881 ايمان شمس الدينلمؤلفته: إيمان شمس الدين.

"حاجة الإنسان إلى الدين كضرورة لا تنفك عن وجوده، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس، ويسكن إليه، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته"

مقدمة

من المؤلفات الهامّة للغاية الصادرة حديثًا، في مجال التغيير والإصلاح، وقراءة مسارات النهضة في تقاطعاتها بالمعرفة، والمجتمع، وقضايا النكوص ومعارك الوعي في أطوار استكمال مهامه نحو التجديد، كتاب الباحثة إيمان شمس الدين، "التغيير والإصلاح.. مطالعة في التأسيسات والإشكاليات والمعوّقات"..

من اللحظة الراهنة في الواقع العربي والإسلامي، بتداعياتها المشوّشة، في ظلّ الاستبداد الممارس على الشعوب، والصورة المشوّهة في فهم الدين الإسلامي لدى الذاكرة الجمعية المجتمعية، ما أدىّ لظهور دعوات لتحييده، والتنازل عنه، بوصفه مادة وفعل عنفي خطير، واستحضار صراعات العولمة والنظام العالمي الجديد، في ظل الهيمنة، بدت لنا أهمية قراءة المادة المعرفية التي تضّمنها هذا الكتاب، لفهم ما يجري من انتكاسات في ذواتنا التاريخية والحاضرة، بالوقوف على أهم محاوره الفكرية والنقدية، وآليات اشتغاله في دراسة موضوعة الإصلاح، وتشابكاتها مع أنماط السلطات والنخب والجماهير، وبالصورة الحقيقية لخطاب الخالق، ودلالاته.

يأتي هذا المؤلَّف من باحثة متخصصة في العلوم الإنسانية، لها أعمال وكتابات كثيرة منشورة، ومشاركات بحثية في مؤتمرات عديدة، فوجدت أهمية في دراسة "طبيعة التغيرات الاجتماعية المتفاعلة مع البعدين الديني والسياسي" وسط "ظروف سياسية ودينية يُحيط بها لغة الحروب العسكرية والباردة، وتسلّط أنظمة مستبدة، وتآمر خارجي، للإفقار والتدمير وتغيير معالم الهويات الإسلامية والحضارية" لتأسيس وصياغة مشروع الإصلاح والحفر في طبقاته وتحديد أسباب اخفاقاته ومآلات نجاحاته، لنقف على أهم المميزّات في الرؤية المطروحة، التي يُراد بها انتشالنا من حالات التشظيّ والانقسامات.

والباحثة "إيمان شمس الدين" مثلما يُلمح في مقدّمتها، تؤمن بوظيفة المثقّف في تجاوز دائرة التخصّص الأكاديمي المحدود، للتفاعل مع سائر قضايا عصره، وإن أفدنا من عتبة عنوان الكتاب "التغيير والإصلاح.. مطالعة في التأسيسات والإشكاليات والمعوّقات" اتساع الموضوعة المقاربة عن تخصصها، لأن الإصلاح لا يمكن أن يقف عند ممارسات معينة وإنما هو مفهوم يتجسّد في مجالات معرفية متنوعة، دينية، فكرية، إنسانية، إعلامية، سياسية، مما يجعلها تنتصر في رهان المعالجة والمواجهة، في تعميق اشتغالها، وصلاته بواقع يرزح بأثقال الألم والوهن، لتحويله لمصدر فيض مُنتج للمعنى الإنساني في مستوى القيم المعرفية والحضارية.

بنية الكتاب

جاء الكتاب الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط1، 2019م. مشتملاً على 266 صفحة من الحجم الكبير، موّزعًا على ثلاثة فصول متماسكة ومتفرّعة إلى مباحث متعددة، اقتضتها طبيعة التناول وتشابك قضاياه، فخصّصت أولها لبحث "عناصر التغيير الداخلي والخارجي، وأهمّ معوّقات التغيير" و خصّصت الفصل الثاني "للإصلاح ومعوّقات النهوض"، أما الثالث " الإعلام ودوره في التغيير وحركة الإصلاح" فأحاطت الباحثة فيه بالمكوّن الإعلامي والخاصيّة الاتصاليّة على مستوى الأدوار والوظائف المتفاعلة مع الإصلاح. وبمنهجية متكاملة وجامعة، قاربت موضوعة البحث، بالتأصيل لعمليّة التغيير، ووضع روابط ارتكازية جامعة للبعدين السماويّ والأرضي، من أجل الكشف عن جوهر الإصلاح المبتغى، المراهن على دور الشعوب وحراكها أولاً، دون إغفال الدور الفكري المتحقق بالنظريات ومعالمها، وجماعة النخب والقادة المؤثرين بصورة خاصة في تغذية أي مشروع حضاري ودفعه.

مع الكتاب

قسمّت المؤلفة الفصل الأول إلى محورين: في الأول تطرّقت إلى عناصر التغيير الداخلي، والثاني عناصر التغيير الخارجي، كمنطلقات وعوامل مولّدة لشرارة العمليّة التغييرية، وموقدة لجذوتها وحاملة لشعلتها الإصلاحية، وفق خطّة طريق واضحة المعالم يسيرة الأسس، رفيعة الأهداف والغايات..

وتنطلّق في معالجتها للمحور الأول من فكرة انبعاث أي عملية تغييرية ينبغي أن تنبثق من الذات، على مستوى الفرد، ومقوّماته الداخلية، فتحت عناصر التغيير الداخلي، تفرّق الباحثة "شمس الدين" بين مفهوم التفكير المرتبط بنشاط العقل، أو ببحثه عن إجابات لتساؤلات أو حل مشكلات، والإدراك كحاضنة أوسع في شموله لعمليات عقلية عديدة، والوعي المستلزم حضوراً لانتباه الفرد والتفاتته لاشتغالاته العقلية، في إطار الخصائص النوعية المائزة للعمليات الذهنية. وتنطلّق، من تلك العمليات لتعدد تأثيراتها ومردوداتها، كمداخل متنوعة وأساسيّة تصب في سنخ عملية التغيير، بمقدار وظائفها وعلائقها بنظم التصوّرات، والصراعات الناتجة عنها، وما يستتبعها من تبنّي للمواقف والسلوكيات، وتقول "منطقة الذهن الحية، تعتبر منطقة حيوية خطرة في نشاطها وتحاج إلى تشريعات ضابطة، لانعكاس هذا الضبط تلقائيا على الفرد" وتعتبر "الأفكار إمامًا للعقل، والعقل بدوره إمامًا للقلب، والأخير بدوره إمامًا للجوارح والسلوك الإنساني".

وترى أهمية العقل وفعاليته في إصابة الحقيقة، وضمان سيره باتجاهات سليمة، تتمثل في إضاءة سؤال" كيف وبماذا نفكر؟" فحدوث الاستيعاب له، شديد الارتباط "في بناء مرجعية معيارية وقيمية للفرد والمجتمع" وتُعدّ "شمس الدين" "ضبط المجال الإدراكي للإنسان ونظم عملية التفكير ومنهجيتها"، وطرق استخدامها وتوظيفها، من المداميك الرئيسية في تفعيل الدور القيادي الذاتي لعملية التغيير، والمادّة الخام لتجاوز حالة العشوائية الاجتماعية المهيمنة على مشهد التثقيف والتعليم، التي قادت إلى ما اسمته اليوم ب فوضى المعرفة، تقول "يتداخل في الفوضى المعرفية ما هو حقيقي واقعي مع ما هو موهوم"

وتعيّن "شمس الدين" مراحل عملية التفكير، الماثلة في: "مرحلة التكوين، مرحلة الربط والتوسع، مرحلة التطوير والنمو، وينضاف للأخيرة التفكير النقدي" فيمكن للفرد أن يخطيء بصدد المحسوسات والمعقولات، في تفسير الأخبار، في تشخيص العدو من الصديق، وفي التشخيص الصائب للفهم النظري والعملي للموضوعات، داخل هذا الإطار تضعنا أمام بوصلة التفكير النقدي، وتجد فيها "مرحلة متحركة، ذات مراتب مشككة، تعتمد على سير الإنسان في طريق تكامله العقلي والفكري، ومراكماته المفهمية، حول ذاته، ومحيطها، ومع السعي المنهجي السليم تريه الأمور أكثر قربًا من واقعها، الذي غالباً ما يصنعه عوام الناس من العادات دون مراجعة فاحصة" وما يترتّب على النخبة المتقدّمة، في مد جسور التواصل والانصهار الإنساني والتصويب والمساهمة في تعميق التجارب العامة وتطوير المعارف لدى الفئات المراوحة في نموها عند أولى المراحل، والانطلاق بهم إلى مدارج جديدة.

وتُجمل "الباحثة" العوامل المؤثرة في عملية التفكير وتشكيل الأفكار، في "التأثر بالبيئة الأسرية المحيطة، البيئة المدرسية والعناصر المكونة لها ببعديها الإيجابي والسلبي، البيئة الاجتماعية ومكوناتها، السلطة السياسية والدينية. وعن وظائف الدولة والأسرة ومحورية التربية والتعليم في تشكيل بنية الأفكار، المساهمة في بناء العقل فكريًا ومعرفيًا وفلسفيًّا، وصناعة الوعي، وتوجيه السلوك." وفق منحىً تبادلي قادر على تشخيص الاحتياجات الفردية والمجتمعية وتبنّي المشاريع التوعوية في إطار البيت والمدرسة ومؤسسات الدولة، بوضع البرامج الجادة المواكبة للعصر، وتأهيل مدخلات العمليّة التعليمية، بإدراج الفلسفة كمنهج يهيئ الفرد لينخرط في البحث عن أجوبة الأسئلة التي تفرضها الماهيّة الجدلية المتُحرّرة لها، لتؤمن له طموحات النهضة.

وفيما يتعلّق بواقع الأنظمة والنظرية التعليمية، تصف "شمس الدين" واقعهما المنهجي بالمفلس والقديم، العاجز عن أداء مهمّاته الضرورية لتحقيق مخرجات متكاملة في جوانبها العقلية. وترجع سبب القصور الناتج بصفته مظهراً من مظاهر شكل الدولة فيما يخصّ الفضاء الجغرافي العربي والإسلامي، التي لم تستجب بحكم نظامها الوراثي أو الاستبدادي للشروط الموضوعيّة لخلق العقل النقدي، المُهدّد لبقائها واستمراريتها، وإن فعلت فلأجل جماعات انتقائية منحتها أفضل الفرص التعليمية؛ لتكون قوة تعبوية مجنّدة في أقصى تمثلاتها، لإدارة الصراعات المتخلّقة ضد الدولة، بتشريع من فقهاء مأجورين، أو بتغذية مقصودة للطائفية المفتتة لنسيج المجتمعات. وتقدّم صورتين مغايرتين للدولة إما حضارية، تُقرّ بالرأسمال البشري، أو سياسية تتقوّم بإكراهات ترافق الشعب، في وضع مُثقل بالظلم.

التفكير بين العقل الفلسفي والتلقين:

تتحدّث "شمس الدين" عن ضرورة تأسيس تصوّر لا ينظر لأدمغة الأفراد كأوعية للملء والتخزين، وكأن العقل مادة محدودة، ومعلوم أنه مجرّد وطليق، ميّزة العقل هذه يمكن استثمارها كفضيلة ونعمة، بإعادة الاعتبار للفلسفة وتضمينها في المناهج الدراسيّة، تقول "الفلسفة تبني ذهنية برهانية قادرة على النقد ورافضة للحشو والتلقين وتبدأ بالسؤال والشك، لا بالمسلمات واليقينيات والاتباع دون وعي"

وإن ثورات ومناهضة الأفراد والجماعات، لأنظمة الحكم، ليست مجرد وسيلة ابتداعية للخروج من حالة هضم حقوقها، بل يتعيّن لإحراز نجاحاتها، اعتبارها، سببًا ووسيلة ومقصدًا، "وهو ما يتطلب من الشعوب الراغبة في التغيير ونخبها أن ترسم استيراتيجية بناء جديدة للدولة تكون التربية والتعليم مرتكزا أساسيا فيها وهي الثورة الحقيقية التي تنتج واقعًا جديدًا".

التربية والتعليم وهدف التوحيد

وتلفتْ "شمس الدين" لموضوعة التوحيد ذي الدينامية المؤثرة، في تأسيس أفراد محكومين في مدى سيرورتهم وتطوّرهم، للخالق، لا للمخلوق، بإبراز وتعميق العقل الواعي بالوجود، الناشد ضمن حريته ووعيه وفطرته المجبولة لله تعالى وكماله، وتقول بأن "الاستبداد يقوم على ركيزتين معاكستين لميزتي النفس الإنسانية الحرية والوعي وهما القمع والجهل" وتضيف "التربية وسيلة لتحقيق الربوبية التامة، من خلال تقليل فرص هيمنة المستكبرين واتخاذهم ارباباً، وتمكين سلطة الله ومحوريته في الحياة" وترى افتقار عقل الفرد للنضج، بحيث لايوازي حجم صراعاته الداخلية، وشيوع التعبّد السلبي كان متجذّرًا عبر التاريخ، ولايفتأ يغذّي الانحرافات والجرائم بضراوة.

مصادر المعرفة ودورها في تشكيل بنية التفكير

وفق منطق تحليلي وتصنيفي تعدّد، "مصادر المعرفة في المدرستين الإسلامية والغربية، والأدوات الفاعلة في ترويجها، وهي، العولمة والتكنولوجيا والإعلام والتراث والتاريخ بكل مصادره، تؤطر البناءات الفكرية للأفراد وتنسحب على القطاعات السلوكية والمجتمعية، وخطوات ضبطها وتصويبها وغربلتها تُلزمهم بعمليّة التغيير بمعناها المشترك.

وتعرض الباحثة، "لأنساق الدين، الاعتقادي، والطقوسي، والمجتمعي"، وتقول "إن الشكل والوظيفة الاجتماعية للدين، مرتبطان بفهم شكل المجتمع وتطوره التاريخي، فدراسة الدين من خلال المحتوى التاريخي تساعدنا على رؤية وظائف الدين، إما على أنها عوامل مساعدة لتماسك المجتمع وإما عوامل مثيرة للصراع وذلك تحت تأثير الدين كاتجاه محافظ أو ثوري وهكذا"

من جهة ثانية تبيّن صور التناقض المرئية، في مفهوم الدين وتطبيقاته، العاكسة لقراءة بعض المرجعيّات الفقهية المُراد منها تطويع النصوص، واحتكار الفهم، لتسير بإتجاه تأكيد رغبات السلطة، ومصادرة أفهام الأفراد وتساؤلاتهم، حتى ليبدون غائبين عنها حتى الإمحّاء، فتمثيل الدين كجوهر البناء المجتمعي المطلوب، يقتضي الاعتراف بحق الآخر في طرح الأسئلة والمناقشة والاختلاف، وإن انتمى لخارج المؤسسة الدينية في تخصصه الأكاديمي، وتشجيع مسيرة المتعلمين الجدد، وعدم الوقوف على الماضي كمقدس ومعيق في مجمل الميادين الفقهية. وتقول "الدين كمحتوى إلهي معصوم لا إشكالية حقيقية فيه، لأن أصل وجود الدين وتشريعاته، جاء لخدمة الإنسانية وإرساء العدالة"

الدين وظمأ الإنسان إلى المعرفة:

تطرح "شمس الدين" سؤالاً محوريًا، "ما هي حقيقة المعرفة، أي معرفة تلك التي تنظم حياة الإنسان وترشده للعيش الكريم؟" وتنتقد طرح "العلمانية" لدى بعض المنتمين للأوساط الفكرية النظرية، باعتبارها حلاًّ، لأنهم مدفوعين من تصوّر ضيّق يُخفي الآثار السيئة، إلى تلمسها بحمولاتها الثقافية والرمزية والهوياتية، دون مراعاة الفروق والخصوصيّة المميّزين لشعوبنا، وتعزو السبب "للتداخلات والتعقيدات المتشابكة والمتراكمة للمشكلات التي تداخل فيها السياسي بالمعرفي بالديني ليخنق الإنسان لا ليخدمه" وبالدراسة المتأنية المفصليّة لواقع تلك الميادين المتداخلة، المتكئة على فصلها وتمريرها في مصفاة النظر، لتبيين معايبها، واختراق أقنعتها، واعتبار الحقيقة مرهمًا لمداواة أمراضها لاحقًا، تقول "في ظل الفوضى وادعاء امتلاك الحقيقة لايمكننا زعم استحالة معرفة الحقيقة والحق، بل علينا امتلاك الجرأة والقدرة على مواجهة التحديات لمعرفة الحقيقة بقدر ما نمتلك من ادوات منهجية، فلن أدعي قدرتنا على امتلاك كل الحقيقة ولكنني اقول يمكننا الحصول على جزء كبير منها إذا قررنا ذلك" أما جماعات النخبة الدينية والفكرية فلاجتذابهم نحو رغباتهم، يمكنهم الحياد بمعارفهم لحساب مصالحهم الخاصة. بحسب رؤية "شمس الدين".

وتضع الباحثة مواجهة الذات كخطوة أولى للتشخيص وكشف الميولات والمحفزِّات والتأثيرات ومتعلقاتها، لتكييفها بحيث تتوافق مع النموذج الفطري الأخلاقي. وتوسّل أفراد مستقيمين "تتقدم معارفهم ومصلحة الإنسان على مصالحهم" لخوض معترك "المواجهة والإصلاح. وتحملّ جميع التبعات على المستويات كافة." وتُعلّق "شمس الدين" امتلاك تلك القدرة بدرجة واضحة، تعين في الإجابة عن السؤال المحوري المطروح. والحقيقة التي تؤكد عليها باستمرار "حاجة الإنسان إلى الدين كضرورة لا تنفك عن وجوده، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس، ويسكن إليه، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته"

الادراك المعرفي وأدواته:

تشير إلى ضرورة العلم بمناهج التفكير، أو بما اسمته العلم الطريقي، "الذي يدرس مناهج الفهم ويوضح العلاقة فيما بينها وبين تأسيساتها القبلية، ومن ثم بين هذه التأسيسات وبين الفهم" الناظم لطريقة فهم النص الديني، في العالم الإسلامي، الذي أفرز مدارس "كداعش" في تعاملها الحرفي المتحجّر مع المصدر الديني، "دون مدخلية للعقل أو للزمان والمكان، ومداورة لتلك النصوص وإعادة موضعتها فيما يتناسب مع معطيات الحاضر".

وفيما يتعلّق بعناصر التغيير الخارجي، توّضح شمس الدين أن "المرجعية المعيارية التي ينطلق منها صاحب المشروع، الخطوة الأهم في بناء أي رؤية ومنظومة، وتقصد بها مجموعة المعايير والضوابط التي تشكل مرجعية معرفية له على ضوء منظومته الفكرية وتؤسس لمشروعه لتشكيل البنى الأساسية التحتية التي سينطلق منها للبناء الفوقي."

ووفق ذلك تحدد مدرستين متغايريتن تتصدّران المشهد وتشكلاّن شرائح عريضة من الأفراد في كنه العولمة وتداعياتها المؤثرة في تشكيل مفاهيمنا ومنظومتنا المرجعية. وهما، المدرسة الغربية والإسلامية، وتقول "هناك اختلاف كبير جدا بين الحضارتين أو المدرستين وهذه الفروق تكمن في القاعدة والبنية الفكرية والفلسفية لكليهما، والتي على أساسها يتم البناء الفوق والانطلاق نحو كل العلوم والمعارف الفوقية."

وتستلهم "شمس الدين" أطروحة الشهيد محمد باقر الصدر؛ لارتباطها بالرسالة الحضارية، لتقرّر أن الصدر يكشف لنا في معالجته المجتمعية المتسمة بالأصالة والإبداع، عن جانب هام بالقياس إلى عمليّة التغيير الاجتماعي، فيقارن من أوجه متعددة مكونات المجتمع وعناصره، لدى المدرسة الغربية الثلاثية الأطراف الرائية للإنسان والطبيعة والعلاقة بينهما، والمدرسة الإسلامية التي تضيف بعدًا رابعاً وهو الخالق. ويحلل القواعد الفكرية التي تنطلق منها المدرسة الغربية، الحريات في مجالاتها الفكرية والدينية والسياسية والاقتصادية، ومعرفتها المادية المنشأ في الحس والتجربة، هذا التصور يتعارض مع المدرسة الإسلامية التي تضيف العقل والنص لمصادرها المعرفية، فيختلف المثل الأعلى بالتبع لدى كل منهما، ففي الحضارة الإسلامية، يكون الخالق هو المثل الأعلى.

تقول "شمس الدين" "يرتبط المجتمع ذو التركيبة الرباعية كله معرفيًا ومنهجيًا بالله وصفاته ومنهجه، فيكون هو الأصيل والإنسان هو الوكيل، أي خليفة ترشح عنه الأصول، ومستخلفًا يتلقى الأصول ويستخدم عقله وتجربته في قراءة تلك الأصول" وتضيف عن المجتمع ذو التركيبة الثلاثية " غيّب الله، فالإنسان هو محورها، ومصادر معرفته محصورة بالحس والتجربة، وهو مثل منخفض؛ لأنه هو من يضع المرجعية المعيارية فلا يمكننا الوثوق بموضوعيته، وتجرده، وصراعاته الداخلية، وتغليبه لمنافعه وعدم شمول رؤيته"

التعاطي مع مخرجات الحضارة الغربية

وترسم أطر التعاملات مع الحضارة الغربية، بما يوجب الحذر والتدقيق في معطياتها، وما يتدفّق عنها، فيما يتقاطع مع الأس الأهم وهو الخالق وتعاليمه. وقبول غيره فيما يسقط في خانة التبادلات العلمية، والانطلاق من الاحترام، والمماثلة المستقلّة لوجودنا، في مقابل وجودهم.

وتنتقل "شمس الدين" من إطار التشخيص المفهومي لمرتكزات الحضارتين، إلى مستوى البحث في عينات ونماذج حية، أي من البحث في تفاعلات "مفكرين غربيين منذ القرن السادس عشر حتى الثامن عشر، بدأت إزاء جبروت العهد الكنسي، وتملّك الإقطاعيين ومنها حركة الإصلاح الديني وحركة التنوير، والحركة العلمية والثورات الصناعية والسياسية، فهيمنت الفلسفة الإنسانية، لاستعادة دور الإنسان الذي تم تجاهله طوال العصور الماضية"

وحول تحقيق القانون هدف الاستقرار الاجتماعي المستديم، تقول "جوهر الاستدامة في الاستقرار الاجتماعي هو إحراز القانون للعدالة الاجتماعية، والعدالة لاتعتمد في تحقيقها على القانون والانضباط الاجتماعي فقط، بل تحتاج إلى الانضباط القيمي والمعياري والأخلاقي على مستوى الذات وهو ما يمكن تحقيقه من خلال بوابة التقوى"

وتحت مصادر التقنين، تقول "المرجعية الإلهية تنظم القوانين وفق أسس ثابتة وأخرى متغيرة وفق الزمان والمكان، تكون فيها الثوابت مرجعية لتلك المتغيرات، بحيث تشكل قواعد صالحة لكل زمان ومكان، وتكون المتغيرات في مصاديق تحقيق تلك القواعد الثابتة، وإن كانت كليات ثابتة مع تفاصيلها، فإن المحرك العملي هنا، قواعد كلية مرنة منتزعة من الشريعة، تعمل كمفصل مرن يجعل من هذه الثوابت صالحة لكل زمان ومكان، كقاعدة "لاضرر ولاضرار" على سبيل المثال"

وعن معيار الاستفادة من تجارب الآخرين البشرية الاجتماعية وما يتعلق بالتقنين، تشترط "عدم تعارضها مع القواعد الكلية للشريعة، ومع مقاصد الإسلام العليا، وتحقيقها لجوهرة القيم "العدالة" وعدم امتهانها لكرامة الإنسان ودوره الخلافي في الأرض"

وتعود إلى الشهيد الصدر من خلال السنن الاجتماعية وضوابطها، وتفصّل في أنواعها وتبيين مدخليتها في عمليات التغيير الاجتماعي، وتقول "تقدم السنن قوانين عامة تحكم مسارات التغيير، لكن حكمها ليس حكمًا جبريًا، بل إرشاديًا وقانونيًا، لكن القانون يعتبر قانونًا تكوينيًا، وليس تشريعيًا".

وتتعرض عند الحديث عن التغيير بين الفرد والمجتمع، إلى آراء المفكرين والمدارس العريضة حول أصالة الفرد أو المجتمع، وتنتهي إلى نقد دوركايم ورؤيته المتطرفة تجاه أصالة المجتمع، وتخلص إلى كون "المنطلق من الداخل النفسي الفردي، ومن ثم تتسع دائرة النفس لتبدأ تأثيرها، في الأسرة ومن الأسرة تتسع لتنطلق إلى المجتمع" وتقول "إذا غير في نفسه ولم يستطع التغيير في اسرته، ولا مجتمعه، للتضاد في الأفكار والاهداف والقيم والمنطلقات، فإنه يركز على اسرته، وإن لم ينجح فهو مسؤول هنا عن النأي بنفسه، ويكون عمل ذا بعدين لايخضع لسنن التاريخ التي تتطلب توافر بعد ثالث وهو الساحة الاجتماعية".

وتوّجه بشأن معوّقات عملية التغيير الاجتماعي، من "غياب الأسئلة الكبرى المشكلة للتفكير، وحب الذات من زاوية النظر لمعنى الخير والشر للأفراد، وموروثات الآباء والأجداد، والتنميط الاجتماعي للجماعات والأحزاب، وثقافة التقليد، وعدم وعي ضرورة التغيير."

وتستدعي للإجابة عن سؤال محوري مطروح سلفًا، أي معرفة للأختيار؟. حواضن المعرفة وفوارقها المدرسية المتواجدة، في، المذهب العقلي، التجريبي، الإخباري، الإشراقي، والاصولي، وترصد أدوات المعرفة وسبلها، وحقيقتها، وتحدد معالم المنهج السليم لإرادة المعرفة القائم على أسس: البحث عن المعارف على قاعدة الدليل والبرهان، التسليم بوجود ثوابت حقيقية واقعية وفهمنا لها ليس كاملاً، أو مطابقا للواقع بل تتغير الأفهام بتطور أدوات المعرفة وتكامل القدرات العقلية البشرية مع التقادم، ضرورة معرفة وظيفة العقل وقدرته والإيمان بالذات وقدراتها، ومعرفتها، والتعامل مع الآخر بغض النظر عن الظروف الخارجية، يتم التعامل معه من موقع الندية المعرفية لا الذوبان المعرفي."

وتبيّن أن "تحقيق الهدف من وجود الإنسان لا يتم إلا عن معرفة صحيحة، تدفعه لاختيار المنهج الاصلح، هذه المعرفة تطرح له عدة مناهج وطرق وأهداف، بالتالي يشخص هو بعد هذه المعرفة الأصلح من الأفسد ومن ثم تنبعث إرادته لاختيار السلوك المناسب وتطبيقه في الواقع الخارجي، لتحقيق هدفه والوصول إليه" وتحذّر قائلة "الاتباع والتقليد القائمين على المألوف الاجتماعي أو جبره على الانتماءات العصبوية بكل أشكالها، يحولان الإنسان إلى مقلد فاقد للاختيار، وهو ما يجسد يوم القيامة بقانون البراءة، حيث تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ولا يبقى آصرة حقيقية تربط الإنسان بالآخر إلا آصرة المعرفة المرتبطة بالنوعية والأدوات"

الفصل الثاني: الإصلاح ومعوّقات النهوض

تكشف "شمس الدين" عمّا يصاحب الحراك التغييري في تاريخ البشرية الطويل، من "إشكاليات تتمثّل في: غياب النزعة النقدية، والتخلف والاستبداد، والارتهان السياسي واعتبارات القداسة" ومن بداهة حدوث التغيير المعبّر عن إمكانات لامتناهية لمسيرة العقل الإنساني، نضير الحياة المتجددة، وتطوّراتها، توضّح الأبعاد الثلاثة التي تتموضع عليها حركة الإصلاح، "البعد الذهني الذي تتشكل فيه الأفكار المرتبطة بغايات الإنسان، والواقع ومتغيراته وأحداثه، والسلطة (دينية، سياسية، ثقافية، فكرية) ودخالتها في تشكيل الواقع".

ويكتسب النقد لدى "شمس الدين" دلالات متعددة، منها ما يحمل "دلالة إيجابية، تنزع للوصول إلى الإصلاح في المنظومة الفكرية والمعيارية والقيمية للفرد والمجتمع، والمنهج والأدوات وآليات القيادة، الأفراد والجماعات والمجتمع، والقيادة بكل مصاديقها" كما يدل على "السلب" عندما يُراد به استعمال الوسائل النقدية الممكنة لمجابهة الحركة الإصلاحية، فالاستقلال والتمتع بحرية الفكر والخروج من حالة القصور والعجز عن استعمال الفهم، هو المعنى القوي الذي تلمح إليه كظاهرة في "المجتمعات الإسلامية، وخاصّة العربية والخليجية"

وتقرن في حديثها عن "الاحتياجات الفطرية للانتماء للجماعة" في المجتمع العربي والإسلامي، بمسائل "الأحزاب والقبليّات والسلطات" التي تقع في صلب رهانات "العنصريات" بإعتبارها مشغلاً مؤججًّا بالصراعات الصعبة، في مدار السياسة والدين والأعراف، لتدّعم وجود الأمة منطلقة من" فكرة التوحيد القرآنية، وتوسعتها، لتعميق مفهوم التعددية المذهبية، تحت شعار ومحور التوحيد "لله تعالى" وبدورها تخرجنا في مجتمع تعددي من المظلة الأيديولوجية المذهبية، إلى المظلة التوحيدية التي تتناسب وعالمية الامة الإسلامية" وترى ضرورة الطرح التكاملي في توجهات الأحزاب الإسلامية، بحيث تنبني في أدائها ومناشطها، على إلغاء الحدود الموضوعة لاكتساح السياسي للشأن العام، بتفعيل الثقافة والفكر المؤديان للتكوين الشخصي والتشكيل المعرفي للقدرات الشمولية.

وبعد توصيفها لأشكال الحكومات وما ينبغي مأسستها عليه، تنبّه فيما يخص "الإصلاح بين الأنظمة السلطوية وشبه السلطوية"، على وجود نظام يضمن للسلطة مجالات من الحظر، لايجوِّز مسّ مكانته، وتقول "إن الدول التي اقرت دساتير في منطقتنا هي دول شبه سلطوية، يتطلّب التغيير السياسي فيها للعبور نحو الديمقراطية المحققة للعدالة، والمناسبة لقيمنا وثوابتنا، فحركة الإصلاح مقدمتها الطبيعية، خضوع تلك السلطة للنقد والتقويم، وهو ما لا يتحقق إلا إذا امتلك أفراد المجتمع والشعب وعيًا بمنظومة المعايير والحقوق"

وتحدد ملامح "المنهج التعطيلي التوقيفي" في الخصوصيّة المشهدية للمجتمعات العربية والإسلامية، السائد أمام حركات الإصلاح، في "التربية على تقديس الرموز بطريقة غير عقلية، تمنع الفرد المستهدف من توظيف قواه العقلية بطريقة سليمة، ومنع النقد وتعطيله بحجة التكليف والقداسة، التي تمنع كل محاولة تقويم، ولا أنكر وجود التكليف في كثير من المسارات، ولكن أنكر توظيفه بما يشل قدرة الإنسان على التفكير والاستقلال في القرارات المتعلقة بمصيره وعلاقته بالله، ومنع التدوير الوظيفي والموقعي، فتعطّل طاقات الشباب، أو توظف بطرق غير سليمة وتبدأ عملية الانتكاس العكسي، وهنا يأتي دور النخب في قيادة المجتمع نحو حراك وعي"

أما "منهج النقد" المعادٍ للوثوقية المعلّبة، والمناويء للاستبداد بشتّى صنوفه، اجترحت ممارسته عند البعض مسالك خاطئة، تمثلّها "شمس الدين" ب "الصدامية من خلال الألفاظ المستخدمة، والتخوين الممارس بحق الآخر، ونقد من قال وليس ما قاله، وعملية النقد للرأي غالبًا شعبوية، لا تحمل مقومات النقد العملي، وتصدي من ليس أهلاً للنقد، والاسقاط الاجتماعي إما للناقد وإما لصاحب الفكرة"

وتُبيّن مظاهر الاستبداد في سلب الحرية تكون "على مستوى الدولة، و في الأسرة بفرض رأي الوالدين على الأبناء، وقمع آراءهم، وفي المجتمع، عندما يحاول الفرد ليصبح مستقيما فيما توارثه من عادات تخالف الدين والعقل، لينتهي معزولاً بسلطة القوانين الجائرة، و بإشاعة الخوف عبر الاعتقالات التعسفية، وبخروجه عن الثقافة التلقينية، وبتحكم السلطات بجهاز الإعلام لإشاعة وعي زائف يعارض صحوة الأفراد و بإهمال العلوم الإنسانية والفلسفية والمنطقية ذات المنزع العقلي الناهض، و بإدماج مؤسسات المجتمع المدني بما يخدم أجندات السلطة، و بتشويه جماعة المعارضة على مستوى الإعلام والقضاء، و بمشاريع تجارية ذات أهداف موهومة لاستنزاف أموال الأفراد، و بتطويع المناهج التعليمية في جانب العواطف غير المتزنة مع معايير التفكير".

وتُشير إلى المجتمع المقهور ومواجهة التجديد، هذه الصورة الجامحة "للمجتمع المقهور" لتفادي حالة الإنفصال، التي بررّت الاتصال مع "الواقع الاستبدادي الخارج"، فتتخذ ولافتكاك المسلوب منها، الوجهة التعويضية، بما يهيأ لها الانتماءات الواهمة، من شأنها أن تبرز خاصيّة أساسيّة، في التعاطي السلبي مع المشاريع التجديدية، فإذا كان الانفصال يحقق الدلالة الثورية في مجاوزة الحالة التقليدية نحو نظام تقدمي، فإن تماهي تلك المجتمعات مع الاستبداد ، يشكّل شرخ مباغت، وطفرة عليلة في جسد الحراكات، "من خلال عدة طرق أهمها: انشائها شبكة علاقات مع المتنفذين في السلطة ومع المستبد لضمان تحقيق حاجاتها الخاصة، تدفع بعض أفرادها للانخراط في السلطة، لتحقق بنفوذهم ما تريد، المصاهرة وخلق شبكة أنساب مع المستبد ومحيطه واستغلال ذلك لتحقيق نفوذ أو مطالب معينة. هذه طرق يمكن من خلالها للجماعات المنكفئة على ذاتها تحقيق وجودها بشكل محاصّة قبلية لاتمت إلى الدولة وبنيتها بصلة"

تطلّ "شمس الدين" في "التقليد ودوره في صناعة التخلف والاستبداد" على القناعات المثبتة والعادات المتوارثة، فمن شأن الاشتغال على التربية المتسلطة كبت الإرادات وحجرها، في القلاع الأبوية المحصنّة، ليصبح الأبناء وعلى قدر اتساع تلك العلاقة، في تقلّص للمساحات الفردية، فخطاب الطاعة العمياء، يسلب الأبناء حقهم في تكوين وعي مفارق لإملاءات جماعة الآباء، فيُغبنون، في النماذج والمفاهيم المؤولة بما يتماشى، والمطابقة مع رمزية الأب، تقول "فيصبح من مقومات العيش الكريم، امتلاك الأموال، مقابل الولاء الكامل للمستبد، وامتلاك الأموال والرفاه المبني على العطاء المشروط، وإحراز منصب متقدم في السلطة، شريطة القبول بها، حتى لو كانت متعسفة، والحصول على مميزات وظيفية مقابل التعامل مع المستبد، وإمرار مشاريع فاسدة له من قبل هذا الشخص، من موقعه الوظيفي لتنفيع أصدقاء له بصفقات غير مشروعة"

في البدء والمنطلق

تُجسّد رؤية "شمس الدين" للبداية الإصلاحية، لحظة لقاء بين عالمين، عالم القول، وعالم الفعل، ففكرة المزواجة بينهما تبقى واسطة عقد في اختبار صدقية المصلحين، وجدوى دعواهم، في ردم فجوة التقابلات الحادة بين ما يدعون الغير إليه، وحقيقة امتثالهم له، فنبرة إصلاح الخارج يتعذّر تحصيله دون البدء من الداخل، حاضرة بكثافة في تنظير "شمس الدين" في هذا الكتاب. وتربط بين خطين متوازيين في المنهج النهضوي الإصلاحي، "الأول، البناء الداخلي للإسلام وسبر أغوار الإشكاليات التي اعاقت إبرازه كحضارة ونهضة مستديمة، في سيرورتها التاريخية واكتشاف نقاط الضعف ونقد الذات من موقع المتمكن، والمعتز بهويته الإسلامية، لا من موقع التابع والمنهزم، ومستفيدا من الحضارات الأخرى، وتجاربها في النهضة والإحياء، ويتطلب ذلك تفكيكا بنيويا داخل ديني ابستمولوجيا، نشخص من خلاله أهم مكامن الخلل المعرفية في إبراز معالم النهضة الإسلامية، بالاعتماد على قراءة تجارب مصلحين سابقين، والثاني، البناء الخارجي المتعلق بالحضارة الغربية والعوامل الخارجية، المؤثرة في عملية التغيير والاطلاع على كل اسهاماتها، وثمارها اطلاعًا علميًا لا تابعًا، ناقدًا لا مستسلمًا، مستفيدًا لا مستنكفًا، مدركا الفروق الجوهرية ومكامن خلل الاسقاطات والمقايسات بينه وبين حضارات أخرى" .

وتتعرّض لمفهوم الإصلاح، بمعنى "التنظيم والترتيب، وهو حركة تحدث تغييراً نحو الأكمل، أي حركة ديناميكية مستمرة، والمصلح هو الشخص أو المجموعة التي تقوم بعملية التغيير نحو الأكمل" وبعد معالجة أسباب "عدم التناغم بين عدد الشعارات الإصلاحية المرفوعة ضمن المطالب النهضوية، وبين غاياتها على ارض الواقع"، وعدم وضوح العلاقة التلازمية بينهما، بحيث يؤسس الشعار لمفهوم النمط الإصلاحي المُراد، ويدل تمتع الأفراد بهذا الفهم على نجاح الشعارات المرفوعة، تبيّن اختلاف أهداف حامليها، بين الذاتي، والسياسي، واختلاف مدارسهم المنتمين إليها.

وبعد مناقشة "دور القداسة الشخصية واعتباراتها الدينية والفكرية، في دفع مسيرة الإصلاح أو منعها" تنتهي إلى اعتباريّة تأثيرها، لتضع اتجاهات لمعالجة جذور تلك المشكلة: الأول "تفكيك الخطاب الديني، لإعادة بنائه دون التنازل عن ثوابته، ثم صياغة خطاب ديني تعايشي ليس تساهليًا، يضع الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على حروف مقتضيات الزمان والمكان، وجعل الفتوى، في خدمة البحث الفكري ومواجهة الشبهات القادمة مع العولمة، وإنكار سلطة استخدامها بما يجعلها نوع من الإرهاب الفكري المؤسس على تقديس التراث والنص دون إعمال العقل" و الثاني "إعادة إنقاذ النزعة الإنسانية للدين"، و الثالث "إعادة إنتاج خطاب الإعلام، على ضوء ما سبق ليتخلص من رواسب التعصب باسم الدين"

ترصد "شمس الدين" حركة الإصلاح في إنتاج المعرفة الدينية، من تجارب المصلحين، وتأثيراتهم في مجال الحياة الواقعية في سياق تصدّيهم للإصلاح وبناء أشكال مختلفة من تجليات الوعي الديني، وتُعّدد أبرزهم "الشيخ النائيني، والسيد محسن الأمين، والشهيد الشيخ مرتضى مطهري، والشهيد السيد محمد باقر الصدر، والإمام الخميني، ومحمد عبده، وحسن البنا، ومحمد اقبال، وجمال الدين الأفغاني، ورشيد رضا، وآخرين." و"دور الوعي بالفارق، حافزا للسؤال عن سر التقدم الغربي كما عند رفاعة الطهطاوي، ودور الهجرات من الشرق إلى الغرب" الذي أوقف بعض الاعلام الوافدة، على إطار التحديث والمعاينة المبهرة المتفّوقة بأشواط عن محيطهم العربي، وكانت بمثابة محّركات للإعجاب وبواعث لمحاكاة الغرب، ولا تحصر قيام حركات التجديد على تخوم تلك الفترات التاريخية، بل ظلّت دائرة ومتعاقبة تحت مسميّات عديدة.

وتذهب "للمدارس التي برزت في الساحة المعرفية كردود أفعال في التعامل مع الثقافة الغربية: المدرسة السلفية، والحداثية، والتجديدية، والترقيعية، نتيجة للجدلية التي نشأت بين ما هو عليه راهن المسلمين وفهم الدين وبين المطالبين بالتجديد" وفي الحقل الديني، استعان المنادون بالتغيير، لإجلاء الدين من الفضاء التقليدي المتصلّب، وإعادة ترتيبه وعصرنته، بما يستجيب للتحديّات، عبر "مناهج المؤسسات الدينية، وبلورة رؤية إصلاحية، تحاكي الماضي، وتراكم عليه بالجديد والأصيل، وآليات التدريس الديني، وتطوير النظم الدراسية، وإعادة النظر في طرق الاستنباط الفقهي، وتجديد الاجتهاد لكي يغطي أكبر مساحة من الحياة بجميع مصاديقها، والفهم وأثره في بلورة الفكر الديني والنظرية الإسلامية"

الجبهات التي واجهها الإصلاحيون

وبقدر ما تشكّل التحولاّت والنقلات المعرفية، لحظات في مؤشر التميّز والانعتاق، وعلامة اعترافية على التقدّم في البصيرة، المغيّرة في مدى النظر ومألوفاته، فإنه يطرح في الوقت نفسه مشكلات ليس اقلّها تحدّي جبهات، تصدّ الوصول بإتجاه نجاح المشاريع التجديدية، ولا يغيب عن "شمس الدين" توصيفها، "جبهة داخلية تمثلّت في اختلاف الرؤى المطروحة، للإصلاح، لاختلاف الاهداف والغايات، والآليات، ودخول جدلية الأنا على خط الخلافات. وخارجية تمثلت في جهتين، التقليديون من العلماء والمتدينين الإسلاميين والمثقفين، والأكاديميين، والجماهير والعوام من الناس، وتحول الطرح العلمي إلى احتراب شخصاني، أطاح النظريات والحوارات العلمية من خلال قتل طارحيها اجتماعيًا، وفي داخل المؤسسة الدينية وإقصائه عن دائرة الحضور الاجتماعي والعلمي، مما أثّر على عملية الارتقاء العملي والفكري، ونشر ثقافة الخوف بين صفوف المصلحين وحدا بتخلف الكثيرين عن ثقافة الاختلاف والرأي الآخر، وإحلال بديل له وهو الإرهاب الفكري".

وتشكّل سمات "المشروع الناشد للتجديد والإصلاح الديني" واحتياجاته ب "مشروع توعوي يركز على جانبي الفكر والعاطفة، ويعالج المغالطات بطريقة مرحلية ومنطقية، مع طرح بدائل، والارتقاء التدريجي بوعي الجماهير، وطرح الإصلاحات خصوصًا، فيما يتعلق بالشعائر الدينية، مع تقديم البدائل، وتبسيط اللغة في الخطاب، والابتعاد عن الشخصانية في الطرح العلمي الجاد، وإصلاح الأفكار لا الأشخاص، وفصل السياسي عن السلطة ونخبها وفقهائها، ومشروع إعلامي قادر على محاكاة الجماهير، وفق خطة فكرية مدروسة تستطيع إحداث تغيير مفاهيمي، والتنسيق الفعلي بين المطالبين بالإصلاح في الفكر الديني والاصلاحيين الحقيقيين المنطلقين من فهم واع يحافظ على عنصري الأصالة والخلود"

وتطرح "شمس الدين" سؤالاً "هل الحاجة إلى التجديد في الفكر الديني تعني وجود نقص في الدين؟" لتجيب، بقصور العقل من ناحية النظر في وصوله إلى جميع الحقائق والمسائل وإدراكها، ودلّلت على صور التباساته، ومحدويته، بالاكتشافات والنظريات العلمية التي يتم التخلي عنها لاحقًا، لتبيان خطأها وعدم جدوها، بعد عمل العقل عليها وإقرارها مسبقًا، وبالتالي هو محتاج إلى خالقه لقدرة أحكامه ووصاياه في تحقيق السلامة النفسية والمعيشية، وضمان سيره بالاتجاه الصحيح، مما يعني أنّ "القصور ليس في الدين كتشريع وكأفكار واقعية." وتؤكد الحاجة لتجديد الفكر الديني، بالوسائل الخادمة لمجرى الزمن، ومقاصدها النهضوية، الصادرة عن إرادة لتحرير العقل من الانصهار التام في الحضارة الغربية، لتكوين الذات المتوازنة المستقلة المقيّمة لما يُطرح من الأفكار الوافدة.

