980 سليم بطييكاد الكاتب والباحث د. علي محمد هادي الربيعي يجعل جهده البحثي مقصوراً على الأدب المسرحي العراقي، فضلاً على كتابات ثرَّه وانيقة نشرت في المجلات والصحف العراقية في مجالات ثقافية مختلفة.

لقد امتاز الربيعي بأسلوب جميل في البحث والكتابة، ولغة رشيقة انيقة، تحلق بك في اجواء جميلة، وتنقلك من هذا الواقع الحياتي المؤلم، إنه يكتب برومانسية حالمة، تجعلك تجد في الحياة بعض ما تستحق أن يعيش من أجلها الإنسان واضعين في الحسبان قساوة الظروف، وانهيار القيّم النبيلة وتصدعها، وأثر الخيبات الحياتية، والانتكاسات التي مني بها المجتمع العراقي، إن لغة الربيعي الأنيقة والرومانسية جاءت نتيجة قراءاته المعمقة في كتب التاريخ والأدب المسرحي ومصادره، فضلاً على روحه الرهيفة الشفيفة الحالمة.

إن محبة د. علي الربيعي لأدب سليم بطي المسرحي ونتاجه المعرفي، جعلهُ يجد في بطِّي ايقونة، يتوجه إليها بالاحترام والتقدير، لذا رأيناه يذب عنهُ عاديات الزمن في البحث والكتابة.

عرفت الأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي المولود في مدينة الحلة باحثاً حصيفاً محلقاً، ومدوناً وموثقاً لتأريخ المسرح العراقي منذُ اهتمامه الجاد في هذا المجال، ذا نفسٍ طويل في البحث والتدقيق والتوثيق، نشر بعض مؤلفاته في مجال تاريخ المسرح العراقي منها : (تاريخ المسرح في الحلة، الخيال في الفلسفة والأدب والمسرح، المسرحيات المفقودة، محمد مهدي البصير رائد المسرح التحريضي في العراق، اسكندر زغبي زجالاً ومسرحياً، مسرحيات نعوم فتح الله سحار المفقودة، المسرح المسيحي في العراق، اسهامات يهود العراق في المسرح، شالوم درويش وجهوده في فضاء المسرح العراقي، أنور شاؤل وجهوده في المسرح العراقي، ثورة الزنج في المسرحية العربية، وكتابه الأخير سليم بطي فتى المسرح العراقي) ، كما عرفته باحثاً دؤوباً في الأدب والثقافة، ولا أدل على دأبه وقوة شكيمته في البحث والتنقيب عن النصوص المسرحية لفتى المسرح العراقي سليم بطِّي.

الدكتور علي الربيعي لهُ نفس طويل في البحث الذي يحتاج إلى صبر ومطاولة ومصاولة، والغوص في بطون المصادر والمراجع والمظان بحثاً مصوباً بكثرة التنقل والتوقل، ومراجعاً، ذلك على النسخة الأم التي غالباً ما تكون الأقدم تاريخياً، وقد اعتمد في أكثر مؤلفاته على الصحف اليومية التي هي أكثر دقة في التواريخ ونقل الأحداث ومواعيد اقامة المسرحيات، ومثال ذلك كتابه الأخير سليم بطِّي فتى المسرح العراقي، الذي اعتمد على الصحف والمجلات في تأليفه. لقد قرأت واستقرأت بمتعة وشغف، وأكثر من قراءة واحدة، الكتاب الذي امضى الدكتور الربيعي أكثر من سنة في كتابته.

في كتابه الأخير موضوع البحث (سليم بَطِّي فتى المسرح العراقي) الصادر عن اتحاد الأدباء والكتاب السريان في العراق/ اقليم كردستان هذا العام، ويقع في 405 صفحة من الحجم الوزيري، ويبدو أن الكتاب الذي جاء خِلّواً من دار الطبع أو الطبعة والفهرست، وهذا من ضرورات النشر وأولياته، فضلاً عن خِلّوا الكتاب من عنوان الفصل الرابع وقد يكون قد سقط سهواً، يذكر الدكتور الربيعي حول معاناته لتوثيق السيرة الذاتية لسليم بطِّي وهو شقيق الصحفي رفائي بطي، مع العلم أن رفائيل بطي في مذكراته (رفائي بطي ذاكرة عراقية) من اعداد وتحقيق فائق بطِّي لم يذكر عن سليم بطي أي شيء برغم أن سليم بطي كان يكتب في جريدة البلاد وفي باب الفنون، حتى توصل الربيعي بالاتصال بباهر سامي رفائيل بطِّي ليدلي له بالمعلومات عن عم أبيه سليم بطِّي وعن ابنائه الذين ما زالوا يعيشون منتشرين في اقطار الأرض.

كانت صعوبة البحث في توثيق تاريخ سليم بطي المسرحي والروائي بالنسبة للدكتور الربيعي بسبب عدم توفر تلك النصوص المسرحية المطبوعة والمخطوطة في المكتبات العامة والخاصة، فقد أخذت من وقت الربيعي السنوات في البحث على وقع ضالته ففي صفحة 8 من الكتاب يذكر الربيعي قائلاً : "تحقق لي أن وجدت نصٍ لمسرحية (تقريع الضمير) في أكداس من الكتب العتيقة عند بائع للكتب المستخدمة في شارع المتنبي.. وبعد سنوات أخر من التفتيش عثرت على نص مسرحية (الأقدار) في كدس من الكتب على قارعة شارع المتنبي، والنص المطبوع الثالث حصلت عليه من خلال بحثي في أعداد مجلة الحاصد، فقد نُشرَ فيها. أما النص المطبوع الرابع (طعنةً في القلبِ) فلم أحظ به برغم أنني انفقت في البحث عنه سنوات طويلة، وبقي عصياً على الوجود وربما في قابل الأيام ينفرج لنا الأمر ونحصل عليه".

هناك نصوص ثلاثة مخطوطة ألفها سليم بطِّي في مجال المسرح وقدمها في وقته على خشبة المسرح هي مفقودة منها (ضحيا اليوم) و(المساكين) و(خدمة الشرف)، والمسرحية الوحيدة التي ظفر بها الدكتور الربيعي هي مسرحية (ضحايا اليوم) التي وجدها في خزانة المرحوم الأب الدكتور بطرس حداد في كنيسة مريم العذراء في الكرادة الشرقية في بغداد صفحة 9.

قسم الربيعي كتابه (سليم بطِّي فتى المسرح العراقي) على خمسة فصول وملاحق، الفصل الأول حيث اعتنى بحياة الراحل قائلاً في ص16 :"سليم بن بطرس بن عيسى بن عبد النور بطِّي المولود في مدينة الموصل سنة 1908م من أسرة مسيحية الديانة، كان والده يعمل حائكاً وكانت الاسرة تعاني من عسر الحال وشظف العيش، فهي تضم خمسة أبناء" ، كان تسلسل سليم الثالث بين أشقاءه ، إذ أكمل سليم بطي دراسته الابتدائية في مدرسة مار توما للبنين في الموصل ، وانهى دراسته الاعدادية في سنة 1927م ، يذكر الدكتور الربيعي في صفحة 19 قائلاً: "ووجد نفسه مرغماً على أن يعمل لإعالة نفسه بعد أن بقي لسنوات طويلة يعتاش على شقيقه (رفائيل بطي)، وأغوته الصحافة وأخذ يكتب في صحيفة (البلاد) في باب الفنون والأدب، وكان يترجم المقالات ويكتب النقد الفني، وبدأ يكسب قوته من عمله، ثم انتقل؟ إلى العمل الحكومي حيث عيِّن موظفاً في مديرية التقاعد العامة في بغداد، وبقي يعمل فيها حتى وفاته في بيروت في الرابع عشر من شهر ايلول سنة 1953م".

أما الفصل الثاني من الكتاب فقد احاط الدكتور الربيعي بمنجز سليم بطِّي في فضاء النقد المسرحي، وقد بذل الربيعي الجهد الكبير في جمع كل ما كتبه بطِّي في هذا المجال، حتى تم نسخ نقوداته على الهيئة نفسها التي حلت بها في مظانها، فقد كتب سليم بطِّي مقالاته النقدية في الصحف العراقية ومنها جريدة البلاد تحت اسم خفي (كين) وفي أحيان أخر يوقع باسمه الصريح، يذكر الدكتور الربيعي في صفحة 35 قائلاً :"وما يميز مقالاته انها تلابس الموضوعات المكتوب عنها بشكل لا يضاهيه في أحد من النقاد في ذلك الوقت. فهو قد اشتغل في المسرح ممثلاً ومخرجاً ومؤلفاً، واتقن تقانة تامة معارف المسرح وسبر اغوارها، وعندما بدأ بكتابة النقد المسرحي ترشحت كتاباته عن دراية ومهنية عالية... وآخر مقالة نقدية له كانت تحت عنوان (مسرحية توتو – فرقة فاطمة رشدي) التي نشرها في جريدة البلاد بعددها 736 في 20 تشرين الثاني 1946".

أما الفصل الثالث فقد احتفى بدراستين مهمتين كتبهما سليم بطي في علوم المسرح معارفه، نشرتا في جريدة البلاد العدد 190 بتاريخ 25/6/1930 وفي مجلة الحاصد العدد 9 بتاريخ 25/6/1936، في وقت لم تكن جذور للفن المسرحي وتغلغله عميقاً في العراق. ونسخ الدكتور علي الربيعي هاتين الدراستين نسخاً مقابلاً، ووضع لها الحواشي الذي اراد من ورائها أن يزيد من ثرائها، كانت الدراستين عبارة عن مقالتان طويلتان كتبهما بطي ونشرهما بسلسلة حلقات في جريدة البلاد ومجلة الحاصد، يذكر الدكتور الربيعي في صفحة 112 قائلاً :"وأحسب أن الذي دفع بطِّي إلى كتابة هاتين الدراستين هو واقع المسرح العراقي في وقته... فجاءت الدراستان لتردما الفجوات التي قابلت وتقابل المسرحيين في مسالكهم، وتنتشلا المسرح العراقي من واقعه المسطح، وتؤشر عوامل النهوض والارتقاء بفني التمثيل والاخراج". وقد جاءت الدراستين نتيجة لما تراكم عند الراحل سليم بطِّي من خبرة ميدانية وشخصانية خاضها في مجال المسرح المدرسي في فرقة مدرسة التفيِّض الأهلية، كما عمل ممثلاً ثانوياً في فرقة جورج أبيض أثناء زيارة الفرقة إلى العراق سنة 1926م، وعمله كممثل مع الفرقة الوطنية بوصفه أحد مؤسسيها سنة 1927م، فضلاً عن اطلاع بطي المباشر على اداء عزيز عيد مع فرقة فاطمة رشدي في زيارتيها المتكررتين إلى العراق سنة 1929م/ و1930م، والتعرف على آخر مستحدثات المسرح، ومشاهداته للعروض المسرحية العراقية، كل ذلك اكسبه دراية وخبرة فنية عالية، فضلاً عن نبوغه بوصفه مبدعاً.

وقد حملَ الفصل الرابع من الكتاب المقالات الصحفية التي لاحقت سليم بطِّي ومنجزه المسرحي بالدراسة والتحليل والنقد، وهذه المقالات كتبت بأقلام أدباء وصحفيين مجايلين لهُ، لكن هذه المقالات حفظت منجز سليم بطي من المسرحيات التي ضاعت أخبارها، وتعد صفحات مجهولة في مسرد المسرح العراقي، كما بحث الدكتور الربيعي عن منجز الراحل بطي المخطوطة والمفقودة من خلال اعلانات الصحف عن منجز بطي المسرحي ونشاطات الفرق المسرحية العراقية.

فقد نشرت مجلة الحاصد في عددها السادس بتاريخ 4/6/1936 مقالاً حول مسرحية بطي  (خدمة شرف) التي مثلت من قبل فرقة بابل يوم الخميس الموافق 28/5/1936 برئاسة محمود شوكت وعضوية جميل عبد الأحد وابراهيم معروف ونعيم الجواهري وغيرهم من الممثلين، التي تم تقديم عروضها في بغداد والبصرة والعمارة. كما نشرت جريدة البلاد بعددها 590 الصادرة بتاريخ 9/6/1935. أما مجلة الحاصد فقد نشرت دراسة قدمها الاديب والناقد شالوم درويش حول مسرحية بطِّي (طعنة في القلب) بعددها 31 الصادر بتاريخ 26/11/1936، لكن لم يرق لسليم بطِّي ما كتبه الناقد شالوم درويش، فقام بالرد عليه بمقال مطول وجهه إليه بعنوان (طعنة في القلب – رد المؤلف على الناقد) التي نشرتها مجلة الحاصد بعددها 33 الصادرة بتاريخ 10/12/1936. ثم علق على مسرحية (طعنة في القلب) الناقد عبد الله رمضان.

وقد نشرت دراسة حول رواية بطي (المساكين) التي مثلت على مسرح الف ليلة في جريدة العالم العربي العدد 5419 الصادرة بتاريخ 14/7/1945. وقد قامت بدور (ترفة) الفنانة المعروفة السيدة نظيمة ابراهيم، وكان النقاد ستأملون لها مستقبلاً باهراً في التمثيل على المسرح وفي السينما.

أما الفصل الخامس من الكتاب فقد خُصص للنصوص المسرحية التي ألّفها الراحل سليم بطِّي وحظيت بثلاثة نصوص مطبوعة ونص مخطوط واحد، ونسخت هذه النصوص من قبل الباحث د. الربيعي على الهيأة نفسها التي حُررت بها، وقد زاد عليها الباحث تعليقات وحواشي من وراء وجودها. ثم اتبع الدكتور الربيعي الكتاب بملاحق ثلاثة لأثراء الكتاب وتثبيت معلومات مجهولة ذات صلة بموضوعاته.

إلا أن الراحل سليم بطِّي مع كل ما كتبه حول المسرح من تأليف ونقد مسرحي، لم يغب عن الحضور في فضاء القص العراقي، بل كان مساهماً فيه بمائزة فكتب القصة مبكراً، يذكر د. الربيعي في صفحة 24 من الكتاب قائلاً :"فقارئ قصصه سيجد انما عالجت موضوعات أخلاقية وتربوية، وعادات سيئة استحكمت في العديد من العائلات العراقية، مثل الخيانة والإدمان والزنا والقتل والسرقة والاغتصاب وغيرها. وكان يعرض هذه الموضوعات من خلال سلوكيات الشخصيات المتضادة، لينتصر في الأخير "إلى السلوك القويم الذي يعده المثال الذي يُحتذى به، ومن قصصه : (قلب صخر) نشرت في جريدة الوطن العدد 86 سنة 1929م،  و(الزوج السكير) نشرت في جريدة البلاد العدد 4 سنة 1929م، و(ضحية رأس السنة) نشرت في جريدة البلاد العدد 45 سنة 1930  و(تحت ستار الظلام) نشرت في جريدة الاخبار العددان 12/ 14 لسنة 1931، و(في العرس) نشرت في جريدة البلاد العدد 35 لسنة 1929، و(الأثر الدامي) نشرت في جريدة البلاد العدد 123 سنة 1930،  و(تقريع الضمير) نشرت في جريدة البلاد العددان 133/ 134 لسنة 1930، و(ضحية) نشرت في جريدة البلاد العددان 200/ 202 لسنة 1930، و(المهاجر) نشرت في جريدة التقدم العددان 213/ 214 لسنة 1930، و(في النادي) نشرت في جريدة الزمان العددان 277/ 278 لسنة 1930، و(تحت ستار الظلام) نشرت في جريدة الاخبار العددان 12/ 14 لسنة 1931،  و(هو الحب) نشرت في جريدة الاخاء الوطني العدد 1 لسنة 1931، و(اميليا) نشرت في جريدة الاخاء الوطني العددان 3/ 4 لسنة 1931، و(صياد النساء) نشرت في مجلة الحاصد العدد 32 لسنة 1932، و(غرام عذراء) نشرت في جريدة الاخاء الوطني العدد 291 لسنة 1932، و(الزوجة العذراء) نشرت في مجلة الحاصد العدد 35 لسنة 1933، و(قلب مكلوم) نشرت في مجلة الحاصد العدد 3 لسنة 1936، و(بنت الطحان) نشرت في الاديب العدد 1 لسنة 1946، و(صادجة) نشرت في الاديب العدد 2 سنة 1946" . كانت جميع قصص سليم بطِّي التي نشرها في الدوريات العراقية راكزة على تصور موضوعات اجتماعية واخلاقية.

اسند الكاتب والباحث الربيعي لدعم كتابه بوثائق مصورة لصور الراحل سليم بطِّي ولصور صحف نشرت اعمال بطي المسرحية والقصصية والنقدية في ذاك الوقت. الكتاب وثائقي جميل يدل على أصالة محتد، ووفاء يجعلنا نتوسم الخير في كاتب وباحث سيخلف ويواصل الدرب من بعد الجيل الذي سبقه، وإن الجهد الذي بذله الربيعي لا يذهب بين يدي الله والناس.

وأنت إذ تقرأ هذا الكتاب لتعجب من موسوعية الأديب الباحث علي الربيعي ودراسته الجميلة، وأنا اقرأ هذه الدراسة القيّمة، كنت ألمس شكوى الدكتور من قلّة المصادر وكثرة اشغاله الوظيفية التي تهدر ايامه، فإن الباحث الربيعي كان له مع كل كتاب يصدر حديثاً قد ألمَّ بجميع أبعاده.

أرى هذا الكتاب أروع ما كتب عن حياة فتى المسرح العراقي سليم بطِّي الذي صور فيه الصورة الحية لا السرد الجاف لبعض الأحداث في حياته.

أكتب هذه القراءة تقديراً لشخص الكاتب والباحث د. علي الربيعي، لهذا القلم الثَّر الأنيق، الذي قدم لنا هذا العطاء الوافر في دروب ثقافة المسرح العراقي، واضعاً في الحسبان أن يكون هذا الكتاب مرجعاً مهماً في تاريخ المسرح العراقي.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

972 سبينوزايسعى هذا الكتاب الطموح لعرض تفسير لرؤى سبينوزا في السياسة مثلما تحدث في الواقع، خاصة في الاخلاق التطبيقية، والرسالة الثيولوجية السياسية (TTP) والرسالة السياسية (TP). من بين العديد من الكتب التي صدرت اخيرا حول سبينوزا يُعتبر كتاب جوستن ستينبيرغ من الكتب الهامة  التي عرضت موضوعات سبينوزا السياسية بشكل عام بدلا من التركيز على عمل معين. الكتاب ايضا هام بالنظر للاحاطة الاكاديمية الواسعة للكاتب . ستينبرغ يشير للأعمال التي اثّرت على سبينوزا،  والى الفلسفة التاريخية ذات الصلة والنظرية السياسية. هذا الاتساع يثري جدال الكتاب ويجعل العمل سهل الفهم وجذابا لمختلف انواع القرّاء.

يؤكد ستينبيرغ على ادّعاء سبينوزا، في بداية الرسالة السياسية بان سياسته هي محاولة لبناء نظرية للكائن البشري كما هو وليس كما يريد الآخرون ان يكون(6-7). هذا الموقف يوضح ويبرر اهتمام ستينبيرغ بسايكولوجيا سبينوزا.كتاب الاخلاق يعرض في الاساس، وصفا مفصلا لطبيعة الكائن الانساني )1)، وان الرسالة السياسية خصيصا تستفيد مباشرة من ذلك الوصف. الفقرة 1.5 من الرسالة السياسية، التي يشير فيها مرارا الى سايكولوجيا الاخلاق، هو دليل قوي على ذلك. الرسالة الثيولوجية السياسية هي موقف اكثر صرامة وهو ما سنشير اليه في عدة اماكن لاحقا. بالرغم من الصعوبات التي واجهت الكاتب، لكننا نعتقد ان ستينبيرغ نجح في الفصل السابع في ان يبيّن للقراء الكيفية التي انسجمت بها كلا الرسالتين .

المفهوم المركزي لجدال ستينبيرغ هو مفهوم الموهبة الفطرية ingenium (2). الموهبة بالنسبة لسبينوزا هي مجموعة من الميول العاطفية التي تكوّن شخصية الفرد. لكي نتعامل مع الكائن البشري كما هو يجب ان نفهم موهبته الفطرية والطرق التي تؤثر بها الهياكل السياسية والتفاعلات على تلك الموهبة. بالنسبة لسبينوزا،  هناك بالتأكيد مختلف الطرق التي يكون عليها الكائن الانساني، اختلاف يتحدد فقط بعدد المشاعر المختلفة وبمختلف الاشياء المرتبطة بكل واحدة من تلك المشاعر. ظروف الفرد الحالية تقرر أي المشاعر(الرغبات والعواطف) تميزه حاليا، وكيف يتحرك بمشاعر مختلفة . الدولة، بالطبع تُعد هامة من بين تلك الظروف. 

يؤكد الكاتب – وهو كما يبدو صائب تماما – ان سبينوزا يتصور الدولة كوسيلة لتحسين حياة المواطنين. اذا كان سبينوزا لم يأخذ الكائن الانساني كما يريده هو ان يكون، فهو مع ذلك يجعله هدف للدولة لجعله كما يريده هو .

واقعية سبينوزا السياسية – التي وُضعت مقابل الخلفية النظرية للموهبة الفطرية – تطورت لاحقا لتعبّر عن جهد لفهم الكيفية التي تقرر بها مختلف انواع الظروف الحالية حياة المواطنين وكيف يمكن للدولة  في كل نوع من الظروف ان تجعل بإمكان المواطنين ان يصبحوا افضل حالا.  يجادل ستينبيرغ بان سبينوزا يؤمن باستمرار ان الدول الاكثر ديمقراطية تخدم مواطنيبها بشكل افضل .

الكتاب جرى تنظيمه بشكل جيد . كل فصل يدافع و يتوسع وفق هذه الرؤية الاساسية بوسائل من الاطروحة الواضحة والحجة المستقلة . واذا كان الكاتب يستفيد من نتائج الفصول السابقة، فهو يعود مجددا الى نقاشات ملائمة.هناك خلاصة في كل فصل و ملاحظات نقدية حول كل ملخص.

الفصل الاول هو دفاع عن تفسير سبينوزا للموهبة الفطرية مع اهتمام خاص بالسياسة. ادعائه المركزي هو انه، بالنسبة لسبينوزا، فعالية الاشياء المتناهية تتحدد بمشاعرها وان الهياكل السوسيسياسية  تؤثر على الموهبة الفطرية للكائن البشري الذي يعيش ضمن تلك الهياكل. كل واحدة من هذه الادعاءات جرى الدفاع عنها بعناية، العديد من تفاصيل سايكولوجية سبينوزا بقيت مثيرة للجدل. هناك اثنان من الادعاءات التفسيرية في هذا الفصل مثيران بشكل خاص.

اولا، يجادل الكاتب بانه،  بالنسبة لسبينوزا "المرء الذي لا يرغب بـ X اكثر من Y هو في الحقيقة لا يحكم ان X احسن من Y" (22). ومع انه قد يكون صحيحا، لكن بالنسبة لسبينوزا المرء يمكن ان يحكم  ان X افضل من Y متى ما رغب بـ  X اكثر من Y،  ذلك لا يعني انه  لا يحكم ان تكون Y افضل من X. اساسا، سبينوزا يؤكد فعلا ان المرء يمتلك فكرتين مختلفتين حول شيء واحد (انظر E2,p 35 ) وهو ايضا يؤكد بانه لكي تمتلك فكرة حول X يعني فقط ان تحكم حول X(انظر مناقشة حول الحصون الطائرة في E2 ص 49 ).

ثانيا، يدّعي الكاتب انه، بالنسبة لسبينوزا، أحكام القيمة هي مقاومة للتغيير(24). مثلما الرغبات المرتبطة بها، فان احكام القيمة  تكون عصية على التغيير. افكار سبينوزا حول العواطف، بما فيها التردد والحساسية المستمرة للعواطف الجديدة، يشير الى انه بالنسبة للعديد من الناس وفي اغلب الاوقات، يتوصلون باستمرار الى أحكام قيمية جديدة، وهذا هو جزء من المشكلة.

في الفصل 2 يدافع الكاتب عن الرؤية، بالضد من جون بوكوك وآخرين، بان سبينوزا ليس اخلاقيا طبيعيا. هو يعترف بان سبينوزا يستعمل مصطلح الطبيعي مثلما يستعمل مفردات Jus,Lex,imperium  وغيرها لكنه يجادل بان سبينوزا يقوم بهذا فقط لكي "يجردها من اهميتها المعيارية"(39). فكرة هذا الفصل ونتيجته الأكثر اهمية للجدال هي ان الالتزامات، الحقوق، والواجبات  بالنسبة لسبينوزا تُفهم بعبارات من المنفعة او المنفعة المتخيلة فقط. الفصل يُعتبر مساهمة واضحة وقوية لهذه النقاش لأنه يطرح طريقة واضحة لفهم  القضية قيد الدراسة. الكاتب يقترح اننا نستطيع فقط اعتبار سبينوزا اخلاقيا طبيعيا لو ان المصطلح التقليدي يشير الى شيء آخر غير نظرية المنفعة.

 يرى المؤلف ان الاخلاقي الطبيعي يعتبر القانون الطبيعي مفروضا علينا من جانب الله لكن سبينوزا لايتصور الله مانحا للقوانين(3). هذا بالتأكيد يصح بالنسبة لسبينوزا في الاخلاق (E1APP)، وهي رؤية تستحق الاعتبار .ان TTP تعرض مشاكل للرؤية بان اعمال سبينوزا تمثل عقيدة متماسكة واحدة. ان عقيدة الايمان العالمي في الـ TTP الفصل 14 تتطلب باستمرار الايمان بالله كموجّه وحاكم  يجب طاعته.

الفصلان الثالث والرابع يتعلقان بالحرية. اطروحة الفصل الثالث هي انه،  وفقا لرؤية سبينوزا، يجب على الدول تحرير مواطنيها قدر الإمكان. الكاتب يؤكد على ان سبينوزا يحدد الحرية والسلطة، يدافع عن الاطروحة بشكل جيد  ضد النقاد الذين اعتبروا سبينوزا ليبرالي كلاسيكي.

في الفصل الرابع، يجادل ستينبيرغ ان سبينوزا يرسخ زراعة الامل بدلا من الخوف كوسيلة بواسطته تتمكن الدول من تحفيز نشاط مواطنيها، وهو يدافع عن التماسك الداخلي لهذه الرؤية. الفصل يُعد مساهمة قيّمة لفهمنا لسبينوزا. سبينوزا يبيّن حقا تأكيدا واضحا على الأمل وتوقعات اكثر استقرارا للخير والأمن او الثقة، كعواطف تميز المجتمعات الجيدة. غير ان هناك تحفظا واحدا وهو ان المؤلف ذهب بعيدا في اعتبار الولاء الديني  devotion كنوع من الأمل (91). سبينوزا بالفعل اعتبر الولاء الديني كوسيلة سياسية هامة، خاصة في الـ TTP. في تفسيره للعواطف هو يميز بوضوح بين الولاء الديني والامل. الولاء هو نوع من الحب ارتبط بالدهشة او الاحترام الكبير. بعد تعريف سبينوزا "للولاء"، هو يكتب بان العواطف الاخرى ربما ايضا ترتبط بالدهشة، وهو يضع الامل ضمن قائمة العواطف. الولاء، عندئذ ليس املا. انه عاطفة مختلفة ذات قيمة اجتماعية.

في الفصل الخامس يجادل ستينبيرغ انه وفقا لرؤية سبينوزا، فان الدولة تساعد المواطنين عبر التخفيف من عواطف الحظ. المؤلف يعرض جدالا هاما بان توافقية سبينوزا – الرغبة في تعديل لغة المرء وسلوكه الى توقعات المجتمع — والتي هي شكل عالي الخصوصية في اعماله المبكرة، هو ايضا جرى التعبير عنه باهتمام الدولة الذكي بالموهبة الفطرية لمواطنيها. ببساطة تحويل التصورات العقلانية الى قوانين سوف لن يكون الطريقة الفعالة لمساعدة المواطنين.

