. الأمر الذي يفسر هيمنة فكرة الروح الأخلاقي الورع للتجسد السياسي، بوصفه الصيغة النموذجية للسياسة والأخلاق العملية. من هنا خلو السياسة آنذاك من اللاهوت، بوصفه مرجعية. وليس مصادفة أن تكون بداية اللاهوت السياسي زمن عثمان، بمعنى إدخال الله طرفا في الصراع بين المسلمين، بينما كان زمن محمد هو طرف في الصراع ضد الوثنية والجاهلية العربية. وترتب على ذلك حالة وممارسة التوظيف السياسي للدين، التي كانت في الوقت نفسه بداية وباعث الانتفاض والثورة الإسلامية الأولى. وهي الحالة التي ميزت في وقت لاحق كل بواعث وأساليب وغايات الثورة والإصلاح العلني والمستتر اللذين سادا في تاريخ الإسلام.

فقد لازم انتهاء مرحلة "خلافة الراشدين" انتهاء فكرة الرشد والرشيد والمرشد (بوصفها فكرة سياسية وأخلاقية). وبأثرها ظهرت فكرة الخلافة والملك، أي ظهور إشكالية المثال والواقع. من هنا انتشار ومطابقة فكرة الورع الأخلاقي مع فكرة الاحتجاج والإصلاح في موقفها من "الانحراف" التاريخي الهائل عن نموذج "خلافة الراشدين"، الذي وضعت الأموية أسسه الأولية. فقد احتوت فكرة الورع الأولية من حيث همومها وغاياتها العملية (السياسية) على موازاة فعلية لوحدة المصلحة والضرورة او الرقابة الخفية للنفس الإصلاحية. وفيها كانت تنعكس دراما التاريخ السياسي وبدايته في الوقت نفسه. وذلك لأن النموذج الأموي "للخلافة" كان بحد ذاته "انحرافا تاريخيا" شاملا عن مثال "خلافة الراشدين". إذ استبدل فكرة الإرشاد والمرشد بفكرة الإجبار والجّبار، بحيث وجد ذلك انعكاسه النموذجي في تصنيع أيديولوجيا الجبر بوصفها "حقيقة الإسلام".

لكن انكسار فكرة الخلافة الأولية وانهيار "رشدها" العقلي – الأخلاقي أمام القوة قد أدى إلى صعود قوة الخيال المبدع في استعادة الرشد والمرشد وتراكمها اللاحق في العقل التاريخي والثقافي بفكرة الرجوع إلى الأصول. ولم يكن ذلك أمرا اصطناعيا. فقد كان لفكرة الرجوع إلى الأصول ست مقدمات كبرى في الإسلام وهي كل من أعمدة الإيمان، وعقائد الإسلام، وفكرة الخلافة الراشدية (تاريخ الدولة ونظامها السياسي)، ومنظومة الأخلاق النظرية والعملية (الآداب)، ومرجعيات الروح الثقافي الإسلامي الكبرى. وتراكمت هذه المقدمات بدورها وأطرّت بمفاهيم ومعايير وقواعد في مجرى صراع ظاهري وباطني مرير وعلى امتداد القرن الأول الهجري. وساهمت فيه شخصيات فردية وفرق سياسية ومذهبية وكلامية وفلسفية. ومن الممكن رؤية صداه في كل تلك الكمية الهائلة من الخلافات النظرية والعملية المتعلقة بماهية الدين، والإيمان والإسلام، والمسلم والمؤمن، والفاسق والكافر، والجبر والاختيار، والفاضل والمفضول، والإمامة، والجماعة، والأمة، وتقييم الخلفاء، والرواية والدراية، والتقليد والاجتهاد، والآثار والعلم، ومئات غيرها مما كان يدور ويتمحور حول تأسيس أصول مجمع عليها، او مرجعيات متسامية كبرى.

