 كتب وإصدارات

حين تتوغل الكلمة الحرة في القلوب

مالكة عسالدراسة لديوان زجلي بعنوان: سوق راسي للزجال المغربي إدريس هكار

مستهل: الزجل تَعَب لمن يريدون للكون استقرارا، وللإنسان العيش الكريم بكافة الحقوق، هو كلمة حرة نابعة من سلالة مشاعر صادقة، عنيفة في هيجانها، حين تحس.. هو حركة خفية جنونية تركب صاحبها دون وعي منه، فتقوده نحو ملكوت الله، ليقول فيه كلمته الرنانة التي تطرب، وفي نفس الوقت تربك، يتسلل كالعفريت بين الجلد والعظام، يشق الفجاج والبطاح والسهول والجبال، صاعدا إلى عباب السماء، هابطا إلى الكهوف والأغوار، متوغلا في صفوف بني البشر، يشعل فتيله في البعد الطبيعي والإنساني، ليوقد النار في الأعماق، متلحفا الصمت والتأمل، ليولد على الصفحات بانبثاق جديد، محققا كينونته بكل ما تعنيه الكلمة من سحر وجمال، وقوّة في الحضور، وبعثا في تحقيق الآمال؛ وبحر الزجل لا يدخله إلا من كان له فن الصياغة من خلال موهبة يمتلكها، وقدرة على مزج الكلمة بالجمال، واحترافية في مراقصة الحرف على وتر السحر والبهاء.. الحقيقة كان لي نفور من سماع الزجل، باعتباره كلاما عاميا توارث عن الجدات، وإنشادا من بعض الفلاحين في الحقول، لكن لما سخّرت أسماعي لرنة حرفه، شدتني فخامه صوره، وقوة معانيه، فرأيت الزجل كالشعر ينشد الجمال، يربك الأعماق الإنسانيّة بعنف لذيذ، ليرسم نزعات القبح لوحات من السحر، يحسه القلب، وتتشربه الروح، وتنحني له الأحاسيس .....

وحتى أقنع نفسي تناولت ديوان إدريس الهكار تحت عنوان (سوق راسي)

العنوان كبوابة لولوج صدر الديوان

عنوان رمزي يتركب من (سوق) مكان تسوق السلع والبضائع، نتداولها باللغة العربية والعامية السوق النموذجي، السوق الأسبوعي (أتى من السوق) لكن تضخم معناها بالعامية بشكل أكبر (ادخل سوق راسك)..واش سوقك ؟؟ إلى آخره، وقد أضاف شاعرنا لكلمة (سوق) راسي ..ليوحي إلينا بدلالة عميقة: (ندخل جواي) سوق راسي، أي شيء يخصني، أكتفي بأشياء تهمني، ولا أتدخل في شؤون الغير، تجنبا للمشاكل، أو حتى لا يُنعت بالفضول، أو التدخل في ما لا يعنيه كي لا يسمع مالا يرضيه ..عنوان يكتنفه اللبس حتى بات لغزا يجب دخوله بطرق متعددة لبلوغ معناه..

الغلاف أو دفتا الديوان

غلاف الديوان يرفل في حلة سوداء، تتوسطه صورة واضحة لزجالنا إدريس الهكار بنفس اللون، لون الكآبة والحزن، لون المآسي والدموع والألم، دليل قاطع أن الذات الشاعرة، تحمل هما بوزن الجبال، تتجرع المُرّ من الواقع/ من المحيط، من الحيز الذي يتواجد فيه، مما يسمعه من أخبار تدمي القلب، وتبعث على الشجن، مما يراه ويعتريه، من أشياء تؤزم النفس، وتترك أثرا مقلقا في العمق، ومن هذا القلق بالذات، والتوتر بانفعال شديد، ما حرك المشاعر، وأشعل فتيل الإبداع في المجال الزجلي، حيث تتأبط الذات الشاعرة الأحبار، وتفرغ ما يكتنز في العمق على الورق، لتكون الكلمة الحرة هي الظل الوارف، الذي يحميها من حر المواجع، ولفح المآسي، ومرارة النكبات الإنسانية المتعاقبة ..فالزجل هذا الكائن العجيب، الجميل، سلب من زجالنا إدريس هكار كينونته الإنسانيّة، ليولد في مهده طفلا، يشدو كالبلبل بنشيده الصداح، ويصبح نبيا يعتلي منزلة العالم في علوها البهي، فيجاور العالم الإلهيّ، متوغلا في صلب الأشياء حتى الجوهر، فينفض عنها الغبار، لتلتمع وتنضاح بصورة أخرى غير مألوفة ..