يجادل ستينبيرغ في الفصل السادس بان الـ TTP يمثل هجوما منهجيا دائما على السلطة الدينية والمؤسسات الفاسدة التي تنتجها  تلك السلطة(130)(4). يتضمن الفصل توضيحا مفصلا ومقنعا للاخطار التي يجدها سبينوزا في الكهنوتية. من غير الواضح لماذا سبينوزا يعتقد ان إعطاء سلطة دينية لصانع القوانين هو حل للأخطار التي ربما يرتكبها القساوسة. ستينبيرغ لم يحل هذه المشكلة. هو حقا، في تأكيده على اهتمام سبينوزا بأخطار السلطة الدينية، يكون قد هيأ الظروف  لتصور فعال لوحدة الـ TTP و TP في الفصل القادم.

في الفصل السابع يدافع ستينبيرغ عن فكرة ان  سبينوزا كان ديمقراطيا طوال اعماله المختلفة(164) وان تفضيله للديمقراطية له اساس نفعي: انها احسن وسيلة لتحسين حياة المواطنين(173). في القسم 7.2 يجادل ستينبيرغ ان تصورنا الثابت عن انفسنا يجعل المؤسسات الديمقراطية اكثر قدرة من غيرها على إعطاء الأمل والأمان .هذا التوضيح الاداتي لمساواة سبينوزا يتجاهل كثيرا الحجج بان سبينوزا اخلاقي مساواتي. المؤلف يرى ان سبينوزا يعرض سياسة متماسكة كثيرا في TTP و TP.

القسم 7.3 يجمع كل من ألـ  TTPوTP. فيه يجادل ستينبيرغ ان سبينوزا يعتبر الديمقراطية احسن أشكال الحكومة باعتبار اننا من خلال الاجراءات الديمقراطية نصل الى احسن القرارات. الفصل السابع يقدم عددا من الرؤى التفسيرية المثيرة للجدل، لكنها جذابة وجيدة بشكل استثنائي. انه قلب الكتاب. اخيرا، في الفصل الثامن يجادل ستينبيرغ ان الدولة تساهم في تحقيق الخلاص والخير، وبعمل كهذا يحاول مرة اخرى ان يبين التماسك الكلي لرؤى سبينوزا. الاقسام الاولى من الفصل تقدم ملخصا مفيدا عن التعامل الجيد  للاخلاق. قسم 8.5 يقدم رؤية مباشرة عن دور الدولة في تعزيز وترسيخ الخلاص: انها يمكن ان تمنع اضطراب المؤسسات الاجتماعية . يمكنها ان تعزز الامن والامل عبر تشكيل الموهبة الفطرية للمواطنين وانها يمكن ان تجلب الظروف التي بها يمكن بلوغ امكاناتنا في المساعدة . ستينبيرغ يعرض حالة قوية متأسسة على خلفية من التاريخ والفلسفة والنظرية السياسية لإيجاد رؤية حول السياسة لدى سبينوزا. الكتاب بداية ممتازة لطلاب الدراسات العليا والباحثين في الفكر السياسي لسبينوزا.

كتاب السايكولوجيا السياسية لسبينوزا:ترويض الحظ والخوف، للكاتب جستن ستينبيرغ، صدر عن مطبوعات جامعة كامبردج في ديسمبر 2018 بـ 248 صفحة

 

حاتم حميد محسن

.........................

الهوامش

 (1) هناك ثلاث ادّعاءات اساسية لسبينوزا في مجال الاخلاق وهي 1- كل الاشياء تأتي الى الوجود وتعمل بالضرورة وفق قوانين الله الطبيعية.2- الطبيعة لاتعمل نتيجة لغاية او غرض.3- الطبيعة دائما وفي كل مكان هي ذاتها. هذه الادعاءات الثلاثة مجتمعة تعني ان السلوك الانساني مثل سلوك اي شيء اخر، يستلزم ويمكن توضيحه كليا من خلال قوانين الله في الطبيعة الثابتة.هذا يشكل جزءا هاما من الخلفية الميتافيزيقية التي طور بها سبينوزا نظريته السياسية.هذه الرؤية التي تتكون من ثلاثة افتراضات يمكن تسميتها بطبيعية سبينوزا،  وهي الطبيعية التي قادته الى تبنّي رؤية جريئة حول مصدر ومكانة الحقوق والالتزامات والقوانين التي ميزت أعماله عن تلك النظريات السياسية السائدة في القرن السابع عشر.

(2) مصطلح ingenium يعني الموهبة الطبيعية، مقابل الحكمة المكتسبة من الممارسة والتجربة،  وهي تعتبر بصمة الهية على روح الفرد عند الولادة.

 (3) طبيعية سبينوزا تستبعد امكانية الاله المتجاوز. اولئك الذين يعتقدون بالاله المتجاوز "يتصورون ان هناك قوتان متميزتان عن بعضهما، قوة الله وقوة الاشياء الطبيعية .. بالطبع حسب تفسير سبينوزا، الله ليس مشرّعا متجاوزا، الله هو الطبيعة ذاتها. وبالنتيجة، كل الحقوق التي يرجع اصلها الى رغبة الله التشريعية هي زائفة. هذا يُعد هجوما مباشرا ليس فقط على المدافعين عن الحق الديني للملوك وانما على جميع السلطات ذات المصدر الديني."القوانين وقواعد الطبيعة هي ذاتها دائما وفي كل مكان "(E111preface)، "سواء يقاد الانسان بالعقل او بالرغبة فقط، فهو يعمل طبقا لقوانين وقواعد الطبيعة"(TP2/5).

(4) تحتوي رسالة الـ TTP على الكثير مما يعرف بالنقد الانجيلي.يحدد سبينوزا عددا هائلا من حالات عدم الانسجام النصي، الذي قاده وبدعم فلسفي الى انكار المكانة المجيدة للانبياء، والحقيقة الموضوعية للمعجزات، ومن ثم الاصل الديني للاسفار الخمسة. سبينوزا يرى ان الكتاب المقدس لا يتنافس مع الفلسفة كمصدر للمعرفة، ولا ان نصائح الكتاب المقدس تتنافس مع اوامر السلطات المدنية. عبر فصل الايمان عن العقل وجعل دور الدين في الحياة العامة خاضعا لسلطة الدولة يكون سبينوزا قد حاول تطهير الدين من مظاهره الخرافية الخبيثة (الفصل13). سبينوزا يتجاهل الادّعاء بان الكتاب المقدس مصدر حقيقي للمعرفة. قيمة الكتاب المقدس لاتكمن في اسطوريته او في محتواه الميتافيزيقي المبهم، انها تكمن بالحقائق الاخلاقية المبسطة التي تشجع على طاعة الدولة. الكتاب المقدس كُتب للناس البسطاء وغير المتعلمين وينقل معلومات بطريقة تتناسب مع هؤلاء الناس، على شكل تفسيرات طوباوية وأمثال تجذب الخيال وليس الفكر.

 

جمعة عبد اللهيتميز الناقد الاستاذ الدكتور الكبير عبد الرضا علي بذائقة رفيعة في الادب، والدراسات البحثية والتطبيقة. في منهجية عالية في اسلوب البحث والتحليل والتطبيقي، الذي يرتقي ببراعته الى الاستاذية المتمكنة. وهذه الدرجة الرفيعة، يتميز بها استاذ النقد الكبير. من هذه الرؤية الموضوعية، يأتي كتابه المرسوم (الايقاع في الشعر الشعبي) يتطرق الى البنية المعيارية، لاهم جوانب الايقاع في الشعر. في الموسيقى واللحن والغناء والنغم. في الدلالة البارزة في أهم الخصائص والمميزات الناتجة والظاهرة. وكما يتطرق الى ارتباط الشعر الشعبي الى البحور الشعرية (الاوزان) ومدى تجاوب الشعراء الشعبيين في ابداعتهم في هذه العروض. في دلالتها و بنية تشكيلاتها في المعيارية الوزنية، لبحور الشعر الخليلية والمستلزماتها، بين الحركات والساكنات. واهمية الكتاب الذي لا غنى عنه للمكتبة الموسيقية للشعر الشعبي والتراث الغنائي، ليسد الفراغ لهذه المكتبة الموسيقية. يتناول بالبحث التطبيقي هذه الجوانب ومفرداتها ونزاعاتها الطبيعية، وحالة الانسجام التي تتكيف مع حالة الحياة والوجود في الجوهر المعني، في خصائصها وتجاذباتها، واهمية مستلزمات هرمونها الطبيعي. المتناسق والمنسجم لماهية الحياة والوجود. وقد ذكر الفيلسوف اليوناني (افلاطون) بأنه يرى (النزعة الطبيعية الى الانسجام والايقاع، هو الاساس في الشعر) وكما يرى (فيثاغورس) ليؤكد دور الشعر والموسيقى في الحياة والوجود، بصفة التجانس والمتناسق. حين قال (العالم مبني بناءً موسيقياً) ولا نهضم حق فيلسوفنا العربي (ابن سينا) في تأثير الايقاع الموسيقي على الحياة واثرها في سايكولوجية الفرد، في مسكنات الاوجاع. حيث اشار الى (ان مسكنات الاوجاع ثلاث: المشي الطويل. الغناء الطيب. الانشغال بما يفرح الانسان). لذا فأن الايقاع الموسيقي في الشعر الشعبي، في مفهومه العام، يؤدي وظيفة حياتية بالغة الاهمية. لذلك انشغال الكتاب النقدي في هذه الخصائص، في التبحر بهذه الاشياء، بالتحليل الدراسي العميق، بين البنية الايقاعية. في موسيقى الشعر ودلالتها الدالة، وتأتي في البحث التطبيقي. كأنها دروس نظرية وعملية تطبيقية، لاغنى عنها المثقف والدارس. في ابراز جمالية مفهوم الايقاع ومؤثراته. بين الموسيقى واللحن والنغم والصوت، وما تخلق من آثار مؤثرة في العاطفة والاحساس. ان الناقد الكبير يدلل من خلال تطبيقاته على هذه الخصائص، بالتحليل الجمالي بصفة الاستاذية، في الشرح والتفسير والفهم والتشخيص. بما يملك من خزين معرفي متكامل، ولاسيما وان البدايات الاولى لاستاذنا، أهتم بكتابة والنظم في الشعر الشعبي. لكنه انصرف عنه الى التطرق الى قصائد الشطرين، عند دخوله الجامعة المستنصرية في بغداد. لذلك يملك حصيلة من المعرفة والخبرة الطويلة في التعمق في البحث في دراساته النقدية. في جوانب الايقاع الشعر الشعبي، في الجوانب الفنية واللغوية. وجوانب الاجتهاد في العروض الوزنية. وفي جوانب الايقاع الشعري والموسيقي. واجراء دراساته البحثية، في التطبيق على بعض الاغاني. التي اتسمت بالشهرة الواسعة، او التي اصبحت خالدة في التراث الغنائي العراقي. وكذلك التطبيقات وفق المعيارية الوزنية، على قواعد البحور الشعرية، ومؤثراتها لدى السامع، في الايقاع والصوت واللحن والغناء. في الجوانب المهمة. كما اشتملت دراساته التطبيقية في التطرق الى (الابوذية) و (العتابة) وغيرهما.. ان كتاب (الايقاع في الشعر الشعبي) مقسم الى ثلاث اقسام. هي:

1 - القسم الاول: الايقاع في الشعر الشعبي، تنظيراً وتطبيقاً.

2 - القسم الثاني: في ايقاع الاغاني. واشتمل التطبيق على 12 أغنية، وهي:

1 - أغنية (بنادم) ل حسين نعمة واشكالية إيقاعها.

2 - إيقاع اغنية (أفز بالليل) ل ستار جبار.

3 - الايقاع في أغنية حسين نعمة (جاوبني تدري الوكت)

4 - الايقاع في اغنية (طير الحمام) ل رضا الخياط

5 - الايقاع في قصيدة كاظم اسماعيل الكَاطع (تغطيت).

6 - إيقاع أغنية (بحشاشتي) ل رياض أحمد.

7 - إيقاع أغنية (عليمن يا كَلب) ل وحيدة خليل.

8 - إيقاع أغنية (عاش من شافك) ل فاضل عواد.

9 - الايقاع في أغنية (يانبعة الريحان) التراثية.

10 - الايقاع في أغنية (كيفك أنتَ) ل فيروز

11 - الايقاع في أغنية (جوز منهم) ل عفيفة اسكندر.

12 - الايقاع في أغنية (مالي خلق) كاظم الساهر والاطفال.

ومحاولة التمتع في بعض هذه الاغاني الجميلة، والتطبيقات الوزنية عليها.

 1 - إيقاع اغنية بنادم. غناء حسين نعمة. ولحن كوكب حمزة. الشاعر ابو سرحان (ذياب كزار. 1946 - 1982). أبتدأً مطلع أغنية (بنادم) بايقاع السريع المحوّر في العروض والضرب شعبياً. أي ان الشاعر لم يلتزم بأيقاع السريع المستعمل:

مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ / مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُن.

وإنما جعل العروضة والضرب مصابين بعلة القطع (فَعْلُنْ) بسكون العين كما في مستهلها:

 بهيدة عله بختك لاتعت بيها روحي انحلت والشوك ما ذيها

 مُسْتَفْعِلُن مُستَفْعِلُن فَعْلُنْ مُستَفْعِلُن مُستَفْلُن فَعْلُن

 ما جنها ذيج الروح يبنادم لا جنها كلها اجروح يبنادم

 مُستَفْعِلُن مُستَفْعِلٌن فَعْلُن مُستَفْعِلُن مُستَفْعِلُن فَعْلُن

 وهذا رابط اغنية (بنادم) بصوت حسين نعمة

 https://youtu.be/1Xtj7VwA80E

....................

2 - اغنية عليمن يا كَلب تعتب عليمن / وحيدة خليل

عليمن يا كَلب تعتب عليمن

مفاعيلُنْ مفاعيلُنْ فعولُنْ

 هويت وجربت وامنت بيمن

 مفاعيلُنْ مفاعيلُنْ فعولُنْ

وهذا رابط اغنية (عليمن يا كَلب) بالصوت الشجي للمطربة وحيدة خليل

https://youtu.be/kIjvjkwaiEc

.......................

3 - الايقاع في أغنية (يا نبعة الريحان) التراثية بصوت المطربة سليمة مراد

 يانبعة الريحان حِنِّي على الولهان

 مُسْتَفْعِلُنْ فَعْلانْ مُستَفْعِلُنْ فَعْلانْ

جسمي نحل والروحْ ذابت وعظمي بانْ

مُستَفْعِلُنْ فَعْلانْ مُستَفْعِلُنْ فَعْلانْ

وهذا رابط الاغنية

https://youtu.be/I7bb_fHpbCQ

......................

4 - الايقاع في أغنية (كيفك أنتَ) ل فيروز

 تزكر آخر مرة شفتك سنتا ؟

فعْلُن فعْلُن فعْلن فعْلُن فعْلُن

تزكر وقتا آخر كلمة قلتا ؟

فعْلُن فعلن فعلن فعلن فعلن

وهذا رابط الاغنية بصوت فيروز. كتب كلماتها ولحنها زياد الرحباني

https://youtu.be/iTBwW7GKx_8

.......................

5 - الايقاع في أغنية (مالي خلق) كاظم الساهر والاطفال.

أقيمت هذه الاغنية (مالي خلق) على مجزوء الكامل

مالي خلقْ حب وافترق ْ

مُستَفْعِلُنْ مُستَفْعِلُن

نار العشقْ تحرقْ حرقْ

مُستَفْعِلُن مُستَفْعِلٌنْ

وهذا رابط الاغنية الجميلة

 https://youtu.be/35wriEJvhWI

 3 - القسم الثالث: دراسات

اشتملت على القصائد التالية

1 - قصائد للشاعرة وفاء عبدالرزاق

2 - قصيدة: الملحمية الشعرية (جبت كل العراق وجيت) للشاعر د. خيرالله سعيد

3 - عن مظفر النواب ومخالفاته للسائد في الشعر الشعبي.

ونختار مقطع من قصيدته المشهورة (للريل وحمد)

 مرينا بيكم حمد واحنا بقطار الليلْ

 مستفعلن فاعِلن مستفعلن فعلانْ

 واسمعنا دك اكَهوة وشمينا ريحة هيلْ

 مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلان

 ياريل صيح ابقهر صيحة عشك يا ريلْ

مستفعلن فاعلن مستفعلن فعْلانْ

 هودر هواهم ولك، حدر السنابل كَطةْ

 مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعِلُنْ

 آنه ارد الوكَ الحمد، مالوكَن لغيره

مستفعلن فاعلن مستفعلن فعْلُن

 

 × كتاب: الايقاع في الشعر الشعبي

× المؤلف: الاستاذ الكبير د. عبدالرضا علي

× نشر وتوزيع: شركة العارف للاعمال ش. م.م. بيروت / لبنان

× تاريخ الاصدار: الطبعة الاولى عام 2018

عدد صفحات الكتاب: 149 صفحة

 

 

جمعة عبدالله

 

 

971 فلاح الشابندرد. سعد ياسين يوسف يقول:

"إنَّ الشابندر يكتبُ قصيدةً لا تنتمي إلى السّلاسةِ الشعرية ِ الظاهرة وإنما إلى تمثل المعنى الكامنِ فيها..."

"كتب متأخرا ... مات مبكرا"، هو عنوان لكتاب جديد صدر في بغداد متناولا تجربة الشاعر "الموغل في الرمز" فلاح الشابندر وأسهم فيه نخبة من النقاد والأدباء وبخاصة الأكاديميين منهم من الذين كتبوا رؤاهم وأفكارهم ومقالاتهم النقدية عن المنجز الشعري للشابندر عبر مجموعاته الشعرية الثلاث .

وجاء في مقدمة الكتاب بقلم د . سعد ياسين يوسف:

" عبر العصور التي مرت على البشرية نجد الإنسان مأخوذاً بالتعبير عن ذاته بوصفه كياناً متحركأ ومتغيراً وقد يكون شكل ذلك التعبير مما هو سائد فيمر من غير أن يستوقف لحظة

عبر العصور التي مرت على البشرية نجد الإنسان مأخوذاً بالتعبير عن ذاته بوصفه كياناً متحركأ ومتغيراً وقد يكون شكل ذلك التعبير مما هو سائد فيمر من غير أن يستوقف لحظة التأمل والسؤال كلها ونادراً ما يخالف السائد والمألوف وهنا يستوقف علامات السؤال، وهذا ما لمسناه من خلال متابعتنا وقراءاتنا المتعددة لمنجز فلاح الشابندر في مجموعاته الشعرية الثلاث (سطر الشارع، وفحم وطباشير وفي زنزانة السؤال) التي طرح من خلالها نصوصه التي نحت صوب الرمزية وجاءت أحيانا غارقة فيها مما يدعونا بكلِّ تأكيد الى طرحٍ جديد لعمليّة القراءة ودور القارئ في التعامل مع هذه النصوص .

ولما كان الرمز من أعقد صور التخييل، إذ يتداخل فيه الثقافيّ بالنفسيّ والاجتماعي بالذاتيّ، فإن الكتابة في هذا المجال تعكس رؤية الشاعر وتجاربه التي تعمقها ثقافته وروافده الفكرية .

وقال الشاعر د . سعد ياسين يوسف:

إنَّ الشابندر يكتبُ قصيدةٍ لا تنتمي إلى السلاسةِ الشعرية ِ الظاهرة وانما الى تمثل المعنى الكامنِ فيها منطلقاً في كل كتاباتهِ من ثيماتٍ أساسية ٍ مهيمنة تترددُ أصداؤها في جنبات ِ النصوص التي يقدمُها للقارئ، والقارئ النخبوي بشكلٍ خاص مدركا أن َّ هذا الغموض ليس لعباً باللغة والكلمات.

وأضاف: إنَّ مفاتيحَ شفراتِ نصوص ِفلاح شحيحةٌ ظاهريا ويكادُ يخفيها تحتَ طرف سجادةِ رموزه أحيانا أو بينَ شُجيراتِ المعنى..ولكن ثمة مهيمنات تكاد تهيمن على جميع نصوصه ومن خلالها ندرك كيفية فك شفرات المعنى في شعره وتتمثل في) مهيمنة الإحساس بالغربة ومهيمنة الحرب، مهيمنة المرأه، مهيمنة الأنا، مهيمنة الإنتظار، ومهيمنة القلق) .

وقال الدكتور سعد ياسين يوسف: إن الشابندر في رسم صورهِ الشعرية وتوليدها يسعى إلى إعادة الحياة لمهملات الأشياء وهوامشها ليمنحها رؤية فلسفية عبر صياغتها وتأطيرها بأطر فكرية جديدة نابضة، فهو " أي الشاعر " يغيب أحياناً عن ذروة الوعي في أثناء كتابة القصيدة فتكتب القصيدة نفسها بعيداً عن سلطة وعيه وهو بذلك مجتهد في منح اللامعنى معنى جديدا.

وأختتم يوسف مقدمة الكتاب بالقول :

إن الدخول الى عالم فلاح الشابندر عبر الرؤى النقدية التي يزخر بها هذا الكتاب لنخبة طيبة من الأساتذة النقاد سيثري الرؤية وسيفتح للقاريء نوافذ واسعة للتقرب من تخوم المعنى فيما طرحه وأراده الشاعر عبر منجزه الشعري الذي نتمنى له أن يتواصل لرفد الساحة الثقافية العراقية والعربية والإنسانية بما يبقى.

شارك في مقالات الكتاب التي جمعها الكاتب والمترجم أحمد فاضل وصدر عن دار الكتاب الجامعي الأساتذة (د. سعد ياسين يوسف، د. إنعام الهاشمي، صباح محسن، فائز الحداد، عمر مصلح، أحمد فاضل، قاسم محمد مجيد، أ. د . بشرى البستاني، عبد الستار نور علي، سعد محمد مهدي غلام، حسين الساعدي، إسماعيل إبراهيم عبد، قاسم ماضي، محمد الرشيد، جمعة عبدالله، ناظم ناصر القريشي، غالب الشابندر، عباس باني المالكي، و أ.د سهير أبو جلود).

 

بقلم : أحمد فاضل

 

محمود محمد عليأهدي هذا المقال لكل قراء صحيفة المثقف احتفالا بمرور العام الثالث عشر من تاريخ صدورها

يعلم كل من يتابع كتاباتي ومقالاتي وكل من هو قريب لشخصي إنني متحرر تماماً من أية تبعية تقودها أهوائي لمصلحة ذاتية أرغب في تحقيقها، فقلمي متجرد من كل قيود ولا يستقي كلمته إلا من محبرة تراب الوطن فقط، ومن ضمير الحق الذي يسكن بداخلي ويقود كل كلماتي.

ومن تلك المحبرة وضمير الوطن والحق الذي يسكن بداخلها، غمست قلمي لأكتب عن ماجد الغرباوي الوطني والإنسان.. وما دفعني لذلك هو تلك المناسبة العطرة وهو الاحتفال بالعيد الثالث عشر لإصدار صحيفة المثقف والتي من خلالها تمكن ماجد الغرباوي أن يجمع العديد من الكتاب والمثقفين في مؤسسة فكرية ثقافية فتحت قلبها لكل الأقلام بمختلف جنسياتهم، ورحبت بالذين يحملون بداخلهم طاقة ذهنية وفكرية وإنسانية متوقدة يحطمون بها كل التناقضات ويواجهون بها  الزيف الثقافي (حسب ما أخبرتنا الأستاذة الفضلة "علجية عيش" في مقالها الصادر بعنوان في عيدها الثالث عشر.. المثقف نافذة تطلُّ على العالم).

ولذلك بسبب هذه المناسبة انتفض قلمي لأكتب عن ماجد الغرباوي للمرة الثانية، وهذه المرة بمناسبة وما أحلاها من مناسبة، فهي مناسبة شكر له علي ما تفضل به من خلال إنشائه لتلك الصحيفة الموقرة والذي لولاها  لما استطاع الكثير من الكتاب والمفكرين أن يحلقوا بعيدا عن أوطانهم أو يقفزوا إلى ما وراء البحار (هنا في أستراليا)  ليصنعوا ذواتهم، بعد أن مُورست عليهم ثقافة الإقصاء في بلادهم وليقولوا بصوت مرتفع "نحن هنا" في صحيفة المثقف نعبر عما يجيش في صدورنا وقلوبنا وعقولنا .

ومن هنا كان اللجوء الإعلامي.. الإبداعي والثقافي (في صحيفة المثقف)، والتي وجد فيها العديد من الكتاب والمثقفين ملجأ لهم،  ففتحت قلبها لكل الأقلام بمختلف جنسياتهم، ورحبت بالذين يحملون بداخلهم طاقة ذهنية وفكرية وإنسانية متوقدة يحطمون بها كل التناقضات ويواجهون بها  الزيف الثقافي، وهي تجربة مرت مع كل من تواصل مع مؤسسة المثقف برئاسة الاستاذ ماجد الغرباوي، ليس كمسؤول، وإنما كمبدع يعيش الواقع الثقافي العربي ويغوص في أعماقه،  فقد استطاعت المثقف أن تفتح آفاقا جديدة أمام كل الأقلام بمختلف جنسياتهم من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، وتحقق الانفتاح، واستطاعت بفكرها الواسع أن تقضي على الفوارق الثقافية، فلا تفرق بين كاتب كبير وكاتب مبتدئ، بل جعلت من الصغير كبير، واحتلت مساحات جديدة في النفوس بعمق وحرية من أجل إيصال الفكرة وتوضيح الرؤية، وتنوير العقول، فكانت نافذة تطل على العالم، وهذا هو الوعي الثقافي في كل تجلياته. (حسب قول الأستاذة "علجية عيش" في مقالها السابق).

كتاب: تحديات العنف

967 tahadiyatalonf

كما قلت في الفقرات السابقة انتفض قلمي لأكتب عن ماجد الغرباوي ولكن بشكل مختلف عن المرة الأولي، حيث أخترت إحدى كتاباته المهمة والتي تعالج الواقع الحالي، وهو كتابه الشهير " تحديات العنف"؛   لأعرض له وأحلله وأنقده،  وهذا الكتاب كان قد صدر للمرة عن دار الحضارة للأبحاث ودار العارف في عام 2009م، وفي هذا الكتاب قدم لنا المؤلف من خلاله خلاصة مقطرة ومركزة لكنها بالغة التعبير والدلالة لحقيقة اكتشاف البنية المعرفية للممارسة العنف من قبل المتطرفين الإسلاميين، أي محاولة اكتشاف المفاهيم والمقولات والفضاءات الفكرية والعقيدية التي تدفع المتطرف نحو قتل الإنسان لا لشئ سوي إنه يختلف معه عقدياً أو دينياً أو فكرياً، كما يحاول المؤلف التعرف علي الخطاب الديني التكفيري الذي يمارسه الفقهاء المتطرفون ضد الآخر المختلف دينياً أو عقدياً .

لقد أراد ماجد الغرباوي في هذا الكتاب أن يعطينا خطاباً تجديدياً، حيث حاول أن يحرر الفكر الإسلامي من قيود القراءات التقليدية والأيديولوجية وإعادة تفسيره وتأويله من منظور واقع الحداثة ونقله إلى فضاء معرفي جديد. من مفارقات السجالات الفكرية المعاصرة حول ضرورة تجديد الفكر الإسلامي وتطوير آليات علمية جديدة لدراسة فقهه وتوظيفه من أجل مواكبة مسار الحضارة والتجاوب مع متطلبات العولمة وتعقيدات الحداثة، أن معظم المفكرين الإصلاحيين والتجديديين المسلمين يحظون باهتمام عامة الجمهور في دول العالم الإسلامي وباهتمام الرأي العام الغربي ليس بسبب اجتهاداتهم الفكرية وإنجازاتهم العلمية المميزة، بل بالدرجة الأولى لأنهم يعايشون محنة العالم الإسلامي وعواقب العنف، حيث حاول الغرباوي أن يحدد شروط ممارسة القوة في الإسلام، فليس العنف مرفوضا مطلقاً، وإنما له مبرراته الموضوعية، ولاسيما مع المعتدي الرافض للحوار أو في حالات الدفاع عن النفس أو غير ذلك بامتلاك القوة أمراً ضرورياً جداً، لأن تمسك بزمام الحياة في عملية إدارة وقيادة المجتمع.

