مجدي ابراهيمقراءة العراقي لكتاب الجزار

في إطار قُرب الانتهاء من الكتاب التذكاري الذي أزمعت نخبة من أساتذة الجامعات المصرية القيام به تحيةً للأستاذ الدكتور أحمد محمود الجزار أستاذ الفلسفة، وعميد كلية الآداب جامعة المنيا الأسبق، ومُقَرِّر لجنة الفلسفة لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين بالمجلس الأعلى للجامعات؛ نحتفي بمشاركات العديد من أساتذة الجامعات المصرية في: الإسكندرية، المنوفية، المنصورة، حلوان، القاهرة، قناة السويس، العريش، المنيا، الفيوم، أسيوط، الوادي الجديد، سوهاج، ومختلف جامعات مصر لإعداد هذا الكتاب التذكاري تحت عنوان :" الأستاذ الدكتور أحمد الجزار مُفكراً عربياً ورائداً للدراسات الصوفية؛ مَسيرةُ عَالِم وَمَسَارُ فِكْر"، وذلك لتعريف الأجيال القادمة بمنجزاته الفكرية وأعماله المتخصصة في الفلسفة الإسلامية عامة، والتصوف بوجه خاص. وقد اقتربت البحوث التي شاركت في انجاز هذا الكتاب التذكاري من الثلاثين بحثاً بين عروض للكتب التي تمّ تأليفها من قبل صاحب الكتاب وتناولت النقاط المهمة في فكره، وبين دراسات مهداه، وشهادات ذُكرت في مناقبه العلمية ومسؤولياته الإدارية؛ على اختلاف تقسيم محاور الكتاب، وبالاشتراك بين أساتذة كليات الآداب ودار العلوم وبعض المثقفين بوجه عام.

على أننا في هذه المقالة لا نعرض تفصيلاً للكتاب التذكاري بمقدار ما نعرض موضوعاً بالغاً الأهمية هو بمثابة شهادة علمية من أستاذه الأستاذ الدكتور عاطف العراقي عليه رحمة الله؛ إذْ قرأ كتاب المعرفة وكتب عنه دراسة نقدية في إطار العلاقات الثقافية المتبادلة التي نشأت واستمرت بين الأستاذ والتلميذ طيلة سنوات الطلب ثم الحصول على الماجستير والدكتوراه وما بعدهما إلى أن فارق الأستاذ طيّب الله ثراه حياتنا الفانية. وفي ظل ثقة علمية تكاد تكون منقطعة النظير كتب المرحوم الدكتور عاطف العراقي المفكر الإسلامي المعروف وأستاذ الفلسفة عن كتاب تلميذه الأقرب الأستاذ الدكتور أحمد الجزار؛ وهو في أثناء تلك الكتابة يبرز لنا من الوهلة الأولى أهم سمات الكاتب وشخصيته العلمية بروزاً يكشف الصلة الوثقى التي كانت بين العراقي والجزار، وهى بلا شك صلة امتدت في حياة العراقي، ولا زالت مستمرة بعد رحيله، وفاءً من التلميذ الأقرب لأستاذه الأكبر. ولا يكادُ يكون مثل هذا الوفاء موجوداً ذا أثر بين كثيرين، ولكنه عند الجزار علامة فارقة دالة على شخصيته وسمة بارزة يلحظها كل من يتعامل معه عن قرب.

أنا أفهم أن يكتب التلميذ عن أستاذه إجلالاً لقيمته العلمية واقتداءً بحياته الشخصية وأعجاباً بمآثره ومنجزاته الثقافية على التعميم، ولكن أن يكتب الأستاذ دراسات عن تلميذه، ويبرز أهم الخصائص التي يضمُّها عمل من أعماله، والمزايا التي يشملها منجزه الفكري؛ فهذا كله يكشف عن بعدين:

البعد الأول: معرفة الأستاذ لتلميذه معرفة خاصّة تقوم على التقدير المتبادل الأمر الذي يجعل الثقة الصلة صلة روحية يغلب عليها الصدق ولا يتطرق إليها الإنكار والجحود.

البعد الثاني : يشمل الإحاطة بالأعمال العلمية التي وُفق إليها التلميذ، والدراية التامة بمنجز الأصالة والتحقيق فيها. لو لم يكن الأستاذ يرى ثمرة غرسه واضحة في تلميذه من خلال أعماله الفكرية ومنهجيته العلميّة لما آثر أن يكتب عنه كتابة تبرز الصلات الروحية المتَبَادلة بين المعلم والتلميذ؛ ذلك الذي أصبح اليوم، بفضل جدّه واجتهاده، يحتل نفس المكانة التي كان الأستاذ يحتلها في زمنه في قلوب تلاميذه ومريديه. وأنا شخصياً أشهد : كم كان الأستاذ يشيد بفضائل تلميذه في المحافل العلمية والثقافية، ولم يكن الجزار في أكثرها من الحاضرين، كان يُقدّره في غيابه، ويرى في قلمه نموذجاً من الكتابة العلمية يحتذى في الدراسات الأكاديمية الجادة.

هذا البعد ولا شك عندي يكشف الغطاء عن فاعلية القيم وانتقالها من جيل إلى جيل، ومن نفس إلى نفس من طريق ذوق الصحبة الطيبة، والإخلاص في الأعمال، والتعامل مع الآخرين بصدق وأريحية، ومن طريق فهم متبادل مشترك لا يشق له غبار لقضايا العصر ومشكلات الفلسفة وآراء المذاهب والأفكار.

وفي ضوء هذين البعدين يمكننا تناول الدراسة التي كتبها أستاذنا الدكتور عاطف العراقي، عليه رحمه الله، عن كتاب المعرفة عند أبي سعيد ابن أبي الخير من تأليف الدكتور أحمد الجزار؛ وذلك في الفصل العاشر من كتابه: "ثورة النقد في الفلسفة والأدب والسياسة"، (الصفحات 740 - 749). وقد مهّدَ العراقي في مطلع دراسته بعبارات دقيقة تدل من الوهلة الأولى على البعد الأول الذي ذكرناه فيما تقدّم وهو الذي يلمس عن قرب معرفة الأستاذ لتلميذه معرفة خاصّة يمكن من خلالها أن يكون أقدر الناس حديثاً عنه وعن أعماله العلمية :" قد لا أكون مبالغاً إذا أنا قلتُ : إنّ المهتمين بالفكر الفلسفي العربي، والتصوف الإسلامي على وجه الخصوص سيحتفلون بهذا الكتاب احتفالاً كبيراً . إنّ هذا الكتاب يعدُّ من الكتب الجادة الأمينة والموضوعية، بذل فيه مؤلفنا الدكتور أحمد الجزار جهداً، وجهداً كبيراً، ورجع فيه إلى العديد من المصادر والمراجع العامة، والتي أشار إليها، مما يدلنا على أمانته العلمية وموضوعيته في البحث والدراسة، وخاصّة ونحن في وقت انتشرت فيه السرقات العلمية، وأنكر فيه أشباه الدراسين، ما للمؤلفين السابقين، من أفضالٍ على من عاشوا بعدهم".

فالملاحظ أن العراقي - طيّب الله ثراه - وهو يقرأ كتاب المعرفة لمؤلفه الدكتور أحمد الجزار إنما يقرّر قيمة من القيم العلمية ليثبّت أمام الأذهان فضيلة باقية هى الفضيلة التي لا يجوز أن يمضي البحث العلمي في طريقه على خطى ثابتة ما لم تُقرَّر سلفاً في عقول القائمين عليه. ولا شك هى الأمانة العلمية والموضوعية في البحث والدراسة. وهما ركنان ثابتان في كل عمل عقلي أو منجز علمي يدفعان الباحث دفعاً فيما لو توخّاهُما إلى اقتران العلم بالفضيلة وتوحيد النظرية مع التطبيق، وبخاصة في ظل انتشار السرقات العلمية التي شاعت مع شديد الأسف بين طلاب البحث العلمي الأمر الذي يخرّج نسخاً مشوهة : أشباه لصقاء ولا يخرج دراسين نبلاء.

فإنّ الذي توافر عليه "الجزار" جدية العمل وجهد المثابرة في التصنيف مع أمانة علمية، وموضوعية في البحث والدراسة. و هذه الصفات هى فضائل العمل العلمي تعكس شخصية صاحبها أولاً بمقدار ما تنعكس بالإيجاب في محراب التعليم على تلاميذه وطلابه ولمن يوالي التدريس لهم من ذوى الثقافات المتخصصة أو الثقافة العامة.

وفي المقابل؛ لا تجد إلّا الفساد العلمي والخُلقي، وإلّا الدعوى العريضة لا يقوم عليها دليل، لدى من اعتمدوا السرقات العلمية، واستحلوا السطو على أعمال الآخرين في عصور ندعوها عبطاً وغفلة بعصور التقدُّم والازدهار، وهى تحمل في الحقيقة كل الصفات الموبوءة، ولا تحمل صفة واحدة تهيء للقيمة وجودها، وأقلُّ ما يُقال فيها : إنكار ما للسابقين من أفضال على من عاشوا بعدهم. وإذن؛ ففي غيبة القيم يشيعُ الفساد.

ثم ينطلق العراقي إلى الحديث المفصل عن الكتاب الذي يقع في (197) صفحة، إذْ يتضمّن مقدمة وثلاث فصول على الوجه التالي :

الفصل الأول : المعرفة بين الوهب والكسب.

الفصل الثاني : المعرفة والولاية.

الفصل الثالث : المعرفة والفناء.

فصولٌ مقسمة تقسيماً هندسياً، محددة العناصر مبينة الأغراض، يسبقها مقدّمة منهجية. ولم تكن الإشادة بهذا الكتاب من جانب الدكتور عاطف العراقي مجرد تقريظ يأتي كيفما أتفق، ولكنها إشادة مؤسسة على دلائل من فحص العمل العلمي، ملموس فيه " الجهد الأكاديمي البارز الذي قام به المؤلف، ولا تكاد صفحة من صفحات الكتاب؛ هكذا يقول العراقي، تخلو من أسماء عديد المصادر والمراجع فهو بحق يعدُّ نموذجاً يحتذى في الدراسات الأكاديمية الجادة؛ فمؤلفه الدكتور أحمد الجزار ينتقل بثقة ويقين من صفحة إلى صفحة بعد أن قرأ مئات المراجع في موضوعه".

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

عبد الحسين شعباناستعدت وأنا أقرأ السردية الممتعة التي كتبها الدكتور طارق يوسف اسماعيل والموسومة "من زوايا الذاكرة ؛على هامش ثورة 14 تموز عام 1958"، كتابه الأثير عن "الحزب الشيوعي العراقي" The Rise and Fall of the Communist Party of Iraq: Evolution and Transformation الذي صدر عن جامعة كامبريدج، العام 2008، بل كتاباته عن الحركة الشيوعية العربية، فهو من الأكاديميين الذين لهم باع طويل في البحث العلمي والذي خصّص مساحة كبيرة منه لليسار العربي بشكل عام.

ومن أبرز مؤلفاته على هذا الصعيد كتابه عن الحركة الشيوعية المصرية The Communist Movement in Egypt, 1920-1988, الذي صدر عن جامعة سيراكيوز للإعلام، العام 1990، والحزب الشيوعي السوداني The Sudanese Communist Party: Ideology and Party Politics الصادر في لندن عن Routledge العام 2012، والحركة الشيوعية في العالم العربي The Communist Movement in the Arab World الصادر عن Routledge العام 2004، والحركة الشيوعية في سوريا ولبنان The Communist Movement in Syria and Lebanon الصادر عن جامعة فلوريدا العام 1998، وغيرها من الكتب التي لها علاقة بالسياسة والحكم في الشرق الأوسط المعاصر، بما فيها كتابه عن "الاستمرارية والتغيير في الشرق الأوسط المعاصر"، الصادر العام 2012 Government and Politics of the Contemporary Middle East: Continuity and Change وآخر إنتاجه العلمي Iraq in the twenty- first century: Regime Change and the Making of a Failed State , Routledge,2015 والذي عالج فيه آثار الاحتلال الأمريكي للعراق وتحويله إلى دولة فاشلة.

وصديقنا الأكاديمي والمفكّر طارق يوسف اسماعيل وإنْ كتب عن اليسار، وحتى لو تعاطف معه، فلم يكن يوماً من الأيام قد عمل في صفوفه أو جزء منه، لكنه كتب بعقل المؤرخ ولغة الباحث السسيولوجي والخبير والمختص بعلوم السياسة والعلاقات الدولية، وهكذا بحث في شؤون وشجون اليسار العراقي والعربي من منظور منفتح ودون إسقاطات أو رغبات إرادوية، ولعلّ كتابه " من زوايا الذاكرة - على هامش ثورة 14 تموز 1958" الذي سيكون بيد القارئ العراقي والعربي، وإن كان تعبيراً عن تجربة شخصية وحياتية، وخلجات روح وطنية توّاقة إلى الحقيقة، فإنه في الوقت نفسه جزء من التاريخ السسيولوجي لمجتمعاتنا وصراعات قواه السياسية وتياراته الفكرية والدينية وتنوّع قومياته وإثنياته ولغاته، وذلك لأن تاريخ اليسار العراقي والحركة الشيوعية بشكل خاص هو جزء لا يتجزأ من تاريخ الدولة العراقية، التي لا يمكن الحديث عنها وعن المجتمع العراقي دون المجيء على ذكرهما.

وبهذا المعنى فإن أي بحث عن اليسار سيقود بالضرورة إلى أروقة الدولة ومؤسساتها وقوانينها وطبيعة نظامها السياسي وممارساتها، تلك التي سيكون مواقفه منها في الصميم من تكويناتها، مثلما سيكون موقف الدولة من اليسار بمؤشراته السلبية أو الإيجابية جزء من معايير الحكم عليها، خصوصاً وإن اليسار بشقه الماركسي وعلى مدى تاريخ الدولة العراقية، لم يعرف العمل العلني الشرعي والقانوني إلّا باستثناءات محدودة جداً، وتعرّض لتصفيات وتشويهات كثيرة ومتنوّعة دون نسيان أخطائه وعيوبه بالطبع.

إن الصورة التي ترسمها زوايا ذاكرة اسماعيل الخصبة والطريّة تظهر على نحو جلي وواضح، دور اليسار العراقي في صعوده ونزوله وتمدّده وانحساره ونجاحاته وإخفاقاته على مدى تاريخه، ويجب أن لا ننسى أن مدرسة اليسار العراقي كانت قد خرّجت أو أثّرت في طواقم من المثقفين العضويين بتعبير المفكر الماركسي الإيطالي انطونيو غرامشي، ممن كان لهم دور كبير في أربعينات وخمسينات القرن الماضي وجلّهم من أصدقاء طارق اسماعيل الذين ترد أسماؤهم في متن الكتاب، لاسيّما مساهمتهم في الحركة الشعبية والمنظمات المهنية المدنية والسلمية وأنشطتها المختلفة، تلك التي انضوت تحت لواء جبهة الاتحاد الوطني التي انعقدت في 7 آذار (مارس) العام 1957، والتي كان سكرتيرها وكاتب بيانها التأسيسي ابراهيم كبّه الذي ارتبط مع اسماعيل بصداقة خاصة، سواء حين كان وزيراً، أو بعد ذلك في إطار عمل جامعي وأكاديمي يوم عمل طارق اسماعيل استاذاً زائراً في جامعة بغداد، وكان تأسيس جبهة الاتحاد الوطني قد مهّد لمجموعة الضباط الأحرار للقيام بالثورة في 14 تموز (يوليو) 1958 بعد أن تأكدت من تأييد القوى الوطنية المتحالفة في دعمها وبالتنسيق معها.

II

تضيء زوايا ذاكرة طارق اسماعيل، الثورة العراقية منذ اللحظة الأولى لذلك الصباح التموزي المتميّز، حين اصطحبه صديقه الملازم عبد الكريم جاسم إلى دار الإذاعة ليتعرّف على العقيد عبد السلام محمد عارف، وليبدأ رحلة متميّزة وأثيرة من العمل الوظيفي بالقرب من الزعيم عبد الكريم قاسم بعد أن كان قد تخرّج من دار المعلمين العالية عشية الثورة واستلم شهادته من الملك فيصل الثاني، الذي كان أول الضحايا صبيحة الثورة، وتلك إحدى مفارقات التاريخ.

وشهدت الثورة أحداثاً جساماً منذ لحظاتها الأولى، لاسيّما بتصفية العائلة المالكة وما رافق ذلك من أعمال عنف طالت بعض رموز العهد الملكي، مثلما حصل للأمير عبد الإله الذي تم سحله، ثم علّقت جثته في منطقة الكرخ قرب جسر الشهداء، وبعدها تم تقطيع أوصاله في مشهد سادي شديد الوحشية ولا مثيل له، وجثة نوري السعيد التي حصل لها ما حصل للأمير عبد الإله، وذلك بعد يومين من انتصار الثورة (16 تموز/يوليو/1958).

وتركت تلك الأحداث تأثيراتها السلبية على مسار الثورة وتطوّرها والصراعات داخلها، كما أتتها رياح التأثير من خارجها إقليمياً وعربياً ودولياً. وللأسف فإن الثورة دشّنت باكورة أعمالها بالدم، وهو المشهد الذي غطّى على الكثير من منجزاتها وشوّش عليها، ووضعها في حالة دفاع عن النفس، وضاع العديد من المكتسبات في ظلّ ضبابية المشهد وغياب الوحدة الوطنية وتفكك جبهة الاتحاد الوطني .

وبغض النظر عن دموية المشهد واندلاع الصراع الداخلي المحموم فإن الثورة حققت عدداً من المكاسب التاريخية منها الانسحاب من حلف بغداد الاستعماري والمعاهدات غير المتكافئة مع بريطانيا والولايات المتحدة وتحرير العملة العراقية من نظام الكتلة الاسترلينية وإطلاق الحريات في الأشهر الأولى من عمرها، وإصدار قانون الأحوال الشخصية رقم 88 العام 1959، الذي كان خطوة متقدمة لمساواة المرأة بالرجل، وغيرها من الإجراءات التقدمية المهمة، وفيما بعد خطت الثورة خطوات وطنية كبرى مثل تحرير الثروة النفطية من الاحتكارات بإصدار قانون رقم 80 لعام 1961.

ولعلّ تلك الخطوات هي التي دفعت القوى الإمبريالية للإطاحة بنظام قاسم والعمل على تقويض الوحدة الوطنية، خصوصاً بالصراع بين الشيوعيين والقوميين، وكان أحد أوجهه ما حصل في الموصل وكركوك من ارتكابات، وينقل لنا مؤلف الكتاب بعض المشاهد الحيّة من داخل منصة الحكم كما يقال، منها حركة العقيد عبد الوهاب الشوّاف وملابساتها، بما فيها ضيق صدر الزعيم عبد الكريم قاسم من الشيوعيين، وخصوصاً بعد مسيرة الأول من أيار (مايو) 1959 " المليونية" التي رفع بها الحزب شعار "المشاركة بالحكم" بالضغط على قاسم من الشارع، وكانت تلك إحدى مؤشرات تدهور العلاقة بين الطرفين، وانتهاء ما سمّي بفترة "المدّ الثوري" التي استمرّت من آذار (مارس) ولغاية تموز(يوليو)1959.

ولم ينسَ طارق وهو يتناول بعض منجزات الثورة أن يستعيد تلك الثنائية التي تكاد تكون متلازمة سلباً أو إيجاباً بين اليسار الماركسي واليسار القومي، فكل حديث عن اليسار يتفرّع حتى دون رغبة في ذلك إلى شق ماركسي وآخر قومي، وإن اتسمت علاقتهما بحساسية خاصة شابها في معظم الأحيان منافسة مشروعة وغير مشروعة، أخذت بُعداً إقصائياً وإلغائياً وتهميشياً، ولاسيّما بعد ثورة 14 تموز(يوليو) 1958، وقد حاول أن يتوقف عند العديد من محطاتها المعلومة وغير المعلومة، وأن يستذكر أحداثها بما لها وما عليها، بحلوها ومرّها، محاولاً أن ينظر إليها بعد تلكم السنون بشيء من الموضوعية والإنصاف والتجرّد.

وكانت تلك الثنائية العجيبة بين اليساريين تسير في طريق شاق ومرهق ووعر، انتقل من التحالف إلى الاقتتال، ثم إلى التحالف والاحتراب مرّة أخرى، ومن الصداقة والتضامن والعمل المشترك إلى التشكيك والاتهام والتخوين، ومن التقارب في الأهداف إلى التباعد في الوسائل، ومن المُشتركات إلى المُختلفات، وهو الأمر الذي كانت خسارته فادحة على الإثنين وعلى الدولة والمجتمع في العراق الذي دفع ثمنه باهظاً.

III

وللأسف فإن العزل السياسي اتخذ أشكالاً مختلفة في العراق، ففي العهد الملكي كانت القوانين ذات العقوبات الغليظة قد خصّت الشيوعيين بالتأثيم ومنه إلى التحريم والتجريم، لاسيّما بعد قيام حلف بغداد العام 1955، ولكن في العهد الجمهوري الأول وحين هيمن الحزب الشيوعي على الشارع، ولاسيّما بعد حركة الشواف (آذار/مارس/1959) اتخذ من الإرهاب الفكري وسيلة ضد خصومه القوميين والبعثيين (حلفاء الأمس) الذين رموا كل بيضهم في سلّة جمال عبد الناصر الذي صعّد من عدائه لنظام عبد الكريم قاسم، مثلما حاولت القوى الإمبريالية وحلفائها العمل بكل ما تسنى لها لإعادة حصان تموز (يوليو) الجامح إلى "الحظيرة ".

وحين وصل حزب البعث العربي الإشتراكي إلى السلطة بعد الانقلاب الدموي في 8 شباط (فبراير) 1963، انتقم من الحزب الشيوعي، بل أصدر بياناً برقم 13 من مجلس قيادة الثورة (المجلس الوطني) شرّع فيه إبادتهم، وشهدت مقرات الحرس القومي ودوائر الأمن ومراكز الاعتقال حملات غير مألوفة من حيث الحجم وأساليب التعذيب والتفلّت من القوانين، ناهيك عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وتراجع عن منجزات الثورة.

أما في العهد الجمهوري الثالث (العارفي) فقد احتكر التنظيم الوحيد "الاتحاد الاشتراكي العربي" حق العمل الحزبي القانوني والشرعي، وتم تحريم العمل السياسي للشيوعيين والبعثيين والحركة الكردية .

وبعد انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 (الجمهورية الرابعة) ومجيء حزب البعث مجدداً إلى السلطة، شهدت البلاد انفراجاً نسبياً والتأمت بعض التحالفات المؤقتة والقلقة، حسبما بيّنت التجربة بين حزب البعث والحركة الكردية (1970) وبينه وبين الحزب الشيوعي (1973)، لكنها سرعان ما تهاوت، وكان العمل شبه العلني مجرد اتفاقات فوقية لم ينظمه قانوناً للأحزاب.

وظل حزب البعث يتحكم بمقاليد الأمور ويقبض على جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وفقاً لصيغة "مجلس قيادة الثورة" المقرّة دستورياً، وكانت القوى التي تحالفت معه قد ارتضت به قائداً للدولة والمجتمع والسلطة السياسية ولصيغة تحالفاتها، فاستدار بالبلاد سريعاً نحو احتكار العمل السياسي والنقابي والمهني وتحريمه على الجميع، واتخذ قرارات بالقضاء على خصومه، حيث أصدر قراراً من مجلس قيادة الثورة بتحريم حزب الدعوة (العميل) كما ورد في النص في 31 آذار/مارس 1980، مثلما اتخذ قراراً (داخلياً) بتحديد العام 1980 موعداً للقضاء على الحزب الشيوعي، وامتدت إجراءاته التعسفية تلك إلى داخل حزب البعث نفسه فأطاحت ببعض قياداته في مجزرة قاعة الخلد الشهيرة العام 1979.