مرارة التيه في الواقع المر

شاعرنا ادريس الهكار يتأمل ويتألم، لم يعد يرى نفسه على الواقع، كما لم يعد يرى ما حوله، ليس لأن الرؤية غير واضحة، وإنما لم يعد تحلو له الرؤية لأوضاع تلبست باللغز، وأشياء غير مفهومة تذوخ، غار فيها الجمال في الذميم، والحق في جنح الباطل، والصح في جبة الخطأ؛ واقع غابت فيه القيم النبيلة، حتى أصبح الحلال فيه يباع حراما شرعا، كما قلتُ ذات توقيع، يعني أصبح الواقع بالنسبة لشاعرنا سوقا يختلط فيه الحابل بالنابل: تعمه الفوضى والعبث ..

ودخلت ســـوق راسي

سوق واش مـن سـوق

الـداخل ليـه يـتيـه

والخارج منّو مـا يسخى بيه

تاه شاعرنا في دوامته، يحمل أوجاعه بمفرده، لا أنيس في وحشته، ولافي فكره، ورأيه، ولا في المأمول الذي ينشده، ولا حتى في حرفه الذي يرافقه بكل ثقة ومودة،

ما لقيت كاس يفش

ولا حرف يحس

ولا حتى خيرت لونا س

وتلف لي لحساب

هم يثقل كاهل الذات الشاعرة حد القسوة، حتى أصبحت تراودها فكرة الهروب، والتنصل من أوضاع مزرية قاتلة للطموح، للحب، للعيش الكريم بكافة الحقوق الإنسانية.. تشاؤم سدّ آفاق الأمل في التغيير وإصلاح الحال.. وتشنج الأمور، وانسداد الأبواب يعصفان بالحالة النفسية للمبدع، فيهرع راكضا خلف هواجسه بحثا عن الجديد المختلف، عسى وعلّ يجد ضالته المبحوث عنها من أول قصيدة، وهذا هو السر في الإبداع وابتكار قصائد جديدة..

الهموم الإنسانية جرح نازف

فشاعرنا لا يكتفي بحمل هَمّ الوطن على الأكتاف، والاهتمام بواقعه بأوضاعه المأساوية، بأزماته ونكباته القاتلة، بالمتربصين به وباستقراره، بل ويمرر الحرف إلى البعد الإنساني، في جميع الأوضاع، واضعا إصبعه على الشريحة المشردة، التي لا مأوى لهم غير الشوارع والطرقات.. مواقف إنسانية نبيلة تهز مشاعر شاعرنا إدريس الهكار، لينفت صليلها في قمقم الزجل ..

يقول :

على هذوك بالي مشطون يا حبابي

اللي فالزنـاقي كيشمو لخوابي

سماهم غطا والقر النـــابي

ولا خرقة من الثوب الدافي

ويشتد به الأسى والخوف على ناس يلتحفون السماء، ويفترشون الثرى، لا لباس لهم غير الأسمال البالية، ولا طعام لهم غير الخبز الحافي، مأواهم أكواخ من القصدير لا تتعدى 3 أمتار، عرضة للَفْح الشمس، وقسوة القر، وعواصف الغبار، عاطفة فياضة بالشفقة والحب على هؤلاء المهمشين، المقصيين الذين يعانون من قساوة العيش، وقلة ذات اليد ...

يقول :

ثلاتة ميترو فالبيت قالو

ساكنة فيه سبعطاش

عيونهم حوالو

النص ناعس والباقي عساس

و لاخر فالدروبا ما عندو راس

فراشو كرطون

بؤساء يرتوون من دموعهم ،

ولايني يحلق شاعرنا بين أحضان الشباب، يترصد بعينه المجهرية آلامهم وشكواههم، البعض غارق في همومه، والبعض يبكي وينوح حظه العاثر، تحاصره أمداء من الهيام والتيه، والآخر، يتجرع جنح البطالة رغم الشهادات، والمستويات الدراسية العليا

*** غربة والحيرة والسؤال الملح

لحظات من التأمل والحيرة، أسقطت شاعرنا في دوامة من الغربة والتيه، حين ربط صلات مكثفة مع أشيائه في الواقع حد الذوبان، وانغمس فيها ليفهم كنهها، فيزول ذاك اللبس القائم، فصادفته أمور معقدة أكثر لموازين مقلوبة، وأشياء ليست في أمكنتها، فانغمس في بحر من الأسئلة تصب في جيوب المستحيل