لقد تناول " تحديات العنف " بعض الحركات الأصولية المتطرفة التي مارست العنف بشكل مريب ومكثف، متخطين بذلك كل القيم الدينية والخطوط الحمراء التي أرستها الشريعة المحمدية، ولم يتوقفوا عن إرتكاب مجازر العنف حتى مع المسلمين، ممن يختلف معهم مذهبياً أو فكرياً أو عقدياً، كما يكشف كذلك علي أن وتيرة العنف والعمليات الارهابية في العالم في تصاعد ما دامت بؤر التوتر لم تلامس حلولاً موضوعية ولا يقابل العنف إلا بعنف مضاد، سرعان ما يتحول هو الآخر إلى سلطة فوقية تمارس العنف والاضطهاد . ولذلك يعالج الكتاب طبيعة الصراع بين الأديان والمذاهب علي حقيقة العنف، حيث يتساءل المؤلف : ما الهدف من هذه الممارسات؟ هل هي حرب ضد إرهاب الدول الكبرى كأمريكا وحلفائها، فلماذا يقتل الأبرياء؟ هل هي جهاد في سبيل الله، فلماذا يتقاعس العلماء؟ هل هناك ما يبرر أعمالهم شرعاً فلماذا لا تستجيب لهم الشعوب المسلمة؟ من الذي يجيز لهؤلاء قتل الرجال والنساء في كل مكان؟ ومن المسؤول عن فتاوى التكفير ورمي الآخر بالردة والانحراف؟ وهل الرأي الآخر مبرر للقتل والعدوان؟ ولماذا لم يقتل الرسول صلي الله عليه وسلم جميع اليهود والنصارى بل من لا دين له من العرب وغيرهم؟ وهل الحرب والسيف الوسيلة الوحيدة لنشر الإسلام وبيان الحقيقة؟ لماذا لا يتمكن المسلمون مقارعة الكلمة بالكلمة؟ وهل صحيح إن الإسلام عاجز عن ممارسة الديموقراطية واقناع الآخر بوسائل وآليات حديثه؟ هل حصلت للمتطرفين شبهة عقدية؟ هل يتلقون توجيهاتهم من جهات أعلى؟ من هي هذه الجهات؟ هل هم فقهاء؟ وأي فقهاء؟ هل يفقهون الحياة؟ وهل يدركون مقاصد الشريعة وغاياتها؟ وهل يعترفون بدور الزمان والمكان؟ أم فقهاء متحجرون، متغطرسون؟.

ولعل من المفيد – قبل عرضنا لهذا الكتاب ومحتواه – أن نشير في عجالة إلي أهم التوجهات الضابطة في مسيرة المؤلف الفكرية عبر فصول الكتاب العديدة .

وأبرز هذه التوجهات وهو ما ظهر له من أن دراسة "تحديات العنف " يمثل أمراً هاماً، لدراسة اسباب العنف واكتشاف بنيته المعرفية، من مقولات ومفاهيم وفضاءات فكرية وعقيدية، ومحاولة للتعرّف على الخطاب الديني التكفيري الذي يمارسه الفقهاء المتطرفون ضد الاخر المختلف دينياً وعقيدياً. واكتشاف الأدلة التي تبرر للإنسان منطق العنف والاقصاء والكراهية والتنابذ، وفهم طبيعة الثقافة التي تشبع بها الإرهابيون الدينيون فاستساغوا الموت وكرهوا الحياة، وامتلأت قلوبهم حقداً وبغضاء.

وثمة توجه آخر للمؤلف يتمثل في أنه إذا أمكن تحديد وسائل العنف، حيث يقول في مقدمة كتابه:" ليس العنف طارئاً، أو غريباً على سلوك الانسان، فماضي البشرية حلقات متواصلة من الحروب، وتاريخها مشهد تراجيدي موشح بالدماء، ونكبات الموت ترسم صورة قاتمة لمستقبل الحضارة الانسانية. وليس في الحياة سوى نكبات متوالية، وكوارث مرعبة. إنها ثقافة العنف الذي شكل تحدياً خطيراً لوجود الانسان منذ القدم، فراح يهدد أمنه وسلامته واستقراره. ويهوي به عميقاً في لجة التوحش والانحطاط. وهو اليوم أحد أخطر التحديات وأكثرها تعقيداً، وقد امتدت تداعياته إلى أغلب المدن فسلبتها أمنها واستقرارها. واختلطت الأوراق بشكل متشابك وملتبس بسبب ما أحدثته تلك العمليات من رعب واستفزاز إجتاح الساحتين الدولية والاقليمية، وبات من الصعب العثور على واحات سلام تسمح بالمراجعة والنقد، وتحري الخطأ وتشخيص الحلول الناجحة لتسوية الازمات، إذ ارتكز الجميع إلى فوهات البنادق لتصفية الحسابات، والتشبث بالعنف لتسوية الخلافات.

أما التوجه الثالث فيتمثل في ربط المؤلف دراسة العنف بالإعلام، حيث يقول :" إن التكثيف الإعلامي المضاد لوسائل الاتصال الحديث، بطريقة متهورة  أحياناً، ليس أقل خطر من الأعمال الإرهابية ذاتها التي يرتكبها البعض باسم الدين، أو هكذا يحلو لتك الوسائل أن تصفها. حتى تنبـّه ساسة بعض الدول إلى خطورة النتائج المترتبة على الأسلوب الاستفزازي للإعلام المضاد. فمثلاً دعا توني بلير رئيس وزراء بريطانيا في حينه وقبله جورج دبل بوش الرئيس الامريكي إلى توخي الحذر في إثارة حفيظة المسلمين والتمييز بين ما هو إسلامي ينتسب للدين الحنيف وما هو إرهابي يرتكبه بعض المتطرفين باسم الدين، مخافة أن ينقلب المسلمون أشد عنفاً إذا ما تمادت وسائل الإعلام في سياسة الطعن والتشويه، وتجاهل الحقوق المشروعة للشعوب في صراعها مع الدول المتسلطة، وحقها في التعبير عن ارادتها. وهكذا وضع الإسلام في قفص الاتهام حتى في حالات الدفاع الشرعي عن الذات والهوية.

علي أن هذه التوجهات قد صاحبها ثلاث نزعات للمؤلف: إحداها نفسية، والثانية أخلاقية، والثالثة عقلية . أما الأولي من هذه النزعات، فتتمثل في إفراط المؤلف في القول بأن :" ويكفي لتأكيد ذلك مسلسل الاعمال الطائفية التي ارتكبها هؤلاء في باكستان والعراق وأفغانستان ضد إتباع المذاهب الإسلامية، بل وابناء المذهب الواحد والدين الواحد والوطن الواحد كما في كثير من البلدان الإسلامية مثل الجزائر ولبنان حتى (أدى التوسع العنيف لادعاءات الهوية التي تستبعد الآخرين إلى كثير من المعاناة والتضحيات. ويقدر أن الصراعات بين الدول داخل العالم العربي تسببت بين 1948 و 1991 في مقتل ما لا يقل عن 1.29 مليون نسمة وتهجير نحو 7.3 مليون نسمة) . ناهيك عما حدث بعد هذا التاريخ من مجازر في المنطقة ذاتها. فقد كان ضحية الموجات الإرهابية (نفذها الإسلاميون ام غيرهم) في مصر بين 1992- 1995 مالا يقل عن 984 شخصاً، كما عاشت الجزائر اضطرابات إرهابية دامية، وقد اعتبر جل الملاحظين أن حصيلة الهجمات بلغت ما لا يقل عن أربعين ألف وربما أكثر . كما حصدت الأعمال الإرهابية في أفغانستان وباكستان والهند والسعودية ودول أخرى الآلاف من الضحايا، وعندما نصل إلى العراق نجد الاعمال الإرهابية حولته بعد سقوط التمثال حتى موعد تشكيل الحكومة الانتقالية الى لوحة متشحة بدماء الاطفال والنساء، ومطرزة بجماجم العزّل والابرياء. فلم يبق جزء بما فيها الأماكن المقدسة لدى الشعب إلا واستباحته الموجات الإرهابية المعادية للسلام والحرية...الخ.

وأما التوجه الثاني فتتبدي لنا بجلاء في مواضع عديدة من الكتاب يعزف فيها المؤلف لحن عظمة الإسلام في شجب العنف، حيث  يقول الغرباوي :" إن ممارسة العنف واستخدام القوة في الإسلام تجري وفق ضوابط خاصة تطوقها خطوط حمراء ومساحات محرمة واسعة، فهي قوة للدفاع عن النفس والحقوق المشروعة، لا يسمح معها بالاعتداء والتجاوز على العزّل والأبرياء من الناس، أو الإطاحة بالممتلكات العامة، تحت أي عنوان كان ما لم يجد العنف مبرره الشرعي. كما أن القوانين الدولية الرافضة للإرهاب تلتقي مع الإسلام في استخدام القوة دفاعا عن النفس وردعاً لتجاوزات المعتدين، وترفض أيضاً استخدام العنف اللامبرر.

وأما النزعة العقلية فتبدو لنا واضحة في نظرته وأفكاره النقدية واحتفائه بالعقل في كل ما يطرح من قضايا وما يثيره من إشكاليات، سواء كانت هذه الأطروحات مستقاة من لمحات تراثية أو مستمدة من وقائع وطواهر فكرية وثقافية معاصرة . ونعتقد بيقين أن المؤلف بنزعته هذه يحقق درجات عالية من المصداقية في كل ما يقدمه لنا في هذا الكتاب من حيث تنطلق هذه النزعة أساساً من رفضه للثقافة السائدة لكونها في مجملها مدفوعة بالسطحية، داعمة للفكر الرجعي، داعية إلي الجمود والانغلاق، ومن ثم فإنها لم تثمر إلا تخلفاً ونكوصاً في مجملها مدفوعة بالسطحية، داعمة للفكر الرجعي، داعية إلي الجمود والإنغلاق . ومن ثم فإنها لم تثمر إلا تخلفاً ونكوصاً يضاعف أبعاد المسافة بيننا وبين الحضارة والفكر العالمي المعاصر، ويند آمالا وأحلاماً لنا مشروعة في التغيير إلي ما هو أفضل.

إن هذه النزعات وما صاحبها من توجهات قد أسهمت في تشكيل رؤي المؤلف وتنظيراته التي ضمنها كتابه الذي بين أيدينا.

وينهج ماجد الغرباوي في معالجته لقضية "تحديات العنف" خلال أبواب وفصول هذا الكتاب، منهجا تاريخياً- نقدياً  - مقارناً في كل فصول الرسالة، مع استخدام منهج تحليلي تركيبي، بمعني أنه كان معنياً بتحليل أقوال توجهات القائلين بالعنف، حيث ارتكز المؤلف في كتابه إلي دراسة النصوص الدينية، وفلسفة أخرى في فهم الحقيقة. وتعمـّد المؤلف طوال البحث إلى استفزاز الوعي، وفتح الأضابير المحرمة، غير مكترث لأي ممنوع او محرم. ولا ينسى التأشير على الدوافع الشخصية والايدولوجية في فهم النصوص. والمحاولات المتكررة من قبل المذاهب والأديان ورجال الدين لاحتكار الحقيقية وتوظيفها لخدمة التبشير الديني، بعد تكفير المختلف والمعارض.

كما اعتمد الباحث ماجد الغرباوي في دراسته لهذا الموضوع علي المصادر الأصلية التي اشتملت علي تعريف العنف وتاريخه وفلسفته وانواعه، ثم التحديات الكبيرة للعنف على جميع الأصعدة. إضافة إلى دراسة مسيرة الحركات الإسلامية المتزامنة مع ممارسة العنف. وقراءة في الآيات والاحاديث التي يرتكز لها خطابها التكفيري، ومناقشة الفتاوى الدموية وفقه الكراهية الذي يتشبث به بعض الفقهاء لاستباحة دماء الناس. ولم يقتصر العنف على الحركات الإسلامية وحدها فهناك عنف الدولة والسلطة وعنف الفرد والقبيلة وغيرها من الأنواع.

يقع الكتاب الذي بين أيدينا في 417 صفحة موزعة علي مجموعة من القضايا والمحاور وذلك علي النحو التالي : بدأ المؤلف العنف تاريخياً، حيث تناول دلالاته الاصطلاحية، ثم عرض بعد ذلك للحديث عن القوة كمفهوم مغاير، حيث تناول القوة والعنف، القوة .. التسليح والتعبئة، القوة .. المدويات والأهداف، القوة .. المحددات والضوابط . كما تناول بعد ذلك فلسفة العنف من خلال العنف ومصداقية السلم وسيكولوجياً العنف، ولم يكتف بذلك بل راح المؤلف يتناول التحديات المختلفة للعنف سواء فيما يتعلق بمشروعه الحضاري أو وحدة المجتمع والأمة، أو الحوار بين الحضارات، أو أمن واستقرار الجاليات الإسلامية، أو قيام المجتمع المدني . ثم انطلق المؤلف عقب ذلك للحديث عن أشكال العنف من خلال : عنف الدولة، وإشكالية الفكر السياسي، أزمة السلطة، فخ العنف، أو الشعب ضد الدولة أو الدولة ضد الدولة . ثم تطرق بعد ذلك لموضوع مهم جداً وهو الحركات الإسلامية والعنف، وذلك من حيث التعريف بها، والركائز الفكرية، والإنجازات، والنشأة، كما تناول في ذات الموضوع لحركات إسلامية أخري، مثل الإخوان المسلمون في مصر، وحزب الدعوة الإسلامية في العراق وحركات إسلامية أخري ببعض الدول العربية، حيث تمكن المؤلف من أن يكشف أسباب ظهورها من خلال حركة الإصلاح الديني وسقوط دولة الخلافة، والاستعمار، والاستبداد، وفشل المشاريع الوطنية...الخ. كما تناول المؤلف لقضية مهمة بعد ذلك ألا وهي التطرف الديني والعنف، حيث أوضح لنا بداية العنف وأسبابه وذلك من خلال : الحاكمية الإلهية، وجاهلية المجتمع، والجهاد وفتاوي الفقهاء وعنف السلطة وأمور أخري. ثم تناول المؤلف بعد ذلك للسيرة النبوية والعنف مع قراءة لبعض آيات القتال في القرآن الكريم كما جاء في سورتي (الأنفال ويوسف) مع تحليل لأدلة القائلين بالحرب الابتدائية : سواء فيما يتعلق بحكم المشرك غير المعاهد، أو حكم المشرك المعاهد الناقص للعهد، أو حكم المشرك المعاهد الذي لم ينقض العهد، أو حكم أهل الكتاب. وأخيراً تناول أهم المصادر والمراجع التي عول عليها.

وفي نهاية عرضنا يمكن القول بأن كتاب " تحديات العنف" لماجد الغرباوي، سياحة عقلية خالية من أي تعصب، بعيدة عن أي إسفاف، مجردة من أي هوي، واعية متأنية في ذاكرة تاريخ الفكر الفلسفي الإسلامي نقف من خلالها مع المؤلف علي استقصاء دوافع العمل الإرهابي، إلا أنها تأمل أيضاً في تحديد شروط ممارسة القوة في الإسلام. فليس العنف مرفوضاً مطلقاً، وإنما له مبرراته الموضوعية سيما مع المعتدي الرافض للغة الحوار ولا يفهم سوى منطق القوة والعنف. أو كما في حالات الدفاع عن النفس أو مباغتة العدو المتأهب لقتال المسلمين خشية الاحاطة بهم إذا كانوا قادرين على ذلك. إذن فامتلاك القوة أو أن تكون قوياً أمراً ضرورياً جداً، لأن امتلاك القوة لا يعني العنف وإنما ( أن تكون نفسك لا غيرك ... وأن تمسك بزمام الحياة في عملية إدارة وقيادة .. أن تعطيك الحياة طاقاتها وثروتها لتسخرها كما تريد، وتفجرها كما تشاء، وتصنعها كما يروق لك. إما أن تفقد القوة ..فتكون ضعيفاً ..  تفقد القدرة على الصراع وعلى الحركة ..  فمعناها أن تكون صورة غيرك.. وظله، كمثل الشبح الذي يبدو، ويزول، ليعود في بعض اللمحات، باهت اللون، ضائع الملامح .. وأنك لا تشارك في الحياة إلا من بعيد تماماً، كاللمحة الخاطفة من الضياء الخافت الآتي من مسافات شاسعة على خجل واستحياء، من أجل أن يخترق سواد الليل فلا يخدش إلا بعض حواشي الظلام، بكل هدوء) .

وأخيراً وليس آخراً أقول إنني استمتعت بقراءة هذا الكتاب الجاد الذي رجع صاحبه لكل الأصول المتاحة، وهي هائلة كماً وكيفاً وتقصت حقيقة كل ما له علاقة بتحديات العنف في تراثنا العربي – الإسلامي، واجتهد في التأويل والتفسير، ونقل إلينا دهشته وشغفه فشاركناه مشواره، وأحسب أن هذا الكتاب فريدا في منحاه ومنهجه في كتاباتنا العربي، فهو ليس تأريخاً سردياً، وإنما هو تأريخ لحقبة من الفكر في تراثنا العربي – الإسلامي من خلال التحديات التي تواجه الجاليات العربية والمسلمة بسبب العنف، مستحضراً أمثلة كثيرة واجهت العرب والمسلمين كردود فعل سلبيه من قبل المتطرفين، كما قارن المؤلف في كتابه حال الجاليات قبل موجة العنف وبعدها، والإجراءات التي باتت تواجه العربي والمسلم في المطارات والأسواق، وتوجس الشعوب الأخرى من العرب والمسلمين تحديدا.

وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول بأن هذا الكتاب كشف لي بأنني إزاء نموذج نادر يصعب أن يتكرر، لمثقف واسع الثقافة وكذلك لمفكر حر نزيه لا يقيم وزناً ولا يحسب حساباً إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا أنه كان يقدم مادته العلمية فى أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق تجعلها أشبه ما تكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من دقتها الأكاديمية، ولهذا لم أكن مبالغاً حين قلت في عنوان الكتاب بأن ماجد الغرباوي - مؤلف الكتاب يعد بالفعل في مرحلتنا الراهنة "أيقونة التسامح في زمن العنف".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

علي جابر الفتلاوييقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي وهو يتحدث عن حياة المفكر الإيراني الدكتور علي شريعتي: ولد عام 1933م، في قرية (مزينان)، وهي تابعة لمدينة (سبزوار) في إقليم (خراسان) في إيران، وتوفي  في لندن بتأريخ 21- 11- 1977م.(1)

الدكتور علي شريعتي هو ابن المفكر محمد تقي شريعتي، الذي قام بتوعية الجماهير بالدور الحقيقي للدين في المجتمع، وأحد مؤسسي (مركز الحقائق الاسلامية) في مدينة مشهد، وكان له دور مهم في مسيرة الجهاد الاسلامية... علي شريعتي سليل عائلة علمية، نشاطه لم يعجب حكومة الشاه، ضايقته وسجنته، ثمّ اطلقت سراحه مما اضطره للانتقال إلى لندن، وبعد شهر من إقامة الدكتور علي شريعتي في لندن عُثر عليه ميتا في شقته، ميتة غامضة، قالت سلطة الشاه في حينها أنّها نوبة قلبية؛ أنّها من تلك النّوبات المصطنعة التي دبّرتها السلطة عشرات المرات لأعدائها، ولم تسمح لجثمانه بأنْ يًدفن في إيران، فنُقِل إلى دمشق، ودُفِن في الحرم الزّينبي، ترك حوالي مائة وعشرين عملا ما بين فلسفي، وأدبي، وثوري.(2)

صنّف الدكتور عبد الجبار الرفاعي (ص100 - 102) من كتابه (الدين والظمأ الانطولوجي) علي شريعتي على تيار الهوية ((الذاتية))، ضمن عدد من اتجاهات التفكير الديني المعاصرة في ايران واستدلّ على انتمائه لهذا الاتجاه الفكري من خلال دعوات علي شريعتي إلى: الأصالة، والهوية الحضارية، والذاتية، وعدّ كتاب علي شريعتي (العودة إلى الذات) دليلا على صحة استنتاجه عن فكر الدكتور شريعتي، وأضاف واصفا فكره: أنه لا يقارب مفهوم الذاتية والهوية من منظور انطولوجي، وإنما يقدّم تفسيرا اجتماعيا ثقافيا ثوريا من (أجل العودة إلى الذات).

يرى الدكتور الرفاعي أنّ مَنْ ينطلق دفاعا عن الهوية الذاتية يسير في المسار الخطأ، إنْ كان المسار خارج المنظور الوجودي (الانطولوجي) للانسان، وهذا يعني من منظوره أنّ الدفاع عن الهوية يقود إلى الانغلاق وخارج المسار الصحيح، الدفاع عن الهوية أما أن يكون ضمن المنظور الانطولوجي أو لا يكون.  نشير أنه قد لا يتوافق مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي مفكرون آخرون في هذه الرؤية.

 أرى أنّ كلّ رؤية تحتمل الخطأ والصواب، أو على الأقل نسبة منهما؛ لكنّ الدكتور الرفاعي لا يشير إلى ذلك. وصف (علي شريعتي): أنّه حرص على صياغة تفسير ثوري للدين، وسعى إلى وصل العقيدة بالثورة، وبناء رؤية ثورية للنص الديني والثراث والتأريخ...أدرك شريعتي أنّ تفسيره الثوري للدين يتطلب قراءة ايديولوجية للدين، وهذه الايديولوجيا تستوعب أهم أسباب النهضة والتطور والتنمية... الأدلجة غاية لإنسانية الانسان لدى شريعتي.

لا يتوافق الدكتور الرفاعي مع الدكتور علي شريعتي في هذه الاتجاه يقول: إنّه يغالي بوظيفة الايديولوجية، لدرجة أنها ترتقي لتكون وصفة تعالج كلّ تشوّهات وأمراض المجتمع، وتمنحه مجموعة أحلامه صفقة واحدة، إنه يشدّد على أخلاقية الايديولوجيا وابتكارها لقيم جديدة.(3) 

 لا أتوافق مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي في توصيفه للدكتور علي شريعتي، لأنّي أفهم فكر الدكتور علي شريعتي أنه يمثل مرحلة زمنية معيّنة؛ انتشرت فيها أيديولوجيات من أهدافها تنحية الدين عن المجتمع جانبا وعزله، ولمواجهة هذا التطرف، لابد من فكر آخر يمثل الإسلام النقي، لأنّ المواجهة يجب أن تكون بنفس الأدوات. أيديولوجية علي شريعتي تعتمد على فكر الاسلام بفهم عصري يتناسب والظرف الذي عاش فيه الدكتور شريعتي، لقد أدّى دورا مهما في مرحلة زمنية معينة، نوّر فيها القرّاء عن الفكر الاسلامي بعيدا عن التقاليد الموروثة، فِكْر يحترم الانسان المختلف، هدفه العدالة ويحمل صفة الانسانية بعيدا عن مصادرة فِكْر الآخر، ليس بالضرورة أن يصادر الفكر الايديولوجي الفكر الآخر، في تقديري أن الفكر الاسلامي المنفتح يتميز عن غيره من الأفكار أو الايديولوجيات، الدكتور علي شريعتي يحمل هذه السّمة.

487 الظمأ الانطلوجي

 الدكتور عبد الجبار الرفاعي لا يرى في أيديولوجية علي شريعتي منبعثة من المنظور الانطولوجي، أرى أنها تنبعث من هذا المنظور طالما جذورها الاسلام الأصيل غير المشوّه كالإسلام الوهابي، أيديولوجية علي شريعتي تختلف عن الايديولوجيات الاخرى البعيدة عن الاسلام أو التي تحمل الاسلام اسما وترتدي زيّ الاسلام تزويرا وظلما مثل اسلام التكفيريين، الأيديولوجية التي تستوحي مبادئ الاسلام النقي غير المشوّه هي المقبولة، كأيديولوجية الدكتور علي شريعتي؛ على عكس الايديولوجية الأخرى التي تكون أساسياتها ومنطلقاتها عقلية بحتة بعيدا عن المنظور الديني الانطولوجي، والعقل البحت ليس بالضرورة أن يكون مصيبا، كما لا يوجد انتاج عقلي لا يخضع للتغيير حسب سنن التطور.

أرى أنّ  أيديولوجية علي شريعتي تمثّل مرحلة زمنية دافعت فيها عن الاسلام الاصيل بنفس أدوات العصر الذي عاش فيه، وقد أدّى دوره بنجاح، وأظهر مدى صلابة وسلامة هذا الفكر؛ أرى كل سلاح يُشهَر بوجهك، لابدّ أنْ يُقابل بسلاح مثله كي يتحقق الانتصار، إضافة إلى ذلك لعب فكر علي شريعتي دورا مهما في توعية الشباب الإيراني قبل الثورة الاسلامية، إذ قام بدور تحريضي للمجتمع الإيراني كي ينخرطوا في مناهضة حكومة الشاه. يقول علي شريعتي عن مشروعه الايديولوجي: إنّ منطلقنا هو الذات الاسلامية نفسها، وينبغي أن نجعل شعارنا هو العودة إلى هذه الذات نفسها؛ لأنها الذات القريبة من بين كلّ الذوات، وهي الثقافة الوحيدة التي لا تزال حيّة حتى الآن، وهي الروح والإيمان والحياة الوحيدة في المجتمع الآن، ذلك المجتمع الذي ينبغي للمفكر أن يعمل من خلاله، ويعيش وينبض. (4)

من كلام الدكتور علي شريعتي نستوحي أن أيديولوجيته تختلف عن الأيديولوجيات السائدة، فهي مستوحاة من الدين وليست من ابتكار العقل المجرد، كالأيديولوجية الماركسية مثلا، أيديولوجية شريعتي اسلامية ثورية جاءت في زمن شيوع الايديولوجيات، ايديولوجية شريعتي مطلبية مستوحاة من فكر الاسلام.

يعطي الدكتور عبد الجبار الرفاعي حكما عاما عن الايديولوجيات، لا يميّز أو يفرّق بين ايديولوجية وأخرى، قال عن أيديولوجية علي شريعتي نقلا عنه: أنها تستوعب في رأيه أهم أسباب النهضة والتطور والتنمية، الأدلجة عند علي شريعتي حسب توصيف الدكتور الرفاعي: غاية لإنسانية الانسان، فمن لم يكن مستنيرا مسلما فلابد أن يكون ماركسيا من أجل أن يحتفظ بآدميته.(5)

لست بالمطلق مع الدكتور علي شريعتي، أو الدكتور عبد الجبار الرفاعي، لا أتوافق مع الدكتور الرفاعي في رفض أي أيديولوجية، ولا أتوافق مع الدكتور شريعتي في قبول أي أيدلوجية، الايديولوجية المصنعة من فكر الانسان المطلق مرفوضة متوافقا مع الدكتور الرفاعي في هذا الاتجاه، لوجود سلبيات كثيرة منها حسب ما ذكر الدكتور الرفاعي (ص109): الايديولوجيا تعطّل التفكير التساؤلي الحرّ المغامر الذي يتخطى ترسيماتها وحدودها. ولست مع الدكتور شريعتي في قبول أي أيدلوجية، فمن الايديوليجيات من يصادر إنسانية الانسان، ومنها من له عمر زمني تموت بانتهاء عمرها، حتى أيديولوجية علي شريعتي انتهى عمرها بانتهاء المرحلة الزمنية التي أدت غرضها فيه، أصحاب الأيديولوجيات وأنصارها، دائما ما يصورونها حيّة صالحة لكل زمان ومكان، في تقديري لا توجد أيدلوجية تصلح لكل زمان ومكان، فلكل أيديولوجية غرض؛ ينتهي عمر الايدلوجية بانتهاء غرضها.

