عبد الحسين شعبانالإخلاص للمعرفة والهوى الصعب

"وتبقى النظرية رمادية بالية وأما شجرة الحياة فيافعة خضراء"

الشاعر الألماني غوته


وفرة المصادر التي اطّلع عليها البروفسور طارق يوسف اسماعيل والتفاصيل التي  اقتفى أثرها والمعلومات التي اختزنها والمقابلات المباشرة التي أجراها مع عدد من القياديين والدقة والأمانة التي تحلّى بها،  كوّنت لديه صورة تكاد تكون شبه متكاملة عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، بكل تضاريسها ومنعرجاتها وتموّجاتها وألوانها المشرقة والغائمة بما فيها بعض نقاطها المعتمة.

وعلى غرار حنّا بطاطو أدرك طارق اسماعيل  مثله مثل العديد من الباحثين الأكاديميين الجادين، أنه لا يمكن الحديث عن الحزب الشيوعي دون الحديث عن الدولة العراقية والعكس صحيح تماماً، فقد ترافق تاريخ اليسار عموماً والحركة الشيوعية خصوصاً، مع تاريخ الدولة التي تأسست في العام 1921 بتنصيب الأمير فيصل الأول بن الحسين شريف مكة ملكاً عليها في 23 آب (أغسطس) وسنّت دستورها الدائم (الأول) في 21 آذار (مارس) العام 1925، وانضمت إلى عصبة الأمم العام 1932، وكانت عضواً مؤسساً وفاعلاً في جامعة الدول العربية عند تأسيسها في 22 آذار (مارس) العام 1945، وعضواً مؤسساً في هيأة الأمم المتحدة التي تأسست في سان فرانسيسكو في 24 تشرين الأول (أكتوبر) العام 1945.

الميزة الأولى لكتاب طارق اسماعيل " الحزب الشيوعي العراقي في صعوده ونزوله" هي الكثافة والعمق الذي تجلى بالإدهاش والمفاجأة في الآن، فحين يأتي طارق اسماعيل على تفصيل أو رأي أو يقتبس قولاً يبدو لك متكاملاً ويحاول أن يقنعك وكأنه صاحبه وليس اقتباساً، ثم يأتي على رأي آخر أو جزئية أخرى أو اقتباس ثان وإن كان عكس الأول، لكنه يمضي به إلى النهاية ليستكمله ويحاول إقناع القارئ بمبرّراته، وهكذا يحاول مع النظائر المختلفة، لدرجة يضعك حائراً وعليك أن تستخدم عقلك ومخزونك الفكري والثقافي، لكي تميّز بين هذا وذاك، وتلك ميزته الأكاديمية الثانية.

فهو لا ينقل رأياً أو وجهة نظر أو قولاً دون أن يمحّصه ويتابعه ويبحث في أسانيده، وحين ينقل رأياً معاكساً ويأتي على وجهة نظر مخالفة أو يقتبس قولاً آخر يفعل الشيء ذاته بعدالة كاملة ودون انحياز مسبق، ولا يعني هذا أنه لا يمتلك وجهة نظر خاصة أو رأياً متبلوراً، لكنه لا يقدّمه للقارئ لكي لا يؤثر على وجهة نظره ويستحوذ على تفكيره، إنما يقلّب الآراء أمامه ويخضعها لمختبره ويجري عليها تحليلات لتخرج في نهاية المطاف طازجة تعبّر عن حقيقة ما حدث وقادرة على الإقناع، وتلك وظيفة البحث العلمي  وهي ميزته الثالثة.

ومثل تلك الطريقة وهذا الأسلوب يجنّباه الجمود والجفاف الذي تمتاز به بعض الأبحاث الأكاديمية، بل إنه بتعريضه الآراء جميعها للنقد والرأي والرأي الآخر، يمنح القارئ فرصة الاختيار مثلما يجعل من سرديته تتمتّع بجاذبية جديدة فوق ما فيها من قيمة علمية، فتراه أحياناً يسعى لإشراك القارئ لينظر إلى ما هو هامشي أو عابر أحياناً من منظور جوهري وثابت، لأن الكتابة عن الحزب الشيوعي وتاريخه أقرب إلى المغامرة وهناك العديد من الباحثين تجنّب الاقتراب منها، في حين سلك طارق اسماعيل دروبها الوعرة بشجاعة وتجرّد، واقتحم ميدانها وهو مسلّح بمعرفة وعلم وضمير يقظ، لاسيّما بعد أن تكدّس لديه كمٌ هائل من المعلومات والكتب والدراسات عن تاريخ الحركة الشيوعية وقياداتها في العالم العربي، كما امتاز بصداقاته لعدد منها ولقاءاته المتكرّرة لاستكمال مهمته، فضلاً عن معرفته بالخريطة السياسية والفكرية العراقية والعربية بمدارسها المختلفة، ليس هذا فحسب، بل إن بقاءه في المحافل الأكاديمية في الغرب أعطاه فسحة أكثر حرية وانفتاحاً، خصوصاً وهو غير محازب أو منحاز وتلك ميزته الرابعة.

ويعرف طارق اسماعيل أن مغامرته تهدف إلى البحث عن الحقيقة، فتقدّم إليها مؤمناً بما يكتب وبما توصّل إليه من استنتاجات يحاول وضعها مخلصاً أمام القارئ، ولاسيّما المعني بشكل خاص، وهو إذْ يفعل ذلك فإنه يضع عصارة تجربته الحياتية والأكاديمية ورحلته الطويلة مع البحث العلمي الذي زاد على نصف قرن في خدمة القارئ وفي عهدة التاريخ،أميناً عليها جاعلاً الحرف والحق والمعرفة فسيفساء متداخلة في مشغله لا يمكن أن ينفكّ أحدها عن الآخر، لأنها مترابطة عضوياً ومتفاعلة جدلياً.

أقول إن الكتابة عن الحزب الشيوعي مغامرة  لأنها قد لا ترضي أحداً، فلمجرد ذكر حسناته وإيجابياته وهي كثيرة سيضعه "الكارهون" و"القادحون" وأصحاب المواقف العدائية، في خانة "المؤيدين" للحزب وسياساته، بل سيضيفون على ذلك أنه "مروّج" للأفكار الشيوعية، وما "انتقاداته" سوى  الغطاء لإمرار ما يريد، وهكذا يمكن أن يصنفونه، خصوصاً وأن علاقته مع الزعيم عبد الكريم قاسم، إضافة إلى أن بعض كتاباته ودوره الإعلامي بعد 14 تموز (يوليو) 1958، تعطي مثل هذا الانطباع، علماً بأنه استمر في مركزه المهني هذا قريباً من موقع القرار لغاية سفره إلى الولايات المتحدة للدراسة العليا العام 1960 بعد أن كان قد تخرّج من جامعة بغداد (كلية الآداب) العام 1958، ولكنه ظلّ مستقلاً ومحافظاً على استقلاليته ومهنيته.

أما "المغالون" في المدح و"المتعصبون" في الولاء، فسيعتبرون أي نقد لممارسة أو انتهاك أو تجاوز، إنما يصبّ في طاحونة الأعداء، وفي أحسن الأحوال يصنفون تلك الكتابة بالتأثر بالدعاية السوداء، وفي كل الأحوال فهي تلقي الزيت على النار التي يحاول أولئك الذين ينسبون المساوئ للحزب إبقاء جذوتها متقدة في مسعى لتشويه سمعته وتضخيم أخطائه، فما بالك إذا كان بعض انتقاداته أقرب إلى الجماعات المنشقة عنه، وخصوصاً بعد العام 1967 التي حاول أن ينقل وجهة نظرها من أدبياتها، فإن الأمر سيزيد الصورة تشوّشاً والتباساً، ويلقي ظلالاً من الشك على محتوى الكتاب ومضمونه، بل مشروع الكتابة ككل وأهدافها وأغراضها وتوقيتها وبماذا تفيد وفي هذا الظرف بالذات؟ وكأن هناك زمناً مبرمجاً للنقد ينبغي تشغيله حسب هوى أصحابه وتوقيتاتهم.

وأيّا كان بعض التقييمات "المعلّبة" أو "الجاهزة" التي تواجه الأكاديمي والناقد، فتلك ضريبة لا بدّ أن يدفعها وهو برضا كامل، لأن وظيفته تختلف عن وظيفة المبشّر أو الداعية، اليقينية - الإيمانية، أما لغة الأكاديمي والباحث فتكون نقدية- تساؤلية، وفي حين تكون الأولى مغلقة، فإن الثانية مفتوحة، وهكذا هي لغة الكاتب والكتاب المصبوب بمنهجية علمية مائزة، دون أن يعني ذلك عدم إخضاعه هو الآخر للنقد والتدقيق والملاحظة، ولعلّ قيمة أي عمل جاد وأي فعل مؤثر هو بنقده.

فتح طارق اسماعيل باباً مهماً لمعرفة تاريخ الحزب الشيوعي العراقي وسلّط ضوءًا جديداً عليه ومن منظور جديد لصعوده ونزوله، خارج دائرة التبشير والتبرير، بل عمل جهده من خلال التفسير والتنوير بما له وهو كثير ولا يمكن إخفاؤه وما عليه وهو ليس بقليل ولا يمكن إهماله، الأمر الذي يعني وهذا ما أتوقعه من نجاح الكتاب والكاتب، خصوصاً حين تناله طائفة من النقد والمراجعة والتصويب، لأنه يستحق ذلك، وأظن أن ذلك سيفتح النقاش الذي لم ينقطع أساساً حول تاريخ الحركة الشيوعية وهو نقاش مطلوب بصوت عال دون تقديس أو تدنيس.

وحتى كتاب حنّا بطاطو " العراق - الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق" الذي صدرت عنه طبعة جديدة عن دار بابل (بغداد) في ثلاثة أجزاء العام 2018 ترجمة سعد الحسيني (وهي ترجمة ثانية بعد ترجمة عفيف الرزاز التي صدرت في العام 1996 عن مؤسسة الأبحاث العربية وللأسف فكلاهما لم تسلما من الأخطاء) والذي امتاز بعلمية جديرة، حيث بحث في صلب الاجتماع السياسي العراقي، فهناك من يقتبس منه بحسب هواه ويعتبر اقتباسات الآخر الخصم أو العدو افتئاتاً وهكذا.

وقد اختلف منهج طارق اسماعيل عن منهج حنا بطاطو حيث توقّف أكثر وعلى نحو مباشر عند الأدبيات والتجارب الشخصية وأخضعها لتحليل تاريخي وسياسي واجتماعي في إطار تشابكاتها الدولية، ليكون أساساً لمنهجه النقدي والذي يقول عنه  "بعيداً عن أية مفاهيم مسبقة قد تكوّنت لديّ"، لأنه حسب اعتقاده إن بطاطو قبل 30 عاماً حين ألّف كتابه كان من غير الممكن الوصول إلى المعلومات الشخصية، ناهيك عن الوثيقة، وهو إذ يقدر جهده الضخم، لكنه اتّبع منهجاً آخر بما عرفه عن الشيوعيين وصراعاتهم على نحو مباشر أيضاً، وكان ذلك ضمن مشروعه الخماسي عن الحركة الشيوعية التي يختتمها بمؤلفه عن الحزب الشيوعي السوداني (2013) وقبلها كان قد نشر سفراً مهماً عن الحركة الشيوعية المصرية (1990) والحركة الشيوعية السورية - اللبنانية (1998) والحركة الشيوعية في العالم العربي (2005) والحزب الشيوعي العراقي (7200).

وثمة ميزة خامسة لكتاب طارق اسماعيل هي أنه بحث موضوع الحزب من الداخل العراقي، بل كان قريباً من الحزب نفسه وقيادته في فترة شبه علنية أو علنية بعد العام 1958، وهو ما حاول أن يأتي عليه في مذكراته الشائقة والمفيدة والتي تلقي ضوءًا على تاريخ العراق المعاصر والموسومة " من زوايا الذاكرة - على هامش ثورة 14 تموز عام 1958 " والتي أعتبرها استكمالاً وتتويجاً لكتابه موضوع البحث والخاص بتاريخ الحزب الشيوعي، ومثل هذا التداخل طبع جيل الخمسينات والستينات بشكل عام في صعود الفكر اليساري والماركسي تحديداً، علماً بأن الهزائم العديدة والانكسارات المعنوية المختلفة التي مُني بها الجيل الستيني أثارت أسئلة جديدة ودفعت الشباب المتطلّع للتجديد والتغيير للتمرّد على بعض الأطر والأنماط السائدة في الرأسمالية (حركة الاحتجاج الفرنسية 1968) والاشتراكية (ربيع براغ والدعوة إلى اشتراكية ذات وجه إنساني) والرغبة في التحلّل من الالتزامات الثقيلة على صعيد الحياة والوجود.

وترافق ذلك كلّه مع حركة تجديد في الفن والأدب والسينما والمسرح والشعر والموسيقى واللغة والسلوك والأخلاق وغيرها، وهذه إضافة إلى حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة والتضامن الدولي مع فيتنام وضد الحرب الأمريكية عليه وصدمة 5 حزيران (يونيو) العام 1967 كلّها انعكست على وضع اليسار عموماً واليسار العربي بشكل خاص.

II

ويرصد طارق اسماعيل العديد من ملفات الحزب وتاريخه العويص، ويتوغّل في مراحله الشائكة والمعقّدة ويتناول المراحل القاسية والشاقة في حياته ودور مناضليه الأوائل وميزاته الوافرة، وخصوصاً في استقطاب المثقفين العراقيين، الذين مرّوا في الأربعينات والخمسينات من بواباته أو نوافذه أو بالقرب منها، متأثرين به ومتفاعلين معه، إضافة إلى الدور الذي اضلع به في التحضير لثورة 14 تموز (يوليو) 1958 موضوعياً أو حتى ذاتياً.

ولا ينسى اسماعيل أن يتوقّف عند انشطارات الحزب وأخطائه واندفاعاته ويبحث في ثغرات بعض سياساته وصولاً إلى الردّة الشباطية في العام 1963 والتي أطاحت بغالبية قياداته بضربة خاطفة وبشعارات صاخبة امتحنها الناس خلال الأشهر التسعة فسقطت مضرجة بالدماء والدموع وعشرات الآلاف من الضحايا وسجون مكتظّة ومحاكمات صورية، وذلك في غفلة من الزمن وبطريقة أقرب إلى المباغتة والحيلة، لاسيّما بضعف اليقظة وعدم تبلور مشروع استراتيجي ناضج .

ويعتني الكتاب بالحياة الداخلية للحزب ويرصد على نحو دقيق مظاهر التراجع والشيخوخة والعزلة التي عاشها ويتابع ذلك بشكل خاص في أجواء المنافي وما صاحبها من انتهاكات وتجاوزات مسّت القيم التي كانت الأبرز في تاريخه، ناهيك عن تقهقر سياساته وتذبذباتها، من الجهة الوطنية مع حزب البعث العام 1973 إلى المشاركة في مجلس الحكم الانتقالي بعد الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003.

ويعتبر ذلك امتداداً وتدرجاً إلى ما وصل إليه الحزب، حين أدار ظهر المجن وقلب صفحة الماضي المأساوية على نحو مثير ودون مقابل كما يُقال، ورضخ لشروط حزب البعث "الحليف" وقام بتمجيد دوره والترويج لسياساته على المستوى العربي والعالمي، وهو ما تكرّس في المؤتمر الثالث للحزب العام 1976، في حين كانت المؤشرات واضحة ولا تحتاج إلى عناء كبير لفهم أسباب الارتداد الموجودة في جوف النظام، بل وتعيش في أحشائه، إذْ سرعان ما أدّت بالحزب الحاكم وبعد تصفية الحركة الكردية إلى فضّ التحالف بمجمله وليس قص أجنحته بحلّ المنظمات الجماهيرية التابعة للحزب مثل اتحاد الطلبة ورابطة المرأة ومنظمة الشبيبة الديمقراطية وغيرها، بل استبعاد كل لون أو طيف من خارج " الحزب القائد" ومن يدور في فلكه، بما فيها المنظمات التي ارتضى فيها الحزب الشيوعي العمل فيها تحت هيمنة حزب البعث وتوجيهاته، مثل مجلس السلم ونقابة الصحفيين واتحاد الأدباء وغيرها من المنظمات التي كان للحزب الشيوعي نفوذ كبير فيها.

وكانت صيغة الجبهة الوطنية قد اشترطت قيادة البعث للجبهة والسلطة باعتباره يلعب دوراً متميزاً، وهو الذي قاد "ثورة" 17-30 تموز (يوليو) 1968 "التقدمية"، مثلما اشترط حلّ تنظيمات الحزب بالجيش واعتُبِر لاحقاً من يُكتشف بالعمل في القوات المسلحة أو القوات الأمنية بجميع صنوفها، يكون مصيره الإعدام، بل إن من لم يبلّغ عن انتماءات سابقة له يندرج ضمن مواد عقابية غليظة شرّعت لهذا الغرض دون اعتراض يُذكر، وهو أقرب إلى إصدار حكم مسبق بحق أعضاء في القاعدة  أو أصدقاء الحزب غامرت بقبوله قيادة الحزب، وقد أقدمت الحكومة العراقية على تفعليه بإحالة العديد من المتهمين من أصدقاء الحزب إلى "محكمة الثورة" التي أصدرت حكمها بإعدام نحو 30 عسكرياً بتهمة انتماءاتهم  الشيوعية وتم تنفيذ الحكم بهم في ربيع العام 1978.

ويتناول اسماعيل كيف مرّت عاصفة التصفيات للحركة السياسية العراقية في ظل وجود الجبهة الوطنية، سواء ضد رفاق الأمس " القيادة المركزية" أو ضد القوى القومية العربية وبعضها من حلفاء الحزب، ولاحقاً ضد الحركة الكردية، لدرجة أن الحزب حمل السلاح مع البعث لملاحقة "الجيب العميل"، وهو ما كان يروّج له الإعلام الرسمي، حيث ازداد التوتر بين البعث والحركة الكردية، ودفع الشيوعيون الثمن أيضاً  حين أقدم عيسى سوار، وليس بمعزل عن توجيهات قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) آنذاك، باختطاف 12 شيوعياً كانوا قادمين من الخارج وقتلهم، وهو الأمر الذي تكرّر في الصراعات الكردية- الكردية، والتي ما كان للحزب الشيوعي الانخراط فيها، إلّا أن أوضاعه الداخلية وانحيازات بعض قياداته الكردية لهذه المجموعة أو تلك حمّلته المزيد من الكوارث، وكان من أبرزها مجزرة بشتاشان ضد الأنصار الشيوعيين التي راح ضحيتها عشرات منهم في أيار (مايو) العام 1983، على يد الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) .

ويتناول اسماعيل مرحلة ما بعد اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية 1980-1988 والموقف المتخبّط للحزب الشيوعي منها وممالئة لإيران ويسلّط الضوء على وثائق وتفاصيل مهمة، فيما يتعلّق بالموقف من الحرب وتطوراتها وفيما بعد في الموقف من الحصار الدولي عقب غزو القوات العراقية للكويت في 2 آب (أغسطس) 1990 وما بعدها ولغاية العام 2003.

وقد تكون تلك المرحلة جزءًا من التصدّع الأيديولوجي والتيه السياسي التي مرّ بها الحزب والذي تحوّل إلى نوع التخبّط والغبش الفكري بعد الاحتلال الأمريكي، خصوصاً مشاركته بمجلس الحكم الانتقالي، والتي مثّلت ضياعاً حقيقياً وتبدلاً في استراتيجيات الحزب "المناضل الأكثر جذرية" ضد الإمبريالية وضد أحلافها العسكرية العدوانية ومعاهداتها الاسترقاقية المذلّة، وإذا به يقبل بدستور طائفي - إثني ويروّج له ويعتبر اتفاقية التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية " أحسن الحلول السيئة" في تعبيرات ملطّفة ومخففة عن عمق ما أصاب العراق من دمار وخراب هدّم أركاناً أساسية من الدولة العراقية، خصوصاً بحلّ الجيش والقوى الأمنية وتعريض البلاد للفوضى والإرهاب، وهو ما يدعو إلى السخرية السوداء أو المرّة، تلك التي وصفها الشاعر أكتافيو باث بأنها " تنحدر بالآلهة من عليائها السماوي إلى الأرض وتنتقل بالنص المقدس إلى خارج المعبد"، وهو بتقديري المشهد الأكثر درامية في الوضع العراقي برمته، والذي كان على الحزب الشيوعي وتاريخه عدم  الانخراط فيه.

III

حين صدر كتاب طارق اسماعيل The raise and fall of the communist party of Iraq" في العام 2007 عن مطبعة كامبريدج في نيويورك لم أطّلع عليه إلّا  في العام 2010 حيث أهداني نسخة منه، ولم أستطع قراءته في حينها لأنه يحتاج إلى تفرّغ لبضعة أسابيع لم يكن لديّ الوقت لأخصّصها له، لأنني كنت أقضي ما تبقى لي من خدمة جامعية في جامعة صلاح الدين (كلية القانون والسياسة- إربيل)، لكنني قرأت عنه ملخصاً باللغة الإنكليزية، واكتفيت حينها بقراءة بعض الفقرات من الكتاب تلك التي كنت أودّ الاطلاع على رأيه فيها، وبعد حين عثرت على تقريظ له باللغة العربية قدّمه الصديق حسقيل قوجمان ونشره في موقع الحوار المتمدن، ويعيد طارق اسماعيل نشره كملحق لهذا الكتاب.

وقد أراد "قوجمان" من الكاتب تدوين ما حدث دون أن ينظر إلى رأي الكاتب بما حدث، وهو أمر لا يمكن للكاتب ألّا  يكون له رأي بعد أن ينشر بأمانة ما حدث، ثم يعطي تقييمه فهو ليس مُدوِّن للوقائع فحسب، بل يحاول تحليلها من منظور سسيولوجي وثقافي بإخضاعها لسياقها التاريخي مشخصاً إيجابياتها وسلبياتها، علماً بأن الموضوعية لا تعني الابتعاد عن تقديم رؤية وتحليل، لأنه حتى اختيار ما حدث سيكون انتقائياً، حيث سيدخل رأي الكاتب في هذا الاختيار ويمكن ذكر حوادث مهمة ببضعة أسطر، وتضخيم حوادث عابرة بنشر عشرات الصفحات عنها، بما يتعلّق بمزاج الكاتب ومنهجه والغرض من النشر، وبعض هذا الميل والهوى قاد "مؤرخاً" في تاريخ الحزب لتناول ذلك حسب ارتياحاته ووجهات نظره ومواقفه فعظّم بعضها وهمّش بعضها الآخر.

IV

يمكن القول إنه لا يمكن لتاريخ الحزب الشيوعي العراقي أن يدونه شخص واحد ولا حتى مجموعة أو مجاميع من الباحثين، لأنه سيكون تاريخاً مفتوحاً وتتعدّد وتتنوّع القراءات وزوايا النظر إليها، إضافة إلى اختلاف المرجعيات والمناهج ودرجة الوعي والثقافة والمعرفة بين هذا وذاك.

وبهذا المعنى ليس للتاريخ قول فصل لا يقبل الجدل أو التفسير أو التأويل، لأن ذلك ضد منهج النقد التاريخي الجدلي وضد منطق الحياة، وتلك المهمة  ستكون فوق قدرات أي إنسان، ناهيك عن أنها فوق مهمة البحث العلمي التي لا تقبل إلّا بالتعدّد والتنوّع والتمايز والتميّز والاختلاف، ومع ذلك يمكنني القول إن كتاب طارق اسماعيل هو الكتاب الأكثر شمولية وعمقاً من غيره والأبعد عن الهوى والانحياز، خصوصاً بما امتاز به من منهج أكاديمي ومصادر غنية ومعرفة معمّقة بطبيعة المجتمع العراقي، ولعل مقاومة الانحياز والرأي المسبق مهمة في غاية الصعوبة، لكن اسماعيل حاول خوض غمارها وأعتقد أنه نجح في تسجيله للكثير من الأهداف وإن ظلّت بعض المحاولات تحتاج إلى استكمال.

وكاتب التاريخ ليس بالضرورة أن يكون عضواً في الحزب أو قيادياً فيه، يمكن لذلك العضو أو القيادي أن يدون شهادته وهي وجهة نظر شخصية لإعادة القراءة التاريخية لما حصل وما كان مشاركاً فيه أو شاهداً عليه أو سمع عنه أو تابعه، فتلك مسألة تختلف عن كتابة التاريخ.

كاتب التاريخ يقرأ ويحلل ويدرس ويقارن ويطلع ويسأل ويحاور بعض من كان على قيد الحياة ممن لعبوا أدواراً، أو من كتبوا في هذا المجال، وقد حاول ذلك طارق على نحو كبير ودون كلل أو ملل على مدى ربع قرن من الزمان.

يوم صدر الكتاب كانت رغبتي شديدة في أن يجد من يقوم بترجمته إلى العربية، وأبديت له ملاحظات خاصة بفترة الحرب العراقية- الإيرانية، والتي من تداعياتها قيام حركة المنبر الشيوعية، ووعد بكتابة فقرة خاصة عنها، وفعل ذلك، وقد نشر بحثاً مطوّلاً باللغة الإنكليزية عن حركة المنبر ومواقفها وتوجهاتها الفكرية والسياسية وأسباب خلافاتها مع قيادة الحزب الشيوعي، واستعان بعدد من الوثائق، ثم قام بكتابة نص عربي نشره في مجلة المستقبل العربي في عددها رقم 439 (أيلول/سبتمبر) 2015 بعنوان "جماعة المنبر والحركة الشيوعية العراقية: قراءة تاريخية – راهنة لبعض أجنحة الحركة الشيوعية"، وقرّر حسب مقدمته ضمّ هذا البحث إلى الكتاب كملحق أساسي من ملاحقه.

وهنا بودي أن أسجل للصديق حسقيل قوجمان ملاحظته التي سبقني إليها وهي أنه كان يمكن تخصيص فقرة عن "حزب التحرّر الوطني" و"عصبة مكافحة الصهيونية" اللذان أنشئا العام  1946 لأنهما يمثّلان جزءًا من تاريخ الحركة الشيوعية، خصوصاً ملابسات عدم إجازة الحزب ونشاطات العصبة المهمة في مكافحة الصهيونية وفضح أساليبها، وقد جئت على بعض تلك الإشكالات في كتابي الموسوم " سعد صالح - الضوء والظل: الوسطية والفرصة الضائعة" الصادر في بيروت عن الدار العربية للعلوم - 2009 وفي طبعة ثانية عن دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2012 .

وإذا كانت كتابات زكي وسعاد خيري تمثل رؤيتهما الخاصة لتاريخ الحزب وخصوصاً "دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" (1984)  وكتابات عزيز سباهي المكلف من قيادة الحزب في العام 1999  تمثل هي الأخرى جزءًا من تاريخ الحزب والموسومة " عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي "، فإنها وإن كانت قريبة من التوجهات الرسمية للحزب، لكنها تمثل رؤية خاصة تمثل أصحابها وتبقى القراءة مفتوحة ومتعددة من روافد مختلفة لتحمل تفسيرات وتأويلات واستنتاجات مختلفة أيضاً، بما فيها رؤية القيادة المركزية لتاريخ الحزب ورؤية حركة المنبر الشيوعية له، إضافة إلى كتل وتجمعات أخرى .

وإذا كانت هذه الرؤية من ذات الإطار، فهناك رؤى أخرى بعضها حاول تقديم قراءة لتاريخ الحزب من منظورها السلبي ومن داخل الأجهزة الأمنية الأيديولوجية للأنظمة الحاكمة في صراعها مع تاريخ الحركة الشيوعية، منها مديرية التحقيقات الجنائية (موسوعة سرية خاصة بالحزب الشيوعي العراقي) العام 1950، و"أضواء على تاريخ الحركة الشيوعية في العراق"  (5 أجزاء) لمؤلفه المجهول سمير عبد الكريم الصادر عن دار "المرصاد" الوهمية، قبرص، 1979.

V

في الختام أقول لقد قرأ طارق اسماعيل مذكرات الشيوعيين وسردياتهم التاريخية واختلافاتهم وخصوماتهم، لكن تقييمه جاء لبرنامجهم الذي يمتازون به عن غيرهم بدفاعهم عن الغالبية العظمى من الشعب، بما يملكوه من طاقة والتزام وبما حاولوا وضعه من حلول ومعالجات، الأمر الذي أثّر على جميع التشكيلات التي أعقبتهم، وهو ما دعاه ليقول عنهم أنهم كانوا طليعة النضال، لكن الوقائع التي لديه والاستنتاجات التي توصل إليها دعته للقول أنهم أصبحوا في مؤخرة الانتهازية والمقصود بذلك بعد تقهقرهم، فبعد أن كان لهم الدور الأبرز في وثبة كانون العام 1948 والدور المحوري في انتفاضة تشرين الثاني العام 1952 والدور الأكثر تميّزاً في انتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر وضد العدوان الثلاثي والدور الفعّال في التحضير لثورة تموز (يوليو) العام 1958،  إلا أن أخطاء السياسة وتذبذباتها وخصوصاً إثر الضربة الموجعة التي تعرّضوا لها في العام 1963 جعلتهم يتراجعون على نحو ملفت في مسلسل للتدهور انتهى بتقسيم الحزب قومياً إلى حزبين عراقي وكردستاني، في حين يتغنى برفعه راية الأممية عالياً.

ويُرجع اسماعيل تراجع دور الحزب الشيوعي إلى " اعتماده الكبير على الاتحاد السوفييتي  وفقدانه المماثل لهويّته كحزب عراقي " وحسبما يقول " أصبح تأثير كلاً من المصالح السوفييتية الأيديولوجية والسياسية على حد سواء، واضحاً في سياسة الحزب وممارساته" ويعتقد أن هذه المواقف تعاظمت بعد مجزرة العام 1963، وفي نهاية المطاف أدت إلى ظهور، جناحين أيديولوجيين متنافسين في العام 1967، وينقل رأياً لعزيز الحاج أمين عام حزب القيادة الذي تخلّى عن معتقداته وأطروحاته بُعيد اعتقاله، مفاده أن فشل تجربة القيادة المركزية بسبب أخطائها من جهة وتوحّد خصومها الذين نجحوا في القضاء عليها من جهة ثانية.

ومن استنتاجاته فشل الحزب في تطوير ثقافة سياسية مستقلة على المستويين الفكري والتنظيمي وخضوعه للأجهزة الخارجية السوفييتية وتمركز السلطة بيد السكرتير العام والمكتب السياسي واعتماد السياسة من القمة إلى القاع تلك التي أنتجت إحباطات وانشقاقات.

ويتابع طارق الانقسامات فيعتبر القسم المتبقي من الحزب "خاضعاً للقسم الكردي" في جزء من " المظاهر العرقية والطائفية والقبلية" وكأنها انعكاسات للمجتمع العراقي.

إن كتاب طارق اسماعيل جهد أكاديمي متميّز وإضافة نوعية جديدة إلى المكتبة الماركسية العربية وإلى الدراسات التاريخية السسيولوجية الثقافية للفكر السياسي العراقي ولتاريخ الدولة العراقية، وأجد في قراءته جدوى مهمة لكل باحث وطالب معرفة لتاريخ الحركة الشيوعية .

 

أكاديمي ومفكر عربي من العراق

بيروت في 7/8/2019

 

عزالدين عنايةتلوح علاقة متينة بين العمل الإبداعي للشّاعر الإيطالي دانتي أليغييري (1265-1321م) في "الكوميديا الإلهية" والتراث الإسلامي لا تخفى عن عين الدارس الموضوعي، ولا سيما في التشرّب لفلسفة التصوّر الإسلامي من حيث بناء الكوسمولوجيا الدانتية. فلا شكّ أنّ ثمّة هاجسًا في الفلسفة الغربية بمحاولة "التّناسي" للبُعد الإسلامي من الجذور التكوينية للفكر الغربي الحديث، كما يسمّيه المفكر الإيطالي المعاصر ماسيمو كامبانيني. وهو نكرانٌ لطالما مُورس وحاولت العديد من الأطراف الدينية والسياسية ترسيخه، منذ انطلاق الحملات الصليبية وتأثيرها القوي في انبناء جدار نفسي بين الحضارتين. عمل العديد من الكتّاب على تعميق هوّة الفصل بين كلّ ما يمتّ للحضارة العربية الإسلامية بما له صلة بالحضارة الغربية. ويبرز التمايز جليّا بين الشرق والغرب مع ذلك الموقف الجائر لِفرانشيسكو بيتراركا في قولته الشهيرة: "أمقت ذلك النّسب إلى العرب" في "الرسالة الثانية إلى دوندي" التي ظهرت خلال القرن السادس عشر في كِتاب الرسائل "سينيلي"، وهو محاولةٌ للتملّص من الروابط التاريخية بين الحضارتين، أكان ذلك مع التجربة الأندلسية أو مع التجربة الصقلّية.

في ذلك المناخ المحكوم بالتمايز بين الحضارتين ظهر دانتي أليغييري، مع أنّه تربّى في وسط ثقافي يعبق بالحضور الفلسفي والعلمي للحضارة الإسلامية، والذي لم يقرّ به بشكل صريح دائما. فهو كما نعرف قد أصدر حكما قاسيا في مؤلّف "الكوميديا الإلهية" ضدّ الإسلام. فليس خفيّا أن تعلو في مدينة الآثام الموصوفة في نصّه ما يطلق عليه "المسكيتي" بلغة ذلك العصر، أي "الجوامع" (الجحيم: الثامن، 70-72). يتقاسم دانتي مع مجايِليه الرأيَ الشائعَ أنّ الإسلام لا يزيد عن كونه هرطقة مسيحية، ولذلك اِتّخذ موقفا جاحدا من المصطفى (عليه الصلاة والسلام) ومن الإمام علي (كرّم الله وجهه) على وجه التحديد، وهي الفقرات التي تحاشاها المترجم العربي وتغافل عن إيرادها، مع أنّها نصوص تكشف عن موقف الرجل الصريح من حضارة بأسرها والواردة في (الجحيم/ الثامن والعشرون، 30-33).

1678  دانتيتبدو المسألة التي حكمت الموقف الغربي من دين الإسلام كآخر ومغاير حاسمة، فهو ممّا ينبغي مواجهته إلى حدّ السعي لاجتثاثه، وهو ما ساد على مدى القرون الوسطى ومطلع العصر الحديث. تجلّى ذلك بقوّة في الحملات الصليبية المتلاحقة، وفي محاولات الغرب المسيحي نسج علاقات مع القوى الآسياوية، مثل المغول لحشدِ القوى ضدّ العدو المشترك المفتَرض ألا وهو حضارة الإسلام، ذلك ما يوضّحه بشكل جليّ وموثق الكاتب والمفكر ماسيمو كامبانيني منذ مطلع كتابه (ص: 8-9). تعمّق العداء للحضارة الإسلامية أثناء الحملات الصليبية، وبدا جليّا في التبريرات الدينية للقتل التي حاول القدّيس برنارد من كليرفو (Bernardo di Clairvaux) الداعي إلى الحملة الصليبية الثانية ترويجها، حين يكون ذلك الفعل باسم المسيح: "لا مندوحة في أنّ جندَ المسيح حين يخوضون حروبَ الربّ يخوضونها مرتاحي البال، لا يخشون في ذلك اقتراف الخطيئة حين يقتلون أعداءهم أو يزهقون أرواحهم. فليس القتل في سبيل المسيح جرما أو جنحة بل مدعاة للمجد. وبالفعل في كلتا الحالتين إمّا يفوز المرء برضى المسيح الذي يقبل طوعًا بموت العدوّ، أو بالمسيح الذي بذل حياته عزاء للمقاتل. أشدِّدُ على أنّ مقاتِل المسيح يقتل مرتاح البال وإن قضى نحبه فبراحة أكبر" ليست تلك الفتوى الدينية الوحيدة، فقد تعدّدت المواقف الشبيهة على مدى قرون حتى خلَقت نوعا من المشاحَنة المزمنة والمتجذّرة.

بعد توضيحه لتلك الأجواء التي تحكّمت بالمخيال الغربي تجاه حضارة الإسلام، يحاول ماسيمو كامبانيني من جانب آخر إبراز نوعية التواصل الفكري الحاصل بين الحضارتين رغم التوتّر الديني المخيّم على الجانبين. تحت عنوان "الترجمات والمترجمون.. انتقال المعارف" يسلّط الضوء على حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية، وهي حلقة محورية في توارث المعرفة الكونية. فقد كان العرب في الفترة الوسيطة القائمين على حفظ الذاكرة الإنسانية، سواء عبْر ما أنتجوه من معارف أو عبْر ما نقلوه من إنتاجات الإغريق. لقد كانت العصور الوسطى، المغرَقة في الانغلاق في الغرب، هي عصور التطوّر والانفتاح المعرفيين بالنسبة إلى العرب، ما جعل الحواضر العلمية الإسلامية قِبلة لطلاّب العلم من شتّى الأقوام والأديان. جربرت دي أوريللاك، الذي غدا بابا الكنيسة الكاثوليكية خلال الفترة (999-1003م) واتّخذ اسم سلفستر الثاني، تردّد قبل اعتلاء سدّة بطرس على مجالس العلماء في الأندلس، وتلقّى المعارف على يد علماء وفلاسفة مسلمين. ما كان المسلمون في ذلك العهد يضيقون ذرعا بأتباع الديانات الأخرى إن ارتادوا حلقات العلم، بل محلّ ترحيب. فقد كان العرب يفخرون بالتسامح الذي يغمرون به أهل الكتاب وغيرهم. كان  الكاتب بيار ريشيه قد ألّف كتابا مهمّا حول البابا المذكور بعنوان "جربرت دي أوريللاك.. بابا العام الألف" نُشر في دار فايار في باريس (1987)، توقّف فيه عند رحلة البابا لتلقّي المعارف في الأندلس بالتفصيل.

في تقييمه لحركة الترجمة الغربية إبّان الفترة الوسيطة يقول كامبانيني: كانت معرفة الإسلام كدين وكثقافة، وبعيدا عن الأحكام المسبَقة، تفتقر إلى العمق، كما كانت محصورة بنخبة قليلة. يذكر حادثةً معبّرة في الشأن حول مدى الإلمام بالعربية في الأوساط العلمية الغربية قائلا: إلى حدود منتصف القرن الثاني عشر الميلادي كان ملك فرنسا لويس التاسع، الذي قاد الحملة الصليبية السابعة وهلك في تونس، ثم رفعته الكنيسة لاحقا إلى مقام القدّيس، وكذلك البابا كليمنت الرابع، يجدان صعوبة في العثور على مترجم قدير بوسعه القراءة والترجمة من العربية والفارسية. فما كانت الدراسة للموروث العربي بشكل عام بدافع الشغف المعرفي دائما. حين ترجم روبرت دي كيتون القرآن بإيعاز من الراهب بطرس المبجّل (توفّي سنة 1156م)، ما كان الهدف معرفة مضامين القرآن الكريم بل دحض "هرطقات السّراسِنة" على حدّ زعمه. فقد كان الموقف من دين الإسلام بالغ التشدّد والتعصّب في الأوساط الواقعة تحت سلطان الكنيسة، مع ذلك لم تخلُ الساحة من عناصر جريئة حاولت تخطّي تلك الأحكام المغالية والإقرار بعبقرية حضارة الإسلام، مع احتفاظهم بموقف عدائي تجاه الدين، لا سيما في الأوساط السياسية في صقلية فترة روجر الأول، كونت صقلية، إبان حكم النورمان؛ وكذلك مع الإمبراطور فريدريك الثاني. نذكر أن الجغرافي الإدريسي قد شغل سنوات في بلاط روجر الثاني مستشارا.

ولا شكّ أنّ دانتي أليغييري كان على دراية بالحركة الثقافية إبّان حكم الإمبراطور فريدريك الثاني، حتى وإن لم تطأ قدماه أرض صقلية. فقد حاز فريدريك الثاني تقديرا في كتاب "المأدبة" لدانتي، لكنّ ذلك التقدير شهد تراجعا في "الكوميديا الإلهية"، حيث حُشِر فريدريك الثاني في الجحيم مع الهراطقة.

وفي تقييمه لشخص دانتي بشأن موقفه من الإسلام كدين يقول كامبانيني: كرجل ينتمي إلى عصره، لا يستطيع دانتي أن يكون له موقف إيجابي من الإسلام كدين، وعلى غرار ذلك من اليهودية. فقد ظهر دانتي في عصر خيّم فيه عداء الكنيسة. وأمّا علاقة دانتي بالفلسفة الإسلامية، وبالثقافة العربية بوجه عام، فهي مدعاة إلى طرح عديد الأسئلة. إذ لا ينفي كامبانيني أنّ دانتي كان على دراية مهمّة بالفلسفة الإسلامية، وبالعلوم الإسلامية الصحيحة، كما يتجلّى ذلك من خلال مؤلّفاته الثلاثة الأساسية: "المأدبة" و"الكوميديا الإلهية" و"المملكة". تأتّت له تلك الحصيلة المعرفية بفعل التردّد على الأوساط الجامعية في مدينتيْ بولونيا وفلورنسا، ويُرجَّح كذلك أثناء رحلته إلى باريس. لكنّ التعمّق البارز لدانتي في الفلسفة الإسلامية جاء بالأساس جرّاء الاطّلاع على ابن سينا والفارابي وابن رشد وعلى جملة من علماء الفلك المسلمين. يذهب ماسيمو كامبانيني إلى أنّ الإلمام بالقرآن الكريم وبالعلوم الدينية الإسلامية، مثل الفقه والسيرة وعلوم القرآن، كان محدودا مع دانتي، وهو ما خلّف خلطًا في ذهنه ورسّخ أحكاما مسبَقة. تلك الحصيلة الهزيلة من ناحية دينية هي نتاج نفور عام ميّزَ الكتّاب المسيحيين في العصر الوسيط، وإن انبهروا بالمعارف العلمية المتأتّية من الحضارة الإسلامية سيما في مجالات الطبّ والفلك والحساب والكيمياء، خصوصا مع ابن سينا والزركلي والخوارزمي وجابر. فهناك حكمٌ رائج في الأوساط الدينية، كما يخلص كامبانيني، أنّ دين الإسلام زائف، وبالتالي غير جدير بالدراسة. ولعلّ المسألة أعمق من ذلك، فقد كانت الرقابة الكَنَسية على مراكز التدريس في الغرب لا تبيح عرض العلوم الإسلامية أو التعرّف عليها. كان كلّ من تحدّثه نفسه بتناول تلك المعارف الدينية عرضةً لتهمة الهرطقة، من هنا كان الاقتصار في الجامعات الأوروبية على تدريس العلوم الإسلامية الصحيحة واستبعاد كلّ ما يمتّ بصلة للإسلام كدين.

ومن البيّن أنّ الشذرات الواردة في "الكوميديا الإلهية" المتعلّقة بالدين الإسلامي، والتي تقف موقفا سلبيّا من رجالات الإسلام المبكّر دون تبرير مقنع في ذلك، هي نتاج اعتبار الإسلام دينا منشقّا عن المسيحية، وهو ما يكشف عن عمق الرقابة الإيديولوجية الشائعة في الأوساط المسيحية. بخلاف ذلك نال ابن رشد في "الكوميديا الإلهية" حفاوةً معتبَرة ضمنت له موضعا في "البرزخ" بين عظماء البشرية. انبنى ذلك لدى دانتي على تمييز بين ما هو ديني بحت وما هو علمي وعقلي حسب نظرته.

