673 هدى صدام- بعد نصف قرن أو يكاد صدر للشاعرة التونسية ـ هدى صدّام ـ مختارت من أشعارها التي ظلت شبه منسية والحال أن الشاعرة تعتبر من أولى الشاعرات التونسيات المعاصرات ولعلها هي الثانية بعد الشاعرة زبيدة بشير ثم تليها الشاعرة فضيلة الشابي والشاعرة هدى صدام أصيلة القيروان وهي من أسرة عريقة سليلة مجد وأدب ولا شك أن ظروف نشأتها قد ساعدتها على ترسيخ موهبتها ورعت شاعريتها على أسس المعايير التقليدية للقصيدة فنقرأ لغة صافية شفافة وصورا موحية تنضح بعاطفة زاخرة بوهج المعاناة فأغلب قصائد هدى صدام مرايا لحالاتها الوجدانية بما فيها من ظلال شجونٍ ثخينة وأحلام دفينة غير أننا نلاحظ سِمة واضحة في كثير من القصائد ألا وهي الاعتزاز بالنفس ربما يصل إلى حدود الأنفة ويتجاوزها إلى الكبرياء... هي كبرياء الأنثى في غنجها أحينا وفي تحديها أحيانا...كيف لا وهي الشاعرة المالكة لأعنّة الفصاحة    والمعتزة بالقيروان التي أهدتها هذا الديوان قائلة - إلى القيروان نبع العشق والشعر والأحلام

وإن القصيدة التي اِختارت لها الشاعرة عنوان - حب وكبرياء - تعبّر بوضوح عن أهم خصائص شعرها معنى ومبنى والتي تقول في أولها 

أحلى الهوى ما كان في الأعماق

نارًا تشب خفية الإحراق

حلو عذاب العاشقين وإنني

من ناهلي إبريقه الدفاق

فاهدأ فؤادي يا أخا الإخفاق

فسدى تحرق في لظى الأشواق

ذلك هو الكون الشعري لهدى صدام إذ يعيدنا إلى الينابيع الأولى للقصيدة العربية في دفقها وصفائها وحرارة صدقها

ـ 2 ـ الشيخ مسعود ـ  للأديب محمد الأزغب

بين قولة ـ اللغة الفرنسية منفى ـ وقولة ـ إن اللغة الفرنسية غنيمة حرب ـ راح الكتّاب في بلدان المغرب العربي يواصلون مسيراتهم الأدبية والفكرية معتبرين أن رسالة الكتابة أنبل وأشمل من اللغة التي بها يكتبون حيث جعلوا منها وسيلة إبلاغ أشمل مدى وأبعد آفاقا ،خاصة وقد تجاوز أغلبهم محنة الكتابة بالفرنسية وعقدتها نحو اِعتبارها نافذة يطلون منها على العالم لإبلاغه مباشرة شجونهم وشؤونهم متمثلين بحكمة ـ وخاطب القوم بما يفهمون ـ

و رغم أن الأديب التونسي محمد الأزغب بدأ النشر سنة 1952 باللغة العربية على جريدة الصباح وهو في أول تعليمه الثانوي فإنه ظل محجما عن النشر طيلة دراسته ثم على مدى مدة اِنخراطه في الجيش الوطني بعد ذلك إلى أن أحيل على التقاعد فبادر إثر ذلك مباشرة إلى نشر روايته الأولى باللغة الفرنسية ـ المهاجر ـ ثم واصل النشر تباعا حتى بلغ جملة ما صدر له إلى سنة2007 سبعة كتب ما بين روايات وقصص قصيرة وخواطر ويوميات وغيرها

ومن بين ما صدر له رواية ـ الشيخ مسعود ـ وهي تتحدث عن فترة الحرب العالمية الثانية إلى حدود اِستقلال تونس وظهور الحركة الوطنية المسلحة في منطقة غمراسن بالجنوب الشّرقي من الجنوب التونسي الذي كان خاضعا للحكم العسكري المباشر طيلة عهد الاِستعمار الفرنسي حبث تولّى الشيخ مسعود المسؤولية الأولى في منطقته القائمة على العصبيّات القبلية بما فيها من تحالفات وتناقضات ومنافسات فكان عليه الفصل في القضايا الخاصة والعامة بما يقتضيه العرف والعادة وكان عليه أن يتعامل مع الواقع الاِستعماري بما كان فيه من قوة وبطش فاِستطاع في أغلب الأحيان بفضل ذكائه ودهائه أن يُجنب الأهالي ردود فعل الجيش الفرنسي وأن يُخفي آثار الوطنيين بإبعاد الشبهات عنهم أو إعلامهم قبل مداهمتهم وقد صورت الرواية في غضون تفاصيلها المجتمع البدوي ودقائق عاداته في حياته اليومية من المسكن واللباس والأدوات المنزلية إلى المأكل والمشرب وأدوات الزينة لدى المرأة وعادات الأفراح والأتراح بالإضافة إلى ذكر أسماء الأمكنة بمنطقة غمراسن بحيث أن الرواية يمكن أن تعتبر وثيقة تاريخية سجّلت فيها عهدا من تاريخ تونس المعاصر ليس من السّهل الكتابة في تفاصيله دون السقوط في بعض المزالق الخاصة باِعتبار أن شخصية الشيخ مسعود شخصية واقعية قد وُجدت فعلا وأن قراءتها التاريخية قد تختلف بحسب المنطلقات المتنوّعة ـ وربّما المتناقضة ـ لدراسة تلك المرحلة الهامّة من تاريخ تونس المعاصر

 

سُوف عبيد

https://www.soufabid.com

 

671 ميثم الجنابيصدر حديثا عن دار ميزوبوتاميا كتابي (فلسفة البدائل الثقافية) وهو القسم الأول من مشروعي الفلسفي التأسيسي. والكتاب بأربعمائة صفحة من القطع الوزيري (الكبير). كما إن له لواحق بأربعة كتب سوف تصدر عن الدار قريبا.

والكتاب صيغة "تجريبية" أولية ومختصرة عن النص الأصلي الذي لم يكتمل بعد، والذي عملت وأعمل عليه في مجرى العقود الثلاثة الأخيرة. وهو من حيث الحجم فيما يبدو سيتجاوز سبعة أو ثمانية أضعاف هذا الكتاب. 

ويحتوي الكتاب على مقدمة وخاتمة وعشرة ابواب بثمانية وعشرين فصلا. وعنوانه خاص، بوصفه القسم الاول من الكتاب هو (البحث عن مرجعية الفكرة العربية)

الباب الأول ـ عقل الذات العربية في أطوار الملة والأدلة

الفصل الأول- الخروج الصعب للذهنية العربية من دهاليز الصعاليك والمماليك

الفصل الثاني - التصوف الفاعل والتشخص التاريخي للرمز الثقافي

الباب الثاني: عقلانية الضمير - الوحدة الحية لطلاقة اللسان وتحصين الأركان وإنعتاق الوجدان

الفصل الأول : ضمير اللغة ولغة الضمير الثقافي.

الفصل الثاني: طلاقة اللسان – الإفشاء الأخرس للعقل الناطق

الفصل الثالث: "تحصين الأركان" وانعتاق الوجدان – المناعة الثقافية لوعي الذات العربي

الباب الثالث: الإصلاحية الإسلامية ومصيرها التاريخي

الفصل الأول: صيرورة الفكرة النقدية والـتأسيسية العملية للإصلاح

الفصل الثاني: الإصلاح الثقافي والقومي

الفصل الثالث: المآثر التاريخية للإصلاحية الإسلامية

الباب الرابع: لغة الحرية ووجدان الذات الثقافية

الفصل الأول: لسان الأدب الذاتي والوجدان التاريخي

الفصل الثاني: لغة الوجدان الذاتي

الفصل الثالث: الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي

الباب الخامس: الفكرة العربية وفلسفة الوعي القومي الذاتي

الفصل الأول: بزوغ الفكرة العربية الجديدة

الفصل الثاني: الفكرة العربية الصاعدة وفلسفة الوعي القومي الذاتي

الفصل الثالث: الفكرة العربية والوعي القومي الذاتي

الباب السادس: العقلانيات المبتورة والأيديولوجيات الراديكالية

الفصل الأول: عقلانيات بلا عقل ذاتي

الفصل الثاني: عصر الأيديولوجيات الراديكالية

الفصل الثالث: الأيديولوجية القومية العربية

الباب السابع: الموجة الأخيرة للأيديولوجيات الإسلامية الحديثة

الفصل الأول: المركزية الإسلامية - قوانين التاريخ ومنطق الثقافة

الفصل الثاني: التقاليد الإسلامية السياسية ووعي الذات السياسي الحديث

الفصل الثالث: الموجة الأخيرة للفكرة السياسية والحضارية الإسلامية

الباب الثامن: نهاية الأيديولوجية وأزمة البدائل

الفصل الأول: معضلة القومي والثقافي في وعي الذات العربي

الفصل الثاني: فلسفة الأزمة – من تراث الأزمة إلى أزمة التراث

الفصل الثالث: الموقف من التراث

الباب التاسع:  أزمة الهوية الثقافية وانتكاس "العقل العربي"

الفصل الأول: من الدعوة للعقل إلى نقد العقل

الفصل الثاني: حصيلة العقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث

الفصل الثالث: العقلانية العربية الحديثة وآفاقها

الباب العاشر: البحث عن البدائل . 

الفصل الأول: حكمة العقل التاريخي ونقمة الاستلاب الثقافي

الفصل الثاني: تأصيل العقل والعقلانية وتلقائية الإبداع التاريخي

671 ميثم الجنابي

إن مهمة هذا الكتاب لا تقوم في وضع تاريخ شامل لفلسفة الحضارة الإنسانية، رغم وجودها الدائم والذائب فيما أضعه هنا، بل مهمة تأسيس الرؤية الفلسفية الثقافية للتاريخ والفكرة المستقبلية من اجل تأسيس الفكرة العربية وتحديد مهماتها الواقعية للانتقال من المرحلة الدينية السياسية، التي مازال العالم العربي مقيدا في شرنقتها لخمسة قرون متوالية بعد سقوط الأندلس غرناطة عام 1492، إلى المرحلة السياسية الاقتصادية.

وبالتالي فان المقصود "بفلسفة البدائل الثقافية" هو تفسير التاريخ الذاتي للأمم ورؤية آفاقه من خلال تحديد المسار الفعلي في مراحله الثقافية ووعيها الذاتي. أنها تحتوي بقدر واحد على البحث عن قوانين التاريخ ومنطق الثقافة بالشكل الذي يجعل من إدراكهما المتوحد أسلوب وعي الذات الاجتماعي والقومي. وبالتالي يجعل من التفسير أداة لتوسيع وتعميق وعي الذات في مختلف الميادين والمستويات بالشكل الذي يعيد على الدوام تأسيس منظومة الرؤية وتحقيقها الفعلي في الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة. ذلك يعني، أنها فلسفة تاريخية ثقافية قومية بالمعنى المجرد، وسياسية بمعناها العملي. وفي كلتا الحالتين لا تحتوي على استعداد للتأويل المفتعل والمتحزب، على العكس، أنها تنفيهما بمعايير الرؤية العقلانية والنزعة الإنسانية وفكرة الاحتمال الدائم، بوصفها الأضلاع الثلاثة القائمة في تاريخ المسار الطبيعي للأمم ومنطق ارتقائها الثقافي. وفي هذا تكمن منهجيتها الخاصة.

إن المنهج الخاص "لفلسفة البدائل الثقافية" ينطلق من وحدة الماضي والحاضر والمستقبل في مراحل التاريخ الثقافي للأمم، بوصفها عملية تتوحد فيها الإرادة العقلية الحرة وأثرها الفاعل في كيفية حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة، وبالتالي إبداع المركزية الثقافية ومرجعياتها الذاتية المتسامية. ذلك يعني أنها فلسفة تتمثل تاريخ الأمم وليس الأقوام والشعوب، لكنها تستطيع تفسير سرّ الوقوف التاريخي للأقوام والشعوب بوصفها تجارب عابرة أو جزئية في مراحل الانتقال الثقافي، دون أن يلغي ذلك أو ينفي قيمتها أو حتى أصالتها.

لكن الجوهري في التاريخ العالمي (العام والمجرد) يبقى مع ذلك هو تاريخ الأمم الكبرى، أي الأمم الثقافية وليست الأقوام والشعوب العرقية. ففي وجود وإبداع الأمم الكبرى يتوحد مسار القانون التاريخي ومنطق الثقافة، بوصفها القوة الضرورية للتكامل الإنساني على المدى البعيد، والقادر على تجاوز حالة الوجود الطبيعي إلى الماوراطبيعي، بوصفه تاريخ المستقبل. وحالما تبلغ الأمم تاريخ المستقبل، عندها يكف الماضي عن أن يكون صنما، بينما يتحول الحاضر إلى مستقبل، أي إلى احتمال عقلاني وإنساني دائم لا يخلو من المغامرة لكنه مجرد عن المقامرة أيا كان شكلها ونوعها.

فالقانون القائم في تاريخ الأمم هو الارتقاء من الوجود الطبيعي إلى الوجود الماوراطبيعي. أما مضمونه التاريخي فهو منطق الارتقاء الثقافي. وتجارب الأمم الكبرى في كيفية إرساء أسس مركزياتها الثقافية مرتبط بكيفية تأسيس العلاقة بين الطبيعي والماوراطبيعي في الإنسان والجماعة والدولة والثقافة، أي في منظومة الوجود المادي والمعنوي وكيفية ربطهما في مرجعيات ثقافية متسامية – ما فوق تاريخية. وكلما ترتقي الأمم في ميدان صنع المرجعيات المتسامية، أي الخروج على قانون التاريخ الطبيعي العادي كلما تقترب أكثر من تاريخ الطبيعة و"منطقها" ولكن بمعايير الرؤية الثقافية والكونية، أي رؤية أبعاد الوحدة الفعلية للوجود بوصفه سر الوجود والمعنى الكامن فيه. ولكل مرحلة ثقافية كبرى أنماطها الخاصة بهذا الصدد بوصفها تجارب تاريخية.

وقد شكل العرب في مجرى المسار التاريخي لارتقائهم الذاتي امة كبرى، أبدعت مركزيتها الثقافية ومنظومة مرجعياتها المتسامية التي أدت في نهاية المطاف إلى إنتاج حضارتها الكونية الخاصة (العربية الإسلامية). من هنا فان المهمة الأساسية لهذا العمل تقوم في تأسيس فلسفة للبديل العربي (القومي)، الذي يستند بقدر واحد على إدراك قانون التاريخ، ومنطق الثقافة، وفكرة الاحتمال (في البدائل). بمعنى تأسيس منطق التاريخ المستقبلي بوصفه احتمالا، وفكرة الاحتمال بوصفها تاريخا، أي جعل التاريخ احتمالا دائما (اجتهادا) والاحتمال تاريخا فعليا (جهادا). وتستند هذه الفكرة بدورها إلى أن التاريخ هو صيرورة دائمة من الاحتمال. وللاحتمال منطقه الذاتي المتراكم في كيفية تجاوز الوجود الطبيعي إلى الوجود الماوراطبيعي. وهذا بدوره ليس إلا حلقات أو مراحل الارتقاء التاريخي الثقافي، أو ما أسميته بقوانين التاريخ ومنطق الثقافة.

إن إرساء أسس المركزية الثقافية الكبرى وتكاملها في منظومة حضارية بالنسبة للعرب، والتي رافقت عملية الانتقال من القومية العرقية إلى الأمة الثقافية بفضل الإسلام، قد وضعت المقدمة التأسيسية الكامنة في الوعي العربي وكينونته الثقافية. وإذا كان الانقطاع التاريخي الذي تبع سقوط مراكزه الثقافية السياسية الكبرى (دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة) قد أدى إلى جموده وسباته الطويل، ومن ثم تحلل واندثار وحدته العملية بأثر اندثار مركزية الدولة السياسية (الخلافة)، فان بقاء كينونته الثقافية الكامنة هو جزء من تاريخ المنطق الثقافي، أي ذاك الذي يمكنه السبات والاختباء تحت مختلف أنواع الغبار والدمار، لكنه يبقى محافظا على نوعيته المجردة بوصفه منطقا ثقافيا. فالدولة تتحلل بأثر سقوط مركزيتها السياسية، لكن الثقافة التاريخية الكبرى ونمطها الحضاري لن تتحلل، بل تبقى عائمة في برزخ الوجود التاريخي للأمة، بوصفه الحلقة المنفية في تطورها الذاتي.

والوجود العربي الحالي يكشف عن اندثار مركزيته السياسية القديمة، ومن ثم تحلل وحدته القومية السياسية، لكنه متوحد في تاريخه الثقافي وجغرافيته الثقافية. وهي المكونات الأكثر جوهرية بالنسبة للكينونة العربية، بوصفها صيرورة ثقافية. فالعرب امة ثقافية وليست عرقية، وتاريخهم هو توليف للتاريخ الثقافي والفكرة الكونية (الإسلام) وليس زمن القومية والعرقية. من هنا بقاء وجوهرية الكينونة الثقافية وفعلها الدائم في الحس والعقل والحدس. وسبب ذلك يقوم في أن وحدة التاريخ والجغرافيا الثقافية هو ميدان ظهور وتحقيق ثنائيات الصيرورة التاريخية للكينونة العربية الثقافية. ففيهما ومن خلالها تراكمت تجارب الحلول الكبرى لإشكاليات الوجود والطبيعي والماوراطبيعي، التي أنتجت مركزيتهم الثقافية الكونية الكبرى (الحضارة العربية الإسلامية).

ذلك يعني أن المركزية الباقية بالنسبة للعرب المعاصرين تقوم في وحدة التاريخ الثقافي والجغرافيا الثقافية. والمهمة الأساسية الحالية لا تقوم في كيفية استعادتها أو إعادة بنائها، بل في تأسيسها المعاصر. بمعنى أن المهمة لا تقوم في تنظيم مختلف أشكال وأنماط النماذج المثلى، لأنه لا يؤدي إلا إلى فوضى التجهيل والتقليد وتخريب العقل النقدي ورؤية الاحتمال العقلاني وواقعية البدائل. فواقعية البدائل هي تاريخ المستقبل وليس زمن الأسلاف أو تجارب الآخرين. وبالتالي، فان المهمة تقوم في استكمال المسار التاريخي صوب تذليل الهوة والفجوة المنقطعة في تاريخنا الذاتي.فقد بلغ العرب في مسارهم التاريخي مرحلة الانتقال من الوعي الديني اللاهوتي صوب الوعي الثقافي السياسي.

إن للتاريخ ألعابه الماكرة مع الأمم. كما أن للأمم مآثرها ومهازلها في تاريخها الذاتي. وحالما تصطدم هذه المكونات المتعارضة فيما بينها، عندها تصبح فكرة التاريخ والوعي الذاتي القومي طرفين لتأمل الماضي ونقد الحاضر والحلم بالمستقبل.

ووضعت هذه المقدمة، أو تتبعت ما تسعى إليه من أفكار أساسية في التقديم الموسع، أو المقدمة النظرية التي حاولت من خلالها تبيان المنهج الفلسفي الجديد في تناول اشكاليات الوجود التاريخي والمستقبلي للأمم. وهو بدوره تقديم مختصر (بحدود سبعين صفحة). ان منهجي الفلسفي الجديد يذل خلافات واختلافات المناهج الفلسفية السابقة سواء منها ما ينظر إلى التاريخ بمعايير جزئية (اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية أو ذهنية أو صناعية او غيرها). وينطبق هذا على من يؤسس لها بوصفها عملية تاريخية صاعدة محكومة بقوانين صارمة، أو من ينظر إليها باعتبارها نتاج مصادفات محيرة للعقل أو من يعتبرها نتاج قوى ميتافيزيقية (مادية أو روحية أو دينية). والشيئ نفسه يقال عمن ينظر إلى التاريخ الإنساني باعتباره وحدات متقطعة وتشكيلات حضارية مختلفة ومستقلة بذاتها ولا علاقة لها بالآخرين. اما امتداد هذه المنهج ورؤيته النظرية والعلمية فيجري تطبقها على مختلف جوانب الحياة الإنسانية، التي يجري انتزاع او ابعاد كل ما له علاقة بالآلهة والأساطير أيا كان شكلها ومحتواها.

ان مهمة الفلسفة التي أضع اسسها النظرية والعلمية ذات صلة بالإشكاليات الكبرى لوجود الامة (العربية). ومن خلالها الخروج إلى فضاءها الثقافي التاريخي (الإسلامي) ومنم ثم العالمي. فالامر الجلي بالنسبة للفكرة العربي وحالته الحديثة والمعاصرة أو نقصه الجوهري بهذا الصدد يقوم في افتقاده إلى منظومات فلسفية خاصة به. وهو نقص يرتبط بانقطاعه وانفصاله وانفصامه عن تراثه الفلسفي المنظومي الهائل من جهة، وبسبب استلابه أمام الإبداع النظري الفلسفي الأوربي الذي افقده سلامة الحس ونقد البصيرة وحدس المكاشفة الملازم لكل إبداع أصيل، من جهة أخرى. مما أدى إلى أن يكون الفكر النظري والعملي اجترارا لتجارب الآخرين ودوران في فراغ ثقافي. وهي مفارقة لا يمكنها أن تؤدي إلى نتيجة غير استمرار الاستلاب والضياع وضعف المناعة والفقر المادي والمعنوي. وهذه جميعها نتاج افتقاد العالم العربي لمركزيته السياسية الثقافية الذاتية. 

وبالتالي، فان المهمة الأساسية لكتابي هذا تقوم في التأسيس العقلاني للفكرة العربية، أي فلسفة بناء الوعي الذاتي للعالم العربي وكيانه الخاص. أنها فلسفة جديدة للبدائل الثقافية تحصر توجهها المباشر بالعالم العربي ومن خلاله بالعالم الاسلامي والعالم ككل. أنها لا تسعى لبناء أيديولوجية شاملة، بل لتأسيس منظومة فلسفية – ثقافية للمرجعيات العلمية والعملية، التي توحد في ذاتها ملك وملكوت وجبروت العالم العربي في مستوياته التاريخية والثقافية والسياسية والقومية.

وهي مهمة اعمل على انجازها في ثلاثة أقسام مترابطة، الأول وهو بعنوان "البحث عن مرجعية الفكرة العربية" (الكتاب الحالي) وأتناول فيه تجارب الفكر العربي وحصيلته النظرية التي رافقت مساعيه الحثيثة للاستقلال والتمركز الذاتي بعد قرون طويلة من تحلل واندثار مركزية الثقافية السياسية. والسبب يقوم في انه لا يمكن للفكر أن يساهم بصورة جدية في تغيير الواقع دون إعادة النظر النقدية والفاحصة للكلّ الفكري وحصيلته النظرية لكي يكون بالإمكان لضم مختلف إبداعاته العميقة في استمرار الفكرة، وبالتالي توسيع وتعميق وحدة الانتماء والهموم المشتركة، التي لا يمكن بدونهما صنع البدائل المناسبة.

 بعبارة أخرى، إنني ادرس تاريخ الفكرة من أجل رؤية مسارها المجرد، بوصفه مقياسا لقياس حرارة الوعي الذاتي (العربي)، ومن ثم معرفة ما إذا كانت هذه الحرارة تعبير عن صداع عقلي أم عن طاقة حيوية للخيال المبدع والرؤية المستقبلية.

 ثم الانطلاق من هذه المقدمة لتأسيس منظومة فكرية شاملة لها أسسها الفلسفية الخاصة في القسم الثاني منه. والسبب يقوم في انه لا يمكن صياغة نظرية عملية (سياسية) دون فلسفة للتاريخ، لهذا سوف أضع خطوطها العامة في التقديم العام للكتاب، وصيغتها التاريخية بالنسبة للعالم العربية في القسم الثاني، الذي يحمل عنوان "فلسفة المرجعيات الثقافية للفكرة العربية". ومهمتها الأساسية تقوم في تأسيس منظومة فلسفية ثقافية للتاريخ العربي تشكل الأساس العلمي للعمل السياسي، أي الصيغة النظرية المجردة للفكرة السياسية.

أما القسم الثالث والأخير فهو بعنوان "الفكرة العربية ومرجعيات السياسة العملية". ومهمته تأسيس الفكرة السياسية أو التطبيق العملي لفلسفة المرجعيات الثقافية، التي ادعوها بمرجعيات السياسة العملية، باعتبارها أداة الجبروت العربي المعاصر والمستقبلي، أو إرادته السياسية في التعامل مع الإشكاليات الجوهرية لوجوده التاريخي المعاصر وآفاق تطوره اللاحق.

إن تأسيس وعي الذات العقلاني ومن ثم قدرة التفكير والفكر على امتلاك ناصية الحقيقة الثقافية تفترض تذليل الارتباط العاطفي بالتاريخ ونفيه بالوجدان الواعي تجاه النفس والآخرين، بوصفه انتماءا عضويا ووعيا ذاتيا خالصا. ولا يمكن بلوغ ذلك بالنسبة للفكر العربي المعاصر دون الخروج من كل الثنائيات والمعارضات السياسية والثقافية والأيديولوجية والجغرافية، والبقاء ضمن المسار العام للتاريخ الذاتي وتطوير حصيلته الواقعية في مختلف الميادين.

فالتاريخ الذاتي هو جزء من الماضي الذاتي، بالقدر الذي يشكل الماضي النواة غير المرئية للآفاق الفعلية. إذ لا قانون يحكم المستقبل غير الماضي ومستوى تأثيره وكيفية فعله في الحاضر. وهو حكم لا يغير منه إمكانية انتقال الحاضر إلى المستقبل، أو تجاوز الهوة الزمنية بين "الحاضر" و"المستقبل". وفي هذا "الغلوّ" الواقعي تكمن مفارقة المصير المعاصر للعالم العربي وآفاق وجوده الذاتي والعالمي. وهو مصير يتحدد بمستوى إدراكه لهويته الثقافية وكيفية تذويبها في فلسفة البدائل العلمية والعملية.

إن كل مظاهر العصر الحديث والحداثة، والمقامرة والمغامرة، والمؤامرات والانقلابات، والثورات والثورات المضادة، لم يفلح بعد في إقامة نظام اجتماعي سياسي ثقافي يستند إلى قواه الذاتية، سواء في مسار الاكتفاء الذاتي أو التحديات الممكنة.

فالأزمة التي تولدت عن ضعف المناعة الحضارية، التي واجهها العالم العربي في بداية القرن العشرين مازالت سارية المفعول بقوة تبدو الآن أضعاف ما كانت عليه حينذاك. حيث نقف أمام حالة أشبه بالانهيار التام للكينونة العربية.

وإذا كان لكل انهيار مقدماته، فانه أيضا ميدان البحث عن البدائل ومثار التفاؤل المغري بالنسبة للعقل والضمير في بحثهما وتأسيسهما لحقائق النفس وآفاق تطورها. فالحياة ليست تجربة خالصة. لكنها تحتوي في "تجريبيتها" على عناصر اليقين المتراكمة في تاريخ الانتصارات والهزائم والصعود والهبوط.

ومن العبث البحث عن عناصر اليقين التاريخية في الكيان العربي دون تأمل وحدته العميقة، التي تحتوي على العناصر الجوهرية للتاريخ الواقعي والمثالي بوصفها مكونات فعالة في وجودنا الحالي. ولا يعني ذلك النظر إلى "وجودنا الحالي" كما لو أنها مقدمة مادية تبرهن على عناصر اليقين المذكورة أعلاه. فالجميع أقواما وأمما تتمتع بهذا القدر أو ذاك من هذا "الإثبات الوجودي". وبالتالي، لا يشكل هذا الوجود بحد ذاته دليل على الوجود الثقافي الحي.

يفترض الوجود الثقافي الحي ديمومة مقوماته الذاتية، المتبلورة بهيئة مرجعيات ثقافية جامعة ترتقي إلى مصاف المنظومة المتسامية. ولا يلزم البحث عن يقين لهذه المرجعيات في السياسة أو في الاقتصاد أو في العلم كل على إنفراد، وإلا لأدى ذلك إلى الإقرار بالافتراض الهش القائل، بأن يقين السياسة في السياسة ويقين الاقتصاد في الاقتصاد ويقين العلم في العلم.

إن عين اليقين، القادرة على صنع شعور الانتماء الفعلي للأمة، هو أصالة روحها الثقافي، باعتباره الكيان الأعلى والأعمق والأكثر ديمومة للروح القومي. وهو "روح" لا يمكن فرضه على "شعوب" العالم العربي ودوله القطرية المعاصرة، بقدر ما يفترض على العكس من ذلك، إشراكها الفعال في معاناة إعادة إنتاجه وتأسيسه كل بمعايير تجاربه الفردية. فهو الأسلوب الوحيد الواقعي والضروري لبلوغ ما أسميته بالمرجعيات الثقافية الجامعة، أي عين اليقين القائم وراء مختلف الاعتقادات والفرضيات والقيم الكبرى والعادات، وحدود الشك والحدس الدائم لحقائق الانتماء الروحي الموحد، والفعل الدائم من اجل جلاء مكوناته. ولا يمكن فصل هذه المكونات بالنسبة للعالم العربي عما يمكن دعوته بالإسلام الثقافي، بوصفه الكيان الذي يتمثل حصيلة العناصر الجوهرية للوحدة الاجتماعية والسياسية والثقافية والروحية القومية.

وتكشف التجربة التاريخية للأمم عن أن الصعود الحضاري الأصيل والعمران الشامل يستند بالضرورة إلى نواة داخلية تشكل مصدر الإمداد الذاتي والنفي الحر للأفعال الاجتماعية والسياسية والثقافية والقومية. غير أن ذلك لا يعني وضع أو صياغة عقلانية ثابتة المبادئ والقواعد، بقدر ما يعني التأسيس لمنظومة البحث عن علاقة مرنة بالتاريخ تستند إلى قواها الذاتية. وهي منظومة لا يمكن تأسيسها بالنسبة للعالم العربي إلا عبر وحدته العميقة بتراثه الخاص، أي بتجاربه الذاتية المتنوعة والمختلفة ونتائجها العملية. ففي هذه الوحدة تتكشف حقائق التاريخ العربي، بوصفها الحلقات الضرورية لبناء وعيه الذاتي.

ويفترض بناء الوعي الذاتي بالضرورة تجاوز ربط التاريخ الحضاري للعالم العربي وآفاق تطوره بزمن غير زمنه الذاتي. فهو الزمن الوحيد القادر على التحرر من ثقل وأوهام المقارنات الشرطية بزمن الآخرين. وذلك لأن الزمن الثقافي زمن تاريخي مقترن بمنطق الحق والحقيقة لا بمنطق الضعف والقوة. فالأول هو مصدر التصيّر والاستمرار، بينما الثاني عرضة للتغير والزوال.

وإذا كان التاريخ العربي يستمد كينونته الشاملة والمتوحدة في عوالم الملك والملكوت (مستواها الطبيعي والماوراطبيعي) إلى جبروت الإسلام وتوحيديته الثقافية فيما مضى، فان تصّيره الجديد واستمراره الواجب يتوقف على كيفية بناء منظومة الانتماء السياسي والاجتماعي والقومي بمرجعياته الثقافية. فهي المقدمة النظرية لإعادة ترتيب وعيه الذاتي على أسس الإصلاحية العقلانية، ومن ثم بناء الذات العربية وإحياء وجودها المستقل وتنشيطها الشامل في العالم المعاصر.

فالعالم المعاصر يصنع مقدمات جديدة ويضعنا أمام حوافز إضافية تجاه القضايا والإشكاليات الفلسفية الكبرى في التاريخ والثقافة والعقائد والسياسة، مثل قضايا وإشكاليات التطور والتقدم، والتاريخ والغائية، والقانون والصدفة، والتاريخ العالمي والقومي. كما استثارت هذه الظاهرة بقوة أكثر مما سبق إشكاليات البدائل الاجتماعية الاقتصادية والسياسية والثقافية، وقضايا الوحدة والتنوع الحضاري الإنساني.

فالعالم المعاصر لا يقف أمام مفترقات طرق لابد منها، رغم أن المسار العام يبدوا أحديا فيما هو متعارف عليه "بطريق العولمة". أما في الواقع فان العولمة المعاصرة مازالت بلا هوية ذاتية، وذلك لأنها حصيلة تطور ثقافي واحد واقتصاد معولم. بينما المسار التاريخي المستقبلي هو أولا وقبل كل شيء مسار الوعي الثقافي. الأمر الذي يستلزم بالضرورة تكامل مختلف مركزياته الثقافية العالمية. وعند اكتمال مساره "الطبيعي" أو "نهاية التاريخ" الطبيعي عندها يصبح من الممكن الحديث عن عولمة محكومة بمنظومة مرجعيات جديدة تمثل تجارب الكلّ الإنساني بمختلف ثقافاته الكبرى. وما قبل ذلك، أي مما يجري الآن هو مجرد صراع مستمر ومواجهات لن تنتهي ما لم تنته المواجهات الداخلية للمراكز الثقافية أو الحضارية الكبرى في وحدات متناغمة. ولا يمكن بلوغ ذلك خارج إطار الصيغة الفعلية لثنائيات المنطق الثقافي في كيفية حله لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي في مراحل التاريخ الذاتي، أي كل ما يستجيب لقانون التاريخ ومنطق الثقافة. والمقصود بالقانون هنا هو  مسار التاريخ الطبيعي الذي يمر ويتحقق بمراحل سبع أساسية، الثلاثة الأولى منها "طبيعية" صرف، والرابعة والخامسة بينية (انتقالية)، بينما البقية (السادسة والسابعة) "ماوراطبيعية". وهي كما يلي:

- المرحلة العرقية – الثقافية،

- المرحلة الثقافية – الدينية،

- المرحلة الدينية – السياسية،

- المرحلة السياسية – الاقتصادية،

- المرحلة الاقتصادية- الحقوقية،

- المرحلة الحقوقية – الأخلاقية،

- المرحلة الأخلاقية -  العلمية

والمراحل الثلاث الأولى هي مسار "التاريخ الطبيعي". والرابعة هي مرحلة الانتقال الثقافية الكبرى، أو العقبة الكبرى أمام الانتقال إلى المرحلة الاقتصادية الحقوقية التي تذلل بصورة نهائية بقايا ومخلفات "التاريخ الطبيعي" للانتقال المنظم إلى التاريخ الماوراطبيعي، الذي تتمثله وتجسده وتحققه المرحلتان الأخيرتان، اللتان تؤسسان لبداية التاريخ الإنساني المحكوم بمرجعية التنسيق الأمثل بين الطبيعي والماوراطبيعي. وما بعدها يبدأ تاريخ المستقبل بوصفه احتمالا عقلانيا إنسانيا.

بعبارة أخرى، إن "تاريخ الحق" أو "الماوراطبيعي" يبدأ بالتشكل الفعلي في المرحلة الثقافية، أي تلك التي تفترض في ذاتها نفي المراحل الخمس السابقة جميعا. فالمرحلة الثقافية الخالصة للأمم هي مرحلة "التاريخ الحق" ونهاية "التاريخ القومي" للأمم. إذ التاريخ الحق هو تاريخ الثقافة (أو النفس العاقلة). وما غيره هو تاريخ القوة الغضبية. أما المكونات الضيقة والمحدودة للتجارب القومية في مستوياتها العرقية والدينية فهي بقايا متحجرة. من هنا فان استعادتها المعاصرة هو نكوص إلى الوراء. بينما المهمة تقوم في لحم الكينونة التاريخية لثقافة الأمة بإشكاليات المرحلة السياسية – الاقتصادية بما يخدم عقد الخلاف الثقافي بين الحضارات والأمم والإبقاء عليها بوصفها خميرة التنوع الدائم في البدائل الثقافية – السياسية. عندها تنفتح بداية المرحلة الحقوقية – الأخلاقية، والمرحلة الأخلاقية - العلمية بوصفهما المرحلتين الأخيرتين لبداية التاريخ الإنساني المحكوم بمرجعية التنسيق الأمثل بين الطبيعي والماوراطبيعي في تجارب المركزيات الثقافية المتكاملة.

أما قانون الثقافة فيجري من خلال فعل ونتائج أربع ثنائيات كبرى هي كل من

- التشاؤم والتفاؤل.

- والفعل والخمول.

- والنفي والإيجاب.

- والعقل والوجدان.

إن تحقيق الانتقال من مرحلة إلى أخرى يجري بأثر فعل هذه الثنائيات وكيفية حلها لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي على مستوى الفرد والجماعة والأمة والدولة. ومن خلال هذه المكونات تجري رؤية الماضي والمستقبل. وبأثرها تتبلور معالم الرؤية النظرية والعملية عن الحاضر. ومن هذه المعالم تتولد بدايات الثقافة والحضارة المدركة بمعايير البدائل، أي كل ما يساهم في تكامل واكتمال التاريخ الذاتي. وذلك لأن الرؤية المستندة إلى فكرة البديل، تفترض في تناقض التفاؤل والتشاؤم، والفعالية والخمول، والنفي والإيجاب، والعقل والوجدان، وحدتها بوصفها منظومة متكاملة للبدائل. ومن تعامل هذه المكونات (الثنائيات) النظرية والعملية مع الماضي والمستقبل يتبلور أسلوب وجود الحضارات وثقافاتها. وعادة ما يجري ذلك من خلال تحديد وتفاعل

- اتجاه التفاؤل

- وفاعلية الإرادة

- وكيفية النفي

- ومضمون العقل

إن جميع هذه المراحل انتقالية، بمعنى أن التاريخ عملية مستمرة تحتوي على احتمالات متنوعة من الصعود والهبوط، لكنها لا تنفي مضمون القانون الطبيعي للتاريخ، بل تؤكده بوصفه احتمالا عقليا وإرادة حرة.

ان هذه الصيغة العامة هي بدورها مجرد مقدمة عامة ومكثفة للغاية ستجد طريقها للشرح والبيان والتأسيس بعدد كبير من المجلدات التي تشكل صيغة ومحتوى عملي الفلسفي الاساسي والتأسيس والذي سيظهر تحت عنوان (فلسفة البدائل المسقبلية).

***   ***  ***

ا. د. ميثم الجنابي

 

نضير الخزرجيكما تختلف الأمم في عاداتها وثقافاتها، تختلف في أسمائها ومسمّياتها، ولأن الإسم هو عنوان الإنسان فردا أو جماعة، فله أهميته في حياته وحياة الأمة التي ينتمي إليها، والأسماء وإطلاقها في معظم الأحيان خاضعة لبيئة الفرد ومجتمعه، ومن السهل في عالم التقنية الحديثة التعرف على هوية الفرد وموطنه من اسمه ولاسيّما إذا كانت للأسماء روي أو جناس مثل (أوف) لـ: قادروف أو محمدوف، ومثل (ينهو) لـ: رونالدينهو أو روبينهو، ومثل (سون) لـ: إريكسون ويوهانسون، ومثل (آء) لـ: علاء وسناء، ومثل (يان) لـ: وارطانيان أو مختاريان، فالأول يوحي للسامع أن الفرد من دول ما وراء النهر، والثاني من امريكا الجنوبية والثالث من الدول الاسكندنافية، والرابع من العرب وعموم الدول الإسلامية، والخامس من أرمينيا، وهكذا في بقية المجتمعات التي تسالمت على إطلاق الإسماء على المواليد من وحي البيئة أو المعتقد وعموم ثقافة المجتمع وما يحيط به.

وحيث لا تصل الرسالة الى صاحبها إذا انعدم العنوان أو جهل المكان، فلا يمكن مخاطبة الشخص أو المناداة عليه إذا لم يكن يمتلك إسما أو يجهل المنادي اسمه، فالإسم عنوان وهوية ورسم وشخصية، وما حسن كان له قوة جذب مطردة وما ساء منه كانت له قوة دفع مؤكدة، فالنفس الإنسانية كما تتوق إلى الجمال الظاهري الجسماني والجمادي وتنشد إليه وتنعم نظرها به، تألف الإسم الموسيقي ذا الدلالة الجميلة وتشنّف سمعها به، والعكس صحيح، على أن ميزان الإنشداد إلى الإسم والإبتعاد عنه تختلف خطوطه البيانية صعودا ونزولا حسب طبيعة المجتمع والبيئة، فما يكون حسنا إطلاقه في بيئة لا يستحسن في بيئة أخرى، فبيئة الصحراء غير المدينة، والجبل غير السهل، وكلما زحفت ثقافة المدينة والتمدن على القرية والصحراء والجبال كلما أخذت الأسماء جمالية ورونقا، فصعب يتحول الى سهل، وحرب إلى سلام، وصخر إلى يسر، وعبد اللات إلى عبد الله، وهلمّ جرّا.

ولعل واحدة من العوامل المساعدة على رقي الفرد أو تخلفه في معترك الحياة هو (الإسم) الذي  وضعه له ولي أمره، فبعض الأسماء لصاحبه أن يتباهى به بين أقرانه ويتسلق سلم الحياة بتؤدة، وبعض الأسماء يتوارى به صاحبه وينكفئ على نفسه تحجزه على بلوغ سنام الحياة ورقيها، على أن الأمر ليس بقاعدة، ولكنها ظاهرة للعيان يلمسها كل صاحب ذوق، وقد وجدت من خلال العمل في قسم الأبحاث والتحقيقات في دائرة المعارف الحسينية أن عددًا من الأعلام يحجم في سيرته عن ذكر اسم أبيه أو جده، بل وبعضهم يمتنع عن الإستجابة إن طُلب منه في سياق بيان السيرة الذاتية حتى لا يقع في مخمصة الإحراج، وأذكر في هذا الخصوص أن أحد المفكرين العراقيين المعاصرين كان يمتنع عن ذكر اسم أبيه في المحافل العلمية، ولما كنت بحاجة الى بيان سيرته الذاتية في أحد الأعمال الكتابية، سعيت في الامر فخارت قواي البحثية أو كادت حتى علمت في بعض السنين أنه مدعو إلى مؤتمر إسلامي يعقد في العاصمة البريطانية لندن، ومقتضى الدعوة أن يبعث بصورة عن جوازه من أجل استحصال سمة الدخول (الفيزا)، وقد فعل مما اتاح لي الإطلاع على صورة من جواز سفره ومنه عرفت اسم أبيه، وقد أعذرته عندما عرفت بإسم والده وتساءلت مع نفسي: كيف لأب أن يسمي ابنه بهذا الإسم المندك بالسوداوية كسواد القدر، فإذا كان الإبن يشعر بالحرج بالشديد لذكر اسم والده في المحافل العلمية، فكيف لصاحب الإسم، وكيف شعوره عندما كان ينادى به على الملأ.

حقيقة التسمية وما يكتنفها يتابع أحكامها الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي في كرّاس "شريعة التسمية" الصادر حديثا (2019م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت، في 56 صفحة مكتنفا على (74) مسألة شرعية و(28) تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، مع مقدمة للناشر ومقدمة للمعلق وتمهيد للكرباسي و(38) حديثا شريفا تهدي ولي الأمر إلى قُلّة الأسماء سمينها وغثّها.

شروق الأسماء وكسوفها

في العادة يأتم الإنسان في فعاله وسلوكه بغيره إتباعا أو تأسيا أو تماثلا، سيان بين الخير والشر لا فرق، وفي ميدان الخير يمثل النبي أسوة حسنة، والصالح أسوة، والعظيم أسوة، والفنان أسوة، فكل مبدع في حقله هو أسوة، ومن ثمار الأسوة أن يطلق الأب على ابنه اسم من يعتز به من عظيم أو مبدع، ومن الأسوة أن يتبع المرء ما يدعو إليه صاحب الأسوة.

وفي مقام التسمية، فإن الأسوة الحسنة هو إتباع من يدعو إلى الجمال والأسماء الحسنة، وهذا ما كان عليه ديدن نبي الرحمة محمد بن عبد الله (ص) في إطلاق الأسماء على بنيه وأسباطه وأصحابه أو يغير أسماء المسلمين الجدد نحو الأحسن، فكيف اذا جاء الإطلاق من الرب الجليل؟، فهو إشارة إلى أهمية التسمية، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد: (فالتسمية ضرورة بدأها الله جلّ وعلا وعلّمها خلقه وسنَّ التعامل بها وعلّمهم ذلك، وحثّهم على تسمية الأشياء والأعيان بأفضل الأسماء وأحسنها).

 ولدور التسمية في حياة الفرد والأمة كما يضيف الكرباسي: (وردت التسمية في القرآن الكريم إحدى وسبعين مرة، يقول سبحانه في محكم كتابه الكريم: "وعلّم آدم الأسماء كلّها" البقرة: 31، ليتمكن من التفاهم معه كما يمكّنه من التعامل معها، وقال جلّ وعلا: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها" الأعراف: 180، وهو الذي سمى الأنبياء بأسمائهم، فسمّى آدم قبل أن يخلقه وناداه به حينما قال: "يا آدم أنبئهم بأسمائهم" البقرة: 32، وسمّى يحيى النبي بيحيى حيث يقول: "يا زكريا إنّا نبشِّرك بغلام اسمه يحيى" مريم: 7، وسمى عيسى إذا قال جلّ وعلا: "إنَّ الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى" آل عمران: 45، وسمّى النبي الخاتم حيث يقول: "ومبشِّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد" الصف: 61، كما إنه اختار تسمية المسلم حين قال جلّ جلاله: "هو سمّاكم المسلمين من قبل" الحج: 78).

ومن هذه النصوص ومن غيرها يُدرك أهمية التسمية حتى بالنسبة للسقط، فالأمر لا يتوقف على المولود حيّا، وفي الحديث النبوي الشريف: "سمّوا أسقاطكم، فإن الناس إذا دعوا يوم القيامة بأسمائهم تعلّق الأسقاط بآبائهم فيقولون لِمَ لَمْ تسمّونا؟ فقالوا يا رسول الله(ص) هذا مَن عرفناه أنه ذكر سمّيناه بإسم الذكور، ومَن عرفنا أنها أنثى سمّيناها بإسم الإناث، أرأيت مَن لم يستبن خلقه كيف نسمّيه؟ قال: بالأسماء المشتركة مثل زائدة، وطلحة وعنبسة وحمزة".

بل وأكثر من ذلك أن قام الإستحباب على إطلاق التسمية على الجنين قبل أن يولد، وفي الحديث عن الإمام علي(ع): "سمّوا أولادكم قبل أن يولدوا، فإن لم تدروا أذكرٌ أم أنثى، فسمّوهم بالأسماء التي تكون للذكر والأنثى، فإن أسقاطكم إذا لقوكم في يوم القيامة ولم تسموهم يقول السقط لأبيه: ألا سمَّيتني وقد سمَى رسول الله (ص) محسنًا قبل أن يولد"، ويعلق الفقيه الكرباسي على الحديث في إلتفاتة علمية لطيفة: (يُشعر من كلام علي(ع) إمكانية معرفة جنس الجنين قبل أن يولد) وهو ما تحقق بالفعل في الفترة الأخيرة عبر جهاز كشف خاص بالأمواج الصوتية يُعرف بالسونار (Sonar) وهو شبيه بما لدى طائر الخفّاش كما يقول العلماء.

