نضير الخزرجيرغم أن الذائقة من حواس البدن الى جانب البصر والسمع والشم واللمس، فضلا عن حاسة الحدس او الحاسة السادسة التي لا تعد من الحواس المحسوسة، لها القدرة على تذوق أنواع الأطعمة والأشرب والتمييز بينها، فإن للإنسان ذائقة أخرى من نوع آخر لا تتوفر عند كل إنسان، أو بالاحرى فإن كل فرد له ذائقة أخرى غير ذائقة الطعام والشراب، قد لا نجدها لدى إنسان آخر، وبالمجموع العام فإن كل البشر يشتركون بحاسة الذائقة على أن لكل واحد منهم ذائقة يختص بها.

فالبعض يتذوق رؤية جمال الطبيعة من جبال وهضاب ووديان وبحار وأنهار لا يتذوقها غيره أو ليس لكل إنسان الذائقة نفسها والإندكاك معها روحيا ونفسيا، والبعض يتذوق تصفح وجوه الناس وهو جالس في مقهى أو على ناصية الطريق، وبعضهم يجلس عند مقدمة صالة الوصول في مطار دولي متشوقا الى رؤية الواصلين ومتذوقا لرؤية أشكال السلام والتحية الملقاة بين المسافر ومستقبله فينعش عنده ذائقة البصر والتشوف لعادات الشعوب وطقوسها، وبعض يتجول بين الأزقة والدروب القديمة متذوقا لفن البناء القديم في هذه المدينة العريقة أو تلك، وبعض يتجول في المزارع أو البساتين متحولا بين هذه الوردة أو تلك الزهرة مشبعا عنده ذائقة النظر والشم والتنقل بين الورود والأشجار.

 وبعض يتجول بين دواوين الشعراء قديمهم وحديثهم متذوقا فنون الشعر وأنواعه وأغراضه وألوانه، وكلما تنوع الشعر تفتحت ذائقة المتلقي للقراءة والإستئناس به، وكلما تنوع الشاعر الواحد في نظمه غرضا ولونا كلما كان أقرب الى ذائقة المتلقي الذي يستهويه الشعر قراءة أو سماعا أو حفظا.

الفقيه الأصولي والباحث المحقق والشاعر الأديب الشيخ محمد صادق الكرباسي صاحب المؤلفات الموسوعية والكتابات المتنوعة، له العشرات من الدواوين الشعرية المطبوعة والمخطوطة، جمع جانبا من نظمه المختلف الألوان في ديوان أسماه "ألوان شعرية" صدر نهاية العام 2019م (1440هـ)عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 155 صفحة من القطع الوزيري قدّم له وأقرظه الكاتب المسرحي والشاعر العراقي الأديب رضا كاظم الخفاجي.

فصول وألوان

كما أن اللون يتغير في عين الناظر تبعا لمدى الطول الموجي أو الإشعاع الكهرومغناطيسي ضمن الطيف المرئي، فإن الشعر الفصيح منه والشعبي يتغير لونه في إطار الطيف الشعري فيعطي للشعر رونقا ولذة وذائقة جديدة، واللون الشعري كما يعبر عنه الأديب الكرباسي هو: (التغيير في الأسلوب، فالشعر على سبيل التطبيق له قوانينه وأحكامه وشروطه ومقاييسه إلا أنه قابل للتلون بلون وصبغة معينة كأن يكون فرديا أو ثنائيا أو ثلاثيا أو رباعيا وهكذا)، وكلما كان الشعر مصطبغا بألوان وأشكال وأنماط ضمن المدى الشعري المتسالم عليه كان أقرب الى النفس والى الذائقة التي تهوى جديد الشعر، من هنا يقرر الأديب الكرباسي أن: (الشعر رغم أن فيه البلاغة وأن له تأثيرًا في النفس ويبعث النشوة فيها إلا أنه إن أتى على نسق واحد يصبح عملًا رتيبا يخرجه من حالة الوجد التي ينتعش به الناظم والمتلقي وتستثقله الإذن لرتابته، فمن هنا عمد أرباب الأدب والشعر إلى إيجاد الموشحات وفنون أخرى للشعر لكي يكون أكثر متعة للمتلقي والمستمع).

من هنا فإن القارئ لديوان "ألوان شعرية" يجده منقسما الى فصول خمسة، وقد تصدر بكلمة الناشر للشاعر اللبناني الأستاذ عبد الحسن راشد دهيني، ومثلها للأديب الكربلائي الأستاذ رضا كاظم الخفاجي الذي أنهى تقديمه للكتاب بقصيدة تقريظية عبّر عن وجهة نظره لصاحب الديوان الذي اشتهر بموسوعته الفريدة (دائرة المعارف الحسينية)، جاء في مطلعها من بحر الطويل:

مسيرةُ إبداعٍ منابعُها دُرُّ *** مؤسسها فذُّ، مآثرُهُ كُثْرُ

تجلَّت صفاتُ البحثِ فيه سجيَّةً *** يُحفِّزُها فكرٌ، خصائصُهُ تِبْرُ

ثم يعرج على الديوان قائلا:

أرادَ بألوان القصيدة، منهجًا *** يُحفِّزُ أهلَ الشعر، كي يرتقي فخرُ

واصفا الألوان باللئالئ إذ يضيف:

لئالؤهُ مقرونةٌ بجمالها *** مفاتنُها سحرُ، نسائمها عطرُ

ترددات شعرية

لما كانت القصيدة العمودية معروفة لدى القاصي والداني ممن له أدنى حظ من مَلَكة الأدب لكونها الجينة الأولى لكل الترددات الشعرية وأساس الشعر العربي القريض القائم على الوزن والقافية الموحدة من صدر وعجز ومطلع ومصرع، فإن الألوان الأخرى تأخذ أسماءَ وأبعادًا مختلفة حسب مبدعها، ومن ذلك الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة أو بتعبير الأديب الكرباسي (قصيدة النثر) التي تعتمد على: (جماليات النبر، أو المقطع اللغوي، والإيقاع المستخلص من تناسق الحروف، وهو نوع من الكتابة عُرف مع منتصف القرن العشرين الميلادي) كما جاء في تلافيف الفصل الأول للتفريق بين "القصيدة العمودية والقصيدة النثرية"، بيد أنَّ للمقدّم الأديب الخفاجي رأيًا آخر إذ يرى: (إن قصيدة النثر العربية تحديدًا مصدرها الرئيس وجذرها الراسخ يتواجد في الصحيفة السجادية وفي دعاء الإمام الحسين (ع) يوم عرفة، وكذلك في نهج البلاغة ودعاء الجوشن الكبير والصغير وغيرها)

وهنا إشارة إلى أدعية ومناجات الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام، ومن ذلك دعاؤه عليه السلام في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال: "اللهم أنت عدتي إن حزنت، وأنت منتجعي إن حرمت، وبك استغاثتي إن كرثت، وعندك مما فات خلف، ولما فسد صلاح، وفيما أنكرت تغيير، فامنن علي قبل البلاء بالعافية، وقبل الطلب بالجدة وقبل الضلال بالرشاد، واكفني مؤونة معرة العباد، وهب لي أمن يوم المعاد، وامنحني حسن الإرشاد". ومن دعاء الإمام الحسين (ع) يوم عرفة مناجيًا رب الأرباب سبحانه وتعالى: "كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ فى وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ اِلَيْكَ، اَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَيْسَ لَكَ، حَتّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ، مَتى غِبْتَ حَتّى تَحْتاجَ اِلى دَليل يَدُلُّ عَليْكَ، وَمَتى بَعُدْتَ حَتّى تَكُونَ الاْثارُ هِىَ الَّتى تُوصِلُ اِلَيْكَ، عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْها رَقيباً، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْد لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصيباً، اِلهى اَمَرْتَ بِالرُّجُوعِ اِلَى الاْثارِ فَاَرْجِعْنى اِلَيْكَ بِكِسْوَةِ الاْنْوارِ، وَهِدايَةِ الاْسْتِبصارِ، حَتّى اَرْجَعَ اِلَيْكَ مِنْها كَما دَخَلْتُ اِلَيْكَ مِنْها، مَصُونَ السِّرِّ عَنِ النَّظَرِ اِلَيْها، وَمَرْفُوعَ الْهِمَّةِ عَنِ الاْعْتِمادِ عَلَيْها، اِنَّكَ عَلى كُلِّ شَىء قَديرٌ". ومن نماذج نهج البلاغة للإمام علي (ع): "وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاكِساً، ومَرَضاً حَابِساً، أَوْ مَوْتاً خَالِساً، فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ، زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبٍ وَقِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ، وَوَاتِرٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبَائِلُهُ، وَتَكَنَّفَتْكُمْ غَوَائِلُهُ، وَأَقْصَدَتْكُمْ مَعَابِلُهُ، وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ، وَقَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ، فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِي ظُلَلِهِ، وَاحْتِدَامُ عِلَلِهِ، وَحَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ، وَغَوَاشِي سَكَرَاتِهِ، وَأَلِيمُ إِرْهَاقِهِ، وَدُجُوُّ أَطْبَاقِهِ، وَجُشُوبَةُ مَذَاقِهِ". وغيرها من النماذج الكثيرة التي يشيرها إليها الخفاجي لتأكيد وجهة نظره، وهي وجهة نظر جدُّ مقبولة إذا ما عرفنا أن النثر الشعري أو قصيدة النثر أو الشعر الحر قائم بشكل عام على السجع والتقفية.

ومن مقطوعة من الشعر الحر للأديب الكرباسي:

إنَّ عيني بحمده باصرة

نظرتي في مشاهد حائرة

ساد ظلمُ الظلام في دائرة

وَهْمُ قومي بصفقة خاسرة

لو بنفسي سوى غدت كافرة

ويواصل الأديب الكرباسي في الفصل الثاني بيان شعر (الأحاديات من المشطور الى المعشَّر) وضمّ عشرين مقطعا ومقطوعة، فتناول شرحا وأنموذجا بيان: المشطور والوحدانيات، المزدوج والثنائيات، المثلَّث والثلاثيات، المربَّع والرباعيات، المخمَّس والخماسيات، المسدَّس والسداسيات، المسبَّع والسباعيات، المثمَّن والثمانيات، المُتَسَّع والتساعيات، والمعشَّر والعُشاريات.

ومن نماذج الموحد قوله من قصيدة "يا سيدي"، من بحر المنبسط المثلث:

يا سيدي شكوتي في الأثر

فينا فسادٌ علا واستتر

ليل طويلُ كثيرُ البؤر

ظلمُ غزانا ونهجُ خثر

ومن نماذج الوحدانيات، من بحر المُبْهم لدى عروض الفرس:

مَن كان بين الورى كالشمسِ *** يرقى عن الذات من هوى النفسِ

ويواصل في الفصل الثالث (في الرباعي وإخوانه) بيان مفهوم: "التربيع، المربع، المستربع، المربوع، الرباعي، والأبوذية"، مع الإستشهاد بكل نموذج من نظمه، ومن شعر المربّع، من بحر الرجز المجزوء المذيل:

حافظ على حسن الجوارِ *** إن كنت تسعى للحوارِ

كُن صادقًا عند اختيارِ *** لا تعذِرَن حتى بِعارِ

ويواصل في الفصل الرابع (في التخميس وإخوانه) بيان مفهوم: "التخميس، المُخَمَّس، المستخمس، المخماسي، الخماسي، المُخْمَس، الخميس، التخَمُّس، المخامسة، والخميسي" والإستشهاد بكل واحد بمقطع، ومن ذلك التخميس التالي:

يا ليتني قَدَرَ المعروفِ أَملِكُهُ *** أمشي إلى قَتَمِ الأيامِ أُهلِكُهُ

نفسي على أفقِ الأجداد أسلُكُهُ

ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يُدْرِكُهُ *** تجري الرياحُ بما لا تشتهي السُّفُنُ

فالأشطر الثلاثة الأولى من نظم الشاعر الكرباسي والشطران الرابع والخامس صدر بيت وعجز للشاعر أبي الطيب المتنبي المتوفى سنة 354هـ.

وينتهي الأديب الكرباسي في الفصل الخامس والأخير بنماذج متنوعة من الشعر، من ذلك الحكمة التالية من بحر المتئد التام:

لا تُمَنِّ النفسَ خيراً عبر الهوى *** دون هجرانِ الهوى لم تحظَ التقى

في الواقع أن الألوان الشعرية مثلها مثل البستان كما يصفها الأديب الدهيني في مقدمة الناشر إذ: (إنَّ الوالج إلى هذا الديوان متجولا ومتنقلا بين صفحاته، كالوالج إلى بستان متجولا بين جنباته وممراته، أنى التفت رأى أشجارًا وورودًا، في كل خطوة يخطوها يرى أشجارًا ثمارها تختلف عن ثمار غيرها، كلها مما لذَّ وطاب، يمد يده أنى شاء ليقطف من تلك الثمار ما تشتهي نفسه، وفي كل خطوة يخطوها يتنشق أريجًا غير الأريج الذي تنشقه من قبل، فيا له من بستان تعبت الأيدي في زرع شجيراته ووروده والإعتناء بها، بل يا له من ديوان كأنَّ المتامل فيه يتأمل لوحة فنية رائعة مزجت بين الفكرة المعبرة والألوان الكثيرة الجذابة).

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

1429 يوميات رجل منقرضصدر للشاعر العراقي " قاسم محمد مجيد " نصوص شعرية بعنوان " يوميات رجل منقرض " عن دار نشر " مطبعة الكردي " في جمهورية مصر العربية .ويقع الكتاب في 44 صفحة من القطع المتوسط وغلاف الديوان يحمل لوحة للفنان التشكيلية " اميرة ناجي " وقد قدم لها الشاعر شكرا وتقديرا، قال فيها إلى الفنانة التشكيلية السيدة " أميرة ناجي " المحترمة تحية طيبة، منذ رسمك لغلاف ديوان الثالث "حياة قاحلة " وأنا أشعر بأن كلمة امتنان لم تعد تكفي بالغ الاعتزازوفائق التقدير،الشكرالعميق لجمال الغلاف لديواني "يوميات رجل منقرض " وتحية للعراقية الأصيلة .ص6

"الابن الذي غيبته الحرب !

 وموت مهاجر غرقا " ص16

نتساءل عن الأثر العميق الذي حفرته الأيام في قلب الشاعر، وأننا أمام نصوص معظمها ترسم هذا الواقع المؤلم نتيجة ظلامية الوضع العراقي برمته، ومن هو المنقرض حسب ما جاء في عنوان هذه النصوص الشعرية هل هوالشاعر أم يقصد الإنسان العراقي الذي تكالبت عليه الأيام والسنين، فالعنوان يبدأ بشاعرية يبرهن فيها في المقام الأول على أنه يغترف من منابع القصيدة الحديثة التي خرجت من ذات الأفق المكتوي بالشعر والمعرفة .

" لليل هنا

،بنكهة الرعب ِ والشعراء 

 من تدخن الهموم فوق رؤوسهم  " ص13

يقول الشاعر الكبير " أدونيس " الشعر هو الحقيقة لابسة ثوب التيه " وبالتالي يلوح لنا الشاعر " مجيد " بالتوليح لمفاهيمه التي تبنى رؤاها عبر مسيرته النقدية والشعرية والتي تتأسس على وحدة المخيلة الشعرية وكأنه يجرب ولديه أسئلة نقدية دقيقة ومنهجية في هذا المضمار الشعري، وهويطرح عبر نصوصه الشعرية برنامجا فكريا ومطلبيا واضحا للقارئ .وهو ينظر إلى حركة الأشياء الخفية التي تعرقل حركةالحياة في هذا البلد العاج بالموت والقتل والدم .

" إن لم تقتلنا الحروب 

 نموت بالأوبئة " ص8

ويؤكد " أدونيس " على الماهية الشعرية التي من خلالها ماذا يريد أن يقول الشاعر، مؤكدا ً على الشعرية فسفر الشعر هوالسفر الأبعد، والأغنى نحو الإنسان نحو المعرفة، والحقيقة، والسجال، ذلك أنه سفر برزخي  لا حد له بين الصورة والمعنى بين المرئي واللامرئي، ومن هنا لا تنفصل المعرفة والحقيقة عن الجمالية .فاللشاعر " مجيد " قصيدته مهمومة بما يحيطه،محاولاً بذلك اقتناص الجوهري والإبداعي الذي يشكل له الفاعلية الشعرية التي يتجول بها جغرافيا أو في أماكن أخرى .كما جاء في عدة قصائد في هذا الديوان أو لنقل النصوص الشعرية .ومنها "المتحف، المقبرة، الخان " وغيرها من القصائد التي رسمها بدقة لعذابات الإنسان .

" كنت نصف عاقل

أبحث عن الصراخ

في صناديق نعوش الموتى ص14

في هذا الديوان تصّرف الشاعر "مجيد " إلى معالجة منطقية ووصفية، عبر رسم مفرداته الدلالية بعالم المعاينة من خلال السايكولوجية والاجتماعية، وهو يمضغ الصعوبات عبر هاجسه الشعري، يقول عنه الدكتور خليل ابراهيم الناصري في مقدمة الديوان " والشاعر قاسم القلق الوحيد و الأعزل إلا من قلمه والألم جوهر إلهامه، ويدهشنا دوما ليس بنصوصه الشعرية حسب بل حتى في اختيار عناوين دواوينه، بدءً من أول ديوان إلى " من مدونة مفلس " و " ديوان حياة قاحلة " واخيرا هذا العنوان الذي تنبثق منه اسئلة فاجعة هي اسئلة الإنسان الذي يواجه وضعا حرجا بكل المقاييس، لذا جاءت العنونة ملائمة إلى حد كبير لما يحصل في مشهد الحياة  اليومي أنه الانقراض " ص4

ماذا لو

عدة الحرب

من لعب الأطفال

بنادق من خشب

ودبابات من طين

والساتر حبل الغسيل ص 26

لمزيد من التأمل الجذري في واقع الشاعر " مجيد " وحمى حداثية صاخبة طلعت من روحه الحية وسط هذا الجوع الحياتي والقهري الذي لامسه عن قرب، ولو رجعنا قليلا إلى علم المنطق تجده لا يتطابق بالضرورة مع  مجريات الحياة، فهو يقدم صرخات احتجاج من رؤية مفعمة بالأمل والحياة لأيام قادمة، وكان تهّدج صوته يسار حالم بالمدنية التي شكلت فلسفة خاصة في ذهنه المتعب، وكأنه مبعوث على متابعة انكساراتنا وتراجعاتنا، واصفا الأرض التي يعيش عليها طافحة بجراح أبنائها، عبر لغة شعرية حساسة للداخلي المتماوج حينا ً، والصاخب حينا، وهو يرتفع بذاته المكسورة والمخبأة تحت جناحيه لغة شعرية ممكن أن نطلق عليها أوتسميتها " تفكيكية " حيث الجمل، وهذا الاستخدام الواضح ومن خلال هذه النصوص الشعرية للغة شعرية واضحة وناصحة وواضحة حسية، ولأنه ناقد ومتعدد الرؤى فقصائده تحمل انفجارات في الصور الشعرية التي حدد مفاهيمها الفلسفية، ولا ننسى فانه "مجيد " يمنح جميع صوره الشعرية المكتوبة في ديوانه دلالات المعنى والحكمة .

ونواب مصابون بداء النقرس

وما الفائدة

ونحن نخوض في الظلام

حتى الركبتين ص23

في الديوان جعل من تراب الوطن ينتفض من غطاء الرأس وقميصه الأبيض حين الموت لا يستأذن احدا وجمع كل  الأحصائيات لتصل إلى ضريح المسكين الملك المهجور التي ما زالت الأسئلة تحوم، وهنا أوكد قول الفيلسوف نيتشه " اذا أردت أن تجني من الوجود أسمى مافيه فعش في خطر " وهو ينهج هذا النهج الذي يعبر عن تدفقه العاطفي ومكبوته واحلامه ونهمه نحو ما يدور حوله، وهوعلى سبيل المثال يطرح في هذه النصوص مثالا لهذه الوضعية المزدوجة للجمالي المتراكم و السياسي المتوتر الذي يشكل عقبة كبيرة لدى الشاعر . ففي قصيدة " ضعنا ومن يهم "يقول فيها

" حين تفتح الأيام فمها

ولقفل

متدل من سقف الذاكرة

أفتحه ً36

بقي أن نقول أن الديوان يحتوي على " 25 "قصيدة، كتبت بلغة معبرة عن مكبوته الداخلي عبر رداّت أفعال كثيرة فيها الكثير من الدلالات والتحولات الدراماتيكية التي تقع في صلب هذه الفترة، وهو يريد القول في قصائده بوصفه شاعرا باحثا عن الحرية، ولا بد من قول الحقيقة التي يسعى إليها .

لتدوين تأريخه من ثقب القفل

وقراءة شفاه الرياح من مملكة الهواء ص30 

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

حسن عبود النخيلة كشوفات في: (دراماتيك الاستشراق، الخطاب النقيض، الغيرية، الإرهاب الفكري)

إن المتفحص الدقيق لكتاب (الرد بالجسد وخطابات أخرى) لمؤلفه أ.د. محمد كريم خلف الساعدي، سيكون ازاء منجز واع في تأسيس الموضوعات الرئيسة التي تشكل مثابات الخطاب الكولونيالي، وفي عملية محاورتها واستنطاقها وتفكيك مفاهيمها وعرض اشتغالاتها .

فالمنجز يذهب الى متابعة الظروف والمحركات والاغراض التي بني الخطاب على اساسها ليتخذ مساره الممتد حتى يومنا هذا في فرض وجوده وتغلغله في صميم تجربتنا الحياتية ودفعها باتجاه الإفراغ من الذات وتعبئتها بهيمنة الأنا الترنسندنتالي الذي ما عدنا ندرك الا وجوده المسير لكل مفترقات الحياة ضمن اساليب الغائية تهميشية تدفع دوما الى المحو والانتقاص والاستهداف الذي يتصدر بهويته المتعالية كل شيء ينظر اليه باستصغار .

هذه الثنائية ما بين السيد والعبد وما بين المركز والهامش، وما بين الأنا والغير وما بين الحضور والغياب، وغيرها من المفاهيم تشكل مرتكز رئيساً لهذا الكتاب، الذي يسعى الى تأسيس صورة بارزة للضد الكولونيالي .

وهو يشتغل في هذا المضمار على سبل تأسيس الهوية والدفاع عن الإرث واستعادة الذات مستعيناً بتجارب واعية يتساوق في طرحها على وفق ما يقدمه من نظريات اشتغلت عليها الدراسات الكولونيالية، ليجد لها معطيات الرد  التي تكفّل بها الفكر الفلسفي والاجتماعي والمنجز الفني – متمثلاً – بتجارب المسرح الهادف على المستويين العالمي والعربي .

ولذلك فان ميزة هذا الكتاب تكمن في ارتباطه بصميم الدراسات الثقافية، وهو يضيف صورة واعية تدعم تطلعات النقد الثقافي في كشف الانساق المضمرة، من خلال التأكيد على آلية فضح هذه الانساق من خلال النقد الكولونيالي الذي يمارسه المسرح .

في ضوء ذلك تتجلى جملة من الاشكاليات الرئيسة التي يطرحها الكتاب، تتمثل بمفاهيم متعددة لمنهجية التصعيد الكولونيالي، ومنها مفاهيم تعمل على فضح الذات الكولونيالية عبر قراءة المضمر المتصل بها، ويمكن إجمالها بالآتي :

1426 الرد بالجسد1- اسطرة الشرق: اي اعادة بناء الشرق بعيداً عن واقعه وعلى وفق مسلمات ذهنية غريبة عن ذلك الواقع، يراد لها ان تحتل موقع الحقيقة الواقعية، مستبعدة الواقع التاريخي والنفسي للأمم الشرقية مستبدلة اياه بصورة خيالية . ابتكرتها مخيلة الانسان الغربي، معيدة بذلك ترتيب الوقائع والاحداث بالطريقة التي ترضي غروره  واحساسه بالفوقية .

2-  الثبات: اي احلال معنى الصلابة والنظام الذي لا يتغير، فتعيين الهوية يتمثل فيما هو (في مكانه على الدوام) .

3- التهجين : ويعني بناء شخصية المستعمَر(بفتح الميم) باسلوب يجعلها شخصية تعاني من التهجين والغموض والتذبذب والخوف والطاعة . وبالتالي يصبح الهامش بمثابة مكون فاعل في بناء واقعه الاجتماعي .

4- الانزياح الثقافي: يعمل الخطاب الكولونيالي على كبح العودة الى التراث والاثر الثقافي المحلي، وبالتالي يصبح الارث المحلي من الثقافة والسلوكيات التي تحدد هوية الانتماء الى الاصل بعيداً عن واقعه بسبب الانزياح الثقافي .

5- الانكماش الثقافي: وهو ما يستند في المفهوم الاستعماري على سيادة القطب الواحدة المرجح لذاته على باقي الاقطاب في الحضارة، منصباً نفسه قائداً ومانحاً لغيره صفة التبعية له دون اعتراف بثقافة الاخر. ومن ثماره ثقافة التمايز اللوني (دليله مسرحية عطيل التي تستعرض اخلاقيات المجتمع الشرقي مجسدة بشكوك عطيل  ووحشيته التي لا تنسجم مع تركيبة المجتمع من حوله).

6- الاقصاء: مفهوم كولونيالي يتحقق عبر السطوة والتغيير الديموغرافي من خلال رسم الحدود الجديدة من اجل التجزئة لتسهيل عملية السيطرة .

ويمكن تحديد مفاهيم اخرى (تبين ايديولوجيا الخطاب الكولونيالي) او تعمل على الضد منه .

فقد طرح فوكو مثلاً مفهوم (السلطة على الجسد): على وفق عمليات الاستثمار والتقنيع، والترويض، والتعذيب، والجبرية على تنفيذ الواجبات واقامة الطقوس وارسال العلامات .

فإذا كان هذا الخطاب يعكس ايديولوجيا الخطاب الكولونيالي، فعلى الضد منه يأتي مفهوم (سلطة الجسد) فهو يمثل الجسد الثوري المعارض للسلطة على الاجساد  وقد مثل القطبان الصراع المستشري حتى يومنا هذا ما بين الاعلى والادنى، حتى اوصل هذا المنظور، ادورنو وهوكهايمر الى القول بالجسد الشرير، اي ان الاجساد المضطهدة والمهمشة وضعت ضمن تصنيف الاجساد الشريرة المتهمة بكل تخلف وجنون، وعين للأجساد المُهمشة موضع الخير.

وضمن سياقات الدفاع ضد الخطاب الكولونيالي، او الرد بالجسد عليه، يستعرض المؤلف مصطلح (الوعي الادائي) بوصفه تصنيفاً يقع بين النص والمتلقي، فهو الاداة المهمة للاختلاف الثقافي، لأنه خارج تصنيف التبعية، وهو اداة التنسيق بين الفكرة والتعبير عنها، فهو وعي جاد، شديد التناقض، يرفض ان يكون مقيداً داخل نسق ثابت من الاشارات .

اما على صعيد (دراماتيك الاستشراق) :

فيأتي الاستشراق بحسب ما يطرحه المؤلف ليشكل واحداً من المفاهيم الرئيسة التي تكشف عن اسلوب التفكير الكولونيالي الذي يقوم على التمييز الوجودي والمعرفي بين ما يسمى (الشرق) وبين ما يسمى (الغرب) .

وقد عمل في هذا الجانب (ادوارد سعيد) على تفكيك الخطاب الاستشراقي وفضحه من خلال التركيز على بنيته والادوار التي يلعبها على وفق المناهج الاساسية التي حددها سعيد بـ : الانا، الاصلاني الصامت، الجغرافية المتخيلة الشرقية، التمثيل الغربي .

وقد عدّ (الخطاب النقيض) من المصطلحات التي ظهرت ضمن ما بعد الحداثة في حقل البحث مابعد الكلونيالي .

وقد تجلى هذا الخطاب (في غربنة ثقافة الاخر) من اصولها وجعلها واقعة في دائرة المحو الثقافي للاخر، من خلال تقدم الجيد المتقدم .

والغربنة هذه، بدعوى، ان هذه الشعوب لا تمتلك تاريخاً ولا ثقافة،،، إذ يتم املاكها ثقافة جديدة على وفق سياسة العقل المتحضر الغربي .

في هذا السياق برز كتاب مهم بعنوان (روح الانوار) قدمه تزفيتان تودوروف  اكد فيه: ان الانوار تقر بوحدة الجنس البشري، فهي اذن تقر بكونية القيم .. ولما كانت الدول الاوربية مقتنعة بانها تحمل قيماً ارقى من القيم السائدة عند غيرها من الامم اعتقدت ان من حقها حمل حضارتها الى الذين هم اقل حظاً منها . ولكي تضمن تحقيق اهدافها كانت تعمل على احتلال المناطق التي يسكنها هؤلاء .

وكانت لطروحات نيتشه ودريدا عبر تفكيكيته الاثر المهم في فضح نوايا العقل الغربي، مثلما فعل ادورد سعيد في تبيانه ان الاستشراق : هو اكبر حملة يقوم بها الغرب للسيطرة على الشرق ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا ودينياً . وتاتي نظرية (التابع) لـ (سبيفاك) لتكشف عن التعالي الامبريالي وتصغير الاخر وقياده والتسيد عليه، وفي موضع اخر تتبدى اهمية مصطلح (الهجنة الثقافية) عند هومي بابا ... وتتبدى كذلك فاعلية الخطاب النقيض عند بيسكاتور وبريخت وبيتر فايس والمسرح الحي الامريكي .

يحتل ايضاً مفهوم (الغيرية والاشتغال الثقافي) موضعه المهم من الكتاب .

وتتحدد هذه الغيرية كما نرى من افادة المؤلف من تصنيفات (لاكان) في كتابه : اللغة، الخيالي، الرمزي . فكما هو ملاحظ ان المؤلف يقدم الصورة الغيرية على وفق ثلاث مستويات :

1- الاخر الغيري الضدي: الذي يرى بانه يقع تحت الانتقاص والتقليل من قبل الذات الانوية واعلاء قيمتها الثقافية امامه .

2- الاخر الغيري المشهدي: الذي يعمل على صناعة صورة مثالية مكتملة ومسيطر عليها (هذا الاخر يتواشج مع المرحلة المراوية عند لاكان في تحقيق الذات)

3- الاخر الغيري الرمزي: الذي يحقق كينونته من خلال (القول) في استخدام نظام تمثيلي يسبق وجوده الفعلي ...

وقد كان لهذه المعطيات شأنها بان يؤسس عليها المؤلف رؤيته في تأكيده على مصطلح (المسافة الغيرية) التي تمثل الرؤية الاخراجية التي يتم في ضوئها تحريك الاحداث التي يقع عليها فعل التهميش والاخفاء من حيث اثبات ما هو مغيب في دائرة العرض .

والمرتكز الرئيس في هذا الامر يتحقق في العملية الاخراجية عبر قلب المعادلة بين الدال والمدلول، لتتحول من صيغة الاتفاق، الى صيغة الاختلاف .

ان الانطلاقة الواعية للمخرج وقصديته في التوجه نحو فجوات الاختلاف، تتفاعل لتحقق استفزاز ذهنية المتلقي بشكل مستمر، ويفيد المؤلف في هذا الجانب من تنظيرات جيل دلولوز التي تحمل في عمقها مسارات ما بعد الحداثة، فالتنظير للانا والغير عند دولوز يتاسس من خلال الاختلاف والتكرار، وهو هنا اختلاف انتقالي من حالة الافقي (التكرار)  المرتبط بالانا الى العمودي المرتبط بالغير، ومن المادي الذي يعزز التكرار الى الروحي الذي يفعل الاختلاف، ومن الشرط الى القطع، ومن المساوة الى اللا تساوي ..