وشاركت في ظاهرة التأسيس النظري والعملي لفكرة الرجوع إلى الأصول تيارات وفرق متنوعة ومختلفة من شيعة وخوارج ومرجئة ومعتزلة (قدرية) وجبرية وحشوية وعلماء لغة وقرآن، وشعراء وأدباء، ومؤرخون ومتكلمون وفلاسفة وفقهاء وزهاد، باختصار كل شخصيات الروح الثقافي الأوائل. وكان الرجوع (إلى الأصول) في بداية أمره مبسطا، لأنه كان جزئيا ومباشرا. مما حدد بدوره جزئية الفكرة الإصلاحية. ومن الممكن رؤية ذلك في نوعية الشعارات الكبرى الداعية للإصلاح، كما هو جلي في شعار الخوارج وفكرتهم الموضوعة في عبارة "لا حكم إلا لله"، وشعار الشيعة الأول عن "الأخذ بالثأر" وفكرة النص والعصمة، وفكرة المرجئة عن النية، وفكرة القدرية والجبرية عن العلاقة المباشرة بين الله والإنسان، وفكرة المعتزلة عن الإرادة العقلية للإنسان، وفكرة الاشعرية عن الجماعة والحق، وفكرة الفقهاء عن أولوية الشريعة (القانون)، وأفكار الفلاسفة عن جوهرية العقل والحكمة، وفكرة المتصوفة عن تربية الإرادة والسمو الروحي. واحتوى هذا التراكم للأفكار والشعارات بحد ذاته على تجمع عناصر الإصلاح الشامل من خلال إعلاء الوسائل او إشراكها الضروري بوصفها أدوات ووسائل ضرورية للغاية الكبرى القائمة بإسعاد البشر (السعادة).

وبلورت هذه الشعارات المفاهيم الجوهرية للرؤية الإصلاحية، من خلال إعلاء فكرة العمل الظاهري بوصفه محك الإيمان (عند الخوارج)، وفكرة اليقين والعدالة (عند الشيعة)، وفكرة الإخلاص الروحي (عند المرجئة)، وفكرة العقل والإرادة العقلية (عند المعتزلة)، وفكرة الجماعة والحق (عند الأشعرية)، وفكرة الحق والقانون (عند الفقهاء)، وفكرة العقل والحكمة النظرية والعملية بوصفها اجتهادا تاما وتنسيقا لعلاقة العقل وموقفه من كافة قضايا ومظاهر الوجود (اعند الفلاسفة)، وفكرة الشريعة والطريقة والحقيقة (عند الصوفية) بوصفها توليفا لتقاليد الكلام العقلي والفقه المجتهد والعقل الفلسفي.

وتداخلت هذه الأفكار وتشابكت في مجرى صيرورة الثقافة الإسلامية. فالفكرة والشعار المركزي للاتجاهات والمدارس الكبرى كانت تتفاعل بالضرورة في مجرى الجدل العقلي وتبحث في الوقت نفسه عن "مخارج" عملية للقضايا التي كان يواجهها الفرد (المسلم) والجماعة والأمة. بمعنى إننا نقف أيضا أمام تنوع وتداخل في رؤية الأساليب الضرورية للتغيير والإصلاح والثورة، مثل الأسلوب السياسي العسكري (عند الخوارج والشيعة)، والسياسي الفكري (عند القدرية والجبرية)، والفكري السياسي (عند المعتزلة)، والفكري العقائدي (عند الأشعرية)، والقانوني الشرعي (عند الفقهاء)، والعقلي البرهاني (عند الفلاسفة) والروحي الفردي العملي (عند المتصوفة).

أما الحصيلة المرجعية لكل هذا التنوع والاختلاف فقد وجدت تعبيرها وصيغتها العامة في الفكرة القائلة، بضرورة الإصلاح بوصفه حركة دورية (أي دائمة)، وضرورة تمثلها في "فرقة ناجية". وضمن هذه المرجعية الفكرية الكبرى للإصلاح، تبلورت مختلف التيارات الإصلاحية وفعلت ضمن تاريخ الإسلام القديم والحديث.