وللأسف فإن حكومات ما بعد الاحتلال استمرت، في منهج تحريم العمل السياسي على الخصوم، حيث اعتمد قرار الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر بتحريم حزب البعث بالقرار رقم 1 في 16 أيار (مايو) 2003 القاضي باجتثاث البعث، والذي استمر لحين صدور قانون المساءلة والعدالة وهو قانون أقره البرلمان العراقي في 12 كانون الثاني (يناير) 2008 بديلا لقانون اجتثاث البعث، ويتضمن إجراءات أقل صرامة تجاه أعضاء المراتب الدنيا من الحزب.

ولم تستفد القوى السياسية جميعها من الدرس التاريخي والتجربة المريرة التي عاشتها. وكلما جاء عهد حتى انتقم من سابقه، وهكذا استمرّت دورة العزل السياسي وتلك التركة الثقيلة في العهود المتعاقبة والمستمرة حتى تاريخنا هذا .

ولعلّ هذه الفقرة الاستدلالية لها علاقة بمذكرات طارق يوسف اسماعيل، فما أن يأتي بحادثة تخص أحد الفريقين اليساريين إلّا ويكون الفريق الثاني حاضراً فيها اتفاقاً وإن كان قليلاً واختلافاً في الغالب، ولاسيّما عقب ثورة 14 تموز/يوليو 1958 التي يعتبر المؤلف أحد شهودها والحاضرين فيها، بل ويمكن اعتبار ما يرويه من مؤرخيها .

وعلى الرغم من صغر سنّه وبداية تجربته الإدارية، لاسيّما بالقرب من الموقع الأول في الدولة، إلّا أنه لعب دوراً مهماً فيها حتى وإن كان موقع تنفيذي، لكنه كان قريباً من صاحب القرار ومؤثراً فيه، مع أنه لا يدعي ولا يزعم ذلك تواضعاً، لكن بعض تلميحات أو إشارات يأتي عليها بسرعة، إلّا أن دلالاتها كبيرة بالنسبة لكاتب السطور وأظنّها ستكون للقارئ والمتابع حين نستعيد عفوية تلك الأيام وبساطتها وحميمية أطرافها، مؤسسات وقوى وأفراداً، وهو ما سيكتشفه قارئ هذه المذكرات الشائقة.

IV

كنتُ أتابع ما يكتب طارق اسماعيل قبل أن ألتقيه، وكان قد درس في النجف في متوسطة الخورنق، أما الثانوية فقد أنهاها في الحلة، مثلما عاش مع عائلته في أبي صخير الذي كان عمي د. عبد الأمير شعبان طبيباً فيها، وكنا نقضي بعض أوقات العطل وأيام الأعياد عنده، علماً بان والد طارق عمل في سلك الشرطة وتولّى مناصب عديدة معظمها في الفرات الأوسط في الكوفة وسدّة الهندية والسماوة والرميثة، إضافة إلى أبي صخير.

وكان والده قد تخرّج من مدرسة الصنائع، وكما يقول عنه طارق كان قريباً من الحركة الوطنية، حيث كان يتعاطف مع حزب الإخاء الوطني وجماعة الأهالي لاحقاً، ثم اقترب من " الحزب الوطني الديمقراطي" وإنْ احتسب على الشيوعيين بعد الثورة، لكنه لم يمارس العمل السياسي ولم ينخرط مع أي مجموعة سياسية، ومع ذلك أحيل على التقاعد بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963، وكان طارق متأثراً بجدّه اسماعيل الضابط في الجيش العثماني مثلما تأثر بوالدته الكردية التي يتحدث عنها بإعجاب كبير، وبقدر اعتزازه بنسبه الحسيني الذي تعود أصوله إلى اليمن، فهو " مشبّك العروق" حسب تعبير الجواهري الكبير عن نفسه لتداخله مع سلالات وأقوام عديدة، ومن هنا ينبع شعوره الإنساني، باحترام الخصوصيات والهويّات الفرعية، الدينية والإثنية واللغوية.

ومثلما كنت أتابع طارق، فهو الآخر كان يتابع ما أكتب، ووجد كل منّا "شراكة" مع الآخر كما عبّر عن ذلك في مقدمة هذا الكتاب، لاسيّما في بعض الاستنتاجات والآراء، خصوصاً وأن الخلفية الأكاديمية والوطنية العراقية هي التي تجمعنا، وخلال لقاءاتي العديدة مع طارق في لندن والقاهرة وأنقرة وبيروت وغيرها، وفي مؤتمرات متعدّدة لجامعات ومنتديات فكرية مختلفة، إضافة إلى الرابطة الدولية للدراسات العراقية التي عمل على تأسيسها، كنت في كل لقاء أسمع منه بعض ما اختزن في زوايا ذاكرته من علاقة مع قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم الذي عمل بصحبته، إضافة إلى علاقاته مع العديد من قياداتها والزعامات السياسية والفكرية والثقافية، دون أن ننسى أنه عمل في العديد من الصحف وفي الإذاعة وفي الإعلام، وما كان مشوّقاً حقاً، هو بعض الصور التي حفّزته أسئلتي على استحضارها، في لقاء الجامعة الأمريكية في القاهرة في العام 2015.

وكنت في كلّ مرّة أحثّه وأطالبه، بل ألحّ عليه بتدوين مذكراته، وهو ما حصل بعد تردّد وعناء، وحين أكمل كتابتها وأرسلها إليّ لكتابة مقدمة لها، وبعد الانتهاء من قراءتي لها وجدتها غنيّة وشائقة، بل أكثر عمقاً وثراءً مما كنت أتوقّعه، فضلاً عن موضوعيتها، ولعلّ طول المران وكثر المراس على العمل الأكاديمي جعلته أكثر عدالة واعتدالاً، خصوصاً وهو ينطلق من وطنية صافية وروح إنسانية نقية، وتلك إحدى صفاته الشخصية والعامة، ناهيك عن تسامحه ومرحه، وطارق اسماعيل ليس من النوع الذي يحبّ الظهور والمباهاة، بل هو شديد الحرص على تقديم أهم وأكبر الأشياء بطريقة مبسّطة، فالأشياء البسيطة هي الأكثر تميّزاً وطبيعية .

وبعد أن التهمت عيوني حروفه الفضّية شعرت بكل بساطة بأنني أمام إنسان كبير بسجاياه الشخصية ودماثة أخلاقه وغزارة علمه، فالإنسان حين يكون كبيراً يزداد تواضعاً، وذلك هو علو الشأن الحقيقي وارتفاع الكعب دون شعور بالتبجّح وادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، فقد قرأت نبرة طارق اسماعيل القوية لكنها دون صخب أو ضجيج، الواثقة دون تكبّر، فهو لم يرفع صوته أو ينسب أمراً إليه، بل حاول أن ينقل ما رآه وشاهده وسمعه وعاشه، حين كان قريباً من موقع الثورة الأول، وكأني به أستذكر جلال الدين الرومي الذي يقول " اخفض صوتك، فالزهر ينبته المطر، لا الرعد".

لقد حاول طارق أن يستذكر بعض ما حدث ومن موقع الرائي والمشاهد والشاهد وأحياناً من موقع المشارك، واكتفى في أحيان أخرى بلغة المؤرخ وتدقيق الباحث ومسؤولية الساعي للوصول إلى الحقيقة، خارج دائرة الآيديولوجيا والانحيازات الجاهزة والأحكام المسبقة، ويقول في مقدمته التي وزعها على ثلاثة أقسام :

الأول- تمهيدي يستعرض فيه كيف راودته فكرة كتابة ما يسمّيه بـ "الإرهاصات"؛      والثاني- يتناول فيه بألم أوضاع العراق بعد الاحتلال ويطلق عليه "العزيز الذي مات"، وهو الأمر الذي خبا بعد أن كان الحلم حاضراً في الإتيان بنظام يضع حدّاً للدكتاتورية والاستبداد، ويعيد للعراق وجهه المشرق كأحد شعوب الأرض المتميزة التي علّمت البشرية أولى حروف الأبجدية وعلوم القانون والفلك والطب وغيرها من دُرر الحضارة الإنسانية، وإذا به ينجرف نحو الطائفية البغيضة ونظام يقوم على الزبائنية والمغانم في إطار محاصصة مذهبية - إثنية وفي ظل احترابات خارج دائرة المواطنة ومرجعيات فوق مرجعية الدولة.

والثالث - استعاد فيه الحديث عن أوراق ضائعة وعنونه: "أيامي في بغداد"، وحاول فيه أن يجيب لماذا هذه الخواطر؟ ويسميها "خواطر" بعد أن أسماها "إرهاصات"، حيث يقول " وكنت قد تجنّبت الولوج في عالم السياسة خوفاً من أن اختصاصي الدقيق سيدفعني إلى تحليل سلوك البشر ومحاولة فهم مكنونات صانعي القرار، فضلاً عن فهم التراث والثقافة التي تتحرك فيها تلك الكائنات، فوجدتني أشعر بالحيرة وأنا أحاول أن أكون منصفاً وعلمياً" وهي حيرة الباحث الموضوعي، ولعلّه حسب ابن عربي:

الهدى بالحيرة

والحيرة حركة

والحركة حياة

لم توهن غربة طارق اسماعيل، التي زادت على نصف قرن، من روحه الوطنية الوثّابة وتعلقه بكل ما له صلة بالعراق، وكان أحياناً وعند منتصف الليل يتصل بي ليسأل عن خبر سمعه، أو ليتأكد عن حدث ما، أو ليدقق معلومة، أو ليسأل عن كتاب أو بحث أو ليلفت نظري إلى قضية ما أو مسألة مهمة، وسرعان ما يدرك "أنني كائن صباحي" وليس "كائناً مسائياً" أو " ليلياً"، فيستدرك ليغلق السماعة سريعاً، وليكتب لي ما يريد، فأجيبه قدر معرفتي ومستطاعي في اليوم التالي، وهكذا كانت الصلة والعلاقة خلال ربع القرن الماضي.

وإذا كانت المذكرات قد احتوت على زفرات من الإنفعالات والهموم التي ترك لقلمه أن يضعها على الورق، فهي ليست سوى آلام وعذابات لرجل ظلّ قلبه على وطنه في أحلك الظروف ولم يتوانَ رغم كل شيء من تقديم ما يستطيع له، وهو في الغربة، بغض النظر عن مواقفه وآرائه، وكم كان مفيداً لو استفادت الحكومات المتعاقبة من الكفاءات العراقية، خارج دائرة التصنيف المسبق الصنع الذي كان "الجميع" ضحاياه، وتنقّل بين نعيمه وجحيمه، وآن الأوان لإدراك هذه الحقيقة، وكل تجربة بنقدها، لأنه دون النقد لا تقويم حقيقي ولا معالجة للعيوب والمثالب والأخطاء، فما بالك إذا كان بعضها خطايا وآثام .

V

حين نشر طارق كتابه عن الحزب الشيوعي العراقي أبديت له بعض الملاحظات الانتقادية وتقبّلها برحابة وسعة صدر، خصوصاً ما يتعلّق ببعض خلافات الحركة الشيوعية من داخلها، لاسيّما سنوات السبعينات والثمانينات والموقف من الحرب العراقية - الإيرانية، وحركة المنبر الاحتجاجية، واستعاد بعضها بشغف بعد إصدار كتابي " عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل" - 2013 وقام بعدها بإجراء مقابلات معي ودوّن ذلك في مقالة مهمة له باللغة الانكليزية، اقتبستها لأعيد نشرها في كتاب يصدر لي عن بعض قضايا الخلاف في الحركة الشيوعية.

وطارق اسماعيل وإن لم ينتم يوماً إلى الحركة الشيوعية، لكنه يكّن لليسار احتراماً خاصاً، لأنه يراه يمثل القوى الأكثر مدنية وتحضراً وثقافة وحبّاً للحياة والجمال والعمران ومناهضة الاستغلال والدعوة للمساواة والعدالة الاجتماعية، خصوصاً وإن القسم الأكبر من صداقاته القديمة كانت مع مفكرين وأكاديميين ومثقفين يساريين وتزخر المذكرات بأسماء عديدة مثل بلند الحيدري وبدر شاكر السياب ويوسف العاني وخالد الجادر وابراهيم جلال وفؤاد التكرلي وسليم الفخري وابراهيم كبه وحسين مردان، لكن ذلك الموقف الشديد الاحترام لليسار العراقي، لم ينسه بعض أخطائه، بل حاول أن يذكّر بها، ولعلّ الخطأ الأكبر عنده هو موقف الحزب الشيوعي من الاحتلال الأمريكي والتعاون مع مجلس الحكم الانتقالي، وحسب رأيه إن ذلك أضعف الحزب الشيوعي، فما الذي سيتبقى من الماركسية؟

ويكتب باعتزاز عن تاريخ الحزب الشيوعي الذي يقول عنه إنه شق طريقه في النشاط الطليعي خلال القرن العشرين كلّه، ودعا إلى دولة عصرية مستقلة واتخذ مواقف سياسية رصينة وطرح قضايا اجتماعية واقتصادية جذرية وقدّم حلولاً ومعالجات مهمة، وقاد تحركات شعبية كبرى وعبّأ الجماهير للدفاع عن حقوقها، لكن موقفه من دعوة بول بريمر الانضمام إلى مجلس الحكم الانتقالي عصفت بتلك التجربة والدور الطليعي الذي قام به.

وبالعودة إلى تقييمه الإيجابي للفكر اليساري الماركسي ولعمل الحركة الشيوعية فإن كتابه يعدّ مرجعاً للحركة الشيوعية، بل لا غنى عنه، وقد استعرض فيه تاريخ الحركة منذ التأسيس وحتى السنوات الأخيرة، ما قبل الاحتلال وما بعده. وقد استكمل ذلك بمقطع مهم عن حركة المنبر، نشره في مجلة المستقبل العربي، العدد 439، أيلول ( سبتمبر)، 2015 تحت عنوان "حركة المنبر الشيوعية: بين التبشير والتنوير!"

وكنت قد عرّفت بهذه المقالة بالقول" أعتقد أن ما كتبه د. طارق اسماعيل سيسدّ فراغاً في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية المدوّن وغير المدوّن ولحقبة مهمة من تاريخ العراق، وتأتي هذه الدراسة، بعد نحو ثلاثة عقود من الزمان على انطلاقة المنبر، وبعد نحو ربع قرن على توقف عملها، لتكشف بالوثائق تفاصيل حركة المنبر وتسلّط الضوء على منطلقاتها ومطبوعاتها، كجزء من تاريخ الحزب الشيوعي، وذلك خدمة للحقيقة والتاريخ."

وقبل أن أنهي هذه الفقرة وأنا أعرّف بالكتاب والمذكرات وبالمؤلف أنقل ما ذكره ثلاثة من الخبراء بشأن كتاب طارق اسماعيل عن الحزب الشيوعي :

تقريض كلين رانكوالا - كلية ترنتي - كامبرج

دوّن طارق اسماعيل تأريخ قيّم للفكر السياسي التقدمي العلماني للسنوات المئة الماضية، من خلال التحليل المنسجم والدقيق والمحايد، كيف أن حزباً جماهيرياً بمثله العليا وبالتصاقه بآمال وتطلعات الجماهير، قد تفسّخ تحت ثقل الاضطهاد والظلم والسياسة الدولية وحماقات قادته.

واطلعنا اسماعيل على التركة الفكرية الهامة والحيّة في ضمير الشعب العراقي، تعي جيداً بأن السياسة هي ليست ببساطة الخيار بين طغيان صدام حسن والاحتلال الأمريكي.

 

تقريض جارلس تريب- جامعة لندن

إنه عمل يعج بالحراك والتفاصيل عن صعود وسقوط الحزب الشيوعي العراقي. لقد لامس البروفسور اسماعيل النضالات والصراعات الفكرية التي واجهت العراقيين الذين أصرّوا على تغيير الظروف الاجتماعية المتردية لمواطنيهم وعلى تخليص بلدهم من السيطرة الخارجية، لتأسيس حكم ديمقراطي اشتراكي.

أظهر هذا العمل إلى العلن المعارك الأيديولوجية والفكرية للحزب الشيوعي العراقي، من خلال سلسلة من المقابلات مع عدد من الذين عايشوا النضال ومن مذكرات آخرين فضلاً عن أدبيات ووثائق الحزب ومصادر صحفية .

أظهر هذا البحث، المأزق الذي وصل إليه الحزب الشيوعي العراقي، بحيث لم يكن بإمكانه أن يتساوق لا مع قوة دولة عدوانية ولا مع الكفاءة التعبوية لمناصريه مما أجبره على المساومة التي هدّدت كيانه ووجوده.

تقريض أريك ديفز- جامعة روتجرس

إنه أول دراسة باللغة الإنكليزية عن الحزب الشيوعي العراقي، الذي هو واحد من أكثر الأحزاب السياسية قوة وشهرة في العالم العربي . باعتماد مصادر عديدة ومقابلات مكثفة لعراقيين ذوو خبرة عميقة في معرفة الحزب، فإن البروفسور اسماعيل أظهر لنا كيف أن الحزب قد جذب أعضاء كان اهتمامهم بالماركسية أقلّ من تأكيدهم على العدالة الاجتماعية وعلى معاداة الطائفية.

لقد أظهرت هذه الدراسة أن موقف الحزب الشيوعي العراقي من المناطقية والطائفية، جعلت منه الحزب الجماهيري الوطني الحقيقي الوحيد بين الأحزاب الجماهيرية الأخرى. كما أنه بيّنت أن الحزب الشيوعي العراقي قد استمر في نهجه بالتعاون فيما بين كل العراقيين من مختلف الانتماءات الإثنية في نظام ما بعد البعث.

وأود هنا أن أعرّج على ما دوّنه القيادي الشيوعي العراقي السابق حسقيل قوجمان بشأن انطباعاته عن كتاب طارق اسماعيل، الذي يعتبره أفضل كتاب يعبّر عن تاريخ الحزب الشيوعي تعبيراً صادقاً، ويشدّد على كونه أروع ما كُتب ويدعو لترجمته للغة العربية (موقع الحوار المتمدن، 24 أيلول/سبتمبر/2009)، وكنت قد ذهبت بذات الاتجاه حين اعتبرت كتاب طارق اسماعيل من أهم الكتب عن تاريخ الحركة الشيوعية .

ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أن تاريخ الحزب ليس من السهولة كتابته أو اختزاله أو حصره بمرجعية واحدة ووحيدة فهو متنوّع ومتشعّب وعويص، علماً بأن المؤتمر الثاني للحزب (العام 1970) قرر تكليف لجنة لهذا الغرض، لكن هذه المهمة لم يتم انجازها وهو ما يذهب إليه عبد الرزاق الصافي، على الرغم من تكليف رسمي لـ عزيز السباهي لاحقاً وتوفير المستلزمات الضرورية لقيامه بهذه المهمة، لكن ما أنجزه حتى وإن كان يمثّل الجناح الرسمي، لكنه كان يمثّل في الوقت نفسه وجهة نظر خاصة، وسرعان ما وردت عليه ردود فعل وملاحظات حادّة وشهد شدّاً وجذباً، حتى أن أحد إدارييّ الحزب السابقين كتب كتاباً تضمن قراءة نقدية لكتاب السباهي، وعنوان الكتاب الأول "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" وصدر عن مجلة الثقافة الجديدة، العام 2002، أما الكتاب الثاني فقد حمل عنوان " قراءة في كتاب عزيز السباهي" وصدر في العام 2007 وهو من تأليف جاسم الحلوائي.

وبتقديري إن ثلاث جهات حاولت كتابة تاريخ الحزب ولكل أغراضه:

أولها - حزبية من داخل الحزب أو كانت قد عملت في صفوفه ومن هذه الكتابات كتابي سعاد خيري وزكي خيري وهما " فهد والنهج الماركسي - اللينيني في قضايا الثورة، بغداد 1972". أما الكتاب الثاني فهو " دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، دمشق، 1984"، وكتابات ابراهيم علّاوي (نجم محمود)، وخصوصاً كتابيه " الصراع في الحزب الشيوعي العراقي وقضايا الخلاف في الحركة الشيوعية" و" الخلاف السوفيتي - الصيني وأثره على الحزب الشيوعي العراقي"، وهناك كتابات أخرى لبعض إداري الحزب السابقين ويمكن الإشارة هنا إلى كتاب نصف قرن من النضال الوطني والطبقي الصادر عن منشورات الحزب الشيوعي، القيادة المركزية، العام 1984.

وثانيها- مؤلفات أكاديمية من خارج الحزب، بما فيها بعض أطاريح الماجستير والدكتوراه وأهمها كتاب حنّا بطاطو عن العراق وهو يتألف من 3 أجزاء، وقام بترجمته عفيف الرزّاز، خصوصاً الجزء الثاني الموسوم " الحزب الشيوعي" ط2، 1996 والجزء الثالث المعنون " الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار"، ط2، 1999، وصدر عن مؤسسة الأبحاث العربية، وقد خصص جزءًا مهما منها لتاريخ الحركة الشيوعية وأجزاء اتصالات بعدد من إداري الحزب السابقين، كما اطلع على وثائق الأمن العام والتحقيقات الجنائية السابقة.

وثالثها- ما كتبه بعض المعادين للحزب الشيوعي والشيوعية أو المرتدين عليه، وأهم الكتب في هذا الميدان كتاب سمير عبد الكريم، وهو اسم وهمي وصدر لدار نشر وهمية، ويبدو أن أجهزة المخابرات العراقية هي من قامت بترويجه مع مجموعة كراريس أخرى في أواخر السبعينات والثمانينات وما بعدها. وكتاب مالك سيف " للتاريخ لسان" الذي صدر في العام 1983، وورد في مقدمته أنه ذكريات وقضايا بالحزب الشيوعي منذ تأسيسه حتى تاريخ صدوره .

ويأتي كتاب طارق يوسف اسماعيل ليسدّ نقصاً كبيراً في المكتبة العراقية بشكل عام واليسارية بشكل خاص لما احتوى عليه من معلومات وتدقيقات وما قام به من جهد بإجراء مقابلات حيّة، فضلاً عن موضوعيته، حيث استند إلى المواقف المختلفة من مصادرها الأصلية وعلى لسان أصحابها، لذلك يستحق مثل هذا الاهتمام الكبير، علماً بأن طبعته الجديدة ستتضمن إضافات ومعالجات ووثائق لبعض قضايا الخلاف لم يتم التطرّق إليها في الطبعة الأولى كما وردت الإشارة إليه، وهو ما يعدّه للطبعة العربية حالياً.

VI

كان طارق اسماعيل تلميذاً نجيباً لعلي الوردي وعلي جواد الطاهر، اللذان كانا من أوائل الذين أثرّوا في مشواره الأكاديمي الطويل والعويص والمتشابك، وحاول بما اكتسبه من معارف وعلوم لاحقة أن يتبع منهجاً وضعياً تاريخياً في تناول الأحداث الاجتماعية، بما يعطيها دلالات أكثر حيوية، بل يجعلها أكثر اقتراباً من نبض الحياة ذاتها، ومثل هذا المنهج استخدمه في علوم السياسة والعلاقات الدولية، التي درّس فيها في العديد من الجامعات العربية والأجنبية، في الولايات المتحدة وكندا والجامعة الأمريكية في بيروت والقاهرة وجامعة بغداد كأستاذ زائر.

ووفاء منه لذكرى علي الوردي فقد بادر في إطار الجمعية الدولية لدراسات الشرق الأوسط والرابطة الدولية للدراسات العراقية المعاصرة وبالتعاون مع الجامعة الأمريكية في بيروت AUB إلى تنظيم مؤتمر للاحتفال بمنجز الوردي بمناسبة مرور 100 عام على ميلاده حضره عشرات من الباحثين والأكاديميين (25-26 فبراير/شباط 2014).

ولعلّ مذكّراته التي حاولتُ تأطير الحديث عن بعض زواياها فكرياً والانطلاق منها لمناقشة بعض أوضاع العراق، تحمل الكثير من القصص والحكايات والأحداث، ولذلك سأكتفي بهذا القدر وأترك للقارئ فرصة الاستمتاع بها، بل والاندهاش بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني، وسيكتشف عالماً غنياً ومثيراً في آن، وسيكون الأمر أكثر دهشة وانبهاراً للجيل الجديد الذي لم يعش تلك الفترة الخصبة من تاريخ العراق بما فيها صراعاتها بكل ما لها وما عليها . ولعلّه حتى أخطاء ونواقص تلك الأيام على حجمها وضخامتها، إلّا أنها كانت صميمية تعبّر عن اجتهادات ومواقف لقوى وتيارات أخطأت في اختيار الطريق الصحيحة.

