المثقف - كتب وإصدارات

إشكالية العلاقة بين السلطة والمثقف والمجتمع

362 نبيل ياسينقراءة في كتاب: الاصول الاجتماعية والفكرية للتيارات الإسلامية المعاصرة

هناك مجموعة من المشكلات التي ما زالت تهيمن على الثقافة والحياة العربية والإسلامية منذ سقوط الدولة العباسية والى يومنا هذا وازدادت هذه المشكلات تعقيدا وتداخلا حتى اصبحت لدينا إشكالية مستديمة تنظوي تحتها جميع المشكلات الآخرى، هذه الإشكالية هي إشكالية العلاقة بين السلطة والمثقف والمجتمع، ونعني هنا بالسلطة كل اشكال الهيمنة في التاريخ الاجتماعي للعرب والمسلمين لاسيما ببعدها الاستبدادي المرتبط بطريقة الحكم او بطريقة تماهي المثقف مع نوع الحكم هذا او مع قبول المجتمع لهذا الشكل من الهيمنة والقمع والغاء التفكير ودمجه بارادة السلطة الحاكمة التي استمدت الحكم بتبريرعقائدي عبر الربط بين حكم الله وحكم السلطان . هذه الإشكالية هي كانت محط إهتمام الدكتور نبيل ياسين في كتابه (الاصول الاجتماعية والفكرية للتيارات الإسلامية المعاصرة) الصادر من دار زيد للنشر ـ لندن بطبعته الاولى 1994.

يذهب المؤلف الى ان هناك صراع بين الدولة والمثقف الحر لكن هذا الصراع لايطال الدين كمعتقد ينظم علاقة الله والفرد وانما يجري على اساس حظر حرية المثقف وحرية التطور الثقافي من قبل السلطة التي تفرض شكل ومضمون عن طريق الاحالة الى المرتكزات الدينية واعطاء قهرها الاجتماعي طابعا مقدسا باستخدام الدين كسلاح ايديولوجي لتعبئة ادواتها المحموة ضد خصومها السياسين وضم الراي العام الى هذه الادوات .(ص17) لذلك فان تاريخ الحروب الدينية يكاد يكون حروب سياسية اجتماعية ارتدت طابعا دينيا .

يؤكد المؤلف على طابع التسامح والرحمة في الدين الاسلامي حتى في بعض المآخذ من الخصوم لاسيما في العلاقة مع المجتمعات التي لم تدخل الاسلام عدا استغلالها للجانب الاقتصادي بوصف هذه المجتمعات توفر ايرادات لبيت المال لإدارة الدولة كي تفي بحاجات المجتمع الجديد .

اشار المؤلف الى ان هدف السلطة الدينية باستمرار كسر شوكة المثقف (ص24) ويذكر نماذج لعلاقة السلطة بالمثقف ويشير الى اضطهاد الحجاج وقتله لاحد كبار المثقفين في الاسلام وهو سعيد بن جبير الا ان الحجاج برأينا لم يكن يمثل السلطة الدينية بل كان يمثل السلطة السياسية او السلطة السياسية ذات الصبغة الدينية سعت الى اضطهاد رجل دين ومحدث مثل سعيد بن جبير. كذلك فالسلطة الدينية في عصر النهضة العربية الى اليوم يمكن ان تمثل سعي الى كسر شوكة المثقف وقد اشار المؤلف حينما ذكر موقف المؤسسة الدينية من كتابات علي عبد الرزاق وطه حسين واضيف محمد احمد خلف الله ونصر حامد ابو زيد وسيد محمود القمني في يومنا هذا .

ذكر المؤلف ان فتاوى التحريم والاتهام بالكفر والالحاد معدة لكل مثقف يجرؤ على تحديث العقل. الا اننا نرى ان الثقافة الإسلامية لم تكن بهذا المستوى والا كيف ظهر المعتزلة وكيف ظهر الفلاسفة، اعتقد ان هناك صراع كما هو في الغرب بين المحافظين والمجددين ولكن الغلبة في مجتمعنا العربي كانت للمحافظين وقد بين المؤلف ذلك في موقع اخر اذ ذكر ان هناك رغبة من السلطة الى الحفاظ على ما هو موروث وسائد (ص26 )، هذه السلطة يسميها الايديولوجيا الدينية المعارضة والتي تسعى الى جعل الدين موقفا دنيويا يتدخل في كل التفاصيل اليومية للفرد ويقرر صلاحية كل اجراء او تطور (ص26) .