أخيرا أقول هذه المقالة الرابعة والأخيرة عن كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) للدكتور العراقي المفكر عبد الجبار الرفاعي، والمقالات الأربع دليل الاعجاب بفكر الدكتور الرفاعي، ادعو له بالموفقية وإلى مزيد من الانتاج المبدع النافع الذي يغذي الفكر والروح، مع تقديري الكبير له.

ارجو المعذرة إن تقاطعت معه في بعض الفقرات، لأني أكنّ له الاحترام والمودة.

 

علي جابر الفتلاوي

...........................

(1): الدكتور عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الانطولوجي، ص105.

(2): الدكتور علي شريعتي، العودة إلى الذات، المقدمة بقلم المترجم الدكتور ابراهيم الدسوقي شتا، استاذ اللغات الشرقية، كلية الآداب، جامعة القاهرة، ص10و ص14- 15.

(3): الدتور عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص107- 109.

(4): الدكتور علي شريعتي، المصدر السابق، ص54.

(5): الدكتور عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص108.

 

961 المحامين العراقيينعن دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع في كربلاء المقدسة صدر حديثا الجزء الأول من كتاب (تاريخ نقابة المحامين العراقيين 1933- 2019) لمؤلفه أحمد مجيد الحسن، في حلة زاهية وطبعة أنيقة وصور ملونة ووثائق في غاية الأهمية .

وقد جاء في مقدمته ((تعد نقابة المحامين من الصروح المهنية المهمة التي أثرت كثيراً في الوعي الوطني والسياسي والثقافي والديمقراطي في العراق منذ تأسيسها سنة 1933، وساهم أبناؤها في تأسيس وبناء العراق الحديث، منذ انبثاق الحكم الوطني سنة 1921 إلى اليوم، فلقد تسنموا المناصب العليا، كرئاسة الوزراء والوزارات ورئاسة وعضوية مجلسي النواب والأعيان في العهد الملكي، فضلاً عن سائر الوظائف المهمة الأخرى.وامتد ذلك الأمر إلى العهد الجمهوري في جميع أدواره والى الآن، في تسنم الوظائف العليا التي ذكرت آنفاً وغيرها كالمجلس الوطني ومجلس النواب الحالي؛ لذا كان من الواجب، تسليط الضوء على ذلك الدور المهم الذي اضطلعت به نقابة المحامين في تاريخ العراق الحديث، إذ أن تاريخها هو جزء مشرق من تاريخ العراق، وان الحاجة الآن تبدو أكبر لتعريف الجيل الجديد من الزملاء المحامين أو غيرهم، بتاريخ نقابتهم المشرف ومدى مساهمتها في صنع الأحداث التي مر بها العراق)).

ومن باب الوفاء والأمانة يقف المؤلف مشيدا بجهود من سبقه في الكتابة عن المحامين ونقابتهم، فيقول : ((ولا يخفى فقد نُشرت عدة كتب ودراسات تتعلق بنقابة المحامين العراقيين، ولكنها كانت تتعلق بمرحلة معينة من تاريخها أو نشاط معين فيها.وبهذه المناسبة أود الاعتراف بأن جميع من كتب في ذلك، بما فيها مؤلف هذا الكتاب، هم عيال على كتاب (تاريخ المحاماة في العراق) للمرحوم احمد زكي الخياط الصادر سنة 1973عن مطبعة المعارف في بغداد، فهو يعد المصدر الأهم لغاية سنة إصداره، لأنه كان معاصراً لتأسيس النقابة ومساهماً في إدارتها ونشاطها، ومطلعاً على الكثير من الوثائق ذات العلاقة، ومن مصادر الكتاب المهمة الأخرى، ما نشره مدير الإدارة السابق في نقابة المحامين السيد طارق رؤوف محمود في مجلة (القضاء) والمواقع الالكترونية من مواضيع مهمة عن مجالس نقابة المحامين وعن مجلة القضاء ومواضيع أخرى غطت جوانب كثيرة تتعلق بنقابة المحامين وتاريخها، وكذلك كتابا المرحوم زكي جميل حافظ (شاهد على ثلاثة عهود)، و(الذكرى الأربعون ؛ اتحاد المحامين العرب)) والأخير مازال مخطوطا .

في الباب الأول تحدث المؤلف عن الشرائع العراقية القديمة، وتحدث في الباب الثاني عن المحاماة في العهد العثماني ذاكرا أول تشريع للمحاماة ومدرسة الحقوق في اسطنبول، قبل أن ينتقل في الباب الثالث إلى المحاماة في العراق في العهد العثماني وتأسيس مدرسة الحقوق في بغداد والمحاماة أيام الاحتلال البريطلني، وجاء الباب الرابع للحديث عن المحاماة بعد تأسيس الحكم الوطني، ثم توالت الأبواب الأخرى للحديث نقابة المحامين العراقيين وهيكلها التنظيمي ودوراتها الانتخابية ومؤتمرات المحامين وبنايات النقابة وإصداراتها ومواقف النقابة ومشاركاتها في المحافل العربية والدولية لتختم في الباب الرابع عشر الذي خصص لصندوق تقاعد المحامين، وقد تضمن كل باب من الأبواب مجموعة من الفصول التي ألقت الضوء ساطعا على موضوعاتها .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

- "المعروف منهج حياة"

- "القرآن الكريم كتاب يعني بالعمل أكثر مما يعني بالرأي"

محمد اقبال

نظرة سريعة على مؤلفات علم الأخلاق العام لعلماء الغرب تكفي لملاحظة الفراغ العميق بسبب صمتهم المطبق عن علم الأخلاق في القرآن الكريم. إذ أن هذه المؤلفات تذكر باختصار أو بإفاضة المبادئ الأخلاقية في نظر الوثنية الإغريقية ثم ديانتي اليهودية والمسيحية، ثم تنقلنا فجأة إلى العصور الحديثة في أوروبا، متجاهلة كل ما يمس النظام الأخلاقي في الإسلام. برغم أن العطاء القرآني في هذا الموضوع ذو قيمة لا تقدر، يفيد النظريات الأخلاقية سعة وعمقًا وتناسقًا، كما يفيد المشكلة الأخلاقية ذاتها في حل مصاعبها الدائمة والمتجددة. ولو أننا رجعنا إلى الكتب الأوربية التي تعالج الإسلام خاصة، فسوف نجد أن محاولات قد تمت خلال القرن التاسع عشر من أجل استخراج المبادئ الأخلاقية من القرآن، بيد أن إطار هذه المحاولات كان في الغالب محدودًا، إذ أغفل الجانب النظري من المسألة فلم يحاول أحد أن يستخلص من القرآن المبادئ الأخلاقية العامة فضلًا. وقد عرفت المكتبة الإسلامية نوعين من التعاليم الأخلاقية: إما نصائح عملية هدفها تقويم أخلاق الشباب واقناعهم بالقيمة العليا للفضيلة، وإما وصفًا لطبيعة النفس وملكتها، وتعريفًا للفصيلة وتقسيمًا لها، فهي كتب إنسانية محضة، لم يظهر فيها النص القرآني كلية، أو ظهر بصفة ثانوية. مما دعانا إلى تناول الموضوع من جديد، ومعالجته بمنهج علمي دقيق، من أجل تصحيح هذه الأخطاء، وملء الفجوة في المكتبة الأوروبية، وحتى يتمكن الغرب من أن يروا الوجه الحقيقي للأخلاق القرآنية.[1]

وبالمثل في الكتابات العربية نجد أن بعض شعب الإيمان لقيت من الدراسة ما جعلها قريبة المآخذ يسيرة العرض، بل لقد حُسبت الإسلام كله لطول ما توافر العلماء على خدمتها، وذلك كفقه العبادات وما تضمن من طهارة وصلاة وزكاة، وفقه المعاملات من بيوع وشركات ومعاوضات وغيرها..، إن هذه الجوانب من ديننا العظيم استبحر الكلام فيها، وبرز فيها أئمة مرموقون. أما الجانب النفسي والخلقي، فهو على جلالته مغموط الحق، ولم يلق العناية الدقيقة التي لقيتها الجوانب الأخرى. لماذا لا تؤلف كتب في الإخلاص والتوكل، والتقوى والأمانة، والصبر والحب، والتي فيها معان تعد من شعب الإيمان، أو هي من أركانه الركينة. وتحرير هذه المعاني وفق تفاسير مضبوطة، وشروح مستفيضة خدمة جلية للإسلام، فالأعمال الظاهرة من عبادة ومعاملة ما تصدق ولا تكمل إلا إذا اتسقت وراءها هذه المعاني الباطنة، وتخللت مسالك الفؤاد، ولذلك يجب أن تطرق موضوعاتها بكثرة ودقة. وميدان التربية الإسلامية في هذا العصر أحوج ما يكون إلى هذه الدراسات؛ فالتعاليم المدنية تأتي من كل فج، وتقتحم طريقها إلى الأشخاص. وإذا لم نحسن البناء الداخلي للنفوس ورفع الإيمان على دعائمه الفكرية والعاطفية كلها، فإن الأجيال الناشئة ربما شعرت بنقص في كيانها الروحي تسعى كي تستكمله من جهات أخرى قد تكون غير صادقة ولا تنقل الحقائق الإسلامية كما هي. إن الدين الذي نزل به الوحي هو الإسلام إن نظرنا إلى السلوك الظاهر والعمل البين، وهو الإيمان إن نظرنا إلى اليقين الباعث والعقيدة الدافعة، وهو الإحسان إن نظرنا إلى كمال الأداء والوفاء على الغاية عند اقتران الإيمان الواضح بالعمل الصالح. والإيمان إذا صح لابد أن بنتج العمل، والعمل إذا صح لابد أن يرتكز على الإيمان، والإحسان إذا صح لا ينشأ إلا من إيمان راسخ وعمل كامل، والإسلام لا يصح إلا بالروح الكامنة فيه، والوقود المحرك له أي الإيمان الحق.[2]

يقول "مارسيل" ليس الإسلام دينًا فقط، بل هو حياة جديرة أن تحيا في الوقت الحاضر، وكلمة religion الغربية لا تعبر إلا جزئيًا وبشكل غير كامل عن المفهوم الإسلامي لكلمة دين الغامضة المعنى والمجهولة الأصل الوضعي في العربية. فقد تعني كلمة دين في الإسلام الحقيقة والعرف والتصرف السوي والموقف السليم، وتجمع بمعناها الواسع الإيمان والإسلام والإحسان. فقد بين الله في رسالته إلى الناس الحقيقة والشريعة ومكارم الأخلاق، فالحقيقة تتصل بالعقل، والشريعة بالإرادة، ومكارم الأخلاق بالوجدان. والصلة بين عناصر هذه التعاريف الثلاثة الأساسية وثيقة لا تنفصم عراها، يؤكد ذلك أركان الإيمان، وهي الإيمان بالله ورسوله وما أنزل إليه والكتب التي انزلت من قبل والملائكة واليوم الآخر. ويميز الربط بين طرف الإيمان المبدئي وطرفه النهائي طبيعة الإسلام الخاصة، وهي أنه توحيدي أخروي، يعزز وحدانية الله فيه.[3]

يشكل الخلق الإسلامي جزءًا لا ينفصل عن الدين الذي هو في نظر السنة طريقة التعامل مع الآخرين، ولن نحكم إلى أي مدى هو مطبق ومحترم في أيامنا، فقد قال محمد عبده أن حياة المسلمين أصبحت في الوقت الحاضر مظاهرة ضد دينهم. فقد يكون ضعف الإيمان وانحرافاته مماثلة في الواقع لما قد تكونه الرذائل المناقضة للفضائل المتعلمة من الله والنبي محمد، وهي رذائل تسيئ إلى المسلمين، فساد العقيدة والجهل الفكري، والظلم والاستبداد، والخيانة، والغش والمخادعة حتى حيال الله. ويعتبر المنظور الخلقي العام تبعًا لجوهر الدين نفسه، وإذا كانت المحبة أهم الفضائل الإلهية في المسيحية، فإن الأفضلية في الإسلام هي الإيمان. فالسبيل في المسيحية إلى الخلاص هو الزهد، وفي الإسلام السبيل في التقى والتقيد بالقانون، باعتبار أن الخلاص للقاعدة رفع المؤمن معنويًا وروحيًا، ويبدو أن هذا الفرق الجوهري هو السبب في عدم فهم الغرب للخلق الإسلامي الذي قد يخيل لهم أنه أميل إلى التمسك بالشكليات، ولما كان المسيحي يعتنق دين المحبة أي دين التضحية، فإنه يتوهم اكتشاف نوع من الحصر في نظام الوصايا العملية القرآني. وتختلف نظرة المسلم اختلافًا شديدًا مع تلك النظرة، فهو يرى أن أساس حياته الخلقية برمتها كامن في قرار حر وعقلاني باحترام القانون، لا في بذل جهد فرداني. وبالإجمال تبقى قضية الفرد الكبرى أن يبحث عن اندماجه في النظام الأكمل للعالم، وأن يحظى به، فالخير هو التوازن، والشر هو عدم التناغم، وهما مثبتان محددان في القرآن، يهدفان إلى حفظ حقوق الله وحقوق الإنسان، وهكذا ينبغي أن يجد كل إنسان نصيبه في التناسق.[4]

لم يأت القرآن فقط لتذكير الناس بالعقل السليم، ولإعادة الخلق القويم بينهم، فليست رسالته الوحيدة هي تعزيز الرسل السابقين والربط بين دعواتهم بسياج الوحدة والتصديق عليها، بل القرآن يقصد الإنسان حيث يكون وإلى أي جنس ينتمي، وذلك حين يوجه نداءه إلى العقل والذوق السليم والشعور الإنساني النبيل. وإذا كان القرآن بعيدًا عن أي عامل خارجي قد أثر بصفة دائمة على عقول جد مختلفة فلابد أن يكون ذلك راجعًا إلى ما له من جاذبية خاصة بتوافقه الكامل مع أسلوب الناس الفطري في التفكير والشعور. وباستجابته لما تتطلع إليه نفوسهم في شؤون العقيدة والسلوك، وبوضعه الحلول الناجعة للمشكلات الكبرى التي تقلق بالهم. وبمعنى آخر لابد أنه ينطوي على ما يشبع حاجاتهم إلى الحق والخير والجمال بما يجمع من صفات العمل الديني والأخلاقي والأدبي في آن واحد. ويستند القرآن في أغلب الأحيان على الشعور العام القادر على التمييز بين العدل والظلم وبين الخير والشر ليؤسس نظامه الخلقي، ويعتمد عليه في تعريف فكرته العملية، والتي تدور في معظمها حول المعروف والفعل الحسن. ونظرًا لأن الحاسة الطبيعية التي يلجأ إليها القرآن ليست بنفس القدر عند كل الناس، ولا بالقوة والفاعلية لتلزمهم بالخضوع لقاعدة السلوك، فقد اقتضى الأمر وضع منهج كامل في التربية، وبجوار الحاسة الخلقية وهب الله الإنسان الذكاء والعقل، فإن غاب هذا الشعور الحيوي عن الخير والشر، تبقى فكرة الواجب العام أو المتعارف عليه عالميًا، وهذا هو جوهر مفهوم المعروف.[5]

لماذا مفهوم "المعروف"

تُرجم معنى "المعروف" في العلوم الإنسانية إلى مجموعة من النظريات السلوكية والأخلاقية –دون الإشارة إلى المصطلح صراحة- وهو أساس في الحكم والقضاء إذا ركزنا على مرادف المعروف "بالعرف" السائد في مكان ما، وانصرف الناس إلى هذه النظريات الغربية، دون الالتفات إلى  تاريخية موقع هذا المعنى وترجمته في القرآن الكريم. ونحاول هنا إعادة لهذا لمفهوم تأصيله، ونستدعيه إلى واقعنا وتعاملاتنا اليومية، لنحاكي الغرب في استخدامهم لهذا الأسلوب والمنهج، والذي ساهم في تقدمهم وتعاملاتهم الأخلاقية المتحضرة، مما يجيب على تساؤل يدور في المجتمع الإسلامي، لماذا الغرب متقدمون والدين لديهم ليس أساس للحياة، بينما نحن نعاني من الجهل والتخلف والدين عندنا مكون أساسي في الحياة؟؟ والإجابة واضحة، وهي أننا لم نترجم الدين إلى سلوك وأخلاق، اكتفينا بأركان الإسلام، من صلاة وصوم وزكاة وحج بيت الله، وأغفلنا المنهج الذي نسير عليه، والمذكور جملة وتفصيلًا في كتاب الله "القرآن الكريم".

يقول كيفين رينهارت أن القرآن الكريم يشتمل على مفاهيم حياتية، تفتح مجالات لأسس التعامل سواء على مستوى فردي أو مستوى مجتمعي، فهو لا يعطينا أنماط فكرية أو مفاهيم نقف عندها وحسب، بل يفتح آفاق جديدة للتفكير. ويؤكد غلى أن "المعروف" مفهوم شامل، وهو المصطلح الأفضل ليساعدنا على فهم طبيعة العلاج الأخلاقي القرآني، وفي الترجمة الانجليزية لا يوجد مصطلحات كافية لفهم هذا المصطلح الهادف للتقييم الأخلاقي، إذا إنه يشتمل على معنى كل ما هو حسن، والمعاملة الجيدة الطيبة مع الآخر، ويقترن بالإحسان، وعادة ما يترجم إلى كلمة "طيب" Kind ، والتي تترجم في حد ذاتها على أنها مجرد فعل طيب، وهي غير كافية لوصف المفهوم، لذا يفضل استخدامه في لفظه العربي "المعروف".[6]

ومن ثم فقد أثرنا التركيز على مفهوم "المعروف" لأنه مفهوم شامل وعام، فهو أعم من المودة والحب، وبالالتزام به ستصل إلى درجة الإحسان، ثم إلى تزكية النفس، التي هي من القيم العليا. ويتضمن "المعروف" المعاملة الحسنة لمن تحبه ولا تحبه، ولا يرتبط بالعاطفة المتقلبة وفقاً لأهواء النفس، بل هو سلوك ينطوي على الاحترام وعدم الإساءة حتى لمن أساء إليك. وهذا ما نحتاج إليه في تعاملاتنا اليومية، ونحتاجه أكثر في الحفاظ على العلاقات الإنسانية، واستدامة الحياة ولو انتهت مشاعر الحب بينك وبين أقرب الناس إليك، ستبقى المعاملة الحسنة. إن دائرة المعروف والمنكر لا تقتصر على الأفعال والأقوال لتكون مقتصرة على دوائر الأحكام الشرعية التقليدية من عبادات ومعاملات، بل تتسع لتشمل كافة أبعاد الوجود الإنساني بما يشمل عقائد الإنسان ومشاعره. ولا تقتصر على الجانب الفردي في حياة البشر بل تتوسع لتضم باقي الجوانب التي تتعلق بالاجتماع الإنساني أو الجانب الاجتماعي، بل أكثر وأوسع لتشمل كل نواحي حياة الإنسان وعلاقاته.

فمما لا شك فيه أننا نعيش أزمة فيما يتعلق بالأخلاق والقيم، والأزمة الأكبر في تبرير هذا الانهيار تحت شعارات رنانة تجد صداها لدى البعض ممن يرغبون في الحرية المطلقة، والأنانية في استخدام هذه الحرية لحد إيذاء الغير معنويًا، سواء بالتعدي على معتقداته وقيمه الخاصة، أو اتهامه بالتخلف والرجعية. وتجد هذه الشعارات صدى لدى البعض –والذي أظنه النسبة الأكبر- ممن يفتقدون القدوة والمنهج الصحيح الذي يسيرون عليه، بشرط أن يحاكي هذا المنهج واقعهم، ولا يتحدث عن عالم يوتوبي مثالي. وفي كل الحالات نحن نتعامل مع إنسان بكل مكوناته المعرفية والعقلية والسلوكية، التي تنعكس في صورة معاملات. والقرآن الكريم بين لنا جملة وتفصيلًا مناهج عدة لنسير عليها، وتكون أسلوب حياة، سواء فيما يخص العبادات بين العبد وربه، أو المعاملات بين البشر، بل وأيضًا العلاقة بين الإنسان وسائر الكائنات الحية الأخرى والكون.

عندما ضل الإنسان طريقه لعدم معرفته بهذا المناهج، وانفصل الخطاب الديني السائد عن حياة الإنسان وواقعه، فكان من الضروري إعادة طرق باب القرآن الكريم، والنظر فيه بشكل أكثر عمقًا، بوصفه دليلًا ومرشدًا ينير الطريق من جديد، ويطرح حلولًا لما يعانيه المجتمع من مشاكل وأمراض اخلاقية، ويضع له أسس ومبادئ يسير عليها، بما يتوافق مع التغيرات المتلاحقة التي تفرز ظروف وأوضاع جديدة متباينة. إن القرآن الكريم كتاب تعبدي وتعليمي، والهدف منه ليس فقط القراءة والحفظ، بل أنه أعم وأشمل، فهو منهج متكامل للحياة، وقاعدة معرفية تهدف لتغيير الاتجاهات وأسلوب التفكير، وتوجيه السلوك، واكتساب مهارات لكيفية التعامل مع الواقع ومشكلاته. نحن في حاجة إلى إعادة قراءته بشكل مختلف، ليفتح لنا آفاق جديد للتدبر والتفكر، وهو ما وجهنا إليه الله عز وجل في كثير من الآيات التي تحث على التفكير واستخدام العقل، بالإضافة الى اكتساب القيم والأخلاق.

اختلفت الآراء حول الكيفية التي نبدأ بها للتعامل بالمفاهيم القرآنية مع العلوم الإنسانية، هل نبدأ بعرض القضايا الاجتماعية على القرآن، أم الاستعانة بالمفاهيم القرآنية والبدء بالتنظير، وهو ما تناوله البعض تحت مسمى "أسلمة العلوم ألاجتماعية". ولكن هل ينحصر هدفنا في مجرد أسلمة العلوم، أو إثبات أن القرآن شمل كل هذه النظريات؟ الهدف الأساسي الذي يجب وضعه نصب أعيننا، هو ترجمة معاني القرآن الكريم والمفاهيم التي يشتمل عليها إلى أسلوب حياة، ومناهج لحل القضايا الاجتماعية والإنسانية. إنما نهتم هنا بالترجمة الفعلية للمفاهيم القرآنية على أرض الواقع، وتحويلها لأخلاقيات وسلوكيات يمكن تطبيقها، بالاعتماد على الخلفيات النظرية التي تؤطر لكيفية هذا التطبيق ومنهجيته وأساليبه ووسائله، والعقبات والتحديات المتوقعة، ووضع حلول وبدائل لتخطيها. وهدفنا ليس تحسين أو تصحيح صورة الإسلام بعد انتشار الحركات التي ادعت إسلاميتها -وفي الحقيقة هي تعمل ضده مبادئه- بل نهدف لتحسين نوعية حياة الإنسان من خلال الاستعانة بالمنهج القرآني. وهو ما يحقق رسالة الإسلام، والتي أجملها نبينا محمد صل الله عليه وسلم في حديثه الشريف "إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ"[7].

ومن هذا المنطلق لنا أن نختار بين طريقتين: الأولى، اختيار القضايا التي تثير جدل، أو تؤرق المجتمع بشكل مُلح في اللحظات الآنية، وعرضها على القرآن، الثانية، التركيز على مصطلح قرآني، واسقاطه على الواقع بمشكلاته وقضاياه، الاجتماعية والتربوية. وفي كلتا الحالتين سوف نتعامل مع القرآن الكريم ليس فقط بوصفه كتابًا يشمل نظريات وأطر معرفية وأخلاقية وفلسفية يمكن اللجوء إليها، والاستناد على مبادئها للتعاطي مع هذه القضايا، ومن مميزات المنهج القرآني أنه يعالج جذور المشكلات، ولا يقتصر فقط على عرضها ظاهريًا.

يجب فقط أن نُجيد عرض القضية أو المسألة المجتمعية على القرآن الكريم، ونبدأ بتحديد المفهوم، ثم الانطلاق بين ربوع الآيات القرآنية لبيانه وتحليله، ورصد السياقات التي ورد فيها، للخروج في النهاية بمعان متعددة لهذا المفهوم. ولدينا أنواع من القراءات للمفاهيم عبر ربوع القرآن الكريم، منها القراءة بأسلوب كوني يربطها بمعطيات الكون والزمان والمكان، أو أسلوب موضوعي يربطها بالمفاهيم المترادفة لها والمكملة في المعنى، وغيرها من الأساليب المتبعة في منهجية تفسير المفاهيم القرآنية.

وبالنظر إلى واقعنا الحالي ومتطلباته، والرجوع إلى القرآن الكريم لمقابلة هذه المتطلبات ومواجهة التحديات القائمة فيما يخص بناء الإنسان الأخلاقي والقيمي، وجدنا أحد المناهج الذي يعد من وجهة نظر الكاتبة الأنسب لمواجهة هذا التحدي، ألا وهو "المعروف". وحين نتعمق في دراسة هذا المفهوم القرآني، نجد أنه يشتمل على منظومة خلقية وتشريع قرآني إلهي، فهو متعدد المعاني والأهداف، ففي الوقت الذي يصلح لأن يعبر عن الكلمة الطيبة البسيطة، نجده يضع قاعدة صارمة أيضًا للتعامل في بعض الحالات التي تتضمن أحكام شرعية، لذا فهو العلاج والأسلوب الأمثل لعصرنا هذا. وبالتدقيق لوحظ أن المفسرون الاوائل لم يتعمقوا في وصف أو شرح مفهوم المعروف، لأنه لا يحتاج إلى توضيح أو التركيز عليه، ولعل اختلاف الوقت والظروف والمشكلات هو ما جعلنا نحن نحاول فهم المصطلح كما قصده القرآن وقت نزول الوحي، بغرض انزاله على واقعنا الحالي بما طرأ عليه من خلل واضطراب اخلاقي وقيمي. ولكن توجد بعض المحاولات التي تناولت "المعروف" في أعمال ركزت على الجانب الأصولي المقارن بين فهم الفقهاء والمفسرين لدور المفهوم في عملية الحسبة، وهذا في أعمال محدودة للغاية، وتتسم بالنظرية والتخصص الأكاديمي. لكن لم يتناوله أحد من الجانب الاجتماعي والتربوي الذي أثرنا أن نركز عليه في هذا العمل، وهذا لنؤسس للمفهوم أن يصبح ثقافة متكاملة وليس مجرد سلوك وأفعال، بل يكون منهج وأسلوب حياة وفكرة.

يستند هذا العمل إلى مبدأين رئيسين:

إيجاد حلقة وصل ما بين العلوم الشرعيَّة والعلوم الإنسانيَّة، ولا سيما علوم النفس، والتربية، والاجتماع، ويتحقق هذا من خلال:

استنباط المضامين التربويَّة والاجتماعيَّة من القرآن الكريم.

الاستعانة بالمنهج للقرآني للتعامل مع المشكلات الاجتماعيَّة.

اكتشاف آفاق لاستبدال المفاهيم السلبيَّة المرتبطة بالأسرة بمفاهيم إيجابيَّة من داخل المنظومة القرآنيَّة.

تأمل الكاتبة أن يحقق هذا الكتاب الغرض منه، ويكون إضافة يتحقق منها التراكم المعرفي، ويكون جسرًا ما بين العلوم الشرعيَّة والعلوم الاجتماعيَّة، وما بين علماء الدين والواقع المعاش لأصحاب المشكلات الاجتماعيَّة. وقد حاولت أن يكون هذا العمل مركز بقدر الإمكان، خال من الإسهاب، وبلغة يتسنى للجميع الإطلاع عليها والاستفادة منها، فهو موجه للأكاديميين، والمتخصصين، والعامة. وهو جزء من الإنتاج المعرفي "لمبادرة المعروف منهج حياة"، وهي مبادرة تستهدف نشر سلوك المعروف بين الناس، عن طريق بناء القيم والأخلاق لتنعكس على التعاملات بين بعضهم البعض، متجنبين النصح أو الوعظ المباشر.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء:

الجزء الأول: يركز على منظومة الأخلاق الإسلامية كما وردت في القرآن الكريم، ونختص منها مفهوم "المعروف"، محاولين إلقاء الضوء عليه كمنهج أخلاقي قرآني، وتجلياته.