"فعراق اليوم ليس هو عراق الأمس الذي عشته" كما يقول طارق، وهو على حق، وأهله اليوم ليسوا أولئك الذين عرفتهم وعشت بينهم، كما يذكر في خاتمة مذكراته، ويقول "أجزم بأن ما كان يُدعى "عراقاً" لم يعد موجوداً، فقد حاول الغزو الأمريكي ومن جاء معه " اختطاف الوطن" وتعريضه للقضم والتفتيت واغتيلت صورة العراق موطن الثقافة وأساس الجذور الأولى للبشرية، خصوصاً حين عمّ الحقد وتفشت الكراهية وسادت الطائفية وانتشر الكثير من مظاهر التعصّب والتطرّف والعنف مصحوبة بالكذب والدجل ..."

بذلك يختتم طارق مذكراته التي أرادها لأحفاده بهذه اللغة المؤلمة، حيث يرى "تجار السياسة " وهم يتصدّرون المشهد العام، علماً بأن للتجارة أخلاقها ومقاييسها وقوانينها وأصولها ووسائلها المعروفة، لكن ذلك لم يكن يأساً منه، بل تعبيراً عن واقع مأساوي " لأن من أفجع ما تبصره العيون / وجوه أولادي حين يعلمون" كما ورد من نفثة حزن من الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدته "الزائر الأخير".

كتب طارق بقلب حار فاستحضر التاريخ ليعطينا العبرة والدلالة، ففاض فيه، ولأن التحقّق والامتلاء مصدره ذاتي وعفوي، فقد طفح بالوطنية، وتلك في كل الأحوال "إرهاصات" و"خواطر" أكاديمي وعالم اجتماع وتاريخ وسياسة وأخلاق، هي كل رأسماله، إضافة إلى صداقاته في رحلته الشائكة فـ" ليس من رحلة أشقّ من العودة إلى العقل" حسب الشاعر والكاتب المسرحي الألماني برتولت بريخت .

 

 بقلم: عبد الحسين شعبان

 مفكر وباحث عربي من العراق

 

1230 الاستهواد العربي (كتاب يؤسّس للدراسة العلمية لليهودية)

 شكّل الارتباط المتين للنصّ القرآني بالنصّ التوراتي، سواء في المجالات العقدية أو التشريعيّة، إضافة إلى تجارب التعايش الاجتماعي المبكّرة بين أبناء الملّتين، الإسلامية واليهوديّة، مرجعيّة ثريّة للفكر الإسلامي الكلاسيكيّ وللفكر العربي الحديث في معالجة الظّاهرة اليهوديّة. وبفعل ثقل التاريخ واستفزاز الوقائع، وما نجم عنهما من تطوّرات، جرّاء تغيّر بنية الخارطة السياسيّة للعالم العربي، بتأسّس دولة عبريّة تستلهم وجودها الحضاريّ من المقاصد العامّة للتراث التوراتي، تأتّى انشغال الفكر العربي المستجدّ باليهوديّة واليهود. فكان الاهتمام بهذا المعطى، بالقدر الذي يثيره الماضي فإن الحاضر يستلزمه، انجرّ عن ذلك تراكم قائمة مرجعية دراسيّة هامّة في المكتبة العربيّة، انشغلت بهذا الحقل، تمازج فيها الإيديولوجي بالعلميّ والدينيّ بالسياسيّ.

جاء اهتمامنا بالمقاربة الدينيّة لليهوديّة في الفكر العربي، خلال النّصف الثّاني من القرن العشرين، ضمن هذا الانشغال، فما هويّة هذه المقاربة؟

إنها نظريّة فكر ومنهجه إلى فكر آخر، سائرة بحسب منظومة تعقّل مسلَّطة على حقل المقدّس في دين محدّد، أطلقنا عليها تسمية الاستهواد. رُمنا من خلالها متابعة محاولات التفهّم الدّائرة في حقل الديني والمقدّس، الساعية لفهم الظاهرة اليهوديّة، بغية الغوص في مدلولات تشكّلها وخفايا رموزها. فالمقاربة الدينية محاولة لحصر الموضوع في حقل الفكر الديني، وإن دعت الحاجة إلى الاستعانة بمناهج حقول أخرى، تاريخية وسوسيولوجية، لمتابعة المسار اليهودي العام. وقد تمّ تحديد مجال هذه المقاربة بالفكر العربي، وبالنصف الثاني من القرن العشرين، لضرورات منهجية.

أوّلا: حتى يتيسّر حصر الأدبيّات والرّؤى والأفكار المعنيّة، لتقديرنا أن الإنتاجات العربيّة تهون متابعتها على الباحث الفرد، وتتعذّر لو وسِّعت إلى مجال الفكر الإسلامي، لامتداد حيزه خارج اللسان العربي، إلى لغات أخرى، كالأردية والتركية والفارسية وغيرها، وهو ما يتطلّب طابور باحثين.

ثانيا: اِلتزامنا بالنّصف الثّاني من القرن العشرين لاعتبارات عدّة، منها انخراطنا في الإشكاليات المطروحة على فكرنا الحديث أساسا، ولما عرَفه الإنتاج العربي الحديث في هذا المجال، من تراكم كمّي وكيفي مع هذه الفترة، حيث بدأ التخصّص يؤسّس هويّته واستقلاليته في ميدان اليهودية؛ إضافة إلى قناعتنا أنّ دراسات الأديان، في أبعادها التاريخية والاجتماعية، لا تجد فاصلا في تداخلها مع الحديث والحاضر، فالخطّ الرابط متّصل لا منفصل، إذ "تاريخ الأديان" جدّ مرتبط بـ"حاضر الأديان".

أما عن هيكلة البحث فقد أتت كالآتي: اهتمّ الباب الأوّل بالفكر العربي واليهودية، الذي عالجنا في مستهلّه دواعي الانشغال باليهودية في الفترة الحديثة، مشيرين في ذلك إلى المنشأ السياسيّ لحقل هذه الدراسة، ولِما للمسألة الفلسطينية من دفع للاهتمام بالإسرائيلي وبعث اليهودي الهاجع في الذاكرة الإسلامية المبكِّرة. وكان لزاما للإحاطة بما يميّز الفكر العربي الحديث المرور عبر الرّدود الإسلامية الكلاسيكيّة تجاه اليهود واليهوديّة، والتي كان الانشغال بها في الفصل الثاني، من خلال حصر منطلقات هذه المدرسة، وشواغلها، وآليات دراستها وأهدافها.

ثم في فصلٍ لاحق من هذا الباب، حاولنا تحديد مدارس قراءة اليهودية في الفكر العربي الحديث، فضُبِطت خصائص كلّ من التيّارين: الدعويّ والنقديّ، اللّذين تزعّما الانشغال بهذا المبحث.

أمّا الباب الثاني، فقد انشغل بسفر التوراة من منظور الرّؤى العربية المختلفة، فقد عرِضت فيه النظريّة العربية حول تشكّل التوراة، فجاء الفصل الأوّل مدخلا تعريفيّا بالتّوراة، تلاه فصل ثان اهتمّ بقراءة التوراة، حصرت فيه تنوّعات المناهج، مع تعريف بالقراءتين المباشرة وغير المباشرة، ثم عرّجنا على قراءة المصادر الأربعة في الفكر الغربي، وبعض المبادرات العربيّة في ذلك، كالتي أنجزها د. كمال سليمان الصّليبي . وفي فصل ثالث، تركّز الاهتمام على جمع التوراة وتدوينها، ثم متابعة المسار الذي قطعته من الشفهيّ إلى المدوَّن، وما أثارته هاتان المرحلتان من مواقف لدى الدارسين العرب.

أمّا الباب الثّالث، المتعلِّق بقراءة الإيمان والميثولوجيا التوراتيين، فتمّ فيه عرض الرؤى في الألوهة والنبوّة، وأُردِف بفصل أخير انشغل بالفكر الأسطوري التوراتي، قدِّمت فيه الرّؤى العربية الحديثة للخوارق والمعاجز والعجائب، التي تطفح بها التوراة، وأردفنا ذلك بالحديث عن علاقة التّراث الأسطوري الشّرقي بالأسطورة التوراتية.

أما الباب الأخير والختاميّ، فقد تابع التلمودَ والشّخصيةَ اليهودية. كان التعريف، في جزئه الأوّل، بهذه المدوّنة وبتعامل الفكر العربي معها، باعتبارها نصّا مقدّسا رديفا للتوراة، ودورها في صياغة الشّخصية اليهودية. أما الفصل الأخير المهتمّ بالشخصية اليهودية، فقد كان الانشغال فيه بتعريف اليهودي وتحليل شخصيته، وبالموانع التي حالت دون إرساء مقاربة علمية له.

فبمقتضى الانخراط القسري والإلزامي لهذا المبحث، ضمن ثقافة المواجهة والصّراع ضدّ الصهيونيّة والدّولة العبرية الناشئة، برغم الفاصل الإبستيمولوجي الذي ينبغي أن يفصل بين العلمي والإيديولوجي، جاءت المقاربة العربيّة مصبوغة ومسكونة بهاجس السياسيّ، الذي كان وقْعه كبيرا على مصداقيتها وعلميتها. من هذا المنظور اِرتأينا الالتزام بقراءة تحليلية نقدية لأدبيات تلك الفترة، غاية التقييم والتقويم، عبر عرض مختلف الرّؤى بخصوص اليهوديّة، تشكّلا ونصّا مقدّسا واعتقادا وشخصيّة بشرية. وآليتُ على نفسي الانشغال بهذه المهمّة، التي أقدّر صعوبتها وخطورتها، نظرا لاتساع الحقل وتعدّد مشاغله، التي يختلط فيها الدينيّ بالتاريخيّ، والأسطوريّ بالأثريّ؛ ونظرا لوقوع البحث في حقبة مأزومة وعصيبة تمرّ بها البلاد العربية، سواء مع ما عُرف بصراع المواجهة مع إسرائيل، أو عبر ما يُنعَت بمعركة السّلام الحالية.

كلّ هذه العراقيل عُدّت واهية، أمام قناعتنا ألاّ ولاء للعلمي إلاّ من داخله، وأنّ قيَمه مستمدّة من حرمه لا غير، فكان الحرص على أن يكون النقد من خارج الدوافع الإيديولوجية أو العراقيل القومية. وبفضل ما تيسّرت من متابعة للأدبيّات العربية الدارسة لليهودية والأدب العبري، لم نعثر على دراسة خصِّصت لرصد الرّؤية العربية لليهوديّة في أبعادها الشّاملة، باستثناء دراسة أنجزها الدكتور يوسف مهنّا حدّاد ، لم يسائل فيها الأدبيات العربية صحّتها أو علميتها، وإنّما سعى لعرضها، واقتصر على تقديم المتناثر في شأن اليهودية وإسرائيل، دون تقييم أو تمحيص أو نقد. وبقدر ما نُجلّ عمله التجميعي، فإنّا لا نرى فيه دفعا بالمقاربة العربيّة نحو العلميّة والتصحيح، وهو ما تستلزمه وتحتاجه المبادرات المتناثرة في حقل تاريخ الأديان في فكرنا الحديث.

أما عن المرجعيّة التي استمدّ البحث منها مادّته، فهي ثلاثة أقسام:

- مرجعية كلاسيكية، حاولنا فيها الاطّلاع على ما تيسّر لنا من كتب الرّدود الإسلاميّة، إذ أَمْلت منهجيّة البحث العودة إلى إنتاجات تلك الفترة، حتى يُعايَن مدى الانفصال والاتصال، والتجاوز والإبداع، أو التكرار والانحباس، الذي صبغ القراءة العربية الحديثة لليهودية والتوراة.

- مرجعية عربية حديثة، وهي التي تعنينا بالأساس، جرى تصنيفها حسب خصائص توجّهاتها الفكرية التي تميّزها، وقد حرصنا على اللّحاق بكلّ ما تناول الشّعب العبري والتوراة في الحقبة المحدّدة، حتى ولو كان مدرَجا ضمن المؤلّفات السياسيّة، ونأينا عن الكتب السياسيّة الصّرفة التي تهتم بإسرائيل الحديثة، لابتعادها عن شواغل البحث. ولم يأت تجميع المرجعية الحديثة انتقائيًّا بل شاملا، نظرًا لما يطمح له البحث من إرساء طرح تحليلي نقدي للإنتاجات كافة، الهزيلة منها والجيّدة، العميقة والسّطحية. لم تكن أولويّة لمرجع على آخر، وإنما جاء السّعي لتحليل العقلية العربية في تمظهراتها وتجلّياتها كافة، تجاه الظّاهرة اليهودية، فكان التعامل مع كلّ مرجع بحسب ما تسمح به منهجية البحث ومادته.

- مرجعية غربية، وقد أتت الحاجة إليها لتوضيح بعض الأمور اللاّزمة في بنية البحث، أو لسدّ بعض الفراغات، التي لم تجد معالجة في المؤلّفات العربية، كتحديد تواريخ أنبياء التوراة، وقد أتت ثانوية في البحث.

من جانب آخر، لا شك أن علم الأديان، على اختلاف مباحثه، يؤسّس خصوصيّة منهجيّة بين علوم شتّى، يأبى فيها أن يكون خادما للاّهوت أو الإيديولوجيا، أو تابعا لغيره من العلوم الإنسانية أو الاجتماعية. فهو في حكمه في شأن الظّاهرة الدينيّة أيّا كان نوعها، حريص على تأسيس الانفصال والمسافة بين الذّات والموضوع، إذ بغيته الفهم لا غير. وتقديرنا أنّ التزام الإنتاجات العربية بمنهجية هذا العلم، داعية إلى طرح مراجعة ونقد، شطْرَ ما يُنتَج باتجاه الذّات وما يُنتَج باتجاه الغير، بغية تشييد الأقْوم والأصْوب. وما قمنا به مع المقاربة العربية لليهودية، يندرج ضمن هذه الخطّة الواسعة لهذا العلم، انتهى فيها بحثنا إلى نتائج عدّة، نقدّر أهمّيتها في ما يتعلّق بدراسة الأديان عموما وما يتعلّق باليهودية خصوصا. فقد حملت المقاربة العربية للدّين اليهودي في ثناياها مزاياها ومساوئها، لِما لهذا الحقل من تأثّر جدليّ بالظّرفيات والوقائع، الاجتماعية منها والسياسية، ولِما له من صلة مباشرة مع تطوّر مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية في الفكر العربي.

إذ تُملِي أولى مستلزمات الدّراسات الدينيّة العلمية التمفصل الواعي بين الذّات وموضوع الدّراسة، وهذا الأمر لم يراع إلاّ في القليل مع إنتاجات المقارَبة العربية الحديثة في شأن اليهودية. ويُعَدّ التفطّن لهذا المؤثّر ، بفعل التأثيرات الجليّة لبنى فكريّة وأحداث سياسيّة في دراسة اليهودية، أمرا لازما ومنهجيا للباحثين في الثّقافة العربية والإسلامية، فكلّ عمليّة توظيف أو زيغ، واعية أو لاواعية، من شأنها أن تبعد هذا العلم عن مساره القويم.

من هذا المأتى يحتّم ارتباط المقاربة العربية، في شقّها الدعويّ، بالجانب التراثي في قراءة اليهودية، التنبّه لما مسّ فكر الردود القديم من زعزعة معرفيّة، تتطلّب التجاوز والتواصل، حتى لا تكون الأبحاث مغترِبة ولا تاريخية. فقد عبّرت إشكاليات الدّراسات الكلاسيكيّة عن مستوى لحظتها التاريخية، ما يجعل نتائجها ورؤاها غير مطلَقة الصلوحيّة. فمثلا جَرَف التعاملُ مع الأسطوري واللاّمعقول التوراتييْن، بمنطق الصّدق والخطأ، الموضوعَ إلى مجال ضيّق، في وقت ظهرت فيه مناهج دراسية تتعامل مع الأسطورة بأساليب علمية، أثبتت أهليتها في هذا الحقل، عبر الغوص في منطق الواقعة ودلالتها الخاصة. ومن ناحية المواقف القرآنية في شأن اليهودية واليهود، يُفتَرض ربطها بآليات علوم القرآن، من أسباب نزول، وأوّل ما نزل وآخر ما نزل، وناسخ ومنسوخ، ومطلق ومقيّد، وما شابهها، أي دراسة المدلولات في التّاريخ والاجتماع، حتى يجري استنطاقها بشكل صائب بخصوص الأديان.

أمّا فيما يخصّ ما عاينّاه في شأن مدارس قراءة اليهودية في الاستهواد العربي فنوجزه في التالي: لئن كان الاتّفاق حاصلا بين التيّارين، الدعويّ والنقديّ، حول الإقرار بالتشوّهات اللاّحقة بالنصّ التوراتيّ، فإنّ الاختلاف حادث في شأن المصدرية الأولى، أَإلهية أم تاريخية؟ وبقدر ما كان بحث التيّار الأوّل منصبًّا على التغيّرات الطّارئة على "الكلام الإلهيّ"، كان انشغال الثّاني منحصرا بالتشكّلات المارّ بها النصّ في التاريخ. فالتقاء التيّارين يتمّ عند نقطة التبدّلات والتغيّرات، مع غياب واضح بينهما للنّقد والتّصحيح، إلاّ ما ندر، فأتت الانشغالات بالآخر، من باب أنّ الأمر تقتضيه الضّرورة والحاجة، الدينيّة أو القومية، ووقع التغافل عن أي مراجَعة داخلية، وهو أمر هام ولازم، كان سيعصم من انحرافات منهجية خطيرة واقعة في هذا المجال.

بالإضافة إلى ذلك، تبيّن لنا أنّ المنهج الصّائب في التّعامل مع المعتقدات والتّشريعات اليهوديّة، يستلزم دراسة الظّاهرة في التاريخ لا فوقه. إذ لإدراك مدلولات الإله اليهودي، مثلا، في تمظهراته المختلفة، حريّ متابعته ضمن تحوّلات الاجتماع، الذي تشكّل في طياته وعبره، وبهذا تنزوي مقولات "التحريف" و"الزّيغ" و"الضّلال" اللاّتاريخية لتفسح المجال إلى وعي الظاهرة في عمق تشكّلها وتجلّياتها.

كما لاحظنا أيضا أنّ معالجة الاستهواد العربي لليهودية في الفترة الحديثة، تاريخا ودينا، قد غابت منه عديد المحاور الهامّة، أو جاءت هزيلة ولا تفي بالحاجة، كالاهتمام ببنية التلمود ومضامينه. وربّما تأتّى ذلك جرّاء تأخّر ترجمة هذا السّفر إلى اللّسان العربي، وهو ما جعل اقتحام حصونه أمرا ليس في متناول عامّة الدّارسين. ولأجل أن يُدرَس التّلمود دراسة علميّة، يُفتَرض عدم الاحتكام في شأنه للدّراسات الواسطية والغوص فيه مباشرة. فالتّلمود كما تَبيَّن لنا ليس خزّان شرور -مثلما يُصوَّر خطأ-؛ بل تجلّيات عقلية إنسانية. وأمّا ما يتعلّق بالشّخصية اليهودية فقد خلصنا إلى أنّها ليست جامدة في التاريخ، لذا ينبغي التعامل معها ضمن تبدّلات الاجتماع وتغيّراته، مع عدم إهمال المتخلّد التراثي في تركيبها وتوجيهها.

نقدّر أنّ هذه الاستنتاجات الموجَزة، في شأن منهج الاستهواد العربي الحديث، والواردة في بحثنا بطريقة مفصّلة، ستساهم في إصلاح منهج التعامل مع الآخر وتصحيحه، إذ نقْد المنهج هو سعيٌ نحو علميّة المنهج.

نبذة عن المؤلف

عزالدين عناية، أستاذ تونسي يدرّس في جامعة روما متخصص في دراسات الأديان. صدرت له مجموعة من الأبحاث منها: "الأديان الإبراهيمية"، "نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم"، "الدين في الغرب"؛ فضلا عن عدد هام من الترجمات منها: "تخيّل بابل" لماريو ليفراني، "علم الاجتماع الديني" لإنزو باتشي، "علم الأديان" لميشال مسلان.

 

عنوان الكتاب: الاستهواد العربي.. في مقاربة التراث العبري

المؤلف: د. عزالدين عناية

دار النشر: منشورات الجمل (بيروت)

الحقوق محفوظة للمؤلف لا غير

 

عزالدّين عناية -  استاذ تونسي بجامعة روما

.............................

لتنزيل الكتاب (الروابط التالية):

https://www.kutubpdfbook.com/book/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D9%88%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%B1%D9%8A/download

https://www.kutubpdfbook.com/book/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D9%88%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%B1%D9%8A

https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D9%88%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%B1%D9%8A-pdf

 

عبد الرضا عليصدر هذا اليوم عن (دار كنوز المعرفة) في عَمَّان / الأردنّ، الجزء الرابع من (سؤال في التفسير) للأستاذ الدكتور سعيد جاسم الزبيدي الذي تنطبقُ عليه كما أزعم جملةُ الأقدمين البليغةُ: (هو نسيجُ وحدِهِ) لكونهِ في الدرسِ الأكاديميِّ لا يُشبهُ غيرَه.

وإذا كانت هذه الجملةُ كنايةً عن كونِ الموصوفِ بها متفرِّداً بخصالٍ فريدةٍ محمودةٍ لا تجتمعُ في غيرهِ، فإنَّ الزبيديَّ لكذلك، فهو موسوعيُّ الثقافةِ سواءٌ أكانَت تلك الموسوعيَّةُ في علمِ اللغةِ، أم في النحوِ، أم في الصرفِ، أم في خصائصِ المنظومِ، أم المنثورِ، أم في أسئلةِ التفسيرِ التي يجترحُها منطقُ الاستقراءِ .

**

والدكتور سعيد جاسم الزبيدي حين يتصدَّى للكتابةِ في شأنٍ علميٍّ، أو ثقافيٍّ، فإنَّهُ لا يكتفي باستقرائهِ، وتحليلهِ، وتقييمهِ، إنَّما ينشغِـفُ به عن وعيٍ عامدٍ ليستوعبَ مقاصدَهُ، فيأخذهُ أخذاً، أو يستغرقُ فيه استغراقاً حتى يستوعبَـهُ كليَّاً. والأمثلةُ عديدةٌ، فحينَ تصدَّى لـ (النحو عند غير النحويين) لم يدعْـهُ إلى أن جعله قائماً في سِفْـرٍ محكمٍ جمعَ فيه رموزَ ممارسيهِ، وأشارِ إلى جهودِهم ببنانِـهِ الأمينِ على نحوٍ موضوعيٍّ كانت الحيدةُ العلميَّةُ إحدى أدواتِـهِ .

وحينَ وقفَ على بعضِ استخداماتِ الجواهريِّ اللغويَّةِ في بنيةِ نسيجهِ الشعريِّ المختلفِ أدركَ منتبهاً إلى أنَّ قراءتَهُ لن تكتملَ بغيرِ أنْ يُمحِّصَ كلّ مفرداتِ ثالثِ النهرينِ تمحيصاً، ويقابلها بما كان في خزينِهِ، وخزائنِ المعاجمِ من تكويناتِ البناءِ اللغويِّ، أو البيانيِّ العام، فانتهت تلك القراءةُ التي استغرقته زمناً طويلاً بسِـفْـرٍ لغويٍّ مهم هو (من معجم الجواهريّ) ليكونَ مرجعأ أساسيَّاً لدارسي البنـيةِ اللغويَّةِ في شعر الجواهريِّ تحديداً.

وها هو اليوم يطبّـِقُ منهجَـهُ العلميَّ (في الاستقراءِ المتشعِّبِ) عينَـهُ على الجزءِ الرابعِ من (سؤال في التفسير) ليقدِّمَهُ ناضجاً مستوعباً كلَّ شاردةٍ وواردةٍ تستحقُّ العرضَ،والمناقشةَ، والاستشهاد.