وفي الفصل الثالث، حول الإعلام ودوره في التغيير وحركة الإصلاح

تعتقد "شمس الدين" بدور الإعلام الإيجابي في عملية الإصلاح والتغيير، كما عرفته أقطار الربيع العربي من ثورات، ومع ذلك فهو مرتبط بالعناصر القيادية والأبنية والتفاعلات السياسية، والغرب بوصفه مصدر القوة الإعلامية، فقد شكّل عقبة في نجاح الثورات والتخلّص من السلطات المستبدّة لتحقيق الممارسة الحقوقية العادلة على أرض الواقع.

ومن مداخل نظرية عديدة مُفسِّرة لنشاط التأثير الإعلامي على الأفراد، مثل وسائل الاتصال كإمتداد للحواس، بإعتمادها ثلاث مقدمات، الوسيلة هي الرسالة، والحتمية التقنية، وتقسيم وسائل الإعلام إلى باردة وساخنة، الوسيلة هنا هي الأصل، ومن يتحكّم بوسائل العصر، يهيمن على كل ما تحتها، و"نظريات التأثير القوي، واجتياز المجتمع التقليدي، والتقمّص الوجداني" تنفذ "الباحثة" إلى علاقته القوية الإيجابية أو السلبية في عملية التغيير.

وتطوّر قطاع الاتصالات والإعلام في النظام العالمي، ذو علاقة وثيقة، مع أهدافه وغاياته، في تعزيز الهيمنة، وتدجين الوعي، تكشف "شمس الدين" عن محددات نفوذها وتغلغلها، على مراحل وهي: مرحلة التمكين، وتقول "عبر بناء جسور الثقة بين السلطة والجمهور بالتركيز على صدقية الحدث، ومن ثم احتكار الحدث والخبر والإعلانات، من خلال المنظومة الرأسمالية" وتسلّط واحتكار فئات محدودة على التكتلات والمؤسسات والرساميل العملاقة، داخل الحوزة الأمريكية، على السوق العالمية، لأهداف تخدم الاستعمار الجديد بناتج الاتصالات الثقافية.

وتضيف "ورسم شخصية نمطية مدروسة، كمنوذج تُحاك وفقه الشخصية الغربية دون وعيها، بما يتناسب وثقافة الاستهلاك وتشيّء الإنسان؛ ليتناسب مع خطتها التسويقية، فأنتجت له حاجات وهمية وقدمتها كحاجات ضرورية وحولت نمط حياته الخلاق بالفكرة، إلى شخصية ذات بعد واحد لاتفكر، بقدر ما هي تنكفيء على ذاتها، ورسخت في ذهنه ثقافة الغلبة والاستعلاء على الشعوب الأخرى، وحق قيادتها تحت شعارات الديمقراطية والحرية الزائفين"

و"مرحلة الاستيلاء"، وفيها امتدت البنية الاستعمارية بفعل العولمة الإعلامية، إلى المناطق الإسلامية، وخططت لنسخ النموذج الغربي وتطبيقه على الشخصية الإسلامية، بتنميط وسائل الحياة وطرقها، وفق مصادر الاستغلال القائمة، على هدم جميع تركات الشخصية المسلمة، عقيدتها ومقاومتها وحضارتها، وتصف "شمس الدين" واقع أغلب المجتمعات المسلمة بالرثّ، ومعتقداتهم بالهشّة، في ترسيخ مفهوم ثقافة العيب والحرام دون دليل وثقافة الجبر العقدي والمسلمات غير المنطقية، وبدعم من التحالفات المستبدة.

وعن تأثيراتها التضليلية في المصطلحات، التي واكبت أحداث سبتمبر، والحملة على الإرهاب دون توضيح ماهيته، تجد "شمس الدين" استعداء واضح لثقافة الرفض والممانعة، بخلطها بمفهوم الإرهاب، وتقسيم العالم إلى محورين، محور الاعتدال ومحور الشر وخلطه بدول وحركات المقاومة.

وحول "مرحلة التجهيل بصناعة الوعي"، تقول "شمس الدين" "تحت ضربات العلمنة، تم بناء وعي جديد تحولت معه أغلب المجتمعات العربية إلى ما يشبه المجتمعات الغربية، بعد تكريس ثقافة الانهزام النفسي في وعي العربي، وغلبة الغرب كفهم قهري غير قابل للنقاش، واستيراد مفاهيمهم حول الدين ونظام الحكم لتلبسيها لعالمنا المختلف الهوية، بأنماط متنوعة من وسائل الترفيه التلفزيوني والسينمائي المؤدلجة" وتُرجع سبب ظهور مشكلات معقّدة تكتنف الهوية الإسلامية من غياب ملامحها، وتسطيح أبعادها الثقافية، وانكفاءاتها، وتوجيه بؤرة الاهتمام للصراعات الطائفية، وفتاوى التكفير واللغط الكلامي، لأثر طويل الأمد من التلقين المعرفي المدبّر.

وتقارب التأثيرات الإعلامية في هذا الفصل من منظورات كثيرة، وتقدّم قراءة في واقع الخطاب، وتضع في النهاية الحلول المرجوّة فيما يتعلق بعلاقة الإصلاح والتجديد بالمتغيّر الإعلامي، بصورة مفصلة نستخلص منها:

"مواجهة الذات ونقدها داخليًا وخارجيًا، بناء منظومة معرفية منتجة، على مستوى الواقع والفعل الاجتماعي وساحات العقل، خطاب استقطابي مؤسس لثقافة المقاومة، مظلة المقاومة الجامعة التي تعمق من حالة الرفض للعبودية والهيمنة وتؤسس لقيمة الحرية كقيمة غائية تحقق قيمتي العدالة والكرامة، اختراق ساحات الغرب إعلاميًا عبر الأدوات والمنهج نفسيهما ولكن وفق مبدأ الصدق ونقل الواقع كما هو وكشف الحقيقة بلغة المجتمع الغرب وأدواته، المهنية العالية في أداء المهمة الإعلامية، تطوير فقه للإعلام والسينما، وجعله أولوية ضمن قائمة الأولويات في التشريع المعاصر".

نتائج وتقويم:

- قيمة الكتاب تظلّ في كونه يُعالج منظومة التغيير والإصلاح، في أفقها الواسع من حيث تحليل المشكلات وماهيّتها  وتفكيك العوائق ووضع الحلول الجذرية لها، وتتبنى الباحثة من خلاله ضرورة التجديد في المجالات الدينية والسياسية والإعلامية، بما يتوافق مع القيم والثوابت.

- تؤكد الباحثة على كون التغيير والتجديد ينطلق من الذات والإرادة، ويبدأ بالفرد ليكمل مساراته في المجتمع، وارتباطه بجهات مستهدفة سياسية، دينية، فكرية، إعلامية، تحدد الآلية الخاصّة الملائمة لكل جانب.

- الروح الرساليّة والإرادية ل "شمس الدين"، تجعلها تميّز بين التغيير كنهضة حقيقية منبعثة في البنيات الذاتية والخارجية، أو كردود أفعال على الرغم مما ينطوي عليه الأخير بالضرورة، من تجديد وقلب ولعله قلب للأشخاص مثلما أشارت، لا للمنظومة المعيارية القيمية ككل، فحيثما يكون أتباع التغيير الموضوي والعشوائي مدموغين بالشعور بالظلم والحراك ضدّه، فإن الثورة لديها ليست مسألة شعور بالحاضر المرّ المنفلت في تراجيديته، وإنما مشروع له أصوليته وعوامله ومنطلقاته.

- تبدع الباحثة في الغوص الاستقصائي الدقيق، بمجهود تؤسس فيه لمشروعها النهضوي النابع من رؤية عميقة، وبإعتماد عدد هائل من العناوين العديدة الأصلية والفرعية.

- قدرة الباحثة وفطنتها السيسولوجية، في تحليل الحركات الإصلاحية بتناولها لعيّنات من المصلحين وتفصيل أسباب الإخفاق وسبل النجاح، مما يجعلها ملامسة للوقائع، في مقاربة تنزّلت بها من فضاء المفاهيم الجافّ نحو تلمّس جوهر الظاهرة بواقعية.

- تشتغل الباحثة، بالحسّ النقدي التحليلي، في مواجهة معوّقات التغيير، وجبهات الصدّ في جذور المسارين الديني والسياسي الاستبدادي.

- تميّز "شمس الدين" بين اتجاهات عديدة للمدارس الفكرية والدينية، وتجعل للمعرفة والمناهج السليمة الدور الأساس في الانتخاب الصحيح بينهم، أي في الاعتماد على الوعي والنقد والتحليل والمقارنة وقراءة الحاضر، الأمر الذي يُحسب لها في جعل الحرية الفكرية للفرد أساسًا في ذلك، ويُبرز في تصورّاتها ذاك القدر الكبير من الحجية البرهانية.

- تنبّه "شمس الدين" في التعاطي مع الحضارة الغربية، بعدم الغفلة عن الاختلافات المرجعية، وتباين الهويات، وخصوصية الثقافات والمجتمعات، والوقوف إزائها من منطلق القوة، والاستقلال، والإفادة منها ومن التجارب البشرية الكونية، بشرط عدم مخالفتها مع القواعد الكلية للشريعة وكرامة الإنسان.

- وتؤكد "حاجة الإنسان إلى الدين كضرورة لا تنفك عن وجوده، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس، ويسكن إليه، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته".

 

قراءة وتقويم: ألباب الخليفة

  

879 بغدادصدرت عن دار "ألكا" في بروكسل الطبعة الثانية من كتاب "بغداد في حداثة الستينات" للكاتب والمترجم العراقي جمال حيدر. وهي طبعة مزيدة ومُنقّحة استدرك فيها المعلومات التي غابت عن الذاكرة بفعل تقادم السنوات لكنه استرجع بعضها في أثناء زيارته الأولى لبغداد عام 2004 بعد أن تمثّلها برؤية مغايرة تتقصّى الأمكنة، وتفحص الأحداث بعين واقعية مُحايدة تتفادى قدر الإمكان المبالغات السمجة أو التقزيم المُتعمِّد.

يتألف الكتاب من سبعة فصول إضافة إلى مقدّمة مُركّزة يؤكد فيها المؤلف بأنّ هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية، وإنما هو محاولة لرسم ملامح مدينة بغداد، وتدوين لسيرة أمكنتها الشاخصة أو المطمورة التي استقرت في الذاكرة الجمعية للناس. ينطوي الكتاب على كمٍ وافر من المعلومات والأرقام والتواريخ والتسميات "الإشكالية" التي تتضح معانيها كلّما توغّل المتلقي في ثنايا هذا الكتاب الممتع، وقلّب المزيد من صفحاته الشيّقة. لا يمكن الإحاطة بكل الأحداث والمعلومات التاريخية لمدينة بغداد، فالكاتب ينتقل بسلاسة من بين الأزمنة المختلفة التي مرّت على مدينة بغداد، فتارة يعود إلى زمن إلى أبي جعفر المنصور الذي بنى بغداد المدوّرة، وتارة يعود إلى سقوطها على يد هولاكو عام 1258م. أو ينتقل حينًا إلى العهد العثماني، ثم يتراجع حينًا آخرَ إلى الاحتلال البريطاني الذي قسّم المدينة إلى أحياء ومحلات أخذت أسماء الشخصيات والعوائل التي عاشت فيها ويُورد قرابة 70 حيًّا أو منطقة تبدأ بباب المعظّم والميدان وتنتهي بالسيد عبدالله والعيواضية. وفي كل انتقالة يزوّدنا الكاتب ببعض المعلومات التأريخية مثل نزوح الأرمن إلى العراق بعد الحرب العالمية الثانية واستقرارهم في الموصل وبغداد ومزاولتهم لمهنة التصوير التي اقتصرت على الرجال تحديدًا إلى أن جاءت المصوّرة الأرمنية ليليان التي أخذت على عاتقها تصوير العوائل البغدادية المحافظة. يتقصى المؤلف المعاني اللغوية للعديد من الكلمات والاصطلاحات الأجنبية التي دخلت إلى قاموس المحكيّة العراقية مثل "الكلجيّة" التي تعني بالمنغولية "موضع الرؤوس" حيث كان يقف هولاكو ويعدّ الرؤوس المحزوزة للعراقيين و"كَوك نزر"، المُحرّفة عن العبارة التركية "كَوزيل نزر" وتعني "المنظر الجميل"، و"السِنك" التي تعني بالتركية أيضًا "الذباب" وما سواها من المفردات المنغولية والتركية والفارسية والأنجليزية التي وفدت إلى لغتنا العربية وأصبحت جزءًا من نسيجها المحلي. وفي السياق ذاته يذْكر المؤلف بأن ظاهرة "الأشقياء" قد برزت إلى السطح بعد سقوط بغداد عام 1258م ولم تنتهِ إلاّ في أواخر الستينات من القرن الماضي حيث خيّرهم النظام القمعي السابق بين القتل أو العمل لمصلحة الأجهزة الأمنية ففضّل معظمهم الخيار الثاني.

يعود بنا المؤلف في الفصل الثاني إلى الأسواق التي ازدهرت في زمن المنصور مثل سوق الفاكهة، والقماش، والورّاقين، والعطّارين، والصيارفة، والأغنام، ثم ينتقل إلى زمن مدحت باشا الذي رمّم الأسواق القديمة، وشيّد أخرى جديدة، ثم يتوقف عند أسواق أخرى راسخة في ذاكرة العراقيين مثل سوق "الشورجة" وسوق "السراي"، وسوق "الصفافير"، وسوق "الجبوقجية"، أي الغلايين، وسوق "الهرج" و"الثلاثاء" و"اللنكَة"، و"حنّون" و"حمادة" وغيرها من الأسواق التي تماهت مع مسمياتها أو مع مهنها أو مع الأماكن التي انبثقت منها وصارت جزءًا من تكوينها الجسدي والروحي.

يخصص المؤلف الفصل الثالث من الكتاب لأشهر شوارع بغداد وميادينها مثل شارع الرشيد، والسعدون، والنهر، وأبي نواس، والبنوك، والقصر الأبيض، والمشجّر، والكفاح. وعلى الرغم من أهمية هذه الشوارع ودورها في الحياة الاجتماعية البغدادية إلاّ أن بعض المواقع والأمكنة لعبت دورًا مهمًا في تنوير العقل العراقي مثل مكتبة "مكنزي" التي كانت تبيع الكتب الإنجليزية والأميركية في بغداد، وكيف ساهم دونالد مكنزي في ترويج الكُتب الاشتراكية واليسارية في العراق. أو جامع الحيدرخانة الذي اجتمعت فيه الحلقة الماركسية الأولى بمبادرة من محمود أحمد السيد، نجل إمام الجامع وخطيبه في مفارقة غريبة للترويج للفكر اليساري من الجوامع التي تناصب اليسار عداءً مستحكمًا في العراق والدول العربية والإسلامية. ثمة محلات شهيرة ذاع صيتها بين خاصة الناس وعامتهم مثل "شربت زبالة" و"كعك السيد". وأساطير انتشرت كانتشار العطر في الهواء مثل أسطورة "طوب أبو خزّامة" الذي يعتقد البغداديون أنه هبط من السماء لمؤازرة الجيش العثماني في حروبه المتواصلة. يكتظ هذا الفصل بالحديث عن نُصب وتماثيل عديدة زيّنت شوارع بغداد وميادينها العامة مثل "نُصب الحرية" لجواد سليم، و"الجندي المجهول" الذي صممه رفعة الجادرجي، و"كهرمانة" لمحمد غني حكمت، وتماثيل متعددة للسعدون، والرصافي، وأبي نواس وسواهم من الرموز السياسية والثقافية في العراق.

يتضمّن الفصل الرابع نبذة توثيقية عن تاريخ المقاهي في العراق، ومعلومات عن أول مقهى نُظم بشكل عصري، وأول من جلب الشاي إلى العراق، وكيف أصبح مشروبهم اليومي المفضّل. وثمة أرقام متفاوتة لعدد المقاهي في بغداد خلال القرنين الأخيرين. وقد تضمّن الدليل الرسمي العراقي لسنة 1936 جدولاً بلغ فيه عدد المقاهي بشارع الرشيد لوحده 62 مقهى مسجّلة بأسماء أصحابها، وعناوين مقاهيهم. وفي مطلع الأربعينات عرفت بغداد المقاهي العصرية مثل مقهى "بلقيس" الذي كان يقدّم الشاي بالحليب على الطريقة الأوروبية. يصف المؤلف شارع الرشيد بالإمبراطورية التي تعجُّ بالمقاهي، فمقهى "البلدية" رأسها، و"أم كلثوم" و"الزهاوي"، و"حسن عجمي"، و"البرلمان"، و"الشابندر" و"الشط"، و"التجّار" جسدها، , "شطّ العرب"، و"البرازيلية" و"سمر" أطرافها. يتردد المثقفون العراقيون على مقاهي بعينها مثل "حسن عجمي"، فيما كانت "الشابندر" تحتضن قارئ المقام العراقي رشيد القندرجي، والسيّاب، أما "البرازيلية" فكان يتردد إليها الباحثون عن الهدوء والسكينة أمثال عبد الوهاب البياتي، بلند الحيدري، فؤاد التكرلي، عبد الملك نوري وغيرهم من أبناء الطبقة المتوسطة العليا. ثمة مقاهٍ معادية للثقافة الرسمية السائدة مثل مقهى "مجيد" الذي يُطلق عليه مقهى "المعقدين" أو مقهى "العباقرة" الذي لا يخلو من العناصر الأمنية التي تحصي على الأدباء والفنانين أنفاسهم.

يرصد المؤلف في الفصل الخامس نهر دجلة بجسوره الثمانية، "وشرايعه" المتعددة على ضفتي الرصافة والكرخ، وفيضاناته التي بلغت 18 فيضانًا، أولها سنة 1356 وآخرها سنة 1954، كما يتوقف عند وصف الرحالة الإنجليزي جيمس ريموند وليستيد، والأب أنستاس ماري الكرملي، وعبد العزيز القصاب لبعض هذه الفيضانات.

أما الفصل السادس "طقوس" فقد قسّمه المؤلف إلى تسعة عناوين وهي "رمضان"، "المحْية"، "العيد"، "عاشوراء"، "مدارس"، "شموع الخضر"، "صيام زكريا"، "الكَسْلة" و"الخِتان"، وهي جميعًا طقوس محلية معروفة باستثناء "مدارس" التي يجب أن تندرج خارج هذا الإطار، وتنضاف إلى الفصول الخمسة الأولى مع شيء من التوسّع خصوصًا وأنّ الإعدادية المركزية قد ضمت شخصيات سياسية وثقافية مهمة. فيما ضمّ الفصل الأخير "فوتوغراف" 57 صورة فوتوغرافية لأبرز معالم بغداد الحضارية والثقافية والفنية.

ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب أنه مدوّن بلغة أدبية رشيقة هي أقرب إلى لغة القصة والرواية منها إلى السرد التقريري، فثمة مشاعر قوية طافحة على مدار النص السردي تؤرخ للفتى النابه منذ دخوله إلى الصف الأول حتى مغادرته العراق في منتصف السبعينات حين اقتلعه البعث من جذوره ورمى به إلى المنافي الأوروبية النائية.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

876 عبدالهادي سعدونقرأت في الايام الاخيرة كتابين مترجمين من الاسبانية الى العربية للدكتور عبد الهادي سعدون وهما – ابتهالات الحاج – و– الكوندي لوكانور - وعبد الهادي عراقي مقيم في اسبانيا منذ مطلع التسعينات ويعتبر من القامات الثقافية العربية الساطعة في مجال التأليف والترجمة في اسبانيا، وهو نشط ومبدع ويتسابق في عمله مع الزمن، وهو ايضا كهف حصين في ثقافته وجذوره العربية ، وكذلك رحالة يقيم المحاضرات هنا وهناك باللغتين الاسبانية والعربية وقد قامت عدت دور للنشر عربية واسبانية بطبع ونشر مؤلفاته وحاز على الكثير من الجوائز التقديرية في اسبانيا وخارجها منها جائزة الابداع الادبي الشعري جائزة انطونيو ما تشادو العالمية عام 2009 عن ديوانه الشعري – دائما – وهو مدير دار نشر الفالفا للاصدارات الادبية الاسبانية وعضو جمعية المتاسبنين الدولية AHI.. .. والقارئ الى ترجماته يجد قوة في النص واللغة وتماسك وحبكة في سياقها ومعانيها وبنائها الفني بحيث تشعرك ان المترجم استاذ وصاحب خبرة وتجربة عميقة ومسيطر على اللغة فلا تفوته شاردة او واردة، ولهذا فان ترجماته الى العربية فيها عذوبة غنائية ورومانسية جذابة وطروبة ...

ابتهالات الحاج

كتاب ابتهالات الحاج هي عبارة عن قصيدة طويلة لرحالة موريسكي مسلم الى مكة المكرمة مكتوبة بلغة يطلق عليها اسم - الالخميادية – اي الاعجمية ويمكن من خلالها معرف تدني مستوى آداب الرحاله في ذلك الوقت بعدما خسر المسلمون دولتهم واصبحوا في تخفي ومطاردة من قبل محاكم التفتيش و رحمة الدولة الكاتوليكية . هؤلاء المسلمون اظطرهم الواقع المزري في ذلك الوقت لاختراع كتابة لا يفهمها احد الا هم، يكتبون فيها آدابهم وتفاسيرهم وفقههم وعلومهم وغيرها وهي عبارة عن لغة اسبانية تكتب بحروف عربية. .. وقد اشارة احد الروائيين الاسبان المعاصرين وهو خوان غويستولوا بان على الادباء والدارسين ان يهتموا بهذا اللون من الآداب لانها جزءا لا يتجزءا من الآداب الاسبانية ..

ابتهالات الحاج لا يعرف مؤلفها وهي مجهولة كتبها احد الموريسكيين من منطقة اراغون من مدينة موريسكية تسمى- بوي مونثون- في نهاية القرن السادس عشر او بداية القرن السابع عشر بعض الدارسين للرحلة يضعون تاريخ احتمالي لعام 1603 قبل قانون الطرد الذي شرع عام 1609 من قبل الملك النمساوي فيليب الثالث والذي احدث صاعقة مأساوية للمجتمع الاسباني ... وقد خرج الحاج من بلدتهي على تخفي وحذر وابحر من مدينة بلنسية الى شواطئ شمال افريقيا ومدنها حتى وصوله الى مكة المكرمة ثم عاد الى مدينته من نفس الطريق .. وفي اناشيده او قصيدته يصف لنا رحلته بالتفاصيل عن ما شاهده من المدن الاسلامية والمجتمعات العربية وتقاليدها وعاداتها وما عاناه خلال ابحاره ومخاطر البحر... وتعد هذه الرحلة وثيقة حية لذلك الزمان . مثل رحلة ابن جبير 1145-1217 ورحلة ابو حامد الغرناطي 1080-1169 وغيرهم

876 2

اكتشاف اللغة الالخميادية:

في عام 1884 كان هناك عدد من العمال يقومون بتهديم بيوت عتيقة تعود الى ازمنة سحيقة في قرية- الموناثيد دي لا سيرا- من مدينة سرقسطة حيث كانوا يهمون بنقل حجارتها لبناء بيوت جديدة، وفي هذه الاثناء انهار جدار وسطي متكون من جدارين متلاصقين وقد وجدوا بينهما كما هائلا من المخطوطة القديمة وقد عمد اصحابها دفنها بين جدارين خوفا من اكتشافها من قبل محاكم التفتيش ... هذه الكتب تعرضت للرمي مع الانقاض وبعضها مزقه الاولاد .. وفي الاثناء كان هناك راهبا مارا فشاهد ذلك المشهد فقرر شراء الكتب من العمال مما حدى بهم الى الانتباه الى قيمتها التاريخية فاخذوا يبحثون اكثر عنها فوجدوا كميات اخرى من المخطوطات .. ولما علم بعض المهتمين بالتاريخ في سرقسطة توجه الى المكان واشترى كل ما وجد من مخطوطات وبعد حوالي 27 عاما من الدراسة والتدقيق لها استطاعوا من معرفة قرائتها وحل رموزها وهذه الكتب مكتوبة باللغة الالخميادية الموريسكية . وربما لازالت لحد اليوم هناك كنوز علمية وثقافية تعود للموريسكيين مخفية بين البيوت القديمة .

الكوندي لوكانور:

يعود الكتاب الى الامير دون خوان مانويل وهو يتضمن مجموعة من الحكايات والمواعظ الشعبية والامثال والتي جمعها وصاغها وانتهى من كتابتها عام 1335 م وبطلي هذه الحكايات هما الكونت لوكانور ومستشاره باترونيو والكتاب يتألف من خمسة اجزاء . علما ان الامير قضى ردحا من الزمن مع العرب المسلمين لقضايا شخصية ضد الممالك النصرانية وتعلم الثقافة العربية وتشبع بها و ربما حتى اللغة العربية ولكنه ما برح ان عاد الى اصله وانظم الى ابناء جلدته في الشمال ضد العرب .. ولد دون خوان في مدينة اسكالونا التابعة الى طليطلة عام 1282 وتوفى في قرطبة عام 1348 م ورغم انشغالاته السياسية الا انه كان اديبا بارعا وكان عاشقا للادب العربي ويرى ان اندحار العرب امام الكاثوليك ليس عيبا يحط من قدرهم فقد تركوا حضارة قامت عليها لاحقا الحضارة الاوربية .. وفي هذه الحكايات تأثيرات واضحة من كتاب كليلة ودمنة والف ليلة وليلة .. مثلا عندما قرأت بعض حكاياته وجدت واحد منها وهي . ان رجلا خرج مع ولده وخلفهما دابة فعندما مر عليه جمع من الناس قالوا كيف يسير الاثنان ولم يمتطي احدهما الدابة.. فامتطى الرجل الدابة، وعندما مر عليهما جمع آخر قالوا مسكين الشاب والده على الدابة وهو يسيرمتعبا، فنزل الرجل وركب الولد، فمر عليهما جمع آخر فلاموهما، فركب الاثنان على الدابة فمر ايضا عليهما جمع آخر وقالوا مسكينة الدابة كيف لهؤلاء ضمير ان يحملوها اكثر من طاقتها ... هذا اللون من الحكايات قرأتها في اكثر من الكتاب العربية ومنها قصص جحا ..

طبع هذا الكتاب لاول مرة في اشبيلية عام 1575 ثم اعيد طبعه عام 1642 وبالتالي فقد قراه كل كتاب القرن السابع عشر ثم طبع عدة مرات خلال القرن التاسع عشر وترجم الى اللغات الاخرى ولازال العمل حيا حيث اصبح تراثا حاضرا لما يحمل من قيم ثقافية وجمالية وانسانية ..

 

د. كاظم شمهود

 

 

874 المذهبيةدائِمًا يطل علينا الباحث والشاعر والناقد والقاص، صالح أحمد كناعنة، بالجديد النافع للقارئ العربي، وللمكتبة العربية، كتابه الجديد، تحت عنوان: "المذهبية في الأدب العربي القديم" الصادر عن دار السكرية للنشر والتوزيع -مصر- القاهرة، بإدارة محمد سلامة، يقع الكتاب في 184 صفحة من الحجم الكبير، طباعة أنيقة، تصميم الغلاف فلاح عيساوي، الكتاب عبارة عن دراسة جدية يتناول الأدب العربي وأعلامه من العصر الجاهلي حتى العباسي، توقف بعمق حول قضايا أدبية وفلسفية، ويناقش المذاهب الرئيسية في الادب العربي، يستخلص النتائج ويقدمها للقارئ على طبق من ذهب، يرتكز في بحثه العميق على عشرات المراجع الهامة على آراء الكتاب والنقاد، على أمّهات الكتب، وفي الأساس يعتمد على المصادر الأولية، على ما كتبه الشاعر والكاتب نفسه، يرفق لنا مقتطفات من الشعر الجميل من الحكم والعبر .

الغرض من الدراسة:

يكشف لنا المؤلف صالح أحمد كناعنة في مقدمة الكتاب الغرض الصريح لتأليف كتابه: "رأيت أن أُقدِمَ على هذا العمل المتواضع، في محاولة لبعث روح جديدة في دراسة الأدب العربي القديم بحيث ترتكز أساسًا في البحث عن روح الكاتب الشاعر، على قدرته على خلق الصور والتوحد معه، على قدرته على خلق إطار وجو من التّمَيُّز الشخصي من خلال نصوصه، بحث يستشعر القارئ روح الشاعر من خلال شعره، بغض النظر عن الموضوع أو المعنى العام والمجرد، فالموضوع والغرض والمعنى... ليست بحاجة إلى دارس أو ناقد ليدل القارئ عليه، وكما بين الجاحظ؛ وإنما روح الشاعر وشاعريته وإحساسه وخياله وقدرته على إبداع وخلق الجديد المبتكر من الصور والأخيلة والآفاق التعبيرية والفكريّة... وذلك ما يحتاج إلى دراسة وشرح وتحليل وبيان... جل ما أطمح إليه أن أكون قد وفقت إلى فتح باب جديد لدراسة الأدب القديم وبشكل عصري وعلمي، ووفق روح المذهبية، دراسة تستجلي روح الكاتب، ولا تقف عند حدود اللفظ والمعنى الحرفي، والغرض السطحي المجرد، بل المكشوف والساذج"

من هنا يتضح لنا أن الباحث صالح أحمد كناعنة، لا يدلو بدلوه في عالم النقد الأدبي فحسب، بل جاء ليقلب النظريات والدراسات التي تناولت الادب القديم رأسا على عقب، تلك النظريات التي تشير إلى أن الشعر العربي القديم مجرد ألفاظ، وأغراض محدودة مثل المدح والهجاء وتمجيد القبيلة وغيرها من أغراض الشعر المتعارف عليها عبر العصور، جاء ليمنح الشعر العربي القديم حقه المسلوب، لينصف العديد من الشعراء والكتاب، ويدحض الهالة الكبيرة التي أحاطت وتحيط ببعض الشعراء...

البحث جاء ليضع الأمور في نصابها، وينصف أصحاب الأقلام الجادة، ويبيّن جهدهم وأثرهم على الحركة الأدبية حتى يومنا هذا..

صالح أحمد كناعنة في كتابه يحاول إعادة قراءة الشعر العربي القديم، بأسلوب جديد، يتلاءم مع روح العصر، يتّكأ على ثقافته العميقة واطلاعه الكبير على الأدب القديم وأمهات الكتب، وعلى تجربته الغنية في الشعر والنثر والقصة والبحث الأدبي والفلسفي وثقافته الدينية الواسعة وعلى حدسه وتحليله الشخصي... يحاول تأسيس مدرسة خاصة في التعامل مع روح الأدب وروح الشعر (ص 11) يقول الكاتب: "ليس الشعر العربي الجاهلي مجرد شعر رعاة ساذجين، لا يتقنون من الحياة سوى الوقوف على الاطلال، ووصف ما يرونه في الطريق، ومدح الملوك للتكسب، وغير ذلك مما يدرج تحت ما اتفق على تسميته بأغراض الشعر العربي، بل هو شعر راق ومتطور، يزخر بالصور الفنية الراقية التي تصدر عن نقس ذواقة وحس راق، وشعور مرهف، ونفسية منسجمة، مع بيئتها انسجاما تمازجيا حسيا ووجدانيا ساميا، تعبر عن حياة ثرية الموراد والمقاصد، تحفل بموروث عظيم من الأساطير والخرافات، والمعتقدات، مما أكسبه بعدًا أسطوريًا فريدًا"

من خلال كتابه يدخلنا المؤلف إلى عالم الشعر من أوسع أبوابه، يحاول تصنيف المذاهب الشتى وفق منهجية واضحة يدعم استنتاجاته، يستشهد بأقوال الشعراء أنفسهم، يتناول الشعر الجاهلي ويخلص إلى أن في الشعر الجاهلي مذاهب أربعة:

- المذهب الحماسي: المرتبط بالفروسية والغزو وتحقيق أمجاد القبيلة.

- المذهب البلاغي: المرتبط بحب البلاغة والتنافس البلاغي.

- المذهب الحكمي: المرتبط بحب الحكمة الموجز، والتطور الفكري الطامح للمثالية العقلانية والسلوكية.

- المذهب الحماسي:

يندرج تحته كل ما وصلنا من قصص الزير سالم، وبني هلال، وعنترة، وما زخرت به قصص أيام العرب، مثل معلقة عنترة العبسي وأخباره، وعمر بن كلثوم التغلبي وغيرهم.

أما في صدر الإسلام فيقسم الكاتب المذاهب إلى:

- الوجدان الغريزي

- الوجداني العقائدي

- الوجداني العقلي

- المذهب اليقيني

- المذهب الأخلاقي

- المذهب التعبيري

- المذهب العقلاني

- المذهب الحماسي

- المذهب الروحاني

أما في العصر الأموي:

- المذهب الزهدي

- المذهب الرومانسي ( توجه عذري، توجه جمالي)

- المذاهب الفكرية الفلسفية العقدية.

 

العصر العباسي: يطلق عليه عصر القمة

- المذهب العبثي

- المذهب الجمالي الحسي

- المذهب الجمالي الذهني

- المذهب الجمالي التصويري

***

- نزعة الاستدلال العقلي عند الجاحظ:

يناقش الكاتب فكر وفلسفة ومذهب الجاحظ، ويخلص إلى نتيجة مفادها: "يعتبر الجاحظ أستاذ المدرسة النثرية في العصر العباسي، بل وسلطانها، فهو الذي جعل للنثر الفني والأدبي والعلمي مكانة مرموقة بعد أن كان مقصورًا على الخطب والرسائل والترجمات، وهو إلى ذلك رائد الجدلية الفكرية الأدبية في العالم العربي. الجاحظ بلغ بالنثر مراقي الجدلية العقلية والفكر الاستقرائي، والتعبير الأدبي الراقي والمميز ليستوعب كل أجناس الأدب،من قصة وأحجية وطرفة وسخرية وجد وهزل ورزانة... وصولا إلى الفلسفة الجدلية، والاستقراء العلمي.. ليصل من الفرضية إلى البرهان، ومن الشك إلى اليقين... فالجاحظ موسوعة عصره فكرًا وأدبًا، مهارة وعلما وثقافة".

- ابن سينا ومنطق اليقين:

يتناول الكاتب فكر ابن سينا، ويركز على كونه شاعرًا وأديبا لا يقل عن كونه فيلسوفًا: "كان اهتمامه بأن بكون شاعرًا، لا يقل عن اهتمامه بأن يكون فليسوفًا، بل لا يرى فصلا بينهما. والشعر عنده يجب أن لا يكون مقصودًا لذاته وإنما لغاية، وغاية الشعر عنده الحث على فعل، أو الكف عن فعل، كما يشترط فيه تحقيق المتعة واللذة والفائدة لدى القارئ والسامع، وهو القائل في رسالته عن الشعر: "المستحسن في الشعر هو المخترع المبتدع (المتخيل)" .

- المذهب الصوفي:

يعرف المذهب واختلاف الباحثين حول التسمية، بعضهم يقول أن أصل التسمية هو تحريف لكلمة "سوف" باليونانية وتعني الحكمة، وبعضهم يقول: سبب التسمية من لبس صوف التيوس، أظن هذا هو الارجح. وبعضهم ينسب التسمية إلى الصفاء. وقيل: إن الاسم معروف قبل الإسلام، وكان ينسب إلى أهل الصلاح والعلم...

يناقش الكاتب شعر الصوفيين وأدبهم، مبيّنا أن الحب عندهم على أنواع: الهوى، العشق، الود، الحب الإلهي، الحب الروحاني، الحب الطبيعي... ويعرض أهم المصطلحات الرمزية عندهم وأكثرها شيوعا: (المقام، الحال، الوجد، العشق، الحبيب، السُّكْر، الصحو، الذوق، الري، القرب، البعد، الفراق، المحو والاثبات، التستر والتجلي، التجلي للخواص، القربة، الوصال، التجريد، الرياضة، الفقر، الروح المقدسي، الروح السلطاني، حجلة الأُنس، القدرة، التجريد..."

ويستشهد الشاعر بأقوال الجيلاني، ابن عربي، والحلاج، وغيرهم... وهو يركز على الجيلاني والحلاج خاصة وهو القائل:

مزجت روحك في روحي كما  كما تمزج الخمرة بالماء الزلال

فاذا مسك شيء مسني  وإذا أنت أنا في كل حال (الحلاج)

 

وإن كنا نحبذ أن يستطرد عن شعر الحلاج وما أصابه من انتقام سياسي، لكن الكاتب آثر السلامة في هذا الموضوع فاقتصر بحثه عن الصوفية في عرض مذاهبهم الأدبية وركز على أشعارهم، ليخلص إلى بيان أن: "الصوفية تفكير وتدبير، نمط سلوك ومنهاج حياة... وهذه التكاملية واجبة في حياة الصوفي، ترافقه من الوسيلة إلى المشاهدة ليكون من أهل السلوك والجاذبية" ص 141 .

 

- مذهب الرمزية:

الرمزية في أدب ابن المقفع: في كتابه "كليلة ودمنة" الذي جمع بين مألوف المثل والاسطورة عند العرب، المشبع بالتشبيه والاستعارة الشفافة والأنسة، والتمثيل الحسي والوجداني.. ليعبر عن نقده العميق، واستيائه الشديد من جهل الحكام وعسف ممارساتهم (ص148). وقد جاء كتاب كليلة ودمنة، بعد كتابيين غلب عليهما طابع الترجمة أو التعريب خاصة عن الفارسية لغة قومه:

- الأدب الصغير: يتحدث عن أدب السلطان، أدب الصديق والمصادقة...

- الأدب الكبير: يدور حول سياسة الاجتماع، وتهذيب النفس وترويضها على الأعمال الصالحة ومعرفة الخالق .

يخلص الكاتب إلى نتيجة: أن الأدب الرمزي والرمز في الأدب بلغ ذروته في العصر العباسي، ليبدأ رحلته الطويلة لاحتلال مكانة خاصة ومميزة في الأدب العربي والعالمي فيما بعد بأشكال وأساليب أكثر نضجًا وتطورًا .

الباحث صالح أحمد يخلص إلى نتيجة هامة حول كتاب "كليلة ودمنة" مبيّنا أنه: "أراد من خلالها تتويج حملة الموالي (الشعوبية) وهو من زعمائها – في نقل التراث الفارسي إلى العربية بأرق وأسهل وأعذب أسلوب؛ لتستولي على عقول العامة، وتستميلهم إلى التراث الفارسي، وتصبغ المجتمع بالثقافة الفارسية، إلى جانب إرادته في لفت الأنظار إلى فساد القصور والحكام، وما يدور حولها، وخلق روح ناقدة في المجتمع"(ص151)، وإن كنت أختلف مع الكاتب في استنتاجاته، فمن الطبيعي أن يتأثر ابن المقفع بالثقافة الفارسية والهندية، لم يتطرق المؤلف الى نهاية ابن المقفع المأساوية،الذي اتهم بالزندقة في اعتقادي كانت جاهزة لكل معارض سياسي، تماما مثل محاكم التفتيش بالأندلس، لق المؤرخ الذهبي في كِتابه سير أعلام النبلاء على هذه الحادثة قائِلاً:

«كانَ ابنُ المُقفَّعِ معَ سعَةِ فَضْلِه، وَفرطِ ذكائِهِ، فِيْهِ طَيشٌ، فَكانَ يقُوْلُ عَنْ سُفْيَانَ المُهلَّبيِّ: ابْنُ المُغْتَلِمَةِ مِما تَسَبّب بقتلِه.» قتل ابن المقفّع وهو في مقتبل العمر، ولم يتجاوز السادسة والثلاثين عند موته. إلا انه خلّف لنا من الآثار الكثيرة ما يشهد على سعة عقله وعبقريته، وانه صاحب المدرسة الرائدة في النثر. المقفّع اظهر عيوب النُّظُم الإدارية في عصره وفضّل النظم الإدارية الفارسية، فالحقيقة إن العرب كانوا بعيدين عن النظم الإدارية، بسبب حداثة الدولة الاسلامية وانتشار الاسلام السريع .

وإن كنت أتوقع من الباحث أن يتعمق أكثر في كتاب كليلة ودمنة، أصل الكتاب، وأثره وأهميته، وسبب انتشاره، ويشرح عن أبوابه، لكن الباحث عالج الأمر باقتضاب شديد، وتركز في حدود المذهبية فقط.

يختم الباحث كتابه بالأدب الأندلسي، يعرفه، ويعرفنا على المذاهب الأدبية لديهم منها: التقليد والتبعية: أي الكلاسيكي المتتبع لمنهج القديم، والتبعية الفكرية، المذاهب الفلسفية، الموشح "مذهب الفن للفن".

خلاصة:

الباحث والأديب صالح أحمد كناعنة، قدم لنا الأدب العربي القديم، في حلتة الجميلة، من خلال قراءة جديدة مغايرة، لا يناقش من خلالها تاريخ الشاعر والأديب الشخصي، بل يحاول الولوج إلى روح الشعر ومعاقله وعرين الابداع، يستعرض أجمل الأشعار وأعذبها، يفسرها بلغة عصرية... وقد حاول إنصاف الشعر الجاهلي وشعر صدر الإسلام، الشعر الأموي ـ والعباسي، والأندلسي، ناقش فكر الأعلام والشعراء والمفكرين مثل: ابي العلاء المعري، الجاحظ، ابن سينا، ابن المقفع، الحلاج، وغيرهم... هذا البحث الموسوعي، يزخر بالفكر والشعر والنظريات... معتمدًا مئات المراجع، ليخلص إلى آراء واستنتاجات الباحث الذي يقدم لنا عصارة الفكر على طبق من ذهب .

نبارك للصديق والأديب الفذ صالح أحمد كناعنة عمله الجديد الجاد، الذي يعتبر مرجعًا هامًا لكل باحث في الأدب العربي القديم، ومتذوق للشعر العربي الأصيل، ويضيف الكثير للمكتبة العربية وللأمانة الأدبية .

 

بقلم : سهيل ابراهيم  عيساوي

 

 

محمد السعديهذا عنوان الكتاب الذي أهدانياه الدكتور خليل عبد العزيز المثقف والسياسي والمناضل، والذي ولج طريق السياسة منذ نعومة أظافره . حيث واكب الحياة السياسية العراقية في مدينته (الموصل) . منذ بدايات أرهاصاتها السياسية الاولى في الصراع التاريخي بين القوميين والشيوعيين والتي تفجرت بحركة الشواف الانقلابية عام ١٩٥. عندما كان خليل عبد العزيز شاباً في بداية منعطفه السياسي متصدراً مشاريع اليسار والحزب الشيوعي العراقي ليحمل لوائه في الدفاع عن أهدافه ومنجزات ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨ . كانت تلك البداية في الانطلاق لتستمر مسيرة طويلة وحافلة من النضال والصعاب والغربة والموقف والتحدي بين شتى بلدان عديدة تقاذفته مناحي الحياة لتجمعه برؤساء دول وقادة أحزاب وسياسيين . بلغ من العمر عتياً، لكنه غزير الابداع والانتاج والذاكرة ومازال يضحي بوقته الثمين في العاصمة السويدية (أستوكهولم)، يرفد الثقافة الوطنية بنشاط يومي وفعال في الدفاع عن وجه العراق الناصع وتاريخ الشيوعيين الوطني .

عن دار (سطور) للنشر والتوزيع في العاصمة بغداد صدر كتابه في طبعته الأولى عام ٢٠١٨ . عن ٣٢٤ صفحة من حجم الورق الكبير، والذي ضم بين جنباته تاريخ حافل بالاحداث منذ مطلع الخمسينيات الى يومنا هذا . محطات تستحق الذكر والقراءة والدراسة لاستخلاص المواقف والتحديات لمواجهة أزمات الواقع الحالي . 

جاء في مقدمة كتابه (محطات من حياتي) بخط قلم صديقه ورفيقه كاظم حبيب .. سيرة ذاتية ديناميكية بين الموصل . بغداد . موسكو . عدن . ستوكهولم . لكل واحدة من تلك المدن، كان للدكتور خليل محطات نضالية ومواقف أنسانية تركت أثرها الواضح في معطيات تلك المدن وسيرة أحداثها من خلال دوره وموقعه في قلب الحدث حاملاً فكره وأيمانه بنصرة الانسان ودوره في بناء صرحاً أنسانياً يليق بآدمية الانسان على الارض .

الكتاب (محطات من حياتي) . كل فصل فيه يحتاج الى كتاب مستقل بما يحمل من أحداث أرتبطت وأنطلقت من أرض العراق ليجوب العالم بها ومؤمناً بحتمية التاريخ في صراع الارادات والمواقف والافكار .