وهذا صحيح الى حد كبير ولكن هذا لا ينطبق على الايديولوجيا الدينية المعارضة بقدر ما ينطبق على الايديولوجيا الدينية الرسمية فالمعارضة رغم توجهها الشمولي الا انها يمكن ان تعد شكل من اشكال النزعة التجديدية والاصلاحية في الثقافة الاسلامية.

ان تماهي السلطة مع الدين كايديولوجيا رسمية وتماهي رجال الدين مع السلطة بوصفها سلطة الهية وربط الارادة السلطانية بالارادة الالهية هو الذي جعل الاسلام عامل ضغط على المجتمع والدولة ووقوفه ضد المتغيرات الجديدة وليس التيارات الاسلامية كما ذهب الى ذلك المؤلف (ص28) . فبعضها كان هو الدافع الى القبول بهذه المتغيرات والا كيف ننظر الى كتابات الطهطاوي اوالافغاني والتونسي ومحمد عبده والكواكبي وصولا الى علي شريعتي وحتى جمال البنا .

ان الصراع بين نزعة المحافظة ونزعة التجديد هو ما اتسمت به الثقافة الاسلامية ومن ثم هيمنة نزعة المحافظة التي تماهت مع السلطة منذ نهاية الخلافة الاسلامية الراشدة الى يومنا هذا، الامر الذي جعل المثقف والمجتمع يعيشان ازمة الجمود والتخلف، وقد اشار المؤلف الى ما يماثل ذلك اذ ذهب الى ان الدولة الاسلامية عندما انتقلت من مفهموم القبيلة والعشيرة الى مفهموم الامة كان هذا الانتقال السبب بحضورها الثقافي والسياسي رغم الهيمنة القرشية ذات الطابع العصبي على المنجزات الحضارية للاسلام وتأطيرها لإمتيازات الامويين في رداء ديني ودفاعها عن منظومة ايديولوجية مستمدة من الدين الجديد ومعتمدة عليه على اساس جبري استمدت بعض مببراته من تفسير نصوص قرآنية حول الجبر والقدر ينظر (ص33).

كان التوظيف الايديولوجي لمفهموي القضاء والقدر من الاسباب الاساسية لسيادة نزعة المحافظة وغياب العقل الحر فضلا عن غياب العصبية (الدينية) وظهور العصبية القومية المؤطرة " باطروحة ظهور الاسلام بين العرب واختصاصهم به دون القوميات الاخرى" الامر الذي دفع الى " عدم علمنة الفكر القومي وجعله دائم العودة الى حلقة وصل للنهضة القومية وجد تفسيرها في دور الدين، ولذلك لا يفصل المفكرون القوميون الدين عن الشعور القومي" .

هذه الالتفاتة الرائعة من المؤلف تعطينا فهما للحالة التي تعيشها المجتمعات العربية والاسلامية عامة والمجتمع العراقي خاصة لاسيما في تماهي التيارات القوموية مع النزعات الارهابية (الموظفة للاسلام ببعده السياسي) والدفاع عنها وكانها تمثل الاسلام القومي العربي، الامر الذي ادى الى سيادة نمط من العنف اخذ شكلا عالميا واصبح الارهاب وكأنه مرادف للاسلام، واصبح العراق الساحة الرئيسة للمشترك القومي الارهابي اذ شجع على استهاض الشعور الطائفي ودفع بالرؤى الاسلامية الاخرى الى ان تنكفأ على نفسها وتتمحور حول التوجه المذهبي والطائفي وكانه طريق الخلاص الوحيد .

هذه النزعة ذات البعد التاريخي في الثقافة العربية والاسلامية هي التي كانت الاصل في جعل دولة اسلامية مثل ايران تصبح ذات تكوين مذهبي وقومي كانت جذوره تمتد الى نشوء النزعة القومية مع الدولة الاموية والتمييز بين العرب والموالي لاسيما حينما " اصبح الدين المكون الاساسي لطبيعة الدولة القومية وشكلها السياسي " (ص37).

لكن ما يجدر قوله ان " الفكر الديني لايقوم على اساس قومي بل يرفض هذا الاساس رفضا قاطعا" (ص72)، ففكر الاخوان المسلمين اليوم مثلا وفكر محمد باقر الصدر كلاهما يرفض المجتمع القومي ويحل محله المجتمع الاسلامي " وفي الوقت الذي يشكل فية المجتمع القومي القائم على تقاليد الاسلام حلقة وصل بين التيارات القومية المختلفة نجد الاسلام يشكل حلقة وصل بين المجتمعات القومية المختلفة لدى التيارات الاسلامية الراديكالية، وينقسم المجتمع في نظر هذه التيارات الى مجتمع جاهلي ومجتمع اسلامي وهذا يشكل مشكلة اساسية بنظر المؤلف في العلاقة بين العصر والاسلام اذ "تقوم هذه العلاقة على تذويب متغير متقدم بثابت ساكن" (ص74)، المتغير المتقدم هو العالم اليوم بكل حركيته وديناميته والثابت هو الإسلام بوصفه منظومة نقلية تسليمية.

