 كتب وإصدارات

سؤال الانتماء الثقافي في كتاب مستقبل الثقافة في مصر لطه حسين

صلاح الدين اشرقيمقدمة: لقد طرح كتاب مستقبل الثقافة في مصر إشكالات عميقة فرضها واقع عصر النهضة، إذ انشغل مجموعة من المفكرين في هذه المرحلة بأسئلة عميقة، أهمها سؤال الهوية والانتماء، وطه حسين بوصفه من مفكري عصر النهضة لم يخرج عن هذا الإشكال الإطار الذي كان المحرك الرئيسي لمشروعه في هذا الكتاب، فسؤال الانتماء ـ وخاصة الثقافي ـ هو الحاضر بقوة في خطابه، نظرا لأهمية الثقافة عنده، غير أن عمل الخطيب في هذا الكتاب لا ينحصر في الإبانة عن أهمية الثقافة فحسب، وإن كان هذا حاضرا في الخطاب، لكن حضوره يعتبر تمهيدا للغرض الأساسي وهو تحديد الهوية الثقافية المصرية أو أصلها، وذلك من خلال الرجوع إلى ماضي العقل المصري لمعرفة أنماط الثقافات التي تواصل معها هذا العقل، والأخرى التي عاش معها في صراع وخصام.

وقد انطلقنا ـ بدورنا ـ في هذا البحث من إشكال الانتماء الثقافي في خطاب طه حسين، حيث حاولنا تقنين الموضوع ومعالجة قضية بعينها، على اعتبار أنه لا يمكن دراسة الكتاب بأكمله، وقد ركزنا في تحليلنا لهذا الإشكال على المحاور الثلاثة الأولى من كتاب مستقبل الثقافة في مصر، وهي، (الثقافة والعلم أساس الحضارة والاستقلال، ومستقبل الثقافة بمصر مرتبط بماضيها البعيد، وكذلك محور العقل المصري والعقل اليوناني وتأثر كلٍّ منهما بالآخر)، وفي هذه المحاور يظهر لنا جليا سؤال الهوية الثقافية لدى طه حسين، ونحن في قولنا بأن الهوية الثقافية هو الإشكال الأكثر أهمية في الخطاب، لا يعني أن الكتاب يطرح هذا السؤال فقط، بل تحضر أسئلة أخرى، من قَبِيلِ تلك المتعلقة بالتعليم والسياسة التي يجب على الدولة أن تَنهجها لتطويره وازدهاره.

فكيف عالج طه حسين إشكال الانتماء الثقافي الفكري لمصر؟ وما هي الآليات الحجاجية البلاغية التي اهتدى إليها في خطابه للدفاع عن دعواه؟ 

ـ نمط الخطاب ونوعه:

إن خطاب طه حسين يمكن إدخاله ضمن الخطابات الفكرية السياسية الاجتماعية، وطه حسين خطيب لديه موقف أو مشروع يحاول الدفاع عنه، وهذا المشروع يتمثل في مستقبل الثقافة في مصر بعد مرحلة تحقيق الاستقلال السياسي، وخطابه هذا جاء لكي يرسم "خارطة الطريق" التي يجب أن يتبعها المجتمع المصري وكذلك الدولة المصرية لبناء مستقبل ثقافي متين، وفي قولنا بأن الخطاب سياسي لا نقصد به المعنى الخاص للسياسة، فالخطيب لا ينتمي إلى أحزاب سياسية لكي يُعبر عن مواقف هذه الأحزاب كما يفعلوا رجال السياسة، بل المقصود هنا المعنى العام للسياسة، فالخطاب هنا موجه إلى الشأن العام وهو خطاب يبحث عن المصلحة العامة للأمة، وبما أن النص فكري فإنه يركز بالدرجة الأولى على " الخطاب " أو " اللوغوس "، لكن هذا لا يعني إقصاء المتلقي الذي هو المعني بالخطاب، إلا أن المتلقي في نص طه حسين يعتبر خاضعا للخطاب الذي يمارس الحجاج والإقناع عليه، وبذلك فإن الخطيب اتخذ من الخطاب سبيلا أو منهجا لإقناع المتلقي بدعواه، وقد وجد طه حسين نفسه في موقف حجاجي بينه وبين المجتمع المصري المعني المباشر بالخطاب، وبما أن طه حسين شِفاهي بطبعه دائما تحضر لديه صورة " جمهور المخاطَبين" كما هو الحال في هذا الخطاب فهو لا يوجه رسالته إلى أشخاص بعينهم وإنما يتحدث إلى مجتمع بأكمله طامحا بأن تنجح " خطته الحجاجية " في إقناعهم بوجهة نظره.