قرأت الكتاب بتمعن وحرص شديدين حرصاً مني على سبر أغوار التاريخ المنسي أحداث ومواقف تلقفناه كأي تلاميذ أبتدائية في مقتبل مشوارنا السياسي ولضعف قدراتنا الفكرية في التحليل والقراءة لنبني رؤى عليها بشدة بساطتها لم يرحمنا الزمن بعمق معانيها . أرادة الدكتور خليل عبد العزيز في فك مفاصلها العقدية من خلال كتابه الذي جاء تتويجاً لمسيرة نضالية قاسية كان أحد مناضليها المهميين في تجسيد تلك المعاني النضالية وروايتها بلغة صادقة وجريئة في تعاقب أحداثها، وهذا ما يميز منجزه الفكري والسياسي في صفحات كتابه محطات من حياتي .

وقفت متأملاً بعد أن أنهيت صفحات كتابه الثمين من أي باب سوف أدخل ؟. وأي موضوعه سوف أختارها في شهادته التاريخية عن حقبات مهمة في تاريخنا العراقي ؟. والتي شدتني حقاً في تتبع تفاصيلها برؤية وطنية بعيداً عن أجندات لقد أخرتنا زمناً طويلا ًفي بداية مشوارنا النضالي وحددت أطر التحليل والتجديد والفهم الواقعي برؤية نقدية من منظور ماركسي لينيني حول حركة المجتمع ومستقبله .

تعرض خليل عبد العزيز الى الملاحقة والاعتقال والحكم عليه بعد أحداث الشواف، دارت به الدنيا وتقاذفته السجون من سجن بعقوبة المركزي وأنتهت بأبعاده الى مدينة (بدرة) الحدودية التابعة للواء الكوت، كان في طليعة المقاومين لمؤامرة الشواف في الموصل بأعتباره أبن المدينة وعضو في الحزب الشيوعي العراقي ومن المتمسكين بأهداف ثورة تموز ومنجزاتها، ومن المساهمين في تأسيس أتحاد الطلبة العراقي العام ١٩٥٢ في مدينة الموصل .

قضى ردحاً من الزمن الطويل في الاتحاد السوفيتي، وبات من الوجوه البارزة والمألوفة في معهد الاستشراق ومن خلال فضاءات تلك المعهد تعرف وأطلع على شخصيات وأحداث مهمة في العلاقات الدولية ومن خلال تلك العلاقات تسنى له أن يحدد ويتخذ مواقف بما يمليه عليه أنتمائه الوطني، وهذا الكم الهائل من الرؤى والمواقف والتجارب في كتابه تجرك الى أحداث مشوقة ومهمة في رسم سياسات العالم .

فصول الكتاب المتعاقبة زمنياً في الحدث والمكان والتاريخ دعنا أنها مشوقة ولكنها لا تخلوا من المتعة ولهفة المتابعة وسرد للتاريخ، بتنا اليوم وبما يمر به بلدنا العراق والمنطقة من ويلات وأرباك في الشأن الوطني والانتماء القومي ففصول الكتاب وأحداثه التوثيقية تقربك من عمق وخفايا تلك الاحداث .

توقفت عند كل فصل من تلك الفصول، وبتقديري كانت مهمة جداً لانها تدخل ضمن العلاقات الدولية ومصالحها الخاصة وغلبتها على القييم والمباديء والانتماءات المشتركة .

واحد من تلك المداخل ، والذي يبدأ بوصول البعثي ورجل المخابرات (فاضل البراك) الى معقل الشيوعية وهو من المعادين لها فكراً وممارسة، وأصبح نائب الملحق العسكري في السفارة العراقية ومسؤول محطة المخابرات العراقية في موسكو، قدم أطروحته حول حركة رشيد عالي الكيلاني عام ١٩٤١ والتي تدخل ضمن الدراسات القومية وفي الوقت الذي يعتمد ضمن نهج وسياسة المعهد هو الاهتمام وأعطاء الاولوية للدراسات الماركسية اللينينية، والشيوعيين أولى بمقاعدها .

يتضمن كتاب (محطات من حياتي) للدكتور خليل عبد العزيز مداخيل عدة ومهمة وغير مطروقة سابقاً في أسرار وبروتوكولات في العلاقات الدولية ونمط تحديدها من أحمد حسن البكر الى ملك حسين الى محمد سياد بري الى حافط الاسد الى عبد الفتاح أسماعيل، وأنتهاءاً بجمال عبد الناصر . ووجهة السياسة السوفيتية في التعامل مع وجهات نظر ونمط حكم ورؤية هؤلاء الرؤساء مع حركات شعوبهم وعلاقاتهم بقوى المعارضة الشيوعية في بلدانهم . عكس الدكتور خليل في متون كتابه تلك الوقائع بأعتباره شاهد وباحث وسياسي وأعلامي .

خصص الدكتور خليل في كتابه فصل كامل ومهم للقاريء العربي من وجهة نظر سياسية (يسارية) .

السياسة السوفيتية وعلاقتها بالاحزاب الشيوعية العربية، والتي مازالت الى يومنا هذا تتصدر المشهد السياسي العربي (الشيوعي)، في تداعياته المتشظية في اللوم والنقد وعدم الرضا تجاه مصير أحزاب وشعوب وحركات وأحداث .

البلاشفة في ثورتهم التاريخية ٦ أكتوبر ١٩١٧ بقيادة زعيمهم فلاديمير إيليتش لينين، أستلهم الدروس الأولى في تطبيقاتها على أرض الواقع بدكتاتورية البروليتاريا وسلطة العمال في البناء الاشتراكي من تعاليم كارل ماركس ورفيقه فردريك أنجلس، لكن بعد موت لينين العام ١٩٢٤ ترك فراغاً كبيراً في قيادة دفة الحزب وفي عملية بناء النظام الاشتراكي بصعود قيادات متهورة بأمكانيات محدودة ومحصورة في النظرية والتطبيق والممارسة . ستالين وصحبه وخطابهم الايديولوجي الجديد الذي يتقاطع تماماً مع خطوات الزعيم الشيوعي لينين، والذين تمسكوا بخطواته في بدايات مسيرة الثورة وعملية البناء تمت أزاحتهم من قيادات الحزب الشيوعي السوفيتي، بوخارين، زينوفيف، كامينيف، تروتسكي، وتعرضوا الى سلسلة أنتهاكات، سلسلة عمليات تطهير كاملة شملت أهم قيادات الحزب الشيوعي، ولم تنتهي الا بسقوط النظام الشيوعي والذي أعتبر زلزالاً هز العالم، مثلما أعتبر الامريكي اليساري (جون ريد) في كتابه حول يوميات ثورة أكتوبر (عشرة أيام هزت العالم)، قبل سبعة عقود مضت.

تضمن الكتاب حوارات صحفية أجراها الصحفي فرات المحسن مع مؤلف الكتاب الدكتور خليل عبد العزيز ومن أهمها حول علاقة السوفيت بالاحزاب الشيوعية العربية، حيث أنها يصفها علاقات بين تابع ومتبوع من خلال موظف حكومي وحزبي صغير يشغل مكاناً متواضعاً في جهاز المخابرات يدعى (نيجكين) يقبل الهدايا ويطالب بالرشاوي من قادة تلك الاحزاب لتمشية معاملة لقاء مسؤول أو مكاناً في منتجع على شواطيء البحر الأسود . يذكر عبد العزيز في كتابه عندما وصل الى موسكو ألتقاه الشهيد سلام عادل ونبه بعدم قبوله الذهاب الى تلك المنتجعات لو عرض عليه من خلال يومياته التي قضاه في تلك المنتجعات والأساليب المتبعة والمعمول بها والهدف من ورائها . تعامل القادة الشيوعيين السوفيت مع ملفات الاحزاب الشيوعية العربية بالضد من أرادة جماهير هذه الاحزاب بالتنسيق مع قادتها في أجهاض أي مشروع ثوري يؤدي الى ثورة وطنية من خلال أستلام السلطة في بلدانهم أي كان هناك إذعان وخضوع كامل لوصايا اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي السوفيتي من خلال ممثل لجنة العلاقات الخارجية الرفيق (بوناماريوف)، والذي كان يصغى بشكل طوعي الى معلومات (يفغيني بريماكوف)، الذي بدوره يقدم معلومات سيئة وصورة غير واضحة عن سياسات ومواقف الاحزاب الشيوعية العربية ومحاولات لوي ذراع لسياسة الاحزاب الشيوعية العربية التي لا تتماشى مع وصايا القادة السوفيت وخير مثال الحزب الشيوعي السوداني أيام عبد الخالق محجوب الذي كان يعارض علناً السياسة السوفيتية مما مورست عليه ضغوطات كبيرة وحصار سياسي وفكري لتحيده عن مواقفه، بل تعدى الأمر الى أبعد من ذلك بمنعه من حضور أجتماعات الاحزاب الشيوعية العربية لمواقفه الصريحة والعلنية في أنتقاد السياسة السوفيتية تجاه شعوب المنطقة وأحزابها الوطنية، في الوقت الي كان مدير معهد الاستشراق (غفوروف)، له رأي أخر تجاه السياسة السوفيتية أكثر واقعية وتطلعاً مشرقاً لنضالات تلك الاحزاب نحو الحرية والاشتراكية كما أكد الدكتور خليل عبد العزيز في كتابه (محطات من حياتي) .

مارس الشيوعيين السوفيت ضغوطات كبيرة على قيادة الحزب الشيوعي المصري للانضمام الى مشروع الاتحاد الاشتراكي العربي بقيادة جمال عبد الناصر الذي أسسه بتوجيهات من السوفيت بعد مشروع السد العالي، بل ذهب السوفيت الى أكثر من ذلك بمطالبتهم للحزب الشيوعي المصري بحل تنظيماته وألغاء كيانه السياسي والتخلي عن مشروع الثورة والسلطة، ولم يستطيع ذلك الحزب العريق في مقاومة الضغوطات السوفيتية بسبب ضعف أمكانياته على المستوى العام، فاندحر مستسلماً صاغياً، أزاء أدعاء عبد الناصر السياسي نحو بناء نظام أشتراكي عربي وبدعم سوفيتي واضح، وفي الوقت الذي كانت السجون المصرية تغص بالشيوعيين المصريين والتقدميين .

موضوعة التطور اللارأسمالي والانتقال الى السلطة سلمياً وتسويقها أيدلوجيا منذ نهاية الخمسينيات لأطفاء شعلة الثورة بين صفوف الشيوعيين في العالم، أعتمدها السوفيت في علاقاتهم الخارجية تجاه الدول النامية، على حساب مصلحة ومصير القوى اليسارية والديمقراطية في ذلك البلاد .

العراق والحزب الشيوعي العراقي من أكبر ضحايا السياسة السوفيتية في تضييع فرصته التاريخية في أخذ السلطة من مجموعة من العسكر المتهورين الزعيم عبد الكريم قاسم ورهطه . وفي فترة حكم الزعيم قاسم طالب عزيز محمد بحل التنظيم الحزبي داخل الجيش العراقي وأثنى عليه عامر عبدالله لعدم أزعاج الزعيم وتبديد خوفه من تطلع الشيوعيين الى السلطة وتماشياً مع الموقف السوفيتي تجاه العراق .

وعلى غرار ما حدث في مصر . أراد السوفيت أن يعيدوا التجربة السيئة في العراق، فبعد أنقلاب عبد السلام عارف على سلطة البعثيين في ١٨ تشرين الثاني العام ١٩٦٣ والاعلان عن الاتحاد الاشتراكي العربي، ضغط السوفيت على قادة الحزب الشيوعي العراقي بأتجاه حل تنظيمات الحزب والانصهار في بوتقة الاتحاد الاشتراكي العربي، هنا برز خط (آب) في تبني هذه السياسة بالتناغم مع موقف السياسة السوفيتية حول رؤيتها بمصير الاحزاب الشيوعية العربية، والشك بقدراتها على تعبئة الجماهير وقيادتها نحو البناء الاشتراكي .

وقد أقر خط آب في أجتماع اللجنة المركزية عام ١٩٦٤ المنعقد في العاصمة (براغ) بالاغلبية فقط أعترض عزيز الحاج عليه وتحفظ أراخاجادور على التصويت، وخط أب هو أمتداد للنهج الستاليني اليميني وتعزيز للسياسة السوفيتية باتجاه تهميش دور الحزب الشيوعي العراقي في قدرته على تعبئة الجماهير وقيادته على العمل الثوري في البناء الاشتراكي من خلال مفهوم التطور اللارأسمالي والذي أعتمده الحزب الشيوعي في سياسته العامة في مؤتمره الثالث العام ١٩٧٦ المنعقد في بغداد تحت شعار (من أجل ترسيخ وتعميق المسيرة الثورية وتوجه العراق صوب الاشتراكية) . وفي إجتماع اللجنة المركزية المنعقد في بغداد نيسان العام ١٩٦٥ أثير نقاشاً حاداً حول خط آب وتداعياته السلبية بين الناس وجماهير الحزب فتم رفضه بالكامل من قبل المجتمعين ورميت كل قراراته السابقه في سلة المهملات، وأنتهجوا سياسة جديدة وصدروا بياناً ضد حكومة عبد السلام عارف ودعوا الى أسقاطه . وحاول عزيز محمد بعد عودته من موسكو بأعتماد سياسة خط أب بصيغة التطور اللارأسمالي، وفي الأخير نجح بعقد جبهة وطنية وقومية مع البعثيين في تموز عام ١٩٧٣ .

الدكتور خليل عبد العزيز في كتابه سلط الضوء على أحداث مهمة مقتطعة أو مجزء من التاريخ فعادها الى مكانها المفترض من خلال تجربته النضالية والاعلامية والسياسية .

 

محمد السعدي

مالمو / أبريل ٢٠١٩

 

860 حقوق الكنيسةشهدت علاقة الكنيسة الكاثوليكية بموضوع حقوق الإنسان عدة تطورات، ونظرا للمنشأ العلماني لهذا الموضوع في التاريخ الحديث فقد شكّلَ نقطة خلاف جوهرية بين الكنيسة وبين الدولة الحديثة في الغرب. حيث عبّرت كنيسة روما في عدة مناسبات عن انتقادها لمفهوم حقوق الإنسان ومعارضته. لكن في ظل تحول مبادئ حقوق الإنسان إلى مرجعيةٍ كونيةٍ، شهد موقف الكنيسة تبّدُلا مجاراة لأوضاع وأعراف دولية باتت سائدة. كتاب الباحث الإيطالي دانييلي مينوتسي، أستاذ التاريخ المعاصر بمدرسة التعليم العالي بمدينة بيزا، يحاول تتبّع هذا التحول في الموقف الكنسي من قضية شائكة لا زالت عسيرة الهضم في التصور اللاهوتي، ولا زالت مثار العديد من الحساسيات في الدوائر الكنسية، لا سيما في الأوساط الاجتماعية التي ما زالت واقعة تحت تأثير الكنيسة.

يقسّم مينوتسي بحثه إلى ستة أقسام تتلخص في ثلاثة محاور رئيسة: الموقف من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي 1789؛ الكنيسة الكاثوليكية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948؛ وحقوق الإنسان بين رؤى الكنيسة الغربية وعالم الجنوب. فقد كان حرص الكنيسة، قبل صدور "إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي"، على إعلان الكاثوليكية دينا رسميا للدولة. ومع أن الكنيسة قد شاركت -ممثَّلةً بجمْعٍ من الأساقفة والكهنة- في صياغة تلك المبادئ فإنها قد تنكّرت لذلك الإعلان. إذ عقب صدور الإعلان، أملت الثورة علْمنةَ التنظيمات والهيئات التابعة للكنيسة؛ وفي شهر يوليو من العام 1789 أصدرت "الدستور المدني للإكليروس"، ودعت رجال الدين لأداء قسم الولاء للدستور الثوري الجديد، لكن ذلك خلّف معارضة كنسية جادة.

في المركز في روما، وإن أبدى البابا بيوس السادس حيرة أمام القرارات الجديدة في فرنسا، فقد جاء تحرّكه مشوبا بكثير من الريبة. ولم تكن الإدانة للدستور المدني للإكليروس ولمبادئ الثورة الفرنسية صريحةً سوى في "المختصر الرسولي" (Quod aliquantum) في العاشر من مارس 1791. إذ خلص البابا بيوس السادس إلى أن "وضع كافة الناس على قدم المساواة واعتبارهم على القدر نفسه من الحرية"، يشكّل فعلاً منافياً للمعتقد الكاثوليكي (ص: 29). فالمساواة والحرية الدينية، وما ينجرّ عنهما من إبعاد الكاثوليكية عن تولّي موقع الصدارة كدينٍ مهيمن، تهدف كلتاهما إلى الإطاحة بمؤسسة السلطة الدينية.

جعلت هذه التحولات الخطيرة البابا، على ما يرصده مينوتسي، يُبدي رفضا قاطعا للفصل العاشر من الإعلان المتعلق بالحرية الدينية، ويقف ضد تأميم أملاك الكنيسة، ويرفض إلغاء نظام العشور. ولكن ذلك الاحتجاج من قِبل رأس الكنيسة لم يمنع جيروم شامبيون دي سيسي، رئيس أساقفة مدينة بوردو الفرنسية، من الانحياز للثورة ومجاراة التحولات الجديدة.

عقب ذلك تطوّرت الأمور سلبا مع الكنيسة، وسارت باتجاه فرض الثورة أداء قَسَم الولاء للدستور المدني للإكليروس. وفي منظور البابا، يعني إفقادُ الكنيسة السند التشريعي للدولة، أثناء أداء مهامها الدينية، تشكيلَ نظام اجتماعي جديد يهدف إلى تدمير الدين المسيحي (ص: 55). حيث قاد تشدُّدُ الموقف الكنسي إلى اعتبار "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" منافيا للكتاب المقدس، لما تضمنه من حثّ على الحرية والعدالة. ومنذ تلك الآونة انطلقت معارضة منتظمة من روما بقيادة البابا.

يُبرِز مينوتسي توارث بابوات روما، بشكل عام، الخصومة مع حقوق الإنسان والحداثة. حيث نجد بيوس التاسع في خطاب ألقاه في التاسع من يونيو 1862، يعلن بصريح العبارة معارضته "لحقوق الإنسان الزائفة"، التي تتعارض مع "الحق الشرعي والصحيح" المتلخص في "الصلاّبو"، أي قائمة آثام العصر الثمانين.

كما يورد مينوتسي، ضمن هذا السياق، موقفا بارزا لِـلوي فيكومت دي بونال (1840-1754)، وهو سياسي مناهض للثورة، انتقد فيه إعلان حقوق الإنسان، قائلا: "انطلقت الثورة بإعلان حقوق الإنسان والمواطن وستنتهي بإعلان حقوق الرب". هذا التضارب بين حقوق الإنسان وحقوق الرب مثّلَ جوهر الخلاف بين الكنيسة والثورة، أو الحداثة عموما. لكن ينبغي التنبه إلى أن الثقافة الكاثوليكية ما كانت كلها تسير بحسب هذا التوجه المحافظ، فقد سعت بعض التيارات الليبرالية إلى بناء مصالحة بين المعتقد الكاثوليكي وحقوق الإنسان، غير أن تلك التوجهات لم تحظ بالقبول. ففي العام 1845 اقترح الأسقف دوبانلو على الكنيسة توظيف حقوق الحرية والدين والرأي والصحافة لبناء مجتمع مسيحي مصادَر وغير مسموح به. وفي سنة 1861 ظهر كتاب في فرنسا، من تأليف الكاثوليكي ليون نيكولا غودار بعنوان: "مبادئ 89 والمعتقد الكاثوليكي"، ذهب فيه صاحبه إلى أن جملةً من المبادئ الواردة في إعلان 89 لا تتناقض مع المعتقد الكاثوليكي، لكن مؤلفه لقي تأنيبا وتأثيما من روما.

ولم تشهد الأمور انفراجا سوى بانفتاح الكنيسة على مدخل آخر للحقوق في الرسالة البابوية "القضايا المستجدة" سنة 1891، التي أصدرها البابا ليون الثالث عشر. اعتبر في الرسالة من الواجبات الملحة والعاجلة للدولة العناية بالعمال. دشن البابا بذلك مقارَبة جديدة للحقوق، وقد مثّل ذلك خطوة مغايرة لحوار الكاثوليكية مع الحداثة.

وبحسب ما يرصده دانييلي مينوتسي فقد أمضت الكنيسة الكاثوليكية ما يزيد عن القرن في حيرة، منذ صدور الإعلان الفرنسي، حتى تيسر لها أن تستعيد وعيها من جراء الصدمة. حيث جرّبت في مرحلة أولى المعارضة، ثم في مرحلة لاحقة التأقلم مع التحولات التي اندلعت مع ثورات القرن الثامن عشر التي هزت المجتمعات الغربية.

في المحور الثاني من الكتاب الذي يتناول فيه مينوتسي موضوع "الكنيسة الكاثوليكية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948"، يتتبعُ ما خيّم من حذرٍ على الكنيسة طيلة الفترتين النازية والفاشية، ناهيك عن الصمت الذي لازمها في التعاطي مع مسألة حقوق الإنسان طيلة الحقبة الاستعمارية، أكان في إفريقيا أو في أمريكا اللاتينية. لكن التقاطَ الكنيسة لعلامات زمن جديد بدأ يطلّ، كما تقول، من خلال بداية تشكُّل عالم يقرّ ويعترف بحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، هو ما دفعها للانخراط في رسْم معالم هذا العالم الناشئ. فكان "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" 1948 بمثابة الموعد الجديد للكنيسة.

يورد مينوتسي أنه أثناء صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة، تمّ رفض مقترح الممثل البرازيلي تريستاو دي أتايدي بعد طلبٍ بتضمين مرجعية علوية للمبادئ، باعتبار تلك الحقوق عطية سماوية إلى الإنسان (ص: 145). وقد كان رد فعل البابا بيوس الثاني عشر حينها سلبيا على الإعلان. حيث بقي النفور حاضرا بين كنيسة روما وحقوق الإنسان على الشكل الذي صيغت به في الأمم المتحدة. والحقيقة أن ثمة قرابة بين تلك المبادئ الواردة ضمن الإعلان الأممي، وسابقتها الواردة في الإعلان الفرنسي، ومختلف ما تدعو إليه التقاليد الدينية، غير أن الهيمنة الكاثوليكية، أو الدغمائية الكنسية، هي التي دفعت للتصادم مع تلك المبادئ في العديد من المناسبات. لكن هذا لم يمنع من تحقيق بعض النجاحات تتصل بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية الواردة ضمن الإعلان، نتاج تدخّل ممثّلين كاثوليك. كانوا قد تجمّعوا في تنظيم دولي للعمال المسيحيين، بقيادة كاثوليكي فرنسي، ودفعوا باتجاه إقرار حقوق تسير نحو تقليد الكنيسة، الوارد ضمن مفهوم "العقيدة الاجتماعية"، أي مجموع المبادئ والتعاليم المعبرة عن توجهات الكنيسة، في نظرتها إلى مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والتي على ضوئها تحدد تدخلها في الشأن الاجتماعي.

لقد أملت التحولات التي شهدها العالم على الكنيسة تغييرا في تعاطيها مع الأعراف الجديدة التي باتت سائدة. حيث بقبولها بالأمر الواقع جنّبت نفسها العزلة والانحصار: وكما يقول اللاهوتي بييترو بافان (1903-1994) شهد العالم تحولا ديمقراطيا، وما لم تول الكنيسة حقوق الإنسان اهتماما توشك ألا تفهم هذا العالم، وأن لا تقدر على التخاطب معه، وألا تكون حاضرة فيه؛ وبالتالي يتهدد ذلك الدور الرعوي للكنيسة.

لكن في ظل التبدلات الكنسية مع موضوع حقوق الإنسان، يبقى ما حصل بصدور الرسالة البابوية "السلام في الأرض" للبابا يوحنا الثالث والعشرين (1958-1963) الأبرزَ ضمن هذا السياق. كانت المرة الأولى التي يورد فيها البابا، وبشكل جلي، إعلان حقوق الإنسان 1948 مرجعيةً، باعتبار ذلك خطوة مهمة على طريق تنظيم المجموعة الدولية، ورغبة منه في مراعاة تلك الحقوق المعلنة في كافة البلدان لتغدو واقعا فعليا. مع رسالة البابا يوحنا الثالث والعشرين "السلام في الأرض"، التي كانت بمثابة الإعلان الكاثوليكي لحقوق الإنسان، يرى دانييلي مينوتسي أنه يمكن الحديث عن بداية تحوّل براغماتي للكنيسة، وليس مصالحة مسيحية مع حقوق الإنسان.

وبُعيد اعتلاء البابا يوحنا بولس الثاني سدة البابوية في ديسمبر 1978، تكرّر التنويه بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فقد أرسل رسالةً إلى الأمين العام للأمم المتحدة حينها، كورت فالدهايم، بمناسبة الذكرى الثلاثين لصدرو الإعلان، معربا له فيها عن غبطته بحلول هذه الذكرى المهمة. كما عاد الموضوع في الرسالة البابوية الأولى "فادي الإنسان" المنشورة في شهر مارس 1979؛ واستُعيد ثانية في الخطاب الذي أُلقِي أثناء زيارة الأمم المتحدة في أكتوبر من العام نفسه. وفي الخطاب السنوي الذي اعتاد البابا إلقاءه أمام أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمَدين لدى حاضرة الفاتيكان، تطرّق خلال العام 1988، بالحديث للإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 حينها، معتبرا إياه "علامة مهمة على الطريق الطويل والشاق للبشرية".

غير أن ما يمكن ملاحظته في تعاطي الكنيسة مع موضوع حقوق الإنسان، عقب صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، أنها لم تقبل بحرية التدين ومبدأ التسامح إلا بعد أن أيقنت أنها الأقدر في التحكم بهذه الأدوات الجديدة، في لعبة التنافس مع الأديان الأخرى، وباتت تُعيّرُ الأوساط الدينية التي لا تعترف بذلك، بعد أن كانت ترى الأمر من "المواد الضارة" ومن خطايا العالم الحديث. فكان إلحاح يوحنا بولس الثاني على حقوق الإنسان -مثلا- نابعا من السعي لإسقاط جدار برلين، مؤكدا حينها على "حق الناس في الدين".

في المحور الأخير من الكتاب "حقوق الإنسان بين رؤى الكنيسة الغربية وعالم الجنوب"، يتعرض مينوتسي إلى ما أُثير مجددا حول مسألة الحرية الدينية ضمن وثيقة "الكرامة الإنسانية"، عقب انعقاد مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965). فقد كان هاجس الكنيسة متلخصا في عنصرين: التعاطي مع المسألة، في واقع يمثّلُ فيه المسيحيون أغلبيةً وتحضر فيه الكنيسة بمثابة "دين الدولة"؛ والتعاطي مع المسألة في واقع يمثّل فيه المسيحيون أقليةً وتطمح فيه الكنيسة إلى كسب امتيازات إضافية. حيث تمخّضَ المجمع المذكور عن إقرار الحرية الدينية بقصد توظيفها كأداة أيديولوجية نحو الخارج، بما يعضد الكنيسة في مسكونيتها وما ييسّرُ مسعاها لأنجلة العالم. ضمن استراتيجية جديدة توخّتها في التعامل مع الآخر، تمثلت في ما يُعرف بـ"نوسترا آيتات" التي تشكَّلَ بموجبها "مجلس الحوار مع الأديان غير المسيحية"، الذي كُلِّف بهندسة علاقات الكاثوليكية مع أديان العالم. حينها خرج الجدل بشأن الحرية الدينية وحقوق الإنسان من التداول الغربي، بين التصورات الدينية واللادينية، وبات مطروحا خارج الإطار الغربي. حيث يستعرض مينوتسي المستجدات التي حصلت داخل الكنيسة وارتباطها بمسألتي حقوق الإنسان والحرية الدينية من خلال واقع أمريكا اللاتينية وواقع البلاد الإسلامية.

إذ لم تشفع قرارات مجمع الفاتيكان الثاني، التي عُدَّت ثورة فريدة داخل الكنيسة، دون بقاء المركز في روما عرضة للهزات. فقد جاءت المراجَعة الجذرية لمفهوم حقوق الإنسان من أقاصي الجنوب، تحديدا من أمريكا اللاتينية، عبْر ما عُرِف بلاهوت التحرر. حيث دبّ تساؤل في أطراف العالم الكاثوليكي المهمَّش بشأن صدقية مفاهيم حقوق الإنسان دينيا، في ظل غياب التطرق بحزم لـ"حقوق الفقير" وما يرهِق أتباع كنائس العالم الثالث. وقد ذهب لاهوت التحرر إلى محاولة تحويل حقوق الإنسان إلى حقوق الفقراء. لكن ذلك الهمّ الإنساني الذي استبدّ بلاهوت التحرر، منذ نشأته، جعله عرضة لاتهامين رئيسيين: موالاة الشيوعية ومخاطر تحويل الدين إلى سياسة.

وأما ما يخصّ تحولات الكنيسة عقب الفاتيكان الثاني وانعكاساتها على العالم الإسلامي، فما إن أوشكت جولة توظيف حقوق الإنسان ضد الخطر الشيوعي على الانتهاء، حتى توجّهت الأنظار نحو العالم الإسلامي، ولا سيما في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن تبين أن العالم الإسلامي منهَكٌ، ويمكن استيعابه وردعه بإثارة مسائل على غرار انتهاك حقوق الإنسان والأقليات، كلّما استلزم الأمر. وبيُسرٍ نَقلت الكنيسة معركة حقوق الإنسان من الفضاء الغربي إلى فضاء "العالم الإسلامي" و"العالم الهندي الصيني". ولم تعد الكنيسة رافضة لمفهوم الحرية الدينية في فضائها الغربي التقليدي، بعد أن اطمأنت أن الداخل خارج التهديد. وباتت حقوق الإنسان منظورا إليها كحقوق للاختراق الديني، بعد أن أمسى الحديث عنها كقضية إشكالية ضمن تراث الآخر وواقعه وثقافته.

ومنذ أواخر حقبة يوحنا بولس الثاني وطيلة فترة جوزيف راتسينغر شهدت الكنيسة نوعا من "التصلب المفاهيمي" تجاه حقوق الإنسان، وبات الحديث عن أن حقوق الإنسان هي بمثابة التهديد المتأتي من الفلسفة العدمية والنسبية. حيث الإلحاح المستجد للكنيسة على امتلاك القانون الطبيعي. وعاد الخطاب الكنسي الدغمائي بعد أن توارى طيلة عقود. ومنذ أواخر فترة يوحنا بولس الثاني عاد الحديث عن الإجهاض والقتل الرحيم بمثابة التقويض لمبدأ حقوق الإنسان. ومن هذا المنظور توجهت انتقادات للمنظمات الدولية التي تدافع عن تلك الحقوق  كونها تهدد بعمق الحياة.

بحسب المسار الذي رسمه دانييلي مينوتسي في كتابه، مرّت الكنيسة بمراحل مع حقوق الإنسان من المعارضة الراديكالية لإعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي 1789 إلى القبول الحذر للإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، وإلى غاية التصادم المستجد والعودة للحديث عن القانون الطبيعي مع يوحنا بولس الثاني ثم مع راتسينغر. فحسب مينوتسي المصالحة النهائية بين الكنيسة وحقوق الإنسان ما زالت معلَّقةً.

 

الكتاب: الكنيسة وحقوق الإنسان.

 المؤلف: دانييلي مينوتسي.

الناشر: إيل مولينو (مدينة بولونيا-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2019.

عدد الصفحات: 280 ص.

 

عزالدين عناية جامعي تونسي مقيم بإيطاليا

 

علي المرهجصدر مؤخراً كتاب (شيعة العراق بعد 2003ـ الرؤى والمسارات)، تحرير: د. مؤيد آل صوينت و د. علاء حميد، وهو محاولة لقراءة التحول الاجتماعي والسياسي للمكون الشيعي في العراق والتحول الدراماتيكي من الهامش إلى المركز.

لم يكن للشيعة دور في الإدارة السياسية للدولة منذ نشأتها كدولة حديثة في بداية القرن العشرين.

أثناء الحملة البريطانية على العراق حمل الشيعة راية الذود عن (بيضة الإسلام) الذي كانت تُمثله الدولة العثمانية آنذاك رغم تهميشها لهم، فكانت فتوى الإمام الشيرازي آنذاك بمثابة الاعلان عن رفض الشيعة لركوب موجة التغيير الجديدة لأنها تُمثل تأييداً للصليبيين وتكريساً لهيمنتهم، فكان الشيعة من أشد المُعارضين لتواجدهم في أرضي المُسلمين، وبعد أن تمكن البريطانيون من احتلال العراق ولأنهم يعرفون موقف الشيعة منهم سلفاً، نجدهم أقرب للقبول بتقريب السنة الذين لم يُظهروا كبير عداء لهم، فصار الشيعة كما يرغبون دائماً هم الهامش واليسار الذي يُمثل خط المُعارضة، أما السنة فقد تمكنوا من ترتيب علاقتهم مع المُحتل الجديد، فصاروا مركزاً بحكم رغبتهم واتقانهم للعمل فيه تاريخياً، فهم تاريخياً متن السياسة ومركزها ويمينها.

استمر الحال في ادارة الدولة العراقية، الشيعة هم الهامش، والسنة هُم المتن والمركز، وبعد الثورة الإسلامية في إيران بدأ (الفاعل السياسي) في العراق يستشعر خطر تهديد الهامش لضمان وجوده في المركز، فبدأ يرسم الخطط تلو الخطط للعمل على إداممة بقاء الهامش هامشاً، فحاول قمع المعارضين في العلن والسرَ ولم يكتف، فوجد في الحرب سياسة ذكية لديمومة التهميش، ولكن الروح الثورية التي نشطت بفضل الثورة الإيرانية التي داعبت مخيال الروح الجمعي للشيعة في كل العالم قد طالت شيعة العراق الذين يحلمون بخروج الإمام (المهدي) الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلأت جورا، والثورة في إيران هي تمهيد لظهور الإمام الحُجة!.

فطال ما طال الشيعة من تنكيل وسجن وتقتيل، وانتهت الحرب، ولكن الحُلم الشيعي بتأسيس دولة العدل على يدي الإمام الحُجة لم تنته!.

وبعد مُدة ليست بالطويلة انتفض شيعة العراق فيما سُميَ بالانتفاضة الشعبانية التي يحمل أصحابها ذات الرؤية والحُلم بالخلاص من دولة الاستبداد والاستعباد لتحقيق العدل في البلاد بثورة إسلامية، ولكن بمعونة خارجية وسماح أمريكي لطائرات النظام بالقصف تمكنت قوات النظام المُسلحة من القضاء على الانتفاضة، فبقي الهامش هامشاً والمركز مركزاً، ولم يتغير ميزان المعادلة التقليدية في الصراع بين اليسار واليمين، فلم يتحول اليسار إلى يمين، والعكس صحيح.

بعد أن مرَت العديد من السنين، وتبدل القناعة الأمريكية بفعل تأثير قوى المعارضة الكُردية والشيعية ولقناعة أمريكا بأن نظام صدام صار خطراً يُهدد شعبه وباقي شعوب المنطقة اتخذوا قرار اسقاطه، وقد تم هذا الأمر لهم عام 2003، ولم يكن من السنة في المُعارضة سوى القلة القليلة، فلم يكن من خيار أمام الأمريكان سوى أن يختاروا مجلساً للحُكم على أساس نسب المكونات، والشيعة هم المكون الأكثر، فكان تمثيلهم في هذا المجلس هو الأكبر.

ويبدو أنهم استفادوا من الدرس، فلم يقبلوا أن يخسروا تواجدهم في صناعة القرار هذه المرة بعد أن اتعضوا من الدرس أبان الحُكم البريطاني، وهنا بدأ ميزان المُعادلة التقليدية للحُكم يختل في العراق، فتحول الهامش ليكون مركزاً، واليسار إلى يمين، والمركز صار هامشاً، واليمين صار يساراً، فبعد أن كان الشيعة مُعارضة على طول التاريخ، صاروا هم السلطة، وبعد أن كان السُنة سلطة على طول التاريخ صاروا هُم المعارضة. إنها لُعبة تبادل الأدوار بين الهامش والمركز.

بعد 2003 تحولت مظلومية الشيعة وظُلامتهم من عنوان للدفاع عن المُهمشين والمُستضعفين إلى عنون لتبرير أفاعيل السلطة بطابعها المُحافظ، فبعد أن كانوا هم والسلطة في تناقض أو تضاد صاروا وهي أي السلطة صنونان لا يفترقان، وكل ناقد لسلطتهم إنما هو عدو للمذهب! ولقضية عاشوراء التي اتخذها ساسة الشيعة اليوم ذريعة لقمع كل صوت معارض وتبريراً لفشلهم في إدارة الدولة!.

إن مشكلة الشيعة في إدارة الدولة إنما تكمن في التعارض بين مُتبناهم الغيبي الذي يقتضي تغييب (الواقع) = (المصالح) لصالح (المثال) = (المبادئ)، فدولتهم محض خيال وفق المُتبنى العقائدي، والدولة (الواقع) مُمارسة وتبدل في الآراء على قاعدة (لا يوجد عدو دائم، ولا صديق دائم، إنما الدائم هي المصالح)، لذا حار القادة الشيعة بين مُتبناهم العقائدي ومُقتضيات إدارة الدولة لا وفق سياسة علي (ع)، إما أن تكون مع الحق أو مع الباطل، وتلك دولة المثال (المُتمنى)، ليكتشفوا أن إدارة الدولة في المعارضة تقتضي التنظير وفق المثال (علي)، ولكن إدراة السلطة في الواقع تقتضي إدارة الدولة وفق المُتغير الذي أدرك كُنه التعامل معه (معاويه).

لقد توصل ساسة الشيعة أن الرؤية اللاتاريخية في الحُكم إنما هي ضرب من ضروب العيش في عوالم الحُلم، لذا نجد أغلب ساسة الشيعة يستغلون فضاء الحُلم هذا عبر تفعيل المخيال الشيعي العام لديمومة الشعور بالمظلومية، فعملوا على تدعيم وتشجيع التعبير الطقوسي والشعائري لا لأنهم أدركوا مقصدية التضحية وقيمة الإصلاح الحقيقي في أس هذه المظلومية ألا وهو القضية الحُسينية بوصفها إصلاح إنما هي محاولة منهم لتوظيفها لصالح استمرارية بقائهم في السلطة، أو ما أسماه (د.أياد العنبر) "طوباوية الدولة وواقعية السلطة"، للمحافظة على وظيفتين أساسيتين فيي خطاب المظلومية هذا:

ـ وظيفة هوياتية الطابع تعمل على شرعنة رؤية مثالية للذات ـ وبالضرورة رؤية اقصائية تجريمية للآخر المُختلف.

ـ وظيفة حجاجية يُركز أصحابها على المُمارسات أو الأهداف السياسية، يستخدمها دعاتها لتبرير الأفعال الخاطئة التي لا تنسجم ومنطق إدارة الدولة بقدر ما تنسجم وشحذ مخيال الطائفة (المُهمشة)!، مثلما فصل في ذلك د. ذو الفقار علي في بحثه (المظلومية في الخطاب الشيعي).

لا يخفى على أحد التوظيف الشيعي للطقوس والشعائر، فبات من المعروف عن الشيعة "التوظيف المُتزايد للخزين الطقوسي والرمزي والشفاهي وتحويله إلى نموذج مُهيمن في الحياة اليومية" وتلك صورة واضحة وجلية في مُمارسات الشيعة لشعائرهم في مواكبهم العاشورائية وانتشار صور المراجع والأئمة والمراثي الحُسينية، الأمر الذي جعل من هذه المظاهر "الشيعية كطريقة للحياة" بعبارة (د.علاء حميد) في بحثه بذات العنوان.

إن مُشكلة المذهب الشيعي أنه "مذهب عابر للقوميات"، وحتى المرجعية فيه "عابرة للقوميات" أو ما أسماه (د.خالد حنتوش) في بحثه "عالمية الحوزة"،  وفي هذه الحوزة تعدد في المرجعيات يختلف مراجعها في رؤيتهم لشكل الدولة وطريقة إدارتها، فمنهم من يؤمن بـ "ولاية الفقيه" وآخرون لا يؤمنون بهذه الرؤية، وعلى رأسهم السيد السيستاني الذي لا يعتقد بولاية الفقيه وهو أقرب للقول بضرورة وجود "الدولة المدنية". للمزيد حول بلورة مرجعية السيد السيستاني وتصدره لمشهدية الحضور الفاعل يُنظر بحث سجاد رضوي "التعبئة السياسية والمرجعية الدينية الشيعية" في الكاتب موضع القراءة.

رغم أن السيد محمد محمد صادق الصدر لا يؤيد القول بالدولة المدنية، إلَا أن السيد مُقتدى نجله الذي تمكن من نيل مقبولية أغلبية الشيعة المُستضعفين بوصفه المُمثل لهم والناطق باسمهم.

لقد توصل السيد مُقتدى إلى قناعة مُماثلة لما توصل له السيد السيستاني من قبل، فآثر تشكيل ائتلاف مع القوى اليسارية والماركسية من أجل الإصلاح وبناء عراق مدني يحترم التعددية الفكرية والدينية والمذهبية، رغم أن في أصل تكوين الرؤية الشيعية حمولة انكار لمُعطيات الديمقراطية لأن "الفقيه الجامع للشرائط قيَم على مُخرجات الآليات المُسمات بالديموقراطية، وله حق نقض القوانين التي تُخالف القوانين الإنسانية العُليا بحسب قناعته، لأنه الصائن والحافظ الأول لمصالح العباد والبلاد"!. لأن الإسلام بحسب رؤية السيد محمد محمد صادق الصدر نظام إلهي، لا يعترف بالتمثيل البرلماني...وأن العقل البشري قاصر...(لذا) فلا حاجة تبقى لدى الشعب المُسلم إلى التصويت على أي قانون من القوانين الإسلامية".

هكذا تكون التجربة الشيعية في الحُكم وفق الدستور الحالي تجربة هشة لأن مُتبنياتها الأصولية والسياسية التراثية واليوم هي ذات المُتبنيات التي تختط لها طريقة في الحياة والرؤية الاجتماعية والسياسية بعيداً عن نتاجات الحداثة ومعطياتها في التوجه نحو المدنية والديموقراطية.

على الرغم من أن المرجعية الدينية الشيعية هي التي ساعدت على التعجيل في اجراء الانتخابات للتخلص من الوصاية الأمريكية وسمة الاحتلال، وعلى الرغم أيضاً من المرجعية العليا للسيد علي السيستاني كانت أكثر حنكة وقدرة على التخلص من توصيفها الطائفي عبر تأكيدها على وحدة الأرض العراقية ووحدة الشعب ودعوتها المُستمرة للتجاوز شرك الطائفية، واصداره لفتوى الجهاد الكفائي التي كان لها الأثر الأكبر في تحشيد العراقيين والخلاص من (داعش) وتأييده للمظاهرات السلمية المطالبة بالحقوق ومُحاسبة الفاسدين.

رغم كل مُتبنيات المرجعية لهذه الخطوات الأصيلة لبناء مُجتمع مُتماسك، إلَا أن طبيعة قيمومتها الدينية والاجتماعية التي تُضفي على وجودها دور القداسة المُستمد من تاريخ وجودها المُستمد من ارتباطها وأهمية حضورها من تمثيلها للسلطة الدينية المُمثلة عند الشيعة بالأئمة المعصومين وصولاً للإمام الغائب، فالحوزة بحسب المنظور الشيعي تستمد وجودها من الإرادة الإلهية ولا دور للجماهير في وجودها، لأنها محفوظة بأمر إلهي طبقاً لما جاء به النص المُقدس في النص والتعيين الإلهي للإمام، والحوزة إنما وجدت طبقاً لنص تأسيسي من الإمام الحُجة "وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله" ولفظ (ارجعوا) هو الذي ساهم في التأسيس الأصيل لوجود المرجعية بحسب ما يرى د.خالد حنتوش في بحثه "حوزة البراني والجواني".

لم يتقبل هذه الرؤية أغلب مكونات المجتمع العراق على أساس عقائدي رغم تقديرها العالي لها، لكنها تتردد في مقبولية خطابها، وإن ظهر جلياً ابتعاد مرجعية السيد السيستاني فكراً ومنهجاً عن مرجعة السيد الخامنئي، فكل دعوات السيد السيستاني تؤكد ابتعاده عن فكرة "ولاية الفقيه" واهتمامه ببناء الدولة العراقية وفق مبادئ القانون الوضعي الذي يحترم التعددية الدينية ويرفض "النظام السياسي الطائفي والمذهبي"، كما أكد (رايد فيسر) في بحثه المنشور في الكتاب.

في المُقابل نجد أن أغلب الشيعة العراقيين وجُلَ ساستهم إنما هُم يسيرون شعاراتياً مع ركب المرجعية، لكنهم على مستوى المُمارسة نجدهم يستخدمون ثقل المرجعية وقداستها وجذورها الفكرية لصالح استمرارية بقائهم في السلطة عبر اللعب على وتر العاطفة والوجدان الشيعيان.