وهكذا يشكل الانا والغير، في زاوية الاختلاف والتكرار (الجيل دولوزية) افعال الاستمرار المنتجة للمسافة الجمالية في العرض المسرحي .

ويكون تحقيق المنظور الغيري نابعاً من تأكيد الافعال الغيرية في العرض من اجل اعادة المفاهيم المسلوبة الى الواجهة التي غيبت عنها الآخر بفعل التهميش والاقصاء.

 

أ. م. د. حسن عبود النخيلة

جامعة البصرة ـــ كلية الفنون الجميلة

.....................

أ.د. محمد كريم الساعدي، الرد بالجسد وخطابات اخرى، الطبعة الأولى ( البصرة : دار الفنون والآداب للطباعة والنشر، دمشق: دار نينوى للطباعة والنشر، 2016 )

 

صالح الطائيهي ليست قراءة تقليدية لمنجز أدبي، وإنما محطات استنتاجية مع عبد النبي الشراط في كتابه "عبقات وأشواك"، وهو كتاب سيرة شخصية بطعم رواية، ولذا لم أشر إلى أرقام الصفحات التي اقتبست منها.

حينما أهدى الأستاذ عبد النبي الشراط كتابه الموسوم عبقات واشواك إليَّ كانت بي رغبة جامحة أن أقرأه بعمق لأتعرف أكثر على طبيعة هذا الصديق؛ الذي ربط بيني وبينه مجرد عمل فكري، لكنه ليس مثل باقي الأعمال، فهو عمل مشاكس، كان جزءً من مجموعة كتب نويت ان أصدرها تباعا تشترك بجزء من العنوان هي جملة (أثر النص المقدس في ...) ثم يأتي بعدها اسم الموضوع، وكان الكتاب الأول منها تحت عنوان (أثر النص المقدس في صنع عقيدة التكفير) عانيت كثيرا في طباعته فقد رفضته عدة دور نشر، ودخل في بعض البلدان التي نويت طباعته فيها إلى (دائرة الرقابة على المطبوعات) ولم يخرج منها لحد الآن، وقد أوحت لي هذه السلوكية بأن هذه الكتب لن ترى النور، ولكن شاء القدر ان يصدر الكتاب الأول عن إحدى دور النشر في بيروت دون معارضة بعد ان تحملت خسارة مبلغ كبير جراء طبع كمية كبيرة منه ترضي دار النشر، ولم أعد خوض التجربة مع الكتابين الثاني والثالث لأني كنت موقنا من النتائج السالبة مقدما؛ إلى أن حصلت عن طريق المصادفة على كتاب بعنوان (صحيح البخاري نهاية أسطورة) صادر عن دار الوطن في المملكة المغربية، وهي دار لم أكن قد سمعت بها من قبل، لكني حينما بدأت بقراءة هذا الكتاب المشاكس انتابني شعور بالنشوة والفرح لأني أيقنت حل مشكلة كتبي المشاكسة، وهو ما حدث فعلا حيث قبلت الدار تحمل مسؤولية طباعة الكتابين وتوزيعهما.

حاولت لاحقا وعلى مرحلتين التعرف على مسؤول هذه الدار أو صاحبها لأتحدث معه عن مشاكسة الحياة وحياة المشاكسة التي نعيشها، وتواصلنا فعلا، وتحدثنا قليلا فوجدته نموذجا للإنسان العربي المثقف المكافح الثوري صاحب العقيدة ورجل المسؤولية، ولكني لم أتمكن من معرفة أبعاد هذه الشخصية التي أرتني وجهيها الأبيضين، وانفتحت أمامي على مصراعي حقيقتها فكشفتْ أمامي الكثير من أوراقها التي وجدتُ بيني وبينها الكثير من المشتركات، وكانت هذه المرحلة الأولى.

وكانت المرحلة الثانية حينما أطلقتُ مشروع (قصيدة وطن) وهي محاولة لجمع الشعراء العرب من كل الأقطار العربية في عمل أدبي واحد؛ عبارة عن قصيدة تتغنى بالعراق وشعبه وثورة شبابه وعروبته، وبعد أن بدأتُ أعلن عن المشاركات التي تصلني، أعلن الأستاذ الشراط موقفه بالرغم من كونه ليس شاعرا حيث كتب رأيا في مشروع القصيدة مثل الكثير من المثقفين العرب الذين أشادوا بالمشروع وفكرته وتفرده؛ وقد جمعت تلك الآراء وستصدر ضمن كتاب القصيدة، وبدا يتصل بأصدقائه الشعراء طالما منهم الإسهام في نصرة العراق وأهله. أنا لم أستغرب موقفه هذا مطلقا بقدر كونه كان مؤشرا حقيقيا دلني على صحة ما يدعيه الرجل وما يؤمن به، لأن دعم أي عمل أو مشروع عربي مشترك مهما كان بسيطا في زمن فرقة العرب وتباعدهم وتفشي الكره بينهم يعتبر مغامرة غير محسوبة النتائج وغير أكيدة، لا يجرؤ على خوض غمارها إلا الرجال الكبار، وكان الشراط كبيرا فكان واحدا منهم.

وحينما تجمعت لدي مجموعة كبيرة من مشاركات الشعراء العراقيين والعرب أعلنت عن نيتي جمعها في كتاب وإصداره على نفقتي الخاصة، واعلنت أني سأتحمل المسؤولية القانونية والاجتماعية عن إصدار الكتاب، فإذا بالشراط ينبري من بين الجموع ليعلن أن دار الوطن للطباعة والنشر سوف تتبنى وعلى مسؤوليتها ونفقتها طباعة ونشر الكتاب، وكانت هذه خطوة ثانية في ترصين علاقة صداقتي بهذا الطود الشامخ ليس لأنه أعفاني من ثمن طباعة الكتاب على نفقتي فذلك امر بسيط مقدور عليه يكاد لا يذكر، وإنما من حيث تحمله المسؤولية في زمن تخلى الكثير من العرب عن مسؤوليات أكبر وأخطر حفاظا على أنفسهم.!

ولأني أؤمن بمقولة: "الرجال مخابر لا مناظر" وجدتني وبدون عناء يذكر وقد تعرفت على جزء كبير من حيز شخصية هذا الإنسان العروبي الثائر، وهو أمر حفزني لأعرف أكثر وأكثر عن سيرة حياته ونضاله، وهنا كان الفضل للكتاب الذي أهداه لي، والذي تابعت تصفحه بتأن كبير وشغف أكبر ودقة متناهية فوجدته ليس  "رواية" ولا "سيرة وجدانية" لشخص مثلما ورد في صفحة عنوانه، بل هو تأصيل مهم تنكشف من خلاله بواطن مرحلة تاريخية من أخطر مراحل وجود أمتنا العربية وتأثيرات الفكر الوافد والمتنقل عليها.

1425 عقبات واشواك

وقبل أن أبدأ بتسجيل ملاحظات قراءتي للكتاب أود العودة إلى العنوان؛ عنوان هذه القراءة "جدلية ثورة الحب وثورة النضال والمعارك الخاسرة " لأقول: إني كنت ثائرا، والثورة كانت تدفعني للعشق بل تحرضني بجنون عليه، وفي مرات الاعتقال الكثيرة التي تعرضت لها كنت ألتقي ثوارا آخرين في زنزانات الأمن العامة أو في مواقف مديريات الأمن، والغريب أنهم كلهم كانوا عشاقا، وهذا جعلني أميز الثائر الحقيقي من خلال درجة عشقه، فكلما زادت درجة عشقه كان أكثر قربا للحقيقة، وكان من الثوار المميزين الصادقين، وقد ثبت لي أن الأستاذ الشراط ثائر حقيقي لأنه عاشق حقيقي. ولذا تجدني حتى قبل تصفحي لكتاب الشراط، كنت قد نويت أن أبحث عن هذه الحقيقة في حياته وفي طيات كتابه لأتأكد من صدق مقدار درجة ثوريته التي أعطيتها له وفق خبرتي في هذا الباب، واعود وأقول: الرجال مخابر لا مناظر، ولذا لا تستغرب أن ترى وجها لطيفا باسما لثائر حقيقي صلب، بل ربما على المرء ان يستغرب إذا لم يكن وجه الثائر ضاحكا وثغره باسما، فالثورية حيز حياتي يقوم على مبتنيات ثقافية وإرثية تمتد جذورها إلى عمق التاريخ تستلهم منه قيم الرجولة وآداب العشق، وهي المواقف التي رأيناها تتجلى في مواقف الثوار أثناء الاعتقال والسجن! وإذا بكتاب الشراط يخبرني مع بداية صفحة العنوان أنه "تجارب في الحب والدين والسياسة" إذن وجدت الحب في واجهة الكتاب مقرونا بالسياسة، وهي الخلطة التي أبحث عنها دائما في الثوار الحقيقيين، فماذا عن الحب في الكتاب نفسه؟

كانت كلمة الإهداء كافية لتدلني على صدق نظريتي في هذا الرجل، وقد قال فيها: "إلى التي تحدت معي الظلم، وسلكت معي طريقا مليئا بالأشواك، جمعت بيننا المبادئ، وفرقتنا قسوة دروب الحياة ومتاهاتها، كان هدفنا الوحيد أن نلتقي .... فلم نلتق. إلى التي لم أذكر اسمها تقديرا واحتراما لها، أهدي هذه الباقة من الذكريات".

ولكي يؤكد الشراط حقيقة اشتراك الثوار العاشقين في موسوعة العشق الثوري، أفرد صفحة من الكتاب لجملة هي مقطع من رسالة كتبتها إليه يوم كان معتقلا في احد سجون المملكة ليؤدي ضريبة أفكاره ومبادئه علم 1984.! جاء فيها: "ليس من حق أي امرأة في هذا العالم أن تحبك، أنا التي من حقي أن أعشقك".

والظاهر أن الرجل كان مصرا على أن يبقى عاشقا فهو في طبعة الكتاب الثانية عام 2020 أي بعد ستة وثلاثين عاما من ذلك التاريخ أهداه إليها، إليها وحدها واكتفى بجملة "لها فقط". وهذا هو عشق الثائرين الثابتين على مبادئهم، ولاسيما حينما تكون المحبوبة شريكة في درب النضال وهو ما جعل حبــل المــودة بينهمــا متينــا، والمبــادئ التــي تجمعهمــا قويــة، وطموحهمــا المشترك لا يقف عند حد، لأن حبهمــا كان ممزوجا بالنضال والحراك.

في مقدمته للكتاب أكد الأستاذ الكاتب والشاعر عبد الرحيم هري هذه الحقيقة، وتماهى معي ومع الواقع، بقوله: "وهناك الجريئون الذين يدونون كل شيء مر بحياتهم، أو بحياة غيرهم وكانوا شــاهدين عليهــا متفاعليــن معهــا إن إيجابــا أو ســلبا، هــؤلاء هــم فئــة الكتــاب، وهــي فئــة مــن النــاس لا يميزهــم عــن غيرهــم شــيء ســوى كونهــم متشــبعين بالحــب".

الحب هذه القيمة النبيلة التي طالما تعرضت للقتل بسبب جور الحكام ونزقهم وخوفهم من الكلمة الصادقة أن تحطم عروشهم، الحكام الذين يستسهلون فتح بوابات المطامير ليطعموها شباب الأمة بعيدا عن المحبوب، في غفلة من أعين الضمير، ليمارسوا معهم نوعا آخر من العشق الدموي الذي يريد أن ينتزع من أرواحهم جذوة الحب، وهي تأبي إلا سموا واتقادا. 

لقد عاش الحب في أجمة الكتاب، وتفرعت أغصانه هنا وهناك في دنياه محملة بعبق الذكرى ولوعة الفراق إلى درجة أن الضباط الذين كانوا يستجوبون البطل "عمر" ـ وهو اسم رمزي للشراط نفسه ـ أثناء اعتقاله، شعروا بجذوة الحب التي تتقد في فؤاده ولذا سأله أحدهم مرة: "أســتاذ (واش عمــرك مــا حبيــت؟) هــل ســبق لــك أن جربــت الحــب؟ ولعــل هــذا الســؤال كان الأصعــب.. تنهــد عمــر طويــلا دون أن ينتبــه، وقــد ذكــره هــذا الســؤال اللعيــن بمحبوبتــه بهيــة وتســاءل مــا ســيكون مصيرهــا؟ أصيــب بصدمــة حيــن ســئل هــذا الســؤال غيــر المتوقع، فهــؤلاء يســألون فــي السياســة والنظام والملك والديــن فلم يهتمــون بالحــب؟".

لذا أرى ان هذا الكتاب الذي هو سيرة داخل رواية من نوع خاص، لكونه سيرة ولدت في ساحة صراع فكري تاريخي ثوري عشقي فيه الكثير من التحدي والكثير من الشراسة التي هي ثبات على الموقف وليس تنمرا فارغا، إذن لابد وأن يكون الكتاب مدخلا إلى مساحة فوضى مشاكسة تحتاج إلى الترتيب، وتحتاج أكثر إلى ترتيب الأفكار لأن الأمة التي لا ترتب أفكارها لا يمكن أن تنجز فروضها التاريخية ولا يمكن أن تتقدم.

إن الكتاب في واقعه تجربة ثورية صيغت على شكل رواية وراوٍ، وهي نتاج تجربة عشق، والعشق لا يكون للمرأة فحسب وإنْ كان أحلاها، بل يشمل كل ما هو جميل في الكون سواء كان ماديا أم معنويا، مثل عشق الوطن وعشق الحقيقة وعشق الصراحة والجرأة وعدم الخوف، وعن هذه الأخيرة حاول الشراط في بداية حياته أن يطالب بالحرية للكلمة، وإدانة كل من يريد مصادرتها، فالإنسان وفق المفهوم العام هو كلمة، الكلمة هي التي تميزه عن باقي مخلوقات الله تعالى ولذا صدرَّها الله نداءاته إلى البشرية، ومن يصادر الكلمة إنما يسعى لكي ينزع من الإنسان إنسانيته ويدمجه مع قطيع أخرس يرضى بالجور دون اعتراض، وهو ما رصده الشراط من خلال رصد سلوك السلطة فقال: "كانــت الســلطة تمــارس (هيبتهــا) وســطوتها وبطشــها بــلا رحمــة، وإذا تحدثــت الســلطة يجــب علــى الآخريــن أن يصمتــوا". وهو رجل رفض أن يصمت وأعلن أنه مستعد لتلقي أي عقاب يحدده الحاكم فقط أن لا يصادر كلمته التي يناضل من أجلها.

والواقع أن هذه السيرة/ الرواية تختلف عما ألفناه في فن الرواية فهي إلى السرد الذاتي وكتابة السيرة أقرب منها إلى الرواية، ولكنها تختلف عن أسلوب كتابة السير المعروف، وكان (الحكواتي) أو الراوي هو الرائي والسامع والقائل والفاعل والبطل، وبالتالي كان هو عنصر الرواية وصاحب السيرة وسجل الذكريات، فهذه الفنون تداخلت كلها سوية لتخلق كتابا من نوع فريد في أسلوبه "الأدبي/ الصحفي" أراد الشراط أن يقول من خلاله إنَّ: "عشــاق الحريــة أحــرار دائمــا حتــى لــو كانــوا داخــل الســجون والمعتقــلات، بينمــا الذيــن يمارســون القمــع والاضطهــاد هــم الخائفــون والمرعوبــون علــى الــدوام، ولــو لــم يكونــوا كذلــك لمــا خافــوا مــن الكلمة، مجــرد كلمــة فقــط."

في أغلب صفحات الكتاب تجد إشارات إلى الحب، وقد عاد الشراط إلى الحديث عن الحب والعشق في مراحل متقدمة من الكتاب إلى درجة أنه لم ينسى التحدث عن الحب حتى وهو في أشد الظروف قسوة واضطرابا مثل رحلة الاعتقال التي امتدت أياما طويلة من التحقيق المعقد على يد الكثير من ضباط السلطة، فهو بعد أن أفرج عنه وعاد إلى بلدته كانت "بهية" ـ وهذا هو الاسم الوهمي المختلق للمحبوبة ـ وهو في الواقع أسم محبوبته، كان اول الأشياء التي فكر فيها بعد أن أطمئن على والدته، فكتب لها رسالة يخبرها بما وصلت إليه الأمور، ولم يكن حينها يحفظ عنوانها في مراكش البعيدة عنه، ولكن سحر الحب دفعه لأن يستدعي عنوانها من مطامير الذاكرة العتيقة التي تعرضت إلى حيف كبير نتيجة التحقيق المستمر والإجهاد والتعب إلى درجة أنها تخلت عن الكثير من الأشياء المهمة اكثر من حفظ وتذكر عنوان، والغريب أنه حتى هذه اللحظة لم يكن قد ألتقى بها أو رآها، ولكنهما كانا يعرفان عن بعضهما أدق التفاصيل وأكثرها خصوصية.

لقد ميز الشراط في عمله الدؤوب من أجل صالح الإنسان بين حبين، وهذا ما لا تجده عادة عند الثوار التقليديين، فالثائر التقليدي يمايز عادة بين العشق الروحي والعشق الدلالي ويختار أحدهما ويتخلى عن الآخر، أما الشراط فكان ينظر للعشق الروحي على أنه الجمال وينظر إلى علاقته بالسياسة وبالعمل السياسي على أنه عشق من نوع آخر اطلق عليه اسم آخر هو: الحرية التي وصفها بأنها "محبوبته السيئة" ليس انتقاصا لمنهجه النضالي وإنما لمخرجات الحبين، فحب بهية كان يمنحه سموا روحيا مترعا بالغبطة والفرح أما سعيه نحو الحرية فكان يزرع في نفسه موارد القلق نتيجة المراقبة والتضييق والمحاصرة.!

لقد كان الشراط ينظر للحب تماما مثلما ينظر إلى قضيته التاريخية التي يناضل من اجلها، كان ينظر للحب مثلما ينظر للقضية، ولذا شعر بغبن كبير حينما خسر معركة الحب ـ مثلما يسميها ـ بسبب ظروف قاهرة خارجة عن إرادته، هو الذي جعل كل تحديات السلطة رهن إرادته وتمكن من كسب معاركها، ويعزو فشله وخسرانه لمعركة الحب الأول إلى انه بالرغم من كونه كان كاتبا معروفا، وصحفيا ناجحــا مهنيــا، لكنــه كان دائمــا فاشــلا فــي الحــب والعلاقــات العاطفيــة.!

من الجدير بالذكر والملاحظة أن الشراط كان إسلاميا، وهذه الصفة تضعه أمام مسؤوليتين خطيرتين، الأولى: تناقض التوجه الإسلامي مع علاقة بفتاة، فالإسلاميون يدعون عادة إلى تجنب خوض هذا الميدان.! ولكنه أحب وأشهر حبه وتأسف على نهايته غير السعيدة ولا زال يتذكره حتى بعد اربعة عقود. والظاهر أن هذا النهج هو الذي كشف نوع المسؤولية الثانية، فالمعروف ان الأستاذ الشراط كان إسلاميا عتيدا منذ نعومة أظفاره، ولكنه إسلامي غير نمطي، فهو بالرغم من قربه من خطوط الإسلام الراديكالي أحيانا إلا أنه كان في منتهى التحرر والحياد حتى أنه انتقد الشيخ ياسين أحد أبرز الإسلاميين المغاربة بعدما وجد المعتقلين اليساريين اكثر منه عدالة، وقال في هذا الصدد: "إنــك حيــن تقــارن معاملــة الإســلاميين السياســيين بغيرهــم مــن الذيــن يقولــون بضــرورة فصــل الديــن عــن الدولــة، تلاحــظ أن الفئــة الأخيــرة هــي التــي تطبــق تعاليــم الديــن فــي شــقه الاجتماعــي والإنســاني، بينمــا الفئــة الأولــى تكرهك في ديــن اللــه، بســبب تعامــل أفرادهــا البعيديــن جــدا عــن ديــن اللــه". فضلا عن ذلك قارن بين موقف الإسلاميين اللامبالي وموقف اليساريين الذين كانوا يستقطعون من مخصصات التغذية الخاصة بهم على ندرتها ليقدموه له أثناء صومه أيام شهر رمضان.!

إن لهذه الرؤية التنويرية سببها المعقول فالشراط لم يكن تقليديا، كان يبحث ما بين الأسطر ولا يكتفي بقراءة المكتوب، ومن هنا شخَّص نوع التبعية الذي فرضه الحراك السياسي على المملكة يوم أوضح أن اليساريين والإسلاميين كلاهما لا يحملان جينات البلد الأصلية، وهو ما قال عنه بالحرف الواحد: "فــي نهايــة الســبعينيات وبدايــة الثمانينيــات مــن القــرن الماضي (الفتــرة التــي تعرف فيها عمر على بهية) كان الصراع الفكري يتجاذب بين الفكر اليساري المنقــول حرفيــا مــن أوروبــا الشــرقية والاتحــاد الســوفياتي، وبيــن الفكــر الإســلامي المنقــول حرفيــا مــن المشــرق العربــي. حيث كل التيارات كانت ناقلة لأفكار غيرها". وكانت هذه الآراء الوافدة تفرض سطوتها على الواقع العام، حتى هو لم ينكر تأثره بأفــكار ودعــوة الإخــوان المســلمين الوافدة إليهم من مصر، ولاسيما أدبيــات ومؤلفــات ســيد قطــب، وفــي وقــت لاحــق أعلن عن تأثــره ـ مثل غيــره ـ بأدبيــات الثــورة الإســلامية الإيرانيــة؛ التــي رأى فيهــا الكثيــرون مصــدر إلهــام لهــم أمــام تخــاذل الأنظمــة الإســلامية وتبعيتهــا المطلقــة للغــرب وذلك بعد أن كان قد تأثر قبل ذلك بالفكر الوهابي الوارد والوافد من بلاد نجد والحجاز، والذي كفر به مثل غيره من الأفكار الواردة، ومن ثم تخلى عن المناهج الروتينية التقليدية الخالية من الروح والبعيدة عن النهج الثوري الحقيقي؛ المعدة في الخارج والوافدة إلى المملكة المغربية، وقد افاد من تفكيك مصادر هذه الأفكار ومن تقربه من بعضها فكفر بكلها واحتفظ بإيمانه بالله نظيفا وسليما، محايدا غير متحيز إلى فئة او تيار أو حزب.

ومما لفت انتباهي في كتاب الشراط ولاسيما حديثه عن أيام الاعتقال والسجن المتكرر شرحه لطرق تعامل رجال السلطة مع السياسيين المعتقلين، والغريب أنها بدت مطابقة تماما لما ألفناه في العراق رغم بعد المسافة واختلاف الأنظمة بين العراق والمملكة المغربية، بما في ذلك تقاضي الرشى من قبل رجال الأمن بعد انتهاء التحقيق والعزم على اطلاق سراح المعتقل، حيث يذهب أحدهم ليوهم أهل المعتقل بأه قادر على تخليص ولدهم من السجن، وأذكر في إحدى مرات اعتقالي وبعد أن انتهى التحقيق بعد اعتقال دام لمدة خمسة أشهر أبلغني أحد الضباط بأن اطلاق سراحي بات قريبا جدا، وفعلا أطلق سراحي بعد أيام لأكتشف أن أحد ضباط الأمن ذهب إلى أخي الأكبر مني في نفس يوم اطلاق سراحي وأخبره بأنه يمكن أن يلغي التهم الموجهة إليَّ ويطلق سراحي مقابل مبلغ كبير، وقام أخي المرحوم بدفع المبلغ قبل ساعات من أطلاق سراحي.

ومثلها إجبار المعتقلين على التوقيع على ما يريده رجال السلطة دون أن يسمحوا للمعتقل بقراءة ما مكتوب. أو وضع عشرات المعتقلين في أماكن قذرة وضيقة جدا. أو اجبار المعتقلين على التوقيع على اعترافات لم يدلوا بها، وحتى تحديد مدد السجن حيث كانت مديرية الأمن العامة في العراق ترسل اضبارة المعتقل إلى المحكمة وبرفتها ورقة تحدد مدة السجن؛ التي سيفرضها حاكم محكمة الثورة عليه، وهو ما كان معمولا به حسب المعلومات التي أوردها الشراط في المغرب أيضا.

صدر الكتاب بحلة قشيبة عن دار الوطن في المملكة المغربية بواقع مائة وخمس وأربعون صفحة، وهو كتاب ممتع وجدير بالقراءة لمحبي الأدبي والمتخصصين بكتابة السيرة والتاريخ العربي الحديث.

 

الدكتور صالح الطائي

 

محمود محمد عليكان جوزيف بيرن الذي افتتحنا به المقال السابق من كتابه " الموت الأسود"، ذا بصيرة. يصعب علينا أن نتخيل الواقع في هذه الفترة، لتصوُّر كيف كان الموت الأسود حقًّا. عليك أن تتخيل أن ثُلث الأشخاص الذين تعرفهم، أو ثُلث البشر الذين تراهم يسيرون حولك في الشارع، قد اختفوا فجأةً. لا يُمكن تصور شكل العالم الذي فقد ثُلث سكانه في غضون ست سنوات، لكنه حدث مرة واحدة فقط في التاريخ؛ وخلال هجمة الطاعون في هذه الفترة، لم يكن هناك مكان كافٍ لدفن جميع الجثث، كان الناس يُترَكون في الشارع، أو ينهارون على الرصيف، محاولين التنفس حتى يموتوا. كنت ستقابل صديقًا لتتناول طعام الغداء معه، بحلول الليل تجده ميتًا. لن تعرف أبدًا مَن الذي سيُصيبه السهم بعد ذلك، زوجتك أو أطفالك أو أصدقاؤك أو ربما أنت. قد ينبثق تورم كبير ومؤلم جدًّا تحت ذراعك، أو في فخذك، أو في لحظة قد تشعر بأنك بخير، وفي اللحظة التي تليها ستبصق دمًا، ودائمًا ما كان هذا البصق الدموي قاتلًا.

لقد كان الموت الأسود أمرًا لا نظير له، سواء في حدته، أو في انتشاره، بل وكل أنواع الطاعون مميتة. الطاعون الدبلي غير المُعالَج، الذي ينتقل عن طريق البراغيث عبر الجلد، وهو ملحوظ جدًّا بسبب الانتفاخات الهائلة للغدد اللمفاوية المعروفة بالأدبال، يقتل نحو 60% من المصابين، ويعد النسخة غير القوية للطاعون. أما الطاعون الرئوي، الذي ينتقل عن طريق الهواء من شخصٍ إلى آخر، فيقتل بنسبة 100% تقريبًا.

ومن هذا المنطلق نحاول في هذا المقال الثاني أن نستأنف حديثنا عن عرض كتاب الموت الأسود بالتحليل والنقاش؛ حيث نركز هنا علي حديث بيرن عن الحياة اليومية وسط الموت اليومي الناجم عن هذا الطاعون اللعين وفي هذا يقول بيرن: الحياة اليومية مصطلح يعني ضمناً وجود قدر من الحالة السوية، والرتابة، والاتساق، والنموذجية، والاستقرار، لكن الحياة اليومية للجميع يصيبها الجمود في زمن الطاعون، وتعني لبعض الأشخاص التخلي عن كل شئ والهرب إلي ماكن آمن، ولآخرين عزل أنفسهم في بيوتهم وانتظار الوباء، وتحل أنظمة غذائية خاصة وأدوية تعد بالعافية محل الطعام المعتاد علي المائدة، وتحل أنظمة غذائية خاصة وأدوية تعد بالعافية محل الطعام المعتاد علي المائدة، وتحد قيود السفر الرسمية وغير الرسمية، التي تفرضها السلطات والمفروضة ذاتياً – الاتصالات بشدة، بل إنها تحد حتي من التسوق البسيط . وفي المدن تفرغ المدارس، وتغلق الكنائس، وتهجر الدكاكين، ويرحل الجيران، ويتوقف البناء، وتخلو الشوارع من الحشود، والمسارح من الجمهور، ويبدو الأمر كأنه عطلة طويلة مرعبة.

ويستطرد جوزيف بيرن فيقول: أخذ الموت اليومي يوازن الحياة اليومية التي آلت إلي ما آلت إليه، فاختفت المعارف كما يقول جوزيف بيرن وظهرت إشارات علي الأبواب الأمامية تحذر الزوار وتبعدهم، وحلت النداءات الخشنة " أخرجوا الموتي" محل أصوات البائعين المتجولين  في الشوارع الذين يعلنون عن بضائعهم . وسُمع صرير العربات المحملة بجثث الموتي والُمحتضرين علي طول الشوارع بدلاً من العربات المليئة بالمواد الغذائية الطازجة والسلع الأخرى . ولم تعد النيران توقد للطهي أو التدفئة، وإنما لإحراق أمتعة الضحايا، أو معاقبة المجرمين، أو استدخان ( التعقيم بالدخان) الجو " المسموم" علي ما يفترض . وفي مواجهة الوباء، انحسرت الثقة بالأطباء والكهنة الكاثوليك، وتحول كثيرون إلي كتب المساعدة الذاتية الطبية وإلي البروتستنتية .

ثم يؤكد جوزيف بيرن فيقول: مع ذلك استمرت الحياة رغم سيادة الموت الأسود، فعدل الناس عاداتهم وافتراضاتهم، واهتماماتهم، وإجراءاتهم المتبعة للكتيف مع الأوقات الاستثنائية. وحافظت الكنائس والمنازل والشوارع والطرقات والأديرة ومباني البلديات والمستشفيات ومشاهد " الحياة اليومية" علي قدر من حيوتها، علي الرغم من التحولات التي طرأت عليها بفعل الجثث، والباحثين، وحاملي الجثث، والمستدخنين، وأطباء الطاعون، والمحتالين، وحفاري القبور، والساكنين الآخرين في زمن الطاعون . وهذه " الأماكن" هي نقاط الاهتمام الرئيسية في جولتنا بالغرب الذي عاث فيه الطاعون تخريباً وتدميراً . وقد نُظمت فصول الكتاب حول الأنشطة المرتبطة بها وطرق تحول هذه الأنشطة نتيجة الطاعون وتكرر حدوثه . وهي تستعرض الحياة اليومية في زمن الطاعون بالتجول في أماكن انتشاره وترداد أصداء أصوات قاطنيها، من الأطباء إلي الموظفين الحكوميين، ومن كتاب المسرحيات إلي اللاهوتيين، ومن إمبراطور ما إلي دياغ عادي . فالمرض لم يهدد عالم هؤلاء فحسب، وإنما أحداث فيه تغييراً دائماً أيضاً.

ثم ينتقل جوزيف بيرن للحديث عن الموت الأسود في القرون الوسطي فيقول: تفشي الطاعون في وقت ما في ثلاثينات القرن الرابع عشر من موطنه المعزول في أراضي آسيا الوطسي الشاسعة، ومع أنه ربما انتشر شرقاً في الصين وجنوباً في شبه القارة الهندية، فإن السجلات الواردة من هذه المناطق لا تخبرنا إلا بالقليل . بيد أن المرض انتقل شرقا من دون شك، وظهر في المناطق الشرقية من العالم الإسلامي في أواسط أربعينيات القرن الرابع عشر، وامتد إلي الجنوب الغربي حول البحر الأسود أو عبره، فضرب القسطنطينية والأطراف الغربية للبحر المتوسط في أواخر سنة1447م، وفي ذلك الوقت بدأ المسلمون المسيحيون يسجلون ما عرفوه عن منشأ الطاعون ومساره المبكر والأهوال التي لم يعودوا راغبين في أن يشهدوها .