الجزء الثاني: يركز على عرض لتطبيقات وصور المعروف لاستعادة عدد من الأخلاق المجتمعية الغائبة، وكيفية يمكن التأكيد عليها من خلال هذا المفهوم والقانون الأخلاقي.

الجزء الثالث: المنهج القرآني (المعروف) للتعامل في الحياة الأسرية متمثلة في منظومة الزواج والطلاق، والقضايا المرتبطة بهما وكيف يمكن استخدام المعروف كمنهج ومبدأ أساسي بداية من اختيار الزوجين لبعضهما البعض، مرورًا بالحياة الزوجية، وصولًا إلى الطلاق وما بعد الطلاق، وفي الخاتمة، تضع الكاتبة خريطة للحياة الزوجيَّة بالاستناد إلى منهج "المعروف".

 

د. سوسن الشريف

.....................

[1] محمد عبد الله دراز، مختصر دستور الأخلاق في القرآن، ترجمة: محمد عبد العظيم علي، (الاسكندرية: دار الدعوة، 1996) عن رسالته للدكتوراه نوقشت عام 1947، وطبعت على نفقة الأزهر عام 1950.

[2] محمد الغزالي، الجانب العاطفي من الإسلام، (القاهرة: نهضة مصر، 2003).

[3] مارسيل بوازار، إنسانية الإسلام ، ترجمة: عفيف دمشقية، (بيروت: دار الآداب، 1980).

[4] المرجع السابق.

[5] المرجع السابق.

[6] A. Kevin Reinhart, What we know about Maruf, Journal of Islamic ethics, Koninklijke Brill NV, Leiden, 2017.

[7] رواه البخاري في "الأدب المفرد" رقم (273).

 

عدنان حسين احمدصدر عن "المركز الثقافي" في الدار البيضاء كتاب جديد يحمل عنوان "أنبياء سومريون: كيف تحوّل عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين؟" للدكتور خزعل الماجدي، الباحث المتخصص في علوم وتاريخ الأديان والحضارات والأساطير. يقع الكتاب في ثلاثة أبواب تضم في مجملها 17 فصلاً مع مقدمة وافية وثبت بالمصادر العربية والأجنبية.

يؤكد الباحث في مقدمته أنّ "الغرض من هذا الكتاب هو البحث عن الحقيقة" وليس هناك أية دوافع أخرى سواء كانت دينية أو سياسية أو فكرية، والفضل يعود، كما يذهب المؤلف، إلى الحفريات الأركيولوجية التي غيّرت تصوراتنا عن العالم برمته، فهي لا تدّعي الإحاطة بكل شيء لذلك تركتْ الأمر للمعنيين بالتاريخ والفكر كي يبنوا تصوراتهم الجديدة على أسس علميّة رصينة بعيدًا عن شطحات الخيال، وأوهام المُعتقدات النابعة من الخرافات والأساطير القديمة.

يُفرِّق الماجدي بين  مصطلحات العهد القديم والتناخ والتوراة ويدعو إلى فكّ الاشتباك بينها في حالة الإشارة إلى الكتاب العبري المقدّس ويقسمها إلى أربعة أقسام وهي: الكتاب المقدّس "بايبل"، والعهد القديم، والتناخ "الذي يتكوّن من قسم الشريعة، وقسم الأنبياء، وقسم الأدبيات"، والتوراة  التي تضم الأسفار الخمسة وهي:"سفر التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، والتثنية". وإضافة إلى الكتب المقدسة المذكورة أعلاه هناك نوعان من الكتب اليهودية وهما: "الكتب اليهودية الأساسية" التي تضم سبعة أنواع وهي:"الترجوم، المشنا، التلمود، الهلاخا، الهجادة، الكابالا، المدراش". و"الكتب اليهودية الثانوية" وتشمل أبوغريفا، السيديبغرافيا، كُتب قمران، والكتب المفقودة مثل "سفر ياشر" و"حروب الرب".

يعتمد الباحث على ثبت الملوك السومريين ليبرهن لنا أنّ الملوك العشرة السومريين الذين تحولوا إلى عشرة أنبياء توراتيين بفعل الرؤية التوراتية المُضللة التي زيّفت الحقائق وانتحلت أسماء هؤلاء الملوك السومريين، وسَطتْ على منجزاتهم الدينية والحضارية والفكرية. وهؤلاء الملوك أو الآباء هم :"آدم، شيث، إنوش، قينان، مهلالئيل، يارد، أخنوخ"إدريس"، متوشالح، لامك، نوح" الذين ينتمون جميعهم إلى مرحلة ما قبل الطوفان.

يتوسع الماجدي كثيرًا في الحديث أسطورة الخلق وسنحاول اختصارها قدر الإمكان كي لا يفلت منّا خيط التيمة الرئيسة للكتاب. كلنا يعرف بأنَّ الله خلق العالمَ في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع. ثمة أساطير متعددة في نظرية الخلق تختلف باختلاف الديانات والحضارات والشعوب لكننا سنجد أنفسنا مضطرين للإشارة إلى ليليث التي لم تُذكر في القرآن الكريم لكن العبريين أخذوا أسطورة آدم برمتها من السومريين وجعلوا من ليليث زوجة له لكنه تخلى عنها لأنها كانت عنيفة، ومتمردة، ومعتدة بنفسها فاقترنت بالشيطان وأصبحت رمزًا للشرّ والخطيئة بحسب الرواية التوراتية.

تتشعّب أسطورة آدم وحواء كثيرًا لكننا سنعرف أنَّ الله قد خلق آدم في اليوم السادس، جَبَلهُ من تراب، ونفخَ في أنفه نسمة الحياة، ثم خلق حوّاء لكن الحيّة أغرتهما فأكلا من شجرة المعرفة فعاقبهم الله ثلاثتهم: آدم وحواء والحيّة بالطرد من الجنة لأنهما خرقا وصيته وأكلا الثمرة المحرمة. أنجبت حواء قايين وهابيل فأصبح الأول فلاّحًا والثاني راعيًا، ثم تنافسا على الزواج من أختهما "إقليما" الأمر الذي دفع قايين لأن يقتل هابيل فيطردهُ الرب إلى مكان صحراوي مهجور شرقي عدن يُدعى "نود" ليقيم هو وسلالته في تلك البرية القاحلة. تلد حواء شيثًا الذي يعني "البديل" الذي عوّضت به عن موت هابيل ويعتقد المسلمون والمندائيون بنبوة شيث لأن الله أنزل عليه 50 صحيفة، كما أنه صاحب أول حرب وقعت على الأرض بينه وبين أخيه "قابيل" كما يسمّى في الرواية الإسلامية. يُعدّ النبي شيث أول مَنْ نطق بالحكمة، وأول من استخرج المعادن، ومن أبرز إنجازاته هو تنظيم الريّ، وبناء السدود. أما الملك الثالث فهو إنوش الذي نزلت عليه الرؤية النبوية وأصبح نبيًا. فيما تميّز الملك قينان بالحكمة، ونالها مبكرًا في حياته، وقد علّم الناس، ونقل إليهم معارفه وعلومه. تُنسب إلى الأب الخامس مهلالئيل تأسيس مدينتي بابل وسوسة، ومحاربته لجيش الشيطان، كما أنه أول منْ قطع الأشجار. لم تُسجل الوثائق شيئًا إلى الأب السادس يارد الذي يعني اسمه حرفيًا "سيفقد مكانته أو سيسقط" ولعله كان منشغلاً في الحفاظ على عرشه. أما الأب السابع فهو أخنوخ أو النبي إدريس عند المسلمين ويقابله في التراث السومري والرافديني هرمس الذي علّم الناس نواميس الحضارة، واخترع الكتابة. لم يمت إدريس، بل صعد إلى السماء وتحوّل إلى رئيس للملائكة باسم ميتاترون. توصّل الماجدي إلى أنّ جذور شخصية أخنوخ سومرية وأصله هو "أينمين دور أنّا"، ملك مدينة سبار ، أي من ملوك ما قبل الطوفان. يتميز الملك الثامن ميتوشالح بجمعه بين الحكمة والملوكية، وهو رجل السهم، وصاحب الوثبة السريعة، ويقابله من الملوك السومريين أوبار- توتو من مدينة شروباك ومن أبرز منجزاته هي مكافحته للمجاعة التي حدثت في عصره. أما "لامِك" وهو الملك التاسع الذي يوصف بأنه أول من عدّد زوجاته حين تزوج امرأتين، وهو صاحب أقدم قصيدة شعرية وقد وجهها لزوجتيه. يقابله شروباك بالسومرية والذي يعني "مكان الشفاء". تقترن وصايا شروباك بهذا الملك وتعد هذه الوصايا النص الأدبي الأول في التاريخ، وهو نص سومري كُتب في حدود 2600 ق. م. وسوف ينجب شروباك ابنًا يُدعى زيو سيدرا وهو بطل الطوفان السومري الذي يسمّى "نوح السومري" وقد تأثرت لاءات موسى كثيرًا بوصايا شروباك حتى بلغت درجة التطابق تقريبًا. أما الملك العاشر والأخير فهو نوح الذي عاش 950 سنة ومات بعد الطوفان بـ 350 عامًا ودفن في جبل أرارات. علامته المميزة سفينة نوح، وأهم منجزاته هي إنقاذ الجنس البشري والأحياء الأخرى من الطوفان.

يعتقد الماجدي أنّ عالِم الآشوريات الإنجليزي جورج سميث قد فتح الباب واسعًا حين اكتشف في اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش الأصل الرافديني لقصة طوفان نوح العبري فعقد أول مقارنة بين أصل حكاية الطوفان وأحد فروعها التي أعيدت روايتها في العهد القديم، بل أن فكرة الطوفان عند غالبية الشعوب مأخوذة من الأصل السومري مع اختلافات طفيفة. يُرجع الماجدي فكرة الحكماء السبعة إلى الحقبة السومرية وقد ورد ذكرهم في "ملحمة جلجامش".

يرى الباحث أنّ هناك خمس مدن سومرية ازدهرت قبل الطوفان وهي أريدو، بادتبيرا، لاراك، سبار وشروباك. أما جنة عدن فهي مدينة أريدو نفسها، فيما تقع "نود" شرقيها تمامًا. وحينما حدث الطوفان لم يترك أثرًا لهذه المدن. ولابد من الأخذ بعين الاعتبار أنّ الطوفان قد شمل جنوب العراق فقط وأن مخيلة الشعوب هي التي جعلته يغطي العالم برمته، وأن سفينة نوح قد بولغ بحجمها وبعدد البشر والكائنات الحية التي دخلت إلى جوفها، ويعتقد الماجدي أن شكلها مدور على هيأة "القُفّة"التي تستعمل في أنهار وسط وجنوب العراق. كما يتوقف الباحث عند الناصورائيين الذين أوجدوا الديانة المندائية لكنّ جهلهم باللغة هو الذي سبّب ضياع الجزء الأكبر معارفهم ولم يستطيعوا تدوينها لأن الكتابة أُخترعت في زمن النبي إدريس سنة 3200 ق.م. إن كتاب "أنبياء سومريون" يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، ويدحض النظريات التوراتية المُضللة التي اعتاشت على الفكر السومري النيّر.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

949 جهاد كرملا يندرج كتاب (بعثيون من العراق) للكاتب جهاد كرم، ضمن كتب التاريخ السياسي العراقي، إذا ما توخينا من التاريخ أن يكون مفتاحاً للمعرفة المضافة، والتعرف على الأحداث بقيمتها وأفكارها ودروسها، ومن هذه المسلّمة يمكن أن نعدّ كتاب كرم، مصدراً ببلوغرافياً لاغير، لشخصيات قيادية عراقية على الأغلب في حزب البعث، دوّنها الكاتب وفق رؤاه، وإعتماداً على ذاكرته الشخصية، غابت عنها منهجية الكتابة، والعودة للمصادر التاريخية في توثيق ما ذهب اليه .

جهاد كرم اللبناني الجنسية، أحد قياديي البعث، مثّل العراق دبلوماسياً لمدة ثلاث عشرة سنة، وشغل موقع سفيره في أكثر من بلد ما بعد تموز 1968، حاول كما زعم في مقدمة كتابه، تسليط الضوء على التجربة البعثية وينقلها (بكل أمانة ودقة وصدق!)، إلا ان ما توخاه وما قصده كرم وفق ما أشار، للتعريف بالشخصيات البعثية التي إختارها، وقدمها للقارىء، جاء متناقضاً للأسف الشديد مع أهم شرط في التوثيق، وهو (الأمانة التاريخية في كتابة التاريخ)، على الرغم من أن الكاتب مدّنا بمعلومات شخصية واسعة عن قيادات حزب البعث، تبدو جديدة لقارىء من جيل لم يعاصر تلك الأحداث .

يقول الكاتب (أندريه جيد): إن الإنسان هو تاريخ الحقائق التي يُطلق سراحها، هل إستطاع جهاد كرم أن يطلق سراح الحقائق الملحّة لتجربة البعث في العراق؟ وإلى أي مدى يمكن أن تكون الشخصيات التي تناولها محوراً لإعادة النظر في التجربة بكاملها؟ أم ان عقدة الخوف ظلت تلازمه، وعقدت لسانه؟ حتى وهو يوثق لمرحلة غابت عنها سلطة الحزب، وسلطة الفرد الدكتاتور، منذ ما يقارب العقدين من الزمن .هذه العقدة، هي التي قادت جهاد كرم إلى تحريف الحقائق في حادث مقتل فؤاد الركابي في سجن بعقوبة عام 1969، وهو حادث معروف لسنا بصدد الخوض في تفاصيله، إذ يقول عنه : مات فؤاد في ظروف غامضة خلال خروجه من السجن بعد أن صدر أمر الإفراج عنه !!(ص18)، هذه الرواية المتقاطعة مع كل الروايات التي أثبتت الدوافع والأسباب وراء مقتل الركابي داخل السجن، بتهمة ملفّقة، مدبروها ومنفذوها معروفون .

وحينما تواجه القارىء رواية بهذه الهشاشة، منذ الصفحات الأولى من الكتاب، وهو يتابع القراءة، عليه ان يكون شديد الحذر في التعامل مع الروايات الأخرى في فصول الكتاب اللاحقة .

إن فاصلاً زمنيا طويلاً بين صدور الكتاب (2010)، وبين إنهيار النظام في العراق إثر الإحتلال الأمريكي عام 2003، ان هذه السنوات السبع كافية بتقديري لكي يتحرر جهاد كرم من سطوة الخوف، ليكتب بيد مسترخية لا مرتعشة، إلا انه ظل اسيراً لتلك الأشباح التي تطارده، وتسكن عقله، فكرّست عزوفه عن ذكر الحقائق بتجرد وحرية، وبما يدعونا للتساؤل الأكثر إلحاحاً : ما قيمة أن يدلي الكاتب أو السياسي بشهادات ناقصة ؟ فهناك أكثر من سؤال يظل مفتوحاً !!لذلك جاءت النتائج مغايرة للتوقعات، وظل الإنتفاع من الكتاب محدوداً، لايقدم إضافة نوعية رصينة ضمن رؤية صادقة ومعمّقة، إنما برؤية أحادية وسواسة .

إلا ان الهامش الأهم في الكتاب بإعتقادي، يقودنا إلى مناقشة (إشكالية) كتابة التاريخ السياسي، إذ لا تقتصر هذه الإشكالية على حزب البعث، إنما تمتد إلى تجارب الأحزاب السياسية الأخرى في العراق والمنطقة معاً، فإذا ما توخينا الجدّ في كتابة التاريخ، علينا مطالبة هذه الأحزاب بدراسة ومراجعة تجاربها، فما صدر عنها، وإن كان متأخرا، يغلب عليه التعميم والمطلق، بإستثناء بعض المراجعات والمذكرات الشخصية التي ظلت مبتسرة، فأنها لم تساعد على حل ألغاز الماضي .

إن الوعي بالتاريخ غير قراءته، والإنتقال من العقد المغلقة إلى رحابة الفكر الفسيح يحتاج إلى شجاعة سياسية وفكرية، وحدها القادرة على كشف الملتبس في تجارب تلك الأحزاب بوعي نقدي جديد، وعقلانية تعتمد الجدل المعرفي، وتتقبل الصراع باشكاله، لأنهما عنوان يقظتنا الجديدة .ولكي يستقيم الوعي لابد من مفاهيم مرنة وواضحة، تكشف أسباب الخسارات والإنكسارات العميقة في تجارب الأحزاب، مع أدوات فهمية لاتتردد في مواجهة الفشل السياسي، بعيداً عن سلطة الإكراه .

إن المواقف الداعية لغلق الأبواب بوجه محاولات التجديد، بدوافع وتبريرات مختلفة، منها ذات طابع إنعزالي، أو فردية وجمود فكري، بعيداً عن جدل الحاضر وآفاق المستقبل، تتطلب على الدوام إعادة وفحص ومراجعة التاريخ، والأحزاب بما تمتلك من خزين معرفي تاريخي وعميق، وأصالة في التجربة، بما يمكنها من الإرتقاء إلى مستوى متميز في الحوار مع الآخر المختلف، وبما يوفر الضمانات والمقومات التي تكفل فيها الحياة، والنمو في عالم يزدحم بالآراء والمؤثرات والتناقضات.

 

جمال العتّابي

 

935 الحسين حاكماليس مثل الحسين أحدا شرَّقتْ الأمة وغرَّبتْ في حديثها عن نهضته، فجميع النهضات تاريخيا كانت توصف وتصنف منذ اللحظات الأولى لها، مرة من قبل الحكام، وأخرى من قبل وعاظ السلاطين، وثالثة من قبل المؤرخين، حتى ولو كان التوصيف مخالفا للهدف المعلن الذي قامت من أجله، ربما لأن الحسين (عليه السلام) لم يكن شخصا عاديا، بل كان قد اختزل الرموز الإسلامية كلها في شخصه، فجده لأمه هو رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) وجده لأبية هو أبو طالب سيد البطحاء (رضي الله عنه) وأبوه هو أول الناس إسلاما وأقدمهم إيمانا وأكثرهم جهادا وأشدهم تمسكا بالعقيدة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأمه هي سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء البتول (عليها السلام)، وقد جمع الشرف كل الشرف من أرقى مواطنه وأعلى مناهجه وازكى أصوله وأطيب منابته وأعرق جيناته، فكان أوحد زمانه على وجه الأرض، لا ابن نبي غيره على وجه البسيطة، فهو النسغ الصاعد لآخر الأنبياء والرسل.

وحتى مع وجوب أن تشفع هذه الصفات له لتضفي عليه قداسة الرمز الديني، وهذا ما كان واضحا حتى في سلوكيات الذين حشدوهم لقتاله، حيث التردد كان باديا على تحركهم، نجد هناك من أباح قتله دونما تردد أو وجل، فهو وفق رؤية هؤلاء ليس أكثر من ثائر متمرد خارج على القانون، قتل بسيف جده!

وأعتقد أن هذه الرؤية بالذات فضلا عن الكثير من الجزئيات المهمة الأخرى؛ هي التي دفعت الجانب الآخر ليضفي القدسية المطلقة على كل حركة قام بها الحسين منذ لحظة ولادته الميمونة وإلى لحظة استشهاده وإيداعه التراب.

ووفق خارطة الأحداث لم يعد خافيا الانشقاق الكبير الذي تركه مقتله على كيان الأمة ووجودها، إذ أصبح التوهين بموقفه، مع البحث عن أعذار لقاتليه وللخليفة الذي أمرهم بقتله منهجا معلنا وصريحا لإحدى الفئات. وأصبح تقديسه ابتداء وإعطاء الحق الكلي له ابتداء ولوم بل ولعن من اشترك بقتله، هو المنهج المعلن الذي تتبناه الفئة الثانية.

في مرحلة المواجهة الفعلية، كانت كل فئة تبحث عن دواعم لمنهجها لكي تنصره، بالبحث في كتب التفسير والحديث والتاريخ والفقه والرأي، ومن ثم العمل على إعادة صياغة تلك الرؤى بما يتوافق مع منهجها. وفي هذه المرحلة تدخل الرأي بشكل فاعل في إعادة كتابة وتشكيل الأحداث، ووظفت الأحداث الصحيحة والمختلقة لتقوية أواشج القربى والاحتكاك بين الأتباع والعقيدة، فكلما كان الأتباع أكثر قربا كان من السهل توجيههم إلى الجهة التي ترتأيها القيادات العليا والوسطى وأجهزة الإعلام.

تسبب هذه الصراع في دخول الكثير من الدخائل إلى المناهج العقدية للفئتين، مما ولد عداء ظاهرا وخافيا كان يدفعهم إلى البحث عن دواعم للخطوط العامة. وكان الفقه الشيعي هو الاكثر احتكاكا وتعاملا مع واقعة الطف لأسباب كثيرة جدا لا مجال لذكرها ـ في الأقل ـ لأن الحسين هو الإمام الثالث في سلسلة أئمتهم الاثني عشر  (عليهم السلام) ولهذا كانوا يهتمون بالحديث عن مظلوميته كجزء من منظومة المظلومية الشيعية الكبرى، وهذا دفع البعض إلى استنباط رؤى جديدة للنهضة الحسينية ليست من أصلها، ولا تمت لها، ولكنها وجدت من يستسيغها ويتقبلها. ودفع البعض الآخر إلى البحث عن قواعد فقهية تكفر من يتقبل تلك الرؤى.

يعني هذا أن من يروم الكتابة عن الحسين (عليه السلام) سوف يصطدم بهذه الاتجاهات لا محال، وهذا أمر شائك فيه الكثير من المخاطر، ومع ذلك آليت على نفسي أن أتابع رؤى كل الفرق، وأن أتخلى وأبتعد كثيرا عن نقول التاريخ، وأتسلح بفلسفة التاريخ، وأطلق العنان لعقلي ليتصور تلك النهضة العظيمة، وفق قواعد العقل والمنطق بعيدا عن مجال العاطفة وتأثيرها، في محاولة مني لفهم النهضة وإشاعة هذا الفهم، لأن الفهم وحده له قدرة تخفيف الأزمات وتلطيف الأجواء المأزومة، وتقريب الرؤى، وفتح المنافذ لإعادة التفكير في بعض أشد الأمور خطورة، ولاسيما تلك التي باعدت بين فرق المسلمين، ووضعت بينهم حواجز اسمنتية عالية جدا، لتفصل بينهم إلى الأبد.

وفق هذه المنهجية اشتغلت كتابي الموسوم "الحسين حاكما" الصادر عن دار المتن البغدادية، وقد خرجت بنتائج تخالف الخطأ الشائع، وتقترب من الصحيح الضائع، فهي على سبيل المثال ترفض أن يكون الحسين (عليه السلام) قد خرج بثلاثة وسبعين رجلا فقط، وتؤكد بالدليل أنه خرج بجيش  جرار مؤلف من عدة أقاليم إسلامية، وأن أغلب وحدات جيشه حِيل بينها وبين الالتحاق به، وأنه حينما وجد الميزان العسكري غير متوازن، طلب منهم الانسحاب والهرب لينجوا بحياتهم، وليتحمل لوحده تبعات ذلك الحراك..

ومنها الحديث عن ما يسمى بمحاورات أو مفاوضات كربلاء؛ التي ادعوا فيها أن الحسين بعد أن أحيط به تقدم إليهم ثلاثة شروط هي:

إما ان يسمحوا له بالعودة من حيث أتي.

أو يرسلوه جنديا بسيطا كأي جندي آخر إلى أي ثغر من ثغور المسلمين.

أو يرسلوه إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ليرى رأيه فيه.

حيث فندت بالدليل القاطع ما قيل عن هذه المفاوضات المختلقة، وأن كل ما قيل عنها إنما هو مجرد حراك إعلامي تسقيطي لا وجود له على أرض الواقع.

ومنها حديثهم بأن الحسين إنما خرج لطلب الإصلاح لا للحرب، حيث أثبتُّ وبالدليل القاطع أنه خرج للإصلاح عن طريق الحرب والاستيلاء على الحكم، ولا شيء آخر غير ذلك، فهو كان يخطط لتأسيس دولة إسلامية في العراق والشرق الإسلامي، ويترك لبني أمية دولة في الشام وفلسطين ومصر فقط، لأنه من غير المعقول أن يبدأ بالإصلاح من على منابر ترفرف عليها راية حكومة يزيد، بل إن الحكومة نفسها ما كانت لتسمح له بالتثقيف بمنهج يخالف منهجها.

لقد حاولت في هذا الكتاب أن أتحدث عن حقائق ليست خافية على أحد ولكن الأغلبية يحجمون عن التحدث عنها، ولذا اضطررت الى التحدث عن الدولة من مرحلة النشوء إلى هيمنة السلطة، ثم التحدث عن الخلافة من مرحلة النص إلى مرحلة الابتداع، ثم التحدث عن قاعدة الخلافة الشرعية، والأحكام والآداب السلطانية، ثم تحدثت عن علي بن أبي طالب من شرعية الخلافة إلى خلافة الظل والحسن من شرعية الخلافة إلى خلافة الظل، والحقبة المسكوت عنها، والهدنة بين الحسن  (عليه السلام) ومعاوية التي هي كانت مجرد مثابة لإعادة ترتيب الأوراق، وبعد ذلك تحدثت عن الحسين، والحقبة المفقودة، وسنوات التخطيط، ومحاولات استرجاع الخلافة، وشرعية الخروج، وموجباته، ومؤشرات وجوب الخروج.

بعد ذلك تناولت الجزئيات المهمة بالبحث والتفكيك ومنها الحديث عن جيش الحسين وسياسته، وجيش الحكومة، والدعوة إلى الثورة، وسياسة الضد، ورواية إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، واختتمت البحث بحديث عن الحقيقة، الحقيقة التي عمل الجميع على تغييبها، والتي يجب أن نبحث عنها ونجدها ونزيل الدرن عن وجهها ونرفعها ليشرق نورها على أمة أدمنت الخلاف ونسيت كيف تتفق خلافا لما أمرها دينها به.

لقد جاء الكتاب جديدا بطروحاته وآرائه التي تمتد على مدى 379 صفحة من القطع الكبير، وقد صمم لوحة الغلاف الفنان العراقي المغترب الأستاذ بسام الخناق، له مني جزيل شكري وتقديري، وأجاد الأستاذ عامر الساعدي مدير دار المتن للطباعة والنشر في بغداد في إخراج الكتاب بحلة قشيبة، فله شكري وامتناني، وارجو أن أكون قد وفقت في طرح الآراء ومحاكمتها علميا وأكاديميا وحياديا بعيدا عن التشريق والتغريب... والله من وراء القصد... والحمد لله رب العالمين.

 

صالح الطائي

 

942 السماويصدر عن دار تموز في دمشق كتاب جديد للباحث والكاتب لطيف عبد سالم وسمه بـ: (مرافئ في ذاكرة يحيى السماوي). الكتاب الذي قدم له الناقد الدكتور حسين سرمك حسن، وصممت غلافه الأديبة والمصممة الأستاذة رفيف الفارس، يقع في (320) صفحة، ويضم أربعة عشر فصلاً.