القلب مهجور

الزمان محقور

و لغرام كشاش

علاش

لعقل مضرور

صراع قوي ومحتد، زلزل الذات الشاعرة، وأصابها بدوار، فشاعرنا إدريس الهكار يريد لواقعنا أن يكون صفحة بلورية مثل المرآة، طاهر من أيادي الظلم والاحتقار، الكل يتمتع بالعيش الكريم وكافة الحقوق، تمتد بين الجميع ظلال وارفة من الحب والتسامح والإخاء، يسري في عروقهم حب الآخر بصدق، يتوشحون بالقيم الإنسانية النبيلة، القاتلة للمكر والخداع والأنانية.. صوت يبوح بالحقيقة لألم يحز في النفس، محتد بأسئلة ملحة، من أجل الإنسان الذي شيأه الزمن، فأصبح تافها لا قيمة له يعيش في الغاب، عرضة للقهر والتحقير والغبن بين طواحين الإجرام ولفظة (علاش) كلازمة متكررة، تؤكد مدى اضطراب نفسية الشاعر، إزاء ظواهر إنسانية مرفوضة، وتطلعات طامحة نحو الأفضل، وما بين المقبول والمرفوض، يتضخم السؤال، وتكبر الحيرة..

الدعوة إلى التغيير نحو الأرقى

لقد شقّ شاعرنا إدريس الهكار جملة من الطرق والسبل، ليصل إلى المرفأ الوضيء، مكافحا، شاجبا، مشخصا الحالات، فاضحا، كاشفا عن الحقيقة، صارخا بأعلى صوت من أجل إحقاق الحق، لكن اليد الواحدة لا تصفق؛ حين لم يتحقق الهدف المنشود، انتهج سبيلا آخر من أجل التوعية ونشر ثقافة التغيير، فوجّه قوله إلى الغافلين النيام، قبل أن يأتي الطوفان، منبها إياهم إلى العمر الذي يتسربل من بين الأصابع، إلى الوقت الذي يمر سريعا وهم لا يبالون،

عيق يا الناسي وفكر زمانك

وفيق يا الناعس واحسب وقاتك

يا الناعس

ويقول :

أنا بكيت وماكفاني بكايا

وغوت غوات و ماقدني شكايا

حركة نضالية هزت شاعرنا من جذوره منتفضا، ضد من لا تأكلهم الغيرة على أحوالهم، ولا يفكرون في التجديد والتغيير، والرقي نحو الأسمى، وكأن الحياة ستتكرر مرتين، مشاعر حارة، ونفسية مهزوزة حول من تهدر حقوقهم، وهم لا يشعرون، وحول صوته الجاهر بالحق الذي لا يلقى ترحيبا، بل آذانا منغلقة بالطين والعجين، وهذا الأمر النازف سبب لشاعرنا جرحا حارقا إلى درجة البكاء؛ وهذه هي سمة المثقف الحي الذي يبحث في الحزن عن الفرح، وفي الكُرَب عن الفرج، وفي الضلال عن الهدي، وفي الظلم عن العدل.. وطبعا هذا لن ينفرد به إلا الشاعر الحر الصادق في مواقفه، الذي يرى مصلحته في مصلحة الآخرين..

الدخول في رحمة الله

حين صرخ شاعرنا ولم يجد آذانا صاغية لندائه، وجهر بصوت الحق ليُبَلّغ رسالته الإنسانية، ولقي إهمالا واسعا، فوض أمره لله حامدا شاكرا، بحبه الكبير له الذي يسري في قلبه، مؤمنا بكتابه وبقدره، لأنه هو العالم بسره، يناديه ليفرج كربه...

يقول

انت عالي وعالم وعارف ما بسري

ناديك يا مولاي فرج لي كربي

حبك يا ألله في دمي يجري

نور الإيمان يشع في قلبه، ليتوجه بكفوفه تذرعا إلى الله، مطيعا لأوامره، حامدا إياه على نعمه الوافرة.. متبعا تعاليم الشريعة والسنة بما يرضي الله، يبتغي رضوانه خوفا وندما على أخطاء قد ارتكبها دون قصد، راجيا منه الرحمة وفتح أبواب التوبة، فالاعتقاد الراسخ وقوة الإيمان، والارتباط القوي بالله سبحانه، يجعله بين الحين والآخر يشك في عمله الصالح، وكأنه لم يقدم شيئا..

على سبيل الختم

فالتعبير الصادق الصاعد بعمق، من القلب، مهما كان لونه أو نوعه، شعرا أو قصة أو زجلا، لابد وأن يصل إلى القلب، وزجالنا إدريس الهكار، أبلغنا رسالته النبيلة لنشاركه حرقة الإحساس، وما يضطلع به من هموم تجاه الوطن والإنسان..

 

مالكة عسال

بتاريخ 9غشت 2019

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4727 المصادف: 2019-08-15 16:28:58