لا نوافق ماسيمو كامبانيني في رأيه أنّ اطّلاع دانتي على القرآن الكريم كان محدودا، أو شبه منعدم، والبناء الكوسمولوجي للكوميديا الإلهية يُفصِح عن أنّ دانتي كان على دراية بيّنة بقصة الإسراء والمعراج، أكان كما وردت في النصّ القرآني أو كما رُوِيت في الأحاديث النبوية وفي المدوّنات التاريخية. فقد شهدت الفترة رواج ترجمة "كتاب المعراج" للقشيري في الغرب المسيحي بترجمة لاتينية (يُنسَب إلى ألفونس العاشر ملك قشتالة أمره بترجمة الكتاب سنة 1264م)، وأَثَر "كتاب المعراج" في كوميديا دانتي مما لا يمكن نكرانه، فهناك شبهٌ بيّن على مستوى الشكل والصياغة. إذ لا ينبغي أن نغفل عن الضغوطات الكَنَسية الهائلة عبر الرقابة والتفتيش مع أيّ كاتب عمومي في ذلك العصر. وكان دانتي حذرا عند إيراد ما يمتّ للدين الإسلامي بصلة. في هذا الصدد، يمكن الاطّلاع على البحث القيّم حول عمق ترصّد الكنيسة لكلّ من تحدّثه نفسه بنشر فكر مغاير يخالف وجهة نظرها في الكتاب الصادر عن "مشروع كلمة" بالإمارات العربية بعنوان "الكتب الممنوعة" وهو من تأليف المؤرّخ الإيطالي ماريو إنفليزي.

السؤال الذي يُلخّص مضامين كتاب كامبانيني وهو ما معنى إسقاط المصدر التاريخي الذي استقى منه دانتي نص الكوميديا، أو لنقل البناء الكوسمولوجي للكوميديا بشكل أدقّ؟ ثمة نزوع في القراءة الإيطالية لإضفاء طابع الفرادة على نصّ دانتي، سيما وقد غدا الرجل العمدة والأساس الذي انبنت عليه الهوية اللّغوية الإيطالية. تفكيك الأسطورة الدانتية هو مسٌّ وانتهاك لتلك القداسة بحسب الموقف المحافظ. وقلّة من الكتّاب الإيطاليين ممّن تجرأوا، مثل ماسيمو كامبانيني، على إعادة اكتشاف دانتي، أي من حيث الإحاطة بمصادره وروافده في بناء نصّه. نشير أنّ مقاربة كامبانيني لدانتي لا تعني مسًّا من قيمة الرجل أو حطّا من إبداعه، بل بخلاف ذلك ثمّة إجلالٌ وتقديرٌ، وإنّما الشيء الذي أراد أن يصل إليه الرجل وهو ما يتلخّص في التساؤل التالي: ماذا سيتبقّى من دانتي بعد نزع الأسْطَرَة عنه؟ وذلك بعد كشف الأبعاد المستوحاة من فلسفة الفارابي وآراء ابن سينا وابن رشد بالخصوص. ففي نكران الأبعاد العميقة والجوهرية لنصّ دانتي، وهو ما يعني "التغافل" عن المخزون الفلسفي القوي الحاضر في نصّه، هو نزوع لفصل الارتباط الوثيق بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية سيما إبّان فترة الانتقال من القرون الوسطى إلى العصور الحديثة.

هناك نقطة مهمّة يحوصل بها المؤلّف كتابه، وهي نابعة من إلمام كامبانيني المهمّ بالفلسفة الإسلامية جعلته يتنبّه إلى مصادر دانتي وإلى المسكوت عنه في مؤلفاته. في حديثه عن الروح العَقَدية الثالوثية لدى دانتي يقول: ليس الأمر مبنيّا على إثباتات "منطقية"، كما حاول أن يفعل ذلك القديس توما الأكويني، بل يقوم على أساس إيمانيّ أو على أساس الحقيقة المملاة من قِبل الكنيسة، وهو ما يتجلّى في نصّ الكوميديا في الكانتو الرابع والعشرين بخصوص الجنة. من جانب آخر يقول كامبانيني: جرى الاهتمام بالعلاقة الرابطة بين "الكوميديا الإلهية" والتراث الإسلامي، والواقع أنّ مختلف مؤلّفات دانتي، مثل "المملكة" و"المأدبة"، ترشح بهذا التأثّر الواضح.

 

الكتاب: دانتي والإسلام.. سماوات الأنوار.

تأليف: ماسيمو كامبانيني.

الناشر: منشورات ستوديوم (روما) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2020.

عدد الصفحات: 176 ص.

***

عزالدين عناية - أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا

 

 

دراسة: مظاهر العنف تستدعي الارتكاز إلى قيم جديدة تستبعد الكراهية

التسامح ضرورة حياتية تبقى الحاجة إليها قائمة ما دام هناك إنسان يمارس العنف والإقصاء والتكفير، ويرفض التعايش السلمي مع الآخر المختلف وغيرها من قيم اللا تسامح .

بل الحاجة إلى التسامح تشتدُّ مع اتساع التنوع الإثني والديني، لامتصاص تداعيات الاحتكاك بين القوميات والثقافات والأديان، والخروج بها من دائرة المواجهة إلى مستوى التعايش والانسجام.

عبّر الكاتب ماجد الغرباوي في كتابه «التسامح ومنابع اللا تسامح : فرص التعايش بين الأديان والثقافات» عن الوضع الحالي بالقول: «إنّ ما نشاهده اليوم من صراع محتدم بين القوميات والأديان والمذاهب يكشف عن رخاوة الأسس التي يقوم عليها مفهوم التسامح أو غيابه.

فهو في نظر الأوساط المتصارعة لا يعدو كونه قيمة أخلاقية تتحكم به المؤثرات الاجتماعية والسياسية، وهو في رأيها مِنّة وتفضّل مشروط، قد ينقلب إلى ضده إذا فقد رصيده الأخلاقي، وما نحتاجه فعلا لتوطيد العلاقة بين الطوائف والقوميات مفهوم يرتكز إلى أسس متينة، تتفادى الاحتكاك على خطوط التماس».

كما يرى الكاتب أنّ التسامح بمفهومه الجديد لا يتحقق بسهولة، وأن فاعليته تتوقف على حجم استجابة الأوساط الاجتماعية والدينية لضروراته، وهو في نظر الكاتب لأمر صعب، يحتاج إلى مران طويل يخفف الإنسان خلاله من حِدّة غلوّه وتطرفه، وذلك يحتاج إلى عودة متأنية للذات من أجل نقدها وتمحيص بناها الفكرية والعقيدية، وتأهيلها لتكون أرضية صالحة لاستنبات قيم التسامح الجديدة.

1677  كتاب التسامح

التسامح ومنابع اللا تسامح

لا بدّ من التأكيد أنّه لم يبق أمام الشعوب الإسلامية خيار للحدّ من ثقافة الموت والاحتراب والعداء والإقصاء المتفشية في كل مكان سوى قيم التسامح، لنزع فتيل التوتر وتحويل نقاط الخلاف إلى مساحة للحوار والتفاهم بدل الاقتتال والتناحر.

وهذا صعب في نظر الكاتب لكونه يستدعي جهودا يتظافر فيها الخطاب الإعلامي مع الخطاب الثقافي والديني والسياسي والتربوي، ويتطلب تعاون الفرد مع المجتمع، والشعب مع القانون، والدولة مع الدستور. إنّه عمل جذري يستهدف البنى الفكرية والعقيدية للمجتمع، وإعادة صياغة العقل والأولويات والوعي، وتقديم فهم عصري للدين والرسالة والهدف، ونقد للمفاهيم والقيم والسلوك.

لقد اعتبر الكاتب أنّ ما نشاهده اليوم من مظاهر عنف واحتراب يستدعي العودة إلى الذات لمراجعتها، ثم الارتكاز إلى قيم جديدة تستبعد الكراهية والحقد، وتنفتح على قيم الإنسانية والدين.

وهذا «يتطلب الغوص في أعماق الفكر والعقيدة بحثًا عن جذور المشكلة؛ أي ينبغي البحث عن الدوافع الحقيقة وراء ثقافة الموت والاستهانة بالحياة وتكفير المجتمع. وتقصّي المفاهيم المسؤولة عن صياغة البنى الفكرية والمعرفية لعدوانية المرء تجاه الآخر أيًّا كان الآخر داخليًا أم خارجيًا، دينيًّا أم سياسيًا.

ويعتبر الكاتب العنف الديني أحد أخطر منابع اللا تسامح ، لتلبّسه ببُعد شرعي، وتوظيفه النص الديني، وسرعة تصديقه من قِبَل الناس، وقدرته على التخفّي تحت غطاء الشرعية والواجب والجهاد والعمل الصالح.

فـ «عندما نعود إلى سياق التسامح و منابع اللا تسامح نؤكد أنّ الفهم الذي يكرّس الأحقاد ويصر على تكفير الآخرين، من أجل شرعنة قتالهم ومطاردتهم، هو فهم لا ينسجم مع روح الشريعة الإسلامية، وبعدها الإنساني، وبالتالي فهذا الفهم يُعدّ من أخطر منابع اللا تسامح، لالتساقه بالدين الحنيف.

تفكيك الخطاب الديني المتطرف

فالمطلوب من أجل الرقّي إلى مستوى المجتمعات المتسامحة العمل على تفكيك الخطاب الديني المتطرف، وتفتيت بناه المعرفية، وإشاعة وعي ديني قادر على فهم الحقيقة، كي يتوارى هذا اللون من الفهم ويحل محله خطاب متّزن يمهد لاستنبات قيم التسامح والعفو والرحمة.

وعن الحقوق الإسلامية لغير المسلمين يقول الكاتب: «لا بد أن يرتكز المجتمع على قاعدة احترام الخصوصيات التي تنطلق من عناصر الالتزامات الدينية؛ بحيث لا يعتدي فريق على آخر، ولا يضطهده في خصوصياته. وفي ضوء ذلك تتحدّد حرية المعتقد والتعبير في الضوابط القانونية الخاضعة للسلامة العامة للنظام والإنسان.

على هذا الأساس ينفتح العيش المشترك في المساواة في الحقوق والواجبات في القانون العام. وفي الخصوصيات الشخصية، وفي مسألة الحريات في نطاق المسؤولية عن الفرد والمجتمع».

ويبقى المطلوب حسب الكاتب هو «الارتكاز إلى التسامح بالمعنى الاصطلاحي للكلمة لفاعليته وتجذّره وقدرته على ترسيخ قيم المجتمع المدني. أي المطلوب أساسًا هو الاعتراف بالآخر وبحقوقه المشروعة، باعتبار تعدد الطرق إلى الحقيقة على صعيد التجربة الدينية».

إعادة تشكيل قيم التفاضل

ويشدد الكاتب على إعادة تشكيل قيم التفاضل فيقول: «إنّ الناس في نظر الإسلام: إمّا أخ لنا في الدين أو نظير لنا في الخلق ومن ثم لا تفاضل بين الناس إلا بالتقوى وهو ما تؤكده الآية القرآنية «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات : 13).

ويعلق الكاتب على الآية أعلاه قائلًا: «التقوى لا تعني كثرة العبادة، وإنّما خشية الإنسان من الله تعالى إبّان تعامله مع الناس، سلوكًا وعاطفة؛ فربّما عابد لا يخشى الله في خلقه يمارس سلوكًا لا أخلاقيًا في تعاملاته اليومية، فيضرب ويقتل باسم الدين والقرآن والأخلاق، وهو بعيد عن كل ذلك.

أو لا يتمتع بالمشاعر والأحاسيس الإنسانية التي أكد عليها القرآن الكريم، فيتحايل عليها ويظلم الآخرين ويبخسهم حقوقهم بل ويتعدى على حقوق الآخرين.

فالإنسان التقيّ من يخشى الله، سيما في موضوع استباحة الدماء، خصوصًا مع المخالفين دينيًا أو مذهبيًا، فإنّ حرمة الإنسان عند الله كبيرة، فكيف إذا كان أخ لك في الدين والعقيدة ولا يعدو خلافه معك إلا في أشياء اجتهادية.

إنّ الخطاب في الآية القرآنية تحدّث عن الناس ولم يقل المسلمين. ومن ثمة، فالآية العامة تتجاوز العبادة إلى المعاملة».

 

سهام الجزار

 15  يوليو، 2020

.......................................

نقلا عن موقع: التنوير

https://altanwer.com/%D8%AF%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8B%D8%A7-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%AD-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A/

* انظر: الغرباوي، ماجد، التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات، إصدار الحضارية ودار العارف، بيروت، لبنان، 2008م.

 * يمكنكم الاطلاع وتحميل كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح على الرابط أدناه مع الاحترام

 http://www.almothaqaf.com/k/majed-al-gharbawi-s-books

 

 

1666  الفساد في العراقللاستاذ الدكتور قاسم حسين صالح

يزعمون ان وزيرا نام ليلة واحدة في فندق بستة الاف دولار، انا لا اعرف هذا الوزير ولا أدري شيئا عن أصله ولا فصله ولم يسبق لي ان التقيته الا مرة واحدة في الطائرة المتوجهة الى لندن. كان يجلس في الصف الاول كعادة أصحاب النفوذ في بلاد البعران، منتفخا مثل طاووس شفي لتوه من عاهة مستديمة، وحوله ثلاثة حرّاس كل واحد منهم بألف عين وألف اذن وألف لسان. لماذا ثلاثة حراس هذه المرّة؟ .في العادة يتقدمه ثلاثة عن يمينه وثلاثة عن شماله وضعفيهم خلفه، لابد ان يكون اختيار ثلاثة من جيشه الباسل لحكمة يخفيها.

ستة الاف دولار في ليلة واحدة كانت كافية لإطعام ستين عائلة متعففة لمدة شهرين. هذه ليست مزحة ولا حكاية من حكايات الف ليلة وليلة ولا قصة من قصص الخيال العلمي، ليلة واحدة على وسادة من نبات بحري نادر وقطيفة موشاة بالذهب الخالص، وعطر مسك من بطون غزلان الصحراء العربية وحساء بط بري جيء به من الاهوار، معجون بعرق الجياع في بلادي، وربما كانت هناك راقصة اسبانية تتلوى على دعاء معالي الوزير قبل ان ينهي صلاة العشاء والنوافل واثناء البسبسة على وقع هسهسة حبات المسبحة التي تلصف في الجناح المضاء بمصابيح خافتة من اجل ان لا يتعكر مزاج "المعالي" ويفقد قدرته على التفاوض في الليل.

عاش الوزير

مات الوزير

مثل هذا الصعلوك الذي خرج من مجرى البول مرتين، ونسي خلقه في زحمة الصراع على طريقة الديوك البرّية مع المناوئين، هناك ألف صعلوك وألف خائن وألف محتال  صاروا وزراء ونواب للشعب الذي أُشرب الافيون مع اللبن. قصور في بيروت وعمان ولندن ودبي ونيويورك وامستردام وبرلين وحتى في جزر القمر وجزر البطيخ، ملايين الدولارات في بنوك سويسرا وماليزيا ولبنان والصين ورومانيا وعربستان وطهرانستان وكندا ستان، أسواق ومولات وفنادق في كل اصقاع الأرض. منتجعات خاصة ودور عرض أزياء ومنتديات ليلية وراقصات شرقية، محلات لصناعة الذهب وصناعة الخزف وصناعة الكذب.

دخلوا عالم التجارة فكان الميدان الوحيد الذي يناسب مهاراتهم وشهاداتهم الجامعية والقابهم العلمية حتى برعوا فيه. تاجروا بجلودنا واعراضنا وشوارعنا ومدخرات أولادنا، باعونا للأغراب بفلس ونصف، باعوا حتى الأشجار والانهار والامطار. لم يبق شيء تحت الأرض ولا فوق الأرض الا غرزوا فيه خراطيمهم وامتصوه كما يفعل البعوض. هؤلاء الفاسدون من السياسيين السماسرة قلبوا موازين الحياة واغتالوا منظومة القيم، هدموا مدارسنا واحرقوا مزارعنا وزرعوا فيها الملح الذي صار ينهشها نهشا، واغلقوا مصانعنا حتى صرنا نستورد الماء من الكويت، (والكويت رغم كل حبي لها لا اعرف فيها نهرا ولا سهلا ولا جبلا وسماؤها لا تمطر الا مرة واحدة كل كذا سنة). اما الفجل والشلغم والطابوق فمن ايران ،والرز من الهند، واللبن والموز من الصومال، والفاكهة من الأردن وسوريا، والسيارات من كوريا، والاحذية والملابس ولعب الأطفال من الصين وتركيا وجزر القمر..ولولا هذه الدول لأصبحنا مثل متسولين على الأبواب مع أننا الدولة الأغنى في العالم.

سماسرة السياسة من الفاسدين تحولوا الى دويلات تشبه دويلات الاندلس قبل سقوط غرناطة، لكل منهم غرفة يحتمي بها وسرير محشو بالدنانير، ومزاليج أبواب لا تصمد حتى امام الريح ولكنها منيعة على الشعب الذي تركوه يتجادل ويتقاتل نيابة عن عمر وعلي.

هل كان الدكتور قام حسين صالح منصفا عندما اتهم لصوصنا الاشاوس بأنهم خلقوا لنا نظاما هو الأفشل والأفسد في التاريخ؟. الاحداث والأرقام والتواريخ التي عرضها في كتابه المثير للجدل هذا، التحليلات والتفسيرات التي ساقها لنا كانت كافية لان تنتزع قلوبنا وعقولنا وتتركنا مثل عابر سبيل تائه في ملكوت الله.

 الخراب الذي تحدث عنه الكتاب في تحليلاته السوسيو- سايكولوجية المعمقة (وهو الخامس والثلاثون للكاتب) يذكّرنا بتحليلات دوركهايم عن الاغتراب والانتحار قبل قرن ونصف من الان.

على طريقة فولتير وروسو وهيوم كان د. قاسم حسين صالح يقرع لنا أجراس الخطر، يكتب عن رغيف خبز الفقراء الذين يبحثون عنه في المزابل والنفايات والبسطيات، وكان يبكينا ويبكي لنا ويبكي معنا من اجل شارع الرشيد الذي لم يبق منه سوى الاعمدة. يذكرنا بالشوارع والحدائق والمشافي التي كان يرتادها الناس ويحكون عن ازهارها ورذاذ امطارها وزرازيرها التي كانت تأتينا للمؤنة والدفء ثم استبدلتنا ورضيت ان تتعايش مع الزمهرير احتجاجا على جدبنا وقحطنا وبخلنا.

الكشف الذي احدثه عن عورات بلادنا السياسية، لم يحرك فينا ساكنا، واجراس الإنذار التي أطلقها لم توقظنا، لأننا تعودنا على الاجراس والمنبهات والانذارات، وصرنا مثل الطرشان-العميان في الاساطير الهندية.

مازلت متفائلا، فهذا البلد دخلت في عينيه عواصف ترابية على طول التاريخ وعرضه ولكنه ظل مبصرا، ظل مبصرا مثل نسر جريح تمالئت عليه النسور والغربان، اتعبوه وانهكوه واستلبوا كل قواه وكل عزائمه ولكنه سيبقى مثل طائر العنقاء يدس نفسه في الرماد ليتجدد كلما أصابه الوهن، ثم ينهض مرة أخرى كما لم ينهض من قبل. قدره ان يكون قامة بين القامات وليس حجرا على الطريق.

الكتاب  صادر عن دار الكتب العلمية ويقع في (223) صفحة تتضمن (42) موضوعا تتنوع بين التوثيق بالارقام لحجم ما سرق من العراق خلال( 2003 - 2018 )من مصادر عالمية وشهادات لمسؤولين سياسيين وقضاة واعضاء في لجان النزاهة،واخرى تحليلات سيكولوجية لشخصيات قادة متهمة بالفساد، وثالثة ساخرة تقارن بين لصوص بغداد في هذا الزمان والعياريين زمن هارون الرشيد تثبت ان "لصوص ايام زمان كانوا اصحاب قيم فيما لصوص هذا الزمان بلا ضمير"..وأخرى تنقلك الى شارع الرشيد ترى فيها المؤلف راكبا (ستوته!) بعد ان صار خرابا. 

 انا شخصيا لا انصح بقراءة هذا الكتاب لأنه يوجع مثل وخز على أطراف الأصابع، يوجع مثل سياط جلاد فقد الإحساس بوخز الضمير، ويوجع مثل آلام المسيح ومثل حجم مأساة الحسين.

 

الدكتور فجر جودة النعيمي

(*) أستاذ علم الاجتماع – لندن

 

 

"ذكريات في زنزانة الأمن"

 - تحمل كتب المذكرات انطباعات شخصية وتعد مصدراً مهماً من مصادر الكتابة التاريخية، لكونها تسلط الضوء على الأحداث من خلال تقديم صورة أقرب إلى الواقع من الخيال من أي مصدر اخر يبعد عنها زماناً ومكاناً، ومن بين تلك الكتب ما صدر مؤخراً عن دار ليندا للطباعة والنشر والتوزيع (٢٠٢٠) سوريا - السويداء وهو كتاب الدكتور صالح الطائي الموسوم "فصيل البراغيث، ذكريات زنزانة الأمن" الذي يقع في (١٣٢) صفحة من الحجم المتوسط .

- غلاف الكتاب:

هو مرآة حقيقية تقدم انعكاساً بصرياً في جذب القارئ لمحتوى الكتاب إذ تتوسط الغلاف يدان تمسكان قضبان السجن، وسطح الغلاف الموشح باللون الأسود يعكس دلالة واضحة عن الليل في غياهِب السّجون.

- عنوان الكتاب:

لطالما سمعنا تلك المقولة التي يتردد صداها في آذاننا "الكتاب يقرأ من عنوانه" وبواطن الكتاب تكشف ظاهر العنوان " فصيل البراغيث" إذ شبِّه المؤلف رجال الأمن الذين ينتشرون في ازقة مدينته بالبراغيث التي تقتات على دماء الضحايا وتعد لسعتها من أشد اللسعات الماً ووجعاً في عهد "جمهورية الخوف" .

1643  صالح الطائي

ـ المقدمة:

بدأ المؤلف مقدمة كتابهِ بقول: (إياك وأن تترك الطرق، أطرق بشدة وعنف وقوة وقسوة، أجمع كل قواك وأطرق بها، ولكن بعملية واحتراف، لا بتهور واندفاع، وفي النهاية لابد وأن ينكسر شيء؛ قد يكون مهماً ... الخ) .

ويبدو من خلال قراءة المقدمة بأن المؤلف أراد جذب انتباه القارئ وإعطائه فكرة عامّة حول ما سيعثر عليه في ثنايا الكتاب، وكأنها أوراق من ذاكرة الوجع، استقى منها دروساً وعبرَ أراد من خلالها ان يستفيد الآخرون في الحاضر والمستقبل، دونها بموضوعية وحيادية بعيداً عن المبالغة والتهويل، وثمة مثل فرنسي يقول:

(الخبز الناشف يحتاج إلى أسنان حادة) فالإرادة الصلبة والعزيمة والقيادة والاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية والتحرر من سلطة الانظمة الدكتاتورية الاستبدادية والبحث عن الحرية، فضلاً عن ملكة الكتابة التي ظهرت بواكيرها عند الطائي منذ طفولته وسط تشجيع واشادة مدرسي اللغة العربية؛ هي من جعلت هاجس أوجاع الذاكرة يظل يلاحق الطائي في كل لحظة من لحظات حياته مشحوناً بذكرى الألم ، فالذكريات المؤلمة لا تتلاشى بيسر بل تبقى تجدد نفسها في مخيالنا تذكرنا بالمآسي التي مرت بنا. فأخذ يسطر تلك الآلام بأسلوبهِ المعهود السلس والرشيق كأنه يحدثك وجهاً لوجه عن العذاب النفسي والجسدي ولسعات  "فصيل البراغيث".

وفي وكر الشياطين قدم الطائي نبذة تاريخية بِإيجَازٍ عن بدايات ونشأة البوليس في العهد الملكي منذ تأسيس الدولة العراقية في عام ١٩٢١ مروراً بالعهد الجمهوري وحتى وصول حزب البعث إلى السلطة عام ١٩٦٨ وصولاً الى عهد صدام حسين الذي أهتم بالجوانب الأمنية على حساب الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلال تكوين عشرات الأجهزة الأمنية القمعية وفك ارتباط مديرية الأمن العام من وزارة الداخلية وتشكيل وكالة أمنية تتكون من "جهاز المخابرات" و"جهاز الاستخبارات" و"الحرس الخاص" وغيرها من الأجهزة الأمنية القمعية برئاسة ابنه قصي .

- خمس دقائق:

تحدث الطائي عن أساليب الخطف التي تتبعها الأجهزة الأمنية من خلال الخطف من الشارع والبيت والدائرة أو توريط الهدف بعلاقة مع فتاة فضلاً عن افتعال حوادث السيارات وكيف تم اختطافه بطريقة الاشتباه بحجة أن بقائه في مديرية الأمن العام لن يستغرق أكثر من خمس دقائق، فالأمر مجرد اشتباه، وهي الدقائق الخمس التي امتدت على مدى "ثلاثة أشهر ويومان"  .

- الخوف من المركب؛ والكتمان:

ثمة مثل بغدادي قديم يقول: (الحمى تأتي من الرجلين)، وهذا يتضح من خلال تحدث الطائي بحسرة وحزن عن صديقه المهندس المقرب من النظام والمشرف على بناء قاعات مديرية الأمن العامة؛ الذي التقى به لحظة وصوله إلى المديرية، ولم يخبر أهله عن مكان اعتقاله، وعن أحد أقاربهِ الذي يعمل سكرتيراً للمدير العام لمصرف الرافدين.

- الطيبة والسماح:

القلوب الكبيرة وحدها تعرف أن تسامح، تحدث الطائي كيف أنه سامح صديقه المهندس الذي ارسل له بعد عام 2003  طلب صداقة عبر (الفيس بوك)، بل والتمس له العذر عندما تذكر حادثة الطباخ الذي اخبر أهل احد المعتقلين عن مكان اعتقال ابنهم وكان مصيره الموت.

- محكمة الرفاق والمحاكم الخاصة:

وتناول الطائي صدور تشريع من مجلس قيادة الثورة (المنحل) في ثمانينات القرن الماضي بتشكيل محكمة دائمة خاصة بمديرية الأمن العامة لمحاكمة منتسبي الأجهزة الأمنية واعضاء حزب البعث "المنحل" وتنفيذ حكم الإعدام بكوادر حزب الدعوة الإسلامية بأثر رجعي.

- البحث عن المخطوف:

تحدث المؤلف تحت هذا العنوان الفرعي عن كيفية ايداعه في غياهب سجون مديرية الأمن العامة وفشل محاولات أخيه الأكبر للتوسط عند خيرالله طلفاح، وعن الصداقات المتينة التي عقدها مع بعض المعتقلين الذين أخبروا أهله عن مكانه بعد إطلاق سراحهم.

في رفيق زنزانتي تحدث الطائي عن صديقه الشيوعي الذي جمعته به زنزانة واحدة عام ١٩٧٧ في مديرية الأمن العامة، وكيف مات، وصدقت نبوءته: (ان التضحيات خدعة لا يشعر بتفاهتها الا من خسر عمره من اجل لا شيء ولم يجد فرصة للندم)، ولم يتذكر عدد أيام السجن الانفرادي وإنما يتذكر البراغيث التي تنهش جلده المتهرئ من أثر السياط، وصوت المحقق الأجش، وأخذ الاعترافات، وأنواع التعذيب النفسي والجسدي وهو معصوب العينين ومقيد اليدين خلف الظهر، وثمة مفاجأة في جنة الأمن وجدها بعد خروجه من زنزانة السجن الانفرادي ودخوله قاعة كبيرة يبدو وكأنها ضمت كل أطياف الشعب العراقي،  ومن المضحكات المبكيات ان أول اعتراف عليه كان من قبل سيد حسين الذي التقى به لقاءً عابراً في مقهى على شارع المحيط بالكاظمية لمدة نصف ساعة.

كانت عصاري الوحشة في سجون مديرية الأمن العامة تقبض النفس وتعصر القلب حد الخواء أما ظاهرة إخلاص رجال الأمن المطلق إلى النظام الحاكم واحترام ضباطهم فكانت مجرد زيف، أما الرعب فكان يتمثل بدعوات الليل للتحقيق إذ تعرض خلالها إلى اللكمات والرفسات وأشد انواع التعذيب فضلاً عن الصعق الكهربائي والكيبلات.

تحدث الطائي كيف قام صدام حسين بتصفية رفاق الدرب ومنهم هادي عجيل الذي زرقوه أبره قاتلة توفي على اثرها بعد أيام من اطلاق سراحه، وكيف نشرت جريدة الثورة نعي رفيق درب صدام حسين في القاهرة وكأنهم يطبقون  المثل المصري: (يقتل القتيل ويمشي في جنازته) ! .

وذكر الطائي كيف ارسلت له زوجته ورفيقة دربه وأم أولاده دعاءً بخط يدها كان يضعه تحت وسادته فيشعر بالطمأنينة.

أما في حفلة شواء الوزراء فقد تم اعتقال مجموعة من الوزراء واعضاء مجلس قيادة الثورة (المنحل) وكبار الضباط ومدراء عامين وسفراء وشخصيات مجتمعية بذريعة التآمر على النظام وادخلوهم ليلا إلى الزنزانات الانفرادية، وبعدها تم اطلاق سراحهم، كما تحدث عن طلب أحد ضباط الأمن من السجناء تنظيف القاعة من خلال محاضرة تخللها السب والشتم بأقذع الصفات.

كما تحدث عن الشباب ولعبة (الدومينو)، ووصفهم بالأبطال. وفي صديقهما اللدود أراد الطائي تقديم نصائح مجانية بعدم الثقة العمياء بالسجناء، وفي رحلة السطور تحدث الطائي عن أستاذ المقام العراقي وعازف آلة (السنطور) هاشم محمد الرجب الذي كان معه في السجن. وفي الأكراد الطيبون وصل الطائي إلى قناعة راسخة بأن النظام الدكتاتوري لا يميز بين القوميات والأديان والطوائف فالكل مجرمون حتى تثبت براءتهم. وتطرق الطائي إلى المتصوف الأفغاني الذي جاء سيراً عن طريق إيران لزيارة ضريح الإمام علي بن أبي طالب "عليه السلام" والقي القبض عليه في خانقين، وأرسل إلى مديرية الأمن العام في بغداد، كما تحدث عن رجل احوازي القي القبض عليه بالقرب من الحدود العراقية - الإيرانية في عهد الشاه وكيف ثارت ثائرته عندما شتم أحد الشباب أمامه الشاه، وشرع يصف أدق تفاصيل : (غضب وتطاير الزبد من فمه)، وتطرق الطائي إلى حالة إنسانية قل مثيلها قام بها أحد اشقياء الكاظمية يدعى حافظ سليمة في سجون الأمن العام، كما ذكر الشاب الفلسطيني الذي التعاون مع الأجهزة الأمنية. وفي الصديق اللدود كأنه استشهد بالحديث النبوي الشريف : (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، كما تحدث عن لحظة اطلاق سراحه وخيبة الأمل التي إصابته من الوضع الجديد بعد (٢٠٠٣) .

وفي وداع وضياع تذكر موقف صديقه الشيوعي صاحب الحكمة: (اصمد فهم أضعف منك)، وفي زبدة المخيض تحدث الطائي عن تجربته وكأن التجارب لا تقرأ في الكتب ولكن الكتب تساعد على الانتفاع بالتجارب ومن تلك الكتب (فصيل البراغيث).

وختاماً  أرى أن الكتاب جدير بالقراءة، ويمثل إضافة جديدة للمكتبة  العراقية والعربية.

 

بقلم الدكتور رحيم جودي

 

 

صالح الرزوقبيتر ج. كونرادي

ترجمة: صالح الرزوق

نشرت آيريس مردوخ، المولودة قبل 100 عام في شارع بليسيتون غير المألوف في شمال دبلن، 26 رواية رائعة وبعض الأعمال الفلسفية الأخلاقية الرائدة. وتصور لنا رواياتها عالمنا الدنيوي في ضوء نظرة جديدة، غريبة وساحرة. ولا يزال تأثير فلسفتها ينمو، وخاصة في الولايات المتحدة، حيث يشهد الكثيرون على شجاعتها في مناصرة أخلاق الفضيلة والحياة الفردية. وعلى الرغم من أنها ووالدتها غادرتا إلى لندن قبل أن تبلغ عمر سنتين، قالت إنها تعتز بصلتها مع إيرلندا، ووصفت نفسها دائما بأنها إيرلندية، وكتبت عن ايرلندا  روايتين – “حصان وحيد القرن” و”الأحمر والأخضر” – وكذلك هو الحال في قصصها القصيرة فقد تركت إيرلندا طابعا خاصا عليها.

ترى مردوخ أن أيرلندا في الخمسينات كانت "أقرب ما يكون لبلد الأحلام حيث كل شيء له طعم مختلف".

لم تندمج عائلة مردوخ  في الحياة الإنجليزية. وقسمت إيريس ووالديها عطلتهم الصيفية بين دبلن وبيت أبناء عم والدها الموظف في إيرلندا الشمالية.  وقد غلب على والديها الطبع الإيرلندي: كان لرينيه لهجة دبلنية “صافية”، أما هيوز فقد احتفظ بنغمة سكان أولستر سواء من ناحية النبرة والتعابير. مثل قوله:"انتظر ريثما أنتهي من كلامي!". وهي عبارة إيرلندية مألوفة.  وحملت آيريس الشابة هذه الروح الخفيفة من والديها ولذلك انتبه دينيس هيلي، الذي التقى بها في أكسفورد، مباشرة أنها من دبلن.     

في عام 1938، في أول سنة لها في الجامعة، في مقال نشرته في شيرويل بعنوان: “الإيرلنديون، هل هم بشر؟” أشارت مردوخ إلى أن الشعب الأنجلو-إيرلندي هم "سلالة خاصة". كان المقال هجوما ساخرا وخشنا إلى حد ما  -- وربما هو مقال فظ --  يهدف للنيل من الروح الذاتية المغرورة التي تجدها عند الإنكليز، وفي نفس الوقت للدفاع عن كل صفات الشعب الإيرلندي والسلتي. وتذكر في سياق المقال إن شكسبير إيرلندي قطعا، لأن الإنجليز أغبياء جداً لدرجة أنه لا يمكنهم تحمل أي مسؤولية!.

وفي عامها الثاني، بعد أن أعلن الجيش الجمهوري الايرلندي الحرب على بريطانيا في كانون الثاني 1939، كانت أمينة صندوق النادي الإيرلندي، واستمعت إلى فرانك باكينهام يتحدث عن "الحوار مع دي فاليرا"، وهناك قدمت ورقة عن جيمس كونولي، بطل ثورة 1916، الذي أشاد به لينين لأنه دمج الصراع الطبقي بالروح الوطنية الثورية.

وبعد عطلة قصيرة في غلينغاريف عام 1954، كتبت قصتها القصيرة “شيء خاص”، وتدور أحداثها حول إيفون غيري الشابة التي تعيش في مكتبة تبيع القرطاسية في شارع أبير جورج “جورج الفوقاني”، وكانت ملكية المكتبة لأمها البروتستانتية التي تنتمي للطبقة العاملة. ويشير العنوان ضمنا لرغبة إيفون في الهرب من المجاعة والفقر، بواسطة الزواج من مساعد خياط يهودي. وكانت مشاويرها في أرجاء البلدة تؤكد الطابع البروتستانتي للمكان من خلال علامات لها معنى مثل فندق روس ونادي القوارب وكنيسة البحارة. وهو جو تعرفه منذ أول نظرة.

وطن الأحلام

كانت مردوخ تنظر إلى إيرلندا في فترة الخمسينات كأنها “شيء من عالم الأحلام حيث كل شيء له طعم مختلف”.

جرت أحداث  المسودة الأولى من رواية  “رأس مقطوعة” (1961) في غرب أيرلندا، مع الحرص على عدم  ذكر منطقة غابرييل كونروي، المذكورة في “المرحوم” لجويس.  وألهمتها مقاطعة كلير روايتها الرومانسية القوطية “حصان وحيد القرن” (1963).  سكاسن في تلك الرواية تدل في الحقيقة على بارين، أما المنحدرات الشديدة فهي صورة عن موهر. وكميات الويسكي التي يتم استهلاكها شيء قد لاحظته إيريس عندما أقامت في بيت بوينز عام 1956. والأسماء هي من أسماء عائلة إيريس: إيفينغهام كوبر هو جد إيريس؛ وكنية دينيس نولان من جدة آيريس.  “حصان وحيد القرن”  رواية تتابع الموضوع المفضل عند مردوخ:  أن الحياة  بحث روحي أو رحلة حج أو أنه ينبغي أن تكون كذلك.  وإن القول أن أيرلندا تبدو هنا "بيتها الروحي" المفضل  ليس استعارة خاملة.

ومنذ عام 1961 فصاعدا، بدأت أغلفة روايات مردوخ تحمل مع اسمها  علنا  لقب الكاتبة الأنجلو-إيرلندية.

وهذا دليل على خيال جامح إن كان المقصود حالة “صعود”.  صحيح أن عائلة ريتشاردسون – عائلة والدتها –  امتلكت عقارات في مقاطعة تايرون قبل ثلاثة قرون، ولكن هذا لا يمنع أنها تخلت عن ماضيها وانحدرت في عالم الواقع. فثلاثة من أبناء عمومة إيريس في دبلن عملوا بخدمة  كادبوري بصفة سائق شاحنة أو ملاحظ أو حارس، في حين أن والدهم،  وهو توماس بيل عم مردوخ، كان ميكانيكيا في شارع تالبوت. وفي حين وصفت رينيه والدها في شهادة زواجها بأنه محام، فإن الجمعية القانونية في دبلن لم تسجله لديها، وربما كان يعمل ككاتب عند أحد المحامين. وكانت آيريس أول من انتسب إلى الجامعة من بين أفراد عائلتها.

الاتحاد

وعائلة والدها عملت بالزراعة في بيت باليمولان، في هيل هول “صالة المرتفعات”، في مقاطعة داون، وعلى امتداد ثمانية أجيال.  هنا تقابل  ثلاثة أبناء عمومة آخرين من الدرجة الأولى – أقرب أقارب إيريس ممن هم على قيد الحياة بعد والديها – وكلهم تلقوا في بليموث تربية صارمة بعيدة عن الكحول. فقد احتوى منزل ابن عم آخر على 37 كتابا مقدسا، وكانت إيلا الشرسة، وهي عمة مردوخ، مبشرة معمدانية. وقد تكلمت عن ذلك عندما، كانت تخطط لرواية “الأحمر والأخضر” حوالي عام 1962. كما أنها تعلمت بعض اللغة الإيرلندية. تجري الأحداث خلال الأسبوع الذي يمهد لثورة إيستير. تخترع إيريس أبناء عمومة أنجلو إيرلنديين، مع تفرعات على جانبي البحر الايرلندي، وهم أنجليكانيون وكاثوليك، وداخل هذا الإطار تتطور الحبكة التاريخية. في حين أن آل مردوخ كانوا مناهضين للقومية ومؤيدين للاستقلال.

الفصل الثاني، وهو حلقة دراسية عن التاريخ الأيرلندي، يعتبر قانون الاتحاد لعام 1801 كارثة كبرى في التاريخ الأيرلندي، لأنه يضعف معنويات الطبقة الحاكمة في أيرلندا.  يقول أحد المتكلمين:” الماضي الحقيقي لأيرلندا هو في صعودها”وهو ما يذكرنا بأن العديد من الوطنيين الأيرلنديين العظماء كانوا من بين البروتستانت. وربما كان استعداد مردوخ لأسطرة أصولها إشارة على صلتها بـ “ييتس” وقناعتها أن إنكلترا دمرت إيرلندا. وتؤكد إحدى الشخصيات إنها فعلت ذلك "ببطء ودون لفت نظر، دون أن تخاطر بنفسها، ودون رحمة، عمليا دون تفكير، مثل شخص يدوس على حشرة، ولا ينتبه لها، وحين يراها ترتجف يدوس عليها مرة ثانية". كانت هذه الرواية هي الوحيدة التي ندمت على كتابتها. فسرعان ما بدلتها الاضطرابات من قومية رومنسية إلى وحدوية متشددة ومدافعة عن إيان بيزلي. كما أنها لم تسجل في أي مناسبة لاحقة جو الأقلية الكاثوليكية في أيرلندا الشمالية خلال أزمة عام 1968 و ما تخللها من مظالم واضحة وغير مشروعة. ومع تقدمها في السن أصبحت أكثر يمينية وأكثر بريطانية.

السحر البروتستانتي

ربما كان استعداد مردوخ لأسطرة أصولها الخاصة قد جعلها قريبة من ييتس. وكما أوضح المؤرخ الأيرلندي روي فوستر: إن طقوس “البيت المفقود” كانت في إيرلندا عنصرا مركزيا لا بد منه لاستكمال دائرة "السحر البروتستانتي"، الذي يتقاسمه ييتس وصديقة مردوخ العزيزة إليزابيث بوين: إن البروتستانتية الأيرلندية حتى لو أنها لا تحمل مزاجية أولستر، هي هوية اجتماعية وثقافية بقدر ما هي هوية دينية. وبعض عناصرها – الاهتمام بمحاسن الأخلاق جنبا إلى جنب مع حب الدراما وأحيانا العاطفة الملتهبة، التشاؤم والتطير من التعازيم والطقوس والسحر، عدم القدرة على النمو، الهاجس الذي يتلبس روح التاريخ، والعلاقة المضطربة التي تمزج عاطفة الكراهية والحب تجاه إيرلندا. ويمكن أن تجد ذلك عند مردوخ وبنفس الوقت عند بوين وييتس.

ومثلما كان ييتس، قادما من "طبقة وسطى غير آمنة لديها ذاكرة عرقية ونخبوية"، تذكر بمشاعر سكان البيوتات العريقة (ومنها كول بارك)، وهي مشاعر لا تخلو من “عذوبتها الخاصة وقوتها الاجتماعية التي تتجلى فنيا"، حرصت مردوخ أن تزور في وقت لاحق كلانديبوي، ومنزل أسلاف غينيس وقصر آل بوينس. رفع ييتس ومردوخ نفسيهما اجتماعياً "بنوع من الجهد الأخلاقي واللمسة التاريخية". وكان كل منها، بطريقته، مؤلف حكايات فذ تشترك في صناعة وإنتاج حياتنا وفنوننا.

 

.......................

* عرض لكتاب: حياة عائلة: مذكرات، تأليف بيتر ج. كونرادي، منشورات سيرين.

* بيتر ج. كونرادي Peter J. Conradi  كاتب بريطاني، متخصص بأعمال الروائية والفيلسوفة آيريس مردوخ.

 

 

عزالدين عنايةتاريخ من الانتهاكات

ينشغل كتاب جان-لو آمسال المعنون بـ"إسلام الأفارِقة" بالبحث الأنثروبولوجي، وبمراجعة المقولات الأنثروبولوجية في منطقة غرب إفريقيا وفي دول ما وراء الصحراء الإسلامية. وهو مؤلف لباحث غربي متخصّص في المنطقة، وعلى دراية عميقة بأوضاعها الدينية والاجتماعية. يكتسب الكتاب قيمته العلمية من مقاربته النقدية للأنثروبولوجيا الاستعمارية وما بعد الاستعمارية في المنطقة، في مبحث لطالما انغمس في المهمّات الأمنية والتقارير المخابراتية طيلة الفترة الاستعمارية.