ولم يكتف جوزيف بيرن بل يقول: انتقل الوباء مع التجار والقوافل والجيوش والحجاج والبعثات الدبلوماسية، وعلي متن السفن المحملة بالبضائع والمسافرين من موانئ المناطق التي ضربها الطاعون . فتفشي في صقلية ومرسليا وبيزا وجنوه والإسكندرية . وعبر إلي المناطق الداخلية علي متن القوارب والصنادل علي طول الممرات المائية، وعلي متن العربات في الطرقات ودورب الجياد وعلي حيوانات الحمل .واجتاز جبال الأب والبيرينيه والأبنين والبلقان، والقناة الإنجليزية وبحر الشمال، ووصل في نهاية المطاف إلي السهول الكبري في أوروبا الشرقية والمدن الروسية في حوض نهر الدون وموسكو نفسها . وقد وصف شهود عيان (كما قال مؤلف الكتاب) تطور المرض بين الناس وفي المجتمعات، ومعاناة الضحايا والناجين عل حد سواء، والخراب الاقتصادي والاجتماعي الرعيب الذي خلفه الطاعون بعد انحساره . وسجل الرحالة والأطباء والموظفون المسلمون الدمار الذي حل في المدن الإسلامية من بغداد إلي المشرق الأوسط وشمال أفريقيا والأندلس، ويبدو أن قليلاً من الجيوب المعزولة نجت، وربما مات في النهاية أربعة من بين كل عشرة أشاص . وأصيب آخرون بالمرض لكنهم عاشوا، وربما اكتسبوا بعض المناعة خلال هذه العملية . وفي النهاية فقد العالم الغربي نحو 35 مليون نسمة، سقط معظمهم في غضون سنتين.

وثمة نقطة مهمة جديرة بالإشارة يؤكد عليها جوزيف بيرن فيقول: تضرع الأتقياء والتقيات، وقدم الكهنة والأطباء الرعاية للمرضي والُمحتضرين، وانتقد الأساقفة خطايا البشر التي أغضبت الرب واستنزلت سخطه المتمثل في الطاعون، وبعد انحساره تاب قسم من الناس، واستغل آخرون الضعفاء بلا رحمة، وتنفس الجميع الصعداء بانتهاء البلوي . لكن أهوال الفترة الممتدة بين سنتي 1347 و1352 م لم تكن إلا البداية فحسب، ومع أن الطاعون لم يضل ثانية البتة إلي هذا الحد من الانتشار والفتك، فإنه ظل يتفشي بين الحين والآخر بينما أشرقت القرون الوسطي علي نهايتها في الغرب . ويبدو حيث تكون السجلات موثوقة أن الطاعون كان يتفشي كل عشر سنين تقريباً، وأن الوفيات تراوحت بين 10 و 20 بالمئة بدلاً من 40 أو 50 بالمئة، ويبدو أن الموت كان أشد فتكاً بالفتيان من البالغين، وبالنساء من الرجال، مع أنه لم يكن أحد يتمتع بالمناعة . وقد أدي هذا الوضع إلي عدم تزايد السكان لدمة قرن ونصف القرن، لكنه حث أيضاً علي إدخال العديد من التغييرات علي السياسة العامة التي ترمي إلي التقليل من احتدام الطاعون – أو حتي الوقاية منه . وتراوح ذلك من تحسين المرافق الصحية والرعاية الصحية إلي الحجر الصحي والإنذار المبكر، وتكيف الحكومات المحلية والملكية مع النظام الجديد الذي يتكرر فيه تفشي الوباء . حاولت مهنة الطب أيضاً التعامل مع المرض أيضاً، لكن نظرياتها ومعالجاتها كانت قديمة بالفعل وعديمة الجدوي . مع ذلك واصل كل جيل ثقته في الأطباء وأنظمتهم الغذائية وأدويتهم وتدابيرهم. وعلي الرغم من فشل رجال الدين في درء غضب الرب، فقد واصل الناس ثقتهم أيضاً في المسيحية والإسلام، وللإصلاح الديني الذي أدي إلي انقسام الكاثوليكية في أوائل القرن السادس عشر جذور عميقة في الاستياء الذي أعقب الطاعون، لكنه لم يتطور إلا بعد مرور قرن ونصف القرن علي تفشي الوباء لأول مرة. ولا شك في أن البروتستنت الأوائل سعوا إلي تنقية الدين لا الحلول محلها.

ثم ينتقل جوزيف بيرن بعد ذلك للحديث عن الطاعون في العصر الحديث فيقول:  فيما كانت القرون الوسطي تفسح المجال لتغيرات عصر النهضة وابتكاراته، والكاثوليكية تتصارع مع تحدي البروتستنتية، استمر الطاعون في التفشي بين الحين والآخر . لكن مع انبلاج أوائل العصر الحديث، لا حظ الناس أن هذا المرض أصبح محدوداً علي نحو متزايد في المناطق الحضرية. ومع نمو حجم المراكز التجارية والحكومية والإدارية والتعليمية والصناعية والثقافية وتزايد تعقيدها، واصل المسؤولون والحكام اتخاذ الإجراءات المضادة لهذا المرض الوبائي، ووسعوا نطاق أنشطتهم وحدتها ؛ فأنشأت حكومات المدن المجالس الصحية والهيئات القضائية للإشراف علي أنظمة الإصحاح والحجر الصحي في المدن والمناطق التي تديرها . ومولت مستشفيات الطاعون ومصحات الأوبئة لعزل المرضي وأغلقت الموانئ والانهيار لوقف حركة المرور الملاحية المميتة . ووضعت السياسات والآليات لعزل المرضي – بل حبسهم – وعائلاتهم في بيوتهم . ولأنها رأت أن جذور تفشيات الطاعون المحلية تعود إلي الأحياء الفقيرة، فقد كانت تغلق هذه الأماكن عند أول بوادر ظهور المرض، وتحكم علي قاطنيها بملازمتها والمعاناة في حين تحمي في الظاهر المدينة علي العموم . وتبادلت الحكومات الصغيرة والكبيرة الأفكار وتعلمت من بعضها بعضاً عندما أدركت جميعاً أن ليس في استطاعة أي منها العمل بمفردها لوقف حركة الطاعون الذي لا يقر بأي حدود سياسية .

ويستطرد جوزيف بيرن  فيقول: في الوقت نفسه، كانت الجيوش الدولية التي تفشي فيها الطاعون تعبر أوربا الوسطي بكثرة، وتنشر الوباء مثلما تنشر السلب والدمار والقتل بالسيف . بل إن الطرق التجارية استمرت، حتي في زمن السلم، في تسهيل نشر الطاعون ووجد المهربون الذين تزايدت حنكتهم سهولة في تجنب الحواجز التي وضعتها السلطات بنية حسنة . فلا عجب أن تكون آخر المدن الأوربية الغربية الكبري التي تعاني هي الموانئ التجارية مثل أمستردام ولندن ونابولي ومرسليا، أو أن يستمر الطاعون في التردد علي الموانئ العثمانية في البحر المتوسط بعد مدة طويلة من اختفائه من أوربا .

ومن جهة أخري يري جوزيف بيرن أنه عندما ضرب وباء الطاعون أوربا الجنوبية للمرة الأخيرة، في مرسليا في سنة 1720م، لم يكن الطب أكثر قدرة علي التعامل مع المرض مما كان عليه في سنة 1350م . وعلي الرغم من النهضة والثورة العملية، فقد ظلت نماذج وممارسات الطبيبين اليونانيين القديمين أبقراط وجالينوس تشوب التعليم الطبي والممارسة الطبية . وبقي إجراء الحجامة القروسطي لتخفيض " الأخلاط" المضرة، وتوقيت هذه الجلسات وفقاً للخرائط التنجيمية، ممارسة شائعة حتي نهاية الجائحة الثانية . ويصعب علي المرء الإشارة إلي اختراق واحد في المعرفة أو العلاج الطبي المرتبط بالطاعون، مع أن رجالاً ألمعيين واجهوه ما لا يقل عن ثلاثة قرون . وفي إنجلترا التي أنجبت إسحاق نيوتن، نصح الأطباء، بقدر ما نصح رجال الدين، بالصلاة والتوبة قبل أي وقاية أو معالجة للطاعون . وعندما بدأ الأطباء المسلمون يستوردون الطب الأوربي الذي يفترض أنه تفوق في القرن السادس عشر، فإنهم لم يحصلوا علي صفقة رابحة... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

محمود محمد عليفي 2015 م أصدر مشروع "كلمة" للترجمة التابع لهيئة أبوظبى للسياحة والثقافة كتاب جديد بعنوان "الموت الأسود" للمؤلف جوزيف بيرن، وترجمه إلى العربية عمر الأيوبى، ويأتى الكتاب ضمن سلسلة الحياة اليومية عبر التاريخ التى تتألف من 10 عناوين.

يتحدث الكتاب عن الحياة اليومية في أثناء تفشي الطاعون أو ” الموت الأسود ” في أوروبا بين سنتي 1348 و1722 حيث تعرضت أوروبا لهجمات الأوبئة المنتظمة التي أعملت فيها الفتك والقتل دون هوادة. ويشير الكتاب الى تاثير الطاعون على المجتمع ابتداء من العلاقات داخل الأسر إلى الهيكل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي . وينهي الكتاب بإلقاء نظرة وثيقة على طاعون مرسيليا (1720 – 1722) آخر تفش رئيسي للطاعون في أوروبا الشمالية والاختراقات التي حققتها الأبحاث في نهاية القرن التاسع عشر وأدت إلى هزيمة الطاعون الدبلي في نهاية المطاف. وجوزيف بايرن أستاذ مشارك للتاريخ الأوروبي في جامعة بلمونت ـ ناشفيل بولاية تنيسي أجرى العديد من الأبحاث ونشر الكثير من المقالات في مختلف الموضوعات من الأضرحة الرومانية إلى العمران الأمريكي غير أنه متخصص في إيطاليا في حقبة الموت الأسود.

فى هذا الكتاب، يجمل جوزيف بيرن مسار الجائحة الثانية، وأسباب الطاعون الدبلى وطبيعته، ووجهة النظر التنقيحية حيال حقيقة الموت الأسود. ويعرض ظاهرة الطاعون بحسب الموضوعات بالتركيز على الأماكن التى عاش فيها الناس وعملوا وواجهوا الأهوال فى البيت، والكنيسة والمقبرة، والقرية، ومشافى الطاعون، والشوارع والطرقات.

ويقود القارئ إلى صفوف كليات الطب التى تدرّس فيها النظريات الخاطئة بشأن الطاعون، وعبر مهن الأطباء والصيدلانيين الذين حاولوا معالجة الضحايا من دون جدوى، إلى مبنى البلدية ومجالسها التى سعى قادتها للتوصل إلى طرق للوقاية من الطاعون ومعالجته.

كما يبحث الأدوية، والأدعية والصلوات، والأدب، والملابس الخاصة، والفنون، وممارسات الدفن، والجريمة التى تفشّت مع تفشى الوباء. ويقدّم بيرن أمثلة حيوية من جميع أنحاء أوروبا ويعرّج على العالم الإسلامى أيضاً، ويعرض نصوصاً لشهود عيان وللضحايا أنفسهم حيثما أمكن. وينهى الكتاب بإلقاء نظرة وثيقة على طاعون مرسيليا (1720 – 1722)، آخر تفشّ رئيسى للطاعون فى أوروبا الشمالية، والاختراقات التى حققتها الأبحاث فى نهاية القرن التاسع عشر وأدّت إلى هزيمة الطاعون الدبلى فى نهاية المطاف.

والجدير بالذكر أن جوزيف بايرن أستاذ مشارك للتاريخ الأوروبى فى جامعة بلمونت، ناشفيل، ولاية تنيسى، أجرى العديد من الأبحاث ونشر الكثير من المقالات فى مختلف الموضوعات، من الأضرحة الرومانية إلى العمران الأميركى، غير أنه متخصص فى إيطاليا فى حقبة الموت الأسود، من كتبه "موسوعة الطواعين والأوبئة والجوائح" وموسوعة "الموت الأسود" وذلك حسب قول بلال رمضان في مقاله باليوم السابع بعنوان "كلمة" يصدر "الموت الأسود" لجوزيف بيرن عن "مرض الطاعون".

وفي هذا الكتاب جوزيف بيرن يقول أنه مع تقدم القرن الحادي والعشرين، نجد أنفسنا في عالم يتهدد المرض معظم قاطنيه، ففي دول أفريقيا المتخلفة نسبيا كما يقول جوزيف بيرن في كتابه الموت الأسود، يوقع الإيدز والملاريا وفيروس إيبولا الغريب كثيراً من الضحايا، ويبدو أن قلة قليلة لديها حصانة تامة . وفي امريكا وأوربا الأوسع ثراء بكثير من أفريقيا والأكثر تقدماً تقنياً، يخشي الناس بحق مرض القلب، والداء السكري، والسرطان . وظهرت في كل أنحاء العالم سلالات جديدة من الإنفونزا، وفيروس العور المناعي البشري – الإيدز وسارس، ويبدو أن الجميع معرضون للهجمات الإرهابية بالعوامل البيولوجية مثل الجمرة الخبيثة والجدري وكورونا . وتشكل كثير من الميكروبات والظروف النفسية تهديدات للصحة البشرية.

وعلى مدار التاريخ شهدت دول كثيرة من العالم،، تفشى عدد كبير من الأوبئة داخل الحدود الإيطالية حصد الكثير من الأرواح، ومن بينها طاعون جستنيان أو وباء جستنيان (541-542 م، وتكرر حتى 750) وباء أصاب الإمبراطورية البيزنطية (الرومانية الشرقية) وخاصة عاصمتها القسطنطينية، وكذلك الإمبراطورية الساسانية والمدن الساحلية حول البحر الأبيض المتوسط بأكمله، حيث كانت السفن التجارية تؤوي الفئران التي تحمل البراغيث المصابة بالطاعون.

يعتقد بعض المؤرخين أن طاعون جستنيان كان أحد أكثر الأوبئة فتكًا في التاريخ، وأنه أدى إلى وفاة ما يقدر بنحو 25-50 مليون شخص خلال قرنين، وهو ما يعادل 13-26٪ من سكان العالم في وقت تفشي المرض لأول مرة. تمت مقارنة التأثير الاجتماعي والثقافي للطاعون بتأثير الموت الأسود الذي دمر أوراسيا في القرن الرابع عشر، لكن بحثًا نشر في عام 2019 جادل بأن عدد وفيات الطاعون والآثار الاجتماعية مبالغ فيها.

ويرجح أن طاعون جستنيان بدأ في التفشي انطلاقا من صعيد مصر، ومن ثم انتقل حتى وصل القسطنطينية (اسطنبول التركية حاليا) المدينة كانت تستورد كميات كبيرة من الحبوب من مصر لإطعام سكانها، السفن التي كانت تنقل الحبوب قد تكون أيضاً نقلت العدوى، من خلال تلوث صوامع الحبوب في المدينة بالفئران والبراغيث التي تحمل المرض

وقد سجل المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس أنه في ذروته، كان الطاعون يقتل ما يصل إلى 10،000 شخص يوميا في المدينة، على الرغم من أن هذا الرقم لا يمكن التحقق منه والأرقام الحقيقية لن تعرف أبدا. ما هو معروف أنه لم يوجد ما يكفي من الوقت أو المكان لدفن الجثث لكثرتها . كانت الإمبراطورية البيزنطية في حالة حرب مع الوندال في منطقة قرطاج، مع القوط الشرقيين في شبه الجزيرة الإيطالية ومع الإمبراطورية الساسانية. كما بذلت جهود اقتصادية كبيرة لبناء الكنائس الكبيرة مثل كنيسة آيا صوفيا، وجاء الطاعون ليخلف آثارا كارثية على الاقتصاد من خلال انخفاض الإيرادات من الضرائب، مما تسبب في صراعات داخلية خطيرة وتسبب في نهاية المطاف في انسحاب الجيش البيزنطي من إيطاليا عندما تقريبا كان قد سيطرعلى شبه الجزيرة بأكملها.

وقد أستمر انتشار الوباء على طول موانئ البحر الأبيض المتوسط، مرورا بالأراضي الأوروبية، ووصل في الشمال إلى الدنمارك وفي الغرب إلى أيرلندا، وأوقف خطط جستنيان لاستعادة الإمبراطورية الرومانية الغربية وسمح بالغزوات التي كانت تشنها القبائل البربرية والتي ستتشكل منها فيما بعد ممالك ودولا جديدة، واستمر تفشي الوباء بشكل محلي ومتفرق حتى حوالي العام 767 م، من بين الضحايا المهمين لهذا الوباء البابا بيلاجيوس الثاني الذي مات سنة 590 م.

الجائحة الثانية – الموت الأسود والذي يركز عليه جوزيف بيرن في هذا الكتاب الذي بين أيدينا، والتي كما يقول بيرن: ضربت العالمين الإسلامي والمسيحي ما يزيد علي ثلاثة قرون، وانحسرت عن أوربا في أواخر السابع عشر، لكنها مكثت في شمال أفريقيا والشرق الأدني حتي وقت متقدم من القرن التاسع عشر .وقد شهدت كل المناطق في هذه الفترة أهوال الطاعون مرة كل عقد من الزمان تقريبا . وفي حين أن الأوبئة تظهر في الربيع عادة وتشتد في الصيف، وتنحسر في الخريف والشتاء، وربما تعاود الظهور في الربيع القادم، فإنها يمكن أن تفرض حصاراً علي السكان عدة سنين في كل مرة، لم ينج منها أي جيل كما يقول جوزيف بيرن في كتابه الموت الأسود، ومن تجنبوا الإصابة بالمرض أو نجوا من ويلاته، كما هو حال الكثيرين، فإنهم شهدوا المحن التي أصابت أصدقاءهم وأحباءهم . كما كان علي الجميع أن يتحملوا في زمن الطاعون الكثير من البلايا من القيود القانونية إلي الإنهيار الاقتصادي المحلي، ومن الهجوم علي المرضي والمحتضرين المتناثرين في الشوارع إلي الخوف من أن يأتي عليهم الدور .

ويستطرد بيرن فيقول: تفشي الطاعون في وقت ما في ثلاثينيات القرن الرابع عشر من موطنه المعزول في أراضي آسيا الوسطي الشاسعة، ومع أنه ربما انتشر شرقاً في الصين وجنوبا في شبه القارة الهندية، فإن السجلات الواردة في هذه المناطق لا تخبرنا إلا بالقليل كما يقول جوزيف بيرن في هذا الكتاب الذي بين أيدينا .

ثم يؤكد بيرن فيقول: بيد أن المرض انتقل شرقا من دون شك كما يقول جوزيف بيرن في كتابه الموت الأسود، وظهر في المناطق الشرقية من العالم الإسلامي في أواسط أربعينيات القرن الرابع عشر، وامتد إلي الجنوب الغربي حول البحر الأسود أو عبره، فضرب القسطنيطينية والأطراف الغربية للبحر المتوسط في أواخر سنة 1447م، وفي ذلك الوقت بدأ المسلمون والمسيحيون يسجلون ما عرفوه عن منشأ الطاعون ومساره المبكر، والأهوال التي لم يعودوا راغبين في أن يشهدوها .

ثم يؤكد فيقول انتقل الوباء مع التجار والقوافل والجيوش والحجاج والبعثات الدبلوماسية وعلي متن السفن المحملة بالبضائع والمسافرين من موانئ المناطق التي ضربها الطاعون،فتفشي في صقلية ومرسيليا وبيزا وجنوا والإسكندرية .. وعبر إلي المناطق الداخلية علي متن القوارب والصنادل علي طول الممرات المائية، وعب متن العربات في الطرقات ودروب الجياد وعلي حيوانات الحمل . واجاز جبال الألب والبيرينيه والأبنين والبلقان، والقناة الإنجليزية وبحر الشمال، ووصل في نهاية المطاف إلي السهول الكبري في أوربا الشرقية والمدن الروسية في حوض نهر الدون وموسكو نفسها .

وقد وصف شهود عيان كما يقول جوزيف بيرن في هذا الكتاب الذي بين أيدينا، تطور المرض بين الناس وفي المجتمعات، ومعاناة الضحايا والناجين علي حد سواء، والخراب الاقتصادي والاجتماعي الرهيب الذي خلفه الطاعون بعد انحساره، وسجل الرحالة والأطباء والموظفون المسلمون الدمار الذي حل في المدن الإسلامية من بغداد إلي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والأندلس، ويبدو أن قليلاً          من الجيوب المعزولة نجت، وربما مات في النهاية أربعة من بين كل عشرة أشخاص، وأصيب آخرون  بالمرض لكنهم عاشوا، وربما اكتسبوا بعض المناعة خلال هذه العملية، وفي النهاية فقط العالم العربي (كما يقول جوزيف بيرن) نحو 35 مليون نسمة، سقط معظمهم في غضون سنتين.

تضرع الأتقياء والتقيات، وقدم كالهنة والأطباء الرعاية للمرضي والمحتضرين، وانتقد الأساقفة خطايا البشر التي أغضبت الرب واستنزلت سخطه المتمثل في الطاعون، وبدع انحساره تاب قسم من الناس، واستغل آخرون الضعفاء بلا رحمة، وتنفس الجميع الصعداء بانتهاء البلوي . لكن أهوال الفترة الممتدة بين سنتي 1347 و 1352م  لم تكن إلا البداية فحسب، ومع أن الطاعون لم يصل ثانية البتة إلي هذا الحد من الانتشار والفتك، فإنه ظل يتفشي كل عشر سنين تقريباً، وان الوفيات تراوحت بين 10 و 20 بالمئة بدلاً من 40 أو 50 بالمئة . ويبدو أن الموت كان أشد فتكاً بالفتيان من البالغين، وبالنساء من الرجال، مع أنه لم يكن أحد يتمتع بالمناعة . وقد أدي هذا الوضع إلي عدم تزايد السكان لمدة قرن ونصف القرن، لكنه حث أيضاً علي إدخال العديد من التغييرات علي السياسة العامة التي ترمي إلي التقليل من احتدام الطاعون – أو حتي الوقاية منه . وتراوح ذلك  من تحسين المرافق الصحية والرعاية الصحية إلي الحجر الصحي والإنذار المبكر، وتكيف الحكومات المحلية والملكية مع النظام الجديد الذي يتكرر فيه تفشي الوباء . حاولت مهنة الطب كما يقول جوزيف بيرن في كتابه الموت الأسود أيضاً التعامل مع المرض أيضاً، لكن نظرياتها ومعالجاتها كانت قديمة بالفعل وعديمة الجدوي، ومع ذلك واصل كل جيل ثقة في الأطباء وأنظمتهم الغذائية وأدويتهم وتدابيرهم، وعلي الرغم من فشل رجال الدين في درء غضب الرب، فقد واصل الناس ثقتهم أيضاً في المسيحية والإسلام كما يقول جوزيف بيرن في كتابه الموت الأسود، وللإصلاح الديني الذي أدي إلي انقسام الكاثوليكية في أوائل القرن السادس عشر جذور عميقة في الاستياء الذي أعقب الطاعون، لكنه لم يتطور إلا بعد مرور قرن ونصف القرن علي تفشي الوباء لأول مرة، ولا شك في أن الروتستنت الأوائل سعوا إلي تنقية الدين وكنيسته لا الحلول محلها كما يقول جوزيف بيرن في هذا الكتاب الذي بين أيدينا ... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

 

محمود محمد علي"براغيث جستنيان : الوباء العظيم الأول ونهاية الإمبراطورية الرومانية"- هذا هو عنوان كتاب قام بتأليفه ويليام روزين وترجمه العالم المبدع الدكتور أسامة عبد الحق نصار (الأستاذ المساعد بكلية الزراعة بجامعة أسيوط)، وراجعه أستاذنا الكبير الدكتور نصار عبد الله أستاذ الفلسفة المتفرغ بجامعة سوهاج، وهذا الكتاب صدرت الطبعة الأولي منه خلال الأيام الماضية من سنة 2021م، ضمن مطبوعات دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر بالإسكندرية بجمهورية مصر العربية .

يتناول هذا الكتاب موضوع "براغيث جستنيان: الوباء العظيم الأول ونهاية الإمبراطورية الرومانية"، من مداخل متعددة تاريخية وبيولوجية وطبية، يتبين لنا من خلاله مدي ثقافة مؤلفه، ورحابة اهتماماته، وهو يتعقب مادته من موارد مختلفة، وبعض هذه الموارد لا يزال مخطوطاَ. يمضي بنا المؤلف في كتابه فيتتبع مسارد موضوعه بأسلوب شيق وجذاب، ويتوصل إلي حقائق ربما غابت علي الأذهان بعضنا

من هذه الحقائق أن "براغيث جستنيان"،كان لها دوراً كبير في التعجيل بنهاية الإمبراطورية الرومانية الشرقية أو الإمبراطورية البيزنطية، بما في ذلك العاصمة القسطنطينية، في السنوات 541 و 542 الميلاد، وكذلك الإمبراطورية الساسانية والمدن الساحلية حول البحر الأبيض المتوسط بأكمله؛ حيث كانت السفن التجارية تؤوي الفئران التي تحمل البراغيث المصابة بالطاعون، والسبب الأكثر ترجيحا عند المؤرخين هو مرض الطاعون الدملي، والذي سيتسبب في وباء آخر سيسمى الموت الأسود في القرن الرابع عشر، وأطلق المؤرخون المعاصرون على هذا الوباء اسم الإمبراطور جستنيان الأول، الذي كان يحكم الإمبراطورية البيزنطية أثناء حدوث الطاعون.

ويعتقد ويليام روزين، أن طاعون جستنيان كان أحد أكثر الأوبئة فتكًا في التاريخ، وأنه أدى إلى وفاة ما يقدر بنحو 25-50 مليون شخص خلال قرنين، وهو ما يعادل 13-26٪ من سكان العالم في وقت تفشي المرض لأول مرة انطلاقا من صعيد مصر، ومن ثم أنتقل حتى وصل القسطنطينية (اسطنبول التركية حاليا) المدينة كانت تستورد كميات كبيرة من الحبوب من مصر لإطعام سكانها، السفن التي كانت تنقل الحبوب قد تكون أيضا نقلت العدوى، من خلال تلوث صوامع الحبوب في المدينة بالفئران والبراغيث التي تحمل المرض؛ وقد عاصر المؤرخ البيزنطي "بروكوبيوس" هذا الوباء في أوج قوته ؛ حيث ذكر أن هذا الوباء قد قتل ما يصل إلى 10،000 شخص يوميا في المدينة، على الرغم من أن هذا الرقم لا يمكن التحقق منه والأرقام الحقيقية لن تعرف أبدا. ما هو معروف أنه لم يوجد ما يكفي من الوقت أو المكان لدفن الجثث لكثرتها ؛ وقد كانت الإمبراطورية البيزنطية في ذلك الوقت في حالة حرب مع الوندال في منطقة قرطاج، مع القوط الشرقيين في شبه الجزيرة الإيطالية ومع الإمبراطورية الساسانية. كما بذلت جهود اقتصادية كبيرة لبناء الكنائس الكبيرة مثل كنيسة آيا صوفيا، وجاء الطاعون ليخلف آثارا كارثية على الاقتصاد من خلال انخفاض الإيرادات من الضرائب، مما تسبب في صراعات داخلية خطيرة وتسبب في نهاية المطاف في انسحاب الجيش البيزنطي من إيطاليا عندما تقريبا كان قد سيطر على شبه الجزيرة بأكملها؛ أستمر انتشار الوباء على طول موانئ البحر الأبيض المتوسط، مرورا بالأراضي الأوروبية، ووصل في الشمال إلى الدنمارك وفي الغرب إلى أيرلندا، وأوقف خطط جستنيان لاستعادة الإمبراطورية الرومانية الغربية وسمح بالغزوات التي كانت تشنها القبائل البربرية والتي ستتشكل منها فيما بعد ممالك ودولاً جديدة، كما استمر تفشي الوباء بشكل محلي ومتفرق حتى حوالي العام 767 م، من بين الضحايا المهمين لهذا الوباء يوجد البابا بيلاجيوس الثاني الذي مات سنة 590 م.

وأيا ما كان شكل الطاعون، فإن الأمر المؤكد كما قال الدكتور أسامة نصار (مترجم الكتاب) أن تأثير الطاعون كان مدمرا علي الحضارة البشرية، ومؤلف الكتاب يدافع بقوة  عن تلك النظرية، حيث يعتبر أن جائعة الطاعون التي ضربت العالم في القرن السادس الميلادي، كانت أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلي إنهيار كلا الإمبراطوريتبن الرومانية والفارسية وتغيير شكل العالم للأبد، وتلك هي الفكرة الرئيسية لهذا الكتاب حول تأثير الأوبئة علي قيام وانهيار الحضارات؛  ومن أجل توضيح وإثبات تلك النظرية، فإن المؤلف قسم الكتاب إلي أربعة أقسام الجزء الأول : المجد، يتضمن قصة الفترة الأخيرة من الإمبراطورية الرومانية بدءاً من دقلديانوس إلي جستنيان مروراً بعصر قسطنطين الكبير وتبنيه المسيحية كإحدي ديانات الإمبراطورية الرومانية .

أما الجزء الثاني : الإمبراطور، والذي يتناول شخصية الإمبراطور جستنيان وعصره من خلال إبراز ثلاثة جوانب من إنجازاته : الجانب المعماري وإنجازاته الضخمة التي تجلت في بناء كنيسة آيا صوفيا، الجانب القانوني  وإنجازه الضخم المتمثل في تدوين الموسوعات القانونية الكبري في عهده والتس تضمنت : " المبادئ"، و" المختصر "، و" المستحدثات"، والتي تجلت مثلت الأساس القانون الذي قامت عليه كافة الأنظمة القانونية الغربية، وثم الجانب الأخير وهو انتصارات الإمبراطور العسكرية واستعادة الأقاليم الرومانية في أسبانيا وشمال إفريقيا وإيطاليا، ومحاولة تحقيق حلمه باستعادة كافة الأراضي الإمبرطورية حانة من التشرذم والضعف وذلك حسب قول الدكتور أسامة نصار.

وأما الجزء الثالث : البكتريا، يوضح الكيفية التي تطورت بها بكتريا البرسينيا سودوتوبيركلورنس Yersinia pseudotuberculosis، ويتضمن كما قال الدكتور أسامة نصار، قصة ثالوث المرض المرعب من البراغيث والفئران والبكتريا التي تشترك في إحداث المرض، فالبكتريا تصيب القناة الهضمية للبراغيث التي تتطفل علي الفئران وغيات أحد أضلاع هذا الثالوث ويؤدي إلي عدم حدوث الوباء، وكان بالإمكان أن تستمر الحياة بلا مشاكل، ولا ينشغل الإنسان بعلاقة الغرام تلك بين البكتريا والبراغيث والفئران، ولكن المأساة حدثت وجعلت الإنسان طرفاً في تلك العلاقة المعقدة عندما أصبحت الكبتريا أكثر فتكاً مما أدي إلي ارتفاع نسبة موت الفئران من جراء الإصابة بالبراغيث المصابة ببكتريا البرسينيا المسببة للطاعون، وأصبح الآن علي البراغيث أن تجد لها مصدراً متجدداً للدماء الدافئة تقفز عليه بدلاً من الفئران الهالكة . ولسوء الحظ، لم يكن هناك مصدر أفضل لتلك الدماء الدافئة من تلك الكائنات التي تعيش الفئران بكثافة الإنسان !!..كما يتناول هذا الجزء أيضا رد الفعل الدفاعي للإنسان للهجوم الذي يتعرض إليه من البكتريا وكيف يمكن للبكتريا أن تتغلب علي النظام الدفاعي للإنسان فيما يشبه سباق تسلح بين الإنسان والبكتريا .