تمرحل دور المرجعية الشيعيةعلى ثلاث مواقف:

1ـ الاقتصار على الدور الافتائي من دون الدخول في الفضاء السياسي.

2ـ اقتصار دور المرجعية على الإشراف على العملية السياسية دون التدخل المباشر، والابتعاد عن التفاصيل قدر اللإمكان. وهذه الحال تنطبق على مرجعية السيد السيستاني الذي حاول أن يكون باني جسور بين أبناء المجتمع وساسته.

3ـ تنبني خيار ولاية الفقيه في العراق، أعتقد أن هذا الخيار لم يتخذه مرجع في العراق بقدر ما اتخذته جماعات شيعية تؤيد مرجعية السيد علي خامنئي ومحاولة تطبيق النموذج الإيراني. كما فصل في ذلك د. مؤيد آل صوينت في بحثه.

يؤكد د. أياد العنبر على "أن من يقرأ المدونات الفقهية والمصادر الفكرية الشيعية لا يجد اهتماماً حقيقياً بمسألة التنظير للدولة" كما بين في بحثه المنشور في الكتاب.

إن تكوين الدولة عند السيد محمد باقر الصدر مرتبط بـ "الأمة الإسلامية" الأمر الذذي يعني غياب الدولة والأمة معاً بالمعنى السياسي الحديث لهما.

ولا يخرج فكر السيد باقر الحكيم عن وجهة النظر هذه. ينضوي جُلَ مراجع الشيعة ضمن هذه الرؤية لأن "المذهب الشيعي مذهب عابر للقوميات" كما وضح (ايرنستو أج برام) ببحثه في الكتاب ذاته.

في بحث د.علي حمود الطاهر (المثقفون الشيعة وبناء الدولة) نجده يُصنف مواقف المُقفين الشيعة طبقاً لمعرفته هو لأصولهم التكونية مذهبياً، الأمر الذي لا يرتضيه بعضهم أو جلهم هذا التوصيف المذهبي، فكيف يُمكن لنا توصيف حيدر سعيد مثلاً على أنه مُثقف شيعي، وهو الذي عمل جاهداً للخروج من قوقعة الطائفية ونقدها!. والحال ذاته ينطبق على غالب الشابندر الذي غادر مواقعه القديمة في انتمائه الدوغمائي للمذهب ليحط رحاله في مرافئ الديمقراطية، وهكذا الحال مع عبدالجبار الرفاعي وحسين درويش العادلي وابراهيم العبادي، لأن جميع هؤلاء ينطبق عليهم وصف الوطنيين العراقيين أكثر مما ينطبق عليهم الوصف بأنهم مُثقفوا الشيعة. أظن أن وصف المُثقف بأنه سُني أو شيعي هو تكريس للطائفية لا تجاوز لها.

من هو الشيعي؟ سؤال وضعه د.علاء حميد في بحثه "الشيعية كطريقة للحياة" يختصر تساؤلات د.علي طاهر الحمود، فالشيعي هو:

1ـ الذي ينتمي للحركات الشيعية (إسلامي) حركي = (توظيف سياسي).

2ـ الذي يهتم بالطقوس (طقوسي) شعبوي (توظيف اجتماعي).

3ـ الذي يهتم بالتاريخ (مُتعلم/ مدني) = مدني.

الذي يشتغل بالعلوم الدينية (أصولي).

ولا أظن ىأن أحداً من المثقفين السابقين ينطبق عليه وصف الشيعي طبقاً لهذا التصنيف.

هل مثل ساسة الشيعة مصالح المُكون وطنياً؟

بكل وضوح وجرأة لم يكسب الشيعة العراقيين من ساسة الصدفة الذين حُسبوا عليهم سوى الدمار والفساد وخراب البلاد، لأن ساسة الشيعة لم يكونا مُمثلين لهم بحق، إنما كانوا خير من يُمثلون مصالحهم ومصالح الجوار الاقليمي الذي يُدينون له بالولاء!، وتلك احصائيات أجرتها الدكتورة عامرة البلداوي في بحثها (التجربة البرلمانية للنواب الشيعة) لتُثبت فساد الفاعلين السياسيين الشيعة في البرلمان عبر تسقيطهم للوزراء المُخالفين لهم من مكونات أخرى وتجديد الثقة لوزراء فاسدين من مكونهم.! فوصل الأمر لاسقاط رئيس البرلمان (السني) لالأنه طالب بمحاسبة السيد عبدالعزيز الحكيم عضو البرلمان الذي لم يحضر ولا جلسة برلماني ناقش فيها البرلمانيون مُقترح! والحال ذاته ينطبق على أياد علاوي وابراهيم الجعفري، فأقيل رئيس البرلمان، وبقي قادة الكُتل الشيعية لا يحضرون!!.

إن ما يُميز الشيعة هو تماسكهم وترابطهم لأنهم يعيشون مخيال المظلومية الذي يقتضي التماسك الذي تؤكده روبط مُتعددة أهمها: "البقاء، والقوة، والطاعة، والترابط" وتلك مبادئ اتفقوا عليها لتوصيف ما اعتقدوا أنها مظلومية عاشوها عبر التاريخ، فجاء بحث عدنان صبيح ثامر (أنثربولوجيا الخطابة الشيعية) ليُفصل فيها.

إن هذه العناصر ترتبط معاً بمقدار ما يكون للوجد الطائفي والقبلي حضور فاعل، ولكنها لا مكان لها في عوالم الديموقراطية ومقتضيات المواطنة الحقة التي تقتضي الإيما بوجود موطن حُر لا ولاء له سوى لهويته الوطنية التي لا تكشف عنها نزعة الانغلاق الطائفي أو المذهبي بقدر ما تكشف عنها "نزعة الأنسنة" و "العلمنة" التي ترفضها "راديكالية" الأحزاب الشيعية المُهيمنة على القرار السياسي في عراق ما بعد 2003.

في بحثه "شيعة العراق بعد 2003" يُحاول د.جعفر نجم نقد ما  أسماه "أوهام الأسلمة" بتأكيده على البون الشاسع بين (الشريعة) والمُتغير (القراءة لها ـ الفقه)، والعمل على تجديد حضور ما هو ديني بتغيير نمط حضوره، عبر جعله منبعاً للضوابط الأخلاقية.

مُلخص قولي أن شيعة السلطة لم يُحسنوا إدارة الدولة لأنهم عملوا على تنمية مواردهم الذاتية، واللعب على تاريخية المظلومية بوصف المكون الشيعي هامشاً والسُنة مركزاً، وفي المقابل لهم لم يُحسن السُنة تقبلهم التحول من المركز ليكونوا في الهامش، فكان ساسة الشيعة أسوء مركزاً = (سلطة) والسُنة لا يتقبلون أن يكونوا هامشاً بحكم (جين) موروث تكونهم بوصفهم "مركزاً".

ونحن العراقيين اليوم يجذبنا المد والجزر، مد "المركز" و "جزر" الهامش" والخشية كُل الخشية في تبدل الأدوار بين "المدَ" و "الجزر"، فكيف يُمكن لـ "المدَ" أن يكون "جزراً"، أو أن يكون "الجزر" "مدَاً" تلك هي لُعبة المُمكنات في عوالم التغيير.

 

ا. د. علي المرهج

 

علي جابر الفتلاويفي كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) للدكتور عبد الجبار الرفاعي محاور فكرية وفلسفية عديدة، يعطي فيها رؤيته في هذه المحاور، إضافة لبيان رؤاه في الدين وفق رؤية عصرية لا تتقاطع مع الايمان، ولا مع الطقوس الدينية التي هي الهوية والعنوان، كالصلاة والصوم وغيرهما من الواجبات التي هي طقوس لا تتأثر بالآراء حسب الزمان والمكان.

 يقول عن التجربة الدينية في كتابه (ص133) أنها: (تعني مواجهة الله وتذوق حضوره، وتحسس هذا الحضور روحيا. هي نحوُ تجلٍ وجودي للالهي في البشري). عبارته تفصح عن رؤيته الصوفية، التي آراها رؤية سليمة، هذه الرؤية هي التي تلازم قلب المؤمن، فهي ثمرة الإيمان القلبي والروحي القريب من إيمان العارف، مشاعر إيمان الصوفي والعارف تتوائم مع العقل، ومع أهداف الدين الانسانية. يرى الدكتور الرفاعي أن رؤيته عن التجربة الدينية متوائمة مع تعبير المتصوف الهندوسي (رادهكرشنان) عندما وصف التجربة الدينية بقوله:  (أقوى برهان على وجود الله هو إمكان تجربته وإدراك حضوره. فالله معطى تجريبي ومضمون محسوس للتجربة، وحالة روحانية)(1)

يقول الدكتور الرفاعي: أن التجارب الدينية متنوعة، كتجربة الانجذاب والهيبة وتجربة الاعتماد، وتجربة الأمل، وتجربة الحب، وغير ذلك من التجارب، يرى أن الإيمان الديني يرتكز على هذه التجارب، ويرى أن التجربة الأعمق والأشد لهذه التجارب هي تجربة الأنبياء والأولياء والمتصوفة والقديسين، وعبارته تفصح أن هذه التجربة الدينية شاملة لكل الأديان، فهي حالة روحانية قلبية كما عبّر عنها، يرى أن هذه التجارب الدينية هي أعمق مستويات الأديان؛ وأن معارف الدين مهمتها تفسير هذه التجارب وتصنيفها، يرى أنّ ميراث التصوف المعرفي والعرفان النظري هو الأقرب لبيان حقيقة التجارب الدينية. فهو يميل لكفة ميراث التصوف العرفاني. لأنه يفرّق بين نوعين من التصوف كما سنرى.

العبادات من صلاة وغيرها عنده هي معراج الوصال مع الحق،(ص72)، أرى أنّ هذا هو سبيل المتصوف العارف، فالتصوف السليم والعرفان هما السبيل للوصال مع الحق تعالى، لكن عندما يسلك التصوف طريق الانفراد عن العرفان، يقع حينئذ في المحذورات والمحظورات، يعيش المتصوف عندئذ في عزلة، بعيدا عن مسار الدين الذي رسمه الانبياء والاولياء وأهل القرب من الله.

الدكتور عبد الجبار الرفاعي حسب ما استوحيت من صفحات كتابه، هو حسب تعبيره مع المتصوف والعارف الذي يؤمن أن الشريعة توصل إلى الطريقة والطريقة تقود إلى الحقيقة، ومن يتخلى عن الشريعة لا ينال الطريقة، وبالتالي لا يتذوق الحقيقة (ص72).

العبارات تعزل بعض المتصوفة الذين يبتعدون عن الشريعة بطريقتهم الخاصة وغالبا ما تكون فردية، وقد يكون معهم أتباع أفراد أيضا، فيعيشون في عالم منعزل عن الآخرين، عالم خاص بعيد عن المجتمع والواقع.

من يقرأ كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) يجد الايمان حالة انطولوجية وجودية لا تخضع للمعايير العقلية أو المنطقية، أنه إشراق روحي في القلب، وإيمان الدكتور الرفاعي هو من هذا النوع كما يصرح في كتابه (80): (إيماني حالة انطولوجية لا أستطيع الإطاحة بها).

 في رأيي هذا الايمان هو التصوف أو العرفان الذي يكون فيه الانسان مسيّرا من قلبه لا عقله، هذا النوع من الايمان مرحلة متقدمة من مراحل الإيمان، ويُعدّ هذا الاتجاه في التصوف إيجابيا، هو إشراق روحي لا يمكن توصيفه، كما عبّر الدكتور الرفاعي، وأضاف وهو يصف إيمانه (من المحبة أو العشق الذي يغرق فيه قلبي).  يذهب (ص81) إلى أن من علامات الإيمان عند المتصوف والعارف هو الحيرة: (ورد في ميراث التصوف المعرفي ما يؤشر إلى تبجيل الحائرين وتمجيد (الحيرة) وإن كان معناها لديهم يشي بعوالم الملكوت، ويحيل إلى الجمال والكمال في الأسماء الالهية، واغتراف السالك من ذلك الجمال والكمال غير المحدود). يقول: الحيرة ليست كما نفهمها التي تعني التيه والضلال، بل هي شعلة عقلية روحية عاطفية ملتهبة، هدفها إيقاظ الذات من غفوتها.

 كلامه يُفصح عن تصوفه. لكن التصوف الإيجابي الفاعل والمتفاعل مع المجتمع. عبّر عن ذلك: (ص89 - 90): (أنّي لست مع تصوف يخرج الفرد من العالم. نعم أتضامن مع شيء من مقولات التصوف المعرفي، الذي يثري الروح ويضيء القلب بجماليات الوجود، ويجعل الكائن البشري فاعلا في بناء هذا العالم.)

يرى أنّ المتصوف هو صاحب التجربة الدينية، ليس كل متصوف صاحب تجربة دينية، وليس كل صاحب تجربة دينية متصوفا. يرى ليس كل متصوف مقبولا يقول: (ص136): (فقد يكون المتصوف خاويا روحيا هشا أخلاقيا، جائعا للمال والجاه غارقا بكل ما هو شكلي زائف، لا يمتلك أي ثراء معنوي، ويفتقر للمثول الحقيقي في حضرة الله، مثلما هو شأن طيف عريض ممن يمتهنون ذلك، وهم أقرب للمشعوذين منهم إلى ذوي التجارب الروحية، بغية نيل مكانة اجتماعية، أو مصالح حياتية، خاصة في مجتمعات تمنح مثل هؤلاء ألقابا دينية، وصفات قدسية، وتهبهم مكاسب مادية، وفرص عيش مجانية.)

الدكتور عبد الجبار الرفاعي لم يذكر لنا نماذج تأريخية من هؤلاء المتصوفة الذين يحملون الاسم دون المحتوى الروحي الإيماني، الذين يتخذون من التصوف وسيلة للحصول على المكاسب والمنافع، وهذا التصوف في الواقع بعيد عن خط التصوف العرفاني الذي يعيش أجواء القرب من الله.

استوحي من كلامه أن من هؤلاء فقهاء السلاطين، الذين يعملون لتحسين صورة الحاكم الظالم في عيون الجماهير، وأصدار الفتاوى حسب الطلب، ومثل هؤلاء كثيرون، إذ برزوا في الساحة الدينية منذ العصر الأموي حتى عصرنا الحاضر. اليوم تجني الشعوب المظلومة أثار فتاواهم السلطانية الجاهزة.

يرى الدكتور عبد الجبار الرفاعي نمطين للتصوف، تصوف الدراويش والخانقاهات والتكايا والزوايا، وتصوف معرفي يعتمد العقل، يقرأ النصوص خارج إطار مناهج وأدوات القراءة والفهم والنظر الموروثة، التصوف المعتمد على العقل هو المقبول  لأن التصوف الأول هو نوع من الرهبنة المبتذلة حسب اصطلاحه، لانه مرآة لتشوهات المسلمين يقول ص136: (ترتسم فيه صورة تخلف المسلمين وجهلهم وأمراض التجربة التأريخية لزمان تراجع المسلمين، وتتفشى فيه أمراض وعاهات تقاليد الاسترقاق ومسالك الاستعباد مثل التربية على نفسية العبيد، وذهنية القطيع والرضوخ والطاعة العمياء لمشايخ الطرق الصوفيه، والهيام الذي يصل لمستوى العبادة للشيوخ والأقطاب والمشاهير منهم، وتقليدهم في كل شيء إلى درجة السعي للذوبان بهم. والعزلة والخروج من العالم، والهروب من الحياة، والتنكيل بمتطلبات الجسد، والتضحية بالغرائز والحاجلت الطبيعية ... وغيرها.)

أما التصوف المقبول فهو الذي يتوافق مع العقل، يَعدّ هذا النوع من التصوف إيجابيا، لأنه يمنح المسلم أفقا رحبا في تأويل النصوص، وانتاج قراءات لمعنى النص تتوائم مع التطور في الميادين المختلفة، استطاع هذا النمط من التصوف الخلاص من التمسك بالشكل على حساب المعنى، كذلك يروي الروح المتعطشة للمقدس، فيحيا القلب كي يعيش في نور الايمان بالحق.

نرى في التصوف الايجابي يتعايش القلب والعقل كل في مجاله وفضائه، اللجوء الى القلب خارج باب العقل يقود الى التحنيط والجمود، ويؤول إلى التشبث بالشكليات على حساب المعاني المتجددة الفعالة، في كتابه (الدين والظمأ الانطولوجي) يعطي توصيفا لنمطين من التصوف، سمّى هذا النوع من التصوف الذي أركانه العقل والروح والقلب في كتاب آخر من كتبه(2) بالتصوف الفلسفي، تفريقا له عن علم الكلام، ونأمل كتابة مقال آخر عن هذا المحور ومن الله التوفيق.

 

علي جابر الفتلاوي

........................

المصادر:

 (1): د. عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الانطولوجي، ص133، الحاشية: 2. (عن المصدر الذي اقتبس منه عبارة المتصوف الهندوسي) .

(2): د. عبد الجبار الرفاعي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص209- 217، ط1- 2018م.

 

829 اقتصادنابمناسبة استشهاد السيد محمد باقر الصدر، توالت المنشورات التي تقدسه وتبالغ في تقديسه، فمنها ما ذكر انه كتب اعظم كتاب في الاقتصاد وآخر أكد ان السيد الصدر حل لغز الاستقراء الذي عجز عنه الفلاسفة منذ ارسطو، ولأكثر من الفي عام، الخ.

دعوني أكشف لكم سراً اكتشفته قبل بضعة سنوات، وهو أن "تقديس الشخص" والمبالغة في ذلك، غالباً ما تكون مناورة للتخلص من اتباع تعاليمه وارشاداته!

وليس هذا الأمر غريب جداً، لو امعنّا التفكير فيه. فعندما نرفع شخص ما إلى مرتبة عظيمة فوق البشر، فلن يطالبنا أحد بأن نفعل مثله! فيقول الشيعي من أنا لأقلد الإمام الحسين في شجاعته، او الإمام علي في زهده وحكمته؟ ويقول السني من أنا لأقلد عمر في عدله؟ والمسيحي أيضا لن يفكر ان يكون بتضحية المسيح وتسامحه. فهذه مطالب فوق بشرية، ونحن بالتالي نعفي انفسنا منها. ويذهب الإعفاء اننا لا نحاول حتى ان نقلد ما نستطيع. إذن مسموح لنا ان نطلق لكل مشاعرنا التي تناقض من نقدس او نبجل أو نحترم، وأن نبقى ندعي تبعيتنا لهؤلاء، وبدون ان نشعر، نلقي بأنفسنا في تهمة: "النفاق"! 

عودة الى السيد محمد باقر الصدر. انا قرأت كتابه لأني لم اكن اقدسه، بل سمعت عنه ما يجعلني احترمه وأريد قراءة ما كتب، فالتقطت كتابه: "اقتصادنا". ولم اكن أتوقع ان اجد امامي كتاباً عجيبا خاليا من الخطأ والنقص، فالكاتب بشر في نهاية الأمر، ولولا ذلك لفقدت ثقتي بالكتاب والكاتب من أول نقطة لم اقتنع فيها بما كتب. انا لم أقرأه لكي اقدسه ولا لكي اعجب به، بل ببساطة: لكي اتعلم منه شيئا. والحقيقة اني لم اكن حتى متأكداً اني سأتعلم منه شيء! لكني كنت مخطئاً جداً في هذا!

لم اتفق مع السيد محمد باقر الصدر في كل ما جاء في الكتاب، بل اني لاحظت ان بعض النقاط التي أوردها في نقده لماركس، ان هناك بعض عدم الوضوح في الطريقة التي فهم بها "رأس المال". ومع ذلك فربما كان "اقتصادنا" أكثر كتاب اثار دهشتي في السنوات الأخيرة، بل وسعادتي أيضاً. فالكتاب يبين بشكل رائع أن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد اجتماعي جميل ومتطور، وليس اقتصاداً يهدف الى إثراء فئة وافقار أخرى، ولا يسمح بذلك. وبالتالي وجدته قريباً أخلاقيا من الاشتراكية وان اختلف معها في بعض التفاصيل، اما موقفه من الرأسمالية فهو النقيض الأخلاقي شبه التام لها. فالاشتراكية والاقتصاد الإسلامي يهدفان الى خير المجتمع، اما الرأسمالية فتهدف في حقيقتها الى خير أفراد، وتتيح لهم الفرصة في حقيقة الأمر لتحطيم المجتمع في النهاية، ما لم يجدوا من يردعهم. ووجدت في الكتاب كنزاً تطبيقياً ثميناً يمكن له أن ينقذ المجتمع الذي يطبق فيه من غول الرأسمالية المنفلتة الذي يفترسه اليوم.

إلا ان سعادتي باكتشافي لكتاب السيد باقر الصدر لم تدم. فسرعان ما جاء التساؤل: "لماذا لا يحاول احد تطبيقه، او تطبيق ما يمكن منه"؟ وهنا صدمت بحقيقة أن من يقدس الصدر لا يقرأه وكتبت مقالة كان عنوانها : "يقدسونه ولا يقرأونه". كما كتبت مقالة أخرى او اثنتين عن اقتصادنا، املا بتحفيز اهتمام الناس لتطبيقه.

من أسباب الرفض كانت حجة أنه "لا يصلح لهذا العصر". وهذا يفضح حقيقة ان من يقول ذلك لم يقرأه. ففي الاقتصاد الإسلامي الذي شرحه الكتاب بوضوح ما يسمى "منطقة فراغ" تتيح للمشرع ان يضع فيها ما يجعل الاقتصاد مناسباً للعصر الذي هو فيه وللظرف الذي يعيشه، دون ان يحيد عن الهدف الاجتماعي الأسمى لاقتصاد يليق ان يسمى اقتصادا إسلاميا. والحقيقة هي ان هؤلاء لا يريدون تطبيق مثل هذا الاقتصاد، فهو، على العكس من حرية السوق والخصخصة والبنوك الدولية وقروضها، لا يتيح لهم الفساد العظيم والسرقات المدمرة التي يتمتعون بها الآن.

إن "اقتصادنا" ليس اشتراكياً بمعنى ما، لكنه بدون أي شك، اقل رأسمالية بكثير مما يتبنى الحزب الشيوعي اليوم بقيادته الأشد نفاقاً وقلة حياء حين تمتدح اقتصاد السوق ومبادئ الرأسمالية وتحتفظ بـ "عمامة" الشيوعية كما يحتفظ بعمامة الدين كل منافق بعيد عن الدين.

 

الكتاب يزخر بالمبادئ المدهشة الرائعة للاقتصاد الإسلامي، مثل مبدأ "لا أجر بلا عمل" و "ملكية الأمة" ذلك المبدأ المدهش الذي يتفوق في حرصه الاجتماعي حتى على الماركسية، ومبدأ "منطقة الفراغ" الذي يؤمن إمكانية تطبيقه في ظروف مختلفة ويتيح للدارس المرونة الكافية لإيجاد الطريق الى التطبيق، والشرط الوحيد هو أن لا يحيد عن المبادئ الاجتماعية للدين الإسلامي، والتي تؤكد رعاية جميع المواطنين (مسلمون وغير مسلمين) وتأمين مشاركتهم في المجتمع، ومنع التبذير وغيرها من الأخلاقيات التي لا يستطيع مجتمع ان يتواجد بدونها، فهي ليست عوائق لأي اقتصاد هدفه المجتمع.

لذلك كله، ادعوكم اليوم، وخاصة من يدعي محبة أو تقديس السيد باقر الصدر، إلى قراءته أولا لمن استطاع، والى السعي لتطبيقه. وسواء تمت قراءته ام لا، يجب على من يحترم الصدر، طرح الأسئلة على الساسة ومحاصرتهم بها عما فعلوا من أجل تطبيق كتابه في الاقتصاد. إنها دعوة لكم لنفي حالة التقديس المنافقة التي يكون هدفها التهرب من اتباع مبدأ المقدس والاسترشاد بفعله، والتحول إلى هدف ابسط، وهو ان نقترب منه خطوة بأن نبذل بعض الجهد لنفهمه أولا، وأن نطالب الساسة الكذابين ورجال الدين الكذابين ونسألهم لماذا لا يطبقونه او يقتربون منه! فما فائدة "اعظم اقتصادي" و "اعظم مفكر" إن كنا نقف عند هذه الكلمات ونهمله هو وما كتب؟ هل ينم هذا عن احترام حقاً، ام مراوغة غير امينة؟

لنقترب منه ومن أفكاره فإن فعلنا، ولننظر ما يمكن ان تنفعنا به في الحياة، فهذا هو الاحترام الحقيقي له، وهو خير ما نهديه لروحه في مناسبة استشهاده هذه، وهي في الحقيقة هدية لنا وليست هدية له. دعونا نلقي نظرة مبسطة على تلك المبادئ، لعلها تفتح شهيتكم لقراءة المزيد وربما المساهمة يوما بالضغط من أجل تطبيق مبادئ "اقتصادنا". والمادة التالية من مقالتي " محمد باقر الصدر – يقدسونه ولا يقرأونه"! .. ارجو لكم وقتا ممتعا ومفيداً مع هذه الباقة من المبادئ الجميلة:

لا أجر بلا عمل

يؤكد الصدر في أكثر من مكان أن لا أجر في الإسلام بلا عمل! وهو في هذا يذهب بعيداً في قربه من المبادئ الماركسية الاجتماعية، فهو لا يجيز للمالك أن يحصل على جزء من أرباح انتاج لم يبذل به جهد إيجابي انتاجي! وكان هذا الأمر جدير بإثارة شهية اليساريين لدراسته بتمعن!

أنظروا كيف يحل هذا المبدأ أيضاً إحدى مشاكل حالة الفساد العراقي هذا اليوم، وهي ظاهرة المقاولات المتتالية. فنجد أن الإسلام يمنع أن يكسب المقاول مالا بان يبيع عقده لمقاول آخر بفارق مالي، دون ان يبذل جهداً تنفيذيا انتاجيا بنفسه. فعندما يقوم المقاول بتحويل المقاولة إلى مقاول آخر والتربح من فارق السعر، يعني أنه يتربح مما يسميه الصدر "جهد تسلط واحتكار". أي انه يحصل على المال فقط لأنه كان السباق بوساطاته للحصول على المقاولة واحتكارها، وهو محرم في الإسلام، حسب الصدر. ومن الواضح أن هذه الطريقة هي طريقة فساد تقوم على أساس المحسوبية والمنسوبية والرشاوى وليس لها علاقة بالعمل الإنتاجي.

مبدأ "ملكية الأمة" الرائع

وفكرة أخرى رائعة هي فكرة "ملكية الأمة". فهي تذهب أبعد من التقسيم المعتاد بين "الملكية الخاصة" و "الملكية العامة"، إلى ملكية اجتماعية ثالثة للمجتمع لا يسمح حتى للحكومة أن تتصرف بها تصرفا حراً. وفي هذا يعبر الاقتصاد الإسلامي عن إدراك بأن هناك فرق بين الحكومة والمجتمع وأن مصالحهما قد تختلف! ولذلك فمن الضروري حماية مصالح المجتمع حتى من الحكومة نفسها. و"ملكية الأمة"، التي توضع تحتها الثروات الطبيعية عادة، تعكس وعياً شديداً لأهمية الثروة المادية للمجتمع وخطر قيمتها على مستقبله، فلا تأتمنها تماما حتى للحكومة. إن العلاقة بين "ملكية الدولة" و "ملكية الأمة" أشبه بالعلاقة بين "القانون" و "الدستور". ففي الوقت الذي يسمح للحكومة بكتابة وتغيير نصوص القوانين، فإنها محدودة الصلاحية فيما يتعلق بكتابة الدستور وتغييره، حيث يشترط ذلك موافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين في العادة، بينما يتطلب تشريع القانون الأغلبية البسيطة عادة. فالدستور هو الضمان الأخير للشعب من تسلط حاكميه ومؤسساته، وكذلك فأن "ملكية الأمة"، وهي ما يفترض أن يبقى للأمة واجيالها من ضمان لا يتم التلاعب به مثل الثروات الطبيعية الأساسية.

 

"اقتصادنا" والنفط

نستنج من هذا أن النفط بالنسبة للعراق مثلا باعتباره الثروة الكبرى وشريان الحياة للأمة، سيكون وفق الاقتصاد الإسلامي وفق قراءة الصدر، ضمن "ملكيات الأمة". ولأن هذه الملكية تشترط استفادة "كل" الأمة من تلك الملكية، فلا يحق للحكومة أن تخص البعض من أبناء الشعب (فضلا عن الشركات الأجنبية) باستثماره او تشركهم في إنتاجه. وهو ما يعني أن خصخصة حقول النفط (كما يدعو إليه أمثال عادل عبد المهدي) وحكرها على جهة أو شركة معينة سواء بشكل كامل او بشكل جزئي، محرم في الشرع الاقتصادي الإسلامي. وبلغة العصر الحديث، فأن "عقود المشاركة" التي تسعى إليها الشركات وتجهد حتى اليوم بدفع العراق إليها، مخالفة لتعاليم الإسلام، إضافة إلى مخالفتها لنص الدستور الذي أقر بأن النفط ملك للشعب العراقي. وبالتالي فأن العقود الشرعية الوحيدة إسلامياً هي "عقود الخدمة"، تقدم فيها الشركات خدماتها وتأخذ أجورها وتذهب في حال سبيلها عند انتهائها.

 

وقد كانت عقود كردستان من نوع "مشاركة الإنتاج" المناسبة للشركات، وكانت جميع عقود التراخيص من نوع "الخدمة". ولكن هذا لا يناسب الشركات، لذلك تشن اليوم حملة تسقيط لم يسبق لها مثيل في تاريخ العراق لتشويه سمعة تلك العقود والضغط لتغييرها إلى عقود مشاركة إنتاج. وتتربص حكومة العبادي التي جاء بها الأمريكان لهذا الغرض ضمن أغراض أخرى، الفرص لإنجاز هذا التحويل في أقرب فرصة، وجعلها مثل عقود كردستان التي أعطت الشركات أربعة أضعاف الأرباح الطبيعية.

مبدأ "منطقة الفراغ" – المرونة للتطور

أما القول بأن "اقتصادنا" لا يصلح لهذا العصر، فهو أيضا نتيجة عدم قراءة الكتاب. إنهم يفترضون أن السيد باقر الصدر قد دعا لتطبيق اقتصاد كتب قبل 1400 سنة بشكل مباشر، وهم بذلك يفضحون هذا الفهم السطحي له، بل وعدم قراءته. فمن قرأ "اقتصادنا" لن تفوته رؤية مبدأ "منطقة الفراغ". وهذا المبدأ يقسم تعاليم الاقتصاد إلى قسمين: المبادئ الاجتماعية للاقتصاد، والمستوحاة من مبادئ الإسلام، ومنطقة حرية التصرف للحكومة (دون الخروج عن المبادئ الإسلامية الأساسية في العدالة ورفاه المجتمع وعدم تجمع الثروة، الخ). وحرية التصرف هذه في "منطقة الفراغ" هي كل ما يحتاجه الاقتصاد من مرونة يتحرك ضمنها دون ان يخرج عن هدفه الإسلامي: خدمة المجتمع!

"اقتصادنا" يخدم المجتمع

إن "اقتصادنا" مليء بالمبادئ والأفكار الرائعة والحديثة وأهم من ذلك، الإنسانية الهادفة إلى خدمة المجتمع وليس لتجميع الثروة بيد أثريائه وإفقار الباقين وفق مبدأ "ما متع غني إلا بما حرم فقير". وفيه المرونة اللازمة لمتابعة تطورات العصر، ما لم تكن تلك التطورات لا إنسانية. وإن كل ما يقال من حجج عن عدم صلاحية هذا الاقتصاد للمجتمع الحديث محض هراء واحتيال لمن لا يناسبهم ان تذهب الثروة إلى المجتمع، بل يريدونها للصوصه!

التحدي

إن على من يقدس الإسلام ومبادئه، ومن يحترم السيد محمد باقر الصدر حقاً ومن يؤمن من اليساريين بأن ثروة البلد يجب أن تستخدم لبناء مجتمعه لا أن تهدر للأثرياء والشركات الأجنبية كما في دول الخليج وغيرها، يجب أن يسعوا بحزم وشجاعة إلى العمل على دراسة هذا الموضوع وطرح "اقتصادنا" كبديل لاقتصاد السوق الشره والمدمر للبلاد، وأن يحرجوا مدعي الدين ومدعي اليسار أن يجيبوا على السؤال، وعلى شجاعتهم وحزمهم في طرح قضيتهم، قد يعتمد مستقبل بلادهم ومصير مجتمعهم. السؤال مطروح عليك .. انت!

 

صائب خليل

 

 

826 الماريتيرويندرج كتاب "الشهيد في الإسلام الحديث" ضمن الأبحاث السوسيولوجية التي تتناول ظاهرة العمليات الاستشهادية في المجتمعات الإسلامية إبان الحقبة المعاصرة. صدر الكتاب بالإيطالية وحظي مؤلّفُه بحضور لافت في وسائل الإعلام لِما يعالجه من قضايا راهنة على صلة بموضوعيْ الأمن والإرهاب في الغرب. المؤلف هو أستاذٌ وباحثٌ في الدراسات الإسلامية وقضايا الشرق الأوسط في الجامعة العبرية في القدس. صدرت له جملة من الأبحاث منها: "الهويات السياسية في الشرق الأوسط: الخطاب الليبرالي والتحدي الإسلامي في مصر" (2007) و"الفكر الليبرالي العربي بعد حرب 67: مآزق الماضي وتطلّعات الراهن" (2015). يستمدّ الكتاب الذي نتولى عرضه أهميته من كونه يعبّر عن وجهة نظر أكاديمية إسرائيلية، تحاول رصد ظاهرة التضحية بالنفس وتفهّمها بعيدا عن الخطاب السياسي الإسرائيلي الرسمي الأهوج في غالب الأحيان.

فعلى نطاقٍ عامٍ، مثّل التوترُ العنوانَ الأبرزَ في علاقة العالم الإسلامي بالعالم الغربي على مدى العقود الأربعة الأخيرة، وبما يفوق ذلك مع الدولة العبرية منذ اغتصاب فلسطين. ولم تبق المسألة في حدود المماحكة اللفظية أو الجدل السياسي، أو في مستوى المحاصرة والمقاطعة، بل تخلّلت ذلك عمليات اجتياح واحتلال وتهجير وتشريد وهجمات واغتيالات وحروب، من الطرف الغربي ومن الجانب الإسرائيلي كان العرب فيها المتضررَ الأبرز، ولم تكن عمليات العدوان وصدّه في ذلك التدافع العنيف متوازنةً بين الطرفين. لكن في ظلّ ذلك الصراع الذي طبع العقود الماضية، والذي ما أن يهدأ حتى يندلع مجددا، برزت ظاهرة العمليات الاستشهادية أو العمليات الانتحارية، بحسب توصيف الجهة التي تباركه أو التي تمقته، سلاحاً في قلب هذا الصراع. والفعلة التي يتمحور تنفيذها بالأساس حول فرد أو ثلّة آمنت بذلك الخيار، لطالما أقضّت مضجع الممسك بمقاليد القوة والمتحكم بمسرح عمليات التنفيذ. لكن ظاهرة الاستشهاد الذاتي والإلقاء الإرادي بالنفس في مهاوي الردى، لم تنحصر في الخصم الخارجي والآخر فحسب، بل ارتدّت بفعل تطورات سياسية واجتماعية ألمّت بالمنطقة نحو الأوساط الصادرة منها، ولم تعد تلك الأوساط بمنأى عن تشظّي آثار تلك الظاهرة، ما خلق جدلا واسعا بشأنها.

يحاول هذا البحث فهمَ ظاهرة خيار الاستشهاد الإرادي في الإسلام، وتحديدا في الأزمنة الحديثة، أكان في الأوساط السنّية أو الشيعية، العربية أو غير العربية. معتمدا الباحث في ذلك أدوات المنهج السوسيولوجي المقارن في تتبّع الظاهرة، من خلال التطرق إلى الموضوع في اليهودية والمسيحية أيضا، ليُقدّم الكتاب إطارا شاملا للشهادة ضمن خطاب الحركات الإسلامية المعاصر.

في القسم الأول من الكتاب، وهو عبارة عن مدخل تاريخي تمهيدي، ينطلق الباحث في معالجة الظاهرة من التراث العبري. فقد لاح سلاح خيار الموت الإرادي جليا في التاريخ اليهودي، حيث بدا الربي عقيبا بان يوسف علماً بارزاً بين المضحين بأنفسهم في سبيل عقيدة التوحيد وهو يردّد: "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد" إلى حين لفظه أنفاسه. وتكثّفَ خيار الموت الإرادي مع الحقبة المُكابية، خلال القرن الثاني قبل الميلاد، في صراع يهوذا المكابي ابن الربي ماتاتيا الحشموني ضد السلوقيين. وقد تلخصت دواعي الصراع حينها في الإصرار على عقيدة التوحيد ورفض وثنية الإله زيوس المفروضة، حسب ما يورد الباحث، ولكن المسألة أبعد من ذلك التقييم وفق تقديرنا، كون الصراع في ذلك العهد ما كان دينيا فحسب، بل صراع هيمنة شاملة بمدلولها السياسي والاقتصادي لبِست لبوس الدين.

وضمن ذلك الإطار يستحضر الكاتب حوادث الاستشهاد الإرادي الحاصلة في التاريخ اليهودي اللاحق، مثل الإصرار على الانتحار الجماعي في مسعدة (سنة 73م)، الذي يبرئه من تهمة الانتحار الجماعي ويطلق عليه الاستشهاد الجماعي، إحدى الممارسات اللافتة في التاريخ اليهودي وقد أتت بعد ثلاث سنوات من تهديم الهيكل. أو كذلك ما حصل في ثورة باركوبكا ضد الرومان (132-135م)، ويربط الأمر بتراجع سلطة السنهدريم (مجمع الكهنة) على أنشطة الأطراف، وتضخّم نفوذ النِّحل والطوائف المناهضة للرومان، وهو ما تسبّب في تسليط عقوبة جماعية انتهت بتهديم الهيكل. وقد قادت آثار هذا الأحداث الفرديّة والمستقلّة إلى فرض واقع الشتات على شعب إسرائيل، ليخلص الباحث إلى أن العمليات الاستشهادية في التاريخ اليهودي القديم، قد حصلت تحت وقع حماسة مفرَطة لمعتقد التوحيد دون مراعاة أوضاع الأكثرية، ما جرّ إلى تلك الكارثة، وهو ما ينطبق على الحالة الفلسطينية اليوم وفق تحليله. في الأثناء يذكر الباحث رأياً لموسى بن ميمون (1135-1204م) المتشدد بشأن خيار الاستشهاد الذاتي والقبول به في الحالات القصوى لا غير، ويرضى بدل ذلك بالخضوع والإذعان.

وفي تناول الباحث المسألة ضمن التراث المسيحي، يبرز أن مفهوم الشهيد لم يخرج من مدلوله اللاهوتي إلى دلالة على صلة بالنضال السياسي والصراعات الإثنية سوى مع حقبة الإصلاح البروتستانتي، إبان القرن السادس عشر، لتشمل الشهادة أيضا كل من قضى نحبه لأسباب سياسية. وتبقى تضحية المسيح بذاته على الصليب -وفق المنظور الإيماني المسيحي- دالة وبارزة من زاوية إيمانية. وقد تتابع ذلك مع آباء الكنيسة الأوائل ممن لقوا حتفهم مثل ترتوليانس القرطاجي (ت. 225).

غير أن العصور الحديثة شهدت تحولا في دلالات مفهوم الشهادة، فمع الثورة الفرنسية خرج الاستشهاد من دائرة دينية إلى دائرة مدنية لائكية ذات بُعد دنيوي، وهو ما تمّ أيضا في ألمانيا، بهدف رصّ صفوف الوحدة الوطنية. وعلى إثر ذلك تحوّلَ الاحتفاء بالشهادة من مضامينه الدينية الأخروية إلى دلالات دنيوية عنوانها المجد والخلود للشهداء دنيويا واستدعاء تلك الفعلة في الأعياد والذكريات الوطنية الدورية. ويبرِز الباحث ضمن الفصل التمهيدي أن الديانات "المسالِمة" أيضا، مثل البوذية والشنتوية لم تدخر جهدا في توظيف سلاح الموت الإرادي، إذ يمكن أن نجد ذلك حاضرا في تراث الساموراي، وهو ما برز جليا إبان مشاركة اليابان في الحرب العالمية الثانية، أو في حرب فيتنام في ستينيات القرن الماضي احتجاجا على الاحتلال الأمريكي.

القسم الثاني من الكتاب وهو ما حاز الجانب الأكبر، تركّز على جوهر البحث، أي تناول أبعاد المسألة في الواقع الإسلامي المعاصر. حيث يعتبر الباحث أن التنشئة الاجتماعية، والشّحن الثقافي المتأتي من الجماعة التي تعضد الشهيد في السير لتحقيق هدفه المنشود، والاستعداد الإرادي للتضحية بذاته وبلوغ مبتغاه، كل تلك العوامل تضافرت معاً في صنع المنفِّذ. لعلّ الكاتب الإسرائيلي هنا يوجّه اتهاما مبطَّنا للحاضنة الجماعية بقوله، وبما يبرر تسليط العقوبة الجماعية ضد الفلسطينيين (ص: 117-123). ويعتبر مائير هاتينا أن الشهيد يبقى فاعلا ومؤثرا بعد مماته، من خلال الرصيد المعنوي الذي يخلّفه بين ذويه وأهليه وبين أفراد تنظيمه الحزبي. "فهو وسيلة فاعلة في توحيد الآراء وتعزيز أواصر الوحدة. وبمقدور الشهداء توحيد جماعاتهم، من خلال رص صفوفها وعضد مقاومتها" (ص: 170). حيث يقدّر الباحث أن ثمة أثرا سياسيا للشهيد في توحيد الصفوف يتخطى دائرة الحزب والتنظيم إلى العائلات السياسية المتخاصمة. كما يسهم استشهاده في تيسير استقطاب آخرين لتكرار الفعلة. وهو ما تقابله الجماعة الحاضنة بإضفاء صورة ميثولوجية على الشهيد ذات أبعاد رمزية عالية، بما يثير حماسة عميقة في أوساطها. يقول عالم الاجتماع رونالد كاسيمار: "ليس الشهداء صنيعة قناعات وأفعال ذاتية فحسب، بل هم نتاج من رأوهم وذكروهم عبر رواية تاريخهم أيضا".

في محور آخر ضمن هذا القسم يعالج الكاتب الظاهرة في الواقع الراهن، مبرزا ما طرأ من تحول جذري على العمليات الاستشهادية بين أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين. فعلى سبيل المثال ما شرعنته الثورة الإسلامية الإيرانية في بداية سنوات الغليان الثوري بشأن دور الشهيد وفلسفة الشهادة (وهو ما تجلى في أدبيات المفكريْن الشهيدين مرتضى مطهّري وعلي شريعتي) باتت تتبناه الدولة، ما توجّهَ الأمر للعدو الخارجي المضطهِد للمسلمين والمغتصب لأراضيهم (في لبنان، وفلسطين، وأفغانستان، وكشمير، والشيشان) بوصفه سلاح المستضعَفين ضد المستكبِرين حين تضيق السبل. وإضفاء الشرعية على فعل الشهادة، تحت مبرر التخلّص من نير الاحتلال والدفاع عن الذات، راج حتى غدا منشودا لدى تنظيمات تبنّت العمل المسلَّح ضد المحتل، وإن كانت منطلقاتها علمانية أو لادينية. فعلى ما يذكر الباحث مائير هاتينا مثلا، لقيت بعض الأعمال الاستشهادية في الساحة الفلسطينة قبولاً أيضا لدى التنظيمات الثورية العلمانية (الجبهة الشعبية، والجبهة الشعبية القيادة العامة، والجبهة الديمقراطية). ولكن ما حصل من تحول لافت مع موضوع الاستشهاد الإرادي، وفق الباحث، قد جاء مع تنظيم القاعدة. والمتمثل في التوجه بعمل الشهادة، ليس إلى العدو الخارجي البعيد فحسب، أو العدو المضطهد والمحتلّ لأراضي المسلمين، بل إلى حلفائه في الداخل من المسلمين، وهو ما أعطى غطاء شرعيا للعمليات داخل بلاد الإسلام بشكل لم يكن معهودا. ناهيك عن عدم مراعاة أخلاقيات الجهاد بالمفهوم المتعارف عليه في الإسلام، حيث يحيل الباحث على فتوى لبن لادن (1988) ينفي بموجبها وجود أبرياء مدنيين، كون الجميع مندرجين في آلية تنتمي إلى دائرة دار الحرب (ص: 222). وبموجب تلك المغالاة اللافتة حوّل تنظيم القاعدة فعلَ الشهادة إلى رسالة دعائية صادمة، من خلال استغلال وسائل الإعلام الحديثة وترويج تسجيلات مثيرة ذات وقْعٍ عالمي.