يوزِّع المؤلّف كتابه إلى ثلاثة أقسام رئيسة، فضلا عن تمهيد تناول راهن التحولات الدينية في المنطقة، وخاتمة حاول فيها التطرّق إلى مستقبل أوضاع شعوب غرب القارة. في القسم الأول يسلّط الباحث الضوء على دواعي الانشغال بالتراث الديني لدول غرب إفريقيا في الدراسات الغربية. حيث يَلقى الإسلام الصوفي الإفريقي في التاريخ المعاصر، أو ما يُطلَق عليه في الأبحاث الغربية بشكل تعميمي "الإسلام الأسود"، ترحيبًا في الأوساط السياسية الغربية، بوصفه إسلاما قابلا للتطويع وفق مراد الهيمنة الغربية. فهو من صنف معتقدات ('النيو آيج'/'العصر الجديد')، الرائجة والمروَّجة في الراهن المعاصر. وذلك ضمن مساعٍ لتحويل الثقافة الإفريقية إلى ثقافة مَتْحَفية تجارية قابلة للعرض، ومن ثَمّ للبيع والشراء، كما هو جار مع ثروة المخطوطات في تومبكتو والآثار القديمة للمنطقة. تأتي تلك الحفاوة في مقابل تنفير وتخويف من الإسلام "الشرق أوسطي" كما يُسمّى، بوصفه مشوبا بمسحة جهادية ونضالية. إذ يلاحظ الباحث وجود محاولات جادة من توجهات فرنسية لإبعاد مسلِمي جنوب الصحراء عن حاضنتهم المغاربية العربية، ومحاولة قطع طريق التواصل الضارب في عمق التاريخ، وذلك بالعمل على اختلاق ما يُشْبه الهوية "الزنجية الأصلية" في مقابل الهوية "الإفريقية الإسلامية".

1652 الاسلام الافريقيفعادة ما يُعرَض "الإسلام الأسود" في مقابل "الإسلام المغاربي" و"الإسلام الشرق أوسطي" و"الإسلام الخليجي"، وهي محاولة لانتزاع الإسلام الافريقي من حاضنته الطبيعية. يُبرِز الباحث آمسال التشابه بين أفعال المدرسة الأنثروبولوجية الفرنسية والمدرسة الأنثروبولوجية الإنجليزية في لعبِ هذا الدور، سواء إبان الفترة الاستعمارية أو لاحقا. موضّحًا الكاتب أنّ تلك الثنائيات والتفريعات المضلّلة، التي تطغى على المنظور الغربي في قراءة الإسلام في دول إفريقيا، غالبا ما طمست التنوع في الطرق والجماعات (القادرية والتيجانية والأحمدية والسنوسية والمهدوية...) وحصرتها في ثنائيات مانوية مغلَقة. كما أنّ المقاربة الغربية وِفق الباحث غالبا ما تتغاضى، أو تحقّر، من الدور الصوفي الجليل في مقاومة المستعمِر الغربي، ووقوفه سدّا منيعا أمام المسخ للهوية الإفريقية. فقد عرف فضاء إفريقيا العديد من الحركات الدينية والصوفية الوطنية التي جابهت المخطّطات الاستعمارية. ذلك ما يلاحظه المؤلف مع آثار الغزو الاستعماري الغربي، حيث جرى اجتثاث الحركات الجهادية المقاوِمة للاستعمار، كما الشأن مع حركات عثمان بن فودي والحاج عمر بن سعيد فوطي وساموري توري. طورا بتفكيك الممالك القائمة واستبدالها بإدارات استعمارية، وتارة بالتحكم في إفريقيا بتدجين نخبها الفكرية وتطويعها لغاياتها، كما الشأن في شمال نيجيريا والسينغال.

وبالمثل يُبرز آمسال أنّ الفضاءات الدينية غير الإسلامية كانت عرضةً للقمع الاستعماري أيضا في العديد من البلدان. فقد ذاع صيت حركة دينية نضالية في أوساط الدارسين الأنثروبولوجيين ونالت حظًّا من الاهتمام والبحث، وهي حالة كنيسة سيمون كيمبانغو. يتعلّق الأمر بحركة مسيحانية تأسّست على يد شاب كنغولي وطنيّ متديّن (إبّان احتلال بلجيكا الكونغو، التي تُسمّى اليوم الزايير، وذلك في أواخر القرن التاسع عشر). تربّى كيمبانغو في وسط عائلي متأثّر بتعاليم المبشّرين المعمدانيين، وكان صاحب رؤية دينية تجمع بين عناصر مسيحية ومحلّية مشوبة بطابع إفريقي، مِثل القدرة على الإشفاء والإيمان بالمخلّص المنتظر، ومؤمنة بتحرر إفريقيا من الغازي الأبيض. اتّخذت دعوتُه الدينية طابعا نضاليا مناهضا للاستعمار، ولذلك تمّ اعتقال كيمبانغو وصدر عليه حكمٌ بالإعدام، حوّله ملك بلجيكا حينها إلى سجن مؤبَّد. وبرحيل كيمبانغو، سنة 1951، وهو قيْد الاعتقال، لم تتراجع الحركة بل ازدادت إصرارا في نضالها السياسي وتشبّثا بأهدافها الوطنية، حتى تحقّق النصر سنة 1960 بإعلان استقلال دولة الكونغو، ومن ثَمّ حصل إقرار الكيمبانغية توجّها دينيا رسميا في الدولة، ومنذ ذلك العهد عُدّ كيمبانغو مخلِّصا دينيا وزعيما وطنيّا. ففي إفريقيا، وعلى وجه العموم، ظهرت حركات أهلية أعادت صياغة التراث الدّيني، إبّان الاحتكاك بالمستعمِر الكاثوليكي والبروتستانتي، على حد سواء، وكيّفت عناصره وفق رؤى خلاصية أكثر التصاقًا بالمخيال الدّيني لشعوب القارة.

ما يرصده الباحث في القسم الثاني من الكتاب، أنّ ثمة صراعا في المخيال الإفريقي وحول المخيال الإفريقي، تجري أحداثه في إفريقيا ما وراء الصحراء، بين توجّه غربي يسعى جاهدا ليحتكر فضاء المنطقة على مستوى عملي وعلى مستوى تأويل رموزه، ومن ثَمّ توجيه مساراته؛ وتوجّهٍ جديدٍ، متنوّع العناصر وغير متناسق، أحيانا يُظفى عليه طابع التطرف، وأخرى يُنعت بالوهابية والتسيّس. وقد جعلت قلّةُ المتابعةِ والبحثِ في المنطقة من خارج الدائرة الغربية، الفرنسية تحديدا، الصورةَ الرائجةَ والمروَّجةَ تأتي من طرف واحد وتعبّر عن قراءة مشحونة بمضامين سياسية واضحة.

التلاعب نفسه جرى سابقا في بلاد المغرب الكبير بتفاوتٍ، من خلال المسعى الفرنسي لخلق "الظهير البربري" في مقابل "العنصر العربي". حيث أُضْفِيت على الأوّل ملامح الديمقراطية والانفتاح وعلى الثاني ملامح التشدّد والتسلّط. وهي في الواقع الخطة السياسة ذاتها التي اُتّبعت سيما في الجزائر ثم نُقلت بحذافيرها إلى السينغال. أما الجارة مالي، فقد شهدت إبان الفترة الاستعمارية بروز أمادو هامباطي با، كان من أنصار طريقة يترأّسها الشيخ حماه الله، المعروف بـ "الشيخ هامالله"، تَمّ اعتقاله ونفيه إلى فرنسا. وبعد تعاون مع الإدارة الاستعمارية في قمع الحركات المناضلة خلال فترة الخمسينيات، أمسى مقبولا من قِبل السلطة الفرنسية، إلى أن توفّي في التسعينيات في فرنسا.

لقد بدأ الاشتغال على استراتيجية التفريق بين المكوّنات القَبَلية والعشائرية الإفريقية عبْر التهوين من الإسلام أنثروبولوجيًّا، والتحقير من الحرف العربي ومن اللغة العربية في أوساط الأفارقة. وذلك مع مدرسة الأنثروبولوجي مرسال غريول، التي غالبا ما رأت في الإسلام دعما وسندا لأوضاع الركود والجمود في الثقافات الإفريقية، متعلّلة بتبريرات سطحية مثل تفشّي التواكل بين طلبة المدارس القرآنية، الذين يعيشون على الصدقة والتكسّب حسب تصوّرها، ودون انتقاد العامل الأجنبي الاستعماري وعمق تعطيله للنشاط المجتمعي. وقد ازدادت وتيرة هذا الانتقاد للإسلام بظهوره كمنافس ديني في المنطقة، يقارع الحركات التبشيرية المتغوِّلة.

كانت اللّغةُ العربية في غرب إفريقيا الضحيّةَ الأبرز، بعد أن كانت لغة المعرفة والثقافة. فقد حوّل الاستعمارُ العربيةَ والحرفَ العربي بوجه عام، في لغات بلدان ما وراء الصحراء، إلى لغة لكتابة التمائم والطلاسم والرُّقى والتعاويذ. وبالتالي باتت اللغة العربية عنوان التخلّف والجمود، يُزدَرى من يحرص على تعلّمها، في مقابل اللغات الأوروبية التي أُعلي من شأن متعلِّمها. وإحقاقا للحقّ، فإنّ الهجمة التي رصد آثارها جان-لو آمسال، كان فيها جانب من الصحّة، فالتعليم الديني في البلدان الإفريقية إبّان الفترة الاستعمارية، تردّى إلى مستوى فاجع، وافتقر إلى أدنى المعايير البيداغوجية، ناهيك عن خلوّه من المضامين المعرفيّة، في مقابل تعليم غربيّ منافس ومتطوّر، تقدِّمه الإرساليات التبشيرية الغربية بشكل مُغرٍ.

في ظلّ اشتداد أوار الحملة التي تعرّضت لها العربية والثقافة الإسلامية في بلدان غرب إفريقيا، برزَ الأنثروبولوجي البريطاني جاك غودي (1919-2015) الذي حمل على الإسلام حملة شعواء، كونه يمنع تطور الفكر النقدي لتمحورِ الدراسة فيه حول كتاب مقدّس وفق تقديره. مفسّرًا التخلّف في الأوساط الإفريقية بعامل ديني لا غير، ومتغاضيا عما اقترفته يد المستعمر من تدمير بنيوي لنسيج المجتمعات الإفريقية. الباحث الأنثروبولوجي الفرنسي جورج بالانديه نفسه ذهب هذا المذهب في اعتبار الإسلام عنصر عرقلة للتطوّر الإفريقي، سيما بعد متابعته، خلال فترة الخمسينيات من القرن الماضي، التعليم القرآني في ليبو بالسينغال. ما كان بالانديه محايدا ولا نزيها لِيجرؤ على الاعتراف بالتدمير الهائل للإنسان الإفريقي إبان الفترة الاستعمارية، حيث اعتبر السينغاليين ضحايا اهتدائهم للإسلام، وهي طروحات إيديولوجية مغرضة باتت اليوم مهجورة في أوساط الباحثين الاجتماعيين والأنثروبولوجيين، باعتبار النهوض المجتمعي هو فعلٌ منبثقٌ من داخل البنية الأصلية، وهو وعي مستندٌ إلى عناصر المخيال العميقة لدى الشعوب.

يسلّط الباحث جان-لو آمسال الضوءَ على مدرسة مرسال غريول الأنثروبولوجية التي يميزها ازدراء الإسلام بشكل مجحف. فقد شغل غريول (المتوفى سنة 1956) منصبَ مستشار لدى السلطات الاستعمارية. تولّى مهمّة تفكيك مجتمع الدوغون وتنقيته من أيّ نفسٍ إسلامي، من خلال إبعاد قادة مهمّين وعزلهم مثل الحاج عمر وحفيده التيجاني. وحاول في مهمّته طمس كلّ نفس ديني وطني من المجتمع الذي تولى متابعته. كانت الباحثة الأنثروبولوجية جرمان ديترلان ضمن مجموعة البحث التابعة لمرسال غريول، وإحدى المتعاونات معه، وهي فرنسية توفّيت سنة 1999. يروي جان-لو آمسال أنها كانت تهوّن من شأن الإسلام الإفريقي وتعتبر ظواهر التسوّل والفجور في المجتمع المالي، على سبيل المثال، بسبب الإسلام. وقد تمّ تبنّي هذه الادعاءات وترويجها من قِبل الصحافة ضدّ علماء الدين ودعاته في المنطقة. يروي آمسال أنّه أثناء إخراج فيلم عن التراث المالي، من قِبل بعض التابعين لهذه المدرسة، أشرفت عليه جرمان ديترلان، تمّ تغييب كافة مشاهد المساجد والزوايا عمدًا مع أنّ المنطقة تعجّ بهذه المعالم.

في القسم الثالث والأخير من الكتاب الذي نعرضه، يتحدّث آمسال عن نظرة تجارية في مقارَبة علاقة الإسلام التاريخية بالمنطقة، حاولت من خلالها العديد من المؤلفات الفرنسية المنشغلة بالفترة الوسيطة للإسلام في غرب إفريقيا، طمس الدور الحضاري، والتنظيم السياسي الناشئ بفعل التأثير الإسلامي. كما يورد آمسال سلسلةً من أسماء الدارسين والرحّالة والصحافيين والإثنوغرافيين العاملين أثناء الحقبة الاستعمارية، ينعتهم بممارسة "النهب الاستعماري" على مستوى معرفي. صاغ هؤلاء معرفةً حول غرب إفريقيا، كان الغرض منها التوظيف في الشأن السياسي. وقد اعتمدت تلك المعارف المحوَّرة بشأن إفريقيا بالأساس ترجمات عربية مغربية عن المنطقة، مثل "تاريخ السودان" لعبد الرحمان السعدي، و"تاريخ الفتّاش في ذكر الملوك وأخبار الجيوش وأكابر النّاس" لمحمود كعت التنبكتي، و"تذكرة النسيان" لابن المختار. والواقع أنّ نقل هذه الأعمال الثلاثة إلى الفرنسية قد مثّل ردّا حاسما على الدعاوى الغربية، التي تشكّلت منذ هيغل في "العقل في التاريخ"، أنّ الشعوب الإفريقية هي شعوب بدون كتابة، وبدون تاريخ، وبدون دولة.

ضمن هذا القِسم يورد آمسال بعض المحاولات المعاصرة في نزع الطابع الاستعماري عن المعارف الإسلامية في غرب إفريقيا، بما يعيد إدراج المخزون الحضاري للمنطقة ضمن مجال أرحب. فقد حاول السينغالي، الأستاذ عصمان عمر كين، إعادة صياغة العقل الإفريقي من خارج المعايير الغربية، سيما في كتابه "المثقفون غير الناطقين باللغات الأوروبية" المنشور 2003، مستعيدا مجمل الكتّاب الأفارقة الذين دوّنوا أعمالهم بالعربية، أو اعتمدوا الخطّ العربي عبر اللغات الإفريقية لتدوين الثقافة المحلّية. أبرزَ عصمان عمق الصلة بين إسلام غرب إفريقيا والعالم العربي، وهي علاقة قديمة ترمي بجذورها إلى مطلع القرن العاشر الميلادي.

لا يغفل آمسال في خاتمة الكتاب عن إبراز الاشتغال المغربي والجزائري على دعم التعاون التعليمي مع دول الجوار الإفريقي، سواء باستقبال الطلاب، أو بدعم المؤسسات التعليمية، وإقامة المهرجانات، وعقد الملتقيات، بقصد خلق رؤية مناقضة للتطرّف الذي يشوّه المنطقة. وفي استشرافه لمستقبل المنطقة يذهب الباحث آمسال إلى أنّ الإسلام الإفريقي الصوفي قد لعب دورا مهمّا في التحرر من الاستعمار، وهو اليوم يلعب دورا مماثلا في التحرر من الانحرافات الحاصلة، رغم ثقل المهمّة في ظل ما يجري من اختلاق ثنائية في الإسلام الإفريقي، إحداها ملائمة للغرب وأخرى مناوئة له ومنبوذة.

مؤلف جان-لو آمسال "إسلام الأفارقة.. الخيار الصوفي" هو من المؤلفات العلمية المهمّة، التي تعيد قراءة الأعمال الأنثروبولوجية الغربية بشكل دقيق ولافت في الفضاء الإفريقي، وهو عملٌ رصينٌ ينضاف إلى سلسلة الأعمال الجادة للفكر الغربي.

نبذة عن المؤلِّف: جان-لو آمسال هو مدير أبحاث في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية بفرنسا. وهو مدير دورية "دفاتر الدراسات الإفريقية". أصدر العديد من الأعمال تُرجِمت إلى لغات مختلفة منها: "أنثروبولوجيا الهوية في إفريقيا" و"الفن الإفريقي المعاصر" و"الانفصال عن الغرب". 

الكتاب: إسلام الأفارِقة.. الخيار الصوفي.

تأليف: جان-لو آمسال.

الناشر: منشورات ميلتيمي (ميلانو) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2020.

عدد الصفحات: 147 ص.

 

عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا

 

جمال العتابيبدأ هديب الحاج حمود رحلته السياسية بوقت مبكر في هذا العالم، ممثلاً بالقرية والأرض التي أراد أن  يطبق فيها أحدث وسائل زراعة الرز، وتوفير الماء لها، منذ أربعينات القرن الماضي، ودوره المساند للأنتفاضتين عام ٥٢، و١٩٤٥ في مدينته الشامية.

هديب الحاج حمود واحد من أهم الشخصيات السياسية والوطنية التي ألتقيتها بعد أسابيع من إنهيار النظام عام ٢٠٠٣، كنت أتخيل أنه  سيودع أسراره في حوار أعددت محاوره، وضبطت مداخله لمشروع كتابة عن بعض الشخصيات المهمة، لجريدة القاسم المشترك، حينما كنت مديراً لتحريرها، أستحضر الآن تفاصيل ذلك اللقاء، كنت ألحّ على هديب في الإجابة عن أسئلتي، مدفوعاً بحماس الصحفي الذي يبحث عن الجديد، أو ربما الإثارة، والسبق الصحفي، وكانت أسئلتي تدور حول توقعاته، وإستشرافاته لمستقبل العراق ما بعد الإحتلال، لم أدرك لغز صمته، وإمتناعه عن الإجابة، ربما كان في سره يهزأ من إندفاعي (وهو غير ذلك بالطبع)، لأنني كنت غير مقتنع بعذره ومبررات إمتناعه، غير أن الاحداث اللاحقة أثبتت لي صواب موقف هديب الحاج حمود، وأدركت ان صمت الحاج حمود معادلاً لوعي كامل بحجم الكارثة.

ليس من الميسور على الباحث عموماً الكتابة عن شخصية وطنية مثل هديب الحاج حمود، تستوفى فيها شروط الموضوعية والصدق، إلا ان (الشقيق) محمد الحاج محمود، كتب دون إجتهاد، أو نقل عن مصادر، لأنه إبن البيت الواحد، والأسرة، والعيش المشترك، فتوقف عند أهم مفاصل حياة هديب السياسية والإجتماعية، في كتابه الصادر عن دار المدى عام ٢٠١٩،  بعنوان (هديب الحاج حمود شيخ السياسة البيضاء)... بتقديري ان محمد الحاج محمود واجه صعوبة بالغة في أن يتجرد عن عواطفه كأخ، وهي أشكالية تواجه الكاتب حين يجد أمامه حقائق عاشها عن قرب،  شريكاً فيها، متأثراً ومتفاعلا بأحداثها، مطالباً أن ينقلها بأمانة للقارىء والتاريخ، دون إنحياز للعواطف ومشاعر الأخوة، من المؤكد ان المؤلف أخذ ذلك بالحسبان، وكتب من خارج(المنزل)، بصفته مراقباً وباحثاً وأكاديمياً ضليعاً في القانون...

وتأكدت لي منهجيته الصارمة في الوقوف مع الحقائق الموثقة لحياة هديب التي لا تشير إلى أدنى تنازل عن الوطنية في سيرة هديب، كان واضحاً يتمتع بإرادة فعالة، وموقفاً ثابتاً من قضايا الفلاحين، مؤمناً بمبادئه، ومنهجه الفكري، هنا تكمن القيمة النبيلة لمواقف الإنسان، والمعنى المضمور في المواقف الإخلاقية، والمضامين الصافية لدى (السياسي)، وهو يخوض سلسلة مواجهات صعبة وملتبسة، في زمن الجمهورية الأولى عام ١٩٥٨، متأرجحاً بين مأمول ومتخيل، وبين أهداف كرّس حياته من أجلها، لم تكن طوباوية.

ظل هديب على قناعة ان أفكاره ومنهجه الوطني، سيجدان لهما نوعاً من القبول، وبإعتقاد راسخ فيه، ان هذا الطريق هو الضمانة لحل مشكلات بلد متعدد القوميات والأقليات والأثنيات والطوائف، كان يكتفي بالموقف المعتدل، لا تقوده كراهية أوغيض وإنفعال حاد، فترك اثراً  لا يمحى، يحمل كثيراً من معانيه الشخصية، وتباريحه الأخلاقية.

توزع الكتاب إلى ثلاثة فصول بمباحث عديدة، تناولت النشأة والنشاط السياسي المبكر، والإنتماء للحزب الوطني الدبمقراطي المبكر، ودوره السياسي قبل وبعد تموز ٥٨، وإستعرض المؤلف كتابات هديب عن الإصلاح الزراعي، ودوره المتميز في تشريع قانونه عام ٥٨ ، وإختص الفصل الأخير  بكتابات للعديد من الأسماء المهمة في الوسط الثقافي والسياسي، عن شخصية هديب كأحد رواد الحركة الديمقراطية في العراق ، فضلا عن الملاحق الخاصة بمنهاج الحزب الوطني الديمقراطي، ووثائق أخرى عن إستقالته من الوزارة والحزب، ولقطات مصورة عن فعاليات هديب السياسية والمهنية.

المتابع لتاريخ وسيرة هديب الحاج حمود لا يجد عناءً في الإستنتاج ان العمل السياسي في نظره لا يتعلق بالفكر السياسي ونظرياته فحسب، إنما يتجاوزه نحو كيفية التعامل مع الحدث، وتجربته السياسية الغنية تختلف في بعديها النفسي والإجتماعي و(الطبقي)، عن تجارب سياسيين آخرين عاصروه، من داخل حزبه أو من أحزاب سياسية أخرى، فهو إتخذ مواقفه على قناعات مؤمن بصحتها، تكاد تقترب من اليقين، والباحث في هذا النموذج عليه تجنب الوقوع في فخ المنظور الأحادي الجانب، فهناك إتفاق على مكانة نهجه الوطني المتميز، وعلى نزاهته وإخلاصه، وأهمية عطائه، إن أية إستعادة في قراءة سيرته الشخصية، ينبغي أن تعتمد إنجازاته الباهرة في مواقعه الوظيفية، وحضوره المتميز فيها، تتلخص بثراء تجربته الإنسانية والسياسية.

إن محاولة محمد الحاج حمود، تركت الباب مفتوحاً للباحثين، في إكمال دراسة تاريخ هذه الشخصية ودورها الوطني، وتسليط الضوء على العديد من المحطات والمفاصل التاريخية في هذه السيرة، ومنها تحديداً الفترة التي تمتد من عام ١٩٦٩ لغاية ٢٠٠٣(فترة نظام البعث الثانية بعد إنقلاب تموز ٦٨) التي أغفلها المؤلف، أوتجاهلها دون سبب يذكر في تدوين السيرة، وهي طفرة فوق الأحداث بكل تفاصيلها ونتائجها الدراماتيكية، وإكتفى المؤلف في سرده التاريخي على أحداث ما بعد الاحتلال في فصول الكتاب الأخيرة. بأعتقادي ان من يتولى هذه المهمة تقع على عاتق المؤرخ والباحث، وإن مسؤولية ثقافية وسياسية تدعونا لمخاطبة الجانب الأعمق والأدلّ في شخصية هديب الحاج حمود، وحسبي ان المؤلف سيأخذ في الحسبان الملاحظات التي أشرنا إليها، في محاولة ثانية لطبع الكتاب.

أستطيع القول إن إختيار عنوان (شيخ السياسة البيضاء) كان موفقاً إلى حد كبير في الوصول إلى جوهر هديب الإنساني، ومكنوناته الأخلاقية، كشخصية واعية منتمية إلى الحياة في مداها المتفائل، ويكفي المؤلف أنه أمدّنا بمعرفة عن سيرة هديب، وقرّبنا إلى عالمه المكتنز  بالمواقف الإنسانية النبيلة، لكن المؤسف ان هذا التاريخ الطويل المشرّف، لم يدون بمذكرات خاصة لهديب (حسب علمي)، وهو تاريخ لا يمثله شخصياً، إنما هو في جانب كبير منه، تاريخ العراق السياسي الحديث، ويشكّل بمجمله المعطى السياسي لمرحلة مهمة من تاريخ العراق، كنا بحاجة الى دراسته وتأمله. ومراجعته ،

في حياته تجتمع كل مآثر الرجال الكبار، أقول دون مبالغة : انه حمل تلك المآثر معه إلى العالم الآخر، ولم يفصح عنها،  ومثله من معاصريه، الشخصية الوطنية والقومية ناجي طالب، الذي ترك أسراره طي الكتمان، بدون تدوين، وللأسف أيضاً، ظلّ ممتنعاً من التصريح، والكتابة.

 

جمال العتّابي

 

اسماء غريبأنْ تَصِلَكَ كُتبُ المُفَكِّر العراقيّ د. عبد الجبّار الرّفاعيّ وتقرأَهَا وأنتَ في المَهْجَر الغربيّ الإيطاليّ تحديداً، يعني ولا شكَّ الكثيرَ مِن الأشياء، أهمّها إيقاظُ جِراح الذّات الكونيّة المتعلّقة بالانتماء والهويّة والدّين. نعم، الرّفاعيّ بكُتُبِه الأخيرة بيْن يديّ (1) فعلَ هذا وأكثر: أيقظَ كلَّ ما كنتُ أعتقِدُ أنّني تجاوزتُه بدفني لهُ في طامورة "النّسيان" أو التّناسي بتعبير أكثر دقّة. لقد أعادني إلى سنوات إقامتي المهجريّة الأوروبيّة الأولى، حينما كُنتُ أرفضُ مُعْظمَ الدّعوات التي كانت تُوَجَّهُ إليّ من أجلِ المشاركةِ داخلَ أو خارج إيطاليا في ندوات ومُحاضراتٍ تتناولُ الفِكرَ الإسلاميَّ ومواضيعَ تخصُّ وضعيّة المرأة وحقوقها "المهضومة" في العالم العربيّ، وكان لرفضي هذا أسباب عدّة؛ أوّلُهَا سياسة الكَيْل بمكياليْن المُنْتَهَجَة تجاهَ مواضيع بهذا الشّكل من الحساسيّة والتّعقيد، حيث غالباً ما كانتْ تُوَجَّهُ لفكر الآخر "العربيّ المُسلمِ" أصابعُ الاتّهام والمُساءلة، دون الخوض تاريخيّاً في موروث الدّيانات في العالم الغربيّ وما كانت تعيشُه من صراعات دمويّة مازالت تُلقي بظلالها على العديد من البلدان الأوربيّة وغيرها إلى اليوم. أمّا عن السّبب الثّاني فكان السّطحيّة التي عادةً ما تُعالَجُ بها هذه المواضيع حتّى وإن كانَ المحاضرون بشأنها من كبار المختصّين في السّؤال الدّيني أو اللّاهوتيّ بشكل خاصّ، إذ تجدُ معظمَهم يناقشُ الأمورَ بعين لا ترى شيئاً أمامَها ولا تزِن القضايا إلّا بميزان الحيْف الّذي تمارسه "ماكينة" الإعلام الغربيّ عبر نِظام مُمَنْهَجٍ لغَسْل دماغ المتلقّي الأوروبيّ وإعادة برمجتهِ، وتجذير مشاعر الرّعب والخوف من الآخر "الأجنبيّ" بداخله. ثالث الأسباب ولا أجدهُ يقلّ أهمّية عمّا ذكرتُ سابقاً هو عزّة نفسي، وشُمُوُخ كينونتي، وعُمق انتمائي لثقافتي، كلّ هذا كان يجعلني أرفضُ رفضاً قاطعاً أن أضعَ نفسي في موقفِ المُدافِع عن ديني وثقافتي، وتبرير ما لا يُبَرَّرُ، لا سيما وأنّني نشأتُ في بلدي الأمّ المغرب، وسطَ بيئة تعدّديّة تؤمنُ بالاختلاف وترى في الإيمان والمحبّة الإلهيَيْن طريقاً من طُرق تحرير الفكر والرّقيّ بالرّوح إلى مدارج السّمو والنّقاء والبهاء الإنسانيّ الكامل.

كم كانَ مُوجعاً في سنوات المهجَرِ الأولى أن أجدَ مَن هبَّ ودبّ ممّن يدّعي الثقافة والتحضُّرَ يسألني عن "العُنف" في الإسلام من أين يأتي؟ وعن "ذلّ" المرأة ومهانتها في بيت الرّجل العربيّ كيف تحتَمِلُه وتطيقه؟ وعن نبيّ الرّحمة محمّد لماذا تزوّج بالطّفلة الصّغيرة عائشة، وفي عيونهم ألفُ تلميح وتلميح لما يسمّى بـ"البيدوفيليّة"! بل كان فيهم من لا يُطيق الحديث عن الدّين أو الإيمان بشكل عامّ، ويشكّكُ في عذريّة مريم (ع) ويسائلها بعين الاتهام عن عيسى من أين أتت به (ع) فجعلتهم من وجهة نظرهم أضحوكة أمام العالم أجمع، وأرغمتهم على التّصديق برواية لا أساس لها من الصحّة، وكنتُ حينذاك ألوذ بالصّمتِ وأستشعرُ يداً غيبيّةً تخيط شفتيّ بإبر من فضّة خيوطها من ذهبٍ حتّى لا أدخل في مهاتراتٍ مع من لا يعرفُ عن دينه شيئاً، فما بالكَ بديانات "الآخرين"، ثمّ جاءت أحداث 11 أيلول 2001، فزادتِ الطّينَ بلّة، وانفجرت بعدها صاعقة داعش وتعقّدتِ الأمورُ أكثر وأكثر، وأصبح من الصّعب الخوض في كلّ هذا وقد اختلطتِ الأوراقُ أمام غياب إعلام عربيّ إسلاميٍّ نزيه يُشَرِّحُ بمِبضع النّقد والتحليل قضايا العُنف والإرهاب التي تتستّرُ وراء لباس الدّين، وأصبحتُ أتمسّكُ كلّ يومٍ أكثر فأكثر بموقف الرّفض، وتفادي الزجّ بنفسي في متاهاتٍ لا أوّل لها ولا آخر من خلال النّقاش في مواضيع محسومة من البداية ومن كافّة الجوانب، لأنّ أهل الحقيقة يعلمون جيّداً أنّ كلّ هذه العواصف العُنفيّة والإرهابيّة المدمّرة لا علاقة لها بالدّين الإسلاميّ ولا بالمسلمين الأحقّاء وإنّما هي سياسات دوليّة أعمق وأكبر منْ أن يستوعبَها عقلُ مواطن بسيط مهما بلغت درجة ثقافته وعِلمه. لكنْ ما العملُ ولليوم مازال هناكَ من يقول لكَ، كيف يدّعي المسلمون بأنّ ما يحدث من إرهاب وعنفٍ لا علاقة له بدينهم، وهُم يستمدّون كلّ هذا من القرآن الكريم، وكتبِ الفقه والشّريعة، وأوّل ما يستدلّون لكَ به سورة "السّيف"؟! وهنا لا يُمكنُ إنكار حالة الذّهول التي قد يُصابُ بها المرء، فالقرآن حقّاً فيه سورة "السّيف" هذه، واسمها الحقيقيّ هو سورة التوبة أو سورة براءة، وهي نفسها الإشارة التي التقطَها عبد الجبّار الرّفاعي في كتابه (الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ)، حينما قال بأنّ كلمة السّيف مع أنّها لمْ تَرِدْ في القرآن، إلّا أنّ المفسّرين سمّوا هذه السّورة بهذا الاسم، والغريب أنّ أكثرهُم من المشهورين، الذين ادّعوا أنّها ناسخة للكثير من الآيات التي تدعو للسّلم والعفو والصّفح والغفران والرّحمة (2). كيف سأردُّ على هذه السّورة والحال أنّها كلّها قتال في قتال وحرب ومواجهة وسيف؟! أيُّ جرحٍ هذا يا إلهي، وذاتي الباطنيّة الدّاخلية العميقة ترى غير ما يراهُ الآخرون بشأن هذه السّورة بالتّحديد. وأعني هنا بعبارة "الذّات الباطنيّة" تلك التي عرّفهَا الرّفاعيّ قائلاً عنها بأنّها "تنطوي على الكثير من الأسرار، وكيف لا، وهي التي تتخصّبُ وتغتني بمنابع إلهامها وديناميّاتها الجوّانية، وتتحقّقُ على الدّوام حين تشرع بوجودها وتجاربها وحياتها الخاصّة التي لا يُمكن اختراقها واكتشاف مدياتها إلّا بحدود ما تبوح به" (3). هنا المعضلة، في هذا الّذي يُباح به ويُكشَفُ عن أسراره، أقول هذا وبين يديّ الآن قارئيَ الإلكترونيّ، وفيه كتب عبد الجبّار، وأنا في حديقة إيطاليّة، اسمها "فيلّا جوليا" (4)، أفتح كتاب (الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ) وأقرأ منه ما قاله الرّفاعيّ في تعليقه على سورة "السّيف" هذه، وأتوقّفُ طويلاً لأسمع صوتَهُ وهو يُرَدّدُ: (إنّ كلّ من يقرأ القرآنَ، يجدُ العنفَ ماثلاً بتعبيرات مختلفة في بعض آياته ، فمثلاً وردت كلمة "قتال" والكلمات ذات الصّلة بها في القرآن بحدود 170 مرّة. ويعود نفي أيُّ شكل للعنف في لغة القرآن إلى تجاهل سياقات النّزول في محيط الجزيرة العربيّة [...] ومفتاح دراسة العنف في لغة القرآن هو نمط حياة الأمّة التي نزل فيها وبنية لغتها وأساليب تعبيرها، إنّ ألفاظ اللّغة ومصطلحات معجمها وأساليب بيانها والحضور المتنوّع للعنف في الحياة العربيّة وأثره الواضح في رسم أنماط العلاقات المجتمعيّة في عصر البعثة، كلّها كانت قيوداً ضاقت بسعة الرّحمة الإلهيّة وعجزت عن أنْ تستوعب تجلّيات غريزة الرّحمة في شخصية ودعوة المبعوث رحمة للعالمين. النبيّ محمّد "ص" أحد أعظم دعاة الحرية ومن أرسوا أسسها في التاريخ البشريّ، عاش في مجتمع يؤسّسُ العنفُ حياته، ويحوك العنف نسيج علاقاته الاجتماعية، وتنبثق من العنف تقاليده وعاداته. [...] في مثل هذا المجتمع لا يُمكن لثائرٍ على كلّ أشكال الاستعباد وهتك الكرامة البشريّة، إلّا أن يستعير شيئاً من عنف لغة المجتمع الذي يخاطبه بدعوته، ويتسلّح بمواقف صارمة؛ لا تخور أمام عنف لغتهم، ولا تنهزم أمام عدوانيتهم، ولا تتراجع أمام توحّش بعضهم، لغة العنف في آيات القرآن تعكس أنطولوجيا لغويّة عنيفة كانت ماثلة في الحياة العربيّة وأيّة محاولة تخفي ذلكَ فإنّها تسيء للقرآن عندما تنكر ماهو صريح واضح فيه) (5).

1648  كتب الرفاعي.jpg

يا لغزارة النّزيف الدّاخليّ أمام هذه الحقيقة التي لا يُمكن إنكارها بأيّ وجه من الأوجه، نزيفٌ يجعلني في الوقت ذاته أتشظّى وأنا أتذكّرُ كلماتِ الرّفاعيّ في الكتاب ذاته وأعيد الإنصات إليه وهو يقول: "القرآن الكريمُ كتابٌ تسري فيه روح واحدة، مضامينه تتوحّد في نسيج عضويّ متماسك، ويسوده نظام كلّيّ يتطلّب فهمُه أن نكتشف المنطق الذّاتي الّذي يتحدّث فيه القرآن عن نفسه. ففي القرآن كلّ فكرة ومقولة تتحدث للأخرى، وتتبصّرُ كلّ آية دلالتَها ووجهتها في أفق آياته الأخرى بمجموعها. القرآن كتاب تحيل فيه الفروع على الأصول، والجزئيات على الكليات، والصغريات على الكبريات. نحن بحاجة ماسّة إلى منهجٍ بديل في فهم القرآن، يحرّره من أسوار الأفق التاريخيّ التكراريّ المغلق للمفسّرين، الذي أفضى لنضوب حضور الروافد الملهِمة للمعنى والأخلاق في القرآن. وعلى الرّغم من ضجيج أصوات الجماعات الدّينيّة، وضوضاء صيحات شعاراتهم في الحديث عن القرآن، وكلامهم المبسّط في نسبة كلّ شيء إليه، وإن كان على الضدّ من منطقه وما ينشده، لكن قلّما نعثر على رؤية تتبصّرُ متطلّبات الحياة الرّوحية وبناء الضمير الأخلاقي للمسلم المعاصر في سياق قرآني. إنّ هذه الرؤية البديلة تفرضها ضرورة إعادة اكتشاف الأبعاد المضيئة للحياة الروحية والجمالية في القرآن، كما يفرضها أيضاً افتقار المسلم اليوم لمعنى عميق لحياته، وضياعه في كهوف التراث التي لا تقوده إلّا لمزيد من الضّياع. رأيتُ الرّحمة تمثل مفتاح فهم المنطق الدّاخلي للقرآن، فقد اتخذت الرّحمة فضاء واسعاً في القرآن الكريم لم تتخذه في الكتاب المقدّس وغيره من نصوص الأديان، إذ وردت بصيغ متوّعة في القرآن تصرّح بشمولها كلّ شيء وعدم خروج أيّ شيء عنها"(6).

وفي ظلّ ما يقوله عبد الجبّار يتوهّج سؤال آخر بداخلي، فمادامتِ الرّحمة هي المنطق الّذي يحكم القرآن وجميع سوره ورسائله وخطاباته، فأين الخلل إذن؟ لماذا لا يحاول المفسّرون لليوم إلغاء كلّ ما قيل من مفاهيم كارثيّة روّجوا لها على مرور المئات من السنين؟ لماذا لا يجتمع أهل الرّشاد فيهم على قول واحد يشطبون به كلّ أخطاء الماضي؟ سؤالي طبعاً سيظلّ من النّوع المجازي لا أقلّ ولا أكثر، لكنّ حلّ معضلة هذه الهوّة السّحيقة التي تفصلُ بين موقف المتشبّتين بتراثيّات الماضي وبكائيّات أمجاده الوهميّة، وموقف أهل الحقيقة السّاعين أبداً إلى إيقاف نزيف الرّوح الّذي تسبّب فيه تراكم الأخطاء المعرفيّة الفادحة أجدُه ماثلاً أمامي وأنا أجول بحركة بصريّة دائريّة أحيطُ بها كلّ أطراف حديقة فيلّا جوليا فأجدها تخاطبني بأبجديّة أخرى، وأرى فيها كتاباً جديداً يدعوني لقراءته بلغة أهل التصوّف والعرفان الفلسفيّ، ذاك الّذي يراه الرّفاعي: "تصوّفاً عقليّاً خرجَ على الأنساق المغلقة الحرفيّة لقراءة النّصوص الدّينيّة، وأنتج قراءة للنصوص خارج إطار مناهج وأدوات القراءة والفهم والنظر والتفكير الموروثة، بنحو منح للمسلم أفقاً رحباً في التأويل، وإنتاج قراءات تتوالد منها قراءات أخرى حيّة على الدّوام في فضاء يواكب متغيّرات الحياة"(7). وأصيخ السّمع أكثر فأكثر فتصلني أصواتُ الأعمال الفنّيّة المنحوتةِ في كلّ أطراف هذا المكان، وكلّها تقول لي إنّ لكلّ وجود ظاهريّ لنا في هذه الحديقة معنى خفيّاً يتجاوز الأمكنة والأزمنة بالضّبط كما قال الرّفاعي، بحيث أن العالم بالنسبة له: "يستوعب أشياء لا حصر لها لا ندركُ معناها، والدّين يمعنن ذلك، يفكُّ الألغاز، أو تغدو الألغاز من منظور المتديّن ذات مضمون، يفيض بمعانٍ يسقيها من رؤيته الدّينيّة" (8). أنظرُ حولي فيطالعني أسدان متأهّبان للانطلاق يقولان بأنّ زمن الكشف لم يحِن بعد، ثمّ ألتفتُ مرّة أخرى فأرى جواكّينو روسّيني، الموسيقي الفذّ الّذي جدّد في الفكر الموسيقيّ الغربيّ وأخرج الرّوح الإيطاليّة من أقبية أحزانها ساعياً بها إلى مدارج وآفاق فسيحة من النّور والحريّة عبر اللّحن الشفيف والنّغم السّاحر، وفي الطّرف الآخر أرى أرخميدس مجدّد العلوم الحقّة، وتيوكريتوس رائد الشّعر الرّعويّ، وأبولّو إله النبوءة والشّفاء والتألّق، فأجدني بين هذه الوجوه التّاريخيّة والأسطورية أسبح في إشراقات من البهجة الرّوحيّة التي ليس لها مثيل والّتي تبلغ الذّروة حينما تقعُ عيني على تمثال عبقريّ وشفيع مدينة بلرم وبين يديه أفعى الحكمة يطعمها من صدره إكسير المعرفة، وبالقرب منه نسر كبير كرمزٍ لانتصارات الرّوح في حروبها من أجل بلوغ سدرة المنتهى، وفي الجهة الأخرى أرى طفلاً عجيباً يحمل فوق رأسه ساعة باثني عشر واجهة، في كلّ واحدة منها ساعة شمسيّة تقول بأنّ زمن الصّعود والتّحليق مازال بعيداً، مادام صبيّ الحديقة المعلّم الأسمر الجالس فوق وسادة نحاسيّة لم يسلّمكِ بعد عصا الحكمة التي بها يُختتمُ السّفر العرفانيّ بين أرجاء هذا المكان الخلّاب. ارفع عينيّ وأتذكّرُ صديقي الألمانيّ يوهان غوته الّذي زار قبلي بمئات السّنين فيلّا جوليا، وعرف مثلي أنّه ليس في حضرة حديقة عاديّة بل جنّة حافلة برموز أهل المعرفة والفلسفة المتمثّلة بشكل المكان الدّائريّ المُجسِّدِ لصورة الكون الميتافيزيقيّ والّذي يقتضي من السّالك خوض سفرٍ روحيّ عميق كذاك الّذي قام به هوميروس المخلّد في الأوديسّا والتي من وحيها ألّف غوته وهو في فيلّا جوليا عمله "ناوْسيكا" والّذي بقيَ غير مكتملٍ لليوم. وبصورة غوته أمامي، وكلام عبد الجبّار عن لغة العنف في القرآن يأتي المعنى ويجلسُ عند قدميّ وهو يذرف بدل الدّمع دماً، فأمسكُ بوجهه وأمسح بيدي على جبينه وأكفكف دمعه ثمّ أسأله الحلّ لكلّ هذه المتاهات الفكريّة الدّوّامية فيُشير عليّ بكلمات قالها عبد الجبّار عن والدته رحمها الله وهو يصفها بالمرأة التي كانت تمتلكُ خبرة جيّدة في رواية الملاحم ومحاولات تطبيقها على ما يسود حياة مجتمع القرية المحدود، بحيث كان يستمع إليها في طفولته وهي تتحدّث بإسهاب مع صديقاتها، وهنّ يصغين بإمعان لما تتحدّث به من حكايات خرافيّة عتيقة وقصص ميثولوجيّة غابرة، حينما يعود إليها اليوم يجدها الرّفاعيّ غنيّة بالرّموز والعلامات والإشارات ذات الكثافة الدلالية التي يتيح تأويلها التعرّف على الأنساق الرّمزية ويكشف لنا عن طبقات المعنى المحوريّة الرّابضة في البنى التحتيّة العميقة للمجتمع الرّيفي (9). ومن هذه الكلمات يتبرعم في حديقة الأسرار سؤال جديد: لماذا لم يحاول أهل التّفسير قديماً العمل على هذا الجانب الدّلاليّ الرّمزيّ للنصّ القرآني وكلّ آية فيه تحمل عنوانا سيميائيّاً بامتيازٍ، بين شمس وقمر ونساء، وطارقٍ ومائدة وبقرة وناقة، ونجمٍ وناس وفلق وفجرٍ، وعاديات وذاريات وصافّات وما إليها من الأسماء التي تعلن وتفصح عن معاني أشدّ عمقاً من تلك التي سطّرتها كتب التراث القديمة والتي أتت بنيران ظلماتها على الأخضر واليابس في كلّ المنظومة الفكريّة العربيّة الإسلاميّة؟!