وننتقل إلي الجزء الرابع : الجائحة، ويتناول كما قال الدكتور أسامة نصار وباء الطاعون وكيفية انتشاره، ويوضح كيف أن انخفاض درجة الحرارة الناجم عن النشاط البركاني الذي ضرب العالم خلال الأعوام السابقة مكن الفئران المصابة البراغيث المحملة ببكتريا اليرسينيا من الانتقال من المواطن الذي هو علي في شرق أفريقيا وأثيوبيا إلي مصر .وفي مدينة بلوسيوم أو الفرما (بالقرب من بورسعيد الحالية) ظهرت أولي حالات الإصابة، ومنها انتقل الوباء إلي الاسكندرية التي كانت أحد الموانئ الرئيسية لتصدير الحبوب إلي مدن الإمبراطورية الرومانية ... كانت سفن الحبوب تحمل ركاباً غير مرغوب فيهم، فئراناً سوداء صغيرة حية كانت تتعرض من هجوم ضار لم تعهده من قبل من البراغيث المحملة بسلالة جديدة من بكتريا البرسينيا أشد فتكاً وضراوة بطريقة لم تعهدها الفئران من قبل . وبعد موت الفئران فإن البراغيث كان عليها أن تجد ضحية جديدة لها ... الإنسان!

هذه الفقرة الصغيرة للبراغيث المحملة ببكتريا اليرسينبا من الفئران إلي الإنسان كما قال الدكتور أسامة نصار كانت تعني الكثير من الهلاك والدمار للجنس البشري، وهذا موضوع الكتاب الذي يوضح تأثير تلك القفزة علي كلاً الإمبراطوريتين : الرومانية والفارسية.

وفي النهاية نبارك مبادرة الدكتور أسامة عبد الحق نصار علي ترجمته لهذا الكتاب، وقد بذل بذلك جهداً كبيراً حتي يحافظ علي النص دون أن يكون مكبلاً بالمعاني الحرفية للألفاظ، فجاءت الترجمة أمينه ودقيقه، وقد قيل بحق أن مؤلف أي كتاب ينظر من قرائه الثناء والمديح، إلا أن مترجم أي كتاب يتمني أن يتحاشى التقريظ والنقد، ولكن المترجم علي أيه حال لا بد أن يضطلع بدوره، مهما كان النقد، لأنه يفتح الطريق ويمهدها، ليسهل علي اللاحقين عليه تعبيدها وتوسيعها، فليكن هذا الكتاب باباً جديدا يدخل منه الباحثون العرب إلي دراسات أوسع وبحوث أشمل لمعرفة تاريخ الأوبئة وبذلك نتمكن من مواجهة فيروس كورونا اللعين الذي أضحي وباءاً عالمية لا بد من تكاتف الجميع لمواجهته.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

عزالدين عنايةعلى مدى العقود الأربعة الأخيرة طغى على دراسات الإسلام في الغرب طابع اجتماعيّ سياسيّ، كانت بُغية الطلب فيه تفسير التحولات التي تشهدها المجتمعات العربية والإسلامية واستشراف مصائرها. وقد صاغت دراسات الإسلام تفسيراتها للظاهرة الإسلامية وتطوراتها من خلال إرث المدرسة الاستشراقية الذي هيمنت عليه رؤية فقهية تشريعية كلامية مشفوعة ببحث مرفولوجي في منشأ الإسلام وما تخللته من أطروحات متنوعة. والملاحظ في مسار محاولات استيعاب أصول الإسلام المبكرة والتأسيسية داخل الاستشراق، بقاء الحقل الروحي أقلّ الحقول متابعةً، بموجب غلبة الرؤية المؤسساتية الصارمة على النظر للإسلام وطغيان المنظور التشريعي المنهجي في قراءة الظاهرة الإسلامية عموما. حتى أن مجالا مهمّا من مجالات التراث الإسلامي، ونقصد التصوف، لم يشهد اهتماما مركّزا سوى في مرحلة لاحقة، ولم يوله الاستشراق المبكّر واللاحق سوى عناية متناثرة وعابرة. ولو دققنا تاريخيا في انشغالات الاستشراق، نلحظ أن الاهتمام بالتراث الروحي الإسلامي في الدراسات الغربية قد تبلور مع لويس ماسينيون (1883-1962) في دراساته المرجعية عن الحلاج والتصوف عامة، وهو متأخر نوعا ما. مع ذلك لم يشكّل ذلك الاجتراح تحويرا في مسار النظر الغربي للظاهرة الإسلامية باتجاه مقاربات تُعنى بالتراث الروحي، ولم يحصل تطور في الاشتغال بالتصوف، سواء من ناحية تحليل المقولات الصوفية أو من ناحية نقل المصنّفات المرجعية في المجال عبر الترجمة، سوى في العقود الأخيرة.

وإيطاليا تشكّل الحلقة الأضعف في هذا الاستيعاب بصنفيه داخل الاستشراق الغربي. ومثال الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي جلي في هذا السياق، فلو استثنينا مؤلف "فصوص الحكم" المترجَم من الفرنسية إلى الإيطالية، لا نعثر إلى الحقبة الراهنة على نص من نصوصه منقولا إلى اللغة الإيطالية. من خلال الكتاب الذي نتولى عرضه والذي أعده الباحث الإيطالي فرانشيسكو ألفونسو ليتشيزي، معتمدا على نص بات مرجعا من مراجع المدونة الغربية من تأليف جورج قنواتي ولويس غرديه، يحاول ليتشيزي صياغة مدخل عام للتصوف دون تبسيط مخلّ. ويتوجّه عبر مؤلفه إلى مخاطبة عقلية غربية بشأن موضوع ترتبط مفاهيمه ومقولاته ولغته بتراث الإسلام، مع ما في ذلك من وعورة على قارئ غربي دأبَ على فهم الدين من منظور لاهوتي مسيحي.

يشير ليتشيزي في القسم الأول من الكتاب إلى أن حضور التصوف في دراسات الإسلام المعاصر في الغرب، يأتي موسوما بدافع براغماتي وبحكم خُلقي، أن التصوف هو ذلك الجانب "الحسن" و"المقبول" من الإسلام، بوصفه روحيا ومتسامحا ومحتضنا ومحاورا، مقابل التوجه المتشدّد الذي ينفي التعددية ويرسّخ التمايز ويمقت المغاير. ولا يخفى أن القبول بالتصوف من منظور غربي، قد صيغت مبرراته في البدء وفق تهويمات ومغالطات، أضفَتْ على الإسلام طابعا مسيحيا، وهو ما عبّر عنه مؤلف ميغال أزين بلاسيوس، المنشور في طبعته الأولى خلال 1931 بمدريد بعنوان: "الإسلام الممَسْحَن.. دراسة التصوف من خلال أعمال ابن عربي المرسي" (نسبة إلى مدينة مرسية الإسبانية).

لذلك انبنت نظرة تلحق التصوف الإسلامي بالتراث المسيحي، عمادها أحكام مستعجلة كون "المظاهر الناعمة" المشوبة بالمحبة واللطف، والتي نجدها طاغية في مقولات التصوف، هي مما يلائم روح المسيحية وتعاليم الإنجيل، ولكن سرعان ما جرى التخلي عن هذه الأطروحة غير العلمية والمفتقِرة إلى الأسس المنهجية أمام تبيّن أن المقاصد العليا للتصوف تتماهى مع المنظور الإسلامي وهي مستنبَطة من جوهر الدين المستند إلى الكتاب والسنة (ص: 87). والجلي أن تلك النظرة الإلحاقية للتصوف الإسلامي بالمنظور المسيحي قد تبلورت بفعل الرؤية الاستشراقية الكنَسية المغالية، التي هيمنت على الدراسات الإسلامية الغربية المبكرة، وهي رؤية مركزية شهدت زعزعة لأركانها مع مدرسة ما بعد الاستشراق التي يبقى من أبرز أعلامها الراحل إدوارد سعيد.

في القسم الثاني من الكتاب يحاول الباحث ليتشيزي تحديد العوامل التي جعلت الأوساط الغربية المهتمة بالحضارة الإسلامية تنحو صوب الانشغال بالتصوف. فبالتوازي مع التوتّر الذي أجّجه "الإسلام الجهادي" وما خلّفه من أثر عميق على انشغالات الباحثين ومواقفهم، لم يجد شقّ من دارسي الإسلاميات من سبيل لتجاوز ذلك المأزق الابستيمولوجي سوى بطرح التصوّف الإسلامي بديلا دراسيا. فليس التصوّف نهجا لتغيير ظواهرية الحياة بل هو مسلك ذوقي لتنقية البواطن، فهو من الصنف المرْضي عنه، ولا يُمثّل تهديدا. ينضاف إلى ذلك أن التوجّه إلى العرفان الإسلامي يأتي نتاج دخول براديغمات جديدة في التعاطي مع الشأن الديني، تتفسّر ضمن مقولات سوسيولوجيا الدين الأمريكية المتلخصة في طروحات "السوق الدينية"، أي محاولات المتحكّمين بالمجال الديني تحويل قطاع الرّوحانيات إلى بضاعة استهلاكية منتزَعة من سياقاتها الدّينية والفلسفية. ليأتي الشغف بالتصوف من خارج النسق الرّوحي المعهود، في مسعى للاقتراب من آثاره ووعوده التي عبّر عنها إبراهيم بن أدهم في ذلك القول المأثور: "لو علم الملوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه". ولعل كثرة انتشار نوادي اليوغا والتأمل والرّياضات الروحية، غير المجانية، موحية ضمن هذا المستجد بالغرب. وبالفعل بدا التصوّف مغريا لفئات من الغربيين، تُكتشف عبره سماحة الإسلام رغم ضخّ إعلام الفوبيا الهائل (ص: 103).

ولا يحصر الباحث الإيطالي ذلك الانجذاب في حدود التصوف الإسلامي، بل يحشر الأمر ضمن إطار روحي عام يشمل تقاليد شرقية أخرى. يفسّر عالم الاجتماع الإيطالي ستيفانو آليافي ذلك ضمن "موجة الموضات الروحية" الشرقية التي تجتاح الغرب. فأزمة المعنى التي تعاني منها المسيحية الغربية، والتي خلّفت فتورا وانتقالا للناس من "الاعتقاد والانتماء" إلى "الاعتقاد دون انتماء"، كما عبّرت عن ذلك الدارسة الإنجليزية غرايس دافييه، قد ولّدت بحثا عن الرّوحي في مختلف التجارب الدّينية، في البوذية والطاوية والحاسيدية اليهودية والنيو آيج (العصر الجديد) والنحل المسيحية البنتكوستالية، مع ميل واضح نحو التقاليد الباطنية. وفي ذلك المسعى لا تغري الغربي المؤسّسة الدّينية المغايرة بهيكلها الصارم، بل جانبا معينا من إرثها الديني، يجد معه المرء انسجاما، وقد تتقلص منه أحيانا مراعاة الطقوس، ليصوغ السالك بشكل ذاتي دربَه في حِلّ من ضوابط المؤسسة أو التقليد الديني الصارم.

فقد صار السالك نحو تجربة جديدة يرسم صِلاته بمخزون الآخر الروحي ضمن منطق وجْدي ذوقي، متخفّف من مستلزمات الانتماء. يصف فريدريك لونوار ذلك الكلف الروحي في بحث بعنوان "الروحانيات الشرقية في الغرب" ضمن "موسوعة الأديان" (1997، ص: 2383): "الطرق الصوفية أساسا هي ما يجذب الغربي، وأشهرها حركة الدرويش الدوّار برقصته الفاتنة الذائعة الصّيت، وهو ما يفضي بالمريد إلى بلوغ الوجد الرّوحي. حيث تعرض تلك الطرق نفسها سبيلا أصيلا يعبّر عن روح الإسلام. فتعاليم الصّوفية تجذب الغربيين بفعل خاصيات ثلاث: سَهرُ معلّمين روحيين عارفين على تبليغها، عدم إهمالها حركات الجسد المشفوعة بالترانيم الروحية، تجمعاتها المتحمّسة والنشيطة".

وبالتالي ترافقت موجة الانجذاب للتقاليد الروحية مع هدوء نسبي في دراسات الإسلام الحديثة، تراجعت منها تلك النظرة المتوترة والعصابية التي غالبا ما تحكمت بمقاربة الدارس الغربي لقضايا الإسلام. ولكن الجلي في المنظور الغربي أن الطُّرق الصوفية في بلاد الإسلام غالبا ما تمّ عرضها ضمن مقاربة الأقليات الدينية التي تبقى عرضة للتضييق والاضطهاد من قِبل الأغلبية، التي يمثلها التيار السني تيار الأكثرية.

في القسم الثالث من الكتاب يرصد ليتشيزي بقاء التصوف المدخل الأكثر إغراء للآخر الغربي، بما انعكس على تطور نسيج من الجمعيات الصوفية تجد في السكينة الروحية وفي الترانيم الروحية وفي المنزع الباطني عناصر جاذبة. ونظرا لطابع التخوم العقائدية الرّخو داخل هذه التجمعات، يجد المنضوي ألفة مع العائلة الجديدة ومحافَظة على إرثه السالف. هذه المزاوجة بين هويتين، سالفة وراهنة، تجعل "المهتدي الغربي" عبر هذه الطرق أقرب إلى التديّن المنفتح الذي تتقلّص منه الحدود الفاصلة. فعادة ما يدخل المهتدون الإسلام عبر الطريقة الصوفية وليس العكس، ما يجعلهم يحتفظون بضيق الرؤية وقلّة منهم من تهجر ذلك المدخل الأوّلي. ولعل الملاحظ مع هؤلاء أن قليلا منهم من يرتاد المصلّيات في الغرب، هذا إن لم نتحدث عن فتور مفهوم الانضباط الشعائري بينهم.

صحيح أن الصوفي ابن عربي بمقولاته الفاتنة يثير إغراء كبيرا بين شرائح غربية مثقفة تلج باب التصوف، ولكن يبقى تأثير الفرنسي رينيه غينو (1886-1951م) لافتا أيضا في أوساط المحافل الصوفية الغربية. فغينو من ذلك الصنف الآسر، لا سيما في أوساط المولَعين بالمدخل الرمزي والباطني الذي يلحّ عليه. فنهجه يُعدّ مؤثرا في المجال بما تخلّله من تجوال بين تقاليد روحية كونية، تراوحت بين المسيحية والهندوسية والطاوية والبوذية وغيرها، إلى أن انتهى به المطاف عند التقليد الروحي الإسلامي الذي وجد فيه ضالته (ص: 187).

في القسم الرابع والأخير، يبرز مؤلَّف ليتشيزي بقاء روح التصوف مستشرية في أرجاء العالم الإسلامي وغير متأثّرة بتسرب مظاهر الحداثة، ولعلّ تلك الروح تكشف عن قدرة التصوف على التعايش مع مستجدات الحياة رغم التطورات الهائلة التي مسّت أنماط العيش. وفي تتبع مسارات الطرق الصوفية عبر مختلف الأوضاع السياسية والاجتماعية، يبيّنُ الكتاب أن التيار الصوفي ما كان بمنأى عمّا تطفح به الأوساط الاجتماعية من إشكاليات قد تبدو أحيانا بمنأى عن انشغالاته، وإن قاربها التصوّف على نهجه واختار فيها استراتيجيا حوارية مسالمة. فنمط عيش المرابطين في الرباطات في بلاد المغرب، المتميز بالزهد والورع ولعب دور دفاعي عن الثغور بقصد الذود عن دار الإسلام، هو شكل من أشكال المزاوجة بين الروحي والعملي. وبالمثل ما ساد في الفترة الحديثة مع حركة الزوايا في الجزائر أو مع أتباع السنوسية في ليبيا أو مع المهدوية في السودان، هو بالأصل شكل من أشكال المقاومة للاستعمار، هدف للحفاظ على هوية الأمة. لذلك ليس التصوف من المنظور الإسلامي عزلة بالمعنى السلبي أو انزواء عن مشاغل الناس بل هو انخراط هادئ (ص: 230).

يحاول ليتشيزي في هذا القسم إقامة مقارنة بين التصوف الإسلامي ونظيره المسيحي، فيلمّح إلى فروقات مهمة بين التجربتين الروحيتين. صحيح أن ثمة مشتركات من حيث التطلّع إلى الفناء في محبة الله، ولكن الرموز الحاضرة في التصوّفيْن تبدو متباينة أحيانا، ولا شك أن تبني العزوبة والنفور من الزواج في التصوف المسيحي هي مما لم يلق هوى في التصوف الإسلامي، كما أن التقنيات الموظَّفة في التجربتين تتغاير من حيث المغالاة والحدة. ففي تقليد التصوف المسيحي، كما يبرز صاحب الكتاب، نجد إجحافا في اختراع سُبل لإنهاك الجسد: مثل تقليد الرهبان "أكلة النباتات" (boskoi) ممن كانوا يهيمون في الصحارى كالأنعام، أو "الشجريون" الذين اتّخذوا من الأشجار سكنا، ولعل أبرز هؤلاء "العموديون"، الذين تنحدر تسميتهم من العبارة اليونانية (stylos)، أي العمود، فقد كان هؤلاء الرهبان المنعزلون فوق الأعمدة على علو شاهق، غرضهم أن يسلكوا درْب الزهد. وهي ممارسة نشأت في المشرق بمبادرة من القدّيس سمعان الكبير، الذي صعد فوق عمود قرب أنطاكية عام 422م وظل هناك حتى وفاته عام 459. لم تخل تجارب التصوف في الإسلام من الغلوّ والغرابة أيضا، لكن المناخ العام بقي محكوما بميزان "لا رهبانية في الإسلام"، كما أن العزوبة لم تجد قبولا واسعا بين هؤلاء المنقطعين للعبادة، نظرا للحثّ القوي في الإسلام لبناء أسرة وعيش حياة متوازنة. وبالتالي يتعلق الأمر في التجربة الروحية الإسلامية بنوع من التصوف المنغمس في الحياة، وهو ما نجده في النزعات الروحية التي تزاوج بين الشغل المعيشي والمسلك الروحي، دون إفراط ولا تفريط، حتى أن دارسا من الدارسين الغربيين، أليساندرو باوزاني، في مقارنة أبعاد التدين في الشخصية المسلمة والشخصية الغربية المسيحية، يخلص إلى أن المنزع الروحي الشائع في الأوساط الإسلامية هو ما يشكل الأسّ الذي تقوم عليه الشخصية المسلمة، فالتصوف من منظوره "هو عبارة عن سموّ بالإنسان المؤمن بما يجعل الحياة الفردية أو الجماعية مفعمةً بجوّ من الشفافية الروحية" ("الإسلام.. الدين والأخلاق والممارسة السياسية"، ص: 81).

إن تكن مضامين الكتاب تتوجه بالأساس إلى القارئ الغربي، في موضوع على صلة بجانب من جوانب الثقافة الإسلامية، فهي تقدّم أيضا إطلالة عن تطورات الظاهرة الصوفية في الغرب وأهم ملامحها. تضمّن الكتاب جملة من الملاحق فضلا عن فهارس عنيت بالمراجع والأعلام والمصطلحات الصوفية، وهو ما أضفى على الكتاب طابع الدراسة العلمية المتكاملة.

نبذة عن المؤلف: فرانشيسكو ألفونسو ليتشيزي باحث جامعي إيطالي متخصص في التصوف الإسلامي. يدرّس في جامعة الدراسات العالمية بروما. فضلا عن الكتاب الذي نعرضه صدر له مؤخرا بحث آخر بعنوان: "الصوفيون على الإنترنيت.. الطرقية بين العولمة والتراث" (2017).

 

الكتاب: التصوّف الإسلامي.

إعداد: فرانشيسكو ألفونسو ليتشيزي.

الناشر: جاكا بوك (ميلانو) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2020.

عدد الصفحات: 368 ص.

***

عزالدين عناية أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

عدنان حسين احمدصدر عن "مركز باليت للطباعة والنشر" في بغداد كتاب "أوراق فنيّة" للناقد عبدالعليم البنّاء وهو ثمرة جهود متراكمة لعمله في مسارين ثقافيين يُعاضد أحدهما الآخر وهما وظيفته كمسؤول لقسم الإعلام في دائرة السينما والمسرح، وكتاباته النقدية في عدة صحف عراقية آخرها صحيفة "المواطن" التي يعمل فيها مُحررًا ثقافيًا وفنيًا حيث دأب على كتابة عموده الثابت "أوراق فنية" التي أخذت عنوان الكتاب وانتظمت فيه 130 مقالة جمعت بين الأدب والفن والتوثيق لكنها اشتطّت في بعض الحالات لتضمّ المقالة الاقتصادية التي أخلّت برونق العنوان وأفقدته بعض بريقه الأدبي والفني.

يقع الكتاب في ثلاثة فصول طويلة إضافة إلى توطئة الكاتب وتقديم الدكتور عقيل مهدي. يتضمن الفصل الأول 38 مقالة راجع فيها كتبًا وأبحاثًا وأطاريح أدبية ومسرحية وسينمائية وموسيقية كما عرض بعض المجلات التشكيلية والسينمائية، وتوقف عند بعض المعارض الفنيّة، وسأستثني المقالات الاقتصادية الخمس لأنها تقع خارج السياق، وتشذّ عن العنوان الرئيس بوصفه عتبة نصية تفضي بالقارئ إلى استطرادات بعيدة عن ثيمة الكتاب وعموده الفقري. 

لا يمكن التوقف أو حتى مجرد المرور العابر على مقالات الفصل الأول لكنني سأنتقي الكتب النوعية المختلفة وأولها "الرهان على الزمان" لمحسن العزاوي لأنه سيرة ذاتية مكتوبة بطريقة مغايرة أخذت شكل النص المسرحي المقسّم إلى فصول ومَشاهد كتلك التي أخرجها وتماهى بها. وبغض النظر عن التقديم والتأخير في الوقائع والأحداث إلاّ أن هذه السيرة تُحيط قارئها علمًا بعدد المسرحيات المحلية والعربية والعالمية التي أخرجها حتى الآن وبلغت 65 مسرحية، كما تضعنا السيرة أمام تجربته الإخراجية التي دفعت العديد من روّاد المسرح لأن يتأملوا في رؤيته الفنية، ويكتبوا عنها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. تحتشد هذه السيرة بمعلومات كثيرة تبدأ بالعائلة وسنوات الدراسة، وتمرّ بأبرز معالم مدينة الناصرية وشواخصها الثقافية والحضارية.

ينفرد نصير شمّة في أطروحته المميزة  "الأسلوبية موسيقيًا" التي نال عنها درجة الماجستير من الجامعة العربية المفتوحة في شمالي أميركا حيث تناول بطريقة علمية ممنهجة محاور عديدة من بينها الأسلوب والأسلوبية، والتناص، والبوليفونية، وفواصل الصمت الموسيقية، ومركزية اللحن في الموسيقى وما إلى ذلك ولفت انتباه لجنة المناقشة التي ارتأت بأنّ هذه الأطروحة تستحق الدكتوراة لكن الدكتورة إيناس عبد الدائم رأت أنّ ما يستحقة شمّة هو أكبر من المستندات والدرجات الجامعية.

يلفت عبدالعليم البناء انتباهنا إلى مجموعة شعرية مهمة جدًا تحمل عنوان "نجوى وألم" للشاعر حسّون البحراني وهو شاعر مطبوع، وقاصٌ مجدِّد، ومَقالي محترف سجّل قصب السبق في كتابة "شعر التفعيلة" وقد سبق السيّاب في قصيدته "هل كان حُبًا؟" في ريادة الشعر الحرّ حسبما ذكر د. علي حسون السنيد في مقالة منشورة في موقع المنتدى حيث أشار بالدليل القاطع إلى أنّ البحراني قد سبقهما بنحو عامين حين كتب قصيدة "الريف الكئيب" 1945 ونُشرت في دورية "شعراء النجف، ثم أُعيد نشرها في جريدة "السياسة البغدادية" عام 1954، كما وجدت طريقها إلى ديوان "نجوى وألم" الذي ضمّ 54 قصيدة سلسة تستحق البحث والدراسة التي قد تعيد النظر في مسألة الريادة الشعرية الحديثة التي شغلت الناس.

يتضمّن الفصل الثاني 44 مقالة كتبها عبدالعليم البنّاء عن أبرز الأدباء، والشعراء، والنقّاد، والصحفيين، والفنانين، والملحنين، والموسيقيين، والمُخرجين المسرحيين، والمعماريين وبقية المشتغلين في بقية الأجناس الأدبية والعلمية. ولو تأملنا مقالات هذا الفصل لوجدناها مادة كتاب منفرد يرصد المبدعين العراقيين الذين يتساقطون تباعًا في أرض الوطن وفي المنافي البعيدة التي هربوا إليها بحثًا عن الحرية والعيش الكريم. ويكفي أن نشير إلى بعض الفنانين والمخرجين المسرحيين الذين غادرونا في الداخل وتركوا غصّة كبيرة في النفوس أمثال اسعد عبدالرزاق، يوسف العاني، سامي عبدالحميد، طه سالم، عبدالمرسل الزيدي، فاضل خليل، شفيق المهدي، أمل طه، راكان دبدوب، عمو نوئيل رسام، محمد جواد أموري وغيرهم، أما الذين غادرونا في المنافي فهم كُثر ولا يتسع المجال لذكرهم جميعًا من بينهم خليل شوقي، ناهدة الرمّاح، مكي البدري، منتهى محمد رحيم، زها حديد، نزيهة رشيد، كارلو هارتيون، فؤاد سالم، محمد الجزائري، فوزي كريم، محمد شاكر السبع وآخرين تساقطوا من شجرة الإبداع العراقية. ولعل من الغريب أن يموت الموسيقار طارق حسون فريد جرّاء انفجار قنينة غاز في منزلة ثم يتعرّض إلى أزمة قلبية، أو يموت الشاعر ابراهيم الخياط نتيجة حادث سير بعد أن استشهدت زوجته في حادث إرهابي! يُنبهنا الناقد والصحفي عبدالعليم البناء في أثناء حديثه عن الفنانة ناهدة الرماح بأنها سجّلت مذكراتها على عدد من الأشرطة التي قالت عنها:"لو خرجت هذه المذكرات إلى النور فلن تكون مذكرات فنية حسب، بل تاريخ الحركة الفنية والسياسية في العراق". تُرى، مامصير هذه الأشرطة، ومتى نقرأها مدوّنة في كتاب؟

يضمّ الفصل الثالث والأخير 47 مقالة كرّسها المؤلف للمبادرات الثقافية والمجتمعية التي تهدف إلى تطوير ساحات بغداد، وترميم بعض المناطق التاريخية، وتأهيل النُصب، والتماثيل، وأزقة بغداد القديمة. ثمة مقالات مهمة جدًا في هذا الفصل مثل "الطريق إلى هوليوود" وهو فيلم وثائقي إنجليزي عن المخرج محمد شكري جميل وهي سابقة فنية لم يعرفها المشهد السينمائي العراقي من قبل. وفي السياق الوثائقي ذاته أنجز المخرج حميد حدّاد فيلمًا وثائقيًا جميلاً بعنوان "برج بابل" يناقش فيه فكرة "تبلبل الألسن" للجيل الثاني من المهاجرين العراقيين في المنافي العالمية إذ تبلبلت ألسنة الصغار بلغات عالمية جديدة بينما  بينما تقوقع الكبار بعزلتهم الأبدية التي تجترّ الماضي وتعيش على ذكرياته البعيدة التي أخذت تنأى كلما بعُدت المسافة واشتطّ المزار.

لم يكن فوز شريط "شارع حيفا" للمخرج العراقي مهنّد حيال بجائزة أفضل فيلم في الدورة 24 لمهرجان بوسان السينمائي عام 2019 حدثًا عابرًا في تاريخ السينما العراقية، فلقد استطاع مهنّد، القادم من الناصرية أن يصنع "تُحفة من نوع ما" تتآزر فيها القصة المحبوكة، بجمال التصوير، وقوة الأداء المُعبّر الذي يحشر متلقّيه في الأجواء المتوترة للقصة السينمائية، وهذا ما دفع المخرج الإيراني المعروف محسن مخملباف لأن يعلّق قائلاً:" إن "شارع حيفا" فيلم عراقي نادر ومختلف وشجاع، مصنوع بطريقة ذكيّة، شعرت وأنا اشاهده أنني كنت داخل شارع حيفا في بغداد 2006 والموت يحيط بي من كل مكان، وهو واحد من الأفلام المهمة التي أنصح بمشاهدتها". وهذه شهادة صريحة تُحمّل صانع الفيلم مسؤولية كبيرة في قادم الأيام.

لا يسع المجال في هذه المراجعة النقدية إلاّ أن أتوقف بشكل سريع عند مقال "ليس كل ما يُقال في "المقهى" ثرثرة" من تأليف وإخراج الفنان تحرير الأسدي الذي نجح في محاكاة الواقع بكل مرارته، واستنفر الهواجس الكامنة لدى المتلقي العراقي. وفي السياق ذاته يمكن الإشارة إلى مسرحية "سالوفة" للمخرج حسين علي هارف التي يرتدي فيها الفنان المخضرم سامي قفطان حُلّةً جديدة لقصخون أيام زمان ويتخذ من أرائك مقهى "رضا علوان" بالكرّادة متكأً لقصصه وحكاياته التي تلامس هموم الناس وأوجاعهم.

يمكن القول بأن "أوراق فنية" كتاب نقدي توثيقي يرصد المَشهدين الثقافي والفني خلال العقدين الأخيرين.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

محمود محمد عليلا شك في أن الإسلام والحداثة عنوانا حمل صراعا استمر طيلة قرن من الزمن ؛ حيث أفضى الصراع والتفاعل بين الدين وتأويلاته وبين الحداثة وتجلّياتها العلمانية والسياسية والعلمية (كما قال صلاح سالم في كتابه جدل الدين والحداثة)، إلى موجات متلاحقة من المغالاة والتطرف المستند إلى أسس فلسفية ومادية معادية للدين وداعية إلى انزوائه وإنهاء سيطرته على حياة البشر، فيما وجد التطرف الديني طريقه لاستعادة «مركزية المقدس» عبر الإرهاب والممارسات الإجرامية باسم "المقدس".