ـ مكانة الثقافة في خطاب (طه حسين):

لقد ركز طه حسين في البداية على مكانة الثقافة ودورها في تطوير المجتمع، وقد اختار الخطيب  لدراسة هذا الموضوع وإقناع المتلقي بنتائجه مسارا حجاجيا بدأه بذكر بعض النتائج السلبية الناتجة عن ضعف الثقافة، كما أورد بعض النتائج الإيجابية للثقافة والعلم أيضا، وهذا كله من أجل جذب المتلقي أولا إلى الموضوع الرئيسي وهو " الثقافة " ثم بعد ذلك الانتقال إلى رسم الطريق الذي يُؤدي إلى تطويرها وازدهارها، معتمدا في ذلك على " استراتيجية الحِجاج بالأسباب والنتائج " وهي " حجج تجريبية تستند إلى علاقات موجودة في الواقع؛ من قبيل علاقات التعاقب التي تربط بين ظاهرة ما وبين نتائجها وأسبابها "[1]  ومن الحجج القائمة على هذه العلاقة " الحجة النفعية " التي تقوم على تقويم فعل ما أو حدث أو قاعدة أو أي شيء آخر على أساس نتائجه المقبولة أو غير المقبولة[2] وهي الحجة التي حاجج بها طه حسين في سياق تبيان قوة الثقافة والعلم أيضا، ومن النماذج النصية التي توضح هذا المعطى، قوله: " وقد كانت شعوب كثيرة من الناس في أقطار كثيرة من الأرض تعيش حرة مستقلة، فلن تُغن عنها الحرية شيئا، ولم يُجد عليها الاستقلال نفعا، ولم تَعصمها الحرية والاستقلال من أن تعتدي عليها شعوب أخرى تستمتع بالحرية والاستقلال، ولكنها لا تكتفي بهما ولا تراهما غايتها القصوى، وإنما تضيف إليهما شيئا آخر أو أشياء أخرى "[3]، وقوله أيضا " تضيف إليهما الحضارة التي تقوم على  الثقافة والعلم والقوة التي تنشأ عن الثقافة والعلم، ولولا أن مصر قصَّرت طائعة أو كارهة في ذات الثقافة والعلم لما فقدت حريتها ولما أضاعت استقلالها....."[4]، وفي هذين النموذجين النصيين تظهر لنا جليا الحجة النفعية في خطاب طه حسين الذي يهدف إلى إظهار عظمة الثقافة وقوتها، وفي النموذج الأول أوضح طه حسين مكانة الثقافة من خلال النتائج السلبية الناجمة عن إهمالها والتقصير في شأنها بذكره بعض الشعوب التي كانت تتمتع بالحرية والاستقلال لكنها لا تمتلك ثقافة قوية متينة مما أدى إلى الاعتداء عليها من قِبل شعوب أخرى تتوفر على قوة ثقافية وكذلك على ثروة وحضارة تنشأ كلها من الثقافة والعلم أيضا، فقد انتقل طه حسين هنا إلى الإبانة عن قوة الثقافة انطلاقا من عرض نتائجها الإيجابية، فالثقافة هي التي تنتج الثروة والحضارة والقوة، بمعنى أن الخطيب جعل من الثقافة " مصدرا " للرقي والتطور والازدهار، وفي الوقت نفسه قد تكون مصدرا للانحطاط والاستبداد في حال ضعفها ويظهر في قول طه ولولا أن مصر قصرت طائعة أو كارهة في ذات الثقافة والعلم لما فقدت حريتها ولما أضاعت استقلالها، بمعنى أنه يُرجع سبب فقدان مصر للحرية والاستقلال إلى إهمال الجانب الثقافي، وبعد هذا العرض لنتائج الثقافة الإيجابية وكذلك السلبية المترتبة عن ضعفها، انتقل الخطيب إلى نوع آخر من الخطاب "يُحذر" من خلاله المجتمع المصري من " التبعات " الناجمة عن الاستقلال في حال عدم استغلاله، ويظهر هذا الخطاب، في قول طه حسين: " وما أعرف أني أشفقت من شيء كما أشفق من الاستقلال بعد أن كسبناه ومن الحرية بعد أن ظفرنا بها أشفق منهما لأنهما يحملاننا تبعات جساما حقا أمام أنفسنا أولا، وأمام العالم المتحضر ثانيا، وأنا أخاف أشد الخوف ألاّ نقدر هذه التبعات أو ألاّ نقدرها حق قدرها "[5]، والهدف من هذا التحذير هو إثارة انفعالات الشأن العام في مصر، فهو خطاب يستهدف سيكولوجية المتلقي، ويتبين هذا من الكلمات التي انتقاها الخطيب، مثل: (الخوف، والشفقة)، والتحذير هنا ليس غاية في خطاب طه حسين، وإنما هو وسيلة لتحفيز المصريين على العمل وعدم الاطمئنان للاستقلال، أو عدم الاكتفاء بنشوة الظفر بالاستقلال السياسي، بل مواصلة العمل لتحقيق التطور والازدهار، كما حذر طه حسين أيضا الشعب المصري من المأزق الذي قد يسقط فيه، حين " تلافى " ما قد يقوله الغرب في حال اطمئنانهم للاستقلال والتخلي عن مجالات مهمة في المجتمع ـ وأبرزها طبعا في خطاب طه حسين المجال الثقافي ـ إذ جاء على لسان الخطيب " ولعلهم أن يكبروا من أغلاطنا ما نراه صغيرا، وأن يعظموا من تقصيرنا ما نراه هينا وأن يقولوا: طالبوا بالاستقلال وأتعبوا أنفسهم وأتعبوا الناس في المطالبة به حتى إذا انتهوا إليه لم يذوقوه ولم يعرفوا كيف ينتفعون به "[6] وواضح من خلال هذا النص حضور "حجة التلافي" في رسالة طه حسين، حيث تَشكل لديه وعي مسبق بما سيقوله الغرب في حال فشل مصر في الرقي والتطور، وقد تصدى طه حسين لهذا المصير السلبي أو لهذه " السخرية " ـ التي تلافاها هو بنفسه ـ والتي قد يتعرض إليها الشأن العام المصري، بدعوته مختلف فئات المجتمع المصري إلى أن تكون حياتهم الحديثة ملائمة لمجدهم القديم[7] بمعنى أنه يحيل مكونات الدولة المصرية بصفة عامة على النموذج المصري القديم ـ الذي كانت فيه الثقافة متطورة إلى حد كبير ـ وأَخْذُ هذا النموذج أساسا لبناء مستقبل الثقافة في مصر، وذلك على سبيل " حجة السلطة " التي لا تنحصر في النصوص الدينية أو أقوال العلماء فقط، بل قد تتمثل ـ كما يقول " روبريو " ـ في فترة تاريخية عظيمة.[8]