1226 سؤال في التفسير

كان منهجُ الزبيديِّ في أجزائه الأربعة من (سؤال في التفسير) يتلخَّصُ في عرضهِ للآيةِ الكريمةِ المرادِ تفسيرها على نحوٍ من حواريَّةٍ سرديَّةٍ تجري بينهُ (بوصفِهِ) أستاذاً أكاديميَّاً، وسائلِهِ المستفسرِ (بوصفه) تلميذاً جامعيَّاً، ومن خلالِ تلك المحاورةِ المستفيضةِ يعرضُ الأستاذُ على تلميذهِ آراءَ جميعِ المفسِّرينَ، سواءٌ أكانوا لغويينَ، أم نحويينَ، أم صرفيينَ، أم ممَّن اهتمَّوا بعلومِ البلاغةِ والبيانِ، أم ممَّن كانوا فقهاءَ لهم جهدٌ مؤشَّرٌ في تفسيرِ آي الذكرِ الحكيمِ، وتأويله.

وهنا ينبغي التأكيد على أنَّ الأستاذَ المجيبَ لا يدعُ رأياً تناولَ تلك الآيةَ الكريمةَ بالتفسيرِ إلاّ ويوردهُ لتلميذهِ النابهِ، ذاكراً تلك الرواياتِ، واختلافَها، ومظانّها تراتبيَّاً، فضلاً عن إيرادهِ للقراءآتِ القرآنيّة المختلفةِ التي وردت متواترةً سماعاً عن بعضِ الصحابةِ، والقرّاء كـ (عاصم، ونافع، وحمزة، وغيرهم)  في الآياتِ المقصودة، وبهذا المنهجِ حصل المتلقّي على مختلفِ الآراء، وأطَّلعَ على عشراتِ المظانِّ، ووقفَ على ببليوغرافيا موصَّفة، ومؤرخّة لجميعِ المفسِّرين، وآرائهم الجديرةِ بالمعرفةِ والاطِّلاع.

 

تقديم: أ.د.عبد الرضـا عليّ

كاردِف ـ بريطانيا

تشرين أوّل / 2019م.

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيللغة العامية المحكية تأثيراً كبيراً على اللغة العربية الفصحى لمقومات اللغة في المجتمع العراقي بالرغم مما للعربية الفصحى من مقومات كاملة ومتكاملة من الثراء لا تضاهيها أي لغة أخرى، وهي ناجمة عن قدرة مفردات العامية واللفظ على تحريك المشاعر والأحاسيس والوجدان بما يجعل النفس العراقية متفاعلة مع الكلام، إذ يطرب لها ابن المجتمع الرافديني في الوقت الحاضر ويتحمس ويستجيب لها بسبب معايشته للمفردات بألفاظها ودخولها في نفسه بكامل معانيها وارتباطها بأحداث معينة مسجلة في ذاكرته، ولها من التأثير ما يحرك الوجدان بالاتجاه الذي خزنت معانيها فيه.

لهذه المعايشة إنما هي تربية للفرد على المفردات المحكية بسبب البيئة المحيطة به وادراكها والتمكن منها، وهي لسان البيت والشارع والمنتديات العامة والغناء والشعر الشعبي، فضلاً عن أن مفردات اللهجة العامية العراقية المحكية اغلبها نابعة من اللغة العربية الفصحى وبعضها من اللغة المندائية والآرامية، وبعضها هجينة بسبب الهجرات والعلاقات مع المجتمعات المجاورة من التركية والفارسية، لكنها تتضمن أيضاً الكثير من المفردات والألفاظ التي لا ترد في اللغة العربية الفصحى.

يوم امس الأحد المصادف 11/11/2019 كانت هديتي الثمينة والجميلة من الباحث والمترجم الاستاذ صلاح السعيد كتابه الموسوم (جمهرة الألفاظ العامية العراقية) الطبعة الثالثة المزيدة والمنقحة، الصادرة عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة، يتضمن الكتاب على (277) صفحة من الحجم المتوسط ذات الاخراج الطباعي الجميل، والغلاف الاجمل، والكتاب احتوى على اكثر من (1165) مفردة عامية محكية، فضلاً عن ملحق مستدرك لبعض المفردات العامية المضافة للكتاب في طبعته الثالثة لم تذكر في الطبعة الأولى والثانية.

بهذا الكتاب افاد الباحث السعيد استخدامه للشعر الشعبي العراقي وبعض الأغاني التراثية التي تدعم المفردات العامية العراقية، لكنني خلال اطلاعي على الكتاب وجدت أن هناك العديد من المفردات والألفاظ العامية المحكية التي ما زالت يد الباحث لم تطلها ومنها المفردات المندائية التي ما زال ابناء الوسط والجنوب من العراق يتداولها في حواراتهم، علماً أن هذا العمل الجميل والرائع للغتنا العامية في الوسط والجنوب من العراق التي لا يظهر لها اساس عربي أو دخيلة على لهجتنا العراقية ودخيلة من اللغات المجاورة.

كانت مهام الباحث السعيد التحفيز في البحث الذي يرتجى من الباحثين الشكر والثناء لهُ على الجهد الذي قام به، فهو عمل قاموسي مرجعي خالٍ من الخطأ ولكن قد لا يتجنب الباحث بعض النقد والرضا من قبل البعض.

استعرض الباحث والمترجم السعيد في كتابه هذا المؤشرات التاريخية للمفردات العامية واصولها والبت فيها، من خلال عرض المفردات ضمن الأبجدية العربية وحروفها ونماذجها من الشعر وانواع الأحرف الأعجمية الداخلة على اللهجة العامية العراقية.

لقد عمدَ الباحث السعيد التسلسل الأبجدي في كتابه للغة العربية (الف. باء. تاء. ثاء...) تسهيلاً للقارئ في المتابعة، وقد قام بتثبيت لفظ المفردة كما وردة في اللغة العامية المحكية بغية تسهيل الأمر على القارئ في المتابعة بحسب الكلمات التي يعرفها والتي يريد البحث عنها في اللغة العامية، واحياناً دون استخدامات المفردة وورودها باشتقاقات أخرى.

ثبت الباحث السعيد هذه المفردات من جمهرة الألفاظ العامية العراقية كان الهدف منها كما فهمت كي لا تضيع في السنوات المقبلة، كما بت الباحث في عرض المفردات في أمر عائديتها للغات الشعوب المجاورة.

إن هذا المعجم للألفاظ العامية العراقية لم يدخل ضمنها ما اصطلحت عليه القواميس والمعاجم العربية، وقد قام الباحث السعيد بارجاع بعض المفردات إلى المصدر في اصل الكلمة.

ختاماً اشد على يد الباحث والمترجم صلاح السعيد لهذا الانجاز الجميل والرائع الذي امتع القارئ لما وردت فيه من مفردات محكية في المجتمع العراقي من خلال كتابه الموسوم هذا.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

قاسم ماضيللشاعر والكاتب المصري عادل بسيوني بين الإرث العربي والحلم الأمريكي.

(إلى التي في الكون لولاها، ما كنت شيئا أو عرفت الله، أماه إن العمر قد غربت مفاتنه ُ، وطفلك في المدى تاه . ص7) بهذه الكلمات أفتتح الكاتب والشاعر عادل بسيوني رحلة رصده للمشهد الثقافي العربي 

 في ميشيغن. حيث صدر حديثا  كتاب بعنوان "الجالية العربية في ميشيغان، بين الإرث العربي والحلم الأمريكي" للشاعر والكاتب الأمريكي المصري  " عادل بسيوني " عن دار نشر "المؤسسة العربية للعلوم والثقافة" القاهرة ، ويقع الكتاب في 239 صفحة من القطع المتوسط .

يبدو الشاعر والكاتب المصري "بسيوني" أراد أن ينطلق ويؤسس وعياً ثقافيا مختلفاً فيه من الثمرات الكثير في بيته الجديد الذي أسمه " ميشيغن " محاولاً بذلك  رسم سياسات ثقافية جديدة توثق هذه المدينة وما حولها من تصاميم معرفية وفكرية، وكل ما يملك من طاقة إبداعية تؤرشف المسكوت َعنه والظاهرَ للعلن لأجل تأسيس ثقافة متأصلة داعية للحب والسلام في هذا المنفى الكبير. وهو القائل  في مقدمة كلمته في هذا الكتاب  ص 14

"لعنتُ اليوم الذي وجدت فيه مدعين لا مثقفين، وتحولت فيها المعارك الأدبية إلى فتنة بغيضة بين الخصوم، اليوم الذي وجدتُ فيه مثقفين لم يدركوا أزمة المشهد الثقافي العربي، ولم يعلموا إلى أين هو ذاهب ولماذا، إني لا أعتذر إذا ما قلت، إن الثقافة قد عزّت علينا عندما فاحت رائحةُ الشواءِ والأراكيل، وغزت سماء مدينتكم، وقد علت على الكلمة التي ما كانت إلا تجمعكم ص16

حتى إنه يستصرخ هذا العالم الذي أسمه "الثقافة" ليؤكد لنا عبر كتابه  الجديد الصادر لهذا العام "الجالية العربية في ميشيغن بين الإرث العربي والحلم الامريكي" لابد من وضع النقاط على الحروف في أيامنا هذه، منطلقا من منطلق الكثير من فلاسفة العصور الذين سبقوه ومنهم " تايلر" الشهير والمعروف بين الأوساط الثقافية،  وهو عالم الأنثروبولوجيا البريطاني، والذي عرّف الثقافةَ بأنها " ذلك الكل المركب من المعلومات والمعتقدات والفنون والأخلاق والعادات والتقاليد التي يكتسبها الإنسان بصفته عضوا في المجتمع، والذي هو ليس واضحا لدى الكثيرين من الذين سبقوه  في هذه المدينة، وبعد وصوله إلى الولايات المتحدة الأمريكية في أكتوبر من العام 1996  وهو  التاريخ الموافق ليوم ميلاده،ليكون واحداً مختلفاً حتى يسهم في خلق فضاءات ثقافية بعدما حمل إرثه الشعري والفلسفي من مدينته " القاهرة " إلى مدينة " ديترويت الكبرى " وهو القائل المهجر حلم الشرق الضائع بين التأويل وحقيقة التفعيل،ولما استقر بي المقام بعد عناء واجهه بين الحفاظ على إقامته الدائمة بأمريكا و عمله  كمهندس بالخليج، بدأت الكتابة بشغف الحائر، لأعبر عن مكنوني وعما واجهته من هموم .ص15

وهنا يمكن القول أن أي كاتب حينما يشرع في كتابة أي موضوع  لابد من امتلاكه معرفة عامة ببعض فنون التعبير العربية، ومنها المقالة أو الخاطرة وبعض الفنون الأدبية كالنثر والشعر وكتابة القصة، فكيف بشاعر له العديد من الدواوين ومجاميع قصصية كثيرة،وهو الحاصل على الكثير من الجوائز في بلده الأم، فظل الشاعر " بسيوني "  الذي اكتوى بنار الغربة وهو بعيد عن أهله وناسه يحفر بالصخر حتى يرسم خارطة جديدة في معتركه الحياتي الجديد، يقول عنه الناقد المصري الكبير " محمد دحروج " لا تجيء حياة إنسان وفق ما يرسمه لنفسه في كل شأن من شؤون وجوده الأرضي والنفسي ، نحن في زمن الفلسفة الوجودية، حيث الإنسان فكرة كبرى تدور حولها الحقائق، وللحقيقة وجهان، وجه لا يعرف تشوه القسمات، ووجه يطوف حول كعبة الزيف والكذب . وفي نهاية الأمر، فالحياة عالم غريب مليء بالتناقضات، فأنت المغامر ليؤكد " لبسيوني " عبرة مفرداته التي استلهمها من هذا الكتاب، أنت الطموح الجريْ الحزين البائس الذي تلفه دوائر الكآبة، الحياة اكبر من ان نهزمها، وإنما غاية الأمر أننا قد تخوض معاركها بإرادة لا تعرف الكلل . وكان هذا الكتاب هو بمثابة أرشفة ومقالات تخص الكاتب وبعض القصائد التي أراد لها الكاتب أن تكون بمثابة درس إلى الآخر الذي يعيش ضمن البيت " الديترويتي " ولو تفحصت قصيدة ديترويت لوجدتها هي إضاءة لواقع الحال الذي يعيشه الشاعر، عبر لغة فيها من الدلات التي تحفز الذاكرة وتاريخ هذه المدينة،

ديترويت كيف تكون الحاكم

وتكوني أيضا … سجان ص 34

والمتأمل لهذا المطبوع يمكنه القول بانه محاولة جادة لرصد المشهد الإغترابي ببعده الثقافي والاجتماعي حيث حاول الكاتب سبر أغوار صيرورة واقع الجالية العربية في الولاية المذكورة من خلال حراكها الثقافي المتمثل بمالمنتديات الثقافية والتجمعات المعنية بالشأن الثقافي كرابطة القلم وصالون دجلة والمجلس الاسبوعي الذي يقيمه المجمع الثقافي الاسلامي في مدينة ديربورن ورابطة لبنانني الشمال، والمركز الدولي للثقافة والفنون والاعلام  الى جانب التصدي لبعض القراءات والطروحات لبعض كتاب الجالية ومنها كاتب السطور كما حاول الكاتب أرشفة مسيرة الصحف الصادرة في ديترويت منها (صدى الوطن، الحدث، المنتدى،اليمني الامريكي، مجلة السبيل) بالاضافة الى متابعته لعدد من منظمات المجتمع المدني منها (المنظمة العربية الامريكية للعمل السياسي أيباك) كما سلط الكاتب الضوء على مؤسسة ثقافية مهمة تعكس بعدا ً ثقافيا موثراً للجالية الا وهو (المتحف الامريكي العربي) ولم يخلو الكتاب من بعض وجهات النظر التي تصدت لنتاج بعض الشخصيات الدينية والفكرية كشخصية المفكر ورجل الدين المجدد الشيخ محمد عبده، والسيد محمد حسن فضل الله حيث قام الكاتب بسيوني بتقديم مقاربات فكرية حول نتاجيهما الفكري وإشتمل الكتاب أيضا ً على عدد من الكتابات النقدية للشاعر والكاتب عادل بسيوني التي تخص فعاليات ثقافية معينة، وتجدر الاشارة بأن هذا الكتاب يعد خطوة لمواكبة المسيرة  الثقافية للجالية العربية في ميشيغن، ويمكن لآخرين الغوص في تاريخ وجود الجالية العربية في ميشيغن وتلمس مسيرة تطورها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي من خلال دراسة بحثية وفق منهج أكاديمي من شأنها أن تكون مرجعا ً علميا ً لمن يريد سبر أغوار مسيرة الجالية العربية في ميشيغن بمختلف أبعادها، بيد أن كتاب الجالية العربية في ميشيغن (بين الارث العربي والحلم الامريكي) هو رافد ثقافي معرفي لمن يريد التعرف على أجواء المشهد الثقافي العربي في ميشيغن .

 

قاسم ماضي - يدترويت

 

 

1223 التسامح لماجد الغرباوي(التسامح يعني الاعتراف بالآخر والتعايش معه على أساس حرية العقيدة وحرية التعبير دون تكرم أو مِنَّة)... ماجد الغرباوي

(التسامح هو ضرورة حياتية، تبقى الحاجة قائمة لها ما دام هناك إنسان يمارس العنف والإقصاء والتكفير، ويرفض التعايش السلمي مع الآخر المختلف. وتتزايد الحاجة للتسامح مع اتساع رقعة التنوع الإثني والديني؛ لامتصاص تداعيات الاحتكاك بين القوميات والثقافات والأديان المختلفة).

هذا هو فحوى كتاب "التسامح ومنابع اللاتسامح"1 للأستاذ ماجد الغرباوي.

يرى الكاتب أن ما نشاهده اليوم من صراع محتدم بين القوميات والأديان والمذاهب يكشف عن رخاوة الأسس التي يقوم عليها مفهوم التسامح أو غيابه، فهو في نظر الأوساط المتصارعة، لا يعدو كونه قيمة أخلاقية تتحكم بها المؤثرات الاجتماعية والسياسية. وهو في أحسن الأحوال منّة وتفضل مشروط؛ قد ينقلب إلى ضده إذا فقد رصيده الأخلاقي، وما نحتاجه فعلا لتوطيد العلاقة بين الطوائف والقوميات مفهوم يرتكز إلى أسس. فالتسامح إذن هو حق لجميع الأفراد على أساس الاعتراف بالآخر، وحماية حقوقه2.

يتوقف الكاتب مع دلالات التسامح في اللغة والاصطلاح، فهو  لغوياً مشتق من السماحة أي الجود. والمسامحة تعني المساهلة، وسمح: جاد وأعطى عن كرم وسخاء؛ ليخلص إلى أن الدلالة اللغوية للتسامح تستبطن المنة والكرم. أما في الاصطلاح فهو: (موقف ايجابي تجاه العقائد والأفكار، يسمح بتعايش الرؤى والاتجاهات المختلفة؛ بعيدا عن الاحتراب والاقصاء؛ على أساس شرعية الآخر المختلفة دينيا وسياسيا، وحرية التعبير عن آرائه وعقيدته)3.

يتساءل الكاتب: ما المطلوب من الشخص المتسامح؟ هل المطلوب التنازل عن القناعات الفكرية والعقدية نزولاً عند رغبة الآخر، أو ضرورة يقتضيها التسامح؟ أو أن التسامح يعني الانصياع والتبعية والرضوخ للمختلف؟    يجيب بأنه لا هذا ولا ذاك، وإنما التسامح يعني اعترافاً بالآخر والتعايش معه على أساس حرية العقيدة وحرية التعبير، لا تكرما ولا منة، وإنما حق باعتبار تعدد الطرق إلى الحقيقة، وأن هذه الأخيرة موجودة لدى جميع الاتجاهات العقدية؛ على أساس وحدة الحقيقة وتعدد التجارب الدينية.

منابع اللاتسامح

أما في الحديث عن منابع اللاتسامح، فيقول الكاتب، "تتعدد منابع اللاتسامح تبعاً لطبيعة المجتمع ثقافيا وفكريا وعقيديا، وأيضا تبعا لمستوى حضور الدين، ومدى تمسك المجتمع بالقيم الدينية والأخلاقية. لكن ثمة منابع تعد الأهم بينها، وهي المنابع التي تفضي إلى التعصب الديني والقبلي والسياسي؛ وما ينتج عنها وما يعمق وجودها ويركز فاعليتها من مفاهيم وقيم. ولا شك أن تفكيك هذه البنى وإعادة تشكيلها؛ بما يخدم قيم التسامح وبناء مجتمع متسامح، مهمة شاقة وصعبة، تتطلب خطاباً ثقافياً وفكرياً قادراً على تشكيل أجواء تساعد الناس على التماهي مع القيم الاجتماعية الجديدة، والتخلي عن القيم السلبية الموروثة، أي التماهي مع قيم التسامح من أجل بناء مجتمع يمكنه استيعاب التناقضات والتقاطعات الحادة بين الأديان والمذاهب والقوميات"4. متوقفاً عند بعض مصادر اللاتسامح، منها:

- منطق العنف: لقد ظل العنف منطقاً مستحكماً داخل المجتمعات غير المتحضرة، أي المجتمعات التي ترفض الاحتكام للقانون، وترتكز للعنف في تقرير مصيرها، وانتزاع حقوقها، وتسوية خلافاتها. واستمر العنف صفة ملازمة لكثير من الشعوب؛ رغم اختلاف الظروف وتطور الحضارات. ولهذا الظاهرة أسبابها وجذورها التاريخية، حيث يقول، "فلجوء الإنسان البدائي للقوة والعنف كان دفاعاً عن النفس؛ بسبب الأخطار المحدقة به. ولما ظهر التنافس بين أبناء المجموعة البشرية الواحدة واحتدم الصراع على المراعي والحقول، لجأ الإنسان للعنف والقوة للدفاع عن حياته وعائلته وممتلكاته"5. ما يستدي فهم مهمة ثقافة التسامح، وضرورة انتشارها، وتثقيف الشعب عليها؛ عبر خطاب مؤهل، قادر على استنبات قيم جديدة، بدلا من النسق القيمي الذي نطمح لاجتثاثه؛ حتى يصبح التسامح مسؤولية تاريخية، يتصدى لها جميع أبناء الوطن، من أجل الوطن ووحدته وسلامته وأمنه ومستقبله.

- الولاء القبلي: لقيم العشيرة أو القبلية تداعيات خطرة في إطار مجتمع يضم عددا من القبائل، لا سيما حينما تتصادم القيم فيما بينها، أو بينها وبين قيم وقوانين الدولة. ولعل أهم هذه التداعيات انشطار الولاء، الذي هو عماد التماسك الوطني، وركيزة وجود الوطن، الذي سينهار وتلتهمه الانقسامات وتقاطع الولاءات؛ إذا لم يشعر الفرد بانتماء حقيقي للوطن. ما يعني أن العقل الجمعي للقبيلة يمثل خطرا كامنا، إذ يمكن تعبئته وتحريكه بشكل غير واع.

- التطرف الديني: يعتبر التطرف الديني أحد أخطر منابع اللاتسامح، لتلبسه ببعد شرعي، وتوظيفه للنص الديني، وقابلية الناس لتصديق، وقدرته على التخفي والتستر تحت غطاء الشرعية، والواجب والجهاد والعمل الصالح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ما يستدعي "وعي يعري حقيقته، ويكشف زيفه، وإلا فإنه ينطلي بسهولة على ذوي النوايا الطيبة من البسطاء، ممن لا يفقهوا أساليب الخطاب وطريقة توظيف الآيات، ولا يميزوا بدقة بين الأحاديث والروايات الصحيحة والموضوعة. وما هو عام في النص وما هو خاص، وأيهما مقيد وأيهما مخصص، وإنما يكفي لتصديقها والتفاعل معها انتماؤها للمراجع الاسلامية، بما فيها كتب التراث، وأقوال الرجال، أي الخطاب النصي والشفهي؛ بل إن تأثرهم بكلام الخطباء أقوى وأسرع، لذا ليس غريبا أن يكون أكثر المتطرفين الدينين ممن لم تسعفهم كفاءتهم العلمية والثقافية في إدراك الحقيقة"6.

أسس التسامح

أما أسس التسامح، فمتعددة برأي الكاتب، ومنها:

- حقوق المواطنة: ويرى أن المجتمع إذا لم يكن مهيأ نفسيا وفكريا وثقافيا للاعتراف بالآخر، لأي سبب كان، فإن قبول الآخر وقبول التعايش معه أمر تفرضه وحدة الوطن، من أجل استتباب الأوضاع واستقرار الأمن والسلام. ولذلك تشكل حقوق المواطنة أحد الأسس الكفيلة بإرساء دعائم التسامح داخل المجتمع. فالالمواطنة ليست "سوى الاعتراف بالآخر وبحقوقه، وقبول التعايش معه سلميا وفق حقوق مشتركة لجميع المواطنين (حسب نضج المجتمع فكريا). وهي قضية تمليها وحدة الوطن والحرية الشخصية والاعتراف المتبادل بين أبناء الشعب جميعا. رغم تنوع خصوصياتهم. أي أن جميع الأفراد، وفقا لحقوق المواطنة، متساوون في الحقوق والواجبات على أساس التساوي في انتمائهم للوطن الواحد"7.

- سيادة القانون: فكما أن حقوق المواطنة هي الأساس الأول لإرساء قيم التسامح في المجتمع، فالقانون وسيادته هو الأساس الثاني لها. بل لا يمكن للتسامح الاستمرار في تأثيره الاجتماعي، ما لم يكن هناك قانون يستند إليه ويدافع عن قيمه. ما يعني أن تثبيت الحقوق وفرض الواجبات وتحديد السلطات، تتوقف جميعها على وجود قانون فاعل، يتوافر على قوة ردع عالية. لذلك صارت حقوق المواطنة إحدى القضايا التي تتوقف فاعليتها على وجود قانون متماسك وفاعل. أي كما أن حقوق المواطنة تحتاج إلى قاعدة فكرية وثقافية متجددة تغذي أبناء الوطن الواحد بقناعات حقيقية، تحتاج هي أيضا إلى قانون لتفعيلها وحمايتها.