من هنا يفيد الفقيه الكرباسي في "أحكام التسمية وشرائطها" وجوب إطلاق الإسم وعدم التهاون في الأمر، إذ: (يجب على ولي الأمر الطفل أن يُسمّي المولود)، وبتعبير الفقيه الغديري في تعليقه: "وذلك من الحقوق الواجبة على مَن له الولاية على الطفل حقًّا وحقوقًا، سواء فيه الوالد وغيره"، وزيادة على هذا الحق، أن يحسن الولي اختيار الإسم اللطيف، فمن وصايا النبي(ص) التي أملاها على وصيِّه(ع): "يا علي حقٌّ الولد على والده أن يُحسن اسمه وأدبه، ويضعه موضعًا صالحًا، وحق الوالد على ولده أن لا يسمِّيه باسمه"، واطلاق الإسم الحسن هو عنوان البر، فعن الإمام موسى بن جعفر الكاظم(ع): "أوّل ما يبرُّ الرجل ولده أن يسميه باسم حسن، فلحسن أحدكم اسم ولده".

يجب وما لا يجب

ولا يختلف الذوق العام إزاء التسمية بين ذوات الأرواح والجمادات، فما يُستحسن في تسمية الإنسان ويقبح يستحسن في تسمية الجمادات ويقبح، فالأسماء الجميلة للمحلات والأسواق والمطاعم عامل جذب للمتسوقين والمتبضعين والآكلين، فالنفس البشرية ترتاح للإسم الجميل كما ترتاح للمنظر الجميل.

وهذه الخاصية تحمّل ولي أمر الوليد مسؤولية اختيار الإسم واستحسانه واستظرافه، وهو ما يدعوه الى معرفة ما له وما عليه في هذا الإطار وعدم التهاون لئلا يقع في المحظور الشرعي والأخلاقي والإجتماعي.

ومن الأمور التي ينبغي معرفتها كما يشير إليها الفقيه الكرباسي في مجموعة مسائل منها: (يحرم تسمية الإنسان بالأسماء التي تخص الله كلفظ الجلالة "الله")، نعم يصح ذلك إذا أضيف إسم الجلالة إلى مضاف ويُراد منه الشيء الحسن كما هو الغالب في ثقافات بعض الشعوب، ويستشهد الكرباسي على ذلك في مثل إطلاق إسم "الله بخش" أي عطاء الله، أو "الله آباد" أي حي الله ومدينة الله، ومثلها مثل "إسلام آباد" أي مدينة الإسلام في باكستان، ومثلها في إيران "إسلام شهر".

ومن الجواز والإستحباب: (تجوز التسمية بأسماء الأنبياء والمرسلين بل يستحب ذلك)، ولما كان "روح الله" هي من صفات السيد المسيح (ع)، في قوله تعالى: [إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ] فنجد بعض الشعوب تطلق على أبنائها اسم "روح الله" تيمنا بنبي الله عيسى بن مريم عليهما السلام، وفي هذا السياق: (تجوز التسمية بالعبودية للأنبياء والمرسلين والأئمة المعصومين (ع) كعبد المحمد وعبد علي وعبد الحسن وعبد الحسين، وأمَة المصطفى وأمَة حيدر وأمَة فاطمة وهكذا)  ولكن بشرط كما يضيف المعلق: "أن لا يُقصد منه العبودية بالمعنى الخاص كما هو الدائر بين بعض الطوائف غفلة أو شوقًا أو ولاءً إفراطيا أو تطرفا، مثل لو سمّى شخص إبنه عبد الحسين معتقدًا بألوهية الحسين (ع)، وذلك يُحرم قطعًا ويجب إرشاده".

وقد يصادف الإنسان من اسمه كلب محمد أو كلب حسين أو كلب عباس لإظهار شدة الولاء للنبي محمد (ص) وأهل بيته كما هو في شبه القارة الهندية وآذربايجان وبلاد ما بين النهرين، ولكن الفقيه الكرباسي يعقب بقوله: (لا نعتقد أن الرسول (ص) وأهل بيته يحبذون مثل هذه التسميات، وما تبرير بعض الناس بأنها مخففة كربلائي عباس وكربلائي محمد غير صحيح، لأنّ الباء مؤخرة عن اللام أولاً، ومختصره يكون كرب عباس وكرب محمد ثانيا)، وللفقيه الغدير تفسير آخر بمؤدى الولاء الشديد حيث يعقّب: "وأما الذي اعتادت عليه بعض الملل بتسمية أولادهم بالكلب بخصوصه مثل: كلب الحسين، كلب العباس، كلب العابد، بلحاظ وفائه بصاحبه في الحفظ والحراسة عن نفسه وماله فلا بأس به، وهذا هو الأمر المتعارف عليه في القارة الهندية، وإن كان الأفضل ترك ذلك لعينية نجاسته، وأما الأسماء التي لا جهة إيجابية لها بارزة فاختيارها لا يخلو من إشكال كالحمار وجهنم، وقد يحرم إذا كان يوجب وهن المسمّى به شخصًا أو قومًا أو معتقدًا".

وللمرأة هويتها

ولما كان للأنثى ما للذكر من حق التسمية لذا: (يكره تسمية الذكر بإسم الأنثى وبالعكس إذا لم يسبب حرجًا للأولاد في الكبر وإلا حرم)، ولكن كما يضيف المعلِّق: "تُرفع الكراهة بالإضافة كما لو سمّى الإبن نسيم الحسن والبنت نسيم فاطمة مثلا" وهو الشائع في الهند، وفي باكستان القادم منها المعلِّق، نعم: (لا كراهة في تسمية الإنسان بالأسماء المشتركة مثل جمال وحكمت).

ولأن للمرأة حرمتها واحترامها في بعض المجتمعات، فإنها إن فارقت الحياة وأريد الإعلان عن ذلك عبر إقامة مجلس فاتحة وترحيم لها، فإن ذويها كما في العراق وفي غيره يحجمون عن ذكر اسمها ويشيرون إليها بالعُلقة كأن يكتبوا "عقيلة فلان بن علان الفلاني" أي زوجته، أو "كريمة فلان بن علان الفلاني" أي ابنته، أو "والدة فلان بن علان الفلاني"، وهكذا في بقية النسب "شقيقة فلان" أو "خالة فلان" أو "عمّة فلان" أو "جدة فلان"، من هنا واحترامًا للعرف الإجتماعي: (يجوز ذكر أسماء الأنثى عند غير المحارم إلا مع عدم رضا الشخص نفسه)، ويضيف الفقيه الكرباسي: (تسمية الأنثى عند غير المحارم إذا كان مستهجنًا عند شريحة من الناس وكان يسبب إيذاءً فلا يجوز ذلك، حيث جرت العادة عندهم بعدم ذكر أسماء حريمهم احترامًا وتكريما).

 ولكن قد يقع الحيف على الأنثى عند بعض المجتمعات، فحينما يولد للرجل أنثى يكنى بها وما إن يولد له ذكر فيعدل هو أو يعدل المجتمع إلى تكنيته بالذكر دون الأنثى حتى وإن كان الفاصل الزمني بين ولادتهما سنوات طوال، ولكن بعض المجتمعات يزيد من ظلمها للمرأة عندما يستخدم بحقها الزوج أو الأب كلمات يفهم منها السامع التصغير أو التحجيم او حتى التحقير، ولهذا يؤكد الفقيه الكرباسي أنه: (لا يصح ذكر إسم الأنثى سواء بالصراحة أو بالإشارة واستخدام كلمة "تُكرم" تحقيرًا للمرأة كما في بعض المناطق العربية والقرى غير المتحضرة).

وأخيرا وليس آخر فإن المرء وليدا كان أو كبيرا، ذكرا كان أو أنثى هو محل احترام وتقدير، وإذا حسن الإسم كان أول الطريق على حسن المقام، لما للإسم الزاهي من تأثير إيجابي على نفسية المرء وسلوكه، ولا أزهى من "محمد" وهو القائل: "إذا سميتم الولد محمدًا فأكرموه وأوسعوا له في المجالس، ولا تقبحوا له وجهًا" و"البيت الذي فيه محمد يصبح أهله بخير ويمسون بخير" كما يقول حفيده الإمام علي بن موسى الرضا(ع)، ومثل هذا: "إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ألا ليقُم كل من اسمه محمد فليدخل الجنة لكرامة سميّه محمد" كما يقول حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع)، ولكن بشرطها وشروطها ومن الشروط حسن الولاء والبراء والوفاء بحق الله وحق المجتمع.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

علي المرهجخصص فلاح رحيم الفصل من كتابه عن سعيد الغانمي بوصفه أنموذجاً لحل مشكلة أزمة التنوير، أو أن ما كتبه الغانمي يُعد بمثابة خلق "فجوةً ثقافيةً" بين المثقف والجمهور!، ورغم أهمية ما كتبه وترجمه سعيد الغانمي ونيله لجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2017 عن كتابه "فاعلية الخيال" إلَا أنه لا ينظوي ضمن إطار حركة التنوير إن كانت موجودة في العراق، لأن حركة التنوير هي من نتاج مرحلة الحداثة التي روَجت لقيمة العقل الإنساني في اجتراح قيَم الحياة بعيداً عن هيمنة الميثولوجيا، وسعيد الغانمي يُدافع عن الميثولوجيا ويدعو إلى ضرورة تخليصها من هيمنة التاريخي والواقعي العقلاني سواء في كتابه "خزانة الحكايات" أو في كتابه "الكنز والتأويل" أو كتاب "ينابيع اللغة الأولى"، بل يسعى إلى "الكشف عن الخفي اللاتاريخي اللازماني المطمور في كتابات الأولين من معان" (ص134) ولا أعرف بأي معنى يكون الغانمي قد "واجه ميراث التنوير المأزوم"!!، الذي وصفه فلاح رحيم على أنه مرتبط بالسياق الأوربي لظهوره. ويبقى السؤال هو هل يكون التنوير تنويراً حينما يغيب تأثيره في حركية ودينامكية الواقع المتغير لحياة المجتمع الذي يعيش فيه الكاتب؟!، فخُذ (كانت) مثال التنوير لتجد المفارقة، ولك في فولتير ومنتسكيو وديدرو وجان جاك روسو مثالاً يُحتذى في فهم المفكر لديناميكية الواقع وصياغته للنظرية بما يجعلها فاعلة ومؤثرة في إحداث النُقلة الحضارية والفكرية وتغيير نمط الوعي السائد، فما هو تأثير كتابات الغانمي لا أقول في المجتمع، بل في الوسط الثقافي الذي هو جزء منه؟!. وأنا هنا لا أقلل من أهمية نتاج الغانمي الثقافي، ولكن تأثير هذا النتاج يبقى محدوداً أو محصوراً في أطر ثقافية ضيقة تكاد تقتصر على النُخبة المُهتمة التي تشتغل بمنطقة قريبة من اهتمامات الغانمي. وإن كان فلاح رحيم قد تناول الغانمي بوصفه مثالاً للمثقف الذي بقي نُخبوياً يعيش الفجوة بينه وبين المُجتمع، فذلك مما لا أظنه ينطبق على كتابات الغانمي التي في أغلبها تُحاكي المجتمع في تنوع تمظهراته العقلانية واللاعقلانية، فهو ينهل من الأسطورة ومن غرائبية وسحرية بورخيس أنوذجه الأنسني الذي يخترق أفق التنوير الحداثي بمنطقه العقلاني الصارم، بل حتى في ترجماته إنما ينهل من فضاء التأويل بوصفه إثراء للمعنى وخروج عن ضبط المنطق العقلاني بطابعه الأرسطي القياس أو بطابعه الاستنباطي الرياضي عند فلاسفة المدرسة العقلية، ليلجأ لترجمة بعض من مؤلفات بول ريكور "الزمان والسرد" وبواعث الإيمان" لبول تيليش، بل وحتى حينما ذهب لترجمة بعض نتاج الفلسفة الكانتية، نجده يذهب لترجمة كتاب "نقد ملكة الحُكم"، وهو كتاب في فلسفة القيم، ومن ثم ترجم كتاب أرنست كاسيرر "اللغة والأسطورة"، وجُلَ هذه الكتابات، إن لم تكن جميعها، إنما هي سعي من سعيد الغانمي لردم أو سد "الفجوة الثقافية" بين ما هو نُخبوي وبين ما هو اجتماعي شعبي سائد.

بعد كل هذا هل الغانمي يُمثل أنموذجاً "لمواجه ميراث التنوير المأزوم"؟، أم هو أنموذج أمثل لوجود الفجوة بين المُثقف والمجتمع في كتاباته!. لا هذا ولا هذه، فالغانمي يختط لنفسه مشروعاً في الترجمة والتأليف كي يكون منطقة وسطى بين ميراث التنوير العقلاني بنزعته الصارمة ومُتبنيات المجتمع التخيلية والأسطورية التي تخترق أفق هذه العقلانية الصارمة لتكشف لنا عن عوالم جمالية في الأسطورة والحكايات الشعبية تخترق أفق المنطق العقلاني البرهاني لتكشف لنا عن مكامن الوجدان الذي يتجاوز حسابات المنطق وعقلانية التنوير بتقييدها للعقل في حدود الواقع وفق تصوراتنا العقلية أو التجريبة.

ولك أن تختار من مفكري النهضة العربية والفكر العربي المعاصر أمثلة كان لها دورها الفاعل في رسم خارطة جديدة للوعي العربي ما قبل احتلال فرنسا لمصر وما بعدها، وما قبل هزيمة حزيران وما بعدها، فخذ شاهداً على قولنا ما كتبه الطهطاوي أو الأفغاني أو الكواكبي، أو محمد عبده أو فرح أنطون، أو اسماعيل مظهر، أو سلامة موسى، أو طه حسين، أو أركون، أو الجابري، أو نصر حامد أبو زيد...إلخ.

هل يمكن لنا أن نجعل من مقولة الغانمي بفاعلية الخيال الأدبي مشروع رؤية لتنوير عراقي؟ أم أنموذج لتوسيع الفجوة الثقافي، أو ربما ردمها لتجسير العلاقة بين المثقف والمجتمع؟ لا جواب عندي لهذا السؤال وفق ما طرحه فلاح رحيم في كتابه هذا، وما يسعى له الغانمي.

لقد أرَقنا الخطاب البياني، وجعلنا سحر اللفظ وهيامنا بموسيقاه ورؤاه الشاعرية نعود القهقري. وهل يمكن لنا نحن الذين غيًب عقولنا فعل المخيال الأسطوري أن نكون مأخوذين بسحره ولا ننتقده طالما كان نقدنا له من خارجه كما يدعو لذلك الغانمي؟ هل يُريدنا الغانمي أن نعيش وفق مُقتضيات العقل الأسطوري كي نتمكن من نقده؟ وهل فعلاً أن من يهيم عشقاً ووثوقية بالفكر الأسطوري يستطيع أن يُمارس فعل النقد؟!. فالغانمي يرفض بأي حال من الأحوال فهم الفكر الأسطوري وفق الرؤية العقلانية والتاريخية!. أنا أعتقد أن هذا الأمر ممكن لو مررنا بما مر به الغرب من نقد تاريخي وعقلاني لمنظومته الفكرية الدينية والأسطورية، فعاد في مرحلة "ما بعد الحداثة" بعد أن أعاد للعقل الإنساني هيبته ودوره وفاعليته في رسم قوانين حياته الدنيوية، عاد ليُتيح لبعض من رغبات الإنسان ونزواته بعض الحرية للخلاص من هيمنة وسطوة النظام العقلاني وصرامته. أما أن نسير نحن بركاب ما بعد الحداثة ونحن لم نعش أعطيات الحداثة في نقد الفكر الديني والميثولوجي، لنبحث في أطروحات ما بعد الحداثة عن دفاع شكلي كمالي عن نزوات ونزعات الإنسان للعيش وفق نمط الوعي الجامح للخيال، وهذا مما يُمكن تقبله إن كُنَا قد مللنا من هيمنة وسطوة "العقل البرهاني".

وهل يكفي أن يكون الكاتب قارئاً جيداً للمناهج الحديثة، وموظفاً لها في كتاباته، كما هو الحال مع الغانمي الذي وظف بنيوية شتراوس الذي أعطى للأسطورة أهمية كُبرى في كتاباته الأنثربولوجية توثيقاً لبدايات الإنسان الأولى، أن يكون تنويرياً أو خارج دائرة التنوير؟ فنحن في قرائتنا لكتاب فلاح رحيم وقعنا بين الـ "إما" و الـ "أو"، فإما أن يكون المُثقف تنويرياً، والتنوير يعني ردم الفجوة بين المُثقف والمُجتمع، أو يكون خارج دائرة التنوير لأنه لم يستطع ردم أو سد هذه "الفجوة"!.

ولكن ألا يُمكن للكتابة أن تكون فعل ذاتي، أو تعبير عن ملاذات الذات ووجدها ووجدانها، وهي بذلك تعبير عن إنفعالات ذاتية وتفريغ لطاقات "قراءة" مُتراكمة وعقل مشحون، يروم تفريغ هذه الطاقة تعبيراً عن الوجد والوجود الذاتي، فهل من تصنيف لهكذا نوع من الكتابة عند فلاح رحيم؟ هل هي كتابة تردم أو تسد الفجوة" أم تُزيد في توسعتها؟!.

إن قيمة وأهمية الكتابة "التنويرية " هي في طرح المفكر لمُنتجه الفلسفي والثقافي على أنه سعي لتحقيق وظيفة اجتماعية، وهذه الوظيفة إنما تتحقق حينما يتخذها المجتمع أنوذجاً له في التغيير الثقافي أو الفلسفي، والاجتماعي، فتكون قيمة مثل هكذا فكر مُقترن بمقدار ما يُحدثه من تجديد أو تغيير في نمط التفكير الثقافي أو الفكري أو الديني أو الاجتماعي السائد، وبأقل الأحوال بما تُحدثه الكتابة من إضافة تُغير مسار الرؤية الثقافية أو الاجتماعية السائدة، لنقلها من طابعها السكوني الستاتيكي القار إلى طابع آخر أكثر حركية وديناميكية، لهدم المنظومة المعرفية السائدة أو تقويضها، عبر رؤية نقدية لإشكالية التخلف التي يُعاني منها المجتمع العربي على وجه العموم والمجتمع العراقي على وجه الخصوص، ولك في كتابات محمد عابد الجابري مثال تقتدي به، فعلى الرغم من كل ما أثارته وما تُثيره كتاباته من نقد، إلَا أنها بشهادة كبار المفكرين العرب أنها قد حركت العقل العربي بعد ركود طال أمده.

عُرف الدكتور حسن ناظم بوصفه ناقداً ومُترجماً، ومن كتاباته بوصفه ناقداً كتب مثل: البنى الأسلوبية ـ دراسة في قصيدة أنشودة المطر للسياب، ومفاهيم الشعرية ـ دراسة في الأصول والمفاهيم، وأنسنة الشعر، والنص والحياة.

ولست بناقد حتى يتسنى الحُكم على جهود حسن ناظم النقدية، ولكنه من النُقاد العراقيين الذين لهم حضورهم وتأثيرهم في النقد العراقي المعاصر، من أمثال:      د. حاتم الصكر، ود. ناظم عودة، ود. يوسف إسكندر، ود. سعيد عبدالهادي، ود. حيدر سعيد، ود.عصام العسل، وآخرون كُثر.

د. حسن ناظم اليوم هو مُدير كُرسي اليونسكو لتطوير دراسات الحوار في العالم الإسلامي، ورئيس تحرير مجلة "الكوفة" الأكاديمية، ومُدير سلسلة "دراسات فكرية"، وهي سلسلة تصدرها جامعة الكوفة التي تميزت بإصداراتها ودقة إختياراتها للمنشورات الصادرة منها.

أما ترجماته فكان الدكتور علي حاكم مُشاركاً له فعاشوا مصاعبها في تحويل المعنى من مجال تداولي مجال تداولي آخر، فاختارا نصوصاً فلسفية وفكرية مهمة قدماها هدية معرفية للثقافة العربية.

عُرف بترجماته أكثر مما عُرف بدراساته في النقد الأدبي، فقد ترجم وبمعيته د.علي حاكم كُتب فلسفية وفكرية عدة، أهمها كُتب غادامير: (بداية الفلسفة)، و (الحقيقة والمنهج) و(طُرق هيدغر) و(التلمذة الفلسفية) اللذي مثل نتاجه الفلسفي ردَ فعل على أفاعيل عصر التنوير في هيامه بالعقل وثقته بالنظرية العلمية، وتغييبه لدور الفن ومناحي الحياة القيمية في الأخلاق والجمال، وتلم من تجليات الحضور الإنساني في الحياة، ولكن التنوير غيًبها بفعل تسارع تأثيره.

اهتم د. حسن ناظم بدراسة الشعر، ومنه شعر السياب، وشعر فوزي كريم، جادل وحاور عبدالله الغذامي في كتابه "النقد الثقافي" لينحاز لشعر فوزي كريم الذي تخلص فيه من التبعية والتقليد للنتج الشعري الغربي في حداثته، عبر العودة للتراث والتجربة الإنسانية الحرة النابعة من الذات نفسها، من قلقها وفرحها، من هيامها وضياعها،من وجودها وعدمها.

لم يتخلص حسن ناظم من هيمنة المناهج الغربية في قراءته للشعر العراقي ونقده أو تشريحه، سواء في دراسته الأسلوبية لشعر السياب، أو في دراسته لشعر فوزي كريم، وإن لم يستخدم في قراءته لشعر فوزي ذات الأدوات التي استخدمها في قراءته لقصيدة السياب "أنشودة المطر".

ما ركز عليه فلاح رحيم في كتابه "أزمة التنوير العراقي" في قراءته لنتاج د. حسن ناظم هو ربط الأخير لتجربته النقدية في قراءة الشعر بمُهيمنات أيديولوجية حكمت أشكال نمطية من الشعر العراقي، تجاوزها السياب وفوزي كريم، كل على طريقته، وهذا لا يعني خروج شعر هذين الشاعرين عن هيمنة الأيديولوجيا وتأثيراتها في صياغة صورهما الشعرية، ولكنها لا تُدرج ضمن نسقية النمط السائد من الشعر المُتفاعل "دوغمائياً" مع السلطة، كما هو الحال في شعر عبدارلزاق عبدالواحد، أو ضدها، كما هو الحال في شعر سعدي يوسف ضد سلطة البعث وصدام، أو في موقفه الآخر المُناهض للسلطة الحالية التي يعدَها نتاج أمريكي.

هناك بعض تأثير وحضور للرؤية الماركسية في شعر السياب، وكثير من التأثير والحضور للوجودية في نزوعها الصوفي في شعر فوزي كريم، وانحياز حسن ناظم لتجربة فوزي كريم الشعرية لا سيما في الفصل الثالث من كتابه "أنسنة الشعر" الموسوم "الذات ينبوعاً للتجربة الشعرية"، بحسب ما يرى فلاح رحيم (ص190)

ولكن هل يجعل كل ما كتبه حسن ناظم من نقد يندرج ضمن مشروع يُمكن أن يُقال عنه أنه "تنوير عراقي"، أو أن هذا التنوير قد مرَ بأزمة، لأن حسن ناظم قدَم "بديلاً تأويلياً عن المنهجية النقدية الاختزالية (ص187) في قراءته النقدية لشعر فوزي كريم!. وفي كتابه "النص والحياة" الذي خصصه لقراءة نتاج "سعيد الغانمي النقدي"، وإن كان فلاح رحيم يرى أن في كلا النتاجين، نتاج الغانمي وحسن ناظم "دلالة على أزمة يُكابدها التنوير العراقي في يومنا هذا" (ص173)، ولم أعرف هل يقصد أن كتابات الغانمي وحسن ناظم هي بذاتها مثال عن هذه الأزمة وتكريس أمثل للـ "الفجوة الثقافية"؟! أم أن كتاباتهم عن الآخرين وتشريحهم لها يعني أنهما كشفا عن هذه الأزمة؟!.

سأعود لأقول أن فكر التنوير مُرتبط بقدار ما يُحدثه من تأثير في تغيير نمط الوعي الثقافي أو المُجتمعي، وإحداث ثورة وقب للـ "البرادغيم" السائد، لتقويضه، وإيجاد "برادغيم" آخر (جديد يحل محله بعبارة (توماس كون). إنه قلب لنظام القيم سواء أ كان هذا الإنقلاب معرفياً أو كان قيمياً، ولربما كلاهما معاً.  

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ الفلسفة

 

666 غوايات القراءةسأل أخي د. سعيد المرهج بعض من أخوتي الذين يحارون بنقل كُتبه من مكان إلى آخر لأنه كان كثير التنقل في السكن لملل أحاق بهم لا بسبب نقل آثاث البيت، إنما بسبب نقل الكتب لكثرتها، هل قرأت كُل هذه الكُتب؟ فأجاب: أخواني: "ترى واهسي بالكتب واهس مطيرجي يحب الطيور، هسه مو شرط كلها يطيرها، ولا شرط يوميه يتأمل بكل طيوره ويفحصها واحد واحد"..وأكمل كما ذكر علي حسين في كتابه "غوايات القراءة" على لسان (جبرا ابراهيم جبرا) "لم أقرأها كُلها إنما اطلعت عليه".

أغنية الدلوعة (صباح) شمس الغنية وهي بالأصل مثل مصري شائع يقول "الغاوي ينقط بطاقيته، الغاوي، تسلملي عينو وعافيتو الغاوي".

وعلي حسين غاوٍ للفكر والثقافة، وهو يُخرج من جعبته بحسب مكنته المعرفية ما لا يبخل به على جعل القراءة عُرساً ثقافياً.

استغرقت الكُتب جُلَ حياة علي حسين، ومن يعرفه عن قُرب يعرف صدق هذه العبارة، تمنحه القراءة القُدرة على رؤية العالم رؤية أكثر عُمقاً وتجدداً ودرايةً.

القراءة مكمن المعرفة، فلا قُدرة على الفهم من دون تمكن ومواصلة على القراءة، ولا وجود لـ "لغة تعبيرية" تختزل القول عن الحال والمآل خارج تأمل العالم عبر اللغة المُحتواة في القراءة.

لا يستطيع علي حسين وأمثاله تصور العالم بلا كُتب، مثلما لا يستطيع غيره تصور العالم من دون العيش وسط هوايته أو غوايته.

القراءة لذَة واستراق للمعرفة، فأنت لا تُنتج لُغتك الخاصة إن كُنت شاعراً أو سارداً أو ناقداً أو مُفكراً إذا لم تستمر بالقراءة، وليست القراءة في مسك كتاب ومحاولة استكمال قراءته من أجل أن نقول أننا نقرأ، إنما القراءة هي هضم لرؤى الكُتَاب الكبار واعادة صبها بلغة يصهرها القارئ المُميز أو الـ (super Reader) بلغة آيزر.

الكُتب تجارب وحياة تُعاش مرة في عوالم القراءة، وأخرى في عوالم التجربة والحياة.

رغم أن القراءة عند علي حسين غواية أو مُتعة إلَا أنه لا تقف عند هذه الحدود، بل تقفز عليها لتُحيل المقروء إلى نص آخر من نتاج قارئه.

في القراءة إنقاذ للعقل من الركود والوقوع رهينة لهيمنة العقل السحري والغيبي والنزعة الاتباعية.

في القراءة اختيار لمن تبتغي الحوار معهم، وعقدٌ لصداقات مجانية مع المفكرين والمُبدعين،ولك أن تختار أميَزهم حسب ذائقتك لتعيش معهم مُحاوراً لهم تشعر بنبض تحولاتهم المعرفية والثقافي وحتى الحياتية.

في القراءة تختار أن تُصادق الكبار وتنهل من معارفهم.

من خلال القراءة تعرف الكيفية التي تُخاطب بها خصومك وأصحابك، فلك أن تغرف من فضاءات المعنى المُتاحة فيها المفردات التي تُمكنك من الاطاحة بالخصوم، وكسب الأصحاب عبر فيوضات اللغة ومفاهيمها المُكتزة تعبيراً نقدياً لا فضاضة فيه بقدر ما فيه من تعجيز لخصومك لعقم ما هُم فيه من جدبَ ثقافي، وكسب أنسني لمن هُم لفضاء محبتك وتعابيرك اللغوية يعشقون. إن "القراءة الذكية تُنقذ الإنسان من كُل شيء، حتى من نفسه" كما يقول (دانيال بيناك)، وتُكسبه أصحاباً يهيمون في بيان ألفاظ الكاتب ووقدرته على بناء الأفكار والمعاني.

لا تستطيع وإن كُنت قارئاً حصيفاً أن تلم بكل ما يُتيح لك علي حسين من فضاءات الحوار مع الكُتاب والمُفكرين الكبار.

علي حسين شغوف كما هو حال (فوكو) بتقديم الفكر والفلسفة للقارئ بكتاب "يحمل الكثير من المُتعة والتشويق".

الكُتب حدائق غنَاء تُقدم لك ما لا تجده في الواقع، فكل كاتب كبير يصنع حديقته ويُنسق أزهارها بذكاء يُحيلك لهندسة بساتين الورد الهولندية أو اليابانية أو اختر ما تشاء من جمال ما يصنعه مهندسوا الحدائق في الزمن الجميل، وكما قال الإمام علي (ع)"الكُتب بساتين العُلماء".

النصوص العظيمة المقروءة هي فضاءات للمعرفة والتماعات أناس خبروا الحياة فصاغوها قلائداً تُزين صدور القارئين في باطنها وما يخرج من دررالكلام على شفاهها. "مهمتي أن أستعين بقوة الكلمة لكي أجعلك تسمع، وأن أجعلك تشعر، وقبل ذلك أجعلك ترى"، تلك هي عبارة (جوزيف كونراد) ليضع القارئ أمام الكاتب بوصف الكتابة مسؤولية على الكاتب الألمعي أن يُصيغها كما الصائغ الماهر الذي يُجيد صياغة الحُلي من الذهب والماس أو الأحجار الكريمة، والمفردات منثورة في المعاجم والقواميس وفي تداولنا الشفاهي العام، ولكن آتني بمن يستطيع أن يصنع من هذه المُفردات جُملاً تسكن المُخيلة وتخترق الزمن لتعيش خالدة...إنهم هؤلاء الكُتاب الكبار الذين يصنعون من المُفردات اللغوية جُملاً بهيةً كعقود اللؤلؤ أو الماس، لتعلم منهم كيف يُمكن لنا مُجاهدة النفس والتصارع مع اللغة لعلنا نستطيع نظمها، وإن تمكنا من صناعة عقد من اللغة بهي إن كان بلغة شعرية جمالية أو بلغة استدلالية فلسفية برهانية فذلك هو الفوز العظيم!.

"إذا الكتاب الذي نقرأه لا يُوقظنا بضربة على الرأس، فلماذا نقرأه إذاً، فالكُتب التي تجعلنا سُعداء هي نوع من الخديعة" كما يقول (فرانز كافكا)، فـ "كُل الكُتب تتحدث، لكن الكتاب الجيد هو الذي يُصغي أيضاً" بعبارة (مارك هودن)، فصحيح أن مهمة الكاتب الانتاج النصيَ الابداعي، ولكنها لا تكتمل إلَا بوجود قارئ غاوٍ يُجيد الكاتب الحيَ سماع صوته وحواريته في القبول أو الرفض، فالقراءة مشروع كتابة لم يكتمل بعد، واستكماله ما سيتركه هذا المشروع من أثر في نفوس وعقول القُرَاء.

"معرفة القراءة هي أفضل شيء حدث ليَ" هكذا يقول (ماريو فارغاس بوسا)، وهذه جُملة في غاية الاكتناز، فلا يقصد (بوسا) تعلمنا للقراءة، إنما الذي يقصده من قوله هذا هو قُدرتنا على اختيار ما نقرأ، وتحديد المجال الذي نستطيع أن نفهم به ما نقرأ، فليس المهم أن تقرأ، إنما المهم هو أن تعرف ماذا تقرأ؟ وكيف تقرأ، ولماذا تقرأ؟.

هناك من يقول أنني أقرأ من أجل القراءة، ولكن هذا ليس صحيحاً بالمرة، فالمكتوب ملايين والمهم آلافاً مؤلفة منه، فعليك أن تُحسن الاختيار لما يهمك من عوالم القراءة كما الرياضي، فهو يعرف بالتأكيد أنواع الرياضيات، وينهل من تنوعاتها بحسب الحاجة، ولكنه يختار مجالاً له كي يكون أكثر اتقاناً له وحرفية به ودراية، وهكذا هي القراءة، وبغيرها ستشعر أنك تائه تشعر بالضياع إن لم تصل إلى درك أحط ألا وهو الجنون، فليس الهمَ الأقصى هو أن تقرأ، إنما الهمَ الأقصى أنك تعرف ماذا تقرأ ولماذا تقرأ.

القارئ القارئ يعيش أكثر من حياة، فمع كل كتاب جديد لكاتب جديد عبقري يعيش حياة جديدة، أما الذي لا يقرأ فلا يعيش حتى حياته الخاصة. القراءة تمنحك الأمل وتُشعرك بأن ستعيش حياةً بهيةً أبديةً. ولا تظننَ أن البهاء في السعادة من دون معرفة، فلربما هُناك بهاء في المعرفة يُشعرك بقيمة الحياة وبيقيمتك في هذا الوجود فيه لذة ولكنها لذة لا يُفارقها الألم، فلا أشعر بالوجود الحقيقي فقط في "تحصيل السعادة" بعبارة الفارابي، وإن كانت هذه من المُتمنى، ولكن لذة الألم فيها شعور بالوجد أمضى أثر وأبقى. وفي القراءة ستختلط عليك وفيك المشاعر بين اللذة بوصفها بهجة ووجود وإنوجاد وبين "الألم" من كثر ما ينقلك الكاتب الكبير لعوالمه بما فيها الاحساس بالإلم، وهو كينونة وجودية وانتاج لمعنى آخر تشعر فيه بوجودك المُغاير، لأن القراءة تُوفر للعقل مواد المعرفة، ولكن التفكير هو الذي سيجعل ما نقرأه خاصاً بنا" كما يقول (جون لوك).

إن القراءة لمن يفقه أهميتها تُمكننا من الدفاع عن أنفسنا والمحافظة على وجودنا المؤنسن من "الزوال والنسيان".

ليست كُل الكُتب تستحق القراءة، لذلك فالقراءة ليست فقط غواية من أجل الغواية، إنما هي غواية تحتاج لـ "حرفنة" وإن لم تكن لديك دراية بعوالم القراءة، فعليك أن تُحدد مجال غوايتك أولاً، ولا بأس أن تُصاحب من هو مُحترف بهذه الغواية في المجال الذي أنت تعشقه ليدلك بالحوار على ما لم تكن لك معرفة به من كتابات تكتنز المعرفة وتُبحر بك بسفينة الأفكار ربانها الغاوي من أمثال علي حسين.

القراءة الواعية ضربَ من ضروب السعي الجاد للحُرية، "فالذين يقرؤون فقط هُم الأحرار، لأن القراءة هي التي تُعلمنا كيف يُمكن لنا أن نطرد الجهل والخُرافة" كما يرى (توماس جيفرسن).

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

659 عبير خالد يحيىصدر عن دار نشر النابغة للنشر والتوزيع في جمهورية مصر العربية موسوعة الذرائعية، لمؤلفه المنظر العراقي عبد الرزاق عوده الغالبي، تطبيق الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي، وهي تضم ثلاثة مجلدات.

- المجلد الأول بعنوان:

اسم الكتاب: الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي

المقاس ١٧ × ٢٤

عدد الصفحات ٤٤٠

اسم المؤلف: تأليف: عبد الرزاق عودة الغالبي

تطبيق: د. عبير خالد

اسم الناشر: دار النابغة للنشر والتوزيع

رقم الإيداع: ١٩٩١٩- ٢٠١٨

الترقيم الدولي:٨ -١٦٩-٧٩٩-٩٧٧-٩٧٨

 

المجلد الثاني:

اسم الكتاب: الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية

المقاس: ١٧×٢٤

عدد الصفحات: ٣١٥

اسم المؤلف: تأليف: عبد الرزاق عودة الغالبي

تطبيق: د. عبير خالد

اسم الناشر: دار النابغة للنشر والتوزيع

رقم الإيداع: ١٩٩٢٠-٢٠١٨

الترقيم الدولي: ٤-١٧٠-٧٩٩-٩٧٧-٩٧٨

 

المجلد الثالث:

اسم الكتاب: الذرائعية في التطبيق (طبعة مزيدة منقحة)

المقاس:١٧×٢٤

عدد الصفحات: ٤٧٣

اسم المؤلف: تأليف: عبد الرزاق عودة الغالبي

تطبيق: د. عبير خالد

رقم الإيداع: ١٩٩١٨-٢٠١٨

الترقيم الدولي:١-١٦٨-٧٩٩-٩٧٧-٩٧٨

 

نضير الخزرجيمن المشاهد السلبية التي وقعت في العراق بعد تغيير نظام الحكم سنة 2003م هو انتشار ظاهرة الخطف والقتل السياسي والطائفي، والتي انحسرت بشكل كبير في الدورة الأولى لحكومة رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري كامل المالكي (2006- 2010م)، وتحت عنوان الخطف على الهوية ظهرت عصابات الخطف المنظم من أجل جني المال الحرام، وإن تلفع مثل هذا الخطف الجائر برداء المذهبية والطائفية، ولطالما ضاعت خلف هذا الرداء الحقوق واستبيحت الحرمات.

ومن صور الخطف المنظّم أن أحد العراقيين العائدين من بلد المنفى كان يسير مع صديقه في أحد شوارع بغداد تعرض للخطف بسيارة مسرعة، وبعد فترة من الزمن تم إطلاق سراحه مقابل فدية مالية كبيرة، وقبل أن يتم إطلاق سراحه سأل المخطوف خاطفيه لماذا تم خطفه دون صديقه ولماذا هو بالتحديد؟، فقيل له أن (العلّاس)، وهو الشخص الذي تضعه العصابة لمراقبة من يراد خطفه ومقايضة حياته بالمال السحت، أدرك من طبيعة تصرفاتك أنك من العراقيين القادمين من الخارج وأنه لابد وأن تكون من أصحاب المال ولهذا خطفناك .. ثم كرر السؤال: وكيف استطاع العلاس أن يميّز بيني وبين صديقي؟، فقالوا له: كنت وصديقك تسيران في الشارع وتوقفتما عند أحد بائعي المشروبات الغازية، فأخذ كل واحد منكما قنينة ورحتما تتمشيان على قارعة الرصيف والعلّاس يراقبكما، فعندما انتهى صاحبك من القنينة رماها في الشارع وأما أنت فاحتفظت بها فارغة حتى رميتها في أقرب حاوية أوساخ، ومن هنا عرف علاسنا أنك قادم من بلد لا يرمي مواطنوها العلب الفارغة في قارعة الطريق!

قد تبدو القصة أشبه بالخيال، ولكنها حقيقة واقعة لمست أشباهها في أكثر من موقف عند رجوعي للعراق بعد ربع قرن من الهجرة القسرية، ولكنها في الوقت نفسه تبعث على الإستغراب والدهشة، لأننا في بلد شعار دينه (النظافة من الإيمان) ويحث على حفظ البيئة ورعاية الطبيعة وحمايتها من إنسان وحيوان ونبات وجماد، على أن الحالة ليست شاذة ولا هي بالعامة السائدة، فهناك عدد غير قليل من المهاجرين يتجاوزون حريم القانون بعجلة اللاأبالية ولا يقدمون انطباعًا جيدًا عن ثقافة الشرق الأثيرة ولا تعاليم دينه الداعية الى حسن السيرة، كما وهناك مواطنون وهم غير قليل، يبدون غضبهم وامتعاظهم من عدم احترام الناس للقانون وتطبيقه، فالثقافة ثقافة وإن تبدلت البلدان وحلّ الناقوس بدل الأذان.

ترى في أية خانة وحقل يمكن وضع سلوك الذي رمى القنينة الفارغة في الشارع وذاك الذي وضعها في الحاوية، فكلاهما يدينان بدين واحد و كلاهما من جنس واحد  وبلد واحد وكلاهما صديقا عمر؟

لا شك أنها الثقافة بوصفها السلوك الحسن والتعاطي الحسن مع النفس والغير والبيئة، ولا علاقة مباشرة بالدين وإن كانت الأديان جميعها تحث على التعامل الطيب مع المحيط، فالسلوك الحسن قائم عند الديني واللاديني، نعم للدين أن يشذب ما شاب السلوك من سيئات الحياة، ولكن السلوك السليم امر فطري غريزي، وهو مظهر بارز من مظاهر الثقافة السليمة في المجتمع.

من هنا فإن المثقف الحقيقي  تظهر إشعاعات ثقافته السليمة على سلوكه وتعاطيه مع مفردات الحياة، إن كان متعلما أو غير متعلم، والحياة مدرسة تجارب ومراكز مختبرات مثلها مثل مختبرات طالب العلم، لها أن تقدم للمجتمع مثقفًا متعلما، ولها أن تقدم مثقفًا غير متعلم ومتعلمًا غير مثقف.

هذه الحقيقة يعالجها الفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كراس "شريعة الثقافة" الصادر مطلع العام 2019م في 48 صفحة صادر عن بيت العلم للنابهين في بيروت مع تقديم وتعليق القاضي الفقيه آية الله  الشيخ حسن رضا الغديري في 23 تعليقة على  62 مسألة فقهية.

فطرية الثقافة

قد يتبادر الى الذهن من مفردة (الثقافة) مفهوم التعليم والدراسة وزيادة العلم، وهذا بنفسه أمر حسن، بيد أن الثقافة كما يؤكد الفقيه الكرباسي في التمهيد: "هي الذكاء الفطري، فإذا كان الإنسان ملمّا لدرك الحقائق من دون تكلف كانت له بصيرة وفطنة خاصة لفهم الأسباب والمسببات وربطهما معا وقد يكون في موضوع أقوى من الآخر ولكن لا يتخصص بموضوع معين".

وهل للعلم مدخلية مباشرة في بيان ثقافة الفرد وحجمها؟ يضيف الفقيه الكرباسي: (وقد يعزّزه العلم والمعرفة ولكنه ليس عينه فكم من متعلّم ليس بمثقف وكم من مثقف ليس بمتعلم فبينهما عموم وخصوص من وجه، وهي في جوهرها ليست كسبية وإن كانت للبيئة والتربية والممارسة وفتح الآفاق دور كبير في صقل هذه الحاسة).

ولا شك أن الثقافة في مؤداها سعادة المرء والمجتمع، وهي من الأمور التي يهواها كل صاحب بصيرة ويتوق إلى إعمالها على مستوى الفرد والجماعة، وبتعبير الفقيه الغديري في تعليقه: "والإنسان الذي يستعمل عقله في التبصّر والتعرف على ما يضمن به الفلاح ويكتسب به النجاح ويتشرف به بالتقرب إلى خالقه وبارئه فهو مثقف بالمعنى الحقيقي للكلمة، فالثقافة عبارة عن استعمال الفطرة في الوصول إلى طريق المعرفة وسبيل البصيرة"، وعليه كما يضيف: "إذا التزم شخص بما تستدعيه سعادته وتقتضيه فطرته ويدعو إليه معتقده ويأمر به ربه فهو مثقف حقيقي".

وإذا كانت الثقافة تعود بجذرها اللغوي الى (ثَقَّفَ) وهو تقويم الشيء وتسويته عن إعوجاجه وميلانه، فإن النفس الإنسانية أولى بالتثقيف، والعلم زينة النفس، والعالم المثقف هو غير العالم المجرد لا يستويان، فمن تواضع للعلم والعلماء فهو مثقف عالم ومن تكبّر وأنف بما يحمله من علوم ابتعد عن ساحة الثقافة، فالحكمة من الثقافة هو سلامة السلوك لفظا وعملا ابتداءً وانتهاءً، من هنا يؤكد الفقيه الكرباسي: (كم من عتّال أو مزارع عنده ثقافة رغم بساطته وعدم تعلمه لا تتواجد عند حامل الشهادات والنياشين المتعلم بأكثر من علم، وهنيئا لمن جمع بين الثقافة والعلم، والأكثر فضلا من ذلك مَن جمع بين الثقافة والعلم والإيمان بالله جلّ وعلا، وهذا الثلاثي المقدس إنْ عمل بمقتضاها كان إلى الكمال أقرب وزاده الله فضلًا والفضل كله يعود إليه).

ولأن رسالة الله في أرضه وعباده لخّصها الرسول الأكرم محمد (ص) في قولته المشهورة: ]إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق[، وقوله (ص): ]إنما بُعثت معلِّمًا[، ولذا فإن الفقيه الكرباسي يلخص رأيه بمفهوم الثقافة الحقّة بقوله: (وفي الحقيقة إني أرى بأنَّ الثقافة هي مصدر الأخلاق والآداب والكمال والترفع، فالمثقف هو الذي يمكنه أن يدرك ما هو معنى الصبر والتحمل ويمكنه أن يتعامل مع العسر واليسر ويمكنه أن يمارس الأخلاق والفضيلة مع الآخرين بتفاوت مستوياتهم العلمية والعُمرية والإجتماعية، إنَّ له آفاقا لا يمكن حصرها في مسار واحد، والله العالم بالحقائق)، والشيخ الكرباسي في ما أورده جاء ليؤكد رسالة الأنبياء التي ترجمها الرسول الأكرم (ص) قولا وفعلا وسلوكا وثقافة : ]إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم[.

ومن المفروغ منه أنَّ النبي محمد (ص) يقف على سنام الثقافة العالية وهو رائدها، وهو كما قال (ص): ]أدبني ربي فأحسن تأديبي[، ومقتضى النص النبوي هو الأداء والعمل وآثاره الإيجابية على المجتمع والإنسانية وهذا يظهر معالمه من مقتضى السلوك السليم والتعاطي السليم في إطار العلاقات الست التي يؤكد عليها الفقيه الكرباسي: (علاقة الإنسان مع نفسه، ومع ربه، ومع الآخر، والمجتمع، والدولة، والبيئة)، وتطبيقه هذه العلاقات بحاجة إلى ثقافة.

سبيل الثقافة

يرى الفقيه الكرباسي في "شريعة الثقافة" أن الإنسان مهما كان دوره في الحياة بحاجة إلى بصيرة، وهي التي تحدد مستويات الثقافة من فرد إلى آخر، ولهذا: (فالإنسان إذا عرف المترتبات والمتسلسلات وعرف الأسباب والمسببات بفهمه الفطري وعقله السليم كان مثقفا، فالفطرة السليمة والعقل السليم ينتجان الثقافة ويبعدانه عن الضياع، فكم من معلّم للأخلاق فاقدها، وكم من مدرّب للآداب لا يعمل بها، وكم من متعلّم لا يطبق علمه، وإنما الثقافة هي التي تطبِّق بمقتضى المعرفة).

فالبصيرة هي بوابة إلى الثقافة السليمة، من هنا فإن الفقيه الكرباسي يرى أن آيتين في القرآن الكريم تحملان مفردة البصيرة وهي قوله تعالى: ]قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ[ سورة يوسف: 108، وقوله تعالى: (بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) سورة القيامة: 14 و15، فالآية الأولى تتحدث عن المبدأ والثانية عن المنتهى، ولذا: (مَن عبد الله وأطاعه من خلال فلسفة الإستحقاق والأهلية فهي الثقافة، ومن قاضى نفسه بالنوايا التي يعرفها فيه الثقافة، وحقًّا أقول إنَّ هاتين الآيتين تختصران الطريق الى فهم الثقافة وتعريفها، وهي معرفة الله عبر معرفة النفس).