لقد لجأ طه حسين في سعيه إلى تحديد وجهة الثقافة المصرية، إلى إظهار أهمية الموضوع نفسه، بمعنى تِبيان عظمة الثقافة وتأثيرها في تطوير المجتمع، إذ لا يمكن طرح فكرة معينة وجعل المتلقي يتبناها، من دون إبراز مكانة الموضوع الإطار الذي هو مركز النقاش وكذلك مركز الاهتمام.

ـ الهوية الثقافية لمصر والعودة إلى تاريخ العقل المصري القديم:

من أهم الإشكالات التي طرحها خطاب طه حسين إشكال الهوية الثقافية الفكرية لمصر وهي مسألة اختلفت حولها الآراء وتعددت، فهو إشكال جدلي، وقد حاول طه حسين أن يدخل في هذا الجدل ـ وهو يضع خارطة الطريق لمستقبل الثقافة في مصر ـ من خلال طرحه أفكارا تحاول أن تقبض على أصل الثقافة والفكر في مصر، معتمدا على استراتيجية " النّبش في التاريخ " وهذا راجع إلى الخلفية التاريخية لطه حسين بوصفه أستاذ تاريخ الأدب، وقد بدأ الخطيب ـ بعد أن انتهى من إظهار قوة الثقافة ودورها بالنظر إلى الفوائد الناتجة عنها ـ مشروع تحديد هوية مصر الثقافية، بأسلوب الاستفهام، وصحيح أن الاستفهام أسلوب بلاغي، إلا أنه يمتلك قوة حجاجية وإقناعية ويولي بيرلمان أدوارا حجاجية لا يُستهان بها للموجه الاستفهامي، لأن له في نظره أهمية بلاغية كبيرة، فالسؤال يفترض موضوعا ما، وانطلاقا منه يُتوقع أنه ثمة اتفاقا حول وجود هذا الموضوع، كما أن الإجابة على سؤال ما تعني التأكيد على هذا الاتفاق الضمني[9]، وبما أن عمل طه حسين هو إرشاد الشأن العام المصري إلى الانتماء الثقافي الحقيقي لمصر، فقد بدأ مسار إرشاده هذا، بالتمييز بين ثقافتين: ثقافة الشرق وثقافة الغرب، ويظهر في قوله: "أمصر من الشرق أم من الغرب؟ وأنا لا أريد بالطبع الشرق الجغرافي والغرب الجغرافي، وإنما أريد الشرق الثقافي والغرب الثقافي "[10]، ومن خلال أسلوب الاستفهام هذا طرح طه حسين موضوعا شائكا ومركزيا في الوقت نفسه يعتبره المجتمع المصري مسلمة، وهو اعتبار مصر شرقية الثقافة والتفكير والعقل، وقد سعى الخطيب إلى تصحيح هذا التراكم السائد في نمط تفكير المجتمع المصري وإقناعه بنتائج بديلة، من خلال الرجوع إلى تاريخ العقل المصري القديم، وذلك لمعرفة ما كان بين مصر وبلاد الشرق من صلات وكذلك ما كان بينها (مصر) وبين الغرب من علاقات، ويظهر هذا الأمر من خلال النماذج النصية الآتية:

" وأول ما نلاحظه في تاريخ الحياة المصرية أننا لا نعرف أن قد كان بينها وبين الشرق البعيد من صلات مستمرة منظمة من شأنها أن تؤثر في تفكيرها أو في سياستها أو في نُظمها الاقتصادية "[11]، وقوله أيضا: " وما أظن أن علماء التاريخ المصري القديم يستطيعون أن يَدلونا على آثارٍ أو نصوص تشهد بوجود هذه الصلات المستمرة المنظمة بين مصر في عصورها الأولى وبين الشرق الأقصى "[12]، ويقصد طه حسين بالشرق الأقصى بلاد الهند واليابان والصين.....، وقد اعتمد الخطيب في دحضه للأفكار القائلة بأن مصر شرقية الثقافة على مجموعة من الحقائق التاريخية التي توضح عدم احتكاك مصر بدول الشرق الأقصى وكذلك تتماشى مع الطريقة التي اتخذها الخطيب أساسا لإظهار عكس ما هو متراكم في العقل المصري، وهو استدعاء التاريخ، وواضح " نفي " طه حسين وجود صلات تاريخية سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي ـ وهو المهم ـ بين مصر وهذه البلدان، وفي المقابل " يعترف " بوجود تواصل فكري ثقافي وسياسي بين مصر وبلاد الشرق القريب المتمثل ـ في نظره ـ في فلسطين والشام والعراق....، ويتضح هذا الأمر، في قول طه حسين: " وليس من شك في أن الصلة بين المصريين القدماء وبين هذه الأقطار من الشرق القريب كانت قوية مستمرة منظمة إلى حد بعيد، وكانت بالغة الأثر في الحياة العقلية والسياسية والاقتصادية لهذه البلاد كلها "[13]، ويظهر لنا جليا من خلال هذا النموذج النصي والنماذج الآنفة التي ذكرناها اتخاذ طه حسين من التاريخ أساسا ووسيلة رئيسية لـ " هدم " الدعوى التي تَعتبر مصر شرقية التفكير والعقل والثقافة.

ـ الحضارة اليونانية ومشروعية  الثقافة الغربية لمصر:

إن ربط طه حسين الحضارة اليونانية بنمط التفكير المصري القديم، لم يكن اعتباطيا، لأن الهدف من هذا الربط هو إعطاء المشروعية لدعوى طه حسين، وهي انتماء مصر ثقافيا وفكريا إلى الغرب، وقد أكد الخطيب وجود صلات قوية بين مصر والثقافة اليونانية، من خلال قوله: " ومن إضاعة الوقت وإنفاق الجهد في غير طائل أن نفصل ما كان من العلاقات بين مصر وبين الحضارة اليونانية في عصورها الأولى ثم ما كان من العلاقات بين مصر وبين الحضارة اليونانية في عصور ازدهائها وازدهارها "[14]، وطه حسين يعتبر أن هذه العلاقة التي تجمع بين مصر واليونان مسلمة من المسلمات، بمعنى أنها مثبتة مسبقا على أنها صحيحة لا شك فيها، وهنا يتضح لنا توظيف الخطيب " مقدمة بُرهانية " لإثبات نتائجه، ويظهر هذا في اعتباره التواصل بين مصر واليونان تواصلا مُسَلَّمٌ به، وقد واصل طه حسين التأكيد على مسألة التلازم بين الثقافتين المصرية واليونانية، بتوظيفه حجة المِثال، والمِثال يؤتى به لتأكيد الفكرة المطروحة[15]، وتتجلى حجة " المثال " في خطاب طه حسين، في قوله: " والتلاميذ يتعلمون في المدارس أن مصر عرفت اليونان منذ عهد بعيد جدا، وأن المستعمرات اليونانية قد أقرها الفراعنة في مصر قبل الألف الأول قبل المسيح"[16]، ومهمة المثال بُرهانية بالدرجة الأولى[17]، وقد حضر في خطاب طه حسين للتأكيد على أن العلاقة بين مصر واليونان تعتبر من البَدَهيات على اعتبار أن التلاميذ يتعلمون هذا الأمر في المدارس، فهي مسألة لا شك فيها، وقد استخلص الخطيب من هذه المقدمات البرهانية نتائج مفادها، أن العقل المصري لم يتصل بعقل الشرق الأقصى، وبالمقابل اتصل بأقطار الشرق القريب اتصالا منظما ومؤثرا، ولكن الأهم أنه اتصل بالعقل اليوناني منذ عصوره الأولى وهو اتصال تعاون وتوافق وتبادل مستمر منظم للمنافع في الفن والسياسة والاقتصاد[18]، وهذا العرض للتواصل الثقافي الفكري بين مصر واليونان هدفه خلخلة تلك الأفكار السائدة في عقل المصريين حول اعتبار مصر شرقية التفكير والثقافة، وقد واصل طه حسين "النبش في التاريخ" ـ بوصفه الأساس الحجاجي في خطابه ـ لهدم المعتقدات الخاطئة ـ في نظره ـ التي يحملها الشأن العام في مصر، إذ ينظرون إلى مصر على أنها تنتمي إلى نمط التفكير الشرقي، وذلك من خلال ربط الخطيب بين العقل المصري وبين العقل اليوناني في العصور القديمة، وهو بهذا الربط " يهدم " تلك الأفكار الخاطئة حول الانتماء الثقافي لمصر من جهة، ويحاول أن " يبني " اقتراحات بديلة من جهة ثانية، فهي عملية هدم وبناء، فقد أظهر طه حسين قيمة الحضارة المصرية في التراث الثقافي اليوناني، في قوله: " إن تبادل المنافع بين العقل المصري والعقل اليوناني في العصور القديمة قد كان شيئا يشرف به اليونان ويتمدحون به فيما يقولون من شعر وفيما يكتبون من نثر، فمصر مذكورة أحسن الذكر في شعر القصاص اليونانيين....