عبد الجبّار الرّفاعيّ يعرفُ أكثر منّي أنّ لغة القرآن الكريم وأسماء سوره وشخوصه وأبطال أحداثه تنتمي كلّها إلى الحقل الرّمزيّ السيميائيّ، الّذي يحتاج اليوم لمفاتيح خاصّة من أجل الوقوف على وجه جديد من معانيه، وكيف لا وهو المتسائل عن جدوى احتماء الآباء في قريته بأسماء منفّرة يعطونها لأبنائهم علّ ذلك ينقذهم من الوفيات المبكرة، فكانوا بذلك يعلنون شيئاً، ويتكتّمون على ضدّه (10)، هكذا كان العرب، أهل رمز وحجب وتواري وراء المعاني، ولأجل هذا ظهرت لغة القرآن كلغةٍ تختلف عن كلّ لغات الكتب السماوية التي سبقته، وكان خطابه موجّهاً للعالمين، ولم تكن الأحداث التي فيه تعني أقواماً معيّنة بعينها وإنّما تعني الجميع، يكفي فقط العثور على مفاتيحها الحقّة التي كان يعرفها جيّداً العرب آنذاك وإن نُعتَ عهدُهم بالجاهليّة، وليسوا منها في شيءٍ، فقد كانوا على دراية بالعديد من العلوم وعرفت المنطقة العربيّة العديد من الحضارات البائدة التي بلغت من التقدّم آنذاك ما لم يخطر على بال بشر وإرم التي لم يُخلق مثلها في البلاد تشهد على ذلك. العرب إذن وأهل الكتاب منهم، وأعني بهم هنا رجال الدّين والكهنوت الأعلى كانوا يعرفون لغة القرآن جيّداً، وحروفة المقطّعة وأسماءه ورموزه كاملةً، ولم يكن النبيّ محمّد يتحرّج أبداً في مخاطبتهم به، لأنّه خطاب روح ونفس، والحروب التي فيه، وفي سورة التوبة مثلاً إنّما هي حروب على المستوى الباطنيّ للنّفس، أيْ على المستوى العرفانيّ الخالص الذي لم يكن حاضراً بهذه الصيغة الجديدة لدى فلاسفة اليونان، وقد عجزت أعظم كتب فلاسفة تلك العصور عن بلوغها، وهذه هي معجزة الرّسول الأكرم لأنه كان على معرفة بمبدأ الوحي بحيث يكشف له أسرار الوجود، وكان هو بدوره يرى الحقائق بوضوح وبدون أيّ حجاب وذلك بعروجه وارتقائه قمّة كمال الإنسانيّة، وفي ذات الوقت كان حاضراً في جميع أبعاد الإنسانيّة ومراحل الوجود، فمثّل بذلك أسمى مظهر لـ (هو الأوّل والآخر والظّاهر والباطن) (11)، كما سعى إلى رفع جميع النّاس للوصول إلى تلك المرتبة، وكان يتحمّل الآلام والمعاناة حينما كان يراهم عاجزين عن بلوغ ذلك (12).

محمّد (ص)، هو القلب الكونيّ الّذي تلقّى كلمات ربّه بأسلوب جديد، يصف حروب النّفس، أو حروب الأرض التي تنقلبُ فيها الأعمال وتتجسّدُ بصور مختلفة تجتمع فيها الحيوانات، والحشرات والهوام والزّواحف، وصور الإنسان ذكراً كان أو أنثى، وتتمثّل فيها الأماكن بالجبال والمفاوز والصحاري والغابات والوديان والرّياح والنيران، وكلّ ماهو ظاهر وغير ظاهر في كون الظهور وأكوان البرازخ والغيبيّات، فإذا عمل الإنسان عملاً صالحاً فإنّ هذا العمل يؤثّر على قلبه ويجعله مهيّئاً لنزول البركات، أمّا إذا كان القلب مفعماً بالحسد مثلاً أو الغضب أو حبّ الدّنيا وما إليها من ملكات أخرى خبيثة فإنّ ذلك يحجبه ويعتم مرآته فيتعذّر عليه التوجّه للغيب، وحلول الرّحمة فيه (13).

تحدّث القرآن كثيراً عن النّفس وأهوائها وحروبها، وكما لقّبها اليونان قديما ببيرسيفون، التي تعني بؤبؤ العين فإنّ العرب لقّبوها بقرّة العين وما من فراغ شبّهت إيزيس النّفسَ خلال أحاديثها مع حورس بالعين والجفون التي تحيط بها، وذلكَ لأنّها تمثّلُ مبدأ الإدراك المستيقظ الّذي لا ينام أبداً، وأهل الذّوق يعلمون هذا جيّداً وكثير منهم رأوا هذه العين (14)، وهي العنصر الّذي يبعث الحياة في الجسد المادّي، لأنه نفس الإله المنفوخ فيه. وهو أيْ الجسد، العالم الدنيويّ المتكوّن من النّفس التي هي المبدأ الأنثويّ، ومن الأنا التي هي المبدأ الذكريّ القابع في حضنها، وهذه الأخيرة لا تمثل المادّة الصّلبة وإنّما شخصيّتها، وهي بعبارة أخرى الانعكاس الوهميّ للذّات. وإني لأتحدّث هنا عن محتوى عقليّ ذو طبيعة سائلة، ولأجل هذا فإنّ النّفس مرتبطة بالماء وهي توجد في المركز بين العالم الباطنيّ والعالم المادّي، وبين صراعات النّفس لا سيما حينما يتعرّضُ الكيان العقلي في ارتباطه بالمبدأ الذكريّ إلى عملية الوحشنة التي تحجب بالكامل الذّاتَ الحقيقيّة في جوهر الإنسان، وهذا ما يفسّرُ ويبرّرُ لغة الحرب والقتال الواردة في القرآن الكريم والتي أشار إليها آنفاً عبد الجبّار فيما يتعلّق بحروب النّفس وطريقة تخليصها من أسرها ووحشنتها وسجنها الدّاخليّ الرّهيب. ولقد حدّد خطابُ الوحي إمكانية الخلاص في التعرّف على التركيبة الحقيقيّة للإنسان ولا غرابة إذا كان محمّد يعرف أنّ هذه التركيبة تقبع في المركز والجوهر الأصيل، بينما يقبع في القشرة الخارجيّة كلّ ماهو مزيفّ، ولذا سمّيت عملية الخلاص هذه بالجهاد الأكبر، والّذي سمّاه رجال الدّين في الديانات الأخرى بمحاربة التنّين أو الأفعى الّتي تبدأ في سنّ الأربعين، وهي السنّ التي أسمّيها نسبة إلى سورة التوبة بسنّ براءة، أيْ العمر الّذي يتبرّأ فيه القلب الكونيّ من شواغل النّفس المرتبطة قبل الأربعين بقوّة النموّ والتّغذيّة، وذلك حتّى يتفرّغ لمسار الانعتاق من شؤون الدّنيا حينما يتحقّق انحسار نشاط الطّاقة الأنثويّة المعبّر عنها في القرآن الكريم بعبارة (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) (15)، أيْ بمعنى فلمّا قضى الجسمُ الّذي يزيد في النموّ وطره من الطّاقة الأنثوية المتمثّلة بالنّفس التي كبّرتهُ وزادت في نموّه تزوّج بها لكي تعينه على جهاده الدّاخليّ في سبيل الخلاص من ربقة الاستعباد الدّنيويّ، وهذه الزّوجة في مقام الأربعين لها اسم آخر لدى أهل الأسرار وهو زينب، أيْ الشّجرة العطرة الحسنة المنظر وهي ذاتها شجرة الحياة والمعرفة التي يأكل منها السّالكُ وهو في طريقه إلى الكمال الرّوحيّ.

وإذ أكشف لكَ عن هذه المعاني الجديدة فإنّه يبدو واضحاً كيف حُرّفتِ المعاني وقُلبت الآيات وتشوّهت الأهدافُ بشكلٍ أدّى إلى مسخِ صورة الدّين الإسلامي في كافّة المجتمعات كما يقول عبد الجبّار الرّفاعي، بحيث أصبح "كلّ ماهو دينيّ مختلطاً بكلّ شيء: بالعلم وبالفلسفة والأدب والفنّ، وبالدّولة والقبيلة والعادات والأعراف بشكل انهار فيه كلّ شيء وماعاد الدّينُ ديناً، ولا العلم علماً، ولا الأدبُ ولا الفنّ أدباً وفنّاً" (16). فما الحلّ إذن أمام هذه المعضلة الكبيرة، و"كيف نحوّل الدّين من موتٍ إلى حياة ومن داء إلى دواء، ومن سمّ إلى ترياق، ومن هيروئين إلى فيتامين، ومن ظلام إلى نور، ومن حزن إلى فرح، ومن شقاء إلى سعادة، ومن ضعف إلى قوّة، ومن هدم إلى بناء؟!"، يجيب عبد الجبّار: (لا خلاص إلّا بالخلاص من "تديين الدّنيويّ" وإعادة الدّين إلى حقله الطّبيعيّ، ومن دون ذلك ننهكُ ماهو ديني، ونبدّد ما هو دنيويّ) (17).

وإلى كلماته أضيف وأقول، إنّه لا بدّ من شجرة الحياة والحسن والجمال والبهاء زينب بكلّ مقاماتها النّسائيّة، بما فيها مقام عائشة التّاسع الّذي هو أحد أسماء الإلهة إيزيس والتي تعني في معناها الباطنيّ كلّ شيء يعيش ويحيا وينمو في الكيان والّذي لا بدّ للمريد والمريدة أيضاً من ولوجه في التّاسعة أيْ في المقام التّاسع من شجرة الحياة، وهذا هو ردّي على من كان يسأل من مثقفّي الحسرة منذ أزيد من عشرين سنة عن محمّد لمَاذا تزوّج بعائشة، وهي بعد طفلة في التّاسعة من عمرها، وهم لا يعرفون عن حياة السالكين إلى الله شيئا ولا عن شجرة الحسن زينب فيها ولا عن النساء الأربع التي لا بدّ للسالك والسّالكة من الزّواج بهنّ كرمز لعناصر الخلق الأربعة وهي النار والهواء والماء والتّراب، والتي لا يستطيع المريد التوفيقَ بينها بسهولة فوجب اكتفاؤه بواحدة، أو اثنين أو على الأكثر ثلاثة قبل البدء في رحلة تسلّقه لشجرة المعرفة زينب.

وأمّا لمن يسأل عن الجواري في الإسلام واستعباد النّساء من أين أتى، فأقول إنّ تاريخ الإنسان الأسود في تحريف كلّ شيء عبر غرائزه المتوحّشة تشهد ضدّه على قبح ما ارتكب من جرائم. ففي الوقت الّذي كان فيه نصّ الوحي صريحاً في تمييزه بين النّساء والجواري، وأقول النّساء لأنّ العدد الحقيقيّ الذي يتزوّج به المريد والمريدة أيضاً وهُما في حروبهما الرّوحيّة الباطنيّة مع المبدأ الأنثويّ الذي هو النّفس يصل إلى تسع نساء يضاف إليهنّ أربع أخريات حينما يتمُّ الوصول إلى المقام العاشر من شجرة المعرفة والحكمة، ليصبح المجموع 13 زوجة، فافهم قولي وافقه من أين أتت هذه الأعداد النسائيّة التي يتجادل حولها المفسّرون إلى اليوم وباسمها ارتكبت العديد من المجازر والحروب النكاحيّة على أرض الواقع الماديّ الإنسانيّ وفي حياته اليوميّة!

أمّا بالنسبة لسبي الجواري، فإنّ الأمر فيه إشارة إلى الجانب الأنثويّ للقوى المتعلّقة بمقامات شجرة الحسن والحكمة ولكن في الجزء المتعلّق بالنزوات الدّنيوية الطّارئة داخل قلب المريد، وهنّ أقل شأناً من النّساء اللائي هنّ طاقات أنثوية أساسية بينما الجواري طاقات ثانويّة والتي يتوجّب على السّالك سبيها أيْ سلخ جلد الأفعى فيها، ونزعها وتحريرها من الكينونة الذّكريّة التي تحكمها داخل العالم الجوّانيّ للنّفس البشريّة لكلّ إنسان، ولا فرق في هذا بين مسلم أو مسيحيّ أو غيرهما ممّن يعتقد ويدين بديانات أخرى. والكشف اليوم عن هذه المعاني فيه كشف عمّا ألحقه التفسير السّيء للتعاليم المتعلّقة بالمبدأ الأنثوي، والذي أفرد له القرآن الكثير من الآيات وخصّص له سورة كاملة تحمل عنوان النّساء، من ضرر أدّى إلى خلق أبشع الممارسات التي شهدها التاريخ مثل السّبي الفعليّ للنساء والمتاجرة بهنّ في سوق الرّقيق إلى اليوم، وهو ما أشار له د. عبد الجبّار الرّفاعي بقوله: (الرِّقُّ أقبحُ أشكال نزَعات التسلط وامتهان الإنسان لأخيه الإنسان، وأقسى صور هتك الكرامة البشرية. إنه ظاهرة بشعة مزمنة في الحياة، لم يتورط فيها كائن آخر غير الإنسان. ولم تَصدر قرارات صارمة تُلغي تشريعه حتى القرن التاسع عشر. فهذه القرارات - وإن ربما استطاعت تحريمه والقضاء عليه -، عجزت عن استئصال جذوره ومنابعه المزمنة. فمع أنه اختفى شكلُه القديم، غير أنه واصَل حضورَه بِعُنوانات وأشكال بديلة. خلَق اللهُ الناس متساوين في إنسانيتهم، إذ ليس هناك إنسان كامل الإنسانية، وآخَر إنسانيته ناقصة. أمّا الرقُّ، فهو أقسى أنماط احتقار البشر، لأنه هتكٌ للكرامة. ولا تتحقق إنسانية أية ديانة إلَّا بتبنِّي المساواة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وتجسيدِها في مختلف المواقف والأفعال والسلوك، بغضِّ النظر عن الدين والثقافة والجنس والنسب واللون والطبقة. فلا قيمة سامية تعلو على قيمة الكرامة، وهتكُها يُثير الفزع في كيان أيّ كائن بشري، مهْما كان بَلِيدًا أو أبْلَهَ في نظر بعضهم. هتكُ الكرامة يُنتجُ عمليات الثأر العنيفة، والثورات والأشكال المتنوعة للمقاومة. وجميعُها ليست إلَّا مَساعِيَ لاسترداد الكرامة، وإنْ أخطأت مراميها أحيانًا.

الرقُّ غيرُ مستهجَن عند أكثر الناس الذين يمارسونه؛ إذ هناك حاجة نفسية مختبِئة، إلى استرقاق البشر وإخضاعهم لدى كثير من الناس، الذين يتلذذون بالتسلط على غيرهم، مضافة إلى حاجتهم إلى الخدمة والعمل. ذلك سببٌ خفيّ اليوم لاستنساخه في المجتمعات بأقنعةٍ جديدة، مِن أبشعها ظاهرةُ "الخدم"، المتفشية في مجتمعات التمييز العنصري واحتقار الإنسان المُتْخمة. العبوديةُ تختبئ في الكلمات، وتَشِي كلمةُ "الخدم" بحمولة سالبة، تحطُّ برأيي من كرامة الإنسان الذي كرّمه اللهُ تكوينًا. إنْ كان بعضُهم يلتمس مبررات للرقّ في التاريخ، فإنَّ استئناف الرقّ بأقنعة بديلة في مجتمعات اليوم، لا يمْكن تبريرُه أبدًا. في “العبودية المقنَّعة” نرى شابَّاتٍ وشبابًا يعملون في المنازل، ويتعامل معهم أهلُ المنزل باحتقار وإذلال ومهانة، بخِلاف الكلاب والقطط والطيور التي يهتمون بها في الغالب أكثرَ منهم. فيُسكِنون أولئك الخدم في أماكن غير ملائمة، ويطعمونهم أحيانًا بقايا الطعام، وغالبًا ما يُلبسونهم ثيابًا غيرَ ثيابهم، دون أن يكترث أحد لِمشاعرهم وعواطفهم وحساسياتهم وانفعالاتهم بصِفَتهم بشَرًا. "الخدم" يفكرون ويشعرون مثل كلّ البشر. هؤلاء بشرٌ مُكرَّمون، كرامتُهم هبة من الخالق لهم، كرامتُهم مُكوِّن لهُويَّتهم الوجودية. أكرهَتهم الفاقةُ والحرمان والجوع وفقدان فرص العمل الكريم، على زجّ أنفسهم في هذا النوع من العمل المُزْري الذي يمتهنهم. هؤلاء بشر، ينفعلون، يتألمون، يحزنون، يكرهون، يحبون، يشعرون بالسعادة، وتنزف قلوبُهم أسًى لحظةَ يتعرضون لإهانة أو تنكيل. لكنْ مع ذلك، يتعامل معهم أكثرُ من يستخدمهم، وكأنهم محكومون باكتئاب وحزن أبديّ. هؤلاء بشرٌ، لديهم احتياجات جسدية وروحية وأخلاقية. فيحتاجون إلى الحياة العاطفية والجنسية، كما كلُّ كائنٍ بشري. أيضًا يحتاجون إلى الفرح والحبّ والحنان، ويحتاجون إلى الاعتراف بهم وبمُنجَزهم مهْما كان، ويحتاجون إلى الاحترام والشكر والتكريم. هؤلاء بشرٌ، لديهم حياتهم الباطنية. فالذات البشريّة بطبيعتها باطنية داخلية عميقة، تنطوي على أسرارها، وتَخْصَب وتغتني بمنابع إلهامها وديناميّتها الجوّانية، وتتحقّق على الدوام حين تَشْرع في وُجودها وتجاربها وحياتها الخاصّة. ولا يمْكن لنا اختراق هذه الحياة واكتشاف غاياتها، إلّا بحدود ما تبوح هي به. يولَد الإنسان بمفرده، ويحيا بمفرده، ويموت بمفرده، ويتألّم بمفرده، ويمرض بمفرده، ويشعر بالخطيئة بمفرده، ويستفيق ضميرُه بمفرده، ويؤمن بمفرده، ويُلحد بمفرده. أيضًا يجتاحه بمفرده: القلق، واليأس، والاغتراب، والضجر، والسأم، والألم، والحزن، والغثيان، وفقدان المعنى، وذبول الروح، وانطفاء القلب، والعدمية، والعبثية، والجنون). (18).

كيف النّجاة من كلّ هذه الأهوال التي تسبّبت فيها القراءات المقلوبة لكلمة الوحي وخطابه، وكيف السبيل إلى إعادة البهجة والمسرّة والضوء إلى مشكاة الرّسالات النبويّة وقد سدّ علينا المتشدّقون بالمعرفة كلّ الأبواب؟ لا سبيل إلّا بالعودة إلى المعين الصّافي، أي إلى محبّة الله بعيداً عن قساوة وتعصّب كلّ أشكال التديّن المتزمّت الّذي ينافي فطرة الإيمان لدى كلّ إنسان، لأنّ "اللّحظة التي يمتلكُ فيها الإيمان قلبك تصير أنت الأمن والسكينة. أمنكَ هو إيمانكَ، وإيمانك هو أمنكَ، إنه إيمان أنطولوجيّ متوحّد بكينونتكَ والعلاقة فيه باللّه أفقيّة لا عموديّة، علاقة جوهرها الحبّ والحريّة، لا تتضمّن استرقاقاً، ولا قهراً ولا انتهاكاً لكرامتكَ" (19).

بهذه الكلمات أختمُ سفري العرفانيّ ووقفاته في حضرة عبد الجبّار الرّفاعيّ، أطفئُ قارئي الإلكتروني، أو مكتبتي الرقميّة المتنقّلة، أمشي بخطوات ثابتة، وأتوجّه نحو صبيّ الحكمة الأسمر في الطريق المؤدّي إلى باب الحديقة العرفانيّة الكبير، أسلّم عليه، ثم أستلمُ منه عصاه، التي بها لا شكَّ ستبدأ أسفار جديدة أخرى، ووقفات مع أهل الله من شتّى الدّيانات والاعتقادات، راجية من الله عزّت وجلّت قدرته أن يمدّني بمزيد من التأييد، ويفتح لي وعليّ من بركاته وفيوضاته فتحاً مبيناً لا يأتيه الباطلُ من بين يديْه ولا من خلفه.

 

د. أسماء غريب

أكاديميّة وروائية وناقدة ومترجمة مغربية مقيمة في إيطاليا.

................

الهوامش:

1) وأعني بها ثلاثية كتب الرفاعي عن الدين، الّتي صدرتْ في طبعات ثانية وثالثة ما بيْن عامَيْ 2018-2019 عن مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت،  وهيَ على التّوالي: (الدّين والنّزعة الإنسانيّة، ط3)، و(الدّين والظّمأ الأنطولوجيّ، ط3)، ثمّ (الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ، ط2).

2) د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط2، ص 8، 2019.

3) د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والظّمأ الأنطولوجيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط3، 2018، ص 27.

4) انظر في الملحق صوراً توثّقُ زيارة أسماء لهذه الحديقة العجيبة.

5) د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت،  ط 2، 2019، صص، 37-39.

6) المصدر نفسه صص 24-25.

7) د. عبد الجبّار الرّفاعي، الإيمان والتجربة الدّينيّة، "موسوعة فلسفة الدّين 2"، ط1، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، 2015، ص13.

8) د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والنّزعة الإنسانيّة، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت،  ط3، 2018، ص 50.

9) د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والظّمأ الأنطولوجيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط3، 2018، ص 53.

10) المصدر نفسه، ص 46.

11) سورة الحديد: الآية 03.

12) وصايا عرفانيّة للإمام الخمينيّ، إعداد السّيّد عبّاس نور الدّين، مركز بقيّة الله الأعظم، ط2، بيروت، 2001، صص 18-19.

13) عبد الحليم عوض الحلّي، ظهور الحقائق وانقلابها في عالم المُلكِ والملكوت، ط1، مؤسسة الطّبع والنّشر التّابعة للأستانة الرّضويّة المقدّسة، 2013، ص52.

14) د. أسماء غريب، قصيدة (عينُكَ)، ضمن ديوان مشكاة أخناتون، ط1، دار الفرات للثقافة والإعلام، العراق، 2018، ص 109.

15) سورة الأحزاب: الآية 37.

16) د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والظّمأ الأنطولوجيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط3، 2018، ص 143.

17) المصدر نفسه، ص 143.

18) د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الاستعباد والعبوديّة المقنّعة، من مقالة منشورة في موقع تعدّدية بتاريخ (18 /06/ 2020).

19) د. عبد الجبّار الرّفاعي، الإيمان والتجربة الدّينيّة، "موسوعة فلسفة الدّين 2"، ط1، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، 2015، ص23.

الملحق

أسماء غريب في فيلّا جوليا

مع الموسيقيّ الإيطاليّ جواكّينو روسّيني

السّاعة الاثني عشريّة وقبّة جوليا

تحت قبّة جوليا وإشاراتها الأبراجيّة

نافورة عبقريّ بلرم وشفيعُها

ختم السّفر بلقاء إيزوتيريّ بين أسماء وطفل الحكمة الأسمر

 

 

1645  اصول التسامحقراءة لكتاب أصول التسامح في الاسلام

مدخل: تعج المكتبات في العالم الإسلامي بالعديد من الكتب التي تناقش مواضيع مرتبطة بالعلاقات الإنسانية وكذا الاجتماعية، لكن الملاحظ أن غالبية هذه الكتب غربية المصدر ومترجمة للعربية، وقلما يصادفنا كتاباً يناقش هذه المواضيع من خلفية ثقافية إسلامية تأصيلية عدا بعض الإصدارات منها الحديث وأخرى المعاصرة حول الحوار والتعايش والتعاون، لكن موضوع التسامح في الإسلام أغلب الكتابات التي عرفها الفكر الإسلامي  الحديث والمعاصر كانت عبارة عن ومضات وإضاءات خاطفة كمقالات وأوراق بحثية سريعة لغرض مؤتمر أو ملتقى دون التعمق في البعد الأصولي للمفهوم إسلامياً، مما جعلها لا تتناول أو  تدرس التسامح كقيمة وفلسفة وثقافة راسخة، ولم تعتمد في منهج قراءتها لسؤال التسامح على المنهج العلمي الرصين بحيث تتبع الموضوع في المصادر الإسلامية وتستوحي قواعده وأصوله في المنظومة المعرفية  والأخلاقية الإسلامية، على أساس هذه الحقيقة تزينت المكتبة الإسلامية مؤخراً بإصدار جديد لسماحة الشيخ الدكتور عبد الله أحمد اليوسف عنوانه: "أصول التسامح في الإسلام"، ليسلط الضوء على حقائق ثقافية وتاريخية واستراتيجية مطمورة في الخزانة الثقافية الإسلامية، وبمنهج أكاديمي  نقدي متين، حيث انطلق الدكتور وهو العارف بالفقه أيضاً متتبعاً آثار مفهوم التسامح، ومناقشاً لعدة مساحات مرتبطة بالمفهوم، كاشفاً من جهة مستوى التقصير في ترصين الوعي الإسلامي بالموضوع، ومن جهة أخرى عاكساً مدى شمولية وإنسانية الشريعة الإسلامية الحضارية، والكتاب الصادر عن دار أطياف بلا شك يمثل مرجعاً علمياً مهماً يغني الباحثين والدعاة والإعلاميين والأكاديميين من نفسانيين واجتماعيين لأنه شمل جلّ أبعاد المفهوم وناقش غالبية الإشكالات والإشكاليات التي قد ترد بخصوص سؤال التسامح على مستوى الاجتماع الإسلامي العام.

من خلال هذه القراءة المقتضبة سنحاول عرض أغلب ما ورد في الفصول الخمسة للكتاب مع مناقشة بعض الأفكار وتقديم بعض الملاحظات ليس انتقاصاً من المضمون وإنما ترصيناً وتركيزاً  للفكرة والقيمة الأخلاقية حتى تتجلى معادلة التسامح الإسلامية؛ لأن الكتاب صدوره وحده إضافة نوعية واستراتيجية للمشهد الثقافي الإسلامي، ودفعة قوية للتجديد الثقافي لدى المسلمين المعاصرين.

خريطة مباحث الكتاب:

كتاب "أصول التسامح في الإسلام" من القطع الكبير ٢٩٥ صفحة، يستهله المؤلف بالآية القرآنية ٢٢ من سورة النور{ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  } يتوزع في خمسة فصول تسبقها مقدمة مع عرض لمنهج الدراسة:

- المقدمة ومنهج الدراسة: بشكل مقتضب قدّم الشيخ الدكتور عبد الله اليوسف كتابه بتبيان مدى أهمية الحديث عن قيمة التسامح في الزمن المعاصر وخصوصاً على المستوى العربي والإسلامي في ظل التحديات المتعددة التي تهدد السلام والتعايش في جغرافيتنا وأجيالنا الصاعدة، ثم يستعرض أهم أبعاد الدراسة من المنهج البحثي المتبع، وأهمية مبحث التسامح وأهدافه، مع عرض أهم الدراسات السابقة لمفهوم التسامح سواء عربياً وغربياً مع توضيح هيكلية البحث.

- الفصل الأول: مفهوم التسامح

استهل المؤلف كتابه بالتعريفات حيث تتبع المفهوم لغة عبر معرفة الجذر اللغوي لمفردة التسامح واستطاع  حصر عدة معاني من أكثر من معجم، واصطلاحاً كذلك حاول الشيخ الدكتور اليوسف تجميع الاصطلاحات القديمة والحديثة والمعاصرة ليوجز مفهوم شامل ومعبر للتسامح، وفي القرآن الكريم على الرغم من أن مفردة التسامح لم ترد بلفظها، يوضح المؤلف أن عشرات المفردات توحي بمداليلها وأبعادها إلى معنى قيمة  التسامح مستشهداً بعدة آيات قرآنية، بينما في السنة الشريفة أوضح الشيخ الدكتور عبد الله اليوسف إلى أن قيمة التسامح وردت بالمعنى والمدلول والمفردة، وأورد عدة أمثلة عنها من الأحاديث والحكم والكلمات، وكذا شواهد رائعة عن قيمة التسامح من السيرة النبوية، وتلخيصاً لما سبق ختم المؤلف الفصل بمعنى التسامح بايحاءاته الإيجابية العابرة لأبعاد الحياة الإسلامية والانسانية.

- الفصل الثاني: قواعد التسامح في الاسلام

اللافت للنظر أن هذا الفصل يختزن قوة الكتاب العميقة لأنه يقعد المفهوم ويؤصله، كما يدفع بمعنى التسامح في المنظور الإسلامي إلى حقل المعرفة بكل جدارة وإستراتيجية حيث ينطلق الباحث:

1 - من قاعدة قرآنية شاملة ومتعددة الآفاق والأبعاد في المنظومة التشريعية الإسلامية بل إنها بلا شك قاعدة القواعد في ماهية الإسلام كدين ورحمة وشرعة للعالمين،  {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} هذه الآية جاءت كعنوان رئيس مهم في رسم حقائق التسامح الإسلامي الإنسانية الحضارية، حيث استطرد المؤلف جلّ الشبهات من خلال تحليل مفصل بأقوال المفسرين والمفكرين وشواهد من التاريخ بمركزية هذه القاعدة القرآنية في حركة الإسلام مفهوماً ودعوة  وسلطة تجاه الآخر  المختلف، مفنداً شبهات الإعلام المسموم الذي حاول ولا يزال ساعياً إلى الإشاعة على أن الإسلام انتشر بحد السيف، وخير دليل على هذا الافتراء صرامة ووضوح مضمون هذه الآية الكريمة، وما تؤكده من قيم التسامح الأساسية في المنظومة العامة للإسلام.

2 - القاعدة الثانية التي أوضحها الشيخ الدكتور عبد الله اليوسف هي القاعدة الفقهية "قاعدة الإلزام" والتي تنطلق من خبر"ألزموهم بما ألزموا به انفسهم" كما اعتمد في إثباتها على روايات معتبرة، كما استشهد بمواقف من التاريخ الإسلامي من سير الأئمة والفقهاء، مستعرضاً قيم التسامح عبر صور تعكس شرعية التعددية المذهبية وحق الآخر في الاختلاف.

3 - من خلال قراءة مقتضبة لماهية الأخلاق في المنظومة الإسلامية العامة وعبر استعراض معنى الأخلاق وفقه الأخلاق والمصلحة الأخلاقية وضع الدكتور اليوسف القاعدة الثالثة الأساسية في تأصيل مفهوم التسامح الإيجابي، بل إن المنظومة الأخلاقية تعتبر المؤهل والمحفز الأكبر في رسم منهج التسامح وتعبيد الطريق إليه،مما دفع بالمؤلف إلى تخصيص فصل كامل عن أخلاقيات التسامح تركيزاً للوعي وتفعيلاً للإرادة الإيجابية.

4 - على أساس قاعدة "حجية العقل" ومكانته المهمة بعد النقل، والمرتبة المعتبرة بل المركزية في الفكر الإسلامي، كما هناك من المدارس الإسلامية من يعتبره مصدراً من مصادر التشريع للدور الأساسي والمحوري له في آفاق الاجتهاد التشريعي، ناهيك عن حقوق التفكير والاختلاف ذات الارتباط الوثيق بالعقل، كل هذا بنى عليه الشيخ الدكتور عبد الله اليوسف ماهية وأهمية الجذر الرابع لمنهج التسامح.

مختصر القول في الفصل الذي أراه مركزياً في الكتاب أن الباحث الشيخ الدكتور عبد الله اليوسف استدل على قيمة التسامح في الإسلام بدليل قرآني قطعي وآخر فقهي اجتهادي وثالث تربوي مقاصدي ورابع فلسفي واقعي إن صح التعبير.

- الفصل الثالث: أخلاقيات التسامح

عبر تمهيد لماهية الأخلاق في الإسلام يبحث المؤلف عدة أخلاقيات أساسية في رفد نهج التسامح الإيجابي أو الاستراتيجي إن صح القول، سوف نعرض زبدة ما رسمه الدكتور اليوسف من تشابك وتفاعل بين فاعلية الأخلاق وتحقق قيمة التسامح واقعياً:

1 - خلق التواضع: ارتكزالمؤلف في حديثه وعده لأهم أخلاقيات التسامح على خلق التواضع كمفعل لقيمة التسامح، حيث توسع الباحث نوعاً ما في تبيان قيمة التواضع إسلامياً من خلال المصادر الإسلامية العامة.

2 - خلق الحلم: هذا الخلق بعد تعريفه لغوياً وتأكيده من المنظور الإسلامي، ركّز الدكتور اليوسف على أنه إذا أصبح نهجاً اجتماعياً عاماً سيحقق قيمة التسامح؛ لأن تعداده من أهم الأخلاقيات لا يقصد منه الفرد فقط بل أساساً المجتمع.

3 - فضيلة الصبر: انطلاقاً من مركزية فضيلة الصبر في الرؤية الإسلامية لبناء الفرد وإنجاح العلاقات في المجتمع، قام المؤلف بعرض معنى الصبر وأقسامه وعلاقته بنهج التسامح مستخلصاً بعد ذلك بضرورة إشاعة فضيلة الصبر في المجتمع لحاجة نهج التسامح إليها حفاظاً على السلام الأهلي وتحقيقاً للقضايا الكبرى وتركيزاً للأمور العامة.

4 - العفو والصفح: بعد تبيان الرؤية القرآنية لفضائل ومحاسن العفو والصفح، ثم تعريف العفو، عرض الدكتور تسع فوائد وآثار للعفو والصفح على الاجتماع العام في تفعيل نهج التسامح بقوة واستدامة.

5 - الرحمة والرفق: بشكل مختصر يستعرض أهمية فضيلتي الرفق والرحمة في الحياة الاجتماعية مما ينعكس على اتساع واقع نهج التسامح، وذلك من خلال الاستدلال بعدة آيات قرآنية وأحاديث شريفة تحث على اتخاذ الرفق والرحمة سبيلاً لبناء مجتمع تسامحي.

6 - الكرم والجود: في قراءته لفضيلة الكرم كأخلاقية من أخلاقيات التسامح، ربط بين فلسفة الكرم وأهمية شؤونها في المجتمع بحيث يتحقق العيش الرغيد والحياة الكريمة، فإن ذلك ما يساعد في سريان نهج وثقافة التسامح بين الناس، كما علل بعرضه لماهية الكرم والجود في الرؤية الإسلامية وتأكيد الشريعة في عدة مواضع وبحزم على ضرورة تنشيط هذه الفضيلة وتوسيع نطاقها لأنها تعتبر من خصال المسلم الحقيقي.

7 - الإحسان إلى الناس: أشار الدكتور اليوسف في مقاربة خلق الإحسان بنهج وثقافة التسامح إلى أن المقصود ليس الإحسان الذي يكون من الغني نحو الفقير فقط وإنما هو الإتقان كما ورد باللغة في شتى مناحي الحياة بمعان واسعة وعميقة والفضل ما بعد مراعاة العدل والإخلاص في التعامل مع الصدق.

- الفصل الرابع: أقسام التسامح

في هذا الفصل يستعرض المؤلف أقسام التسامح ويحددها في أربعة أقسام يسبقها بمفتتح تمهيدي للتقسيم، حيث يؤشر لأهمية مبادئ التسامح في المجتمعات التعددية ومنادياً بضرورات ملحة لترسيخ ثقافة التسامح في ظل التنوعات كلها.

- التسامح الديني: في هذا القسم من التسامح والذي أراده المؤلف ابتداءً، يذكر عدة تعريفات له وظهوره في القرن التاسع عشر الميلادي كونه لم يكن دارجاً في العصور السابقة، ويقرب مضمونه من خلال مفهوم التعددية، وكاشفاً سبق الإسلام في وضع تشريعات خاصة بهذا القسم من التسامح في قبال اليهودية والمسيحية، كما عرض الدكتور اليوسف نماذج وصور ومواقف رائعة لعظماء من التاريخ الإسلامي تعكس سماحة الإسلام وإنسانيته وحضارته الراقية والمحترمة للآخر مهما كانت خصوصيته بكل موضوعية وعدالة وإنصاف وعزة وصدق.

- التسامح الأخلاقي: بيّن المؤلف في هذا القسم أن أهم أساس من أسس ثقافة التسامح هو الأخلاق الطيبة الحسنة، واستدل بعدة صور من تاريخ الإسلام المضيء بالتعامل الإيجابي وسعة الصدر وقبول العذر (مع/من) الآخر.

- التسامح الإنساني: استكمالاً لأقسام التسامح والترابط المفاهيمي اعتبر الدكتور اليوسف القيم الإنسانية أساساً آخر من أسس التسامح كونها تحافظ على كرامة وحقوق واحترام الناس جميعاً دون اعتبارات الدين أو المذهب أو القومية أو اللون، وهذا القسم يزيد ترسيخاً للقسمين السابقين، منوهاً المؤلف على مركزية الأخلاق الإسلامية الإنسانية في كل تعامل مع الآخر غير المسلم.

- التسامح الإجتماعي: يرى المؤلف أن هذا القسم يتحقق بترسيخ ثقافة التعايش مجتمعياً ونشر ثقافة الحرية وقبول التعدد والاختلاف، وبالتالي تتشكل ثقافة اجتماعية جديدة تساعد على  بروز التسامح كنهج اجتماعي وثقافة حقيقية، ويؤكد على أن قيم وأخلاق الإسلام تعزز هذا القسم من التسامح.

- التسامح الفكري: آخر قسم خصه المؤلف للجانب الفكري الذي يرتبط بحق حرية الرأي والتعبير وشرعية تعدد الآراء في المجتمعات، وأن الاختلاف عندما يكون علمياً أو ثقافياً أو فكرياً يستدعي تطعيمه بقيمة التسامح حتى يتسنى تطوير الأفكار وتلاقح الرؤى مما يغني ذلك المجتمع، وقد أورد في هذا الخصوص عدة كلمات وشواهد لعظماء الإسلام كما أشار إلى ما نصت عليه المواثيق الدولية لحقوق الانسان، وختم بضرورة تفعيل هذا النهج في المجتمعات الإسلامية ذات التعدد والتنوع بشتى تمثلاته الدينية والمذهبية والإثنية.

- الفصل الخامس: ثقافة التسامح وبناء المجتمع

1 - الحاجة إلى التسامح: تركيزاً للرؤية الإسلامية الخاصة بالتسامح وأنه كقيمة أخلاقية، يؤكد المؤلف د.اليوسف أن التسامح هو بالأساس ضرورة دينية قبل أن يكون حاجة واقعية، مسطراً عدة أبعاد تبين سماحة الإسلام ومركزية التسامح في معادلة أسلمة الذات والمجتمع والحياة، ومؤكداً على ضرورة تجذير ثقافة قبول الآخر والالتزام بآداب الاختلاف.

2 - الاختلاف المذهبي والتعايش السلمي: ينتقل الدكتور اليوسف من النظرية الإسلامية إلى الواقع الإسلامي ساعياً بخطابه الإسلامي الرصين إلى قراءة الواقع ونقده النقد البناء كما يريد الإسلام للمجتمعات أن تكون، من خلال تسليط الضوء على مفاهيم التعددية المذهبية التي لا نجد مجتمعاً من مجتمعات المسلمين يخلو منها، ويقرب فكرة الوحدة من خلال الاستشهاد بأقوال العديد من العلماء والمفكرين المسلمين المتنورين الذين نقدوا  واقع الخلافات والصراعات المذهبية، مستخلصاً أنه لا خيار أمام الأمة سوى نهج التسامح من خلال قبول التعددية والتزامها مع وحدة التنوع.

3 -  التنوع الديني والتسامح الإسلامي: عرض المؤلف واقع التعدد الديني في بلاد المسلمين وقارن بين حال المسلمين في أوطانهم وبالغرب، ثم انتقل لتأكيد مرة أخرى وباستفاضة سماحة الإسلام من خلال تعامل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم  مع أصحاب الأديان الأخرى، منتهياً  إلى وضع بعض النقاط المهمة لإرساء قيم التسامح في المجتمعات الإسلامية فيما بين المسلمين وتجاه نظرائهم في الخلق أو أتباع الديانات الأخرى.

4 - التعددية الفكرية والإثراء العلمي: ناقش المؤلف أهمية التعددية الفكرية وما تنتجه من ثراء علمي، ومنه على ضرورة ترسيخ الحرية الفكرية وقبول الآراء والأفكار المغايرة وفق منهج علمي، وبذلك يكون اختلافاً ناشئاً عن قواعد علمية وليس اتباعاً لأهواء وتعصب، ليصل إلى خلاصة مفادها ثقافة التسامح والتعايش تنمو في المجتمع عندما تسود التعددية الفكرية في ظل الحرية الفكرية التي نادى بها الإسلام.

الفصل الخامس: نتائج وتوصيات الدراسة

1 - نتائج الدراسة: هذا المبحث من الفصل الأخير بمثابة خلاصة عامة للفصول السابقة اختزلها المؤلف في ٢٨ نتيجة.

2 - توصيات الدراسة: أوصى المؤلف في ١١ نقطة بعدة مقترحات تتعلق بمجالات حية في المجتمع وثقافته  لرفد ثقافة التسامح وترسيخها وكلها هامة وملحة في المرحلة الراهنة التي تعيشها المجتمعات الإسلامية.

ملاحظات ومقترحات:

1 - لم يبدأ الدكتور اليوسف كتابه بطرح عدد من الأسئلة، تشكل مفاتيح دراسته هذه، على الأقل سؤال يحدد المسار المنهجي.

  الذي يتناول فيه التسامح من رؤية فلسفية إسلامية في مقابل الرؤية الغربية، وسؤال التسامح بوصفه قيمة ثقافية تمس قضايا المسلم، بما في ذلك قضايا الطائفية والعلمانية التي تعد أحد إرهاصات مشروع التسامح والذي يعد بدوره أحد تجليات العولمة.