إذن فالثقافة بتعريف الفقيه الكرباسي: (هي البصيرة والحذاقة والفطنة ودرك الأمور بسرعة بل الوصول إلى فلسفة الأمور ببساطة، وبالتالي هي معرفة الأسباب والمسببات بمنأى عن التعقيد)، وأما الثقافة الإسلامية: (هي معرفة الفلسفة الفطرية التي أودعها الله في مخلوقاته من حيث علاقة الأسباب بالمُسبّبات)، وبهذا اللحاظ فإن: (الثقافة لا تعني كثرة العلم والتعلّم وكسب علوم مختلفة)، وما البصيرة إلا سر الأسرار، ومن البصيرة: (العمل على إيجاد الوعي في النفس والآخر ليتحصن بالثقافة أمر بحد ذاته مرغوب شرعًا، وربما يجب فيما إذا تعيّن عليه تحصين نفسه في محيطه غير المحصّن)، ومن الحصانة: (تحصين النفس بالثقافة الإسلامية وأسسها واجب لمن يتعرض لمثل ذلك، فعلى سبيل المثال يجب على الساكنين في دول غربية ولهم تماس مع ثقافات مختلفة أن يتحصّنوا بالثقافة الإسلامية إن أرادوا نقاش الآخرين، وإلا حرم عليهم)، ومن التحصين الثقافي في نقاش الآخر المخالف: (إيجاد الوعي والنقاش بشكل مستمر ضروري للمؤمن وبالأخص مَن له تماس بالآخرين حيث البيئة قد تؤثر على ثقافة الإنسان حتى الفطرية منها وقد تنطلي عليه بعض الظواهر الفتانة كما في الحرية والديمقراطية والعلمانية وما إلى ذلك من الأمور البراقة التي يختلف ظاهرها عن واقعها).

يجوز وما لا يجوز

لا يختلف إثنان بأن العلم زينة المرء، ومن الثقافة السليمة نشر العلم بين أهله فهو زكاته ونماؤه، والمقام العلمي مقام محترم ومقدس، ولكن هذه القدسية لا ينبغي أن تكون سبيلا للتباهي والتعالي، لأن التواضع زينة العلماء، ولهذا يرى الفقيه الكرباسي أن: (التباهي بالثقافة أمر غير مرغوب فيه في الشريعة، وإذا أُريد به الطعن بالآخر حَرُم)، نعم يصح ذلك من غير غرور لأمر أهم كما يعلق الفقيه الغديري على المسألة إذ: "يجوز التباهي بالثقافة لأجل دعوة الآخرين للخضوع إليها وهي بمثابة الأمر بالمعروف عند تحقق الشروط".

وفي هذا الإطار فإنه: (لا يجوز إهانة مَن ليس بمثقف والحطّ من قيمته كإنسان)، كما: (لا يجوز إطلاق كلمة أنت غير مثقف بقصد الإهانة وإن لم يكن مثقفًا)، نعم: (يجوز في الحوار القول بأنَّ هذا بعيدٌ عن الثقافة وأمثال ذلك مما لا يوجب الإهانة).

ومن الثقافة السليمة أن يُنظر إلى المثقف العالم نظرة تقدير واحترام، لما يؤديه من رسالة في المجتمع هي جزء من رسالة الأنبياء والمرسلين، لأن المثقف الواعي في أي حقل كان من حقول العلم والعمل، يزيد إبداعه في الأجواء السليمة، وكلما أبدع وأنتج وأثمر أتى بالخير على مجتمعه، ولهذا يؤكد الفقيه الكرباسي أنه: (يجوز تكريم واحترام المثقف لكونه كذلك من دون طعن بالآخر)، ويزيد الفقيه الغديري في تعليقه: "بل وقد يجب ذلك لأجل نشر الثقافة وتشجيع الآخرين للخضوع إليها إذا كان المجتمع محتاجًا إليها بالضرورة".

ومن موارد احترام المثقف تقدير الإعتبار العرفي عند التعامل معه، يقول الفقيه الكرباسي: (قد تعدُّ بعض الأمور إهانة بالنسبة للمثقف وقد لا تكون لغيره إهانة، فالمفروض أن يُتعامل معه على هذا الإعتبار العُرفي، حاله حال الذي له مكانة إجتماعية حيث تكون موارد تُعد من الإهانة في حقه ولكنها لا تُعد لمن ليس بمكانته).

وقد يُضيِّق بعض فقهاء الدين في صرف الحقوق الشرعية ويحصرها في موارد معينة، لكن الفقيه الكرباسي يرى أنه: (يجوز صرف الحقوق الشرعية للعمل بالإتجاه الثقافي وبالأخص الإسلامي منه)، بل ويرى: (على المسؤولين في الإتجاه الإعلامي العمل على فتح مجالات لهذا التوجه)، ويزيد الفقيه الغديري معلقا: "وكذلك على المرجعيات الدينية الإهتمام الواسع".

ولما كانت الثقافة داخلة في كل مسلك من مسالك الحياة، فإن كراس "شريعة الثقافة" فيه مسائل مستحدثة تناقش ثقافة التعامل بين الأب والأبن، والزوج والزوجة، ورب العمل والعامل، والعالم والمتعلم، بين السلطة والمواطن، وأمثال ذلك، فالثقافة تجري من الإنسان مجرى الدم في العروق، وهي هوية كل فرد، إن أحسن فله وإن أساء فعليه.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

651 فلاح رحيمصدر مؤخراً كتاب "أزمة التنوير العراقي" لمؤلفه فلاح رحيم عن سلسلة دراسات فكرية/ جامعة الكوفة 2018.

استخدم فلاح رحيم مفهوم "التنوير العراقي" واستخدم كذلك "مفهوم التنوير العربي" في هذا الكتاب.

ما هو تعريف التنويرعند فلاح رحيم؟، هل نستطيع القول أن كل من ترجم وألَف كتاباً في الفلسفة والفكر والثقافة هو تنويري؟ أو ربما هؤلاء ضد التنوير، وهُم من كانوا السبب في وجود "الفجوة" بينهم كمثقفين وبين المُجتمع.

أين يقع نتاج العراقيين من كبار المفكرين في الفلسفة والعلوم الإنسانية الأخرى من الذين تبنوا الرؤية العقلانية فيها مثل: علي الوردي وحاتم الكعبي وشاكر مصطفى سليم وعبدالجليل الطاهر في علم الاجتماع والأنثربولوجيا، وياسين خليل وحسام محي الدين الآلوسي ومدني صالح وعرفان عبدالحميد في الفلسفة وغيرهم؟، فلا وجود لترسيمة تُعطينا تصوراً لماهية هذا التنوير العراقي، كأن تكون مدخلاً للكتاب، مثلاً، فهل مثل هؤلاء المفكرين خارج دائرة التنوير هذه التي رسمها لنا فلاح رحيم؟!.

وهل هناك تنوير عراقي؟ حتى نتفق مع فلاح رحيم على أن هذا التنوير قد مرَ بأزمة؟، أعتقد أن مثل هكذا تساؤلات هي تساؤلات مهمة كان ينبغي على الكاتب وضعها في حساباته قبل نشره لهذا الكتاب.

هذا إذا كان هناك قبول للقول بوجود تنوير عربي أصلاً مُتفق عليه بين الدارسين، وإن يكن فلاح رحيم قد استخدم هذا المفهوم على استحياء في صفحتين بالإشارة لجهود عبدالرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وعبدالله العروي، وأدونيس، (ص15)!، ولكن الغالب على هذه المشاريع أنها جاءة قراءة على غرار "أنموذج" بمعنى أنها استنساخ لأنموذج فكري (فلسفي، أو أيديولوجي) غربي، وتحشيته بتطبيقات منتقاة من التراث العربي والإسلامي، ربما أستثني من النماذج التي أشار لها مشروع أدونيس النقدي. ومع ذلك لم يُعط مساحة من كتابته لدراسة هذه النماذج أو غيرها، من التي يُمكن أن توضع تحت عنوان "التنوير العربي".

فضلاً عن ذلك لم يُبين لنا، ما هي المنهجية التي اعتمدها في اختياره لهذه لشخصيات دون غيرها؟ وهل هناك رابط على مستوى الاشتغال الثقافي (الفكري) من حيث التماثل بينها، مثلاً، أو الاختلاف في معالجة موضوعات بعينها هي محط اشتغال لهذه النخبة من المثقفين؟ وهل هُم أنموذجه لوجود "الفجوة" بين المُثقفين والمُجتمع؟. وسأبقى أصر على تساؤلي لاختياره غير المُبرر لنماذجه دون غيرهم في متن الكتاب.

لماذا جعل من الانتقاء سبيلاً لتأليفه لهذا الكتاب؟.

ولماذا اقتصر جهده البحثي على نماذجه الأساسية ممن تجمعهم به صداقة أوعلاقة طيبة، مثل: الأستاذ سعيد الغانمي، ود.حسن ناظم، ود.علي حاكم، ود.عبدالجبار الرفاعي؟!. ربما لمعرفته الوثيقة بهم، وتواصله المعرفي والإنساني المستمر معهم، ولكن هذا مُبرر لا يليق بنهج كاتب يرنو للموضوعية في معالجة موضوع خطير مثل التنوير!.

 هذه أسئلة تُثار عند قارئ الكتاب، أو دارت في ذهني أنا حينما قرأت الكتاب، ولم أجد إجابة كافية عنها.

فلا يعني التنوير فقط مُمارسة البعض لفعل الكتابة الحُر، وإن كانت هذه من مُتطلبات السعي لايقاد شُعلة التنوير، ولا يعني التنوير تبني النزعة النقدية في الكتابة، وإن كان النقد أيضاً من مُتطلبات التنوير ولكن التنوير كما فهمناه، هو نتاج حركة عقلانية حُرَة ظهرت في الغرب على جميع الصُعد وأولها الفلسفة والعلوم الإنسانية، وهي لم تكن فعل كتابة ونشر لمقالات وبحوث وكتب وترجمات فقط، إنما هي حركة تأثير وتغيير في نمط التفكير السائد واحداث قطيعة "أبستيمولوجية" معه، فلم يكن تأثير كانت أو فولتير أو مونتسكيو أو ديدرو مُقتصراً على فعل الكتابة، إنما كان التنوير عندهم فعل كتابة وتغيير لنمط التلقي المعرفي في "الما قبل والما بعد"، بل وفعل تأثير اجتماعي وتقويض لسلطة معرفية قائمة على الهيمنة الدينية والعقائدية "الدوغمائية" وردمها، وإعادة ترميم الذات الإنسانية بعيداً عن هيمنة العقل الديني السحري، وبناء قناعة فكرية ومعرفية جديدة قائمة على الثقة بقدرة العقل الإنساني على إحداث تغيير نوعي في تعاطيه مع الطبيعة والسيطرة عليها بعبارة (بيكون) بعيداً عن هيمنة الخطاب اللاهوتي الميتافيزيقي.

تعامل فلاح رحيم مثلما يقول مع مفهوم التنوير في الفكر العراقي وفق منهج انتقائي، و"انتقاء مفكرين عراقيين معاصرين أربعة واجهوا ميراث التنوير المتأزم في بلادهم وثقافتهم وتصدوا بصدق لحل مشكلة الفجوة التنويرية وما ترتب عليها من تعسف أيديولوجي واستبداد دموي وخسارات كبيرة على مستوى الفرد والمجتمع" (ص18)، ولا أعرف ما هي مُحددات التنوير التي استند عليها الكاتب؟ حتى نقول أن هؤلاء الكُتاب "واجهوا ميراث التنوير المُتأزم"، وهو عند دراسته لهم يضعهم ضمن هذا الميراث المتأزم لا ممن تصدوا له، أقصد على مُستوى تشريحه لنصوصهم، لا على مُستوى موقفهم من نقد سلطة الاستبداد، فأنا لا أنفي عن هذه النماذج الأربعة صفة المشاركة في تنمية الوعي الثقافي في المشهدية الثقافية والفكرية العراقية، بل وحتى العربية عند البعض منهم، وهم جميعاً من المقربين ليَ وأستطيع أن أقول عنهم أنهم كتاب معروفون: سعيد الغانمي، ود.حسن ناظم، ود.علي حاكم، وعبدالجبار الرفاعي، وإن أنعمت النظر تجد أن الغالب على نشاطهم الثقافي هو الجهد الترجمي، وهم كبار فيما قدموه لنا من ترجمات مهمة في الفلسفة، وأستثني الرفاعي في كتاباته المتأخرة الفكرية منها أو ما يصب في مجال "علم الكلام الجديد" أو"تجديد علم الكلام"، الذي يقترب ويبتعد عن فهمنا للتنوير بوصفه إعمالاً للعقل، وتنصيبه بوصفه الحاكم والقادر على اجتراح قوانين ودستور إدارة الحياة الوضعية، أما جهدهم البحثي فهم يُشاركون فيه كثير من مُجايليهم والذين سبقوهم من المُهتمين بالشأن الفلسفي والفكري.

عرفت سعيد الغانمي مُترجماً وكاتباً شغوفاً بالقصة والرواية والشعر والنقد ودراسة الأسطورة وترجمة ما هو جميل من قصص بورخيس، فضلاً عن ترجماته في مجال الفلسفة والنقد الأدبي وتحقيق التراث، واهتمامه بفكر وفلسفة أبو الحسن العامري.

أما د.حسن ناظم، فهو ناقد أدبي وأكاديمي ومُترجم اختارته الغربة بعيداً عن الوطن، ثم عاد ليعمل أستاذاً جامعياً في جامعة الكوفة. والحال ذاته ينطبق على الغانمي، ود.علي حاكم، والرفاعي، لكنها غربة تروم إعادة ترميم الذات عبر الوعي بالآخر، عربي كان أم غربي، فجميع هؤلاء هاموا في فيافي الأرض بحثاً عن الذات، لا ذاتهم هم، بل عن وطن شكل هويتهم وذاتهم التي عشقت ترانيم وطن وترسيمات مُخيلة مُحملة بعبق التاريخ وفعل المحبة الراكس في طيَات عقولهم النابضة في الاعتراض على كل تاريخ السياسة الرعناء التي حكمت بلاد الرافدين.

أما الرفاعي الذي عشق وهام في سردية "الإسلام هو الحل" في بداياته، فقد تنبه وعاد لذاته الإنسانية، مُتماهياً مع بعض آراء "علي شريعتي" في "العودة إلى الذات" ولكن بعد نقد له وتخليص لرؤاه من نزوعها "الراديكالي" ودمجها بروح صوفية مُستوحياً من ابن عربي رؤاه في "دين الحب"، والرومي ب "دين العشق"، مُقترباً بآرائه من أطروحات سروش وملكيان وشبستري.

يقول المؤلف أن الكتاب يُحدد "الخطط السردية في كتابة تاريخ العراق الحديث"، وهي جملة جميلة فيها من الحقيقة بقدر ما فيها من الإيهام، فلم ينظر فلاح رحيم لعلي الوردي عالم الاجتماع العراقي، إلَا عبر كتابه "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" أي بصفته مؤرخاً، وهذا الأمر يشمل حنا بطاطو المؤرخ الفلسطيني الذي كتب عن التاريخ الاجتماعي في العراق بموسوعته "العراق" التي ترجمها عفيف الرزاز بثلاثة أجزاء، والغريب أنه جعل فالح عبدالجبار عالم الاجتماع العراقي الذي نشر مؤلفات عدة عن تاريخ العراق الجتماعي، وعباس كاظم الباحث في السياسة الدولية بجامعة "هوبكنز" االعراقي الذي نشر كتاباً عن ثورة العشرين في العراق، بوصفهما مؤرخيَن لتاريخ العراق الحديث، ولم تكن مساحة الوجود لهؤلاء الكُتَاب إلَا بالقدر الذي يروم به فلاح رحيم تصنيف المؤرخين لتاريخ العراق الحديث إلى صنفين: صنف يرى أن عُمر العراق يمتد إلى 6000 سنة، وصنف آخر لا يرى في العراق إلَا دولة حديثة العهد تأسست في عام 1920 بعد الاحتلال البريطاني، ويرى في هؤلاء المؤرخين أنهم من حددوا "خطط السردية في كتابة تاريخ العراق الحديث"، (ص75ـ 110) ولم يُشر لمؤرخين مُهمين من أمثال: عباس العزاوي وكتابه تاريخ العراق بين احتلالين بستة أجزاء، وعبدالرزاق الحسني في كتابه (تاريخ العراق السياسي الحديث) أو رسائل ميس بيل، وكتاب عبدالجليل الطاهر: العشائر والسياسة، أ لم تكن هذه الكتب وغيرها قد شاركت في رسم "الخطط السردية في كتابة تاريخ العراق الحديث"؟، فلماذا تجاوزها فلاح رحيم؟.

ركز فلاح رحيم في كتابه على العلاقة بين "المثقف والسلطة والمجتمع"، لم يخلو الكتاب من نقد لنماذجه.

يستخدم فلاح رحيم مصطلح "المثقف المتدين" (ص30) ولا أعرف بأي مقدار يُمكن أن يتلاقى هذا المُصطلح مع ما هو شائع عن مفوم المُثقف، وهل بمستطاعنا أن نُطلق صفة المثقف على الأيديولوجي والعقائدي والمُتدين؟، فذلك مما حار به المفكرون، ولنا في الوردي مثالاً في استخدامه لمفهوم المثقف، الذي لا يجد مُسوغاً لربطه مع مفهوم "المُتفقه" في العلوم الدينية، ولا مع المتعلم للعلوم العملية والعلمية.

ولكن لفلاح رحيم في أطروحات غرامشي حول "المثقف العضوي" بوصفه هو العقل النابض داخل الجماعة التي ينتمي إليها عذر في استخدام مفهوم "المُثقف المُتدين" فهناك كثير من رجال الدين هم عقل نابض داخل الجماعة التي ينتمون إليها، فهم بهذا الوصف "مُثقفون عضويون".

قدم لنا فلاح رحيم مدخلاً مميزاً لشرح علاقة المثقف بالسلطة عبر تناوله لمجموعة من آراء المفكرين مثل ماثيو أرلوند (1822ـ 1888) ونقده للطبقة الوسطى في كتابه "الثقافة والفوضى (1869)" التي وجدها مُنغمسة في الثقافة الاستهلاكية الضيقة" (ص33) ودعوته لها للتشبع بالثقافة الكلاسيكية كي يستطيعوا الارتقاء بوعي المجتمع، والتخلص من "فخ الأيديولوجيات وضيق الأفق السجالي" وتغليب المصلحة الإنسانية على المصلحة الفردية. وإلى ذلك ذهب فلاح رحيم في توصيفه لموقف هابرماس (1929ـ ) الذي "ينتهي إلى مثالية فلسفية تدمج بين الوعي الفردي بوعي إنساني شامل مُشترك يكون مطمح التواصل في المجال العام ويكمن قاراً في مُحيط يقع خارج المُحيطين الاقتصادي والحكومي" (ص35).

مع الفلسفة الماركسية وجد فلاح رحيم أن مفهوم "النخبة الثقافية" صار أكثر حضوراً، لأنها هي التي بمقدورها احداث "الانعطافة الثورية" (ص38)، وقد ظهر ذلك جلياً في كتاب "جورج لوكاتش 1885ـ 1971) "التاريخ والوعي الطبقي"، وغرامشي (1891ـ 1937) الذي ركز على دور "النخبة الثورية" من المثقفين المُنخرطين في التنظيم الحزبي، قادرة على التأثير في الجماهير، أو هم "المثقفون العضويون" الملتحمين بالجماهير من الطبقة العمالية، العارفين بمقدار الانتاج وفائض القيمة، ولكنهم حسب رؤية الماركسية البلشفية صارت "الإنتلجسيا" تميل للحفاظ على مصالحها الخاصة، الأمر الذي جعلها طبقة مستقلة مُنفصلة عن طموحات طبقة "البروليتاريا".

في تيار ما بعد الحداثة يتحدث فلاح رحيم عن رؤية "إدوارد سعيد 1935ـ 2003" لمفهوم المثقف، الذي شبهه بالبدوي المُرتحل عن المجتمع، وليس شرطاً أن يكون مُرتحلاً في المكان، بل هو يقطن المكان، وفي الوقت ذاته هو "خارج المكان" "إنه منفي يُقيم في لا مكان اليوتوبيا" (ص43) وهذا أمر يحمل في طياته "خيانة المثقف"، والخيانة تظهر حينما يجعل المثقف من نفسه ناطقاً أو ممثلاً لآمال وطموحات الجماهير، الأمر الذي يجعل الخطاب خليطاً بين الخاص والعام، بمعنى أن المثقف هنا من الممكن أن يجعل من مُتطلباته الخاصة تبدو وكأنها هي ذات مطالب عامة الناس، حينذاك يكون خطاب المثقفين خيانة، من خلالها يستحوذون على أصوات الجماهير وقوتهم.

في الفكر العربي تعامل المثقف مع الجماهير على أنها جموع من الحشد تفتقد للوعي، ودور المثقف هو "غرس ما يشاء" ولا يُنتظر منه كشفاً جديداً، فالمفكرون الإسلاميون وجدوا في ميل الجمهور إليهم فرصة تاريخية تقترب من إقامة الدولة الإسلامية، وبدلاً من تركيزهم على مطال الجمهور الدنيوية بوصفها محك الولاء، صيروا ولاء الناس هذا على أنه رغبة في تأمين خلاص آخر قادم من الآخرة (ص57). المثقفون العلمانيون من جهتهم خابت آمالهم بالجماهير وتأكدت في نفوسهم أن هذه الحشود تُصفق لكل مُستبد قوي قاهر، ومنذ إفلاطون إلى مُنتصف القرن التاسع عشر كانت النظرة الفكرية السائدة تُناصب العداء للفكر الديموقراطي وتصفه بأنه حكم الغوغاء، سوى بعض استثناءات بسيطة وجدناها في فكر السوفسطائيين، الذين هم أقرب معرفياً في الدفاع عن الحكم الديموقراطي، الذي يؤمن أصحابه بنسبية المعرفة الإنسانية.

إن إخفاق المثقف في ضبط الفجوة الفاصلة بينه وبين الناس وهمومهم يُهدده باتخاذ مواقف خطرة ومُضللة سياسياً ولا أخلاقي إنسانياً كما يذهب إلى ذلك "بتلر ييتس 1865ـ 1939" (ص67).

 

د. علي المرهج

 

سناء الشعلانعن دار أمل الجديدة السّوريّة صدر كتاب "حنون مجيد في منجزه القصصيّ والرّوائيّ بأقلام النّقاد والدّارسين" تحرير واشتراك الأستاذ الدكتور سمير الخليل.والكتاب يقع في 598 صفحة من القطع الكبير.

وقد بدأ الكتاب بمقدّمة بقلم د.سمير الخليل التي قال في معرضها :" تبقى تجربة حنون مجيد السّرديّة مجالاً خصباً لدراسات نقدية لا حدود لها لكونه مبدعاً لا يكرّر نفسه، ولا يجترّ أعماله السّابقة؛ فهو في حركة إبداعيّة دائبة ومتجدّدة تأبى النّمطيّة والانزواء السّكونيّ.وتلحّ عليه تجربته العميقه في الحياة أن يكون متنوعاً في إبلاغه السّرديّ إذ نتاجه بين القصص القصيرة والومضة القصصيّة (القصّة القصيرة جدّاً) والرّواية وقصص الأطفال والمسرح، وهو في كلّ ذلك التنوّع ظلّ تجريبيّاً مجدّداً يأبى السكون والنّمطيّة السّرديّ؛ فقد امتدّت تجربته الإبداعيّة لأكثر من أربعة عقود ومنجزه السّرديّ دليل خصب على تلك التّجربة وثرائها..."

واحتوى الكتاب على فصل كامل حول سيرة حياة حنون ومشواره الإبداعيّ والفكريّ والأكاديميّ.

وقد تقسّمت المادة النّقديّة الضّخمة في هذا الكتاب على عدّة تقسيمات كبرى وفق جنس العمل الإبداعيّ هدف الدّراسة والبحث والنّقد؛ فكان العنوان الأوّل لهذه التّقسيمات يحمل عنوان (حنون مجيد ورؤاه النّقديّة والثّقافيّة/مقابلات معه)، وقد احتوت على المقابلات التالية: ما يكتب قد لا يوازي ما هو مضمر في الأعماق، حوار كاظم حسوني، واليوتوبيا أوّل حلم يقظة راود الإنسان منذ بدء الخليقة، حوار سعدون هليل، والواقع العراقيّ خزين لا ينفد لأشكال سرديّة جديدة، حوار صفاء ذياب، والسّرد الجميل لتأثيث عالم قبيح، حوار د.سناء الشعلان، وحوار مع الأديب حنون مجيد، حوار رزاق إبراهيم حسن.

أمّا العنوان الثّاني من الكتاب فهو بعنوان (المنجز القصصيّ وتحولاته)، وقد احتوى على الدّراسات التالية: الدّلالة الزّمنيّو لحرفي الاستقبال السين وسوف في السّياق القصصيّ حنون مجدي أنموذجاً، بقلم د.إسراء عامر، وتجليّات التّجريب والتّجديد في قصص حنون مجيد، بقلم د.مسلك ميسون، وجولة بصيرة القارئ في البحيرة، بقلم د.عبد الواحد محمد، ومجموعة البحيرة القصصيّة لمجيد حنون، بقلم عبد الجبار عباس، ومقاربة نقديّة لقصص البحيرة، بقلم د.زياد أبو لبن، والقاصّ حنون مجيد يحمّل الفأر موضوعاً موحّداً في ثلاث قصص، بقلم عبد العزيز لازم، والتّحليق التحليق بجناحي (الطائر) وصف دقيق للجنون من خارجه، بقلم شكيب كاظم،

ومسدس تشيخوف تمثيلات الواقع في قصص "لوحة فنان"، بقلم صادق ناصر الصكر، والرمز في مجموعة (لوحة فنان ) - تعظيم الجانب الدرامي في أجواء القصص، بقلم عبد العزيز لازم، و حنون مجيد في بناه الطِباقية - قص صوفي شفيف ولغة مكتنزة بالمعنى، بقلم شكيب كاظم، و القص القصير في لوحة فنان، بقلم علوان السلمان، و تاريخ العائلة ... حين تكتبه العقول المتصدّعة، بقلم حسين سرمك حسن، و الأنثى مطرودة من التاريخ الرمزي للعائلة، بقلم ناجح المعموري، و ذوات بعين الآخر- قراءة في قصة(تاريخ العائلة) لـ (حنون مجيد)، بقلم صالح زامل، ونثيث حنون لتاريخ المطر، بقلم إسماعيل إبراهيم عبد، تكثيف اللّغة السردية في قصص (تأريخ العائلة)، بقلم زهير الجبوري، و تاريخ العائلة .. سلطة الذكورة، بقلم حميد حسن جعفر، ورجل كاتدرائي وواعظ براهمي، بقلم د. ريكان ابراهيم، و وعي التجربة في (تاريخ العائلة)، بقلم علوان السلمان، ومهيمنات السرد في تاريخ العائلة، بقلم عبد العزيز إبراهيم، و دلالة الرمز في "تاريخ العائلة"، بقلم د. عجيل نعيم الياسري، والأحلام بوصفها ممكنات ايديولوجية، بقلم محمد قاسم الياسري، وأداء الذات وتوظيف الشاهد الجمالي، بقلم محمد يونس، وسجال لايثنيه الزمن، بقلم محسن حسين عناد، و فنطازيا الوضوح، بقلم حميد حسن جعفر، و تقنيات القص في قصة (تمهل فإنها الحلاوة)، بقلم عبد الرضا جبارة، و شعريّة التشكيل السردي في قصّة (متعة بيع السجاد)، بقلم د.فاضل عبود التميمي، و عن قصتين من "لحظة شباك" لحنون مجيد - بدائل الواقع هزيمة البؤس، بقلم د. عجيل نعيم الياسري، و الفن القصصي القصير جداً- حنون مجيد إنموذحا، خضير اللامي، أسلوبية القصة القصيرة جدا ً، بقلم د. محمد أبو خضير، و وردة لهذا الفطور تقابلات الواقع والكتابة، بقلم جمال جاسم أمين، ومجازات القص، بقلم اسماعيل إبراهيم عبد، و قراءة قصيرة جدا في وردة الفطور، بقلم علوان السلمان، وقراءة في مجموعة " يموتون ولا يموت "، بقلم حميد ركاطه، و التكثيف السردي وجبروت الإيحاء في"يموتون ولايموت"، بقلم عبد العزيز لازم، و الدلالة الالتزامية في قصص يموتون ولا يموت، بقلم محمد يونس، و الوجود وترجمة الذات في(يموتون ولا يموت)، بقلم علوان السلمان، و الثنائيات الضدية: بحث في فلسفة الحياة، بقلم د. إسراء عامر شمس الدّين، و بناء القصة القصيرة جدا في مجموعة (الخيانة العظمى) بين الاعتلاء الإبداعي والتفنن النظري، بقلم أ.د. نادية هناوي سعدون، و الخيانة العظمى... ضوء من بُعدٍ آخر، بقلم محسن حسين عناد، و شعرية القص في سرديات حنون مجيد (الخيانة العظمى) أنموذجاً، بقلم جبار النجدي، و الوهم والخيال والمفارقة في (الخيانة العظمى)، بقلم رنا صباح خليل، و تأملات حنُّون مجيد القصيرة جداً، بقلم عادل العامل، وشعرية النهايات الخادعة: قراءة في أقاصيص “حجر غزة”، بقلم د. قيس كاظم الجنابي، وقلادة التواصل في اقاصيص (السلم)، بقلم د. قيس كاظم الجنابي، و كسر الانساق الثقافية ومرجعياتها في مجموعة قصص (السلم)، بقلم د. سمير الخليل، و شعرية القصة القصيرة مجموعة السلم أنموذجاً، بقلم صباح محسن كاظم، وسلم حنون مجيد، بقلم محمد جبير، الومضة القصصية في مجموعة (السلم)، بقلم م.م نضال عبد الرحيم سلمان، و المرأة موتيفـًا للسعادة في زمن حزين – قراءة في "السلّم" للقاص حنون مجيد، بقلم قحطان الفرج لله.

أمّا القسم الثاني من الكتاب فقد جمع دراسات عن الإبداع الروائيّ وتقنياته عند مجيد حنون، إذ احتوى على الدراسات التالية:

 

الرواية وتشظي الثيمة المركزية، بقلم فاضل ثامر، و نص السلطة – سرديات التمأسس - قراءة تداولية في رواية (المنعطف)، بقلم د. محمد أبو خضير، و الركون إلى المغايرة في سياق السرد القصصي، بقلم ياسين النصير، و حركية السرد وتصدع الصمت في رواية (المنعطف)، بقلم د. قيس كاظم الجنابي، و البحث عن المفقود في رواية المنعطف، بقلم جاسم عاصي، و بؤرة السرد الروائي في رواية المنعطف، بقلم زهير الجبوري، و الحرب والحصار في الرواية العراقية رواية (المنعطف) مثالاً، بقلم د. رشيد هارون، و العالم الروائي الضمني المحيّن لرواية المنعطف، بقلم إسماعيل إبراهيم عبد، و تعددية السرد والـ(يوتيبيا) في رواية (المنعطف )، بقلم عبد علي حسن، و(المنعطف) ويوتوبيا المدن الفاضلة، بقلم حسن السلمان، و رواية (المنعطف) وبشائر الكلام المباح، بقلم أنور عبد العزيز، و علم الحقيقة ونقيضه في رواية (المنعطف)، بقلم محسن حسين عناد، و أنسانوية الخطاب السردي وحلم الوصول إلى المدينة الفاضلة، بقلم شاكر ارزيج فرج، و حنون مجيد ينسج شخصية روايته (المنعطف) من ملامح صدام، بقلم يوسف أبو الفوز، و لعنة الحرب في " مملكة البيت السعيد "، بقلم ناطق خلوصي، و مملكة البيت السعيد، بقلم د. عقيل مهدي يوسف، و رواية (مملكة البيت السعيد) بوصفها سجلا توثيقياً، بقلم د.سمير الخليل، و صورة الراوي في مملكة البيت السعيد، بقلم ليث الصندوق، وأربع وعشرون لوحة سردية تحكي قصة حربين تستولدان حرباً ثالثة، بقلم خضير اللامي، و الشخصية الروائية في رواية مملكة البيت السعيد، بقلم علي حسين عبيد، واتصاليات المثبت والمحذوف في "مملكة البيت السعيد"، بقلم مقداد مسعود، والتّقابل الزمني في رواية مملكة البيت السعيد، بقلم محمد يونس، والمدونة الرقمية: تحليقات مفعمة بالحب، بقلم رنا صباح خليل.إلى جانب ملحق بعنوان قراءة في قصة (مغامرة في ليل الغابة)، بقلم د. شفيق مهدي.

 

جمعة عبد اللهيمتلك الاستاذ الناقد خبرة وتجربة طولية، في منجزه النقدي الطويل، فهو الاديب والمترجم، له الاطلاع الواسع في الثقافات الاجنبية. لذلك امتلك رؤية ابداعية، في التعامل مع النص النقدي، ويمتلك نفس طويل في الرصانة والهدوء، في عمق الرؤية النقدية في منهجيتها الموضوعية، التي تعتمد على اصول وقواعد وضوابط، في التحليل النقدي، في البحوث والدراسات، في التناول في رؤية جمالية، تضيء العمل النقدي في ابداع متمكن. فهو يتعامل بهدوء ورصانة في ثنايا النصوص النقدية. ويتجنب اطلاق الاحكام جزافاً دون دراسة وتحليل وفحص متأمل دقيق، كما انه يبتعد عن التجريح والاستخفاف بالنص، وانما وضعه في المجهر النقدي، من خلال اسلوبية ومنهجية تتوسم الابداع، التي تعتمد على اسس ومستلزمات ومواصفات موضوعية، في تقييم العمل النقدي وأبدأ الرأي والحكم، يمتلك حصافة استاذية في الرؤية الابداعية، قوامها التركيز والتأمل والتفكير والبحث، هذه الضوابط خلقت له مكانة وحضور مهم وحيوي في الساحة الثقافية والحركة النقدية. ومن خبرته الطويلة واطلاعه الواسع في الترجمة وقراءاته للثقافات الاجنبية ومدارسها النقدية الحديثة. كسبته رؤيا نقدية مرتكزة، في منظومة ابداعية متكاملة، في الحس الابداعي وجمالية التناول. ومقالاته هي بمثابة دراسات وابحاث تمتلك براعة في الاسلوب والمنهج. وكتابه النقدي الجديد، المعنون (لا محاضرة / قراءات نقدية) حسب اقتراح الشاعر والناقد ناظم ناصر القريشي (اقترحت علينا أن يكون عنوان كتابنا هذا (لا محاضرة) وهو نفس العنوان الذي حملته لوحة الرسام العالمي بابلو بيكاسو فأخذنا به لان ما قرأناه لم يكن ما قصده بيكاسو ولن يكون). لذا فأن قراءاته النقدية، ليس مقالات، قراءات استعراضية تقليدية. وانما هي تحمل براعة استاذية، في اسلوب النقد البناء، الذي يرتكز على اسلوبية ومنهجية مبدعة. فقد تناول في كتابه النقدي. 27 شاعراً وشاعرة، كما حفلفي الطرح مجالات في الرواية ومواضيع اخرى، لنأخذ بعض الشذرات من هذه القراءات النقدية، او الدراسات النقدية :

- الشاعر طلال الغوار. في مجموعته الشعرية (احتفاء بصباحات شاغرة) : حقاً ان الشعر صرخة الالم والغضب والعاطفة والهدوء والسكون. يتصاعد دخانها او دخان الشعر. في الوطن الذي يتهاوى، بغداد تتهاوى شوارعها في لحن حزين. هذه بغداد التي تعلق بها الشاعر وتغزل بها، أن حب المكان يضيء توجهات الشعورية لدى الشاعر، مثلاً شارع المتنبي. لذلك يجد الناقد المحفز للشاعر في تجربته الشعرية (حفزني ان اذكر ذلك ما وجدته في قصيدة الشاعر الغوار عن بغداد وكيف يتبارى الشعراء في حب هذه الاماكن)

في شارع المتنبي

رأيت دخان الشعر

يتصاعد كثيفاً

لكن أين النار

------------

في شارع المتنبي

لم أر

غير قصائدي

وحدها هي التي

تسير الى جانبي

------------------

جسرك الممتد في قلبي

الى رصافة أحلامك

يستعيد عشاقه

في عيون أل مها

 أما آن لي

أن ارفع قبعتي

لزهرة

تسير وحدها في الطريق

× الشاعرة نجاة عبدالله. يتناول تجربتها الشعرية. يقول في حصيلته النقدية لتجربتها الشعرية (كانت دهشتي خلالها لا توصف فمن غير المعقول أن لا يتصدى النقد وبقوة لهذه الشاعرة وأعمالها، تلك التي توزعت بين عديد من البلدان التي درست فيها واقامت، أستطاعت من خلالها ان تثبت تألقها كأمرأة شاعرة تمسك بأدواتها الشعرية بحنكة ودراية، وعندما نريد قراءة بداياتها الشعرية فهي من جيل شعراء التسعينات)

إلى دجلة...

حبا وولعا

إلى أمي..

سيدة الارق الى...

واجهة الجنوب

أصدق جنون أعيشه هذه الاعوام

والاعوام التي مضت

--------------

الكلمات

تهرب من المصابيح

صرنا

نتبادل الشتائم

بدل أن نتبادل الحب

---------------

 لم أحلم

وأنا ممسكة بالارض

إن كلانا ينهض

ويعلق

قبلة على الباب

- الشاعر سعد جاسم. في مجموعته الشعرية (أنتِ تشبهينني تماماً) يستخلص تجربة الشاعر، بقوله (- أنا أرى أن الومضة الشعرية هي خلاصة للراهن الشعري الآن، وتكمن أهميتها في اقتناص اللحظة الشعرية السرية والخفية وكذلك التفاصيل الصغيرة في الحياة والاقانيم الاخرى كالحب والموت، المهمل والمهمش، مما يميز الومضة أيضا تكثيفها اللغوي، ومع كل هذا أرى أن الشاعر الحقيقي هو الوحيد القادر على إطلاق الومض الشعري، او اختطاف شعلة الشعر، هذا ما أشتغلت عليه في كتابي الشعري (أنتِ تشبهينني تماما) حيث حاولت اقتناص الكثير مما هو مسكوت عنه، وما هو ايروتيكي، وما هو جمالي ساحر ومدهش)

هذا كتابكِ.. فإحفظيه

هذا كتابك

هذا كتاب الحب

والخلاص والحنين

هذا كتابكِ

فأحفظيه وشما

وترنيمة

وقمراً من عسل

وخبز وياسمين

هذا كتابك الكوني

فإحفظيه.... إحفظيه

في دمك النافر

وتحت جلدك الحار

وفي قلبك الاخضر

أيتها العاشقة الابدية

- شاعر الرمز فلاح الشابندر. يتناول الناقد تجربة الشاعر ومنجزه الابداعي في الرمز الشعري، المتعدد الجوانب في التعبير والمغزى والايحاء، في التصوير الشعري الخلاق والمدهش. هذه التناول النقدي، هو نتيجة التعايش القريب مع الشاعر، وبالمتابعة في التجربة الرمزية في شعره بتفاصيلها الدقيقة، وهي تمثل تجربة شعرية مرموقة، بشكل غير مألوف ومطروق في الشعر العراقي. لذلك تحمل الصور الشعرية في قصائد الشابندر، تحمل لون وطعم وذوق ومعاناة، ووجع عراقي مؤلم وعذاب الانسان عموماً، من عثرات الواقع المأزوم والمتأزم. لذلك يجعل الصورة الشعرية، في تصويرها الخلاق، صورة ناطقة للواقع العراقي الفعلي. في مكونات الوجع المؤلم الذي نعيشه، والمكونات الانسانية في صراعها الحياتي للبقاء، لواقع الذي نعيش مراراته. لذلك هذه الصور الشعرية تؤطر بالرمز البليغ، من اجل استفزاز وتحريك المشاعر الداخلية، غير قابلة للمهادنة، وانما تستدعي تمزيق اكفانها المحنطة، لتخرج الى الكون والحياة العريضة. يقدم الناقد في تركيز شديد، خصائص الضوء الشعري للشاعر، الذي يحتض الانسان والكون، في شكلها المرئي وغير المرئي، في رسوم ريشته الشعرية بالتصوير المدهش

عري أبكم

من اقصى البراري

يتشرف السيد فراغ.... الفراغ الكبير

بدعوتكم.. لسماع عزف منفرد

عزف الرفيف الرفيف المجنح

يذكي الحقل لحنا نديا

---------------

يا أيها انتم........ ؟؟

بين مساقط الضوء والظل..

أوجعتم..... حلمي؟

ويشخص شعرية الشابندر بقوله (هذا الوجع يكاد يكون كوني في نصوص شاعرنا وهو ما يجرنا الى عالمية الشعر كما يقول ليرنر، هو يكتب بطريقة السخرية السقراطية، نسبة لسقراط الذي ينسب له هذا المنهج المعروف بأسم (Elenchus))

في خلوة...... محرمة

أقرأ مثلما أتهدم

جميع النفس كتبت وهما

وهما يشبهنا

نتناساه قصدا

وغفلة متعثرة بالمتراكم

تعثر علينا الصدفة

والتي لم (نقر)

أن الصدفة ترتب الادوار

................. زعيم........ أنا

- الشاعرة د. هناء القاضي. في ديوانها (سيدي البعيد)

يتساءل الاستاذ الناقد (لا اعلم كيف تجتمع الرقة مع الشعر مع طب فيسيولوجيا الاعصاب (الشاعرة طبيبة في فيسيولوجيا الاعصاب) خاصة اذا كانت تلك الاحاسيس المرهفة، ادوات شعرية تختلط على طاولة الجراحة في غرفة العمليات) ويضيف بشكل بليغ (وهل في مقدور القلب ان يتحمل منظر كل ذلك النزيف البشري ويتحول بعد أن ينزع عنه كمامة الخوف الى نبض شاعر يخفق لشيء بعيد (لرجل يلوح في ضباب اللحظة ويسربله الالتباس... ساكن فيها بين وهج الروح وثنايا الذاكرة. يقف على بعد نبضة من قلبها.

أنا لم أقل لك يوما

أني احبك

وأنت لم تقل لي يوما

 انك تحبني

--------------------

وحيدة....... أقف

عند شواطئ افكاري

يلقي اليَّ.. المد

حقائبا

مليئة..... بالنوارس

والاخبار

يا بعيدي...

بم... تفكر ؟

اتراك تغار.... ؟!

لو علمت... أنا.. أغار عليك

من كل النساء

اغار عليك... من لغة الحوار

- الاديبة وفاء عبدالرزاق. في روايتها (رقصة الجديلة والنهر)، التي صدرت عن مؤسسة المثقف العربي في سدني / استراليا : يقول عنها الناقد (رواية ترسم كل تذبذبات الاضطراب الداخلي لشخوصها الذين درست مؤلفتها بعناية واهتمام هاجس الخوف الذي لازمهم حتى النهاية، فأبطالها غير بعيدين عنا لاننا عشنا مأساتهم مع أنهم تشكلوا عبر فانتازيا صادمة وهو اللون الذي نجده في اغلب روايات الكاتبة) ويستلخص الجوهر في دراسته النقدية (روايتها لتدخل بنا لب الحقيقة عن هذا القتال الشرس من اجل البقاء بين قوى الشر المتمثل بهذه العصابات التي دخلت قرى كثيرة فشردت أبنائها واغتصبت نسائها وبناتها) ويضيف (ليتنا نستطيع التحدث عن السلام والحب والامان بدلا عن الموت والخراب والاغتصاب، ليتنا فعلاً نسترجع بناتنا وابناءنا بالقهر والدموع. الرواية وهي تصاعد بأحداثها مارة بسقوط الموصل، حيث وضعت أصابعها على أهم معطيات ذلك السقوط) ويستنتج من التحليل، وهو يبرز شجاعة الكاتبة في تشخيص الخلل من خلال المتن الروائي (فالرواية قبل كل شيء هي تاريخ مروي لها زمانها ومكانها وهي جزء لا يتجزأ من تاريخ أي أمة عانت ويلات الحرب، كما قرأنا قبلها كيف اصطف الكثير من الكتاب مع التاريخ لفضح الخونة الذين تسببوا بمعاناة شعوبهم).

انه كتاب نقدي جدير بالقراءة والاهتمام، هو حصيلة خبرة نقدية، في رؤيتها الجمالية

 

جمعة عبدالله

 

علاء اللامييصدر قريبًا عن دارَي الرّعاة (فلسطين) وجسور ثقافيّة (الأردن) كتاب موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربيّ الاسلاميّ، بقلم كاتب هذه السطور وسيكون الكتاب متوفرا في معرض بغداد الدولي للكتاب الذي سيبدأ في السابع من شباط الجاري ولغاية الثامن عشر منه، في جناح دار دجلة للنشر والتوزيع وسيكون متوفرا أيضا في مكتبات بغداد والضفة الفلسطينية المحتلة " توزيع دار الرعاة في رام الله" وفي مكتبات العاصمة الأردنية ومدن ومعارض دولية للكتب قريبا. هنا فقرات ضافية من مقدمة الكتاب للتعريف به وبمنهجيته المعتمدة:

***

ليس الصراعُ الحاليّ في فلسطين، وعليها، صراعًا دينيًّا تقليديًّا؛ بل يمكن القول إنّ العنصر الدينيّ هو أحدُ دوافعه ومفاعليه وتجلّياته في آنٍ واحد، ولكنّه لم يكن ولن يكونَ السببَ الأوحد والأهمّ. إنّ هذا العنصر الدينيّ، والثقافيَّ بشكّل أعمّ، يدخل ضمن مشمولات الحالة والواجهة التاريخيّة لهذا الصراع. فهذا الصراع، أساسًا، ومن حيث الجوهر، هو صراعٌ جغراسياسيّ، حضاريّ، عسكريّ، وثقافيّ (وضمنه الدينيّ)، بين الحركة الصهيونيّة الأشكنازيّة ودولتِها المفتعلة "إسرائيل" المدعومة غربيًّا من جهة، وبين الشعب الفلسطينيّ وحلفائه من الشعوب العربيّة والاسلاميّة وشعوبِ العالم من الجهة المقابلة. ولقد دخل العنصرُ الدينيّ والتاريخيّ ضمن مشمولات هذا الصراع، بدفعٍ وتأجيجٍ من طبيعة الحركة الصهيونيّة الدينيّة التوراتيّة التكفيريّة المعادية للأغيار (جوييم، أي الآخرين المختلفين دينيًّا)، ومن طبيعتها القوميّة العرقيّة المنسوبة زورًا إلى للعبرانيّة والعبرانيين الجزيريين "الساميين."