، وكان اليونان في عصورهم الراقية كما كانوا في عصورهم الأولى، يرون أنهم تلاميذ المصريين في الحضارة وفي فنونها الرفيعة بنوع خاص "[19]، ولجوء طه حسين إلى العصور القديمة فيه إعادة الاعتبار للثقافة المصرية التي كانت ضعيفة ومتهالكة في عصره، من خلال عرضه لنماذج من الثقافة المصرية القديمة التي كانت قوية إلى درجة أنها أثرت في العقل اليوناني الذي هو عقل غربي، ودعَّم طه حسين هذا الاقتراح، بالاعتماد على عنصر التاريخ، في قوله: " ثم جاء التاريخ فلم يُكذب شيئا من هذا ولم يُضعفه، بل أيده وقوَّاه، فالتأثير المصري في فنون العمارة والنحت والتصوير عند اليونان شيء لا يُجحد ولا يُمارى فيه.... "[20]، فمشروع الخطيب في هذا المحور تقويضي بالدرجة الأولى، إذ يتأسس على إبدال أطروحة بأخرى، وعليه فإن الوسيلة الأكثر فاعلية لتحقيق أهداف هذا المشروع، هو " أسلوب النفي " الذي يتماشى مع طبيعة عمل طه حسين، وقد كان النفي عاملا مساعدا للخطيب خاصة في سعيه إلى دحض الدعوى القائلة بأن أساس مصر الثقافي والفكري هو الشرق، حيث حضر النفي في خطاب طه حسين لإزالة هذه الفكرة تماما من التفكير المصري السائد، ويظهر هذا في قول الخطيب: " وإذن فالعقل المصري القديم ليس شرقيا، إذا فُهم من الشرق الصين واليابان والهند وما يتصل بها من الأقطار وقد نشأ هذا العقل المصري في مصر متأثرا بالظروف الطبيعية والإنسانية التي أحاطت بمصر وعملت في تكوينها، ثم نما وربا، وأثر في غير الشعب المصري من الشعوب المجاورة، وتأثر بها، وكان من أشد الشعوب تأثرا بهذا العقل  المصري أولا، وتأثيرا فيه بعد ذلك العقل اليوناني "[21]، ويتضح من خلال هذا النموذج النصي " نفي " طه حسين ارتباط مصر بالشرق فكريا وثقافيا، وفي المقابل تأكيده على العلاقة الثنائية ـ التي حاول الخطيب الدفاع عنها ـ وهي علاقة مصر باليونان، التي "عَوَّض" بها طه حسين الدعوى التي " هدمها " وهي مصر شرقية التفكير، وهذا كله من أجل إقناع المجتمع المصري على الانفتاح على الثقافة الغربية الأوروبية، ولتحقيق هذا الهدف حاول الخطيب " تصحيح " بعض الأفكار والمعتقدات التي تتمثل في إقامة مصر الصلات والعلاقات مع الدول الأخرى على أساس " الوحدة الدينية واللغوية "، وقد رفض طه حسين هذه الفكرة تماما بأسلوب النفي، في قوله: " ومن المُحقق أن تطور الحياة الإنسانية قد قضى منذ عهد بعيد بأن وحدة الدين ووحدة اللغة لا تصلحان أساسا للسياسة ولا قواما لتكوين الدول "[22]، وقد دافع الخطيب عن اقتراحه القائل بأن وحدة الدين واللغة ليسا السبيل الأمثل لبناء العلاقات مع الدول الأخرى، من خلال عرضه مجموعة من الحقائق التاريخية التي تعمل على تأييد أطروحته، ويظهر هذا في النماذج النصية الآتية:

" فالمسلمون أنفسهم منذ عهد بعيد قد عَدلوا عن اتخاذ الوحدة الدينية واللغوية أساسا للمَلِكِ وقواماً للدولة، وما أظن أحداً يجادل في أن المسلمين قد أقاموا سياستهم على المنافع العملية، وعدلوا عن إقامتها على الوحدة الدينية واللغوية والجنسية أيضا.... "[23]، وقوله أيضا: " وقد مضى المسلمون بعد ذلك في إقامة سياستهم على المنافع، وعلى المنافع وحدها، إلى أبعد حد ممكن، فلم يأتِ القرن الرابع للهجرة، حتى قام العالم الإسلامي مقام الدولة الإسلامية، وحتى ظهرت القوميات، وانتشرت في البلاد الإسلامية كلها دول كثيرة.."[24]، وقد سعى طه حسين من خلال عرضه لهذه الحقائق التاريخية دحض الفكرة السائدة في عقل المصريين، وهي اعتبار وحدة الدين واللغة المعيار الأساسي لإقامة العلاقات مع الدول والشعوب، فقد وضَّح عكس هذا الاعتقاد، بعرضه نماذج من المسلمين القدماء الذين فَصلوا بين الدين والسياسة، وأقاموا علاقاتهم مع الدول الأخرى ـ سواء كانت إسلامية أم غير إسلامية ـ على أساس المنفعة والمصلحة، وغاية طه حسين من هذا كله هو دعوة الشأن العام في مصر لإحالتهم على النموذج الغربي الأوروبي ـ بوصفه نموذجا ثقافيا مميزا ـ يعتمد في بناء علاقاته مع الدول لا من خلال وحدة الدين واللغة، وإنما على أساس المنفعة بالدرجة الأولى، وبمعنى آخر، إن طه حسين كان يُريد إدراج مصر ضمن الحياة الحديثة التي تعتبر أوروبا صانعتها الأولى.