في سياق قراءة المؤلف لطبيعة تشكل الفكر الاسلامي وجدناه يحاول ان يفصل بين طبيعة تكون الاسلام السني وطبيعة تكون الاسلام الشيعي في ضوء نظرته لعلاقة الاسلام بالاستبداد والمثقف بالسلطة والاقتصاد بالدولة، اذ يجد المؤلف ان الفكر السني اقرب الى النزعة الرأسمالية (الملكية الخاصة) منه الى النزعة الاشتراكية (الملكية العامة) على العكس من الفكر الشيعي الذي يؤيد فكرة الملكية العامة منذ ايام علي بن ابي طالب حينما اقترح على عمر بن الخطاب عدم توزيع الاراضي المفتوحة في العراق والشام ومصر وابقائها بيد اصحابها كمزارعين على ان تكون ملكيتها للامة وخراجها لبيت المال، وحذر من ان توزيع الاراضي سيقود الى التناحر الاجتماعي وضعف هيمنة الدولة وهيمنة طبقة معينة على فائظ راس المال الامر الذي يدفع باتجاه زيادة النزاع الطبقي، وقد اشار المؤلف الى تطور نزعة الدعوة الى الملكية العامة لدى الخوارج ومن ثم عند القرامطة بشكلها التطبيقي .

ان الذي يعنينا من قراءة المؤلف هذه ليس تركيزه على الفصل المذهبي في الاسلام لان ذلك اصبح من السائد والمتعارف عليه، لكن الذي يعنينا هو قدرة المؤلف على الربط بين سيادة نزعة الملكية الخاصة وحضورها في الدولة الاسلامية منذ ايام الخليفة الثالث وسيادة نمط واحد من انماط الحكم هو نمط الحكم الاستبدادي وغياب المشاركة الاجتماعية في خلق الحياة وتجديدها لاسيما في تماهي الفكر بشكليه الديني والثقافي مع هذه النزعة، الامر الذي يعد باعتقادنا احد اهم الاسباب المهمة في تدهور وتخلف المجتمع العربي والاسلامي وهو السبب في غياب مقولة الفصل بين الدين والدنيا وهيمنة مقولة (الاسلام دين ودنيا) منذ ايام معاوية الذي بدأت معه الحاجة لوجود "حارس ايديولوجي" بعبارة المؤلف او (واعظ السلطان) بعبارة الوردي يدعم سلطة الدولة ويؤكد احقيتها بالخلافة مبررا هيمنتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية حتى " تحول الدين الى ايديولوجية رسمية ذات نفوذ استبدادي" (ص51) .

وادلجة مقولة (عبودية الامة للاله) الى عبودية الخليفة و"اعتبرت الامة نفسها ملكية عامة لمؤسسة الخلافة" (ص52) .

ونسي "وعاظ السلاطين" ان مبدأ التوحيد الذي تقوم عليه عبادة الامة للاله يقوم على تحرير الانسان من اية عبودية كونه " يعطي الضمان ضد طغيان سلطة التشريع ... وتحديد مفهوم الحرية بانه تحرير للعقل البشري من الجهل وتحرير للبشرية من عبودية الجسد وعبودية الروح وعبودية السلطان " (ص76) .

تكرست هذه النزعة مع تنماي الوجود الاجنبي لاسيما مع البويهيين والسلاجقة وظهور الاقطاعي العسكري الذي تميز به الحكم السلجوقي واشتداد الصراع الطائفي الذي كان واجهة للصراعات الثقافية والاجتماعية والسياسية .