- إعادة تشكيل قيم التفاضل: معتبراً أن الارتكاز إلى القيم الإنسانية سيكون الحل الأمثل لمشكلة تعدد القيم، وتسوية التفاضل الطبقي القائم على منظومة القيم ذاتها. هذا إذا أخذنا بنظر الاعتبار تأكيد الدين على البعد الإنساني في العلاقات العامة داخل المجتمع المتعدد. فالناس في نظر الاسلام إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.

ويرى الكاتب أن التفاضل في القرآن يقوم على أسس منها:

- التقوى: مصداقا لقوله تعالى، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ". وفي المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى". ما يجعل "التقوى قادرة على كبح جماح النزوات الشيطانية لدى الإنسان وخلق أجواء حميمية مفعمة بالحب والوئام"8.

- العلم: وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم في بعض آياته التي أشار مضمونها إلى أفضلية المؤمن الذي أتى علماً، التي ربما –بتعبير الكاتب- تشمل مطلق الإنسان العالم، وليس شريحة خاصة. قال تعالى، "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ". ولا شك أن العلم الذي تنتفع منه البشرية يستحق التقدير والاحترام، ويصلح بجدارة لأن يتحول إلى قيمة تفاضلية، يفضل على أساسها الإنسان العالم، احتراماً وتقديرا لجهوده الخيرة في خدمة البشرية. أما إذا قام التفاضل على أسس لا إسلامية، ولا إنسانية، فهو ليس تفاضلاً؛ بقدر ما يكون تحقيراً للآخر ونوعاً من التعالي والإعجاب بالذات.

- إطلاق الحريات العامة، فهي تلعب دوراً كبيراً وفاعلاً في ترسيخ قيم التسامح بين أبناء الوطن الواحد. والعكس عندما يعيش الشعب الاضطهاد والكبت والحرمان، فإنه يفضي إلى الخوف والنفاق والتكتم واخفاء الحقيقة وانتشار العنف واللاتسامح. ويبقى الوضع في حالة ترقب وتأهب وإنذار مستمر، حتى تتحول النشاطات الفكرية والثقافية إلى حركات سرية. وهنا تكمن الخطورة، والحل هو الحرية؛ وفق ضوابط معقولة ومقبولة.

وفي الأخير أكد الكاتب على أهمية الرحمة التي تعتبر عامة لا تختص بفرقة أو جماعة وإنما هي شاملة. وهو ما عبَّرَ عنه قوله تعالى، "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ". وما لا ريب فيه، إنه حيثما كانت الرحمة فلا كراهية ولا إكراه، وذلك أن الكراهية من لوازم العدوان والنقمة، بينما الرفق والعطف والرأفة والعدل والإحسان من لوازم الرحمة.

 

الكاتب: عبد الغني الزردي

نقلا عن مجلة تعايش

https://peacems.com/taayosh/articles/other/o-a05-az/

................................

هوامش

1- التسامح ومنابع اللاتسامح.. فرص التعايش بين الأديان والثقافات، ماجد الغرباوي، ط 2008م، اصدار الحضارية، بغداد، ودار العارف، بروت.

2- المصدر نفسه، ص11.

3- المصدر نفسه، ص20.

4- المصدر نفسه، ص26.

5- المصدر نفسه، ص 27.

6- المصدر نفسه، ص 56.

7- المصدر نفسه، ص 76.

8- المصدر نفسه، ص 118.

 

احمد بابانا العلويصدر للاستاذ نبيل فازيو عن مؤسسة مومنون كتاب بعنوان "العدالة والعدل مساهمة في تفكيك برادايم الملك في الفكر السياسي الاسلامي الكلاسيكي"(2019)

الكتاب يتناول (من منظور معياري) كيف تمثل الفقهاء مفهوم العدل ونظروا الى قضية العدالة باعتبارها اس العلاقة الجدلية في الاجتماع السياسي الاسلامي ورهاناته..

وقد سبق للاستاذ نبيل ان تناول في كتابه"دولة الفقهاء" (2015) مسالة العدل والسلطة والعدالة..

في كتابه الجديد يبحث بصورة معمقة علاقة العدل والعدالة بالملك من خلال "برادايم الملك" على ضوء كتب الاحكام السلطانية والفقه السياسي والاداب والنصائح.. مع التركيز على "الماوردي /ت/450هجرية" باعتباره امام مدرسة الفقه السياسي في العصر الوسيط.. لقد اهتمت بالماوردي دراسات قليلة ظلت نظرية وعامة ولم تتعمق في فكره رغم ان كتابه الاحكام السلطانية يعتبر مرجعا لدارسي تاريخ الافكار و المؤسسات السياسية في الاسلام..

والعدل اسم جامع معناه الانصاف ورفع الجور وبه صلاح الحاكم والمحكوم وصلاح العالم.. بجلب المصالح ودرء المفاسد وهو مناط السياسة الشرعية حينما تمارس السلطة من اجل احقاق الحق وابطال الباطل..

ويشكل الاهتمام بمفهوم العدل جوهر المشكلة السياسية.. وقد ندر البحث والتنظير في موضوع العدالة في الفكر العربي المعاصر لافتقاره الى نظرية صلبة.. وعجزه عن الحسم في كثير من الاشكالات ومن ابرزها اشكالية العدل..

يقول الاستاذ نبيل بان غرضه من تاليف الكتاب اقتراح استراجية لتفكيك مسالة العدل في التراث العربي الاسلامي.. ومساءلة فكرة العدل من خلال " برادايم الملك" ويقصد به الاطار النظري والتفسيري الذي يحكم رؤية الفكر السياسي والاخلاقي.. الى العدل على وجه التحديد.. بمستوياته المختلفة.. حيث ظل خاضعا لنموذج ذهني افرزه واقع الملك الذي حكم العقل الاسلامي..

ان التفكير في النموذج من خلال سؤال العدل يفرض ان نربط بين مفهومي العدل والملك..

ولمفهوم الملك وقعه على الثقافة السياسية باعتباره مؤشرا على نهاية عصر الخلافة والانتقال الى حكم الملك العضوض..

ان جل ما كتب حول مفهوم العدل تمحور حول مسالة الامامة وحرية الانسان عند المتكلمين وانسجام قوى النفس ونظام الكون عند الفلاسفة..

فالعدل من حيث هو قيمة متعالية يتجاوز نسبية الاجتماع السياسي..

لقد طلت رؤية فقهاء السياسة متارجحة بين الواقعية التاريخية والمعيارية الشرعية..

وهكذا تقاطعت في ذهن "الماوردي" نموذج الخلافة وتبدد رمزيتها امام تصاعد نموذج الملك وقد توجس من تضخم السلطة وانقلابها الى طغيان..

من هنا جاء تمسك فقهاء السياسة بمفهوم العدل في مواجهة طغيان السلطان..

وكان عليهم ان يفكروا في مشروعية السلطة على ضوء اكراه الشرع في معياريته واكراه الواقع في ضروراته.. ومن ثم الاقرار بقوة الواقع.. وتجدر الاشارة الى ضرورة التمييز بين مفهوم الشرعية الذي يدور حول فكرة الطاعة السياسية ومفهوم المشروعية بمعنى الخضوع للقوانين السائدة او المطابقة للقانون.. قد تكون السلطة مشروعة ولكنها فاقدة للشرعية اذا فقدت ثقة الجماعة او الرضا العام ( المعتقدات والقيم الجماعية كبعدين للشرعية) وعندما تنهار شرعية النظام يصبح غير شرعي واكثر تسلطية واستبدادا..

الرؤية الاسلامية لم تفصل بين الشرعية السياسية والمشروعية القانونية.. فالشرعي هو ما طابق احكام ومبادئ الشريعة ومفهوم السياسة الشرعية المركب يؤكد ان الشرعية الاسلامية تعد مناط الشرعية السياسية وبالتالي فان وصف السياسة بالشرعية يجعلها وثيقة الصلة بروح الشريعة و مقاصدها لاجل تحقيق العدل فالسلطة لا تصبح شرعية الا اذا التزمت بمعايير الشريعة و مقاصدها في مناهجها وغايتها..

والعدالة بشروطها. الجامعة. هي قوام الخلافة و مصدر شرعيتها لان تحقيق العدل غاية الشريعة الاسمى..

يقول "ابن القيم الجوزية(691/751/هجرية) بان الشريعة عدل كلها.. وكل مسالة خرجت من العدل الى الجور ومن المصلحة الى المفسدة فليست من الشريعة وان دخلت فيها بالتاويل..

ان النظر الى متن فقهاء السياسة باعتباره نظام وتدبير لمعنى الاجتماع السياسي جعل المؤلف يحرص على مقارنة مقالات الفقهاء السياسية بصنوف الخطابات المنافسة واعتبر رؤيتهم تسعى الى بلورة فهما معقولا للواقع ومتغيراته.. الامر الذي يسمح بتفكيك نصوصهم لاجل الوصول الى مرتكزات الوعي السياسي الاسلامي في العصر الوسيط المتجذر في نموذج الملك..

يضم الكتاب فصولا تتناول جوانب اشكالية للعدل خاصة ماتعلق بالاداب السلطانية والفلسفة السياسية وعلم الكلام اضافة الى فقه السياسة الشرعية..

وغرض المؤلف من وراء ذلك ابراز تصور هذه المستويات الفكرية لفكرة العدل..

ومن المسلم به ان للنص عالمه وليس من اليسير فصله عن تاريخ تاويله وفهمه..

وكل نص له القدرة على احتواء مفاهيم عابرة للحقب التاريخية.. وبالتالي من الصعب عزل نصوص الفكر السياسي الاسلامي عن الثقافة التي انتجتها..

ومن الواضح ان "برادايم الملك" الذي وظفه المؤلف في قراءة كتابات فقهاء السياسة تظهر اهميته في قدرته التفسيرية التي تتيح لنا النظر الى السياسة وفهم تشكلاتها وابعادها.. وذلك  من خلال دراسة مصطلحات السياسة الشرعية على الصعيد الدلالي والمنهجي والفقهي لكي نفهم كيف تمت صياغة "نظرية الخلافة" من طرف فقهاء السياسة وفلاسفة الحكم..

ان معنى مفهوم الخلافة والامامة واحد عند فقهاء السياسة الشرعية.. فالماوردي يعرف الخلافة او الامامة بانها "خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا"و يعرفها ابن تيمية بانها النيابة عن النبي في سياسة الدنيا والدين.. ويرى ان الامامة من او جب واجبات الدين بل لا قيام للدين والدنيا الا بها.. لان الجماعة لا بد لها من امام يقيم الاحكام ويصون المصالح وقيم "دولة الصلاح والاصلاح" ويجب ان تتم بيعة الامام بيعة حرة خالية من شوائب الاكراه..

ومن شروط الامامة عند ابن تيمية "العدالة" وايضا المشورة والمبايعة.. اما طاعة الامام التي اختلف فيها فان ابن تيمية يقر بان الامام يطاع في عدل ولا يطاع في معصية..

ويقسم ابن تيمية الحكام الى قسمين: حكام هم خلفاء نبوة  استوفوا شروط الخلافة بالمشورة الصحيحة والمبايعة و القيام بالعدل والحق اما اذا فقدوا شرطا من هذه الشروط فان حكمهم يتحول الى "ملك" (ملك عضوض) يقوم على التغلب..

ويتفق الفقهاء على ان طاعة الملوك المستخلفين (طاعة المتغلب) تكون في غير معصية تجنبا للفتنة..

اما ابن خلدون فان مفهوم الخلافة والملك عنده ينطبق على مفهوم الدولة العامة كما تحدث عنها في مباحث المقدمة.. حيث تناول شكل الحكم ونوع السياسة التي يعتمدها الحاكم في تدبير شؤون الدولة والمبادئ التي يستند اليها في ممارسة الحكم..

وقد تطرق الى موضوع الحكم او الملك انطلاقا من رؤيته للاسس التي تقوم عليها الدول وعوامل تطورها واضمحلالها.. وبحث عن الوازع الذي يحمل الناس على اقامة ملك او دولة.. ووجد انه يجب ان يرجع في ذلك الى القوانين السياسية التي تنقاد اليها المجتمعات وتحكم الدول و يصنف هذه السياسات الى سياسات "دينية او عقلية او مدنية"ونتيجة لذلك قسم الملك الى :

- الملك الطبيعي وهو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة

- الملك السياسي هوحمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح ودفع المضار.

- واما الخلافة فيعرفها ابن خلدون بانها هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الاخروية والدنيوية الراجعة اليها اذ ان احوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع الى اعتبا رها بمصالح الاخرة فهي في الحقبقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

وهكذا نستنتج مما سبق ان المشكلة الاساسية التي شغلت بال مفكري الاسلام وفقهاء السياسة والحكم وملكت عليهم تفكيرهم ووجهت ابحاثهم.. تمحورت حول الدولة ونظام الحكم وفن الاداب السلطانية في تدبير الحكم.. سواء بمقتضى الشر ع او بمقتضى العقل او بالتغلب والقهر..

من هذا المنطلق تم حصر انواع الحكم في نوعين رئيسين هما "الخلافة" و"الملك"

لم يهتم العلماء بالاسباب التي ادت الى انقلاب الخلافة الى "ملك عضوض"بل عملوا على الدفاع عن سلطة الخليفة (الملك) وهيبة الخلافة وقاموا باضفاء الشرعية على "حكم الملك" حرصا على استمرا رية الخلافة السنية ولو في قالب نظام "ملك عضوض.. "

وقد برر الماوردي موقفه في خدمة الخلافة باحياء الفكرة وبعث النشاط في المؤسسة ووجوب الخلافة عقلا وشرعا وضرورتها الحيوية للدين والدنيا..

ونهج ابن تيمية موقفا مماثلا فكان همه تحقيق اقامة دولة اسلامية وتقوية دعائم النظام فان لم يمكن اقامة العدل الذي يحمي الديار ويحسن التدبير.. ووجد الامير القوي الحسن الراي والتدبير وان لم يكن عدلا في كل احواله فرضت طاعته وهو بذلك ينهج منهج اهل السنة والجماعة..

و جملة ما يقال ان الشريعة دون قوة تدعمها تصبح مثالية غير قابلة للتحقق في الواقع وان السلطة بدون شريعة تصير طغيانا محققا.. . فالشريعة توفر المنهج وتضمن القصد فتتحول القوة الى سلطة تكتمل فيه القدرة والبصيرة..

فشرعية السلطة في مقاصد الشريعة ومقاصد الشريعة في تحقيق العدل..

واذا كان العدل قوام الدول واساس الحكم والملك فعلى ابناء الامة جميعا ان يتعاونوا في امانة الحكم وامانة الاصلاح.. ولهذا كانت امانة الحكم في الامم الحية مقرونة بامانة مثلها وهي امانة الدعوة والارشاد..

(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

 (104) سورةآل عمران

- وشر البلاء ان تمتحن الامة في فساد نظامها وقواعد حكمها بسبب بطلان الدعوة والتغاضي عن المنكرات..

 

احمد بابانا العلوي

 

محمد السعدييعتبر كتاب الدكتور عبد الحسين شعبان الموسوم "سلام عادل الدال والمدلول وما يمكث وما يزول" وثيقة مهمة وتاريخية ومرجعية للحركة الشيوعية ومادة حيوية للبحث والدراسة، وقد نال اهتماماً كبيراً ومساحة واسعة من النقد والتعليق وفتح حواراً فعالاً وحيوياً حوله، خصوصاً إزاء إشكالات تاريخية، بل وحتى راهنة. وانعقدت حوله ندوات وحلقات نقاشية، فضلاً عن تغطية يستحقها في الصحف والمواقع الأليكترونية، سواءً في العراق أو في خارجه، وسيبقى لحين آخر مثار نقاش وجدال، ولاسيّما الوثيقتين التاريخيتين اللتان أوردهما: الأولى الخاصة بالكونفرنس الثاني للحزب 1956 والثانية حول ردود سلام عادل على ضيق الأفق القومي الذي أصاب عدداً من القيادات الشيوعية الكردية، وهو ما يستحق التوقف عنده، وخصوصاً تأثيراته اللاحقة (1957).

توقيع كتاب

وكتبتُ مقالةً نُشرت بعدّة مواقع عراقية وعربية بعد قراءتي لسرديته عن سلام عادل في صحيفة الزمان التي نُشرت على حلقات، وحين صدر الكتاب وقامت مؤسسة بيدر في مالمو باستضافة الباحث للتوقيع على الكتاب في ندوة مهمة، عدتُ إليه مجدداً، خصوصاً بعد الملاحظات المهمة التي أبداها الكاتب حول مقالتي السابقة، وها أنا أفعل ذلك للتدقيق وحرصاً مني على الحقيقة وتأكيداً لها، لأن أعداء سلام عادل حاولوا الإساءة إليه بأشكال مختلفة منهم ما نشره (محمد أبو عزة) الكاتب والروائي الفلسطيني وسكرتير تحرير مجلة (دنيا العرب)، والذي كان ضمن جحافل قوات الحرس القومي وذلك بعد انقلاب 8 شباط 1963 حيث روى قصة اعتقال سلام عادل في الأمن العام وكيف بصق بوجه أحد القياديين البعثيين، وهي رواية دحضها الباحث شعبان، وشكّك ما ورد فيها وفي صحتها، واقتضت الأمانة قول ذلك وتأكيده. كما خطّأ كتاب شعبان ما ذهب إليه آرا خاجادور حول إطلاق علي صالح السعدي رصاصة الرحمة على سلام عادل وذلك من خلال الوقائع التاريخية التي أوردها بما فيها كون السعدي كان على رأس وفد كان في القاهرة والجزائر وتاريخ عودته كان بعد استشهاد سلام عادل (بالرجوع إلى كتاب أمين هويدي). وفي الوقت نفسه فنّد رواية هاني الفكيكي حول الحوار بين الضحية والجلاد وإبداء استعداد سلام عادل لإصدار بيان مشترك مع قيادة البعث إذا ما تم إطلاق سراح المعتقلين ووقف التعذيب، وهي رواية مدسوسة وخبيثة ومشوّهة، وكان الباحث قد أوضح حقيقة ما جرى ورباطة جأش سلام عادل ومبدأيته حين طالب الانقلابيين بالكف عن ذلك وإعلان عدائهم للامبريالية، وكان ذلك تحدياً كبيراً في المواجهة البطولية بين سلام عادل وحازم جواد الذي كان قد ترأس التحقيق معه. وقد أورد المفكر شعبان فقرات عديدة من أقوال جواد التي يعترف بها بتعذيب المعتقلين بحجة أن الاتحاد السوفييتي يعذّب أعداءه.. تميّزت قيادة سلام عادل بمواصفات فريدة في حينها، لاسيّما عملها الجاد والمسؤول لاستعادة وحدة الشيوعيين وإنهاء الانقسامات والاعتراف بالأخطاء والثغرات والسعي لمعالجتها بروح الحرص والأفق المنفتح بعيداً عن التعصّب. فبعد أن تسلم سلام عادل قيادة الحزب في حزيران العام 1955 وذلك بعد عزل حميد عثمان وهروبه إلى كردستان وانضمامه إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، أخذ الشهيد سلام عادل على عاتقه مهمة صعبة وخطيرة، حيث قام بجمع وتوحيد ولم شمل رفاق الحزب وتوحيد تنظيماته بعد تعرّضها إلى تصدعات كبيرة لسنوات مضت بسبب الصراعات الداخلية وملاحقات الشرطة السرية لتنظيمات الحزب وكشف الأسرار بين الأطراف المتصارعة.  ويذكر هنا العديد من الشيوعيين وفي مقدمتهم باقر ابراهيم وحسين سلطان قول سلام عادل إن (فصل أي رفيق من الحزب بمثابة قلع شعرة من عيوني)، وعلى هذا الأساس تحرك وعمل من أجل وحدة الشيوعيين على مبادئ الحوار الفكري والرأي المختلف والحرص المتبادل انطلاقاً من قناعاته الثابتة بأهمية دور الحزب الوطني والعربي، وهو النهج الذي حظي بتأييد شامل من الشيوعيين، خصوصاً المرونة التي أبداها مع المبدأية والصبر وطول النفس لتحقيق الهدف. لقد كان هذا التوجه التوحيدي من أهم المفاصل الحزبية والمنعطفات التاريخية التي واجهتها قيادة سلام عادل فما كان يمكن تحقيق المنجزات وصولاً لثورة تموز دون تصفية التكتلات والانشقاقات والمجموعات المتباعدة والمتصارعة، وبروح مبدأية متسامحة فقررت العمل من أجل الوحدة مهما كان الثمن، وهو ما يذكره الدكتور شعبان فبالرغم من التقاطعات الفكرية سعى للتواصل مع (راية الشغيلة)، والتي كان من قادتها عزيز محمد السكرتير السابق للحزب، والشهداء جمال الحيدري ونافع يونس، على الرغم من أن جريدة القاعدة التي يصدرها الحزب وصفتها في حينها بأنها زمرة بلاطية (نسبة إلى البلاط الملكي)، وإنها انحطت في المستنقع والقاذورات اليمينية، متهمة إياها بالانتهازية، ويقول شعبان إن مثل هذه الاتهامات غالباً ما تصدر في المنعطفات التي تشهد انقسامات وصراعات داخل الحزب، لكنه سرعان ما يطويها الزمن بفعل بعض التسويات والاتفاقات والانعطافات .

حل المنظمة

أما ’’ منظمة وحدة الشيوعيين ” فكانت برئاسة عزيز شريف وعبد الرحيم شريف وقد أسهم عامر عبدالله بحكم صلته الوطيدة بهما في إقناعهما بحل المنظمة والالتحاق بالحزب مجدداً وذلك في إطار المنهج الذي اتبعه سلام عادل، كما انضمت كتلة داود الصائغ (رابطة الشيوعيين) لاحقاً إلى صفوف الحزب وتنظيماته. ويمكنني الإشادة بدينامكية وقدرة سلام عادل في استيعاب الصراعات الحزبية والآراء المختلفة واحتوائها لمصلحة الحزب والوطن، وعلى الرغم من أن الصراعات الداخلية بعد الثورة أنهكت سلام عادل، دون أن ننسى الصراعات مع الحكم وأطرافه والقوى السياسية الأخرى إلا أنه حاول احتواء كتلة المبدأ وداود الصائغ بعد أن حصل الأخير على إجازة باسم الحزب الشيوعي العراقي في حين رفض عبد الكريم قاسم منح الحزب مثل هذه الإجازة حتى بعد تبديل اسمه إلى " حزب اتحاد الشعب"، وكان سلام عادل قد أرسل عدداً من الصحافيين والكتاب للعمل كمحررين في جريدة المبدأ والسعي لتغيير اتجاهها بما يتوافق مع نهج الحزب ومواقفه.