ولما كان الدين بطبيعة الحال هو الإسلام بموجب قوله سبحانه " إن الدين عند الله الإسلام"، والحداثة هي التحول الذي نقل المجتمعات الغربية من طور الظلام والتخلف إلي طور الحضارة الغربية التي نعيش سطوتها في هذا العصر، والذي يزعم البعض أنها لم تعد حضارة غربية بل كونية لكل البشر وفي كل زمانا ومكان باعتبارها نهاية التاريخ كما يري فوكوياما لأنها تشكل خلاصات لتجارب البشر وخبراتهم والمتمثلة في العلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني إلي آخر تلك المنتجات الغربية، وفي المقابل لدينا نحن المسلمين إرث حضاري كبير يمثل الدين نقطة ارتكازه بكل ما يحمله من قيم وتشريعات وتصورات عن الكون والحياة وهنا يقع الصدام بين حضارة راهنة نعيشها بكل تفاصيلها أو نستفيد من كل منتجاتها وبين إرث حضاري ضاغط علي آذاننا وتفكيرنا وآمالنا، كيف نتصرف؟ وماذا نفعل؟ ومن أين نبدأ؟ هل نستسلم أمام الحداثة الغربية المعاصرة نعتبرها النموذج الذي نسير في ظلاله؟ أم ندافع ونقاوم الحداثة ونعلي من شأن هويتنا وخصوصيتنا؟ أم نحاول الدمج والتوفيق؟ أو التلفيق بين الحداثة الغربية والمشروع الإسلامي الفكري أو الحركي المعاصر؟ هل يمكن استيعاب الحداثة كجزء من المنجز الحداثي الغربي داخل نموذجنا الحضاري العربي والإسلامي . موضوعنا هو علاقة الدين أي الإسلام بالحداثة التي هي خلاصة التجربة الغربية في مختلف المجالات ويمكن توضيح كلامنا بتمعن علي النحو التالي :

الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وصوم رمضان وإيتاء الزكاة وحج البيت والانحياز الكامل لما بعد ذلك كله من روئ وتصورات وأحكام، أما الحداثة فهي مصطلح يشير إلي جملة التحولات العميقة التي مر بها المجتمع الغربي فنقلته من عصر قديم إلي آخر يختلف عن سابقه في كل شئ . بدأ الإسلام مع بعثة النبي محمد صلي الله عليه وسلم وتشكلت مفاهيمه وأنظمته السياسية والمعرفية علي امتداد خمسة قرون تالية قبل أن تتوقف حركة الابداع والاجتهاد وتصبح استثناءا تاريخيا بكُتابِ أو مفكر  فالإسلام الذي نحياه الآن هو الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة العظام حتي القرن الخامس الهجري . أما الحداثة فقد شرع المجتمع الغربي في التأسيس لها ابتداءا من القرن السادس عشر الميلادي وقد استطاعت الحضارة الغربية في غياب المنافس أن تخلق زمانها الخاص كما استطاعت أن تعمم نموذجها الثقافي والحضاري ما شكل تحيات حقيقية للشخصية العربية علي كافة الأصعدة والمستويات وليجد العربي نفسه منحصرا بأسئلة زمانه وعليه أن يجيب . واجه البعض المأزق الحداثي بالعداء الكامل لكل ما هو حديث وعصري ومحاولة تجريحه بالإسلام تارة وباستخدام المفاهيم النقدية الغربية تارة أخري، فضلا عن وسمه في الخطاب المحافظ بالفكر الدخيل والمستورد وثقافة المحتل أو الغرب الكافر، والبعض الآخر لتبع مسلكا تبريريا بالتوفيق بين العلم والدين وفق فهمه القديم تارة بإسقاط مفاهيم الحداثة الغربية علي مصطلحات الفقهاء وتارة أخري بالبحث في تاريخ المسلمين وتراثهم عن أصول للحداثة الغربية ونسبتها إلينا، فالمنجزات العلمية مذكورة في القرآن والعقلانية الغربية استجابة للأمر الإلهي بالتعقل والتفكر والديمقراطية هي هدي النبي صلي الله وعليه وسلم وخلفائه الراشدين المهديين من بعده واسمها الأصلي الشوري . أما المواطنة فهي مجرد صياغة عصرانية لعقد الذمة – كل ما استحدثه الغرب من أنظمة ما هي إلا بضاعتنا ردت إلينا . كانت مأساة تبرير العقل المسلم لاغترابه عن واقعه أكبر من مأساة الاغتراب نفسه وهو ما دفع تيارا ثالثا أن يتجاوز أسلمة الحداثة إلي محاولة تحديث الإسلام وذلك بالتفريق بين الوحي الإلهي والفهم البشري القديم ومحاولة استثمار ممكنات اللغة القرآنية وإمكاناتها التأويلية الضخمة في إنتاج قراءة جديدة وبعقل جديد وفي زمنا جديد، محاولات فردية لا ينظمها رابط ولا تتبناها مؤسسة أو دولة أخفقت مرارا في الوصول للجماهير، ولم تزل إلي اليوم محل اتهام وتخوينا من أصحاب القراءات القديمة ومؤسساتهم الرسمية وهنا يكمن جوهر المشكل بين التقليد والحداثة، ميت دون تصريح دفن، وحي دون شهادة ميلاد .

ولمعالجة هذه القضية الشائكة للإسلام والحداثة يبدأ الكاتب صلاح سالم كتابه "جدل الدين والحداثة" بسؤال هو: هل الدين متواجد في عصرنا الحالي في العالم الغربي والعالم العربي؟ ويجيب أن حضور الدين أو غيابه مرتبط بمدى قدرته على تكريس روحانية مؤمنة ينمو معها الشعور بالتواصل مع المقدس على نحو يكفل طمأنينة للنفس وتسامياً على الغرائز وتناغماً مع المبادئ الأساسية للوجود. وهكذا تنمو العوالم الداخلية للإنسان إذا ارتبط المؤمن رأسياً بعالم الغيب على نحو يذكره بمآله ومصيره ويستخرج منه أنبل ما فيه كالضمير الأخلاقي، المريد للخير والرافض للشر، المدفوع إلى الحق والرافض للظلم. كما يرتبط أفقياً بعالم الشهادة، حيث البشر الآخرون، ربطاً يقوم على المحبة والتراحم ويناهض القسوة والعنف.

يقول الكاتب إنه في عالم اليوم غابت الروحانية مرة بفعل التطرف الوضعي النازع إلى فصم عرى العلاقة بين الله والإنسان بالإفراط في المركزية الإنسانية على حساب المركزية الإلهية حيث جرى تقديس العقل وتمجيد الإرادة إلى حد الادعاء بموت الله على مذبح الإنسان (السوبر مان). كما غاب مرة أخرى بفعل الإرهاب العدمي الذى أمعن في القسوة والإيذاء وفي قتل الإنسان على مذبح الله كمسلك عدمي يعكس ردة فعل هوجاء على التطرف الوضعي. وهكذا أخذ الجميع يضلون الطريق إلى الله بفعل العجز عن صوغ علاقة توازنية بين السماء والأرض.

ويعتبر الكاتب كتابه هذا نداء استغاثة يصدر عن المؤلف من سفينة الإنسانية إلى الفريقين الذين أشرفا على الغرق في تطرفاتهما في اتجاه نفي الله أو الإنسان بغية إعادة تأسيس مشروع التنوير الغربي في ذروته النقدية وصيغته الكانطية وحسه الإنساني في عالم القرن الحادي والعشرين.

ويخلص الكاتب إلي أن لكل من الدين والحداثة مفهوم جدلي، فالدين التوحيدي ينطوي على الشرائع الثلاث كل منها يعتبر مرحلة في تطوره. وتنبع وحدة الدين من وحدة المعبود المطلق، فيهوه ليس الرب تماماً والرب ليس الله. فثمة تباين في درجة التنزيه التي تصل إلى الحد الأدنى في المسيحية، مروراً باليهودية، وصولاً إلى الحد الأقصى في الإسلام. والأخير نفسه يبدو جدليا ًإذ يمكن فهمه باعتباره الشريعة الخاصة بالمسلمين وحدهم. كما يمكن فهمه بإعتباره الدين الجامع بين أرباب التوحيد الذين أسلموا وجوههم لله أي معتنقو الدين الإبراهيمي في العموم.

أما الحداثة فيمكن فهمها على وجهين: الأول تعريف بسيط - كما ذهب إليه بودلير – وهو تلك الحساسية الجمالية الجديدة التي ذاعت بين التيارات الأدبية والمذاهب الفنية. والتعريف الثاني جدلي يؤكد امتدادها بطول الحقبة المسماة بالحديثة على تعدد عصورها: عصر النهضة والإصلاح الديني، والثورة الصناعية، ثم التنوير والعلمنة، باعتبارها جميعاً مراحل تصاعدية في التجربة نفسها تحمل قيمها وتمثل منطقها العام ورؤيتها للوجود وتصوراتها الديناميكية عن الكون الذي نعيش فيه.

 

د. محمود محمد علي 

 

 

علجية عيشقراءة وملاحظات في كتاب: الفنّ في حوار الأديان الأزليّ

(أو عندما تتجاوز المخيلة البشرية حدود المنطق أو المعقول)

صدر مؤخرا للكاتب والإعلامي العراقي عبد الرحمن جعفر الكناني

هل يمكن أن نؤسس حوار أديان بواسطة الصورة والرسم؟ في ظلّ الخلافات المحتدمة بين أتباع الديانات السماوية، وبالتالي لن نكون في حاجة إلى موائد مستديرة أو مؤتمرات أومناظرات؟ هذا إذا كان هناك فعلا حوار أديان، أو حوار حضارات أو حوار ثقافات؟، لأنه لا يعقل أن تحاور جماعة لا تقر بعقيدتك، فكيف لك أن تحاورها عن طريق الصورة ، خاصة وقد حكم على حوار الأديان بالفشل ووصفه البعض بمضيعة للوقت، أما تجسيد الإله والأنبياء في صور من طرف فنانين تشكيليين أو رسامين لا نعرف عقيدتهم ولا مذهبهم فهذا يدعوا علماء الدين والمفتين إلى إعادة النظر في هذه الرسومات، بعدما تحولت عند البعض إلى طقوس تمارس بمناسبة وبدون مناسبة، ثم أليست صورة صلب اليسوع عند المسيحيين أو صورة مقتل الحسين بن علي عند الشيعة تدعو إلى الصراع المستمر، حتى لا نقول إلى الإنتقام، أي إلى العنف؟ فما فائدة حوار الأديان إذن؟

هو كتاب صدر مؤخرا للكاتب والإعلامي عبد الرحمن جعفر الكناني عراقي مقيم بالجزائر، يشرح كيف تجتمع الرّوح بالمادّة عن طريق الصّورة حاول من خلالها الفنان أن يجسد الألهة والأنبياء وحتى الصحابة في صورة ويعطيها بعدا روحيا قدسيا ويستمد منها مضامينها الرمزية وهي عادة الفنانين التجريديين لكي يعيش الإنسان الحاي عصرا غير عصره ويبعد عنه بأزمنة طويلة، فالفنان التجريدي خصّ في أعماله الفنية الأسماء التي تحمل صفة القداسة كالأنبياء والرسل وحتى الألهة كما نراه عند المسيحيين، وقد أورد المؤلف صورا مختلفة ومتنوعة تمثلت في رسوم هندسية بأشكال متداخلة وصور أخرى لأشخاص حاول من خلالها أن يقدم تعريفا للفن في عقائد الأديان وكيف ارتقت الرؤية البصرية للفنان إلى تجسيد المضمون المقدس في شكل فنّي رمزي كما يقول هو، الملاحظ أن الكاتب جعفر الكناني حصر هذا النوع من الفنون في جانب الصورة فقط التي تعتمد على الرؤية بالعين المجردة فقط، ولم يتطرق إلى فن "النحت" وما ابدعته أنامل النحاتين المبدعين من تماثيل ، لاسيما وأن فن النحت يجمع بين الصورة كرمز وبين المادة المنحوتة التي يمكن لمسها باليد.

فتجسيد الأسماء كما جاء في الكتاب تمثل في رموز وأيقونات ومنمنمات، ولعل أول الأعمال بدأت برسم صورة آدم وحواء وكيف اكتشفت عوراتهما وهم يأكلان من الشجرة، وقد لعبت المخيلة البشرية دورا هاما في رسم الأيقونة ، وهي تعريب لكلمة يونانية وهي تعني الصورة بأشكال مختلفة وبألأوان مغرية تستقطب المتأمل فيها وتؤثر فيه بل تجعله أسيرا لها خاصة بالنسبة للجماعات الدينية، السؤال الذي يمكن طرحه هنا هو: هل عاش الفنان تلك الفترة ووقف على شكل الأنبياء وتقاسيم وجوههم مثلا، أو بنيتهم الجسدية وماذا كانوا يلبسون؟ حتى لو كان هذا الفنان من خيرة القوم ومن الزعماء الدينيين، والسؤال يطرح نفسه بنفسه ، من أجاز له نقل صورا من مخيلته تعبر عن اسماء لها صفة القداسة، والأيقونة عادة ما تقترنُ بموقفٍ دينيٍّ، ولهذا استلهمت الطوائف الدينية من فن التصوير بمختلف أبعاده صورا تعبر عن أشياء مقدسة ، بحيث لا يمكن الجدل فيها، قد تدعو لعبادتها كما نراه عند المسيحيين وجعلهم عيسى إلها يُعْبَدُ لأنه ابن الله، أو للتبجيل كما نراه عند المسلمين من "الشيعة" الذين رسموا صورة الإمام المقبل، وصورة مقتل علي وابنه الحسين، وكأنهم عاشوا تلك الحقبة وعايشوا أهلها، الهدف طبعا هو إبراز المراحل التاريخية لحياة بعض القديسين.

أمّا "المنمنمة" كونها تصور إسلامي، فهي صورة مزخرفة في مخطوط كما يقول صاحب الكتاب وهي حسبه تختلف عن الأيقونة من الناحية الوظيفية، لكنهما يتقاطعان في مسألة التوحيد الإبراهيمي الذي تنتسب إليه الديانات الثلاث، ما يمكن الإشارة إليه هنا ، هو أن المختصون أعطوا للمنمنمات أسماء عديدة تختلف من مكان لأخر، فالبابليون أطلقوا عليها اسم "كتاب الروح"، وفنانو أثينا سموا الأيقونة بـ: "الكتابة المقدسة"، وإذا وقفنا مع تعريف الأستاذ عبد الرحمن جعفر الكناني نرى أن الأيقونة كفنٌّ لاهوتيٌّ، يؤدي الفنان طقوس الصلاة وهو يرسمها تؤدي وظائف العبادة ، وهنا نتساءل: هل كل فنان هو مؤمن متعبد حتى لو كان النظر إليها يرتقي بظَنٍّ، أي مجرد الظن بالإرتقاء من دنس الحياة الأرضية إلى قدسية الروح في السماء العلا، والظن في مفهومه يعني شيئ ما قد يكون وقد لا يكون.

إن قراءة لهذين المفهومين ( الأيقونة والمنمنمة) تجعلنا نقف على الفرق بينهما، الأولى لها طابع القداسة كما نراه في صورة سيدنا عيسى عليه السلام ومريم العذراء، أو صور الإمام المنتظر عند الشيعة، والثانية لها وظائف دنيوية، وقد قدم صاحب الكتاب عينة بصورة الفنان جيلالي قرين وهو يرسم هلال العيد في طقس يغمره الفرح بقدوم العيد، الملاحظة الثانية التي يمكن أن تتحول إلى سؤال هي أن الأستاذ جعفر الكناني لم يوضح على أي مدرسة اعتمد هذا الفنان منمنمته؟ فهل توجد مدرسة جزائرية في فن المنمنمات نستطيع أن نميزها عن باقي المدارس الأخر ، كالمدرسة البغدادية، التركية، الهندية، الصفوية ( الإيرانية) التي اشتهرت بفنها الإسلامي من خلال التصاميم الزخرفية والهندسية وو الفنية التطبيقية، والملاحظ أيضا أن الأديان تعرف برموزها، وقد تحدث جعفر الكناني عن هذه الرموز (الهلال عند المسلمين، الصليب عند المسيحيين والنجمة السداسية عند اليهود وكذلك الشمعدان)، علما أن النجمة السداسية تعني درع داود و تكتب بالعبرية " ماجين داويد" .

نجمة داوود هل هي يهودية أم إسلامية؟

حسب الكناني فإن النجمة مقدسة عند اليهود وتعتبر من أهم رموز الدين اليهودي، ولو أن هناك دراسات تؤكد أن نجمة داوود إسلامية ، فقد أثبتت الاكتشافات الأثرية فى سيناء أن النجمة السداسية التى اتخذها اليهود شعارًا لهم وأطلقوا عليها نجمة داوود لا علاقة لها باليهود، وأنه لا أثر للنجمة السداسية فى أسفار العهد القديم، وأن النجمة وجدت على طبق من الخزف له بريق معدنى ينتمى إلى العصر الفاطمى لكن اليهود اتخذوها شعارا لهم، ولم تصبح رمزاً لهم بشكل ملموس إلا فى القرن التاسع عشر، المهم أن كل هذه الأشياء هي تعبير جمالي يسعى من خلالها الفنان إلى تقريب الإنسان من دينه في إطار ما يسمى بفلسفة الجمال أو علم الجمال، بحيث يصب الفنان على لوحاته صبغة دينية، ما يلفت للإنتباه أيضا هو أن صاحب الكتاب أراد أن يحذر عامة الناس من بعض السلوكات أو الممارسات، عندما تحدث عن استغلال المشعوذين لهذه الرموز في ممارستهم السحر والشعوذة لإيهام السذج بأن هناك روحا شريرة سكنتهم ووجب إخراجها، وهذا ما دعا ببعض الفقهاء إلى تجنب هذا النوع من الفنون ، خوفا من ان يقود صاحبه إلى الجهل والكفر، فهل راى الفنان مايكل انجلو سيدنا آدم وحواء ليرسمهما في سقيفة سيستين الفاتيكان؟ وهل رأى الرسام غوستاف الشيطان حتى يرسم له تلك الصورة البشعة؟ وهل رأى الشيعة صورة عليّ بن ابي طالب وابنه الحسين حتى يجسدانهما في لوحة فنية ؟ فكل هذه الأمور قفز عليها المخيال البشري من باب النديّة، ثم هل كان هؤلاء في مستوى هذا الجمال أو أكثر، وهل جميعهم كانوا في مستوى جمال سيدنا يوسف عليه السلام كما ورد في القرآن الكريم لدرجة أن السيدة زليخة وقعت في عشقه ونساء الملوك قطعن أيدهنّ لما رأوا جماله ، هل للإنسان العادي حتى لو كان فنانا القدرة على تخيل أشخاص كانوا محاطين بالجاه والقداسة؟

الحقيقة أن الأستاذ جعفر الكناني حاول في كتابه أن يسلط الضوء على إشكالية لم يتطرق إليها الباحثون في دراساتهم، خاصة العلاقة بين هذه الفنون وعلم النفس بالإعتماد على النظرية الفرويدية من جهة وعلم مقارنة الأديان من جهة أخرى، وإذا ما كان رسم هذه الأسماء جائز أم محرمٌ؟، ومن هم الشخاص الذين يحق لهم القيام بهذه الأعمال افبداعية؟ أمّا ما تعلق بالرمزية وكيف انتقلت من الدين إلى الفنّ والأدب وأضحت لها مدارسها، كانت الإنطلاقة حسبه من فرنسا وبلجيكا إلى العالم الأوروبي بداية من عام 1870، وكيف استخدمت الرموز في تجسيد الأفكار والمشاعر، فمن وجهة نظر الكاتب فالفن لا يعرف الصدفة والعفوية كما أنه لا حدود له، فالشكل وتدرجات اللون لها بعد رمزي مستوحى من الكتب المقدسة والأسفار والأساطير وهي تتماثل مع مكونات الطبيعة، فقد وضعت الديانات والكتب المقدسة الرموز فكانت مرجعا للشعوب، فكانت الميثولوجيا (الأسطورة) القاعدة التي بنت عليها البشرية معتقداتها باعتبارها الوحيدة التي تتحكم بمصيرها ومنها يعرف الخير والشر، حتى أصبحت الأسطورة كتابا مقدسا ومرجعا موحدا في إقامة الطقوس الدينية، وهذا يدعو إلى التشكيك في حقيقة هذه الصور لكونها تتنافى مع الدين الإسلامي لأن الله يوم الحساب يقول لهم أحيوا ما خلقتم (فيما معناه) كون الصورة الذهنية نابعة من المخيلة البشرية ومع مرور الوقت أعطيت لها صفة القداسة وأصبح الناس يعبدونها ووضعوها في مصف الألهة، كما أن بعض الرسامين أعطيت لهم صفة القداسة كما نقرأ عن الرسام الروسي أندريه روبليف الذي تحدث عنه صاحب الكتاب.

 وباختصار جدا الكتاب يعد عمل إبداعي تتوحد فيه القداسة بالألوان، حيث قدم جعفر الكناني الفنان الواسطي مؤسس المدرسة البغدادية في العصر العباسي كأنموذج، فقد ترجم الواسطي الصور الذهنية إلى واقع مرئي، كما قدم نموذج للميثولوجيا عند الفنان محمد راسم الجزائري الذي رسم ملحمة تاريخ الإسلام في رسم تزويقي مصغر مجسدا وقائعه منذ نزول الوحي الإلهي المعظم في آية قدسية، كشف فيها عن ولادة حضارة إسلامية ازدهرت فيها العلوم والأداب والفنون، إلا أن الأستاذ جعفر الكناني يرى أن الفضل في إغناء الحركة التشكيلية العالمية وظهور المذاهب الفنية يعود إلى النخبة اليهودية بداية من القرن التاسع عشر، فقد غيرت النخبة اليهودية مسار الفن الجمالي في العالم، فكان الرسامون يتنافسون حول من يقدم أجمل لوحة إبداعية يتباهى بها امام الملوك والحكام ، ليأتي الفاتيكان الذي كاد أن يحتكر الحركة التشكيلية في العالم بعدما خطط مسارها في اتجاه ديني، حيث جذب إليه كبار الفنانين التشكيليين في إيطاليا وألزمهم بمحاكاة قصص الكتاب المقدس، للبحث عن دلائل مادية لما يؤمن به، وقد أراد الفاتيكان بذلك أن يُغَلِّبَ الصورة على النص اللغوي كونه لا يؤدي وظيفة التواصل بين العالم الروحي والعالم المادي كما ينبغي.

 

علجية عيش

 

محمود محمد عليبدأ انتشار اللغة اليونانية في منطقة الشرق الأدنى في أعقاب غزو الإسكندر الأكبر لها، إذ كان دخوله للشرق وما تلاه من تكوين إمبراطورية يونانية في غرب البلاد اليونانية بمثابة نقطة تحول في التاريخ السياسي، والاجتماعي والفكري بها ؛ حيث دبت فيه حياة جديدة من الحضارات المختلفة والتي تتكون منها الحضارة الشرقية عامة، والتأم شملها في وحدة جديدة تحمل طابع الروح اليونانية، وصارت اليونانية لغة الإدارة العليا والمهن، ولغة الرقي الاجتماعي، وأصبح تعليم اللغة اليونانية لغير اليونانيين أول مرة نشاطا واسع الانتشار له أساليبه ومتطلباته. ومنذ ذلك الوقت اشتهرت اللغة اليونانية في البلاد السريانية وأصبحت لها منزلة اللغة الرسمية.

وتشير بعض المصادر إلى أن الترجمات السريانية عن اليونانية ترجع إلى القرن الثاني الميلادي، على أقل تقدير ؛ حيث تبنت الحضارة الرومانية الحقـائق اللغوية التي وصلت إليها الحضارة الإغريقية، ولا عجب فقد تتلمذ الرومان على يد اليونانيين، فنقلوا علوم اللغة اليونانية إلى غيرهم من الأمم، فتعلموا اللغة اليونانية، ونهلوا الكثير من آدابـها، ورغم ذلك فقد أسهمت الحضارة الرومانية ولو بقسط قليل في تطوير الدراسـات اللغوية ؛ وخاصة ما تعلق بالجانبين الدلالي والبلاغي.

كما تشير  مصادر أخرى إلى أن الترجمات السريانية عن اليونانية بدأت منذ أواخر القرن الرابع الميلادي، وكانت ترجمات الكتاب المقدس تحتل مكان الصدارة، تليها شروح العهد الجديد من اليونانية إلى السريانية. وفي القرن السادس نشطت حركة الترجمة واتسع نطاق الأعمال التي نقلها السريان ولا سيما في الفلسفة والطب  ؛ كما اهتم السريان بنقل بعض ما كتب باليونانية في النحو، مثل ترجمة كتاب فن النحو للعالم اليوناني ديونيسيوس ثراكس( 170–  90 ق. م).

وكان ديونيسيوس من تلاميذ مدرسة الإسكندرية التي غلب عليها الفكر الأرسطي والرواقي، ومن ثم استفاد التراث الفلسفي واللغوي السابق، وتأثر بالأفكار الأرسطية والرواقية معا. وقد وصلت أقسام الكلام عند ديونيسيوس إلى ثمانية أقسام، هي: الاسم – الفعل – المشترك – الضمير – الأداة – الحرف – الظرف – الرابط، ورغم أن هذه الأقسام الثمانية كانت معروفة عن أريستارخوس، فإنها لم تظهر فى مؤلف نحوي منظم إلا عند ديونيسيوس، ولهذا يعد ديونيسيوس أول نحوي يضع كتابًا متخصصا في النحو يصف فيه قواعد اللغة اليونانية بهذا الشكل.

وتؤكد معظم الدراسات التي تناولت تطور اللغة السريانية ونحوها أهمية ترجمة كتاب "فن النحو" الذي وضعه ثراكس؛ إذ ينظر إليها على أنها كانت بمثابة عمل تأسيسي في قواعد اللغة السريانية. ويعد كتاب ديونيسيوس ثراكس، أول عمل نحوي منظم وضع في اللغة اليونانية ؛ حيث يقدم فيه المؤلف تعريفه للقواعد، ودور الدراسات اللغوية ككل، والهدف من إجراء مثل هذه الدراسات.

وتشير المصادر اليونانية المختلفة إلى أهمية كتاب ديونيسيوس أن هذا الكتاب كان بمثابة حجر الأساس للدراسات النحوية في العصر الروماني، ثم في العصور اللاحقة؛ حيث راح النحاة الرومان مثل "فارو "، و"بريشيان"، و" أبوللونيوس يسكولوس" و"سكستوس أمبريكوس" وغيرهم يسيرون على نهجه، وكان النواة الحقيقية لأعمالهم. وقد احتفظت الكتابات النحوية في العصور الوسطي والعصر الحديث بالوصف الذي وضعه "ديونيسيوس" لدور القواعد ودور الدراسات اللغوية ككل، وللهدف من إجراء مثل هذه الدراسات. وقد ظل هذا التعريف مقبولا دون اعتراض في الأعمال النحوية المتأخرة لليونانية واللاتينية. كما ترك هذا التعريف أثرا كبيرا على التوجه العملي للدراسات اللغوية في أوروبا.

ويقع كتاب فن النحو في حوالي خمس عشرة صفحة، ويقدم فيه الكاتب وصفًا موجزًا لبنية اللغة اليونانية، يبدأ بتعريف الدراسات النحوية، كما يراها النحاة السكندريون، فيقول إن:" القواعد هي المعرفة العملية باستعمالات كتاب الشعر،والنثر للألفاظ، وهي تشتمل على ستة عناصر: الأول:القراءة الصحيحة مع مراعاة الأوزان العروضية، والثاني: تفسير التعابير الأدبية في المؤلفات، والثالث: تقديم الملاحظات حول أسلوب ومادة الموضوع، والرابع: اكتشاف أصول الكلمات، والخامس: استنباط القواعد القياسية، والسادس: تقدير قيمة الـتأليف الأدبي. ثم ينتقل الكاتب إلى الحديث بشكل موجز عن النبرات، والتنقيط، والحروف، والمقاطع، وقد حظي العنصر الخامس، الخاص باستنباط القواعد، بالاهتمام الأكبر من المؤلف، إذ إنه يتناول القضايا الأساسية للنحو، ولذلك يفرد له عرضًا أكثر تفصلًا عن سواه من العناصر، وهذا هو الجزء الذي نقل إلى اللغة السريانية.

ويحدد "ديونيسيوس" وحدتين أساسيتين للوصف، أولاهما: الكلمة وهي أصغر جزء في تركيب الجملة، ثانيتهما: الجملة وهي حد مركب من الكلمات التي تعبر عن معنى تام. ثم يذكر أن أقسام الكلام ثمانية، ويعرف كل قسم منها علي النحو التالي:-

1- الاسم وهو قسم من أقسام الكلام، يتصرف حسب الحالة، ويدل على شيء مادي أو مجرد ومحسوس. وهو يقصد بالمادي اسم الذات والمحسوس وهو اسم الذات أو المصدر. كما يقسم الاسم إلى اسم عام وآخر خاص، فالمقصود بالاسم العام هو اسم الجنس والاسم الخاص هو اسم العلم، ومن ناحية أخرى فهو يقسم الاسم العام إلى اسم عام وآخر غير عام، وهو يقصد بالاسم العام الاسم الذي يأتي مرة مذكرا ومرة مؤنثا ولكن يغلب عليه صفة التذكير. والاسم غير العام هو الاسم الذي يأتي مؤنثا فقط وليس له مذكر، أو يأتي مذكرا فقط وليس له مؤنث.

2- الفعل وهو قسم لا يتصرف حسب الحالة، بل حسب الزمن، والشخص، والعدد، ويدل علي حدث.

3- المشترك، وهو قسم يشترك في ملامح الاسم والفعل، ويتصرف كما الاسم والفعل وهو يقصد به أسماء الفاعل والمفعول.

4- الأداة: وهي قسم من أقسام الكلام يتصرف أيضا حسب الحالة وتسبق الاسم في الوضع أو تليه (50).

5- الضمير: فهو كلمة تحل محل الاسم، ويتميز بالإشارة إلى الشخص.

6- حروف الجر: وتقع قبل كلمات أخرى في تركيب الجملة.

7- الظرف: وهو قسم قسم مرتبط بالفعل.

8- الروابط: وهي تربط بين معاني الكلام المتناثر وتعمل علي شرحه وتفسيره.

يتبع المؤلف كل قسم من هذه الأقسام ببيان للخواص الصرفية والاشتقاقية التي تنطبق عليه، ويطلق عليها اسم " الخصائص". فالاسم يصرف حسب خاصية الجنس من حيث المذكر، والمؤنث والمحايد. وخاصية النوع من حيث أنه اسم أصلي مثل الأرض، أو اسم مشتق مثل الأرضي، وهو يقصد بالاسم الأصلي أصل الاسم دون أن يدخل عليه أية تغييرات، والمشتق هو كل اسم يلحقه تغييرات، أو علامة من علامات النسب، أو التصغير، أو المقارنة، أو التفضيل،أو الاشتقاق. وخاصية الشكل من حيث إنه اسم بسيط أو مركب. وخاصية العدد من حيث هو الإفراد والجمع والتثنية. وخاصية الحالة من حيث حالات الفاعل والمفعول والنداء والإضافة والمفعول غير المباشر (القابل). ويعرض المؤلف أنواع الاسم مثل اسم العلم، واسم الذات، والاسم المترادف، والاسم المزدوج، والاسم المتجانس، واسم الإشارة، واسم الاستفهام، واسم الجمع، واسم الفاعل، واسم العدد، وغيرها، ويعرف كل منها مع تقديم أمثلة لتوضيح مقصده.

وبالمثل، يصرف الفعل حسب " الصيغة "، مثل الصيغة الخبرية، والصيغة المصدرية، وصيغة الأمر، وصيغة الطلب، وصيغة التمني. وخاصية " البناء للمعلوم أو المجهول"، وخاصية " النوع"، من حيث إنه أصلي، أو مشتق، وخاصية " الشكل "، من حيث إنه بسيط أو مركب، أو أكثر من مركب. وخاصية العدد، من حيث الإفراد والجمع والتثنية، وخاصية " الشخص"، من حيث إنه يدل علي المتكلم أو المخاطب أو الغائب. وخاصية " الزمن " من حيث إنه مضارع أو ماضي أو مستقبل. ويحدد المؤلف أربع صيغ للفعل الماضي، وهي المتناقض، والتام (البعيد)، والتام (القريب)، والبسيط. وخاصية " التصرف".  أما الأداة فتصرف حسب خصائص " الجنس"، و" العدد "، و" الحالة" فقط، بينما تصرف الضمائر حسب خصائص " "الجنس " ، و" العدد"، و" الشخص"، و" النوع "، و" الحالة"، و"الشخص"، و"الصيغة".

وينتقل المؤلف إلى الحديث عن الحروف، فيذكر أنها ثمانية عشر حرفًا، ستة منها بسيطة أي تتكون من مقطع واحد، واثنا عشر حرفًا مركبًا؛ أي تتكون من مقطعين. وفيما يتعلق بالظروف، يذكر المؤلف أنها غير معربة، ولكنها تتبع الفعل، ومنها البسيط والمركب. ويهتم المؤلف بالمعاني المختلفة التي تدل عليها الظروف، فيعرض له ستة وعشرين معني، مثل دلالتها علي الزمان، والمكان، والكم، والعدد وما إلى ذلك، ويسوق أمثلة توضح هذه المعاني والفروق فيما بينها. ويقسم الروابط إلي سبعة أقسام، يؤدي كل منها وظيفة دلالية خاصة في الجملة، مثل أدوات الربط، والفصل، والسببية، والنتيجة، وأدوات التحسين، وغيرها. ويقدم أمثلة توضيحية لكل من هذه الأقسام.