2 - يمكن أن نطرح سؤالاً محورياً على الدكتور اليوسف، هل التسامح -بالمعنى العلمي للمصطلح- بوصفه تمثل ثقافي مفتوح على مضامين التنمية والتطور والتمدن، وتفعيل هذه المضامين في مسرح الحياة الاجتماعية وحركتها الفاعلة، استطاع أن يوجد مساحة كواقع متحرك في بعض مفاصل حياة المسلمين أم لا يزال خطاباً يطفو إلى السطح الاجتماعي كلما احتدم الجدل بين الخطاب الإسلامي المعاصر ومشكلات الواقع؟

3 - منهجياً اكتفى المؤلف بعرض الشكل دون تبرير خطة البحث وهل منهجية الدراسة وصف وتحليل أم وصفية فقط؟

4 - ماذا عن إشكالية العلاقة بين التسامح والتطرف على ضوء مآزق التراث؟ أو كيف نتعامل مع تراث التطرف لكي نؤصل لثقافة تسامح إسلامية تخرج الفكر الإسلامي من تخلفه؟  لكن اختار الكاتب مقاربة إشكالية التسامح في الفكر الاسلامي من دون مناقشة مشاريع اللاتسامح المنتشرة في كل مجالات الحياة الاجتماعية.

5 - منهجياً أيضاً كان الأفضل جمع الفصلين الثالث والرابع في فصل واحد بعنوان مقاربة تأصيلية للتسامح في الإسلام ويخصص له ثلاث مباحث: دلائل التسامح، منطلقات التسامح وأسسه، معطلات التسامح، ليكون الفصل الثالث خاصاً بحقائق التسامح في الإسلام أو شواهده.

6 - منهجياً كذلك، الصورة الأولية والعامة للكتاب توحي بانتمائه لحقل فلسفة القيم بشتى مباحثها فكان من المفروض الانتباه لهذا البعد منهجياً ومقاربة التسامح من خلال العملية النقدية للرؤية الفلسفية الغربية على ضوء المنطق الإسلامي.

7 - الكتاب استجمع مباحث عديدة مهمة واستراتيجية مما يجعله مدخلاً عاماً للتسامح في الإسلام، مع استكمال التفصيل في مضامينه بأجزاء أخرى مستقبلاً لتكتمل الصورة والرؤية ضمن موسوعة التسامح في الإسلام.

8 - ماذا عن استراتيجية الدراسة وأهدافها، حيث الملاحظ أن الاستراتيجية التي عمل المؤلف على تحقيقها عبر منحيات منهجية ومعرفية استقاها من تاريخية الفكر الإسلامي في بعده العلمي والفلسفي، ومن نظرته الفاحصة لبعض المطارحات الفكرية دون المشاريع التي نشأت مرتكزة على المنتجات العلمية الاسلامية والغربية عامة، والرؤى الاكسيولوجية للحضارة الغربية المعاصرة. وقد اكتفى لتدعيم مقاربته التأصيلية ببعض الشواهد التاريخية والنصوص الدينية ومقاربات الفكر الإسلامي الحديثة لثلة من العلماء والمفكرين مركزاً على مطلبه المتمثل بتنشيط الحوار حول التعددية والحريات والاختلاف والتعايش والتعارف..

9 - محاولة المؤلف تندرج ضمن القراءات النقدية للراهن الإسلامي بروح إيجابية  وتركيزاً على المفاهيم الاستراتيجية من دون النظر في الأضداد وخلفياتها التاريخية والحضارية، وهي محاولة لا بأس بها من ناحية إدارية للازمة الحضارية للمسلمين، غير أن هناك إشكالات أخرى لا تقل أهمية، مثلاً تفكيك قيم الشر المخترقة للمرجعيات الحضارية الحية في الاسلام والتي تشكل الوعي الاسلامي، وتعبر عن ذاتيته، وهويته، لأن تحديات التطرف والطائفية والتسقيط والعنصرية تحتم على الفكر الإسلامي المعاصر مواجهتها. لانها تحديات تستلزم الانفتاح على الذات بكل مكوناتها وتنوعاتها أولاً، وعلى الكوني في أبعاده الحضارية التي تخدم الإنسانية ومن مقومات الفهم والفعل لثقافة التسامح.

10 - ما يمكن قوله في كل ما جاء به المؤلف من وصف أو تحليل لإشكالية التسامح وأهميته من خلال طرحه لمفهومه اللغوي والاصطلاحي وجذوره التاريخية والفكرية دون العلمية والفلسفية، ومدى ارتباطها بخصائص الرؤية الإسلامية قدم مقاربة جديدة لإشكالية التسامح ذات قيمة مضافة لاشتغالات سابقة ( كتاب مهم للعلامة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله  رضي عنه حول التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، كتاب الدكتور شوقي أبو خليل التسامح في الإسلام -المبدأ والتطبيق- ومنها الراهنة (مشروع الأستاذ ماجد غرباوي وهو مشروع كبير ومهم انطلق من منابع التسامح واللاتسامح). وقراءات الأستاذ محمد محفوظ الطريق إلى التسامح.

11 -  وإن كان قد سبق الدكتور شوقي أبوخليل في قراءة قيمة التسامح في الإسلام وكذا الأستاذ غرباوي والأستاذ محفوظ وغيرهم في  مقالات ودراسات كاملة أو منفصلة غير أن الدكتور عبد الله اليوسف ببحثه الأكاديمي هذا، كان يرتكز بهذه الموضوعة على هدف بناء التصور، وكان أكثر ً توغلا في بعض المضامين خصوصاً الأخلاقية، ولعلي به قد استثمر عدة دراسات سابقة له بخصوص مقتضيات الحوار والاختلاف والتعايش والتعددية وقبول الآخر. كما أن قراءته لمبادئ وأخلاقيات التسامح وعلاقتها بالإسلام متميزة من حيث طرحها لإشكالية من أدق الإشكاليات وأسها في الفكر الإسلامي المعاصر إشكالية الحريات.

12 - قراءته للتسامح تنهج بالقارئ العربي والمسلم وغيرهما نهجاً بعيداً عن التوجهات والأفكار السلبية الميتة أو القاتلة -كما يعبرالمرحوم مالك بن نبي- أعني قراءة خالية من الأحكام المسبقة والشخصنة والأحادية الفكرية أو المراجع ذات التوجه الأحادي الطائفي مما يغرق القارئ في وحول الفوضى والجهل بإسم البحث العلمي، ولعل تأكيده المستمر بحاجتنا لثقافة التسامح ودعوته بتكاتف جهود جميع المؤمنين بقيمة التسامح والعيش المشترك تحمل في طياتها رؤية مزدوجة، تتمثل بمراجعة كل المشاريع والتصورات الخاصة بقضايا التنمية الاجتماعية ومنها التسامح وفق هويتنا الثقافية العربية والإسلامية، من جهة، ومن جهة أخرى، التعامل مع الرؤى المؤسسة على مرجعيات غربية  بروح نقدية معمقة، وعدم تقديسها، لهذا طبيعة هذا البحث أنه يعكس قراءة ذات موقف أصيل ومنفتح على العكس من بعض الدراسات التي كان هدفها تبيئة الثقافة الغربية بكل حمولاتها التاريخية والاجتماعية والثقافية والدينية.

13 - التوصيات كانت جد دقيقة بحيث ركّز المؤلف على مجالات حيوية كالتعليم والتربية والبحث العلمي والإعلام بشتى وسائله (هنا نشيد بقناة التسامح  للمفكر الإسلامي حسن الصفار التي لا زلت تبث عبر موقع يوتيوب، على أمل أنها تصبح قناة فضائية حتى يصل خطابها الإسلامي المعتدل والجامع والمتزن باحترام الآخر لكل أطياف الأمة) وكذلك في مجال التشريع القانوني لترسيخ مبادئ التسامح لأنها أساس الاجتماع المدني، كما نثمن دعوته لتأليف موسوعة خاصة بأخلاقيات النبي الأكرم (ص)، ونؤكد على ضرورة تطوير هذا البحث العلمي الأكاديمي ليكون نواة لموسوعة التسامح الإسلامي.

14 - نخلص إلى أنه بإمكان الدكتور اليوسف دعم دراسته بالتطرق -في طبعة جديدة مستقبلاً- لمسألة النزعة الإنسانية لمدى ارتباطها بثنائية الحرية-التسامح ضمن حقل الاشتغال العلمي الإسلامي المعاصر حول فلسفة الإصلاح من جهة، وأيضاً إشكالية العلمانية لتداخل مقتضياتها مع مبادئ التسامح وفق الرؤية الغربية من جهة أخرى، وعوداً لما سبق أن الدراسة رسمت معالم مشروع ثقافي استراتيجي بالنسبة لمستقبل المسلمين لأن ثقافة التسامح تختزن جلّ شروط النهضة والتنمية المستدامة للاجتماع العام لدى المسلمين. 

 

مراد غريبي

كاتب وباحث من الجزائر

 

 

علي لفتة سعيدلطارق الكناني

في كتابه الذي يحمل عنوان (رهانات السلطة في العراق/ حوار في أيديولوجيا التوظيف السياسي) الصادر عن مؤسسة المثقف ودار أمل الجديدة يحاول الصحفي طارق الكناني أن يسند التطلعات التي شهدها العراق مثلما أراد إسناد المعاناة المرافقة لهذه التطلعات من خلال إجراء حوار مع أحد المفكرين الذين كانوا مؤسسين سواء للمرحلة الماضية او المرحلة الحالية التي يمكن القول إنها باتت سريعة منذ سقوط النظام السابق عام 2003 وأن هذه التطورات في شقيها التطلع والمعاناة بات من الصعب التكهن بمخرجاتها ونهاياتها لإن البداية لم تكن واضحة وشابها الكثير من التشويش بدءا من تسمية ما يمكن ان يوصف حال العراق بما حصل من تغيرات في 9 نيسان عام 2003 الكناني يقول في مقدمة كتابه إنه (لا أحد كان يتوقع أن تنقلب أمريكا على الأنظمة العلمانية وتأتي بأنظمة دينية ثيوقراطية) خاصة وان أمريكا عانت حدثا تاريخيا قلب معادلة العالم أجمع بما حصل لها بما سمي أحداث الحادي عشر من أيلول والتي نفذتها القاعدة وهي جهة دينية او محسوبة على الدين.

كتاب الكناني محاورة مع المفكر ماجد الغرباوي وهو مفكر اسلامي ومؤسس ورئيس مؤسسة المثقف وهو من داخل المنظومة الاسلامية التي كانت تريد إسقاط النظام ولكنها أي هذه هذه المنظومة بأحزابها الاسلامية تحديدا تورطت في تطبيق قراءاتها للواقع العراقي وبالتالي حصل انهيار في المنظمات العراقية سواء منها الفكرية او الانتمائية او العقائدية وحتى المذهبية داخل البيت المذهبي الواحد. ويقول الكناني انه وجد في الغرباوي مفكراً بارعا متحرراً من قيود الحزبية والتخندق الطائفي بعيدا عن كل عقد الفوبيا أو عقدة الشعور بالاضطهاد ولذا فان كتابه يأتي من هذا الباب ليدخل معه في حوار بأسئلة مباشرة الكتاب تضمن 53 سؤالا حواريا مع الغرباوي الذي كان منتميا في بداية حياته السياسية إلى حزب الدعوة الإسلامية وهي منطقة فكرية مليئة بالأفكار لما كان مفكري الحزب الاوائل يمنحونه للشباب لأنها افكار (تمنح آفاقاً كبيرة للفكر الإسلامي المتحرر من قيود التبعية الدينية، فهو يناقش شتى مجالات الحياة والسلطة والاقتصاد ويرسم طريقا أكثر ثورية في بناء الدولة الإسلامية التي كانت حلم الكثيرين من الشباب أمثال الغرباوي) ويشير الى انه وجد الغرباوي (يسعى من خلال مشروعه الى ترشيد الوعي بعد تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، عبر قراءة متجددة للنص الديني تقوم على النقد والمراجعة المستمرة، كشرط أساس لنهوض حضاري، يساهم في ترسيخ قيم الحرية والتسامح والعدالة، في اطار مجتمع مدني خالٍ من العنف والتنابذ والاحتراب).

60 tariq2

ويضع الكناني تبريرا لهذا الحوار الذي توزع على خمسة محاور لاصطدام المواطن بحقائق يصعب معها تفسير نظرية الحاكمية في الفكر الإسلامي وإن (بعض الحوارات التي تجرى مع أعضاء حزب الدعوة أو الدعاة الأوائل في هذه الفترة من الهذر السياسي الذي يتردد وسط أجواء تفتقر إلى الصراحة ونكوص في تطبيق النظريات الاسلامية التي كانت تدعو لها الاحزاب الاسلامية) ولهذا فان الكناني اراد من خلال الحوار مع الغرباوي ان يصل الى معرفة اسباب هذا النكوص وان يضع نقطة جدل بعيدة عن التبريرات خاصة وان الغرباوي يواصل الفكر في مشروعه منذ 33عاما الذي يريده واعيا وله دور ثقافي يرتبط بالثقافة والحركات الاسلامية وهو يريد بحسب الحوار تحرير الدين من سطوة الفقهاء والتفسيرات الطائفية المتحيزة والفصل بينه وبين السياسة والتوظيفات الأيديولوجية المخلة بهدف الدين ووظيفته الأساسية في الحياة وبالتالي فهو يقدّم فهما آخر للدين، يتقاطع مع فهم الأحزاب والحركات الإسلامية التي تجد في الدين وسيلة ناجحة لبلوغ أهدافها السياسية. الحوار الذي اجراه الكناني مع الغرباوي كان الهدف منه الوصول الى نقطة شروع ان الفكر الانساني المتحرر من  التبعية الدينية والمذهبية والايديولوجية هي الواجب الاسمى للتخلص من ضجيج الفكر الذي يكرّس الطائفية والاحتراب وان يضع الحقائق التي اريد لها أن تغيب في وهم السلطة (ممن هم في السلطة عن الفكر الجمعي للمجتمع العراقي محاولين اسدال الستار عن حقبة مفصلية وتجربة حقيقية لطريقة بناء الدولة في فكر الأحزاب الإسلامية بكل انتماءاتها وفشلها في صياغة شكل الدولة الذي تم طرحه وفق النموذج الاسلامي والذي تم التنظير له عبر حقبة زمنية طويلة) في المحور الاول الذي حمل عنوان (الحركة القومية في الوعي السياسي العربي) كان الحوار يدور حول مصر والاقباط والشعور القومي والاصل العربي والانتماء الديني..وكانت هناك تسعة أسئلة منها عن أسباب وراء انتعاش الحركات الأممية في العراق، على العكس من مصر، وكذلك ما اسماء (محنة الأقباط) التي يؤكد فيها الغرباوي (أن معاناة الأقباط دفعت بإتجاه تبنّي القومية العربية، كملاذ للتخلص من الفوراق الدينية والاجتماعية) وكذلك سؤال عن الدين والقومية. ويؤكد الغرباوي (هناك أكثر من سبب وراء تشبث شعوب المنطقة بالقومية العربية في القرون الثلاثة الأخيرة، خاصة في مصر وبلاد الشام، بسبب سياسة الاضطهاد التي كانت تتبعها السلطنة العثمانية ضد غير المسلمين، باعتبارهم وفقا للفقه الإسلامي أهل ذمة فتنطبق عليهم أحكامها) ليصل الغرباوي الى قوله (تبقى حقيقة تاريخية، هناك أكثر من دافع وراء تبني غير المسلمين لواء القومية العربية من خلال جمعياتهم وأحزابهم، خاصة في سوريا ولبنان..ووضع الكناني سؤاله الرابع تحت عنوان (نكوص الشعور القومي لدى الاقباط في مصر سكان مصر الأصليين.. فيجيب الغرباوي انه (تمت السيطرة على جميع الاحتكاكات، بفضل الوطنية والشعور المصيري المشترك، والاحتكام للعقل.. وكان السؤال الخامس (الإرث الحضاري) والذي تمحور حول تفسير ضياع الارث القومي للمسيحيين المصريين) ويشير الغرباوي أن هناك (تداعيات التجاور بين المسلمين وغيرهم في ظل سلطات جائرة، طبّقوا عليهم سياسة قاسية، إستمدت روحها من أحكام صدرت في زمان الرسول لمعالجة واقع محدد، فكانت أحكاماً تخص ذلك الواقع، ليس لها إطلاق لتشمل فتوحات الخلفاء والسلاطين المسلمين، الذين وظفوا كل شيء لتمدد سلطتهم. من هنا انحسر عدد الأقباط إلى عشرة بالمائة 10% من سكان مصر فقط. فخلفاء المسلمين وسلاطينهم فرضوا عليهم الجزية في مقابل الدفاع عنهم) في حين كان السؤال السادس حول ان كان الشعور القومي في مصر يخص فئة من المصريين؟ ويوضح الغرباوي (هناك أكثر من دافع للتشبث بالقومية وأن التشبث بالقومية العربية كان ردة فعل ضد التغريب الذي تشبث بالقومية المصرية بدلاً من القومية) الكتاب حافل بالاسئلة التي تجاور ما ذهبنا إليه وعناوين اسئلة من مثل (الصدمة الحضارية) عن تشبث المصريين بالقومية العربية وكذلك سؤال التحولات الدينية الكبرى) والذي اختص عما إذا كانت مصر غيّرت معتقداتها لأكثر من مرّة فضلا عن سؤال (القومية والتبشير)عما إذا كان هناك غمز في أهداف القوميين العرب وممن حمل هذه الشعارات ولو بطرف خفيّ إضافة الى سؤال (مصر والتشيّع) والذي اريد به كشف من ان المصريين يمثلون الجانب المعتدل والمسالم لدى الأمة الإسلامية وحمل الكتاب محورا ثانيا بعنوان (أيديولوجيا التوظيف السياسي/أسئلة المعارضة والسلطة في العراق والذي تضمن 14 سؤالا تطرقت الى (الكفاءة والسلطة) والذي تركز عن صلاحية كفاءة الاشخاص الذين يتعرضون للاضطهاد السياسي سواء كان الاعتقال والتعذيب أو النفي أو التخويف والإرهاب لتسلّم مقاليد الحكم في البلاد بعد نجاح حركاتهم أو إنقلاباتهم؟. وكذلك سؤال (ثقافة العنف) حول عقدة الشعور بالاضطهاد وامراض الفوبيا لمن يستلم الحكم وسؤال (الصمت الدولي) حول  تشريع عالمي في حجب هؤلاء عن تسنم السلطة وتكريمهم بشكل يليق بهم دون أن يتم تسليطهم على رقاب الناس وسؤال (الموقف الأمريكي) وقيام امريكا بجمع كل المعارضين وسلمتهم العراق على طبق من ذهب وكذلك سؤال (منطق التبرير) وكان حول النظرة الحزبية الضيّقة هي من منعت الإنتباه إلى تصرفات رفاق النضال... وأن منطق التبرير مازال قائماً عند الكتل السياسية مثلما هناك سؤال (الخيانة العظمى) حول ما اسماه مباردة المناضل باستعداء دول أجنبية وتحريضها على إحتلال بلاده حتى يتسنى له هو أن يستلم مقاليد السلطة وهل كان هذا التصرف ينضوي تحت عنوان الخيانة العظمى؟ أم الوطنية؟.. أما سؤال (الرصيد الشعبي) حول ما اذا الشعب تخلى عن المعارضة كلياً سواء كان خوفاً أو تملقاً أو تأييداً للسلطة وإن المعارضة فقدت عمقها الشعبي والوطني وماذا فعلت المعارضة بحيث خدشت ضمير الشعب وأضطرته للتخلي عنها؟. ان الاسئلة الكثيرة في هذا المحاور كانت محاولة للاجابة عن ما الذي حصل في العراق وهل فشلت الاحزاب التي عارضت صدام في ترتيب البيت العراقي وان هناك ازدواجية في شخصيات السياسيين وان هناك إخفاقا في النضال الحركي وعن موقع إيران من منطق الدولة وكذلك النديّة وتهافت القوى في المصالح في المحور الثالث من الكتاب (المواقف السياسية وتداعياتها) تركزت الاسئلة عن (خيانة الشعب) وفسح المجال لحزب البعث من التسلط وكذلك (الدبلوماسية الفاشلة) وتطرقت الاسئلة في هذا المحور الى (سوريا والرعب السياسي) وكذلك (الفتوى الدينية) عما اذا كان هناك (الشعور الوطني) وسؤال (براءة الدماء) مما قدمت الاحزاب من شهداء المحور الرابع حمل عنوان (الانهيار وتداعيات الفساد) وبدا بسؤال (الانهيار الداخلي) وكذلك (الفتوى والفساد) فضلا عن سؤال (رجل الدين والفساد) وما اسماه كذلك في سؤاله (الولاء الجريح) و(منطق الثأر) فيما كانت اسئلة المحور الخامس الذي حمل عنوان (الدولة في الفكر الإسلامي) قد تركز على (إدارة الدولة) وسؤال (صدقية النظام الإسلامي) سؤال (وحدة المرجعيات الفكرية) وكذلك (نظريات الحكم).

 إن أجابات الغرباوي تحتاج الى وقفة وتأمل في جانبيها النظري والتحليل فضلا عن المنهجية التي اتبعها في إجابته مثلما برع الكناني في تبويب الاسئلة التي وزعها على محاوره الخمس والتي حاول من خلال البحث عن اجابة على سؤال التاريخ والحاضر والربط بين السياسة والدين والهوية والانتماء وكذلك الواقع والمذهبية.

 

علي لفته سعيد - روائي وكاتب

 

فراس زوين"ها قد وصلت الى السجن، الميناء الذي سأرسوا فيه سنين طويلة، هذا الركن الذي علىّ ان أعيش فيه، انني ادخل إليه منقبض القلب وطافح النفس ارتياباً وحذراً، ومن يدري؟ ربما سأتأسف عليه بصدق حينما ينبغي علىّ ان اغادره"، بهذا النص يصف لنا دوستويفسكي إحساسه في اول يوم له في سجن سيبيريا، وستكون المفارقة كبيرة عندما  يتأسف فعلاً على فراقه بعدما يعتاد عالمه، ففي نهاية الامر ان الإنسان هو الكائن الذي يتعود كل شيء.

في العام1861  صدرت رواية ذكريات من البيت الميت للكاتب الروسي الكبير فيدور دوستويفسكي، والتي رويت بلسان بطلها " الكسندر بتروفيتش" والذي لم يكن في الحقيقة سوى دوستويفسكي نفسه، يروي لنا ذكرياته ويومياته التي عاشها وذاق طعم المها الجسدي والنفسي في السجن الذي دخله بسبب انتمائه لاحد الجماعات السياسية المحضورة في روسيا في ذلك الوقت، فكان هذا الاسم المستعار بالحقيقة هو كناية عن كاتب الرواية نفسه. 

لقد حكم على دوستويفسكي بالإعدام، ومن سخرية القدر ان التنفيذ توقف في اللحظة الأخيرة ليخفف الحكم بأمر من القيصر الى سجن اربع سنوات من الاشغال الشاقة، هذا الامر وهذه التغير المفاجئ في مصيره ترك اثر عميق في نفس دوستويفسكي، بل انه كان السبب الرئيسي لأصابته بنوبات الصرع، هذا المرض الذي لازمه طول حياته ولازم معظم اعماله العظيمة فيما بعد، فلا يكاد يخلوا عمل من هذه الاعمال من شخص مصاب بهذه النوبات.

في السجن الذي سيقضي فيه سنواته الأربع بدأ دوستويفسكي بتدوين يومياته ومشاهداته، وضلت هذه المذكرات مخبأة زمناً طويلاً لدى احد الموظفين في مستشفى سيبيريا التي يتعالج فيها السجناء المرضى، واخذت طريقها للنشر بعد خروجه وانقضاء فترة حكمه، وستجعل منه هذه التجربة واحد من اعظم الكتاب والروائيين في تاريخ الادب العالمي كله، وهذا ما سيذكره بنفسه في احد رسائله "طالما باركت القدر الذي وهب لي ان اعاني هذه التجربة، لقد كانت السنين الأربع التي قضيتها في السجن فضلاً كبيراً عليّ، ان نفسي وايماني وفكري كله قد تبدل تبديلات عظيمة بفضل هذه التجربة".

أهمية الرواية

بالرغم من مكانة رواية مذكرات من البيت الميت في اعمال دوستويفسكي الأدبية، الا ان أهميتها لا تكمن في اثرها الادبي بقدر ما تكمن في التغييرات التي احدثتها في نظام السجون في روسيا، بعد وصفه الجحيم الذي يعيشه السجناء، وما خلفه من تعاطف ليس على مستوى طبقة القراء فحسب بل ان الامر تعدى ذلك الى عامة الناس وأصحاب القرار والامراء الحاكمين في روسيا، حتى ان "الاسكندر الثاني" قيصر روسيا كانت دموعه تهطل على صفحات هذا الكتاب وهو يطالعه بشغف.

في شهر حزيران من عام 1862  وبعد نشر الفصول التي تصف العقوبات الجسدية الرهيبة التي يتعرض لها السجناء كتب الجنرال الأمير "نيكولاي اورلوف" رسالة الى "الاسكندر الثاني" يرجوه فيها الغاء العقاب الجسدي الذي افرد له دوستويفسكي صفحات طويلة في وصفه ووصف بشاعته فشكلت على اثر ذلك لجنة لمراجعة ومناقشة الامر، وفعلاً تم اصدار قانون بإلغاء العقوبات الجسدية في نيسان من عام 1863، فلم يسبق لكتاب ان حضي بهذا التأثير كله .

عذابات دوستويفسكي

لقد عمد دوستويفسكي بكل براعة وعمق الى تحليل الدوافع النفسية والإنسانية لأفراد من المجتمع معظمهم من القتلة المجرمين ولصوص اوقطاع طرق، ولعل قسوة القدر التي دفعت  دوستويفسكي الى سنوات الاشغال الشاقة قد اسدت خدمة كبيرة للأدب العالمي وعلم النفس السجون في كل انحاء روسيا، ليروي لنا فيما بعد كيف يبدوا من الداخل ذلك الجحيم البشري الذي أعاد للأذهان صورة جحيم دانتي في كتابه الشهير الكوميديا الالهية، ولكن بصورة اكثر قسوة وبشاعة، فلم يكن هذا الجحيم خيالياً كما تصوره دانتي بل كان جحيم حقيقياً على الأرض، وفيه من يصرخ من لهيبه ويكتوي بناره.

ان عذابات دوستويفسكي التي عاشها خلال سنواته الأربع، لا يكمن في قيوده وحريته المستلبة بقدر ما تكمن في اضطراره للعيش مع عديمي الوعي والثقافة من القتلة والمجرمين، فكان هذا هو جحيمه الحقيقي، وهذا ما يصفه لنا بنفسه (كانت المصاحبة المستمرة الدائمة للأخرين تفعل في نفسي فعل السم، وما تألمت من شيء خلال تلك السنوات الأربع كما تألمت من ذلك العذاب الذي لا يطاق)

وهناك العداوة الشديدة التي ابداها معظم السجناء نحوه، بسبب انتمائه الى طبقة السادة الذين طالما اضطهدوا أبناء الشعب وعاملوهم بكل قسوة وكبرياء وغرور، بل ان عذابه لم يقف عند هذا الحد فحتى من كان ينتمي لهذه الطبقة من السجناء على قلة عددهم لم يشعر نحوهم دوستويفسكي باي مودة، ولم يجذبه اليهم أي شيء، وهذا ما تركه في حالة انعزال وانطواء على ذاته زادت من سواد أيامه في هذه السنوات الأربع .

ولعل المفارقة ان كل تلك العذابات وتلك العزلة اسدت خدمة كبرى للأدب العالمي من خلال التأثير الانساني والرؤيا التحليلية والنفسية والعمق الادبي الذي خرج به في نهاية المطاف، ودفعه نحو تحليل سلوك المجرم وتأثير القيود والحبس عليه، وجدوى السجون وواقعية عقوباتها، وما اتسمت به هذه الدراسات من عمق وواقعية، قد لا يستطيع معظم الباحثين النفسيين ان يدركوها ويسبروا اغوارها ما داموا يتنفسون هواء الحرية العذب بعيد عن الرائحة الخانقة للسجون.

روح القانون

قد يقتل الانسان من اجل شيء تافه قد يكون بصلة، وقد يقتل الانسان مضطراً رجلاً فاسق سرق زوجته او ابنته، فكيف يمكن ان يكون الجرم واحد والعقوبة واحدة ؟؟ يطرح دوستويفسكي هذا السؤال الأخلاقي والقانوني حول العقوبات المفروضة على الجرائم المتماثلة، ومدى واقعيتها وملامستها للعدالة وروح القانون.

ففي السجن رجال غلاظا افظاظاً لا يعرفون الخجل ولا الندم وهم فجرة مستهترون ولا قيمة للأخلاق ولامعنى للضمير عندهم، بل ان بعظهم يكاد يكون تجسيد للشر المطلق، مثل قاطع الطريق الرهيب "اورلوف" الذي يقتل الصغار والشيوخ بهدوء وبرود، وكان يتميز بإرادة عظيمة يستهون معها كل عقاب ويحتمل أي قصاص، ومنهم التتري "غازين" صاحب القوة الخارقة الذي يشبه عنكبوت عملاق ويجد لذة عظيمة في ذبح الأطفال بعد ساعات من افزعهم وترويعهم لإرواء نفسه المريضة، وهناك "آرستوف" المنحل الفاجر الذي يصفه دوستويفسكي بانه عبارة عن تشوه روحي اشبه بتشوه "بكازيمودو" الجسدي بطل رواية احدب نوتردام،

وفي ذات الوقت كانت جدران السجن وقضبانه تضم رجالاً يمكن على الاقل ان تتفهم جرائمهم، او حتى ان تجد لهم العذر من الناحية الأخلاقية، مثل  "بالكوشين" الرجل المرح الذي قتل منافسه بالحب بالخطأ وكان كل ما أراده ان يروعه بمسدسه فقط، وهناك الشيخ الكبير "ستارودوب" المؤمن الذي اشعل النار في الكنيسة الارثوذوكسية المخالفة لاعتقاده انه بذلك يخدم الدين، وهذا "لوقا" المتشرد البسيط الذي اعتقل بدون سبب حقيقي فلما سمع الميجر يقول له "انا القيصر، انا الله" لم يحتمل سماع هذا التجديف فقام بقتله.

فكيف يمكن ان يكون الجرم واحد والعقوبة واحدة ؟؟؟

السجن

ما هو المغزى الحقيقي للسجن وما هو الهدف والغاية من وجوده ؟؟ وهل يمكن ان يكون السجن مكانًا حقيقيًا للإصلاح والتهذيب ؟؟ سؤال من العديد من الأسئلة التي يطرحها دوستويفسكي ويحاول ان يجد لها الإجابة التي تكمن أهميتها لكون هذه الاجابات تحمل واقعية المجرب الذي عاش الصراع النفسي وذاق الم العقاب الجسدي والروحي داخل غياهب واحد من اقسى سجون العالم، وان كانت اجاباته تحمل في طياتها المزيد من الأسئلة الوليدة التي لا تنفك تحيط بك كلما اوغلت في الإجابة.

يؤكد لنا دوستويفسكي ان المجرم لا تصلحه سجون، ولا معتقلات ولا اشغال شاقة، ولعلها توقع به القصاص وتسكن روع المجتمع ولكنها لا تصلحه ابداً، ولكن ليس في وسع سوى ان تفاقم في هؤلاء الرجال الحقد العميق والعطش الى الملذات المحرمة، فالمجرم الذي تمرد على المجتمع يكرهه ويعتبر نفسه دائماً على حق، والمجتمع في نظره مخطئ.

أن دوستويفسكي على يقين ان السجن الانفرادي والذي يمثل احد اهم الأدوات الرادعة في السجن لا يحقق سوى غرض ظاهري خادع، فهو يبتز من المجرم كل قوته وطاقته، فيضعفها ليخرج بعد ذلك مومياء جافة وشبه مجنونة، لكنه في كل الأحوال يبقى بعيد عن الإصلاح والتوبة.

 ولعل من اغرب ما كتب دوستويفسكي في هذه الرواية هو انه لم يسبق ان لاحظ طوال سنوات سجنه أي علامة للندم ولا أي قلق من أي جريمة مرتكبة، بل ان معظم السجناء كانوا يعتقدون في قرارة انفسهم انهم أبرياء، لا لانهم لم يرتكبوا الجرم الذين سجنوا بسببه، بل لان من حقهم يتصرفوا كما يروق لهم، وانه ليس بالإمكان افضل مما كان، وفضلاً عن ذلك فان لسان حال المجرم دائماً ما يقول الم انل عقابي؟ فهو بالتالي يرى نفسه بريئاً ونقياً كالحليب الطازج، ويستدرك دوستويفسكي ليخبرنا ان السجن هو المكان الوحيد بالعالم الذي يشح فيه الندم، بل يوجد فيه من يحكي وهو يضحك مثل الطفل اشد قصص الجرائم وحشية وغرابة وفظاعة.

أحلام السجناء

لعل من اعمق أفكار دوستويفسكي التي طرحها وأكثرها اصالة هي فكر الامل بالحرية، فان السجناء بالرغم من اختلافهم وتنازعهم الا انهم يشتركون في امر واحد وهو الامل في ان يكون القادم افضل، وبدون هذا الامل فان مصير الكثير منهم هو الموت او الانتحار او الجنون.

فقد تكون القضبان والجدران والاسلاك الشائكة والحبس الانفرادي وعقوبة الاشغال الشاقة او العقوبات الجسدية عائق كبير امام النزلاء تقيد حركتهم، وتمتص راحتهم  وتسحقهم بين اطباقها، لكنها لم تتمكن ابداً من ان تسلبهم خيالهم وذكرياتهم واهم هاجس يرافقهم وهو الامل بالقادم والحلم بالحرية، فجميع السجناء في الحقيقة حالمون كبار.

 الحرية التي يخبرنا دوستويفسكي بأنها الحلم الذي يولد مع كل من يدخل الى بيت الأموات وتغذى ويكبر من عذابهم وآلامهم، ومنذ اليوم الاول الذي يطئون فيه أرض سيبيريا، وبالرغم من ان مدة سجن البعض منهم قد تكون عشرين سنة او اكثر من ذلك يفقد خلالها العديد من الأشياء مثل صحته وقوته، ولكنه دائما ما يبقى متشبث بكل قوته بحلمه  بالحرية، ومهما طال الامل فانه يراه قريب.

ويروي لنا  دوستويفسكي حكاية واقعية عن أهمية الامل في حياة السجناء، من خلال اشخاص شاهدهم بأم عينه وهم مقيدين بسلاسل يبلغ طولها مترين، تقيدهم وتربطهم بالجدار لمدة قد تصل لخمسة عشر سنة، يعيشون وينامون ويأكلون ويشربون وهم يرتدوها وهي تقيدهم وتربطهم بالحائط، ولكن ومع كل ذاك فانهم هؤلاء التعساء كانوا يتصرفون بطريقة تكاد تكون مثالية، وكان كل واحد منهم يبدوا سعيداً وينتظر الخلاص بفارغ الصبر، لكن الخلاص من ماذا ؟؟؟

 

من اغلاله والخروج من زنزانته المنخفضة العفنة الخانقة الى فناء السجن، وهذا كل شيء !! فلن يسمح له بمغادرة السجن، بل انه قد يقضي في فنائه ما تبقى من عمره، ولكن مع ذلك عاش سنوات طويلة على فكرة الخلاص من اغلاله والخروج لفناء السجن، ويتساءل دوستويفسكي لولا هذه الفكرة وهذا الامل هل يستطيع البقاء مربوطاً الى الجدار بأغلاله لمدة خمسة او ستة او عشرة سنوات دون ان يموت او يجن ؟؟ هل يستطيع مقاومة ذلك؟؟؟

ترجمات الرواية

تجدر الاشارة الى ان الرواية ترجمت الى اللغة العربية بعنوانين مختلفين، حيث ترجمها الاستاذ ادريس الملياني بعنوان "مذكرات من البيت الميت" في حين ترجمها الدكتور سامي الدروبي بعنوان "ذكريات من منزل الأموات" ويمكن اعتبارها من أوائل الكتابات الأدبية التي اهتمت بالسجون والسجناء واسهمت في تأسيس ما يعرف بأدب السجون، وتعد بحق بداية النضج الادبي والفكري لدستويفسكي، الذي سيواصل الرقي بكتاباته الى ان يصل بالقارئ الى قمة ابداعاته بدءاً من الجريمة والعقاب وحتى يختم مسيرته الابداعية بالإخوة كارامازوف والتي نشرها قبل اربع أشهر من وفاته في عام 1880.

كلمات تولستوي

لو قدر لدوستويفسكي ان يختار وصفا او تقديم لروايته فلا اعتقد ان هناك اعظم من رسالة الكاتب الروسي العظيم تولستوي التي أرسلها الى نقولا ستراخوف عام 1880 والتي يقول فيها " كنت أشعر في هذه الأيام بضيق شديد فتناولت كتاب "ذكريات من منزل الأموات" فأعدت قراءته، كنت قد نسيت كثيرًا منه، فلما أعدت قراءته أيقنت أن ليس في الأدب الجديد كله كتاب واحد يفوقه، حتى ولا كُتب بوشكين!!! ليست النبرة هي الشيء الرائع فيه، بل وجهة النظر التي يشتمل عليها إنه صادق طبيعي مسيحي، إنه كتاب يعلّم الدين، فإذا رأيت دوستويفسكي فقل له أني أحبه".

الخاتمة

قبل ختام هذه القراءة لعل من الواجب الإشارة الى انه من العسير والشائك جداً في هذه الورقة تقديم مراجعة وافية لرواية بحجم واهمية مذكرات من البيت الميت للكاتب الروسي فيدور دوستويفسكي، ولعل الإيفاء بهذا العمل يحتاج الى اكثر من دراسة متشعبة وعميقة ومن اشخاص اكثر تخصص ودقة، لما يحوي هذا الكتاب من دراسات نفسية وسيكولوجية عميقة، وبحوث جادة جداً في سبر اغوار الانسان في اعقد الظروف التي يمكنان يقع بها، والتي تختلف اختلافات كلياً عن الظرف الطبيعي للإنسان.

وما قد يزيد من صعوبة المراجعة المختزلة هو دوستويفسكي نفسه الذي لم يترك شاردة ولا واردة في حياة السجناء دون ان يذكرها ويحلل سلوكها وارهاصاتها على السلوك الشخصي للفرد، بل انه عمد حتى الى ذكر الحيوانات التي كانت موجودة في السجن وتأثيرها النفسي على  السجناء، بالإضافة الى عشرات المواقف المواضيع مثل المستشفى، وفترة الاعياد، والأموال. وتأثيرها على السجناء، والعمل الشخصي الذي يتقنه السجين والفرق بينه وبين اشغال السجن، والخمر، والتهريب، والعقوبات الجسدية، والقيود، والجلاد والمسرح، والمشادات التي تحصل بين السجناء، والعديد من الأمور التي لو اردنا مراجعتها كلها فلن يكفي اضعاف هذه المراجعة.

 

فراس زوين

 

صالح الطائيمجموع سمات الإنسان هي نتاج التجارب التي يمر بها خلال عمره، فالتجارب هي التي تُطبِّع الإنسان وترسم له مياسم مسير العمر، وبذا يكون لها الأثر الكبير في بناء شخصيته بما تضفيه عليها من مؤثرات قوة وخوف وفرح وحزن وذل وكرامة، فمن مجموع جزئيات التناقضات يولد الكل بهيئته المعروفة.

وتختلف التجارب عادة تبعا لطبيعة العصر، بل تختلف تبعا لطبيعة الجيل والسنة واليوم أيضا فهي مطواعة لها قدرة التشكل والتلون، ومتسلطة لها قدرة التأثير العميق؛ وكأنها تعمل على خلق توازن التكوين البنائي لدي الإنسان.

وقد شاءت طبيعة عصرنا الجاف القاسي الشحيح المضطرب الفوضوي أن تكون من سنخه؛ جافة قاسية فوضوية محملة بأطنانٍ من الخوف والخطر والألم والدمع والرهبة والترقب، وأطنانٍ من الخيبة والخذلان والهزائم المتراكمة والشعور بالوحدة الغريبة والانعزال والابتعاد عن كل ما يثير الشبهات تجنبا للقيل والقال وكثرة الاستدعاء إلى مقرات الحزب ودوائر الأمن والسؤال، بل وإعادة الأسئلة الراسخة في عقولهم، وكان كل ذلك مشوبا بالقليل من الأمل والكثير من التمني، وطيف من أحلام العصافير التي كانت تراود ساعات صحونا وتغيب عن مهجعنا.

1643  صالح الطائي

ومع أني أعرضت عن تذكر الكثير من تلك التجارب، وطويت دونها كشحا، وابعدتها عن حياتي وواقعي؛ لكي لا أعيد اجترار ساعات وجعها من جديد، فيصيبني الألم الذي تحملته خلال عيشي لها، إلا أن إلحاح الأصدقاء ألجأني إلى تذكر واحدة منها كانت قد قادتني إلى الموت، ومددتني على دكة الجزار في انتظار أن يشحذ سكينه ويهوي بها على شرايين قلبي، ثم شاء الله لي أن اجتازها ولكن بالكثير من الخسائر.

هذه التجربة هي اعتقالي للمرة الثالثة من قبل رجال الأمن الصدامي لمدة أربعة أشهر، وما مر عليَّ خلالها، وكيف أن رجال الأمن لم يكونوا يعترفون حتى بوجود الله تعالى، ولقد سمعت أحدهم بأذني وحق الله، يقول لمعتقل كانوا يعذبونه بالقرب مني؛ وهو يتوسل إليهم بحق الله أن يكفوا عنه:  الله مجاز، وهو لا يجرؤ أن يمر من هنا وحتى لو مر نعتقله ونعذبه معاك. ثم أتبع قوله بقهقهة طويلة لا تنم إلا عن غباء كبير.

اختصرت تلك الأشهر المعدودات بكتاب من مائة وثلاثين صفحة وأسميته: "فصيل البراغيث"، وهم رجال الأمن الذين كانوا يتقافزون من حولنا كالبراغيث حينما يبدأون حفلات التعذيب وبأيديهم الكيبلات التي تصافح أديم جلدنا فتفريه وتمزقه وتنثر الدم هنا وهناك ليرسم صورة سوريالية تحكي قصة توحش الإنسان. وحاولت بكل ما أوتيت من سعة صدر أن أُجمِّل الكثير من الأحداث الفرعية التي كان بعضها ساعة وقوعه أمراً تأنف الحيوانات عن الاتيان بمثله لبشاعته، وتجاوزت بعضها الآخر لأنه كان طائفيا بامتياز، ولا علاقة له بالوطنية والاخلاص للنظام، ونسيت بعضها الآخر.

يعتبر كتابي فصيل البراغيث من كتب المذكرات والسيرة الشخصية الجزئية التي تركز على مناسبة واحدة وتتفرع بالحديث عنها، وقد حاولت بداية أن استغل الفرصة لألمح إلى نتف من حياتي قبل وبعد الاعتقال إلا أني وجدت ذلك توسعا قد يخل بخصوصية الموضوع فاكتفيت بإيراد ما جادت عليَّ به ذاكرتي من أحداث ذلك الاعتقال.