ويتابع د. شعبان بدقة كبيرة تفاصيل تنشر بعضها لأول مرّة عن استشهاد سلام عادل بعد تعذيبه في قصر النهاية، وهو لا تفي بما هو مكتوب ومنشور، بل يذهب أحياناً إلى الجلادين أنفسهم ليستفسر عن هذا الموقف أو ذاك، مثلما يواصل الحديث مع بعض الضحايا وشهود العيان، ليبرز حقيقة شجاعة سلام عادل، بل يجبر حتى من قام بالارتكاب للاعتراف بذلك، في إطار عمل مضني ومجتهد. ويتابع ذلك ابتداءً من إصدار بيان المقاومة ضد انقلاب 8 شباط ولغاية اعتقاله ونقله إلى مركز المأمون ومنه إلى قصر النهاية، (19 شباط وحتى استشهاده مساء 23 شباط 1963).وامتازت قيادة سلام عادل، ولاسيّما قبل الثورة بالمبادرات فمن توحيد الحزب إلى قيادة الشارع في انتفاضة العام 1956 تضامناً مع الشقيقة مصر ضد العدوان إلى توحيد الحركة الوطنية بقيام " جبهة الاتحاد الوطني" في عام 1957 ومنها إلى العمل مع الضباط الأحرار تمهيداً للثورة، كما انتهجت سياسة عربية متميزة تم التعبير عنها في الوثيقتين التاريخيتين، وكذلك منهجاً أممياً في حل القضية الكردية عبر حق تقرير المصير والاستقلال الذاتي، وفي الوقت نفسه نقد للاتجاهات التصفوية البرجوازية الذيلية التي ظهرت لدى فريق من الشيوعيين الأكراد، وهو نقد استشرافي جريء ومبدئي، وليس كما تم اتباعه لاحقاً مع مجاملات وتنازلات للتيار القومي السائد، والذي ألحق ضرراً بالحزب وهوّيته، خصوصاً بانقسام الشيوعيين على أساس قومي. ويفرد الكاتب صفحات من كتابه الذي يستحق القراءة ليبرز مواقف مهمة في حياة سلام عادل من سلطة قاسم الدكتاتورية والقضية الكردية والتباين عن رؤية السوفييت، إضافة إلى الصراع الداخلي في هرم قيادة الحزب والتدهور السريع في ضياع منجزات الثورة ونتائجها . وقد تحدّث المؤلف عن ذلك بانسيابية وحيوية على منصة مؤسسة بيدر في مدينة مالمو/ السويدية. وعلى الرغم من الأخطاء والالتباسات كما يقول شعبان في قضايا عديدة ومنها أعمال العنف في الموصل وكركوك، وكذلك الموقف من سلطة قاسم والتذبذب والتردّد، إلّا أن قيادة سلام عادل ختمت حياتها بالاستشهاد البطولي، حيث استشهد تحت التعذيب نحو 25 قائداً شيوعياً، في مقدمتهم سلام عادل وجمال الحيدري ومحمد صالح العبلّي ومحمد حسين أبو العيس ونافع يونس وحمزة سلمان الجبوري ومهدي حميد وعبد الرحيم شريف وحسن عوينة وعبد الجبار وهبي وتوفيق منير، إضافة إلى عدد من العسكريين القياديين بينهم ماجد محمد أمين وفاضل عباس المهداوي ووصفي طاهر وطه الشيخ أحمد وجلال الأوقاتي وخزعل السعدي وآخرين.

 

محمد السعدي

مدير مركز بيدر للثقافة والإعلام

....................................

- كتاب سلام عادل - الدال والمدلول، صدر عن دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2019 ويحتوي على 323 صفحة من الجم المتوسط.

 

عدنان حسين احمدصدر عن دار "الآن ناشرون وموزِّعون" بعمّان كتاب "السينما الأردنية ..بشاير وأحلام" للناقد السينمائي ناجح حسن وهو الكتاب السابع في رصيده النقدي الذي يوثِّق للسينما الأردنية التي اقترنت بدايتها بفيلم "صراع في جرش" عام 1958. يتألف الكتاب الذي يقع في 316 صفحة من القطع المتوسط من مقدمة وواحد وعشرين فصلاً إضافة إلى ثبت بسيرة الناقد الذاتية والإبداعية.

تكشف المقدمة ثقة المؤلف المُطلقة بأنّ السينما هي لغة بصرية راقية، ووسيلة تَخاطب وحوار بين الثقافات المتعددة والحضارات المتنوعة، ولا ينحصر دورها في الترفيه، وتزجية وقت الفراغ حسب، وإنما تحفِّز على إعمال الذهن، وتشجّع على التفكير. ويذهب أبعدَ من ذلك حينما يصف السينما بالأداة الفنية الأكثر عدالة وتسامحًا لأنها تقف ضد الفساد والتطرّف وتشذّب الذائقة الجمالية للمتلقين في كل مكان.

يسعى المؤلف في هذا الكتاب إلى تبيان جهود الأفراد والمؤسسات في دعم الخطاب السينمائي بصورة عامة، وتشجيع المواهب الشابة التي تجد ضالتها في الفن السابع. فثمة دعوات كثيرة تبدأ بضرورة إطلاق المهرجانات السينمائية، وإيجاد الحلول اللازمة لمشكلات الفيلم العربي في التمويل والتسويق والمشاركة في المهرجانات العالمية على أوسع مدىً ممكن.

يتمحور الفصل الأول على الطاقات الشابة التي ترنو إلى الإبداع والابتكار ويأتي في مقدمتها ناجي أبو نوّار الذي تألق في إخراج فيلم "ذيب" وظفر بجائزة أفضل مخرج في الدورة الـ 71 لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي. وقد سبق هذا الفيلم الذي يشكّل علامة فارقة في السينما الأردنية العديد من الأفلام الروائية الأخرى مثل "كابتن أبو رائد"، "الجمعة الأخيرة"، "الشراكسة"، و "المنعطف" وغيرها من الأفلام التي أنجزها مخرجون شباب يتطلعون إلى الابتكار والمغايرة والاختلاف. ولم يقتصر هذا السعي على الأفلام الروائية الطويلة، وإنما تعداها إلى الأفلام الوثائقية والقصيرة من بينها "طرفة" لماجدة الكباريتي، و "الببغاء" لدارين سلام.

يواصل المؤلف رهانه على الجيل الجديد في تطوير السينما الأردنية فيخصص الفصل الثاني برمته للمخرج الأردني المغترب عدنان الرمحي الذي أنجز فيلمين روائيين، وستة أفلام وثائقية من بينها "رحلة المشتى" 1996 الذي تابع فيه بعثة أثرية ألمانية قامت باقتطاع واجهة قصر المشتى عام 1912 ونقلتها إلى مُتحف برلين.

يرصد الباحث في الفصل الثالث أفلامًا متعددة لاثني عشر مخرجًا من بينها "حكاية شرقية" لنجدة أنزور التي تروي قصة صحفي مغترب عن واقعه تنتابه الكوابيس بسبب الإحباط الناجم عن سوداوية واقعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. كما يركز على المخرج فيصل الزعبي الذي عاد من الاتحاد السوفييتي "السابق" وأنجز فيلمً وثائقيًا مهمًا هو "غصّة أو حي في البحر الميت" الذي تناول فيه حياة الروائي الأردني مؤنس الرزاز وعلاقة المبدع بمحيطة الاجتماعي والسياسي. وفي سياق عودة المواهب يتوقف المؤلف عند تجربة المخرج محي الدين قندور الذي عاد من أميركا عام 2008 وأنجز فيلم "الشراكسة" الذي يُعدّه النقاد مكتمل العناصر وينحاز للقيم البدوية والشركسية في آنٍ معًا.

يقترح المؤلف إعادة صندوق الأردني للدعم بوصفه أحد أذرع الهيأة الملكية الأردنية للأفلام، ويدعو إلى تهيئة صالات نموذجية تتوزع في أرجاء المملكة لأن العالم يتحدث اليوم بلغة الصورة. يُشيد الناقد ناجح حسن بجهود الأشخاص والمؤسسات التي تنظِّم الأنشطة والمهرجانات السينمائية، ويشير في هذا الصدد إلى جهود الناقد السينمائي الراحل حسان أبو غنيمة، وعدنان مدانات، وسوسن دروزة، وندى دوماني، وغادة سابا، وشادي النمري، والمخرج حازم البيطار الذين أثبتوا مقدرة عالية في إدارة وتنظيم المهرجانات السينمائية.

يتناول بعض فصول هذا الكتاب مهرجانات لأفلام روائية ووثائقية بشقيها الطويل والقصير من دون أن يهمل أفلام التحريك التي احتضنها الأردن في أحد مهرجاناته التي انتقت 35 فيلمًا وتألق بعضها مثل فيلمي "هون" و "دخان أكثر" لريم قطامي، و "مفقود" لطارق الريماوي وقد عدّ البعض هذا المهرجان  حدثًا ثقافيًا جديدًا على خريطة الإبداع المحلية. يركز الفصل السابع على مهرجان الفيلم الأردني الثاني والجوائز التي أُسندت إلى بعض الأفلام مثل "رسالة قيد التسليم" لحمزة ملحم و "خيانة جسد" لأحمد الفالح، و "لقيط" لرمضان الفيومي. أما مهرجان جرش للثقافة والفنون فقد ضمّ ستة أسماء وهم محمد عليوات، ريم قطامي، رنيم عابدين، وداد شفاقوج، مريم جمعة وهبة البوريني الذين رفدوا الأفلام الأردنية بلمسات جديدة من السرد القصصي والتوثيقي.

قدّمت السينما الأردنية خلال عام 2012 عددًا من الأفلام الطموحة التي تسعى إلى التجديد والابتكار من بينها "لما ضحكت موناليزا" لفادي حدّاد الذي يرصد العلاقة التي تجمع بين فتاة أردنية ووافد مصري. و "الساعة الأخيرة" لرؤى العزاوي الذي يروي معاناة أهالي غزة من الحصار، والقصف العشوائي.

يتناول المؤلف في ثلاثة فصول "الثورة العربية الكبرى" حيث يوثِّق المخرج عدنان الرمحي لزعماء الثورة من الأمراء الهاشميين. كما ينجز اللبناني فؤاد نعيم فيلمًا بالاسم ذاته، ويحقق إحسان رمزي فيلمًا ثالثًا عن مؤسس المملكة. وهناك ثلاثية تسجيلية ترصد وقائع الثورة العربية الكبرى من إخراج أصيل منصور ورولاند ماي. أما فيلم "ذيب" الذي توقف عنده المؤلف غير مرة فقد أنجزه المخرج ناجي أبو نوّار على وفق ذائقته الشخصية التي تميل إلى السينما البسيطة التي تخلو من التكلّف والافتعال، وتحترم عقلية المتلقي، وتنحاز إلى تاريخه ومنظومة قيمه الاجتماعية والأخلاقية. وقد أجرى المؤلف لقاءً طويلاً يسلط فيه الضوء على ثيمة الفيلم، وطريقة معالجته، والمؤثرات التي تركت بصماتها على مُخرج الفيلم.

يتوقف المؤلف عند 11 مُخرجة أردنية تناول بعضهن في فصول سابقة لكنه يعود ليفرد فصولا خاصة بفيلم "الأفعى" لجلال طعمة ويتعمق في ثيمة الفيلم وتقنيات المخرج، كما يكرّس فصلين خاصين لفيلمي المخرجة وداد شفاقوج الوثائقين وهما "17" الذي تتتبع فيه عدد من الشابات الأردنيات اللواتي يسعينَ لخوض غمار لعبة كرة القدم، و "آخر راكب" الذي تستقصي فيه أحوال اللاجئين السوريين في مخيّم الزعتري.

ثمة تركيز في أكثر من فصل على الرسوم المتحركة مثل "زيتونة" لبشرى نيروخ، و "غالية" الذي يُعرّف بمرض السرطان، ويُحذِّر منه. كما يُشيد المؤلف بتجربة المخرجة الشابة لور مدانات ويسلّط الضوء على تقنيتها ورؤيتها الإخراجية من خلال ثلاثة أفلام وهي "صدى الحلم"، "حققوا السلام" و "هزّ رؤوس".

يُحلل الناقد ناجح حسن في الفصل الأخير من الكتاب 15 فيلمًا روائيًا ووثائقيًا من بينها "لسة عايشة" لأسماء بسيسو، و "إنشاء الله استفدت" لمحمود المسّاد، و "ترانزيت" لمعتصم أبو عليم، و "صباح بارد في نوفمبر" لروبرت عبود، و "في الحُب غرابة" لأمين مطالقة المقتبس عن رواية "الليالي البيضاء" لدستويفسكي الذي يتناول فيه الوقوع في الحُب من طرف واحد، ومحاولة إسعاد حبيبته التي تعشق غيره.

وعلى الرغم من السمة الأرشيفية والحس التوثيقي لمجمل الأفلام التي تُنجز في المملكة الأردنية إلاّ أنّ فصول الكتاب تكتظ بالآراء النقدية التي تُشعِر المتلقي بأنه يقرأ دراساتٍ نقديةً معمقة تُحلل الأفلام، وتُسبر أغوارها، وتكشف ما غمُض منها، فلاغرابة أن نقول بأن هذا الكتاب يسدّ فراغًا في المكتبة السينمائية الأردنية في أقل تقدير.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

1209 لبنى شرارةديوان شعري للشاعرة اللبنانية المغتربة لبنى شرارة بزي..

صدر عن دار لندا مؤخرا ً الديوان الشعري الجديد الذي يحمل العنوان (إبتسامة من رحم الالم) للشاعرة اللبنانية المغتربة  لبنى شرارة بزي ويقع الديوان في 148 صفحة من القطع المتوسط وتنوعت قصائد الديوان في موضوعاتها ومضامينها الفكرية محلقة بين فضاءات الحب والشوق والحنين الى الأمكنة الاولى الى جانب بعض القصائد التي تحتوي على بُعد رثائي شفيف بلغة رومانسية رقيقة، حاولت الشاعرة من خلال قصيدتها التعبير عن مواقفها إزاء هذا العالم المثقل بالأحزان الشخصية والعامة من خلال الجملة الشعرية المكثفة المعبرة وبإيقاع شعري مضغوط  ودفق لغوي شاعري وبأسلوب السهل الممتنع، فالقصيدة تبدو بسيطة في معمارها الشكلي ولكن تكمن فعاليتها في آلية تجانس عناصرها اللغوية والدلالية التي تُبنئ عن ثمة حزن يغلّف حكاية القصيدة عند شرارة محاولة إزاحته (الحزن) عبر بث رسائل الامل والانطلاق نحو المستقبل

بعد ليل ..

أرهقني ظله الثقيل

وذات فجر ..

ولدت إبتسامتي

من رحم المستحيل .. (من قصيدة إبتسامة من رحم الامل ص 11) 

وتبدو القصيدة عند الشاعرة لبنى شرارة بزي متجددة في فعاليتها الشعرية من خلال الاهتمام بلغتها التي تزدهي بمعمارها الفني المعبر وببنيتها المختزلة لأساليب التعبير الشعري الفائض عن الحاجة ومن المعروف أن الشاعر الذي يقرأ جيدا ً ضرورات التجديد من خلال تطويع جملته الشعرية لأساليب التجريب المتواصل  لُينقّب دوما عن ما هو جمالي ليزيد على ما هو مترسخ في حديقة الشعر الغناءة بتلاوينه وأساليبه المتنوعة

من الأجل المحتوم

أعلل ُ النفس بالآمال

فلا يهزمني المستحيل

يمضي نهاري مترنحا ً

بين دمعة وآهة . ص 94 من قصيدة دمعة وآهة .

وفي إطار البحث عن المغايرة في النص الشعري المعاصر تتبدى لنا مفارقة الواقع بثقافتها الخاصة المعاصرة الاستهلاكية والتي تقترح واقعها الخاص من وسط ركام واقعها الخاص وهو ليس الواقع الفعلي بل الواقع الممكن وعلى هذا الاساس يوضح ادونيس في مقاربته عن الشعر الحقيقي والشعر الوظيفي، حيث يقول بأن (الشعر الوظيفي يكتفي بوصف حدث خارجي ممجدًا إياه أو معبراً من خلال تكثيف إنفعال يعبر عن وظيفة تصويرية بلاغية كما يفرق بين اللغة الشعرية واللغة اليومية التي ليست سوى حجاب للواقع) أما الشعر الحقيقي فتأتي جملته الشعرية لتحرق هذا الحجاب لتعبر عما لا تستطيع الاولى التعبير عنه في موضوعات مثل الانتظار، الفراق، التضحية وغيرها من الحالات والاسئلة العميقة التي تشكل هواجس قلق دائم لدى الانسان . وتعبر الشاعرة عن هذا الغياب أو الفراق من خلال أبيات قصيدة (يا غائبا ً أضناني هجره) ص 83

سألني قلبي

لم َ تهبُ نسائم الذكرى

مع تغير الفصول ..

ولم أشم ُ رائحة البيلسان في الحقول

حين ببالي .. تجول صورتُك

لماذا يحضر العشبُ في أيلول؟

على الرغم من مسحة الالم والحزن الذي يسكن معظم مضامين القصائد بسبب فقدان الشاعرة لزوجها حيث تعبر الشاعرة عن هذا الفقدان بذكرى جميلة وجرعة أمل تنتشل روحها الملئ بدفق الشوق وجمال الذكريات لتجعل من الجملة الشعرية نافذة جمالية في هذا الديوان بالذات لصناعة أمل من رحم الالم المتأتي من حالة الفقدان ومن مأساوية الواقع الانساني الذي نعيش .

وفي قصيدة (تعال نهزم المستحيل) ص87 ،تجسد الشاعرة رؤيتها في هزيمة الالم عبر بث روح الأمل حيث تقول:

عاهدت ُ طيفك

ألا ..

نفترق بعد اللقاء

فإبتسامة الامل تعيد ُ

لقلبينا الجريحين الشفاء .

جدير بالذكر أن مقدمة الديوان جاءت بقلم الشاعر العراقي المغترب كمال العبدلي الذي أثنى على موهبة الشاعرة واصفا ً إياها بالصوت الشعري الانثوي المتميز وذكر ان اهمية الديوان تاتي من خلال تظافر جملة عوامل مركبة ومتداخلة يكمل احدها الاخر توافرت عليها الشاعرة مجتمعة كالموهبة والخلفية المعرفية والتجربة وسلاسة اللغة وقوة السبك وانسيابية التداعي وانتقاء المفردات الموحية للمعنى المُراد .

 

إستبرق العزاوي – ديترويت 

 

 

1204 كيف تكون رواقياالاخلاق الرواقية وتطبيقاتها في حياتنا اليومية هي موضوع كتاب (كيف تكون رواقيا الصادر عام 2017) للكاتب ماسيمو بغلوسي. بدأت الرواقية كمدرسة ابداعية في الكلاسيكية اليونانية والفلسفة الرومانية، لتعرض تعاملا غير تقليدي للافكار الرائجة في ذلك الزمن، والتي لازال العديد منها سائدا حتى اليوم. احدى الافكار الاساسية في نظرية الاخلاق الرواقية هي اجراء تمييز واضح بين الاشياء الخاضعة لنا وتحت سيطرتنا، والاشياء التي خارجة عن ارادتنا. في عالم معقد وشديد الاضطراب وحيث يُنفق معظم الوقت حول مسائل لا نستطيع عمل الكثير تجاهها، جاءت الفكرة الرواقية باننا يجب ان نهتم فقط بالاشياء التي نمتلك السلطة لتغييرها لتقدّم علاجا ممكنا للقلق المزمن لحياتنا المعاصرة.

ربما أهم مبدأ في الاخلاق الرواقية هو الادّعاء بان القيمة الحقيقية لنا هي فقط بنوعية شخصيتنا وتعبيراتها من خلال افعالنا . هذا جرى التعبير عنه في القول بان "الفضيلة هي الخير الوحيد". لكي يصبح المرء رواقيا عليه ان يتقدم بالسير في مسار الفضيلة، هذا المرء ربما اقتنع بهذه الحكمة الرواقية الهامة لكنه لايزال بحاجة لإكتساب السيادة على نفسه من خلال تغيير افكاره ورغباته والتحفز بالفضيلة.

هذا المبدأ الاساسي كانت له انعكاسات خطيرة في ان كل شيء بعيد عن الفضيلة هو غير جيد. هذا يتضمن ليس فقط الثروة والمتعة وانما ايضا الصحة والنجاح المهني والعلاقات الشخصية بما فيها الاطفال والعائلة. في اللغة الرواقية كل هذه الاشياء هي "خارجية" وليست ابداً مصدرا للقيمة الحقيقية.

العقيدة الرواقية لا تبدو صعبة الفهم او مخالفة للبديهة، طالما العديد من الاشياء التي نقيّمها بالعادة تقع تحت صنف رواقي آخر من "اللااختلافات المفضلة"(1). هذا يعني نحن نستطيع وبضمير جيد استثمار الوقت والطاقة في متابعتها – طالما هذا لا يؤثر في تقدّمنا في تطوير الفضيلة.

كما يقترح عنوان الكتاب، التركيز على كيفية ان تكون رواقيا هو عمل تطبيقي: انه يسعى ليأخذ القارئ في رحلة تقود بالنهاية الى تحسين حياته، جزئيا من خلال إحداث ثورة في تصوره لما يمكن ان تكون عليه هذه التحسينات. غير ان المؤلف يؤكد بوضوح ان هذا "الكتاب لا يعد بسلاح اسطوري" ورغم ان النص هو دائما سهل الفهم، لكنه يكافح بصرامة لأجل الدقة الفلسفية والتاريخية.

الكاتب وهو بروفيسور بالفلسفة وكاتب عمود في (الفلسفة الآن) هو ايضا لديه دكتوراه بالبايولوجي . معرفته الميدانية الواسعة تؤهله لنقد او تحديث سايكولوجيا الرواقية حيثما أمكن. هو يعرض الرواقية بشمولية ونهاية مفتوحة، ويسلط الضوء على خصائص هذه الطريقة من التفكير التي تبدو واعدة له بينما يترك الخصائص الاخرى الأقل اقناعا. بنفس الوقت، تكشف الفصول الاولى من الكتاب عن التواضع. الكاتب يخبرنا انه هو ذاته مبتدئ فقط في هذا المسار الروحاني، لازال نوعا ما يشكك بالعقائد التي يحتضنها ببطء، ولازال يعتمد على اساتذة الرواقية القدماء امثال Seneca(4BC-65AD) و Marcus Aurelius( AD121-180) و ابكتاتوس (55- AD (135لتعمل كمرشد له.

احدى نقاط القوة في الكتاب هي استعمال الكاتب للمعرفة المفصلة بالسير الذاتية ليجعل هذه الشخصيات اكثر متعة وواقعية من خلال اسلوب ادبي في الإبقاءعلى الارتباط مع تقاليد كبار المفكرين كما لو انهم اصدقاؤه المقربون (خاصة ابيكتاتوس). وفي نفس الوقت، يظل الكتاب ذو طابع شخصي جدا، وان العديد من التحديات التي واجهها المؤلف في حياته الخاصة، بضمنها موت كل من امه وابوه بالسرطان، سعى من خلالها الى إشراك القارئ بها علنا قبل وضعها ضمن سياق معين من تطبيق الافكار الرواقية. هو يلتمس من القارئ العذر كما في عبارة "اعفو عني لو جعلت هذا، مرة اخرى، شخصيا"(ص 209)، هذه اللمسات تضيف عمقا وواقعية والتي يصعب تحقيقها بطريقة اخرى. النص ايضا لايخشى من الانخراط غير الجاد في السياسة، مثل النازية، الارهاب، حرب فيتنام او تطبيق افكار رواقية على موضوعات هامة لكنها مثيرة للجدل مثل الاعاقة والانتحار. هذا الانتباه للقضايا الواقعية التي يواجهها الناس يوميا يختلف كثيرا عن التركيز المجرد وغير الحماسي لمعظم النقاشات الفلسفية الاكاديمية اليوم.

النظرية والتطبيق

رغم السمعة العالية للمؤلف، لكن الفلاسفة المتدربين قد يجدون في النص بعض النواقص.

احدى المسائل التي يناقشها الكاتب هي الفكرة الرواقية المركزية باننا"نعيش طبقا للطبيعة"- يشير فيها الى "طبيعتنا الحقيقية" ككائنات عقلانية. هنا تصبح الرواقية في خطر ارتكاب ما يسمى "مغالطة اللجوء الى الطبيعة": الاستنتاج الخاطئ من شيء ما كونه طبيعي الى كونه جيد. ولكن بدلا من مناقشة هذه المشكلة بالتفصيل، يغيّر المؤلف الموضوع بسرعة، يتجه فورا الى مقطع للفيلسوف الشهيرهيوم من رسالته حول استحالة استنتاج علاقات بين الافتراضات الوصفية والتقييمية – فكرة انك لا تستطيع الحصول على قيم من الحقائق حول العالم ثم اختبار مختلف الخيارات المتوفرة ضمن ابستميلوجيا الاخلاق المعاصرة. لكن هذه الموضوعات لاترتبط بقوة بالمغالطة المفترضة.