وتحت عنوان "صراع التأويلات بشأن العمليات الاستشهادية" يتناول الباحث الجدل الحاصل في الأوساط الإسلامية حول جواز التضحية بالذات من عدمه. مستهلا حديثه بمحاولة الإمساك بخيوط التبرير الفقهي من عدمه بخصوص العمليات الاستشهادية، دون غوص مفرط في تعليلات الضوابط الفقهية. حيث ينطلق من بعض المواقف الفقهية الكلاسيكية مثل موقف ابن رشد (ت. 1198م) وشروط الشهادة والمشاركة في الجهاد لديه مثل السنّ والوضع الأسري ومدى الخطورة المحدقة، بناء على أن المؤمن لا يلقي بنفسه إلى التهلكة حين يلاحظ الفارق البيّن مع الخصم. كما يذكر في السياق نفسه موقف حديثا لشيخ الأزهر محمود شلتوت (ت. 1963) في حصره واجب الجهاد في ثلاث حالات: رد الاعتداء، والدفاع عن بيضة الإسلام ورسالته، وحماية المسلمين في أرض غير إسلامية.

ليلاحظ الباحث انزياح الموقف العام في الوقت الراهن صوب الرفض الأخلاقي للعمليات. فقد حاول بعض الفقهاء وضع ضوابط لهذه الممارسات حتى لا تتحول إلى ممارسات فوضوية. حيث كتب الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين "فقه العنف المسلح في الإسلام" سنة 2001، في محاولة لضبط قواعد هذه الممارسة وبيان الحكم الشرعي فيها بعد أن لاحظ التوظيف المفرط للمخزون التراثي، حتى غدت كربلاء، في الأوساط الشيعية، عنصرا محوريا في البنثيون الثوري للشيعة المعاصرة. وقد برز الجدل بشأن العمليات الاستشهادية في البلاد الإسلامية، خصوصا بعد نشأة الجماعات المستقلة بمرجعياتها في الفتوى، ما جعل العمليات الاستشهادية تشكّل خطرا على الأمن العام والسلم الاجتماعية لبعض البلدان العربية والإسلامية. إذْ ما بقيت الدولة محتكرة إضفاء المشروعية على ممارسة العنف وحدها، في ظل الهشاشة الأمنية في بعض المناطق، بل زاحمتها الحركات المنفلتة، ما جعل المؤمن عرضة لصراع التأويلات القائم بين الطرفين بشأن العمليات الاستشهادية. وما عمليات الاستقطاب إلى صفوف تنظيم داعش والالتحاق به سوى دليل واضح على عمق صراع التأويلات الذي لم يحسم بعد، ليبقى التحمّس للاستشهاد الإرادي قويا داخل أوساط سلفية مثل تنظيم داعش.

لعل الانتقاد الأساسي الموجه للبحث في تجنب صاحبه الغوص في ملامسة المثيرات الحقيقية لظاهرة الاستشهاد في الواقع العربي الحديث، الذي يرزح تحت فواعل مباشرة تتمثّل أساسا في الاحتلال الإسرائيلي. إذ ليست الظاهرة بمنأى عن مولّداتها، فهناك انفصال بين رصد الظاهرة فينومنولوجياً وتغييب عوامل منشئها سوسيولوجياً في الكتاب. غياب ذلك الغوص في تحليل منشأ الظاهرة وتشكلها، والاقتصار على رصد آثار تنفيذها وما تخلّفه من مواقف متباينة، يطرح أحيانا مصداقية البحث العلمي وموضوعيته في دراسة التوترات الحاصلة في عالمنا. سيما وأن هذا البحث وغيره يأتي مدعوما ماديا ودعائيا من قِبل جهات مثل الجهة الداعمة والممولة للبحث "المؤسسة الإسرائيلية للعلم" (ISF) كما يصرح الباحث في مقدمة بحثه.

 

الكتاب: الشهيد في الإسلام الحديث.. الورع والسياسة والسلطة.

تأليف: مائير هاتينا.

الناشر: منشورات أوبارو (ميلانو) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2019.

عدد الصفحات: 400ص.

 

د. عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا

 

 

831 المؤمنفي غمرة التحديات التي تواجه الشعوب الإسلامية؛ لا يزال البحث في إشكالية تجديد الفكر الإسلامي يستأنف ويعاد إنتاج وترتيب المقولات المتحركة في دائرته، سعياً لاستيعاب أكمل للإشكاليات، يأخذ في الاعتبار المتغيرات المتسارعة على مختلف أصعد.

وعلى الرغم من التراكم المعرفي الملاحظ في هذا المجال، إلا أن جملة من الأسئلة ظلت دون إجابات كافية تقدم رؤية ومشروعاً، وعلاجاً واقعياً يستوعب الجانب الموضوعي ويحافظ على المضامين المحددات الدينية والشرعية في الوقت نفسه، مما ساهم فيه عوامل متعددة، على رأسها تباين مناهج الدراسة وآفاقها ومنطلقاتها، الأمر الذي يلزم الباحث الإسلامي بمواصلة الجهد المسؤول والملتزم، لبناء الوعي في سياق التعامل مع الأزمات والتحديات وملاحقه معوقات التجديد في الروية والموقف الإسلامي، سعياً إلى تخليص بنانا الفكرية من عناصر تأزمها، وهو ما يحتاج إلى معالجات صريحة وجريئة تتجاوز النمط الثابت من التفكير وتقدم معايير علمية للأصالة.

تمثل محاولة الباحث علي المؤمن في كتابه «الإسلام والتجديد: رؤى في الفكر الإسلامي المعاصر» خطوه في هذا الطريق، سعت إلى الاقتراب من بعض الإشكاليات الفكرية والملحة، وقدّمت إزاءها جملة من المعالجات، يمكن استعراض جانب منه، لما انطوت عليه من إثارات مهمة وتصورات تتدخل في تكون منهج التعامل مع قضايانا الراهنة.

الحرية الفكرية

يقتصر المؤلف الأستاذ علي المؤمن في إطار هذا البحث على تناول هيكل عام للإشكاليات، والتساؤلات التي يثيرها موضوع الحرية الفكرية وفق التصور الإسلامي، وهو يعتقد أن مرونة هذا الموضوع وتشعبه وندره المعالجات الفقهية والفكرية التي تتعامل بدقة مع تفاصيله، تتسبب جميعها في نشوء تلك الإشكاليات واستمرارها.

وعلى الرغم من أن الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء المسلمين بحثوا هذا الموضوع في أطره العامة، إلا أن الأفكار والموجات الثقافية الجديدة التي اجتاحت المجتمعات المسلمة، سواء التي تعبّر عن صدى للأفكار الغربية أو الأفكار التي تعبّر عن إفرازات واقعية من داخل المجتمع الإسلامي، كلها فرضت بحث هذا الموضوع وفق أسس أكثر استيعاباً وواقعية.

يقرر المؤلف في إطار تحديده لمنشإ الحرية الفكرية، أن الإسلام يمنح الحرية لأتباعه على أساس العبودية لله (تعالى) والتي تعني تحرير العقل الإنساني من قيد العبودية للنفس والشهوات والأفكار المدجنة والأصنام الفكرية. ويخلص علي المؤمن إلى القول بأن الحرية الفكرية الهادفة التي يدعو لها العقل وتمنح الجميع حقوقهم في العيش بأمان وتكافؤ، هي الحرية التي يتبناها الإسلام على خلاف الحرية الفكرية ذات الأهداف الفوضوية.

ويحاول الكاتب استقاء حدود وطبيعة الحرية الفكرية من نصوص القرآن الكريم، حيث يلاحظ تأكيد القرآن إرادة الإنسان الحرة في اختيار الفكر والعقيدة «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي»، تلك الآيات التي تقرر الحرية، غير أنها في الوقت نفسه لا تنفي المسؤولية الفكرية بالطبع.

وفق هذا المنهج يعالج المؤلف قضايا من قبيل: حرية التعبير، احترام حقوق الآخرين وحدود حرية الفكر الآخر.

مشروع المستقبليات: دعوة لمشاركة إسلامية

لم يعد الحديث عن المستقبل والدراسات الاستشراقية (Future studies) منذ أواسط هذا القرن نوعاً من أنواع التنبؤ والتنجيم، ولا نوعاً من الترف الفكري والعلمي، بل أصبح حاجة أساسية لاستمرار حياة الشعوب ولا سيما بعد تبلور الدراسات التاريخية الاجتماعية في مجال السنن وقوانين التاريخ، وظهور الأنماط الإدارية الحديثة، والفقرات العلمية والتكنولوجية الهائلة وينعكس ذلك في العدد المتزايد من المؤسسات والدوائر والمناهج العلمية والمساهمات الأكاديمي في هذا الحق على المستوى العالمي.

يعتقد المؤلف بعد أن يقرر غياب الجهود الإسلامية الكافية في هذا المجال بضرورة تأسيس منهج أو مناهج إسلامية لاستشراف المستقبل، تقوم على استيعاب خصوصية الرؤية الإسلامية لحركة التاريخ، والتطور، لتتوفر على سد هذا الفراغ، وصولاً إلى التخطيط لبناء المستقبل الإسلامي والمشاركة في رسم مستقبل الإنسانية.

وفي تصور الباحث علي المؤمن إن الحاجة لمساهمة إسلامية في هذا الحق من عدة أمور:

أولاً: الخصوصية النظرية، وهي حاجة ثابتة عبر الزمن تؤكدها النصوص الإسلامية وتأمر بها، كما في قوله تعالى: أعدوا لهم ما استطعتم من قوة..) يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه ولتنظر نفس ما قدّمت لغد...).

ثانياً: الاستجابة للسنن الإلهية التاريخية التي لها علاقة وثيقة بعملية استشراف المستقبل (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض).

ثالثاً: تحولات الواقع الراهن وتحدياته التي يعيشها العالم بأجمعه. غير أن معظم أمم العالم لها مشاريعها وخططها للتعامل المدروس مع هذا الواقع لضمان أفضل الخيارات في المستقبل. أما المسلمون فما يزال معظمهم يتعاملون مع ذلك الواقع من منطلق ردود الفعل، والتعامل مع المستقبل دون تخطيط مسبق، مع ما يلابسه من حالات الإحباط وغياب الثقة بالنفس والشعور بالهزيمة أمام الآخر.

ويستعرض الباحث في هذا المجال جملة من السنن الإلهية التي تتدخل في عملية استشراف المستقبل، كما يتطرق إلى بعض أنماط التفكير التي راجت بين المسلمين، والتي قد تستبطن تعارضاً مع الوعي الملحوظ بالمستقبل على أساس من فهم خاص للمشينة الإلهية، وتعويلهم على الغيب، دون ملاحظة الأسباب التي جعلها الخالق (عزّ وجلّ) للتحولات التاريخية والاجتماعية.

الفقيه والمثقف

يستعرض المؤلف إشكالية العلاقة بين الفقيه والمثقف الإسلامي، ويقدم بعض المعالجات في إطار ثلاثة محاور رئيسية.

1 ـ اتجاهات الوعي لكل منهما

2 ـ الدور الإجتماعي

3 ـ أسس التكامل بين الأدوار

ويؤكد السيد المؤمن على تحديد المصطلحات وطبيعة العلاقة المفهومة بينهما في معالجة هذه الإشكالية، ويرصد في إطار المحاور المذكورة عدة إشكاليات، كتعامل المثقف الإسلامي مع التراث، والفقيه ووعي العصر، والتحول في الاجتهاد وغيرها. ويقرر المؤلف أن لكل من الفقيه والمفكر والمثقف في الواقع الإسلامي مواقع وأدواراً ثابتة ومتحركة، حقلها الأساس عملية التغيير الاجتماعي والاجتهاد والتجديد والإصلاح الديني.

فيما يرتبط بالمثقف ودوره في إطار الرؤية الإسلامية، فهو رجل الميدان الذي يعيش المجتمع بكل تفاصيله، إلا أنه يتحرك في دائرة مرجعية معرفية يمثلها الفقيه، ولذلك فإنه وفي مجال ممارسة النقد حيال القضايا الاجتماعية والفكرية، عليه أن يلتزم بمحددات عدة، بما يشمل عدم تجاوز المجالات المقدسة، ومراعاة الأطر الشرعية والأخلاقية، وتحقيق الإنتماء النظري والسلوكي للإسلام، لكي يكون مثقفاً عقائدياً، وليس مجرد مثقف واقعي أو معرفي أو عقلاني أو أنتجلنيتسي. ويؤكد المؤلف أن الإنتماء للإسلام وضوابطه لا يلغي دور النقد والمحاسبة والنصحية، إذ يمارسه المثقف مع مختلف أشكال السلطة، بل إن هذا الدور هو جزء من الانتماء.

الغرب والصحوة الإسلامية

يعود الاهتمام الغربي بدراسة الإسلام الى ما قبل تشكيل العقل الإستشراقي، وهي المرحلة الفاتيكانية ـ حسب تعبير المؤلف ـ إذ بدأ الوعي الغربي بالإسلام مسيحياً، وانتهى مركباً من عدّة اتجاهات ومدارس غربية. أما المرحلة الجديدة من الدراسات الغربية هذه، فقد بدأت في نهاية السبعينات (من القرن الماضي) مع اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية، ثم أخذت شكلها الحالي أوائل الثمانينات.

و يولي علي المؤمن دوراً كبيراً للحركة الاستشراقية في صياغة نمط الوعي الغربي المعاصر بالإسلام و الصحوة الإسلامية، وحتى العقل الليبرالي الحديث ظل يمارس عملية إعادغة إنتاج البنى والأفكار الإستشراقية ذاتها، بما فيها من سمة أصولية.

ويرصد المؤلف تناقضاً في بنية معايير الوعي الغربي، حيث يلاحظ التباين بين معاييره النقدية في وعي ذاته، ومعاييره المتعصبة الأصولية في وعي الآخر، ويجعله الكاتب هذا التباين أهم سبب لإطلاق التهم والشعارات المضادة للصحوة الإسلامية، وهو يستثني عدداً قليلاً من الدراسات الغربية التي تحتوي على فهم قريب من الواقع للإسلام كنظام شامل للحياة، حيث مكّنها ذلك من فهم واقع تيارات الصحوة وأسسها الفكرية، وذلك من خلال منهج آخر، انتقدت فيه المنهج الغربي السائد في الدراسات السوسيولوجية للظواهر الإجتماعية، ومنها الصحوة الإسلامية، ورغم ذلك فإن هذه الدراسات سارت في الاتجاه نفسه، لانها اضطرت لاستخدام المعادلات و المصطلحات ذاتها في التحليل والاستنتاج.

و يستعرض المؤلف جملة من إفرازات الوعي الغربي بالإسلام، ومن جملتها مجموعة الإطلاقات و التسميات التي يعرِّف الغرب بها الصحوة الإسلامية، وهي تسميات تحمل فهماً مسبقاً وأحكام جاهزة لاتمت الى الموضوعية بصلة، ويراد بها التعتيم على حقيقة الصحوة الإسلامية وتحجيمها، ومنها الإسلام الثوري و الإسلام الراديكالي و الإسلام التقليدي و الإسلام الشعبي، ومصطلح الأصولية الإسلامية. كما لا يرى المؤلف مبرراً للفياض بعض لانسياق بعض المثقفين الى استخدام هذه التسميات والمصطلحات ذاتها في المعالجات التي يقدمونها، وهو يفسر هذا الانسياق بضعف أدبيات الصحوة نفسها.

 

بقلم: بهاء حداد - باحث عراقي

.....................

المقال منشور في مجلة التوحيد، العدد 105، خريف 2000

 

محمد السعديعنوان الكتاب الأخير في قمة أنجازات الباحث العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان، الذي صدر في بغداد العباسية عن دار نشر (ميزوبتاميا) . ومنذ اليوم الاول في الاعلان عن صدوره في معرض الكتاب في بغداد ٢٠١٩ وأحتفالية نادي العلوية بهذا المنجز الفكري والتاريخي وبحضور شخصي من الدكتور عبد الحسين شعبان . كنت متأملاً أن أحصل على نسخه من الكتاب في وقت مبكر بعد أن حدثني الرفيق أبو ياسر حول أهمية الكتاب في مرحلة تاريخية مهمة من تاريخ العراق السياسي في قراءات جديدة ومفصلية بمسيرة الشيوعيين العراقيين من خلال سيرة ومواقف وأستشهاد حسين أحمد الرضي (سلام عادل) . حدثني عن تفاصيل ومآثر ومواقف الشهيد سلام عادل، ربما أسمعها لأول مرة ونحن عائدين من زيارة الرفيق باقر أبراهيم (أبو خولة) طول العمر له في منفاه بمدينة (هلسنبوري) الى مدينة مالمو في نهائيات العام ٢٠١٨ .

لم يمر يوماً، الا وأطلع على مقال جديد حول صدور الكتاب وتداعياته عبر الصحف والمواقع الاكترونية من كتاب وقراء وسياسيين ومناضلين سابقين، وفي مداعبة مع العزيز أبو ياسر قلت له أنهم لم يعطوا لي فرصة في الكتابة عن منجزك التاريخي، والذي أعتبره مهماً بالنسبة لي لأنه عن حياة سلام عادل رمزاً وطنياً وتاريخياً حيث تسنى لي الاطلاع على أهم تفاصيل الكتاب قبل الحصول عليه وقراءته لكثرة المهتمين حوله من قراءات وأشادات ومقالات وردود أفعال واسعة .

تعرض حزب الشيوعيين العراقيين بعد أستشهاد قادته ومؤسسيه يوسف سلمان يوسف ورفاقه زكي بسيم وحسين الشبيبي وساسون دلال عام ١٩٤٩ على يد المستعمرين الانكليز وأعوانهم من عملاء ومتعاوني مع الاحتلال وبسبب الوضع الداخلي للحزب والظروف التي يمر بها، ووضع البلد بشكل عام . مر على قيادة الحزب قادة لايحملون تلك المؤهلات بقيادة حزب الشيوعيين العراقيين من حميد عثمان الى بهاء الدين نوري وسبقهم عاصم فليح، بسبب الوضع الاستثنائي للحزب والحملة الحكومية (الملكية) ضد تنظيماته وكوادره، كان تنظيماً متشظياً تنخر به الصراعات والانشقاقات والتكتلات .

تبوأ سلام عادل قيادة الحزب الشيوعي في العام ١٩٥٦وأخذ على عاتقه منذ اليوم الاول لتسنمه قيادة الحزب مهمة توحيده ورص صفوفة ولملمة أعضائه على أسس تنظيمية صحيحة . فدعا الى كونفراس حزبي ثاني جمع به كل كوادر الحزب وملكاته والهيئات المنشقة عنه (راية الشغيلة) وغيرها تحت راية الحزب وألغى أسلوب التعيين في الهيئات الحزبية وأتبع أسلوب الانتخاب الحزبي المباشر عبر الاسس التنظيمية الصحيحة . وحدد موقف الشيوعيين من القضية الكردية، وعبأ جماهير باتجاه جبهة الاتحاد الوطني والتي تأتلف تحت عباءتها ثمة أحزاب وطنية وقومية وقوى أسلامية نحو ناصية الوطن وبناء نظام ديمقراطي تعددي، وصدر كتاب البرجوازية الوطنية في العراق رد على مفاهيم برجوازية قومية تصفوية، وكان للشيوعيين دوراً وحضوراً متميزاً في أنطلاق الشرارة الاولى لثورة ١٤ تموز الوطنية، لكن بعد فترة زمنية لم تحسب في حياة الشعوب أخذ قادة الثورة منحاً آخراً بعيداً عن أهداف الثورة ومكاسبها وتطلعات الشعب .

أدت تلك الاخفاقات والتناحرات في مسيرة الثورة الى تعطيل مسيرتها الوطنية والديمقراطية يتحمل الزعيم الاوحد عبد الكريم قاسم الوزر الأكبر في نهايتها .

أن ردة ٨ شباط ١٩٦٣ جاءت لعدة عوامل موضوعية تحمل الشيوعيين عبئها الأكبر من خلال مقاومتهم للانقلابيين والدفاع عن منجزات الثورة، كان للشهيد سلام عادل وقفته البطولية في تصديه للانقلابيين فبات هدفاً لهم في أستهداف حياته .

أعتقل يوم ١٩ شباط بوشايه من رفيقه هادي هاشم الاعظمي الشخص الثاني في سكرتارية الحزب في بيت حزبي مع عدد من الرفاق له مع عائلة بعد طوقوا المنطقة بالكامل وسيطروا على منافذ فروعها أقتحموا البيت ووسط الصراخ والضجيج تحت حراب بنادقهم وزعيقهم نزل الشهيد سلام عادل من الطابق الثاني يرتدي بدلة مع ربطة عنق وحقيبة صغيرة وصرخ بهم أنا حسين أحمد الرضي (سلام عادل) زعيم حزب الشيوعيين العراقيين، نقلوه في البداية معصوب العينين مقيد الآيادي الى مركز المأمون للاعتقال ومن ثم الى قصر النهاية وتعرض الى تعذيب وحشي . وهناك عدة روايات متضاربة حول يوم وتاريخ أستشهاده بعضها تقول أن الانقلابيين أجهزوا عليه يوم ٢٣ شباط وأخرى ترجح الى يوم ٧ أذار .

حدث أستشهاده مازال الى يومنا هذا فخراً للشيوعيين ورمزاً لنضالهم، في موقفه البطولي بتحديه للجلادين أعطى للشيوعيين دماءاً جديدة من النضال والتمسك بقييم ومعاني حزبهم، وهو لم يكن أسطورة الشيوعيين الوحيدة وأنما هناك الآف من الشهداء الشيوعيين الذي سطروا ملاحم بطولية في الاستشهاد دفاعاً عن حزبهم، لكن تبقى أسطورة سلام عادل هي الريادية باعتباره سكرتيراً عاماً لحزب الشيوعيين العراقيين .

في أعتراف متأخر لاحد قادة البعث ومن المساهمين في تعذيب الشيوعيين يقول … في دمشق، منتصف الثمانينيات، وفي مكتب مجلة (دنيا العرب) جمعتني جلسة مع الكاتب والروائي الفلسطيني (محمد ابو عزة) سكرتير تحرير المجلة. وفي خضم الكلام اكتست ملامحه مظهر التأمل والشرود، ثم قال فجأة: في ضميري (مشهد) لم يغب عنه، ولابد ان أرويه، ولكن ليس في سورية، لأن الأمر يتعلق بحقبة من تاريخ البعث، وان كان الأمر يتعلق بالبعث العراقي، ولكني سأرويه لك، وعدني بأن ترويه أنت حين تغادر سورية فيما بعد. المشهد يعود الى العام 1963 وتحديداً في الأيام الأولى بعد انقلاب 8 شباط، كنت ضمن طاقم الحرس القومي في مديرية الأمن العامة، ومن بيننا مجموعة من العرب والفلسطينيين تحديداً، ولاسيما بعض ممن أصبح في الخط الأول من قيادات منظمة التحرير ضمن حركة القوميين العرب، كأبي علي مصطفى الذي قال يوماً، بأنه يود لو يقطع يده التي ساهمت في تعذيب الشيوعيين والمناضلين العراقيين في تلك الفترة. وفي نهار يوم كان لدينا ضيف (دسم) أقمنا له وليمة دسمة هي الأخرى من صنوف التعذيب والهتك الجسدي والنفسي على مدى ساعات. (الضيف) كان سلام عادل السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي. كانت طاقتنا على الإبداع في التعذيب والقهر لا توصف، وكانت طاقته هو على الصمود والتماسك لا توصف ايضاً، وحين بدأ ان الرجل في طريقه الى النهاية الأكيدة، جاءتنا أوامر بالإبقاء على الرجل، لأن شخصية مهمة في الطريق الينا. ولم تكن تلك الشخصية سوى علي صالح السعدي وزير الداخلية والأمين العام لحزب البعث العربي الإشتراكي . وفي (صالون أبداعنا) بدأ المشهد طويلا، حين وقف السعدي يحدق في سلام عادل الذي لم يبد أنه على وشك الانطفاء بعد. ثم قال السعدي مقربا فمه من عادل: (انت منتهٍ وليس عليك الا الاعتراف). ثم كرر طلبه غير مرة، وفجأة رفع سلام رأسه وحدق في وجه السعدي طويلا، ثم قال بكلمات متقطعة ولكن واضحة ومفهومة "انت سكرتير حزب يفترض أنه من ضمن احزاب التحرر الوطني، وتطلب مني أنا سكرتير حزب شيوعي أن أعترف؟.. أنت لست أكثر من شرطي من هؤلاء". ثم سكت سلام لحظات، وبدأ وكأنه يستجمع قواه مرة أخرى، ثم فجأة بصق في وجه سعدي بصقة يخالطها الدم، لم يبد من سعدي للحظات أي رد فعل سوى أن يمسح البصقة، وبدت منه حركة واشارات عصبية فهمنا المقصود منها؛ أجهزوا على الرجل.. ولا اريد ان أسهب في كيفية أجهازنا عليه، ولكن الأمر بدأ وكأنه قريب من نهاية وأستشهاد الكثير من الرموز التاريخية العظيمة.

وأكثر من أعتراف تفوه به قادة البعث بعد سنوات طويلة حول أسطورة سلام عادل ومواجهته لهم بعد أن فقأوا عينيه وقطعوا أطراف يديه .

 

محمد السعدي - مالمو

 

محمد المسعوديفي كتاب "فتنة التأويل" لمحمد المسعودي.

صدر للناقد والأديب الشاعر د. محمد المسعودي كتاب نقدي جديد بعنوان: "فتنة التأويل في قراءة متخيل الرواية العربية الجديدة". وذلك عن دار «النايا» للدراسات والنشر والتوزيع السورية، الطبعة الأولى سنة 2014م. والكتاب يلخص مسارا نقديا حافلا بالبحث والعطاء، ويكشف النقاب عن معالم مشروع  نقدي متميز للناقد محمد المسعودي الذي جعل من المتخيل السردي الروائي مركز اهتمامه وبؤرة اشتغاله، وموضوع فتنة قراءاته وتأويلاته؛ فمن خلال مقاربته لمجموعة من النصوص الروائية العربية الحديثة، استطاع محمد المسعودي تقديم تصور نقدي حديث للرواية العربية الجديدة، تصور يكشف عن وعي نقدي عميق سنحاول في هذه القراءة الكشف عن بعض معالمه وخصوصياته.

ـ دلالات الإهـــداء.

لم  ينتظر الناقد محمد المسعودي كثيرا ليستضيف المتلقي داخل عوالمه  النقدية الجميلة الفاتنة، فبمجرد قراءة ما جاء في الإهداء، يشعر هذا المتلقي أنه أمام فضاءات روائية ونقدية جديدة تلزمه بطقوس خاصة لولوجها والاستمتاع بمفاتنها والتحليق في عوالم حقائقها المعرفية.

ذلك لأن الرواية الحديثة في  منظور الناقد المسعودي لم تَعُد مجرد موضوع من موضوعات المعرفة الإنسانية فقط، بل إنها أصبحت وسيلة من وسائل هذه المعرفة، ورافدا من روافدها الزاخرة التي تفتح للوعي الإنساني آفاقا جديدة تمكنه من إدراك أعمق بخصوصية جوهره وكنه عالمه.

فالناقد محمد المسعودي عندما يقول في الإهداء:« إلى كل من تعد الرواية بوابته نحو معرفة العالم وحقيقة الإنسان أهدي هذه الإضاءات في الرواية العربية»، (ص.5) يكون قد حدد وظيفة جديدة للرواية الجديدة، وفتح بوابة خاصة لنوع جديد من النقد يُفترض فيه أن يكون قادرا على ولوج عوالم الوعي الروائي الجديد، وعلى استسبار عمق معارفه، واستشراف أبعاد حقائقه الخاصة من خلال إبداعه الخاص: الرواية. كما أنه قام بتعيين أحد شروط التلقي الضرورية لقراءة الكتاب، واختار، في الوقت عينه، الفئة المستهدفة من القراء؛ وهو الأمر الذي يمنح لهذا الإهداء، الذي صدّر به الناقد المسعودي هذا المؤلَّف، دلالات وأبعاد نقدية خاصة تشعر القارئ بأنه ملزم بطقوس خاصة قبل الشروع في قراءة الكتاب.

وأول هذه الطقوس هي ضرورة الإيمان بأن الرواية العربية الجديدة ــ التي يريد الناقد المسعودي إدخالنا في فضاءاتها الفاتنة والكشف لنا عن سحر عوالمها المتخيلة ـــ هي رواية مختلفة، تتجاوز الفكرة القديمة التي ترى أن الرواية عموما هي مجرد معطى جاهز وجامد يمكن، وبكل بساطة،  الاشتغال عليه نقديا بمجموعة من المناهج الجاهزة المستمدة من ميدان العلوم الإنسانية، أو يمكن الاكتفاء في مقاربتها بالمرجعيات المعرفية النقدية التقليدية.

إن الإيمان بهذه الوظيفة المعرفية الجديدة للرواية الحديثة، إذن،  شرط ضروري ليصبح إدراك الأبعاد النقدية المتضمنة في الكتاب أمرا ممكنا. بل وليصبح الاستمتاع بفتنة جمال متخيل النص الروائي الحديث إمكانية قابلة للتحقيق.

إن الشيء المهم في هذا الإهداء، بالإضافة إلى ما تمت الإشارة إليه، هو أنه جعلنا نشعر أننا أمام نمطين متناغمين من الوعي، وأقصد الوعي الروائي المبدع  من حيث هو وسيلة لإنتاج المعرفة الروائية؛ ووعي نقد المؤوِّل الذي يسعى إلى مقاربة الوعي الروائي ومعارفه، والكشف عن طرق اشتغاله، وتعيين صورته وكيفية تجليه في النص الروائي الحديث.

ونظرا لأهمية هذين الوعيين في القراءة والتأويل والفهم والتأليف الروائي إبداعا ونقدا، سنركز على الكشف عن مظاهر التناغم المفترض بينهما؛ التناغم الذي نعتقد أنه سيُظهر بعض خصائصهما الجوهرية، ذلك لأننا نفترض أنه لا يمكننا فهم الواحد منهما بمعزل عن الآخر.

ـ إشارات التقديم.

قبل الشروع في البحث عن تجليات التناغم بين هذين النمطين من الوعي، كان لزاما علينا أن نشير إلى أن التقديم الذي خصه الناقد د. محمد أنقار للكتاب يعد مدخلا جيدا لقراءته؛ وذلك لما يحتويه من إشارات مُسَيِّجة  لحدود سياقاته المعرفية والمفهومية والجمالية، ولما يتضمنه من تعيين لبعض معالم خطة تأليفه وخصوصية لغته النقدية؛ غير أن الذي  يحظى بأهمية خاصة بالنسبة إلى ما نروم تسليط الضوء عليه في هذه القراءة، هو ما جاء فيه عن  كيفية تشكل الوعي النقدي والجمالي عند الناقد محمد المسعودي.

إن الإشارة التي أوردها د. أنقار في تقديمه لهذا الكتاب، عن كيفية تشكل الوعي النقدي والجمالي عند الناقد المسعودي، لا يمكن أن نعدها، في سياق ما نرومه، من قبيل الصدفة الطارئة، خاصة وأن صاحب هذا التقديم يعد واحدا من الروائيين المبدعين، والخبراء الكبار بالموضوعات النقدية التي عالجها د. المسعودي في مؤلفه  هذا، بحيث يبقى إيراده لهذه الإشارة، وبهذه الكيفية، بالنسبة إلينا، راجع إلى وعيه بضرورة إعداد المتلقي للدخول إلى عوالم الكتاب، ولإدراكه العميق بأهمية التنبيه إلى خصوصية الوعي النقدي الجديد عند د. المسعودي، لأنه الوعي المسؤول عن عملية التأليف، وعن طبيعة المشروع النقدي الذي يتضمنه المؤلَّف. وكما يخبرنا د. أنقار، فإن هذا الوعي النقدي لا يتحقق وعيا لصاحبه، إلا بكبير عناء، وبمعاينة مباشرة ومستمرة للنصوص الروائية، ليصبح صاحب هذا الوعي، بعد تجربته والتحقق به وعيا جديدا قادرا على استشعار خصوصية جمالية النصوص الروائية الجديدة، والتعامل مع وعيها وطرق تصويره لعوالمها المتخيلة؛ ففي فضاء هذا الوعي النقدي، يقول الناقد محمد أنقار: «تنصهر كل أدوات التحليل فيما بينها لكي تفضي بالقارئ إلى مشارف الحقيقة الإنسانية الموؤَّلة، وتجعله يستشعر حقا فتنة الصور الروائية المعالجة». (ص. 14)

فنحن، إذن، أمام وعي للوعي، أي أمام محاولات الوعي النقدي المؤوِّل لفهم منطق متخيل الوعي الروائي المؤوَّل.

وإذا كان في هذا تأكيد على مشروعية ما نرومه من  قراءتنا لهذا الكتاب، فإنه يبين مدى أهمية الكشف عن طبيعة العلاقة بين هذين الوعيين داخله؛ العلاقة التي نفترض أنها ستقربنا من بعض ملامح المشروع النقدي لصاحب هذا الكتاب.

ـ أبعاد المقدمة.

إذا كان التقديم، كما أسلفنا، يعد مدخلا جيدا لقراءة هذا الكتاب، فإننا نرى أن المقدمة التي استهله بها صاحبه الناقد المسعودي  تعد  شرطا  ضروريا لقراءته القراءات  المناسبة، ومرجعية لا مندوحة عنها  لإنتاج فهومٍ صحيحة ممكنة لما تضمنته فصوله من تأويلات نقدية؛ لأن هذه المقدمة تتضمن مجموعة من الإضاءات التي ستساعدنا على ترسيم بعض مظاهر تجلي العلاقة بين هذين الوعيين الروائيين: النقدي والإبداعي، كما أنها تشير إلى وجود تكامل وتناغم بينهما، وهو ما يعزز افتراضنا السابق ويشجعنا على التحقق من مدى صحته.

إن هذه المقدمة عبارة عن لملمة ذكية وموحية لبعض ما جاء مبددا من قسمات خاصة بوجه المشروع النقدي الذي رسمته الأفكار والتأويلات التي جاءت في الكتاب. فجاءت هذه المقدمة دعوة للمشاركة في إعادة رسم صورة قريبة عن الوعي النقدي الذي سطرها؛ الوعي الذي يعترف بأنه يحيا وينمو  في جسد الوعي الروائي الذي يشتغل به وعليه. إنها دعوة إلى كل من خصهم المسعودي بالإهداء، من قراء مهتمين، وروائيين مبدعين، ونقاد متخصصين.

لذا، اخترنا في هذه القراءة التركيز على بعض ما جاء في مقدمة الكتاب من محددات معرفية ونقدية أساسية، نرى أن تسليط الضوء على بعض خصائصها سيكون مفيدا للقارئ.

لقد تمكنت هذه المقدمة، وبكل بساطة ويسر، من وضع المتلقي أمام قضية "نقدية/ معرفية" عميقة ودقيقة، حدد بواسطتها الناقد أساس تصوره النقدي، وكشف من خلالها عن منطلقه في قراءاته لمتخيلات الروايات العربية الجديدة التي تضمنها كتابه. إنها القضية التي جعلها جوهر إهدائه، وجعلها منطلقا أساسا في مشروعه، وهي التي تتحدد في الوظيفة الجديدة  للرواية الجديدة التي تجعلها مدخلا متميزا  للمعرفة الإنسانية ورافدا من روافد مباحثها الكبرى؛ وهو ما أكد عليه الناقد  في مستهل مقدمة الكتاب بقوله: «شكلت الرواية في الأدب الإنساني الحديث أفقا واسعا لمعرفة الحياة والعالم والإنسان». (ص. 15) غير أن الذي يمنح للرواية الحديثة هذا البعد المعرفي الإنساني، بالنسبة  لمحمد المسعودي، هو متخيلها السردي. كونه الوسيلة التي تصبح بها هذه المعرفية الروائية أمرا ممكنا، وهو ما يبينه في قوله: «وقد كان المتخيل السردي وسيلة أساس لهذه المعرفة التي أمدت الناس بحقائق تاريخية وسياسية واجتماعية وثقافية لم تتمكن المعارف الأخرى من إيصالها إلى القارئ بنفس اليسر والقدرة على الإمتاع كما تم في الرواية». (ص. 15)

إن المتخيل السردي، إذن، هو وسيلة  الوعي الروائي في التعبير عن ذاته وعن معرفته، وهو أيضا وسيلة للوعي النقدي الذي يمكنه بواسطتها الكشف عن تجليات المعرفة الروائية، وعن خصوصية الوعي الذي أنتجها؛ ذلك لأن فرادة بصمة الوعي الروائي لا تنطبع إلا في متخيله السردي، ومن تم يصبح هذا المتخيل السردي مجالا للوعي النقدي يُمَكِّنه من التحري عن خصوصية هوية الوعي الروائي الذي بصم هذا المتخيل ببصمته الإبداعية الجمالية والفكرية الخاصة.  الأمر الذي يجعل المتخيل السردي يمثل في مشروع الناقد المسعودي نقطة تقاطع مركزية بين الوعيين النقدي والروائي.

لذا، يمكننا القول إن الناقد لا يتعامل مع هذا المتخيل الروائي على  أنه مجرد آلية للتصوير الفني فحسب، أو أنه مجرد مكون كغيره من المكونات التي تدخل في عملية  الإبداع الروائي فقط، بل إننا ندرك من خلال الأسلوب الموحي في الكتاب، والإشارات المتكررة فيه، أن هذا المتخيل السردي، في تصور الناقد، يتعدى هذه الوظائف كلها ليقوم بالتمثيل للبنية المنظمة للخطاب الروائي داخل العمل الروائي في شموليته. إنها البنية التي يشعرنا المسعودي، بإيماءاته الدالة، أنها  تخضع في تشكُّلها لمنطق هذا الوعي الذي ينتج معرفة خاصة تُعَدّ الرواية الجديدة بوابتنا إليها؛ كما يمكننا عد عوالم الصور النثرية المتخيلة في البناء السردي  الروائي عبارة عن فضاءات فاتنة متعددة ولامحدودة تتوارى خلف هذه البوابة التي لا يلجها إلا من يملك مفاتيح التأويل النقدي الجديد الذي يدعو الناقد إلى اعتماده في القراءة والتأويل.

وعن منطق بنية المتخيل السردي يقول المسعودي: «وكان المنطلق في هذه القراءات هو الإنصات إلى النص الروائي ذاته من خلال تتبع إشاراته ولملمة خيوط تشكيله الفني لعوالمه الحكائية قصد فهم منطق المتخيل السردي وتأويله». (ص. 15)

والمسؤول، في نظرنا، عن منطق المتخيل السردي وعن تأويله، هو الوعي الروائي، أما المسؤول عن محاولة  فهم منطق هذا المتخيل السردي، فهو ما اصطلحنا عليه بالوعي النقدي. وهذا يعني أن الوعي النقدي مستمَد من التفاعل المباشر والمستمر مع  الوعي الروائي المؤوّل. ونظرا لمركزية هذه الفكرة في  الكتاب نجد صداها متكررا في أكثر من مكان فيه، ومثال على ذلك قول الكاتب: « أصبحت الرواية مجالا خصبا للبحث والدراسة في الأدب المعاصر باعتبارها خطابا معرفيا ثقافيا لا يقل أهمية عن أشكال المعرفة الإنسانية الأخرى، وخاصة في سياق العلوم الإنسانية. ونظرا لهذه الأهمية يمكن الانطلاق من المتن الروائي العربي لتحديد تشكلات الثقافي والأنثربولوجي في الرواية باعتبار هذه التشكلات تمثلا «واعيا» للذات وللآخر وللواقع تخييليا». (ص. 98)

ـ المقدمة واستراتيجية القراءة.

إن مقدمة الكتاب تتضمن، في تصورنا، استراتيجية قرائية واضحة وواعية، لكن القارئ لن يضفر بها من حيث هي معطى نظري جاهز، وكأن المسعودي يطلب ضمنيا من المتلقي أن يكتشفها بنفسه عند قراءته للكتاب الذي لا يريده  ـ كما أشار إلى ذلك د. محمد أنقار في تقديمه للكتاب ـ أن يكون فاصلا  فصلا صارما وحادا بين الشكل والمضمون، ونحن نقول أنه لا يريده أن يكون، أيضا، عازلا عزلا قطعيا بين التنظير والتطبيق. ويمكن رد ذلك إلى أسباب منطقية سنحاول الكشف عن بعضها لاحقا.

ـ الكتاب وإشكالية المنهج.

إذا كانت المعرفة والوعي الروائيان مختلفين عن غيرهما من المعارف وأنماط الوعي الأخرى، حسب ما نفهمه من هذا  التصور النقدي/ المعرفي عند المسعودي، فإن المنطق يفيد بأن مقاربتهما بالمرجعيات النقدية التقليدية والمنهجيات التي تعتمد في مجالات العلوم الإنسانية لن تكون مناسبة، ليس من حيث هي مرجعية للوعي النقدي في عمليتي "القراءة/ الإنصات" والتأويل، فحسب، بل إنها لن تكون مناسبة من حيث هي مرجعية فنية للوعي الروائي ولمتخيله السردي في عمليتي "الإبداع/ التخييل" والكتابة، وهو الأمر الذي يمكننا أن نفهمه من قول الناقد: «ومما لا شك فيه أن الحديث عن المتخيل ومرجعياته في الرواية يقتضي الكشف عن صيغ تشكيل العوالم التخييلية سرديا وطرائق تمثل "المرجعيات" الفنية وتوظيفها بما يخدم دلالات النص وأبعاده الجمالية. ومن، ثم، فإن قراءة النص من منظور تشكيل المتخيل يقتضي الغوص في إبراز حدود المتخيل ورحابته التصويرية أثناء اشتغاله النصي. وبما أن الرواية التي نقاربها تنطلق من مرجعية تخييلية واضحة هي مرجعية "الواقعية"، فإن صورها الروائية وعوالمها التخييلية ترتبط بخصوصيات التيار الواقعي وسماته. ومن هنا نجد الرواية تعود بمرجعياتها إلى إرث "الواقعية النقدية" التي سادت الرواية العربية والمغربية لفترات طويلة (...) وتعود الآن بنوع من القوة مع محاولاتها الاستفادة من مذاهب فنية ووسائل تعبيرية جديدة». (ص. 174)؛ فالاستفادة من وسائل تعبيرية جديدة لن يجعل من الرواية رواية جديدة إذا كانت مرجعيتها في الإبداع تقليدية.

وهذا ما يفيد أن المرجعية المعرفية الجديدة التي انطلق منها المسعودي في مقدمة كتابه ليست خاصة بالوعي النقدي فقط، بل هي، أيضا، مرجعية ضرورية للوعي الروائي المؤطر لعملية كتابة الرواية الحديثة. وإلا لن يقع التناسب والتناغم بين الوعيين النقدي المؤوِّل والروائي المؤوَّل، وعندها لن نحصل على التأويلات النقدية المناسبة.

كل ما سبق يجعل من هذه المرجعية المعرفية التي استهل بها الناقد المسعودي مقدمة كتابه، قاسما مشتركا بين الوعيين النقدي والروائي معا.

بناء عليه، لا يكفي أن توظف رواية ما تقنيات الرواية الحديثة لتكون حديثة بالفعل؛ إذ القضية هنا ليست قضية تقنيات إبداعية جديدة بقدر ما هي قضية فضاء معرفي نقدي وروائي جديد، فضاء يؤسس له وعي جديد بالوظيفة المعرفية والإنسانية التي يجب أن تقوم بها الرواية في الأدب الحديث؛ فالإبداع الروائي الحديث، في منظور هذا المشروع النقدي، يقوم على وعي خاص له القدرة على التشريح والاكتشاف والاستبصار والنقد والتأويل والفهم، وعلى إنتاج مجموعة من المعارف والحقائق التي لا يمكن للمرجعيات المعرفية والمنهجية النقدية السابقة أن تستشعرها وتتعامل معها، كما أن النصوص الروائية، التي لا تعتمد هذه المرجعية النقدية ووعيها الروائي، لا يمكنها أن تصنف في خانة  النصوص الروائية الحديثة حتى وإن اعتمدت على تقنيات الإبداع الروائي الحديث؛ ذلك لأن الرواية الحديثة رؤية ووعي جديدين قبل أن تكون مجرد تقنية جديدة.