يقع الكتاب بمائة واثنين وثلاثين صفحة من الحجم الصغير، اعتنت بإخراجه وطباعته دار ليندا للنشر في سوريا، وصمم صورة الغلاف واختار للغلاف لونه الأسود الفنان أنور رشيد. 

 

صالح الطائي

 

 

قصي الشيخ عسكرآبي اللحم

هو خلف بن مالك، كان لايأكل ماذُبح للأصنام.

جمهرة النسب ص 157.

آزر

اسم صنم.

البرهان في علوم القرآن1/204.

الآس

يُتفاءل به.

ربيع الأبرار3/455.

آكلو لحوم البشر

أسد، وباهلة، وبالعنبر، وهذيل.

جمهرة النسب للكلبي، ص459، الحيوان للجاحظ1/160-161، عيون الأخبار3/234.

آلهة

جمع إله، وهو ماكان مصورا.

راجع: لسان العرب، تاج العروس وغيرهما من المعاجم اللغوية القديمة.

الأبابيل

طير تعشعش بين السماء والأرض وتفرخ ولها خراطيم كخراطيم الطير.

حياة الحيوان الكبرى1/27.

إبراهيم

كانت صورة إبراهيم وبيده الأزلام يستقسم بها موجودة في الكعبة حتى مجيء الإسلام.

البخاري الحديث رقم 3102، البداية والنهاية4/301.

ابراهيم، أيوب

اسمان سمت بهما النصرانية في الجاهليّة، وكان إبراهيم أوّل من اختتن.

الاتقان في علوم القرآن2/138، جمهرة النسب للكلبيّ، ص250، الكامل1/124، معاني القرآن1/83، المنتظم1/275-276.

الأبرص

كان يبعد في الجاهلية ويتحاماه الناس.

الصاهل، ص313.

أبرق العزاف

أحد الأودية التي تضمّ الجنّ.

أسد الغابة1/199، الجبال والأمكنة، ص 159، معجم البلدان، مادة أبرق.

إبرهة الرائش بن ذي القرنين

كان من أجمل أهل زمانه عشقته امرأة من الجنّ يقال لها العيوف ابنة الرابع في مكان يقال له المشلل فتزوجها فولدت له العبد بن إبرهة ذا الأذعار وعمرا ذا الأذعار، وقد أراد أن يوقد النيران في الليل على رؤوس الجبال ليهتدوا بها ولذلك سمي إبرهة ذا المنار، وعمر إبرهة 360 عاما.

التيجان ص128-131.ملوك حمير وأقيال اليمن، قصيدة نشوان بن سعيد الحميري، ص70.

أبريلو

معبد عربي جدده الملك أسرحدون.

قاموس الآلهة والأساطير في بلاد الرافدين ص46.

أبضعة

العنقفير أخت ملوك اليمن الأربعة الملعونين الذين هموا بنقل الحجر الأسود إلى صنعاء ليقطعوا حج العرب من البيت إلى صنعاء، وكانت أختهم أبضعة التي ملكت بعدهم تختار الرجال وتدعوهم إلى نفسها، أعجبها فتى من قيس فألحقها بغلامين من بطن.وقد ورد اسمها أيضا في لسان العرب ظنا من المؤلف أنه ملك من ملوك كندة.

الأخبار الطوال 41-42.لسان العرب بضع.

الإبل

راجع الجمل الزريران.

الإبل الوحشية

إنها من بقايا إبل عاد وثمود إذ أن الله لما أهلك عادا وثمود وطسم وجديس وجاسم بقيت إبلهم في أماكنهم، فإن ضل شخص ما في الطريق، ودخل تلك البقعة حثت الجن في وجهه التراب، وقد ضربت هذه الوحوش في العمانية فجاءت المهرية التي تسمى الذهبية، أما الإبل بصفة عامة فتعتقد العرب أنها خلقت من أعناق الشياطين، وهناك حديث ينسب إلى الرسول " ص" عن سب الإبل لأنها من نفس الله. المهم أن العرب تتطير من الإبل لأنها تحمل أثقال من ارتحل ولهم فيها رأيان:

1- أنها خلقت من سفاد الجن.

2- أو أنها خلقت من أعراق الشياطين.

وتنسب الإبل المهرية إلى مهرة بن حيدانز، ويقال إن الإبل خير.

حياة الحيوان الكبرى 1/23، الحيوان للجاحظ 1/94- 95، الدرة الفاخرة ص 228، ربيع الابرار 4/ 407، السيرة النبوية لابن كثير 1/136- 137، العقد الفريد 2/511، المستطرف 2/188، 214.

الأبلق

حصن السموأل بناه النبيّ سليمان"ع".يقول الأعشى:

بالأبلق الفرد من تيماء منزله  حصن حصين وجار غير غدار

وفي موضع آخر:

بناه سليمان بن داوود حقبة   له أزج عالٍ وطيء  موثق

معجم البلدان:مادة أبلق.

إبليس

يُنسب له بيتان من الشعر، وهو خادم الزهرة كان يسكن الأرض، اختلفوا في كنيته، أبو مرة، أبو العمر، وقيل اسمه الحارث.

جمهرة النسب للكلبيّ159، كنز الدرر1/237، 244.

ابن

ابن المذكرة من النساء والمؤنث من الرجال أخبث مايكون لأنّه يأخذ خبث خصال أبيه، وخصال أمّه.

العقد الفريد6/182.

ابن بقيلة

جاهلي قديم من المعمرين يقال إنه عاش 350سنة وأدرك الإسلام ولم يسلم، المرصع40.

ابن بيض

شخص نزل به قوم فنحر لهم جزورا سدّت طريقا كانت تسلكه إليه في إحدى الوديان، وفي ذلك يقول عمرو بن الأسود الطهويّ:

سددنا كما سدّ ابن بيض سبيلها  فلم يجدوا عند الثنية مطلعا

ويقول بشامة بن الغدير:

فإنّكم  وعطاء  الرهان     إذا جرت الحرب خطبا جليلا

كثوب ابن بيض وقاهم به    فسدّ على السالكين السبيلا

أنساب الاشراف1/59، فصل المقال في شرح كتاب الأمثال ص352، المفضليات ص 91.

ابن تقن

أرمى رجل.

الدرة الفاخرة ص 211، المرصع ص52.

ابن حممة الدوسي

عاش 390 سنة.

المعمرين ص37.

ابن رقيبة

له رئيّ من الجنّ يخبره بما يكون.

أسد الغابة2/136.

ابن شنقناق وابن شيصبان

من الجن أو هما عند العرب قبيلتان من الجن.قال حسان بن ثابت:

إذا ماترعرع فينا الغلام فما أن يقال  من  هو

ولي صاحب من بني الشيصبان فطورا أقول وطورا هو

المرصع 129-130.

ابن الصعق

راجع خويلد الصعق.

ابن عولق

الغول.

المرصع ص158.

ابن قرصع

اسم رجل من أهل اليمن يضرب به المثل في اللؤم.

المرصع ص 178.

ابنا سبات

رجلان كانا في قديم الزمان مجتمعين ثمّ تفرقا فلم يلتقيا، أو أخوان مضى أحدهما إلى المشرق والآخر إلى المغرب، والسبات والدهما، قال ابن أحمر:

وكنا وهم كابني سبات تفرقا  سوى ثم كانا منجدا وتهاميا

فألقى التهامي منهما بلطابة   وأحلط هذا لايريم مكانيا

فصل المقال، البكري، ص31، المرصع ص120.

ابنا عيان

خطان يخطهما الزاجر ويقول:ابني عيان أسرعا البيان، كأنه ينظر بهما إلى مايريد أن يعلمه.وقيل إنّهما رمز الشؤم أو شيطانان يضرب بهما المثل عند اليأس من الشيء.

المرصع ص 158- 159، معجم مقاييس اللغة عين.

ابنة الجودي

ليلى بنت الجودي ملك الشام، كانت النساء يحلفن بها في العصر الجاهلي فيقلن وحق ابنة الجودي.

أمالي الزجاجي ص32.

ابنة رجل

زنت ابنة رجل من العرب، وهي بكر، فناداها أبوها يافلانة، فقالت:إنّي غضبى.قال لها أبوها:ولم؟قالت:إني حبيلى، قال:إن كنت غضبى فعلى هنك فاغضبي.

مجمع الأمثال للميداني1/57.

ابنة النمر بن أجأ

زوّجها أبوها المنذر بن ماء السماء، فولدت له نفرا سقتهم السمّ.

جمهرة النسب ص559.

أبو أرب

رجل من إياد يضرب به المثل في كثرة الجماع يقال افتضّ في ليلة واحدة سبعين عذراء.

المرصع ص11.

أبو الأضياف

النبي إبراهيم " ع " كان لايأكل حتى يأتيه ضيف.

المرصع 11-12.

أبو إهاب بن عزيز

كان فيمن سرق غزال الكعبة، وهو غزال مصنوع من ذهب وجده عبد المطلب حين أعاد حفر بئر زمزم، فوضعته قريش على الكعبة، وشارك في سرقته أبو لهب.

جمهرة النسب للكلبي200ـ201، ربيع الأبرار3/381.راجع أيضا غزالة الكعبة.

أبوبرزة

كاهن.

مجمع البيان في تفسير القرآن3/92.

أبو ثمامة

هو رئي عمرو بن لحي الذي دله على الأصنام.

الأصنام ص58.

أبو جندب الهذلي

كان قومه يسمونه المشؤوم.قتل جار له وهو مريض، وعندما شفي قدم مكّة، حتى استلم الركن، وقد شقّ ثوبه عن استه، فعرف الناس أنّه يريد شرّا.

الأغاني21/230ـ231، شرح أشعار الهذليين ص349.

أبو حليل أو أبو خليل

كان أحد العشرة الذين قاموا مع خالد بن سنان بإطفاء نار الحدثان.

جمهرة النسب للكلبي ص 443.

أبو خراش الهذليّ

كان يركض على رجليه فيسبق الخيل.

الدرة الفاخرة1/326.

أبو خزيم

خرج يوما في طلب إبل له قد ضلّت فأصابها في أبرق العزاف، وسمي بذلك لأنّه يُسمع به عزيف الجنّ.قال فعلقتها وتوسدت ذراع بكر منها ثمّ قلت أعوذ بعظيم هذا المكان، وإذا بالهاتف يهتف:ويحك عذ باللّه ذي الجلال.

حياة الحيوان الكبرى للدميري1/296.

أبو دلامة

جبل كانت قريش تئد فيه البنات.

المستطرف2/173.

أبو رغال

أصله من العرب العاربة كان له سلطان بالطائف وماوالاه، وكان ظلوما غشوما فأتى على امرأة تربي يتيما صغيرا في عام جدب وقحط بلبن عنز، ولم يكن بالطائف شاة لبون سواها، فأخذها وبقي الصبي بغير رضاع، فمات فرمى اللّه أبا رغال بقارعة فهلك، ودفن بين الطائف ومكّة، فقبره هناك يُرمى على مرّ الدهر، ويُقال إنّ أبا رُغال كان قائد إبرهة الحبشيّ، ويقال إنّ ثقيفا من ولد أبي رغال، وفي ذلك يقول الشاعر:

إذا الثقفيّ فاخركم فقولوا   هلمّ فعدّ شأن أبي رغال

أبوكم  ألأم الآباء قدما   وأولاد الخبيث على مثال

أنساب الأشراف1/26، ديوان حسان بن ثابت ص63-64.

أبو زبيد الطائي

كان طوله ثلاثة عشر شبرا، وعاش مائة وخمسين سنة.

الأغاني12/161.

أبو سواج

حين أحسّ بخيانة امرأته أمر غلاما أسود، فنكحها، ثمّ عزل المني على نطع، فلمّا أصبح جعل ذلك المني في عسّ ثمّ حلب عليه، وقال لامرأته إذا جاءك العشيق فاسقه ففعلت، فلما فرغ من شربه قال العشيق :مالشرابك يتمطط، ومات.الخرافة تلك سجلها الأخطل في شعره حيث يقول:

تعيب الخمر وهي شراب كسرى  ويشرب قومك العجب العجيبا

جمهرة النسب للكلبي ص219ـ220، النقائض 1/208.

أبوسيارة

يضرب المثل بحماره في الجاهلية حيث أجاز الناس عليه 40 سنة من منى إلى المزدلفة.

المرصع 118- 119.

أبو الشؤم

الغراب.

المرصع ص127.

أبو الطمحان القيني

عاش 200 سنة.

أمالي السيد المرتضى 1/185-186.

أبو العجل

هو النجم الذي يقال له الدبران.

المرصع ص149.

أبو عروة

كان يزجر الذئاب وغيرها مما يغير على الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه، وقد أتتهم غارة فصاح، فأسقطت الحوامل، وكان يُسمع صوته على بُعد ثمانية أميال.قال النابغة الجعديّ:

زجر أبي عروة السباع إذا أشفق يلتبسن بالغنم

البيان والتبيين1/98، ربيع الأبرار2/572ـ573، عيون الأخبار2/185، الكامل للمبرّد1/338، لسان العرب مادة:عرا، المرصع ص150.

أبو عطيّة عفيف النصري

نادى في الحرب التي كانت بين ثقيف ونصر، فألقت الحبالى أولادها، فقيل في ذلك:

وأسقط أحبال النساء بصوته  عفيف لدن نادى بنصرٍ فطربا

عيون الأخبار2/186.

أبو العمر

من كنى إبليس وتعني أنه طويل العمر.

جمهرة النسب للكلبيّ159، كنز الدرر1/237، 244.

أبوغبشان

باع مكة إلى قصي بزقّ خمر، فقال فيه الشاعر:

باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت   بزقّ خمرٍ فبئست صفقة البادي

باعت سدانتها بالخمر وانقرضت  عن المقام وظلّ البيت والنادي

ثمرات الأوراق ص89، تاريخ اليعقوبي 1/ 210.راجع أيضا قصي.

أبو الغز

هو عمرو أو عروة بن أشيم يضرب به المثل في الغلمة زعموا أنه كان يستلقي على قفاه ثمّ ينعظ فيجيء الفصيل الجرب فيحتك بذكره يظنه الجذل، يقول عن أيره:

ألا ربما أنعظت حتى إخاله  سينقدّ للإنعاظ أو يتمزق

فأعلمه حتى قلت قد ونى   أبى وتمطى جامحا يتمطق

وورد عنه أنّه دخل مع امرأة شبقة في رهان على مائة من الإبل، فأراها من فنون النكاح مالم تعلمه وكسب الرهان.

الدرة الفاخرة2/403، مجمع الأمثال للميداني1/303، المثل أريها استها وتريني القمر، المرصع ص20.

أبو الغول الطهويّ

رأى الغول فقال فيها:

رأيت الغول تهوي جنح ليل    بسهب كالعباية صحصحان

فقلت لها كلانا نضو أرض    أخو سفر فصدّي عن مكاني

إذا  عينان في وجه  قبيح    كوجه  الهر مشقوق اللسان

بعيني بومة  وشواة  كلب   وجلد في قراً  أو  في شنان

المؤتلف والمختلف، ص245، خزانة الأدب6/439.

أبو الفوالي

الجان من الحيات.

المرصع ص 172.

أبو قبيس

يظن العرب أنّ آدم اقتبس النار منه فضربت العرب المثل بقدمه، وعن ذلك المعنى يتحدث الشاعر عمرو بن حسان:

أجدك هل رأيت أبا قبيس  أطال حياته النعم الركام

معجم البلدان حرف الألف أبو قبيس.

أبو قترة

هو إبليس.

المرصع ص 175.

أبو كبشة

جدّ الرسول محمّد(ص)من قبل أمّه، خالف قريشا في عبادة الشعرى.

أنساب الأشراف 1/91، تلبيس إبليس ص63، المحبر ص182، المرصع ص 186، المستطرف2/26.

أبو الكروّس

إبليس.

المرصع ص 187.

أبو مرة.

راجع إبليس.

أبو المرقال

الغراب أراد أن يقلد القطاة في مشيها فنسي مشيته ولم يجد التقليد.

المزهر1/509

أبو وهب الثقفي

كان أبو وهب جبانا وعليه حلّة جيدة، فقال لتأبّط شرّا بِمَ تغلب الرجال وأنت كما ترى دميم ضئيل.قال باسمي، أقول ساعة ماألقى الرجل أنا تأبط شرا فينخلع قلبه.قال فهل لك أن تبيعني اسمك؟قال فبم؟قال بهذه الحلّة وبكنيتك، وأخذ حلته وأعطاه طمريه.

الأغاني 21/141.

أبو وهب بن عامر

لما أجمع العرب على هدم الكعبة وبنائها قام أبو لهب وتناول حجرا، فوثب من يده حتّى رجع إلى موضعه فقال يامعشر قريش لاتدخلنّ قي بنائها من كسبكم إلاّ طيبا ولاتدخلنّ فيها من بغي ولابيع ربا ولامظلمة من أحد الناس.

سيرة ابن اسحاق2/104.

أبين

اسم رجل كان في قديم الدهرتنسب إليه عدن.

كتاب الإستدراك للزبيدي ص10.

الإثمد

هو الكحل ورد في النصوص السومريّة بكونه من زينة الإلهة أنانا أو عشتار وهي كوكب الزهرة عند العرب، وهو المادة ذاتها التي وُجدت في عيني الكاهنة زرقاء اليمامة ويبدو أنّ الإثمد أو الكحل الذي اتخذته عشتار أصبح من زينة النساء في العصر الجاهليّ.

عشتار ومأساة تموز للدكتور فاضل عبد الواحد علي، ص103.

اثنان

الرقم اثنان يستخدم في الأسطورة حال قتل الغول حيث على قاتل الغول أن لايعيد الضربة أو يثنيها.

راجع كتاب : الأغاني138ـ147، 21/146 .

أثيرة

إلهة عبدتها بعض القبائل البدوية، وقد ارتبط اسمها بالإلهة مناة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم ضمن الإلاهات اللائي عبدهن عرب الجاهلية"أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى" حيث نجحت الإلهة أثيرة أو عشيرة في المهمة التي أخفقت فيها مناة.

سورة النجم/20، نصوص من أوغاريت، للدكتور علي أبو عساف راجع كذلك:

THE RAS SHAMRA,DISCOVERIES AND THE OLD TESTMENT,A.S.KAPELRUDTRANSLATED BY G.W.ANDERSON,OXFORD,1965p30,42,46,57,60.

أجأ

أحبّ سلمى وساعدتهما العوجاء الخادم، فلحق بالثلاثة قوم سلمى وأنزلوا بهم عقاب الموت، فكانت الجبال الثلاثة.

معجم البلدان حرف الألف مادة أجأ.

الأجارب

خمس قبائل سموا بذلك لأنهم نحروا جملا جربا فأكلوا لحمه وغمسوا أيديهم في دمه وتحالفوا.

النقائض2/970.

أحاديث الخلق

الخرافات المفتعلة وأشباهها.

معاني القرآن2/281.

الأحد

كانوا في الجاهلية يسمون يوم الأحد أول أي أول يوم الخلق.

معجم مقاييس اللغة أول.

الأحدب

مدعاة للتشاؤم.

نقد النثر ص32.

الأحدب بن عمرو بن جابر

كان يشوي الناس ويأكلهم.

جمهرة النسب للكلبي ص 459.

الأحرف العربيّة

أبجد، هوز، حطي، كلمن…هي أسماء ملوك، وقد ورثت أحدهم بنته وهي خالقة بنت كلمون.

المنتظم1/325.

الأحلاف

تعاقد بنو عبد الدار ومن معهم من القبائل عند الكعبة على ألاّ يسلّم بعضهم بعضا أو يخذله فسمّوا الأحلاف.

الكامل1/454.

أحمر عاد

مثال للشؤم.

خزانة الأدب3/13

أحيحة بن الحلاج

كان يقال إنّ مع أحيحة تابعا من الجن يخبره عما يكون، وقد بنى قصرا بحجارة سوداء عليها مرتفع أبيض مثل الفضّة، يراها الرّاكب من مسافة يوم.القصر فيه حجارة لو نُزعت لوقع جميعا، فقال أحد غِلمانه إنّه يَعرف الحجر، فلمّا أراه إيّاه دفعه من علوّ فمات، وكانت عند أُحيحة سلمى بنت عمرو، وهي أُمّ عبدالمطّلب، فعمدت إلى ابنها فربطت رأس ذَكَرِه، فبات يبكي حتّى إذا ذهب الليل أطلقت الخيط عن الصّبيّ، فنام، قالت وارأساه، فقال أُحيحة:هذا من السّهر، فبات يعصب لها رأسها، فلمّا نام وقد ثقل رأسه أخذت حبلا ثمّ تدلّت منه وانطلقت إلى قومها.

الأغاني15/39ـ49، خزانة الأدب 354-355.

أحيقار

كاتب الملك سنحاريب وحامل أختامه ذكره الشاعر عدي بن زيد العبادي بقوله:

عصفن على الحيقار وسط جنوده وبيتن في لذاته رب مارد

ربى ابن أخته نادان لأنه كان عقيمافوشى به لدى الملك فأمر بقطع رأسه غير أن السياف قتل بدلا منه أحد المحكومين بالإعدام وخبأ أحيقار في سرداب وبعد مدة طلب الفرعون من ملك آشور أن يبعث له من يشيد قصرا في الهواء فندم على قتل أحيقار لكن السياف أخبر الملك بالحقيقة فبعث أحيقار إلى مصر وقبل أن يسافر إلى مصر طفق يعد نسرين وغلامين وخيطين طويلين كل كل منهما ألف ذراع وكان يربط النسرين بالخيطين وعلى ظهرهما الغلامين فغذا وصلا في الجو صاح الغلامان قدموا لنا الحجارة فنحن على استعداد للعمل عندئذ أدرك ملك مصر استحالة ذلك!

ديوان عدي بن زيد العبادي حققه وجمعه محمد جبار المعيبد، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد، بغداد، 1385، 1965 م ص 124، مدارس العراق قبل الإسلام رفائيل بابو إسحق ص 37 39.

الأحيمر بن خلف

أبو عشرة، وعم عشرة، وأخو عشرة، وخال عشرة.

العقد الفريد2/477.

الأحيمر بن عبد الله

يزعمون أنّه لم يطعن برمح قطّ إلاّ انكسر لذلك يقال له مكسّر الرماح.

معجم مقاييس اللغة مادة أفق.

اختلاج العين

اختلاج العين يدل على قدوم شخص غائب.

بلوغ الأرب 2/321.

الإختيار في النكاح

ويعني عندما تلد البغيّ أو صاحبة الراية، وتختار من بين الذين واقعوها شخصا ما فإنّ الطفل يُنسب إليه.

صحيح البخاري رقم الحديث 4732.

أخدر

كان فرسا لبعض الملوك فذهب في الأرض فتوحش.

رسالة الصاهل والشاحج ص173.

الأخرم

هو خالد بن جعفر بن كلاب، ولدته أُمّه وإبهام رجله ملتزقة بطرف أنفه، ففصلت بحديدة فسمّي الأخرم.

جمهرة النّسب للكلبيّ ص314.

الأخنس بن نعجة بن عدي

عراف.

المؤتلف والمختلف ص30.

أخوان

راجع يوم الخفض.

الأَخيل الشّقراق

طير شؤم تسمّيه العرب مقطّع الظّهور يُقال إذا وقع على بعير وإن كان سالما يئسوا منه.

مجمع الأمثال2/129.المعاني، 1/275.

إدريس

أول من خطّ بالقلم وأول من خاط الثياب وكان من قبله يلبسون الجلود.

عيون الأخبار1/43.

الأراقم

ستة إخوة لهم عيون تشبه عيون الأراقم.

جمهرة النّسب للكلبيّ، ص 565.

الأُربيانة

كانت خياطا تسرق السلوك، وإنّها مُسِخت، وتُرك عليها بعض خيوطها لتكون علامة ودليلا على جِنس سرقتها.

الحيوان للجاحظ1/177.

الإرث

كان أهل الجاهليّة لايورّثون البنات ولا الأولاد الصغار حتّى يدركوا.

أسد الغابة2/88، مجمع البيان3/180ـ181، المحبر ص236.

الأرض

الأرض نوّخها الإله  طروقه    للماء حتّى كلّ زبد مسفد

والأرض معقلنا وكانت أُمّنا    فيها  مقابرنا وفيها  نؤد

الحيوان للجاحظ1/573، ديوان أمية بن أبي الصلت ص 26.

أرض أبار أو وبار أو أرض الحوش

وهي أرض تسكنها الجنّ.

الحيوان للجاحظ2/476، طبقات ابن سعد1/44.

الأرضة

كانت يهوديّة.

الحيوان للجاحظ2/566، ربيع الأبرار4/471.

الأرمل

تنتظر سنة، يقول لبيد

وهم ربيع للمجاور فيهم  والمرملات إذا تطاول عامها

وكانت امرأة الميت إذا غسلت غديرتها بالخمر بعد أن تحلقها علموا أنها لاترغب في زوج بعده:

وشعشعت للغراب الخمر واتخذت  ثوب الأمير الذي في حكمه قعدا

الفاخر ص154، الصاهل ص 371، المعلقات السبع، الأنباري، معلقة لبيد ص 118.

الأرنب

من علّق عليه كعب أرنب لم تصبه عين ولانفس ولاسحر، وكانت عليه واقية من الجنّ يقول في ذلك امرؤ القيس:

مرسعة وسط أرباعه به عسم يبتغي أرنبا

ليجعل في كفه كعبها حذار المنية أن يعطبا

والأرنب تنام بعين مفتوحة، ويُقال إنّها إذا رأت البحر ماتت ولذا لاتوجد في السّواحل، والأرانب مراكب الغيلان، ومن رأى أرنبا عند خروجه أوّل مايخرج أو اصطبح به لم تُقض حاجته، والعرب يتشاءمون منه لقصر يديه.

حياة الحيوان الكبرى للدميري1/32، 2/34.الحيوان للجاحظ1/184، 2/518، ديوان امريء القيس ص128، ربيع الأبرار3/455، 4/427، المستطرف2/179، المعاني الكبير1/211، نقد النثر ص32.

حكايات عن الأرنب

التقطت الأرنب تمرة فاختلسها الثعلب، فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضّب.فقال الأرنب:ياأبا الحسل.فقال سمّيعا دعوت.قال أتيناك لنختصم إليك.قال عادلا حكمتما.قالت:فاخرج إلينا.قال في بيته يؤتى الحكم.قالت:إنّي وجدت تمرة.قال:حلوة فكليها.قالت:فاختلسها الثّعلب.قال:لنفسه بغى الخير.قالت:فلطمته.قال:بحقّك أخذت.قالت:فلطمني.قال:حرّ انتصر.قالت:فاقض بيننا.قال:لقد قضيت.

حياة الحيوان الكبرى1/32، 33، 2/34.الحيوان للجاحظ1/184، 2/518.مجمع الأمثال2/19.المستطرف2/179.

اشتبكت الوبرة والأرنب، فقالت الوبرة للأرنب: أران أران عجز وكتفان، وسائرك أكلتان، فقالت الأرنب للوبرة :وبر وبر عجز وصدر وسائرك حقر ونقر.

الصاهل ص279-280، المزهر للسيوطيّ1/418.

والأرنب من حكماء البهائم، قالت : اللهم اجعلني حذمة أزمة، أسبق الطالع في الأكمة.

الصاهل ص 279.

الأروى

يتشاءم بها من حيث أتت، فإذا برحت كان أعظم شؤمها.

معجم مقاييس اللغة مادة برح.

أَرواح

هي الجنّ التي تتعرّض للصبيان.

الحيوان للجاحظ2/453.

أرياط

هدم الحصون التي بنتها الشياطين لبلقيس، وكانت العروس لاتزف إلى زوجها قبل أن يبدأ بها.

الأغاني17/305، المنتظم2/121.

الأزلام

سهام يكتب العرب على بعضها أمرني ربّي وعلى الآخر نهاني ربّي ثمّ تجري القرعة على الأمر والنهي.

لسان العرب مادة"زلم"، مجمع البيان في تفسير القرآن3/369، المحبر ص332، المستطرف2/172ـ173.

الأزمل

صوت الجنّ، يقول أوس بن حجر:

إذا ماتعاطوها سمعت لصوتها إذا انبعثوا عنها نئيما وأزملا

الشعر والشعراء ص ص120.

الأساطير

الأباطيل.أحاديث لانظام لها، وفي العربيّة ترتبط الأسطورة بالزخرفة.

تاج العروس، مادة سطر، خزانة الأدب2/222، لسان العرب مادة"سطر"، مجمع البيان في تفسير القرآن3/442.

أساف ونائلة

رجل وامرأة من جرهم فسقا في الكعبة فمسخهما الله حجرين صيِّرا بعد ذلك صنمين يعبدان تقرُّبا إلى الله تعالى.

البداية والنهاية 1/178، تاريخ اليعقوبي1/224، تلبيس إبليس ص58، السيرة النبوية لابن هشام 1/77، المحبّر ص 311، مروج الذهب 2/23، المستطرف 2/175، الملل والنحل 2/585، نقائض جرير والفرزدق ص 141، نهج الباغة 1/120.

الإسبذيون

هم الذين كانوا يعبدون فرسا.

جمهرة النّسب للكلبيّ، ص201، معجم البلدان مادة أسبذ.

أستار الكعبة

راجع البيت المربع.

الإستبضاع

وهو نكاح من أنكحة الجاهلية حيث يعتزل الرجل زوجته و يبعثها إلى رجل آخر لتستبضع منه رغبة في نجابة الولد أي تعلق منه بجنين يحمل صفات جيدة، ويعد هذا السلوك من مخلفات الطقوس الوثنية القديمة المتعلقة بالمقدس والجنس فقد ورد في تقاليد اليونانيين أنه كان يسمح للزوج المسن المتزوج من شابة أن يدفعها إلى ممارسة الجنس مع شاب لتلد له ولدا كريم المحتد ويُسمح للرجل المميز أن يمارس الجنس مع امرأة متزوجة مخصبة ليحصل منها على أطفال جيدين."أنظر فيليب كامبي، العشق الجنسي والمقدس ترجمة عبد الهادي عباس ط دمشق ص 135-136.

صحيح البخاري رقم الحديث 4732، لسان العرب مادة بضع.

الإستسقاء بالأنواء

عادة جاهليّة.

صحيح البخاري4/238.

الاستعاذة

وهي أن يقول العربيّ حين يمرّ بأرض تسكنها الجنّ أو يخطف ذِئب شاة له:نعوذ بعزيز هذا الوادي، وفي معنى آخر:هي استمتاع الأِنس بالجنّ ويقابله استمتاع الجنّ بالإنس.

الإصابة2/296، بلوغ الأرب2/325، معاني القرآن1/354.

الاستقسام بالأزلام

طلب معرفة ماقسم للمرء مالم يُقسم.

الأغاني9/111.

الأسحم

صنم.

تاج العروس مادة سحم.

الأسد

لايشرب من ماء ولغ فيه كلب.يفزع من صوت الديك.لايدنو من المرأة الحائض، ولايزال محموما، ويعمّر كثيرا، وقد سلّطت عليه الحمّى في سفينة نوح، وهي أوّل حمّى نزلت في الأرض ليؤمن شرّه.

حكاية عن الأسد

رأى الأسد الحمار فرأى شدّة حوافره وعظم أذنيه وعظم أسنانه وبطنه وقال إنّ هذا الدّابّة لمنكر وإنّه لخليق أن يغلبني فلو زرته ونظرت ماعنده، فدنا منه فقال:ياحمار أرأيت حوافرك هذه لمنكرة لأيّ شيء هي، قال:للأكم، فقال الأسد:قد أمنت حوافره.فقال:أرأيت أسنانك هذه لأيّ شيء هي.قال:للحنظل.قال الأسد قد أمنت أسنانه.قال أرأيت أذنيك هاتين المنكرتين لأيّ شيء هما.قال للذباب.قال أرأيت بطنك هذا لأيّ شيء هو، قال ضرط ذلك، فعلم أنّه لاغناء عنده فافترسه.

حياة الحيوان الكبرى للدميري1/7، مجمع الأمثال 1/433ـ434، المستطرف2/211ـ213.

الأسدية

راجع البكرية.

الأسرار

خطوط الكف.قال الأعشى:

انظر إلى كفّ وأسرارها  هل أنت إن أوعدتني ضائري.

حماسة المرزوقي 1/92، المعاني1/276، معجم مقاييس اللغة مادة سرّ.

أسرحدون

جدد معابد الآلهة العربيّة عطار سمين ودايا ونوحايا ورضى وأبريلو و وعطار قرمة.

قاموس الآلهة والأساطير في بلاد الرافدين ص46.

أسطورة

الخط والكتابة والأحاديث التي لانظام لها، وهي مشتقة من سطر، فكأنها أشياء كتبت من الباطل فصار ذلك اسما مخصوصا لها، وقد ورد ذكر الأساطير في القرآن الكريم في أكثر من سورة.

وهناك شعر جاهلي حول الأسطورة:

ألهى قصيّا عن المجد الأساطير ورشوة مثلما ترشى السنانير

الأنعام/25، الأنفال/31، النحل/24، المؤمنون/83، الفرقان/5، النمل/68، الأحقاف/17، القلم/15، المطففين 13، أمالي السيد المرتضى4/190، القاموس المحيط مادة سطر.لسان العرب مجمع البيان في تفسير القرآن، 3/444، معجم مقاييس اللغة سطر.راجع أيضا أساطير.

الإسكندرية

كان على باب من أبواب الإسكندرية صورة جمل من نحاس عليه راكب من نحاس في هيئة العرب عليه عمامة وفي رجله نعلان وكانوا إذا تظالموا يقول المظلوم للظالم أعطني حقي قبل أن يخرج من يأخذ بحقي.

الدميري1/175.

الأسماء

التّفاؤل بالأسماء القبيحة على العدوّ، والتفاؤل بالأسماء الحسنة لهم ولعبيدهم.

حياة الحيوان الكبرى للدميري2/251.

أسماء بنت مهلهل

 

قصي الشيخ عسكر

 

علاء اللاميحملوا نسختكم من كتاب لونكريك

كيف كان العراق قبل خمسمائة سنة؟ حملوا نسختكم من الترجمة العربية لكتاب ستيفن هيمسلي لونكريك "أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث". تعريف بالكتاب والكاتب والموضوع: لا نعرف إلا القليل جدا عن العراق بعد سنة 1500م، وهذا القليل متشظي وغامض ومضطرب ومقروء بطرق مختلفة. أما المصادر والمراجع في هذا الصدد فهي نادرة ندرة شديدة، ولعل واحدا من أهمها هذا الكتاب للبريطاني لونكريك، وقد كتبه سنة 1925حين كان موظفا وضابطا استعماريا برتبة عميد في العراق أتيحت له فرصة واسعة للحصول على كمية كبيرة من المراجع والوثائق القديمة.

* قراءة هذا الكتاب ستكون مفيدة غاية الفائدة، إنما سيكون من الأفيد أن تكون قراءة حذرة جدا؛ فالمؤلف، وإنْ كان يزود قراءه بمعلومات غنية وثمينة كثيرة، ولكنه يخلطها غالبا باستنتاجاته الشخصية الاستعمارية أو بمعلومات ثانوية ويعطيها الأولية، وهو في ذلك يصدر عن عقليته الأورومركزية والاستشراقية الغربية، وإنْ كان يفعل ذلك بطريقة أخف وطأة من كتاب غربيين كثر وحتى من توابعهم العراقيين لأنه يحافظ على بعض السوية الموضوعية في السرد التاريخي الموثق في مواضع كثيرة من الكتاب.

* أعتقد أن الفصل الأول من الكتاب الذي يحمل عنوان "العراق والفتح التركي - البلاد في 1500: العروق والمجتمع" من أهم فصول الكتاب من الناحية المعلوماتية. إنه وصف جغرافي ومجتمعي وعمراني مفصل ونادر المثيل لعراق القرن السادس عشر، حين لم يبق من العراق العباسي الزاهر - حين كان المسافر المنطلق من جنوب العراق إلى بلاد الشام، كما تخبرنا كتب التراث القديم، لا يكاد يحتاج إلى زوادة طعام يحملها معه لأنه يحصل على طعامه وشرابه من القرى المتصلة على امتداد الفرات وصولا إلى الشام - لم يبق منه الشيء الكثير. فالمدينة الوحيدة التي مُصِّرت على نهر الغراف في قلب السهل الرسوبي السومري القديم هي مدينة الحي، وكان هذا النهر يسمى باسمها أحيانا "شط الحي"، أما القرى والبلدات الصغيرة التي تظهر وتختفي فكان السهل يكتظ بها، وربما كانت تؤوي غالبية سكان البلاد. وغربا، باتجاه بلاد الشام، فلم تكن هناك من مدن جنوبا سوى مدينتي البصرة والحلة التي يصفها بالبلدة العظيمة الآهلة بالسكان / ص23، ومدينة الرمادي شمالها الغربي وعانة "عنت" القديمة في هيئة قرية صغيرة وقد غمرت بالمياه وزالت من الوجود في القرن العشرين خلال إنشاء سد حديثة وبنيت مدينة أخرى جديدة تحمل اسمها الآن.

* أما شرقا، باتجاه الشمال، وعلى امتداد دجلة، فالوضع أكثر مأساوية وخواءً سكانيا، ويكتب لونكريك (ومن قبتي الكاظم وأبي حنيفة - ببغداد - وإلى حمام العليل، ينبوع الموصل، لم يكن المسافر ليمر ببلدات كثيرة سوى السميكة، الواقعة على نهر الدجيل، وسامراء وتكريت... ص15). ويؤكد المؤلف أن هذا الواقع السكاني والمجتمعي ظل قائما "حتى آخر القرن التاسع عشر / ص 23".

وبخصوص ما يسميه لونكريك "العروق والمجتمع" قد يتفاجأ بعض المتأثرين بالقراءات الاستشراقية الغربية المشككة بالهوية الحضارية العربية للعراق من الحقيقة التالية التي ينقلها المؤلف عن وثائقه القديمة ومشاهداته الشخصية في بداية القرن العشرين عن التركيبة المجتمعية السكانية العراقية فهو يقول (كانت سهول العراق محفوفة، على هذه الشاكلة ببلدان تختلف عنها كل الاختلاف بوجه أرضها وسكانها. ونظرة واحدة ننظرها إلى العرب الخلص من بدو بادية الشام وسكان شواطئ الخليج، وإلى اللر والكور - لا أدري إن كان يقصد بالكور جمع كورة أي قرية أم يقصد الكرد التي لم تكن تكتب بالواو في بدايات القرن العشرين بتاتا، ولكني أرجح أنه يقصد الكرد لأنه استعمل عبارة "النواحي الكردية واللرية/ص59" ع.ل- في الشرق والشمال، تؤكد لنا بوضوح سيادة اللغة الواحدة وتناسق الطبيعة في العراق الأصلي. فكانت العربية، في الحقيقة، ينطق بها الجميع من الموصل إلى الكارون (نلاحظ هنا أن لونكريك يعتبر نهر الكارون والأراضي التي يمر بها عراقية. وهو لا يجافي الحقيقة التاريخية التي يؤكدها المثل الشعبي العراقي الحي وذائع الصيت "ماكو ورا عبادان قرية" بمعنى، أن حدود العراق الجنوبية قبل القرن العشرين كانت في الوعي الشعبي تمتد إلى عبادان التابعة هي والكارون لإيران اليوم. ع.ل). وكانت الأنهار تربط الشمال بالجنوب. غير أن التناسق الظاهري في الدم والديانة ووحدة المجتمع كان يضم اختلافات مفعمة بالمعنى. ص20). ورغم هذه المعطيات والمعلومات التي تؤكد الهوية الحضارية للعراق بلدا ومجتمعا وكونها عربية إسلامية، ولكن المؤلف يعود ليطرح استنتاجا يعاكس مقدماته فيقول (فلم يكن العراق بلدا واحدا من الوجهة العنصرية)، علماً، أن الوحدة العرقية أو الصفاء العنصري لم يقل به أحد، ولم يدافع عنه مدافع، فهو مجرد وهم لا طائل تحته في العصر الحديث. ولكن الهوية العربية للعراق لا ينفيها وجود أقليات قومية من الكرد والتركمان والكلدان والآشوريين والهنود والإيرانيين الذين لا تصل نسبتهم مجتمعين وحتى اليوم إلى أكثر من 15 بالمائة بعد أن اندمجت أو رحلت بعض هذه الجاليات وخصوصا الهنود والإيرانيين. فلماذا يحاول لونكريك وتلامذته المعاصرون والمشتغلون في مؤسسات الاحتلال الأميركي كمجموعة كروكر سيئة الصيت، الشطب على هذه الهوية العراقية العربية وتشويهها والترويج لعراق ثنائي القومية أو متعدد القوميات؟

لقد نجح، الحليف الأقرب والأخطر للاحتلال الأميركي، زعيم مليشيات "الاتحاد الوطني الكردستاني" جلال الطالباني، وبدعم أميركي، في فرض هذه المقولة سياسيا ودستوريا على حلفائه الساسة الشيعة العرب أيام كتابة الدستور العراقي الاحتلالي في عهد الحاكم الأميركي بول بريمر، ولكن ذلك النجاح لن يكون الكلمة الفصل والأخيرة لأنها كلمة متغلبين بقوة الاحتلال الأجنبي وستزول بزوالها وزوال نظام حكمهم المكوناتي التابع. ونتساءل في هذا السياق: هل كفت إيران عن أن تكون فارسية الهوية علما أن النسبة السكانية للفرس لا تزيد عن النصف إلا قليلا ومثلها دولة تركيا التي لا تزيد نسبة الترك الطورانيين فيها عن الستين بالمائة، والقائمة طويلة وتشمل فرنسا الرومانية الكاثوليكية رغم وجود عشرات الملايين من غير الرومان؟

 

علاء اللامي

....................