وعلى ذلك، فليس من الصحيح والعادل والأخلاقيّ إدانةُ لجوء الإنسان الفلسطينيّ، والعربيّ عمومًا، إلى استلهام إرثه الثقافيّ والدينيّ، في دفاعه عن مقدّساته وعقيدته ووطنه وتراثه الدينيّ الإسلاميّ والمسيحيّ والقوميّ العروبيّ،... ثمّ السكوتُ عن لجوء الحركة الصهيونيّة ودولتها ــــ القائمة أصلًا على مزاعمَ وخرافاتٍ دينيّة توراتيّة وقوميّة عبرانيّة مُفتعلة ــــ إلى اتّخاذ العنصر الدينيّ التوراتيّ رايةً ومنهاجًا وثقافةً لها، بل هي تطالب اليوم ضحيّتَها الفلسطينيّةَ بالاعتراف بدولتها دولةً يهوديّةً، ولليهود حصرًا، وانتهت أخيرًا إلى قانونٍ دستوريّ يقرّر أنّ إسرائيل دولة قوميّة يهوديّة، ولليهود حصرًا.[1]

لذا، بات من اللازم الإلمامُ بالجانب التاريخيّ والحضاريّ من جوانب هذا الصراع الشامل والمعقّد. ومن هنا تأتي هذه المحاولة المتواضعة لتقديم عرضٍ مبسّط ومكثّف لخلفيّات الخطاب الجوهريّة في الصدد التاريخيّ، بهدف كشف الطابع الخاطئ والمزيّف للخطاب المعادي، وتبيانِ تناقضاته وأكاذيبه، بأسلوبٍ لا يتخلّى عن الحياد العلميّ في مقاربته للحقائق، ولا يخفي انحيازَه الإنسانيّ لقضيّة الشعب الفلسطينيّ المظلوم وللحقيقة في آنٍ واحد.

إنّ موضوع تاريخيّة فلسطين القديمة، المتلابسة مع جغرافيّتها، قبل ظهور اسم "فلسطين" وبعده عَلمًا لهذه البلاد الجميلة، موضوعٌ شائكٌ ودقيقٌ ومعقّد، ولكنّه ممتعٌ وملهِم ومفيد ثقافيًّا ومعنويًّا. والواقع أنّ هناك جهلًا طاغيًا بأساسيّات هذا الموضوع حتى بين صفوف النخبة المثقّفة العربيّة أحيانًا. وإذا علمنا أنّ الموضوع إشكاليّ ومعقّد أساسًا بسبب طبيعته الذاتيّة التاريخيّة غير التجريبيّة تمامًا، فسنفهم أنّ الاكتفاءَ بالمعلومات والشعارات والكتابات السياسيّة والحزبيّة السطحيّة حول الموضوع هو نقطةُ ضعفٍ كبرى خطيرة نعانيها، نحن العرب، على هذه الجبهة المهمّة، جبهةِ الثقافة والإعلام.

سأقوم، عبر هذا الكتاب، بمحاولةٍ متواضعة، لمقاربة مجموعةٍ من الحقائق والصور التاريخيّة والجغرافيّة واللغويّة حول فلسطين القديمة، منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربيّ الإسلاميّ، في أمّهات المصادر القديمة والحديثة،[2] ومن ثمّ نسجِها في هذا الموجز التاريخيّ.

إنّ ما أقوم به هنا ملخّص مبسّط ومكثّف لتاريخ فلسطين، بدءًا من فجر التاريخ، فمرحلةِ الانتقال إلى العصر التاريخيّ، مع اختراع الكتابة في بلاد سومر (جنوب بلاد الرافدين في العراق القديم)؛ أيْ من العصر النحاسيّ الغسولي (3000 سنة ق. م) حتى حروب الفتح والتحرير العربيّة الإسلاميّة في القرن السابع الميلاديّ. وهذا الملخّص موجّه أساسًا إلى جيل الشباب، مثلما هو موجَّه إلى غيرهم من الباحثين عن الحقيقة. وهو استعراضٌ لن يتوقّف عند التفاصيل المعقّدة والمتشابكة إلّا ما ندر وكان ضروريًّا وذا صلةٍ بفلسطين.

إنَّ مركزيّة العلاقة بين فلسطين التاريخ البعيد والشديد التعقيد والثَّراء، وفلسطين الحاضر الصراعيّ الحاليّ مع الحركة الصهيونيّة ودولتِها العنصريّة "إسرائيل،" تُعطي دافعًا ومبرِّرًا قويًّا لوضع السياق التاريخيّ في مجراه الصحيح بين مكوّنات معادلة الصراع، وفي مقدّمتها جبهة التاريخ القديم الذي أُهمل كثيرًا من قبل الطَّرف الفلسطينيّ والعربيّ، الثقافيّ والسياسيّ، لشديد الأسف. وفي المقابل أوْلى الطرفُ الصهيونيُّ والغربيّ اهتمامًا خاصًّا ومركزيًّا بهذا المحور الصراعيّ من الموضوع، مُعتبِرًا أنّ السيطرة على مكوّنات تاريخ فلسطين القديم وتوجيهَه في اتجاهات محدّدة بهدف تسييد الرؤية والرواية الصهيونيّتين هي مهمّة المهمّات بالنسبة إليه. والواقع يقول إنّ الطرف الصهيونيّ قد نجح حتى الآن نجاحًا باهرًا في إنجاز هذه المهمّة، وفي وضع الرواية والرؤية الفلسطينيّتين والعربيّتين للتاريخ الفلسطينيّ القديم في الهامش وفي حالة دفاع غير مبرَّرة، هذا إنْ كان ثمّة وجودٌ أصلًا لهذه الرواية يتعدّى الوجودَ البدائيّ والرمزيّ؛ إذْ إنّ الثابت هو أنّ الطرف الفلسطينيّ والعربيّ مقصِّر في هذا الباب تقصيرًا محزنًا ولا يمكن تبريرُه، بل هو يشبه تركَ جبهةٍ قتاليّةٍ مهمّةٍ فارغةً أمام العدوّ خلال القتال.

إنَّ الارتباط التاريخيّ والمضمونيّ بين الرؤية الصهيونيّة الاستراتيجيّة، والروايةِ الدينيّة التوراتيّة، والمشروعِ السياسيّ المباشر لـ"إسرائيل" العنصريّة، أمورٌ علائقيّةٌ لا يمكن نكرانُها. وقد تفطّن إلى جوهرها كتّابٌ كُثر، لعلّ من أهمّهم الباحث والأستاذ الجامعيّ المتخصّص في دراسات الكتاب المقدّس، كيث وايتلام، في كتابه الحاسم: اختلاق إسرائيل القديمة.

يؤكّد وايتلام هذا الارتباط بأدلّةٍ كثيرة، لا يمكن دحضُها أو التقليلُ من أهميّتها. من ذلك قولُه إنّ إشارة وعد بلفور إلى الرابط التاريخيّ بين اليهود المشتَّتين في العالم بـ"أرض آبائهم" كان أكبرَ نصرٍ في مطلع القرن العشرين للصهيونيّة، ولزعيمها حاييم وايزمن، الذي أصرّ على أنْ يتضمّن وعدُ بلفور مثلَ هذه الإشارة، إيمانًا منه بأنّ التركيز على الجانب التاريخيّ "شرطٌ أساسٌ لنجاح المشروع  الصهيونيّ" ولضمان "عودة" اليهود إلى "أرض أجدادهم" (فكثيرًا ما كان وايزمن يردّد: "نحن لسنا بقادمين، بل عائدون").[3]

ويُضيف وايتلام، عارضًا أهميّةَ الببليوغرافيا المنجزة للتواريخ المهمّة لمملكتَي إسرائيل ويهوذا:

"إنّ تهميشَ تاريخ فلسطين القديم يمكن التدليلُ عليه من خلال الببليوغرافيا الممتازة للتواريخ المهمّة لإسرائيل ويهودا، كما ظهرتْ في بداية كتاب ميللر (Miller) وهيز (Hayes)، إذ توجد قائمةٌ تتضمّن خمسةً وستّين مرجعًا تعود إلى الفترة الواقعة من القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن العشرين، بينما يوجد عنوانان فقط يعالجان تاريخَ سوريا وفلسطين... علينا أن نعي أنّ سيطرةَ اللاهوت هذه، وما لذلك من مضامينَ وأبعادٍ سياسيّة وثقافيّة، يجب أن تكون في أذهاننا كي نفهمَ كيف تمكّنت الأوساطُ العلميّةُ الغربيّة من اختراع إسرائيل القدوة، وإسكاتِ التاريخ الفلسطينيّ" [4].

ويستنتج وايتلام من ذلك استنتاجًا صحيحًا:

"هذا يعني أنّ التاريخ الإسرائيليّ، ويهوديّةَ الهيكل الثاني، اللذيْن كانا حكرًا على الدراسات التوراتيّة حتى عهدٍ قريب، يشكّلان في الحقيقة جزءًا من التاريخ الفلسطينيّ، بينما التاريخ الإسرائيليّ ــــ الواقع تحت هيمنة الدراسات التوراتيّة ــــ قد سيطر على المشهد العامّ لفلسطين إلى درجة أنّه أَسكت فعليًّا كلَّ مظاهر التاريخ الأخرى في المنطقة، من العصر البرونزيّ حتى الفترة الرومانيّة"[5].

إنّ المقارنة الدقيقة التي يجريها إدوارد سعيد، ويستعيدها وايتلام بحماس، بين ما فعلتْه الحركةُ الوطنيّة الفلسطينيّة في هذا الميدان، وبين ما فعلتْه حركاتُ التحرّر في الهند وأفريقيا وأستراليا، مهمّة جدًّا في هذا الصدد. فهو يقول:

"إنّ نموّ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة لم يؤدِّ إلى استرداد الماضي، كما حصل في الهند وأفريقيا وأستراليا. والمشكلة هنا تكمن في أنّ مفهومَ التاريخ الفلسطينيّ يقتصر على الفترة الحديثة، في محاولةٍ لتوضيح القضيّة الوطنيّة في مواجهة النفي والتشريد، كما لو كان التاريخُ القديم قد تُرك لإسرائيل والغرب. وكان إدوارد سعيد قد لاحظ في خاتمة كتابه لوم الضحيّة: البحث العلميّ الزائف وقضيّة فلسطين... أنّ فلسطين كانت وطنًا لحضارةٍ لافتةٍ للنظر لقرون طويلة قبل هجرة القبائل العبريّة إليها. ويبدو أنّ طبيعة هذه الحضارة وإنجازاتها تُذْكر في جملٍ قليلة، بينما فترةُ الهجرة الاسرائيليّة، وهي نظرةٌ عفا عليها الزّمن...، قد تُركتْ لإسرائيل من دون أيّ تعليق. ويركّز الباحثون على تاريخ فلسطين منذ الفتح العربيّ والاسلاميّ في القرن السابع الميلاديّ حتّى الوقت الحاضر. أمّا الفترة البرونزيّة المتأخّرة بالتحديد، حتى الفترة الرومانيّة، فهي بحاجة إلى استعادتها وإعطائها صوتًا في تاريخ فلسطين."[6].

هنا يمكن أنْ نسجّل أنّ بعض الباحثين العرب ــــ بدلًا من العمل على إنجاز هذه المهمّة الملحّة، مهمّةِ فصل التاريخ الفلسطينيّ القديم عن القراءة والكتابة التوراتيّة، وإنجاز مهمّة كتابة هذا التاريخ ككيان سرديّ تاريخيّ مستقل ــــ يهدرون جهودَهم في البحث عن فلسطين أخرى في إقليم عسير أو جبال اليمن في عموم شبه الجزيرة العربيّة! لسنا ندعو هنا إلى منع الباحثين من البحث في الميدان الذي يشاؤون، وبالمنهجيّات التي يفضّلون، ولكنّنا نتكلّم على تسلسل الأولويّات ومستوى خطورة المهمّات والسياقات والعناوين الخاصّة والمتضمّنة في هذا الميدان.

وقد يكون دالًّا ومفيدًا أنْ أسجّل أنّني كنتُ أمام إشكالٍ فنيّ ومنهجيّ في محاولتي وضعَ البنية النهائيّة لهذا الكتاب، والذي هو كما يقول عنوانُه "موجزَ تاريخ." وهذا يوجِب على مؤلِّفه التقيُّدَ بالبنية المدرسيّة التقليديّة، كما نجدها في الكتب المعتمَدة في هذا المجال. ولكنْ، لأنّ الكتاب ليس تدريسيًّا بحتًا، بل  موجّهٌ إلى القارئ العاديّ والمتخصّص في آن واحد، فقد انتهيتُ إلى أن يكون مصوغًا بأسلوبٍ مبسّطٍ شبهِ صحافيّ مع عناوين فرعيّة كثيرة، تشدُّ القارئ، وتُبعد عنه المللَ المتوقّعَ المتأتّي من الغرق في اللغة الاصطلاحيّة والتناول الأكاديميّ الجافّيْن.

أما من ناحية المدى الزمنيّ والتاريخيّ الذي تستغرقه مادّةُ الكتاب، فهو يبدأ منذ فجر التاريخ، من العصور الجيولوجيّة الجليديّة القديمة وعصر إنسان الهوموهابيل وعصر البليستوسين، ومرورًا سريعًا بالعصر الحجريّ القديم والعصر النحاسيّ الغسوليّ،[7] وحتى استكمال عمليّات الفتح والتحرير العربيّ الإسلاميّ في القرن السابع الميلاديّ. ولكنه لن يتوقّف مطوّلًا وتفصيلًا عند عهود فجر التاريخ والعصور القبتاريخيّة.

***

قبل أنْ نبدأ هذا الموجزَ التاريخيّ، أوَدّ تسجيلَ الملاحظات المنهجيّة التاليّة:

أبغي، أولًا، الإشارةَ إلى أنني سأستعمل المصطلحَ الذائعَ الصيت "الساميّة" ومشتقّاتِه على الرغم من التحفّظات العلميّة المهمّة والكثيرة عنه. فهو مصطلحٌ توراتيّ، ابتُكر واستُخدم لأوّل مرّة سنة 1770 من قِبل أعضاء مدرسة غوتنغن الألمانيّة للتاريخ، واشتقّوه من اسم "سام،" أحدِ أبناء نوح الثلاثة المذكورين في التوراة، ولم يعثر العلماءُ حتى اليوم على أيّ دليل نبْشيّ آثاريّ ملموس يَذْكر اسمَه مباشرةً أو اشتقاقًا.

أمّا نسبةُ ابتكار "الساميّة" إلى العالِم النمساويّ أوغست شلوتسر، كما فعل الباحثُ العراقيّ المتميّز الراحل د. فاضل عبد الواحد في كتابه من سومر إلى التوراة (ص 40)، وآخرون، فغيرُ دقيقة. وأما المصطلح الذي ابتكره شلوتسر فهو "معاداة الساميّة،"، وأريدَ له أنْ يعني معاداةَ اليهود واليهوديّة، وهي معاداةٌ كانت سائدةً في الغرب والشرق الأوروبيّ، على عكس التعايش السلميّ مع اليهود في العالم العربيّ والاسلاميّ. ولكنّ عبارة "معاداة الساميّة" أصبحتْ كثيرًا ما تُخلط زُورًا في عصرنا مع معاداة الصهاينة، الذين غزوْا فلسطين وشرّدوا شعبَها وأقاموا دولةً نوويّةً عنصريّة. وقد ابتكر شلوتسر هذا المصطلح بعد عقد تقريبًا من تاريخ ابتكار مصطلح "الساميّة" من قبل باحثي مدرسة غوتنغن. وهناك مَن يُعيد هذا المصطلح إلى فيلهلم مار، وهو صحافيّ ألمانيّ كتب كتيّبًا سنة 1879 ورد فيه هذا المصطلح.

أمّا مصطلح "اللغات الساميّة،" كما تزعم دائرةُ المعارف البريطانيّة، فقد كان أوّل من أستعمله هو شلوتسر أيضًا في بحوثه التاريخيّة سنة 1781. وجاراها في هذا الزّعم، وكرّره نقلًا عنها، الباحث إسرائيل ولفنسون، في كتابه تاريخ اللغات الساميّة، ثم انتشر هذا الرأي في كتابات الباحثين في الدراسات الشرقيّة. ولكنّ مصادر سريانيّة قديمة، كما يخبرنا المطران بولس بهنام، تدحض هذا الزعمَ، وتؤيّد أنّ هذه التسمية "قديمة جدًّا، يرتقي تاريخُها إلى ما قبل القرن السابع الميلاديّ،" وأنّ "أوّلَ عالم سريانيّ أطلق هذه التسمية على مجموعة اللغات الشرقيّة هذه هو يعقوب الرهاوي المتوفّى سنة 708م. وقد جرى العلماءُ السريان على أثر الرهاوي، فاستعملوا هذا الاصطلاح قبل شلوتسر بقرون كثيرة"[8].

إذًا، الواضح، والمتفق عليه إلى حدّ بعيد بين المتخصّصين، هو أنّ هذا المصطلح ("الساميّة" أو "الساميون") لا علاقة له بالمنهجيّات الحديثة وأدواتِها القائمة على أسس العلم التجريبيّ، كعلم الآثار والتنقيبات الأركيولوجيّة الموثّقة باستعمال الكاربون المشعّ والمخترعات الحديثة الأخرى، بل يقوم على الرواية الدينيّة التوراتيّة للتاريخ القديم. والتوراة، كما سجّل أغلبُ الباحثين والمؤرِّخين، بل بعضُ اللاهوتيين اليهود أيضًا، كتابٌ دينيّ لا يعوَّل عليه من حيث الرواية التاريخيّة، وخصوصًا روايته للأحداث التي سبقتْ مرحلةَ تدوينه بعدّة قرون. فتناقضاتُه ومبالغاتُه الفادحة لا تُعدّ ولا تحصى، ولعلّ من أشهرها "قصّة فكّ الحمار" التي وردتْ في سِفر القضاة (15/14 ــــ 16)، وخلاصتُها أنّ شمشون تسلّح بعظْمة فكّ حمار وضرب بها "الفلسطيين"[9] خلال المعركة فقتل منهم ألف مقاتل!

وكمثال آخر، ثمّة هجاءُ التوراة وشتائمُها ولعناتُها ضدّ بابل في مواضع كثيرة. بل يختلط الأمر بين أجمل أنواع المديح الشعريّ لهذه المدينة والعاصمة الإمبراطوريّة عهدَذاك، وبين الهجاء والذمّ والتجريم والدعاء بدمارها وإبادة سكّانها. لنقرأْ في التوراة هذا المديح الشعريّ الباهر لها: "بابلُ كأسُ ذهبٍ بيد الربّ تُسْكِرُ كلَّ الأرض" (سفر إرميا 50 ــــ 6)، وقد اقتبسه فردريك ديليتش في كتابه بابل والكتاب المقدّس (ص 32) في سياق امتداح التوراة لبابل، وشهادةً من التوراة على روعة بابل المتفوّقة وقوّتها في عهد نبوخذ نصّر، كما كتب، ولكنّه للأسف لم يكمل الاقتباس! فحين نكمل قراءةَ هذه الفقرة من سِفر إرميا، يتّضح لنا أنّ هذا السِّفر لا يمدح بابل بل يكشف جريمتَها الكبرى ويتوعّدها بالتدمير والإبادة: "بابلُ كأسُ ذهبٍ بيد الرب تُسْكِرُ كلَّ الأرض. ِمنْ خَمْرِها شَرِبتِ الشعوبُ. مِن أجل ذلك جُنّتِ الشّعوبُ." ولهذا يجب أنْ يعاقِبَ ربُّ الجنود، ربُّ يهوذا وإسرائيل، بابلَ هذه شرَّ عقاب حتى "تَكُون بَابِلُ كُوَمًا، ومأْوى بناتِ آوى، ودَهَشًا وصَفِيرًا بلا ساكِنٍ." ونقرأ أيضًا: "صَوْتُ صُراخٍ مِن بابِلَ وانحِطامٌ عظيمٌ مِنْ أرضِ الكلدانيّين، لأنّ الرَّبَّ مُخْرِبٌ بابلَ وقد أَباد منها الصَّوْتَ العظيمَ." فهل هذه مادة تاريخيّة أمْ شعريّة أمْ دينيّة؟ وأين يبدأ ما هو تاريخيّ وأين ينتهي الشعريّ أو الدينيّ؟

والواقع أنّ هذا المصطلح ("الساميّة") ومشتقّاته يُستعمل منذ القرن الثامن عشر، من قِبل الباحثين التوراتيّين وغير التوراتيّين، بشكل واسعٍ ونمطيّ، من دون التساؤل الفعليّ المؤدّي إلى قرار عمليّ بخصوصه عن محتواه وحيثيّاته التاريخيّة. وهم يستعملونه على جهة المجاز لا الحقيقة، وغالبًا بنوع من التواطؤ "البريء" أو الاعتياد، إلّا من طرف بعض المتعصّبين التوراتيّين الذين يتصرّف بعضُهم في الميدان البحثيّ بنوعٍ من الهيمنة والاستبداد، وبما يوحي وكأنْ لا بديل أكثر رصانةً وعلميّة له. ولهذا، فأنا أستعمله هنا من باب المجاز فقط. وزيادةً في التحفّظ والحيطة فقد وضعتُه بين مزدوجتين، واعتمدتُ المصطلح العراقيّ "الجزيريّة" و"الجزيريّ" بديلًا أكثر علميّةً له مع أنّه أقلّ شيوعًا. لكنْ، من أين جاء هذا المصطلح "الجزيريّ"؟

هذا المصطلح من ابتكار الباحث الآثاريّ العراقيّ الراحل، وأستاذ الحضارات القديمة في جامعة بغداد، د. فاضل عبد الواحد. وقد استعمله للمرّة الأولى في بحث له بعنوان "الأكديّون ودورهم في المنطقة" سنة 1979. وقد وافقه على ذلك، واستعمله من بعده، العلّامةُ الآثاريّ العراقيّ الراحل طه باقر، صاحبُ أنضج ترجمة لـ ملحمة جلجامش من الأكديّة إلى العربيّة مباشرةً، ومؤلِّفُ الأبحاث الكثيرة حول الحضارات العراقيّة والشرقيّة القديمة.[10] وما يقترحه كاتبُ هذه السطور هو تعديل طفيف لغرض تسهيل التأثيل الاصطلاحيّ واللغويّ ليكون "الجزيريّ" بدلًا من "الجَزْريّ" للدلالة على الشعوب والأقوام واللغات ذات الأصول المؤكّدة علميًّا في الجزيرة العربيّة، ولتفادي الخلط اللغويّ في النسبة بين جمع مفردة جزيرة (الجُزُر) المُرادة هنا، ومفردة "الجَزَر" غير المقصودة لفظًا وكتابة ومعنى...

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

..................................

[1] قانون الدولة القوميّة لليهود في "إسرائيل" (بالعبريّة: חוק יסוד: ישראל - מדינת הלאום של העם היהודי‎) قانون إسرائيليّ أساس، يُعرِّف "إسرائيل" دولةً قوميّةً للشعب اليهوديّ. أقرَّه الكنيست في 19 يوليو 2018، بأغلبيّة 62 ومعارضة 55 وامتناع نائبين عن التصويت.

[2] سيلاحظ القارئ أنني سأولي اهتمامًا منهجيًّا خاصًا، في الفصول الأولى من هذا الكتاب، بأحد الكتب التي صدرتْ في نهايات القرن الماضي، وهو كتاب ثمين وحاسم، رغم صغر حجمه، ويحمل عنوان: تاريخ فلسطين عبر العصور، للباحث الفلسطينيّ الراحل يوسف سامي اليوسف. هذا الكتاب موثّق علميًّا، وأقربُ إلى موجز لتاريخ فلسطين عبر العصور. وكان الراحل اليوسف قد وعدَنا، في مقدّمة كتابه، بأنّه سيعمل على كتابة تاريخ فلسطين الشامل مفصّلًا لاحقًا. ولكنّ الأجل، لشديد الأسف، لم يمهلْه للقيام بتلك المهمّة. ويبقى الأمل معقودًا على زملاء الراحل للقيام بتلك المهمّة الخطيرة والضروريّة لكتابة تاريخ علميّ وشامل ودقيق ومفصّل لبلاد فلسطين ــ وهو كتابٌ تخلو منه المكتبةُ العربيّة والعالميّة، وتمسّ إليه الحاجةُ، وخصوصًا لأجيال الشباب الفسطينيين والعرب عمومًا. وما كتابي هذا إلّا محاولة متواضعة على الطريق لتحقيق هذه المهمّة، ولا أزعم أنّه إنجاز كامل لها.

[3] كيث وايتلام، اختلاق إسرائيل القديمة (الكويت: دار المعرفة، ط1، 1979)، ص 11.

[4] المصدر السابق، ص 26.

[5] المصدر السابق.

[6] المصدر السابق، ص31.

[7] العصر النحاسيّ (The Chalcolithic Period): من اليونانيّة khalkos، وليثوس lithos  (حجر النحاس)، أو العصر النحاسيّ (Copper Age): فترة من فترات تطوّر الحضارات البشريّة، بدأ معها استخدامُ الأدوات المعدنيّة إلى جانب الأدوات الحجريّة. وتقع بين العصر الحجريّ الحديث والعصر البرونزيّ.

[8] المطران بولس بهنام، "الساميّة والساميون واللغة الساميّة الأم،" موقع American Foundation for Syriac Studies

[9] سأميّز دائمًا، في صفحات هذا الكتاب، بين "الفلسطينيّين" كاسم علَمٍ للشعب الفلسطينيّ المعاصر الحيّ، وبين الفلسطيين أو الفلسطة "الفلستيين،" وهم الشعب المهاجر إلى جنوب فلسطين من جُزر البحر الأبيض المتوسّط في العصور القديمة، وقد اندمج بسكّان فلسطين القدماء من الكنعانيين.

[10] د. فاضل عبد الواحد، من سومر إلى التوراة (القاهرة: دار سينا، 1996)، ص 9.

 

643 غسان منجدفي ديوانه الجديد " النوافذ لا تركع للرياح" والذي يحمل الرقم 7 الصادر في العام 2018 عن المركز الفني للطباعة والإعلان والنشر "cap" طرابلس لبنان ويقع في 95 صفحة من الحجم الصغير، يواصل غسان منجّد ثورته على الغربة من خلال إصراره على الكتابة والشعر والبقاء على تماس مع اللغة العربية رغم زمن الغربة الطويل في استراليا الذي يعانده، فنراه في الاهداء الذي خصصه لأمه فيقول: : ما كتبت كلمة إلا ورأيت أمي. تعيدني إلى الزمن الجميل… زمن أمي الجميل" (ص11) وكأن غسان يريد أن يجعل اللغة هي الوطن المستقرّ في فكره وشعره وأحاسيسه، وينقش على رصيف الليل خيبته كما يقول في ص13 لأن حلمه كوكب يمرّ مرور الكرام ص14. يواصل الشاعر سرده على هذا المنوال حين يقول: " أمدّ يديّ لأتلقى عنوان تشردي" ص14.

على الرغم من تعدّد العناوين في الديوان الموزّعة بين الوطن، الحنين، الأم، المرأة، الصداقة، الطفولة، الشهوة والحب الذي يأخذ الحيّز الأوسع من الديوان، لكن القارئ يدرك أن الشاعر لا يقطع حبل السرّة الذي يربط بين قصائده، ففي قصيدة أملاح تخرج من جسدها يقول: "فتذكّر أنه مجرد أملاح \ خرج بحره منه\ وإختفى "ص19.

وفي قصيدة الأنس الأخير  ص 20 يقول: كلُّ الذين مرّوا من هنا لم يؤنسوني  ويتساءل: هل إختفيت ولم يرني؟ أم إختفى داري ونساني؟

للمرأة حصّتها، فهي التي تُسكر كلماتها بخمرتها، ففي قصيدة سيدة النساء ص29 يقول: "كل شيء فيك يمطر خمراً" هذا الخمر الذي يحوّل الشاعر إلى زلزال صامت عندما يقرأ قصيدة نهديها حتى تنزف عيناه نهوداً، متأوهاً من وجع الذكريات إلى أن يراود الحنين فيقول : "أظن أن ساعة الحنين إلى \ زفاف الشمس حانت" ص 37. ومع ذلك يعود إلى نقائه حتى يراها تغسل عريها بماء الشمس ص 43.

يستعمل منجّد أسلوب التكثيف كأنه يريد أن يقتصد بالمساحة، لكن ذلك التكثيف يتفجّر في معاني قصائده التي تفيض على جوانب الديوان، حيث يشعر القارئ أنه أمام أشعار قوية بمدلولاتها وعمقها وسلاستها، فنراه يقول عن المرأة : " كم كانت إمرأة وهي ترشّ \ على شبابيك الشمس برق كحلها \ وتجعل من سريرها بحيرة غناء! ص 51.

في ص 54 يخاطبها قائلاً: " لي فيكِ نجمة لا تنطفئ \ لي فيكِ طفولة شاطئ \ لي فيكِ رئةٌ وأعضاء \ ولي فيكِ أغصان وأضواء…

ومن صوره التي لا يمكن إلا التوقّف عندها، عندما أصبح العشق عنده جنون يقول: "تضاء مصابيح جنوني \ عصير عطر إمرأة قتلها العشق… ص 57.

على هذا المنوال يواصل الشاعر، فيأتي بحمام الثلج ويجعله حارساً لنداه ص 63.

وفي قصيدة سؤال بلا جواب، يخاطب الشاعر حبيبته قائلاً: " لا تسألي السنابل عنّي \ أنا حقل يحمل تاريخ عينيكِ … ص 65

وفي قصيدة لك أنت يقول: "العشق كل العشق لك" ص 67.

في ص 78 يقول: " أضيئي عينيّ بلهيب النهود".

يواصل منجّد جنونه حتى أنه يريد أن ينتحل صفة شيطان: "دعوني أنتحل صفة شيطان/ لتكتمل مسيرة الإيمان" ص80.

وينتهي به الأمر مسافراً. ففي قصيدة إغتراب ص 86 يقول: "مسافر \ أول المكان \ جرح \ وآخر المكان بكاء \ وحلمه مكسور كشراعه \غريب عن غربته وخوفه يزداد يوماً بعد يوم متسائلاً: " هل سأولد خارج سور الدنيا". ورغم ذلك يصر على عدم الاستسلام او التراجع لان نوافذه لا تركع للرياح.

 

عباس علي مراد

 

635 فالح مهديصدر للباحث العراقي المقيم في باريس الدكتور فالح مهدي كتاب يعد من أكثر الكتب إثارة للسجال والنقاش الفكري والسياسي، بعنوان طريف " مقالة في السفالة، نقد الحاضر العراقي" عن دار سطور. وهو محاولة لقراءة الوضع الاجتماعي والسياسي للعراق المعاصر على ضوء نظرية المكان وتأثيره من الناحية الأنثروبولوجية والسيوسيولوجية،و التي عرضها المؤلف في كتابه السابق المهم " نقد العقل الدائري". عنوان الكتاب يدفع لتساؤلات كثيرة رغم أن الكاتب حرص على توضيح اختياره لمفردة السفالة وما معنى السافل لغوياً وقاموسياً في اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية. ومفادها أن السافل، وهم كثر في المجتمع العراقي الحالي وأغلب السياسيين تنطبق عليهم هذه الصفة، هو الوغد والمنحط وعديم الشرف ونقيض العلو والرفعة والعلية والتسامي . ويبدو أن الباحث تعمد أن يكون لعنوان كتابه مفهوماً سياسياً وآيديولوجياً. وهو لايطمح أن يكون كتابه سرداً لتاريخ العراق المعاصر وإنما عملية تشخيص للداء، وهو ليس أكثر من محاولة تنظيرية لفهم سلوك الدونية والسفالة التي تحكمت في مسيرة العديد من الشعوب ومنها الشعب العراقي، على حد تعبير المؤلف، وهي حالة موجودة في كل المجتمعات، بما فيها المجتمعات المتقدمة والديموقراطية فهناك من هو رخيص ودوني فيها ومع ذلك يتحكم بمصائر ملايين البشر كما كان الحال مع هتلر في ألمانيا النازية .

لقد عرض الكاتب مقاربة مهمة لمفهوم العنف الذي يقف وراء شيوع ظاهر السفالة، بالمعنى الذي أراده المؤلف، في المجتمعات باعتبار العنف نشاط " حيواني" فاعل ومؤثر في السلوك البشري إذا ماتوفرت له التربة الملائمة التي تحتضنه وتغذيه لكي يهمين على حياة المجتمع ويقتل ما فيه من قيم ومباديء أخلاقية إيجابية.

حكاية العنف في العراق طويلة ومعقدة إلا أن الباحث ركز على تفاقم ظاهرة العنف البربري منذ انقلاب شباط الدموي عام 1963 والذي قام به حزب البعث الفاشي وجزء من منظومة العسكر في الجيش العراقي آنذاك. وبالفعل غاص الدكتور فالح مهدي في مفهوم ومعنى العنف وتحكمه بمصير بلدان كاملة لا سيما العراق الذي حكم بالحديد والنار خاصة في زمن الطاغية صدام حسين الذي حول العراق إلى دولة رعاع حيث تعاقبت عليه المحن النكبات والحروب ووسمته الكوارث فما يكاد يخرج من كارثة حتى يدخل في أخرى أشد وقعاً وتدميراً وعنفاً، وكأن لهذا البلد قدر مكتوب في أن يعيش وسط دوامة من العنف والقتل والتهجير والحروب والمعاناة.

بعد المقدمة توغل الباحث في مفهوم العنف من كافة جوانبه لا سيما اللغوية والقاموسية وباللغات الثلاثة التي يتقنها وهي العربية والفرنسية والإنجليزية، وتوصل إلى أن العنف مظهر من مظاهر الحياة رغم طابعه التدميري حتى لو كان يمارس بإسم القانون والشرع، وذلك عبر تاريخ البشرية منذ الحضارات القديمة إلى اليوم. والجانب الشرس لظاهرة العنف هو "العدوان" الذي هو أخطر تجليات العنف كما جاء في أدبيات علم النفس التحليلي. وهناك عدة أنواع للعنف "فهناك العنف الرمزي، والعنف الاقتصادي والعنف المرضي والعنف الطبيعي الذي يحدث جراء كوارث طبيعية كالفيضانات والأعاصير والصواعق والبراكين والعواصف الخ.. بعبارة أخرى إن للعنف زمن يمتد منذ فجر التاريخ، ولقد مرة حلقات العنف بفترات متميز من تاريخ البشرية كالحربين العالميتين وإبادة الجيش التركي لمليون أرمني والحقبة الستالينية الرهيبة التي تميزت بالقسوة والبطش باعتبارها شكل من أشكال من العنف الرسمي من قبل النظام الحاكم في الاتحاد السوفياتي والذي تسبب بموت ملايين الأوكرانيين جوعاً،وقتل اليابانيين لآلاف الصينيين وإبادة النظام الصيني للآلاف الفلاحين جوعاً وآلاف المثقفين في الثورة الثقافية وإبادة مليون شيوعي في أندونيسيا عام 1965 وإبادة مليون بنغلاديشي على يد الجيش الباكستاني سنة 1971 وإبادة نظام الخمير الحمر في كمبودياً بين 1975 و 1979 لمليون وسبعمائة مواطن كمبودي تحت يافطة معاداة الثورة وأخيرا يصل المؤلف إلى انقلاب 8 شباط السود سنة 1963 في العراق بمساندة وتوجيه ودعم المخابرات المركزية الأمريكية ما أدى إلى مقتل وإبادة وتعذيب آلاف الشيوعيين والوطنيين من العراقيين ممن لم يؤيد الانقلاب الفاشي الدموي. وهناك سياسة الحصار والتجويع والعقوبات التي فرضتها الحكومة البريطانية ضد شعوب بأكملها كما حصل للشعب الايرلندي سنة 1840 وضد الهند عندما امتنعت بريطانياً المحتلة للهند عن تقديم المساندة والدعم للفلاحين الهنود بين 1896 و 1902 ما أدى موت الملايين من الهنود جوعاً . وهذه تعتبر من الإبادات الجماعية. وللعنف تاريخ اسود حتى في فترة ما قبل التاريخ الذي تميز بالعدوانية الحيوانية كما سماها المؤلف. ولم ينس الباحث أن يعرج على عنف الأديان وارتكابها للمجازر باسم الله والدين. وفي الوقت الحاضر يجد العنف تربة خصبة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال الجماهيرية وكلها مشتركة في ترويج العنف كالصحف والتلفزيونات والسينما والراديو الخ.. ومن رحم العنف نشأة ظاهرة الإرهاب كوسيلة للترهيب والوصول إلى الحكم والسلطة حيث تمت مصادرة القوانين والتشريعات، وتم تقويض مشروع الدولة من قبل حكام طغاة وقساة سلطويين أمسكوا بالسلطة بالحديد والنار وطوعوا المؤسسات العسكرية والأمنية لخدمة أهوائهم ونزعاتهم العدوانية وهناك أسماء لامعة في هذا المجال كصدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي والمؤسسة العسكرية في الجزائر الخ.. وهؤلاء مارسوا إرهاب الدولة بشتى الوسائل .ارتبط العنف أيضاً بإشكالية الهوية وبزوغ الدولة القومية وتوسع وامتداد الدوائر الهوياتية، وتجسدها بالهويات العرقية والمذهبية والطائفية والعشائرية .ففي كل المجتمعات، الرأسمالية، والاشتراكية أو الماركسية هناك ممارسات عنفية، كما يوجد ما اسماه المؤلف بــ " العنف فلسفياً " منذ الحقبة الإغريقية ومقاربات الفلاسفة الإغريق لهذا المفهوم ودور القوة في الدمار الذي يحدثه العنف، وكذلك في الفلسفات المعاصرة، في الغرب والشرق.

وفي إطار الموقف الفلسفي من العنف يستشهد المؤلف بموقف الفيلسوف الفرنسي باسكال ( 1623-1662) كما عبر عنه في كتابه " الفكر" وقال فيه :" أي وهم هذا الإنسان؟، أية حداثة؟، أي مسخ؟، أي فوضى؟ " حيث كان يرتبا بالسلوك البشري وينسب له قول :" من شدة خيبة أملي بالإنسان فضلت رفقة الكلاب". وهو نفس الموقف الذي أبداه الروائي الروسي الكبير دوستيوفسكي الذي لا يطمئن لسلوك الإنسان.

العمود الفقري للكتاب هو العراق المعلول كما وصفه الباحث، وهو ليس وصف للتاريخ السياسي للعراق فلقد كتب آخرون مايغني عن الاستفاضة والتكرار من أمثال حنا بطاطو وفالح عبد الجبار وعلي الوردي وسيار الجميل وعقيل الناصري ويوسف محسن وغيرهم ومن زوايا مختلفة وقراءات ومقاربات ثرية ومتميزة عن العراق المعاصر، كانت وما تزال مهمة لكل قارئ وباحث في هذا المضمار.

ينتقل المؤلف من التاريخ إلى الجغرافيا حيث أشار إلى ملاحظة ذات مغزى وهي إن العراق حكم من 1963 إلى 2003 من قبل أشخاص ينحدرون من نفس المنطقة التي كانت تسمى في العهد العثماني " سنجق الدليم" ولقد طغت في إدارة البلاد المعالم البدوية والعشائرية منذ عهد أحمد حسن البكر وصدام حسين وأصبحت السلطة ملك للعشيرة والعائلة وفق العرف القبائلي والعشائري السائد حيث تراجع الحس المدني وتدهور وخضع لما اسماه الباحث بــ " التصحر الثقافي" الذي طغى على العراق طيلة أربعة عقود.

هناك مراحل طبعت العراق المعاصر بسمتها وببصماتها وبطابعها، منذ العهد العثماني إلى اليوم. فبعد سقوط بغداد سنة 1258 سيطر الحكم المغولي والتركي على كامل أرجاء المنطقة وبضمنها العراق (عدا المغرب) وكانت الأقوام الرحل هي التي هيمنت وحكمت . ففي فترة " عثمنة " العراق حسب تعبير الكاتب، بين 1533 و 1920 تهاوى العراق وقسم إلى ثلاث ولايات تابعة للإمبراطورية العثمانية هي بغداد، والبصرة، والموصل. ومنذ ذلك الوقت دخل العراق في جحور الظلام ودبت فيه شرنقة الخراب، ابتداءاً من سقوط الحكم العباسي حيث تكالبت عليه أقوام متخلفة عنيف وشرسة من المغول والتركمان حيث فتكت بكل ما فيه من خير وجمال وأوغلت في التخلف والقسوة والبطش والعنف المجاني حتى انتشر فيه الفساد والخنوع والخمول والتكلس، حيث عزل العراق عن ركب الحضارة والتمدن وغرق في الجهل والخرافة والأمية والتخلف. فالاحتلال العثماني ألغى العراق من خارطة الدول الحضارية ذات التاريخ المجيد ثقافياً وفكرياً واقتصادياً لمدة تزيد على الأربعة قرون كانت سوداء معتمة ومظلمة. فالعراق سقط في براثن " العثمنة" وسادت فيه ثقافة الخرافات والجن والعفاريت، وهيمنة القيم البدوية، والغرب ولج عالم الحداثة والتطور من أوسع الأبواب، ولقد شخص علي الوردي انتشار ظاهرة " الشقاوات" في المجتمع العراق سواء في الفترة العثمانية أو الاحتلال الإنجليزي حتى أواسط الخمسينات من القرن الماضي . فالشقي مجرم وخارج على القانون من وجهة نظر السلطة، وبطل من وجهة نظر أبناء محلته ومجتمعه فهو لص وقاتل ويبتز الأغنياء ويفرض الأتاوات مقابل الحماية التي يوفرها لمن يحتاجها منه، وهو لا يختلف عن البدوي الذي يدافع عن قبيلته في الحق والباطل رغم الاختلافات الكثيرة بين سلوك الشخصيتين، وكلاههما يعكس ضعف الدولة وفقدان الأمن المجتمعي، إذ اقتصر عمل السلطة الحاكمة على جمع الضرائب بالقوة والعنف والتعسف وإرسالها إلى الباب العالي في عاصمة الإمبراطورية العثمانية اسطنبول. لكنها غائبة عن توفير الأمن أو الخدمات الاجتماعية و لا تهتم بأية مشروعات إصلاحية، كما أشار المؤلف.

يرسم الكاتب صورة شبه وردية عن العهد الملكي بين 1921 و 1958 وإنه حقق الكثير من الإنجازات الحضارية الحديثة في التعليم ووسائل النقل وفي نظام القيم والعادات ودخول معالم الثقافة العصرية الحديثة وظهور كتاب وباحثين وأدباء وشعراء كبار مثل الجواهري والسياب ونازل الملائكة وعبد الوهاب البياتي، إلى جانب أسماء متألقة مثل جواد علي وعلي الوردي وعلي جواد الطاهر وعبد العزيز الدوري وعبد الجبار عبد الله على سبيل المثال لا الحصر، لكنه نسي أن تلك الحقبة اتسمت بهيمنة الإقطاعيين والباشوات واحتكارهم للثروة والقوة والسلطة ومعاملة الفلاحين كعبيد بقسوة وانتشار الفقر والفاقة والعوز .

ويعتبر المؤلف أن الاحتلال البريطاني للعراق أدخل هذا البلد في حركة التاريخ وحيويته ويمثل إعادة ولادة العراق المعاصر، وحقق المستعمر البريطاني، كما يذكر المؤلف، عدد من الإصلاحات المدنية والمجتمعية في مجال العمران وبناء السدود والجسور والمدارس والمستشفيات الأمر الذي لم تفعله الإمبراطورية العثمانية طيلة أربعة قرون من سيطرتها على العراق وباقي دول المنطقة.

كانت المواطنة غائبة في المجتمع العراقي والولاء هو للدين والمذهب والطائفة والعشيرة والثقافة السائدة قائمة على الأسطورة والدين وبعيدة عن العلم والفكر والمعرفة الحديثة،باستثناء اليهود ومن بعدهم المسيحيين الذين كان لهم تماس مع العالم الخارجي وتمكن بعضهم من الولوج إلى قلب المعاصرة والتحدث بلغات أجنبية . فالملكية برأي المؤلف قدمت للعراق خدمات جليلة ووضعته على عتبة التاريخ والعالم المعاصر، وإن نوري السعيد قد أدى خدمات وفوائد جمة للعراق رغم كونه تابع لسيده البريطاني لكن ذلك لم يمنعه من إنجاز عدد كبير من المشاريع العمرانية، التي لم يذكرها المؤلف ولم يعط عنها بعض الأمثلة، وكذلك له دور في تطور الثقافة والعلم حيث تم، في عهده، إرسال بعثات تخصصية للدول الغربية أهلت الكثير من الباحثين الجادين لم يشهد العراق أمثالهم لمدة أكثر من ألف عام. ثم يعرج المؤلف إلى فترة الخمسينات من القرن العشرين وتفاقم الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي المتمثلين بالولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الأوروبيين الغربيين والإتحاد السوفياتي وحلفاؤه الأوربيين الشرقيين، ويؤكد المؤلف دون تقديم أي دليل على ذلك، أن الحزب الشيوعي العراقي زج نفسه في أتون ذلك الصراع الدولي ما يعكس عدم نضجه مقارنة بالحزب الوطني الديموقراطي، وإن أخطاء الحزب الشيوعي ساهمت بظهور وتنامي التيار القومي بجناحيه البعثي والناصري وإصرار هذا الأخير وحماسه لتحقيق الوحدة العربية ما أدى إلى حدوث كوارث في العراق. وبرأيي فإن هذا الطرح يتسم بالتعجل والتسرع في إطلاق الأحكام ويحتاج لمزيد من التمحيص والتدقيق التاريخي والتمعن في أسرار وحيثيات تلك الفترة أكثر لكي نخرج برؤية موضوعية غير متحيزة وغير ظالمة لهذا الطرف أو ذاك.

لقد صدمني الباحث وهو يكيل المديح لنوري السعيد الذي قدم الكثير للعراق، وعدم صموده أثناء تصديه " للصراع الطبقي الذي كان يردده الحزب الشيوعي كالببغاء، بل يكاد أن يتأسف على سقوط النظام الملكي ووصف التغيير الثوري بأنه انقلاب عسكري حدث في 14 تموز عام 1958 على يد حفنة من الضباط،ولم يرغب بتسمية ما حصل من تغيير جذري في بنية المجتمع العراقي " بثورة 14 تموز " التي قادها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم. ويقارن بين ماحصل لملك مصر فارق من توقير واحترام من قبل المجموعة العسكرية التي أسقطته بزعامة جمال عبد الناصر وتأدية الضباط العسكريين له التحية العسكرية وتوديعه بــ 21 طلقة مدفعين تكريماً له وهو يغادر على ظهر يخته الملكي المحروسة بينما تعرضت العائلة المالكة في العراق للقتل والسحل والإبادة والتنكيل رغم رفعها للرايات البيضاء والقرآن وانتهت العائلة بمجزرة دموية وأبيدت على نحو بربري بعيد عن قيم الشرف، وأنا أستخدم عبارات المؤلف لكني لا أتفق معه بما قاله فهل يعرف من هو المسؤول عن هذه الجريمة؟هل هو الحزب الشيوعي العراقي؟ هل هو الزعيم عبد الكريم قاسم قائدة الثورة؟ ومن الذي أمر بتنفيذها؟ لم يذكر المؤلف ذلك والحال إن الجناح القومجي البعثي العارفي في الجيش هو الذي يقف وراء هذه البربرية وليس الحزب الشيوعي ولا الزعيم قاسم.