القضية، إذن، هي  قضية فضاء معرفي نقدي يمنح للمتخيل السردي داخله هذا البعد الجوهري الذي يجعل كل التقنيات والمكونات والألاعيب الإبداعية في الرواية الحديثة تدخل في بنائه، وفي تشكيل بنية صوره السردية وعوالمه المتخيلة؛ بحيث تصبح العملية الإبداعية بكل مقوماتها الفكرية والفنية خاضعة لخصوصية منطق الوعي الروائي وعوالمه المتخيلة. كما يصبح المتخيل السردي بالنسبة إلى هذا الوعي الوسيلة الكبرى التي يتحقق بها وعيا، وتتم له بها المعرفة، والتعبير عنها،  بيسر وإبداع ممتعين؛ إذ لا يمكن الفصل بين هذا الوعي وبين متخيله. وبهذا، ندرك سبب عدم إمكانية الفصل بين الشكل والمضمون في هذا المشروع النقدي الذي يتضمنه كتاب: "فتنة التأويل". وهو ما أشار إليه د. محمد أنقار، في تقديمه للكتاب بقوله: «التأويل عند المسعودي هو فعليا "فتنة جميلة" اعتبارا لتصوره الذي لا يفرق بين الشكل والمضمون». (ص. 13)

استنادا إلى ما سبق، ندرك عمق الوعي النقدي التنظيري الكامن وراء اختيار د. المسعودي لمنطلقه النقدي المعرفي. ويتبين لنا سبب حرصه على تقديم هذا المنطلق في بداية مقدمة كتابه "فتنة التأويل". لذا، وجب استحضار هذا المنطلق المعرفي النقدي مقدمةُ أولية لقراءة الكتاب قصد تحديد بعض أبعاده وغاياته.

وإذا تبين لنا سبب عدم إمكانية الفصل بين الشكل والمضمون في الكتاب، يبقى أن نبين الأسباب التي يمكن أن تكون وراء عدم إمكانية الفصل بين النظري والتطبيقي في مشروع الناقد المسعودي. ولهذه الغاية نطرح على أنفسنا الأسئلة  التالية:

لماذا ظل هذا الوعي النقدي التنظيري مستترا وراء الممارسة التطبيقية في قراءات المسعودي للنصوص الروائية التي اشتغل عليها في الكتاب؟ ولماذا قصد الناقد أن تظل استراتيجيته النقدية ثاوية في ثنايا الكتاب وغير معلنة؟ وبمعنى آخر، هل هناك من مبرر نقدي في مشروعه يخول له تضمين ما هو نظري في ما هو تطبيقي في مؤلفه:"فتنة التاويل"؟

إن إشارة الناقد د. محمد أنقار إلى العلاقة بين الشكل والمضمون في مشروع الناقد محمد المسعودي، تمهد لنا النظر في قضية أخرى لا تقل أهمية، ألا  وهي طبيعة العلاقة بين النظري والتطبيقي في هذا المشروع.

إن قراءتنا للكتاب تجعلنا نلاحظ فيه نوعا من التناغم الواعي بين النظرية والتطبيق؛ إذ يمكن القول إن الناقد المسعودي قد استطاع بلغته المتمكنة أن  يخلق نوعا من التساند المقصود  بين ما هو نظري وما هو تطبيقي في كتابه، مع  ملاحظة أولية تفيد بأنه كان يميل في الظاهر إلى إخفاء ما هو نظري في ما هو تطبيقي في مؤلفه، لكن أسلوب الكتابة عنده جعل لغة التطبيق والتأويل في هذا الكتاب  شفافة إلى درجة أصبح معها هذا النظري "المقصود" إخفاءه ظاهرا وقريبا من إدراك المتلقي الذي يسهل عليه التفطن لأبعاده وخصوصياته النقدية؛ وكأن صاحب الكتاب لا يريد أن يخفي تماما هذا المستوى النظري في مشروعه، حتى لا يعتقد المتلقي أنه غير موجود، كما أنه لا يريد أن يقدمه بطريقة مباشرة ومعزولة عن تطبيقاته؛ وهو الأمر الذي يدفع إلى الاعتقاد بأن المسعودي يريد من قارئ كتابه أن يُعمل قدراته التأويلية ليتمكن من لملمة دلالات الإيماءات وأبعاد الإشارات النقدية التي تؤثث لغة الكتاب، ليتمكن من الدخول إلى مفاتن التأويل النقدي الموازية لفتنة عوالم المتخيل السردي الروائية؛ بحيث يشارك المتلقي الناقد متعة التأويل والقراءة، لتصبح قراءة نصوص النقد الجديد ممتعة ومفيدة، كما هي قراءة النصوص الروائية الجديدة. وانطلاقا من هذه المشاركة في متعة التأويل المفيد وفتنته، نسجل نقطة تقاطع وتناغم أخرى بين الوعيين النقدي والروائي في هذا المشروع.

ـ مبررات منهجية.

ومن بين الأسباب التي تمنع الفصل المطلق بين النظري والتطبيقي، وبين المنهجي والموضوعي، في هذا المشروع النقدي، الحرص على ضرورة التوافق بين انفتاح الوعيين: النقدي والروائي، على آفاق فنية وجمالية متجددة ولامتناهية، وعلى أبعاد فكرية وفلسفية إنسانية مناسبة لتلك الآفاق اللامحدوة، وبين إمكانيات التأويل المتعددة، بل واللامحصورة، لمتخيل النصوص الروائية الحديثة؛ وهو الأمر الذي دفع الناقد إلى تقديم قراءات تأويلية نقدية متحررة من قيود المنهجيات النقدية الصارمة المستمدة، في الغالب، من مجالات العلوم الإنسانية التي تعدم بنمطيتها هويةَ النص الروائي الحديث، وتطمس بتنميطها المعتاد خصوصية الوعي الذي أنتجه. ولعل هذا ما يفسر، بالنسبة إلينا، هذه العلاقة التي تبدو غريبة بين عمق الرؤية النقدية، وبين تجلياتها المنهجية في الكتاب.

إن الفصل بين المستوى التطبيقي والمستوى التنظيري، في هذا الكتاب قد يؤدي إلى تجميد النسق  النظري، وإلى جعله أحادي البعد التأويلي، ما سيحجب غنى إمكانات النسق الروائي المرن والقابل لتأويلات متعددة، الأمر الذي سيفقده  خصوصيته النقدية التي أرادها صاحبها أن تكون مرنة متحررة ومتفاعلة مع خصوصية الأنساق الروائية وحركية متخيلها السردي المفعم بالحياة. ذلك لأن وعي الناقد  بأن خطية الكتابة والقراءة التنميطية للنسق النقدي النظري المفصول عن مرحلته التطبيقية قد تُفهم القارئ أن هذا النسق النظري النقدي الجديد يشبه الأنساق النقدية السابقة. وأن المرجعية المناسبة لقراءته وفهم طرق اشتغاله وتطبيقه  هي ذاتها تلك التي توظف في قراءتها وفهمها.

كل ما سبق يفسر سعي الناقد إلى أن تكون مقاربته النقدية  مرنة ومتفاعلة حتى تصبح معها كل قراءة نقدية مناسبةٍ مطالبةً باستمداد واستلهام خصوصيتها المنهجية النقدية من خصوصية منطق النسق الروائي السردي المتخيل الذي تقاربه؛ أي أن يكون الوعي النقدي قادرا على التفاعل والتناغم مع الوعي الروائي الذي يريد مقاربته وتأويله؛ وهو ما يفسر، بالنسبة إلينا، اختلاف القراءات والتأويلات التي قارب بها الناقد المسعودي العوالم المتخيلة المختلفة في النصوص الروائية التي اشتغل عليها في كتابه؛ إذ تمثل طريقة تشكل المتخيل السردي في هذا النص أو ذاك، بصمة مميزة خاصة بهوية الوعي الروائي الذي شكل هذا المتخيل واختار مكونات بناء صور عوالمه السردية وكيفية اشتغاله بها وعليها.

فالتركيز على موضوع من موضوعات تشكيل المتخيل السردي في رواية أو مجموعة من الروايات، أو الاهتمام بمحورية مكون من مكونات هذا التشكيل، أو الكشف عن خصوصية طرق توظيف بعض الأبعاد الثقافية، أو إحدى تقنيات الإبداع واللعب الروائي فيه، تصبح كلها مداخل نقدية ممكنة لتوجهات قرائية تصبح معها إمكانيات التأويل غير محدودة، خاصة إذا علمنا أن كل هذه الأمور متداخلة ومتشاكلة فيما بينها، بما لا يسمح بالتعامل معها بشكل منفصل تمام الانفصال؛ وهو الأمر الذي يمنح لكل نص روائي جديد بصمة مميزة لهويته الروائية، وما يجعل مناهج العلوم الإنسانية الجامدة والجاهزة التي اعتمدها النقد الروائي سابقا  غير ملائمة للتعامل مع خصوصية الرواية الجديدة حاليا.

ولكن الاعتماد  على قدرة الناقد اللغوية في  خلق نوع من التساند والتشاكل بين المستويين  النظري والتطبيقي في مشروعه النقدي، والوعي بمخاطر الفصل بينهما فصلا تاما،  ليس كافيا لتحقيق الغاية من هذا المشروع، ذلك لأن الأمر يحتاج إلى تخطيط واستراتيجية نقدية لتفادي الصعوبات والعوائق التي قد تحول دون إنتاج مقاربات مناسبة للرواية الجديدة وفق ما يتطلبه هذا المشروع النقدي الجديد. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة، بعد الذي قيل، هو هل اعتمد الناقد المسعودي في مشروعه النقدي على استراتيجية مناسبة تحقق له أهدافه منه؟

ـ استراتيجية الإنصات.

يقول د. المسعودي في مقدمة كتابه: «وكان المنطلق في هذه القراءات هو الإنصات إلى النص الروائي ذاته من خلال تتبع إشاراته ولملمة خيوط تشكيله الفني لعوالمه الحكائية قصد فهم منطق المتخيل السردي وتأويله، وعبر هذه الاستراتيجية القرائية أمكننا الإمساك ببعض أوجه المتخيل السردي في الأعمال الروائية التي اتخذناها متنا للمقاربة والقراءة». (ص. 15)

إن تأمل  العلاقة بين مفهومي "الإنصات" و"الاستراتيجية" في هذا النص يكشف عن مسار نقدي يمكن التأكيد على أن  محمد المسعودي ينهج  مراحله بوعي نقدي واضح. وبما أننا نسعى إلى الكشف عن خصوصية هذا الوعي النقدي برسم بعض ملامحه وتتبع مسار خطواته في هذا الكتاب، فإن العلاقة بين هذين المفهومين: "الإنصات" و"الاستراتيجية"،  تمثل، بالنسبة إلينا،  مدخلا رئيسا للوقوف على المحطات الكبرى التي تميز هذا المسار؛ بحيث يمكننا القول إن مفهوم  "الإنصات"، في سياق  ما تم ذكره، يمثل  لأول وأخطر مرحلة في مشروع الناقد المسعودي، كونها المرحلة التي بدونها يصبح مشروعه هذا غير قابل للتطبيق،  ويصبح الفصل الصارم، في هذا المشروع، بين النظرية والتطبيق أمرا واقعا على خلاف ما يرومه صاحبه منه. لذا، نرى أن الانطلاق  من مفهوم "الإنصات" عند المسعودي سيكون مدخلا مناسبا للتعرف على مسار مشروعه، ووسيلة مناسبة لتقريبنا أكثر من  إدراك أبعاده الاستراتيجية في هذا الكتاب.

لقد تبين لنا سابقا أن الوعي الروائي، في مشروع الناقد، لا  يجد صداه إلا في مستوى متخيله السردي  وداخل منطق العوالم المتخيلة التي يشتغل بها وعليها.  وهذا يعني أن  الوعي النقدي لن يظفر بصورة عن هذا الوعي الروائي إلا عبر متخيله السردي. وأن هذا الوعي النقدي  لن يستطيع التوصل إلى خصائص هذه الصورة إلا إذا استنسخ صورة عن بنية المتخيل السردي الروائي الذي قام بتصويرها وبصم خصائصه فيها وبها؛ إلا أن الاستنساخ المطلوب هنا، ليس استنساخا آليا جامدا يصف هذه الصورة من الخارج، وإنما  المطلوب هو استنساخ خاص له القدرة على التفاعل والتناغم مع حركية وحيوية الصورة المستنسخة؛  وهو ما يفرض على الناقد وصف هذه الصورة من الداخل عن طريق الاستبطان الذي يفرض على  الناقد توظيف ملكة من جنس الملكة التي تشكلت بها هذه الصورة المتخيلة.

فإذا كان معلوما أن صورة الوعي الروائي تتشكل بمتخليه السردي، فإن الناقد في حاجة، في هذه الحالة، إلى توظيف ملكة التخييل لديه ليلج بها العوالم المتخيلة روائيا، وليتم له الكشف بواسطتها عن منطق الوعي الروائي الذي شكلها. وهذا الاستنتاج يجعلنا  أمام مفهوم جديد يمكننا أن نصطلح عليه بـ"المتخيل النقدي" الموازي للمتخيل الروائي المذكور؛ بحيث يصبح هذا المفهوم الجديد، وأقصد "المتخيل النقدي"،  محددا لتقاطع جديد بين الوعيين النقدي والروائي، وإلا كيف يمكن للناقد ولوج عوالم المتخيل السردي دون إعماله لملكة التخييل عنده؟!

ففي سياق هذا التقاطع الجديد،  يمكننا أن نكشف عن أهمية مفهوم "الإنصات" في مشروع الناقد محمد المسعودي.

ـ مفهوم "الإنصات" والانفعال النقدي.

إن حصول "المتخيل النقدي" على صورة مستنسخة عن عوالم المتخيل السردي، ومن خلالها استرسام نسخة تقريبية عن بصمة منطق وعيه الروائي، أمر يتطلب  من الناقد، كما أسلفنا، القدرة على استبطان هذه الصورة، وإعادة تشكيلها بمتخيله الخاص؛ غير أن مرحلتي الاستبطان وإعادة التشكيل هاتين، تُعدان مرحلتين متطورتين؛ بحيث لا يمكن التمكن من إنجازهما قبل إنجاز مرحلة سابقة عنهما؛ إذ يحتاج الناقد، بحكم الضرورة المنطقية، إلى آلية نقدية تمكن  وعيه النقدي من التواصل مع الوعي الروائي، وتجعله قادرا على  النفاذ إلى عوالم متخيله السردي، وعلى استبطانها وتأويلها ثم إعادة تصويرها: «استنساخها».

آلية نقدية، أو قل  وسيلة إجرائية ضرورية في مشروع الناقد المسعودي، إنها عملية الإنصات النقدي التي تمكن الناقد  من تجاوز حدود قراءة النص الروائي المكتوب، لتجعله قادرا على التفاعل، بوعيه وذوقه  النقديين الخاصين، مع عوالم متخيله السردي الذي يعج بالحركة ويضج بالأصوات ويعبق بالروائح وتتشاكل فيه معالم الأمكنة بملامح الشخصيات الواعية بخصوصية واقعها الحي؛ إن ما نقصده بـ"التفاعل بوعي وذوق نقديين" في هذا السياق التحليلي، هو ذاك التفاعل الحقيقي الذي يجمع بانسجام بين الانفعال والفاعلية من حيث إنهما فعلان متقابلان ومتكاملان لا يشتغل أحدهما إلا في علاقته بالآخر، ولا يفهم عمل الواحد منهما إلا في سياق هذه العلاقة نفسها.

وتتجلى أهمية "الإنصات" عند المسعودي، في كونه يمثل للانفعال المرتبط بعملية الإنصات، المقابل للفاعلية المرتبطة بعملية التأويل. والعلاقة بين الإنصات الانفعالي وبين فاعلية التأويل، هي المؤسسة لعملية  التفاعل النقدي المطلوب بين الوعيين النقدي والروائي في مشروع الناقد المسعودي؛ إذ بهذا الإنصات ينفعل الوعي النقدي بفاعلية الوعي الروائي، وبواسطته يتمكن المتخيل النقدي  من استبطان مكونات وتقنيات وبنيات صورٍ سردية عن عوالم المتخيل الروائي؛ وهو الأمر الذي يُمَكِّنه من تأويلها تأويلات جديدة تعيد تشكيلَها تشكيلات نقدية تحافظ لها على هويتها الروائية. وكأن الناقد ينفخ في صور المتخيل الروائي شيئا من روحه ليبعث الحياة في روحها عبر أنفاس متخيله وذوقه وإحساسه ووعيه النقدي الخاص. وذلك للحفاظ على حيويتها وللكشف عن خصوصية هوية وفعالية الوعي والذوق اللذين قاما، معا وآنيا، بتصويرها.

إن  مفهوم  الإنصات عند المسعودي، إذن، هو نوع من الانفعال النقدي الذي لا تُدرك وظيفته الإجرائية ولا أبعاده الاستراتيجية، إلا في سياق منطق هذه العلاقة التكاملية التي تم الكشف عنها.

بناء عليه، يمكن القول إن عملية الإنصات هذه، ستكون وفق منطق هذا التحليل، هي أولى مراحل المسار النقدي في مشروع المسعودي.

ـ التأويل والفاعلية النقدية.

تم التأكيد، في ما سبق، على  أن عوالم المتخيل السردي عند المسعودي تتميز بكونها عوالم غير جامدة ولا جاهزة، و أنها عوالم تعج ـ داخل مشروعه ومتخيله النقديين،ـ بالحركة وتنبض بالحياة وتستنير بنوع خاص من الوعي. لذلك فإن رصد ملامح منطق صورها المتخيلة، داخل هذا المشروع، لن يكون عملية سهلة ولا نهائية، ولعل هذا ما يجعلها عوالم فاتنة، كونها غير ثابتة كالسراب، ولكن وراء كل سراب شيء من الحقيقة التي تنتظر من يطهرها من دنس الجمود بطقس القراءة النقدية المتفاعلة، القراءة المنصتة بانفعال والمؤولة بفاعلية وتفعيل. إن رصد هذه الصور لن يكون، إذن، إلا عن طريق المشاركة في إعادة تصويرها واسترسام فضاءاتها المنفتحة على اللامحدود، بحيث يستثمر الناقد ما ارتسم على صفحة وعيه النقدي من انطباعات وجدانية وآثار معرفية ـ بفعل الإنصات ـ،  ليقوم بعد ذلك، عن طريق عملية التأويل وفاعليته النقدية الواعية، بمد الخطوط  وتمييز ألوانها  وتعزيز تلويناتها، ليس ذلك فقط ، من أجل إعادة رسم صور مستنسخة عن الصورة الأصل، ولكن، أيضا، لرسم صورة تقريبية متخيلة نقديا، عن ملامح وقسمات وجه الوعي الروائي «بورتري» الذي أبدع هذه الصورة الأصلية. «قراءة في لوحة الغلاف...».

إن التأويل هو تفعيل لمجموعة من الملكات والقدرات والخبرات النقدية المعرفية والذوقية، من أجل مقاربة الفهم، تمهيدا للمقارنة وإصدار الحكم. غير أن التأويل في سياق هذا التحليل، يظل في حاجة إلى مرحلة مؤسسة تجعله ممكنا. وهذه المرحلة هي مرحلة الموضعة النقدية التي سنحاول  الكشف عن أبعادها وخصوصيتها وأهميتها النقدية في مشروع الناقد محمد المسعودي.

ـ مرحلة الموضعة.

لا تكمن أهمية المتخيل النقدي، في مشروع محمد المسعودي، في كونه مجرد وسيلة نقدية فحسب، بل إنها تتقوى وتتأكد عندما ندرك أن الناقد ـ وبعدما تكتمل صور العوالم الروائية في مخيلته، وبعدما يقوم بتلخيص معالمها ورسم صورة مصغرة عن فضاءاتها، «التلخيص»ـ يكون بالضرورة في حاجة إلى تحويل هذه الصور إلى "موضوع" لخبرته النقدية ولمرجعيتها المعرفية والذوقية الخاصة، وإلا فما الغاية من هذه الصور الروائية المتخيلة نقديا إذا توقف الناقد عند هذه المرحلة دون العمل على استثمارها والاشتغال عليها بما يتوافق وغاياته الكبرى من العملية النقدية كما يتصورها ويسعى إلى إنجازها عمليا في هذا المؤلف؟!

إن تحويل هذه الصور إلى "موضوع"، في سياق كل ما سبقت الإشارة إليه من علاقات ومفاهيم ومراحل، يجعل هذا "الموضوع " يتشَّرب الكثير من الدلالات والخصائص والأبعاد النقدية والفنية من الوعي النقدي الخاص بالناقد؛ وهو الأمر الذي يجعل هذا الموضوع النقدي موضوعا متفاعلا مع ذات ووعي وذوق الناقد. وبهذا تكون عملية الموضعة، في سياق هذه المقاربة، مختلفة، وتنتج "موضوعا" نقديا مختلفا عن الموضوعات النقدية التي تعتمد في مقارباتها على الفصل الصارم بين الموضوع والمنهج وبين النظرية والتطبيق، وبين الذات والموضوع النقديين وعيا وذوقا.

إن اختلاف هذا "الموضوع/ الذات" يعود إلى أن الوعي النقدي الذي موضعه هو الذي قام بتشكيله. فخبرة هذا الوعي بمرجعيتها النقدية الذوقية والمعرفية، هي التي كانت كامنة وراء المراحل السابقة المشكلة  لهذا الموضوع ذاته، وهي المسيجة لحدوده، والكاشفة عن خصوصياته.  فهذه الخبرة النقدية هي من كان وراء مرحلة الإنصات والاستبطان والتأويل والفهم وإعادة التصوير النقدي؛ وهي المسؤولة الآن عن  مرحلة  الموضعة من حيث هي  مرحلة متطورة في هذا المشروع؛ إذ إنها تسمح للناقد بالانفصال عن عوالم متخيله النقدي وبالعودة منها، ليصطنع لنفسه ولمتخيله مسافة نقدية ضرورية تفصل بينه وبين موضوعية المتخيل الروائي الذي يشتغل عليه. وبالإضافة إلى ذلك، نراها تمكن الناقد من اصطناع مسافة أخرى بين وعيه النقدي من حيث هو فعالية كامنة وراء توظيف آليات استكشاف العوالم الروائية المتخيلة من أجل رصد بعض خصائصها ورسم حدودها، وبين وعيه النقدي من حيث هو نشاط تحليلي قادر على استثمار ما تحقق له عبر المراحل السابقة عبر المقارنة والنقد والتقييم.

والذي تجدر الإشارة إليه هو أن هاتين  المسافتين ضروريتان، للوعي النقدي عند الناقد المسعودي، لأنهما يمنحان له إمكانية الاشتغال على متخيله النقدي في علاقته  بالمتخيل الروائي، بواسطة  مجموعة من المصطلحات والمفاهيم النقدية التي تمكنه من مقاربة هذين المتخيلين: النقدي والروائي، بكيفية واعية و"موضوعية"؛ بحيث يصبح المتخيل النقدي، ترجمانا للمتخيل الروائي لدى "الوعي النقدي" في المرحلة التي يتحول فيها هذا الوعي من كونه مجرد انفعال واع بالمتخيل الروائي إلى كونه فاعلية نقدية ونشاط تحليلي لهما القدرة على تحديد القضايا والإشكالات التي تضمنتها هذه الرواية، أو تلك.

بناء عليه، تصبح عملية تحديد القضايا عاملا فاعلا في التأسيس لمرحلة الموضعة، ومرتبطا بها ارتباطا تفاعليا داخل هذا المشروع النقدي، وعبر مساره الخاص.

لذا، نعتقد أن الإشكالات التي كان الناقد المسعودي يصوغها في كتابه على شكل أسئلة وقضايا نقدية، كانت تصاغ بعد مرحلة الإنصات. أما تقديمه لهذه الأسئلة، في فصول الكتاب، على مرحلة تلخيصه للنصوص الروائية التي اشتغل عليها، فكان لغاية تجعل المتلقي يقرأ هذا الملخص، أو ذاك، بناء على مرجعية هذه القضايا ذاتها. وقد يُفسر هذا، أيضا، برغبة من الناقد محمد المسعودي في أن يشرك القارئ في التعرف على بعض ملامح المتخيل السردي في هذه الروايات انطلاقا من منظوره النقدي الخاص، ومن خصوصية طريقة موضعته لصور متخيلها السردي.

والملاحظ هو أن مقاربة هذه القضايا النقدية لا تُقدم جاهزة ودفعة واحدة في الكتاب، بل إن معالجتها تتطور باستمرار في رحم فصوله وعبر رواياته المتعددة والمتنوعة التي تجعلها  فعالية  المقارنة النقدية منسجمة متشاكلة، وهو الأمر الذي يُشعر القارئ بأن الناقد محمد المسعودي يشير إليه، إلى وجود بنية تحكم المتخيل السردي الروائي، بنية تشي، هي الأخرى، بوجود منطق يستند إليه الوعي الروائي في اشتغاله على المتخيل السردي والمتخيل السردي، في الوقت ذاته.

إن القضايا والإشكالات التي عالجها الوعي الروائي بمتخيله السردي، وقام الوعي النقدي بتقديم صورة عنها، تكشف عن خصوصية معالجة هذا الوعي الروائي لواقعه المتخيل. كما أنها تبرز، وفي الوقت عينه،  تصور الناقد لهذه القضايا من منظور وعيه النقدي الخاص؛ وبهذا الاعتبار، يكون الوعي النقدي وعيا بخصوصية الوعي الروائي وبتمثلاته المعرفية، وبكيفية معالجته الروائية  لقضايا بعينها. وذلك بواسطة النظر في كيفية تشكيل الوعي الروائي لموضوعاته، وفي طريقة اشتغال متخيله على بعض التقنيات السردية  والوسائل التخييلية. وفي سياق هذه التفاعلات الكثيرة يمكننا إدراك أبعاد بعض إشارات الناقد المسعودي التي نذكر منها قوله: «مما لاشك فيه أن المبدع يشكل عوالمه التخييلية انطلاقا من رؤاه الذاتية ومن تمثلاته الذهنية وتفاعلاته وانفعالاته مع المكان والزمان والوقائع والشخصيات، ومن ثم، فإن الحديث عن المكان في الرواية هو في الجوهر حديث عن الإنسان، حديث عن مكان متخيل يتشخص عبر القوى الفاعلة المنفعلة والمتفاعلة في المكان وبالمكان كما يبدعها الكاتب ويشكل أبعادها التخييلية. ومن هنا، فإن الكتابة الروائية تقتنص هذه التقاطعات والتشابكات بطرقها وصيغها الخاصة قصد تقديم تمثلها للواقع وتشكيله تخييليا». (ص. 50)

ويقول في مكان آخر: «وتكشف الأعمال الثلاثة التي قاربناها في هذه القراءة عن تطور وعي المبدعة العربية بما يحيط بها وتفاعلها مع الحياة من حولها بما يجعل إبداعها يتميز بالقدرة على رصد تحولات المجتمع والعالم».  (ص. 47)

ـ الوعي بالوعي في الكتابة الروائية والميتامتخيل النقدي.

إن اعتماد الوعي الروائي في بناء متخيله السردي على أنماط  أخرى من المتخيلات السردية التي تنتجها أنواع مختلفة من الوعي الإنساني، تبرز مدى قدرته على استيعاب الكنه الإنساني في تجلياته المتنوعة عبر خصوصيات الأفراد والمجتمعات والشعوب... ؛ إن قدرة الوعي الروائي على استكناه مجمل المتخيلات السردية الإنسانية هي، في حقيقة الأمر، قدرة على استيعاب الوعي الإنساني من خلال أنماطه المختلفة ومتخيلاتها السردية المتنوعة التي تمثل لكل نمط من هذه الأنماط المتعددة من الوعي، كالوعي الصوفي والأنثروبولوجي والسوسيولوجي والسيكولوجي والجمالي والتاريخي...والروائي، وهو الأمر الذي رصده الناقد المسعودي وعبر عنه بقوله: «انطلق الاشتغال الفانتاستيكي- كما رأينا من خلال الأحداث التي لخصناها- أساسا من نص متخيل ليبني متخيله المضاعَف عبر آلية التحوير وطاقة الخيال الخلاقة». (ص. 92)

إننا، إذن، أمام خاصية أخرى من خصائص الوعي الروائي التي تتمثل في  قدرته على موضعة متخيلات سردية لأنماط مختلفة من الوعي الإنساني،  ثم تحويلها إلى مكونات تخييلية تدخل في تشكيل متخيله الخاص، بحيث يجد الناقد نفسه أمام طبقات من الوعي الإنساني  تتشاكل فيما بينها لبناء وإغناء الوعي الروائي الذي استوعبها ووظف مداركها في تطوير إدراكه، كما اعتمد صورها لتكثيف صوره ومنحها أبعادا إنسانية غير محدودة. ولكن الذي نرى أنه أكثر أهمية هو قدرة الوعي الروائي على موضعة وعي روائي آخر، والعمل على توظيفه للكشف عن إمكاناته اللامحدودة، بحيث تتحول مكونات المتخيل السردي الروائي المموضع إلى مكونات مشتركة بين المتخيل السردي المموضع، وبين المتخيل السردي المبدع. لتصبح هذه المكونات والتقنيات عبارة عن عناصر لغة روائية إبداعية مشتركة، يتم بها الإبداع الروائي على إبداع روائي آخر وبواسطته. وإنتاج تخييل سردي روائي على تخييل  سردي آخر، ومن خلاله. وهكذا نكون أمام ما يشبه الميتا متخيل الروائي الذي يتأسس على وعي روائي بذاته، وبطرق اشتغاله، ساعيا إلى تطوير طرق تأويله وتعبيره، والعمل على إغناء عملية تلقيه وتأويله؛ وهو ما يمكن أن نستشفه من قول الناقد المسعودي: «ولعل هذه اللعبة الروائية تذكرنا بألاعيب الروائي الأمريكي"جون بارث" الذي اتخذ من هذه التقنيات السردية وسيلة لتجديد صيغ الكتابة الروائية ليس بغاية التجديد والتجريب، فحسب، وإنما ليجسد معاناة الكتابة ذاتها والتفكير فيها عبر المتخيل، وتحفيز المتلقي على مزيد من توظيف قدراته التخييلية والتأويلية». (ص. 125/ 126)

ومن هنا، يمكننا القول إن الوعي النقدي والوعي الروائي الجديدين يتبادلان الأدوار، وهو ما يفسر كثرة التقاطعات التي لاحظناها بينهما. لكن، لابد أن تُحَدَّ الحدود. فالروائي إذا تخطى الحدود وأوغل في استحضار الناقد الكامن فيه، ضيع خصوصيته وضيع الرواية. والأمر ذاته يقال عن الناقد، ومن هنا نعرف أهمية المسافة النقدية التي جعلها الناقد المسعودي بينه وبين مرحلة الانفعال النقدي الواعي ومرحلة الفاعلية، بحيث كانت عملية الموضعة أساس الفصل بين الناقد الفاعل والناقد المنصت المنفعل. وعن هذا التداخل يقول: «وبهذا الانفتاح على المشاهد البصرية في تشكيلاتها الوصفية التي تنحو نحو شعرية اللغة ورمزيتها يتيح السارد للمتلقي تشغيل طاقته التأويلية وقدرته التخييلية الانعتاق من قتامة اليومي الذي تعرضه الرواية. غير أن هذه اللمحة سرعان ما تتوارى أمام لغة الرواية الرصينة الدقيقة بحيث نشعر أننا أمام روائي ناقد تمرس بالمناهج السردية وخبر نظرياتها فألقت بثقلها على لغته وأسلوبه وصياغته. (...) لماذا الاستناد إلى هذه المرجعية وقد عرفت الرواية العربية والمغاربية والمغربية ذاتها تحولات نحو آفاق جديدة في الكتابة تستثمر مرجعيات أخرى قوامها: التاريخ والرموز والأساطير واللعب الفني المتقن بالمتخيل وعوالمه خاصة بعد الانفتاح على التقنية الحديثة في الفنون البصرية وفي السينما والإنترنت؟». (ص.177/178)

إن موضعة الوعي الروائي لمتخيل وعي روائي آخر يبدع عبره روائيا،  تشبه إلى حد كبير موضعة الوعي النقدي للمتخيل الروائي الذي يشتغل عليه نقديا.  «وبهذه الشاكلة يشتغل الفانتاستيك في الرواية ليبين في سياق متواتر ممتد صعوبة تحقيق العدل والالتزام بالقيم الإنسانية في العالم. وهو الإشكال الأساس الذي اتخذته الرواية بؤرة اشتغالها ومنطلق كشفها لحقيقة الإنسان ولمنطق السلطة ولواقع الحكام والمحكومين، في كل زمان ومكان». (ص. 92 /93).

«جوهر الإنسان كان من صلب اشتغال الفانتاستيك من حيث هو أداة وبناء ورؤية تخييلية تكشف هذا الجوهر». (ص.94)

وهو ما يجعلنا أمام تقاطع آخر بين الوعيين النقدي والروائي.

وبما أننا افترضنا أن المتخيل النقدي هو ترجمان دقيق للمتخيل الروائي، وأن الوعي النقدي لا يمكنه التعرف على الوعي الروائي ومتخليه السردي إلا عبر لغة هذا الترجمان، فإنه يمكننا القول إن الوعي النقدي في مستوى من مستويات اشتغاله يكون مشتغلا على ذاته التي قام بموضعها بعدما جعلها تتشاكل في المرحلة النقدية الانفعالية مع المتخيل الروائي. وذلك بالاعتماد على لغة نقدية اشتقت من لغة التخييل السردي الروائي؛ وهو الأمر الذي يجعلنا أمام نوع من "الميتا- متخيل النقدي" له القدرة على الوصف والتأويل والتحليل والمقارنة والتقويم.

ـ خاتمة:

تأسيسا على سبق يمكن الخلوص إلى أن كتاب "فتنة التأويل" للناقد المسعودي يصنع فتنته التأويلية الخاصة، استنادا إلى تشاكل وعيين روائي ونقدي متداخلين متمازجين في العملية القرائية، وانطلاقا من مفاهيم جديدة للقراءة والتحليل والتأويل تتماشى مع ما تفترضه تحولات الرواية الحديثة، ومع ما يفترضه تحول النقد الأدبي الجديد ذاته. ولذلك كان كتابا طريفا في بابه ممتعا في مقارباته، ويمكن أن يكون مفيدا لقرائه الذين يتخذون الرواية بابا نحو معرفة ذواتهم ومعرفة العالم، كما يؤكد الأديب الناقد محمد المسعودي في إهدائه.

 

بقلم: د. حسن السمان

 ....................

الصورة للدكتور محمد المسعودي

 

 

علي جابر الفتلاويأمهّد لمقالتي تعريفا مختصرا بالدكتورعبد الجبار الرفاعي، وكتابه موضوع مقالتنا.

 باحث ومفكر عراقي، واستاذ فلسفة إسلامية، ذكر في كتابه (ص44): أنه ولد في 1/7/1954م، في قرية (آل حواس) التي ترتبط إداريا بقضاء الرفاعي، في محافظة ذي قار العراق، جاء في الموسوعة الحرّة أنّه حاصل على عدة شهادات أكاديمية منها دكتوراة فلسفة إسلامية.(1) يقول عن نفسه: أنه دخل الحوزة العلمية في النجف ثم قم، تلميذ ومدرّس في حوزة قم، وأضاف: أحد المشاكل في دراسة الدين في الحوزة، أنها تتحرك في مسارات مسدودة بمعنى تبدأ بالتراث وتنتهي بالتراث وتقرأ التراث أيضا بأدوات تراثية، التفكير الديني بحاجة أن يواكب العصر، بحاجة أن ينفتح على ما هو جديد، بحاجة أن يوظف أدوات ومنهجيات جديدة في تفسير النص وفي تفسير الظواهر الدينية المختلفة. (2)

كتابه (الدين والظمأ الانطولوجي) هو أحد مؤلفاته، للأسف لم أطّلع على كتبه، لكن أخيرا حصلت على بعض مؤلفاته، وبين يدي الآن كتابه هذا في طبعته الثالثة، يوجد في هذه الطبعة مقدمة الطبعة الثانية أيضا، قرأت المقدمتين وبعض عناوين الكتاب فاستوحيت فكرة المقال، وربما استوحي أفكار مقالات أخرى أثناء قراءتي للكتاب. عنوان الكتاب يجذب القارئ المتابع للفكر والفلسفة الإسلامية. يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي في مقدمة الطبعة الثانية (ص11): (أعرف أن كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) يغرّد خارج السّرب، إذ يحاول أن يعزف لحنه الخاص.)

 أستوحي من عبارته أن في كتابه أفكارا تُعدّ وفق الثقافة الدينية السائدة خارج المألوف. أرى أنّ كتابه هذا من أهمّ كتبه، فيه خلاصة أفكاره، وفي المقدمتين خلاصة أفكار الكتاب، يقول في المقدمة (ص10): (خلاصة أسفار الروح والقلب والعقل مدة تزيد على نصف قرن، لبثت فيها أفتش عن ذاتي الهاربة مني وبصراحة لم أظفر بها كلّها حتى اليوم.) كلامه يُفصح أنّ أفكاره في هذا الكتاب هي خلاصة أفكاره التي تبناها خلال مسيرته العلمية الفكرية التي استغرقت أكثر من خمسين عاما بحثا عن الذات ولم يصل إلى القرار أو النهاية.

 الدكتور عبد الجبار الرفاعي مع غزارة أفكاره في ميدان الفكر الإسلامي المتجدد يعدّ نفسه، أنّه في بداية الطريق لاستكشاف المزيد من الفكر الديني السليم البعيد عن التأثيرات التأريخية أو الأيدولوديه التي تصادر أو تجمّد قدرات الانسان الذاتية، يرى أن الإنسان عندما يكتشف ذاته يسير في الطريق السليم ليكتشف المزيد من الفكر الصحيح البعيد عن التأثيرات النسقية، هذا ما استنتجه من أقواله.

563 الدين والضمأ الانطلوجي

 الأنطلوجيا اصطلاح حديث، فما هو المقصود منه؟

تأتي بمعنى الفلسفة والتصوف – قسم من الفلسفة مرادف لعلم ما بعد الطبيعة، يبحث في طبيعة الوجود الأولية، علم الوجود، علم الكائن. (3)

الأنطولوجيا Ontology علم الوجود، وهو أحد مباحث الفلسفة، وهو العلم الذي يدرس الوجود بذاته، الوجود بما هو موجود. (4)

يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي في معنى عنوان كتابه (ص17):(أعني بالظمأ الانطولوجي الظمأ للمقدس، أو الحنين للوجود، إنّه ظمأ الكينونة البشرية).

 بدلالة العنوان وشرحه لمعنى عنوان الكتاب، نستنج أن كتابه لا يخاطب به المسلمين فحسب، بل أتباع الديانات عموما، لأن الظمأ للمقدس في تقديري يشمل كل المنتمين للأديان حتى الوثنية منها، ولو أنّ المستعرض للكتاب يستنتج أنه يعني أصحاب الديانات السماوية.

أقصد بثلاثية المفكر عبد الجبار الرفاعي هي: (الروح، القلب، العقل)، ذكر هذه الثلاثية في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه، رؤيته أنّ الثلاثية يجب أن تكون مؤطرة بالإيمان، وكتابه هو رسالة في الإيمان كما وصفه يقول (ص10): الكتاب (رسالة في الإيمان) بمعنى أنّها وثيقة لإحياء الإيمان، وليس كتابا أكاديميا. في تقديري أنّه صاحب رسالة، تهتم بالعقل والقلب والروح، مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ الثلاثية يجب أن تكون مؤطرة بالإيمان يقول (ص36):

 يحيا الايمان بوصفه صلة حيّة متوثبة بالله تعالى، وإذا عُرِض الايمان بوصفه معتقدات ومفاهيم وأفكار وشعارات، يجب أن يعتنقها ويحفظها الجميع، فلن يرتوي القلب حينئذ بلذة وصال الحق، في تقديري عبارته (لن يرتوي القلب بلذة وصال الحق) عبارة هي أقرب إلى لغة أهل التصوف والعرفان، ومما يؤكد هذا الاستنتاج أنه يعتبر العقل أشبه بالحاوية التي يُحتفظ فيها بمجموعة من المفاهيم، إن لم يكن الايمان صلة حيّة متوثبة بالله تعالى، يقول: (هي بمثابة مومياءات محنّطة خاوية مفرّغة من أية حيوية متدفقه) عبارته تقوي ترجيحنا أن الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو أقرب إلى أهل المعرفة والتصوف، يرى أن (الإيمان تجربة ذاتية تنبعث في داخل الانسان، إنّه صيرورة تتحقّق بها الروح وتتكامل، ونمط وجود يرتوي به الظمأ الانطولوجي للكائن البشري.)

 كلام سليم للدكتور الرفاعي فبمقدار تحقق الايمان في نفس الانسان تتحق وظيفة العقل، فالعلاقة تكاملية، في حالة عدم تحقق الايمان، واختلال العلاقة بين القلب والروح من جهة، والعقل من جهة أخرى، يتحول العقل حينئذ إلى مجرد وعاء لتكديس وتخزين المعلومات والمفاهيم.

 استوحي من كلام الدكتور عبد الجبار الرفاعي أن ألايمان أولا ثم العقل، لكن أرى أن العكس هو الصحيح، أن باب دخول إلايمان إلى حاضنته (القلب) هو العقل. والدليل أن المجنون وفاقد العقل قلبه فارغ من الإيمان، لأن بوابة دخول اشعاع الايمان معطّلة؛ فالعقل أول من يفكر بقدرات الله تعالى وبخلقه ونظمه وسنَنِه في الكون والانسان وجميع المخلوقات، فتزداد الطاعة والخشوع والشعور في القلب نحو الله الخالق العظيم. مفتاح دخول الايمان الى القلب هو العقل، والقلب هو حاضنة للإيمان، الإيمان شعور موطنه القلب تختلف قوته وسعته في القلب من شخص لآخر حسب قوة ورسوخ الإيمان، فيزداد هذا الضوء إشعاعا أو ضعفا وقد يزول الاشعاع، وفقا لنشاط العقل، فهو باب دخول إشعاع الإيمان الى القلب.

 الدكتور عبد الجبار الرفاعي جعل العقل متلقيا من القلب، وفي تقديري العقل المفكّر هو باب دخول الإيمان إلى القلب، نعم طبيعة التفكير والأفكار التي تجول في العقل لها دور في تحديد مسار الإيمان، فصاحب العقل قد يكون مؤمنا وقد يكون غير مؤمن، وقد يكون ملحدا، العقل هو مصدر انتاج الفكر المنتج لشعاع الإيمان لينتقل إلى القلب والروح.  يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي عن الإيمان،  (ص36):

 الإيمان من جنس الحالات، عبارة الدكتور الرفاعي صوفية أخذها عن ابن عربي كما صرح هو بذلك، وذكر المصدر الذي أخذ منه عبارة (قوالب الألفاظ والكلمات لا تتّسع لمعاني الحالات)(5) في حاشية كتابه، يعقب الدكتور الرفاعي على ذلك: (ولا يعني ذلك الدعوة لتصوف مقنّع)، عبارته توحي قربه من التصوف، لكن ليس تصوف الخلاص الفردي (التصوف المقنّع) الذي يؤول إلى العزلة والانفصال عن المجتع كما يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي. بل هو التصوف الذي يقترب من الآخر. أي التصوف الاجتماعي، هذا ما افهم من كلام الدكتور الرفاعي.

 أكّد الدكتور عبد الجبار الرفاعي في كتابه على النموذج الانساني في التغيير بقوله (ص10): (لا قيمة لأفكار تتصل بالدين لا صلة لها بمثال بشري مجسّد، في القرآن الكريم وغيره من الكتب المقدسة يقترن الإيمان دائما بأمثلة بشرية مجسّدة للأنبياء ومن يؤمن بهم). كلام صحيح يتوائم مع نظرية القرآن في التغيير. في تقديري أنّ كتابه جدير بالقراءة المتأنية من قبل الجيل الجديد خاصة، ليكون خير واق لهم من الوقوع في الأطر الفكرية الدينية النسقية، التي تؤخذ بالانسان ليرسم صورة عن الدين من خلال رؤى تأريخية تحمل صفة القداسة، مهمتها منع الاختراق الفكري المتنور المؤطر بالإيمان، الذي يراعي تطور الانسان في المجالات الحياتية المختلفة. كتابه دعوة ليسير الدين في مساره وسياقه الطبيعي، وعدم استعمال الدين خارج هذا السياق، في رأيه توظيف الدين يبعده عن غاياته ومقاصده.