وقد  قام "يوسف الأهوازي"، أستاذ مدرسة نصيبين (المتوفي 580م)، بترجمة كتاب " فن النحو " لديونيسيوس ثراكس  إلى اللغة السريانية، ومن الواضح أن ترجمة الأهوازي لكتاب "ديونيسيوس" إلى اللغة السريانية كان الغرض منها أن يجعل النص فى متناول القراء السريان الذين لا تتوافر لديهم المعرفة الكافية بالخلفية الفكرية التي استند إليها "ديونيسيوس"، بالإضافة إلى الاستفادة من وضع قواعد للنحو السرياني، وهو الأمر الذي كان السريان فى ذلك العصر فى أمس الحاجة إليه.

وأشارت الدكتورة "زاكية رشدي" في كتابها "نشأة النحو عند السريان وتاريخ نحاتهم"،  إلي أن:"يوسف الأهوازي"  أستاذ مدرسة نصيبين يعد صاحب أقدم مؤلف سرياني عُرف فى النحو".

وقد وُجدت نسخة من مؤلف "ديونيسيوس"، الذي ترجمه "الأهوازي" ملحقة بأحد كتب "سرجيوس الرأس عيني (ت:536م) "، الذي ألف "مقالا فلسفيا في أجزاء الكلام". وهو ما يؤكد أيضًا تأثره بالمعطيات الفلسفية اليونانية، وبخاصة عن طريق مدرسة الإسكندرية التي تلقن "سرجيوس"، فيها العلم. كما أن أشهر علماء النحو السرياني: يعقوب الرهاوي (ت: 708م) اعتمد على أشهر النحاة اليونان: ثراكس وثيودوسيوس.

وتذكر أكثر المصادر أن كتاب يعقوب الرهاوي (المتوفي 708م) صاحب كتاب "غراماطيقي"، هو أول مؤلف فى النحو السرياني، وقد استعمله السريان كثيرا في التدريس، وقد عده السريان أول كتاب فى النحو لديهم،إلا أنه قد ضاع،ولم يبق منه سوى شذرات، ورآه " مار يعقوب " واضع علم النحو السرياني  وصاحب أول مؤلف نحوي  منظم.

كانت اللغة السريانية حتى أواخر القرن السابع للميلاد تُكتب دون تشكيل، ثم استعمل السريان حروف العلة الثلاثة: الألف، والواو، والياء، كحركات لضبط اللفظ، ولكن هذه الطريقة كثيرًا ما تربك القارئ حيث لا يميز فيما إذا كانت الحروف قد استعملت في الكلمة، كحركة أم حرف. أما التنقيط فقد استعمل قبل القرن السابع كتشكيل للكلمات، ولـ "يعقوب الرهاوي" رسالة في ذلك يوضح فيها طريقة وضع النقط تحت الحرف، أو فوقه، ضبطًا للمعاني، وتمييزًا بين المرادفات وما إليها. ولعل السريان الغربيين هم الذين استنبطوا طريقة التنقيط لأنها لا تشتمل على الشدة المستعملة في لهجة السريان الشرقيين، ولا يزال السريان الغربيون يستعملون أحيانا طريقة التنقيط القديمة، وهي الطريقة الوحيدة في ضبط اللغة لدى السريان الشرقيين.

وقد استنبط "يعقوب  الرهاوي" علامات الحركات آخذا بعضها عن اليونانية التي كان يجيدها ؛ حيث إنه رأى أن جميع أصوات الصوائت السريانية كما ينطقها الرهاويون يمكن أن تمثلها حروف يونانية، وكطريقة للإشارة يمكن أن تكون أكثر وضوحًا للقارئ من مجموعة النقط الصغيرة، فأخذ من اليونانية حرف الألف وجعله للفتح، والهاء للكسر، والعين مع الواو للضم، والحاء للكسر المشبع، والعين وحدها للضم الممال إلى الفتح، وجعل صورة هذه الحروف اليونانية صغيرة. وكان أسلوبه في تشكيل الكلمات كتابة الحركات (الحروف الصوائت) مع الحروف الصوامت على السطر، ولم يكتب لهذه الطريقة الـبقاء  طويلا، وتطورت  بعدئذ  فوضعت الصوائت، كعلامات صغيرة فوق الحروف، أو تحتها. كما أن السريان الغربيين لم يتركوا طريقة التنقيط، بل سارت الطريقتان جنبًا إلى جنب أجيالا عديدة، ثم فضلت الحركات لوضوحها وسهولتها، فاستعاض السريان بها عن التنقيط.

وإذا كنا قد قلنا من قبل إن النحو السرياني قام معتمدًا على النحو اليوناني، فإن من المهم هنا أن نشير إلى أن هذا النحو اليوناني، قد استمد من تراثه المنطقي والفلسفي كثيرًا من الأسس الفكرية التي شكلت خلفية معالجاته لقضايا النحو واللغة. ولقد أكد ثراكس – في تقسيمه السداسي لوظائف النحو، كما يذكر "روبنز"على وظيفة استنباط النظام القياسي في اللغة، هذه الوظيفة أصبحت الوظيفة الأساسية للنحو".

في هذا السياق التاريخي إذن نستطيع أن ننظر إلى جهود نحاة العرب لنبرز أنه قد كانت الثقافة العربية في علاقة تفاعل مع الثقافة المنطقية اليونانية، والسريانية، منذ أمد بعيد قِبل هؤلاء النحاة، وبين أيديهم.والدليل على ذلك هو تشابه اللغتين السريانية والعربية واضح في بناء الجمل، وفي دلالة الألفاظ، وفي الضمائر، والأعداد، وغيرها، مثل تقسيم الكلمة إلي ثلاثة أقسام هي: الاسم، والفعل، والحرف، ومثل المركب المزجي الذي كان يطلق عليه السريان: Eskima، Merakabe، ووجود مصطلح التصغير الدال علي التقليل في النحو السرياني والنحو العربي بعد سيبويه، والتصرف مصطلح عند السريان يقصدون به تصريف الفعل مع الضمائر ويسمونه: Surafa بمعني فرع أو غصن. والعطف عندهم ويسمي عندهم eTufya، أي العطف، والفتح يسمي عند السريان Petaha أي الفتح، وكذلك مصطلحات اسم الفاعل، واسم المفعول، واسم المرة، واسم النوع، واسم الزمان، والمكان.

وهذا التشابه الواضح بين اللغتين يجعلنا نقول: إن اللغة العربية، واللغة السريانية من فصيلة واحدة، إن لم تكن إحداهما هي الأصل والأخري فرع منها، وقد وجدت صلات طيبة بين العرب والسريان قبل الإسلام وتوثقت هذه الصلات بعد الإسلام، فاتخذ منهم الأمراء العرب الكتاب في الدواوين والأطباء واستعانوا بهم فيما بعد في الترجمة والنقل حتي استهر منهم في العصر العباسي عدد غير قليل لعل من أبرزهم: حنين بن إسحق.

وقد دعا النبي صلي الله عليه وسلم أصحابه إلى تعلم اللغات الأجنبية في أكثر من مناسبة، وقد حث زيد بن ثابت على تعلم السريانية ؛ فقد جاء في الأثر أن زيدا بن ثابت قال: قال لي النبي صلي الله عليه وسلم: إني أكتب إلي قوم فأخاف أن يزيدوا علي أو ينقصوا، فتعلم السريانية، فتعلمها في سبعة عشر يوما.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

 

علجية عيشفي مثل هذا الشهر من مارس 1974 انعقد المؤتمر العالمي الـ: 24  لعلم الإجتماع في الجزائر، أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي عن موقفه المعارض لعلم الإثنولوجيا، مستندا في ذلك إلى منطق التعارض بين علم الإجتماع والإثنولوجيا، ففي نظره هو يختص الأول بالمجتمعات المتقدمة، والثاني بالمجتمعات المستعمرة، ولذا يجب رفض هذا العلم واستبعاده تماما من المجال العلمي الجامعي الوطني، غير أن الوزارة كما يقول مولود معمري لم تضع أي عائق لمسار البحث العلمي في ميدان الإثنولوجيا، وخير دليل على ذلك الأبحاث والدراسات التي قام بها المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ

يرى علماء الإجتماع  المعاصر ومنهم الباحث الفرنسي بيار بورديو أنه حان الوقت لإرساء "إثنولوجيا" من النوع الرفيع، يقوم بها باحثون قادرون على تجاوز القواعد العامة للبحث العلمي في الإثنولوجيا، ذلك بخوض البحث الميداني وفي إطار علاقات طبيعية وتلقائية، الشيئ الذي يسمح للباحث الحصول على المعلومات التي يود الوصول إليها دون جلب الإنتباه، ولذا يرى بيار بورديو أن التحكم في "الإثنولوجيا" وسيلة للتعرف على الذات وفهم التصورات الذهنية والفكرية، وكأنها نوع من التحليل النفسي الإجتماعي الذي يسمح بفهم اللاشعور الثقافي الوطني الذي يحمله الأفراد، فالمهتمزن بعلم الأجناس والنسب لم يتركوا إشكالية إلا وتطرقوا إليها من حيث الشرح والتحليل والتأريخ لها حتى تظل مرجعا يعود إليه الباحثون الجدد في بحوثهم ومذكراتهم، إلا أن هذه الدراسات والبحوث قليلة جدا، بل قد تكون نادرة لأسباب عديدة في ظل التغيرات التي يشهدها العالم جعلت البعض لا يولونها أهمية، بالرغم من أنها ذات قيمة تاريخية واجتماعية وعليها تقوم الدول والحضارات،  كان ذلك موضوع مناظرة علمية تاريخية دارت بين بيار بورديو ومولود معمري حول الإستعمال الصالح لعلم الأجناس أو كما يسمى بـ: الإثنولوجيا ، في هذه الورقة نقف على الدراسة التي تناولها بيار بورديو حول المجتمع القبائلي، وقارنها بمجتمعه الأصلي  البيارني (نسبة إلى منطقة بيارن جنوب فرنسا)، وبيارن هي عبارة عن مجموعة من القرى تمثل جمهوريات صغيرة مستقلة تتمتع بعاداتها وتقاليدها الخاصة وهي تشبه القانون العرفي القبائلي، لاسيما قانون الشرف، ومجالس القرية ذات التسيير الديمقراطي.

المقارنة كانت بين دراسات السعيد بوليفة ودراسات الأباء البيض، حيث  وقف بيار بورديو على جملة من الحقائق العلمية والتاريخية، وقال أن دراسات الأول كانت أكثر صدقا ، لأنه استطاع وصف المجتمع القبائلي والتعريف بالمنطقة، حتى ولو لم يكن الوصف بطريقة احترافية، بينما دراسات الآباء البيض حول المجتمع القبائلي تتمثل في كونها  مجردة من ايّة إشكالية علمية إثنولوجية أو سوسيولوجية، وكتاباتهم (أي الآباء البيض) فاقدة للثقافة الإثنولوجية التي كانت قادرة على أن تمكنهم من  وصفهم السطحي لتقاليد المجتمع القبائلي، كما  وقف بورديو على كثير من الحقائق العلمية والتاريخية، إلا أن أفكاره ونظرياته إزاء هذه الإشكالية (الإثنولوجيا كتخصص علمي) لقيت كثير من الإنتقادات -كما يقول هو- ، سواء من وجهة نظر ابستمولوجية أو من وجهة نظر سوسيولوجية، ما جعلته يدرس من جديد هذه الإنتقادات وفهم مغزاها، بالإعتماد على ابحاثه حول المجتمع البيارني الواقع جنوب فرنسا، الذي يشبه بدوره المجتمع القبائلي، إلا أن الأدوات والمصطلحات التي استعملها هذا المنقب فهي أوروبية  قد لايصلح استعمالها لدراسة المجتمعات الأخرى.

 وتعود دراسة بيار بورديو إلى علم الإثنولوجيا بحكم اختصاصه في علم الأنتروبولوجيا، الأمر الذي دفعه إلى دراسة إشكالية النسب في مجتمعه البيارني ومقارنته بالمجتمع القبائلي، ومعلوم أن بيار بورديو كانت له تجربة واسعة في الإحتكاك بالمجتمع الجزائري، منذ التحاقه بالجزائر  عام 156 لتأدية الخدمة الوطنية  وتدرجه  كجندي بسيط في القاعدة العسكرية الفرنسية إلى أن تم ترقيته إلى منصب الحاكم العام في الجزائر 56-1957، ثم أستاذ مساعد في جامعة الجزائر1957-1960 وهناك حيث انتقل إلى العمل الميداني، مركزا على حياة المجتمع القبائلي ، والتحولات التي شهدتها منطقة القبائل  وأثر الاستعمار في عملية نقل الأهالي من أراضيهم وبناء المحتشدات، التي قضت على المجتمع التقليدي البسيط، فمن وجهة نظره هو يرى بيار بورديو أن البحث حول المجتمع القبائلي في الجزائر ظل ولأسباب تاريخية معقد منعزل عن التيارات العالمية أو الخارجية، ولأن هذه الدراسات لم يقم بها مختصون في علم الأنساب بل تناولها عسكريون فرنسيون كهانوتو ولوتورنو، وتناولوها من منظورهم الخاص اي من منظور استعماري، مما جعلهم غير قادرين على رؤية الأشياء على حقيقتها.

 وأشار بورديو أن حالة المجتمع القبائلي شبيهة بحالة المجتمع البيارني، حيث كانت جل الدراسات وصفية محصورة في الحياة الإجتماعية في القرى  والنزاعاتها العائلية غالبا ما تدور حول الإرث والميراث وتقاليد العائلة ونظامها وقوانينها العرفية، ويقارن بيار بورديو بين دراسات السعيد بوليفة ودراسات الأباء البيض فيجد أن دراسات الأول اكثر صدقا ومصداقية، لأنه استطاع وصف المجتمع القبائلي والتعريف بالمنطقة، حتى ولو تكن بطريقة احترافية، في حين يرى أن  دراسات الآباء البيض حول المجتمع القبائلي تتمثل في كونها  مجردة من أيّة إشكالية علمية إثنولوجية أو سوسيولوجية، وكتاباتهم فاقدة للثقافة افثنولوجية التي كانت قادرة أن تمكنهم من  وصفهم السطحي لتقاليد المجتمع القبائلي، إلا أن مولود مهعمري كان له موقف آخر وهو أن المجتمعين  معا يعيشان أزمة حقيقية، بمعنى أن كل قيم وتقاليد هذه المجتمعات قد اضمحلت أو في طريق الإضمحلال.

النتيجة التي خرج بها بيار بورديو هي أن النظام الإجتماعي  أنه لابد من الإعتراف  بالإمتيازات التي يتمتع بها الباحث الذي يدرس مجتمعه الأصلي، في حالة ما إذا كان يدرك جيدا كل المخاطر التي قد تؤثر سلبا على عمله، اي التمييز بين ما هو جِدِّي وماهو غير جِدِّي،  بين ماهو مهم وبين ماهو غير مهم، الأمر يتعلق طبعا بالعلاقة بين البالتقليدي نزام تجاوزه الزمن، وكل محاولة من أجل إحيائه يمكن اعتبارها وهم  في ظل تنافر الإخوة عن بعضهم البعض  داخل العائلة خاصة بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أنه ركز على دور البحث العلمي في كشف هذه الحقائق من ناحية تاريخية واجتماعية، فعن المستجوب  وجب ان يكون يتصف بالرزانة والهدوء لأنه يتكلم باسم الجماعة التي ينتمي إليها فهو ممثل الجماعة وحكيمهم، كونها تقترب من علم الإجتماع.

أما بالنسبة للباحث قال: على هذا الأخير أن يتذكر دوما أن الأحداث والأشياء تظل دوما معقدة، وهو أمر صعب على الباحث، خاصة إذا تعلق الأمر بموضوع النسب في المجتمعات التقليدية كالقبائل أو البيارن، السؤال الذي يمكن أن يطرح هنا هو كالتالي: لماذا موضوع الإثنولوجيا مرفوض مناقشته في الجزائر؟، يقول مولود معمري أن موضوع الإثنولوجيا في الخطابات الإيديولوجية في الجزائر كان غير مسموح به بل مرفوض، ففي مثل هذا الشهر مارس 1974 انعقد المؤتمر العالمي  الـ: 24  لعلم ألإجتماع في الجزائر، أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي عن موقفه المعارض للإثنولوجيا ، مستندا في ذلك إلى منطق التعارض بين علم الإجتماع والإثنولوجيا، ففي نظره يختص الأول بالمجتمعات المتقدمة، والثاني بالمجتمعات المستعمرة، ولذا يجب رفض هذا العلم واستبعاده تماما من المجال العلمي الجامعي الوطني، غير ان هذا الوزير لم يضع اي عائق لمسار البحث العلمي في ميدان الإثنولوجيا.

 

قراءة/ علجية عيش

............................

من كتاب مترجم حول لقاء بيار بورديو ومولود معمري

 

 

1406 كمالليس الناقد من يشغل نفسه بالتفكير في اختراع مناهج جديدة أو أدوات مختلفة، إنما النص هو الذي يفتح أمامه هذا المجال حسب متطلبات العصر الذي ينتمي إليه. وكما لا يخفى على أحد أننا عبرنا مرحلة المناهج السياقية وحتى النصية لم تعد ترضى الذائفة النقدية الحديثة، لكن هذا لا يعني تهميش تلك المناهج ، فالناقد الحاذق بإمكانه أن يعمل وفق تلك المناهج لكن بتقانات تلاءم عصره الحالي وذوقه الفني. يمكننا أن نتحدث عن تجربة دكتور خالد ياس في كتابه النقد الروائي العربي الحديث حيث انطلق من المنهج الاجتماعي المعروف لكن بأدواته الخاصة. يعد هذا الكتاب ضمن سلسلته الثلاثية المكونة من مقاربة في سوسيولوجية النقد العربي القديم . النقد الروائي العربي الحديث . رصد سوسيولوجي لتجارب ما بعد الحداثة كانت الانطلاقة اجابة على بعض الاستفهامات لمعرفة آليات العلاقة بين المنهج السوسيولوجي من جهة  ومناهج ما بعد الحداثة من جهة آخرى وقوفًا عند كيفية التداخل بينهم.

اعتمد الدكتور خالد علي ياس النقد السوسيولوجي لاتفاقه مع مدام دوستايل حيث أكدت في كتابها حول الأدب "أننا لا نستطيع فهم الأثر الأدبي ،وتذوقه تذوقًا حقيقيًا في معزل عن المعرفة بالظروف الاجتماعية التي أدت إلى إبداعه وظهوره" فاتخذ خالد ياس زاوية النظر الاجتماعي لرؤية التطور الروائي في تجارب ما بعد الحداثة لنقاد العرب ورصدها في دراسته الموسومة بـ رصد سوسيولوجي لتجارب ما بعد الحداثة.

يبدأ بمدخل تليه خمسة فصول. في الفصل الأول النقد السوسيونصي الحوارية ومبدأ ديمقراطية النص والمقصود بسوسيونص تعدد الأصوات في واقع النص حيث يحاول رصد تجربة النقاد الذين تحدثوا عنه منهم حميد لحمداني الذي حاول أن يجمع بين تكوينية غولدمان وحوارية باختين على أساس أدوات التحليل النصي حيث يعود إلى طابعها التمثيلي والتشخيصي يكون المبدع فيها مدفوعًا إلى تنويع الأبطال من مختلف المستويات الفكرية والاجتماعية كما يحدث عادةً في الرواية الواقعية     وقد اختار رواية الوطن في العينين لحميدة نعنع أنموذجًا فنيًا يدل على تحولات في البنية السردية العربية من تداخل مباشر مع الواقع إلى تداخل نصّي . كما يقف بعد ذلك عند تجربة الناقد العراقي فاضل ثامر ورأيه في النزعة الحوارية في الروايات وعلاقته بتعدد الأصوات ويعني ذلك تعدد أشكال الوعي في الرواية كما أنه يحدد رواية خمسة أصوات لغائب طعمة كبداية لرواية تعدد الأصوات. وأشار بعد ذلك إلى أن الناقد ياسين النصير هو أول من لمح إلى النقد الحواري في الساحة النقدية العراقية في كتابه القاص والوقائع ، كما أن الدكتور خالد ياس وقف عند تجربة الدكتور شجاع العاني وقفات طويلة وحدد اسلوبه كاسلوب مغاير ووضح ان شجاع العاني هو الذي اطلق على التعدد الصوتي تكافؤ السرد  ووقف بعد ذلك عند تجربة الناقد السوري سمر روحي الفيصل المركزة على أصوات الشخصيات المختلفة وبين الرؤية السوسيولوجية . وفي الفصل الثاني من الكتاب النقد السوسيونصي من البنية إلى السياق صارت البنية أولًا لأن البنية هي التي تنتج الواقع بمكوناته هنا علم الدلالة والتراكيب والمستوى المعجمي والسردي واللهجات الجماعية والخطابات صارت وسائل للوصول إلى البنية الدلالية العميقة ومكوناتها وقف بداية عند تجربة الناقد سعيد يقطين كونه من أوائل نقاد العرب اهتماما بهذا الجانب والناقدة اللبنانية يمنى العيد والمغربي البوريمسي  والمصري جابر عصفور وغيرهم وفي الفصل الثالث النقد الثقافي وعالمية الخطاب ما بعد الكولونيالي ما يتعلق بالتأثير والتأثر وتأثيرات الأدب الغربي على العربي ما بعد الكولونيالي  من خلال ثقافات التكنلوجيا والثقافة الرقمية والتفاعلية  وقف عند تجربة محسن الموسوي  ومحاولته لشمولية دراسته على المستوى التنظيري لمصطلح ما بعد الكولونيالية   ودرس علاقة الرواية بالموروث القديم والتأثير بالثقافة الغربية وانتقل بعد ذلك لتجربة محمد البرادة عن البعد الكوني للرواية العربية  وفي الفصل الرابع سنن النصً نحو تأويل اجتماعي للعلامة ما يتعلق بالسيميائية والتأويل  وعلاقة الدال بالمدلول حيث يحاول فهم البعد الاجتماعي عن طريق العلامات وقف عند تجربة بنكراد النص السردي نحو سيميائيات الايديولوجيا وفاضل ثامرويحول عنده بالرؤية حيث زاوج بين المنظور الاجتماعي والجمالي في الخطاب السردي ووضح انه لم يبتعد عن رأي من سبقه يشير الدكتور خالد ياس لتجربة سليمان حسين  وعبد الهادي الفرطوسي حيث زاوجا بين منهجي السوسيونصي والسيميائي في أعمالهما الفنية.

ولو وقفنا قليلًا عند النموذج التوصيلي للعملية الأدبية باعتبارها علاقات متشابكة بين ثلاثة أطراف النص والكاتب والمتلقي للأخير أهمية خاصة وذلك لارتباطه بقراءاته الثانية للنص إن اختلاف الشروط السوسيوثقافية ومستوياتها يعدد وجهات النظر وكيفية اقبال النص وتحليله. وقف في الفصل الأخير عند تجربة

فيصل درّاج ويعود مجددًا لتجربة سعيد يقطين  وحميد لحمداني وغيرهم.

ما نلاحظه إن لم يكتف الدكتور خالد ياس برصد التجارب والتعليق عليها بل نراه يحكم على ما جاؤوا به وفق نقد النقد كما في حكمه على رأي الجنابي والحقيقة أنه لم يوفق في اختيار عيناته بشكل تام لأن بعضها لم يكن مؤسلبا ضمن مفاهيم الحوارية مثل القربان  لفرمان.

لا يشعر الناقد خالد ياس القارئ بغيابه إنما مع رصد التجارب هو دائم الحضور تارة نراه معلقًا وتارة متفقًا وتارة غير متفق كما في النماذج التالية

"مع أنني لا أتفق مع درّاج في جانب الإخفاق كليًا لأن الرواية العربية تعيش اخفاقًا على مستوى الوعي فقط ضمن صلتها بتاريخ الكتابة" ويقول في موضع آخر "لا أعتقد أن الناقد توفق في هذه الانتقالية في المنهج المزاوجة السيميائية بحوارية باختين" وفي موضع آخر

"وقد وفق فعلاً في دراسته الأخيرة باستعارة مقولة المهيمنة من شعرية باكوسن"

نستطيع أن نقول أخيرًا إنها تجربة تدل على وعي الناقد بأدواته النقدية كما وعيه بمتطلبات عصره لذا كان الأستاذ خالد ياس موفقًا في اختياره للعنوان ودراسته وتطبيقها. نحيط بالذكر إن هذه الدراسة حازت على جائزة كتارا للرواية العربية ٢٠١٧ فئة الدراسات النقدية.

 

آشتي كمال

 

 

1418 الصابئة المندائيينعن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة صدر حديثا كتاب (الصابئة المندائيين في العراق؛ أصولهم ومعتقداتهم وأعلامهم) لمؤلفه الباحث المتألق نبيل عبد الأمير الربيعي، وهو كتاب مميز بشموليته وموضوعيته وأهمية المعلومات التي وردت فيه، إذ قال المؤلف في مقدمته (إن دراسة الصابئة المندائيين مهمة جداً للبحث في العقائد الدينية الأخرى) لأنها كما يرى مرتبطة بـ (المكان والزمان والموضوع)، وهو يؤمن (أن هذه الديانة ولدت في بلاد الرافدين"أرض شنعار") بدليل ما ذكرته كتبهم الدينية، وأهمها كتابهم المقدس (الكنزا ربّا)، ولقدسية نهر الفرات لديهم لأنه (مثيل لفرات زيوا السماوي في "آلما دنهورا" أي عالم الأنوار).

ويرى المؤلف أن الصابئة من (شعوب العراق القديم مثل السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين، لكن هذا الشعب لم يكون له دولة أو كياناً سياسياً ذات شأن لعزوفه عن مغريات السلطة والسياسة والجاه)، ويؤكد على أن ديانتهم توحيدية إذ تبرز في نصوصهم الدينية بوضوح، وهي (تركز على الخلق والخالق وصراعات كينونة العوالم والعالم الآخر النوراني وحتمية العودة إليه)، كما أن طقوسهم الدينية وشعائرها (ارتبطت بالماء والتعميد به)، واعتبرت ذلك طهارة للنفس والبدن، ولهم كتابهم المقدس، ولغتهم الخاصة التي (يصنفها اللغويون بأنها واحدة من عائلة اللغات السامية، ويعدونها الفرع النقي للغة الآرامية الشرقية في بلاد الرافدين).

واستعرض المؤلف في مقدمته ما صدر من كتب عربية عن الصابئة المندائيين، وعدّ كتاب (مندائي أو الصابئة الأقدمين) لعبد الحميد بن بكر أفندي عبادة المطبوع في دار الفرات ببغداد سنة 1927م هو الأقدم بينها، وهو ملخص حوار أجراه المؤلف سنة 1925م مع رئيس طائفة الصابئة المندائية ( الشيخ كنزبرا دخيل بن عبدان) في مدينة الناصرية جنوبي العراق يوم كان المؤلف موظفاً فيها.

قسمت مادة الكتاب إلى مقدمة ثم تمهيد وأربعة عشر فصلاً وخاتمة وفهرس بالمصادر والمراجع، وهو ما بلغ (546) صفحة من القطع الوزيري، وقد تضمن كل فصل من هذه الفصول على ثلاثة مباحث، فكانت مباحث الفصل الأول هي : المراحل التأريخية للديانة المندائية، والمندائيون أصلهم وتأريخهم، وأنبياء الصابئة المندائية؛ أما مباحث الفصل الثاني فهي : أصلهم التأريخي، واضطهاد أبناء الديانة المندائية، والمندائيون في العصر الحديث، وتضمنت مباحث الفصل الثالث على : كتب الصابئة المندائية، وعقائدهم، وأركان دينهم؛ وتوالت بقية الفصول بمباحثها للحديث عن حياتهم العامة وعقائدهم وتقاليدهم وطقوسهم وغير ذلك.

وخصص الفصل الثالث عشر لسير أعلامهم عبر التاريخ، فمن القدماء وردت سير أبي إسحاق الصابي، وثابت بن قرَّة، وإبراهيم بن سنان، والبتاني، وغيرهم،وفي أعلامهم من المعاصرين وردت ثلاث وعشرون سيرة، منها سيرة الدكتور عبد الجبار عبد الله، والشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، والشاعرة لميعة عباس عمارة، والدكتور عبد العظيم السبتي، والفنان التشكيلي حزام عطية النصار،والباحث الصحفي عزيز سباهي، والمؤلف والمترجم غضبان نوري الناشي، والمؤلفة والمترجمة ناجية غافل المراني وغيرهم، وتمنيت لو أضاف لهم سيرة الأديبة منى السبع، وهي شاعرة مبدعة صدر لها أكثر من أربع مجموعات شعرية، ووردت سيرتها المشرقة بالعطاء مفصلة في الجزء الرابع من (معجم الأديبات والكواتب العراقيات في العصر الحديث)، وعسى أن يتدارك المؤلف وهو الباحث الرصين والمتابع الدؤوب ذلك في طبعة قادمة للكتاب.

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

 

عزالدين عنايةتُعدّ الأعمال الصادرة باللغة الإيطالية حول تاريخ التصوف في الغرب قليلةً، وإن تعددت الأعمال التي تتطرق إلى شخصيات وتجارب روحية محددة. ومن هذا الباب يُعدّ كتاب الإيطالي ماركو فَنّيني (من مواليد 1948) المختص بالظواهر الروحية مرجعا لا غنى لدارسي ظاهرة التصوف في الغرب، بقصد الإحاطة بأهم منابعه ورواده وصولا إلى تطوراته في الفترتين الحديثة والمعاصرة. مؤلف الكتاب فَنّيني مترجم قديرٌ أيضا، سبق وأن نقل من اللاتينية والألمانية إلى الإيطالية كافة أعمال المعلم إيكهارت. ناهيك عن أعماله الصادرة في المجال مثل: "دين العقل" (2007)، "التصوف والفلسفة" (2007)، "التصوف في الأديان الكبرى" (2010)، "قاموس التصوف" (2013).

يقسّم فَنّيني كتابه المعني بتاريخ التصوف في الغرب، من الإرهاصات المبكرة في العهود القديمة حتى الراهن الحالي، إلى ثلاثة أقسام تأتي معنونة على النحو التالي: المنابع الإغريقية، المسيحية، والعالم المعاصر. ويصدّر الأقسام الثلاثة من الكتاب بمقدمة مطولة تتناول قضايا على صلة بالتصوف مثل: اللاهوت وعلم النفس والفلسفة. مبينا أمام تعدد معاني التصوف وتبدل مضامينه من حقبة إلى أخرى، أن مسار التاريخ فقط هو الكفيل بتحديد معاني مفردة "التصوف" ودلالاتها. فالكلمة في أصلها الإغريقي -mistica- والتي أتت صفة لا اسما، عادة ما أُلحقت بكلمة اللاهوت. وفي معناها في تلك اللغة هي علمٌ للربوبية وخطابٌ حولها، صامت، مغلق. ولكن ليس بالمعنى الباطني، ففي الأصل الإغريقي، الإفلاطوني والأرسطي، نشأت المفردة في مقابل الأساطير وفنطازيا الشعراء عن الآلهة. ويُعدّ في هذا الطور المتقدّم الذي يؤرخ له فَنّيني نصُّ أفلاطون "بارمنيدس" نصَّ التصوف بامتياز، لما حواه من إشارات روحية وذوقية. فالتصوف كما لاح في تلك المرحلة المتقدمة هو تجربة التوحد، بل لنقل تجربة الروح والتوحد في الروح، إنه قائم بالفعل على تلك الجدلية كما يقول فَنّيني. حيث يدرك الصوفي أن إرادته هي إرادة الله، وفكره يغدو فكر الله، وبالتالي أناه تصير أنا الله، ولكن ليس بمعنى "البانثييزم"، أي التوحد في الربوبية، وإلغاء الفصل بين الذات البشرية والذات الإلهية. لذلك غالبا ما جاءت لغة الصوفي متداخلة مثقلة بالتضارب، ولكنها في نهاية المطاف تغرق في الصمت، وهو ما لا يعني أنه لا يمكن الإفصاح عن تجربة الروح عبر منطوق اللغة.