ثم يذهب الكاتب إلى ابعد من ذلك وهو يصف العهد الجمهوري بــ " حكم الأقلية" ويمثل هذا العهد الممتد من 1958 إلى 2003 برأي الكاتب البداية الفعلية للدمار الذي شهده العراق و لا زالت آثاره فاعلة . وأود أن أسأل المؤلف هل هذا هو كل ما رآه من العهد الجمهوري. وهل نسي أنه بفضل إنجازات هذا العهد، على الأقل في سنواته الأولى، أنه أتاح له ولأمثاله وأمثالي نحن الفقراء والمهمشين الحصول على التعليم المجاني والمساواة في كل شيء مع أبناء البرجوازية والأغنياء وما وفره لنا جميعاً من فرص لا تعد ولا تحصى من مساكن وتعليم وتشجيع على الإبداع ؟ قسم الباحث الدكتور فالح مهدي العهد الجمهوري إلى ثلاث فترات الأولى محصورة بين 1958 و 1963 أي أربع سنوات وهو فترة ممعنة في القصر كما وصفها المؤلف ومع ذلك قام الزعيم عبد الكريم قاسم بالتخطيط والعمل على إنجاز عدد هائل من المشاريع العمرانية والتربوية والثقافية بمساعدة عدد من المتمكنين والمخلصين والكفاءأت المخلصة فهل هذا ينطبق على ما نعرفه من سياسات الطغمة العسكرية الإنقلابية، وهل خروج العراق بقرار من الزعيم قاسم من حلف بغداد السيء الصيت سياسة غير حكيمة؟ ويعترف الكاتب أن غرض الحلف وهدفه الوحيد هو " الوقوف ضد المد الشيوعي" فهل هذه خصلة إيجابية تحسب للعهد الملكي ؟ وهل إنتشار الفكر الماركسي والبرامج المجتمعية الشيوعية ظاهرة سلبية ومد ينبغي صده ومكافحته؟ فهل يوجد " قائد انقلاب عسكري واحد في العالم لديه سلوك مثل سلوك الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم الذي وصفه المؤلف نفسه بأنه تميز بحبه للفقراء ومحاولة الرفع من شأنهم. وإحدى أهم محاولاته بناء مدن الثورة في كل أنحاء العراق للفقراء والكسبة، وتشييد دور الإسكان للموظفين الصغار من الفراشين والمضمدين والكناسين وعمال البلديات والمعلمين الصغار الخ.. فهو بحق رجل نبيل بتعبير المؤلف نفسه لكن سوء حظه أوقعه في ظروف شائكة بالغة التعقيد، ويقول الكاتب عنه أنه رجل عديم الخبرة بالسياسة فهو رجل عسكري تقلد منصباً سياسياً لم يمارسه من قبل وكان معه شخص كارثي عسكري طائفي مقيت هو عبد السلام عارف الذي حاول عدة مرات أن يقتل الزعيم أو يغتاله ومع ذلك عفا عن الزعيم النبيل ولم يصفيه جسدياً رغم حكم المحكمة العسكرية " محكمة الثورة" عليه بالإعدام ومحاولة اغتيال أخرى تعرض لها الزعيم قاسم على يد عصابة من البعثيين من بينهم آخر رؤساء العراق البعثي قبل إطاحة النظام على يد الأمريكيين وهو صدام حسين الذي اعترف بنفسه في أواخر أيامه أن قاسم رجل وطني نزيه ومستقيم لم يرتكب جرائم وسرقات، وبموته انتهت " أهم تجربة في تاريخ العراق منذ أكثر من ألف عام" بالتعبير النصي للمؤلف . ويورد الكاتب نصاً بالغ الدلالة على دناءة عبد السلام عارف فقال حرفياً مستنداً لنتيجة توصل إليها الباحث حنا بطاطو:" هناك إجماع على نزق عبد السلام عارف وسذاجته . فقد ذكر مصطفى علي، الذي كان وزيرا للعدل في حكومة عبد الكريم قاسم، رأياً يلخص الدمار الذي تعرض له العراق على يد عبد السلام عارف حين قال : " قاسم جاء بثورة عظيمة، ولكن جاء بفنائها معها، جاء بعبد السلام عارف" بل إن جمال عبد الناصر نفسه أعتبر عبد السلام عارف طفلاً والسبب يعود إلى حديث الرئيس عبد الناصر عندما التقى بعبد السلام عارف في دمشق في 19 تموز 1958 واشتكى له من قاسم، نقلاً عن فاضل الجمالي ' وزير الخارجية في العهد الملكي) فأجابه عبد السلام عارف بلهجة شديدة بعد أن رمى السكين والملعقة من يده بشدة على المنضدة وقال لعبد الناصر: هل تريد أن اقتله؟ طلقة بعشرين فلس"... والحال إن عبد السلام عارف برأي المؤلف أيضاً هو أحد الكوارث في تاريخ العراق المعاصر فهو نزق، انفعالي، طائفي فهو أول من أطلق على الشيعة العراقيين، وهم الأكثرية من السكان، صفة "الرافضة" حيث أماط اللثام عن وجهه الطائفي القبيح، نصيبه من الثقافة والتعليم متدني جداً، محدود الذكاء، وينتقل من فكر إلى أخرى تختلف عنها كلياً دون أية صعوبة". ولم يفت المؤلف الإشارة إلى دور جمال عبد الناصر التخريبي في العراق ولعبه دوراً غير مشرف وإجهاضه لمشروع بناء الدولة العراقية الحديثة.

يعود الكاتب إلى نغمة تعنيف الحزب الشيوعي العراقي ويتهم قيادته بأنها بعيدة عن الواقع العراقي فهل كان الشهيد سلام عادل بعيداً عن هموم المواطن العراقي واحتياجاته لا سيما فئات الفقراء والكسبة والعمال والفلاحين إذ اعتبر المؤلف ذلك خطأ لأن البلد ليس فيه صناعات وليس فيه رأس مال متطور وبدل أن يكون في الطليعة بين الأحزاب والحركات السياسية الفاعلة اعتمد على سياسة تأييد ومساندة الاتحاد السوفياتي واعتبر ستالين أب الشعوب المظلومة وأصبح طرفاً في الحرب الباردة الدائرة بين المعسكرين وهذه قراءة ليست دقيقة لا للواقع العراقي ولا لدور الحزب الشيوعي في صراع المعسكرين ولم يقف ذلك عائقاً أمام شعبية الحزب الشيوعي وقيادته لجماهير الكادحين وتأثيره في الشارع العراقي، كنت أتمنى من الباحث أن يتحلى بموضوعية أكبر ويطلع على أدبيات الحزب الشيوعي وتقييمه لتلك الفترة . يقول الدكتور فالح مهدي:" لقد ساهم الشيوعيون في تضخيم شخصية عبد الكريم قاسم، كما يقول المؤلف، وكانوا وراء شعار " الزعيم الأوحد" فهل نسي الكاتب أن عبد الكريم قاسم كان قد زج بالشيوعيين قبل غيرهم في السجون وترك القومجيين أحراراً يتحركون في وضح النهار؟ ثم يقول عن الزعيم قاسم أنه كان على قدر كبير من السذاجة والغموض وهذا تجني على شخص الزعيم فخلافه مع عارف يدل على معرفته بشخصية هذا الأخير وليس جهله به وبأنه لا يعرف شيئاً عن دواخل ذلك الرجل المختلف عنه في كل شيء، لكن مشكلته إنه كان طيباً ومسالماً حتى مع خصومه وأعدائه وعبارته الشهية " عفا الله عما سلف" لدليل على طيبته واستقامته ورجاحة عقله.

مر الكاتب بسرعة على فترة الأخوين عارف خاصة فترة عبد الرحمن عارف حيث سادت فترة من السلام المجتمعي رغم كون الرئيس عبد الرحمن عارف ليس رجل دولة، وقد انتعش الأدب والفن في فترته القصيرة رغم غياب المشاريع العمرانية والتنموية .

ثم ولج إلى فترة حكم البعث ووصفها بــ " البعثنة أو التوحش البعثي بين 1968 و 2003. وإنها البداية الفعلية لدمار العراق في العصر الراهن، أي بعد أن غدا العراق دولة معترف بها عالمياً. فمرحلة " البعثنة" أو تبعيث المجتمع عنوة وبالقوة والقسر لا تختلف في نتائجها السلبية والتدميرية عن مرحلة " العثمنة" . كانت بداية الانحدار بانقلاب شباط الدموي الأسود الفاشي الذي خططت له وكالة المخابرات الأمريكية السي ىي أ سنة 1963 وكان الشطر القومي من الجيش العراقي وحزب البعث هم الأداة المنفذة وكانت البداية الكارثية التي لم تستمر أكثر من تسعة أشهر قتل خلالها الآلاف، ونفذت عصابة البعث والحرس القومي حينها تصفيات جسدية بربرية وعمليات تعذيب تقشعر منها الأبدان بحق الشيوعيين والوطنيين الشرفاء والقوى السياسية المناصرة لهم، وهو النهج الذي سارت عليه الولايات المتحدة وذراعها الرهيب المتمثل بوكالة المخابرات المركزية لتصفية الشيوعيين أينما كانوا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي. ثم أعاد البعث وجزء من القوات المسلحة الموالية تنفيذ سيناريو الانقلاب العسكري ضد عبد الرحمن عارف سنة 1968 وكان يمثل نهاية الدولة العراقية وسقوطها وتشييد النظام الفاشي الدكتاتوري الدموي، وعلى الأخص بين عام 1979 و 2003 وهي الفترة التي اعتلى فيها صدام حسين سدة الحكم باعتباره الرجل الأول بعد أن كان يحتل لمدة عقد كامل موقع الرجل الثاني، وأصبح رئيساً للجمهورية بعد أن نحى بالقوة الجنرال العجوز أحمد حسن البكر وقام بتصفية رفاقه في الحزب الحاكم ممن نافسوه أو اعترضوا على زعامته المطلقة للدولة والحزب، وكانت الفترة الأكثر ظلاماً في تاريخ العراق المعاصر كله، وهي امتداد لفترات مظلمة كثيرة وسمت تاريخ العراق في الماضي والحاضر منذ الحجاج بن يوسف الثقفي المريض السادي والمماليك والعثمانيين، إلا أن فترة صدام حسين هي الأشد قسوة وظلامية حيث تمركزت السلطة بيد العشيرة والعائلة التي ينتمي لها صدام حسين .

تأسست الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن الماضي بإرادة من المستعمر البريطاني وأدواته في المنطقة من الإقطاعيين ورؤساء العشائر وبعض فئات الجيش الوليد لكن العراق لم ينجح في تأسيس مجتمع مدني ناضج وحديث بل ظل المجتمع العراقي مكبلاً بالانتماءات العشائرية والدينية والمذهبية والطائفية والعرقية، أي ظل جزءاً من مجتمعات ما قبل الحداثة. على غرار عدد من دول ما سمي بالعالم الثالث، عدا تجربة الهند فلقد نجح الرواد من قادة الاستقلال في خلق مجتمع مدني متطور وتبني مفهوم الدولة العلمانية وأقاموا نظاماً ديموقراطياً حقيقياً رغم التحديات والفقر وصمدت الهند لتفرض نفسها كدولة متقدمة بين الأمم المتحضرة في العالم المعاصر. فيما بقي العراق مكبلاً بمجموعة من الأمراض البنيوية التي أعاقت تقدمه وسيادة القيم القبلية والعشائرية والبداوة فيه وتفشي الجهل والخرافة والأمية التي وصلت إلى نسبة 90% من الفلاحين وتجاوزت الــ 75 % من مجموع الشعب العراقي. فبالكاد بدأت بوادر تشكيل مجتمع مدني حديث وعلماني في زمن قاسم حتى أجهضت التجربة وتراجعت مع انقلاب 8 شباط الأسود الدموي والبربري واستمرت بالتدهور والتقهقر سيما بعد انقلاب تموز عام 1968 وكان نظاماً أكثر منهجية وخبثاً وقسوة وبطشاً وقدرة على التدمير، فتلاشى مفهوم الدولة الحديثة وحل محله مفهوم الدولة المافيوية وأغلب من حكم العراق من عام 1963 إلى يومنا هذا هم أشخاص غير أكفاء وبعيدين عن عالم المعرفة والذكاء والشرف حيث تمت تصفية أو إبعاد الشرفاء والكفوئين بأشد الأساليب القمعية. ولقد نجح نظام صدام حسين في تحقيق السقوط الفعلي لكل قيم الشرف والأخلاق منذ العام 1968 ووضع في مواضع القيادة أناس سفلة من أولاد الشوارع واللقطاء وعديمي الشرف المستعدين لتنفيذ أخس المهمات واستخدام الوسائل الدموية والقمعية واللجوء إلى أسلوب التصفيات الجسدية والاغتيالات وتعذيب الخصوم حتى الموت في المعتقلات الرهيبة. وكان أفضل من وصف فترة صدام حسين الرهيبة هو الكاتب المبدع زهير الجزائري في كتباه الموسوم " المستبد" وواصل زهير الجزائري في توثيق تلك الحقبة الرهيبة في كتابه " أنا وهم" إلى جانب كتاب عن سيرة صدام الحقيقية كتبه إبراهيم الزبيدي لأن هذا الأخير كان مقرباً من صدام وصديق طفولته في تكريت . لقد اتسمت طفولة صدام حسين بمزيج من العنف العائلي والعنف المجتمعي لذلك بات العنف جزءاً جوهرياً في شخصيته وكان العنف والقتل وسفك الدماء وسيلته لإثبات وجوده كما قال الدكتور فالح مهدي. فلقد كان العنف جزءاً من بنائه الذهني والنفسي فاستخدمه منذ بواكير حياته عندما قام بقتل أحد أقربائه وكان شيوعياً وشارك في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم سنة 1959. ولقد ركز على هذا الجانب باحثون كبار مثل حنا بطاطو والمفكر الراحل فالح عبد الجبار الذي ذكر في معرض تحليله بهذا الصدد قائلاً:" كان للبلدات الريفية دور فريد في العسكر والسياسة العراقية.. فمن الجنوب العراقي جاء يساريون بارزون وراديكاليون بعثيون، أما الذين جاءوا من الغرب والشمال (العراقيين) السنيين فكانوا زعماء للإخوان المسلمين المحافظين، وللعروبيين والناصريين، وبعض المحافظين من الضباط الأحرار ذوي الميول القومية "، حيث يلاحظ أن معظم القادة القوميين ينحدرون من غرب العراق ومن مناطق ريفية بعيدة عن التحضر وكانوا يحتقرون أهل الجنوب والوسط ويعتبرونهم " شيعة وشروكية متخلفين" . لقد تمكن صدام حسين من الإمساك بدفة الحكم عن طريق الاستخدام المفرط للقوة والتنكيل والعنف المجاني وأدواته التنفيذية هم أفراد عائلته وأقاربه وعشيرته ولم يتوان عن منح رجل شبه أمي لا يعرف القراءة والكتابة تقريباً ولم يكمل مرحلة الدراسة الابتدائية رتبة فريق ركن في الجيش وعينه وزيراً للدفاع فكان صدام حسين بمثابة الوحش المفترس أو السفاح المريض البسيكوبات. ثم يتعمق المؤلف الدكتور فالح مهدي في مفهوم المفترس من وجهة نظر علم النفس ويعرض لنا السمات الأساسية للمفترس سواء أكان حيواناً أو بشراً.

فالإنسان المفترس لديه قدر على الثرثرة بدلاً من الفصاحة والطلاقة، ونرجسية مستفحلة وحب للذات مبالغ فيه، وبرودة مشاعر، ويخلو من الحس العميق المتمثل بالتعاطف مع الآخرين والقدرة على أن يتخيل نفسه في مكانهم، وهو بالطبع شخصية شريرة والشر متأصل فيه، تجد فاعليتها في احتقار الآخر، و هو شخصية غير اجتماعية ولا يثق بأحد ويشك بالجميع، حتى أقرب المقربين إليه، وهو لا يندم ولا يعتذر عما قام به من أفعل وممارسات مشينة، وهو اندفاعي غير قادر على التخطيط السليم، فهو سيكوباتي وإنسان مضطرب العقل مصاب بلوثة السيكوباثية أو داء الصفاقة كما وصفه علي الوردي، فهناك ضعف في تناسق ذاته و لا يبالي بما فعل في الماضي أو ما سوف يحدث في المستقبل و لايستحي من أفعاله، وكلها صفات تنطبق على صدام حسين . واستعرض الكاتب طفولة صدام حسين وتأثيرها على بناء شخصيته وكان مجبولاً على ممارسة العنف وفعل الشر ولم يتردد في قتل قريبه سعدون حمود ببرودة دم لا لشيء إلا لأنه ينتمي للحزب الشيوعي، وتحريض من خاله القميء خير الله طلفاح، فهو مريض نفسياً ومليء بالعقد التي تجذرت في نفسه منذ طفولته الباكرة، وتحول، عندما امتلك السلطة المطلقة، إلى شخص مفترس، حتى إنه تمكن من افتراس العراق برمته على حد تعبير المؤلف.

ولاستكمال اللوحة المأساوية للعراق يركز المؤلف الدكتور فالح مهدي على المرحلة الحالية التي يمر بها العراق في فصل بعنوان " الاحتلال الأمريكي وسقوط العراق" ويستشهد بمقطع من التمهيد الذي كتبه الكاتب فارس كمال نظمي في كتابه " أطلال دولة ... رماد مجتمع " والذي لخص فيه ما حدث ويحدث بعد عام 2003 وسقوط نظام البعث على يد الأمريكيين واحتلالهم للعراق :" إنه أوان تتهرئ الحياة اليومية في أي مجتمع بشري، حد انفراط العقد الاجتماعي، واندثار المعايير الجامعة، وانحطاط الوعي بالذات المشتركة، وتهشم الذاكرة الوطنية، وتفنن الهاجس المستقبلي، وزوال الذائقة الجمالية، وازدراء الجدوى من أي فضيلة، وازدهار ولع التنكيل بالآخر، وهيمنة العدمية السلوكية... حين ذاك تختفي الغايات كلها، ويصير الوجود العاقل محض فوضى بيولوجية لاستقواء اللحظة على الزمن، ولاحتفاء الخواء بالألم ولتجذر الموت في كل حياة" وهذا وصف مأساوي متشائم لما يحصل في عراق مابعد 2003 . ويمثل أيضاً الانتقال من رثاثة " البعثنة" إلى رثاثة النرجسية الثقافية الإسلامية بشقيها الشيعي والسني، القائمة على مخيلة ماضوية، لا تعير اهتماماً بالحاضر، ومريضة. لقد توهمت الغالبية الساحقة من الشعب العراقي، بما فيهم جزء كبير من مثقفي البلاد ومبدعيها، أن أمريكا جاءت لتحريرهم من ربقة النظام العبودي والاستبدادي الذي أقامه صدام حسين وإنها جاءت لتنتشلهم من الفقر والعوز الذي عانوا منه طيلة تلك الفترة اللئيم التي تمتد من سنوات الثمانيات إلى 2003 وهي متخمة بالمآسي والحروب العبثية المدمرة والتي اتسمت بفاشية تحولت مع مرور الزمن إلى صيغة مافيوية للحكم بقيادة القائد الضرورة الذي جاء به الأمريكيون ودعموه في حربه ضد إيران ومن ثم أغروه بغزو الكويت ومن ثم أخرجوه منها بالقوة وفرضوا على الشعب العراق الحصار والمقاطعة والعقوبات التي دفع ثمنها غالياً وعاش الحرمان والجوع والمرض بسبب الأمريكان وحلفائهم الأوروبيين والعرب. وضعوا للعراق عام 2005 دستوراً ملغماً ومتناقضاً كتبه أناس بعيدين عن الشأن القانوني وعديمي الخبرة في مجال القانون وكتابة الدساتير، وهيمنة الطائفية والإثنية في المجتمع بدلاً من مفهوم المواطنة، وفرض نظام المحاصصة الطائفية. وها نحن اليوم وبعد مرور ستة عشر عاماً على التغيير عن طريق الحرب والاحتلال من 2003 إلى 2019، ما زلنا نعيش حالة التراجع المأساوي والفوضى العارمة التي حولت العراق إلى دولة فاشلة. وأخيراً فهذا الكتاب يرسم لوحة متشابكة وعميقة لعراق مريض تسوده الفوضى والفساد وتموت فيه المواطنة وينتشر فيه العنف والتقهقر، وبمنهجية علمية وتعمق في المفاهيم النظرية وتعدد المصادر وثرائها، والنظرة الثاقبة للواقع العراقي في مختلف مراحله، في محالة لفهم الأسباب والتداعيات دون تقديم الحلول والمقترحات للخروج من هذا الواقع المأساوي. إنها عملية تشخيص سليمة لجسد مريض ومعلول إسمه العراق، من قبل مفكر وباحث موسوعي وأكاديمي كبير من طراز الدكتور فالح مهدي .

 

د. جواد بشارة

 

 

عبد السلام فاروقلم أشعر بالقلق ينتابني بسبب التملك والاستحواذ الذي شغل ثلاثة أرباع رواية "ياسمين" للكاتب "المصري الأصل -السويدي الجنسية" خالد موافي والصادرة  في طبعتها الثانية عن دار الحضارة العربية للنشر بالقاهرة العام 2019، إلا في الثلث الأخير منها، فالرواية علي خلاف ما فعل الكاتب الكبير بهاء طاهر في روايته "الحب في المنفي "،تبدو كتجربة حية لا تفتقر إلي  الرمزية، يجتاز الراوي خلالها الغرض الأساسي من مزج الماضي بالحاضر جامعا بين طرفي نقيض : الشرق والغرب، الحب والعاصفة المتقدة بالأحقاد التي مهما توارت لفترة سرعان ما تلبث أن تظهر مجددا في حياته أو حيواتنا جميعا .. بما يصاحبها من غرور وجشع وفجور في المجتمعات التي صرنا جزءا منها .

 بوسعك عزيزي القارئ أن تطالع أجزاء من هذه الوقائع والمشاهد التي يجيد الأوروبيون إخفاؤها عن بقية البشر الذين يعيشون في عالمهم المتظاهر بالرقي الحضاري والأخلاقي في إطار دولة القانون والرفاهية، حيث تنكسر إرادة الأفراد ويتعرضون للاضطهاد والتمييز من كل لون ونوع، فنشتاق إلي تحقيق السلام الذي وعدت، والحياة الكريمة التي بشرت بها التكنولوجيا الجبارة .

بطل هذه الرواية الدكتور صابر شاب مصري طموح يصل إلي الهناك ليصبح ألمانياً، ويتزوج وينجب ويستقر ويحفر لنفسه مكانا وعملا، ومع الأيام تصير موهبته أسطورة تتحرك .. تعززها قدراته الخلاقه واعتراف الآخرين بها، إلا أنها تحرك أيضا ما وغر في الصدور من أحقاد قديمة مطمورة تحت ذلك السطح القانوني الأملس، عندئذ تتحول حياته الهادئة المطمئنة إلي أثر بعد عين، فزوجته التي كان يظن أنها أقرب الناس إليه تغار من نجاحه الذي حققه في بلادها والثروة التي حاز عليها، وهي العاطلة من المواهب غير قادرة علي التعاطي مع أخلاقيات كانت تدعيها في الماضي، ههنا يبدأ الصراع القانوني المسعور بهدف واحد لا غير وهو تجريد صابر النابغة من الثروة وتركعيه، لكن أولاده لازالوا في سن صغيرة، كما أن ثروته ربما تشمل حتي أملاك العائلة في مصر البعيدة بحجة أنه يخفي مدخراته التي هي حقها وحق أولادها منه، فيتحول الدكتور صابر إلي إنسان خائر القوي،مستنفذ العزيمة،يبحث عن الخطأ الذي أقترفه وهو يدير معركته مع أم أولاده الألمانية التي اكتشفت بلا سبب واضح  أو مبرر موضوعي أن زوجها أقل من ناحية العرق، فهي كائن أبيض مسيطر متأثر بالنزعة العنصرية الجديدة – القديمة، تؤمن بتفوقها العرقي علي كل شعوب الدنيا، سواء كان ذلك حقيقيا أو مصطنعا .

ينحو الكاتب خالد موافي في هذه السردية الرومانسية الناعمة منحي دراميا آخر، أو لنقل إنه مهد لذلك من قبل في عجالة درامية شديدة الخصوصية والخصوبة، عندما يختار له القدر " ياسمين " الفتاة المولودة في ألمانيا ذات الأصول العراقية، فتاة عربية الجوهر والمسلك لم تؤثر فيها الغربة القهرية والرحيل، تسلك ياسمين خطا موازيا في رحلة إثبات الذات دون أن تفرط في هويتها، وكأنها تستشرف المستقبل المتوقع حينما تنشب الحروب ويحل الخراب في بلدها الأصلي، ولا يكون أمامها غير أن تسعي لجمع باقي العائلة من العراق ليكونوا مهاجرين أو لاجئين .. لكن المهاجر لا يأخذ معه الإرث الثقافي فقط، بل يحمل كذلك الخلافات العشائرية والفروق الطبقية في وطنه والتي لاتزال سببا في ألوان شتي من التعاسة والشقاء، يلتقي صابر وياسمين في تلك الغربة المختارة أو المفروضة عليهما، ولدي كلا منهما أمل في الخلاص من مشكلاته وفي بناء حياة جديدة .. فكيف يمكنهما تجاوز كل الرؤوس المتأرجحة بين عالمين: عالم غربي مرعب، وآخر  شرقي يزايد علي الخراب عاما بعد عام .. حتي أنه عاد نحو ألف عام للوراء .

يتوقف خالد موافي عند لحظة الصدمة أو الحقيقة والسؤال عما يمكن أن يحققه الفرد - أي فرد - بالعقل والإيمان بذاته في ظل ظروف معقولة نسبيا من الأمان النفسي والاجتماعي، وكأنه يلقي بيانه السياسي في هذه القصة دون أن يشعر القارئ بها، فها هي فكرة عمالة السخرة والهيمنة التي كنا نسمع عنها في الأزمنة الغابرة تتحقق حينما يكون أطرافها عربا أو مسلمين، وها هي الأيدلوجيات العنصرية لا تزال تجد صداها لدي المجتمعات الأوروبية الحديثة، وسوف نلاحظ ذلك عند متابعة الصحف ووسائل الإعلام بوجهها المتحفز والمتحيز بحيث أنها تجرح الآخرين وتؤذي مشاعرهم إما بالترويج المتعصب ضدهم أو عبر احتقار ثقافتهم،والعمل ضدهم في بلادهم الأصلية، بل و النيل منهم حينما يحضرون إليه موهومين بأن الفرص ستكون متكافئة وأن الفوز سيكون للموهبة المتفردة .

أما الفكرة المحورية التي تغلف رواية خالد موافي " ياسمين " فهي مشكلة أو بالأحري أزمة الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين في أوروبا ومدي علاقتهم بمجتمعاتهم الأم، وذلك عبر قصة رومانسية ذات بنية سردية سلسة وجذابة، تتناول مسألة اختلاف المذاهب بين المسلمين، واختلاف الثقافات والجنسيات الذي جعل الإطار الغربي يصبح حاضنة لابد منها، وهو إطار عام ذو سمات مادية تزيد من تعقيد الحياة، ولئن كانت نهايته سعيدة لكي تعطينا بعض الأمل في هذا العصر، فالأعالي التي ينشدها المؤلف .. تنتهي بما يشبه النهايات المفتوحة والتي حاول أن يقربها إلي النهايات السعيدة، وإن لم يقل ذلك صراحة، فالرياح رغم جبروتها وقسوتها تصل بالسفينة إلي بر الأمان بعد عدد من الأحداث القوية في نهايتها .... فماذا فقد الركاب، وهل حقا أن هذه النهاية تروقهم أم أنها اختيارات القدر / المؤلف التي لا سبيل إلي إجراء التعديل عليها أو التوافق معها ؟.

(صابر وياسمين).. إذن هما مثال أو رمز دال علي واحدة من قصص أبناء الجيل الثاني في الغرب هؤلاء الذين يعانون فعلا إزدوجية طاحنة صنعتها ظروف وأحداث ومشكلات تخرج من بطون التاريخ، بعضها يخالف توقعاتنا السطحية والبعض الآخر يسقط في الفخ.... وهذه قصة أخري ربما لم تكتب بعد .     

 

 د. عبد السلام فاروق  

 

جمعة عبد اللهلاشك ان الناقد يتميز باسلوبية واضحة، في دراساته وبحوثه النقدية، يتخذ منهجية في التحليل والتشخيص والتعريف بالنص الادبي المنقود . ويعمل في بحثه النقدي، على مواصفات أدبية وثقافية وفنية، في أطار الموضوعية، بقواعد واصول التعامل النقدي للنصوص . هذه المواصفات مكتسبة، من تجربته الطويلة في الساحة الثقافية والادبية، مما اكتسبته خبرة ناضجة في مخزونه المعرفي، في قدرته على دراسة وفحص محتوياته المضمونية والفنية للنص، في جوهر اكتشاف المضمون والمغزى التعبيري . . لذلك دراساته النقدية في التحليل، تعتمد على خزينه المعرفي وتجربته وخبرته الطويلة، وفطنته في اكتشاف محطات السلب والايجاب في النص، هذه المؤهلات التي يمتلكها، قادرة على التقويم في النقدي الموضوعي ورؤيته المنهجية الواضحة، ولاشك ساعده كثيراً في تحليل النصوص الادبية، بأنه مارس الاشكال الادبية وبرع فيها، في القصة والرواية والشعر، اضافة الى أنه كاتب سياسي، يطرح موضوعات حيوية وحساسة في الشأن العراقي . لكنه يكرس جهوده وانشغالاته بقضايا تناول النقد الادبي، كسبته براعة في اقتناص جوهر النص، بحاذقة التكثيف والتركيز، يقدم موضوعاته ودراساته النقدية، في اسلوب بسيط وسلس، لكنها تملك خلفية عميقة في الرؤية الثقافية والفكرية والفنية . ودراساته في هذا الكتاب القيم (أفق مفتوح) يكشف براعة الناقد الموضوعي، في ابحاثه النقدية، وقد قسم الكتاب النقدي (أفق مفتوح) الى ثلاثة محاور أساسية، هي في الجانب الروائي . وفي الجانب الشعر، وفي جانب موضوعات أدبية مختلفة، للنقتنص عينة من بعض هذه المحاور .

 × في رواية (فندق كويستيان) للروائي خضير فليح الزيدي . وهي تتحدث عن الوجع والمعاناة العراقي، في زمن الدكتاتورية، ونهجها الارهابي الخانق، تلك السنوات التي كانت عناوينها البارزة . الارهاب والحروب والحصار، وزنازين الموت والخوف ومصادرة الحريات وكرامة الانسان العراقي، الذي عاني ظروف الجحيم، والتنقل في المعاناة والبطش، مما تلاها فاجعة الاحتلال، وبروز امراض خبيثة اكثر من السابق . في الاحتقان الطائفي، وبروز الطائفية التي لعبت وتلعب في مصير العراق والعراقي، في الموت المجاني والفرهدة الاموال، وبروز عصابات الفرهدة من رحم الاحزاب الدينية الحاكمة، بهذه الاسلوبية النقدية، في كشف محطات الرواية، ليصل الى التحليل النقدي (حملت رواية (فندق كويستيان) هاجساً يبصر فيه كاتبها عراق الحروب، وعقله يزدحم بالشك حول مغزى النظريات والافكار والسياسيات، ان لم تتمكن من حسر ذلك النزوع الحيواني الذي يحول كل شيء الى أداة للقهر والقتل، فكأن فيه وحشة من العالم يستفز اعصابه ابداً وخوفاً، دائما من عدوان وشيك ما انفك يترقبه) .

× رواية (تسارع الخطى) للروائي المرموق (احمد خلف) . تكشف في محطاتها في التعبير السرد الروائي المتنوع، مدى التعسف الظالم الذي يواجهه الانسان الاعزل، في استباحة وانتهاك حريته ظلماً، ومدى احباطه من مميزات الحياة، بالهزائم والانكسارت والاحباطات المتوالية فوق تحمل طاقته، وتؤكد هذه المعضلات الفراغ الفكري في الواقع، وسيطرة عصابات الخطف والاستلاب على خناق الحياة، يؤشر هذا بالاندحار وتراجع الفكر، في الايديولوجية والسياسة، وفشل الحركات الثورية، وحل محلها العصابات الظلامية، التي سمحت في كسر عزيمة الانسان وجعلته يعيش في ازمة حياتية خانقة مع نفسه ومع المجتمع،  وتنطلق الرواية من هذه المنطلقات، في بحث قضية الانسان المنهزم والمحبط، في الاستبداد والاضطهاد وظلم القاهر، وخاصة بعد التغيير عام 2003، التي بها اصبحت حياة الانسان لعبة، تتحكم بها القوى الشريرة وعصابات الظلام، في دخول الانسان في مأزق حقيقي في كل جوانب الحياة، يقدمها الروائي (احمد خلف) في تداعيات متنوعة، وفي اسلوب سردي مرهف بدرامية الاحداث المتلاحقة، حتى دخول في كوابيس الاغتصاب او الخطف، وفي مطاردته من قبل قوى خفية وغير خفية، لكي يقع في شرنقتها الخانقة، واحداث السرد الروائي، لا تدع القارى يلتقط انفاسه، لذلك يشير الناقد في دراسته النقدية (يضعنا احمد خلف منذ البداية، امام حالة معقدة ووضع مربك في حوار خافت بين الفتاة والمختطف، أثناء الليل حين يزحف القتلة واللصوص نحو النوم، بأسئلة متلاحقة منها لا يجد لها جواباً، كان المختطف يسمع صوتاً في داخله، واصواتاً اخرى تنفذ اليه، وهي تحمل خلفها قصصاً، تحمل تراجيديا المظلمة، فتملكه شعور متأرجح يترقب ساعة الخلاص من الاسر، ومخاوف وشكوك في حقيقة نوايا الفتاة، لم يشأ المختطف أن يطوي الوقت في فك أسرار تساؤلاته حتى جاءه الصوت منادياً : لا تلتفت الى الوراء عليك ان تصغي الى تسارع الخطى) ويستخلص في النهاية (تسارع الخطى . كشف لواقع الدمار، لا تكتفي الرواية بعرضه، وانما في تحليله الى اشارات معرفية، على مستوى الذاتي بما يعنيه من وعي ومعرفة واحساس، وعلاقة وحلم ورغبات، انها مجاهدة للارتقاء بهوية) .

× رواية (جثث بلا أسماء) للكاتب إسماعيل سكران . تقدم في براعة متناهية، أخلاقيات أزلام النظام الفاشي المقبور، في شخصية النقيب (سامح) هو رجل الامن والنظام، المسؤول عن تعذيب السجناء السياسيين، اما تحويلهم الى مستشفى المجانين بأنهم مجانين، او رميهم في مقالع الازبال كجثث مجهولة الهوية . وكان هذا البلطجي (سامح) يد النظام الضاربة في البطش والتنكيل، في شخصية مازوخية . يكشف عنها الناقد بدقة (لم يكن سامح راضياً في اعماقه، عن عمله كلياً، من نفسه على تقبل واقعه العملي، متعللاً بأغراءات السلطة والمنح المالية، التي يغدقها عليه المنصب، فيتجاهل مثالبه، مهدئاً نفسه بالفاليوم نهاراً والخمر ليلاً) ولكن بعد سقوط وانهيار الدكتاتورية، فر مع الهاربين، فلا أثر لسامح لقد فر مع الفارين بأنهيار الدكتاتورية، ويستنج الناقد المحصلة النهائية للرواية فيذكر (لقد حاولت الرواية ان تصور مرحلة، هي من اخطر المراحل في تاريخ العراق الحديث، واكثرها قلقاً وسوداوية، وهذا سر ما لحق الشخوص في الروية من نهايات فاجعة، وهو ما يؤهل الرواية، كذلك ان تضاف الى سلسلة الروايات، التي تحكي الوجع العراقي عبر العقود الاخيرة من الزمن) .

× رواية (التيس الذي انتظر طويلاً) للروائي رياض رمزي . وهي تتناول شخصية الدكتاتور (صدام) وجنونه في حب العظمة، في تجنيد الاعلام وحشد طاقاته، في صرف الاموال الطائلة، لكي يضفي على شخصيته المريضة، صفات العظمة والقدسية، وفي استغلال امكانيات الدولة في هذا الشأن، حتى لم يسلم التاريخ والتراث الشعبي في اعلامه في خدمة الدكتاتور، وهي في حقيقة الامر ضياع الوطن، وتبديد الاموال دون وازع ضمير، كما هي الحال في تبديد حياة ارواح البشر بسهولة، في تراجيديا كوميدية، على شقاء ومعاناة الوطن، بالضبط كما يصفها الروائي في حصاده الروائي (التيس الذي انتظر طويلاً)، في اسلوبية تنتج قوة العبارة والوصف، في كشف اسرار الدكتاتور، ووضعها على المحك في اسلوب ساخر ومتهكم . كأنه بطل عالمي بدون منازع، ويقول الناقد في تحليله (تنتمي الرواية الى مكان واضح الملامح، فهي لا تبتعد عن هواء العراق ورياح السموم فيه، وفيضاناته وكوارثه، ومواجعه، وحروبه، وجوعه، وموته، وشتائه وقيظه، ومقاهيه وشوارعه : شارع ابطال الامة، وشموخ الوطن، بلادي الحبيبة، مطعم صخرة الوادي، مقهى حراس الوطن ... الحانات، الساحات، الملاهي، دور السينما، وعيد العزة القومية، التي تؤلف كلها لوحة خلفية لما يجري من احداث) ويضيف في استنتاجه (يحرص الروائي على متابعة المسار التاريخي لاحداث الرواية، بلغة اعارها الروائي اهتماما لافتا، كعنصر مهم من متطلبات السرد، لتأكيد القيم الجمالية في اللغة، انها مهارة رياض كل الاجادة، ليضع لنفسه موقعاً متميزا في هذا اللون، فتبدو الرواية كأثر فني في جمال العبارة والصورة ترتقي للغة الشعر) .

× رواية (ما بعد الجحيم) للاستاذ النقد الكبير حسين سرمك . . تطرح الرواية السؤال الكبير، ماذا بعد الجحيم في مأساة العراق ؟ يؤكد الناقد في تحليله النقدي (منذ اللحظة الاولى ينصب اهتمام حسين سرمك على خلق الجو المعادل للجحيم، شعرت بالخوف منذ تلك اللحظة أن اواصل القراءة بهذا المستوى من السرد . تولد لدي احساس قوي بواقعية الاحداث ومأساويتها . . وانا لا ازعم أني امتلك الشجاعة على تحمل تراجيديا جديدة .. فأتساءل مع نفسي الى أين سيمضي بنا سرمك) ويشدد في التساؤل (نحن ضحايا تراجيديات الكون ... ألا يكفي ما حل بنا .. وتحقق هاجسي الاول فعلاً ..... حين واصلت متابعة احداثها خطوة، خطوة، أنني احتاج الى لحظات توقف ... استراحة استطيع فيها ان استعيد توازني .. والتقط أنفاسي من شدة التوتر الذي تخلل الحوار والسرد في اجواء الرواية) ويستنتج من خلاصة هذا العمل الروائي الكبير (ملاحظة من عندي (كاتب المقالة) في سفرتي الاخيرة الى بغداد، كنت اتطلع شوقاً الى الحصول على نسخة من هذه الرواية، التي يقول عنها الناقد : (بأنها الرواية ابتعدت عن نمط روايات الحرب التقليدية) . ولكن مع الاسف لم اجدها في المكتبات في شارع المتنبي، يعني نفذت نسخها في البيع . كما قالوا لي ) ويستخلص في الرأي النقدي (والرواية تكشف عن موقف شجاع وجريء للكاتب حسين سرمك من الاحداث التي عصفت بالعراق . . هذا الموقف احد اهم عناصر نجاح الكاتب وموضوعيته واخلاصه لفنه ولذاته التي لم يساوم عليها سرمك على الرغم من الظروف الصعبة التي يعيشها الآن خارج وطنه ..... يرنو اليه منتظراً اللحظة التي يعود بها معانقاً أهله واحبته وأرضه) .

× المجموعة الشعرية (بروفايل للريح ..... رسم جانبي للمطر ... تنويعات على نصب الحرية) للشاعر القدير جواد حطاب . قصائد تربط الخيط بين نصب لحرية والانسان، في موضوعات فكرية مهمة في بناء القصيدة وتكوينها، يستخلص معالم الجحيم، التي يسير الانبياء على ماء، والانسان على لهب

يسير الانبياء على ماء

ونسير على اللهب

نتجرع الالم والمأساة والمعاناة القاسية، في الدماء النازفة، وايامنا الدامية التي دلفت الى الجحيم

تعددت الايام

الجمعة الدامي

الاحد ... الثلاثاء ..... السبت .. الاربعاء

امتلأ الاسبوع دماً

الآن بغداد باب واحد

باب ال آآآآآ آه

هذه ملحمة الالم والمعاناة للانسان، التي جسدتها ملحمة جواد سليم الخالدة(نصب الحرية)

لحظة حنطة على صاج النصب

رماني البرق

ومن حلمة دجلة

رضعت روحي

------------

لا لزوم للتكهن

ولا كمائن في المجهول

شعب .... يفك شفرة الطحين

شعب لا يوضع في البراد ...

ويتساءل الناقد (هل يمكن للزمن أن يكون قادراً على ايقاف مواكب الدموع والاحزان والتأسيات المكرورة، ينفلنا جواد من دائرة الموت الى وجود الحياة، في ولادة جديدة لا ينالها الزمن بنسيان) ويضيف في الحصيلة النهائية (بين الجوادين سليم والحطاب جغرافية مشتركة، شرنقتها واحدة، موثقة بحبال من الكلمات والحجر والبرنز والصاج، وثمة حقيقة اكدت وجودها الحي في تواصلها الزمني مع الحاضر، تواصلها الايحائي مع المستقبل، الحقيقة هي : إن الموت لم يستطع اغتيال نصب الحرية، وابداع جواد سليم، بل منحها القدرة على نحو الانتشار والتبرعم كأشجار الاساطير، هذه الملحمة الخالدة، ظلت تحكي تاريخاً وزمناً عبر العصور) .

بنهار مبتسم الكفين

عجنت رائحة الجوري

حناء لحيطان المتحف الوطني

× قصائد (رشدي العامل) كلمات تولد في معبد الجمال : الشاعر رشدي العامل . ينتمي الى جيل السياب، فهو الشاعر والانسان المناضل الجسور، الذي ينتمي الى تيار اليسار، لذا فأن قصائده فيه مذاق الكفاح الشرس للطبقات الشعبية الكادحة،  في نضالاتها المعبقة بالكفاح والدماء ومناطحة الحياة الظالمة دون هوان، فهو الحارس الامين في الدفاع عن الحق والعدالة ضد الظلم والاستغلال والاضطهاد، كما هو الحارس الامين لتوثيق المراحل العاصفة التي مرت على تاريخ العراق السياسي، والذي اتخذ من الشعر خطاب لمخاطبة الشعب

الشعر طريق مجهد

يبكي، ويجوع يغازل ربته في معبد

الشعر الاسود

عيد يكسر قيداً ...... طفل يتمرد

ويستنتج الناقد من منجزه الشعري (تظل قصيدة رشدي العامل، مفتوحة على آفاق متعددة بلا خطابة، ولا رومانسية نواح تتذرع بحساسية زائفة وحنان وجدان مكرر، بل صور شاسعة الافق، ذات ايحاء داخلي تتجدد بصور مدهشة، وتنمو مع كل مقطع جديد)

أنت لا يأخذك الحزن

على ما مات من اشجار ماضيك

ولا يفرحك القادم من عمرك

أنت اليوم حر

بين كفيك غصون الاسى

في عينيك أمطار

وفي صدرك سر

أنت لا ترتقب ما يأتي

ولا تبكي على ما مر

إن الدمع مر

ويشخص رموز الشاعر بقوله (إن رموز العامل في صوره الشعرية، هي مصائر الانسان في تطلعاته العليا، تأتي عبر أبنية شعرية داخلية الايقاع، منداة بطراوة الصور، رغم مأساوية الموضوع الفاجعة، لكن اغراس الورد في تلافيف من اجل ربيع الانسان الجديد، تتوهج في ثنايا غناء العامل المتعددة الاصوات، والشاعر يوحي بذلك أيحاءاً رائعاً)

وكان الموت، لن يطفأ في عينيك، ومضة

لن ترى أهدابك السود، عيونه

عبثا مخلبه يمتد

أو ترنو عيونه

لحقول الذهب الاصفر

في وجهك يا بيدر فضة

وبقية الموضوعات النقدية الاخرى، جديرة بالتوقف . انه كتاب غني، لا يمكن ان يستغني عنه المثقف والاديب، لانه يتوسم التحليل في النقد المعاصر

 

جمعة عبدالله

 

 

قراءة في كتاب مقالات في الفلسفة العربية الإسلامية

تعد الفلسفة من أكثر الموضوعات تعقيداً، لاسيما حين تقترن بالفكر العربي؛لأنها علم المعارف العامة بحسب ديكارت ، فضلاً عن أنها ولدت ولادة غير ممنهجة تبتعد عن التقانة، لتندرج وتدخل في مراحل ولادات عدّة، الأ أن الأنطباع الأول لدى الجميع انتمائها إلى (اليونانيين).

تتبع الناقد المرحوم (محمد مبارك) هذه القضية واشار إلى أشكالياتها، عن طريق تقسيم كتابه إلى محاطات أهتمت بالقراءة الملخصة ليوضح لنا ولادة الفلسفة .

فالفلسفة تشكل أهمية كبيرة في حياة المجتمعات، فهي صورة مهمة عند المجتمع،  بوصفها (العلم بالموجودات بما هي موجودة) .

وجاءت نظرتها إلى الإنسان نظرة عامة، وليست خاصة.

فالفلسفة تشكل أهمية في حياة الإنسان منذ نشأة المنهج العلمي الجدلي وتوثيقه في تاريخ المجتمع البشري الفكري، واشار الناقد  الى أهمية الفلسفة الفكرية للعرب آنذاك وكيف أسهمت هذه الفلسفة في بناء المنهج الجدلي.

ثم أنتقل إلى مناقشة أهمية العقل العربي ودوره ؛لأن –العقل العربي- ذو طبيعة تحليلية لاتقوى على اقامة النظم الفلسفية، ويؤكد  تبني العرب لموقف أرسطو في الفلسفة؛لأنهم اخذوا الكثير من تنظيرات اليونانيين.