وقد كانت فكرة الإصلاح الدوري (المئوي) وثيقة الارتباط بالفكرة الإسلامية عن "الخلق الدائم"، بوصفها الصفة الجوهرية للذات الإلهية، كما بلورتها تقاليد الكلام والفلسفة والتصوف. بمعنى تبلور الفكرة المرجعية القائلة "بالخلق الدائم" للذات الإلهية بوصفها "الفكرة المثلى" للإبداع الحر الدائم. أما تجسيده الزمني (التاريخي) فقد حصل على انعكاسه النظري في الحديث القائل، بأن "الله يبعث لهذه الأمة من يجدد لها الدين كل مائة عام". بعبارة أخرى، إن الإصلاح الدوري المئوي هو التعبير الفكري والروحي عن ضرورة الإصلاح الدائم. وبالتالي ضرورة أن تجدد الأمة وتصلح حالها كل مائة عام. وشأن كل فكرة من هذا القبيل، فقد جرى تأويلها المتحزب، كما هو الحال بالنسبة لفكرة "الفرقة الناجية"، أي "فرقة الحق". وقد كان للتيارات "السنية" نصيبها الأكبر في التأويل المتحزب، بحيث أدرجت في "المجددين" شخصيات مختلفة كالشافعي وابن حنبل والأشعري والباقلاني وأمثالهم، وابن تيمية وأمثاله، وحتى محمد بن عبد الوهاب، بوصفه "مصلح الأمة" عند تخوم القرن الثاني عشر الهجري!! بينما لا يرتقي أفضل هذه الشخصيات (كالشافعي والأشعري وأمثالهم) إلى مصاف الإصلاحية الجزئية. أما البقية الباقية (وبالأخص ممثلو التيارات الحنبلية) فإنها مناهضة ومعادية لحقيقة الإصلاح، وفكرة الإصلاح، ومفهوم الإصلاح، ومعنى الإصلاح.

أما الفرقة الناجية، فهي الصيغة العامة التي تحتوي في احد جوانبها على تمثيل فكرة الحق. وبالتالي إمكانية تمثلها لفكرة الرجوع الدائم إلى الأصول، ومن ثم تمثيل مضمون الفكرة الإصلاحية. لاسيما وأن صيغتها العملية والنفسية تتمثل معنى "الغرابة" من خلال مطابقته مع "غرابة" الإسلام الأول في صراعه مع الوثنية. الأمر الذي وجد انعكاسه في الفكرة القائلة، بان الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ. فطوبى للغرباء! بمعنى الظهور الجديد والمتجدد للإسلام في مواجهة مختلف مظاهر "الانحراف" عن حقيقته الأولى. وبالتالي، فان الرجوع إلى أصوله الأولية يعني إصلاح الحاضر.

 وبغض النظر عما تعرضت إليه هذه الفكرة من تأويل متحزب، شأن كل فكرة كبرى في الثقافة العقائدية الدينية، فأنها أرست مع ذلك، الإقرار النسبي العام بضرورة الإصلاح وتمّثله وحق تمثيله. بينما كشفت التجارب الإصلاحية المتنوعة في تاريخ الإسلام، بأن الإصلاح الحقيقي والمستقبلي، كان بإمكانه أن يحدث بهيئة تعبير فكري روحي كما هو الحال عند التيار العقلي الخالص (المعتزلة) والفلسفي الخالص (إخوان الصفا والفلاسفة جميعا) والتوليفي الفلسفي الصوفي (الغزالي) والفلسفي العقلي الروحي (عند ابن عربي). ففي هذه التيارات كان يمكن تذليل التجزئة، والتعبير الأكثر تجانسا عن منطق الوحدانية في العلم والعمل، وانتزاع الغائية من عالمها الديني الإيماني وإدخالها في العقل التجريبي والعقل العملي (العقل المستفاد والعقل الفعال)، وإمكانية توليف جميع الاتجاهات على أسس ومبادئ فكرية متوحدة (منظومة) كما هو الحال عند الغزالي. وما عدا ذلك لم تكن نماذج "الرجوع إلى الأصول" سوى انغماسا في سلفية متشددة هي عين العداء لحقيقة الإصلاح، كما نعثر عليه على تعبيرها وانعكاسها "الكلاسيكي" في الحنبليات السابقة واللاحقة، كما هو جلي على مثال ابن تيمية، بوصفه ممثل التيار الخالص للرجوع العقائدي الإيماني، وتكملته الهمجية في الوهابية الأولية والوهابية المحدثة (مختلف السلفيات المتشددة).