رابط سهل لتحميل كتاب أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث:

https://www.aljawadain.org/book-library-details.php?id=1211&cat=560

 

حسيب شحادةبين دفّتي هذا الكتاب الفريد من نوعه ثلاثةَ عشرَ مقالًا، كتبها أربعة عشر باحثًا عربيًا وأجنبيًا، كُتب معظمُها أصلًا بالعربية، ونُقِل القسم الباقي من الإنجليزية إلى العربية. يلاحظ أنّ أكثر من نصف المقالات، تُعنى بجوانب لا تتعلّق مباشرة ببحث لهجة فلسطينية معيّنة من حيث عِلما الصوتيات والأصوات الوظيفي (الفونوتيكا والفونولوجيا)، علم الصرف، علم النحو، بل تعالج مواضيع أخرى مثل الاقتراض من لغات أخرى، تاريخ عربية فلسطين، حقول دلالية معيّنة: الإنجليزية في المخزون اللغوي الفلسطيني في إسرائيل بقلم محمّد أمارة وهو منقول عن الإنجليزية، ص. ٤٣-٦٣؛ تقرير ثانٍ عن إعداد أطلس لغويّ عربيّ لشمال إسرائيل بقلم پيتر بينشتدت تُرجم من الإنجليزية، ص. ٦٥-٨٤؛  مراسلات  لغوية بين اللاهوتي والمستشرق  الألماني غوستاف  هيرمان دالمن ورواة محليين في بدايات القرن العشرين وبخاصّة د. توفيق بشارة كنعان البتجالي (١٨٨٢-١٩٦٤) بقلم المحرّر كلاينبرجر، ص. ١٢١-١٤٣؛ الألفاظ الإيطالية في اللهجة الفلسطينية بقلم معين هلّون، ص. ٢٨٩-٣٢١؛ ملاحظات حول تاريخ اللغة العربية في فلسطين بقلم سيمون هوبكنز، كُتب في الأصل بالإنجليزية ونشر عام ٢٠١٢ ونُقل هنا  إلى العربية ، ص. ٣٢٣-٣٦٥؛ المكان في لغة وثقافة لهجة الصانع العربية في النقب: حالة الخروف والماعز بقلم ليتيتسا تشركليني والمقال مترجم عن الإنجليزية، ص. ٨٥-١٢٠؛ البكائيات في قريتَي كفرياسيف وأبو سنان: أصالة، شجن وإيمان بقلم ابنة كفرياسيف لورين اسعيد، ص. ١٦٧-١٩٥؛ المعجم الخاصّ بألفاظ زراعة القمح في الجليل شفاعمرو نموذجًا بقلم رنا سعيد صبح الشفاعمرية، ص. ٢٢٧-٢٦٣؛ الدلائلية في السرد العربي التقليدي في النقب: الإستراتيجيات الصرفية والمعجمية والتركيبية-الخطابية بقلم روني هنكين والمقال منقول عن الإنجليزية، ص. ٣٦٧-٣٩٣. المقالات الثلاثة الباقية تتناول نواحي معيّنة في لهجة/لهجات فلسطينية وهي: لهجة الجواريش في الرملة بقلم فيرنر أرنولد وموسى شواربة، ص. ٢١-٤١؛ فروق  بين لهجات عربية في إسرائيل في مجال الصوتية -الفونيتيكية بقلم يهوديت روزنهويز، ص. ١٤٥-١٦٦؛ المستوى الصوتيّ للهجة كفرياسيف بقلم ابن كفرياسيف حسيب شحادة، ص. ١٩٧-٢٢٥؛ تركيب الإضافة في العربية الفلسطينية الشمالية بقلم ورد عقل من المغار الجليلية، ص. ٢٦٥-٢٨٧.

في الواقع، لم أجد خطّة معيّنة واضحة في ترتيب إيراد هذه المقالات في الكتاب؛ ربّما كان من المناسب أو الأفضل الابتداء بفذلكة تاريخية عن عربية فلسطين فدالمن ورواته فما دخل هذه العربية من الإيطالية والإنجليزية والنواحي الدلالية ثم المقالات التي تُعنى بأصوات اللهجة أو صرفها ونحوها وأخيرًا الأطلس.

أحسنَ محرّر هذا الكتاب، الباحث والمحاضر في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة حيفا، أهارون جيبع كلاينبرجر، صُنعًا في كتابة مقدّمة ضافية (ص. ٩-٢٠)، تناول فيها عدّة نواحٍ متعلّقة بموضوع الكتاب قيد العرض والمراجعة. من تلك النواحي والمعلومات، نكتفي بذكر ما يلي. تعود بداية ظهور دراسات حول اللهجات الفلسطينية إلى أواخر القرن التاسع عشر، وجلُّها كان باللغة الألمانية، ويبدو أنّ رائد تلك الدراسات كان ليونهارد باور (Leonhard Bauer, 1865-1964) عن لهجة القدس، وتلاه آخرون أمثال إيبرهارد فون مولينن (Eberhard von Mülinen 1861-1927) عن لهجة حيفا ولهجات سبع قرى أخرى،  وغوتهيلف برغشتراسر (Gotthelf Bergsträßer, 1886-1933) وأطلسه اللغوي الهامّ والمعروف من العام ١٩١٥، واللاهوتي غوستاف دالمن (Gustaf Dalman, 1855-1941) في عمله الضخم كمًا وكيفًا، ثمانية مجلّدات حول كلّ جوانب حياة الفلاح الفلسطيني. ثم يعرّج كلاينبرجر لمامًا على محطّات تالية أساسية في مضمار الأبحاث اللهجية الفلسطينية ذاكرًا عيّنة من أسماء الباحثين، إلى أن يصل إلى أواخر القرن العشرين ومشروع بحث لهجات الجليل (أطلس لغوي، ليدن ٢٠١٩) عبر تسجيل مئات النصوص، قام بها طلّاب عرب في جامعة حيفا. ويلاحظ غياب أيّ عربي (حتّى فلسطيني) ضمن مجموعة الباحثين الإسرائيليين والأجانب لا سيّما الألمان. ومن المعروف أنّ لهجات عربية عديدة كانت قدِ اندثرت كلهجات الأندلس وجزيرتي صقليا وبنت الريح. ويذهب المحرّر إلى أنّ اللهجات الفلسطينية هي بمثابة حلقة وصل بين مجموعتي ماكرو متباينتين: الماكرو الشامية والماكرو المصرية- السودانية. وممّا جذب انتباهي قول المحرّر ”من ذلك نشير إلى أنّ النساء هنّ من يبدأن عادة بحدوث تغييرات فونولوجيّة وليس الرجال المتحفّظين أكثر من الوجهة اللهجيّة“ (ص. ١٦).

قلتُ إنّ هذا الكتاب فريد من نوعه لأنّه، كما ورد في مقدّمته، يُعتبر الأوّل في موضوعه، ويصدر من قِبل مجمع اللغة العربية في الناصرة، ثم أنّ المساهمين فيه هم سبعة من العرب الفلسطينيين (منهم ثلاث فلسطينيات درسن لدى المحرّر كلاينبرجر في جامعة حيفا) وستّة من اليهود والأجانب. ويذكر المحرّر ذلك الاعتقاد الشعبي السائد القائل بعدم وجود نحو (قصد في تقديري قواعد) في اللهجات عامّة وهذا بالطبع غير صحيح (ص. ١٨). ومن المعروف منذ القِدم وحتّى يومنا هذا قلّة، إن لم نقل نُدرة اهتمام الباحثين العرب بلهجاتهم، لغات أمّهاتهم. ويعود السبب الرئيس في هذا الإهمال أوِ الابتعاد عن هذا الموضوع للرأي السائد بأنّ العربية المحكية دونية، محرّفة ومزيّفة من الفصحى الأصلية ولا قواعد لها، والاهتمام ينبغي أن يُكرَّس للغة المكتوبة، الفصيحة. وتجدُر الإشارة إلى فضل آخرَ يُضاف إلى إنجازات الباحث كلاينبرجر، وهو مساهمته في إعداد كادر جديد شاب من الباحثين والباحثات من العرب في مضمار القيام بأبحاث معمّقة في لغات أمّهم، اللهجات الفلسطينية؛ إذ أنّ توثيق لغة الكلام الحيّة الطبيعية بتجليّاتها المختلفة قبل تغيّرها وتفشّي الألفاظ العبرية وانحسارها مهمّة مقدّسة لما فيه من ثراء لغوي وحضاري لناطقيها. لا يُعقل أن يظلّ بحث اللهجات العربية حِكرًا على المستشرقين وباحثي اللهجات الأجانب وأبناء تلك اللهجات لا يتخصّصون في بحث هذا المجال الواسع والهامّ.

في بداية القسم السفلي من المقالات، يجد القارىء قبل الملاحظات الهامشية، نبذةً عن الكاتب، وفي ذيل المقال، كما هي العادة  في الدراسات العلمية، هنالك قائمة بالمراجع، ويتراوح عددها من سبعة إلى أكثر من مائة (أنظر ص. ٤١؛ ص. ٣٥٨-٣٦٥) ونصيب الأسد من تلك المراجع مكتوب بالإنجليزية ورأيت مرجعًا واحدًا باليابانية (= س. يودا، مدخل إلى العربية الفلسطينية، أوساكا ٢٠١١، أنظر ص. ٣٣٦ ). وفي هذا السياق، لا مندوحة من التلميح بملاحظتين وهما: ليست كلّ المراجع المثبتة في نهاية المقالات مذكورة في المتون أو في الحواشي؛ إحالة القارىء إلى مرجع ما بذكر اسم عائلة المؤلّف وعام صدور البحث فقط، يجب تجنّبها ورفضُها في الأبحاث الجادّة، لا يُعقل أن يُحيل الكاتبُ القارىءَ إلى كتاب فيه مئات الصفحات بدون ذِكر أرقام الصفحات أو الفصول ذات الصلة أقلّه (أنظر مثلًا ص. ٤٣-٤٦، ٤٨-٥٠، ٥٢، ٥٥، ٥٨؛ ص. ٨٦-٨٩، ٩١-٩٢، ٩٤- ٩٥، ٩٨، ١١٣، ١٢٦، ١٢٩،  ١٤٧, ١٧٠، ٣٧٢، ٣٧٨؛ قارن هذا بما في الملاحظات الهامشية في الصفحات ٧٠-٧٣، ٧٥-٨١ ).

أُشير بإيجاز في ما يلي إلى مواضيع هذا الكتاب مضيفًا بعض الملاحظات. من استعمالات لهجة الجواريش ذوي الأصول الليبية والقاطنين في مدينة الرملة: شْنُووَ تِبّي أي ماذا تبغي؛ نِبُّ نِمْشُ أي أبغي أن أذهب؛ وَچْتاش أي متى؟ شِنْ حالَك أي كيف حالك؛ تَوَّ أي الآن؛ كْراعِ أي رِجْلاي؛ سيدِ أي أبي للتعظيم، دَبَش أي ملابس؛ عْويلَ أي أولاد صغار، جمع عَيِّل؛ فَمّ بتفخيم الميم أي فم؛ أمِّ بتفخيم الميم أي أُمّي؛ نَخْذوهَ أي نشرب القهوة؛ خيرَك (ē) أي ماذا حدث لك؟ والضمائر المنفصلة هي: أنا، إنْتَ، إنْتِ، هُوَّ، هِيَّ، إحْنَ، إنْتُ، إنْتِنْ، هُمَّ، هِنَّ. وحسنًا صنع كاتِبا المقال عن لهجة جواريش الرملة بإرفاقهما للتوطئة ولمحة عامّة عن هذه اللهجة نصًّا منقحرًا مشفوعًا بملاحظات في الهامش، تلَته ترجمة للعربية الفصيحة. حبّذا لو وُضع النصّ الأصلي المنقحر مقابل الترجمة الفصيحة.

من نافلة القول إنّ انتقاء عنوان موفّق لبحث ما، يجب أن يُقدِّم، على أقلّ تقدير، بعض الإطار العامّ لما يرِد في المتن، ولكنّ الأمثلة لعدم التوفيق في ذلك الاختيار ليست نادرة. أظنّ أنّ من يقرأ هذا العنوان ”الإنجليزيّة في المخزون اللغويّ الفلسطينيّ في إسرائيل“ يفهم ويتوقّع أن يُعالج الكاتب نصيب هذه اللغة الأجنبية في العربية الفلسطينية، ولكن عند القراءة يتفاجأ القارىء بأنّ هذا المقال يدور حول دراسة العربي داخل الخطّ الأخضر للغات ثلاث - العربية المعيارية، العبرية والإنجليزية، عبرنة عربية هذا العربي، تعليم الإنجليزية في المدارس العربية في البلاد ومقارنتها بالمدارس اليهودية، منهاج الإنجليزية الجديد، كُتب التعليم (يتعلّم العربي عن الثقافتين اليهودية والغربية ولا يتعلّم عن ثقافته هو، ص. ٤٩) وإنجازات العرب المتدنية مقارنة بمستوى أقرانهم اليهود؛ وقريبًا من نهاية المقال يصل القارىء إلى عنوان فرعي: الاستعارة من الإنجليزية في أربع خمس فقرات لا تُغني ولا تُسمن من جوع؛ وقُبيل نهاية المقال يتطرّق الكاتب لاستخدام العرب في البلاد للأبجديتين العبرية واللاتينية في مراسلاتهم. ومن الألفاظ المقترَضة من الإنجليزية أو ربّما عن طريق العبرية أُشير إلى مجموعة ضئيلة من الألفاظ مثل: التلفزيون، اللمبة، الراديو، الإنترنت  وإنفلونزا والستالايت وديزني كيدز وديسكاونت بنك (ص. ٥٣-٥٦). كما أنّ الدقّة في استخدام المصطلحات أمر مفروغ منه في مثل هذه الأبحاث فالقول ”العربية اللغة الأم للطلاب“ غير دقيق (ص. ٤٤، ٤٦). ولمزيد من الإيضاح بوُسع القارىء مقارنة هذا المقال بمقال مُعين هلّون حول الألفاظ الإيطالية في اللهجة الفلسطينية.

في المقال حول إعداد أطلس لغوي للعربية المحكية في شمال البلاد (ص. ٦٥-٨٢)، يقدِّم بيتر بينشتدت تقريرًا مفصّلا (ص. ٧٤ ملاحظة ١٨) عن الجانب اللفظي لكلمات مختارة مثل الضمائر المنفصلة، بناءً على تسجيلات نقحرها طلاب عرب في جامعة حيفا، كما نوّهنا أعلاه، وعلى ضوء استبيانات أعدّها المؤلف الألماني. لا أُضيف جديدًا إذا قلت بأنّه لا بدّ من التحقّق أو التأكّد من بعض الظواهر اللغوية وذلك عن طريق القيام بجولات ميدانية متتالية وبشكل طبيعي بدون آلات تسجيل وسماع محادثات طبيعية بين أفراد أهل اللهجة. بخصوص لهجتي، كفرياسيف في الجليل الغربي بالقرب من مدينة عكّا (الموقع ١٨ في الأطلس)، ورد على لسان حاييم بلانك، أبو دهود، العام ١٩٥٣، رحمه الله، تسجيل الصوت u لضمير الغائب المتّصل وهنا يذكر بينشتدت توثيق الحركة o أيضًا في استبيانه ذاكرًا المثل ammō˓ (عَمُّهُ). في لهجتي ولهجة أبي وجدّي ووالد جدّي من جهة أبي نجد الألوفونَين u, o و i, e. والصيغة المذكورة  ammō˓ لا تعني ”عمُّه“ كما ذُكِر في لهجتي بل ”العمّ“ معرَّفًا مثل  sidō, ḫalō إلخ (النبرة على المقطع الأخير). أيّ ”الجدّ، الخال“ . وقد تكون هذه اللاحقة من بقايا التعريف في السريانية  الكلاسيكية (أنظر مثلا ص. ٢٢٠-٢٢١ في الكتاب قيد العرض).  وأُضيف أنّ الصيغة hunni/هُنَّ التي سمعها أبو دهود في كفرياسيف أيضًا في منتصف القرن الفائت، ليست أصيلة في بلدتي،  وفي تقديري كانت آونتها على ألسنة من قدِموا إلى البلدة وسكنوا فيها. هذا يذكّرني باستعمال اللفظة ”لِسّه“ بدلًا من ”بَعِد“ لدى امرأة وحيدة في حينه، قبل خمسة- ستّة عقود لتبدو مدنية لا قروية! وقد استرعى انتباهي القول بأنّ ”نِحْنَ“ العادية في سوريا ولبنان مستخدَمة عادة فقط في دالية الكرمل وعكّا (ص. ٨١ ملاحظة ٣٩) وفي هذا في تقديري نظر.

في مقالها حول المكان في لهجة آل الصانع البدوية في النقب، استنادًا إلى ستّة عشر راويًا وراوية،  تحاول ليتيسيا تشركليني (قارن ص. ٣٨٦ ملاحظة ٦٢) بعد مقدّمة مسهبة نوعًا ما عن النظريات المختلفة، الوقوف على أساليب التعبير عن الحيّز/المكان بالنسبة للمتكلّم، ثم مسألة توافق المعرفة اللغوية والإدراكية أم لا. في مثل هذه الحالات يُطرَح السؤال: هل من الإنصاف والنجاعة بحث ظواهر لغوية واجتماعية على ضوء نظريات غربية؟ لغويّا لا يجد القارىء ضالّته في مثل هذه المقالات غير السهلة لغرابة الموضوع بالنسبة للقارىء العربي العادي من جهة، ومن جرّاء الترجمة من الناحية الأُخرى (يبدو لي أنّّه في بعض الحالات، على الأقلّ، لم يرَ الكاتب مقاله المترجم ولا يعرف القارىء في ما إذا كان هناك مدقّق لغوي لما في دفّتي الكتاب؛ أنظر ص. ٣٤٢-٣٤٣ والملاحظة الهامشية رقم ٥٦، المترجم لم يعرف أنّ بروفسور ي. چاربل ١٩٠١-١٩٦٦ امرأة وليست رجلًا؛ كان لكاتب هذه السطور الشرف في أن كان أحدَ طلّابها في بداية ستّينات القرن الفائت في الجامعة العبرية، وكانت تُطلق على نفسها اسم ”غزالة“ بالعربية فهذا معنى اسمها الشخصي بالروسية).

في مساهمته حول المراسلات بين دالمن الألماني ورواة محليّين في بداية القرن الماضي ١٩٠٠- ١٩٣٥، يعرض كلاينبرجر، على ضوء ما عثر عليه في أرشيف دالمن في ألمانيا، الكثير من التفاصيل والمعلومات القيّمة عن الحياة في فلسطين آنذاك وعن العربية المحكية. الرواة العرب الفلسطينيون كانوا توفيق كنعان، القسّ؟ باسل خليل باسل والقس سعيد عبّودي/عبود أشقر (١٢٣، ١٢٨). ألفاظ فلسطينية من الناصرة: لبن إمّه، رز مطبّق، يخني (ص. ١٢٣)، بْيُندْبو، شْعيرِيّه (لا أعرفها) أي مجوّهرات من الذهب تقدّم للعروس (ص. ١٢٤)، زَفِّه، بِنَقِّط (ص. ١٢٥)؛ ١٣ صنفًا من الزيتون الفلسطيني، مثل: النبالي، محمّد شمّوس، صوري، ملّيسي، ذكّاري، أصلي/بلدي، شلاطي؟، شاميّه (ص. ١٢٦-١٢٧)؛ العَفير، وَخْري (ص. ١٢٨)؛ الأجرد اسم شهر كانون الأوّل، الموسم البدري والوخري بالنسبة لعيد اللد، المستقرَضات هي آخر ثلاثة أيّام شباط وأول أربعة أيام آذار، جُمعه مشمشيه أي أسبوع قصير (ص. ١٣٠)؛ عرقرب، الأدهمية أي مغارة النبي إرميا (ص. ١٣٣)؛ كسر/قطع/قصّ الخبز، زَرْب أي لحم الخروف المشويّ، داخون (١٣٤)؛ الجرو (ص. ١٣٥)؛ مْخَمِّن، قُفَف/قْفاف (ص. ١٣٦). يختم الكاتب مقاله هذا بالإشارة إلى أنّ المخابرات الألمانيةَ كانت قدِ استغلّت بعض الباحثين من أجل مصالحها القومية. وبالنسبة لدالمان يبدو أنّ اهتمامه الكبير بالفلاح الفلسطيني ناجم عن اهتماماته الدينية، إذ رأى بالفلّاح الفلسطيني مرآةً للحياة أيّام يسوع المسيح وقبلها.

ولا بدّ في هذا السياق، من التنويه بما أشار إليه كلاينبرجر في استنتاجاته: دالمن لم  يذكر معظم رُواته اللغويين ولم يشكرهم بشكل واضح إلا عبد الوالي من منطقة البحر الميت (ص. ١٣٧). هذه الظاهرة، استعانة الباحث الغربيّ، لا سيّما في الأبحاث اللهجية، بأبناء اللهجات ذات الصلة، بدون ذكر أسمائهم وبدون شكرهم في البحث ليست، وللأسف الشديد، نادرةً حتّى في أيّام الناس هذه. قد تكون مكافأة الناطق باللهجة ببعض المال أو بطرق أخرى سببًا في ذلك. هل هذه الظاهرة تندرج تحت عنوان السرقة الأدبية plagiarism؟

(أُشير هنا إلى بعض الهفوات المطبعية وغيرها: Nürnverg ص. ١٢١؛ Greifdwald, ص. ١٢٢؛ ملاحظات لا سامية ومن الأنسب استخدام ملاحظات ضدّ اليهود، ص. ١٢٤، الفنلندية من أصل سويدي والمقصود الفنلندية الناطقة بالسويدية كلغة أم، ص. ١٢٤ ملحوظة ٨؛ يخفض رفيقاتها أنظارهن، ص. ١٢٥؛ كما واشتهر، ص.١٢٩؛ علم الأشكال، هل بمعنى علم الصرف مستعمل؟ ص. ١٥، ١٧،  ١٣٦ وفي مواضع أُخرى؛ يتقن اللغة الألمانية بطلاقة، ص. ١٣٧؛ يان ريتسه من النرويج ص. ١٤ والصواب: من السويد).

تُعالج روزنهويز في مقالتها سماتٍ معيّنة للفظ الحركات i, a, u  أكوستيكيًّا لدى البدو والدروز في الجليل، على ضوء نصوص مسجّلة لستّة طلّاب بين العشرين والثلاثين عامًا من العمر في العام ٢٠١٤. يبدو أنّ هذا الموضوع جديد في الأبحاث اللهجية ولهجتا المستَجوبين تختلفان عن باقي لهجات البلاد. الحركتان i, a  قصيرة وطويلة أكثر انتشارًا من  e, o, u قصيرة وطويلة. وقارنت الكاتبة ما توصّلت إليه مع ما في لهجات المسيحيين والمسلمين في بحث نُشر عام ٢٠١٤. من نافلة القول وجود فروق بين هذه اللهجات ولطريقة البحث أهمية كبيرة في التوصّل إلى نتائج. ومن الطبيعي وجود فروق صوتية بين لهجات الدروز والمسيحيين والمسلمين. ما يعتري هذه اللهجات المتقاربة جغرافيًا من تغيّرات من الداخل ومن الخارج بحاجة لأبحاث منفردة مستقبلًا.

في مقالها المبني أساسًا على بحث ميداني تناولت لورين إسعيد موضوعًا  في طريق الانقراض، البكائيّات بأنواع ثلاثة (الندْب، الندّاب/ة، النوّاح/ة، القول، القوّالة، القوّيلة، مِناحة، عزا، مِدالة، معِادة، نواع، تناويح) لدى مسيحيّي قريتها كفرياسيف في الجليل الغربي ولدى دروز قرية أبو سنان المجاورة. إذ أنّ هذه العادة قدِ ٱندثرت عند مسلمي القريتين. ويتبيّن أنّ الدروز يحافظون أكثر من المسيحيين بخصوص محتوى البكائيات وقاموسها. تورد الكاتبة عيّنة منقحرة بالحرف اللاتيني من تلك البكائيات وتشرح باختصار معاني الكلمات غير المألوفة في ملاحظات هامشية. من تلك الألفاظ: تْوايَئو أي تفقّدوا؟!، توبَت من التابوت وتَرْبَت من التربة :

(قارن:

 ,Haseeb Shehadeh, Børad and His Brothers in the Kufir-Yasif Dialect. In: Dialectologia Arabica. A Collection of Articles in Honour of the Sixtieth Birthday of Professor Heikki Palva. Studia Orientalia, Edited by the Finnish Oriental Society, 75, Helsinki 1995, pp. 229-238).

ملاحظة عامّة، ربّما كان من الأنسب استخدام جذر آخر بدلا من ”غنّى“ في هذا المقال مثل ”قال، تلا، ردّد إلخ.“ أنظر ملحوظة رقم ٦٤.

يبدو، بناءً على ما بين يدينا من مراجع، أنّ وصف الباحث ابن كفرياسيف حسيب شحادة والمقيم في فنلندا منذ  ثلاثة عقود تقريبًا لأصوات لهجته، لغة أُمّه، كفرياسيف بالقرب من مدينة عكّا الساحلية، هو الأوّل في هذا المجال (أنظر قائمة المصادر). هنالك بالطبع حاجة في توسيع وتعميق هذا البحث مستقبلًا مشفوعًا بنصوص مختلفة. كما لا بدّ من وصف صرف هذه اللهجة ونحوها، إذ لكلّ لهجة عربية قواعدها التي قد تكون خاصّة في بعض الجزئيّات. هذا إضافة إلى جمع مسارد معجمية وَفق حقول دلالية معيّنة مثل: لغة الطفل، لغة النساء، ألفاظ الزراعة على أنواعها، أسماء الآلات والأدوات على اختلافها، أسماء الثروة النباتية والحيوانية، إلخ. من الأمور الهامّة عند بحث لهجة كفرياسيف وغيرها التركيز على لهجة الكفارسة الأصليين المحفوظة عادة في أفواه المسنّين والمسنّات الذين لم يتأثّروا كثيرًا بالعربية المعيارية (راديو وتلفزيون، المسجد والكنيسة) وبالعبرية وبلهجات نازحين من قرى وبلدات عربية أخرى إلى كفرياسيف. لدى شحادة منذ سنوات نصوص نثرية وشعرية بلهجات فلسطينية وبخاصّة لهجة كفرياسف، زهاء المائتين وخمسين صفحة وهي جاهزة للطبع.

سيّدة فلسطينية أُخرى، رنا سعيد صبح، كتبت عن حقل دلالي محدّد بناء على عمل ميداني واستخدام معاجم: عيّنة من ألفاظ زراعة القمح (مسرد فيه قرابة الأربعين مادّة لغوية) في لهجات مدينتها الجليلية شفاعمرو وسكّانها من المسلمين والمسيحيين والدروز، وهو مقتطع من دراسة في جامعة حيفا لاستكمال مقرّرات شهادة الماجستير، الشهادة الجامعية الثانية، عام ٢٠١٥. صُنّفت تلك الكلمات إلى خمس مجموعات وهي: إعداد التربة؛ الزرع؛ جنْي القمح؛ التغمير والرجاد؛ الدراسة والتذرية. تقصّت الباحثة معاني الكلمات وقارنتها بالعربية الفصيحة، بلهجات أخرى وبالعبرية والسريانية واستعمالات مختارة لها. في ما يلي أُسجّل عيّنة من الألفاظ والأقوال غير المستخدمة في لهجة كفرياسيف: بْحاشِه أي بَحِش ، ص. ٢٣٠؛ ما تكبر غير المزِبلِه، ص. ٢٣٢؛ صوصَل بمعنى جمع الأعشاب المقتلعة بعد الحرث لئلا تنمو من جديد، ص. ٢٣٣ (في كفرياسيف المعنى: فرز الشوائب في القمح الموضوع في ماء فتطوش تلك الشوائب عادة)؛ قطبوس بمعنى الخادم سريع التلبية، ص. ٢٣٣؛ أَحْوير، ربّما من الحيرة، أي زراعة في غير موسمها، ص. ٢٣٤؛ بَذَرْنا الحبّ وتوكّلْنا ع الربّ، ص. ٢٣٥؛ تِتْبيعه أي الشتلة أو البذرة لملء الفراغ، ص. ٢٣٦، عندي لحّق، تِلحيق؛ زيوَن أي قلّم، ص. ٢٣٨؛ زوان بلادنا ولا القمح الصليبي، ص. ٢٣٨؛ العْشاب غلب الكْراب، ص. ٢٤٠؛ عَفير أي بذر الحبوب مبكرًا في تشرين أوّل، ص. ٢٤٠؛ احصد شعيرك فطير واصبر ع قمحك ت يطير، ص. ٢٤٤؛ إن غلّت وراها آذار وإن أمحلت وراها آذار، ص. ٢٤٥؛ رَجَد أي نقل المحصول إلى البيدر، احصُد وراجِد، ص. ٢٤٩؛ هل لفظة تِبْنِه مستعملة؟، ص. ٢٥٣؛ صَليبِه أي كومة القمح الممتاد في وسط البيدر، ص. ٢٥٥. إنّ قراءة هذا المقال لا تُعطي صورة واضحة عن عربية السكّان الشفاعمريين من مسلمين ودروز ومسيحيين وعن الفروق بينهم، وكان من الأهمية بمكان التركيز على ما يفسّره ويقوله الرواة والفلّاحون كبار السنّ أكثر من تجميع روتيني لما في المعاجم المعروفة. ثم لا بدّ من الحذر الشديد إزاء تأثيل الكلمات، إذ لا يُطلب في رسالة ماجستير الخوض في هذا المجال الشائق والشائك جدّا، فالكثير من اللغويين المعروفين يتجنّبونه.

الباحثة الفلسطينية الثالثة والأخيرة، ورد عقل، من بلدة المغار في الجليل الأسفل ويسكنها الدروز ٥٧٪ فالمسيحيون ٢٣٪ فالمسلمون ٢٠٪،  كتبت مساهمتهاعن بنية الإضافة في لهجات شمال البلاد معتمدة جزئيًّا على أطروحتها للدكتوراة (مخطوط) حول الإيجاز والزيادة في تراكيب اللّهجات الفلسطينية الشمالية: بحث وصفي مقارن، جامعة حيفا ٢٠١٤.  وللإضافة بنيتان أساسيتان، تركيبية وتحليلية (أو مضاف ومضاف إليه بدون أي فاصل بينهما سوى أل التعريف أحيانًا من جهة ووجود فاصل بين عنصري الإضافة مثل: التراكتور ل/إنْتاع/تبع/تاع/بتاع/إمتاع/شيت جارنا إلخ.) عُرضت في المقال أربع بنًى نحوية متفرعة من البنيتين الأساسيتين. وتبيّن أنّ عربية شمال البلاد تفضّل عدم استخدام  رابط بين جزئي الإضافة بل تنتج صيغًا جديدة متّسمة بالإيجاز. يستند هذا البحث على عمل ميداني من جهة وعلى تسجيلات صوتية. من الواضح أنّ موضوع هذين النمطين من بنية الإضافة في المدن والقرى المذكورة: أبو سنان، البقيعة،  الجديّدة، حيفا، دالية الكرمل، دبوريّة، دير حنّا، الرامة،  الرينة، ساجور، شفاعمرو، صندلة، طرعان، عكّا، عكبرة، عين الأسد، عين ماهل، كابول، الكبابير، كسرى،  المزرعة، المشهد، المغار، الناصرة، يانوح، بحاجة إلى المزيد من الاستقراء والتفصيل ورصد سمات مشتركة وأُخرى مختلفة بين تلك الأماكن.

وحول اقتراض المحكية الفلسطينية لبضعة مئات من الكلمات القديمة من الإيطالية (وأحيانًا من الفرنسية) عن طريق اللغة العثمانية، كتب هلّون مساهمته معتمدًا على بحث ميداني  من ناحية، وعلى أرشيف التراث الشفويّ في جامعة بيت لحم، ومن معجم ألفاظ الحضارات القديمة الذي سيُنشر من الناحية الثانية. من تلك الكلمات الدخيلة نذكر هنا: أُزّيطه أي جريدة، مجلّة؛ إسْبِطار/اسبيتار أي مستشفى” أسماء أوراق اللعب: بستوني، كُبّا، ديناري، سْباتي؛ بالطو؛ صَلَطة؛ مَصْطره؛ إسكَمله؛ فانيلا؛ بَسْبور؛ بوليت؛ بجاما؛ كورْبه؛ نُمره؛ هستيريا؛ سيچاره؛ بطّاريّه؛ إسفلت؛ إستمارة؛ بابور؛ بازيلا؛ باكيت؛ بالون؛ براڤو؛ بُرطاش؛ برنيطه؛ بسكوت؛ بُكله؛ بندوره؛ بنزين؛ بوسطه؛ برميل، خرطوش، طاسه، طاوله،  قنديل، لامبه؛ ليتر؛ منديل؛ موضه؛ وِنش. أُكرِّر ما نوّهت به أعلاه بأنّ موضوع التأثيل اللغوي شائق  وشائك جدّا ومعظم اللغويين المعروفين يتجنّبون ولوجه لكثرة العثرات والمطبّات وغياب بعض الوسائل العلمية الضرورية في الاستقراء تاريخيًا، لغويًا، اجتماعيًا، جغرافيًا، اقتصاديًا، زراعيًا، علميا إلخ. نذكر مثلا لفظة ”منديل“ المذكورة في العيّنة الآنفة وهي في المعاجم العربية القديمة وموجودة في لغات سامية مثل السريانية الكلاسيكية ذات التأثير الكبير على العربية وفي الجيعز والأمهرية والتجري والتجرينيا.

في مقاله الموسوم بـ ”ملاحظات حول تاريخ اللغة العربية في فلسطين“، يعالج الكاتب البريطاني سيمون هوبكنز في أكثرَ من نصفه ما لا يُستشفّ من العُنوان؛  قضايا لغوية في علم الأصوات والصرف والنحو والمعجم (ص. ٣٣٦- ٣٥٦)، وكلّ ذلك استنادًا إلى مراجعَ زاد عددها عن المائة (مع هذا لا ذكرَ مثلًا لأطروحة باحث اللهجات الفذّ حاييم بلانك (١٩٢٦-١٩٨٤) حول عربية شمالي فلسطين، دروز الجليل الغربي وجبل الكرمل، ١٩٥٣)! في نهاية المقال، ص. ٣٥٦ وفي مستهلّ الخلاصة  يكتب: ”بحثنا قليلًا في تاريخ العربيّة الفلسطينية، ذاكرين بعض المصادر، وناقشنا عددًا من الميزات الملموسة للّغة“ وفي نهايتها جاء ”إنّنا نتذكّر مرّة أخرى أنّ فلسطين - عرقيًا ودينيًّا ولغويًّا واجتماعيًّا - تظلّ مكانًا مُعقَّدًا جدًّا“ (ص. ٣٥٧). وأذكر هنا بعض الأمور التي وردت في هذا المقال ”وقسم منها [العربية الفلسطينية] يختلف بعضه عن بعض كثيرًا لدرجة ألّا يكون مفهومًا بصورة متبادلة“ (!؟)، ص.٣٢٤؛ العربية كانت حاضرة في فلسطين قبل الفتح الإسلامي، ص. ٣٢٦؛ شُحّ المعلومات عن المحكية الفلسطينية منذ الفتح الإسلامي وحتّى القرن التاسع عشر، ص. ٣٣٠؛ قلّة اهتمام العرب ببحث لهجاتهم، ص. ٣٣٠؛ وثائق أرشيف البرديات في عوجا الحفير في جنوبي فلسطين باليونانية والعربية تلقي الضوء على العربية المحكية في فلسطين بعد الفتح الإسلامي بعدّة عقود، اختفاء لاحقة الرفع في جمع المذكَّر السالم -ون واستخدام اللاحقة -ين بدلها، ص. ٣٣٠-٣٣١؛ وجود اللفظة ”طَرْحه“ بمعنى غطاء الرأس منذ القرن التاسع عشر، ص. ٣٣٤-٣٣٥ وقارن ص. ٢٥٥-٢٥٦؛ في أواخر القرن التاسع عشر بدأ اهتمام جادّ بالعربية الفلسطينية من قِبل الألمان بشكل خاصّ؛ ظهور ترجمات للعهد الجديد بالعربية الفلسطينية، ص. ٣٣٦ (لا إحالة لمصادر! وانظر ص. ٣٤٨ ملاحظة رقم ٧٥)؛ ما زالت العربية الفلسطينية غير موثّقة كما يُرام، ص. ٣٣٦؛ استعمال غريب في بعض قرى ضواحي القدس: تأتي اللاحقة ta- بمعنى ضمير النصب والجر للغائب نحو: šufnāta أي رأيناهُ، ص. ٣٣٦؛ اختلاف في لفظ الحركات التالية وَفق السياق لدى مسلمي الناصرة: i/e, o/u ص. ٣٣٧، هذه الظاهرة في نظري بحاجة لبحث منفرد.

من المعروف لكلّ مهتمّ باللهجات العربية الفلسطينية وغيرها من أخواتها، أنّ أصواتًا معيّنة مثل الجيم والقاف تُلفظ بطرق مختلفة، تنمّ عادة عن النمط الحضري أو القروي أو البدوي، وأحيانا الانتماء الديني نحو: آل، كال، قال (مثلا الدروز)، چال بالترتيب. يرى هوبكنز أنّ المسيحيين الناطقين بالعربية في فلسطين لفظوا القوف السريانية همزة كما هي الحال في عربيّتهم، على ضوء ما ورد أوّلًا عند ابن العبري المتوفى عام ١٢٨٦، ثم عند پيترمان عام ١٨٦٥، ص. ٣٤٠-٣٤١. ثمّ يتحدّث الكاتب بٱختصار عن تحول الـ ō إلى ā وإلى ē وظاهرة الإمالة النادرة: إمْبيرِح، سيعَه، مئذنه إلى ميدنه، حائط إلى حيط (حيط موثّق منذ بداية الإسلام؛ والمحكية كانت قائمة منذ البداية وقبل تبلور الفصحى، وعليه فمن المحتمل أن تكون لدى عامّيّة عرب الجاهلية مثلا لفظة ”حَيْط“ بحركة مركّبة أو حتّى ”حيط“ بحركة طويلة كما هي الحال في لهجات عربية حديثة)  ولكن صيغة ”صاير“ وإخوته لا تتبدّل، وفي علمي الصرف والنحو يعرّج على استعمالات صِيغ ضمير المتكلّمين/المتكلّمات، ضلّيتني، أبو؛ نحو آرامي وأخيرًا نافذة على المعجم. وفي الخلاصة يذكر هوبكنز هذه الأمور أيضا: العربية الفلسطينية حيّة في أفواه العرب فقط (في الأصل مسلمون ودورز ومسيحيونَ وسامريون؛ أُنوّه هنا: سامريو حولون المسنّون فقط وهم قلائل يتكلّمون بلهجتهم العربية النابلسية)، معظم عرب البلاد يعرف العبرية في حين أنّ معظم اليهود لا يعرفون العربية؛ العربية ساهمت في ما يُدعى بعملية إحياء العبرية الحديثة قبل قرن ونصف من الزمان، والآن ”العربية الفلسطينية غنية بالمفردات والتعابير العبرية الإسرائيلية“ (العربي لا يرى في ذلك غنًى).

يختم مقال الباحثة روني هنكين حول الدلائلية (evidentiality، مصادر معلومات المتحدّث غير المباشرة) في السرد البدوي في النقب وهو موضوع غير مطروق،  هذا الكتابَ. وتتجلّى هذه الظاهرة في قواعد اللغة وفي معجمها وما زال مصدرها في لهجات النقب غير جليّة. تعالج الكاتبه هنا أنماطًا للاستراتيجيات الدلائلية (مثل ”إثرات“ ومشتقّاتها بمعنى ”يبدو أنّ“ وأتاري“ ومع الضمائر ”أتريه، أتريها“ إلخ الموجود في العديد من اللهجات الفلسطينية مثل لهجة كفرياسيف) في لهجات النقب ولهجات أخرى في المنطقة، وذلك كلّه مع اللغات البلقانية. والدلائلية تفرّق بين خمسمائة لغة في الأمركيتين والقوقاز ومنطقة عائلة اللغات التيليتية البورمية والتركيز في المقال يدور حول الدلائلية التركية ذات العنصرين . وكانت الباحثة قد تحدّثت في مقال سابق لها صدر في أوائل تسعينات القرن المنصرم عن ثلاثة أنماط لاسم الفاعل في لهجات النقب: المستمرّ، التحصيلي والدليلي وكل ذلك في أطروحتها للدكتوراة عام ١٩٨٥.

عصارة القول، أمامنا مرجع لا يستغني عنه كلّ مهتمّ باللهجات الفلسطينية وبالفولكلور الفلسطيني، لا سيّما داخل الخطّ الأخضر. وهذا القِطاع الفلسطينيّ يشكّل سُدس تعداد الفلسطينيين اليوم، وهنالك حاجة لإجراء أبحاث مقارنة بلهجات فلسطينية أو بلهجات فلسطينيين آخرين في شتّى أنحاء الشتات الفلسطيني. ثمّة سؤال جوهري يطرح نفسه في هذا السياق: هل باحث اللهجات بحاجة لمعرفة فعلية للهجة بحثه وللفصحى، ولأي مدى تساهم مثل تلك المعرفة على جودة البحث؟ من المعروف وجود أساتذة للغة العربية المعيارية في جامعات كثيرة في العالم، وهم غير قادرين لا على التحدّث بالعربية المعيارية ولا على الكتابة بها ولا على التحدّث بأيّة لهجة عربية كانت.

ويحضُرني ما كان يردّده أُستاذي وصديقي المرحوم أبو دهود (حاييم بلانك): إن التقعّر في الكتابة واستخدام وفرة من المصطلحات الحديثة، وذكر النظريات ليسا من سمات الأبحاث الرصينة؛ إنّ كتابة نصّ مكثّف وقصير يحوي ما في نصّ طويل وطويل لعملية شاقّة جدّا وتحتاج وقتًا أطول بكثير.

أرى أنّ هنالك مجالًا لا بأس به وهو بحث التأثير الخارجي، الإنجليزية والعبرية، والداخلي، العربية المحكية، على لغة المقالات في هذا الإصدار.

وقعت بعض الهفوات الطباعية وغيرها إضافة لم ذُكر أعلاه، مثلا في: ص. ١٩، ٢١، ٤٤، ٤٧، ٥٨، ٧٩، ١٠٧، ١٢١، ١٢٢، ١٢٩، ١٣٤، ١٤٨، ١٧٢، ٢٠٣ ملحوظة ١٩ الصواب: ١٩٩٧، ص. ٢١٥ ملحوظة ٤١ الصحيح Shehadeh، ص. ٢٤٢، ٢٧٢، ٢٨٤، ٢٩٩، ٣٠١، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٦٩، ٣٧١. 

حبّذا لو أُضيفت فهارس أبجدية في نهاية الكتاب، تجمع، على الأقلّ، ما بُحث لغويًا. أرجو أن يكون هذا الإصدار في مجال المحكيات الفلسطينية، لغات الأمّ لدي فلسطينيي الثمانية والأربعين،  فاتحة تتلوها إصدارات أُخرى مشفوعة بنصوص مختارة. 

 

دراسات مجمعيّة: العربيّة الفلسطينيّة وتراثها اللغويّ الشعبيّ.

 تحرير أهارون جيبع كلاينبرجر.

 الناصرة: مجمع اللغة العربية، ٢٠٢٠، ٣٩٤ ص.، + xx صفحة ملخّصات بالإنجليزية: ISBN 978-965-92678-2-8.

 

حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

تأليف أ. د. ندا الحسيني ندا - دار العالم العربي - القاهرة 2015م

يتناول المقال ما وجده كاتبه في هذا الكتاب من مثالب؛ منها عدم التطابق بين العنوان والمضمون، والإسهاب المرذول، والتكرار، والعجز عن الإبانة، والأخطاء العلمية والمنطقية واللغوية بكل صنوفها، وهزال النتائج؛ ويختم المقال بالدعوة إلى الدراسة الجادة لأحوال الجامعات المتدهورة في مصر وغيرها من البلاد العربية للعمل على معالجتها.

عندما نقرأ عنوان الكتاب واسم المؤلف نتوقع عملا علميا قيما رفيع المستوى؛ فقد اعتدنا أن نجد المحققين من أوسع الناس علما وأشدّهم دقة، ومن يتصدى لدرسهم ونقدهم نتوقع أن يكون كذلك واسع العلم شديد الدقة؛ ثم إن المؤلف أستاذ بإحدى الجامعات المصرية، بل إنه أيضا أمين لجنة الترقية لدرجة (أستاذ مساعد) في تخصص اللغة العربية وآدابها، فهو ليس مؤلفا كسائر المؤلفين، إنه من صفوة العلماء، أو هكذا يُتوقع أن يكون؛ لكن الكتاب -مع الأسف- يخلف ظننا إخلافا مريعا، وفيما يأتي بعض ما يدل على ذلك:

1- من نافلة القول أن عنوان الكتاب يجب أن يكون مطابقا لمحتواه، لكن الكتاب الذي نتحدث عنه تبلغ صفحاته أكثر من 400 صفحة منها قسم ضخم ليس في صلب الموضوع الذي يشير إليه العنوان؛ فهو يتضمن بابا عن الدرس النحوي عند عبد السلام هارون، تزيد صفحاته على 50 صفحة، وبابا عن المحققين الذين سبقوا الأستاذ هارون والذين عاصروه، استغرق أكثر من 70 صفحة، وفيه أكثر من 20 صفحة عن حياة هارون؛ مولده ونشأته وأسرته ومسيرته المهنية وأساتذته وتلاميذه، وكان الأولى به أن يشير إلى هذه الأمور بإيجاز في صفحتين أو ثلاث. حتى الباب الذي يحمل عنوان (عبد السلام هارون والتحقيق) به 15 صفحة عن نشأته وأسرته وأساتذته ومسيرته المهنية وما شابه ذلك.