ويؤكد على قضية جوهرية وهي: إن الفكر العربي الإسلامي لم يكن متبعاً "بل مبتدعاً . ومفكراً ومعللاً للكثير من القضايا "،وتقديم المعالجات لها عن طريق وعي تنظيري فاهم للقضية ؛لأنه المؤسس لها، فالفكر العربي الإسلامي الوسيط، شأن الفكر اليوناني القديم، وهو تأصيل من قبل الناقد إلى قضية الريادة الأولى للفكر العربي في المسائل والقضايا الفكرية.

وأشار إلى أن النزعة الفكرية الفلسفية  " نزعتان من الفكر: عقلية تقول: بجدارة العقل/ واخرى ترفض العقل...".

ويؤكد على أهمية الفكر العربي الأسلامي الذي بدأ بمقالات المتكلمين والمعتزلة ، في العدل، والقضاء، والعلم، والمعرفة، والايمان بيوم الحساب...، فالماديات وغير الماديات، أوالأدق (الحاجة) هي التي تجعل المجتمع الفلسفي والفكري العربي في دوامة التفكير والأنتاج؛ لأن الحاجة هي القضية الأساس في شغل الفكر الجدلي . 

فالفكر الفلسفي  عند المجتمع أولاً وعند الكاتب ثانياً قد تحول إلى وعي يشكل فائدة على الواقع المعاش،- كلما تطور الوعي نضجت الأفكار وزادت النتاجات الأبداعية  ولم تبَق هذه النظرة على وضعها الأول ، بل تلبست بالوعي المتطور المحيط بالإنسان؛ لأنها تحفز العقل على البحث العلمي المستمر، وتكشف الأوهام، فالعلم بحاجة مستمرة الى وعي فلسفي ؛ لأنها-الفلسفة- تهيء الجرأة للباحث في كشف المستغلق والممنوع والمحرم في قضايا البحث العلمي، وهي غاية العلم الأولى والأساس.

اضيف، مانظر من قراءة لهذا الكتاب -الذي لم نتلمس قراءته لولا زوجة الناقد الست الفاضلة والمربية (ست رضية)، التي سعت وبحرص على طبعه بعد وفاته، وافادة العلم وطالب العلم-، جاء عن طريق قراءة افكار الناقد التي وضعها بعد قراءات عدّة ، وتحليلات دقيقة لجملة كبيرة من الفلاسفة، وهذا هو منهج المرحوم في مؤلفاته .

 

بقلم : د. وسن مرشد

 

622 الحياو بعد الايمانيؤكد نقاد العقيدة الدينية المعاصرون والذين يُطلق عليهم "الملاحدة الجدد" بان ما يبدو من زيف في العقيدة الدينية يستلزم رفضا تاما لكل ما هو ديني. فيليب كيشر في كتابه الجديد، مع انه يؤمن بالرؤية العلمانية الكامنة وراء هذا المنظور النقدي، لكنه يسعى لتعزيز هذا الموقف تجاه اسس العقيدة الدينية باستجابة اكثر تعاطفا نحو الوظائف المختلفة التي يتم انجازها عبر الالتزام بالحياة الدينية. بعمل كهذا، هو يحاول عرض تفسير وضعي (غير معياري) للطريقة التي يمكن ان تقدّم بها الرؤية العلمانية مصادر حقيقية للمعنى والهدفية في الحياة.

وبالرغم من كثرة الكتب التي تجادل ضد الدين، الاّ ان القليل منها يطرح خيارا ايجابيا يحدد الكيفية التي يمكن ان يعيش بها الانسان بدون الحاجة الى العقيدة الدينية.هذا الكتاب يكون قد ملأ هذه الفجوة. الكاتب ينظر باهتمام الى الكيفية التي تستجيب بها العلمانية الى المخاوف والتحديات التي يواجهها الناس بما في ذلك قضية الاخلاق . هو يقارن حياة الناس العلمانية بحياة منْ يتبنّون العقائد الدينية . واذا كانت العقيدة الدينية هامة في الماضي فان الكاتب يستنتج بان التطور بعيدا عن الدين هو الآن ضروري. هو يرى هناك بدائل للحياة الدينية، حيث ان الاحساس بالهوية والجماعية اصبح يترسخ بنطاق واسع من المعطيات الثقافية التي ينتجها الشعراء وصناع الافلام والموسيقيون والفنانون والعلماء وغيرهم بدلا من الدين. الكاتب يؤكد ان قوة العلمانية الانسانوية (1) تشجع على إشباع الحياة الانسانية المبنية على حقائق اخلاقية.

هنا نكون نحن مع اول محاولة فكرية دقيقة لفهم عدد من القضايا الحيوية للموقف العلماني الانسانوي والذي عادة جرى تجاهله من قبل اولئك النقاد للحياة الدينية.

الفصل الاول من الكتاب يرسم الطبيعة الدقيقة للشك العلماني المتعلق بالدين. هذا الشك يبرز من الاختبارات الميدانية والتاريخية والسوسيولوجية المستمرة والمفصلة لمصادر الايمان بـ "المتجاوز"، كشيء وراء عالم الانسان المادي الذي نعيش فيه. هذه الدراسات تكشف بان العمليات التي قادت للتنوع بالعقائد الدينية حول المتجاوز من غير المحتمل ان تعطي دعما قويا للعقائد الحقيقية. كيشر يذهب للادّعاء بانها غير موثوق بها لدرجة ان جميع العقائد الدينية المتصارعة والمتفرعة هي زائفة (ص19). واذا كان هذا يعطي ارضية قوية لرفض العقائد الدينية فان الكاتب بـ "إلحاديته الناعمة" يترك الباب مفتوحا لإحتمال المتجاوز.. مستقبل العمل العلمي ربما يكشف عن بعض مظاهر الواقع بشكل مختلف كثيرا عن رؤانا الحالية التي نحتاجها لمراجعة مفاهيمنا. بالطبع، هذه الخاصية للواقع ستكون عرضة للتحقيق العلمي وهي لن تنل الفهم الكافي والواضح من جانب العقيدة الدينية. لكن احتمال وجود شيء ما منسجم مع دور المتجاوز لا يمكن استبعاده كليا. وما هو اكثر اهمية ان الالحادية الناعمة تترك بعض أشكال الالتزام الديني سليمة دون نقد: مثل تلك "الاديان المنقحة" التي ترفض المزاعم الثيولوجية، لكنها تجد قيمة في الممارسات والطقوس الدينية وهي تعترف بالدين كتعبير عن اشياء ذات قيمة عميقة. وكما سنرى، ان فحص هذه الرؤية الدينية يمكّن من نشوء حوار مثمر مع المنظور العلماني، وحيث التركيز يتجه نحو السؤال عن القيمة والاهمية الموجودة في حياة الانسان، والتحدي الذي يمثله هذا للمدافعين عن الرؤية العلمانية الانسانوية. قبل القبول بهذا التحدي، ينظر الفصل الثاني بالعلاقات الشائكة بين الدين والاخلاق. رغم ان هذا الارتباط كان شديدا لدى افلاطون، لكن العديد من الناس لازالوا يؤمنون بانه من خلال الالتزام بالدين سنعثر على تصور موضوعي حقيقي للاخلاق. طبقا لكيشر، هذه الرؤية لازالت مستمرة بسبب عدم وجود شخص يمكنه توفير بديل طبيعي يوفر بما يكفي العدالة لهذه الحاجة. اذا كان يتوجب لرؤية الكاتب العلمانية مواجهة هذا التحدي فانها يجب ان تنجح في الحديث عن القيمة الموضوعية. هنا يطرح المؤلف تفسيره الطبيعي بشكل اكثر تطورا في (المشروع الاخلاقي، 2011، مطبوعات جامعة هارفرد). هذا التفسير يعتمد على فكرة دارون الاساسية : الاضطراب في عدد معين من الظواهر يمكن التغلب عليه لو نتبنى اتجاها تاريخيا ونتسائل كيف نشأت وتطورت تاريخيا هذه المجموعة من الظواهر. السجل التاريخي للحياة الاجتماعية للانسان القديم يوضح عدم الاستقرار الناجم عن قدرتنا المحدودة لنكون متجاوبين مع حاجات الاخرين. هذا حسب المؤلف يقود لإرشاد اخلاقي اضافي على شكل اقتراحات معيارية لمعالجة هذه المواقف الشائكة من الصراعات الاجتماعية. التطور اعطانا الحاجة لنعيش سوية لكن مع استجابة محدودة لحاجات الآخرين.الاخلاق تطورت كطريقة لمعالجة هذه النواقص وبدأت كنوع من التكنلوجيا الاجتماعية. تمديد رؤية دارون الجينولوجية الى دراسة السلوك الاخلاقي الانساني يشجع على اجراء تغيير اساسي بالطريقة التي نفكر بها حول التقدم والموضوعية الاخلاقية. وبدلا من تحديد حقائق اخلاقية جديدة، يُنظر الى التقدم الاخلاقي كمشروع جماعة يسعى لتصحيح وتنقيح الشفرات الاخلاقية الموجودة. الناس يوصفون عادة كخالقين للقيمة، عندما يستجيبون للمواقف الشائكة التي يواجهونها والتي هي نتيجة الصراع المستمر بين الحاجات الاجتماعية وقدرتنا المحدودة للاستجابة للآخرين.

الفصل الثالث يتناول مستقبل الدين المنقح والتهديد الذي يمثله لعلمانية المؤلف الانسانوية. هنا هو يعرض وصفا اكثر دقة للوظيفة الجوهرية للالتزام الديني التي لا تستلزم قبول ادّعاءات عقيدية حول المتجاوز. بدلا من ذلك، انها تنظر لهذه العقائد باعتبارها تعطي نموذجا اخلاقيا للسلوك الانساني، حيث انها تُظهر قيما اخلاقية معينة كمُثل انسانية بمقتضى استقلاليتها عن الفعالية الانسانية. اختبار مثل هذا الموقف يكمن في مقدرته على توضيح كيفية تقوية هدف الانسان من خلال الايمان بالمتجاوز.الكاتب يجد صيغا متواضعة لهذا الموقف يسهل الدفاع عنها . هنا الايمان يعزز الحساسية الاخلاقية من خلال الاعتراف بان حياتنا الاخلاقية متصلة بشيء ما اكبر من انفسنا يمكّن من تبنّي التزام أعمق ويحقق الآمال بغايات المستقبل . هذا الايمان حين يقترح خيارات اخلاقية تغير حياتنا من خلال الوعي المتزايد بحاجات الاخرين، فهو بهذا يساعد في توضيح اهمية الوظائف الاجتماعية التي يقدمها الالتزام الديني.

الفصلان الآخيران يستجيبان للتحديات المتبقية التي يعرضها هذا التوضيح للالتزام الديني. ذلك يتضمن الرؤية بان الممارسات الدينية توفر الخيار الوحيد لإضفاء الاهمية بحياة الانسان المحدودة وادّعاءات المستقبل بان الدين يوفر ملاذا عاطفيا لشيء ما أعلى يمكّننا من حيازة ثراء وحماية اضافيين ضد الجانب المظلم من الطبيعة الانسانية.الكاتب يعترف بالاهمية الكبرى لهذه الخصائص لحياة الانسان لكنه يكافح لوضعها ضمن انسانيته العلمانية. هو يلاحظ ان الحياة الهادفة تنتج عن خطة مختارة طوعا وحيث يكون هناك معنى واضح للاهداف التي يُعتبر الكفاح لأجلها هاما، وحيث يكون هناك نجاح في انجاز تلك الاهداف. هو يضيف قيدا آخرا مهما وهو ان الاهمية المختارة طوعا وانفراديا التي نضفيها على حياتنا تعتمد على مقدرتنا للتماس مع حياة الاخرين. حياتنا تكتسب المعنى من خلال محاولاتنا الناجحة لحل المشكلة الاخلاقية المتعلقة بمقدرتنا المحدودة بالاعتراف بحاجات الآخرين. الكاتب يوافق بان الحياة الهادفة تتطلب ارتباطا بشيء اكبر ولكن يؤكد على ان هذا يمكن العثور عليه بالطرق المعقدة للتفاعلات الانسانية الممتدة وراء انفسنا. عبر التفكير بالطريقة التي تولّد بها الخصائص الاساسية للوجود الانساني مشاكل اخلاقية وحاجاتنا الممتثلة لمشروع اخلاقي عام، نحن نضيف ثراءا واهمية للحياة الانسانية. بينما لا توجد هناك مشكلة فكرية للعلماني في التعامل مع هدفية الحياة، تبقى هناك عدة مشاكل عملية تتعلق بالظروف السوسيواقتصادية التي تقيّد حاليا الكثير من حياة الناس. اخيرا، يعالج الكاتب الادّعاء بان رؤيته شديدة التفاؤل في تجاهل الجانب المظلم من طبيعة الانسان الذي يمكن تطويعه فقط عبر الانضباط الموجود في الالتزام الديني. استجابة لذلك، هو يختبر تفسيرين اثنين حول شقاء الحياة الانسانية مجادلا بان من خلالهما نستطيع التعلم كثيرا حول ما هو حقا ثمين ونفكر باهتمام كبير فيما يتعلق بتلك الظروف المطلوبة لبلوغ مثل هذه القيم.كتاب كيشر يحاول ان يضع بعناية ارضية وسطى ضمن النقاشات الاخيرة المتعلقة باسس العقيدة الدينية. بينما يشارك شكوك الملحدين حول المتجاوز، هو يريد مقاومة اي رفض سريع لكل اشكال الالتزام الديني. في رؤيته تبقى هناك وظائف اجتماعية وسايكولوجية حيوية تتم عبر الالتزام بالحياة الدينية والذي يعطي اهمية لحياة العديد من الناس لكنه لا يتطلب التزاما آخرا للارثودكسية الدينية المرفوضة من جانب النقاد العلمانيين. هو يريد ان يبين ان الانسانوية العلمانية لديها المصادر لإنجاز نفس هذه الانواع من الوظائف، حيث الاعتراف بمشروعنا الاخلاقي المشترك يعطي معنى ثريا لكفاحنا الانساني. الانسانيون العلمانيون و المصلحون المؤمنون الدينيون يجب، حسب اقتراحه، ان يعترف كل منهما بالآخر كتحالف. رفضهم المشترك للمزاعم الدينية يمكّنهم من إتخاذ موقف موحد ضد اولئك الذين يساوون الحياة الدينية بالايمان بالمذاهب المقدسة. الكاتب يقترب من الاعتراف ان محاولته لتعزيز رؤية علمانية ايجابية عن هدفية الوجود الانساني، تتحمل مخاطرة الظهور كمستبدل للحياة الدينية. هذا ربما يجعل من الصعب للافراد ذوي الذهن الديني ان يروا انفسهم كتحالف. جون ديوي له اتجاه مشابه يحاول نوعا ما اتباع ستراتيجية مختلفة. ديوي يوسع نطاق ما يُعتبر دينيا بالجدال ان اي موقف يعطي اهمية مستمرة وعميقة للحياة يُنظر اليه كدين. عبر تحرير المواقف الدينية من صيغها العقائدية، يضع ديوي "ايماننا المشترك" في حياة الجماعة كشعور يعبّر بوضوح عن الطقوس والمواقف الدينية .الكاتب يشترك بالكثير من هذه الرؤية لكن دفاعه العلماني عن هدف ومعنى الحياة الانسانية، الحياة بعد الايمان كما يشير اليها عنوان كتابه، يجعله وبلا قصد يبدو كما لو انه يستبدل المواقف الدينية بهذه الخيارات العلمانية.

 

حاتم حميد محسن

......................

الهوامش

* كتاب (الحياة بعد الايمان: دفاع عن الانسانوية العلمانية) صدر عن مطبوعات جامعة يال في اكتوبر 2014 بـ 200 صفحة

(1) يشير مفهوم الانسانوية Humanism الى رؤية عقلانية او نظام من الافكار يعطي اهمية كبرى للانسان بدلا من الدين او الاشياء المتجاوزة للطبيعة. الانسانوية هي موقف ديمقراطي واخلاقي يؤكد على ان الكائن البشري له الحق والمسؤولية ليعطي معنى وطابعا لحياته الخاصة. 

 

جمعة عبد اللهتبقى سنوات القحط والعجاف في عهد النظام الدكتاتوري، نقطة سوداء في تاريخ العراق السياسي. بما تحمل من معاناة شاقة، ووضع العراق تحت فكي نظام جائر وظالم ومستبد، لا يعير أهمية لكرامة وحقوق الانسان في ادنى شروطها الانسانية، وبين الحصار الاقتصادي الدولي الجائر والظالم. وبها تجرع فيها الشعب الحصرم والحنظل. هذه المذكرات والمدونات والمقالات، تحتفظ بكامل اهميتها وحيويتها، لانها تترجم حالة العراق المزرية والبائسة والتعيسة آنذاك. انها وثائق مهمة في تدوينها التاريخي والوثائقي. بقلم مثقف، اكتوى بنارها. وعاش مرارة شظف العيش في زمن القحط والمجاعة والفقر والارهاب الباطش. تترجم واقع العراق آنذاك أيام التسعينات من القرن الماضي. سنوات القهر والاستلاب، سنوات الاذلال والمهانة. بقلم عراقي كتبها بقلب متشضي بالجراح والالم. مقالات كتبت بمرارة المعاناة الحقيقية، وبصدق الاحساس القلم النزيه والصادق. حتى يزيل ركام من الضباب والتشويه والتزييف، الذي يمارسه ايتام النظام البعثي الآن، في تجميل صورة نظامهم المجرم والسفاح . ازاء الصورة التعيسة التي يقدمها حكم الاحزاب الدينية الطائفية في أسوأ حالة من السخف والمهزلة، قدموا أبسع صورة مشوهة وأسوأ بكثير من النظام الدكتاتوري، بل انهم سليل العقلية الدكتاتورية المغلقة، في استنساخ القبيح والمظلم والمتعسف بالاحتيال والخداع والفرهدة. هذه المذكرات تعتبر وثائق دامغة، في توثيق لجرائم النظام الدكتاتوري للجيل الجديد. مذكرات تروي عطش الباحث عن الحقيقة الدامغة. عن حقيقة بطش النظام الارهابي في سنواته العجاف، التي أكلت الاخضر واليابس واهلكت العباد والبلاد. تترجم معاناة العراق آنذاك، التي اكتوى بنارها الحارقة المواطن، بأنه اصبح عاجز عن توفير لقمة العيش لعائلته. وان الراتب لا يكفي لايام معدودة. فكان راتب الموظف المتدني جداً، مثلاً راتب الموظف على سبيل المثال، كان حوالي 5 آلاف دينار، او ما يساوي (2،5 دولار)، لا تسد لقمة العيش لايام معدودة. فكان المواطن يبحث عن عمل ثان، ومهما كان الارهاق والتعب والساعات الشاقة الاضافية. لذلك نجد الكوادر العلمية والادبية، ومنهم الاسر التعليمة واساتذة الجامعات، يمارسون اعمال شتى. مثل بيع السكائر والحاجات البسيطة، وفتح (بسطيات) في بيع الحاجات البسيطة توفر لقمة العيش المر لهم. أو تحويل سياراتهم الخاصة الى سيارات الاجرة. مما تفاقمت الازمة الاجتماعية الخانقة، بزيادة الفقر والمجاعة المتصاعدة، وبزيادة عنفوان الجريمة والسرقة والدعارة، التي اكتوى في  براكينها المتشضية الشعب المظلوم، الذي ضاق الاهوال، في مرارة الظلم والقحط. وليزيد من اثقال معاناتهم، مجيء الحصار الاقتصادي الدولي، الذي فر ض على العراق، نتيجة لنكبات النظام الطاغي وهزائمه المتتالية، وآخرها غزو الكويت، وتركيعه بسلسلة من العقوبات الشاقة،  وتكبيله بالقيود عقاباً له ، ولتزيد الطين بلة في تحطيم العراق تحت اثقال لا يتحملها، والامعان في معاناة الشعب يمارس النظام الشمولي،  اسلوب نهج الارهاب الفكري والسياسي، المفرض بصلابة ووحشية على الشعب. ان يتحول المواطن تابع ذليل ومهان. وشدد حصاره على الشريحة الواعية من المثقفين، في تدجينهم وتحويلهم الى خراف مطيعة بالتركيع المهان. فكان المثقف الشريف يعاني الامرين في لقمة العيش، في نظام باطش لا يرحم ومحاربة في الرزق اليومي، فكان يبحث لحفظ كرامته، في سفارات الدول العربية والدولية، باحثاً عن فرصة عمل، او مأوى للعيش فيها. وكان منفذ العراق الوحيد هو الاردن / عمان. في ايجاد فرص عمل حتى لو كانت شاقة ومرهقة، وحتى لو كانت ساعات طويلة من العمل المرهق والمتعب. ومنهم طائفة كبيرة من المثقفين وحاملين الشهادات العلمية والادبية. وكانت الهجرة والتشرد الى دول الاوربية والعربية، الملاذ الوحيد من مخاطر وعسف النظام. واصبحت الهجرة من العراق  المنقذ الوحيد، للتخلص من معاناتهم الشاقة، في توفير لقمة العيش خارج العراق. لذا فأن كتاب (مذكرات مثقف عراقي / اوان الحصار) يحمل وثيقة مهمة، لمعاناة الشعب ومعاناة المثقف الشريف، واسلوب البطش والتنكيل، وزج الكثير في السجون والمعتقلات. نتيجة تقارير حزبية وأمنية جائرة وظالمة. تكتب عن كل شاردة وواردة، تبحث عن اية شبهة بسيطة، أو زلة لسان، حتى المواطن صار يخاف من احلامه في البوح بها لعائلته واطفاله، قد تؤول عن مقصدها الاصلي، وتعتبر جريمة كبرى ضد النظام، او يتهم بجريمة، بأنه شخص مدسوس من الطابور الخامس. هذه كانت حقيقة الحالة والواقع المزري آنذاك. حتى الكاتب لهذه المدنات والمقالات، رغم انه من الاسرة التعليمية. لكنه يمارس عمل اضافي، لسد رمق شظف العيش لعائلته، في بيع الخبز، او بيع المعجنات الكعك يصنعها في بيته ويبيعها على ارصفة الشوارع، لكن داهمه الامن الاقتصادي للنظام الباطش، وامسكه كأنه متلبس في جريمة كبرى. بتوجيه السؤال في لهجة عنيفة متسلطة وجافة. كيف سمح لنفسه البيع على الارصفة ومن اجاز له ذلك، وكيف تجرا في خرق القانون، فأجاب بالجرأة متسائلاً:

(- ما شأنكم أنتم ؟ أما تروني ابيع سلعتي على باب الله؟

(- يبدو عليك أنك لا تفهم، وكرر السؤال :

(- من أعطاك الحق بالبيع هنا ؟

(- لاحد سوى الحاجة المرة. وأردفت قائلاً بعد أن بدأ الخوف يساورني.

(- أذاً سأغادر المكان وابيع في رصيف آخر

(- لا لا سنأخذك مع حاجياتك الى دائرة الامن (.....) ص24.

هذه حالة العراقي البائس في الرعب، او هذه حالة المثقف الشريف، الذي يرفض الانصياع لنظام ظالم وباطش بالارهاب. يرفض ان يكون من كلاب النظام النابحة في عواءها السخيف والهزيل، يرفض ان يكون ضمن قطعان الخراف الخانعة، التي يقودها وزير جاهل لا يفهم شيئاً من الثقافة، يلف حوله شحاذي المكافأت، في بيع كرامتهم وشرف قلمهم، بالارتزاق المذل والمهين، يبحثون عن فتاتات ترمى لهم، كالكلاب السائبة والجائعة، في تمجيد عظمة قائد الضرورة المجنون بشن الحروب العبثية والمدمرة، وفي اعلام دكتاتوري المزيف، الذي يغمط و يزيف التاريخ وحقائقه ووثائقه لصاح القائد الضرورة، النكرة، الذي كان بالامس ربيب الشوارع ومواخير الفساد.

وكذلك المذكرات تتناول ايضاً المعالم الثقافية المشرقة، المعالم الحضارية، التي كانت عنوان العراق المشرق، في  معالمها التي هي بمثابة نجوم تضيئ سماء بغداد بالثقافة والحضارة والفكر. مثل المكتبات والمقاهي والفرق المسرحية والنوادي والمراكز الثقافية المعروفة والمشهورة، التي تعج بالوافدين والزائرين. وكذلك يعرج في مذكراته ومقالاته، الى اساليب النظام الجائرة، في التهجير القسري وتشريد المواطنين، وسلب وسرقة اموالهم وممتلكاتهم ورميهم على الحدود، حفاة وعراة بحجة التبعية الى ايران، الى ممارسة النهج الوحشي ضد الاقليات العرقية والدينية والاثنية، وسلبهم حق العيش والوجود في العراق، بشتى الوسائل الارهابية والقمعية، حتى يهجروا العراق.

ويعرج الى حكم الاحزاب الدينية الطائفية بعد سقوط النظام البعثي، وكان البديل السيء الاسوأ ، كأنها تعيد استنساخ النظام الدكتاتوري، بصيغة دينية طائفية، بصيغة الاستمرار في هدم وتحطيم العراق، حتى لاتكون له شفاعة، في بدع جديدة في الخرافة والشعوذة والجهل، وتشديد حصارهم ضد المرأة في الانتهاك والسلب، وتحويلها الى بضاعة للمتعة الجنسية، بطرق احتيالية تتعكز على الدين والشريعة، في بيع النساء في سوق الرق والجواري، كما كانت سائدة في العصر الجاهلي، لكن بصيغة جديدة من الاحتيال بأسم الدين. مثل زواج المتعة والميسار. زواج المسفار. زواج المصياف. زواج (الوناسة) زواج (الكاسيت) يتم التفاهم في شريط الكاسيت. زواج التليفون، وغيرها من الكثير من المصنفات والاسماء المضحكة والهزيلة، وماهي إلا دعارة في الفجور والفسوق، بأسم الشريعة والدين، في أستغلال حالة الجهل والتأثير الديني عند البسطاء والسذج، بأن يسمح الاب لطفلته الصغيرة ان تتزوج، وهي لم تبلغ عمرها 10 اعوام ان تتزوج شرعاً تحت مظلة الدين والشريعة، وماهي إلا فوضى في ممارسة الدعارة والسمسرة في سوق النخاسة.

كما يعرج الى صناعة الفتاوى، التي تخرج من العقول المجنونة بالشبق والمتعة الجنسية والنكاح الهمجي ، فتاوى من عقول مشبعة بالكراهية والحقد الطائفي. ان تبرز في سمومها في الحكم الديني الطائفي، لتعمق خراب الحياة، بالفتنة والشقاق والخصام. لقد اصبحت هذه الفتاوى تجارة رابحة، يتعامل بها سماسرة الدين المزيفين، الذين لهم وجه لدعارة المعاصرة. ان يدلوا بقذارتهم ونفاياتهم الكريهة، في سموم الكراهية المتعصبة والمتطرفة، في العنف الدموي والاغتصاب والفرهدة. وما هذه الفتاوى للانسان الواعي والمثقف، إلا مثار الضحك والاستهجان والسخرية، في عقول مروجيها السذج والاغبياء والجهلة.

 وكما تعرج المذكرات الى السيد الخميني ووصوله الى العراق، وسكنه في النجف والاقامة فيها. وبعد انقلاب البعث عام 1968، اصبح السيد الخميني ورقة ضغط ضد نظام شاه ايران، بالدعم الكامل. وكذلك يتطرق الى مسألة سفره الى باريس، وانتصار الثورة الايرانية، ونشوب الحرب الطاحنة، التي شنها النظام البعثي ضد ايران، والتي طالت ثماني اعوام من المطحنة الدموية المدمرة.

ان هذه المذكرات والمدونات جديرة بالقراءة، في التوثيق. وتروي عطش الباحث عن الحقيقة.

 

جمعة عبد الله

 

618 الدين والاغترابصدرَ هذا الكتابُ خريفَ هذا العام، وبعد نشره بمدة قليلة أوشك على النفاد، وقد وردتني أسئلةٌ متنوّعة من قرّاء أحترمُ تفكيرَهم، أكثرُها يطلبُ المزيدَ من البيانِ والتدليلِ على الأفكار التي يتضمنها، إذ رأى بعضُهم أن شيئًا من أفكار هذا الكتاب تارةً تلتقي مع رؤى محيي الدين بنِ عربي وميراثِ التصوف الفلسفي، لكنها سرعان ما تخرجُ من جلبابه فتنقد بعضَ مقولاته، وترفض الطريقةَ الأكبرية المنسوبةَ إليه في التصوّف عندما تصنّفها رهبنةً سافرة؛ لانشغالها بتربية السالك على: العزلة، والصمت، والجوع، والسهر. وتلتقي أفكارُه تارةً أخرى مع آراء أولئك الذين يشدّدون على أن الدينَ ليس طارئًا في حياة الإنسان، لكنها تنتقد الحضورَ الطاغي لمؤسسات الدين، وتخطي المعرفة الدينية لحدودها، ومصادرتَها للعقل والعلم والخبرة البشرية، واستحواذَها على كلّ شيء.

الفكرةُ المحوريةُ في هذا الكتاب تؤكد أن الدينَ حاجةٌ وجوديةٌ، لذلك فرض حضورَه في مراحل التاريخ المختلفة، وإن كانت درجةُ هذا الحضور ومستوياتُه متعدّدة، تبعًا لمستوى وعي الإنسان ودرجةِ تطوره الحضاري. أوحت هذه الفكرةُ للبعض بأنها تؤسّسُ لتمديدِ المساحة التي يهيمن عليها الدينُ ومؤسساتُه، واستيعابِها لكلّ شيء في حياة الفرد والجماعة. لكن أفكارَ الكتاب لا تتفق مع ذلك، لأن فصولَه كلَّها ترسم للدين مجالَه الخاص، وتعلن خارطةَ تأثيره في الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان، وتشدّد على ضرورة ألا يتخطى هذه الحدود، وتطالب بتوخي الحذر من خروجه عليها، لأن لا قيمةَ لمعرفةٍ لا يعرفُ الدينُ فيها حدودَه. الدينُ لا يمكنه أن ينجزَ مهمتَه ما لم يتموضع في مجاله الخاص، وألا يتجاوز كونَه حاجةً وجودية، فلو تخطى حدودَه، واحتكر العلمَ والمعرفةَ والإدارةَ والدولةَ، يتحول إلى أداة للهدم لا للبناء، وتصعب جدًا إعادتُه إلى مجاله الخاص.

بعضُ التساؤلات التي أثارها قرّاءٌ أذكياء، لا يقبلون هذا المفهومَ للدين، بل يصرُّ عددٌ منهم على أن الدينَ كان ومازال عاملًا أساسيًا لتنويم العقل البشري، وهو المصدرُ لمختلف أشكال التخلف في مجتمعاتنا. هذه التساؤلات فتحت لي آفاقًا لاستئناف التفكير في أفكار هذا الكتاب من منظور نقدي، فوجدتُ ضرورةً لرفد الكتاب بمزيدٍ من الشرح والتحليل وترسيخ الأدلة، ما دعاني لإعادةِ ترتيب الفصول في سياق الإضافات الجديدة، والعملِ على إعادة بناء بعض الأفكار من خلال إثرائِها ببيان أوفى، وتعزيزِ القناعات بأدلة أخرى، والعملِ على ترميم ما يظهر للقرّاء من وهنٍ وثغرات، وإيضاحِ ما كان يلوح فيها من مفارقات، وإغناءِ الكتاب بثلاثة فصول جديدة، تعالج أفكارَه من مداخل أخرى، وتكشف عن خرائط صلاتها بغيرها من الأفكار التي تتحدّث لغتَها نفسَها، ورفدِ بعض فصوله بإضافات تفصّل ما هو مجمل، وتشرح ما هو مبهم، وتفصح عن الغموض الذي رآه قرّاءٌ نابهون في بعض عباراته، وتحاول أن تكشف الالتباسَ الذي يكتنف شيئًا من مصطلحاته.

اكتشفتُ أن الطبعةَ الأولى للكتاب لم تكن وافيةً بما أرمي إليه في كتاباتي كلِّها، على الرغم من حرصي في كلِّ ما أكتبه على التفكيرِ معهم بصراحة، والابتعادِ عن الحديثِ بلغة زئبقية، أو الاختباءِ خلف الكلمات، والتعبيرِ بأسلوب يتيسر للجميع فهمُه بلا لبس أو غموض، والكتابةِ بلغة صافية، يفهم القرّاءُ الأفكارَ فيها بلا سوء فهم، مهما كانت مستوياتُهم.

في مجتمعٍ تقليدي، الخروجُ على الإجماع في الكتابةِ وجعٌ، ونشرُ الكاتبِ لهذا النوع من الكتابة أشدُّ وجعًا. النشرُ يسوقُ الكاتبَ إلى محكمة القرّاء رغمًا عنه، وهي محكمةٌ تتطلّب كثيرًا من الإثباتات والحجج الصريحة؛ كي ينجو فيها الكاتبُ من الأحكامِ العاجلة، وغيرِ العادلة أحيانًا على كتابته، عندما يكون مضمونُ هذه الكتابة من الصنف الذي يتطلب دقةً وتدبرًا في القراءة.

أحترم حكمةَ رجالِ فكرٍ يكتبون كثيرًا، لكنهم لا يجرؤون على النشر، على الرغم من أني طالعتُ نصوصًا لامعةً بأقلامهم، ووجدتُهم يجتهدون في كتابة أفكارٍ غير مكرّرة. قلتُ لصديقٍ أستاذٍ جامعي مكوّنٍ تكوينًا أكاديميًا رصينًا، يكتب بالإنجليزية والعربية، لكنه لا يجرؤ على نشر أكثر ما يكتب، هل ألّفتَ كتابًا: فقال تحت يدي ثمانيةُ مؤلفاتٍ ناجزة، غير أني ربما لن أنشرها. فأجبتُه: إن نشرَ أفكارٍ خارجَ المألوف يحتاج ضربًا من شجاعةٍ تصير حكمةُ الحكيم قربانًا لها، بل يحتاج مغامرةً متهورة.

كلّ يوم أزداد قناعةً بأن العالَم اليوم تغيّره العلومُ والمعارفُ ووسائلُ التواصل والتكنولوجيا الجديدة، وتغيّرُ الحروبُ ومباغتاتُ التاريخ غيرُ المتوقعة أقدارَهُ ومصائرَهُ وخرائطَهُ السياسيةَ. ومازلتُ على قناعة أيضًا بأن الكتاباتِ الجادّةَ والأفكارَ الجريئة والكلماتِ الحيةَ يمكن أن تسهم بإيقاظِ بعض العقول من سُباتها. وإن كانت الكتابةُ الورقيةُ بكيفياتِها المتوارثة، ووسائلِ تداولها وانتشارها، تنهزم كلَّ يوم أمام الكتابة الرقمية، وما تمتلكه الحروفُ الإلكترونية من إغواء، من خلال إيقاعِها المتسارع والمتدفق، ومن فعلٍ سحري يأسر وعيَ المتلقي من حيث لا يشعر، بكلماتِها البسيطة وعباراتِها الوجيزة الخاطفة.

وسائلُ التواصل والنشر الإلكتروني خلقتْ عالمها الخاص، عالَما يتفوّقُ في حضوره على الواقع الذي نعيش فيه. في هذا العالَم الجديد يُعادُ بناءُ صلة الإنسانِ بالإنسان، والأشياءِ، والمعرفةِ، والحقيقةِ، والذاكرةِ، والزمانِ والمكانِ، والماضي والحاضرِ والمستقبل، على نحو يتبدّل فيه تعريفُ مفاهيم ظلت راسخةً في الثقافات البشرية لزمن طويل، وتحدث ولاداتٌ جديدةٌ لمصاديق العدالة والحرية والأمن والسلام وغيرِها من القيم الكونية، فالأمنُ المعلوماتي اليوم مثلًا هو مصداقٌ جديدٌ للأمن. كذلك يتبدّل تعريفُ مفاهيم اجتماعية واقتصادية وثقافية على وفق منطق العالم الرقمي، فالملكيةُ مثلًا تنتقل من امتلاك الأشياء المادية في نمط الإنتاج الماضي إلى امتلاك الأفكار في نمط إنتاج المعرفة، ويتبدّل تعريفُ رأس المال، فينتقل من رأسِ المال المادي المتمثلِ في أصول ثابتة إلى رأسِ مالٍ معرفي يتمثل في؛ تعليم، ومعلومات، وأفكار، ومهارات، وبرامج، وابتكار، وذكاء صناعي.

إعادةُ بناء صلات الإنسان بما حوله تنتهي إلى إعادةِ إنتاج نمطِ وجودِه في العالَم. نمطُ الوجود هذا يدعونا إلى أن نعرفَ الديناميكيةَ التي يتغيّرُ على وفقها العالَمُ، وكيف أن تحولاتِ الواقع لم تعدْ محكومةً بما كنا نعرفه من معادلات وعوامل تقليدية يتغيّر العالَمُ تبعًا لها.

ويأتي هذا الكتابُ رديفًا لشقيقيه السابقين: "الدين والظمأ الأنطولوجي"، و"الدين والنزعة الإنسانية"، وهو يتوخى غايةَ الكتابين نفسَها، وما تنشده موضوعاتُهما من إعادةِ قراءة النصوص الدينية في سياق الواقع اليوم، واكتشافِ متطلبات الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للمتدين، في عالَم يتسارع إيقاعُ التحوّل فيه. اللغةُ المشتركة التي تتحدّثها هذه الثلاثية هي "لاهوت الرحمة"، من أجل تخفيفِ وطأة "لاهوت السيف" الذي اشتدت قبضتُه على ماضينا أمس، ومازالت آثارُه فاعلةً في حياتنا حتى اليوم.

لقد كانت الفروسيةُ أعظمَ القيم وأشدَّها رسوخًا في حياة الفرد والقبيلة في الجزيرة العربية. لذلك تسيّدَ منطقُ الحرب عصرَ الفتوحات بعد البعثة الشريفة، وتشبّعت به القيمُ الدينية والحياةُ الاجتماعية والثقافية، ووقع التفكيرُ الديني في الإسلام في أسره، فتغلّب "لاهوتُ السيف" على "لاهوت الرحمة"، على الرغم من الحضورِ المهيمنِ للرحمةِ الإلهية في القرآن الكريم، وضرورة اعتمادها إطارًا مرجعيًا لتفسيره، إذ نرى بوضوحٍ أن معانيَ القرآن تنشد الرحمة، لكن  أهملها معظمُ المفسّرين، فتغلّبتْ في تاريخِ الإسلام لغةُ العنف على لغةِ الرحمة، وأهدر كثيرٌ من مفسري القرآنِ والفقهاءِ كلَّ هذا الرصيدِ الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالةِ آيةِ السيف في القرآن هي الحاكمة. وآيةُ السيف هي الآية الخامسة من سورة التوبة "فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ". ومع أن كلمةَ السيف لم ترد في القرآن، لكنّ المفسّرين سمّوا هذه الآيةَ بهذا الاسم. والغريب أن أكثرَ المفسّرين المشهورين ادعى أنها ناسخةٌ لكثيرٍ من الآيات التي تدعو للسلم والعفو والصفح والغفران والرحمة.

هذا الكتابُ يهدف إلى إيقاظِ الضمير الديني وتنبيهِه الى كثافةِ حضور الرحمة في القرآن، وقوةِ دلالتها بشكل لافت، وهو ما يلتقيه القارئُ في فصله الأول، الذي جاء بعنوان: "الرحمةُ الإلهية مفتاحُ فهمِ القرآن".

 

د. عبدالجبار الرفاعي

.......................

مقدمة الطبعة الثانية لكتاب: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي". يصدر الكتاب في بيروت الأسبوع القادم.

 

611 جواد بشارةصدر للباحث العلمي العراقي المقيم في باريس د. جواد بشارة مطلع العام  2019 عن دار المناهج في الأردن عمان ، كتاب بجزئين تحت عنوان " كون مرئي وأكوان خفية  ــ  نظرات في أطروحة الأكوان المتعددة" وهو عبارة عن رحلة شيقة وممتعة بين الأكوان  ومحاولة لفهم أسرار كوننا المرئي الذي لايشكل أكثر من جسيم  أولي بسيط في هيكيلية الكون المطلق الحي ومع ذلك لا يزال غامضاً ومغلقاً أمام أعين البشر خاصة في جوانب  تتناول لغز الأصل والبداية والمصير والنهاية المطروح منذ الثورة الكوبرنيكية إلى يوم الناس هذا، إلى جانب وجود مقاربات تتعلق بالألغاز الكونية الأخرى  كمسألة خلق الكون  وهل هو مخلوق أم أزلي،  ولو كانت له بداية فهل  نشأ بفعل ولادة ذاتية  عفوية أم نتيجة عملية تصميم مسبق على يد إله متسامي، يعتبره البعض العقل الواعي  المتعالي الذي يتحكم بكل شيء في الكون؟ ولقد تطرق الكاتب  إلى مختلف النظريات الكوزمولوجية المتداولة حالياً سواء التقليدية منها أم المتمردة وغير النموذجية ومن بينها نظرية الكون البلازمي  ونظرية الكون الثابت  أو كون الحالة المستقرة ونظرية الأكوان التوائم ونظرية الميتا كون  والكون النيوترينوي ونظرية الكون الهولوغرام الخ ...  ولقد تناول المؤلف بإسهاب  حالة الإنتقال من الفيزياء الكلاسيكية إلى الفيزياء الثورية وتساءل هل العالم الذي نعيش فيها حقيقي أم افتراضي؟ وماهي الجذور الفيزيائية لفرضية التعدد الكوني الميتافيزيائية؟ والعلاقة بين الرؤية العلمية للكون والرؤية الميثولوجية والثيولوجية للكون ومحاولة الفرز بين الكون النسبي والوجود المطلق من خلال معالجة معضلة الزمن والمكان أو الفضاء والزمكان كما قدمه آينشتين في نظريته النسبية العامة  بينما عاملته فيزياء الكموم باعتباره تركيبة أو كينونة رياضياتية ، بعبارة أخرى عرض حالة الصراع بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر بين دعامتي الفيزياء المعاصرة ألا وهما النسبية العامة وميكانيك الكموم. وهل الفضاء الخارجي محدود أم لامتناهي وكيف يدرك البشر سيرورة الكون المرئي وهل بإمكانهم استيعاب أطروحة الأكوان المتوازية ونظرية العوالم المتعددة؟ ماذا يوجد وراء أفقنا الكوني وأين تختفي 95% من مكونات الكون المرئي لأننا لانعرف سوى 5% من الكون الذي نعيش فيه؟ يأخذنا الباحث في رحلة داخل الكون المرئي من الفرادة الكونية اللامتناهية في الصغر إلى الكون الماكروسكوبي  المرئي باعتباره جسيم أولي صغير ضمن نطاق الكون المطلق لمواجهة اللانهاية في ما وراء الأفق الكوني في الكون المرئي. وسعي العلماء للعثور على النظرية الموحدة الجامعة والشاملة للكون المرئي ، أو نظرية كل شيء ، أي محاولة معرفة الواحد والمتعدد . وماذا لو كان الكون المرئي مجرد معلومة حاسوبية؟ أوبرنامج حاسوبي تتلاعب به كائنات عليا متفوقة تعيش في أكوان متطورة ، أي أننا جزء من مكونات مصفوفة عملاقة  ــ ماتريكس ــ ؟ ويكرس الباحث فصلاً كاملاً لمعرفة هل الوجود الكوني واقع أم خيال ، وهل هناك كون واحد أم عدد لانهائي من الأكوان، وماهو سر الحياة في الكون ؟ وماهي حقيقة الثقوب السوداء، هل هي حقيقة فيزيائية أم وهم افتراضي؟ وأخيراً يبقى الكون المرئي صامد أمام ألغازه. فما يزال الكون المرئي متخماً بالألغاز والغموض على الرغم من التقدم العلمي والتكنولوجي في مجال الرصد والمشاهدة والتلسكوبات المتطورة والمسابير التي تجول في أنحاء الفضاء الرحبة واكتشاف القوانين العلمية الجوهرية التي تسير الكون المرئي وتتيح لنا إمكانية فهمه وسبر أغواره وكشف أسراره. فالأسرار الكونية مستمرة في استفزاز أرقى العقول العلمية التي تبحث في المادة والطاقة،،والمكان والزمان،والأصل والمصير، فهل هذا الكون وحيد لا يوجد غيره في الوجود؟ وهل نحن وحيدون فيه كنوع عاقل وذكي حي؟ هل هناك فعلاً فرادة كونية نجم عنها حدث الانفجار العظيم البغ بانغ؟ وهل هناك شيء ما قبله؟ ما هو سر الزمن؟ هذه وغيرها من التساؤلات الكثيرة التي تعرض لها الكاتب في مؤلفات سابقة له  ويحاول أن يستكمل البحث فيها في هذا الكتاب الجديد.

في هذا الكون المرئي الذي نعيش فيها وندرسه الآن، هناك أجرام وأجسام مختلفة ومتنوعة تحمل أسماءً لم تألفها أسماعنا من قبيل: الكوازارات، والبوليسارات، والثقوب السوداء، والثقوب البيضاء، والثقوب الدودية، والمسعارات الكبيرة، والمسعارات الهائلة، السوبر نوفا والهيبر نوفا، والنجوم الحمراء والبنية والبيضاء والصفراء، أو الأقزام البنية والحمراء والبيضاء، والأغبرة والغازات النجمية وما بين النجمية، والمجرات والحشود المجرية، والنجوم والكواكب والأقمار، والنيازك والمذنبات، المحتويات ومضاداتها، الفرادة والتعددية،

فالنجوم ككل شيء في الكون المرئي، تولد وتنمو وتموت، وهذا أمر بات في حكم المؤكد اليوم. وتمر بمراحل من التشكل والولادة والتطور وأخيراً الاختفاء لكنها ليست النهاية في واقع الأمر بل بداية لحياة جديدة وولادة جديدة لنجوم جديدة وملحقاتها من كواكب وأقمار وحياة وحضارات

كان الفضاء الخارجي والكون المرئي ومحتوياته المنظورة والمرصودة هو الذي يشغل عالم ما فوق الذرة أي عالم اللامتناهي في الكبر، الذي تعاملت معه من كافة جوانبه، نظرية النسبية لآينشتين، ولكن عندما نقول اللامتناهي في الصغر فهذا يعني أننا ملزمون بالحديث أولاً عن العلم الذي يتعامل مع هذا المفهوم، وهو فيزياء الكوانتوم أو ميكانيكا الكموم، وهناك قلة من العلماء من تفهموا في بدايات القرن الماضي أسرار هذا العلم وما يترتب عليها من تغيرات في الرؤية العلمية للكون والمادة والطاقة وإعادة النظر في المسلمات العلمية السائدة.

لغز الأصل والبداية

هذا هو واقع الحال العلمي اليوم الذي يروي لنا حكاية صدور وظهور أو ولادة كوننا المرئي. فمسألة كيف نشأ الكون ومتى ولماذا وأين كانت وستبقى من أكثر الألغاز الكونية غموضاً وسحراً وجاذبية ولم يظهر حتى يومنا هذا تفسير علمي كامل وشافي عدا نظرية الانفجار العظيم أو الكبير البغ بانغ الذي لا يعرف أحد كيف حدث ولماذا وما هي حقيقته وماهيته وماذا كان يوجد قبله وكل ما نعرفه عنه بفضل نسبية آينشتين وفيزياء الجسيمات الأولية أو ميكانيك الكوانتوم أو الكموم هو أن المكان والزمان والمادة كما نعرفها بدءوا مع هذا الحدث الكوني الفريد من نوعه بالنسبة لنا نحن البشر.