فقد كشفت هذه الحالة عن حقيقة كبرى تقول، بأن الإصلاح الحقيقي الكبير هو ليس مجرد رجوع إلى الأصول، بل وتمثلا مبدعا لها بمفاهيم ومعايير الرؤية المستقبلية. فقد كانت الحنبليات المتشددة في دعوتها للرجوع إلى الأصول، بعد اندثار المراكز الثقافية الكبرى للحضارة الإسلامية (بغداد ودمشق والأندلس والقاهرة) محكومة منذ الولادة بالموت. الأمر الذي أدى إلى أن يصبح الوجود الإسلامي في كل مكان هامشيا أو "اطرافيا". وبالتالي استحالة بلورة أفكار كبرى للإصلاح قادرة على تمثل تاريخ المركزية الثقافية الإسلامية. أما السلطنة العثمانية، فقد كانت إمبراطورية الجسد لا الروح. وبالتالي لا علاقة لها بتاريخ الروح الثقافي الإسلامي. وقد أدى هيمنتها لقرون عديدة إلى استنزاف وضمور الروح العقلي المبدع في التاريخ الإسلامي، وانغلاق أية إمكانية للإصلاح الذاتي. لكن ذلك لم ينف إرهاصات جزئية متناثرة في التاريخ الإسلامي على امتداد القرنين الأخيرين قبل انهيارها، بوصفها تراكمات جزئية ومبعثرة للفكرة الإصلاحية، قبل أن تظهر بوضوح بوادر الإصلاحية الإسلامية الحديثة. مما حدد بدوره خصوصيتها بوصفها حصيلة تاريخ إصلاحي ديني ودنيوي، "إسلامي" وأوربي، أي انه يحتوي في ذاته على وحدة التاريخ والحداثة، القومي الاممي، العقلي والنقلي. أنها تمثلت تقاليد الاعتزال والفكر الفلسفي والروحية الصوفية ومدارس الفقه العقلية كما هو جلي في أفكار وأعمال شخصياتها الكبرى كالأفغاني ومحمد عبده والكواكبي ومختلف الشخصيات الفرعية (مثل رفيق العظم وشكيب ارسلان، وشخصيات عالقة مثل رشيد رضا، وأخرى طارئة مثل علي عبد الرازق). لكن مفارقة هذه الظاهرة تقوم في أن الصورة البيانية لظهور الشخصيات الإصلاحية الإسلامية المشار إليها أعلاه تعكس مسار الانحدار أكثر مما تعكس تطور الفكرة الإصلاحية الإسلامية. والسبب يقوم في أن الإصلاحية الإسلامية الحديثة لم تجسد ولم تحقق أفكارها العامة. بمعنى أنها لم تندثر في سماد الصيرورة التاريخية للإصلاح الحقيقي الشامل.

أما المسار اللاحق "للعالم الإسلامي" قد كان في اغلبه نتاجا للهيمنة الخارجية (الكولونيالية)، أي انه ليس مسارا تلقائيا. من هنا طابعه التقليدي. بينما يفترض الإصلاح الحقيقي والفعلي أن يكون "طبيعيا" بالضرورة، أي نتاج المسار الطبيعي لتطور الأمم وإنتاج خيالها المبدع.