 أرى سؤالا يطرح نفسه، هل الدعوة إلى الإسلام السياسي نوع من توظيف الدين خارج المسار الطبيعي؟

لم يصرّح المفكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي بذلك، لكنّ استوحي أنه يعدّه توظيف خارج السياق؛ الذي يؤول إلى مصادرة اتجاه من الثلاثية على حساب اتجاه آخر وقد يؤدي إلى الإخلال في مسار الاتجاهات الثلاثة (الروح والقلب، والعقل)، وربما تفقد الثلاثية إطار الإيمان الذي يجب أن تتأطر به. يدعو لتسير المسارات الثلاثة معا لتحقيق الهدف والغرض من الدين، يقول عن اطروحته الفكرية في كتابه (ص11): (فلم يحذف أحدهما، ولم يختزلها كلّها بأحدها الناس حيارى بين من يتبنى العقل بلا قلب وروح، ومن يتبنى القلب والروح بلا عقل.) أرى اطروحته الفكرية ليست تنظيرا بعيدا عن الواقع، بل هي متبناة في الميدان الاجتماعي للمسلمين، من قبل النماذج البشرية القدوة، وقد أشار الدكتور عبد الجبار الرفاعي إلى ذلك (ص10) في كتابه، من خلال النموذج البشري الذي ذكره الله تعالى في القرآن الكريم لشخصية الانبياء ومن آمن بهم.

يرى التقولب في أطر محددة لتفسير الدين تنشأ بمرور الزمن تبعا لتمثلات الدين في حياة الإنسان، ويضيف (ص11) هذه التمثلات تفرضها حاجة الانسان وثقافته المحلية، وهي لا تعبر بالضرورة عن جوهر الدين، يرى أن النص الديني قد يكون أسير إسلام التأريخ ويعني بإسلام التأريخ الشروح والتأويلات للنص التي تتراكم بمرور الزمان، لا يؤيد أن يكون النص أسير هذه الشروح والتأويلات، التي غالبا ما تتحول إلى مقدسات، ومفسّرها مقدسا لا يخضع للنقاش والمسائلة في أفكاره.

 عندما يتكلم الدكتور عبد الجبار الرفاعي عن الدين إنما يعني في تقديري جميع الاديان السماوية؛ وعندما يتحدث عن تأريخية النص، يعني مفسّري النص في مرحلة تأريخية معينة، ولم يبين لنا دور عامل مهم في رسم صورة الدين، هو العامل السياسي والسلطة القائمة ودورها في رسم صورة ومسيرة الدين، أكّد المؤرخون وعلماء الاجتماع أن للحاكم دورا مهما في تحديد مسارات الدين ورسم صورته، من خلال طبقة من الفقهاء تحيط بالسلطة، لا يمكن إغفال العامل السياسي ودوره في تحديد مسارات الثلاثية، (القلب والروح والعقل)، التعامل سياسيا مع هذه الثلاثية التي أكّد أهميتها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وأكد متانة الرابطة بينها وبين الإيمان؛ التعامل معها كان يجري وفق مصلحة السلطان.

 لابد من الإقرار أن بعض الأشخاص أو المجموعات من الناس البعيدون عن السلطة، يرسمون مساراتهم وفق رؤاهم الخاصة، فلا تستطيع السلطة أن تؤثر في مساراتهم، لكن من تشخصه السلطة من هؤلاء يصبح عدوا لها، أرى أنّ اتجاه السلطة الديني هو الغالب والسائد منذ العصر الأموي والعباسي حتى يومنا هذا، من هنا تدخل الأيدولوجية الدينية وسيلة دفاع عن المسارات الدينية المعارضة. 

أرى أنّ ثلاثية القلب، الروح، العقل، ليست اطروحة عصرية بل هي تأريخية، فقد سارت مع بزوغ فجر الاسلام، ويوجد في التأريخ مَنْ مثّل الثلاثية خير تمثيل، نبي الاسلام محمد (ص)، والأئمة الأطهار من بعده، الذين مثّلوا الاسلام نموذجا وقدوة في الحياة، ومن سار على نهجهم من العلماء والمحبين والتابعين، لكن وجود القدوة لم يمنع فقهاء السلطان من خلط المسارات، أو مصادرة بعضها أو الغائه، ومن يتابع التأريخ لا يجد صعوبة في التشخيص، تدخلات السلطة سببت عدم التوازن في مسيرة الثلاثية، فاختّل ميزان الايمان الذي يجمع المسارات الثلاثة.                  

 يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي (ص11): (موقف (داعية العقل) قد يفضي إلى موت الروح وانطفاء نور القلب، وموقف (داعية الروح والقلب) غالبا ما يفضي إلى الغرق في الخرافة والضياع في الوهم، ومحو الحدود بين الله من جهة، وبين الآلهة الزائفة وتقديس ما لا يستحق التقديس من جهة أخرى.)

كلام صحيح وسليم، نستوحي منه دعوته للاهتمام بالعقل والقلب والروح، وعدم تحييد أو مصادرة اتجاه على حساب اتجاه آخر، دعوة لإظهار الاسلام بصورته النقية الواضحة، بعيدا عن الاتجاهات الفكرية الفلسفية والكلامية التي ترتبط بالعقل فحسب، أو الصوفية والعرفانية التي ترتبط بالقلب والروح فقط، الدين السليم هو من يبني الإيمان الذي يوجه المسارات الثلاثة وفق النموذج الحي في المجتمع، وقد أكّد القرآن حقيقة أن التغيير الاجتماعي يبدأ من الذات لينطلق إلى الآخر، بآلية التغيير وفق النموذج والقدوة في قوله تعالى:

 (إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم)(6 )

أرى الدكتور الرفاعي يدعو ليأخذ العقل دوره في كل مرحلة زمنية، وأن لا يكون العقل أسير الإطروحات العقلية التأريخية، فلكل مرحلة زمنية حاجاتها. يرى أن العقل عندما لا يكون فعّالا، يصبح أسير الاطروحات العقلية التأريخية التي قد لا تناسب العصر الذي نعيش فيه، وهذه حقيقة فلكل عصر حاجته ومفاهيمه ضمن دائرة الايمان، أستوحي من كلامه أنه لا يدعو لانطلاق العقل وحريته بعيدا عن مسار الايمان الروحي والقلبي، فالدين المتكامل يرتكز على ثلاث ركائز متوازية هي القلب، الروح، العقل، الإخلال في مسيرة الثلاثية يولد التشويه. هذه رؤيته ونظريته عن الدين، أرى أنّها رؤية سليمة تدعو للمحافظة على الدين الحي النقي.

يرى الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنّ تبنّي مسار العقل فقط يذهب بنا الى الاتجاه الفلسفي الكلامي، حيث تنشأ مشكلة الأدلجة بعيدا عن الإيمان والروح والقلب. والاتجاه الى الروح والقلب فحسب يقود إلى العزلة وإظهار الدين منغلقا قاصرا عن تلبية حاجات الانسان والمجتمع الحياتية والفكرية؛ فنشأت المذاهب الصوفية الفردانية بمساراتها المختلفة واطروحاتها بعيدا عن العقل والواقع في الغالب، ولا يؤيد الدكتور الرفاعي الاتجاه الصوفي الذي سمّاه الفرداني.

 أرى أنّ عزل العقل أو تجميده وتحييده أنتج التكفير الذي نعيش آثاره السيئة اليوم. وقد أشرّ الدكتور الرفاعي على هذا الخلل في كتابه عندما يقول في المقدمة (ص11): معظم الكلام في الدين غامض تختلط فيه المسارات؛ كلام صحيح، هذا الاختلاط سببه أهمال العقل على حساب القلب والروح أو العكس.

 في تقديري ليس العامل الشخصي أو الاجتماعي فحسب مَنْ يربك المسارت الثلاثة  بل للعامل السياسي والسلطوي الدور الأكبر في هذا الانحراف والتشوية، عندما يدفع باتجاه أو مسار معين على حساب المسارات الأخرى، والهدف السلطوي إنتاج الإرباك في العلاقة بين ثلاثية (القلب، الروح، العقل)، لتحقيق هدف السلطة في تخدير الجماهير وتطويعها خدمة للسلطان، والذي يتولى هذه المهمة وعّاظ السلطة.

  أتوافق مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي في موقفه من ثلاثية العقل والروح والقلب، بأن تسير الثلاثية في سفينة الإيمان، متجسدة بالقدوة الحسنة. ولا أتوافق معه عندما يقول (ص11) أنّ سبب الإخلال في مسارات الثلاثية هو فقط (تقاليدنا وعادتنا وثقافتنا.). بل ذهب إلى أنّ (سرّ فشل دولنا وهشاشة مجتمعاتنا) هو التقاليد والعادات والثقافة السائدة.

لا اتوافق معه في هذا المحور لأن السلطة القائمة ليست نتيجة للإخلال في المسارات، بل هي سبب وعامل مساهم في هذا الإخلال، إضافة إلى العوامل التي ذكرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي في تشويه الدين وخلق الدين البديل، السلطة من خلال أدواتها عامل رئيس في اللعب بمسارات ثلاثية القلب والروح والعقل.

 السلطة الظالمة عامل مؤسس للانحراف، وإشاعة ثقافة الانحراف في مسارات  الثلاثية، وتأثيرها أكبر من تأثير العادات والتقاليد، والثقافة السائدة قد تكون ثقافة السلطة، أرى ثقافة السلطة سبب رئيس في خلط هذه المسارات، بتغليب الدين الذي يخدم السلطان ويطوّع الجماهير لمصلحة السلطة القائمة، من خلال التصرف والتحكم في ثلاثية العقل والروح والقلب، وتسويقها بالشكل الذي يخدم السلطة القائمة، ولفقهاء السلطة اليد الطولى في نشر الثقافة التي تخدم السلطان، وهؤلاء الفقهاء أشار إليهم الدكتور علي الوردي في كتابه (وعاظ السلاطين).

الشعوب ضحية ثقافة السلطة، وثلاثية القلب والروح والعقل، بضاعة السلطة التي يسوقون فيها ثقافتهم، من خلال أدواتهم فقهاء السلطان؛ فانحرف الدين عن مساره الطبيعي، من خلال الحلف الشيطاني بين الحاكم الجائر والفقية المرتزق، ففقدنا النموذج الحي الذي يقتدي به الآخرون؛ الحلف الشيطاني بين الفقيه والسلطان، ليس خاصا بعالمنا الإسلامي، بل هو في جميع المجتمعات المسيحية واليهودية.

من مجمل هذه العوامل حصل الانحراف في ثلاثية الروح والقلب والعقل. ففقدنا النموذج المثال، والضحية الجماهير المظلومة، التي استلمت دينا غير الدين الذي يريده الله تعالى. دين الله هو دين المحبة والسلام والانسانية ومقاومة الظلم.

أخيرا تقديرنا الكبير للمفكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي، ونأمل أن نلتقي معه في مقالات أخرى، من خلال قراءة كتبه القيّمة، لنستفيد من فكره وتجربته.

 

علي جابر الفتلاوي

....................

المصادر:

(1): ar.wikipedia.org.

(2): مقابلة مع قناة العراقية الفضائية، 30/ 12/ 2017م.

(3): معجم المعاني الجامع، almaany.com.

(4): بكري علاء الدين، سوسن البيطار، موقع المكتبة العامة، maktaba.- amma.com.

(5): ابن عربي، محي الدين، تنزل الاملاك من عالم الارواح إلى عالم الافلاك، تحقيق: طه عبد الباقي وزكي عطية، دار الفكر العربي، بيروت، ط1، 1961م، ص116. 

(6): الرعد: 11 .

 

 

799 سرمكوأسرار المليون وثيقة الخطيرة التي سرّبها" للباحث د. حسين سرمك حسن

صدر هذا الأسبوع كتاب جديد عن دار ضفاف عنوانه "إدوارد سنودن أشهر مُطارَد سياسي في العالم وأسرار المليون وثيقة الخطيرة التي سرّبها" (307 صفحات) من ترجمة وإعداد الباحث الدكتور حسين سرمك حسن.

جاء في مقدّمة الكتاب:

(في يوم 6 يونيو / حزيران 2013 نشر الصحفي "غلين غرينوالد" مقالة في صحفة الجارديان البريطانية كشف فيها عن أن وكالة الأمن القومي الأمريكية National Security Agency أو (NSA) تقوم بجمع السجلات الهاتفية لملايين من مستخدمي الإنترنت. وفي 7 يونيو / حزيران ذكرت صحيفة الجارديان وصحيفة واشنطن بوست أن NSA تدخل إلى أنظمة عمالقة الإنترنت في الولايات المتحدة بما في ذلك غوغل وفيسبوك، وتجمع البيانات في إطار برنامج مراقبة لم يُكشف عنه سابقًا يُدعى Prism. يسمح البرنامج للمسؤولين بجمع المواد بما في ذلك رسائل البريد الإلكتروني والدردشات المباشرة وتواريخ البحث.

وقد تزلزلت الارض السياسية العالمية بعد ذلك حين أعلن شاب أمريكي لا يزيد عمره على الثلاثين عاماً آنذاك بأنّه هو مَنْ قام بتسريب المعلومات الاستخبارية وبأنّ في جعبته الملايين من الوثائق (1.5 مليون وثيقة حسب بعض التقديرات) التي تؤكّد تجسّس وكالة الأمن القومي الأمريكية وحليفتها وكالة الاستخبارات البريطانية GCHQ على كل شىء في الكرة الأرضية بما في ذلك التجسّس على اجتماعات واتصالات أقرب حلفائهما مثل الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية، بل بلغت الأمور حدّاً من السوء أنّ العاملين في الوكالة كانوا يتجسّسون ويصوّرون حتى تصرّفات زوجاتهم وحبيباتهم!!

أعلن هذا الشاب وهو "إدوارد سنودن" (29 عاماً) ذلك من هونغ كونغ التي فرّ إليها من قاعدة للمخابرات الأمريكية كان يعمل فيها في هاواي. ثم اختفى بعدها عن الأنظار حيث قامت بإيوائه عوائل فقيرة طلبت اللجوء في هونغ كونغ هرباً من وطأة الاضطهاد والاغتصاب في أوطانها الأصلية. تصاعدت إجراءات الحكومة الأمريكية للعثور عليه واعتقاله فأسقطت جوازه وأحالته إلى المحاكم واتهمته بالخيانة وتوعّدته بأقسى العقوبات وطالبت بتسليمه ومنعت دول العالم من منحه اللجوء الذي حصل عليه أخيراً من روسيا. وفي خضم هذا السعي المسعور لاستعادة هذا الشاب سحقت الدول الأوروبية التي تتبجح باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان كل المواثيق الدولية كما حصل – على سبيل المثال لا الحصر – في غلق حكومات أربع دول أوروبية هي: فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال، مجالها الجوي أمام طائرة الرئيس البوليفي إيفو موراليس ومنعها من التزوّد بالوقود ثم تحويل مسارها قسرياً بسبب نقص الوقود إلى النمسا وسط شكوك في أن السيد سنودن على متن الطائرة دون مراعاة أن الطائرة يمكن أن تسقط!!. ومن الجدير بالذكر أنّه منذ عام 1945، لم تمنع أي دولة في العالم طائرة رئاسية من التحليق فوق أراضيها. وكمثال على ذلك أيضاً قامت السلطات البريطانية باحتجاز شريك السيد غرينوالد، ديفيد ميراندا، لمدة يومين (19 و 20 أغسطس / آب) بموجب قوانين الإرهاب في مطار هيثرو بلندن لمدة تسع ساعات وهو في طريقه إلى ريو دي جانيرو. ويُقال إن المواطن البرازيلي صودر هاتفه المحمول، وحاسوبه المحمول، وأقراص الفيديو الرقمية وغيرها من المواد التي تم ضبطها. لم يقدّم سياسيو المملكة المتحدة أي تفسير للرأي العام لهذا التصرّف. كما نفت الولايات المتحدة تورّطها لكنها اعترفت بأنها حصلت على "ترحيب" من المسؤولين البريطانيين بشأن الاحتجاز!! ولكن ما هو أبشع وأكثر قسوة من هذا كلّه هو معاقبة هونغ كونغ – بضغط من الدول الغربية طبعاً – اللاجئين الذين قاموا بإخفاء سنودن برفض طلبات لجوئهم وإعادتهم إلى البلدان التي هربوا منها برغم احتمال مواجهتهم التعذيب وحتى القتل).

800 سرنك

ضمّت محتويات الكتاب – بعد المقدّمة - الأقسام والفصول التالية:

القسم الأول: مَنْ هو إدوارد سنودن؟

(1) من هو إدوار سنودن ؟

(2) إدوارد سنودن: الخط الزمني

القسم الثاني: كيف هرب إدوارد سنودن من هونغ كونغ وما الذي حصل لعائلات اللاجئين الفقيرة التي أخفته؟

(3) كيف هرب إدوارد سنودن من هونغ كونغ إلى روسيا؟

(4) بعد هرب إدوارد سنودن من الولايات المتحدة، احتضنه طالبو اللجوء في هونغ كونغ

(5) تمّ التخلّي عن "الملائكة الحارسين" لإدوارد سنودن في هونغ كونغ من قبل العالم

(6) هونج كونج ترفض طلبات اللجوء من "الملائكة الحارسين" لإدوارد سنودن

القسم الثالث: ما هي الوثائق الخطيرة التي سرّبها سنودن ؟ وما هي الحقائق المرعبة التي كشفتها ؟

(7) تمهيد: موظف سابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، يطلق صافرة على نظام المراقبة الشامل Dragnet لوكالة الأمن القومي

(8) إدوارد سنودن: قاموس المراقبة

(9) الكشوفات العشر الأضخم من تسريبات إدوارد سنودن

(10) هذا هو كل شيء كشف عنه إدوارد سنودن في عام واحد من التسريبات السرّية غير المسبوقة وبالتواريخ

(11) البي بي سي: إدوارد سنودن والتسريبات التي كشفت برنامج التجسس الأمريكي

القسم الرابع: فضائح ترتّبت على كشوفات سنودن الخطيرة

(12) الحكومة الأمريكية تتجسّس على الأمريكيين - الحكومة الأمريكية مُتهمة بالتجسس على مواطنين بأبراج وهمية لجمع بيانات الهاتف

(13) وزارة العدل الأمريكية تراجع استخدام أجهزة stingrays، ومعدات المراقبة الأخرى

(14) كشف: كيف هزمت وكالات التجسس في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة الخصوصية والأمن على الإنترنت (تحطيم برامج التشفير)

(15) "شرطة كارما"، كيف حاولت وكالة الاستخبارات البريطانية GCHQ تعقّب كلّ مستخدم مرئي على الإنترنت

(16) ما هي وسائل وكالة الاستخبارات البريطانية الأخرى في التجسّس على بيانات مُستخدمي الإنترنت

(17) لوفينت LOVEINT

(18) (أ) الشيء الأكثر رعبا عن تجسّس محلّلي NSA على حبيباتهم هو كيف تم كشفهم

(ب) حالات فاضحة من إساءة استخدام موظفي الحكومة الأمريكية لقواعد البيانات للتجسس على الأميركيين

القسم الخامس: نظام إيشلون يعني تجسّس وكالة الأمن القومي على كلّ الكرة الأرضية

(19) (أ‌) ما هو نظام "إيشلون"؟

(ب‌) وكالة الأمن القومي واستراق السمع على الكرة الأرضية

القسم السادس: ملاحق

(20) ملحق (1): "قانون باتريوت" بناء الديكتاتورية في الولايات المتحدة

(21) ملحق (2): (أ‌)عشرة أشياء ربما كنتَ لا تعرفها عن الوكالة التي تتجسّس عليك

(ب)هذا هو مرفق 2 مليار دولار حيث تخزن وكالة الأمن القومي NSA اتصالاتك وتحلّلها

(22) ملحق (3): سؤال وجواب: ما هو برنامج المراقبة عبر الإنترنت Prism لوكالة الأمن القومي

(23) ملحق (4): 25 حقيقة حول قضية إيفو موراليس / إدوارد سنودن

القسم السابع: كشوفات سنودن كاملة

(24) كشوفات سنودن كاملة.

 

محرّر دار ضفاف:

 

عبد الجبار الرفاعيقدّم بعضُ تلامذة الخولي في جماعة "الأمناء" كتاباتٍ شديدةَ الإثارة، فقد ترسّم نهجَ الخولي في التفسير من مدرسة الأمناء محمدُ أحمد خلف الله في كتابه "الفن القصصي في القرآن الكريم"، وكان هذا الكتابُ من أبرز عناوين الضجة لجماعة الأمناء. ومن الجيل التالي لجماعة "الأمناء" كتب نصر حامد أبوزيد "مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن"، وحاول فيه كما يقول: "إعادة ربط الدراسات القرآنية، بمجال الدراسات الأدبية والنقدية، بعد أن انفصلت عنها في الوعي الحديث والمعاصر، نتيجة لعوامل كثيرة، أدت إلى الفصل بين التراث وبين مناهج الدرس العلمي"[1]. وصار كلٌّ من الكتابين مثارًا للجدلِ واتهامِ صاحبه بالمروق، وتأليبِ الرأي العام ضدّ الكاتب والكتاب.

ثلاثةُ كتبٍ هي الأشدُّ إثارةً في الحياة الثقافية العربية في النصف الأول من القرن العشرين، أولُها: "الإسلام وأصول الحكم" الذي ألّفه الشيخُ علي عبدالرازق، وصدر سنة 1925، والثاني: "في الشعر الجاهلي"، الذي صدر سنة 1926 لطه حسين، والثالثُ: "الفن القصصي في القرآن الكريم". والكتابُ الأخيرُ أطروحةٌ قدّمها محمدُ أحمد خلف الله في العام 1947 لنيلِ شهادة الدكتوراه بإشراف أمين الخولي، لكن لجنةَ المناقشة رفضتْها، وحجبت الدكتوراه عن كاتبها.

يشرح محمد أحمد خلف الله منهجَه في دراسة القصص القرآني بقوله أن من الخطأ: "ﺩﺭﺍسة القصص القرﺁني كما تدرس الوثائق التاريخية، لا كما تدرس الـﻨﺼﻭﺹ الدينية ﻭالـﻨﺼﻭﺹ ﺍﻷدبية الـﺒﻠﻴﻐﺔ ﺃﻭ المعجزة... لاحظت ﺃﻥ القرﺁﻥ لم يقصد ﺇلـﻰ الـﺘﺎﺭيخ من حيث هو تاريخ، ﺇﻻ ﻓﻲ الـﻨـﺎﺩﺭ الذﻱ ﻻيحكم لـﻪ، ﻭﺃنه ﻋﻠﻰ العكس من ﺫلك عمد ﺇلـﻰ ﺇبهاﻡ مقومات التاريخ من زمان ومكان، ﻭمن ﻫﻨـﺎ تبينت ﺃﻥ القوﻡ قد عكسوﺍ الـﻘﻀﻴﺔ حين شغلوﺍ ﺃنفسهم بالبحث عن مقومات ﻭﻫﻲ غير مقصودة، ﻭﺃهملوا المقاصد الـﺤﻘﻴﻘﻴﺔ للقصص الـقرﺁني. ﻭلو أنهم شغلوا ﺃنفسهم بتلك المقاصد الـﺤﻘﺔ ﻷﺭاحوا ﺃنفسهم من ﻋﻨﺎﺀ كبير، ﻭﻷبرﺯﻭﺍ الجوانب الدينية ﻭﺍﻻجتماﻋﻴـﺔ من الـﻘﺼـص الـقرﺁني ﺇبرﺍﺯًا ملموساً يثير الـﻤﺸﺎﻋﺭ ﻭالـعوﺍطف، ﻭيؤثر ﻓﻲ الـﻌﻘﻭل ﻭالقلوب، وعند ذلك كانوﺍ يمكّنون للدين وقضاياﻩ، ﻭيسيرﻭﻥ ﻭهدﻯ القرﺁﻥ الـﻜﺭيم"[2]. ويحدّد خلفُ الله ما يرمي إليه بقوله: "ولقد قلت في الرسالة إن قصد القرآن من قصصه لم يكن إلا العبرة والعظة، وليس منه مطلقًا تعليم التاريخ أو شرح حقائقه. ومن المعروف دينيًا ألا نستنتج من نص قرآني أمرًا لم يقصد إليه القرآن"[3].

ويذهب خلف الله إلى أن القرآنَ الكريم انما يورد هذه القصصَ بوصفها أمثالا، كما نصّت على ذلك الآيةُ: "وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ"[4]. "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ"[5]. وفي محاولةٍ للتدليلِ على صحة موقفه ينقل خلفُ الله رأيًا للفخر الرازي يبين فيه أغراضَ القصص في سياق تفسيره للآيتين: "إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ"[6]. "وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ"[7]، فقد ذهب الرازي إلى أن: "القصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين، ويرشد إلى الحق، وأمر بطلب النجاة. أما الحق فهو إشارة الى البراهين الدالة على العدل والنبوة"[8].

تعرّض خلفُ الله وأطروحتُه إلى حملة عنيفة، كما أشار إلى ذلك توفيقُ الحكيم بقوله: "لقد طالب البعض بحرق الرسالة، على مرأى ومشهد من الأساتذة، وطلبة كلية الآداب، وطالب الآخرون بفصل الأستاذ خلف الله"[9]. وتعرّضت أطروحةُ خلف الله إلى حملةِ تحريضٍ واسعة، فقد وصفها بعضُ رجال الدين بأنّها: "أشدّ شناعة من وباء الكوليرا". وتناولها جمعٌ من الكتّاب في مصر بالنقد اللاذع. ونَقَدَها كبارُ العلماء مثل الشيخ محمد الخضر حسين، الذي نشر عنها مقالةً في إحدى المجلات، أشار فيها إلى التقرير الذي قدّمه أحمدُ أمين إلى لجنة المناقشة[10]. وكان يورد مقاطع من الرسالة وينقدها، فهو مثلًا ينقل هذا المقطع لخلف الله: "القصة هي العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تخيل القاص لحوادث وقعت من بطلٍ لا وجودَ له، أو لبطلٍ له وجود، ولكن الحوادث التي ألَمَّت به لم تقع أصلاً، أو وقعت ولكنها نظمت على أساس فني، إذ قدم بعضها وأخر بعضها، أو حذف بعضها وأضيف إلى الباقي بعض آخر، أو بولغ في تصويرها إلى حد يخرج بالشخصية التاريخية عن أن تكون حقيقيَّة إلى ما يجعلها في عداد الأشخاص الخيالية، وهذا قصدنا في هذا البحث من الدراسة القرآنية". ثم يردُ عليه الشيخ الخضر حسين بقوله: " هذا الذي يقوله الكاتب إنَّما ينطبق على القصص التي يقصد من تصنيفها إظهار البراعة في صناعة الإنشاء، أو في إجالة الخيال، أو بعث الارتياح والمتعة في نفوس القارئين؛ مثل مقامات بديع الزمان، أو مقامات الحريري، أو القصص التي تنشر اليوم في بعض الصحف السائرة، أما قصص القرآن فهي من كلام رب العزة، أوحى به إلى الرسول الأكرم؛ ليكون مأخذ عبرة، أو موضع قدوة، أو مَجلاة حكمة، وإيمان الناس بأنه صادر من ذلك المقام الأسنى يجعل له في قلوبهم مكانة محفوفة بالإجلال، ويمنعهم من أن يدرسوه كما تدرس تلك القصص الصادرة من نفوس بشرية تجعل أمامها أهدافًا خاصَّة، ثُمَّ لا تبالي أن تستمد ما تقوله من خيال غير صادق، أو تخرج من جِدٍّ إلى هزل، وتضع بجانب الحق باطلاً"[11].

وكان أحمدُ أمين كتب تقريرًا شديدًا ضدّ أطروحة خلف الله،كان التقريرُ تحريضيًا، يجامل المؤسّسةَ الدينية الرسمية، وينتاغم مع ذوقِ الجمهور. وكان لهذا التقرير أثرٌ كبيرٌ في رفض لجنة المناقشة للرسالة. بدأ أحمدُ أمين التقريرَ بقوله: "وقد وجدتُها رسالة ليست عادية؛ بل هي رسالة خطيرة، أساسها أنَّ القَصَص في القرآن عمل فني خاضع لما يخضع له الفن من خلق وابتكار، من غير التزام لصدق التاريخ، والواقع أنَّ محمدًا فنَّان بِهذا المعنى... وعلى هذا الأساس كتب كل الرسالة من أولها إلى آخرها"[12].

لم يشأ الشيخُ أمين الخولي التنصّلَ من اجتهاد تلميذه، ولم يتراجع، بل وقف بشهامةٍ يذود عن خلف الله ويثني على جهوده، بعد أن حجبوا لقبَ الدكتوراه عنه، ولم يتنازل مقابل أولئك الذين وصفهم بـ "الآثمين في هذا السبيل والغافلين المخدوعين"، ودعا أن يعفو اللهُ عنهم. إذ كتب في مقدّمة الطبعة الثالثة لكتاب "الفن القصصي في القرآن الكريم"، لتلميذه محمد أحمد خلف الله ما يلي: "أستطيع أن أقول إن رسالة الفن القصصي قد أدت تلك الضريبة في سنتي 1946 – 1948، وتقاضتها منها عامية فاسدة، في ظن من ظن لهم خطأ وخداعاً أنهم أصحاب وعي. واليوم صارت الرسالة ووجهتها كسبًا غنيًا، ووجهاً من الاعجاز القرآني عند أصحاب الدين والأدب. فإني أقول بالأصالة والنيابة: عفا الله عن جميع الآثمين في هذا السبيل والغافلين المخدوعين... وتحية لمؤلف الفن القصصي، الذي أشهد الله أنه كان في صدقه وصدره مثلاً من الشباب، إذ ذاك يطمئن به المستقبل". وكان إصرارُ أمين الخولي في الدفاع عن تلميذه حازمًا صلبًا عنيدًا، حتى أنه قال: "فلو لم يبق في مصر والشرق واحد يقول إنه حق، لقلت وحدي وأنا أُقذف في النار، إنه حق، لأبري ضميري"[13].

وكان طه حسين قد سبق خلفَ الله في كتابه "في الشعر الجاهلي" في الإشارةِ إلى أن القصصَ القرآني لم ترد في سياق الحديث عن التاريخ، عندما كتب: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين فى التوراة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخى"[14].

وقبل طه حسين تحدّث الشيخُ محمد عبده عن أغراض القصص القرآني فقال: "بينا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار، لا لبيان التاريخ، ولا لحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين، وأنه ليحكى من عقائدهم الحق والباطل، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب، ومن عاداتهم النافع والضار، لأجل الموعظة والاعتبار. فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة، ولا تتجاوز مواطن الهداية، ولا بد أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح"[15].

وتمسك بهذا الموقف خلفُ الله في جوابه عن الضجة التي أُثيرت حول رسالته، عندما كتب مقالةً في مجلة "الرسالة"، تحدّث فيها عن أنه لم يكن أولَ من تبنّى هذا الموقف، بل سبقه إليه الشيخُ محمد عبده كما ورد في تفسير المنار، إذ يكتب خلفُ الله: (على أن هذا القول قد قال به الأستاذ الإمام، وقد نقله عنه صاحب المنار فى مواطن كثيرة من كتابه فقد جاء فى الجزء التاسع، ص 374 طبع سنة 1342هـ ما يأتي: "إن الله تعالى أنزل القرآن هدى وموعظة، وجميع قصص الرسل فيه عبرة وتذكرة لا تاريخ شعوب ومدائن ولا تحقيق وقائع ومواقع". وجاء في الجزء الثاني ص 205 طبع سنة 1350هـ ما يأتي: "فإن قيل إن التاريخ من العلوم التي يسهل على البشر تدوينها والاستغناء بها عن الوحي فلماذا كثر سرد الأخبار التاريخية في القرآن وكانت في التوراة أكثر؟ والجواب ليس في القرآن شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار للأمم أو البلاد لمعرفة أحوالها، وإنما هي الآيات والعبر تجلت في سياق الوقائع بين الرسل وأقوامهم لبيان سنن الله تعالى فيهم إنذاراً للكافرين بما جاء به محمد وتثبيتًا لقلبه وقلوب المؤمنين به. وسترى ذلك في محله إن شاء الله تعالى. ولذلك لم تذكر قصة بترتيبها وتفاصيلها وإنما يذكر موضع العبرة فيها... هذه هي نظريتي في القصص وهي نظرية تعتمد على طريقة الخلف ومذهب الأستاذ الإمام)[16]. ولم يقبل عدةُ كتّاب ما نسبه خلفُ الله لمحمد عبده ورشيد رضا، واتهموه بالجهل وسوء الفهم[17].

في النصف الأول من القرن الماضي يدعو خلفُ الله إلى إعادةِ النظر في التعاطي مع لغة القرآن، وفقًا لمفهومه لـ "لغة الدين"، ويدعو لضرورةِ فهم القصص الورادة بلغة الدين في سياق المعنى الرمزي الذي تقرره هذه اللغة، لأنه يرى أن القصص في الكتب المقدسة لا ترد بوصفها تقريرًا لحوادث تاريخية. لغةُ الكتاب المقدس غرضُها المعنى الذي ترمز إليه القصة وهو الهداية، كما هو الغرضُ من ضرب الأمثال. إلا أن هذه الدعوةَ مازالت غيرَ مقبولةٍ حتى اليوم، ذلك أن أكثرَ الدراسات القرآنية أسيرةُ علومِ القرآن وقواعدِ التفسير التي أنتجها المفسرون في الماضي، ومفهومهم للغة الدين، المشتق من رؤيتِهم وقتئذ للعالَم، وعلومِ ومعارفِ عصرهم. ولم تنبثق هذه الدراساتُ من رؤيةٍ حديثةٍ للعالَم، ولم تنفتح على المكاسب الراهنة في علوم الإنسان والمجتمع، التي كان يشدّد على توظيفها أمينُ الخولي في الدراسات القرآنية.

كان كتابُ "الفن القصصي في القرآن الكريم" منعطفًا رائدًا في تطبيق مفهوم مختلف للغة الدين، وتوظيفها في الدراسات القرآنية والتفسير، لكن مازال الباحثون في هذا الحقلِ البالغِ الأهمية يحذرون الاقترابَ من ذلك، حتى بعضُ تلامذة الشيخ الخولي الذين كتبوا في الدراسات القرآنية والتفسير كانوا يتهيبون اقتحام هذا الدرب المخيف، فقد أخفقت تلميذة الخولي وزوجتُه عائشة عبدالرحمن في أن تسير على هذا النهج، فلبثت كتاباتها، في الدراسات القرآنية والتفسير، داخل أسوار الأفق التاريخي التكراري المغلَق للمفسرين، كما أشرنا لذلك فيما مضى.

لغةُ الدين هي حكايةٌ عن عوالم الغيب، مدلولاتُها تحكي موضوعاتٍ مفارقةً للمادة خارج عالمها الحسّي، إنها تنشد تمثّلَ المطلق في النسبي، وترجمةَ المحدود للامحدود، وتجليَ الإلهي في البشري، وحضورَ عالم الغيب في عالم الشهادة، وتجسيدَ المقدّس في الدنيوي، واستيعابَ اللامحسوس في المحسوس، واتساعَ ما هو مادي لما هو لا مادي، وتصويرَ ما لا صورة له، واستكناهَ ما لا يُكتنه، ورؤيةَ ما لا يُرى، ومعرفةَ الحواس بما لا يمكن التعرفُ عليه بها. إنها رؤيا عابرةٌ لرؤيةِ العين البصرية، ومعرفةٌ حدسيةٌ عابرةٌ للعقلِ وطرائقِه ومحاججاتِه، وضربٌ من الصلةِ الأنطولوجيةِ التي يتجلّى فيها الغيبُ بصورة يستطيع معها أن يتذوقه من يؤمن به، إذ يتمكّن من خلال هذه اللغة أن يحقّق شكلًا من الاتصالِ بعوالمه.

لغةُ الدين تتكشّف بها مراتبُ أعمق من الوجود لا تتكشّف للإنسان باللغة العادية. وتشير الى معانٍ متعاليةٍ على الواقع المادّي المحسوس الذي يعيشه الإنسان، تضيق بها اللغةُ العادية. لغةُ الدين هي اللغةُ الوحيدةُ القادرةُ على التعبير عن حقائقَ العالم الأخرى بنحو تعجز فيه كلُّ أشكالِ اللغة الأخرى عن التعبير عنها. لا تنشد لغةُ الدين التطابقَ بين الدالِ والمدلول، وبين اللفظِ والمعنى، لضيقِ الدالّ وقصورِه، إذ يفتقر اللفظُ لأن يتسعَ لما لا يمكنه الاتساعُ له، ويستوعبَ ما لا يمكنه استيعابُه، ويتمثّلَ ما لا يمكنه تمثّله، ويفشلُ في نقلِ ما يضيق به ظرفُه، واحتضانِ ما يعجز عن استيعابِه.

لغةُ الدين ضربٌ من الترجمةِ لإشاراتِ الغيبِ ورموزِه، ومحاولةُ رسمِ صورةٍ عنه في قوالب لغتنا البشرية، وتجلٍّ لكلمةِ الله من خلال كلماتِ البشر. والترجمةُ لا تطابق الأصل، ولا تعكس صورتَه كما هي، ولا تكشف كلَّ ملامحِه، إنها توميءُ إليه، وتشيرُ إلى شيءٍ من ملامحِه.

لغةُ الدين يتنزّلُ بها المعنى من نشأةٍ أعلى إلى نشأةٍ أدنى، ذلك أن اللغةَ البشريةَ من شؤونِ العالم المادي، وليستْ من شؤونِ عوالمِ الغيب، وظرفُها لا يتسع لمعاني تلك العوالم، وإن السعةَ الوجوديةَ للغيب يضيقُ بها كلُّ ما ينتمي للعالم المادي. إن هذه اللغةَ لا يتجلّى فيها المعنى إلّا بكيفيةٍ تماثل حقيقتَها البشرية، وهو نحوُ تنزّلٍ على شاكلتها[18].

في ختام حديثنا عن الشيخ أمين الخولي وجدنا أجملَ من يرسم صورةَ أمين الخولي "الإنسان" هي تلميذتُه وزوجتُه عائشةُ عبدالرحمن المعروفةُ ببنت الشاطئ، في الشهادة التي كتبتْها لإهداء كتابها "القرآن وقضايا الإنسان" إليه، إذ تقول:

"إلى أمين الخولي الإنسان... صحبتُه في رحلة الحياة فتجلّت لي فيه وبه، آيةُ الإنسان بكل عظمته وشموخه وكبريائه، وجبروت عقله، ومرهف حسه، وعزة ضميره.

ثم مضى... فعرفتُ منه وفيه، مأساة الإنسان، بكل هوانه، وضعف حيلته، وقصور طاقته.

وفيما بين حياته وموته، أرهف إحساسي بقصة الإنسان من المبدأ إلى المنتهى.

عائشة. مارس 1969 – المحرم 1389 "[19].

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..........................

[1] نصر حامد أبوزيد. مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن. القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، ط1، 1990، ص 21.

[2] محمد أحمد خلف الله. الفن القصصي في القرآن الكريم. شرح وتعليق: خليل عبدالكريم. بيروت: الانتشار العربي، 1999، مقدمة المؤلف.

[3] مجلة الرسالة، العدد 743، "حول جدل في الجامعة"، الصادرة بتاريخ: 29 - 09 – 1947.

[4] يس، 13.

[5] التحريم، 10.

[6] آل عمران، 62.

[7] هود، 120.

[8] محمد أحمد خلف الله. الفن القصصي في القرآن الكريم. ص 24.

[9] توفيق الحكيم. يقظة الفكر. القاهرة: مكتبة الآداب، 1986، ص 10 – 11.

[10] مجلة "الهداية الإسلامية" الجزآن 7-8، المجلد 20، محرم وصفر1367، والجزآن 1-2، المجلد 21، رجب وشعبان عام 1367هـ.

[11] المصدر السابق.

[12] المصدر السابق.

[13] الفن القصصي في القرآن الكريم. شرح وتعليق: خليل عبدالكريم. بيروت: الانتشار العربي، 1999، ص 7.

[14] طه حسين، في الشعر الجاهلي، القاهرة، طبعة 1، ص 26.

[15] الفن القصصي في القرآن الكريم. شرح وتعليق: خليل عبدالكريم. ص 28.

[16] محمد أحمد خلف الله، "حول جدل في الجامعة"، مجلة الرسالة، العدد 743، الصادر بتاريخ: 29 - 9 – 1947.

[17] عبد الفتاح بدوي، "حول جدل في الجامعة"، مجلة الرسالة، العدد 749، الصادربتاريخ: 10 - 11 – 1947. والعدد 751 الصادربتاريخ: 24 - 11 – 1947.

[18] الرفاعي، عبدالجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، بيروت، دار التنوير – بغداد، مركز دراسات فلسفة الدين، ط2، 2019، ص 220-222.

[19] عبدالرحمن، عائشة، القرآن وقضايا الإنسان، القاهرة، دار المعارف، ص 11.

 

 

798 مزاراتموسوعة المزارات الشيعية في العراق / محافظة بابل إنموذجاً

صدر عن الأمانة العامة للمزارات الشيعية (موسوعة المزارات الشيعية في العراق/ محافظة بابل)، وأطلعت عليها بالاستعارة وهي مؤلفة من ستة أجزاء، طبعت في دار الكفيل للطباعة والنشر في كربلاء المقدسة/ 2018م، بطباعة جميلة وفاخرة وبجودة عالية، وفرحت كثيراً بها، لكن سرعان ما تبددت فرحتي، وكنتُ آمل أن أرى ويرى الآخرون شيئاً جديداً يسر الباحث المتمعن لكن للأسف لم نلمس ذلك، وقبل أن ندخل في ثنايا الموسوعة لا بد للقارئ أن يطلع على أوليات وبنية المركز الذي حرر هذه الموسوعة.

فالمركز أُسس سنة 2015م أتخذ من قرية (المزيدية) (25 كم جنوب مدينة الحلة) مقراً له ليكون بعيداً عن الاضواء لأسباب لا يعرفها إلا من لديه ... !!!، وهذا مما يثير الريبة، فقد تعودنا أن تكون هكذا مراكز في قلب المدن المهمة لا في القرى النائية، يرأسه رجل دين معمم مستقر في مدينة قم الايرانية هو بالأصل من اهل تلك القرية، وكادره اربعة اشخاص أو يزيد حسب علمنا وجميعهم من أقارب ذلك الرجل المشرف!!!!!، وطرق سمعنا قبل أربع سنين بفكرة تأسيس المركز وكنا نأمل أن يختلف عن بقية الاصدارات، وفعلا اختلف!!، حتى أن الأستاذ عباس شمس الدين صاحب كتاب (المزارات المزيفة) قد يعتريه فرحاً كبيراً لما في الموسوعة من تباين.

 فقد كُتبت الموسوعة بجو لا يخلوا من المحاباة والتزلف وفق السياسة العامة للبلد التي سعت وتسعى الى تبديد الأموال بنتاجات أقل ما يقال عنها انها ركيكة، ومن وجهة نظرنا أن موضوع المزارات قد اشبع بحثاً وتنقيباً وكتب فيه كبار علماء الأمة بدأً من الشيخ حرز الدين وصولاً الى المعاصرين، منهم : سعد الحداد وعبد الرضا عوض وثامر الخفاجي وعامر تاج الدين، وغيرهم ممن لا تحضرني اسمائهم، من ذلك لم يعد فيها أمراً خافياً على المتتبع. ولهذا نأى العديد من الباحثين في المشاركة في هذا العمل حين تمت دعوتهم للكتابة، لأن عدوى استحداث المراقد قد استفحلت هذه الأيام حتى ان مدينة الحلة لوحدها ظهر فيها ستة مراقد جديدة، وفي نظرنا فإنَ الموسوعة كتبت لا للتوثيق العلمي الصحيح وإنما لمجاراة هوى العوام ومحاباة بعض السدنة، وإذا كان نتاج أكبر مؤسسة للتوثيق عند الطائفة الشيعية بهذا المستوى والقياس، فمن المؤكد يسوقنا الأمر الى التشكيك في عدم الدقة بالنسب والانتساب لكثير من الاعلام، وقد لا يتعدى الأمر عن أنه جانب ارتزاقي ..!!، لكن من المفروض أن لا يكون على حساب رموزنا الشيعية، ولأن الموضوع طويل ومتشعب فقد هالني ما رأيت في الموسوعة، وكما يلي :

- فقار الموسوعة كتبت من قبل باحثين مقابل ثمن لكل بحث، وجرت احتفالية في مزار الامام زيد بن علي (ع) قبل سنتين لهذا الغرض، كان على اللجنة أن تراجع الموضوعات لا أن تتركها على الغارب كما هي !، وإلا ما فائدة اللجنة وهي تتقاضى رواتب مجزية عن ذلك.؟ وما قيمة الموسوعة وهي تعج بالأخطاء.؟ فضلاً عن (الحشو) والسرد التاريخي الذي لا مبرر له كما في بحث العلماء الاربعة (ج6، 36-70).

- الموسوعة كما ذكرنا مؤلفة من (6) أجزاء، وبمعدل (5-6) بحوث لكل جزء فيها، فقد دُونت فيها بحوثاً عن (30) مرقداً، وأهملت بقية المراقد، وعند استفسارنا عن البقية المهملة وما موقف المجتمع الحلي منها يأتي الجواب مبهماً وبما يتطابق مع جرد الشيخ شمس الدين لا بل هو نصرة له!!، وكأن الوارد في الموسوعة هو الخلاصة المنتقاة، والبقية مزيفة لأن إدارة الوقف الشيعي لم تعترف بها – على حد قولهم-..!!