فآخر الدراسات العلمية حول النماذج الكونية الممكنة، والتوسع والتمدد الكونيين، والتضخم الكوني الكبير،والموجات الثقالية، والخلفية الإشعاعية الأحفورية المنتشرة، وبوزونات هيغز،، والتعدد الكوني، كلها جاءت لتؤكد صحة ومصداقية وصلاحية هذه الفرضية أي نظرية الانفجار العظيم. وبالتالي هناك تنويعات وفرضيات أخرى تستحق التمعن فيها ودراستها بعمق خاصة فيما يتعلق بمسألة الأصل والبداية، مثل نظرية الأوتار الفائقة المتعددة الأبعاد، والإمكانية الكامنة بوجود عدة عوالم وعدة أكوان، وفرضية الأكوان المتوازية، والتي تتحدث عن عدد لانهائي من الأكوان المستقلة عن بعضها البعض، داخل تكوين لامتناهي الأبعاد، أبدي وأزلي وسرمدي، ليس له بداية ولا نهاية ممكنة و لا حدود، حي ومطلق، دائم الخلق والتطور الذاتي الداخلي،وكل واحد من مكوناته أو محتوياته من الأكوان المنفردة فيه، له خصوصياته وميزاته وقوانينه الفيزيائية الجوهرية، وثوابته الرياضياتية، وفي هذا الأفق فإن كوننا المرئي لا يمثل سوى جسيم أولي صغير أو لامتناهي في الصغر كحبة رمل في صحاري وشواطئ كواكب الكون المرئي برمتها، من بين مليارات المليارات المليارات المليارات من الأكوان، حيث لكل واحد منها زمنه الخاص كما لكوننا المرئي زمنه الخاص الذي بدأ افتراضياً مع حدث الانفجار العظيم كفرادة كونية قد تكون قد تكررت إلى ما لانهاية مع الأكوان الأخرى، قبل وبعد فرادتنا الكونية التي أوجدت كوننا المرئي.

وفي كوننا المرئي أو المنظور والقابل للرصد، توجد ملايين المليارات من المجرات التي يفترض أنها لها نظيرها أو أمثالها في الأكوان الأخرى الموازية أو المجاورة أو المتداخلة مع كوننا المرئي، وفي كل مجرة، مثل مجرتنا درب التبانة أو الطريق اللبني، توجد مئات المليارات من النجوم على غرار نجمنا المسمى الشمس وهو من النوع المتوسط وهناك ما هو أصغر منه أو أكبر بكثير، وفي المساحات والفضاءات الكائنة بينها في مسافات لا يتصورها العقل البشري توجد غازات وأغبرة كونية تتماسك فيما بينها بفعل الجاذبية الكونية أو الثقالة. وهناك عدد كبير وتنوع مثير من المجرات حسب شكلها وحجمها. فهناك المجرات الحلزونية أو اللولبية spirales، وهي الأكثر عدداً وتحتوي على كم هائل من الغازات وقرص مركزي شديد الكثافة وهي تدور حول نفسها حيث توجد نجوم شابة أو قيد الولادة إلى جانب نجوم شائخة أو على وشك الموت والانقراض. وهناك المجرات بيضاوية الشكل أو الإهليجية elliptiquesوأغلب نجومها هي من النجوم العجوزة وتحتوي على كميات أقل من الغازات الكونية والأغبرة الكونية، وهناك المجرات غير المنتظمة irrégulières وذات الأحجام العادية المتواضعة مقارنة بالمجرات الأخرى إلا أنها غنية بالنجوم الفتية أو حديثة الولادة. والحال إن مجرتنا درب التبانة أو الطريق اللبني هي من النوع الحلزوني وتضم داخلها أكثر من 200 مليار نجم ويفترض أن لكثير من هذه النجوم نظام شمسي على غرار نظامنا الشمسي الذي يحتوي على عدد من الكواكب الصخرية أو الغازية متفاوتة الأحجام والأعمار وتقع على امتداد 100000 سنة ضوئية وإن ما هو منظور منها يتحدد بــ 1000 إلى 3000 سنة ضوئية القابلة للرصد والمشاهدة بالتلسكوبات الحديثة المتطورة، والسنة الضوئية هي ما يقطعه الضوء بسرعة 300000 كلم/ثانية لمدة سنة من سنواتنا الأرضية.ويقع نظامنا الشمسي في أحد الأذرع الجانبية على أطراف المجرة أو ضواحيها، ويعتقد علماء الفلك والفيزياء الفلكية أن تصادم المجرات هي ظواهر أساسية وحتمية لظهور الحياة لأن التصادم الكوني الجبار فيما بينها يولد نجوم من نوع خاص خصبة من ميزاتها توليد كميات مهولة من الأوكسجين الضروري للحياة البشرية.

داخل كل مجرة هناك ما يعرف بالنظام الشمسي على غرار نظامنا، وهي منتشرة في كل أركان الكون المرئي أو المنظور والمرصود، حيث تتواجد المادة والغازات المتفاعلة، وفي بعض المناطق من المجرة تتركز المادة وتتصادم وتتفاعل لتشكل نوعاً من السدم أو الغماماتnébuleuses، بفعل تواجد الأغبرة والغيوم والغازات ما بين النجمية. وحسب آخر الحسابات الفلكية والكوسمولوجية، فإن نظامنا الشمسي ولد قبل 4.5 مليار سنة من إحدى تلك السدم البدائية بفعل تفاعلات نجمت ربما بتأثير إحدى إنفجارات المسعار الكبير السوبرنوفا حيث انهارت إحدى السدم على نفسها لتشكل قرصاً مركزياً يدور حول نفسه في تسارع مستمر أكثر فأكثر وفي قلبه تكون الحرارة وشدة الضغط والكثافة هائلة إلى درجة أدت إلى تشكيل نجمنا المسمى الشمس. وأثناء تشكلها لم تستهلك شمسنا كل المادة الأساسية التي تضمها فالمادة المتبقية خضعت للحقل الثقالي الشمسي ودخلت فيما بينها في تصادمات جبارة أدت إلى تشكل كويكبات تضخمت تدريجياً مع الوقت لتصبح كواكب هي التي نشاهدها في نظامنا الشمسي الذي نعرفه اليوم مع ملحقاتها من الأقمار، فبعضها صخري telluriques، كعطارد وفينوس أو الزهرة والأرض والمريخ، والبعض الآخر غازية، كالمشتري وزحل وأورانوس ونبتون وبلوتون، وهناك بين المريخ والمشتري حزام من الكويكبات التي تشكل الحد الفاصل بين الكواكب الصخرية والكواكب الغازية، وفيما وراء بلوتون هناك حزام آخر من الكويكبات الذي يشكل الحد الفاصل بين نظامنا الشمسي وما يأتي بعده، علماً بأن علماء الفلك والكونيات نزعوا صفة الكوكب من بلوتون واعتبروه كويكب لصغر حجمه فيما اعتبره آخرون كوكباً بمعنى الكلمة.

هل وجد الكون بفعل ولادة ذاتية عفوية

أم بعملية خلق إلهية، أي هل هو مخلوق أم أزلي؟

الاكتشافات الكوسمولوجية الكونية الحديثة والأجهزة المتطورة والتقدم التكنولوجي الهائل سمح للعلماء بالذهاب أبعد فأبعد في رحلة الزمن والغوص في الماضي السحيق إلى مايقارب بضعة أجزاء من مليارا المليار المليار من الثانية بعد حدوث الانفجار العظيم واللحظات الأولى في حياة الكون المرئي.

واليوم يتوجه تياران علميان بخصوص أصل المادة. فبعض الباحثين والعلماء يعتقدون أن ولادة الكون هي ثمرة لخلق ذاتي عفوي، في حين يعتقد البعض الآخر أن الولادة الكونية قد تم تنظيمها من قبل قوة مهيمنة عليا متفوقة وبارزة هي التي تتحكم بكل شيء وتنظم كل شيء، من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر.فمنذ بضعة عقود تقدمت الأبحاث والتجارب العلمية في مجال علم الفلك والفيزياء الفلكية والفيزياء النظرية وبخطوات عملاقة حققت إنجازات ونتائج باهرة. فالأجيال الجديدة من المراصد والتلسكوبات الأرضية والفضائية ومركبات التقصي الفضائية والمسبارات المتقنة والمتطورة أكثر فأكثر والتي أرسلت إلى الفضاء الخارجي، أتاحت للعلماء اليوم فرصة دراسة الكون المرئي على نحو أكثر دقة. وكان أحد أهم أهداف العلماء هو اختراق الزمن والعودة إلى الماضي السحيق للكون المرئي بغية الاقتراب أكثر ما يمكن من لحظة الانفجار العظيم البغ بانغ الذي يفترض أنه كان وراء ولادة الكون المنظور الذي نعرفه وندرسه ونعيش فيه. فبدراسة وتحليل مكون الكون البدائية الأولية في الدقائق الأولى لنشأة الكون، سيكون بوسع الخبراء والمختصين فهم الآليات الخارقة والميكانيكيات المذهلة الفاعلة التي قادت إلى هذه الولادة السماوية الغامضة جداً واللغزية دوماً. ومهما كان الأمر فإن المعطيات الأخيرة التي أخضعت للدرس والتحليل والحسابات الرياضية من قبل علماء الفيزياء والرياضيات وعلماء الفلك تلمح إلى أن القوى المهولة التي تحررت وانطلقت مباشرة بعد الانفجار العظيم كانت تخضع لقوانين فيزيائية غاية في الدقة والانضباط. ففي الثواني الأولى يبدو أن كل شيء كان معداً ومفكراً به ومحسوباً بدقة متناهية ومنظماً على نحو يتخطى القدرة البشرية. ولو كان هناك أي تعديل، مهما قل شأنه وصغرت قيمته، واختلف مع القوانين المحركة للكون في بداياته الأولى والمكتشفة علمياً، لكان من المستحيل أن تتشكل النجوم والكواكب والأنظمة الشمسية ولجعل من الخيالي التفكير بظهور الحياة التي نعرفها. وإزاء هذه الحقيقة والتشخيص، رأى عدد من العلماء في ولادة الكون على هذا النحو علامة على وجود مبدأ خالق وراء الفعل الولادي. فحسب أقوال هؤلاء العلماء، فإن هذا الضبط الفائق التصور للإعدادات والعوامل الفيزيائية اللازمة لحظة حدوث الانفجار العظيم، لا يمكن أن يكون ثمرة للصدفة، بل لا بد من وجود قوة عظمى ما وراء ذلك هي المسؤولة عن هذه النشأة ولم يتردد البعض في تسميتها بأنها الله. فهو خالق أو مهندس أو عالم رياضيات خارق كلي العلم هو الذي أعد وضبط كل هذا العدد من الثوابت الرياضية والفيزيائية والمعادلات الحسابية السماوية أو الكونية التي تتصف بالدهاء والنقاوة والتي من شأنها جعل الكون المرئي قابلاً للتطور إلى الوضع الذي هو عليه الآن والذي نعرفه علمياً اليوم أي من نقطة البداية البدائية إلى ما يقرب الكمال. ومن الملفت للانتباه أن عدد من العلماء ممن درسوا الانفجار العظيم وتعمقوا فيه ينتمون لهذه المدرسة الفكرية، بدءاً من بو ديفيز ومروراً  بمكتشفي الإشعاع الحراري الكوسمولوجي عالم الفيزياء آرنو آلان بنزياسArno Allan Penzias المولود سنة 1933 والذي حاز مع زميله العالم روبرت وودرو ويلسون Robert Woodrow Wilson على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1978 على اكتشافهما للأشعة الخلفية الأحفورية الكونية المنتشرة التي أحدثت ثورة في مجال البحث العلمي في الفيزياء المعاصرة خاصة حول الانفجار العظيم ودوره وآثاره، حيث إن هذه الأشعة الأحفورية الغارقة في القدم تعطي فكرة واضحة عن الكون كما كان عليه حاله بزمن قصير جداً بعد انبثاقه عقب الانفجار العظيم أي حوالي 380000 سنة بعد البغ بانغ، والحال إن هذه الأشعة الأحفورية الكونية الخلفية المنتشرة تظهر تنوعاً طفيفاً في درجة الحرارة والكثافة حسب الاتجاه مما يتيح لنا الحصول على كم هائل من المعلومات عن الكون الفتي وعن محتوياته السابقة واللاحقة والحالية. ولم يخف بنزياس رؤيته الكوسمولوجية التي تستند على فكرة وجود مبدأ خالق يتجاوز مداركنا. فعلم الفلك يقودنا إلى حدث خارق فريد من نوعه وهو كون خلق من لاشيء، وهو كون يتميز بتوازن مذهل ومثالي تام في قوانينه الفيزيائية التي تقود حتماً إلى ظهور الحياة تعبيراً عن إرادة خفية ضمنية وكامنة أو خارقة للطبيعة على حد تعبيره.

انفجار عظيم ينطوي على مفاهيم صوفية غامضة

منذ القرن السابع عشر ومحاكمة غاليلوغاليله من قبل محاكم التفتيش سيئة الصيت التابعة للكنيسة الكاثوليكية، اشتدت المعركة بين، الرؤية العلمية البراغماتية العقلانية المادية، والرؤية الدينية الغيبية الخرافية، بشأن ولادة الكون وأصله ونشأته وتطوره. حتى إن بعض العلماء وجد في حدث الانفجار العظيم آثراً أو علامة على وجود خالق قدير وضعت له عدة أسماء ومواصفات. فعالم كونيات مثل جورج إليسGeorge Ellis، حاصل على جائزة تمبلتون سنة 2004، يعتقد أن مثل هذا الضبط الدقيقة للغاية لقوانين الكون المرئي يشبه الإعجاز ويقول بهذا الصدد:" إن حالة نظام وضبط مذهلة نجمت أو نتجت في قوانين الكون المرئي، جعلت ظهور الحياة ممكناً. وبعد أن تحقق ذلك بات من الصعب عدم استخدام مفردة المعجزة دون أخذ موقف بشأن الوضع الأنطولوجي الوجودي للعالم". وهناك بالطبع عالم الفيزياء الأمريكي الشهير جورج سموت George Smoot، المختص بالكونيات والفيزياء الفلكية، والحائز على جائزة نوبل للفيزياء سنة 2006 (مشاركة مع العالم جون ماذرJohn c. Mather )، لاكتشافهما طبيعة الجسم الأسود و التباينanisotoropie في الخلفية الإشعاعية الكونية الأحفورية المنتشرة. وكان هو الذي نطق بهذه العبارة الشهيرة " كأنني أرى وجه الله " التي أحدثت ضجة في الأوساط العلمية، والتي نطق بها سنة 1992 بعد أن شاهد أقدم وأكبر بنية للكون البدائي بعد مرور 380000 سنة على الانفجار العظيم البغ بانغ:"إن ما هو معروض أمامنا هو البذور الأولية للبنى الكونية الحالية والتي نعرفها كالمجرات وحشود المجرات. إنها الطيات في نسيج الزمكان الباقية منذ فترة الخلق. فبالنسبة للذهنية الدينية فإن الأمر هو كما لو إنها ترى وجه الله". أما الصيغة المعاصرة لمثل هذا الموقف والمفهوم الكوسمولوجي فلم يتوقف الأخوة بوغدانوف عن ترديده في كتبهما وتكراره بالتفصيل لإبراز فكرة بأن مجمل القوانين الفيزيائية التي تدير الكون المرئي وتسيره بما فيها الحياة والطبيعة قد تمت على يد خالق مجهول الهوية. وفي كتابهما "الله والعلم" الذي ألفاه بالاشتراك مع الفيلسوف الفرنسي جون غويتونjean Guitton، أكدا بأن من الممكن تناول الكون والتعاطي معه باعتباره بمثابة رسالة معبرة في شفرة مرمزة سرية، نوع من الكتابة الهيروغليفية الكونية التي بدأنا بالكاد بفك رموزها" إن هذه الشفرة الرياضياتية التي صاغها عقل رياضي ومهندس مجهول مدونة في نسيج أو لحمة الكون الأولي أو البدائي، كما يقول الأخوة بوغدانوف ويواصلان القول بأن مصير الكون في مليارات المليارات من السنين القادمة يبدو أنه مسجل على نحو مشفر مسبقاً في الإشعاعات الأولى الأصلية. إن هذه الرؤية في الحتمية الكونية الصلبة، طورها العالمان الأخوة بوغدانوف في كتبهما اللاحقة. ففي كتاب "وجه الله"تتلخص فرضيتهما بأنه في اللحظة صفر من الانفجار العظيم، فإن كل المعلومات اللازمة والضرورية لولادة الكون وتطوره كانت موجودة ومسجلة على شكل معلومات رقمية، غمامة من الأرقام والأعداد الرياضياتية دبت فيها الحياة فجأة مع الطاقة الهائلة المتولدة إثر ذلك من جراء الانفجار الأولي البدئي. كما هو الحال مع الشفرة الوراثية عند الكائن البشري والتي تمنحه الميول الدقيقة والصفات والملامح الوراثية منذ الولادة، وبالتالي يفترض الأخوة بوغدانوف وجود كود أو شفرة كونية مماثلة أولية تختزن وتضم كافة القوانين الفيزيائية التي ينبني عليها الواقع على غرار المعلومات الرقمية المحفورة على قرص حاسوبي والذي لا يخرج للحياة والفعل على شكل موسيقى وصور وأفلام ومشاهد، إلا بعد إدخاله في جهاز قراءة الأقراص أو الحاسوب وتتحول المحتويات الموسيقية والفيلمية المشفرة على شكل رموز إلى واقع مسموع ومرئي وما أن ننتهي من هذه العملية يخرج القرص من بيته ويترك عالم الأصوات والصور والطاقة ليعود إلى العالم الرقمي حيث المعلومات تظل مخزونة ومحفورة فيه. بعبارة أخرى يمكن أن نطرح على أنفسنا السؤال : ماذا كان يوجد قبل حدث الانفجار العظيم؟ وهو يعادل سؤال ماذا كان يوجد في القرص الرقمي الحاسوبي قبل وضعه في الجهاز وتفعيله بواسطة الطاقة الكهربائية؟ على افتراض أننا نجهل ما يوجد في القرص من محتويات مشفرة رقمية سابقة. فالمحتويات موجودة لكنها على شكل شفرة ومعلومة رقمية.

الخلق الذاتي العفوي للكون المرئي:

بالرغم من التعقيد المذهل للكون عند لحظة طفولته المتلعثمة الأولى، فإن هناك عدد كبير من العلماء من يدافعون عن فرضية أخرى مغايرة ومناقضة تماماً لفرضية الخلق الرباني، وهي فرضية لا تسمح بتدخل خارجي خارق من قبل كينونة فائقة متعالية.فبالنسبة لهذه المدرسة من التفكير العلمي المحض، فإن ولادة الكون المرئي هو حدث طبيعي تماماً ومستقل، أي حدث ذاتي عفوي. فمنذ أجزاء الثانية الأولى للانفجار العظيم كانت دفقات البلازما الساخنة الأولى للكون الوليد قد شكلت نوى ذرات الهيدروجين، ومن ثم أعقب ذلك حدوث تفاعلات نووية متعاقبة بسرعة مهولة إعجازية. فخلقت كافة العناصر الأولية الجوهرية في بضعة دقائق. وبعد مرور 380000 سنة انبثقت أولى الذرات المادية المعروفة اليوم، وهذا الحدث من الضخامة والفرادة، فهو يتجاوز حدود إدراكنا واستيعابنا وفهمنا البشري البدائي فهل يتطلب ذلك أن نرى ضرورة وجود مبدأ أعلى أو كينونة خارقة وخالقة؟كلا بالطبع، هكذا يجيب العلماء المدافعين عن الفرضية المضادة لفرضية الخلق الرباني.

تزعم العالم البريطاني الفذ ستيفن هوكينغStephen Hawking، تيار دعاة الخلق الذاتي العفوي للكون المرئي، وأعرب عن ذلك بصراحة في كتابه "التصميم العظيم، هل هناك مهندس كبير في الكون؟" Y a-t-il un grand architecte dans l’Univers ?، وأكد في كتابه المهم هذا أن الكون ليس بحاجة لأية مساعدة خارجية ولا لأي تدخل إلهي ليولد ويتطور. ويستند بذلك على مبدأ الحتمية الكونية، déterminisme cosmique، بفعل قانون الثقالة أو الجاذبية الكونية الشامل، يمكن للكون المرئي أن يلد نفسه بنفسه انطلاقا من لا شيء، أي عملية الخلق الذاتي العفوي. وتعزى هذه الفكرة بالأساس للعالم الفرنسي لابلاس Laplace 1749-1827، صاحب مبدأ الحتمية الكونية. وكان قد صاغ كتاباً مهماً عن قصة الكون لنابليون، وسأله الامبراطور الفرنسي بعد أن أشاد بأهمية المؤلف وكتابه:"لكنني لم أجد الله في كتابك هذا" فرد عليه لابلاس "يا سيدي الله مجرد فرضية لا حاجة بي إليها في رؤيتي للكون وقصته وتاريخه وتطوره". فلو عرفنا حالة الكون في أية لحظة معينة في الحاضر، عندها سيكون كلاً من مستقبله وماضيه حتميين علمياً ومقررين بفعل القوانين الفيزيائية. وهذا الأمر يستبعد أية إمكانية لحدوث معجزة أو تدخل إلهي. ويجدر بنا القول إن هذا الرأي يمثل جوهر وأساس نمط ومنطق التفكير العلمي في كافة العلوم الحديثة والمعاصرة وأحد أهم الأسس والغايات التي ينطوي عليها كتاب ستيفن هوكينغ. فأي قانون علمي لن يكون قانوناً و لا علمياً إذا كان مرهوناً بإرادة وتدخل إلهي وتنزع عنه هذه الصفة بغياب العلة الأولية. ولكن كيف يفسر ستيفن هوكينغ دقة وتنظيم القوانين الفيزيائية الموجودة منذ اللحظات الأولى لولادة الكون المرئي؟ يجيب ستيفن هوكينغ على ذلك ببساطة هي أن كوننا المرئي ليس سوى واحد من بين عدد لا نهائي من الأكوان. فقبوله ودعمه لفرضية تعدد العوالم أو نظرية الأكوان المتعددة ـ عدد لا متناهي من الأكوان المتوازية والمتداخلة التي يوجد لكل واحد منها قوانينه الفيزيائية الخاصة عندها لا يمكن طرح مشكلة الاحتمالية والصدفة. وعند ذلك لا يجب اعتبار الانفجار العظيم كحدث كوني فريد من نوعه ووحيد أنجب كوناً مثالياً وحيداً، وإنما كحدث عادي مبتذل يحدث في كل لحظة مثله بأعداد لا متناهية في كل مكان وزمان،وبالنسبة لكوننا المرئي فإن حدث الانفجار العظيم ليس سوى حدث كوانتي أو كمومي événement quantique عفوي استنفذ كافة السيناريوهات الممكنة عند ولادته ليقع على السيناريو الذي نعرفه بقوانين الفيزيائية الجوهرية الملائمة له. وعن الانفجار العظيم قد تنبث أكوان لا تعيش أو تستمر وتنهار في الثواني الأولى من ولادتها وبعضها يستمر بضعة دقائق فيما يتطور البعض الآخر من العوالم على مدى بضعة مليارات من السنين، وهناك من بين هذه الأكوان المحظوظة، ككوننا المرئي، من له قوانين تسيره وتمده بالحياة تشبه أو تختلف عن قوانين كوننا المرئي، لذلك فإن أنواع الحياة في الأكوان الأخرى قد تكون مشابهة للحياة في كوننا أو مغايرة ومختلفة عنها تماماً، لا تستند على عنصر الكاربون والبروتين والأوكسجين وغير ذلك. لذلك فإن ظهور عالمنا أو كوننا المرئي ليس حالة شاذة فريدة من نوعها ووحيدة، بل صاحبته حالات لا تعد ولا تحصى، وكم لا نهائي من الاحتمالات ليس كوننا المرئي سوى واحدة منها أي إن الأمر بمثابة لعبة اللوتو أو اليانصيب الكونية.

وهكذا فإن نظرية تعدد الأكوان multivers اعتبرها الباحثون المعاصرون، لا سيما جيل الشباب منهم، في النصف الثاني من القرن العشرين والعقدين الأولين من القران الواحد والعشرين، التفسير المنطقي المقبول والوثيق الصلة بولادة كوننا المرئي. ولقد وضح ذلك ستيفن هوكينغ في كتابه التصميم العظيم في فصل حمل عنوان النظرية أم M-Théorie، والتي عرفت إعلامياً بنظرية كل شيء Théorie du Tout، وهناك الكثير من المرشحين المدعين حمل لواء نظرية كل شيء أو النظرية القصوى التي تجمع بين نسبية آينشتين وميكانيك الكموم أو الكوانتوم. ومن شأنها أن تقدم الأجوبة على كافة التساؤلات المهمة والجوهرية لا سيما سؤال الأصل وعملية الخلق والولادة لكوننا المرئي. فبالنسبة لهذه النظرية فإن كوننا المرئي، ليس فقط كونه ليس وحيداً فحسب، بل إن كثير من الأكوان الأخرى غيره انبثقت من لاشيء، وهو ليس اللاشيء الذي نعرفه نحن البشر العاديين، وإنما هو مفهوم آخر تطرق له المؤلف في كتابه بالتفصيل. أي أنها ظهرت من دون تدخل من قبل كائن علوي خارق، أو إله ديني غامض.

إن هذه الأكوان المتعددة تستمد وجودها على نحو طبيعي من القوانين الفيزيائية وتمثل توقعات علمية. فلكل كون منها عدة قصص وتواريخ ممكنة ويمكن أن يحتل عدداً من الحالات المتنوعة بعد مدة طويلة من ولادته، وحتى إلى يومنا هذا. والحال أن الكثير من تلك الحالات لا تشبه في شيء الكون الذي نعرفه ونعيش فيه اليوم وهي حالات قد لا تحتوي على حياة في داخلها أو على حياة من نوع مختلف عن الحياة التي نعرفها. البعض من هذه الأكوان يتيح إمكانية ظهور حياة عاقلة فيه قد تكون شبيهة بحياتنا وظهور كائنات تشبهنا. وفي نطاق هذه الأكوان العديدة، فقط نختار ما هو ملائم ومتوافق مع وجودنا. ورغم ضآلتنا وتفاهتنا بالنسبة لعظمة كوننا المرئي أصبحنا في عداد أسياد عملية الخلق. هناك بالطبع كائنات متنوعة ومختلفة ومتباينة في درجة تطورها زمنياً وتكنولوجياً يزدحم بها كوننا المرئي في كافة المجرات التي يصل عددها إلى مئات المليارات، وداخل مجرتنا درب التبانة التي تضم00 2 مليار مجرة على أقل تقدير،وفي كل نجم تقريباً هنا نظام شمسي وكواكب تدور حول النجم وأقمار ملحقة بالكواكب على غرار نظامنا الشمس الذي يحتضن حضارتنا البشرية. حاول علماء الفلك والفيزياء الفلكية تقديم بعض الإجابات الأنيقة ثقافياً وفكرياً لمسألة بداية الزمن الحساسة، التي قد تعني أو تنطوي على مفهوم عملية الخلق الأولي الأصلي.

يرتأى العالم ستيفن هوكينغ أن نعيد النظر في مفهومنا للزمن للإجابة على هذا التساؤل على حافة أو حدود العلم والفلسفة والميتافيزيقيا. ويلجأ في ذلك إلى الميكانيك الكمومي أو الكوانتي. فكما إن النسبية وحدت بين المكان والزمان، في كينونة واحدة أسمتها الزمكان espace-temps، ما يزال الزمان يتصرف بمعزل عن المكان ويتميز عنه بالنسبة لنا نحن البشر، فإما أن يكون له بداية أو هو موجود منذ الأزل دائماً. ولكن ما أن ندخل التأثيرات الكمومية أو الكوانتية في النظرية النسبية، ففي بعض الأحيان الحرجة أو الشاذة، يكون الإلتواء والتحدب أو الإنحناء من الحدة بمكان يجعل الزمان يتصرف كأنه بعد مكاني إضافي رابع للأبعاد المكانية الثلاثة المعروفة. ففي الكون المرئي البدائي بكثافته الهائلة حيث كان يدار في آن واحد من قبل قوانين النسبية العامة والكوانتوم أو الفيزياء الكمومية التي كانت تتعايش جنباً إلى جنب حيث كان يوجد أربعة أبعاد للمكان ولا يوجد الزمن الذي نعرفه الآن. وهذا يعني أننا إذا تحدثنا عن "البداية" للكون المرئي فنحن نقوم بتمليص وتفليس مشكلة عويصة ودقيقة. فمفهومنا وفهمنا للزمان والمكان، كما هما الآن، لا ينطبق على الحالة البدائية الأولى للكون لأن الزمن الذي نعرفه اليوم لم يكن موجوداً على هيئته الحالية آنذاك. وقد يفلت ذلك عن مستوى فهمنا وإدراكنا المألوف لكنه لا يجب أن يغيب عن مخيلتنا ولا عن رياضياتنا. وفي كل الأحوال، لو تصرفت الأبعاد الأربعة في ذلك الكون المرئي الوليد باعتبارها أبعاد مكانية فماذا سيكون الأمر بالنسبة لبداية الزمن؟ يقول ستيفن هوكينغ أننا لو جمعنا بين النسبية العامة وفيزياء الكموم أو الكوانتوم فإن مسألة ماذا كان يوجد قبل بداية الكون سيكون لا معنى لها أو تفقد معناه كلياً. فلو فهمنا وأدركنا أن الزمن يتصرف كمكان فسوف يتيح لنا ذلك أن نقترح رؤية بديلة حيث سيزيح ذلك أي اعتراض أشيب بخصوص بداية الكون المرئي وبداية الزمان، والاعتماد كلياً على قوانين الفيزياء دون اللجوء إلى أية قوة إلهية غيبية. فالكون البدئي خضع لعدة احتمالات من التطور والتوسع والتمدد على عكس ما نتصوره ونعتقده ولم يقم باختيار وحيد أدى إلى إيجاد الكون الذي نعرفه اليوم، بل إن الكون البدائي جرب، حسب ستيفن هوكينغ، عدة سيناريوهات وسلك عدة طرق مختلفة بعضها توقف فجأة واختفى في العدم والآخر ثابر قليلاً ثم انهار والبعض الثالث استمر متخذاً عدة أشكال فيزيائية ليس كوننا المرئي الحالي سوى واحداً منها. بينما يعتقد الأخوة بوغدانوف أن هناك زمن ما قبل الانفجار العظيم سمياه بالزمن المركب والزمن الخيالي ويحسب بأعداد مركبة وخيالية وليس الأعداد والأرقام التي نعرفها.أما زمن كوننا المرئي فهو نسبي، بدأ مع لحظة الانفجار العظيم وهناك زمن مطلق هو زمن الكون المطلق الذي يضم العدد اللانهائي من الأكوان والذي لا بداية له ولا نهاية فهو أزلي أبدي سرمدي وهو الوجود ذاته ولا شيء موجود سواه.

إذن فالفرضية التي بوسعها أن تخرجنا من المأزق وتحل كافة التناقضات البادية ظاهرياً ومعضلة الجمع بين النسبية والكمومية وغيرها من الألغاز والمعضلات والأسرار الغامضة، والحل الذي يمكن أن يوفق بين المدرستين، مدرسة الخلق الذاتي والخلق الرباني،هي اعتبار أن الكون المرئي مجرد جسيم أولى على غرار جسيمات المادة الأولية في كوننا المرئي نفسه، ضمن عدد لانهائي من الجسيمات – الأكوان المكونة بدورها لمحتويات الكون المطلق الحي الدائم التطور وإعادة البناء إلى الأبد مثل الجسم البشري الذي فيه خلايا ومحتويات تتجدد كلما شاخ جزء منها ليعوض بخلايا جديدة فالأكوان الجسيمات تتفاعل فيما بينها لتنتج أكواناً جديدة باستمرار بطرق مختلف منها الانفجار العظيم الذي ولد كوننا وبالتأكيد هناك عدد لانهائي من الانفجارات العظيمة التي أدت إلى انبثاق أكوان جديدة لكل واحد منها ميزاته وخصائصه وقوانينه، ومثلما يحصل عند موت النجوم ومن جثثها تولد نجوم جديدة كما يحدث في كوننا المرئي فهي عملية مستمرة، وفي هذه الحالة يتم الاستعاضة عن الله الذي قدمته الأديان على نحو مشوه وقاصر وخرافي، بكون مطلق أو وجود مطلق لانهائي أبدي وأزلي وسرمدي لم يخلقه أحد وهو في حالة تطور ذاتي لمكوناته من الأكوان الجسيمات الأولية التي لها عمر محدد أي ولادة وتطور وشيخوخة وموت وولادة ثانية كما هو الحال في محتويات كل كون على حدة مثل كوننا المرئي وفي هذا الوجود المطلق لا يوجد زمن، أي ليس هناك ماضي أو مستقبل بل حاضر دائم فقط والزمن في الأكوان المتعددة هو نسبي له أشكال وماهيات مختلفة في كل كون- جسيم.

تصدت مختلف النظريات والنماذج الكونية أو الكوسمولوجية، لموضوع ولادة وتطور كوننا المرئي، وكان أكثرها شيوعاً في الأوساط العلمية المتخصصة هو نموذج البغ بانغ أو الانفجار العظيم. الذي وقع قبل نحو 13.8 مليار سنة حيث كانت هناك طبيعة مجهولة تسببت في عملية القدح التي أثارت عملية الخلق للكون المرئي وللمكان والزمان، لكن تعبير البغ بانغ يشمل رؤى مختلفة إذ توجد على الأقل ثلاث نظريات متنافسة تحت نفس الغطاء تقترح سيناريوهات متميزة وممكنة على الأرجح. كما أن هناك نماذج كوسمولوجية أخرى تطرح توجهات أخرى لتفكير جديد لشرح الأصل الحقيقي للكون المرئي.

 

 

نظرية الأكوان التوائم

La théorie des Univers Jumeaux:

تجدر الإشارة هنا في ألأوساط العلمية الفلكية والفيزيائية الفرنسية، إلى النموذج الكوسمولوجي الكوني الثنائي القياس الذي صاغه وقدمه عالم الفيزياء الشهير جون بيير بتي Jean Pierre Petit، وهو مفهوم عرف بتسميته الشعبية الشائعة نظرية الأكوان التوائم. ويتعين علينا أن نتذكر كذلك أن فرضية وجود أكوان ثنائية "لكل كون توأم أو قرين " قد طرحت سنة 1967 من قبل عالم الفيزياء السوفيتي أندريه زاخاروفAndreiSakharov، والمقصود به تقديم الكون على أنه مثل المرآة لكون آخر خفي كون الظل واللذان يتصلان ببعض فقط بواسطة الثقالة أو الجاذبية. إن أتباع نظرية الأكوان التوائم، يركزون على حقيقة أن هذا النموذج الكوسمولوجي يفسر سبب الوجود الضعيف أو شبه الغائب للمادة المضادة في كوننا المرئي، في حين أنها كان يجب، من الناحية المنطقية، أن تتجاور وتتعايش بنسبة متساوية مع المادة المكونة لكوننا المرئي. وفي سياق افتراض وجود "كون ــ مرآة" لا ندركه و لا نشعر به، يمكننا أن نتخيل بأنه مكون في جزئه الأعظم من المادة المضادة كما تحدثت بذلك عدة كتب ومؤلفات منها كتاب جون بيير بتي المعنون:" لقد أضعنا أو فقدنا نصف الكون On a perdu la moitié de l’univers" وحاول العالم جون بيير بتي أن يشرح للجمهور العريض كيف يمكن أن يكون شكل ومظهر هذه المادة المضادة للمادة المألوفة في كوننا المرئي وهي المادة التوأم لمادة كوننا لكنها غير مرئية بالنسبة لنا نحن البشر وتشكل معظم مكونات الكون التوأم لكوننا المرئي أي الذي هو مرآة لكوننا المرئي. عن هذا الكوكب القرين يسلط تأثير ثقالي طارد أو نابذ على المادة من قبل مادة مضادة يمكن رصدها بالأشعة تحت الحمراء infrarouge. و لا يوجد في الكون التوأم أي جرم سماوي والحياة فيه مستحيلة وهو مكون فقط من الهيدروجين والهليوم. ولقد لوحظ أن الوسط العلمي التقليدي لا يهضم فكرة وجود الكون التوأم أو الكون الموازي univers parallèle المماثل أو المناظر تماماً لكوننا ولكن بالمعكوس، ويرفضون الاعتراف بهذا النموذج لأنه يقدم رؤية مختلفة على نحو راديكالي متطرف للتطور الكوني ويعرض الكثير من المفاهيم المكرسة في النموذج المعياري للمراجعة والطعن، مثل ثبات سرعة الضوء ووجود مادة وطاقة سوداء أو مظلمة أو معتمة في الكون المرئي. و لا بد أن نذكر بأن العالم السوفيتي أندريه زاخاروف والعالم الفرنسي جون بيير بتي وغيرهم، تلقوا رسائل من جهة مجهولة تحتوي على معلومات علمية غاية في الدقة والجدية يعتقد أنها من أناس جاءوا من كوكب خارج الأرض يسمى أومو وهم الأوميين، ووضعوا فيها محتويات نظرية الأكوان التوأم والأكوان الموازية التي استند عليها زاخاروف وبتي لصياغة نموذجيهما الكونيين

مقاربة أخرى لأطروحة تعدد الأكوان

Multivers

لم يكن هناك من مخرج للتخلص من تناقضات النموذج المعياري للكون البغ بانغ، وإمكانية التوصل إلى النظرية الموحدة النهائية التي سوف تجمع بين النسبية الآينشتينية والميكانيك الكمومي أو الكوانتوم، سوى العودة إلى فرضية تعدد الأكوان، فمنهم من يقول أن البغ بانغ أنجب كوننا المرئي وحده ولكن هناك عدد لا محدود من البغ بانغ الانفجارات العظيمة حثت وما زالت تحدث من الأبد وإلى الأزل، وهناك من يقول أن الانفجار العظيم أنجب عدد لا محدود من العوالم والأكوان و ما يزال هذا الأمر يحدث في المناطق البعيدة جداً خارج الأفق الكوني لكوننا المرئي. فماذا لو كان كوننا المرئي حقاً واحد من بين عدد لا نهائي من الأكوان المستقلة عن بعضها البعض؟هذا هو المفهوم الذي اقترحه بعض العلماء وقالوا بوجود حيز مكاني لانهائي الأبعاد يكون هو الهيكيلية أو البنية التي تضم العدد اللانهائي من الأكوان التي يكون لكل واحد منها قوانينه الفيزيائية الخاصة به وثوابته الكونية. وبالتالي فإن كوننا المرئي، بشساعته الهائلة، ليس سوى ذرة غبار أو أصغر أي مجرد جسيم أولي داخل محيط كوني مطلق تكون باقي الأكوان فيه أيضاً مجرد جسيمات أولية مكونة له كما تكون الجسيمات الأولية كوننا المرئي. وهناك العديد من النماذج للأكوان المتعددة، كل واحد منها يستند على نظرية فيزيائية علمية. أحدها تنبأت به وتوقعته فرضية التضخم الكوني المفاجئ والذي تحدث عنه العالم آندريه ليند ووصفه بأنه التضخم الدائم الأبدي والفوضوي inflation éternelle chaotique، وهو يعتقد أن الكون المطلق يتمدد برمته على نحو دائم وأزلي ولكن في بعض مناطقه، وبفعل تصادمات وتفاعلات، تحدث انفجارات عظيمة بغ بانغ، على غرار الانفجار العظيم في كوننا المرئي، تؤدي إلى انبثاق أكوان أخرى مشابهة أو مغايرة لكوننا المرئي، والأكوان الناجمة عن هذه العملية تتمدد بدورها وتتصادم مع غيرها مولدة انفجارات عظيمة أخرى وهكذا دواليك. وتحدث هذه العملية وتتكرر على نحو أبدي دائم ومستمر إلى ما لا نهاية داخل ما أسماه آندريه ليند الكون المتعدد الدولابي multivers – gigogne، قد تبدو هذه الرؤية ثمرة لخيال جامح لبعض العلماء، إلا أن التطورات الأخيرة التي شهدتها نظرية الأوتار الفائقة يمكن أن تعزز مثل هذه الرؤية المتجاوزة لكل الحدود الإدراكية للبشر. كما يمكننا الحديث عن وجود الكون المتعدد الكمومي أو الكوانتيmultivers quantique. عالم الفيزياء العبقري الراحل هيوغ إيفريتHugh Everett، اقترح نموذجاً لكون ينقسم إلى فرعين متمايزين في كل مرة يحدث فيها حدث كمومي أو كوانتي يؤدي إلى حدوث تراكب في الحالات،بتعبير آخر، في كل مرة يحدث فيها حدث كمومي أو كوانتي ينقسم الكون الجديد على نفسه إلى عدة نسخ، وكل واحد منها يضم في طياته واقعاً مغايراً للآخرين. وعلى خلاف الكون المتعدد التضخمي، تمتلك عوالم هيوغ إيفريت المتعددة نفس القوانين الجوهرية ونفس البنى الرئيسية الكبرى لأنها كلها ولدت من رحم الكون المطلق الأساسي وورثت عنه نفس الخصائص الفيزيائية caractéristiques physiques، ومن هنا فإن جميع السيناريوهات الممكنة يمكن أن تحدث بمعنى أوضح، إن الفرد في الكون أ يكون طبيباً، لكنه في الكون ب قد يكون ضابطاً وفي آخر مهندساً وفي رابع يكون مجرماً الخ.. يصيغ علماء آخرون إمكانية وجود كون متعدد ذو ميزات أو خصائص رياضياتيةpropriétés mathématiques، ويلجأون لمعطيات نظرية الأوتار، وتقول هذه النظرية أنه يوجد، إلى جانب الأبعاد المكانية الثلاثة التقليدية والبعد الزماني الرابع في الكون المرئي العادي الذي نعيش فيه، هناك تسعة أبعاد أخرى إضافية لكننا لا نراها لأنها في غاية الصغر ومطوية على نفسها في المستوى الميكروسكوبي المجهري لكنها ضرورية ولا غنى عنها للنظرية، ولا أحد يفهم لحد الآن لماذا تكون هذه الأبعاد الإضافية مطوية على نفسها، ولكن يمكننا أن نتخيل أكوان أخرى مكونة من عدد متعدد من الأبعاد المكانية أو الزمانية المطويةdépliées، ويقر العلماء أن هذا المجموع من البنى الرياضياتية الممكنة من فضائله الأساسية أنه يشرح على نحو راديكالي ما أسماه العالم الحائز على جائزة نوبل للفيزياء أوجين فاينرEugene Wigner، " الفعالية غير القابلة للشرح أو التي لا يمكن تفسيرها للرياضيات في العلوم الطبيعية l'inexplicable efficacité des mathématiques dans les sciences naturelles"وإذا كان كوننا المرئي مجرد إحدى البنى أو الهيكيليات الرياضياتية الممكنة فلا داعي للدهشة بأن المعادلات الرياضية يمكن أن تصفه على غاية من الدقة. وعلى أية حال فإن نظرية الأكوان المتعددة، وإن كانت افتراضية إلا أنها تشكل اليوم أحد سبل البحث التي يتعذر تجاهلها أو تفاديها وتجذب إليها أكثر فأكثر علماء الفيزياء الفلكية astrophysiciens.

التكوين الكوني الغامض

من الواضح أن اليوم الذي يستطيع فيه الإنسان أن يفك شيفرة الألغاز الكونية الكبرى لا سيما تلك التي تتعلق بأصله وولادته وتطوره، لم يأتي بعد ولم يحل وقت سبر أغوار الكون المرئي الغامضة والمجهولة وعلى رأسها الزمان الذي ما يزال يحتفظ بكامل أسراره فما بالك بما هو قبل هذه الولادة المفترضة للكون المرئي ونقطة بدايته التي نسميها بالفرادة الكونية السابقة لحدث الانفجار العظيم البغ بانغ. وعلى الرغم من التقدم الحاصل في مجال علم الفلك والفيزياء الفلكية في العقود الأخيرة في نهاية القرن العشرين والعقدين الأولين من القرن الواحد والعشرين، إلا أن سعينا لمعرفة الأصل لم يتكلل بالنجاح بعد ولم ينته فسوف نحتاج للمزيد من الحسابات والمعدلات التي تدور في رؤوس الباحثين والعلماء على أمل التوصل في يوم ما إلى فك الشفرة الكونية المستعصية ومعرفة الولادة الحقيقية للكون المرئي أو الأصل الحقيقي في خلقه فالوقت أمامنا طويل ونحن نبحث ونتجول ما بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر.

ولكن حتى قبل أن نفك طلاسم كوننا المرئي تجرأ البعض من علمائنا في الذهاب إلى أبعد منه، والتعاطي مع فرضية كونية اعتبرت في الماضي القريب من حيثيات الخيال العلمي لكنها باتت اليوم أكثر فأكثر تحوز على الاعتراف بها كنظرية علمية وهي نظرية التعدد الكوني. وهي نظرية استفاضت في شرحها روايات وسينما الخيال العلمي وافترضت إمكانية التواصل بين العوالم من خلال الطرق الكونية المختصرة المسماة بالثقوب الدودية.

