 كتب وإصدارات

مراجعة في كتاب: ليبيا التي رأيت ليبيا التي أرى.. محنه بلد

1296 ليبيا التي رأيتصدر كتاب "ليبيا التي رأيت ليبيا التي أرى: محنه بلد"، عن الدار المتوسطية للنشر بتونس سنة 2017. ويقع هذا الكتاب لمؤلفه الأستاذ المنصف وناس (أستاذ بجامعة تونس) في 371 صفحة من الحجم المتوسط. وينقسم في داخله إلى فضلين اثنين: تناول الأول جذور الأزمة والإخفاق والعنف في صلب المجتمع الليبي من 1951 إلى 2011، في جين تناول الفصل الثاني المدنية الليبية الجديدة: الشروط والمراحل.

ويمكن القول إجمالا إن هذا الكتاب هو مشروع علمي يستهدف قراءة الأزمة الليبية المركبة والعميقة ومتعددة الأبعاد من أجل فهمها مثلما يشير إلى ذلك عالم الاجتماع الألماني والمختص في التنظيمات ماكس فيبر ومن أجل اقتراح بدائل للتجاوز وإعادة البناء.

لقد اشتغل المؤلف المنصف وناس على هذه الأزمة العارمة وفق مقاربة تعتمد في الآن نفسه الأنثروبولوجيا وعلم الإجتماع قصد استكشاف الجذور العميقة لهذه الأزمة المجتمعية المركبة التي أنتجت هذا الزلزال المدمّر وكل هذه التوترات والتعقيدات.

وقد اعتمدت هذه المقاربة على تقنيات كيفية مثل الملاحظة بأصنافها والمقابلة بنوعيها وتحليل المضمون. إذن هي مجموعة من التقنيات المنهجية تعاونت وتكاملت من أجل المساعدة على بناء تشخيص جذور الأزمة بعمق وموضوعية.

فجذور هذه الأزمة العميقة تعود، حسب رأي المؤلف وحسب قراءته هو، إلى أن تاريخ الدولة تاريخ طارئٌ، ولم تتمكن الدولة من الترسّخ ومن التأصل في المجتمع الليبي. مثلما تعود الأزمة حسب رأيه هو إلى محنة الصوت الواحد والاحتكار التام للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وخاصة غياب الإنصاف في مجال توزيع الثروات والخيرات الوطنية الليبية.

ومن أجل تحليل هذا الواقع العميق، ابتكر المؤلف نظرتين اثنين تساعدان، حسب رأيه، على الفهم وهما:

- نظرية الضيم المتعاضد the cumulative injustice التي تشير إلى أن الضيم لم يكن سياسيا فقط، وإنما كان أيضا اقتصاديا وماديا يتمثّل هذا الأخير في حالة من عدم الإنصاف في مستوى توزيع الثروات الوطنية وعدالة الاستفادة منها.

- نظرية المجتمع المعطّل the stranded society  وتنطلق هذه النظرية من أن احتكار الحياة السياسية وإخضاعها  إلى الصوت الواحد والرأي الأوحد والفهم النهائي كانت كلها عوامل منتجة لانغلاق المجتمع وتعطله على امتداد سنوات طويلة وانفجاره في 17 فيفري 2011.

وبعد هذا التشخيص العلمي القابل لكثير من النقاش اقترح ما يسميه المدينة الليبية الجديدة. فالمدينة التي يتحدّث عنها المؤلف الأستاذ المنصف وناس هي، باختصار شديد، فلسفة العيش المشترك وتنظيم الحياة الجامعة والقبول بالاختلاف  في المعيش والرأي.

وقد حدّد المؤلف 8 شروط أساسية لبناء المدينة الليبية الجديدة، وهي: الاختلافُ والقبول بالعيش المشترك والحوار من أجل بناء العقد الاجتماعي والأخلاقي وتكريس المواطنة وترسيخها والتوافق على القيم المدنية وبناء العقل الليبي وتكوين الدولة المدنية الجديدة وحسن توزيع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أساسُ الدولة المدنية وضمان الحق في التنمية العادلة ومحاربة الفساد.

لقد أعطى المؤلف مبحث إعادة البناء اهتماما خاصًا صُلب كتابه وجعله من أولوياته البحثية انطلاقا من أن ليبيا تملك موارد طاقوية ومالية كبيرة وقدرات راسخة في مجال البناء. ولذلك أشار في كتابه إلى أن المعجزة اللّيبية كانت ممكنة الإنجاز ولكن الإرادة لم تكن متوفرةً، مثلما كان الحرص على النجاح واهنا وضعيفا.

فاللافت للانتباه أن مؤلف الكتاب اعتبر في عديد الصفحات أن المعجزة اللّيبية كانت تقع تمامًا على مرمى حجر، ولكنها أُهدرت بفعل تعاون الداخل والخارج.

وقد خصّص المؤلّف كتابه (371 ص)، وخاصة الجزء الأخير منه لتحليل شروط إعادة البناء. فميّز بين عائلتين من الشروط: الشروط الثقافية والسياسية والتربوية والتعليمية والرمزية والشروط المادية والبنيوية لإعادة البناء. فهو يعتبر، حسب تقديره، الأولوية المطلقة اليوم بالنسبة إلى ليبيا هي إنجاح إعادة البناء، ولكنها إعادة بناء لا تعني الترميم ورصف الأحجار، وإنما إعادة بناء الإنسان رأسمال ليبيا وتشكيل  الشخصية القاعدية الليبية  من جديد بما يتلاءم مع مقتضيات العصر، ذلك أنه يعبر أن ليبيا هي مجتمعُ الورش المفتوحة والمشاريع القائمة بلا عدّ أو حصر.

ملاحظات نقدية:

على الرغم من المجهود العلمي الذي بذله المؤلّف المنصف وناس، فإن بعض النقاط بقيت محتاجةً إلى التوضيح: إن القارئ لا يفهم لماذا لجأ المؤلّف إلى إيجاد مرادفات انجليزية لمفاهيم استعملها باللغة العربية مثل الضيم المتعاضد أو المشارك ونظرية المجتمع المعطّل والعدالة الانتقالية.

كما يحتاج هذا الكتاب إلى مزيد التخصيص أي بمعنى إبراز خصوصية المجتمع اللّيبي حتى تتمايز المجتمعات بعضها عن بعض. فقد كان مفيدا الدفع باتجاه مزيد تدعيم الخصوصية الثقافية والاجتماعية لأنها تثري البحث السوسيولوجي كما إن المؤلف تناسى الحديث عن الكلفة الاقتصادية لإعادة الأعمار على الرغم من أهميتها العلمية المتأكّدة.

 

د. سعيد الحسين عبدلي أستاذ بجامعة قرطاج

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

تمتعت بقراءة هذا الكتاب ، وبالمنهجية التى اعتمدها الدكتور منصف وناس، ويجب على من سيتولى أعباء سفارة تونس بليبا أن ينهل من معين هذا المصنف الممتع.

اسيا هرابي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4878 المصادف: 2020-01-13 00:37:30