في مقدمته التي حملت عنوان: (التجربة الشعرية والتسلّطية المُحببة) أشار الدكتور حسين سرمك حسن إلى أنَّ الكاتبَ ذهب إلى معالجة موضوعة مهمة وحسّاسة عن الشاعر يحيى السماوي ومنجزه الشعري، لم تتم معالجتها بهذا الشمول والتماسك والإحكام من قبل. وهي العرض السيري لمسيرة يحيى الحياتية - الشعرية منذ ولادته حتى يومنا هذا محاولاً - أي لطيف عبد سالم - الإمساك بالعوامل البيئية والحياتية والثقافية الحاكمة التي أسهمت في صياغة وجدان يحيى الشعري، وتفجير وصقل طاقاته الشعرية من بيت ومحلّة ومدينة ومدرسة وجامعة ومكتبة وشارع سياسي وشخصيات أولى مؤثرة في بلورة ركائز الشخصية كالأب والمعلم والصديق والناشط السياسي وغيرهم. وما لا يقل أهمية عن ذلك محاولة مراجعة التجارب الأولى؛ الشخصية والعامة - والتجارب العامة في وطننا تأتي عاصفة ساحقة في أغلب الأحيان - خصوصاً المبكرة والتقاط الكيفية والمسارات التي أسهمت عن طريقها في انبثاق موهبة يحيى الشعرية - والموهبة تستعصي حتى على التفسير العلمي المنطقي في بعض الأحوال - وتحديد مآلاتها ورسم محاورها الأساسية في تصميم ما أسمّيه "النبع المركزي" الذي ينطلق منه نهر الشعر الذي سيمتد في حياة أي شاعر مجيد ويحدّد نوعية مياه التجربة الشعرية وعنفوان تياراتها وصخب تحوّلاتها صعودًا متجدداً نحو الأعالي أو هبوطًا متباطئاً نحو قيعان الركود والتكرار.

وقد أمسك لطيف بـ (النبع المركزي) الذي لم يشكّل الملامح المركزية لتجربة يحيى السماوي الشعرية والحياتية فحسب بل أرسى مرتكزات ما أسمّيه (العوامل / التجارب التسلّطية). وهي تلك العوامل والتجارب الحاسمة التي تغور عميقاً في لاشعور الشاعر منذ مراحل عمره المبكرة، وتبقى - وبصورة متسلطة قاهرة - تنسرب من حيث لا يدري لتحدّد مضمون، وبدرجة أقل شكل، منجزه الشعري.

ما أمسك به لطيف في هذا المجال هو دور المدينة؛ السماوة، والوطن؛ العراق، كنبع مركزي انطلقت منه مياه نهر التجربة الشعرية ليحيى لتنغرس - عميقاً وبعيداً - في أعماق لا شعوره الفردي، ولتستوي على سوقها وتتصلّب بالمراس والمران وتصل بعد سنوات طويلة من الاختمار والإثراء المقصود وغير المقصود بالتجارب الحياتية والخبرات الثقافية العامة والشعرية إلى النضج و(التسلّط). إنها سوف تصبح (شاعراً داخل الشاعر)، إذا جاز التعبير ودقّ الوصف، تفرض سطوتها على مضامين نصوص الشاعر الذي لا يتمكن، بل لا يحاول الإفلات من سيطرتها، ويستمتع بتجبّرها لأنها النبع الذي يروي شجرة وجوده الشعري ويمنع تصحّر أرض تجربته. ولهذا تجد عامل المدينة والوطن؛ النبع المركزي في تجربة يحيى، منسرباً في أغلب نصوصه حتى لو كان يكتب عن مقهى أو شجرة أو لوحة أو مدينة غير السماوة ووطن غير العراق.

واختتم الدكتور سرمك مقدمته بالقول: هناك دائمًا الأنامل الخبيرة التي تفرك الصدأ عن تبر (العراقية). وهي دائماً أنامل المبدعين - وليس السياسيين عليهم لعنة الله - وفي مقدمتهم الشعراء الذين يتبعهم القرّاء المؤمنون بقداسة التراب (الأمومية) مثل لطيف عبد سالم. المبدعون - ومنهم يحيى السماوي - هم الذين يفركون الصدأ ويزيحون ركام أتربة القهر والإنذلال واللهاث الحيواني عن وجه (الروح العراقية) الكامنة؛ ولهذا تجد أبسط مواطن يطرب وينتشي ويبدأ بالتغني بوطنه حين يستمع لنص من نصوص يحيى برغم أنّه قد لا يكون حصل على إفطاره ويفكر كيف يدبّر رزق عائلته. وهذا التأثير تجلى أوّلاً في نفس الكاتب؛ لطيف عبد سالم، وهزّه من الأعماق على طريقة الشاعر العامي: (هزني الهوه - الهَوّى- بكل حيله لَنْ شاعر مسوّيني) لتشكل (عراقيته) المتسلطة المحببة هذا الكتاب الجميل الذي بين أيدينا. فله مني التحية.  

 

 

932 سعادةعرض لكتاب شحادة الغاوي

شحادة الغاوي الباحث عن الحقيقة لا يكل ولا يمل ولا يترك حجراً الا ويقلبه او ملف الا ويغوص فيه، يقدم الوثيقة حيث وجدت، ويقارب الموضوع بأسلوب علمي منطقي حتى لا يظلم ولا يُظلم ويقول في: (ص 30 ان رفقاءه طالبوه وهو حرص بأن تكون فيه وثائق وألا تكون استنتاجات دون أساس).

 يحلل بأسلوب ومقاربة علمية مكثفة، ولا يتردد في إبداء رأيه اعتمادأ على أدلة، ويحرص على عدم الإدانة الا اذا كان يملك هذا الدليل ويترك لقارئه ان يطرح الأسئلة. وكتابه ليس كتاباً عادياً لأنه يلقي الأحجار في المياه الساكنة من أجل استعادة الحزب السوري القومي الإجتماعي لدوره والحفاظ على العقيدة والإلتزام بالقيم القومية الإجتماعية التي وضعها سعادة والتي تقوم على أربع دعائم : الحرية، الواجب، النظام والقوة التي ترمز اليها أربعة أطراف الزوبعة القومية الإجتماعية الممثلة في علم الحزب.

 يدرك الكاتب وهو الحزبي الملتزم بالعقيدة ان كتابه قد يلقى الترحيب من البعض والإعتراض من البعض الآخر من رفقائه في الحزب، وهذا لم يثنه عن وضع هذا الكتاب عله يشكل لبداية جديدة وإعادة النظر بمحطات تاريخية مرّ بها الحزب منذ التآمر على سعادة واغتياله واستمرار الحملة على الحزب لحرفه عن دوره القومي في محطات تاريخية مهمة من تاريخ الأمة السورية. ولا يتردد الكاتب عن ذكر أسماء حزبية بارزة ودورها سواء الإيجابي او السلبي.

الكتاب الصادر عام 2019 عن دار ابعاد في بيروت يقع في 559 صفحة ويـتألف من خمسة فصول بالإضافة إلى الاهداء وكلمة شكر ومقدمة عامة وقسم مخصص للملاحق وفهرس الإعلام ولائحة المراجع.

حرص الكاتب شحادة الغاوي على انه يكتب في التاريخ ولا يكتب تاريخاً، ففي الفصل الأول يتصدى للبدايات الصعبة من الـتأسيس الإول إلى السجن من (1932 إلى 1938) وينقل عن سعادة ص 42 (ليس الحزب السوري القومي الإجتماعي، إذاً جمعية أو حلقة، كما قد لا يزال عالقا ً في أذهان بعض الأعضاء،… إن الحزب السوري القومي الإجتماعي لهو أكثر بكثير من جمعية تضم عدداً من الأعضاء أو حلقة وُجدت لفئة من الناس أو من الشباب انه فكرة وحركة تتناولان حياة أمة بأسرها….) إن مبدأ " سورية للسوريين والسوريون أمة تـامة" أخذ في تحرير نفسيتنا من قيود الخوف وفقدان الثقة بالنفس والتسليم للإرادات الخارجية.(ص45)

في هذا الفصل يعرض الكاتب لمحطات مهمة في حياة سعادة والحزب ودور المنافقين والخونة والسجن الأول والثاني وخذلان المجلس الأعلى لسعادة ومحاولة قتل سعادة في السجن ومعاناة سعادة مع معاونيه.

أما الفصل الثاني فيتحدث عن السجن الطويل سجون وتشرد في الأرجنتين وفي الوطن ( من 1938 إلى 1947) من اوروبا إلى البرازيل وصولاً إلى الأرجنتين، وما واجهه سعادة من عذاب ومعاناة من عدم تعاون وعدم تلبية معاونيه، ومكافحة سعادة للجاسوسية، ولا ينسى الكاتب قصة سعادة وجريدة سورية الجديدة وجريدة الزوبعة، ويعرض الكاتب لموقف سعادة من الحرب العالمية الثانية والتي يجب ان تتماشى مع مصالح الأمة والمطالب السورية بالإستقلال والسيادة أولاً. وعما كان يحصل في الوطن يعرض الكاتب للسياسات الإنحرافية والنفعية لبعض أركان الحزب طلباً للسلامة الشخصية (ص100) وفي الصفحة 104 يتساءل الكاتب عن دور جورج عبد المسيح :أين عبد المسيح وماذا كان يفعل؟ ويبرر الكاتب تساؤلاته وبحثه عن هذا الدور لأن عبد المسيح ومريدوه كانوا يقدمونه على أنه ضمانة عقائدية. ويتحدث الكاتب عن تلك الفترة بالتفصيل حول قضايا أخرى لا تقل أهمية وكيفية مقاربة سعادة للأمور ويعنون ص115 سعادة يداري نعمة ويستوعبه.

الفصل الثالث يعرض لتجديد الروح والحصاد الوفير (من آذار 1947 إلى حزيران 1949) يقول الكاتب أن السلطة أرادت إبعاد سعادة عن الحزب ليتسنى لها ترويض هذا الحزب، لكن سعادة عاد عنوة ضد إرادة السلطة التي كانت تعتمد على نعمة ثابت في استيعابه (ص130) ويتحدث عن بعض أوجه المعركة الداخلية ومعاونون لا يعاونون، ويكمل إلى حسم سعادة الموقف داخل الحزب وكيف ربح سعادة المعركة العقائدية حتى قرار قتل سعادة فيقول: إن من يريد فهم الأسباب الحقيقية والمقدمات التي أدت إلى استشهاد سعادة يجب عليه قبل كل شيئ رصد حركته وأعماله وأقواله سنة على الأقل قبل الأستشهاد….(ص147) ليصل إلى إنقلاب حسني الزعيم في سوريا ورأي سعادة الحقيقي بالإنقلاب وشعار السيادة اللبنانية في وجه الشام فقط وذروة التحدي في خطاب برج البراجنة ويعنون الكاتب في ص169 عن التحريض المزدوج من حكومتي دمشق وبيروت لسعادة كي يقوم بإنقلاب مسلح في لبنان.

الفصل الرابع المطاردة والتوريط والإستشهاد (من 9 حزيران إلى تموز1949) في ص 177 وحول نظرية المؤامرة كما تعهد في أول الكتاب بعدم إلقاء التهم جزافا،ً يقول الكاتب فإنه من الصواب فحص الأمور جيداً ودرس الإحتمالات والتشدد في اعتماد الحقائق والوقائع في كل أمر وقضية، فإذا وجد دليل على مؤامرة يجب أن نقدم الدليل ونبني عليه، وإذا لم يكن هناك من دليل فيجب البحث عن العوامل وأسباب أخرى في غير نظرية المؤامرة. ويتابع بعنونة سعادة والمؤامرة وكيف تعامل الحزب مع خطة تصفية وقتل زعيمه؟ وعن الدور البريطاني، الأميركي والصهيوني لهذا الفصل أهميته لأنه كما الكتاب غني بالوقائع والتساؤلات والتحليلات المنطقية التي برأي الكاتب تقود إلى معرفة الحقيقة والأدوار التي قامت بها كافة الأطراف الخارجية والإقليمية والمحلية والحزبية، ويشير الكاتب إلى دلائل أربعة ابتدءاً من ص 203 إلى ص 208 وبعد ذلك يعود لبروز دور عبد المسيح وعدم استجابته لسعادة، ولا يهمل الكاتب ما قاله عبد المسيح نفسه ص214 ونصل إلى ص 242 لنرى كيف حارب سعادة حتى الرمق الأخير ليصل في ص 255 إلى السبب في سرعة المحاكمة وتجاوز أصولها وشروطها القانونية، وفي ص258 يستنتج لا بل يذهب الكاتب لحد الإتهام لعبد المسيح ويقول: ان سعادة كان ضحية مؤامرة خارجية استندت إلى سلبيات الأوضاع الحزبية الداخلية واستفادت منها. إن من كان يجب أن يلعب دوراً رئيساً في انقاذ سعادة هو جورج عبد المسيح ويعدد 3 أسباب لذلك وبعدها تكر سبحة الاسئلة عن ادوار الحزبيين وغيرهم وعن سبب إخفاء عبد المسيح لرفات سعادة.

الفصل الخامس السيطرة على الحزب بعد استشهاد الزعيم كوارث وانشقاقات وصراع على السلطة.

يستهّل الكاتب هذا الفصل ببدء مرحلة استيعاب الحزب والسيطرة عليه وانتقال عبد المسيح إلى دمشق، ويقول (ص 268) لا بد لنا من ملاحظة أن سعادة قبل اسشهاده لم يعطِ عبد المسيح أية مسؤولية مركزية في الحزب، وذلك بعد استقالته من عمدة الدفاع سنة 47 … ويمضي بمساءلة عبد المسيح عن "الاستشهاد الرائع" حسب تعبير عبد المسيح هل استشهاد سعادة كان رائعاً؟ (ص 278) ويتساءل ص 269 السؤال الكبير هنا هو كيف كان اي عبد المسيح سيقدم على ما رفضه لسعادة؟ ويبدأ الكاتب بعرض لسلسلة من المواقف والأحداث والأدوار كالموقف من حسني الزعيم، إلى محاكمة القوميين في لبنان، ويحرص الغاوي على الا يظلم أحداً ويشكك في البعض الأخر حيث يقول ص 282 حتى لا نظلم ابراهيم يموت، وص 284 يتساءل عن دور غسان التويني المشبوه، وص 288 يضع عنوان تحصين العملاء، وعدم التزام عبد المسيح بقوانين الحزب عند طرد الحزبيين علما ان سعادة كان كان قد ترك مرسوماً بإنشاء "المحكمة المركزية للحزب السوري القومي الاجتماعي " ويُذكر بوصية سعادة :" في الحزب شرع يضمن لكل فرد حقه في النظام والعمل والرأي…"ص 290

ويستطرد الكاتب في عرض بروز السوابق الإدارية غير المنطقية، ونشوء الأزمات والتسويات والتدخلات الخارجية وأسماء لشخصيات حزبية لعبت دوراً مهماً في تلك المرحلة من عصام محايري لعبدالله سعادة، وسامي خوري وهشام شرابي على سبيل المثال لا الحصر، ويخصص الكاتب جزءاً من هذا الفصل لمصدر السلطات ومن ينتخب ص309 سواء في حياة سعادة أو بعد استشهاده، وكيف صار الإستثنائي المؤقت دائماً ولاحقاً يتحث عن الخطأ الأفدح في كيفية منح رتبة الأمانة متسائلاً من هوالصادق؟ ص323، ويقارن الكاتب بين الديمقراطية التمثلية التي انتقدها سعادة والديمقراطية التعبيرية الجديدة التي جاء بها سعادة ص319.

ويعود الكاتب إلى الوضع السياسي في سورية ويطرح السؤال من هو أديب الشيشكلي؟(ص333) الذي يصفه بالطائفي ويحظى بدعم الإسرائليين (ص338)، ليصل بعد ذلك إلى انقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم 14 آب 1949، وإلى انقلاب أديب الشيشكلي على الحناوي في 18/12/1949 لينتقل للحديث عن الحزب في ظل الشيشكلي وموقف الحزب الشاذة كما سماه من قضية الإنفصال الجمركي بين سوريا ولبنان، والإتحاد مع العراق (ص348)، وموقف الحزب المؤيد للشيشكلي الذي كان معه "على طول" (ص 357) حيث يقول الكاتب عن ان عبد المسيح في خدمة أديب (ص 356) ورغم ذلك كيف خذل الشيشكلي الحزب واسقطه في الإنتخابات إلى ان يصل إلى مرحلة ما بعد الشيشكلي، وفي ص 370 يصف الكاتب سياسية الحزب سنة 1955 بأنها سياسية حمقاء خرقاء غبية مراوغة متورطة فيما لا يمكن تبريره والدفاع عنه والتي اتبعها عبد المسيح وخصومه في المجلس الأعلى التي وصفها بالخلاف على السلطة لا أكثر ولا أقل وليس لها بعد عقائدي ويضيف (ص372) ان الحزب وبعد نصف قرن يقف نفس الموقف ويقدم نفس التبريرات.

وفي ص 380 ينتقل بنا الكاتب إلى مرحلة مهمة وهي مقتل الضابط عدنان المالكي ودوره وعلاقته بالحزب والإيقاع بين الحزب وأركان الجيش والمالكي، وفي ص 391 يكتب الغاوي عن كيفية بدء التوتر والخلاف مع عبد الناصر، وفي ص 422 يعنون في المصيدة الأميركية وقول لقد ضرب الأميركان ضربتهم المزدوجة قتل المالكي وضرب الحزب خلال أسبوع واحد من تلكؤ الحزب في قبول العرض الأميركي عليه لإعتماده ركيزة ووسيلة لهم لتوجيه السياسة الرسمية في الشام…ليخلص إلى أن السذّج وحدهم لا يعرفون طريقة عمل المخابرات الأجنبية وكيفية مباشرتها في تجنيد عملائها. ص 422 يتحدث الكاتب عن حصاد المتآمرين والمستفيدين. وفي الكتاب أجزاء مخصصة للوحدة بين مصر وسوريا وموقف الحزب منها ووصول حزب البعث إلى السلطة في سوريا وما رافق ذلك من أحداث.

ويعرج على قضية الإنشقاقات الحزبية سنة 1957 وسنة 1974 وسنة 1987 وثم سنة 2012 (ص 437-438) ويصفها بأنها صفحات سود ليست من تاريخ حزب سعادة، بل من تاريخ من ارتكبوها وقاموا بها وشاركوا فيها وتبعوها ودافعوا عنها وقبلوها، وان حزب سعادة وحركته ونهضته وقضيته هي براء منها وضحية من ضحاياها. ويصف وضع حزب سعادة اليوم بأنه مخطوف ومرهون… ليعود ص 443 ليؤكد على ان الخطأ الكبير القاتل الذي وقع فيه من شقوا الحزب هو خطأ، بل مرض، النزعة الفردية القاتلة وعدم الإقتداء بسعادة في طريقة معالجة الإنحراف العقائدي والسياسي.

وفي ص 477 يفصل بين القوميين الجنود الأوفياء لسعادة ولعقيدته ونظامه ويعنون "الأسئلة الكبيرة والجواب الضائع" ويسأل ما هي الأسباب الحقيقية التي تجعل الوصوليين والفاسدين وأصحاب النزعة الفردية يصلون إلى قيادة الحزب مع أن نظام الحزب يحارب الوصولية والفساد والنزعة الفردية ويكافحها؟

وفي قسم الملاحق لا يتوقف الكاتب عن إعطاء المزيد من المعلومات واتخاذ المواقف من قضايا عقادية وسياسية، ويتحدث عن عبد المسيح العقائدي وعصام محايري العروبي وانعام رعد الثوري ويفند مواقفهم من قضايا مهمة وفهمهم للعقيدة كالمدرحية والإنسان والمجتمع، الجماهيرية والجماهير، عيد العمال- عيد العمل، بين الحياة والعيش، الموقف من اليهود، الإشتراكية العلمية .

ويتحدث ص 514 عن الضعف المثلث الأضلاع حيث يقول الكاتب أن القيادات الحزبية التي أتت بعد سعادة لم تستطع إكمال نهجه الصراعي الهجومي بسبب ضعفها المثلث الأضلاع علمياً وعقائدياً ومعنوياً والتي يشرحها بالتفصيل.

أخيراً، ان ما تقدم وما عُرض من كتاب شحادة الغاوي قد لا يفيه حقه ولا يغني عن قراءة الكتاب، حتى يطلع القارىء على المزيد من التفاصيل والحقائق التي عرضها الكاتب وان كان بعضها ليس على علاقة مباشرة مع الاسباب والعوامل الحزبية الداخلية وهذا ما يشير اليه الكاتب لكنه يرى أهمية عدم إهمالها كل ذلك من اجل ان يأخذ الحزب السوري القومي الاجتماعي دوره الطليعي كما يرى الغاوي في تقرير مصير الامة حسب المفاهيم والعقيدة التي وضعها سعادة ورسم خريطة طريقها الفكرية والعقائدية والتي توجت بالشهادة.

 

عرض عباس علي مراد

 

ضياء نافعكتبت عن هذا الكتاب في مقالتي بعنوان: (حول آخر كتاب لغوغول)، وقدمت هناك ترجمة لفهرسه ليس الا، وكتبت عن هذا الكتاب ايضا في مقالتي بعنوان: (حول رسالة بيلينسكي الى غوغول)، وذكرته في مقالاتي الاخرى عن غوغول، واعود هنا اليه، وذلك لانه من الكتب النادرة، التي تجبر القراء على العودة اليها بهدوء وامعان وتأمّل، اذ ان غوغول وضع هناك خلاصة افكاره بعد تلك الفترة الطويلة من التفكير العميق في ايطاليا، والتي أدّت به الى اتخاذ القرار الخطير بعدئذ، وهو حرق الجزء الثاني من روايته (الارواح الميتة)، والتي انجزها طوال فترة غير قصيرة من العمل الفكري الدؤوب، وقد تحولت تلك الغرفة التي حرق غوغول في موقدها روايته الى متحف الان (انظر مقالتنا بعنوان – كنت في بيت غوغول) .

 كتاب (مختارات من مراسلات مع الاصدقاء) هو النتاج المركزي في ابداع غوغول بفترته الاخيرة، اذ صدر عام 1848، بعد ان بدأت ازمته الفكرية الروحية الخانقة (توفي غوغول عام 1852) . لقد صدرت كل مؤلفات غوغول بين اعوام 1829 و 1842، اي انه ابتدأ بالنشر عندما كان عمره 20 سنة، واصدر رواية الارواح الميتة عندما كان عمره 33 سنة ليس الا . كتابه الاخير هذا أثار (زوبعة !) من ردود الفعل الصاخبة والمتنافرة في اوساط الادب الروسي خصوصا والمجتمع الروسي المثقف عموما، والتي يمكن القول ان آثارها وبقاياها لازالت واضحة المعالم لحد الان بشكل او بآخر .

نقرأ في مقدمة هذا الكتاب كلمات صادمة حقا، اذ يبتدأ غوغول هكذا – (كنت مريضا بشدة، وكان الموت قاب قوسين او أدنى منّي). ويستمر غوغول: (استجمعت قواي المتبقية، واستخدمت في اول لحظة من الصحو قواي العقلية، وكتبت وصيتي الروحية، والتي أضع فيها المسؤولية على عاتق أصدقائي كي ينشروا بعد موتي بعض رسائلي.)، ويكتب غوغول لاحقا في مقدمته للكتاب قائلا – (لقد أردت ان اكفّر عن كل ما نشرته، لانه في رسائلي وحسب اعترافات هؤلاء الذين كتبتها لهم، توجد ضرورة اكثر للانسان مما في مؤلفاتي). وهذه هي الفكرة التي لم يتقبّلها الكثيرون، وخصوصا بيلينسكي، والتي رفضها بكل وضوح وعنف في رسالته المشهورة الى غوغول، وهذه هي الفكرة التي تثير نقاشات حادة بين المتخصصين في الادب الروسي ولحد الان، ولا يمكن طبعا التوسع هنا حول هذه النقطة الفكرية البحتة، ولكن ايجازها يشير، الى ان غوغول اراد ان يقول ان رسائله تتضمن افكارا محددة ودقيقة حول مشاكل وقضايا اجتماعية وثقافية تقف امام الانسان الروسي، اما مؤلفاته الادبية فانها تحتوي على صور فنية قد لا تصل فحواها الى القارئ بشكل محدد و دقيق كما في رسائله، او انه اراد ان يقول كلمة جديدة للقارئ . لكن مؤلفات غوغول الادبية – من جانب آخر - لازالت حيّة وتتفاعل بقوة في اوساط المجتمع الروسي والمجتمعات العديدة الاخرى في العالم بما فيها مجتمعاتنا العربية، ولو كانت ضرورة هذه المؤلفات أقل للانسان من رسائله (كما يقول غوغول في تلك المقدمة)، لما حدث ذلك التفاعل الانساني الشامل معها، وهنا يكمن التنافر او حتى يمكن القول – التناقض بين الواقع الموجود لحد الان وبين آراء غوغول، الذي ابدع هو نفسه تلك النتاجات الفنية، وهو نفسه الذي كتب تلك الرسائل ايضا، ولهذا أشرنا في بداية هذه المقالة، الى ان بقايا ردود الفعل على هذا الكتاب لا زالت موجودة الى حد الان.

يستمر غوغول في مقدمته تلك بتبرير تأليفه لهذا الكتاب، ويقول، انه قرر السفر الى الديار المقدسة (اي القدس في فلسطين) بعد الشفاء من مرضه، وذلك لأن هذه الزيارة (ضرورية لروحه)، ولكنه يشعر (ان حياته معلقة بشعرة واحدة)، وانه يمكن ان يحدث كل شئ في هذه الرحلة، ويقصد طبعا الموت (كان هاجس الموت يسيطر عليه اثناء تلك الازمة الروحية)، ولهذا يكتب غوغول قائلا - (اردت ان ابقي لمواطنيّ شيئا ما من كياني عند الفراق . لقد اخترت بنفسي من رسائلي الاخيرة، التي استطعت ان استلمها مرجعا، كل ما له علاقة بالقضايا التي تشغل المجتمع الآن، وسأضيف مقالتين او ثلاث مقالات ادبية، واخيرا وصيتي، في حالة وفاتي في الطريق .)، ثم يضيف غوغول: (.. وقلبي يقول ان هذا الكتاب مهم ويمكن ان يكون مفيدا ..) .

 نعم يا غوغول، قلب الفنان يقول له الحقيقة، فكتابك هذا مهم فعلا ومفيد فعلا، ولكن نتاجاتك الفنية الاخرى مهمة ومفيدة ورائعة ايضا يا نيقولاي فاسيليفتش، ولهذا فان روسيا لا زالت (تتغنى!) بها، وليس روسيا فقط، وانما شعوب العالم ايضا، بما فيهم طلبة قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد، يا نيقولاي فاسيليفتش، الذين كانوا يقهقهون عندما يقرأون قصة (الانف)، او عندما يؤدون ادوارهم في مسرحية (المفتش) على (خشبة!) مسرحهم الطلابي الجميل.