هذا يتصل بقضية أعمق تتعلق بما اذا كان هناك اي شيء مفقود بعد انفصال الاخلاق الرواقية عن المظاهر الاوسع للرؤية الرواقية. "اللجوء الى الطبيعة" لم يُعترف به كمغالطة في كل نظام فلسفي. هذا يعتمد على التصور المؤطر للطبيعة. الرواقي يؤمن برؤية غريبة جدا عن الرؤية العلمية المفرطة السائدة اليوم، يلزم نفسه للايمان بالرعاية الكونية المتجسدة بالعقل، او بالنظام الطبيعي للاشياء الموجه عقلانيا.

المؤلف رغم تقليله من اهمية حركة الالحاد الجديد، هو واضح في ان تفسيره للرواقية علماني تماما. غير ان بعض الباحثين البارزين الكلاسيك – خاصة . A. A Longجادلوا بان اي محاولة لإزالة الدعامات الثلاث للرواقية – الاخلاق، الكون، اللوغوس – سوف يضر سلبا بآراء رواد المدرسة الاوائل. ان النجاح في انتعاش الرواقية الحديث ربما اظهر امكانية وضع الممارسات الاخلاقية للرواقية للاستعمال مع الاحتفاظ بالايمان الكوسمولوجي الحديث. لكن عملية الانتقاء هذه للرواقية تبدو في بعض الاوقات غير منسجمة مع السلطة التي مُنحت للرواقية التاريخية في النص، وانه بدون المعادلة الرواقية العقل = الطبيعة = الله، فان تبرير بعض مبادئها الاخلاقية يصبح غامضا.

التركيز على هذه النواقص او الفجوات ربما يترك الكتاب بعيدا عما يجب ان يوفره المؤلف . الكاتب يهتم كثيرا بالنتائج التطبيقية بدلا من مناقشة النظرية الاخلاقية. في مكان آخر هو يقترح رؤية ان السؤال عن مدى صحة مبادئ التفسير الفلسفي لكيفية العيش هو ارتكاب مغالطة منطقية. الكاتب يزود القرّاء بعدد من التمارين كنقطة انطلاق قوية لتعليمهم الروحي للممارسات الرواقية، لكنه يبدو ينظر لنجاحهم كشعار شخصي جدا. ربما مطلوب مختلف اشكال الوعي لمختلف انواع الناس، اعتمادا على اختلافاتنا الفردية وخصائصنا المتميزة، لكن الخيار المعقول لي هو ان احتفظ فقط بتلك المظاهر من الممارسات الرواقية التي تعمل خصيصا لي.

الكاتب يعرض نصيحة فعالة جدا اكثر عملية من النقاشات التقنية للكتب الاكاديمية. كتاب كيف تكون رواقيا يمكن ان يكون مدخلا هاما ليس فقط للافكار الرواقية وانما ايضا للاخلاق القديمة ككل.

كتاب (كيف تكون رواقيا: استخدام الفلسفة القديمة لنعيش في الحياة الحديثة) للكاتب Massimo Pigliucci، صدر عن دار باسك بوكس عام 2017 في 288 صفحة.

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) يميز الرواقيون بين الاشياء الجيدة good والاشياء السيئة bad والاشياء التي لا جيدة ولاسيئة (indifferent). الاشياء الجيدة تتضمن الفضيلة، الحكمة، الشجاعة، الانضباط الذاتي. اما الاشياء السيئة تشمل المضاد لما هو جيد مثل الشر، اللاعدالة، الجبن، الاسراف او الترف. اما الصنف الثالث من الاشياء هي الاشياء التي لا جيدة ولا سيئة فتضم الحياة والموت والشهرة والسمعة السيئة والمتعة والألم والثروة والفقر والصحة والمرض والجمال والقبح. ان هذا الصنف الاخير من الاخلاق الرواقية هو السائد بين الناس اليوم ويحكمون عليه بالجيد او السيء. لكن الرواقية ترى هذه الاشياء لا تساعد ولا تعيق تطور الكائن البشري. انها لا تلعب اي دور اساسي في الحياة الجيدة. باختصار، اشياء مثل الصحة والثروة والسمعة ليس لها اي تأثير على الحياة الجيدة. انها لاتهم ابدا. ليست جيدة ولا سيئة. سواء كنا اغنياء او فقراء او بصحة جيدة او مرضى، ذلك لا يهم بالنسبة للسعادة النهائية. ولهذا يجب ان لانجعل تلك الاشياء هدفا لنا وان نتعلم القناعة مهما كان نصيبنا في الطبيعة.

 

ميمون حرش"أنا عصفور يغرد أغنية الصمود لكل الأمازيغيين"

عبد الرحيم فوزي  من "حوارات العرين" عام 2016

عبد الرحيم فوزي صوت ريفي أصيل، وشاعر مغربي يعترف له النقاد والمهتمون بالإجادة في نظم الشعر، يحبونه لأنه " شاعر" ينظم شعراً( أقول شعراً) ..هو شاعر بداخله تربة خصبة لتضاريس الريف الجميل، تنبتُ فيها شجرةٌ يانعة، وارفة الظلال، ويُرجى جناها، والشعر الأصيل أحد فروعها.. يتميز عن غيره بالجودة، و العطاء، والحضور القوي، وقبل كل هذا بالغيرة على هذا الفن الذي يؤمن بأن من يقترب منه عليه أن يفهم بأنه فن مقدس لا مجرد كلمات متراصة..

نقرأ شعر عبد الرحيم فوزي بشغف، وحين نستمع إليه (وهذا أمر يُجمع عليه كلُّ من يعرفه خاصة) تُستثار في داخلنا أحاسيسُ نعجز عن ترجمة وقْعها على النفس، وتوحي لنا بأن الرجل ليس عادياً أبــداً.

ليس عادياً لأنّ به مساً من الشعر، تحس معه بالمتعة الخالصة حين يتناول موضوعات دقيقة عن الريف، وعن شخصياته، وناسه؛ لذلك يُعد شعره "ديواناً ريفياً" بامتياز، ومرجعاً يمنح المعلومة، ومعها المتعة؛ يأخذ فوزي بيدنا نحو عوالمَ مفقودة، في الريف، تحرضنا لنعرفها ما دمنا من أهل الدار.. هي حالمة، يريدها كذلك ربما، لكن واقعية تماماً ..كل ذلك مدون في ديوانه الأول الذي أصدره مؤخراً، سماه " ثَحَرْياط" (العاصفة)، ولهذا العنوان نصيب من كيانه، فعلى تخومه صرخاتُ نضالٍ يطلقها بجهر، وعلى حدوده يسكن الريف الذي أحبه حد العشق، و "ثحرياط" في  الأصل هو حديث عن القضية الأمازيغية برمتها،  تلك مرجعية الرجل المقدسة، منها يعود القهقري  لعام نْـ " ثَحَرْيَات "/ العاصفة 1984، اشتهرت عند فوزي  بقصيدة "يناير"،لأن هذا الشهر،في ذاكرة أهل الريف، راسخ لا يُنسى بسبب الأحداث الرهيبة التي حدثت في أيامه السود الــ 17 و18 و19 .. هو يشبه شاعر الوطن محمود درويش الذي "أكلتِ" القضية الفلسطينية  شعره كما يصرح  ؛والهَمّ الأمازيغي فَعَل الشيء نفسه مع فوزي، يكرس شعره لكل الموضوعات التي لها صلة بالإنسان بشكل عام، إلا أنَّ لقصيدة " ثَحَرْيَات "أو" يناير" كما يحب جمهورُه أن يسميَها وقعاً خاصاً ليس مع  ناظمها فقط إنما بالنسبة لكل الأمازيغ، هي جرح المنطقة ككل، ولهذا فالتعامل معها يأخذ منحى خاصاً جداً لدرجة أن جل مشاركاته الشعرية، في ملتقيات ومهرجانات يكون ضيفاً فيها، يطالبه الجمهور وبإلحاح عجيب من أن يقرأ على المسامع قصيدة "يناير"/ ثَحَرْيَات ...

بدأ الشاعر عبد الرحيم فوزي نظمَ الشعر في أواخر الثمانينات، ولم يطلق سراح  طبع ديوانه إلا (أواخر عام 2019)، ظل يؤمن بأن الطبع السريع طبيخ بشكل ما، لكن آكله يعدم الشهية فيه، لأن الهرولة المحمومة وراء طبع الكتب دون امتلاك ناصية "الكتابة" نتائجها وخيمة، هذا أولاً، وثانياً، وهذا هو الأهم بالنسبة لشاعرنا، ليس معياراً أبداً كثرة الكتب حتى نضمن صفة "شاعر"،فالمجاطي له ديوان واحد، وهو شاعر كبير، وغيره لهم عدة دواوين، ولا يزالون في مَهمة البحث عن" الشاعر " فيهم، ولا يعثر عليه من يقرأ لهم ممن يعشق الشعر ويفهمه،..

وفرق موسيقية ناظورية شهيرة غنت من شعره، وأطربت المستمعين، منها (مثالا لا حصراً) فرقة " إثران".. وفرق أخرى تطلب وده.

عبد الرحيم فوزي (عصفور يغرد أغنية الصمود لكل الأمازيغيين) إلى جانب كل من  سعيد الموساوي، وأحمد الزياني، وخالد هرفوف، وفاظمة الورياشي، وسعيد أقوضاض، وعمر بومزوغ،  وكريم كنوف، وسلام السمغيني، ومصطفى بوحلسة، وحياة بوترفاس، ومحمد شاشا، والحسن الموساوي،  وأحمد الصديقي،ومحمد نصيري،وعائشة كوردي، والطيب الزوهري،  ومحد أسويق،ومايسة رشيد المراقي، وعائشة بوسنينة، وأحمد الصديقي، وصالح الحوري،و رشيد فارس،و(...)

بنك الجوائز لد لدى فوزي  عامر، ورصيده منه كثير ؛ على المستوى المحلي فاز بالجائزة الأولى لمدة ست سنوات على التوالي(1998-1999-2000-2001-2002-1997) في مسابقة خاصة بمهرجان الشعر العربي والأمازيغي، المنظم من طرف "جمعية التنمية الثقافية"، وكذلك نال جائزة القاضي قدور التي تشرف عليها جمعية " إلماس".

وهذا كله يُغنيه، لكنه يثقل كاهله بمسؤولية كبيرة.. هو يحب أن يكون  شاعراً أمازيغياً شكوراً، وقبل الشكر لا بد من العمل والمثابرة حتى يضمن للريف المكانة اللائقة التي يستحق في جنان شعر الدنيا... لا نعدم في شعره، بسب هذا الحرص، ملحاً خاصاً، و في كلماته توابل صحية((Bio في كل نصوصه..

وتكريماً لهذا الشاعر (العصفور المغرد) حظي ديوانُه الأول"ثحرياط"/ العاصفة ( أصدره أواخر عام 2019) باحتفاء باذح يليق به، ديواناً شعرياً ريفياً، وبصاحبه عبد الرحيم فوزي الذي توجته،مشكورة، "جمعية مدرسي اللغة الأمازيغية بالناظور" عريساً في أمسية ثقافية رائعة، أثثها حضور وازن من الفنانين، والأدباء، والصحفيين، ورجال الأعمال، فضلا عن أصدقاء الشاعر (من كل الأعمار) الذين حجوا بكثافة  لتحويل "ثحرياط" / الزوبعة لنسيم عليل هب مساءَ يوم السبت 05 أكتوبر 2019 في قاعة المكتبة بالمركب الثقافي بمدينة الناظور، ناهيك عن  النهل من معارف شتى مستقاة من ورقتيْ الدكتورين المعروفين جمال الدين الخضيري، و عبد الرزاق العمري، عن الديوان الزوبعة، في جلسة رائعة سيرها باقتدار الفاعل الجمعوي الأستاذ عبد الواحد  حنو،الذي رحب بالجمهور الغفير، وفسح المجال للدكتور جمال الدين الذي  تناول مداخلتَه الموسومة بـ: البعد المأساوي في ديوان "ثحريات/ الزوبعة" لعبد الرحيم فوزي، ركز فيها على التالي :

- الأدب الأمازيغي أدب ملتزم يتناول تيمات متعلقة بالهوية والخصوصية المحلية ومقاومة المحتل الأجنبي،وديوان عبد الرحيم فوزي لا يخلو من هذه السمة، فقصائده جاءت تعبيراً صريحاً عن هموم الإنسان الأمازيغي   وتوقه إلى عالم أفضل يسوده العدل والحرية،

- الديوان جاء مرفوقاً بقرص ممغنط ( CD) مما جعله يمتاز ببعدين: بعد لسني أدبي (مقروء)، وبعد صوتي إنشادي (مسموع)، سيما وأن الشاعر عبد الرحيم فوزي يعتبر من الشعراء المرموقين الذين يتفاعلون مع قصائدهم ويحسنون إنشادها ومسرحتها، ويخلبون لب السامع بفعل فصاحة لغته الأمازيغية وقدرته على التنغيم الصوتي والتعبير الجسدي.

- عتبة العنوان: كلمة ( ثحريات /الزوبعة)، بمثابة بؤرة تختزل مضمون الديوان ككل وتشي بفحواه، ووردت هذه الكلمة في عدة نصوص، وبمعان مختلفة.

- طغيان قاموس يدل على الحزن والشكوى والبكاء، والنظرة القاتمة تجاه الأشياء، فلا أمل يلوح في الأفق في ظل مجتمع ينتفي فيه الأمن والكرامة والحرية، فالشاعر من خلال ديوانه يبرز  مجموعة من الانتكاسات والخيبات التي عاشها الإنسان الريفي.

- انفتاح النص الشعري عند عبد الرحيم فوزي والتقائه مع مجموعة من النصوص الشعرية الأمازيغية سواء بشكل واع أم غير واع، وهو ما يدل على سعة اطلاعه واستحضاره للتراث الشعري الأمازيغي بالريف تناصاً ومحاورة وتجاوزاً، مما جعل صوره الشعرية تمتاز بالعمق والغنى.

تلتها مداخلة الدكتور عبد الرزاق بورقة سماها "قراءة في ديوان ثحريات لعبد الرحيم فوزي" تناول فيها  العناصر الآتية:

- الغلاف الخارجي للديوان قراءة سميائية في دلالاته.

- المغايرة في شعر عبد الرحيم فوزي، فهو يكتب بشكل مختلف عما ألفه المتلقي للشعر الأمازيغي من قبل، ومن ثم فهو ينزع نحو التجديد في شعره، وتأسيس قصيدة حداثية.

- اللجوء إلى الأسطورة واستثمار مجموعة من الخصوصيات المحلية والرموز الثقافية.

- ظاهرة التكرار والتوازي الصوتي في شعر عبد الرحيم، مما يعطي لشعره إيقاعاً منتظماً،

بعد مداخلتيْ الدكتورين جمال الدين، وعبد الرزاق الذين أفادا الحضور، وأمتعاه، و بعد الاستماع لشهادات الأصدقاء في حق الشاعر عبد الرحيم فوزي، أبى الفنان الأمازيغي الكبير "ميمون أسعيذ"  إلا أن يغني، من قصائد شاعرنا، فكان العود الرّنان، وصوت فوزي، وهو يقرأ شعره، مُصاحبيْن لبحة  صوته الطروب .. ترنم الجمهور وصفق له طويلأ كما تأثر بحضور وأداء أريناس، إلى جانب كل من  الفنانين عبد الحفيظ بوجدايني، ونور الدين عيادة، وزهير الصقلي...

 

ميمون حرش

 

معمر حبارقرأ صاحب الأسطر وكتب عن تعذيب الجزائريين إبّان الاستدمار الفرنسي على أيدي الجلاّدين السّفاحين الفرنسيين وبشهادة الفرنسيين أنفسهم الذين قاموا بتعذيب الجزائريين أنفسهم أو الفرنسيين الذين نقلوا شهادات الجزائريين ومنهم الكاتب الفرنسي وكتابه الذي بين أيدي القرّاء والنقاد:

Jacques CHARBY « L’ALGERIE EN PRISON » , Préface de Claudine et Pierre Chaulet Edition ANEP , 2006, Contient 79 Pages.

من الملاحظات التي استرعت انتباه القارىء المتتبّع هي:

أوّلا: الكاتب الفرنسي الذي عرف الجزائر من خلال السجن

1- سجن الكاتب الفرنسي Jacques CHARBY دفاعا عن الثورة الجزائرية وتعرّض للتعذي و وصف الجزائريين وهم يتعرّضون للتعذيب والإهانة في سجون المحتل الفرنسي بفرنسا.

2- يتحدّث الكاتب عن التعذيب إبّان الثورة الجزائرية من طرف الجلاّدين السّفاحين المجرمين الفرنسيين ضدّ الفرنسيين المؤيّدين للثورة الجزائرية والجزائريين الأحرار.

3- تمّ إلقاء القبض على الكاتب الفرنسي بتاريخ: 20فيفري 1960 بباريس فرنسا. صفحة 13.

4- عرفت الجزائريين من خلال السجون التي يقبع فيها الجزائري ويعذّب فيها ويهان.31

5- عشت مع الجزائريين حوالي 5 أشهر و رأيت 500000 جزائري مقاوم معتقل في السجون. 32

6- يقول الفرنسي بعد إطلاق سراحه: أنا حر في نسيان هؤلاء الفرنسيين، حر في نسيان هذه الحرب. 71

7- يصف الجزائريين بصدق حين يقول: طبعا، المقاومين الجزائريين ليسوا كلّهم أبطال، أو حكماء، لكنهم رجال. 73

8- شرف الشعب الفرنسي لا يمكنه أن يتجسّد إلاّ باحترام الشعب الجزائري. وليس عبر تجاهله واحتقاره. 73

9- يرى الفرنسي أنّ هناك تشابها كبيرا بين النازية والاستدمار الفرنسي. 56

10- الجزائريين وهم في السجون وتحت التعذيب كانوا يأملون دوما في الحرية واسترجاع السيادة الوطنية. 62

ثانيا: حرص الجزائريين السجناء على التعليم وهم تحت التعذيب

1- طالبنا من فرنسا إزالة الحواجز بين اليهود والجزائريين. 40

2- إنشاء صندوق لمساعدة المساجين الجزائريين. 38

3- كلّ سجين يقدّم دروسا للمساجين حتّى أنّي تساءلت هل هؤلاء هم "الإرهابيين" و الصعاليك"؟. 41

4- أصبح 400 تلميذ سجين جزائري و3 من المساجين تركوا امتحانات شهادة البكالوريا والتحقوا بالثورة الجزائرية. 43

5- نضج التلاميذ الجزائريين المساجين أخجلني كثيرا. 44

6- استطاعت الدروس التي تقدّم للجزائريين المساجين عن طريق الجزائريين المساجين أن تقدمهم إلى 10 سنوات 20 سنة 30 سنة من التخلف الذي كانوا يعانونه. 44

7- ساهم اليهودي الفرنسي في تقديم الدروس للمساجين الجزائريين وهو في السجن وكان يقلقه مستوى الجزائريين المتدني في الإملاء ويطلب منهم أن لايبرّروا ضعفهم بعدم وجود مكانا في السجن وليهتموا بدراستهم وأن لاينساقوا وراء التبرير. 47

8- المساجين الجزائريين يطلبون بإلحاح دروس ومحاضرات تتعلّق خاصّة بـجزائر الغد. 51

9- يستنكر اليهودي الفرنسي على فرنسا تقديم دروس للمساجين الجزائريين في السجون باللّغة الفرنسية وليس العربية. 55

10- من شدّة الفقر كان الجزائري يجد صعوبة بالغة في شراء كراس لابنه. 70

11- جزائري سجين يقول: نعم كنت عربيدا وسيمحى ماضي الشخصي كما يمحى ماضي الاستدمار لاحقا. 64

ثالثا: أشكال التعذيب الممارسة ضدّ الجزائريين كما يصفها الفرنسي المسجون:

12- يتحدّث الأسير الفرنسي عن ما يسميه بـ "التعذيب الأبيض" وهو تعذيب الجزائريين من طرف الجلاّدين السّفاحين الفرنسيين دون ترك أثر على جسد الجزائري الذي يخضع للتعذيب حتّى إذا جاء الصليب الأحمر لم ير شيئا ويكتب في التقرير وبمساعدة الصليب الأحمر أنّ لا وجود للتعذيب !.

13- من وسائل التهديد قول الجلاّد لك: "لك 5 دقائق لتجيب". "5 دقائق، هل سمعت !". 15

14- الشتم و السب والصراخ15.

15- الاستنطاق التالي بين الجلاد السّفاح الفرنسي قائلا -وحسب ترجمتي-:" "شوهد أنّك كنت باستمرار بمرافقة جزائريين. هل تعرفهم؟ "يجيب الفرنسي الذي يخضع للتعذيب والاستنطاق: "بالضّبط. لي أصدقاء جزائريين كثر. لست عنصري. الجلاّد الفرنسي القائم على الاستنطاق يأمر المكلّف بكتابة التقرير أن لايكتب في التقرير أنّ الفرنسي غير عنصري مع الجزائريين ويقول له باستهزاء واستهتار وحسب ترجمتي: "انتظر، لا تقل لي أنّك ستكتب هذه الحماقات". 16

16- يفرّقون بين الجزائري والمرأة الأوروبية الاستدمارية ليس على أساس الجنس بل على أساس عنصري. 19

17- يصف أنواع العذاب الذي يتعرّض له الجزائري وأصناف المستدمرين المكلّفين بتعذيب الجزائريين فيقول: كلّ الجزائريين على وجوههم حمرة (أي الدماء) لكن لا يوجد أثر للجروح الظاهرة. ( أقول: هذا هو الذي سماه بـ "التعذيب الأبيض؟ !" أي تعذيب الجزائري دون ترك أثر خارجي حتّى يظهر أمام المنظمات الدولية أنّ فرنسا الاستدمارية "تحترم حقوق الجزائريين؟ !". 20

18- ممنوع مقاسمة الأكل مع المساجين الجزائريين. 20

19- تعرية المساجين الجزائريين. 20

20- اللّكمات في كلّ مكان من الجسد والشدّ من الشعر والضرب بوحشية والعري والكلام القبيح والدماء ويضربون في الأماكن التي لايعتقد السجين أنّهم سيمسونها والحرق بالسجائروالبصق على الوجه والاسنطاق وهو عار كما جاء في صفحات 21-24.

21- الماء والكهرباء والجلوس على القارورات. 31

22- رأيت مساجين دخلوا الزنزانة فكانوا: وجوه سوداء، وآثار اللّكم، وشعر ملطّخ بالدماء، وعيون مقتلعة، و آذان مقطوعة، وشفاه الخدين ممزّقة حتّى الذين تعوّدوا على التعذيب لم يستطيعوا تحمّل المنظر. 52

23- غرس المسامير في الجسد. 53

24- بعد جهنم الاستنطاقات تبدأ: الضرب والشتم والضرب بالبندقية. 53

25- من شدّة ما تعرّض له الجزائري من إهانة وتعذيب عندما يناديه الفرنسي بضمير الجميع "أنتم –vous" يعتبرها الجزائري إهانة له. 54

26- القائد الفرنسي المكلّف بتعذيب الجزائريين يتقن جيّدا اللّغة العربية. 59

27- أجلسوني على قارورة وهم يضحكون. 60

28- الكهرباء بالنسبة للماء سهلة وهي كقطعة حلوى. 60

29- من مظاهر التعذيب إخفاء الأبناء. 61

30- كلّ موقوف يتعرّض للتعذيب. 61

31- عدّة جزائريين ماتوا تحت الخنق. 63

32- تعذيب الأطفال في 15 سنة من عمره. 66

33- تطهير المكان بالمفهوم الفرنسي المحتل بعد كلّ عملية معناه إبادة المكان من أيّ مجاهد. 67

رابعا: رأي الجزائري حول الكتاب وصدق الكاتب الفرنسي.

34- التعذيب الذي تعرّض له الفرنسي وبشهادته لا يمكن بحال مقارنته بالتعذيب الذي تعرّض له الجزائري إبّان الثورة الجزائرية والذي لم تشهد له الدنيا مثيلا وبشهادة الجلاّدين السّفاحين المجرمين الفرنسيين.

35- التعذيب الذي تعرّض له الفرنسي لا يمكن بحال مقارنته بالتعذيب الذي تعرّض له الجزائريون منذ الاستدمار الفرنسي سنة 1830 وإبّان الثورة الجزائرية 1954 وأيام قلائل قبل استرجاع السيادة الوطنية سنة 1962.