خاتمة:  

لقد اعتمد طه حسين في تشخيصه لقضية الهوية الثقافية المصرية طريقةَ " التدرُّج "، إذ انطلق أولا من الحديث عن الموضوع نفسه، وهي الثقافة بإظهار قيمتها الناتجة عن نتائجها الإيجابية داخل المجتمع، فالثقافة ـ في خطاب طه حسين ـ تمتلك سلطة، بحيث إنها من المكونات الرئيسية في تطوير المجتمع وازدهاره، فهي مصدر الرقي، ثم انتقل بعد ذلك إلى تحديد انتماء مصر الثقافي والفكري، معتمدا على التاريخ كأساس لإظهار هذا المُعطى، حيث استدعى الخطيب تاريخ مصر القديم لدحض الدعوى التي تقول بأن مصر شرقية الثقافة، إلى أن وصل إلى الربط بين الحضارة اليونانية والثقافة المصرية القديمة، لكي يعطي مشروعية لدعواه المتمثلة في أن نمط التفكير المصري هو نمط " غربي " على اعتبار أنه منذ العصور القديمة اتصل بالعقل اليوناني الذي هو عقل غربي، ويدخل هذا الترتيب في الخطاب ضمن الحجاج أيضا، وقد دافع طه حسين عن هذه الدعوى حجاجيا، بالاعتماد على ما هو " مُشترك " بينه وبين المتلقي، وهو بذلك يكون قد أخذ بنظر الاعتبار " طبيعة المتلقي "، فلا يمكن بناء حوار تواصلي إقناعي من دون إيجاد أرضية مشتركة تُسهِّل على الخطيب إقناع المتلقي من جهة، وتجعل الآخر جزءا من الخطاب، بمعنى يصبح مستعدا للاقتناع والموافقة، وقد تَمثل هذا المشترك في خطاب طه حسين في " المعلومات التاريخية " التي أضاءت الخطاب وكانت أساسا لحجاج الخطيب، ومدارُ هذا المشترك على " الواقع " حيث ذكر طه حسين مجموعة من الأحداث والوقائع التاريخية، لذا فإن الحجة التي سيطرت على الخطاب، هي حجة " السلطة "، ويظهر هذا الأمر بالنظر إلى الاستراتيجية التي اعتمدها الخطيب، وهي " العودة إلى تاريخ العقل المصري القديم "، وهو بهذه العودة يستدعي أحداثا ووقائع تاريخية تكتسي سلطة وقيمة لدى المتلقي، وعليه فإن حجة السلطة في الخطاب لم تحضر كمُدعمة لحجج أخرى، بل كانت الأساس الحجاجي لدى طه حسين في خطابه.

 

صلاح الدين أشرقي

طالب باحث بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الأول بالمغرب

................................

الهامش  

1)ـ خطاب الأخلاق والهوية في رسائل الجاحظ: مقاربة بلاغية حجاجية، محمد مشبال، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2015، ص: 77

2)ـ perelma. op. cit. p : 358

نقلا من: خطاب الأخلاق والهوية: ص: 77

3)ـ مستقبل الثقافة في مصر، طه حسين، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ص: 13

4)ـ نفسه، ص: 13

5)ـ نفسه، ص: 14

6)ـ نفسه، ص: 14

7)ـ نفسه، ص: 14

8)ـ  jacques robrieux ; rhetorique et argumentation ; armand colin ; 2010 ; p : 197

نقلا من: خطاب الأخلاق والهوية، ص: 84

9)ـ الحجاج في البلاغة المعاصرة، بحث في بلاغة النقد المعاصر، محمد سالم محمد الأمين الطلبة، دار الكتاب الجديدة المتحدة، ط1، 2008، ص: 116 ـ 117

10)ـ مستقبل الثقافة في مصر، ص: 17

11)ـ نفسه، ص: 18

12)ـ نفسه، ص: 18

13)ـ نفسه، ص: 18

14)ـ نفسه، ص: 19

15)ـ الحجاج في البلاغة المعاصرة، ص: 131

16)ـ مستقبل الثقافة في مصر، ص: 19

17)ـ الحجاج في البلاغة المعاصرة، ص: 132

18)ـ مستقبل الثقافة في مصر، ص: 19

19)ـ نفسه، ص: 21

20)ـ نفسه، ص: 21

21)ـ نفسه، ص: 22

22)ـ نفسه، ص: 23

23)ـ نفسه، ص: 23

24)ـ نفسه، ص: 23

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4848 المصادف: 2019-12-14 03:40:33