 

أ. د. ضياء نافع

 

933 عبدالحميد عباسي (في قراءة وتقديم لكتاب الدكتور عبد الحميد عباسي تحت عنوان: استقلال لم يكتمل )

يرى الدكتور علي بن محمد وزير التربية الوطنية الأسبق في الجزائر أن البعد اللغوي في أية هوية هو الإسمنت الذي يجمع بين عناصرها، كيفما كان تنوعها وتعددها، ولذا فهو يرى أنه على النخبة أن تعكف على دراسة حالة الجزائر التي حباها الله لغة، بأنها من أرقى لغات الأرض، الجاهزة للتطور والتلاِؤم مع أدق الأوضاع العلمية وتاريخُها الزاهر شاهد على ذلك وهو الذي يرشحها اليوم بقوة، لاستعادة مكانتها العالمية، التي كانت لها في السابق، حين كانت الأداةَ العالمية الأولى للتعبير عـن أرقـى العلوم الـبشرية، وأعْـقد المفاهيم الفلسفية، ولكن الشواذ من أبنائها المزعومين، ما فَـتِـئُوا يرمونها بالعاهات التي هي أصلا في نـفوسهم، يذكر ان الوزير السبق علي بن محمد كان من أشد المعارضين لمشروع فرنسة المنظومة التربوية في الجزائر

هي قراءة أجراها وقدمها الدكتور علي بن محمد وزير التربية الوطنية السابق، لكتاب صدر حديثا للباحث الدكتور عبد الحميد عباسي، تحت عنوان: "استقلال لم يكتمل" أو حين تتمادى فرنسا في فرض وصايتها الأبدية على الجزائر، حيث كانت قراءته شبه دراسة تاريخية، خاصة وأنها جاءت تحت عنوان: "نوفمبر..والهوية"، قال فيها أن نوفمبر هو الأصل وما عداه طارئ، واستـثنائيّ، وعابر، ولا يمكن أن تغيب قِـيَم نوفمبر، ودلالاته الرمزية، عـن معظم المقالات التي أوردها الأستاذ عـبد الحميد عباسي ومع ذلك، نراه أبى إلا أن يخُصّ سيد الـشهـور كما يسميه، بـمقـالـة أخرى، في المحور السابق نفسه، وقد جعل عنوانها "دروس من ملحمة نوفمبر"، وهي صادرة في أجواء نوفمبـر 1997، وهـو يبدو فـيها طافح الأمل، متوثب النشاط، يغمره التفاؤل بما يحمله نوفمبر، ذلك العام، للشعب الجزائري الذي بـدا له، أنه "بـعـد انقضاء أكثر من أربعة عـقود على اندلاع الثورة المباركة، ما زال يرى في وَهَـج نوفمبر، ومبادئ نوفمـبـر، وأفكار نوفمـبر، وفي المخلصين من رجـال نوفمبر، ما يجمع شمله، (شمل الشعب)، ويفرّج كُرْبَـتَه، ويوحِّد كلمته، ويُـقَوي عزيمته"، ويدافع علي بن محمد في مقدمة هذا الكتاب عن مواقف اليامين زروال بعد تجميد "قـانـون تعميم استـعـمال اللغة العربية"، حيث وصفها بالنكسة، وما أصاب التيار الوطني ـ القومي من إحباط بانتصار الأقلية التغريـبـية فـي إحدى معارك الهوية الحاسمة، وهو ما قد يفسر الاهتمام المتزايد بالدفاع عن الهوية والذاكرة التاريخية.

ويثمن علي بن محمد فترة الرئيس زروال، بحيث يرى أنها لم تشهد أية حرب على ثوابت الهوية، ولم تقع فيها أية ردة من النوع الذي ستعرفه الحقب اللاحقة، وإن كانت قد لاحت في الآفاق المدرسية، مُـنْـذُئِـذٍ، زَوْبَعةٌ لم يَـقرأ الحكام طبيعتها، وتبعاتها، قراءة صحيحة، وظنوها "سحابةَ صَيْفٍ عنْ قريـبٍ تَـقَـشَّعُ"، وقد تنبأ العارفـون بأحوالها، منذ عَجاجـها الأول، بما في بطنها من أفاع. وجَـزَمُوا بأن العجاجة المقبلة لن تَضْعُـفَ ولن تَـخِفَّ وحذّروا، مُـبَكّـرًا، من أن المُبَرْمَج لها، برعاية خبراء العواصف، هو أن تَغـدوَ، ذات يوم، إعصارا عاتيا، يقتلع الجذور، فإذا كان خارجا عن موضوع هذه الفقرات أن نُفَـصِّل كثيرا في مدلولات هذه المقالات التي توقف القارئ عند خريطتها الزمنية، فإننا نريد أن نقـف عند أهم ملامح ما نُشر منها في فـترة الرئيس لمين زروال؛ ثم في فترة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وقد توقفنا عند ظاهرة تَخُص معظم مقالات الحقبة الزروالية بمحور الهوية والذاكرة الثورية بكل وضوح، بينما كانت مقالات الحقبة البوتفليقية يسيطر عليها محور السلم والمصالحة، وتلك ظاهرة لابد أن تَـسْتَـلْفِت القارئ المتأني. فإنّ الَّلغَط الأكبر حول الهوية واللغة العربية إنما وقع زمنَ بوتفليقة.

وباسلوب التعميم يقدم علي بن محمد قراءته على أن المؤلف يُـصِرّ على فكرة أن الـشعب الجزائري، ما زال يرى في وَهَـج نوفمبر، وأفكاره ومبادئه وفي المخلصين من رجال نوفمبر، ما يجمع شمله الخ..." ثم يـؤكد هـذا اليقين الذي لديه، في عمومية الإيمان وشُموليته، باستمرارِ الانحـيازِ الشعبيّ الصريح إلـى ما سماه" وَهجَ نوفـمبر". ويؤكده بكل قوة حين يَجْزِم، بثـقـةٍ عالية، "أنـه لا (يـَـ)عْـتـقـد أنه يوجد، في الجزائر اليوم، من يرى في نوفمبر غير هذا الرأي..."! ثم يشعر بأنه في حاجة ماسة إلى تخفيف ذلك الحكم الـصارم، فيورد بعضا من عناصر المعاني الكفيلة بتعديله، وإدخال شيء من النسبيَّة فيه، فيقول: "صحيح أن رسالة نوفمبر لم تكتمل بعد، وأن تحقيق الكثير من أهداف الثورة ومكتسباتها مازال في بداية الطريق،، خصوصا، ونحن نرى اليوم، أن بعض هذه المكتسبات التي تحـقـقـت بفـضل نوفمبر قد أضحت هـدفا لسهام أعداء نوفمبر، وخلاصة القول في هذه النقطة، يرى علي بن محمد أن البعد اللغوي في أية هوية هو الإسمنت الذي يربط في ما بين أجزائها، ويجمع بين عناصرها، كيفما كان تنوعها وتعددها، ولذا على النخبة أن تعكف على دراسة حالة الجزائر التي حباها الله لغة، وتعمّق في فهم أساليبها، بأنها من أرقى لغات الأرض، المكتملة العُدّة، الجاهزة للتطور والتلاِؤم مع أدق الأوضاع العلمية. وتاريخُها الزاهر شاهد على ذلك وهو الذي يرشحها اليوم بقوة، وبجدارة، لاستعادة مكانتها العالمية، التي كانت لها في السابق، حين كانت الأداةَ العالمية الأولى للتعبير عـن أرقـى العلوم الـبشرية وأدق المشاعر الإنسانية، وأعْـقد المفاهيم الفلسفية، ولكن الشواذ من أبنائها المزعومين، ما فَـتِـئُوا يرمونها بالعاهات التي هي أصلا في نـفوسهم.

و في هذا المضمار يستشهد علي بن محمد بموقف الرئيس الفرنسي (فرانسوا هولند) حينما أخبر شعبه بأنه لن يترشح للإنتخابات الرئاسية القادمة، واغتنم الفرصة لتقديم حصيلة أولية لما أنْجِـز في عهده، فـشـده القولُ في مَعرِض كلامه عما اتخذه من الإجراءات، والتدابير القانونية، لمحاربة الإرهاب، قال موضحا علة تلك التدابير: "سندافع عن ثقافتنا، وعن نمط حياتنا الذي لن نغيره"، وعندنا، في الجزائر المحروسة، نسمع من المتنطعين، والمتطفلين على الإعلام، والساعين إلى هدم أسس وحدة البلاد، بكل ما أوتُوا من جهد، وفي خضم هذه القراءة يضع علي بن محمد نظرية القابلية للإستعمار لمالك بن نبي تحت المجهر إذ يقول : حيث ما يوجد استعمار، توجد قابلية الحُكّام لقبوله، والعمل معه، والسماح له بالتدخل والهيمنة؛ لا بل تَـدعـوه صراحةً لبسط النفوذ، والتدخل في أخص أمورها بها، لأن مصالح الحكام كثيرا ما تندرج، بل تذوب، في مصالح أولئك المهيمنين، ومِـنْ هنا تتحقق نظرية مالك بن نبي. وأحرى بالذين يَألـمُون من هيمنة الأجنبي عليهم، ويَضِجّون من صَوْلته في وطنهم، أن يحاربوا، بجـدية، ما في نفوس، وما في عقول نُخَبهم المستلبة، من بذور "قابلية الاستعمار"، النامية لديهم، الضاربة بجذورها فيهم. فهم، في كل بلد، لْقَطاءُ الوطن، أيتامُ ثقافتهم الوطنية. أفئدتهم مخازنُ الـوَباء القاتل.

عباسي يصف المرحلة البوتفليقية بالسوداء

و بالعودة إلى مضمون الكتاب يلاحظ أن الدكتور عبد الحميد عباسي وهو برلماني سابق وأستاذ محاضر بجامعة بومرداس .الجزائر، يقيم بالجزائر العاصمة، وشارك وحاضر في العديد من الملتقيات الثقافية والتاريخية الوطنية..، حيث تحدث عن خلفيات الإستيطان الفرنسي في الجزائر وما تميز به من ظلم واستعباد وتعذيب وقتل لكن الشعب تمكن من تحقيق الإستقلال، غير أنه ير أن هذا الاستقلال غير مكتمل في الكثير من مضامينه ومعانيه، ففرنسا حين تأكد لها أنها خسرت الحرب، وأن الجزائر ستخرج من قبضتها لا محالة تركت وراءها عملاء كونتهم ودربتهم وربطت مصيرهم بمصيرها ليحلوا محلها ويحفظوا مصالحها ويكونوا عيونا لها في الجزائر، ما مكنها من الإستمرار في فرض وصايتها على الجزائر، الكتاب يضم خمسة محاور هي عبارة عن مقالات جمعها الكاتب، وركز فيها على أهمية اللغة والهوية الوطنية ودور الجامعة والمنظومة التربويىة، واضاف له محورا خاصا من خلاله سلط الضوء على الوضع الإقتصادي والإجتماعي في البلاد، ويلاحظ أنه انتقد وبشدة المرحلة التي قضاها الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة طيلة عهداته الأربعة، اتسمت كما قال هو باتساع مساحة التدخل الفرنسي في شؤون الجزائر الداخلية خاصة في السنوات الأخيرة من حكمه، ومست جوانب ومجالات عديدة، لم تكن متاحا لها في التدخل واللعب فيها من قبل، وتوطدت هذه العلاقات أكثر منذ زيارة الرئيس نيكولا ساركوزي إلى الجزائر، ولكن في السنوات الأخيرة شهدت الساحة السياسية ترهل مؤسسات الدولة وتعدد مصادر القرار فيها، وزاد الوضع تعقيدا بعد سقوط الرئيس أسير المرض وغيابه أو تغييبه عن تسيير شؤون البلاد لفترة طويلة، نتيجة لذلك يضيف صاحب الكتاب تحول الكثير من المثقفين والأكاديميين الذين من أشد الناس دعما وتأييداو مساندة للرئيس بوتفليقة سنة 1999 تأثرا بوهج المرحلة البومديينية التي كان أحد أبرز رجالها، وتعلقا بأي أمل طلبا للخلاص من محرقة العشر العجاف إلى اشد الناس اختلافا معه ومعارضة له ولنهجه أيضا، بل شطّوا في مخالفته.

لقد حاولت الطبقة المثقفة رفع الصوت عاليا في وجهه وليُّ العصا في يده بعد ذلك حين تأكد لهم الإنحراف، وراوا بأم أعينهم انحيازه الوضاح والفاضح قولا وفعلا لفرنسا وللوبي الفرانكفوني الموالي لها، بل مغازلتها والتودد لها لكسب رضاها وإرضائها وخدمتها وتحقيق مصالحها الثقافية والإقتصادية على حساب مصالح الجزائر وتاريخها وسيادتها وحرية قرارها، حتى وعوده بإجراء إصلاحات كبرى في هياكل الدولة لم تتحقق، وظلت مجرد كلام وأوهام، وفهم من كلام لكاتب أن الرئيس بوتفليقة كان يبيع للشعب الأوهام ويخاطبهم بالكلام المعسل البعيد عن الواقع، وقد قارن لكاتب بين ما كان قائما قبل 1999 وحال البلاد اليوم، مثمنا في ذلك جهود الحيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني والشهداء الأبرار المؤتمن الفعلي على صون وحماية البلاد، وبقيامه في المدة الأخيرة بخطوات مزية مهمة باعثة على الثقة والإطمئنان والإرتياح لتسلل اليأس إلى العزائم والنفوس.

و قد استعرض الكاتب في مقدمة كتابه الأحداث التي مرت بها الجزائر مر كزا على أحداث أكتوبر 1988 واختلاف الدارسين والمحللين بشأن تقييم الأحداث التي جرت في ذلك اليوم الخريفي الكئيب. فمنهم من اعتبرها انتفاضة شعبية هدفها إسقاط النظام وتغييره،أو محاولة إصلاحه على الأقل،كما هو الحال بالنسبة للتيارات الراديكالية عامة، من اليمين إلى اليسار، بما في ذلك القوى ذات النزعة التغريبية،ومنهم من اعتبرها انتكاسةً مدمِّرة، ونقطة تحول حالكة السواد،ومشروعا تآمريا خطيرا،هدفه ضرب التوجه الوطني للبلاد ،وترسيخ سياسة الإقصاء والإلغاء، والقضاء على مبادئ وقيم ثورة نوفمبر 54 .. وأن " الذين خططوا لأحداث الخامس من أكتوبر،فعلوا ذلك حتى يجرِّدوا ثورة نوفمبر من نبلها وقداستها" كما هو الحال لدى جمهور التيار الوطني، وفي طليعته أبناء الأسرة الثورية، حسب الكاتب كانت هذه الأحداث الموجهة والمخطط لها بعناية ورعاية من قبل مستعمر الأمس،إما بطرق مباشرة، أو عبر وكلائه وممثليه في الداخل - بداية لمراجعة كل شيء،والتراجع عن كل شيء، ومؤشراً واضح الدلالة على دخول البلاد دوامة الانحراف والفوضى والتسيب وعدم الاستقرار .

 وباعتباره واحدا ممن عايشوا تلك المرحلة وكان من ضمن الشباب المتحمس الحالم باستكمال حرية بلده واستقلاله وسيادته الرافض  لأي مظهر من مظاهر الوصاية والهيمنة والنفوذ والتدخل من جانب فرنسا في أي شأن من شؤوننا ، فقد وجد أن الضمير الحر،والواجب الوطني،يدعوانه إلى الانخراط في أتون هذه المعركة الشرسة والمقدسة في الوقت ذاته، وخوض غمارها بقلمه،على جبهات عدة،تحت سقف دستور البلاد وقوانينها السارية، وفاء منه لرسالة الشهداء الأبرار حيث رأيى كما رأى غيره، أن قلاع الوطن وحصون مناعته واستقراره واستمراره، مستهدفة بمكر وخبث وسوء نية من قبل أعداء الجزائر في الخارج ووكلائهم ولقطائهم في الداخل، إذ يرى أن السكوت والتقاعس، أو غض الطرف إزاء ما يجري أمر غير مقبول، بل إن تجاهله والتغاضي عنه يشكّل خيانة عظمى وطعنة نجلاء تسدد لهذا الوطن، ولرسالة الشهداء الأبرار .

 

قراءة علجية عيش

 

حسيب شحادةكرمة زعبي، شخصية المرأة في الدراما والمسرح الفلسطيني في إسرائيل بين السنوات ١٩٦٧-١٩٩٧. الناصرة: مجمع اللغة العربية. ط. ١، ٢٠١٨، ISBN 978 965 - 92518- 7-2، ٣٠١ ص. (أطروحة دكتوراة، قسم المسرح في جامعة تل أبيب بإشراف ثلاثة أساتذة، اثنان يهوديان وواحد عربي).

يتكوّن هذا البحث من مقدّمة (ص. ٧-٦٠ وكان من المطلوب ذكر العناوين الفرعية كما هي الحال بالنسبة للأقسام الأخرى)، وثلاثة فصول أساسية: كتّاب مسرحيون ومسرحيات بعد ١٩٦٧ (ص. ٦١- ١١٠)؛ شخصيات نسائية في المسرح الفلسطيني (ص. ١١١-٢٣٨)؛ شخصية المرأة على خشبة المسرح (ص. ٢٣٩-٢٨٠). وفي ذيل الكتاب كالعادة ثبت بالمراجع يضمّ أكثر من مائتي مصدر بالعربية (وهي الأكثرية الساحقة) والعبرية والإنكليزية.

في هذه الأطروحة التي تناولت موضوعًا جديدًا، حاولت المؤلّفة فحص عدّة نواحٍ متعلّقة بالموضوع  على ضوء النظرية الجندرية، نظرية السياسة الجنسانية لـ Kate Millet مثل: التطرق لسير حيوات بعض كتّاب المسرحية؛ إلقاء بعض الضوء على سبع وعشرين مسرحية وتحليلها وَفق أُسس التحليل في النظرية السيميائية والنظرية البروكسيمية؛ أبعاد شخصية المرأة  ودورها في مسرح البلاد؛ مكانة المسرح العربي في البلاد؛ الصلة بين المجتمع الفلسطيني والمسرح؛ توثيق قسم كبير من فعاليات المسرح المحلي؛ النظام البطركي في المجتمع العربي وتبعية المرأة للرجل؛ غياب النظرة النقدية لواقع المرأة.

تطرح الكاتبة في نهاية بحثها سؤالًا مستقبليًا، يدور حول حظوظ تبدّل وضع المرأة الراهن لتتبوّأ مكانًا مؤثّرًا، وترى في المونودراما ”جميلة“ من إنتاج ”مسرح الجوّال“ السخنيني وإخراج المسرحي عادل أبو ريّا، التي عرضت في خريف ٢٠٠٣ بداية خير، امرأة غير نمطية، غير تابعة للرجل، مطالبة بالحرية.

في ما يلي بعض الملاحظات والتساؤلات التي تجمّعت لديّ عند قراءتي لهذا البحث، والحقّ يقال، إنّني لم أشعر بجاذبية شديدة  في القراءة.

أ) كيف تمّ تقييم هذا البحث المكتوب بالعربية من قبل المشرفين اليهوديين، أيجيدانها، أم كانت أمامهما ترجمة ما؟

ب) اختراق التأثير العبري للوعي العربي لغويًا: بعد حرب الأيّام الستّة عام 1967 (ص. ٧، ٢٠،  ٤٢،  ٤٨،  ٦١)، ”اللقب“ كذا وكذا بدلا من ”شهادة“ كذا وكذا فاللفظة الأولى بهذا المدلول غير مفهومة للعرب في الدول العربية ، ص. ٥١، ٦٦، ٨٠)  .

ت) كان من الطبيعي أن تستهل الكاتبة مقدّمتها بما جاء في آخرها، أي أنّ هذا البحث قد أعدّ في إطار إعداد شهادة الدكتوراة.

ث) تجدُر الإشارة إلى أنّ اللغة سليمة وهذا ظاهرة يفتخر بها حقًا (هفوات طفيفة في ص. ١٣، ٢٦، ٢٨، ٣٤،  ص. ٤٠ أوّل سطرين، ٤٢، ٥٠، ٥١؛ ٥٤؛ ٥٧؛ ١٨٤) لندرتها في الكتابات الراهنة ومن أسبابها عدم توفّر المدقّق اللغوي الحقيقي.

جـ) لا بدّ من الإحالة لرقم الصفحة أو الصفحات وعدم الاكتفاء باسم المؤلف وتاريخ صدور الكتاب، وهذه وللأسف ظاهرة متفشية في الأبحاث الحديثة وينبغي تفاديها (موريه ٢٠١٤، ص. ١٤؛ تشير أبو ربيعة ووينر، ٢٠١٠، ص. ٥٠؛ ٥١؛ ص. ١٤٨ الصحيح عام ١٩٩٧ وليس ١٩٩٦).

حـ) غياب الإحالة لمصدر أو مصادر  (مثلا، ص. ١٩، نهاية ص. ٣٣،  ١٨٥).

خـ) ضرورة ترجمة النصّ الأجنبي إلى اللغة العربية (ص. ٣٥، ٣٨، ٤٤، ٥٦؛ ٥٨؛ ٧٨،  ١٦٦، ١٧١، ١٧٤، ١٩٦، ٢٤٣، ٢٤٤).

 

عرض حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

علي جابر الفتلاويأيدلوجيا والجمع أيديولوجيات مجموعة الآراء والأفكار والعقائد التي يؤمن بها شعب أو أمة أو حزب أو جماعة.(1) وقيل: هي ناتج عملية تكوين نسق فكري عام يفسر الطبيعة والمجتمع والفرد، ويحدد موقف فكري معين يربط الأفكار في مختلف الميادين الفكرية والسياسية والأخلاقية والفلسفية.(2) ويقول المفكر عبد الله العروي: أيديولوجيا كلمة دخيلة على جميع اللغات الحيّة. تعني لغويا في أصلها الفرنسي، علم الأفكار، لكنّها لم تحتفظ بالمعنى اللغوي. وأضاف: نقول أن الحزب الفلاني يحمل أدلوجة ونعني بها مجموعة القيم والأخلاق والأهداف التي ينوي تحقيقها على المدى القريب والبعيد. وأن الحزب الذي لا يملك أدلوجة هو في نظرنا حزب انتهازي ظرفي لا يهمه سوى استغلال النفوذ والسلطة.(3)

كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) ومؤلفه الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وهو يتكلم عن الايديولوجيا، لا يتوافق مع كل تعريف يخرج عن تعريف واضع الاصطلاح  (انطوان دستيت دو تراسي)(4) والذي يعني:

 (علم الأفكار)، (أي دراسة الأفكار دراسة علمية).(5)

ينتقد الاتجاهات الفكرية التي توظف الايدلوجيا خارج المفهوم الذي وضعت له  يرى: أنّ  الأيديولوجيا هي علم دراسة الأفكار، وليست علم لانتاج المعنى، فعندما يتطرق إليها ناقدا في كتابه إنما يعني الأيديولوجيا الموظفة لانتاج المعنى، يقول (ص13): أعني بالايديولوجيا نظاما لانتاج المعنى، الذي يصنع نسيج مكر وسلطة متشعبة لانتاج حقيقة متخيلة، تبعا لأحلام تخيلية مسكونة في عالم طوباوي موهوم. يرى أن توظيف الايديولوجيا بهذا الاتجاه ضرب من التزييف للحقيقة، وطمس لمعناها عبر حجب الواقع، هذا الاتجاه هو من يسلط عليه الضوء في كتابه، ينتقد هذه الايديولوجيا، يبين مساوئها ونتائجها غير الإيجابية.

وفق هذه الرؤية أنتقد نابليون عندما وظّفها بالمعنى السياسي، وعدّ هذا التوجّه ازدراء لمفاهيم التنوير، وانتقد ماركس وانجلز عندما أدلجا الايديولوجيا في كتاب (الايديولوجية الألمانية)، يقول عنهما (ص13) من مقدمة كتابه: استعملاها عام (1845م) بمفهوم الادراك المقلوب والزائف للواقع؛ وفق هذه الرؤية انتقد أيضا المفكر الاسلامي الدكتور علي شريعتي، وعدّه من الذين وظفوا الايديولوجيا لأدلجة الدين، رؤيته عن فكر الدكتورعلي شريعتي، ولّد امتعاضا عند بعض القراء حسب قوله في مقدمة كتابه (ص13).

اتفق مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي في قوله (ص37): الحق في الاختلاف ضرورة تفرضها طبيعة الكائن البشري، وحاجته العميقة للانجاز والفرادة والتميّز. ولا اتفق معه في قوله: منطق الفكر الوثوقي على الضّد من حقّ الاختلاف.

 أرى من حقّ أي فرد أن يثق بما يؤمن به من دين أو فكر، لكن ليس من حقه أن يصادر إيمان الأخر المختلف وثقته أيضا في دينه أو فكره، يجب أن يسود الاحترام المتبادل. ولكل حريته فيما يحمل من فكر أو دين، وممارسة الطقوس وفق ما يرى صاحب الدين أو الفكر أنه هو الصحيح؛ الانسان بمختلف انتمائاته من حقه أن يثق بما يؤمن، ولكن ليس من حقه: (التوحيد القسري لأنماط التفكير والتعبير كافة ومناهضة التعدّدية بمختلف تجلّياتها وتعبيراتها).(6)

 أتوافق معه عندما يعلل (ص37) منشأ الفكر الوثوقي من شعور الفرد بوجود وجه واحد للحقيقة، مما يدفع الفرد للاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة واستباحة كلّ فعل عدواني ينتهك الإيمان والقيم والأخلاق.

رؤيتي أن الحقيقة واحدة، لكن لها عدة وجوه، أو عدة سبل للوصول،  من يمتلك أحد الوجوه أو السبل، لا يعني امتلاكه الحقيقة كاملة، من يؤمن أنه يمتلك الحقيقة كاملة  هو الانغلاق بعينه، هذا الشعور يدفع إلى التطرف والعدوانية والقتل العشوائي، لقد استغلّ واحتضن أعداء الشعوب من يدّعي امتلاك الحقيقة كاملة، فانتجوا وفق هذه الرؤية المنغلقة منظمات الارهاب والتطرف بكل الولاءات والمسميات، إذ نرى اليوم المجازر والتخريب باسم الدين. إنها الايديولوجية المتطرفة التي تصادر رأي الآخر ولا تعترف به، هذا الاتجاه الايديولوجي تحوّل إلى سلاح مدمر بيد أعداء الاسلام والمسلمين، وأعداء الشعوب كافة من مختلف الديانات والقوميات، وقد شاهدت أحد قادة الصهاينة (يوتيوب)، وهو يمدح ويمجّد هذا الاتجاه، وعدّ إسلامهم هو الصحيح والمطلوب، وذكر مثالا ابن تيمية ومحمد عبد الوهاب، وأعطى الشرعية والدعم لأتباع الاسلام الوهابي.

 من خلال الاطلاع على رؤية الدكتور الرفاعي عن الايديولوجية، نراه لا يميّز بين أيديولوجيه وأخرى، إذ يعمم الصفات السلبية للايديولوجيات المنغلقة إلى الايديولوجيات المنفتحة، التي تحترم الآخر رغم إيمانها بأيديولوجيتها أنها هي الصحيحة، الحالة تشبه الاختلاف في الدين، فالمسلم يرى أن دينه هو الصحيح، هذه الثقة لا تسمح للمسلم بتسقيط أو محاربة الاديان الاخرى.

 الأدلجة عند الدكتور الرفاعي حالة سلبية إن خرجت عن معناها الاصطلاحي الموضوع من قبل واضع الاصطلاح، بغض النظر عن الهوية أو الانتماء، ومن دون النظر الى الايجابيات التي قد تحققها بعض الايديولجيات، عنده كل أنواع الايدلوجيات غير صحيحة ولا تحقق شيئا من الايجابية، يرى أن جميع الايديولوجيات بمختلف انتماءاتها الفكرية هي بمنظور واحد.

 في تقديري هذه مبالغة في التقييم، فلكل ايديولوجية سلبيات وايجابيات وقد تكون أحيانا الايجابيات أكثر من السلبيات في ظروف خاصة زمانية أو مكانية، لا أدعو إلى أدلجة الدين لكن نحتاج أحيانا إلى أيديولوجية مثل ايديولوجية علي شريعتي مثلا؛ على الأقل في ظرف خاص، إذ لا يمكن انكار دور شريعتي في تثوير الشباب ضد حكومة شاه ايران، لقد كانت ايديولوجية شريعتي عاملا مهما من عوامل الثورة، وقد أشار إلى ذلك الدكتور الرفاعي نفسه في كتابه (ص97) يقول:

علي شريعتي المثقف الرسولي الذي اشتهر بخطاباته التعبوية، شديدة التأثير في الشباب قبيل الثورة الاسلامية وتحريضه المجتمع للانخراط في مناهضة حكومة الشاه. وهذا حسب رأيي من الايجابيات.

ثبّت الدكتور عبد الجبار الرفاعي جملة من السلبيات على الايديولجيات عموما نذكرها باختصار (ص109 – 110):

1 – شيوع الايديولوجيات اليسارية والقومية والسلفية، أنتج عقلا ديماغوجيا (7) مغلقا متحجرا، يبثّ وعودا منقطعة الصلة بالواقع.

 أرى شيوع هذه الايديولوجيات المشوّهة لا يعني أن نستغني أو نلغي الايديولوجية التي تعطي نتائج ايجابية حتى ولو لفترة زمنية محددة ومساحة معينة. 