- عند أول تصفحنا جاءت كلمة مذيلة باسم الأستاذ الدكتور نذير الحسني وهو يكرر عبارة (المشرف العلمي)، فيا هل ترى من هو المشرف العلمي!! الذي وضع خبرته في هذه الموسوعة ودقق محتواها، ان هذا الخبير ترك وصمة سلبية في سجل الوقف الشيعي..؟؟

- في المقدمة منح احدهم نفسه لقب (الأستاذ الدكتور)ج1 ص13، وهذا استهلال يثير التساؤل فهو فاتحة مدعاة الى التأمل والتروي في مصداقية عمل مهم طالما انتظره المختصون ليروا محتواه، فمن أين حصل على الاستاذية.!!

- جاء في ج2 ص33 : (وقال رئيس ....)، هذا خبر صحفي لا يتناسب مع توثيق المرقد، ثم من هو الرئيس حتى يثاب أو يدان، الكتابة هنا للتاريخ لا للتوثيق الصحفي الاعلامي الـ......!!

- ورد في ج2 ص61 السطر(12) (يعتقد) و(يقال) فالكتابة العلمية لا تحتمل تعبير (ويعتقد، ويقال)، و(يحتمل، واحتمال) فبهذه الكلمة يولد الشك وتبقى الفقرة ما قبلها وما بعدها مشكوك فيها وهذا لا يتناسب مع البحث العلمي، وغير موجود في اجندة الباحث في التاريخ، فكيف يكون مع موسوعة صرف عليها عشرات الملايين.

- ان من الغريب في التأليف أن يحشر أحد أعضاء تحرير الموسوعة في الجزء الأول فقط (17) من مؤلفاته ودون اكمال التوصيف وكأنه يخترع منهجية جديدة بعبارة (بحوزة المؤلف) وهذا أمر غير متداول في منهجية البحث العلمي متجاهلاً دار النشر ان وجدت، فبعض منها غير موجود اساساً وبعص منها طبع في دور نشر ومسجل برقم ايداع قانوني منذ عام 2013م مثل كتاب (تذكرة الظاعن في آل مطاعن)، وهذا العمل انفراد ينم عن جهل بطرق الكتابة العلمية...

- تفتقد الموسوعة الى الدقة، فكما نعلم أن نتاج كهذا يمر في عدة مراحل، من تدقيق، ومراجعة، ومتابعة، فقد اشير في المتن الى المصدر لكننا لم نعثر عليه في قائمة المصادر، كما ورد ذلك في ترجمة الحسن بن عبيد الله (ع) ج2ص7 وص77. ودليل على عدم دقة الموسوعة تكرر في ج2ص291 وشحنت قائمة المصادر بتوصيفات لا أساس لها، فمثلاُ طباعة كتاب المراقد والمقامات لثامر الخفاجي نسب لمكتبة الصادق، والصحيح هو ان الكتاب طبع في مشهد (الأستانة الرضوية).

- في ج1 ص159 هناك اربعة احتمالات لهذا المرقد (أحمد بن الكاظم) بين مدن (شيراز، بلخ، وآسفريين، والحلة)، والحلة غير موجودة في ذلك الزمان. وقد تكون الحقيقة لا هذه ولا تلك!!.

- أما موضوع (الإمام الحمزة الغربي (ع))، فقد استغرق البحث (65) صفحة في الجزء الثاني من الموسوعة من 42-103، وقد أشار الباحث الى كتاب (الصفوة المثلى في تاريخ أبي يعلى) الصادر عن مكتبة العلامة الحلي سنة 2013م، وعند رجوعنا الى الإحالات لم نجد شيئاً من هذا، كما هو مثبت في ج2 الموسوعة الصفحات (78،79،80،82) وهكذا، وإنما اختزلها من كتاب الدرة البهية في تاريخ المدحتية الصادر سنة 2006م دون الاشارة له.

- في موضوع السيد علي بن طاووس ج4 ص203، لم تحسم هيأة كتابة الموسوعة مكان المرقد فرجعت الى (المحتمل والاحتمال)، ومن تتبعنا فإن السيد علي بن طاووس توفي سنة 664هـ وليس كما ورد في الموسوعة 663هــ، وقبره في النجف الأشرف، والمرقد الموجود في الحلة هو لعلي بن علي بن طاووس، أي ابن المترجم له. وكان على الهيأة أن توضح ذلك للأمانة العلمية مبتعدة عن الخطأ الشائع..

- ورد في ج2ص241، ان مرقد السيدة (شريفة) هو لفاطمة بنت الحسن (ع)، وكأنه أمر مقطوع به !!، وورد في العمارة الثانية لسنة 1988 للمحسن (السيد كريم بن السيد حسين ابو الحب).

- في الجزء السادس جاء بحث استغرق الصفحات (36-85) بعنوان (العلماء الاربعة)، وهذا خطأ شاع بين العوام، فالمكان هو مدرسة يحيى بن سعيد الهذلي (ت589هـ) وعند وفاته دفن فيها وبمرور الايام اصبح جزء من المدرسة مقبرة ادركها المعمرون، واثناء الكشف عن المرقد سنة 1996 لا سنة 1994 كما ورد في الموسوعة لم توافق الحكومة آنذاك على تسمية المدرسة فسميت من قبل العامة هكذا، ثم ان البحث استغرق صفحات لا وجوب لها وانما جاء من باب (الحشو) منقول من بطون الكتب، ولا رابط له قطعاً، فنبارك للموسوعة والقائمين عليها في تكريس الخطأ..!!، وسؤالنا : اين دور الخبير العلمي الذي لوح به رئيس الموسوعة.؟

- المجتمع الحلي حريص على ان يجل مزاراته ومراقد علمائه، وسؤالنا ما هي فلسفة تجاهل اماكن مقدسة لعلماء اشتهروا في ترسيخ الفقه الامامي، امثال: محمد ابن ادريس (ت598هـ)، وإبراهيم بن سليمان القطيفي (ت951هـ) وعبد الكرين بن طاووس، وابن حماد، والخليعي، وابن فهد الاحسائي، وابن الحطاب، وغيرهم الكثير. أين هو البحث العلمي بموضوع المزارات؟ .

هذه بعض الاشارات السريعة لهذا العمل الذي لا يتناسب مع موسوعة صرف عليها مئات الملايين واستغرقت خمس سنين...

راجين من المشرفين على الموسوعة الاجابة عن استفساراتنا قبل نشرها على مواقع الصحف الورقية والالكترونية.

مع فائق الشكر والتقدير.....

 

نبيل الربيعي

 

795 اله امريكاتُصنَّف أمريكا على رأس قائمة البلدان الغربية التي لا يخضع فيها الدين للاحتكار أو الوصاية، من جانب أي مؤسسة ذات طابع قدسي أو روحي. حيث الدين هو شأن مدنيّ تَسِير أنشطته وِفق قوانين العرض والطلب وضمن ضوابط التنافس الحرّ، على حدّ توصيف علماء اجتماع سوسيولوجيا السوق الدينية، هذا التفرع العلمي الذي شهد تطورا مع كلّ من دارن شِرْكات وكريستوفر إلّيسون ورودناي ستارك ولورانس إياناكوني. وبفعل عدم خضوع الدين في أمريكا لأيّ شكل من أشكال المونوبول والوصاية، يحضر تنوّعٌ لافت في الساحة الاجتماعية للوكالات المروّجة له والمستثمرة فيه، سواء داخل الدين الواحد أو حتى داخل المذهب الواحد. بما يفوق ما عليه الحال في سائر البلدان الغربية الأخرى، التي ما فتئ حقل المقدّس فيها يخضع لكنائس محددة تنعم بمحاباة من الدولة، لا سيما في جنوب قارة أوروبا وشمالها.

كتاب فوريو كولومبو، الباحث والسياسي الإيطالي المهتم بالظواهر الدينية وتداخلها مع الشأن السياسي، الذي نتناوله بالعرض والتحليل، هو من صنف الكتابات التي تمزج في تناول ظواهر الدين بين منهجين، منهج علم الاجتماع الديني ومنهج العلوم السياسية. حيث يسعى الكاتب للإحاطة بتلك العلاقة المتداخلة بين المجالين، وهي علاقة متميزة جراء الطابع العلماني البارز لأمريكا، إلى جانب ما يتعرّض له الكتاب بشأن نشأة النِّحل الجديدة التي تحوم حولها أشكال مستجدة من التديّن، متتبِّعا ما لها من أنشطة مختلفة. وهو الأمر الذي جعل الدين أداة فاعلة في التأثير على العملية السياسية وفي توجيه الفعل السياسي.

صحيح أن الدستور الأمريكي، كما يورد فوريو كولومبو، قد أرسى فصلا صريحا بين الكنيسة والدولة، لكن الأمر ليس بتلك الصرامة بين الدين والسياسة. فلطالما تجلّت تلك العلاقة الوثيقة في شعارات على غرار "الرب يبارك أمريكا" و"في الله نثق" و"المسيح هو الحلّ" (Jesus is the answer). إذ يحضر تقليدٌ اجتماعيٌ ديني مميَّز يسود في أمريكا، يجد سندا له في ما يُعرف بمفهوم الدين المدني، ذلك الطرح الذي عرف منشأه مع جان جاك روسو في العقد الاجتماعي (1762) وبلغ عمق تطوره مع طروحات عالم الاجتماع روبرت بلاّه في كتابه: "الدين المدني في أمريكا" (1967).

في القسم الأول من الكتاب، يحاول كولومبو الإمساك بلحظة الفوران المبكرة في علاقة الدين بالسياسة، مع عقديْ السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، من خلال تتبّع مولدات ذلك التحول ومحفزاته، مستعرضا العوامل السياسية التي دفعت بالنشاط الديني للطفو على السطح، ومن ثَمّ إلى الإقرار بقوة ذلك العامل وتوظيفه السياسي. وهو ما أفرز على حدّ قول كولومبو تجاذبا عميقا بين الدين والسياسة إلى حد يتّسم بالإجحاف. فالسياسة كرؤى وخيارات وتوجهات، أي بقِيَمها ومُثُلها، ما عادت صانعة للفعل السياسي لوحدها، وباتت تستعين، ولربما تعتمد اعتمادا مهمّا على الدين، بوصفه "قوة خفية" في المجتمع قادرة على مدّ السياسي بالدعم اللازم، لا سيما عند التطلع إلى تمرير خيارات شائكة تتطلب تضافر قوى متنوعة لضمان إنجاحها. والطريف في ذلك التحول الذي شهدته أمريكا، كما يقول فوريو كولومبو، أن ليست الكنائس التي اجتاحت السياسة، بل السياسة هي التي اجتاحت الكنائس.

يعود بنا كولومبو إلى مطلع العام 1980 لتتبع ذلك الزخم في علاقة الديني بالسياسي، حين عبّر مرشَّحو الرئاسة الأمريكية، ريغن وكارتر وأندرسون، ضمن حملاتهم الانتخابية، عن ميولاتهم الدينية الحازمة. وهو ما سماه الباحث بالاكتشاف الفجئي لفاعلية الدين ودوره في المجال السياسي. حيث أعلن ريغن حينها، وبصريح القول، أمام أنصار التوجهات الأصولية المحافظة في دالاس، أنه يقف إلى صفّ مفهوم الخلق بمدلوله التوراتي الحرفي، بما يعني معارضة الخيار الدارويني التطوري في النظر إلى الكون، وللمسألة دلالات عميقة في المجتمع الأمريكي تمسّ الجوانب التربوية والتعليمية والأخلاقية. إذ كانت التصورات الطهرية حينها تبحث عن إيجاد مناخ مسيحي نقيّ من التأثيرات العلمانية المجحفة، وكان من جملة الكتّاب المصنَّفين غير مسيحيين، أو "ممنوعين" من التداول، أرنست هامنغواي وجورج أرويل وألكسندر سولجنيتسين. فحركة الإحياء الديني الأمريكي كانت حركة متشددة ورجعية وِفق توصيف كولومبو. وبالإضافة إلى ذلك ما كان ظهور الدين في أمريكا على الساحة الاجتماعية، إبان حقبة الثمانينيات، على ما تبين لفوريو كولومبو، نابعا من بنية الاجتماع الأمريكي فحسب؛ بل إن كثيرا من التنظيمات الدينية التي نشطت في حقبتي كارتر وريغن كانت تحركها هواجس متأتية من أثر التحولات الدينية الجارية في الشرق الأوسط.

ودائما ضمن تتبّع المشاركة الفاعلة للتجمعات الدينية في الشأن السياسي، وإعلان سلسلة من الكنائس البروتستانتية خوض معترك العمل السياسي في صفوف اليمين الجديد، أبرز كولومبو ما كان لها من دور في انتخاب الرئيس الأمريكي رونالد ريغن، دفاعا عن "قيم العائلة" المتمثلة في مراقبة الولادات والتصدّي لموانع الحمل والإلحاح على تطبيق عقوبة الإعدام والسعي لفرض القدّاس في المدارس. يبيّن كولومبو أن الكنائس البروتستانتية، التي كانت تُعدّ كنائس أقليات لكونها مشرذَمَة وليس لأنها قليلة الأتباع، قد ذهبت للتحالف مع كنيسةٍ منافسةٍ لطالما تصارعت معها، ألا وهي الكنيسة الكاثوليكية. ورغم أن بعض القادة الدينيين الأمريكان من كبار الدعاة التلفزيين، مثل القس جيمي سواغارت والمبشر الإنجيلي بيللي غراهام وآخرين، يتصارعون بشكل دائم مع الكنيسة الكاثوليكية في برامجهم وفي مواعظهم، لكنهم يسيرون جنبا إلى جنب في جبهة موحدة تسعى للهيمنة على السياسة الداخلية ويوحدون صفوفهم بشأن المواضيع الحساسة المتعلقة بالسياسة الدولية. فما يُعرف بـ"حركة الانتصار للحياة" تضمّ في صفوفها حشدا من الجانبين، وهي حركة محافظة تعمل على رفع أي حاجز يقف أمام مراقبة الحمل. كما نجد تحالفا قويا بين البروتستانتية الأصولية والكنيسة الكاثوليكية في ما يتعلق برفض الإجهاض، تحت أي شكل أو مبرر، وعادة ما تشنّ الكنيستان "حملات صليبية" مشتركة ضد مناوئيهم في ذلك.

وفي القسم الثاني من الكتاب، يتعرّض فوريو كولومبو لما يزخر به الواقع الاجتماعي الديني الأمريكي من ثراء وتداخل، وهو ما يتفلّت حصره على إمكانيات المقاربات السوسيولوجية التقليدية. ذلك أن مقولة العَلمانية حمّالة ذات وجوه، تتغيّر مضامينها من مجتمع إلى آخر ومن تقليد سياسيّ إلى غيره. ولذلك لزم على الدّارس الخروج من ضيق الثنائية المعهودة، التي تربط بين الغرب والعَلمانية وتُقصِي الدّين بعيدا عن معترك الاجتماع البشري. فالسّاحة الأمريكية من السّاحات التي تعجّ بالعديد من أنواع اللّوبيات المتشابكة، ذات الطّابع السياسي والدّيني، والتي تُصنَّف إجمالا تحت مسمّى شامل "اليمين المسيحي" -Christian Right-، أو ما يُعرف أحيانا بالـ"نِِـيُوكُون"، مختصر المحافظين الجدد. وتُنعَت النّواة الدينية في ذلك بالـ"تِـيُوكُون"، المستمدّة من "تيُوكُونسرْفتوري"، مختصر "اللاّهوتيين المحافظين"، وهم من يستدعون الأدوات الدّينية والجهاز المعرفي اللاهوتي، سواء لتحليل الأوضاع الاجتماعية، أو لتبرير ترسيخ قِيَم الآباء في المجال العمومي. والأسماء الأساسية في التيوكون، هم كاثوليك، من أتباع كنيسة روما بالأساس، نجد منهم ريتشارد جون نيوهاوس، وهو رجل ديني كاثوليكي ولاهوتي بارع مسموع الصّوت في الأوساط الأمريكية؛ ميكائيل نوفاك، أحد أبرز علماء اللاّهوت الكاثوليك؛ جورج ويغل، وهو لاهوتي وخبير سياسي ومؤلّف السّيرة المرجعية "شاهد الأمل" عن البابا الرّاحل، يوحنّا بولس الثّاني، تدعمهم مجموعة من الباحثين يحفرون في الخندق نفسه.

إذ يدّعي التيوكون تراجعا للقِيم الخلقية العامّة بين الأمريكان، وقد فسّروا الأمر بقوّة ضغط العلمانية وزحف القيم اللادينية. والملاحظ في توجّه التيوكون، أنه لا تغلب عليه الخاصيات المسيحية الصرف، بل يحمل في طياته طرفا قويا يمثّله اليهود الأمريكان، لذلك نجد تأكيدا في الدّاخل بينهم على وحدة القِيم والتراث اليهودي المسيحي. وإن يكن الإطار المسيحي الأكثر عددا، فإن المكوَّن اليهودي، يبقى الأعمق نفاذا وتوجيها للسيْرِ العام، حيث نجد داخل تيّار التيوكون إلحاحا على الدّين مع عدم تحديد هويته. وبوجه عام غالبا ما يأتي الموقف من إسرائيل ليّنا أو مناصرا. ويقول فرانسيس نيجل أحد القادة الأصوليين في "المانيفستو المسيحي" الصادر سنة 1984 "ينبغي أن تكون إسرائيل حصن الغرب، بل النقطة المتقدمة للمسيحية، ومهمتنا تتمثل في الدفاع عنها ورسالتنا تتجلى في أنْجَلتها. ولإضفاء الطابع المسيحي على إسرائيل يكفي أن نجلب إلى صفوفنا الصفوة المالية لليهودية ويهود أمريكا". من جانب آخر قال ماك أتير، الكاثوليكي المقرب من الحركة الأصولية، في حديث له في ديسمبر 1986 "إن استعمال الأسلحة النووية هو من ضمن مخطط الرب، والحرب النووية يمكن أن تكون التحقيق للنبوة التوراتية".

وعموما تتّسم كتلة النّيوكون بالتنوّع، وتجمعها خاصيات فكرية متشابهة، ذات طابع اقتصادي سياسي أخلاقي، سعى أنصارها لترجمتها ضمن أجندة سياسية. وقد تجلّى أحد أوجه فلسفتهم في السّياسة الخارجية لبوش الابن، بُعيْد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مع أن رؤى المحافظين الجدد، قبل تلك الأحداث، قد تركزت بالأساس على الشأن الدّاخلي الأمريكي. والملاحظ في هذا التوجّه أنه متّسع، بشكل لا يمكن ضبطه في حزب، أو دعوة، أو حركة، بل نجده غالبا ما يسعى جاهدا لدمج رؤاه ضمن برامج الكثير من الأطراف النافذة لأجل خلق سلطة جديدة.

داخل هذا التنوع يحاول كولومبو العثور على عناصر التقارب بين ممثلي الدين وقادة السياسة، مقدّرا أن الأمر ناتجٌ أيضا عن كون اليمين يجِد حاجة للتملّص من الالتزام بتحقيق مطالب 'الحقوق المدنية'. فلطالما كان اليمين في أمسّ الحاجة إلى سندٍ قوي يقف أمام التقدّميين والنقابات وحركات الحقوق المدنية. ولم يتيسر له الوقوف في وجه ذلك المثلث سوى بالتحالف مع صنّاع القوة الدينية. وتقديرا لكون التشكيلات الدينية تمدّ السياسة بجيش ضخم من المقترعين في الانتخابات، لا سيما التشكيلات ذات التوجه الإنجيلي والمعمداني، التي تميزها رؤية محافظة لصيقة بالفهم الحرفي للنص ولا تراعي تغير الأحوال بتغير الأزمان، باتت السياسة اللائكية تستعين بتلك التشكيلات لتنفيذ برامجها مع مراعات توجهاتها المحافظة. إذ عقب انتخاب الرئيس رونالد ريغن كان الشعار المرفوع من جانب الجناح الديني للمحافظين الجدد "مقاومة الخطيئة" وهو الشعار نفسه الذي رفعته "الأغلبية الأخلاقية". ورغم ما يطبع الكنائس من ميول إلى التحالف منه إلى المشاركة المباشرة في الحياة السياسية، أقدمَ القس المعمداني بات روبرتسون على الترشح بنفسه في انتخابات 1988 كـ"مرشح الرب"، ولم يتوان عن التصريح بأنه صاحب رسالة إلهية، ثم عدَلَ عن ذلك في آخر المطاف.

في القسم الأخير من الكتاب يحاول الباحث كولومبو تحليل العلاقة الرابطة بين الفرد المؤمن والوكالات المعنية بشأن المقدس، قائلا ثمة احتضان للأمريكي من قبل الكنيسة يجد لدى الناس هوًى، غالبا ما يجرُّ المؤمن للانضواء تحت تيار سياسي أو كتلة بعينها. إذ تعيش الشرائح الوسطى تناغما مع طروحات الكنائس، تجد في ما تجود به من أنشطة اجتماعية وتربوية وثقافية ورياضية، ما يلبي حاجتها وما يجعلها تميل إلى خياراتها وتبيعها صوتها الانتخابي مقابل ما تلقاه من حظوة. فهناك خيط براغماتي يمسك الموالاة بين الطرفين، حيث لا تنبني العلاقة دائما على تشارك في الرؤى الدينية، ولكن على تلبية للمصالح، أي بقدر ما تعرضه تلك الكنائس من خدمات ومنافع.

 فالمؤمن الأمريكي لا ينساق ضمن توجهات الأصولية الجديدة جراء قناعات لاهوتية دائما، بل غالبا ما تأتي مجاراته لتلك التوجهات تبعا لما تلبيه من مغانم. وحين يلمس المرء أن الاحتضان ليس ظرفيا وإنما هو مستمرّ ومتواصل، تتشكّل لديه قناعة في صواب خياراته، ويتنامى هذا الإحساس في أوساط العائلات التي تجد احتضانا لأبنائها في المدرسة والجامعة والشغل.

وليست الكنائس العملاقة -megachurch- التي بحوزة العديد من التنظيمات الدينية الأمريكية هياكل للاستعراض فحسب، بل تعبّر أيضا عن قوة أنشطة، تغطي مجالات متنوعة. تحاول من خلالها التنظيمات الدينية مواكبة الاحتياجات التعليمية والتربوية للأسرة من رُوض الأطفال إلى الجامعة. كما أن تلك الكنائس لا تلبي حاجة اجتماعية للناس فحسب، متمثلة في الرعاية الصحية أو المساعدة الاجتماعية، بل تقلّص كذلك من الخوف الوجودي الذي يلقاه المرء، أكان ذلك في شكل ضمان الخلاص الأخروي أو الحدّ من الخوف الأبوكاليبسي. إذ ثمة تداخل بين مفهوميْ الإيمان والإحسان في اللاهوت المسيحي، فإن يكن الأول ذاتيا مجردا، فإن الآخر جماعي عملي. فالخلاص ما عاد أساسه فعل الإيمان وحده بل فعل الإحسان أيضا، وذلك عبر "الأعمال"، مثلما بات الفقر خطيئة من منظور "الأغلبية الأخلاقية".

ضمن هذه التحولات العميقة التي شهدها الواقع الديني الأمريكي، ساهمت البروتستانتية في تطوير العرض والطلب على الدين، لكن في الآن نفسه، ألحقت تفتتا وتشرذما بالشأن الديني وبأشكال التدين التقليدي، وقد كان ذلك ناتجا بالأساس عن ظاهرة ما يُعرف بالتبشير الإلكتروني بوجه خاص. إذ تستجيب الكنائس الناشئة للمطالب الجديدة وتعبِّر عن روح العصر، فهي كنائس براغماتية في جذب الناس ومتصلبة من حيث الرؤى الدينية، كما تبدو من ناحية عصريةً ومواكبةً للتحولات الاجتماعية ومن ناحية أخرى مغرقة في التمسك بالفهْم الحرْفي للنص المقدس.

وفي ظل التنوع السائد في النحل والكنائس، يبقى المورمون الأكثر التصاقا بولايتيْ يوتا وميسوري مع فتور في السعي لاكتساح الخارج، رغم الإمكانيات المادية الهائلة التي بحوزة هذه الكنيسة، لذلك يبقى المورمون نحلة لا كنيسة مسكونية باحثة عن التمدد. كما يبقى عنصر سلبي حاضرا لديهم متمثلا في استبعاد السود، وإن لم يكن من الإيمان فمن الإكليروس، فالكنيسة المورمونية هي كنيسة بيضاء بوجه عام.

لعل الخلاصة التي يصل إليها الباحث فوريو كولومبو في كتابه تتلخص في أن جانبا مهما من الفعل السياسي في أمريكا قد بات نابعا من الضغط الديني في الراهن، إضافة إلى أن الفتور الذي يشهده

 

الدين في أوروبا يقابله فوران في أمريكا، وذلك جراء تحرير السوق الدينية.

الكتاب: إله أمريكا.. الدين والسياسة في الولايات المتحدة.

المؤلف: فوريو كولومبو.

الناشر: كلاوديانا (تورينو-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2019.

عدد الصفحات: 172ص.

 

عزالدين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما

 

794 الدماغ الخبيثصدر عن دار التوبة للنشر والتوزيع كتاب عنوانه  "الدماغ الخبيث: بنية العقل الباطن وكيفية التحكم به لتحقيق السعادة" من تأليف عالم النفس العراقي الأمريكي الدكتور طالب الخفاجي، وترجمة الدكتور علي القاسمي، الأديب العراقي المقيم في المغرب. يقع الكتاب في 432 صفحة ويمتاز بطباعة أنيقة وإخراج بديع يستخدم تظليل الأفكار الرئيسة والمعلومات الهامة.

يقول المترجم في مقدمته للكتاب: "وإذا كان المؤلّف أمريكياً في علومه وتفكيره الموضوعي، فإنه في الوقت ذاته يحمل في كيانه وأعماق روحه إرثَ الحضارة العربية الإسلامية، وإرثَ سومر وبابل ولغتهما العربية، أمّ اللغات الإنسانية جميعاً. فقد هاجر إلى أمريكا وهو فتى، وظلَّ حبُّ الوطن العربي يتلظى بين ضلوعه طوال حياته. ولهذا نجد في ثنايا هذا الكتاب محاولات لتطبيق بعض معطيات التحليل النفسي على سلبيات المجتمع العربي من أجل نهضته ورفعته.

يتناول الكتابُ العقلَ البشري من جميع الزوايا الفلسفية والأسطورية والطبية والنفسية والفسيولوجية والإيحائية والمعرفية الإدراكية وغيرها وغيرها، وقد استخلص مادَّته من حشد من المراجع والمصادر يربو عددها على المئات من الكتب والدراسات والتجارب الأكاديمية، إضافة إلى خبراته العلمية والمهنية الشخصية. 

من المعلومات الجديدة الخطيرة التي أوردها المؤلّف قضية " الجبر والاختيار" كما تضبطها الأجهزة الطبية الإلكترونية الحديثة، أي هل الإنسان مخيَّر أم مسيَّر في قراراته؟ هل يتخذ قراراته ويمارس أفعاله بمحض إرادته وبوعي وإدراك كامليْن منه، أم أنها تُملى  على عقله الواعي من طرف العقل اللاواعي، ممثلاً بالجينات والخلايا وبقية أجهزة الجسد؟ ونحن نعلم مدى خبث هذا العقل اللاواعي، لأنه خزّان الخبرات السيئة والتجارب الأليمة.

ومن المعلومات الجديدة التي تناولها الكتاب نظرية المرونة العصبية القائلة بأن أقسام الدماغ يمكن أن تنوب عن بعضها عندما يتضرّر قسمٌ معين منها، على خلاف ما كان سائداً من أن كل قسم من أقسام الدماغ متخصّص بوظائف محدّدة، فإذا تضرّر ذلك القسم، أمسى الإنسان مشلولاً أو عاجزاً عن النطق أو البصر أو غير ذلك بحسب وظائف القسم المتضرّر. وهذا الاكتشاف الطبي يعطي الأمل للناس الذين أصيبت أدمغتهم في حادث من الحوادث.

لقد اهتم المؤلّف في دراساته العلمية الأخيرة،  بمسألة " السعادة" التي هي غاية كل إنسان في هذه الحياة. وقد كان الرسول (ص) قد حدّد شروط السعادة ومتطلّباتها في ثلاثة: الأمن والأمان، والصحّة والعافية، والكفاية المعيشية من سكن ومأكل وملبس، كما يُفهَم من قوله الشريف: " إذا أصبح أحدكم آمناً في سربه ، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فقد حيزت له الدنيا."، وهو قول صائب ومن جوامع الكلم. ومع ذلك فإنَّ توافر هذه الشروط لا يضمن بالضرورة السعادة المرجوة. إذ ينبغي أن يمتلك الإنسان الذي تجمّعت له هذه الشروط، المعرفةَ الكافية لاستثمارها ليكون سعيداً.

وفي هذا الكتاب، يوضّح لنا المؤلّف أن السعادة والشقاء هما من حالات العقل؛ والعقل عقلان: العقل الواعي والعقل اللاواعي. والعقل اللاواعي هو الذي يُنتج الأغلبية الساحقة من الأفكار ويبعث بها إلى العقل الواعي، وهو الذي يسيطر على معظم تصرفاتنا وسلوكاتنا وحتى عمليات أجهزة أجسادنا كالجهاز التنفسي والجهاز الهضمي وغيرهما.

بيدَ أن هذا العقل اللاواعي كثيراً ما ينتج أفكاراً سلبية وهمية تقضُّ مضاجعنا، وتقلق أرواحنا، وتشوّش بالنا، وتُجهز على طمأنينتنا وسكينتنا، عندما تتحول إلى أفكار استحواذية وسواسية لا نستطيع التخلّص منها، فتحرمنا من التمتّع بمباهج الحياة وملذّات العيش، وتعرقل تقدّمنا في أشغالنا ومشاريعنا، وتخرّب علاقاتنا مع أهلنا وأحبّتنا وأصحابنا وزملائنا في العمل.

ويقدّم لنا المؤلّف في هذا الكتاب تقنيات مجرَّبة لمساعدتنا على التحكُّم في العقل اللاواعي، وضبط الأفكار السلبية، وطردها بإحلال أفكار إيجابية محلّها، لئلا تُفسد سكينتنا وتحيل حياتنا إلى جحيم لا يطاق. وبإتباع إرشاداته العلمية نستطيع أن نستعيد توازننا ونحقق سعادتنا.

 

د. علي القاسمي

 

فيصل غازي مجهولكلَّفني أستاذي الكبير مدني صالح بطباعة هذا الكتاب وترتيبه بعد أن تم جمع المقالات التي نشرها في الصحف. وقد اختار له عنوان "قَرَنْدَل ولائحة حقوق الحمار"، وكتبَ الإهداء (إلى نديم نجيب نعيمه وطاهر حمدي كنعان)، وهذا الإهداء هو نفسه في كتاب "بعد الطوفان". وبعد ذلك أرسله إلى بيروت، وبقي الكتاب هناك مدةً طويلة وانقطعت الأخبار وكنا بين حصارٍ وحرب ثم سقوط نظامٍ ومجيء آخر. ومن الذين يعرفون قصة هذا الكتاب – ما عدا المؤلف وأنا – الصديق الدكتور محمد فاضل عباس الذي هو أكثر من عرفتُ إخلاصاً لمدني صالح ومعرفةً بفكره وقدرةً على فهمه وفهم نصوصه وتأويلها. وعلى الرغم من أن الناس أحرارٌ في القراءة والحكم... لكن تبقى هناك درجات ومنازل في الاستيعاب والفهم والخبرة والتأويل وأشياء أخرى تحكمها مواهب وقدرات وإخلاص وصبر في التعلم والتحصيل... ولولا ذلك لاختلط المدعي الكاذب بالنابه الصبور الصادق، واختلط العلم بالخرافة، وتساوى الصادق الجاد المنتمي للثقافة والعلم مع الذي رمته الأقدار في مجال لا ينتمي إليه ولا يصلح له.

في إحدى سفرات محمد فاضل إلى بيروت جلب مسودة الكتاب من دار النشر التي اعتذرت عن نشره لأزمةٍ مرت بها، مع قرص (فلوبي دسك). وشغلتنا مشاغل الحياة والعمل وبقي الكتاب ينتظر النشر. وقد حاولتُ محاولات شخصية ثم محاولات مختصين لفتح الفلوبي دسك فلم يُفتح لخلل فيه... ولكن، لا مشكلةَ ما دامت النسخة الورقية التي طبعتُها سابقاً موجودة. والآن طبعتُه من جديد وراجعتُه مراجعةً أخيرة وكتبتُ له مقدمة قصيرة.

مدني صالح لم يُبتلَ بعقدة الغرب ولم يقلب الدنيا لأنه درس في كيمبردج.. بريطانيا.. ولم يتكئ على مصادفة البعثات الدراسية السعيدة التي لولاها لما بقي لبعض الناس صفةٌ مهمة يتصفون بها. خرج من هيت.. من الرمادي.. من بغداد.. من العراق.. باحثاً جاداً مخلصاً، وعاد كذلك. لم يخرج ضعيفاً ليعود عظيماً! لم يُبهره أنه استطاع أن يقرأ سطراً واحداً بلغة غير لغته، فيُسلط ذلك السطر – إن كان صحيحاً – على رقاب الطلبة والمثقفين والناس كلهم. لم يتأبط كتاباً إنجليزياً غير معروف عربياً، ويأخذ صفحةً منه كل سنة، فتخدمه تلك الصفحات أربعين سنة. لم ينبهر بالجميع من دون تفرقة بين قوي وضعيف، لم ينبهر بجميع المستشرقين، بل ميز بينهم من حيث المكانة والعلم، ولم يخلط فيلسوفاً كبيراً بمستشرق صغير، واشتد على الضعفاء الذين لا يستحقون كثيراً.

790 قرندل

ذهب إلى أوربا، أوربا التي تزيدُ ما فيك لا تُبدله، أوربا كالخمر تزيدُ الحكيمَ حكمةً والسفيهَ سفاهةً، تزيد المثقف ثقافةً والمنغلقَ انغلاقاً، لا تخلق من عدمٍ بل تسقي وتنمي بذرةً فيك، توفر لك ما لا تجده في بلدك من أدوات البحث والمصادر، تطورك تفتح لك المجال واسعاً إن كنتَ من الساعين إلى التعلم والتطور والتمدن والتحضر والإتقان. ذهب مدني صالح وعاد.. حاملاً ثقافة عربية وإنجليزية رصينة، عاد من الغرب بثقافة وفلسفة وخبرة عاشقاً للجمال للفن للمسرح للأوبرا.. والعائدون من مدن الثقافة والعلم والجمال أشكال وأصناف، منهم صنف الكبار الصادقين المخلصين النابهين المتواضعين الذين تعلموا وتفوقوا ونفعوا وعَلَّموا وأسهموا في التقدم والرقي. ومنهم صنف الذين عادوا من تلك العواصم والمدن وتحسب أنهم قد جاؤوا من أسوأ قرية في أسوأ دولة في أسوأ زمن... ذهبوا بعقدة نفسية واحدة وعادوا بعُقدٍ، ذهبوا بلغة عربية متوسطة ثم أضاعوا اللغتين، ذهبوا متخلفين فعادوا منغلقين متعصبين... وأضف إليها غروراً وحقداً وأشياء أخرى...

يقول مدني صالح "لو عدت لما بدلتُ ولبقيتُ على الحال التي أنا فيها لا أبدل شيئاً من أمر شرف الوقوف مع الضعفاء ومع الفقراء حتى يستغنوا، ومع المظلومين حتى ينصفوا، ومع الصعاليك الفقراء الفرسان المتصوفة العناترة الفراهدة العشاق المعاميد مهما يفعلون... ولبقيت – لو عدت – أكبر المتضررين بالذين لا كعابَ لهم في الثقافة ولا هم يلعبون، ولا مناجلَ لهم في الأدب ولا هم يحصدون، ويجعجعون ولا يطحنون... ولبقيت على الحال التي أنا فيها متضرراً أشد الضرر في الساحة الثقافية بذوي المواهب الصغيرة والدرجات الدنيا في الثقافة وفي الأدب:- لا أنا قادر على النفاق فأدرأ بالنفاق عن نفسي الأذى، ولا الله – وهو حسبنا جميعاً – يرزق الخصوم موهبة فأحمده عليها قبلهم فأدرأ عن نفسي الضرر".

ومنهم أولئك الكارهون للفلسفة والعلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والفنون الجميلة غير المنتمين إليها بأي شكلٍ من الأشكال، اللاعنون لليوم الذي دخلوا فيه هذه المجالات. ومنهم أولئك الذين لا يشغلون أنفسهم بشيء إلا الحقد والحسد لمحبي الفلسفة ومحبي العلوم ومحبي الفنون ومحبي الثقافة عموماً ومحبي العمل المنتج والناس والحياة... وللناجحين النابهين المهتمين المتفوقين... ثم يحكمون عليهم حكمَ مَن تعلم كلمةً فظن أنه قد أصبح ناقداً، يُبدون إعجابهم قولاً وكتابةً بأتفه التافهين مراتٍ ومرات... وهم لا غيرهم يقولون إنهم تافهون، ثم يُبدون رأياً بالكبار، ولا يرد الكبار إلا صمتاً، فالصمت أبلغ من الكلام أحياناً.

متضررٌ هو كما تضرر أمثالُه قديماً وحديثاً.. متضررٌ من أولئك الذين لا تدري أحظُّهُم أم حظُّنا أم حظُّ الفلسفة قد رماهم في أمكنةٍ لا تُحبهم ولا يُحبونها؟ لكنه لوح أقدار الانسيابية والثقوب الكبيرة لغربال التربية والتعليم والعرض والطلب، إلا مَن نجا منهم بصفاتٍ وفضائل موروثة، أو مَن تفاءل وسبح مع الأقدار واكتشف ما لم يعرفه من قبل وتحدى واجتهد وعرف قدرَ نفسه وقدرَ غيره ونجح وكبر واحتُرم.

 

إن الأدب الفلسفي عند مدني صالح أفعل من الفلسفة، والفلسفة المؤدبة أفعل من الأدب، لذا جاءت معظم كتاباته بهذا الأسلوب. وقد كتب بأساليب عدة منها البحث والدراسة والمقالة والمقامة والقصيدة والمحاورة والعمود الصحفي وغيرها... كأنك تقرأ لمدني صالح قصيدةً فلسفية من آلاف الأبيات لم يُسمِّها قصيدة ولم يكُ مهتماً بأن يُسمى شاعراً، وتشهد تفلسفاً ولم يكن يعنيه أن يُسمى فيلسوفاً، تلك القصيدة التي تَفَجَّرُ فكراً كلما تقدم العمر وازدادت الخبرة وخيبة الأمل.

كان يختار شخصيات تُجسد المغلوب الخاسر الفقير التابع الذي عبَّر عنه مرةً بِقَرَندل ومرةً بفرايدي، وشخصيات تجسد الغالب المنتصر الغني... كالقارون الأغنى الأقوى الأسعد، وروبنصن كروزو عامر الرأس بالحكمة ومناهج العلم وعامر الصدر بالإيمان وعامر الجيب بالذهب وعامر البندقية بالبارود. ويعطي صوراً لتفوق كروزو على فرايدي. ونمت تلك الشخصيات أكثر في كتابه "بعد الطوفان" ووظفها في تحليلات سياسية واقتصادية وثقافية متعددة، فكانت ملحمة الصراع بين سيد منتصر وعبد مهزوم، وكل ذلك يدور على محور الحرب التجارة الاحتكار.

جاء في المثل الشعبي العراقي "عند دَك الكبَّة صِيحوا قرندل، عند أكل الكبة نايم قرندل" وهذا المثل والكلام للشيخ الحنفي "يُضرب لمن يتحمل المغارم دون المغانم.. وقرندل هذا كان مولى لقوم فكانوا إذا أرادوا صنع الكبة وهي طعام معروف أيقظوه من نومه ليهرس البرغل أو التمن بالمهراس تمهيداً لصنع الكبة وهو عمل يتطلب جهداً غير هين. فإذا أنضجوا الكبة بعدئذ وكان قرندل نائماً نهوا عن إيقاظه". قرندل؛ إنه المعذب المضحي نيابةً عن الجميع، قرندل الذي يدق الكبة ولا يأكل، يلطم ولا يأكل، يزرع ولا يحصد. وكثيرٌ من الشخصيات الشعبية تُشبه قرندل، وكما يُقال في المثل الشعبي العراقي "لطم شمهودة" التي تلطم مع الكبار وتأكل مع الصغار، وفي كل زمان ومكان شخصيات تُجسد هذه الفكرة. قرندل الذي "يلطم في جميع مواكب العزاء راشداً مع الراشدين ويطردونه طفلاً قاصراً ولا يقبلونه على المائدة مع الكبار الراشدين إذا حضرت القصعة". وأصحاب هذا الصنف القرندلي عمالاً وفلاحين وجنوداً وأساتذة ومثقفين وعلماء... يلطمون مع الكبار، ويأكلون مع الصغار... هؤلاء الذين يجعلون "الثقافة والحضارة والمدنية ممكنة بالاختراع وبالاكتشاف وبالابتكار في العلوم وفي الآداب وفي الفنون"، لكنهم لا يتنعمون، يتعبون في الاكتشاف والاختراع والسيطرة على الطبيعة وهم عبيد في خدمة التاجر والإقطاعي والمرابي والمليونير.

ويكتب عن حقوق الحمار.. الحمار الصابر الوفي، وإنْ هي إلا صفاتٌ للحمار للإنسان لكل صابر مخلص وفيٍّ كريم... ذلك الذي يعيش آلام الذل والاستغلال، "ومن أول أسباب حسن الإدارة أن يكون أول اهتمامك بقوى الإنتاج في المؤسسة وتهيئة أسباب الراحة للعاملين الذين منهم هذا الباسل الحكيم الصابر الذي يرضى منك بالقشور ويشكر لك عليها النعمة حتى حين هو أحق منك باللب وحتى حين تكون أنت أولى منه بالقشور".

يتكلم ويكتب عن أشخاص يعيشون في "عالم ليس فيه إلا الفقراء يخدمون الأغنياء في السلم ويدافعون عنهم في الحرب"، عالم فيه "نفطيون يخدمون الذريين في السلم ويتقاتلون نيابةً عنهم حماية لاحتكاراتهم في الحرب". يتكلم عن حرية المفاليس الخائبين "وماذا على الحكومة من حرية يمارسها مفاليس خائبون كلاماً في هواء وهواء في كلام وعند الحكومة تحت اليد وبرسم الخدمة رهن الإشارة عند الطلب برلمان ونواب وشيوخ وأعيان وشرطة وجيوش وإلخ... وإلخ... وبيوت علم وأدب وفن وعبادة إلخ إلخ. وبيت المال الذي هو – بعد بيت الله – أعز البيوت". ويتكلم عن مصاطب الحريات الديمقراطية في هايد بارك لندن وفي كل مكان، عن أولئك الذين "يمارسون الحماس والحرية والأمانة والإخلاص في الرأي وإبداء الآراء في مسائل لم يجعلها الله إلا بيد أصحاب حق الفيتو فإنهم أصحاب العضوية الدائمة في التاريخ وفي الحياة الذين لو شاء الواحد منهم لاشترى بعشر معشار ملياراته المصاطب والمنابر والخطباء كلهم والمستمعين والمتحاورين (والهايد بارك) كلها ورأس الثور المجنح من المتحف البريطاني وحقوق النشر من جريدة التايمس وحقوق الفيتو من مجلس الأمن كلما شاء".

مدني صالح ثائرٌ والثورةُ ليست تهريجاً، متمردٌ والتمرد ليس صراخاً، في صمته موقف أقوى من الكلام، كلام أولئك المسهمين في الخراب. مدني صالح كما قال حربٌ دائمةٌ على القبح في نصرة الجمال، وعلى الظلم في نصرة العدل، وعلى الخطأ في نصرة الصواب، وعلى الخرافة في نصرة العلم والفلسفة والفن والأدب، صديق للنابهين العباقرة العشاق الفقراء.. يخاف على الفيلسوف من التاجر ويخاف على القانون من المليونير، وعلى الباليه والأوبرا وبيتهوفن من الجوبية والأبوذية والطبالين، وعلى التقدم والارتقاء من التخلف والهبوط. لا يقبل للآسيو أفارقة أن يكونوا أقل بابليةً وفرعونية من الأورو أميريكيين في الفنون وفي العلوم وفي الآداب.

 

د. فيصل غازي مجهول

....................

-مقدمة لكتاب مدني صالح: قرندل ولائحة حقوق الحمار.