وفي الباب الذي أعطاه عنوان (قضايا التحقيق عند هارون بين النظرية والتطبيق) أكثر من 30 صفحة عن التصحيف والتحريف، أكثرها كلام عام لا يخص الأستاذ هارون منه إلا القليل.

ومما لا يدخل في صلب الموضوع حديثه المسهب عن تصويب نحوي سعى إليه هارون لخطأ يقع فيه بعض المؤذنين؛ وفي ذلك يقول المؤلف: "ومن قبيل هذا مكتوب العلامة (عبد السلام محمد هارون) إلى وزير الأوقاف بجمهورية مصر العربية يبين له خطأ بعض المؤذنين في الدعوة إلى الصلاة بعبارة (حيِّ على الصلاة حيِّ على الصلاة حيِّ على الفلاح حيِّ على الفلاح) حيث ينطقونها بكسر الياء مشددة كسرا ظاهرا أو خفيا، وأن ذلك يعد مخالفة شنيعة ولحنا غير مقبول يقرع الأذن في هدأة الفجر، ويغير المعنى المقصود من معنى الكلمة التي يراد بها الدعوة الفصيحة إلى أداء الشعيرة الدينية والإسراع إلى أدائها. وبين وجه الصواب في التلفظ بها، أن تكون بفتح الياء مشددة (حيَّ) إظهارا صريحا واضحا جليا على ما كان عليه سلفنا الصالح من الحرص على أداء اللغة العربية لغة الكتاب العزيز. والحق أن ما يذهب إليه الأستاذ هارون في ندائه هو الوجه الذي نصت عليه معاجم العربية ومصادر النحو؛ ذلك أن نطق حي بتشديد الياء مكسورة صراحة أو خفاء يوجه معناها إلى فعل الأمر، وهذا غير المراد، بينما الصواب أنها اسم فعل أمر تخضع للبناء على الفتح مثلها مثل كلمة (هلم) التي تكون -أبدا- مبنية على الفتح ولا يجوز فيها غيره. فهذا (ابن منظور) ينقل أقوال العلماء وعللهم في توجيه معنى اللفظ، ومنها ما ورد عن الجوهري: (قولهم: حي على الصلاة معناه هلم وأقبل، وفتحت الياء لسكونها وسكون ما قبلها كما قيل ليت، ولعل العرب تقول: حي على الثريد وهو اسم لفعل أمر). وقد أفاض سيبويه الحديث عنها في أكثر من موضع وحدد قواعد هذا النوع من أسماء الأفعال بنية وإعرابا ومعنى، فقال في: (باب من الفعل سمي الفعل فيه بأسماء لم تؤخذ من أمثلة الفعل الحادث... ومنها قول العرب حيهل الثريد، وزعم أبو الخطاب أن بعض العرب يقول: حيهل الصلاة, فهذا اسم ائت الصلاة، أي ائتوا الثريد وائتوا الصلاة. واعلم أن هذه الحروف التي هي أسماء للفعل لا تظهر فيها علامة المضمر وذلك أنها أسماء، وليست على الأمثلة التي أخذت من الفعل الحادث فيما مضى وفيما يستقبل وفي يومك ولكن المأمور والمنهى مضمران في النية. وفي معناها ومدلولها يقول ابن الأثير فيما نقله ابن منظور المصري: (وفي حديث الأذان: حي على الصلاة حي على الفلاح أي هلموا إليها وأقبلوا وتعالوا مسرعين)". ص352 وما بعدها.

وغني عن البيان أن ما سبق لا علاقة له بمنهج هارون في تحقيق التراث، أما ما ارتكبه المؤلف من أخطاء وسوء تعبير وإسهاب قبيح في السطور السابقة فهو واضح للعيان.

2- يبدو واضحا حرص المؤلف على تضخيم حجم الكتاب وزيادة عدد صفحاته، بالإفاضة في الحديث عن أمور ليست في صلب الموضوع كما تقدم، وكذلك باللجوء إلى الإسهاب والحشو والتكرار؛ فهو على سبيل المثال يكتب في تعريف (التراث) وأهمية دراسته 17 صفحة، وفي تعريف (التحقيق) أكثر من 11 صفحة.

والكتاب غاصّ بالتكرار؛ ومن أمثلته قوله إن الأستاذ هارون قد راجع وضبط كتابا من كتب التراث وهو في السادسة عشرة، وقد مطَّ المؤلف هذه المقولة ونفخ فيها حتى جعلها أكثر من 13 سطرا (ص147)، وعاد وكرر هذا القصة بألفاظ أخرى استغرقت 14 سطرا (ص181-182) ، ثم عاد وكررها في أكثر من 3 أسطر (ص305)، ثم عاد وكررها في 5 أسطر (ص367).

أما الإسهاب المرذول فلا تخلو منه صفحة من صفحات الكتاب، و للتمثيل على ذلك أكتفي هنا بقوله عن التراث العربي: "تراث أمتنا العربية، الأمة التي شرفها الحق، جل شأنه، بنعمة الإسلام، وزانها بالقرآن الكريم، وأكرمها بالفصاحة والبيان، تراث فياض، يكون ركاما معرفيا متنوعا يختلف حصاده باختلاف الأزمنة والبيئات التي حبته بالرعاية والنماء، نجده في: اللغة والأدب، وفي الدين والتشريع، وفي السياسة وأصول الحكم، وفي العلوم الطبيعية وغير ذلك من العلوم والمعارف " (ص 181)، وهو كما نرى كلام خطابي يحمل معاني لا تحتاج إلى كلام كثير ولا قليل، فهي مطروحة في الطريق، يعرفها الكبار والصغار والخاصة والعامة، ولا ننسى هنا أن نتساءل عن الفصاحة والبيان؛ هل انفرد بهما العرب؟ أليس لكل أمة لسان وفصاحة وبيان؟

3- وأسوأ من ذلك كله ما ينوء به الكتاب من العي والعجز عن الإبانة، والأمثلة لا حصر لها، فلا نكاد نجد صفحة تخلو منها؛ وإليك بعض الأمثلة، وهي قليل من كثير:

- يتحدث المؤلف عن أسباب اختيار هذا الموضوع للدراسة فيذكر منها : " اقتران مصادر العربية الرائدة في شتى مباحثها باسم عبد السلام هارون... هذا الاقتران اهتدى برغبتي إلى التعرف على سمات الفن الذي وهب هارون حياته لخدمته، والنص على ما تفرد به بين معاصريه... ". ص12.

موضع الشاهد: "اهتدى برغبتي".

- يقول المؤلف عن بحثه : " فإن أصاب فلله الحمد في الأولى والآخرة، وإن أصيب بما تصاب به المحاولة الأولى للعمل العلمي من تسرع في الرأي أو شرود في الفكرة أو سهو في القلم أو تحفظ لإصدار حكم، فإني أدعو الله... أن يكون توجيه أساتذتي... هو الكفيل بإصلاح فساده... " ص16-17.

موضع الشاهد: " تحفظ لإصدار حكم".

- "وما زلنا حتى الآن نستلهم في دراستنا إلى دائرة المعارف الإسلامية وإلى المصادر الأجنبية، بالرغم من قيمتها العلمية والجهود المبذولة فيها؛ لعدم وجود نظير لها...". ص40.

- " كان أحمد باشا تيمور دقيقا ومتأنيا في تعامله مع المادة العلمية، وأمينا في نقلها، حيث لا تنتهي عنده الفكرة، الأمر الذي يرجح استمرار معظم أعماله العلمية مخطوطة... " ص109.

موضع الشاهد: "يرجح".

- " وتبارى كل منهم في استحداث فهارس خاصة به، مع إضفاء روح الإبداعية على ماهو قاسم مشترك و سابقيهم". ص109.

- "ومما ينبغي تسجيله، هنا، أن الأستاذ (عبد السلام) كان فريسة العمل العلمي...". ص136.

كلمة (فريسة) هنا غير ملائمة.

- " الحق أن سيرة الأستاذ هارون الذاتية التي ألقيت الضوء على بعض جوانبها، فيها ما يكشف عن تكوينه العلمي البعيد، فهو تكوين لم يدفع إليه دفعا دون رغبة منه، بل تكوين نشأ معه، حيث ينبع من بيت كل أهله علماء". ص145.

- "إن عمل الأستاذ هارون في مثل هذه السن على ما أرجح يلقي ضوءا أكبر على سيرته العلمية والتأريخ لها، وشيخوخته العلمية المبكرة". ص147.

- يقول المؤلف عن كتاب الأستاذ هارون (قواعد الإملاء): "والكتاب على إيجازه؛ حيث يقع في سبعين صفحة من القطع الصغير- يعرف الكاتب بما يلزمه من قواعد الرسم الإملائي المختارة... ". ص158-159.

في هذه الأسطر شاهدان : حيث - المختارة.

- يقول المؤلف في حديث عما احتواه أحد كتب هارون: "يسجل نظرات لبعض الأدباء والأصدقاء إلى تراثه العلمي بشيء من التقدير، وهي نظرات، على نحو ما تؤكد، تمسها بعض المبالغة" ص165.

في الكلام غموض؛ فقد يقصد أنه يسجل بشيء من التقدير هذه الآراء، وقد يقصد: أن في بعضها شيئا من التقدير، وفي بعضها الآخر مبالغة، فهذا الغموض يحول دون فهم المراد. وعبارة (على نحو ما تؤكد...) فيها أيضا غموض.

- "وفيما يلي حصرا لمكتبة الأستاذ (هارون) التحقيقية التي تحمل على صدور تراثها اسم (هارون)..." ص167.

- يكتب عن براعة أسلوبه، وعن مؤلفاته فتضفي عليه جاحظية عصرنا على نحو ما أسبغ عليها من جهد تحقيقي فياض وآخر تأليفي... ". ص175.

- " وتخرج مطبعة الشرق بالقاهرة عام 1925م أول كتاب يحمل اسمه، الأمر الذي يرجح عندي التأريخ لمنهج سيرته العلمية بعد ذلك ". ص181.

- " ورأيا أن التحقيق حينما يتحقق معناه بتأسيس متن الكتاب، يكون التحقيق قد بلغ أوج مرحلته...". ص184.

- "ومن ثم حاول الأستاذ هارون جاهدا تلمس التسمية الصحيحة للكتاب، متتبعا طرقا متنوعة، منها: 1- تجواله في أجواء الكتاب نفسه، فإذا به يعثر على مواضع تختلف في تسميته، فهو: (العرجان والبرصان والعميان والصمان والحولان) أو(البرصان) فقط، أو(العرجان) فقط، فيتحدث عنها حديثا مسهبا، ويتضاءل الحديث عن الحولان والعميان بجدية خافتة وقصد غير مباشر". ص206.

- يتحدث المؤلف عن نسبة كتاب (العين) للخليل فيقول: "... أورد الإمام (جلال الدين السيوطي) نصوص العلماء وأقوالهم في القدح في نسبة هذا الكتاب إليه، وهي روايات يؤكد بعضها محاولة بعض العلماء الأفاضل في الخروج عن أمانة التأليف بوضع اسم عالم على الكتاب بدلا من صاحبه، ليتوازى الفضل لكليهما، أو لمحاولة إغاظة نفسية تعمدا لموقف غير منشود ". ص208.

- "... غير أني ألاحظ هنا أن أستاذنا (هارون) قد جارى قلمه وفكره في مواضع مما حققه...". ص268.

هل جارى الأستاذ قلمه وفكره في بعض المواضع وخالفهما في سائر المواضع؟

- ويتحدث عما كان يقوم به هارون من إكمال ما نقص فيما حققه فيقول: "... فلما كان افتقار الكلام إليها، وتمامه بها وتأدية معناه لا يتضح إلا بإثباتها، نص عليها الأستاذ هارون ووضعها بين علامة الطباعة الحديثة". ص268.

- "والحق أن طريقة (الدؤلي) هذه، إن كانت ميسورة على بعض الكتاب وهم قليلون، الذين تمرسوا عليها وأجروا مسطورهم وفقها، غير أنها على الراجح، لم تبد طيعة لمعظمهم ؛إذ ألجأتهم إلى استعمال لونين مغايرين من المداد ،أحدهما يميز النقط الخاصة بإعجام الحروف، والآخر ترسم به حركات الكلمة الإعرابية، بالإضافة إلى أنها أوجدت، عند بعضهم، نوعا من التعصب في إباحة استحسان نوع معين من المداد، وقبح لون آخر ". ص272.

- "وفي ظني أن (الخليل بن أحمد)، قد جانبه التوفيق فيما قدم؛ لأن محاولة ضبط حروف العربية بحركات من جنسها يحافظ عليها كاملة...". ص273.

واضح أن بالكلام التباسا وغموضا في أكثر من موضع.

- ويتكلم عن الزيادات التي توجد في النص المراد تحقيقه فيقول إن الأستاذ هارون "تعامل معها تعاملا يكشف عن تنوع ثقافته العربية وسيطرته عليها؛ إذ بها يلتئم الكلام ويقتضيها السياق ويتجه البيت الشعري". ص304.

- " تتكشف شخصية الأستاذ (هارون) العلمية العامة من خلال اتصاله بمصادر التراث العربي المتنوع، والتحقيقية خاصة...". ص367.

موضع الشاهد: (والتحقيقية)

- عاد المؤلف إلى قصة قيام الأستاذ هارون بضبط كتاب تراثي وتصحيحه في سن مبكرة، ثم قال"... مما يُرجع التأريخ لمنهج سيرته العلمية بعدُ، حيث وجدناه يعزف عن العمل الجامعي أكثر من مرة أول أمره، أو تبوئه منصبا إداريا...". ص367.

مواضع الشواهد متعددة لا تحتاج إلى بيان.

كل ماذكر من أمثلة العيّ والعجز عن الإبانة هو قليل من كثير، فأمثلته أكثر من أن تحصى.

4- وفي الكتاب -بعد كل تلك المثالب- ماهو أفظع؛ إذ ينوء بأثقال جسيمة من الأخطاء العلمية والمنطقية واللغوية بكل صنوفها؛ فمنها النحوي والصرفي والدلالي والإملائي والترقيمي، وكثير منها يؤدي إلى إفساد المعني أو خفائه، وكثير منها يؤدي إلى كسر الوزن في كثير من الشواهد الشعرية؛ وما ذكرته آنفا زاخر بالأخطاء اللغوية كما رأينا، وهذه أمثلة أخرى:

- "ألا قبّح الإله بني زيادٍ وحييّ أبيهم قَبْح الحمارِ". ص76.

تضعيف الفعل (قبح) في صدر البيت يكسر الوزن.

- " ونجى إياسا سابح علالة". ص91.

الصحيح: (ونجى إياسا سابح ذو علالة) محافظة على المعنى والوزن.

- " يا عامِ لو قدرت عليك رماضا والراقصاتُ إلى منى فالغبغبِ!". ص95.

تصحيح الصدر: (يا عام لو قدرت عليك رماحنا)، و(الراقصاتِ) بالكسر لا بالضم.

- "ألم تر جَرْمَّا أنجدت وأبوكم مع الشَعر في قفص الملبد شارعُ". ص96.

(جرما) دون تضعيف، و(قفص) صحتها (قصّ).

- "واعتنوا بعلامات الترقيم؛ إيمانا منهم بفائدتها في: توضيح النصوص، وتيسير قراءتها وضبط دلالاتها ". ص113.

يتحدث عن جدوى علامات الترقيم ويسيء استخدامها!

- "يأخذ على الباقلاني بعض الهِنَّات فيما ذهب إليه" .ص 121.

الصحيح (الهَنَات) بفتح الهاء، والنون غير مضعفة.

- " إذا كان الأستاذ هارون لم يكشف لنا عن سيرته العلمية في الست سنوات الأولى قبل عام 1915....". ص134.

سيرته العلمية وهو يدرس في رياض الأطفال؟! (ولد الأستاذ هارون سنة 1909م كما ذكر المؤلف ص133)

- "...شواهد النحو والصرف والبلاغة التي أضنته كثيرا من الجهد..." ص159. الصحيح: (كبدته كثيرا من الجهد) أو ما شابه ذلك.

- "... والثالث يختص بنقض الأدباء والعلماء لتحقيقات هارون... من مثل ما وجه إليه المستشرق (أنستاس الكرملي).." ص165.

الصحيح (نقد) لا (نقض)، و(أنستاس الكرملي) ليس مستشرقا، إنما هو عربي عاش في العراق، ولقبه نسبة إلى الكرمل، وهو جبل في فلسطين المحتلة.

- "ثم كان عرضُ دراستها على أستاذنا (هارون) حيث يشغل رئيسا لقسم النخو والصرف والعروض...". ص176.

الخطأ واضح.

- " ويقترح لجنة الحكم من الأستاذين الكريمين: الأستاذ علي الجندي، والأستاذ

الدكتور تمام حسان واللذين عقدا امتحانا تحريريا لها...". ص176.

الواو قبل (اللذين) لا داعي لها.

- "وهي الآن سعيدة تذكر، دائما موقف هذا الأب...". ص177.

الفصلة التي تلي الفعل لا داعي لها.

- ويقول عن كتاب العين: "وأما القول في نسبته، فلعل جهود القدماء في ذلك تدل على أمانتهم في نقل النصوص وعزوها إلى أصحابها، وأن حسم القضية يعتريها الشك". ص209.

الصحيح (يعتريه).

- " فأَهَمَّ الأستاذ هارون بتصحيح العبارة". ص216.

حرف الجر لا داعي له.

- " أكلتم أرضنا فجرَّدتموها فهل من قائم أو من حصيدِ". ص239.

ينبغي حذف التضعيف ليستقيم الوزن.

- "يقاسي نداماهم وتلقى أنوفهم من الجِذْع عند الكأس أمرا مذكرا". ص246.

الصواب (الجَدْع) لا (الجِذْع).

- "يحزنني أن أطفتما بي ولو تنالا سوى الكلامِ". ص246.

الصحيح (ولم) أو (ولن) بدلا من (ولو).

- " إن الذين اغتزُّوا بالحر غُرّته كمُغْتزَى الليث في عِرْية الأَشَبِ". ص246

في البيت عدة أخطاء تفسد المعنى والوزن في الشطرين، والصحيح:

" إنّ الذين اغتَزَوْا بالحر غِرته كمُغْتزى الليث في عرِّيسِهِ الأشِبِ".

- "كأن في رِيقِهِ لما ابتسم". ص249.

(ريقه) تكسر الوزن، والصحيح قد يكون (ريقته)، وقد يكون (ريِّقه).

- هذا الشطر أورده المؤلف في صفحتين، وضبط كلمة ( معول) بطريقتين مخلفتين، كلاهما خطأ:

"فهل عند رسم دارس من مِعْوَلِ؟" ص251، "وهل عند رسم دارس من مِعْوِلِ" ص343.

الوزن والمعنى مختلان في كلتا الحالين.

والصحيح (مُعَوَّل)، والبيت معروف، ولا أدري كيف يجهله أستاذ دكتور باحث في تحقيق التراث العربي.

- "وأبيضُ يَستسقى الغمامَ بوجهه ربيعَ اليتامى عصمةً للأرامل" ص251.

في البيت أكثر من خطأ كما هو واضح.

- "ولو سألت عنا جنوب لخبرت عشيةً سالت عقرباء بها الدم". ص248.

الصحيح (عشيةَ) دون تنوين وإلا انكسر الوزن.

- (...فكلمة (لا) متممة لتفعيلة البحر، وهي (مفتعلن)، ومصطلحها السبب الخفيف"٥"). ص267.

قوله: "مصطلحها السبب الخفيف" غير دقيق، والرمز الذى كتبه لا يعبر عن السبب الخفيف.

- "كانت قناتي لا تلين لغامز فألانها الإصباح والأمساء". ص293.

(الإمساء) بالكسر لا بالفتح.

- "ودعوت ربي بالسلامة جاهدا لِيَنْصَحَنَيَ فإذا السلامة داء". ص293.

(لينصحني) تفسد المعنى والوزن، والصحيح (لِيُصِحَّنِي).

- "ذكر الربَّاتِ وذكرها سَقْمُ فصبا وليس لمن صبا حلم" ص300.

واضح أنها (الربَابَ) لا (الربّاتِ)، ويلاحظ أن المؤلف جعل التاء مكسورة، وضعّف الباء، ظنا منه أنها جمع مؤنث سالم، ومن نافلة القول أن هذا الخطأ يكسر الوزن ويخل بالمعنى.

- "كان بنو الأبرص أقرانكم فأدركوا الأحداث والأقدما" ص301.

(الأحدث) لا (الأحداث).

- ويقول المؤلف عن آراء اللغويين في الإعراب في فهمه: "وقد فنَّد بعض العلماء اللغويين أدلة كل فريق قديما وحديثا...". ص314.

والمقصود -كما ذُكر في الهامش- هو د. رمضان عبد التواب، وليس من المعقول أن يفند مثله ماقيل عن الإعراب قديما وحديثا، فالتفنيد يعني الإبطال والتكذيب، والفنَد الخرف، وفي سورة يوسف (... لولا أن تفندون)، لكن (فند) عند المؤلف تعني: فصّل أو بيّن أو شيئا من هذا القبيل، وهو استخدام غير صحيح للكلمة.

- "تناغي غزالا عند دار ابن عامر وكَحْل مآقيك الحسانُ بإثمد" ص343.

ما نقله المؤلف عن هذا البيت يدل على أن الفعل الذي جاء في أول العجز هو (كحِّلْ)، ولذلك ف(الحسان) منصوبة لا مرفوعة.

- "أتوعد عبدا لم يخنك أمانةٌ وتترك عبدا ظالما وهو ظالع" ص356.

(أمانةً) لا (أمانةٌ).

- "يشبِّهون ملوكا في تجلتهم وطولَ أنضية الأعناق والأُمم" ص358.

(يشبَّهون) بفتح الباء مع الشدة لا بكسرها، و(طولِ) بالكسر لا بالفتح.

- "وموقف الأستاذ هارون واضح وصريح في هذه الظاهرة، حيث يرى : وجوب الالتزام بالإعراب في كل تراكيب العربية، وقفا ووصلا، بلا قيد أو شرط، معتمدا في ذلك على التراث العربي، ونص سيبويه هنا شاهد ( هارون) وهو : (وزعم أبو الخطاب أن أزد السراة يقولون : هذا زَيدُو، وهذا عمرُو، ومررت بزيدي، وبعمري، جعلوه قياسا، فأثبتوا الواو والياء كما أثبتوا الألف). ومن ثمّ ينعى الأستاذ هارون على بعض المعاصرين التزامهم لغة الوقف فيما يتطلب الإعراب، الأمر الذي يدل على جهلهم وخوفهم من الانزلاق في الخطأ النحوي الذي يحسنونه". ص370.

كلام المؤلف كالعادة ملتبس غير مبين، ومارُوي عن أزد السراة يدل على أن الإعراب في فهمه هو أن يكون الوقف بتحريك الحرف الأخير حركة طويلة، قد تكون ألفا أو واوا أو ياءً. وخاصة الناس وعامتهم يعرفون أن الوقف على اللفظ المرفوع وكذلك اللفظ المجرور، يكون بالتسكين. أما كلام سيبويه فلا يصح الاستدلال به هنا؛ فقوله: "زعم أبو الخطاب..." لا يدل على تسليمه بما قال، ولو صح ما قاله أبو الخطاب فمعناه أن هذه لغة شاذة خاصة بأزد السراة، فكيف نجعلها قاعدةً مخالفين ما أجمع عليه الناس؟ أما تعبير (الخطأ الذي لا يحسنونه) فهو إبداع لا أعرف له نظيرا!

5- بعد كل هذا الضجيج هل توصل المؤلف إلى شيء ذي بال في مجال علم تحقيق التراث؟ أكتفي هنا بعينة من نتائج البحث كما عرضها المؤلف؛ تتلخص النتيجتان الأولى والثانية من النتائج التي ذكرها في الخاتمة في الأسطر الآتية:

النتيجة الأولى أن كلمة تراث لغةً واصطلاحا تدل على ماخلفه المتقدم من آثار... وصولا إلى مفهومه الشامل وهو كل ما أنتجته الحضارة...في جميع مجالات النشاط الإنساني.

النتيجة الثانية: "... الوئام الوثيق بين علم التحقيق والمخطوط، وأهمية دراسة قواعد نشره، ومحاولة بذل أقصى جهد ممكن في المتون كي يخرج المخطوط في أقرب صورة أرادها المؤلف". ص369.

هل ترون في ذلك جديدا؟

6- وختاما أقول إن القضية ليست قضية هذا الكتاب وهذا المؤلف، القضية هي دلالته على تدهور حال الجامعات والبحث العلمي في مصر وفي بلاد عربية أخرى؛ فهذا الكتاب كان رسالة دكتوراه سجلت ونوقشت في جامعة عين شمس، ونشرها مؤلفها بعد أن حصل على لقب (أستاذ)، وربما راجعها قبيل نشرها فلم ينتبه إلى مافيها من سوءات، وربما لم يهتم بالمراجعة إيمانا منه بأن لا أحد يقرأ، وهما احتمالان أحلاهما مر.

أتمنى أن تُدرس أحوال الجامعات في مصر وفي البلاد العربية عموما دراسة جادة للبحث عن علاج لهذا التدهور، وما ذلك على الله بعزيز.

 

د. علي يونس

 أستاذ بجامعة بورسعيد

 

 

علجية عيشظل لغزا إلى اليوم

معظم الذين رحلوا عن الحياة من القادة السياسيين والعسكريين تركوا مذكراتهم، (خالد نزار، علي كافي، الشاذلي بن جديد، أحمد بن بلة، عبد الحميد براهيمي، ومذكرات أحمد طالب الإبراهيمي) وثقوا فيها شهاداتهم حول قضايا  مهمة والمنعطفات الحاسمة في الثورة، إلا أن هذه المذكرات أخلطت كل الأوراق لإفتقارها إلى الموضوعية كما يرى البعض، فضاعت الذّاكرة وضاعت معها الحقيقة، ماعدا بعض المذكرات التي ارادا السلطات القضائية إجهاضها، كمذكرات الرئيس علي كافي التي تم سحبها عام 2000، هذه المذكرات جمعها الإعلامي المصري عادل الجوجري في كتاب تحت عنوان: "اعترافات القادة العرب أسرار وحقائق مثيرة" ضم فيه شهادات وتصريحات حكام عرب

عندما نقرأ مذكرات القادة والزعماء الذين أداروا الحكم في الجزائر نقف على التناقضات وغياب التناسق في سرد الأحداث، وبدون تعميم بعض المذكرات كتبت بذاتية وتعرت من الموضوعية ، كما يلاحظ فيها تلاعب بالأفكار حتى لا تنكشف الحقيقة، تعمد أصحابها إخفاءها إلا من رحم ربي ، وبالتالي لا تشفي نهم القارئ المتعطش لمعرفة أدق التفاصيل، فظلت العديد من القضايا مبهمة كقضية محاكمة وإعدام العقيد محمد شعباني، خاصة وأن مذكرات الشاذلي تقول أن بن بلة كان وراء اغتيال شعباني وغيرها من القضايا الهامة، ولايختلف إثنان أن تصريحات القادة الحكام عبر وسائل الإعلام أو عبر مذكراتهم هي ورقة رابحة للباحثين الأكاديميين والمحللين السياسيين، ليكشفوا في تحليلاتهم ما وراء هذه التصريحات حتى لا نقول يؤولونها أو يميعونها، كلٌّ والزاوية التي يبني عليها تحليله للأحداث ويراها هو مناسبة، إلا أن الكتابات التي تطرقت إلى مسيرة الرئيس الأسبق احمد بن بلة قليلة جدا، خاصة ما تعلق بعلاقته بالجنرال ديغول ولقاؤه السري معه في باريس عام 1964 واجتماعه به في   قصر البساتين، مثلما جاء في شهادة محاميته، التي كشفت عن الصراع بين بن بل وبومدين لم يكن من أجل السلطة أو الحكم، ولكن سببه الميلشيات الشعبية المسلحة التي أنشاها بن بلة، الذي كان يريد التخلص من بوتفليقة.

 ولعل الأحداث التي أسالت الكثير من الحبر هي مرحلة ما بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، والحركة الإنقلابية على العقيد  محمد الصالح يحياوي الذي ارتبط اسمه بخلافة الرئيس هواري بومدين في ديسمبر 1978، بما أنه كان على رأس حزب جبهة التحرير الوطني، ليظهر اسم آخر منافس ليحياوي على رئاسة الجمهورية هو عبد العزيز بوتفليقة، وزير الخارجية آنذاك، إلا أن اسم الشاذلي بن جديد لم يكن يخطر على بال أحد أن يكون هو الخليفة الرسمي لبومدين والقاضي الأول في البلاد ، لأنه لم يكن يتميز بالصرامة ولم تظهر عليه تطلعات للقيادة، هذا ما جاء في مذكرات العقيد الطاهر الزبيري،  بعنوان: "نصف قرن من الكفاح" تناول فيها  وقائع الإنقلاب العسكري الذي اشترك فيه هو لتنحية الرئيس أحمد بن بلة، وطرح سؤال: هل كان بن بلة دكتاتور؟ ويعترف في مذكراته كيف تمكن بن بلة من إطاحة خصومه السياسيين والعسكريين بداية من الباءات الثلاث الذين قادوا الثورة إلى النصر، ورفض أن يكونوا في المكتب السياسي للحزب.

كان الطاهر الزبيري  في المنفى بباريس، وكانت له رغبة قوية في الدخول إلى الجزائر وقد حاول - كما يقول هو-  أن يطلب من العقيد محمد الصالح يحياوي الذي كان على رأس حزب التحرير الوطني أن يسهل عليه الأمور لمغادرة باريس ودخول الجزائر لحضور المؤتمر،  إلا أنه تردد ولم يرد أن يضايقه بهذه المسألة، وهذه العبارة تطرح كثير من التساؤلات، لماذا رفض الزبيري أن يتدخل العقيد يحياوي له لدخول الجزائر، هل لأن هذا الأخير كان يعمل تحت إمرته؟ أم هناك أسباب اخرى خارج إطار الرتب والمسؤوليات؟ وينتقل الزبيري إلى المرحلة التي تم التخطيط فيها لمجيئ الشاذلي بن جديد إلى الحكم، ويكشف أنه كان من بين المشاركين في لقاء المعارضة بباريس واقترح عليهم نشر رسالة المجاهد أحمد محساس التي دعوا فيها إلى إعادة تنظيم مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني الذي نظمه بومدين في سنة 1979 ، كما اقترح على أحمد محساس وأحمد قايد العودة إلى الجزائر للمشاركة في مؤتمر الحزب الذي قرر الشاذلي عقده ، وتحدث عن الرسالة التي بعث بها إلى الشاذلي بن جديد قال فيها: "أنت تعرف قضيتي  جيدا وقد تركتك تنظم المؤتمر وتصبح رئيسا للدولة ولكني في أول نوفمبر 1979 سأدخل الجزائر وإن أرادوا اعتقالي فليفعلوا، وحدث بالفعل أن دخل العقيد الزبيري الجزائر بعد 13 سنة في المنفى الإضطراري ، بعد قرار العفو الرئاسي  أصدره الشاذلي بن جديد.

و قد ذهب الدكتور رابح لونيسي في كتابه "رؤساء الجزائر في الميزان"  الذي قال ان اختيار الشاذلي ليكون هو الرئيس كان بقرار من المؤسسة العسكرية وبعد تنازل تكتيكي للمسؤول التنفيذي للحزب محمد الصالح يحياوي، لكن الشاذلي انقلب على الجيش وأزاحه من الساحة السياسية وهو ما أثار غضب الجنرال خالد نزار الذي دخل في صراع مع اليامين زروال بين ضباط الثورة والضباط الفارين من الجيش الفرنسي الذي كان يقوده العربي بلخير، كما انقلب الشاذلي على قاصدي مرباح وحمله مسؤولية أحداث أكتوبر 1988، لم يكتف الشاذلي بن جديد بالإنقلاب على من سبق ذكرهم، بل انقلب على العقيد محمد الصالح يحياوي عندما طلب من العقيد محمد علاق تعديل القانون الأساسي للحزب وسمح  التعديل بإقالة يحياوي من على رأس الأمانة التنفيذية للجنة المركزية وتعيين مكانه محمد الشريف مساعدية ، ولم يعطه ولبوتفليقة أي صلاحية من أجل إبعادهما نهائيا من السلطة.

كما قام الشاذلي باعتقالات عديدة للقادة ومنهم محمد بوضياف، وأنهى المعارضة المسلحة  لحسين آيت أحمد في منطقة القبائل وكذلك المعارضة المسلحة في الولاية الثالثة بإقناع محمد بلحاج بإيقافها، كما دخل في صراع مع فرحات عباس من أجل الحكم وقام بنفيه إلى الصحراء، ومنح لنفسه صفة الزعامة الثورية مثله مثل جمال عبد الناصر وكاسترو وغيرهم، لم يكن بومدين وكبار الضباط  على رضا بسلوكات بن بلة وسياسته الإنفرادية في اتخاذ القرارات، فكانت النتيجة أن قدموا استقالة جماعية وقع عليها كل من  بومدين، قايد أحمد، بوتفبيقة، شريف بلقاسم، أحمد مدغير، ولم شعر بن بل بلأن الجيش أفلت من يده لصالح بومدين استنجد بالرئيس جمال عبد الناصر خلال زيارته للجزائر، كما أن بن بل حاول تحريض بوتفليقة على بومدين، من أجل الإطاحة به ، لكن بوتفليقة كان وفيا لبومدين ، فكانت النتايجة هي انتظاع الخارجية من بوتفليقة

و المتتبعون للأحداث  يرون أن هذه المذكرات وبخاصة مذكرات الشاذلي بن جديد تلقت كثير من الإنتقادات ، روجت لها بعض الصحف الوطنية بأنها نوع من تصفية الحسابات الشخصية بينه وبين وزير دفاعه السابق خالد نزار الذي كان من دفعة لاكوست،  كشف فيها عن المدبر الرئيسي لأحداث أكتوبر 1988، وأنها من تدبير بعض من قيادات الحزب الواحد والحاكم جبهة التحرير الوطني، وقال عن أحداث الربيع الأمازيغي بأنها من تدبير جهات فرنسية أرادت خلط الأوضاع في الجزائر، وأعلن حقده على الأمازيغية، وقال أن اللغة الأمازيغية تجاوزها الزمن، هي تصريحات نشرتها بعض الصحف وقد فندها الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، واعتبرها مؤامرة مدبرة بل سطو على التاريخ ليس إلا...، أما خالد نزار في مذكراته اتهم الشاذلي بتخريب البلاد والهروب بسبب عدم كفاءته في إدارة شؤون الحكم.

 

متابعة علجية عيش

 

 

 

 

عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة ؛ صدرت المجموعة الشعرية « مسألة وقت ليس إلا » للشاعر المغربي المقيم في لندن "بن يونس ماجن".

المجموعة تقع في 124 صفحة من القطع المتوسط، وتتضمن ستة وعشرين نصًّا متنوعًا.

جاء عنوان المجموعة منسجمًا مع أفكار ومضمون القصائد التي تميزت بجمالية الخيال والإيقاع الفني، واستطاع الشاعر من خلالها أن يعبِّر بصدق عن تجاربه الذاتية الوجدانية والإنسانية

تتمحور المجموعة حول موضوعات عديدة ومتنوعة : الزمن، الأرض، الاغتراب، بالإضافة إلى قصائد عامة عن الشعر والشعراء.

1633  بن يونس ماجن

نصوص "بن يونس ماجن" نابضة بالحياة والحيوية، تحمل أبعادًا ودلالات رمزية برؤية فلسفية، ويمتاز شعره بالسهولة والبساطة والشفافية والوضوح اللغوي. حيث يجسِّد أوجاع الإنسان العربي وما يتكبده من مآسٍ واضطهاد وتكميم للأفواه بشكل شبه يومي، وكذلك صراعاته ضد الأنظمة المستبدة الفاسدة...

إنها صرخة قوية مدوية تخرج من أعماق شاعر ملتزم بقضايا وهموم الإنسان العربي، يكتب عن الاضطهاد والأرض المسروقة، ويصب لعناته على الخونة المتلهفين للتطبيع وخطب ود العدو، وعلى شعراء التيه الذين تخلوا عن قضايا الأمة العربية، وانغمسوا في التفاهات والبكاء على الحبيب الذي لم يعد يكترث بالعبارات المفبركة. وكأنما يريد الشاعر أن يصفى حساباته مع الشعراء الآخرين ويرفض الانضواء في سياقهم العام السائد.

مجموعة "مسألة وقت ليس إلا" تحمل في طياتها مشاهد وصورًا لواقع مُرٍّ خانقٍ يسوده الظُلم والقمع والحرمان والطغيان. وتحتل قضية الوطنية مساحة شاسعة من هواجس الشاعر الوجدانية، استلهمها من ظروفه المحيطة به، مما جعله ينشغل بهموم وقضايا مجتمعه، ويأمل بذلك في الحرية الفردية ويتوق إلى مستقبل أفضل من ضبابه اللندني، فيبحر بنا بعيدًا إلى أجواء لا متناهية حيث الاغتراب والمنفى وفقدان الهوية والأرض المسروقة.

من قصائد المجموعة :

 الوقت خارج الزمن / الربيع العربي الثاني / مرافئ لا سقف لها / خربشات مرقمة

مكابدات فوق أرض مشردة / وجاء من أقصى المنافي / خلوة مكبلة / إسلامفوبيا

بيان شعري مع وقف التنفيذ / اعتراف غير مرخص له / ويسألونك عن قصيدة النثر

 

 

 

بسمة الشواليسفر في القطار السّرديّ من شمتو إلى الجيزة

من موقع "شمتو" الأثريّ القريب من موقع بلاريجيا بمدينة جندوبة كتب طارق العمراوي مسرحية "شمتو: حجارة العبيد والملوك"

ومن داخل الأهرامات المصرية صدر له مؤخّرا كتاب جيب يقع في 48 صفحة تحت عنوان: " برديات فرعونيّة".

السّياحة الثقافيّة مجانيّة هاهنا أيّها القارئ فاحزم حقائبك وتعال.

لم يجنّس طارق العمراوي كتابه هذا على صفحة الغلاف (وهو تمثال "الكاتب"، كنز أثريّ مصريّ لكن معروض بمتحف اللوفر بفرنسا) كما جرت العادة أو على صفحاته الدّاخليّة. ترك للقارئ حريّة أن يذهب ذهنه سواء باتجاه القصّة أو الحكاية أو ببساطة أشدّ تكثيفا نحو "تصّفح" برديات فرعونيّة رحّلتها مخيلة الكاتب من متحف الآثار وقلب الحجارة الأثريّة، ودفّات التاريخ الضارب في القدم إلى "متحف" القراءة في راهن العصر. وأمّا تلك البرديّات التي يهيدها الكاتب الشّغوف بالتنقيب المعرفيّ في التاريخ القديم والحضارات الغابرة والكنوز الأثرية للمتاحف والمواقع الأثرية الخارجيّة لقارئ هذا العصر الذي لم يعتد في الواقع على هذا التوّجه في استحضار التاريخ للمجال القصصي والسردي عموما مثلما هو الشّأن فيما يتعلّق بالتاريخ الأقرب زمنيا، وأمّا تلك البرديّات إذن فهي خمس: برديّة المقبرة، برديّة الموسيقى، برديّة الكهنة، برديّة الكاهن روما، برديّة التمثال.

1630  برديات مصربين طيات هذا الكتاب صغير الحجم يأخذنا الكتاب في نزهة مشوّقة إلى زمن الفراعنة في حكايات تخييليّة تستحضر تلك الأجواء عبر الشّخصيات (حرحور، حور ماخر، سيم،  تي، آني، نخاو، رخميرع..)، ومكونات المكان وطبيعة الشخصيات ومجال حركتها الفكرية والنفسية واللغويّة، وخصائص الأزمنة حينئذ وما انطوت عليه من خلافات سياسية مكشوفة ومبطّنة بين حكام تلك العصور والمهيمنين على الشأن العام من بطانة الحكم ومن الكهنة والحاشية، وما ميّزها من صراع التموقع بين الآلهة (كانقلاب أخناتون على الإله توت غنج آمون وما حفّ ذلك من صراع بين الكهنة من الطّرفين) والمتحكمين باسمهم من الفراعنة. وهذا ما جعل الكاتب يتجوّل بنا في المحيط السياسي لتلك الحقبة عبر اختيار دقيق ومحكم لصالح الغرض الذي ارتآه الكاتب في علاقة بوعيه السياسي والفكريّ من خلال البرديات الخمس التي يعرضها علينا للقراءة في لغة شفّافة موضوعيّة لا تتجمّل بازياء اللغة العربية الفاخرة لكن تحرص على أن تكون على قدر كبير من الموضوعيّة التي تباعد في المسافة بين الكاتب والعصر المكتوب من خلال تحييد السّرد وتكثيف الحوار بين الشّخصيات وجعله، أيّ الحوار (وهذا يحيلنا على تقنية الكتابة المسرحيّة وخصوصيتها)، منبع أفكار الشّخصيات، ومشاعرهم، ومعتقداتهم، ومواقفهم السياسية والدّينية، ومصدر معلومات القارئ الأكثر مصداقيّة إن شئنا، عن ذلك العصر المحكيّ.

هناك متحف متعدّد الكنوز والثروات يقيم في ذهن طارق العمراوي. ذلك أنّ البحث والتنقيب في موقع الخطوات الأولى للإنسان على وجه الأرض يمثّل شغفه الذي يتميّز به، ويحمله دائما في جولة حريّة معرفية إلى المجال الكونيّ للثقافة والحضارة الإنسانيّة عبر ربط ماضيها العريق بحاضرها الرّاهن، وقد انعكست هذا التوّجه في تنوّع كتاباته خدمة لشغفه هذا على غرار بعض ما صدر من كتبه: "الذّاكرة والنسيان: تشتشينات"، "جدل الحضارات"، "شمتو: حجارة العبيد والمولك"، وأخير كتابه " برديات فرعونيّة"، وما هو معدّ للنّشر من الكتب: " رُقم مسماريّة"، "حكايا أندلسيّة"، و"سفر في الغراق القديم". لكن كلّ هذا التنوّع لم يحمله على أن يستقرّ في "موقع بحث بعينه"، أو أن يجعل هواية التنقيب والتوثيق هذه مقتصرة التأليف البحثيّ والسّردي بل تجلّى ذلك كذلك في ممارسته لهواية تكوين المجموعات" على غرار "مجموعة البرايات" التي يسعى لإنجازها من أجل متحفه الخاصّ بها.

 

بسمة الشوالي