2 – الأيديولوجيا نسق مغلق، يغذّي الرأس بمصفوفة معتقدات ومفاهيم ومقولات نهائية، تعلن الحرب على أية فكرة لا تشبهها، حتّى تفضي إلى إنتاج نسخ متشابهة من البشر، وتجييش الجمهور على رأي واحد.

لا اتوافق مع الرؤية، إذ ليس بالضرورة أن تكون كل ايديولوجية منغلقة على ذاتها. 

3ا- الأيديولوجي عبد لأيدولجيته، حتى أنّه يرى سعادته في عبوديته هذه.

 قد تكون هذه العبارة صحيحة وتنطبق على بعض الايديولوجيين، لكن ليس بالضرورة أن تنطبق على الكل، هذه العبارة تؤول إلى نتيجة أن كل ايديولوجي مسلم حتى لو كان معتدلا، فإنه يكون قد تخلّى عن أبواب الدين الأخرى، وحصر اتجاهات الدين جميعها في اتجاه واحد، لكنّي أرى أن الواقع يقول غير ذلك، أرى أن رؤية الدكتور عبد الجبار الرفاعي هذه هي رؤية ايديولوجية، تتصف بالانغلاق.  

4 – الأيديولوجيا تعطّل التفكير التساؤلي الحرّ المغامر، الذي يتخطى حدودها.

في تقديري ليس من الضروري أن تنطبق هذه النتيجة على جميع الايديولوجيات.

5 – الأيديولوجيا جزمية، همّها تنميط وتدجين ونمذجة الشخص البشري.

 هذا التوصيف ينطبق على بعض الايدلوجيات وليس جميعها.

6- الأيدولوجيا تغلق طريق العدالة التي ينشدها الدين، لأن الأدلجة تفسد الدين.

 نعم من الايديولوجيات من تفسد الدين، لكن ليس الجميع.

هذه مؤشرات نستنتج منها أن الدكتور عبد الجبار الرفاعي يحمل مفهوما عن الايديولوجية غير المفهوم الذي ينادي به بعض المفكرين الاسلاميين، فهو يرى أن توظيف الايديولوجية خارج مفهومها الاصطلاحي الموضوع من قبل واضع المصطلح، خطأ لا يمكن أن يؤخذ به، وعدّ ذلك أدلجة للدين أو السياسة أو أي اتجاه آخر يوظف فيه المصطلح، لكن الواقع يقول غير ذلك أحيانا، لست مع أدلجة الدين ولست ضد ايديولوجية تستمد سلوكها واخلاقياتها من الدين، ولا تكون بديلا عنه بل أحد وسائل الدين في الهداية أو التثوير ضد الظلم، واسترجاع الحقوق المسلوبة. نحتاج أحيانا الى الايديولوجية كسلاح مقاوم ضد الايديولوجيات المنغلقة والشمولية نحتاجها كسلاح بوجه المهاجم الايديولوجي المنغلق، لا نتعامل معها بمعنى الادلجة بل أنها من توابع الدين ووسائله في الهداية والمقاومة والدفاع.

 

علي جابر الفتلاوي

....................

(1): almaany.com dictionary

(2): موقع قناة RT Arabic   في (8/10/2017م).

(3): حنان الهاشمي، نقاش حول الأيديولوجيا، موقع الحكمة (hekmah.org) في (15/10/2015م)مصدر الكاتبة:عبد الله العروي، مفهوم الايديولوجيا، ص9، بيروت، 1993م.

(4): فيلسوف فرنسي ارستقراطي تنويري صاغ مصطلح (ايديولوجيا) ولد (20/يوليو/1745م) وتوفي (9/مارس/1836م) انظر: ar.wikipedia.org

(5): د. عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الانطولوجي،ص12، ط4، بيروت – 2019.

(6): المصدر نفسه، ص37.

(7): الديماغوجيا: كلمة أصلها يوناني وتتكون من مقطعين (ديموس) وتعني الشعب، و (غوجيه) وتعني العمل، ومعناها: كلام فضفاض لا منطق له، يحاول صاحبه أن يستميل الجمهور بالإغراء يتّبعه السياسيون ظاهريا للوصول إلى السلطة وخدمة مصالحهم. (Rep.eye. com) 23/2/2015.

 

 

نايف عبوشصدر للكاتب عباس حمدان خلف، كتابه الموسوم (حب وحنين -1949- شقاء وأنين)، عن دار نون للطباعة والنشر، في المجموعة الثقافية، نينوى . ويقع الكتاب في (٢٢٠) صفحة من الحجم المتوسط، حيث الغلاف من تصميم محمد العمري، ومسجل في دار الكتب والوثائق في بغداد، برقم إيداع (٨٦) لسنة ٢٠١٩ .

ويأتي الكتاب، في مجموعة كشكولات، تتضمن خواطر، وسرديات حكائية،هي أقرب ما تكون إلى القصة القصيرة، لتشكل بإجمالها، مجموعة قصص قصيرة رائعة، في أدب التراجيديا، جادت بها قريحته المرهفة.

ويلاحظ أن تجلياته السردية، تجسد منهج الواقعية الصرفة في القص، بتسجيلها واقع الحال الذي عاشه، منذ طفولته مروراً، بكل مراحل دراسته، وخدمته العسكرية، وحياته الوظيفية، وما تلاها من أحداث مأساوية مر بها، ضمن الحال العام الذي مر به البلد، مستخدما في سرده، ما يمكن وصفه بتقنية العودة بالذاكرة إلى الوراء، بما يملكه من مخيلة متوقدة، وحس شفاف، وقدرة سرد وصفية متمكنة، وهو يتسكع في دهاليز الذاكرة بحسه الوجداني المرهف، ليعكس تجليات ذلك الحال المأساوي، بأعلى درجات التوجع في حكائياته، والتي يتلمسها القارئ في كل حرف سطره الكاتب التراجيدي عباس حمدان خلف في كشكولات مجموعته القصصية، التي حواها كتابه المذكور .

وكما يشير الكاتب في مقدمة الكتاب عن كشكولاته، فهي تجليات من واقع الأحداث المأساوية التي عاشها عمليا في حياته . ولذلك جاءت المجموعة بهيئة سرديات قص مباشر، لسيرة حياة عملية صرفة، يخلو من التجريد، حيث جاء سرد الكاتب لأحداث ووقائع القصة، وليد معاناة شخصية، وبأسلوب سلس، يشد القارئ بشغف إلى إحداث القصة، بسبب طبيعة السرد الفني المشوق للحدث، وهو ما يعكس قدرة الكاتب على تحويل الوقائع العملية التي عاشها، إلى صورة قصصية واقعية مشوقة، بعيدة عن رمزية التجريد، والغموض، التي ربما تكون معهودة في مثل هكذا كتابات .

ولاشك أن متعة قراءة هذا الكتاب، وتصفح تفاصيل كشكولاته، والتفاعل مع تجلباتها، بالقراءة المباشرة لنصوصها، ستكون أروع وأكثر نكهة، من مجرد تلقيها عن طريق العرض مهما كان جذابا .

 

نايف عبوش

 

917 مضراشتهر العرب قديماً بالشعر والخطابة معتمدين بذلك على فصاحتهم وقدرتهم على ترتيب الكلام وتنميقه وتطويعه ليصيغوا أبياتاً وخطباً ساهمت في كثير من الأحيان في احداث تاريخية مهمة.

و في عصرنا الراهن تعتبر الخطابة من أهم وسائل الإعلام المؤثرة في الرأي العام خاصة إذا اعتمدت على الدين في توجيه رسائل وإعطاء توجيهات معينة. وقد استخدم رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كثير من الأحيان منبره الشريف لإيصال ما يريد من أمور تهم المسلمين وتوجههم وترشدهم إلى دينهم وشريعتهم.

و كذلك فعل أهل البيت عليهم السلام في الاهتمام بالمنبر وبخاصة المنبر الحسيني كأحد أهم الأدوات المؤثرة في المجتمع. فالخطابة الحسينية القادرة على التوجيه والتثقيف وتسليط الضوء على القضايا المعاشية الملحة يمكن أن تتحول بفعل خطيب ما إلى أداة فيها خلل كبير في التطبيق.

يرجع هذا الأمر لأسباب عدة يتطرق لها كتاب "الخطابة الحسينية- تداعيات وآفاق- لسماحة السيد مضر الحلو". فالكتاب الذي يشد القارىء إليه منذ الأسطر الأولى يناقش أسباب تراجع الخطاب الديني بشكل عام ثم يعرج على المنبر الحسيني فيتطرق إلى أسباب إحفاقه.  ويقدم الكتاب نقداً بناءً للأخطاء التي قد تعتري المنبر لكنه لا يكتفي بذلك وحسب وإنما يحدد سبل الإرتقاء به لتمكينه من أداء دوره الريادي في الهداية والتثقيف.

اللافت في كتاب "الخطابة الحسينية" أنه يتناول هذه القضية كعملية متكاملة العناصر. فهو يأخذنا في رحلة تبدأ من الخطيب مروراً  بالرسالة والمضمون إلى أن يصل إلى المتلقي والممول المسؤول عن المجلس. كل له دور أساسي في إيصال الفكرة وتوضيحها.

و لم يغفل السيد مضر الحلو عن الإشارة إلى الدور المهم الذي تلعبه المرجعية الرشيدة  في رعاية وتوجيه الخطباء والحرص على المنبر الحسيني خاصة وأنه "وليد حوزتها الشرعي وملتصق بها التصاقاً مشيمياً" كما يصفه الكاتب.

كما أن الكتاب لم ينس التطرق لموضوع الشباب مشدداً على أهمية أن يكون لهم مساحة واضحة للنقاش والحوار وإبداء الرأي. ويشير إلى أن المجالس الحسينية ليست بالضرورة أن تكون بديلاً عن التربية والاخلاق التي تزرعها العوائل في أبنائها وإنما هي تذكرة وموعظة يستفيد منها من يوليها الاهتمام الكافي.  

و لا يكتفي السيد مضر الحلو في رحلته عبر الخطابة الحسينية بالتشخيص النظري بل يتطرق إلى قصص واقعية بعضها ظريف لا يخلو من الطرافة والآخر موجع للقلب لما يحمله من نهج خاطىء يسيء  للمنبر الحسيني ويستوجب إصلاحه.

و يبحر القارىء في  صفحات الكتاب إلى عالم الخطباء فيجد نفسه أمام قامات من أشهر الخطباء متعرفاً على سيرة حياتهم ودورهم الريادي في ترسيخ المنبر وإرساء دعائم الخطابة الحسينية.

بعد ذلك ينقلنا الكتاب إلى نموذج متقدم لعمل تنظيمي رائع يقوم به أصحاب المآتم في مملكة البحرين يصلح أن يكون قدوة ومصدراً لأفكار بناءة ترتقي بالمنبر وتصون الخطابة الحسينية وتحميها.

وبذلك يكون السيد مضر الحلو قد تمكن من خلال صفحات كتابه التي تتجاوز الـ 140 من تقديم صورة موجزة وشاملة عن الخطابة الحسينية وآفاق تطورها في نهج تصحيحي مبني على تجربة شخصية عملية ومخلصة في أداء الرسالة.

الكتاب برأيي يصلح أن يكون خارطة طريق لإصلاح المنبر الحسيني وأتمنى أن يجد طريقه لطلاب الخطابة الحسينية تحت إشراف المرجعية ليساهم في تخريج طليعة متعلمة وواعية من خطباء المنبر. إنه عصارة سنوات من الجهد والعمل والتشخيص وهو أكبر خدمة يمكن أن تقدم لسيد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

نضير الخزرجيمن عادتي عند السفر والترحال على قلّته وتنقلي في المطارات وعموم المنافذ الحدودية أن أتجول في الأروقة وألقي النظرات هنا وهناك، وأتطلع في جمالية المنفذ الحدودي وكيفية تعاطي الموظفين والعاملين مع المسافرين ونوعية الخدمات المتوفرة وبخاصة ما يتعلق بالنظافة، لاعتقادي أن نظافة المنافذ الحدودية هي مرآة للبلد وسلامة شوارعه وأزقته ورقي شعبه ومجتمعه، لأن النظيف في المرافق الحكومية ذات الإتصال بالناس هو نظيف في مسكنه ومحل عمله وفي الشارع والزقاق، باعتبار أن النظافة طبيعة وسلوك وليست تطبّعا وتصنّعا.

والحكومات الصالحة تحرص كل الحرص على نظافة البلد وتشجيع المجتمع بطرق مختلفة للحفاظ على نظافة المرافق العامة والخاصة وتخليصها من النفايات المختلفة الخارجة من المنازل والمستشفيات والمصانع والمعامل والمفاعل، وبعضها تفرض الضرائب للحد من التلوث المناخي وبعضها تحظر أنواعا من السيارات من الدخول الى مركز المدن المكتظة في ساعات معينة لحماية البيئة مما تنفثه عوادم السيارات، أو تفرض عليها ضريبة لدفعها إلى تفادي المرور من المناطق السكانية والمزدحمة.

وكما أنَّ المنافذ الحدودية علامة مميزة على نوعية السلطة الحاكمة واهتمامها بالمرافق العامة، فإن شوارع البلد وأزقته علامة مميزة على طبيعة المجتمع وتعامله مع مرافق البلد الخاصة والعامة، باعتبار النظافة ثقافة، ولهذا فإن المسافر الذي يتنقل في البلدان له أن يحكم على ثقافة هذا الشعب أو ذاك من خلال ما يراه وما يلمسه في الشوارع والأرصفة.

كما أن النظافة لوحدها لا تكفي، حيث يصاحبها فن طريقة التخلص من النفايات أو إعادة تدويرها وتكريرها والإستفادة منها، فالحكومة التي هي نتاج المجتمع والمولودة من رحمه تقع عليها عبء التخلص من النفايات بطريقة ذكية للتقليل من الخسائر في الإنسان والحيوان والنبات والبيئة والتربة والمياه، والعملية تشاركية تضامنية بين الحكومة كشخصية اعتبارية والمجتمع كشخصية حقيقية، لأن الأولى عبارة عن دوائر ومؤسسات يديرها أبناء المجتمع نفسه، ولهذا إذا أحسن المجتمع التعامل مع نفايات المنزل أو المصنع او المعمل وما شابه ذلك، أمكن نفسه والحكومة من تحصين البيئة من الغازات السامة التي تفرزها النفايات وما ينشأ عنها من أوبئة، من هنا فإن بعض الحكومات تساهم مع المجتمع في حماية البيئة عبر تخصيص مجموعة من الحاويات في المنزل الواحد، فعلى سبيل المثال فإن المنطقة التي أقطنها في شمال غرب لندن وفّرت لكل منزل أربع حاويات ثلاث أمام الباب ورابعة خلفه، فواحدة لمخلفات الحدائق وثانية لمخلفات المنزل، وثالثة لمخلفات الورق والزجاج والبلاستيك، ورابعة لمخلفات المطبخ من زوائد النباتات والثمار واللحوم والأسماك، وكل هذه الحاويات تعمل الجهات المعينة على تدويرها وصناعة السماد وطعام الحيوانات وإعادة إنتاج الورق والبلاستك والزجاج، وفي بعض الدول يتم بيع النفايات إلى بلدان أخرى، كما وضعت الحكومة في كل بلدة مجموعة مكبات عامة للنفايات تستقبل مخلفات البناء والأجهزة الكهربائية وأثاث المنازل والحدائق، أي أن المواطن لا يجد صعوبة في التخلص من النفايات الخفيفة والثقيلة، وبالطبع ليست النظافة في مثل هذه  البلدان مجانا وإنما كل منزل يدفع ضريبة شهرية على النظافة والتخلص من النفايات، وبهذا فإن المشاركة بين المواطن والبلدية ساهمت بشكل كبير وتساهم في تنقية البيئة من مخلفات النفايات.

وحيث تصطف في واجهة كل بيت ثلاث حاوية ورابعة داخل المطبخ، لا يتورع البعض من ضعاف النفوس في بعض البلدان من الإستيلاء على الحاويات الموضوعة في الأزقة والشوارع العامة واستعمالها لأغراض خاصة، وقد رأيت بالقرب من أحد المراقد المقدسة حاويات الزبالة وقد أقفل عليها بسلسة حديدية خشية السرقة، ومن المؤسف أن تجد في بلد يدعو دينه القويم إلى النظافة ويجعلها علامة وماركة الإيمان، أن يرمي بعض أهلها النفايات في الشارع أو في البالوعات أو في الأنهر، أو أن يقدم الرعاة الباحثون عن طعام مجاني لأغنامهم، أو الباحثون عن قطع البلاستيك وقناني المشروعات الغازية الفلزية إلى تفريغ الحاويات ورميها في الشارع وهي تنشر سمومها فتكون مذودًا للحيوانات السائبة وبيئة خصبة للأمراض المعدية.

صورتان متقابلتان تعكسان ثقافة المجتمع وتعاطيه مع النفايات .. يتابع مسائلها الشرعية الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتيب "شريعة النفايات" الصادر حديثا (2019م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 40 صفحة استوعبت (75) مسألة بضميمة (20) تعليقة لآية الله الشيخ حسن رضا الغديري، مع مقدمة للناشر وأخرى للمعلق إلى جانب ما مهّد له الفقيه الكرباسي من رؤية حول النفايات والتخلص منها بطريقة سليمة ومفيدة.

الصحة والسلامة أولا

النفايات كما نقرأ ما كتبه الفقيه الكرباسي في التمهيد هي: (جمع النفاية، وهي الأمور التي يبعدها الإنسان عن حياته لضررها، يقال نفاءُ الشي ونفايته هو ما نفيتَ منه لرداءته .. والنفاية في المصطلح الخاص هو كل شيء لا قيمة له ولا يصلح بقاؤه بقرب الإنسان حيث فقد أهليته للإستخدام والتداول بل وحتى اقتناؤه)، فخلاصة الأمر أن بقاء النفايات في الدار أو في الشارع أو في العراء مهلكة للبيئة والجماد والنبات والحيوان فضلا عن الإنسان الذي هو الفاعل الرئيسي لحصول النفاية وتراكمها وهو صاحب العقل الذي استفاد من البيئة في صناعة ما ينفعه في حياته، ومن الطبيعي أن تترك الصناعات نفايات ومخلفات غير ذات قيمة أو مضرة، وكما استعمل عقله في الصنع والخلق عليه أن يستعمل عقله في التخلص من المخلفات أو تدويرها لحماية البيئة وتلافي أضرار الإسراف والتبذير

وليس الحفاظ على البيئة أمر سلطوي أو حكومي، إنما هو أمر مولوي كينوني تدركه الفطرة الإنسانية السليمة، بل إن الإبقاء على النفايات دون التخلص منها وتعريض النفس والمجتمع للخطر إنما في اعتقادي يدخل في مصاديق قوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) سورة البقرة: 195، وليس من العقل أن يلقي المرء بنفسه إلى جحيم التلوث والأمراض المعدية والسارية، من هنا كما يفيدنا الفقيه الكرباسي: (الحفاظ على البيئة واجب شرعي على كل مَن يعيش أو يمر ببلد، ولا اختصاص له بالمواطن بل وبالمقيمين والمسافرين في أي بقعة كانت)، وإذا كان الوجوب متحققا في كل ذي نفس عاقلة مدركة لأهمية صيانة النفس والمجتمع والبيئة من النفايات فإنه: (لا يجوز وضع النفايات في موضع يوجب الضرر للمارة أو في أماكن عامة بحيث يتضرر منها الناس، كما لا يجوز رميها في ملك الآخرين).

وحيث يشمل الوجوب الراشدين فإن من الوجوب: (المحافظة على الأطفال والقاصرين والجهلاء عبر منعهم من مباشرة النفايات المنزلية الضارة وكذلك النفايات المشعة والضارة)، ولا يقتصر الوجوب على أولياء الأمور، صحيح: (إن أولياء الأطفال والقصَّر هم المكلفون بالدرجة الأولى ولكن لا يسقط التكليف عن الآخرين إذا علموا بذلك، فالواجب على الجميع منعهم من مباشرة هذه النفايات وجوبا كفائيًا)، وهنا تقع مسؤولية كبرى على السلطة الإدارية في إنجاز مثل هذا الأمر بالتخلص من النفايات وإبعادها عن متناول الأطفال الذين لا يدركون مخاطرها، وبتعبير الفقيه الغديري وهو يعلق على المسألة: "وبالتالي تتوجه المسؤولية إلى الهيئة الحاكمة في ضمان الحفاظ على الأطفال والقصَّر".

وإذا كان الإسلام يوجه المجتمع عبر خطاباته التعليمية والتربوية للحفاظ على البيئة بالتخلص من النفايات بصورة سليمة من داخل المنزل وخارجه، فإن بعض الحكومات لجأت إلى فرض الغرامة المالية الشديدة على الراشد إذا رمى الزبالة في الطرقات حتى ولو كانت الزبالة عبارة عن كيس فارغ لبطاطة مقلية (جيبس) أو عقب سيجارة أو بقايا ورق صحي، وتقع الغرامة على القاصر والطفل عبر ولي أمره إذا تساهل في أمر النظافة ولم يردع من يتولى أمره، لأن المواطن في مثل هذا البلد الذي يدفع الضريبة على النظافة وشم الهواء النقي من حقه أن يرى البيئة نظيفة ومن واجب الجهات المسؤولة التي تنتفع من هذه الضرائب حماية البيئة وخدمة المواطن، ومن لا يعتبر نفسه جزءًا من عملية النظافة التضامنية والتشاركية يسيء الأدب إلى أبعد الحدود ويرمي الكرة في مرمى البلدية فحسب ضاربا بقوانين البلدية عرض الحائط فضلا عن التعاليم الدينية والأخلاقية!، وهنا يضيف الفقيه الكرباسي قائلا: (رمي النفايات في الطرق والشوارع والأزقة بشكل عشوائي لا يجوز وتدنيس الأماكن العامة بذلك مخالف للشرع الذي يأمر بالنظافة)، بل يكون الإنسان ضامنا إذا وقع الضرر على الآخر، حيث إنَّ: (الأشياء الجارحة كالزجاج وما إلى ذلك لا يجوز وضعها بشكل يوجب الإضرار بالناس، وإذا تعمد أحد وتضرر الناس منها كانت عليه الضمانة)، وكذلك: (إذا وضع صاحب المنزل في  النفايات ما يوجب الإنفجار أو  التسمم وأصيب الزبّال أو عمال الشركة الناقلة للنفايات فإنه ضامن لحياته وإعاقته وجرح).

ماركة حضارية

ومن العلامات الفارقة على احترام المواطن للبلد وبيئته واحترامه لنفسه وللقانون هو اتباع تعاليم السلطات المحلية التي تنظر إلى المصلحة العامة وسلامة البيئة، ولهذا: (إذا وضعت السلطات الصحية بعض القوانين للمحافظة على سلامة الناس من النفايات فلابد من الإلتزام بها)، فالمواطنة الصالحة تبدأ من الذات وتتمظهر في الخارج عبر اتباع النظم والتعاليم والوصايا الموضوعة التي تصالح عليها المجتمع عبر مؤسساته المختلفة ذات الشأن، ولهذا إذا وضعت السلطة المحلية على سبيل المثال مجموعة حاويات وعلّمتها بعلامات تشير إلى نوع النفاية المطلوب وضعها فيه أو عبر حاويات ملونة يشير كل لون إلى نوع النفاية والزبالة، يفترض حينئذ إتباع التعاليم وحط الزبالة في موضعها، من هنا يضيف الفقيه الكرباسي: (إذا فرضت الدولة فصل النفايات وتعريبها لأجل المحافظة على البيئة وإعادة تأهيلها، وجب على المواطن العمل حسب تلك القوانين، ولا يجوز تجاوزها عمدًا) وعليه: (إذا حددت البلدية بعض الحاويات لنفايات خاصة وأخرى لغيرها، لابد من الإلتزام بها)، وفي حال لم تقرر البلدية ذلك فإن: (فرز النفايات واجب كفائي فيما يوجب الضرر، فإذا لم تقم البلدية بذلك فلا يسقط الوجوب عن الآخرين)، ويعلق الفقيه الغديري قائلا: "وفي صورة وقوع الضرر على البيئة أو الأشخاص فالبلدية هي المسؤولة بالأصالة وإن كان الإثم يتوجه إلى الجميع".

وحيث تفرض بلديات غرامات مالية على من لا يتقيد بالتعاليم، فإن بعضها الآخر تمتنع عن تفريغ حمولة النفايات مما يضطر المواطن إلى تولي أمر التخلص منها شخصيا بنقلها إلى مكبات خاصة، وفي مثل هذه الحالة حيث لا يتقيد المواطن بالتعاليم يضيف الفقيه الكرباسي: (يحق للبلدية أن لا تستلم النفايات التي لم يلتزم أصحاب المنازل بالقوانين التي وضعتها البلدية)، ولأهمية الحفاظ على البيئة يعلق الفقيه الغديري: "لا يجوز للبلدية رفض استلام النفايات لأنها قد توجب الإضرار على الآخرين صحيًّا، فلها وضع الغرامات المالية لمن يخالف القوانين الموضوعة للنفايات ومعاقبته قانونيا وقضائيا، وذلك لأجل الحفاظ على البيئة، والبلدية مسؤولة عنها، والمخالف هو المعاقب للتخلف عن القانون"، وقد يتحقق الإثنان معها كما في بعض البلديات حيث تفرض الغرامة إلى جانب الإمتناع عن نقل الحمولة زيادة في إرغام المواطن على التقيد بالتعاليم واحترام القوانين، ولهذا يعود الفقيه الكرباسي مضيفا: (يجوز لحاكم الشرع وضع غرامة لمن يخالف قانون النفايات وعدم فرزها).

ومن التعاليم التربوية كما جاء في الاثر عن الإمام علي(ع): (ترك القمامة في البيت يورث الفقر)، والعمل بهذا النص علامة فارقة على طبيعة التعامل مع المخلفات المنزلية الموجبة للأمراض، والمرض مدعاة لفقد الصحة والإقعاد عن الحركة وبذل المال للإستشفاء وهو استنزاف للمال ومآل إلى الفقر بخاصة أصحاب الدخل المتوسط والمحدود، ولما كان شعار "الوقاية خير من العلاج" قاعدة ذهبية، فإن النظافة المنزلية دلالة على حسن الدار وأهلها، فيما تمثل النظافة الخارجية واقع المجتمع ورقيه.

ويواصل الفقيه الكرباسي في "شريعة النفايات" تناول مسائل متعددة على علاقة بالبيئة وطهارتها ونظافتها، من قبيل الحديث عن احترام الميت بدفنه سريعا وموارته التراب وهو المكان الطبيعي له: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) سورة طه: 55، أو الحديث عن بيع وشراء النفايات وبخاصة القاذورات البشرية والحيوانية أو الحيوانات الميتة فهي: (قابلة للإستفادة منها في هذه الأيام فإن بيعها أو العمل في الاستفادة منها جائز غير محرم، وما قيل سابقا من حرمة بيعها أو التعامل بها لأنهم لم يكونوا قادرين على الاستفادة منها)، والحديث عن الأشياء المشعة والمضرة ونفايات المستشفيات والمستوصفات التي: (لا يجوز رميها كسائر النفايات بل لابد من التخلص منها بالطرق الفضلى)، ومثلها نفايات المفاعل الذرية والنووية التي تتطلب تقنية عالية للتخلص منها حماية للتربة والبيئة وما على وجه الأرض من دابة ونبات وجماد.

إنَّ الرؤية الفقهية الناضجة التي نلمسها في "شريعة النفايات" وفي غيرها من سلسلة الشريعة التي بلغت ألف عنوان يدبج مسائلها وأحكامها الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي تعكس واقعية الإسلام الذي وضع القواعد والأصول لكل منحى من مناحي الحياة وواقعية الفقيه العامل الذي يتابع مستجدات الحياة فيعمد إلى استنباط الأحكام الفرعية من تلك الأصول وعدم ترك الأمة هملا.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات - لندن