مع ذلك يبقى التصوف كما يرى فَنّيني قناة أثيرة خاطب الرب بواسطتها، وبشكل رائع البشر، مانحا إياهم أحوالا تجلت في عطايا ومعارف وضروبا من الوحي الخارق. ولكن المسألة الدقيقة، والمهمة العسيرة، ضمن هذا المسار، تتلخص، وفق فَنّيني، في فرز التصوف الصادق من التصوف الزائف، في تجلّي الرب أو في تلبّسه بظواهر "طبيعية" أو شيطانية. وصحيح يتخلل التصوف الإيمان، لكن ليس بوصف التصوف اعتقادا بل معرفة للروح، ومعراجا، فهو دائما تجربة للمطلق في الحاضر، هنا في الواقع في عالم الشهادة. لذلك يعني التصوف بالأساس معرفة الذات، معرفة العمق الحقيقي للروح، وهو ما تلخص في ذلك القول المأثور "من عرف نفسه فقد عرف ربه".

1391  تاريخ التصوف الغربيفي القسم الأول من الكتاب، المعنون بـ"المنابع الإغريقية"، يتناول فَنّيني العالم الهيلنستي، منطلقا مما يوحي به التقارب الدلالي على مستوى اللغة بين كلمتي -mistica-  و -mistero- (التصوف/ الإبهام). مبينا أن التقارب بين الكلمتين على مستوى اللغة يغدو تباعدا على مستوى المضمون، وبالتالي لا ينبغي المكوث طويلا عند ظاهرة التشابه الإيتيمولوجي/ الاشتقاقي على أمل بلوغ المعنى الأصلي للكلمة وطمعا في الإحاطة بفحوى التصوف. معتبرا ملحمة الإلياذة الإغريقية معينا أوليا للنظر الروحي والإيحاء بالقوة والملحمية. وإن يشاطر ماركو فَنّيني الباحثة سيمون فايل في الإقرار بأن الإلياذة تحوي عمقا صوفيا وخيطا روحيا رقيقا، فإنه لا يزعم أننا مع الإلياذة في حضور تجربة للتصوف بمعناها الراقي (وحدة الروح)، لكن هناك سائر العناصر الممهدة لذلك والأرضية المناسبة للحديث عن التجربة الروحية. ففي النص الشعري الملحمي، وبعيدا عن المباشر التعددي لمختلف الآلهة واللغة التجسيمية والتشبيهية الطاغية، ثمة تطلّعٌ لأفق سامٍ في الجمال وفي الربوبية بوصفها ضرورة مطلقة، أو لنقل إلى ألوهية غير مشخصنة. مع وعي في الإلياذة بالوحدة الجامعة للكلّ، ينكشف من خلالها حجاب الضرورة الإلهية. ودائما ضمن ملاحقة منابع التصوف في أصول الفكر الإغريقي نلحظ كيف يجد إيكهارت في هيراقليطس (نهاية القرن السادس ق.م/بداية القرن الخامس ق.م)، المعلّم للحقيقة قبل أن تظهر في الإيمان المسيحي. قولته الشهيرة تبدو آسرة لإيكهارت: "مصغيا إلى اللوغوس وليس إلى ذاتي، من الصواب الإقرار بأن كل شيء واحد".

لكن أصول التصوف، كما يتبين لفَنّيني، تبدأ في التبلور بشكل واضح مع الفلاسفة الكلاسيكيين، أساسا مع إفلاطون تلميذ الهيراقليطي كراتيلوس، أي قبل الانضمام إلى صفوف مدرسة سقراط. حيث نلاحظ في النص الإفلاطوني التعالي المطلق لله، وهو ما يطلق عليه "ثيوس"، حيث النعت بصيغة المفرد لا الجمع تنزيها له عن التعدد، والذي لا يمتزج بالفانين، مع إشارة في الأثناء إلى وحدة الكل، الإلهي والبشري. وفي "كتاب الجمهورية" تأكيد على أن الله هو خير مطلق، وهو دائما يتجاوز الكائن الزائل. وبالطبع، ليس إفلاطون وحده من يلوح في طريق فَنّيني، في بحثه لتأصيل التصوف الغربي، بل أرسطو أيضا. ففي "كتاب الميتافيزيقيا" تقتضي الضرورة تواجد كائن، لعِلّة غير معلولة يتماهى مع الخير، هو مبدأ لكل الموجودات. ويشمل فَنّيني بتأصيله للتصوف الغربي الإفلاطونيةَ المحدثة أيضا، والحقيقة أن التأمل الأفلوطيني، إضافة إلى المعلم إفلاطون، يولي اهتماما أيضا للضرورات الروحية لعصره، حيث تتداخل أنواع شتى من الاعتقادات الدينية في زمن مأزوم ومهووس بالبحث عن "الخلاص" المتمثل في "الأحد" أو ما نطلق عليه بلغة عصرنا المطلق. فمع أفلوطين ثمة بحثٌ عن التوحد عبر الوجد ومن خلاله مع الواحد الصمد. فهو فوق الكل وبما يتجاوز الجميع، ليس له أية خاصية أنثروبومورفية، والذي يمكن تعيينه بـالعدم و اللاّشيء أيضا. ليس بوصفه ليس موجودا، بل بصفته يتعالى عن أي تمثيل أو احتواء أو أي شكل من أشكال الوجود. كما يتابع فَنّيني بحثه عن بواكير التصوف بالغرب مع برقلس وفرفريوس الصوري (ت. 305).

في القسم الثاني من الكتاب، المعنون بـ"المسيحية"، يستهلّ فَنّيني حديثه بحديث البدايات عن التصوف المسيحي. حيث يتطرّق إلى ضرورة التمييز بين "الدلالات الدينية" و"الدلالات الصوفية" في الكتاب المقدّس، فليس كل ما هو ديني هو بالضرورة صوفي. مستعرضا شخص المسيح (ع) قولا وعملا، بوصفه تجربة حية للتصوف وللصوفي، مارا بالتحول الذي أحدثه بولس من خلال إلحاحه على أسطورة الخلاص التي يمثلها المسيح، أو بالأحرى تقليده بوصفه تجربة في التحول الروحي، حيث انتهاء الإنسان الجسد وحلول الإنسان الروح. وهو ما لخصه في قولة تُعدّ جوهرية في التصوف المسيحي "وأما من التصق بالرب فهو روح واحد" (الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس6: 17). ذلك أن التحوير الذي أدخله  بولس في النظر إلى شخص المسيح يعد محوريا وجذريا في المسيحية، ليس على المستوى الروحي فحسب، بل على المستوى العقدي واللاهوتي خصوصا.

ثم يستعرض فَنّيني التحولات التي طبعت مفهوم التصوف مع آباء الكنيسة، مع أوريجنس وغريغوريوس النيصيّ وديونوسيوس الأريوباجي وأوغسطين وغريغوريوس مانيو. ليصل بنا إلى العصر الحديث والتطورات الصوفية الأخيرة في الغرب. يتطرق فَنّيني تحت عنوان "الإصلاح المضاد" إلى جملة من الرموز الصوفية لتلك الفترة فضلا عن جملة من تجمعات الرهبنة المسيحية، غاضا الطرف عن "الإصلاحيين" أي البروتستانت. فالفترة شهدت بروز أهم تشكيلات الرهبنة الكاثوليكية، بدءا من التصوف النُّسكي اليسوعي مع القديس إغناطيوس دي لُويُولا (ت. 1556). هذا الصوفي الناشئ من رحم المعاناة من "الموري" الأندلسي، يلتهب لديه الحماس النضالي لدحر الموريسكيين والحماس الروحي لنشر دينه على حد سواء. لكن التطور الروحي لليسوعيين وللتصوف اليسوعي، تحديدا في إسبانيا، يتغاضى فيه فَنّيني عن أصوله الإسلامية وعن تأثره بالتجارب الإسلامية، دون إشارة إلى ذلك، في زمن كان فيه التصوف في المسيحية الكاثوليكية هرطقة في الدين، باعتباره بدعة منكرة، طورد رواده ولقوا صدّا من الكنيسة.

عقب ذلك يتناول فَنّيني بالحديث التصوف الكرملي مع تيريزا الآفيلية الناشئة في إسبانيا، والغريب أن فَنّيني مع كل ذلك لا يدفعه الأمر إلى إزاحة النظر نحو التجارب الروحية عند الموريسكيين. إذ يروى أن تيريزا الآفيلية في شبابها كانت تود الفرار نحو أرض الموريسكيين. يحدوها شوق عبرت عنه في قولتها الشهيرة "الوجْد قضاءٌ لا مردّ له، تُنتزع فيه الروح من الثرى بيدِ الله كما تختطِف الكواسر طريدتها دون أن تدري إلى أين المساق. وبالتالي لا بد من رباطة جأش لمتابعة المسار، إذ غالبا ما حاولتُ دفع الوجْد، مقدّرةً أنه وهْم، ولكني وجدتُ نفسي صريعة كأني أغالب ماردا". تلا ذلك حديث عن شخصية صوفية أخرى مهمة يوحنا الصليب المعروف بإقراره أن الله تعالى أبعد من أن يدركه إدراك أو يشعر به شعور أو تتخيله مخيلة، ولا يمكن معرفته مباشرة إلاّ بالحب الخالص.

 في القسم الثالث من الكتاب، المعنون بـ"العالم المعاصر"، يستعرض فَنّيني مقولات جوردانو برونو في التصوف ورؤيته الروحية للعالم، ثم ينتقل إلى باروخ سبينوزا، الذي برغم خطه العقلاني فإن الأخلاق لديه مؤدّاها إلى الله. وتحت معنون لاحق ضمن هذا القسم يتناول فَنّيني حقبة "ما بعد التنوير" وخطاباتها ذات النزعة الصوفية، وهو ما يتجلى في المثالية مع فيخته وشيلنغ وهيغل وشوبنهاور ونيتشه. ليخلص إلى الحديث عن "عصرنا الراهن"، وإن كان التصوف الراهن وفق منظوره يغيب عنه المركز، أو بالأحرى يفتقر إلى المرجع المركزي، فنحن نعيش وفق توصيف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في "معبد تعددي" يختار فيه كلّ معبوده، أي قِيمه، حيث نشهد زحف التقاليد الشرقية على الغرب، أو بتلطيف العبارة اختراقها للحصانة الروحية للغرب. في خضم ذلك يرحل فَنّيني مع الإلماعات الصوفية لفتغنشتاين، الذي بيّن أن العلم الحديث والتقنية والثقافة الوضعية تبقى جميعها فقيرة ومنقوصة، حتى وإن كان الدين التقليدي غير قادر على توفير إجابة شافية وملائمة في الغرض، فالذكاء وحده يجد الطريق في ما يطلق عليه (das Mystische). إذ التصوف بالنسبة إلى فتغنشتاين هو حدس جمالي للعالم، يتوارى فيه الموضوع المفكر فيه والمتخيل كوهم باطل.

من جانب آخر يتطرق فَنّيني إلى سيمون فايل (1909-1943)، من أصول يهودية، التي تتحدث عن الاغتراب عن الخير، عن الله، وهو ما يتجلى في جل مظاهر التقنية. ففي مسارها التأملي في التجارب الروحية في الكتاب المقدس تذهب فايل إلى أن الإله العبري هو إله طبيعي في حين الإله المسيحي هو ما فوق طبيعي.

يتطرق مؤلف الكتاب كذلك إلى تجربة إيتي هيليسوم (1914-1943)، وهي كاتبة من أصول عبرية هولندية لكنها لا تنتمي لأي دين، بل بالأحرى ترفض اليهودية والمسيحية بوصفهما نسقين دينيين مغلقين. لكن تبقى هيليسوم تفتقر إلى نظرة منهجية لما يطبع رؤيتها من تناثر. ليختتم الكتاب جولته بالحديث عن رموز التصوف في الزمن المعاصر مثل الأم تيريزا، المطوَّبة أخيرا من قِبل البابا فرانسيس برغوليو، جزاء لما دشنته من اختراقات للكنيسة في العالم، والتي تجاوَز فعل الخير لديها، وفق فَنّيني، حدود المسيحية. معتبرا مؤلِّف الكتاب أن "التوحد مع الروح" هو عين الاتحاد مع الحياة، وهو حركة الروح المتسقة مع "الحب الذي يحرك الشمس وسائر الكواكب" كما وصف دانتي الأمر في "الكوميديا الإلهية" (الجنة: XXXIII). فالصوفي وهو يتأمل سرّ الألوهية، ينخطف منجذبا إلى صورته الذاتية، إلى الوجه الإنساني، الماكث في قلب الدائرة المشعة نورا.

الكتاب حوصلة تاريخية لتجربة من تجارب تمظهرات الدين في الغرب كما تجلت في التصوف. لم يخل فيها من بعض النقائص رغم الطابع الأكاديمي الذي نحاه مؤلفه من حيث التوثيق والإحالات، حيث يسقط صاحبه، متعمدا ولا نظنه سهوا، بعض المحاور عند التطرق لموضوع بحجم التصوف الغربي، ونقصد التواصل مع التصوف الشرقي عامة والإسلامي والهندي خاصة، فضلا عن عدم إيلائه اهتماما التصوف البروتستانتي مع أن نظيره الكاثوليكي كان حاضرا، لا سيما في فترتي "الإصلاح" و"الإصلاح المضاد".

 

الكتاب: تاريخ التصوف الغربي.

تأليف: ماركو فَنّيني.

الناشر: لي ليتِّري (فورانسا-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2020.

عدد الصفحات: 467 ص.

***

عزالدين عناية

جامعي تونسي مقيم بإيطاليا

 

1382 الاخفتاء في الماءدراسة مغربية للتجليان الشعرة والروائية لأحمد فضل شبلول

يتمتع الشاعر والروائي أحمد فضل شبلول بسيرة إبداعية زاخرة بالعطاء في مجالات الشعر والرواية وإبداع الطفل والدراسات النقدية، وقد احتفي الكثير من النقاد المصريين والعرب بأعماله، وهذا الكتاب "الاختباء في الماء.. دراسة في شعر ورواية أحمد فضل شبلول" للناقدة المغربية د.فاطمة بنحامي الدناي يشكل رؤية نوعية لتجلياته الشعرية والسردية، حيث تتناول الناقد عددا من الأعمال الكاشفة للجماليات الفنية في تلك الأعمال.

تقول بنحامي في كتابها الصادر عن دار الوفا لدنيا الطباعة بالإسكندرية إن ما يميز الإبداع الأدبي العربي حاليا؛ بشعره ونثره؛ تحوله من الكتابة المعتمدة على السليقة إلى مرحلة الوعي المتزايد بقضايا المجتمع التي طغت بشكل ملحوظ على الكتابة الأدبية إن شعرا أم رواية. وقد تجلى هذا الوعي من خلال التناول المبهر الذي يغوص باحثا ومستلهما ما وراء الصور المتبناة؛ ليوصل انطلاقا منها مجموع رؤى تجلَّت بشكل ملحوظ في جُل المتناول من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية  بصفة عامة.

 ما تتناوله بنحامي في هذا الكتاب مثال على هذا الطرح؛ تضيف "أوقفتني كتابات الأديب أحمد فضل شبلول لتميزها بما تضمنته من رمزية تبنت الخوض في ما ورائيات الدلالة اللغوية، كما تجلى ذلك في روايته "الماء العاشق" وديوانه "أختبئ في صدري". إذ غلب على الصور المنتقاة من الرمزية ما يتعذر التوصل إليه من أول وهلة؛ لغلبة المتخيل الذي يتمحور حول مفاهيم شاركت في التأصيل للإبداع الأدبي والفني؛ شعرا ورواية. هذا الإبداع الذي تجاوزت غايته في الرواية مثلا ذاك الترفيه السردي؛ والحكي المتعارف عليه والذي كان يعتمد في غالبه حبكة تشد القارئ المتلهف على تمثل خاتمة لها. فبهذا الاختلاف الذي توفرت له عناصر وتقنيات الكتابة الحديثة تمكن الروائي من شد انتباه المتلقي الباحث عن كنه المضمون المخالف لما عرف قبلا.  وما يقال عن الرواية يقال أيضا عن الشعر وعن تمكن الشعراء في مجالهم؛ إذ طغت الرمزية بشكل ملحوظ على منتوجهم الشعري؛ مما جعله مُكوِّنا لافتا في مجال تنبيه الشعوب لترى محيطاتها وعوالمها قصد إيجاد الحلول لمشاكل أوطانها. وما اعتماد الرمزية بطرح الفكرة المبطنة التي تحتاج إلى مجهود من طرف المتلقي لفك رمزيتها إلا نوع من الاجتهاد الإبداعي الذي يحسب للمبدع المتمكن.

 وتؤكد الناقد المغربية أن الأديب أحمد فضل شبلول استطاع أن يتحفنا من خلال "مائه العاشق" بمجموع صور غلب عليها المتخيل المتمحور حول مفاهيم شاركت في التأصيل لشكل الرواية الحديثة المتبنية رؤى تجاوزت مجال الترفيه المرصود من شكل الحكي المتعارف عليه؛ الذي يعتمد قصة تُـروَى قصد التمتيع؛ بأحداثها التي تدور في فلك حبكة تُـنتَـظَر خاتمتها بلهفة من قارئها المتمتع بها؛ والمرتبطة بمكان وزمان معينين..              

  وترى إن المقومات الأساسية التي تراعى في دراسة فن الرواية مثلا؛ هي نفسها المعتمدة في التعامل مع باقي الفنون الأدبية على اختلاف أصنافها والتي تَعتمِد أساسا مقومات اللغة؛ سردا ودلالة؛ إلى غيرها من المكونات الواجب التمكن منها في مجال يفرض على الأديب التعامل معها بتقنية المتمكن منها؛ المبدع في مجالها. وذاك ما يراعى من طرف الدارس الباحث؛ لأنها تُعَـد من الركائز الأساسَ لفن الكتابة الأدبية؛ إن رواية أو شعرا؛ حيث نراها متجلية في كتابات أدبائنا التي تخضع لما تتطلبه فنية كتابة الرواية والشعر اللذين أصبحا لرمزيتهما أنموذجا للكتابات الناجحة المبهرة.. وأصدق مثال على ذلك مايتم تداوله في هذين الميدانين؛ حيث أصبح للرمزية دورها الواضح والمتجلي من خلال المتداول من إبداعٍ متعدد لأدباء عايشوا معاناة شعوبهم فصوروها بصدقية متناهية تطلبت الإحساس بها وبمسؤولية إيصالها؛ وإن بأشكال تتطلب غالبا طرح الفكرة المعالجة بطريقة مبطنة تحتاج للبحث والتقصي للوصول لها؛ لدلالاتها المعتمدة التي تحتاج مجهودا لفك طلاسم رموزها؛ وذاك ما عايشناه ونحن نحاول قراءة إبداع أديبنا الروائي والشاعر أحمد فضل شبلول الذي تنتمي كتاباته إلى ميدان من الإبداع أثبت وزنه ومكانته منذ القديم، وهو ما سنحاول توضيحه بصورة أكثر تفصيلا أثناء تناول ديوان "اختبئي في صدري" ورواية "الماء العاشق" لأديبنا المصري أحمد فضل شبلول..

 

 محمد الحمامصي 

 

ميثم الجنابيصدر حديثا عن  دار (المركز الاكاديمي للأبحاث) كتاب الفقيد يوسف محمد طه. والكتاب متوسط الحجم (122 صفحة) لكنه يتسم بقدر كبير من الأهمية، وذلك لأنه يحتوي بقدر واحد على معايشة وانعكاس للتجربة التاريخية السياسية للحزب الشيوعي العراقي من جهة، ومعاناتها الفردية من جهة أخرى. ومن ثم يحتوي على مزاج الرؤية الصادقة لأولئك الذين ضحوا بل فقدوا حياتهم في السجون والمنافي وعذاب الغربة والاغتراب من اجل القضايا الجوهرية للشعب والدولة، دون أن يحصلوا بالمقابل على أي شيئ، بما في ذلك أمكانية الموت بهدوء وسكينة بين ذويهم. وأخذوا معهم أسرارهم ومعاناتهم ودفنوها بألم لا بعرفه إلا من عانى منه بصدق القلب والعقل والوجدان. وهي شريحة عريضة تعرضت لمأساة فعلية بأثر السقوط الهائل للوجدان الثوري العارم في حضيض الخذلان والهزيمة.

الأمر الذي كان وما يزال يخامر ضمير ووجدان هذه الشريحة المهمة في تاريخ العراق الحديث والمعاصر. لكنها اخذت بالتلاشي والذوبان شأن قطعة ثلج في صيف عراقي حار. ومع ذلك، فإن قطرات العرق والدم الذائبة تبقى في نهاية المطاف جزء مما يمكنه أن يروي ولو بقعة صغيرة من أرض تبدو قاحلة لكنها مليئة بالحياة.

وهذا الكتاب هو أقرب ما يكون إلى تعبير سياسي نقدي يتمثل ما وضعته اعلاه. لاسيما وأنني كنت استمع إلى حديثه الدائم معي وكمية بل نوعية المعاناة الدفينة التي عادة ما كانت تخرجه عن طوره للدرجة التي لم يكن أمامي سوى مهمة التهدئة النفسية وليس العقلية. ويمكن العثور على كل هذه الحالة والصيغة الدفينة في الكتاب. بحيث يجعله وثيقة حياتية وسياسية وفكرية بقدر واحد. فالقارئ يحس ويشم من وراء عباراته تيار الحياة والنقد العارم، على عكس ما وضعه الكثير من "قيادات" الحزب الخربة من مذكرات فقط (بلا تحليل ولا دراسة ولا نقد بالمعنى العلمي للكلمة). وهي مذكرات بلا رائحة ولا طعم شأن المصنوعات البلاستيكية.

1368 الحزب الشيوعي بين احتلالين

ويبدأ الكتاب بتقييم تاريخي لنشوء الدولة العراقية الحديثة وينتهي بسقوطها. وفي مجراها يتناول القضايا الكبرى التي صنعت الحزب الشيوعي العراقي وصنعها. وطبيعة الدراما والمأساة السياسية التي حلت بالعراق ولحد الان بأثر السياسة الخاطئة للحزب وصراع قياداته الضيقة وجهلهم المعرفي والانحطاط الاخلاقي للأغلبية الساحقة منهم. ومن ثم يكشف عن المفارقة التي أدت إلى صعوده التاريخي باعتباره احد أقوى وأكبر الأحزاب السياسية الاجتماعية في العراق الحديثة، وانهياره الشديد أيضا.

واكتفي هنا بالمقدمة التي وضعتها للكتاب. ففيها يمكن تحسس ورؤية مضمونه وأسلوبه وغايته النهائية.

(إن من لا يترك بعده شيئا فهو لا شيء، أو في أفضل الأحوال هو سماد الاحتمال. ومن ثم يحمل في طياته مختلف الإمكانات. وبالتالي لكل وجود قيمة وجودية وروحية. وهي الفكرة التي استوقفتني أمام مهمة تحديد المكان أو الحالة التي يمكنني وضع الفقيد يوسف فيهما؟ والحل الوحيد فيما يبدو هو ان أضعها ضمن إطار القيمة والمعنى في حياته وخاتمتها.

لقد ولد في الديوانية عام 1952 وتوفي في السويد عام 2019، ونقل جثمانه إلى كربلاء لكي يستقر فيها استقرار الموتى والأحياء. وما بينهما حياة مليئة بكل ما مر به العراق من أحزان وتحولات وتغيرات ونجاحات وهزائم وأفراح وأتراح. باختصار، كل ما يميز الحياة من تناقضات لا تحصى في وحدتها.

لقد ولد وعاش في المرحلة التي بلورت وحدة الشخصيات المتناقضة، التي نرى آثارها لحد الآن في العراق: صراع مقيت بلا معنى وآفاق مستقبلية مجهولة، باستثناء غريزة الفرجين وهمجية العقائد الميتة.

وبالمقابل يمكننا الجزم، بأن كل ما لا يحكم بالعقل أو يحتكم إليه ميت بالضرورة. وهي الفكرة التي تقترب بمعايير المنطق إلى مستوى الفرضية الحية والبديهة الجلية، التي أخذت تتراءى له في العقد الأخير من حياته بعد مرورها بكل دهاليز العقائد السياسية والأيديولوجية، والحياة العادية، والصراع الاجتماعي والسياسي، وحالة العراق بعد تخلصه من الدكتاتورية الصدامية، وسقوطه بين فكي الاحتلال الامريكي وهشاشة النخب السياسية العراقية الحالية وطابعها الرخوي. بحيث يبدو العراق في مراحل الدكتاتورية و"الديمقراطية" من طراز واحد. وكلاهما وجهان لمعالم الانحطاط والتخلف وانعدام الشخصية والترهل الغبي والنخب الفاسدة وهيمنة قطاع الطرق واللصوص والأنذال وكل ما يحتويه قاموس اللغة من أوصاف لمختلف مظاهر الرذيلة. وهي أوصاف لا يخلو منها كل من هو موجود أو وراء كواليس السلطة الحالية في العراق!

وقد كانت هذه الحالة المريرة أحد الأسباب التي ساهمت في مرارة حياته وموته المرير. كما أنها الحالة التي تحزّ في قلوب أغلب القوى والأفراد الذين تبلورت شخصياتهم في مجرى الثورة والجمهورية الأولى. بمعنى أولئك الذين كانت مفاهيم الحرية والتقدم الاجتماعي والعدل والمساواة وغيرها من القيم الرفيعة، بداية ونهاية وعيهم السياسي وغاية أحلامهم. وليس مصادفة أن يلاقي شعار (وطن حر وشعب سعيد) الذي رفعه الحزب الشيوعي، الذي انتمى إليه يوسف وناضل من اجله وكافح وضحى بأغلى ما يملك حتى وفاته، من تأييد على مستوى الحس والعقل والحدس لدى غالبية العراقيين. بينما كان يرى بأم عينيه ويتحسس كل ما في العراق بجلده وقلبه وأعماقه على انه (وطن مستعبد وشعب كئيب).

وهذه من المفارقات المؤلمة لمن تشبّع بقربان التضحية من اجل الحق والعدالة والنزعة الإنسانية، لكي يعود العراق إلى موقعه الفعلي، ولكي يستعيد ما فيه من تاريخ حي عميق.

فقد كانت الفكرة الشيوعية من بين تلك العقائد الفلسفية والسياسية العملية التي انتشرت واستهوت نفسية ذهنية العراقيين، وبالأخص اهل الجنوب والوسط. بحيث تحول هذا الارتباط إلى نكتة ظريفة حاولت أن تجمع في كل واحد هذه الحقيقة التاريخية بعبارة تقول شيعي وشيوعي وشرقاوي. بينما اشتق أهل الشام بطريقتهم الخاصة هذه الثلاثية بعبارة تقول: شرطي وشوفير (سائق) وشرموطة (مومس). وأيا كان شكل المقارنة ومحتواها وإمكانية تأويلها وتطبيقها إلا أنها تشير إلى حقيقة لها أبعادها وأعماقها التاريخية بالنسبة للعراق. ففي أبعادها التاريخية الفعلية تقوم في انتشار الشيوعية وتأسيسها في العراق بين شيعته. ومع أن يوسف لا يحب هذه الأوصاف وظل ينتقدها حتى آخر أنفاسه، لكنه كان يلمح إليها بعبارة "أهل الجنوب والوسط" وحملتها من بين العرب. بمعنى انه حاول أن يربط بين الطابع العربي والشيعي للشيوعية الأولى دون أن يرجع مضمونها إلى طابع قومي وطائفي. على العكس. لقد كان كل ما فيه شديد المقت للفكرة الطائفية والقومية الضيقة.

إن القبول بالشيوعية بين اهل الوسط والجنوب، أو العراق التاريخي الثقافي لم يكن اعتباطا، بل أن له جذوره الخاصة. فقد كانت سومر وبابل، والبصرة والكوفة الموازاة التاريخية الثقافية التي أرست أسس الوجود الثقافي للعراق القديم والخلافة العباسية، أي القوى التاريخية الثقافية الكبرى في العراق وللعراق والعالم العربي والثقافة الكونية.

فالأيديولوجية الشيوعية لها أنغامها الخاصة التي تتناغم مع الفكرة الإسلامية من حيث الدفاع عن مبادئ وقيم الحق والعدالة والنزعة الإنسانية الجامعة. كما أنها تستجيب للشخصية العراقية الأكثر ميلا للقيم المتسامية بما في ذلك أكثرها طوباوية.

أما الأوصاف التي جرى في يوم اطلاقها على أهله، بأنه موطن الأهواء فهو مجرد اتهام باطل وأحكام سطحية للغاية. لكنه حكم له بعض الجوانب الواقعية. بمعنى اندفاع أهل العراق الشديد صوب الأفكار المثيرة والمحفزة للوعي العملي، وبالأخص تلك التي تحمل في اعماقها وتستجيب للروح الوجداني المتحمس. وقد كانت تلك الصفات في صلب الشخصية والفردية والفكرية والسياسية ليوسف. من هنا انغماسه التام فيها في البداية وشعوره بالخيبة منها في أواخر حياته. إلا أن ذلك لم يكسر المفاهيم والقيم الجوهرية والوجدان الصادق من اجل البدائل الوطنية والقومية والإنسانية.

بعبارة أخرى، إن كل حكم أو أحكام تختزل التاريخ العريق وإبداعه العظيم في عبارات صارمة تبقى في نهاية المطاف مجرد أهواء. وكل ما قيل عن أهل العراق بأنهم اهل أهواء كانت تصدر من أهل أهواء مرتزقة للمال أو الجاه أو العقائد السلفية الميتة.

فقد كان للعراق تقاليده العريقة في الفكر والثقافة والعمل. ففيه الأسطورة العميقة والدولة والحقوق والمدن والكتابة والعمران والفنون، ولاحقا علوم اللغة والقواعد والكلام والفقه والفلسفة والمنطق والعلوم الطبيعية، أي كل ما يكشف ويبرهن على سطحية الأحكام عنه. كما أن معنى الأهواء في الثقافة العربية الإسلامية كان مرتبطا بالعقائد السياسية والفرق الاجتماعية السياسية. وبما ان اغلبها ظهر في العراق من هنا ظهور المتضادات فيه. وهي الحالة المعقدة التي لا تستسيغها الذهنية السلفية المتعلمة بقواعد العقائد وليس بأساليب العقل الحر واجتهاده العملي.

وهذه حالة يمكن رؤيتها في شخصية يوسف وفكرته النقدية التي كتبها آخر أيامه، وبصورة أدق قبل حوالي ستة أو سبعة أشهر من وفاته. فقد أخذ منه مرض السرطان حياته وقوته وتفكيره ووجدانه. ووضع ما كان بإمكانه وضعه بهذا الصدد. بينما كانت مخطوطته التي أرسلها لي قبل وفاته بشهر تقريبا تعكس مخططه الأول للكتاب، بهيئة مشروع فكري واسع يتناول تاريخ الحياة السياسية في العراق الحديث منذ نشوءه الجديد، وأبعادها القومية والعالمية. والمكان الوحيد الناضج والمحدد في هذه المخطوطة هو ما له علاقة بالحزب الشيوعي. بمعنى أن هاجسه أو أولويات تفكيره هنا كانت مرتبطة بتجربته الشخصية. وفي الوقت نفسه، لموقفه الخاص من الحزب بوصفه القوة السياسية الكبرى في العراق الحديث التي أثرت اخطائه السياسية في تحول العراق إلى ما هو عليه الآن. وهي فرضية يصعب اعتبارها حقيقة تامة، لكنها تحمل في طياتها الإمكانية الأكثر واقعية ودقة بهذا الصدد. من هنا يمكن القول، بأن نقده السياسي والفكري والوجداني والأخلاقي للحزب الشيوعي هو بمعنى ما نقد ذاتي وشخصي من جهة، ونقد للفكرة السياسية والحزب السياسي في تاريخ العراق الحديث، من جهة أخرى.