من هنا قيمة التحليل النقدي للفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، لأنها الوحيدة الأصيلة، بما في ذلك من حيث مقارنتها بالتيارات الدنيوية العديدة. فإذا كان سبب فشلها النسبي جلي في عدم تحولها إلى بؤرة مركزية للإصلاح العملي اللاحق، فإن وجودها وأثرها التاريخي يقوم في وضعها لبنات الأسس النظرية والروحية الأولية لصيرورة المركزية الإسلامية الحديثة، بوصفها المرحلة الضرورية للانتقال من مصاف الوعي الديني اللاهوتي السياسي إلى مصاف الوعي السياسي الثقافي المتحرر من ثقل اللاهوت والتدين المتحزب والمفتعل. وفي هذا تكمن قيمتها الحية والكبرى سواء بمعايير العبرة التاريخية او الرؤية المستقبلية، وبالأخص في مواجهة تقاليد الحنبليات المتشددة بمختلف تياراتها القديمة والمعاصرة، وبالأخص ما ادعوه بالوهابية المحدثة، بوصفها أيديولوجيا غسل الأدمغة التائهة وغسيل الأموال المنهوبة (البترودولار) من خزائن الطبيعة والأمم عبر "تزكيتها" في بنوك المراكز الكولونيالية و"الصليبية" التي تدعي محاربتها! أما في الواقع فإنها لا تتعدى كونها "زكاة" نفعية للإبقاء على الأوضاع القائمة كما هي. ومن ثم تشكل الاستمرار الفعلي في محاربة الفكرة الإصلاحية بشكل عام والإسلامية بشكل خاص، القديمة منها والحديثة.

إن "خاتمة" الإصلاحية الإسلامية لم تنته بعد! ومن ثم فهي تبقى جزء من الاحتمال التاريخي الأكبر للفكرة الإصلاحية (الدينية والدنيوية) في العالم الإسلامي ككل. بمعنى أنها مازالت تحتمل إمكانية التوليف النظري والعملي بغيرها من تجارب الإصلاح الحديث. وبالتالي إمكانية توليف تجارب الفلسفات الإصلاحية القائلة والفاعلة بأسلوب الرجوع للماضي (كما هو الحال بالنسبة للإصلاحية الإسلامية)، والإصلاحيات القائلة بأسلوب السير نحو المستقبل. وذلك لأنهما كلاهما يمثلان بأشكال متنوعة فلسفة الاحتمال والتجريب النقدي للبدائل العقلانية الإنسانية. كما إنهما كلاهما يقفان بالضد من مطابقة فكرة الرجوع إلى السلف مع فكرة الإصلاح. وكلاهما يدركان حقيقة الإصلاح بوصفها فكرة مستقبلية، وان مفهوم الإصلاح مفهوم نقدي يدرك الخلل الجوهري ويسعى لإصلاحه بمعاييرها (الرؤية والفكرة المستقبلية). كما إنهما كلاهما لا يتعارضان مع حقيقة الفكرة القومية. إذ توصلت الإصلاحية الإسلامية الحديثة إلى أن لكل قومية "إسلامية" تاريخها النسبي والجزئي في الفكرة الإصلاحية. وذلك بسبب خصوصية الفكرة القومية في العالم المعاصر، التي تجعل من مرور الأمم بدهاليز التطور الذاتي أمرا شبه حتميا بسبب اختلاف وتنوع تقاليدهم السياسية ومستوى تطورهم الاجتماعي ونوعية الإشكالات التي تواجهها على صعيد بناء الدولة والأمة والثقافة. وبالتالي الإقرار بفكرة التعددية (القومية) دون وضعها بموضع التضاد مع فكرة "الوحدة الإسلامية" او "المصالح الإسلامية العامة". 

غير أن لهذا الخاتمة المنطقية منطقها المعقد في الروح والجسد الفردي والاجتماعي والقومي و"الإسلامي". والقيمة الحيوية للفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة بهذا الصدد تقوم في أنها حاولت التدليل، متأثرة بتيارات الفكر العقلاني والإنساني الإسلامي والعالمي، على أن الإدراك الخالص للحقيقة يفترض الإخلاص لها، أي التجرد المادي والمعنوي والروحي والأخلاقي، بمعنى الارتقاء على الجسد ورميه تحت أقدام الحدس الروحي، بوصفها المقدمة الضرورية لكل إبداع حق.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4404 المصادف: 2018-09-26 02:30:39