العقل الجامح:

كان أول من خاض في هذا المجال العلمي الوعر هو عالم الفيزياء الأمريكي ذو العقل الجامح هيوغ إفريت سنة 1957 وغامر بمستقبله المهني وسمعته عندما كرس لموضوع التعدد الكوني أطروحته للدكتوراه ومات غريباً وشبه مجهول من قبل العامة من الناس دون أن يرى حلمه يتحقق وتكون نظريته هي المعمول بها في العشرين سنة الأولى من القرن الحادي والعشرين ويعمل عليها العديد من العلماء الشباب الذين أوفوه حقه، كالعالم ماكس تغمارك والعالم أورليون بارو وكريستوف كالفارد وبريان غرين وستيفن هوكينغ وغيرهم كثيرون على سبيل المثال لا الحصر. وتتلخص الأطروحة بمسلمة افتراضية ممكنة تقول أن الكون هو أوسع بكثير من كوننا المرئي الذي نعتقد أننا نعرفه، ويتجاوز قدرتنا على التفكير والإدراك والاستيعاب. فالكون المطلق هو كون حي مكون من عدد لا متناهي من العوالم ـ الأكوان ـ الجسيمات. لكل واحد منها خواصه ومزاياه وقوانينه وشكله وتركيبته وواقعه الخاص به، أي لكل واحد منها واقع ممكن هو البديل لعدد لامتناهي من الواقعات الممكن حدوثها داخل كل كون، مرئي أو غير مرئي. وهو افتراض مذهل لكنه بات مقبولاً من قبل عدد كبير من العلماء. وبات الوسط العلمي اليوم جاهزا لتقبل هذه الفرضية التي تقول بوجود عدد لامتناهي من الأكوان المتوازية أو المتجاورة أو المتداخلة، وذلك لأن الدراسات والأبحاث الجديدة المتقدمة في مجال الفيزياء الكمومية أو الكوانتية أتاحت فرصة اكتشاف أن قوانين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر يمكن أن تكون مختلفة عن القوانين التي تدير وتسير وتحكم واقعنا الفيزيائي. وفي وقت مبكر في خمسينات القرن الماضي، تخيل هيوغ إفريت كون حي وذكي وواعي ينقسم على نفسه فرعين متمايزين في كل مرة تقوم فيها حادثة كمومية أو كوانتية بوضع الواقع في حالة تراكبية وهو الاقتراح العبقري الذي وضعه إيفريت لحل مفارقة قطة شرودينغر الشهيرة. فمع افتراض وجود تعدد كوني، وإن كل كون ينشطر على نفسه إلى فرعين مع كل حادث كمومي أو كوانتي مثل حادث قطة شرودينغر، لن نعتبر هذه القطة في حالة تراكب على اعتبار أنها حية وميتة في آن واحد وهو أمر مستحيل. والحل الذي تقدم به إيفرت هو أن الكون برمته الذي تعيش فيه القطة إبان التجربة الفكرية الكمومية أو الكوانتية، قد إنقسم إلى فرعين تكون القطة في أحدهما حية وفي الآخر ميتة. ومن هنا اعتقد هيغ إفريت أنه في كل مرة يقع فيها حادث كمومي أو كوانتي تظهر عدة نسخ للكون في كل واحد منها واقع مغاير، وكل السيناريوهات الممكنة تحدث. ففي كل مرة نتخذ فيها قراراً يؤثر على مصيرنا ومستقبلنا، لأن مثل هذا القرار يمكن أن ينجم عنه عدة نتائج وانعكاسات ممكنة تحدث كلها ولكن ليس في نفس الكون بل في أكوان أخرى نسخة عنه. فلو قررت ألا أخوض امتحانات الباكالوريا فقد أكون مجرد عامل بسيط في معمل أو جندي في سوح القتال أو قاتل أو سجين محكوم بالسجن المؤبد، قد أكون فقيراً معدماً أو غنياً أو تاجر مخدرات الخ من الممكنات المفترض المترتبة على عدم خوضي لامتحانات الباكالوريا أما العكس أي أن أحصل على الباكالوريا فذلك سيعني ربما أنني أدخل كلية الطب واصبح طبيباً مشهوراً أو مغموراً، أو أكون مهندس أو عالم أو مدرس، لأنها كلها ممكنة بشرط أن أكون حاصلاً على شهادة الباكالوريا، ولكل حالة أو نتيجة مفترضة يحصل الأمر ولكن في كون آخر موازي للكون الذي أعيش فيه. عالم الفيزياء دافيد دويتش من أنصار نظرية العوالم المتعددة الكوانتية أو الكمومية، عاكف حالياً على تصميم كومبيوتر، حاسوب، كمومي أو كوانتي بوسعه أن يعطي الدليل القاطع على صحة نظرية إيفريت حول تعدد الأكوان.

جاءت نظرية الأوتار، وبعدها تطويرها إلى نظرية الأوتار الفائقة، لتعزز أطروحة تعدد الأكوان وتؤكد الوجود الكامن أو الخفي لعدة عوالم حية. واعتبرت هذه النظرية أن الجسيمات الأولية المكونة للمادة مستوعبة داخل بنية أصغر منها هي الأوتار اللامتناهية في الصغر حيث يتوافق كل ذبذبة من ذبذبات تلك الأوتار مع أحد الجسيمات الأولية وإن للفضاء عدة أبعاد إضافية إلى جانب تلك الظاهرة والملموسة التي نعرفها ونشعر وندركها بحواسنا أي الطول والعرض والارتفاع والزمن. وفي الحقيقة فإن عدد الأبعاد في هذه النظرية هو أحد عشر بعداً، عشرة منها مكانية وواحد زماني. سبعة منها غير مرئية وغير قابلة للكشف والرصد لأنها لامتناهية في الصغر ومطوية على نفيها. ولفهم واستيعاب هذا المفهوم يمكننا أن نتخيل الأمر وكأنه عبارة عن حزم من القش الرفيع جداً، كل قشة هي ثنائية الأبعاد. ولتحديد نقطة في الفضاء الكائن بين حزم القش، من الضروري معرفة مكان أو موقع النقطة على طول القشة وأين تقع في البعد الدائري للقشة ـ لأن حزم القش مختلطة ومتداخلة ومحدبة أو مقوسة أو دائرية ـ ولكن لو كان نصف قطر القشة لامتناهي في الصغر مثل العناصر المتواجدة في المحيط الكمومي أو الكوانتي، فسوف لن نلاحظ البعد الدائري وتبدو القشة لنا أحادية البعد كالخط المستقيم، نفس الشيء بالنسبة للوتر اللامتناهي في الصغر فالأوتار في هذه الحالة تمثل الأبعاد المنطوية الخفية. لذلك فإن إحدى نتائج نظرية الأوتار الفائقة هي أن كوننا المرئي ليس وحيداً بل هو جزء من نسيج أو إطار كوني هائل trame cosmique، يحتوي في داخله على مليارات الأكوان الأخرى. ولقد حاول بعض العلماء كمكمة أو تحديد كمومية quantifier هذه العوالم الكامنة كما فعل العالم ليونارد سيسكيند الأستاذ في جامعة ستنافورد في كاليفورنيا، الذي قدر وجود 10500 إمكانية ممكنة لأكوان أي رقم عشرة متبوعاً بخمسمائة صفر، ولو تقبلت الأوساط العلمية على نحو قطعي أطروحة التعدد الكوني والأكوان المتوازية والمتجاورة والمتداخلة فذلك لأنه هذه الأطروحة لا تمس و لا تشك بصحة، بل ولا تعارض النسبية العامة لاينشتين. فالعوالم غير متصلة ببعضها البعض وكل عالم يمتلك خصائصه وسماته وميزاته الخاصة وقد يكون واحد أو أكثر من بينها من يمتلك الظروف والشروط الملائمة واللازمة، على غرار كوننا المرئي، لظهور الحياة الذكية والعاقلة فيه. ولكل كون عدد من التواريخ الممكنة ويمكن أن يحتل عدد من الحالات المختلفة بعد فترة طويلة من خلقه أو ولادته أو انبثاقه منذ البدء ولغاية اليوم. والحال أن أغلب الحالات لا تشبه حالة كوننا المرئي الذي نعرفه وندرسه ونعيش في داخله وتفتقد للحياة في داخلها، ومنها حفنة فقط من الأكوان التي تسمح لكائنات مثلنا أن تظهر وتعيش فيها كما يفترض ستيفن هوكينغ.

قد تكون فرضية الأكوان المتوازية المفتاح لفهم الانفجار العظيم البغ بانغ، فمفهوم الأكوان المتوازية تفسير لغز الدقة المتناهية للثوابت الجوهرية التي تدير الكون المرئي وتتحكم به. فكيف يمكن أن نفسر أن الكون المرئي، ومنذ لحظة ولادته، يمتلك تنظيماً وضبطاً خليق بأن يكون ميكانيك قياسي أو معياري للدقة؟ومن هنا أعتبر عدد من العلماء أن يكون مثل هذا الإتقان والكمال perfection ليس وليد الصدفة لذلك يعزون هذا الضبط السماوي الدقيق للغاية إلى عقل وذكاء كوني علوي فائق ومتسامي. والحال إن نظرية الأكوان المتوازية تتعاطى مع الأمور بطريقة مغايرة معتبرة عملية خلق الكون المرئي بمثابة حدث كوانتي أو كمومي فالكون المرئي لم يكن كاملاً بل غدا كاملاً فيما بعد، أي بعد أن استكشف كل الطرق الكمومية أو الكوانتية الممكنة. لنتخيل هذا السيناريو: في لحظة وقوع الانفجار العظيم ووجه الكون الوليد بعدد لا متناهي من الاختيارات. وعليه أن يقرر قيمة الثابت الثقالي أو ثابت الجاذبية constante de gravitation، و كتلة الإلكترون الخ.. وبالتالي، وحسب فرضية هيوغ إفريت، بات على الكون الوليد عند كل اختيار أن ينقسم إلى فرعين أو أكثر وفي كل فرع يختار قيمة معينة ممكنة ومختلفة عن القيمة الأخرى في الكون أو الفرع الكوني الآخر، لذلك نشأت عدة أكوان لا متناهية العدد متوازية مع بعضها البعض تتصف كل واحد منها بصفات ومزايا وخصائص وثوابت وقوانين جوهرية معينة خاصة بها. الغالبية العظمى من هذه الأكوان عاقرة عديمة الحياة أو غير قابلة للاستمرار ولا تظهر فيها حياة عاقلة. فبعضها يحظى بقوة جاذبية هائلة ومكثفة جداً أو بتفاعلات كهرومغناطيسية ضعيفة جداً، عندها تنهار على نفسها في نوع من الفوضى الكونية العارمة، بينما تفلح كمية قليلة من تلك الأكوان في العثور على القيم الملائمة وتكون صالحة لانبثاق الحياة العاقلة والذكية في داخلها، وهذا هو حال كوننا المرئي وهو واحد منها، أي أن هناك أكوان أخرى موازية له مثله تعج فيها الحياة الذكية العاقلة. وبتبني هذه الفرضية، لم يعد ضبط الثوابت الجوهرية أمراً إعجازياً، و لا حاجة لإقحام مهندس كبير علوي يقوم بدور الخالق للكون على حد تعبير ستيفن هوكينغ. وهذا العالم رسم هذا السيناريو لعملية ظهور وولادة كوننا المرئي الذي خضع في بداياته لمختلف الاحتمالات التطورية في تطوره وتوسعه، وحسب هوكينغ، تبنى الكون الوليد عدة طرق مختلفة بعضها توقف بسرعة وتبخر في العدم، أو في الخواء، بينما واصل بعضها الآخر طريقه تحت أشكال فيزيائية متنوعة. ومع هذه المقاربة الجديدة، عن أصل الكون المرئي، يتعين التعامل مع ولادة الكون المرئي باعتبارها حدثاً كوانتياً أو كمومياًévénement quantique، ذاتي وعفوي، بحث وجرب واستكشف كافة السيناريوهات الممكنة لحظة انبثاقه للوجود. فالكون التعددي هو مجموع الأكوان الممكنة، ما يشبه عدد لامتناهي من الفقاعات الغازية التي تتشكل في الماء المغلي أو في كاس الشمبانيا، وهي فقاعات كثيرة العدد تظهر وتختفي وكل فقاعة هي بمثابة كون مصغر mini-univers تتقاطع وتتصادم وتفنى وهي ما تزال بعد ميكروسكوبية الحجم. إنها تمثل أكوان بديلة ممكنة لكنها عديمة الأهمية لأنها لا تبقى طويلاً لكي تتطور وتخلق داخلها مجرات ونجوم وكواكب، عدا عن الحديث عن ظهور حياة عاقلة وذكية. البعض من تلك الفقاعات – الأكوان يثابر ويستمر في النمو والتطور والتوسع وبإيقاع متسارع وتشكل الفقاعات البخارية التي نعرفها ونرصدها. وهي الأكوان المتوسعه دوماً كما يصفها ستيفن هوكينغ. ويضيف قائلاً:" إن الترجرجات والتقلبات الكمومية أو الكوانتية الأولية في اللحظات الأولى تقود إلى خلق هذا العدد الضخم من العوالم التي في طور التشكل والوجود المادي الملموس والتي يمكن العثور على آثارها الباقية في خارطة الأشعة المكروية الأحفورية الخلفية الكونية المنتشرة من خلال تحليل التنويعات المجهرية والاختلافات الطيفية في درجات الحرارة ــ التي تقل عن واحد بالألف من الدرجة ــ والتي يعود زمنها لحدث الانفجار العظيم البغ بانغ. فالبصمات الحرارية المختلف في تلك الأشعة هي آثار ومؤشرات باقية على الاختيارات المختلفة التي قام بها الكون البدئي الوليد قبل استقراره على اختياره النهائي الحالي في كوننا المرئي، ما يترك الباب مفتوحاً لتصوراتنا عن الأكوان المتعددة التي نتطور داخلها دون عي منا ودون أن نعي أو نعرف ذلك.

إن ما اكتشفه الإنسان قد أحدث ثورة في التصور البشري للكون بواسطة الحدس الفيزيائي والتجارب الفكرية والتطبيقات العملية والصياغات الرياضياتية الصارمة، إلى جانب التجريب والرصد والمشاهدة والمراقبة. وكشفت له تلك التطورات والإنجازات العلمية والتكنولوجية، أن المكان والزمان والمادة والطاقة تحتوي على سجل من السلوكيات الخفية لا تشبه أي مما تمكنا من رؤيته على نحو مباشر وملموس.

فالدراسة المعمقة لاكتشافاتنا الحديثة بفضل الأجهزة المتطورة، تقودنا إلى معرفة ما ستكون عليه الانعطافة الحاسمة لفهمنا للأشياء والتحقق على نحو قاطع من أن كوننا المرئي ليس هو الكون الوحيد الموجود، لذا فإن دراسة الواقع الخفي هي السبيل لاكتشاف وإثبات حقيقة تعدد الأكوان. بيد أن التعاطي مع هذه المستجدات العلمية يتطلب منا أن نتخلى عن طريقة ونمط تفكيرنا التقليدية المريحة والمألوفة بغية الانفتاح على آفاق غير معتادة وغير متوقعة يستحيل تصورها أو تخيلها.

كون عادي وميغا كون وجيغا كون وميتا كون  و كون مطلق وماذا بعد؟

في فترة ما كانت مفردة" كون " تعني كل ما هو موجود ومرئي ومعروف وملموس و لكنها لا تشمل غيره مما لا نعرفه، لأن أكثر مما هو موجود يدخل في باب الخيال والميتافيزيقيا والغيبيات. وفيما بعد ظهرت مجموعة من الأبحاث والنظريات غيرت معنى " ألكون " وصارت المفردة تعتمد على الظروف السائدة، وصارت في بعض الأوقات تشمل كل شيء بالمطلق. أي صار المقصود بالمفردة ينطبق على الواقع الظاهر والواقع الخفي، وبجانب ذلك انتشرت مصطلحات تسللت للساحة العلمية مثل العوالم المتوازية والأكوان المتوازية والميغا – كون و الميتا – كون والأكوان المتعددة وغيرها من المرادفات لوصف كل ما يحيط بنا في كوننا المرئي وكذلك الأكوان الأخرى المفترض وجودها.

قد تتوسع مداركنا يوما ما على نحو كافي يسمح لنا بالإجابة على كل التساؤلات المتعلقة بمفاهيم الإطلاق والتعددية في الكون المرئي وما وراءه أو حوله أو متداخلاً معه.

كانت أول مغامرة علمية عسيرة للغوص في العوالم المتوازية حدثت في سنوات الخمسينات من خلال البحث في بعض جوانب الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، والتي صيغت لتفسر بعض الظواهر التي تتعلق بالذرات والجسميات ما دون الذرية. فكما هو معلوم إن الميكانيك الكمومي أو الكوانتي أحدث شبه قطيعة مع التقليد العلمي للميكانيك الكلاسيكي بفرض مسلمة تقول أن التكهنات والتوقعات والتنبؤات العلمية لا يمكن إلا أن تكون " إحتمالية". فقد نتمكن من حساب فرص وقوع هذا الحدث أو ذاك، إلا أننا لا نستطيع التأكيد أيهما حدث بالفعل، وكان هذا التغيير الراديكالي الذي زعزع القناعات السائدة والفكر العلمي السائد منذ مئات السنين، مذهلاً في حد ذاته. وهناك جانب آخر لم يجلب الانتباه ويتعلق بالسببية أو بــ " لماذا " حصول هذه الإمكانية وليست تلك من بين عدد لامتناهي من الإمكانيات والتوقعات، بالرغم من الدراسات والأبحاث المضنية والدقيقة التي أجريت لسنوات طويلة في النظرية الكمومية أو الكوانتية، وما أفرزته وقدمته من معطيات تؤكد صحة تكهناتها الإحتماليةprédictions probabilistes. فلم ينجح أحد من العلماء الفطاحل في تفسير لماذا يتحقق احتمال واحد من بين عدد كبير ممكن من الاحتمالات القائمة، وربما تتحقق كافة الاحتمالات ولكن في أبعاد وزمكانات وأكوان موازية خفية. فعندما نجري تجارب، وعندما نتقصى أسرار عالمنا، فإننا سنلتقي فقط بواقع واحد مادي ملموس و غير قابل للبحث. وبالرغم من مرور أكثر من قرن على الثورة الكمومية أو الكوانتية، لا يوجد إجماع أو اتفاق بين علماء الفيزياء حول توافق وتساوق هذه الحقيقة الأولية مع التعبيرات الرياضياتية للنظرية الكوانتية أو الكمومية.

وعلى مر السنين، كانت هذه الثغرة في فهمنا للأشياء قد ألهمت العديد من الافتراضات والمقترحات، وكانت هي الأكثر مدعاة للدهشة هي فكرة إن المفهوم المتعارف عليه والمألوف والذي بموجبه يكون لأي تجربة حل واحد لا غير لم تكن فكرة دقيقة ومضبوطة أو صحيحة. فرياضيات ومعادلات الميكانيك الكمومي أو الكوانتي توحي بأن كل الاحتمالات والنتائج المتوقعة ممكن أن تحدث وكل حل أو نتيجة تحدث في كونها الخاص بها والمتميز عن غيره من الأكوان. فلو توقع أو تكهن حساب رياضي ما لجسيم أنه يمكن أن يكون في هذا المكان أو في مكان آخر في نفس الوقت، فهذا يعني أنه يتواجد بالفعل في مكان معين في الكون الأول لكنه يتواجد في مكان آخر في الكون الآخر. بعبارة أخرى يمكننا أن نتصور وجود نسخة أخرى عنا تراقب نتيجة التجربة وتحدد موقع الجسيم عندها بمكان يختلف عما حددناه نحن للجسيم في كوننا. وكل واحد منا يعتقد، وهو على خطأ بالطبع، أن واقعه هو الواقع الحقيقي الوحيد. والحال أننا عندما نفهم أن الميكانيك الكمومي أو الكوانتي يتحكم بكل الصيرورات الفيزيائية، من الاندماج الذري في قلب الشمس إلى النبضات العصبية المسؤولة عن التفكير البشري، ندرك أنه يسلك طريقاً هو بالنسبة لإدراكنا المحدود قد لا يكون موجوداً، في حين أنه واحداً من بين عدد لا متناهي من الطرق أو الاحتمالات، بيد أن كل طريق أو لنقل أن كل واقع ـ يكون مخفياً عن أي واقع آخر وهم كثر. إن هذه المقاربة الغريبة والجذابة التي تقوم بها النظرية الكمومية أو الكوانتية، للعوالم المتعددة، قد استقطبت اهتمام عدد كبير من الباحثين والعلماء في العقود الأخيرة، إلا أن جل أبحاثهم كشفت لنا عن جوانب عويصة وشائكة لهذه النظرية الغريبة فهناك اعتراضات كثيرة عما قدمته هذه النظرية بعد مرور أكثر من قرن على ظهورها بالرغم من ثبات صحة العديد من الأفكار والفرضيات النظرية التي وردت فيها بينما اعتبر البعض الآخر أن الصيغة الرياضياتية للنظرية ليست متماسكة بما فيه الكفاية رغم جمالها وأناقتها.

لو تيقنا من إن الفضاء يمتد إلى ما لا نهاية، كما افترض ذلك عدد من العلماء الكبار، وهو افتراض يتوافق مع نتائج مشاهداتنا ورصدنا ويوجد في قلب نماذجنا الكونية، فيحق لنا أن نتخيل أن هناك فيما وراء الأفق الكوني المرئي والمرصود، وهو بعيد جداً ويمتد لمليارات السنين الضوئية، أكوان أخرى قد يكون جز منها نسخة عنا لكنهم يعيشون واقعاً آخر لا يتطابق مع واقعنا الظاهر الذي نعيشه هنا في كوننا المرئي أو المنظور.

سوف نحتاج في مسيرتنا هذه للكشف عن الواقع الخفي أن ندرس بعمق واقعنا الظاهر ونغوص في أعماق الكوسمولوجيا ونتقصى حقيقة النظرية التضخمية والنظرية الانفجارية والتي تفترض حدوث تضخم مفاجئ وهائل في الفضاء اللامتناهي للكون الوليد في لحظاته الأولى مما أدى إلى نشوء أو ولادة نسخة موازية عنه تقبع الآن في ما وراء الأفق الكوني لكوننا المنظور أو المرئي. ولو ثبتت صحة التضخم الكوني الهائل كما أشارت إلى ذلك نتائج الرصد الحديثة بفضل تلسكوبات فضائية متطورة جداً، فإن الانفجار الذي ولد وأوجد منطقتنا أو كوننا في الفضاء اللامتناهي لم يكن حالة وحيدة وفريدة ومعزولة بل حالة عادية تحدث في كل وقت أي أن هناك عدة انفجارات عظيمة وعدة أكوان تولدت وما زالت تتوالد إلى ما لا نهاية، في المناطق اللامرئية والبعيدة جداً في الفضاء اللامتناهي، وكل واحد من تلك الأكوان يمتلك فضاءه الخاص به والممتد في الزمكان الخاص به داخل فضاء مطلق لا متناهي مما يعني وجود عدد لانهائي من الأكوان والعوالم.

ولإضفاء المسحة العلمية الجادة والرصينة لا بد من الاستعانة بنظرية الأوتار الفائقة والنظرية أم M ونظرية كل شيء، والنظرية الموحدة والجامعة لكافة النظريات ومتابعة آخر المستجدات الناجمة عن مشاهدات تلسكوباتنا الفضائية وتجاربنا المختبرية في مصادمات الجسيمات المتطورة. وأخيرا لو تمكن الإنسان من قوانين الكون المرئي الجوهرية وتحكم بها فهل بإمكانه أن يخلق كونناً مصغراً أو ميكروسكوبياً في المختبر بعد توفير الشروط التي كانت موجودة لحظة ظهور كوننا المرئي بعد الانفجار العظيم؟ هذا ما سندرسه في سلسلة من الدراسات المعمقة والمبسطة لسبر غور الواقع الظاهر والواقع الخفي في الكون المرئي وفي الأكوان اللامرئية.

 

 مما يتألف معظم الكون

 أو ما هي مكونات الكون المرئي أو المنظور؟

تُجيب عن هذا السؤال آميليساتونغAmelie Saintonge:

لفترة طويلة من الزمن، اعتقد الفلكيون أن معظم الكون مؤلف من المادة العادية (التي تُعرف بالمادة الباريونيةmatière baryonique أو"Baryonicmatter") وهي نفس نوع المادة التي تُكون كل شيء موجود على الأرض وفي النجوم الأخرى (البروتونات، النترونات والالكترونات). على أية حال، وُجد حالياً أن هذه المادة تكون قسماً صغيراً فقط من المادة الموجودة في الكون.

من خلال قياس حركة المجرات والنجوم الموجودة داخل المجرات، تمكن الفلكيون من تحديد وجود مادة لا يُمكننا رؤيتها. عرفوا ذلك لأنه وعلى الرغم من عدم قدرتنا على رؤيتها، إلا أنهم يستطيعون قياس تأثيراتها الثقالية على النجوم والكواكب. تُعرف هذه المادة بالمادة المظلمة أو السوداءla matière sombre ou noire (Darkmatter). وهناك شيء آخر أيضاً يُكون معظم الكون ويُشار إليه بالطاقة المظلمة L'énergie sombreـ  Darkenergy طبيعة الطاقة المظلمة لا تزال غير معروفة بالكامل ولكن نعرف أنها تتصرف بشكلٍ مختلف كلياً عن المادة العادية. يُعتقد بأن لهذه الطاقة تأثيراً معاكساً للجاذبية وبالتالي تساهم في توسع كوننا.

تكشف أحدث القياسات المتعلقة بالخلفية الكونية المكروية المنتشرة عن الأقسام النسبية التي تُساهم بها كل مركبة. تنص أفضل التقديرات على أن الكون مكون من 4% مادة باريونية عادية، 23% مادة مظلمة و74% طاقة مظلمة.

ملاحظة: أحدث القياسات القادمة من مهمة تلسكوب بلانك الفضائي  تنص على أن الكون يتكون من 68.3% طاقة مظلمة، 4.9 مادة عادية باريونية و26.8 مادة مظلمة. كما أن قيمة ثابت هابل بلغت 67.15 بخطأ يصل إلى +/- 1.2 كيلومتر لكل ثانية لكل ميغابارسيك.

هل العالم الذي نعيش فيه حقيقي أم افتراضي؟

لو قيض للبشر إمكانية السفر إلى تخوم الكون المرئي أو المنظور الذي يعيشون فيه، فهل سيكتشفون أن الزمكان ممتد ومستمر إلى ما لانهاية أم إنه سيتوقف عند نقطة محددة تشكل حدوده القصوى؟ أم أنهم ربما يعودون من حيث لا يعلمون إلى نقطة إنطلاقهم كما كان حال السير فرانسيس دريك الذي قام بجولة حول الأرض؟ يبدو أن هاتين الإمكانيتين أو الافتراضين يتواءمان ويتوافقان مع نتائج مشاهداتنا ورصدنا الفضائي، واللتان تمت دراستهما باستفاضة على مدى عقود طويلة، والحال أن الدراسات المعمقة والتجارب المختبرية والفكرية أو الذهنية والأبحاث المتخصصة أشارت إلى إمكانية أن يكون الكون لانهائي وليس له حدود.

يفترض بعض العلماء أنه فيما وراء الأفق الكوني لكوننا المرئي توجد مجرة هي نسخة طبق الأصل لمجرتنا درب التبانة وفيها نظام شمسي هو نظير لنظامنا الشمسي بنفس عدد كواكبه ومنها كوكب هو توأم لكوكبنا الأرض ويوجد على ذلك الكوكب أو الأرض الثانية نفس القارات والناس والحيوانات الموجودة على كوكبنا وهناك نسخة توأم لي ولك ولكل واحد منا يعيش على هذه الأرض ويقومون بنفس ما نقوم به من أعمال ونشاطات وربما يوجد عدد لامتناهي من الأكوان المتشابهة كقطرات الماء. فمن المحتمل أن يكون الشخص الذي يشبهني أو نسخة مني يكتب نفس هذه السطور في إحدى نسخ الأرض وآخر يكون قد أكمل تأليف هذا الكتاب وآخر متوقف عن الكتابة للراحة وآخر قد يقوم بعمل آخر ولديه تخصص آخر غير الكتابة الخ.. حيث من المستحيل إحداث اتصال بين تلك الأكوان والأراضي المتعددة إلى ما لا نهاية، وإذا كان الكون المرئي لامحدود السعة فإنه بالضرورة سيحتوي على عدد لامتناهي من العوالم المتوازية، بعضها يشبه تماماً عالمنا وبعضها يختلف عنه كلياً. وعند مواصلة رحلتنا لاستكشاف تلك العوالم المتوازية يتعين علينا قبل ذلك أن نفهم أساسيات وجوهر علم الكون "الكوسمولوجيا"وعلم البحث عن الأصول وتطور الكون باعتبار كل شامل ومطلق.

الواقع في كون لانهائي

سبق أن قلنا أننا لا نعلم ما إذا كان الكون منتهي أو لامنتهي ولهاتين الإمكانيتين مكانها في النماذج النظرية وتتوافقان على العموم مع نتائج الرصد والمشاهدات والحسابات الفلكية حتى الأكثر اتقاناً ودقة وقبولاً. من الصعب التحديد في الوقت الحاضر حول أيهما الأكثر علمية من الأخرى. ففي الفضاء المنتهي قد يقوم الضوء القادم من النجوم والمجرات البعيدة بقطع مسافات شاسعة ويدور حول الكون المرئي عدة مرات ويمر بعدة انكسارات وانعكاسات قبل وصوله الى تلسكوباتنا الأرضية.ونفس الشيء عندما تتعاقب الصور المنعكسة من مرآة لأخرى بعد أن يقطع الضوء عدة دورات فلكية ليقدم لنا تعاقبا صوريا للنجوم والمجرات. ولقد بحث علماء الفلك عن صور متعددة لنفس المصدر ولكن بلا طائل. إذ لا يكفي ذلك بحد ذاته لإثبات أن الفضاء الكوني لا متناهي. إن هذا الإشكال يوحي بأنه إذا كان الكون المرئي محدوداً وذو نهاية فإنه قد يكون من الشساعة بمكان بحيث لن يكون للضوء الوقت الكافي لكي يقوم بدورة كاملة حول هذا الكون. وهذا بذاته يشكل تحدياً تجريبياً أمام العلماء. فحتى لو كان الكون المرئي محدوداً فإنه كلما كان شاسعاً أكثر كلما يغدو شبيهاً بكون لا منتهي وغير محدود.

أياً كان الأمر فمما لا شك فيه أنه في وقت ما، غائص في عمق الزمن، كانت المجرات مضغوطة في حيز مكاني غاية في الصغر وغاية في السخونة. وإن مشاهداتنا الحالية لمعدل التوسع الكوني وتحليلنا النظري لمتغيراته على مر الزمن،تتيح لنا أن نقدر مقدار ما انصرم من الزمن منذ الفترة التي كان الكون فيها داخل حبة غاية في الكثافة،وهي الفترة التي سمحنا لأنفسنا باعتبارها فترة البداية، وإن الكون، سواء أكان منتهياً أو غير منتهي، محدود أو لا محدود، فإن آخر التقديرات العلمية تقول لنا بأنها تقدر بـــ13.8 مليار سنة هي عمر الكون التقديري المفترض اليوم.

قد تكون هناك أهمية ما من معرفة ما إذا كان الكون منتهياً أو لا منتهي، محدوداً أو غير محدود، ففي حالة كونه محدوداً، ولأننا ندرس الكون لفترات زمنية ساحقة في الماضي، فمن البديهي تخيل المكان ـ الفضاء برمته في حالة تقلص وإنكماش أكثر فأكثر. وحتى لو تعطلت الرياضيات وانهارت الحسابات الرياضية في الزمن صفر، فلا يوجد شيء يمنعنا من التفكير والتعامل مع كون عندما يكون موجوداً في لحظات أقرب فأقرب للزمن صفر وفي حيز مكاني أصغر فأصغر. في حين لا معنى لمثل هذا الوصف في حالة أن يكون الكون لانهائياً. فلو كان المكان / الفضاء حقاً لامتناهياً فهذا يعني أنه كان كذلك من الأزل وسيبقى هكذا إلى الأبد. ولو نظرنا إلى التوسع بالاتجاه المعاكس فإن محتواه سيكون مكبوساً أو مضغوطاً أكثر فأكثر، وإن الكثافة تكون مرتفعة وتزداد أكثر فأكثر. بيد أن حجمه الكلي يبقى لانهائياً فنصف اللانهائي بقى لانهائياً كما تقول القاعدة الرياضية. ولو اقتربنا من اللحظة صفر في كون لانهائي فسوف نحصل على كثافة أقوى وأكبر في كل نقطة في حين إن الامتداد المكاني للكون يبقى لا نهائياً.

إن مشاهداتنا ورصدنا العلمي للكون المرئي لا تسمح لنا بالحسم بين كونه منتهياً أو لا منتهي، محدوداً أو غير محدود، فإن العديد من علماء الفيزياء والفلك يفضلون فكرة الكون اللامحدود. وعلينا أن ندرك إن لمعرفة كون الكون المرئي محدوداً أو غير محدود، تداعيات وتبعات جوهرية وانعكاسات مؤثرة على طبيعة وماهية الواقع. ولو اقتنعنا بهذه الحقيقة فسوف نجد أنفسنا في عالم هو واحد من بين عدد لامتناهي من العوالم.

الجذور الفيزيائية لفرضية التعددية الكونية الميتافيزيقية

للدماغ البشري حدود إدراكية معروفة لدينا اليوم وقدرة تصورية تستند على الشواهد المرئية والملموسة بيد أن هناك ظواهر عديدة لا يمكن الركون فيها إلى قدرة الدماغ باعتبارها لا تدخل ضمن ما يعرف " سبق وأن رأينا مثله أو هناك ما هو موجود مثله déjà vue بل هي ضمن ما يمكن تصنيفه بشبه المستحيل الذي يتعذر رؤيته أوما لم نره قط jamais vue فعلى سبيل المثال لا الحصر عندما تقوم بوصف مكان ثلاثي الأبعاد لأحدهم يمكن أن يبذل جهداً لتخيله لأنه يملك رديفاً تخيلاً في دماغه محدداً بالأبعاد المكانية الثلاثة، ولكن عندما تحدثه عن مكان فيه أحد عشر بعداً مكانياً كما تقول بذلك نظرية الأوتار الفائقة، فإن الدماغ البشري يعجز عن ترجمة ذلك إلى صورة هندسية مألوفة. لذلك ليس من السهل على الإنسان الحالي تقبل نظريات فيزيائية علمية تتحدث عن تعدد العوالم وتعدد الأكوان والأكوان المتوازية رغم اعتماد النظريات الفيزيائية على حسابات رياضياتية ومعادلات رياضية وأدلة علمية وفرضيات علمية قابلة للبرهان التجريبي. حتى آينشتين بدماغه الخارق والمتقد وقدرته التخيلية عجز عن تقبل ذلك خاصة فيما يتعلق بموضوع الثقالة الكمومية.

حاولت نظرية الأوتار الفائقة توحيد القوى الجوهرية الكونية الأربعة بغية تقديم حل لمعضلة الثقالة الكمومية من خلال افتراض وجود وحدات بنائية مادية أصغر مما هو مكتشف لحد الآن وفق نظرية الغشاء théorie de Brane وافترضت أن الكينونات الأولية المكونة للمادة هي أوتار مفتوحة أو مغلقة تتذبذبن ووفق ذبذباتها تتحدد طبيعة وخصائص الجسيمات الأولية التي نعرفها مثل البروتونات والنيترونات والالكترونات لكن هذه النظرية لم ترق إلى مستوى نظرية كل شيء الجامعة والشاملة لكل النظريات القائمة والتي تفسر كل شيء في الكون المرئي أو المنظور. كرس كثير من العلماء جهودهم وأبحاثهم طيلة سنين عديدة وهم يعملون على معادلات رياضية معقدة بغية العثور على المقابل الرياضياتي للنظرية الفيزيائية الأكمل ذات الأحد عشر بعداً حيث سيتم بفضلها إثبات أن كل النظريات السائدة تكمل بعضها بعضاً. وبالتالي افترضوا أن مادة الكون كلها متصلة ببعضها البعض ببنية واحدة أو بنسيج واحد هو الغشاء الكوني كما قالت بذلك النظرية م théorie M.

المشكلة التي واجهت العلماء هي هل تسري قوانين الكون المرئي أو المنظور فقط في الأبعاد الثلاثة المنظورة والمرصودة للكون المرئي أم يمكن تطبيقها على الأبعاد غير المرئية المفترضة؟ فالجاذبية أو الثقالة مهمة وأساسية في اللامتناهي في الكبر لكنها مهملة أو شبه معدومة في اللامتناهي في الصغر كما كان يعتقد العلماء في القرنين الماضيين لكن عالمة الفيزياء ليزار أندال عملت على إيجاد تفسير منطقي ومقبول لهذه المسلمة التي تقول بضعف الجاذبية مقارنة بالقوى الثلاثة الأساسية أو الجوهرية الكونية الأخرى في المستويات اللامتناهية في الصغر، وخاضت في محاولات رياضياتية معقدة ووضعت معادلات عديدة فوجدت أن الجاذبية أو الثقالة تتسرب من غشاء آخر في البعد الحادي عشر إلى كوننا المرئي مما يعني أن وجود غشاء آخر يدل على وجود كون آخر غير مرئي قد يكون موازياً أو متداخلاً مع كوننا المرئي لكن اكتشافها هذا أثار فزع زملائها الفيزيائيين لأنهم يخشون الخوض في الفرضيات الميتافيزيقية أو الماورائية وعلى الأخص صعوبة تقبل أطروحة وجود أكوان أخرى، بيد أن علماء نظرية الأوتار أقروا بصحة هذا الاستنتاج خاصة أولئك الذين يبحثون عن كيفية نشأة الكون وأصله.

إن تقبل فكرة وجود أكوان أخرى تفرض علينا أن نتقبل ماهية أخرى للمكان الذي يوجد فيه كوننا المرئي أو المنظور وهو المكان الممتد إلى ما لا نهاية حيث بإمكانه أن يستوعب عدداً لا متناهياً من الأكوان- الجسيمات. فكل كون مثل كوننا ما هو إلا جسيم أولي لامتناهي في الصغر في هذا المكان المطلق الذي يشكل الكون المطلق. وهناك نسخ متعدد لكوننا و نسخ لنا نحن في العديد من تلك الأكوان الأخرى مثلما يوجد شبيه لكل واحد منا طبق الأصل عنه بعدة نسخ فيكرتنا الأرضية بل في كوننا نفسه. هذا في ما يتعلق بالمكان والأمر ذاته ينطبق على الزمان فهو ليس كما نعتقده بمثابة سهم يسير باتجاه واحد وبانتظام وبإيقاع منتظم أمد الدهر من الماضي إلى المستقبل مروراً بالحاضر. إنه صيغة أخرى للمكان، بمعنى آخر يمكن أن يتحول الزمان إلى مكان والعكس صحيح حسب النظرية النسبية لآينشتين. وهناك قانون في هذه النظرية يقول بتباطؤ الزمن مع السرعة فكلما ازدادت سرعة الشيء تباطأ الزمن بالنسبة لهذا الشيء وهو ما يعرف بمفارقة التوأم، ومفادها لو أن شقيقين توأمين بنفس العمر أحدهما استقل مركبة فضائية تسير بسرعة هائلة قريبة من سرعة الضوء لفترة زمنية قصيرة لنقل شهر أو سنة أو بضعة سنوات معدودة، فعند عودته إلى الأرض يكون قد مر عليه فترة الرحلة فقط أي أسبوع أو شهر أو سنة، أي هو لا يشيخ سوى أسابيع أو أشهر أو بضعة سنين،في حين يكون قد مر على شقيقه التوأم مقابل الأسابيع بضعة سنوات ومقابل الأشهر عشرات السنين ومقابل السنوات القليلة عدة قرون، ويكون هذا الشقيق الذي بقي على الأرض قد مات وترك أحفاده أو أحفاد أحفاده ليلتقوا بشقيق جدهم التوأم وهو بزهوة الشباب. مثلما تقول النسبية أن كتلة الشيء تغدو صفراً عند بلوغها سرعة الضوء وفي حالة تجاوز حاجز سرعة الضوء وهي 300000 كلم في الثانية، فسيكون بإمكان هذا الشيء السفر والترحال عبر الزمن والعودة للماضي أو الذهاب للمستقبل.

من هنا نستطيع القول أن مفردة كون بمفهومها النسبي أعلاه، لا تشمل مجمل ماهو فيزيائي وميتافيزيائي في الوجود اللامحدود. وفي نفس الوقت لايوجد سبب يدعونا للإعتقاد بعدم وجود شيء ما خارج حدود كوننا المرئي المفترضة، كما هو حال المحيط الممتد حيث لا ترى السفن الطافية فوقه ماذا يوجد وراء الأفق الخاص بها، ومن المعقول والمقبول أن نفكر ونعتقد بأن الفضاء لا ينتهي و لا يتوقف عند حدود كوننا المرئي الاعتباطية والنسبية.

وبالإمكان وضع تعريف آخر لمفهوم الكون ليشمل، ليس فقط كل ما هو مرئي أو قابل للرصد والمشاهد والقياس اليوم، بل وكذلك كل ما سيكون ممكنناً اكتشافه في المستقبل البعيد و غير المنظور، بل ويمكننا القول أن مجموع الفقاعات ـــ الأكوان التي تكون فيها القوانين الفيزيائية مماثلة لما يوجد في كوننا المرئي،تدخل في تعريف الكون univers، الذي يبقى، مع ذلك، نسبياً.

فى عام 1954, كان هناك مرشح للدكتوراة من جامعة برنسيتون اسمه هيوغ إيفيرت جاء بفكرة جذرية تقول: أنه توجد أكوان متوازية, بالضبط تشبه كوننا. كل هذه الأكوان على علاقة بنا, فى الواقع وهي متفرعة منا وكوننا متفرع أيضاً من آخرين.

خلال هذه الأكوان المتوازية, حروبنا لها نهايات مختلفة عن ما نعرف. الأنواع المنقرضة فى كوننا تطورت وتكيفت في الأكوان الآخرى. فى أكوان أخرى ربما نحن البشر أصبحنا فى عداد المنقرضين.

هل الأكوان المتوازية فعلا ً موجودة؟ بعض النظريات فى الرياضيات والفيزياء أعطت دليلا ً يدعم مثل هذه الإحتمالات.

هذا التفكير يذهل العقل ولحد الآن ما يزال يتعذر فهمه. الأفكار العامة عن الأكوان أو الأبعاد المتوازية التى تشبهنا ظهرت فى روايات وأفلام الخيال العلمى. لكن لماذا يقوم فيزيائى شاب ذو مستقبل بالمخاطرة بمستقبله المهنى عن طريق تقديم نظرية عن الأكوان المتوازية؟

بنظريته عن الأكوان المتوازية, كان هيوغبت إفريت يحاول الإجابة عن سؤال صعب متعلق بفيزياء الكموم أو الكوانتوم: لماذا تتصرف الأجسام الكمية بشكل غير منضبط؟ إن المستوى الكمىومي هو أصغر ما اكتشفه العلم حتى الآن. دراسة فيزياء الكموم بدأت فى عام 1900, حينما قدم العالم ماكس بلانك هذا المفهوم لأول مرة إلى المجتمع العلمي.

العوالم المتعددة لفيزياء الكموم.

(حسب نظرية العالم هيوغ إيفيريت فإن وقوع أي حدث عشوائي معناه أن احتمال من ضمن عدة احتمالات أخرى قد وقع... مما يؤدي بنا إلى القول أن الاحتمالات الأخرى قد تكون وقعت في أكوان موازية لكوننا... أي أن ھناك كون لكل احتمال من الإحتمالات المتوقعة)

خصائصه: شبيهه بخصائص المستوى الثاني.

الافتراضات: وحدوية الفيزياء.

الأسانيد: 1- دعم تجريبي للفيزياء الوحدوية.

2- النموذج الأبسط رياضياً.

قطة شرودنغر فى الوضع الفائق

المستوى الرابع: تراكيب رياضية أخرى.

خصائصه: معادلات الفيزياء الأساسية مختلفة.

الافتراضات: الوجود الرياضى = الوجود الفيزيائى.

الأسانيد: 1- التأثير غير المعقول للرياضيات فى الفيزياء.

إنّ موضوع تعدد الأكوان هو واحد من أكثر الموضوعات المسبّبة للخلاف في الفيزياء، وقد زاد الخلاف الآن بعد الإعلان الكبير عن اكتشاف أدلة على تموّجات بدائية في الزمكان تعود للإنفجار العظيم، مما يدعم نظرية كوزمولوجية تُدعى التضخم، ومعها يعتقد بعض العلماء بأنّ كوننا هو واحد من ضمن أكوان كثيرة هائمة كفقاعات هوائية داخل زجاجة المشروب الغازي. نقاد فرضية تعدد الأكوان يعتبرونها فكرة غير قابلة للدراسة والفحص، بل وبالكاد تعتبر علم حتّى.جاءت الأخبار الأخيرة من تصوير (BICEP2) في القطب الجنوبي، حيث تمّ الكشف عن آثار في الخلفية المكروية الكونية والتي تعود لما بعد وقت قصير جداً من الانفجار العظيم، والتي تبدو أنها موجات الجاذبية. اعتُبر هذا الاكتشاف مهم جداً، ولكن علماء الفيزياء ينوهون إلى أن التّأكيد من تجارب أخرى مازال مطلوباً.

لو تمّ تأكيد هذا الاكتشاف، فسيعتبر دليل مباشر على نظرية التضخم، والتي ترجح بأنّ الكون تضخم بشكل هائل في أول جزء من النانوثانية بعد ولادته، مما قد يفسر العديد من الخصائص لكوننا، كحقيقة أن الكون يظهر على نحو سلس، حيث تتوزع المادة بشكلٍ متساوٍ في جميع الإتجاهات.

التضخم قد يشير أيضًا أنّ ما نعتبره الكون – كل شيء نراه بأقوى التلسكوبات- يُعتبر زاوية بسيطة من الفضاء، حيث توقف التضخم عن العمل مما سمح بتكثف المواد، وتكون النجوم والمجرات، وتطورت الحياة. لكن في أي مكان آخر، وراء الكون الملاحظ أو المرصود والمرئي، أي فيما وراء الأفق الكوني لكوننا المرئي، قد لا يزال الكون المطلق في تضخم مع فقاعات كونية جديدة تتشكل كلما توقف التضخم في مكان ما.

الكثير من عمالقة الفيزياء اليوم يميلون لهذه الفكرة، مثل آلان غوث وأندرية ليند، رواد نظرية التضخم. بالإضافة إلى الفيزيائي المرموق فرانك ويلكجك الحاصل على نوبل في 2004، فيقول: "أنا أعتقد بأنّ تعدد الأكوان هو نتيجة طبيعية لأفكار التضخم، لو بإمكانك إنشاء كون من بذرة صغيرة جدا، فبإمكان أكوان أخرى أيضا أن تتكون من بذور صغيرة. لا يبدو أن شيء فريد في الحدث الذي نسميه بالإنفجار العظيم. إنه حدث يمكن إعادته ويمكن حدوثه مرة وأخرى وأخرى.إلى ما لا نهاية."

والأهم من ذلك كله هو التطبيقات العملية لفيزياء الكموم أو الكوانتا في مجال البحث العلمي وفي حياتنا اليومية، كموضوع الليزر واستعمالاته المدنية والطبية والعسكرية الذي جرى تطويره من سنوات الستينات في القرن المنصرم، إلى جانب تطبيقات مستقبلية مثل الكريبتوغرافية أو التشفيرية والترميزية والانتقال الفوري الآني تيليبورتيشن والحاسوب الكمومي أو الكوانتي ومختلف الأدوات والأجهزة الالكترونية الحديثة كالهاتف الذكي والجي بي أس GPS أي محدد الأماكن عبر الستلايتات أو الأقمار الصناعية والتصوير الشعاعي الطبي الخ.. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن اللامتناهي في الكبر حيث لابد من عرض وشرح للنظرية النسبية لآينشتين وما أعقبها من نظريات على يد علماء فطاحل من طراز ستيفن هوكينغ وليونارد سيسكند ونظريات من نوع النظرية أم ونظرية الاوتار الفائقة وغيرها، والتي تبحث في المستوى الماكروسكوبي أي النظام الشمسي والنجوم والمجرات والأكوان الأخرى والأبعاد الكبيرة.