وأيا كان الموقف منها، فقد كان موقفه مبنيا على أساس إدراك فكري وعملي ومعايشة فعلية وإحساس اجتماعي ووجدان عراقي وعربي. وعموما يمكنني القول، بأن الفكرة النقدية في كتابه هذا اقرب ما تكون إلى تقاليد الرفض والتمرد العقلاني. ولا يغير من ذلك كونها لم تكتمل بسبب موته الذي حال دون اتمام ما كان يخطط له.

لقد كان كل ما فيه أقرب إلى نفسية وذهنية التمرد والرفض لما يراه منافيا للحقيقة والعدل كما كان يفهمهما. وأيا كان شكل ومضمون القبول بهذه النفسية والذهنية، فإن أعظم الفكر والإبداع متمرد. والأعظم منه ما يبني عليه نموذج أو نماذج البدائل العقلانية والإنسانية. وهي هموم كانت تشغل كل ما فيه في العقدين الأخيرين من حياته. وقد ترك لي كل ما كتبه لكي أقوم بإخراجه كما ينبغي ونشره. وقد كانت تلك وصيته الأخيرة الى جانب دفنه في العراق. وكان يرغب بأن يدفن إلى جوار الوالد والوالدة. وقد مازحته فيها آنذاك قائلا: إذن ندفنك في بادية الرمادي! والسبب يقوم في أن الوالد مدفون في الشام (السيدة زينب)، والوالدة في العراق (كربلاء). وقد جعل من اهدائه الكتاب لكليهما تعويضا روحيا لذكرياته عنهما وارتباطه الصميم بهما. وسوف اتناول كل ما له علاقة بتاريخه السياسي وشخصيته وأهمية ما كتبه حالما انتهي من إعداد المخطوطات الفكرية، وبالأخص كتابه عن (العقل والطبيعة) وعدد آخر من الأبحاث الأخرى.

 

ميثم الجنابي

 

 

1371  التصوف اليهويشكّل التصوّف الإسلامي، رفقة التقاليد الروحية الهندية والصينية، إغراء روحيا للسّاعين لإرساء معنى لوجودهم من خارج أنساق الفلسفات الغربية في العقود الأخيرة. حيث تشهد معظم البلدان الغربية انتشار نوادي اليوغا والتأمل والروحانيات والرياضات الروحية، والتصوف بطُرقه المتنوعة أحد هذه المكوّنات التي باتت تغوي الدارسين والسالكين. ربما كانت أوضاع التوتر التي شهدها عالمنا في الحقبة الأخيرة، والتي أسهم تسييس الأديان في زيادة حدة تأجيجها، حافزاً لإعادة اكتشاف المخزون الروحي الذي توارى في غمرة الصرامة المؤسساتية والنزعة التشريعية المتشددة. من هذا الباب غدا التراث الروحي في الأديان الشرقية الهندية والصينية متابَعا ومحتذى، وبالمثل التراث الروحي العائد لدين الإسلام، رغم موجة الإسلاموفوبيا الضاغطة التي يتعرض لها.

ضمن هذا السياق العام، تنامى الانشغال بالتصوف اليهودي في الغرب، وليس بفعل ما يجمع الغرب المسيحي باليهود من تراث كتابي مشترك كما قد يُتصوّر. والجلي في الاهتمام بالتصوف اليهودي في الغرب، أن جلّ المنشغلين به هم من أبناء هذا التراث، أو لنقل من اليهود، في حين ما يميّز الانشغال بأنواع التصوف الأخرى، سواء ما عاد منها للتراث الإسلامي أو الهندي والصيني، فإن المتابعين أو الدارسين أو السالكين هم من الغربيين أساسا. وربما يُعَدّ أهالي تلك التقاليد المشار إليها –الإسلامية والصينية والهندية- من المقصّرين لو قارنا ما قدّموه بما يشتغل عليه الغرب.

في هذا المناخ المتطلّع إلى إعادة اكتشاف الميراث الروحي، أعدّ الدارس الإيطالي جوسيبي لاراس (1935-2017) مؤلّفاً رصينا صدر بعد وفاته بعنوان "التصوف اليهودي"، عرض فيه خلاصة قيّمة حول مضامين التراث الروحي اليهودي. ولاراس هو من كبار الدارسين اليهود الإيطاليين المهتمين بالحقبة اليهودية الوسيطة، وتحديدا بموسى بن ميمون. شغل الرجل مناصب بارزة في الحاخامية اليهودية في إيطاليا، كما تولى تدريس تاريخ الفكر اليهودي في جامعة ميلانو إلى جانب نشره جملة من المؤلفات القيّمة في الشأن.

والتصوف اليهودي كما يعرضه مؤلف جوسيبي لاراس، هو ذلك المسعى الهادف إلى خلق صِلة حميمة بين اليهودي وإلهه، بما يضفي على التصوف بهذا المعنى صبغةً روحية متوهجة تتطلع إلى بلوغ الوجد. حيث يسعى الصوفي إلى نحت مقارَبة في فهم المقول المقدّس يردفها عيش تجربة بما يتخطى المعاني الظاهرة. وبكلمة موجزة، الفكر الصوفي -ضمن السياق اليهودي- هو تطلعٌ لتجاوز ما هو مباشر وحسي والولوج إلى غور الأشياء، عماده تأويل الرموز التي تعمّر الواقع، وذلك بقصد بلوغ الدلالات الثاوية والمقاصد الخفية للمراد الإلهي. وعلى نطاق عام يتجلّى التصوف اليهودي، وفق الكتاب المذكور، ضمن خاصيتين متمايزتين: الأولى تصطبغ بصبغة الممارسة التقوية والثانية بطابع التعقل التأملي. ضمن الخاصية الأولى يلحّ التصوّف على عنصريْ التسليم والرضى بقصد بلوغ اليقين، بوصفهما السبيل والأداة لمراودة توحّد حميم لذات المتصوف مع إلهه؛ حيث تحوز الصلوات والأذكار والترانيم والأدعية، ضمن هذا السياق، مكانةً رفيعةً. في حين تصطبغ الخاصية الثانية، العقلية والتأملية، ضمن التجربة الصوفية، بالسعي إلى توضيح الصلة بين العبد وبارئه، أو بشكل عام بين الخالق والكون. وضمن الخاصية الأخيرة يندرج تواشج بين التصوف والفلسفة الدينية اليهودية إبان القرون الوسطى، حتى وإن لاح تمايز جلي للوهلة الأولى بين التصوف والبحث الفلسفي، بموجب النهج الذي تُقارَب به المسائل. فإن تكن فلسفة الدين تقوم على بناء منطقي، فإن التصوف يقوم على مغامرة حدسية ذوقية، كما لخّص ذلك سفر المزامير "ذوقوا وانظرو ما أطيب الرب، طوبى للرجل المتوكل عليه" (المزمور 34: 8).

وبناء على مضامين التصوف اليهودي المتشعّبة، يمكن حصر الترقي الروحي وتوصيفه وفق ثلاثة مستويات: مستوى لاهوتي، ومستوى نفسي، ومستوى خُلقي. حيث ينشغل المستوى الأول باحتضان الكائنات الوسيطة بين الإنسان والإله، من ملائكة وأرواح وكائنات لامرئية؛ وينشغل المستوى الثاني ببيان كيفية تطوير الإنسان مداركه الحدسية باعتماد الرياضات الروحية بقصد بلوغ مقام الشفافية؛ في حين ينشغل المستوى الخُلقي ببيان سُبل تطبيق الترقي والتعالي في الحياة، حيث يتواجد الصوفي في الكون ويتسامى عنه، ويحضر في الخَلق وهو مهاجر لهم.

تبدو الإحاطة بالإطار التاريخي ضرورية، كما أوضح جوسيبي لاراس في القسم الأول من الكتاب المعنون بالفكر الصوفي، لإدراك التحولات والتطورات التي مرّ بها الترقي الروحي اليهودي. وهو ما يمكن توزيع التصوف ضمنه إلى أربع حقب بارزة. حيث نجد الفترة التوراتية المبكرة، التي يتعذّر فيها الحديث عن تصورات صوفية بيّنة أو صياغات صرفة. فالحياة الدينية في هذا الطور يلفّها ما يمكن أن نطلق عليه "الوعي الصوفي"، حيث تشيع مسحة دينية شفافة تطغى على رؤية الذات وعلى تمثّل الكون. تلي ذلك فترة قديمة، أو ما بعد توراتية: وهي فترة متميزة بكثافة التعاليم الباطنية، حيث التصورات الصوفية لا تزال في طور التشكل، حتى وإن عانقت كافة مظاهر الحياة الدينية. ثم تأتي فترة القبّلاه: وهي فترة ممتدة ومتداخلة، شهدت ظهور العديد من الأعمال المرجعية التي أرست معالم البناء النظري الصوفي. والملاحظ أنه غالبا ما هيمنت على هذه الفترة مضامين عمليْن بارزيْن هما 'سفر بهير' (السفر الباهر أو سفر المشرق) و'سفر الزوهار' (سفر الضياء أو سفر الإشراق)، اللذيْن مثّلا حجريْ زاوية في التصوف اليهودي عامة. لنصل إلى الفترة الأخيرة وهي فترة الحاسيدية الحديثة التي شهدت بروز خط ديني، فكري وعملي، متأثّر بما دبّ في الشتات اليهودي من تململ ويغلب عليه المنزع التقوي، وهي فترة مشوبة بالصراعات التأويلية المتضاربة داخل الفكر اليهودي.

فقد تنازعت التصوف، ضمن تطور الفكر الديني اليهودي، رؤيتان روحية وفلسفية. يشرح موسى بن يعقوب كوردوفيرو أحد أعلام القبّلاه الفرقَ بين القبّالي، المنشغل بالأسرار، والفيلسوف، المنشغل بالمقولات العقلية قائلا: يبدو عمل الأول كمن يحمل كيسا على عاتقيه، يعي ما فيه ويدرك فحواه، في حين يبدو عمل الثاني، الفيلسوف، تتبّعاً عبر التعقل والاستقراء والملاحظة لاكتشاف فحوى الكيس. والجلي كما بيّن كوردوفيرو أن الفيلسوف مهما أجهد نفسه هو غير قادر على الإحاطة بغور ما يعتمل في ذات المؤمن، وهو في أقصى الحالات بمقدوره بلوغ وعي أفقي، أي ذلك الذي يحكم علاقة الناس الخُلقية بعضهم ببعض، مثل "لا تقتل" أو "لا تسرق"، وليس بوسعه بلوغ ذلك الوعي العمودي الرابط بين الكائن المتناهي والكائن اللامتناهي، لانتفاء قدرات الحدس لديه. فالجلي أنه حالما يتحقق مستوى من القرب العمودي لدى السالك الروحي، يغدو متيسرا له الفناء في ذات الله، وهو شكل من التصوف، كما يقدّر لاراس، تعود جذوره إلى فيلون الإسكندري، الذي يرتئي أن التواصل مع الرب يقتضي "الخروج من الذات"، أي بلوغ مقام 'الوجد'، أو بعبارة أخرى، إلغاء مدارك العقل والحواس وإطلاق فوران الوجد.

في هذا الإطار يذهب صاحب مؤلف "التصوف اليهودي" إلى أن القبّلاه تقتضي دراسة معمقة وشاملة لمن أراد الإلمام بتطورات التصورات الصوفية، فدون ذلك يتعذر الإلمام الصائب بتشعبات التصوف اليهودي. فقد ظهر المسار القبّالي في التراث اليهودي متأخرا نوعا ما، وذلك إبان الحقبة الوسيطة تقريبا، مع منتهى القرن الثاني عشر. وضمن هذا الاجتراح يُعَدّ نص "السفر الباهر" الإطار الرمزي الحاضن للفكر القبّالي. كان ظهور "السفر الباهر" في شمال إسبانيا تحديدا في منطقة بروفانس، وهي الفترة ذاتها التي شهدت بروز العديد من الحركات اليهودية المتأثرة بالجدل الإسلامي في الأندلس. وبالتمعن في القبّلاه يمكن القول إنها المرجعية الأثيرة للتصوف وللباطنية وللثيوصوفية، توسّلت عبرها شتى السبل، الروحية والعقلية، بهدف بلوغ سرّ الألوهية ورسم السبل المؤدية لها. فالقبّالي هو سالك طريق الله، من خلال اكتشاف صفاته ومظاهر تجلياته، أكان ذلك بالانتهاء عن منهياته أو بمراعاة أوامره بقصد خوض معراج عماده تنزيه الروح والتعالي بها. والجلي أن التراث القبّالي الثري والمتنوع، قد تمحور على مدى قرون حول الزوهار، رافعا إياه إلى درجة القداسة جنب "الأسفار المقدسة"، ولا زال هذا المؤلف المحوري يحظى بالإجلال والتقدير إلى اليوم في الأوساط الصوفية على غرار التوراة والتلمود. فالكتاب الذي تمحور أساسا حول التأمل في مضامين التوراة، وإن لم يلتزم في ذلك منهجية واضحة وغلب عليه التطرق إلى مواضيع متداخلة في التفسير والتأويل لحلّ مسائل فقهية وعقدية ضمن القضايا المطروحة حينئذ، وإن نُسب الكتاب إلى الربي شمعون بار يوحاي، معلم المشنا الكبير، (المتوفى سنة 160م)، أي ضمن بيئة التأليف الفلسطينية (في منتصف القرن الثاني الميلادي)، فإن نقد بنية الكتاب ومضامينه تكشف أن التأليف وإن أعيد إلى فترة متقدمة، بحثاً عن مصدرية تأصيلية موغلة في القدم، فهو في الواقع نتاجٌ متأخرٌ يعود إلى القرن الثالث عشر، وهو ما يذهب إليه الباحث المعروف جرشوم شولام (1897-1982). حيث ينتقد شولام الإيغال في مصدرية الكتاب التاريخية (القرن الثاني)، وينسب صياغته إلى موسى ليون (1250-1305م). هذا وقد اعتمد الدارس شولام في نقده على التحليل اللغوي أساسا، مبرزا أن آرامية الزوهار تختلف أشد الاختلاف عن آرامية الترجوم والتلمود، ولا نعثر على صلة رابطة.

من جانب آخر يحاول جوسيبي لاراس في القسم الثاني المتعلق بانتشار الفكر الصوفي التعرض إلى محطات وقضايا مهمة في التصورات الدينية اليهودية، على غرار القول بالتناسخ وظهور الحركات المسيائية. إذ بموجب التأثير العميق للقبّلاه على التصوف، حاول العديد من الدارسين التطرق إلى موضوع الروح، وهي من المواضيع الشائكة التي تعددت الرؤى بشأنها. حيث نجد ما يشبه الإجماع بين القبّاليين في القول بهجران الروح بعد الممات جسد المتوفى والحلول في جسد آخر، لتعيش تجربة ثانية. وقد عبّر القائلون بذلك عن تلك الرحلة بمفردة "غلغول" التي تفيد الدوران، والتي ترجمها شموئيل بن تيبون بكلمة "التحول". غير أن كثيرا ممن انتقدوا هذا التوجه اعتبروا الأمر حادثا تحت تأثير الديانات الوثنية التي طفح بها الشرق، والتي وجدت سندا في الديانات الهندية التي تذهب إلى القول بالتناسخ. يستند القبّاليون في دعم قولهم بالتناسخ (غلغول) إلى ما يرد في سفر التكوين، الإصحاح 38 وإلى ما يرد في سفر التثنية الإصحاح (25: 4-10). فإذا ما اقترف المرء خطيئة فإن روحه ملزَمة بعبور تجربة ترقٍّ نحو الطهر، بقصد استعادة النقاء الأول. وهذا الهجران والترحل للروح من هيكل جسدي إلى آخر، يمكن أن ينحطّ إلى الحيوان أو النبات وحتى إلى الجماد وفق المعتقد القبّالي.

من جملة القضايا الدينية الأخرى المطروحة في هذا القسم، مسألة تأويل سِفر نشيد الأنشاد المنسوب للنبي سليمان (ع). فالنشيد هو نصّ شعري جنسي بين عاشق وعشيقته. أثار عديد التساؤلات نظرا لجرأة التوصيف الماجن المعبّر عن حرقة غرامية حسّية بين عشيقين، كلف أحدهما بالآخر حدّ الفتنة. يستهلّ النص بتشوق العاشقة لمضاجعة حبيبها الذي عند ثدييها يبيت، ولتتكثف المشاهد الحسية. ولكن أمام الجنسانية المفرطة لنشيد الأنشاد اقتضى الخُلق الديني تأويل مضامين النص وإعطاءه تفسيرا رمزيا يسمو بالعلاقة بين يهوه وشعبه. والملاحظ أن لغة الغرام الفاضحة التي تطبع النّشيد ليست غريبة عن لغة العشق الصوفي عموما، تلك اللغة التي تعرف تجنْسنا كلّما ارتقى السّالك مدارج المحبّة والمكابدة.

فضلا عن ذلك، من القضايا الاجتماعية المهمة المطروحة في هذا القسم حركات الخلاص مثل السباتية والحاسيدية. فقد شكّلت مضامين الزوهار الرمزية حافزا قويا لجموع اليهود للتشبث بالدعوات الخلاصية. حيث حازت فكرة الخلاص المسيائي مكانة متميزة ضمن أنشطة هذه الحركات. كان سبتاي زيفي صانع ملحمة رمزية كبرى هزت الشتات اليهودي (1665-1667م) عُدّ فيها المخلص والهادي إلى جنة التوراة الموعودة؛ لكن اهتداء سبتاي زيفي إلى الإسلام والتخلي الفجئي عن ذلك المنزع المسيائي مثّل انتكاسة كبرى للحركة، تركت أتباعه في متاهة حقيقية. وبفعل النفوذ الروحي القوي لسبتاي لم يجد التأويل الباطني من تفسير لتحوله سوى بِوصمه بـ"القدّيس المذنب". لم تكن الحاسيدية (الحاسيديم) في الواقع سوى ردّ فعل على السباتية، معتبرة أن الخلاص المرجو متحقق من خلال التوحد الحقيقي مع الله وليس بوساطة زعامة إعجازية يمكن أن تنحرف عن المسار القويم، كما حصل مع سبتاي زيفي. فاليهودي، وفق المنظور الحاسيدي، ليس معنيا بأحداث التاريخ أو التدخل في مسار الكون، على غرار ما فعله سبتاي زيفي، بل يتركز مفهوم الخلاص لديه في روحه لا في ملاحقة هدف طوباوي مسيحياني.

من هذا المنظور شكّلت الحاسيدية خلاصا مزدوَجا لليهود اجتماعيا وروحيا. وبحسب إسرائيل بن أليعازر (1700-1758) مؤسس الحركة، لا يتمثل جوهر الدين في معرفة التوراة، بل في الاتحاد الصوفي مع الرب، وهو ما يتيسر بلوغه بالتركيز على العبادة والتوراة. ودائما بحسب أليعازر فالرب هو حاضر في الكون ويملأ العالم وبالتالي هو قريب من اليهودي. وبحسب ما تذهب إليه الحاسيدية فإن "بعل شيم"، أو الحائز على سرّ الاسم الإلهي، يملك علم أسرار التتراغراما (يهوه)، الذي يمكن بواسطته اجتراح المعجزات.

حريّ أن نشير في ختام هذا العرض إلى أن كتاب "التصوف اليهودي"، على كثافته وعمقه، يغفل أو يتغافل عن التأثير الكبير للتراث الصوفي الإسلامي في التصوف اليهودي، المتطور في الأوساط الأندلسية، ناهيك عن محاكاة المقولات الصوفية الإسلامية.

 

الكتاب: التصوف اليهودي.

تأليف: جيوسيبي لاراس.

الناشر: جاكا بوك (ميلانو-روما) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2020.

عدد الصفحات: 106 ص.

***

د. عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

محمد ممدوحفى وسط  زحمة متراكمة من كتابات لا تساوى ثمن المداد، وفى زمنٍ بات العدوان فيه المعين والزاد، وفى ظل انهيار تام للقيم والروح واندثار الأخلاق والمبادئ، تأبى سنة الله إلا أن يقذف النور وسط تلك الظلمات، نعم .. النور قد يكون باهتًا فى غالب الأحوال، لكنها سنة الله، وإرادة الله، أن يأتى النور ليبدد وميضه حجب الظلمات وإن طال أمدها وتكاثفت أشعتها، فلا يمتلك الظلام القوة الدامسة على طمس النور ولو كان ضئيلاً .. إنه نور خرج من مفكر حر... مفكر يُذكرك بشيئين، الأول استمرار خيرية هذه الأمة لموعود النبى الكريم (ص) " الخير فىَّ وفى أمتى إلى قيام الساعة"، والثانى ميلاد نزعة الفكر المكسوة بالأدب كما كانت فى زمن الرقى الفكرى والأدبى والأخلاقى عند تلك القمم الشامخة بحجم العقاد والمازنى وتوفيق الحكيم، وعلى ذات القدر  ومن ذات الطراز يأتى مفكر مبدع فكرًا وأخلاقًا وأسلوبًا، ليمنح الإنسانية شارة أمل جديدة فى التخلص من بشريتها، فى تجاوز تلك المادية البغيضة، البحث عن كل ما هو علوى وقيمى وأخلاقى .. يأتى مجدى إبراهيم، المفكر الأديب، وهو أستاذ الفلسفة بجامعة العريش، ليغازل المثقفين والمفكرين وأنصاف الإثنين بكتاب لا أخاله إلا موازيًا تمامًا لـ" رأيت الله" للمبدع الراحل مصطفى محمود، ولـ " التفكير فريضة إسلامية " و "الله" و "أنا" للراحل المبدع عباس العقاد، إنها كتابات حُفرت فى وعى النفس، فى عمق ومضاتها، فى ريعان ذاكرتها وميعة صباها ... إنه البحث عن القيم المفقودة، الهدم والبناء، هدم السلبية والنرجسية والأنانية والأنامالية والإنعزالية البغيضة وسوءات  الأخلاق، وبناء الكلمة والصدق والوفاء ومنبع القيم الأصيلة، إنه "رسالة الفكر فى زمن العدوان".. ذاك العمل الفكرى الذى أخرجه للنور دار نيو بوك للنشر، والذى يُعد من مفاخر نشرها ومن أعظم ما نشرت لاسيما وقد اعتادت تلك الدار على النشر لكبار المفكرين بحجم د. عمرو شريف، ود. محمد عمارة، وغيرهم، ليأتى هذا العمل الجديد يحمل طرازًا جديدًا فكرًا وأدبًا، ليقدم للأمة صيحة جديدة نحو بناء التراث وفق هرم القيم، ونحو إستعادة الواطن عبر منظومة القيم أيضًا، فتلك هى الثورة التى يحملها ويحلم بها " رسالة الفكر فى زمن العدوان".

العدوان على القيم، العدوان على المبادئ، وكم تبلغ النفس حسرةً وألمًا عندما يأتى العدوان من دعاة القيم أنفسهم... من دعاة المبادئ ذاتهم، إنهم – ويا للأسف – يقولون ما لا يفعلون، ونسوا أنه كبُر مقتًا عند الله أن يناقضوا بأفعالهم أقوالهم، أن يهدموا بنيانًا لم يُعرفوا ولم يُشتهروا أمام الناس إلا على أكتافه، وإلا بدعوى أنهم بناته، فإذا هم الهادمون ... وإذا هم الناكسون ... وإذا هم المارقون..

لقد ظهرت كتاباتهم أمام الناس بلا روح، بلا نبض، بلا صدق، ظهرت باهتة وباردة كمشاعر أصحابها، بل ظهرت سوداء داكنة كلون المداد الذى كتبت به، فلم تنبى تلك الكتابات بقدر ما هدمت، ولم تساهم فى بناء الوعى أو تحقيق الغاية من الثقافة والكتابة بقدر ما أضلت ونافقت وهللت للكذب وأسست ورسخت للنفاق، بوعى أو بغير وعى، بأجرٍ أو بغير أجر، المهم أنها نفذت الجريمة أخلاقيًا وفكريًا على المستوى الثقافى..

أما على المستوى الأخلاقى والسياسى فحدث ولا حرج .. بُعدان كلاهما أمَّر من الآخر .. هوان عربى واستفحال صهيونى .. انهيار فى منظومة القيم العربية تسبب فى إنهيار القوى العربية  سياسيًا وأخلاقيًا، يقابله على الجانب الآخر حرب صهيونية قذرة لا تعترف بقيم أو أخلاق، ولا تقيم وزنًا للمجتمع الدولى .. إنها رسالة الفكر فى زمن العدوان .. العدوان على الضمير ذاته...على القيم...على مبادئ الفطرة النقية التى ارتضاها الخالق سبحانه لهذا المخلوق، ففى الوقت الذى ينشغل فيه بنو خير أمةٍ أخرجت للناس بخلافاتهم البنذاتية، تأتى إسرائيل وبنو صهيون ليزيدوا من مستوطناتهم على الأرض العربية جغرافيًا، ويسخروا العلم لصناعة الميكروبات والفيروسات لإضرار الجيران من بنى العروبة أخلاقيًا، ويتوصلوا إلى أخطر الأسلحة النووية والكيماوية سياسيًا .. إنه زمن العدوان بحق، فأى فكر يصلح فى ظل عدوان على الإنسانية، فى ظل ثورة ضد الإنسانية .. ضد الله ذاته ... ضد المبادئ والقيم العلوية، ضد بارئ الإنسانية .. هكذا تسير موضوعات " رسالة الفكر فى زمن العدوان " مناضلة لأجل تلك القيم، باحثة عن مضمون هذا الدين وجوهر رسالته العالمية، متذرعة بأخلاق صوفية يتمتع بها مفكرها، ليُضفى على كتاباته رونقًا من الأصالة والحيوية والإنفعالية، تأتى فى رحاب من الصدق فى التوجه والعزم فى حمل الهموم، وكم امتزجت تلك الموضوعات بالأدب، وكم سيقت فى رشاقة العقاد الأدبية، إلا أن ذلك لا يفُت أبدًا فى وحدتها العضوية، بل تسير كلها فى وحدة موضوعية... وحدة يمكن أن نطلق عليها عنوان " بناء منظومة القيم " أو " ثورة الوجود الإنسانى " إنما تحمل عبق المعانى الإنسانية مع عمق الوجود الفكرى، مصحوبًا ذلك كله برونق الأدب وجزالة عباراته .. هكذا تقرأ " من أقلامكم سُلط عليكم" .. "من القرآن نستمد القيم الكبرى" .. "مداد ملعون " .. "أقلام غير مسئولة" ... " زمن القيم الساقطة "... " عام الهوان العربى " .. " الوحدة العربية أو الكارثة" ...

تلك هى بعض موضوعات تلك الرسالة الفكرية التى تحارب وتناضل لبناء منظومة قيم علوية فى زمن لا يناضل إلا بالدبابة والبندقية، دعوة العقل فى زمن اللامعقول، دعوة الفكر فى زمن غطرسة القوة، هذا هو الواقع، وذاك هو المأمول، وما بين الواقع والمأمول تأتى موضوعات هذا الكتاب باحثة عن الوجود الإنسانى فى ظل عالم يأبى أن يتجاوز مرحلة البشرية بطينيتها وماديتها قيد أنملة.

إن هذا الكتاب رغم صفته الإنسانية ورسالته الأخلاقية التى يحملها على عاتقه فى شخص مؤلفه، يدل – كما أسلفت – على استمرار خيرية هذه الأمة، ووجود أدباء ومفكرين بها مهمومين بقضايا الإنسانية فضلاً عن قوميتهم العربية ووطنيتهم المصرية، كما يبث بما تناوله من قضايا مصيرية روح الجندية المخلصة فى أقلام المثقفين وفى قلوب المهمومين بقضايا هذا الوطن، إنه بمثابة رسالة تباشر قلوبهم .. اطمئنوا .. هدئوا من روعكم، فلا زال بعض المفكرين أحياء الضمائر، ويا لها من حياة، تلك التى يسيطر عليها الضمير وتغذوها مبادئ الأخلاق.. لا زال هناك أحرار يكتبون من وحى ضميرهم لا من وحى جيوبهم، من وعى ضميرهم لا من وعى حاجتهم، من قلب إيمانهم لا من قلب توجهاتهم السياسية أو الأيديولوجية، وفارق كبير بين النقيضين، بين الكتابة بوحى الضمير، أو الكتابة لاستجلاب الرزق، الكتابة بوحى الضمير تعنى قول الحق دومًا، أما الكتابة بحثًا عن الرزق فلا تخلو من النفاق أبدًا، وشتان بين الإثنين.

إذن ليطمئن المخلصون من أبناء هاتيك الأمة، فلا زال أحرار الفكر يكتبون، ولا زالت للأقلام جنة، وأى جنة، جنة تفيض بالمشاعر وتعشق القيم وتبذل لهما النفس والنفيس، لم يضع الخير أو يزول، ولن يندثر وجود أمة ترعى للإنسانية حقها أبدًا، فذاك وعد الله سبحانه، ليبقى الوجود وجودًا إلى أن تشاء المشيئة وتتدخل الإرادة.

لقد ألهب "رسالة الفكر فى زمن العدوان " مشاعرى، بالقدر ذاته الذى أثق أنه سيُلهب قلوب المثقفين والمهمومين بقضايا الوطن القومية، ومن ورائها قضايا الوجود الإنسانية، إنه بمثابة مراجعة لأحوال الإنسانية بأسرها، مراجعة لتصنيع السلاح، للكذب، للنفاق، للذين يصعدون على سلالم غير مشروعة ليأخذوا ما ليس لهم، لأولئك الذين يتاجرون بالقيم  باسم القيم، بالدين باسم الدين، يقلبون الحق باسم الحق، ويغدرون بالإنسانية باسم الإنسانية.

هكذا تجلت إرادة الله فى وميض نور يضئ الطريق للسالكين فى هذا الكتاب، ليفتح الباب على مصراعيه أمام الباحثين عن عودٍ حميدٍ للقيم الإنسانية أو لأولئك الذين يظنون انقطاع الخيرية، ليغلقوا أبواب اليأس وليفتحوا أبواب الأمل، لذا أوصى بقراءة هذا الكتاب، فقد انتهج منهجًا فكريًا لا أظنه جديدًا، ولكنى أظنه أصيلاً، أظنه بعثًا لمنهج الصدق والصادقين بعد رقدةٍ فى التراب طويلة، بثًا لروحه بعد الهرم، إنه سيفتح أبواب الأمل، ومن ثمَّ العمل نحو بناء منظومة قيم جديدة من ناحية، ثم نحو إعادة بناء المجد العربى من ناحية ثانية، ثم إعادة لفت الأنظار إلى الإنسانية المعذبة من ناحية ثالثة، لذا فإن هذا الكتاب يُعد مشروعًا فكريًا ذا ثلاث جبهات أعلن الحرب عليها كلها، وما كانت لتستكين أو تهدأ حتى يأتى نصر الله لتلك القيم على تلك الجبهات الثلاث، أما متى هو، فقل عسى أن يكون قريبًا، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

 

د. محمد ممدوح عبد المجيد