بداية المرحلة السلجوقية ستكون بداية انحطاط طويلة الامد ما تزال المجتمعات العربية والاسلامية تعاني منها لاسيما في تبنيهاا " طابع الصراع العسكري في المجتمع على حساب طابعه السياسي والثقافي ونقلها لتقليدها العشائري بتقديسها الزعيم (الخان) وفرض الطاعة العمياء للنظام العشائري المراتبي الصارم والتزمت الديني والطائفي الذي اضافوه للاسلام " (ص57)، اذ استخدمت الطائفية في الصراع القومي بين الفرس والاتراك واستخدم العرب اداة لذلك، واصبح الصراع الطائفي هو الوجه الابرز للصراع القومي بين الصفويين والعثمانيين وقاد هذا الوضع كما يشير المؤلف الى " ان ينحط المستوى الديني الايماني وتضاف الى الدين كثير من الخرافات والمعتقدات القبلية " (ص58) متفقا في ذلك مع ما اشار اليه من قبل علي الوردي في كتبه لاسيما "وعاظ السلاطين" و"مهزلة العقل البشري" وكتابات علي شريعتي لاسيما " التشيع العلوي والتشيع الصفوي" و "دين ضد دين" الا ان الوردي وشريعتي ركزا على البعد الخرافي والاسطوري في الفكر الشيعي حينما هيمنة عليه النزعة الصفوية وتحويله من التجديد الى المحافظة غير متناسين هيمنة هذه النزعة على الفكر الديني الرسمي، بينما نجد نبيل ياسين يركز على الايديولوجية الرسمية التي ذهبت الى التأكيد بان " بقاء الاسلام اهم من رفض السلطان الجائر الذي يحكم باسم الاسلام " (ص59)، على ان لا ننسى ان هذا الامر له جذوره في المجتمع الاسلامي منذ الخليفة الثالث وايام معاوية بن ابي سفيان والذي وبخه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حينما شاهد الهيبة التي تحيط بموكبه وهو لم يكن سوى عامل الخليفة على بلاد الشام فأجابه معاوية اننا متاخمون لبلاد الروم وان هيبة السلطان عندهم من هيبة الدولة، الأمر الذي لم يعطه المؤلف اهتماما واضحا في كتابه .

حضور هذه النزعة كان السبب في عدم تفعيل حركات الاصلاح الديني فيما بعد لاسيما مع وجود التحدي الكولنيالي المتمثل بالاستعمار الحديث الذي يمثل الهيمنة الغربية على الحضارة الشرقية الامر الذي دفع النزعات الاصلاحية التجديدية ان تذهب الى ما ذهبت اليه النزعات المحافظة في الدعوة للعودة الى الاصول (المنابع الاولى) وغياب نزعة الفصل بين الدين والدولة وهيمنة هاتان النزعتان على الثقافة الاجتماعية وغياب الديمقراطية وتعثر المشروع المدني فضلا عن عدم قدرة الفكر الاشتراكي العلمي على تقديم صورة واقعية ملموسة لمجتمع عربي اسلامي متقدم (ص60-61) لاسيما دراسة الماركسيين للواقع العربي الاسلامي وكانه واقع شبيه بالواقع الاوربي وان المراحل الطبيعية التي مر بها هذا المجتمع تنطبق على مراحل التحول الطبقي في المجتمع العربي الاسلامي فالحالة الاوربية شهدت انفصال الدولة عن الكنيسة في المرحلة الراسمالية وشهدت تحجيما لدور الدين ... فالانتقال من الاقطاع الى الراسمالية (في المجتمع العربي) سيبدو ضربا من الوهم الايديولوجي فلا المرحلة الاقطاعية كانت سائدة في المنطقة العربية الاسلامية ولا الراسمالية مرحلة تم او يتم الانتقال اليها الان .(ص79 وص90 نفس المعطيات) .

لذلك نجد المؤلف يرى ان مبدأ الشورى في صورته التي ظهر فيها في التاريخ الاسلامي لايصمد امام الديمقراطية المعاصرة " فقد انحصرت الشورى في نخبة، كما انها لم تنقذ الاسلام من اول ازمة يواجهها حين ادت الشورى الصغرى الى مقتل الخليفة عثمان بن عفان وانشقاق صفوف المسلمين" (ص71).

نرى مما تقدم ان هذا الكتاب الصغير الحجم استطاع من خلاله المؤلف ان يكثف المعالجة لاشكالية العلاقة بين السلطة والمثقف والمجتمع عبر قراءة متأنية لطبيعة تشكل المجتمع العربي والإسلامي عبر تأريخه واستمرارية هذه الإشكالية الى يومنا هذا لاسيما بعد هيمنة التيارات الإسلامية والإيديولوجية احادية الرؤية وكأن حالة التماهي مع التاريخ لا بد وان تبقى مهيمنة على المجتمع العربي والإسلامي الذي يعيش حاضره وهو مشدود لماضيه ولا يفكر الا فيه وهذه ليست اشكالية المجتمع فقط وانما هي اشكالية السلطة والمثقف والمجتمع معا.

 

د. علي عبد الهادي المرهج

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4406 المصادف: 2018-09-28 13:32:10