36- لا يمكن بأيّ حال من الأحوال مقارنة الجزائري والفرنسي من حيث التعذيب فإنّ ذلك استهتار لما تعرّض له الجزائري واحتقار للنفوس من رجال ونساء التي أعدمت واغتصبت وشوّهت إلى الأبد ومنذ الاستدمار الفرنسي سنة 1830.

37- الكتاب وهو في الحقيقة وصف من طرف الفرنسي لما تعرّض إليه الجزائري من تعذيب أكثر ممّا هو وصف لتعذيب الفرنسي على أيدي الفرنسيين ما يدل على صدق الأسير الفرنسي ولم يصوّر نفسه أنّه البطل وأنّه تعرّض للتعذيب أكثر من الجزائريين.

38- للأمانة، الفرنسي كان أمينا صادقا في وصف همجية و وحشية وجرائم إخوانه الفرنسيين الجلاّدين السّفاحين وهو ينقل بصدق وأمانة أدق تفاصيل التعذيب وأبشع الوسائل المطبّقة على الجزائريين وعلى المناطق الحسّاسة من أجساد الجزائريين بكلّ أمانة وصدق.

39- يرفض المستدمر أن ينقل شهادة صادقة أمينة في حقّ الجزائريين ولو كان من فرنسي ويتفنّن في نقل كلّ مايسىء للجزائر والجزائريين من طرف الجزائريين والفرنسيين معا ومن أيّ كان.

40- تنقل وسائل الإعلام الفرنسية عن جزائريين ما يدعو لحرق الجزائر وتفتيتها وترفض أن تنقل عن جزائريين يدعون للوحدة والتماسك بين الجزائريين.

41- كلّما قرأت كتابا عن التعذيب من طرف الفرنسيين إلاّ واستنكرت على الجزائريين الذين تعرّضوا للتعذيب ولم يكتبوا عنه لحدّ الآن.

42- الفرنسي اليهودي يكتب عن تعذيب الجزائريين من طرف المحتلّين الجلاّدين السّفاحين المجرمين الفرنسيين والجزائري مازال يرفض أن يتحدّث عن التعذيب الذي تعرّض له إبّان الاستدمار الفرنسي والثورة الجزائرية.

خامسا: تحية تقدير للأسير الفرنسي على وصفه لتعذيب الفرنسيين للجزائريين

43- سجن الكاتب الفرنسي Jacques CHARBY أيام الثورة الجزائرية مع الجزائريين وتعرّض للتعذيب و وصف بأمانة بالغة التعذيب الذي تعرّض له الجزائريون على أيدي الجلاّدين السّفاحين الفرنسيين أي إخوانه وكذا التعذيب الذي تعرّض له.

44- ما لفت انتباه القارىء المتتبّع أنّ الأسير الفرنسي لم ينسب البطولة لنفسه ولم يقل أبدا أنّي تعرّضت للتعذيب أكثر من الجزائريين ولم يقل أنا أشدهم تحمّلا للتعذيب واكتفى بوصف تعذيب إخوانه الفرنسيين لإخواننا الجزائريين بكلّ صدق وأمانة.

45- يستدعي المقام أن يقدّم الشكر – ولحدّ الآن – للفرنسي الذي كان أمينا صادقا في نقل وحشية وعنصرية أخيه الفرنسي حول رفض توثيق عدم عنصرية بعض الفرنسيين تجاه الجزائريين إبّان الثورة الجزائرية وفي نفس الوقت يشكر من جديد لأنّه استطاع أن يقدّم وبصدق وأمانة حقيقة المستدمر الفرنسي الذي يرفض حتّى شهادة أخيه الفرنسي الصادقة الأمينة في حقّ الجزائري ولو كانت شهادة زور في حقّ الجزائري لنقلها وبثّها وروّج لها.

46- كلّ التحية والتقدير والعرفان للذين دعّموا الثورة الجزائرية من يهود وعرب وغرب وفرنسيين.

47- كلّ التحية والتقدير والاحترام لكلّ فرنسي وغربي تعرّض للتعذيب في سبيل الدفاع عن الجزائريين إبّان الاستدمار الفرنسي والثورة الجزائرية.

 

معمر حبار - الجزائر

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيالمنجز الفني ليهود العراق يتضمن صور الحنين والاعتزاز بالهوية الثقافية العراقية، وهو الوطن الأم، من خلال الأفلام السينمائية واللوحات التشكيلية والموسيقى والغناء الأصيل، فذاكرة يهود العراق تمثل انعكاسات الحنين إلى أرض الوطن من الجيل الثاني والثالث، وتمسكهم بالموروث المكاني واسترجاع الفضاء البغدادي والتمسك بالهوية البغدادية.

صدر حديثاً عن دار ومكتبة عدنان للطباعة والنشر والتوزيع في بغداد للدكتورة خالدة حاتم علوان كتابها الموسوم (صورة بغداد الافتراضية في المخيال اليهودي العراقي)، وهو الكتاب الرابع في توثيق تاريخ يهود العراق الأدبي والروائي، الكتاب يحتوي على (252) صفحة من الحجم المتوسط، وهو دراسة في تمثلات سرد الفضاء التاريخي في المنجز الفني للأفلام واللوحات والموسيقى لأبناء يهود العراق.

الكتاب يتضمن ثلاثة فصول، الفصل الأول يخص التعليم في مجال السرد البصري لاستعادة المكان من خلال الافلام الوثائقية التي انتجها يهود العراق، وتؤكد الدكتورة خالدة حاتم علوان حول اهتمام يهود العراق بالأفلام الوثائقية في هذا الكتاب، ففي صفحة 52 من الكتاب تذكر الدكتورة قائلة :"يبدو اهتمام يهود العراق بإنتاج افلام وثائقية اكثر من روائية يعود لجملة اسباب، ربما في مقدمتها اشراك طبقة واسعة من المجتمع بوصفهم الجمهور المتلقي"، فضلاً عن أن الافلام الوثائقية تعتبر جزءاً من وسائل الإعلام التي تساعد على استيعاب وحفظ التراث والتاريخ ليهود العراق، تلك الأفلام التي سلطت الضوء على ماضيهم، والعلاقات الجمعية مع ابناء العراق، والذاكرة العراقية، وتصوير الواقع في ممارسة نشاطهم في المجتمع العراقي وسيرة الطائفة على وجه العموم، فهيَ أفلام سيروية أكثر منها تاريخية.

بحثت الدكتورة خالدة حاتم في مجال أربعة أفلام تمثل لشخصيات متنوعة، منهم السياسي والفنان ورجل الأعمال والروائي والصحفي، ففلم (إنسَ بغداد)، وفلم  (عراق رويال)، وفلم (ظل في بغداد)، وفلم (تذكر بغداد). تلك الأفلام الأربعة تمثل موضوعة المكان والهوية، وتركز على معاناة اليهود العراقيين بالانتماء للهوية العراقية.

إذ بينت د. خالدة أهمية الأفلام وثائقياً، وتعريف الجمهور بالشخصيات الرئيسة والمخرجين والمصورين للفلم وأماكن التصوير والمواضيع التي تدور حولها الأفلام، لكن من المؤسف نجد أن الطائفة اليهودية وعلى مدى تاريخها الرافديني قد غُيبّت في المناهج الدراسية العراقية والمنتديات الثقافية، وكل مل يَمت بصلة لهم كمكوّن ضمن مكونات الشعب العراقي الذي عاش في أرض بلاد الرافدين زهاء أكثر من 2600 عاماً، حتى الرحيل القسري عام 1951م، وتفريغ العراق منهم عام 1974م.

كانت اللغة الغالبة في الأفلام اللغة العربية وخاصة اللهجة البغدادية المؤطرة لعمليات الاستذكار في تلك الأفلام. تؤكد د. خالدة في صفحة 74 من الكتاب حول اللهجة البغدادية ليهود العراق قائلة :" لقد كان من جملة ما انماز به يهود العراق هو التحدث باللهجة اليهودية البغدادية أو اللهجة البغدادية التي لا يزالون يتكلمون بها في بيوتهم حتى اليوم في إسرائيل"، وهذا ما يتجسد في حواراتهم داخل بيوتهم مع أفراد العائلة، فضلاً عن متابعة أخبار العراق والسماع للأغاني العراقية التراثية، كما أن للغة العربية واللهجة البغدادية المخففة تشير إلى تمسكهم بأرض الوطن، علماً أن اللهجة البغدادية هي الأكثر وضوحاً مع شخصيات فلم (إنسَ بغداد)، وكأنهم لا يزالون يعيشون في بغداد، لذلك يؤكد شمعون بلاص في حواراته في الفلم عن ما تختزنه ذاكرته في العراق، واصفاً إحدى نقاشاتهم في الخلية الحزبية الشيوعية وبلهجة بغدادية واضحة قائلاً :"لأول مرة، في أول اجتماع مع الخلية الحزبية، لمَن رحت بگهوة شعبية جداً ومكتوب عليها خاص للإسلام (يضحك) وآني جاي دا اقره كتب، يعني مثقف (يضحك) فـ... رئيس سكرتير الخلية كان مدرس، إنسان لطيف جداً، گلي احنا هسه دنتباحث بأشياء فلسفية وكذا، شوف دنبحث الفرق بين المثالية والمادية، اشنو الفرق؟ گتلة المثالية رجل يحجي مثالي ومثل عليا وما ادري شنو، والمادية واحد يجري وراء المادة، اشوف دا احجي وساكتين كلهم، اشو هذا شويه (ديبتسم)، گلي أي صحيح بس هذا تفسير من ناحية أدبية (يضحك)"، من خلال حديث بلاص تبدو المفردات البغدادية لا تزال تسكن في قلوبهم.

لقد عالجت الأفلام الوثائقية موضوع الهوية والحنين للعراق، فضلاً عن اهتمامهم ببغداد والحنين إليها من خلال نتاجاتهم السردية والبصرية والتشكيلية، كما شملَ تداولهم لأسماء مناطق سكناهم في بغداد من أحياء (قمبر علي، الدهانة، المسبح، البتاوين، حنون). كما ينقل لنا فلم (ظل في بغداد) لبطلة الفلم ليندا عبد العزيز منوحين الأماكن التي عاشت فيها فترة طفولتها وشبابها حتى هروبها من العراق، فالعاصمة بغداد بدءً بساحة النصر وانتهاءً بمنطقة المسبح.

أمّا فلم (تذكّر بغداد) لبطل الفلم إدوين شكر ورحلة ذهابه إلى بغداد وزيارته لبيتهم القديم فيها، ذلك البيت الذي وجده إدوين معروض للبيع من خلال رحلته، وكانت رغبته الكبيرة بشراء البيت، فهو يمثل مرتع الطفولة والشباب وذكرى العائلة والوطن الأم، فكانت ذاكرته وقّادة في تحديد مكان دارهم في العاصمة بغداد، كان لنهر دجلة الذي يشكل خصوصية وقدسية لإدوين شكر ولأبناء الطائفة اليهودية العراقية، فقد مَثّلَ غصة في قلوبهم، إذ كانت ساحة لممارساتهم الاجتماعية وشاهداً على براءة الأيام الماضية ونقائها من الحقد والكراهية بين الطوائف.

المكان والأزقة والأحياء لها مكانة عزيزة في المخيال اليهودي العراقي، الذي يؤشر عمق التماهي مع الوطنية، من تلك الممارسات هي الجلوس في المقاهي وممارسة العاب شعبية شهيرة اهمها (الدومينو والطاولي)، ففي فلم (عراق اندرول) وعبرَّ رحلة الفنان والمسيقار (دودو تاسا) في المقاهي العربية التي يرتادها العراقيون بكثرة، ولا سيما المقاهي التي تطل على نهر دجلة، ونزهتهم بالزوارق واكلة السمك المسگوف.

الأفلام الوثائقية تعرض صور التعايش السلمي الذي كان سائداً في بغداد والمدن العراقية من وجهة نظر شخصيات الأفلام، والأحياء التي سكنها يهود العراق كانت مختلطة ومتنوعة الهويات الدينية، وهذا يمثل التمدن والتحديث الذي شهده المجتمع العراقي. من خلال متابعة الفلم يحاول الأبن الأصغر للفنان صالح الكويتي (شلومو/سليمان) أن يوضح لـ(دودو) حفيد داود الكويتي لأبنته كارميلا ما معنى أن يهدي الملك غازي ساعته لعازف يهودي؟ واستيعاب تلك العلاقة واسبابها، إذ يشرح لهُ المكانة التي حظي بها جده صالح الكويتي من قبل الملك غازي في وقف التصادم والعداء النازي للديانة اليهودية، فلم تكن الهوية الدينية عائقاً أمام الملك في التعبير عن محبته وتقديره للأخوين الكويتي.

فلم (عراق اندرول) قدمَ الصورة السلبية للآخر ممثلة بتوجهات رئيس الوزراء العراقي (توفيق السويدي) بتجريد العراقيين اليهود من ممتلكاتهم كافة ومصادرة اموالهم وترحيلهم إلى إسرائيل. كما تسلط بطلة فلم (ظل في بغداد) السيدة ليندا عبد العزيز منوحين حادثة إعدام اليهود أثر اتهامهم بالتجسس لصالح إسرائيل حقبة نهاية ستينيات القرن الماضي في ساحة التحرير وكيفية رقص الآخر على اجساد الضحايا، كانت في تلك اللحظة من السهولة أن يتهم النظام لأبناء العراق من اليهود بتهم الجاسوسية والعمالة، تلك التهم البائسة التي ذهب ضحيتها ابناء العراق الأنقياء.

كان لتولي حزب البعث السلطة في العراق دور كبير في عمليات الاضطهاد لأبناء المكون اليهودي، ومساهمة عناصره وقوى الأمن من الملاحقات والاختطافات والاعدامات العلنية والسرية، واستمرار موجة الاضطهاد حتى عام 1972م حين اختطف المحامي عبد العزيز منوحين والد ليندا ولم يعثر عليه حتى هذه اللحظة.

أما الفلم الرابع (مطير الحمام) أو (المطيرجي) للروائي إيلي عمير، تذكر الدكتورة خالدة حاتم في صفحة 105 من الكتاب قائلة :"يستند الفلم إلى رواية مطيرجي في بغداد وتتحدث عن حقبة الأربعينات وبداية الخمسينيات في بغداد التي تعد من السنوات الحرجة في تاريخ يهود العراق، بدءً بحادثة الفرهود عام 1941 وتداعيات إعلان دولة إسرائيل وصراع التيارات الفكرية آنذاك في الساحة العراقية، وتحديداً الحزب الشيوعي العراقي والمنظمة الصهيونية المحظورة في العراق"، لكن الكاتبة د. خالدة تناست دور منظمة (عصبة مكافحة الصهيونية) وهي الواجهة للحزب الشيوعي العراقي ودورها في مكافحة التنظيمات الصهيونية ومنها التنوعة وانتماء بعض يهود العراق إلى هذه المنظمة اليسارية وإلى تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي.

الفلم يسلط الضوء على طبيعة المجتمع اليهودي العراقي وطقوسه وتقاليده وطبيعة العلاقات الاجتماعية بين ابناء الطائفة من جهة وبين المسلمين من جهة أخرى، كل ذلك يقدم من خلال البطل الشابي (كابي) (دانيال كاد) ذي الـ16 عاماً. الفلم يمثل حياة الطائفة اليهودية البغدادية باللغة العربية، للمخرج نسيم دّيان، وقد ترجم إلى اللهجة اليهودية البغدادية من قبل الممثلة اهافا كيزين.

أحداث الفلم توضح واقع حال يهود بغداد بين الأعوام 1948- 1951م أي منذُ إعلان دولة إسرائيل حتى اقرار قانون إسقاط الجنسية العراقية عن ابناء المكون اليهودي العراقي وتهجيرهم القسري وتداعيات الوضع السياسي المتأزم في المنطقة وقتذاك.

الفلم وثقَ واقع حادثة الفرهود عام 1941م وحادثة إعدام التاجر شفيق عدس وأخيه، كما وضح الفلم ضلوع الحكومة العراقية آنذاك بمؤامرة الترحيل القسري حتى وصل الأمر باستخدام القوة والتهديد والوعيد لترحيلهم من خلال التفجيرات التي حصلت في تلك الحقبة، كما يركز الفلم على حملة الاعتقالات التي طالت افراد المنظمة الصهيونية تنوعة.

مخرج الفلم يصور السجن المركزي في منطقة باب المعظم بحيطانه القديمة ذات الألوان الباهتة وحجمه المتسع والوان الكآبة والتشاؤم وفقدان الأمل في هذا السجن الرهيب للسجناء السياسيين. كما يوثق فلم (المطيرجي) الحياة الاجتماعية ليهود بغداد ورفضهم للعادات والتقاليد المتحررة، وتعنيف (راشيل) بسبب ملابسها المتحررة التي لا تتلائم وطبيعة المكان الذي يعيشون فيه. ومن جملة الممارسات الاجتماعية التي يوثقها الفلم ما يتعلق بالألعاب الشعبية ومنها (الدومينو) و(الطاولي)، فضلاً عن دور التنظيمات الصهيونية والشيوعية التي اعتنق فكرها بعض يهود العراق ورفضهم الهجرة إلى إسرائيل. كما بين الفلم تمسك العائلة اليهودية بأرض الرافدين ورفض (نعيمة) والدة (كابي) وزوجة (سلمان) الذي تبنى زوجها المشروع الصهيوني من الهجرة الجماعية، فحين يخبرها سلمان بقرار الهجرة تنتفض وتجيبه بانفعال ورفض قاطع للهجرة (أنا اظل هون وية اجدادي واجداد اجدادي)، إذ تؤكد قِدَم وجود الطائفة اليهودية في العراق، كما تدخل في صراع مع زوجها الذي يحاول اقناع ولده (كابي) بالرحيل والعمل من المنظمة الصهيونية. كما جسد مخرج الفلم الملابس البغدادية العربية كالدشداشة والكوفية التي يلفها (ابي صالح) بطريقة تميز بها العراقيين.

أما الفصل الثاني من الكتاب فيتطرق إلى الذاكرة البصرية واستعادة الفضاء البغدادي في الفن التشكيلي للوحات التذكارية من بغداد للفنان العراقي إيلي سودائي تضم ما يقارب الـ(26) لوحة عمدت د. خالدة إلى تحليل كل لوحة على حِدَة للوقوف على خصوصياتها، وقد شاهدت بعض تلك اللوحات على جدران أحد دور العرض السينمائي في بغداد، التي انشأتها عائلة سودائي.

أما الفصل الثالث فقد خصص في الكتاب للتوثيق الموسيقي والغناء من قبل د. خالدة حاتم، كان للأخوين صالح وداود الكويتي الدور في الحفاظ على اسس المقامات العراقية، فلقد طور الموسيقار صالح الكويتي نغم مقام اللامي ووسع مساحته، وبعد رحيل الأخوين صالح وداود الكويتي استعاد الموروث الموسيقي حفيد داود الكويتي مطرب الراب (دودو تاسا) الذي يمثل الجيل الثالث من الذين ولدوا في إسرائيل لأبوين عربيين.

تذكر د. خالدة حاتم في صفحة 211 عن دودو تاسا قائلة :"اصدر البومه الأول من العام 2011 واطلق عليه اسم (دودو تاسا الكويتي)، وحظي بإعجاب وقبول كبيرين، فيما اصدر البومه الثاني (على شواطي دجلة) في العام 2015"، إذ نجح دودو في تأدية الأغاني باللهجة البغدادية، وبسبب نجاحه وجهت لفرقتهم دعوات عدة لإلقاء عروضهم الغنائية في فرنسا عام 2012م وفي هولندا عام 2016م، مما عمدَ دودو تاسا إلى توثيق موروث جدّه الفني عبرَ الفلم الوثائقي (عراق رويال) عام 2014م، فقد خلق حوارية موسيقية بين الحانه والحان جدّه في محاولة اغناء هويته الثقافية الجديدة.

الكتاب يبين اهتمام الدكتورة خالدة حاتم علوان بالموروث السينمائي والتشكيلي والغنائي ليهود العراق، فقد اسفر الكتاب عن اهمية ودور يهود العراق في مجال الفن، وعن دراسة واهتمام الجيل الثاني والثالث من يهود العراق في المهجر بموروثهم الفني ونجاحهم في توظيف السرد البصري اسلوباً لخلق الذاكرة الجديدة عبرَ استدعاء الفضاء البغدادي بمصداقية تسجيلية وثائقية عالية. لكن لا ننسى أن الكتاب فيه بعض الأخطاء المطبعية ولكنه ذات اخراج جميل ورائع من ناحية الطباعة والغلاف، إذ تنسجم صورة الغلاف مع مضمونه.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

كاظم الموسويالحرب الخفية عنوان كتاب كتبته الأستاذة جوي غوردن، استاذة الأخلاق الاجتماعية في قسم الفلسفة وكلية القانون في جامعة لويولا- شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية. والعنوان الفرعي تحته، امريكا والعقوبات على العراق، ونشره مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، آب/ اغسطس 2018 وترجمه عبد الرحمن اياس، وتضمنت محتوياته ما يكشف خطط تدمير العراق، من خلال العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية والمتخادمون معها، غربيا وعربيا، وما تولد منها وعنها من تداعيات واثار كارثية.

صدر الكتاب باثني عشر فصلا، وبثلاثمائة وواحد وخمسين صفحة من القطع الكبير وبحروف صغيرة. وكتب الناشر على غلافه الاخير: "هذا الكتاب، كانت العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق منذ عام1990 الى عام 2003 هي الاكثر شمولا وتدميرا من اي عقوبات أخرى، وضعت باسم الحوكمة الدولية، فقد أدت تلك العقوبات، التي ترافقت مع حملة عسكرية ضد العراق عام 1991 انتهت بغزوه عام 2003 الى انهيار البنية التحتية للعراق ومختلف المقومات الأساسية اللازمة لاستدامة الحياة فيه. يبحث هذا الكتاب في إدانة واضحة للسياسة الأمريكية في الدور الرئيسي الذي أدته الولايات المتحدة في صوغ تلك العقوبات على العراق، التي أسفرت عن وضع قيود صارمة على الواردات العراقية حتى لابسط السلع الحيوية، من أنابيب المياه إلى منظفات الغسيل الى لقاحات الاطفال، بذريعة" الاستخدام المزدوج" لهذه السلعة وامكان إفادة العراق منها لتصنيع " أسلحة الدمار الشامل".

شرح الكتاب بالتفاصيل، استنادا إلى الآلاف من وثائق الأمم المتحدة الداخلية ومحاضر الاجتماعات المغلقة فيها (التي اتاحت المؤلفة النفاذ إليها عبر الرابط www.invisiblewar.net فضلا عن مقابلات مع دبلوماسيين أمريكيين وأجانب، كيف أن الولايات المتحدة لم تكتف بمنع وصول السلع الإنسانية الحيوية الى العراق فحسب، بل قوضت من جانب واحد اي محاولات للإصلاح، عبر تجاوز مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة، والتلاعب بالأصوات في مجلس الأمن، بهدف الاستمرار في العدوان على العراق الذي انتهى بتدمير كل مقوماته المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية، العسكرية والمدنية على السواء".

قراءة عناوين الفصول توضح منهج الكتاب ومحتواه، وتلخص في النهاية ما أشير له من سياسة تدمير العراق. إذ جاء الفصل الاول بعنوان: سياسة الاحتواء، والفصل الثاني بعنوان؛ آليات عمل العقوبات، وشمل: اول؛ا هيكل نظام العقوبات، وثانيا؛ الوضع الانساني، والفصل الثالث؛ اثر الولايات المتحدة؛ ووزع على: اولا: الفرض الأولي للعقوبات، ثانيا: "النقض العكسي" ، ثالثا: لجنة661، رابعا: قاعدة التوافق، خامسا: الواردات الغذائية و" الظروف الإنسانية"، سادسا: الإغاثة مقابل إعادة الإعمار، وسابعا: الشفافية. والفصل الرابع: مشكلة الحجوز، والفصل الخامس: حجم الكارثة، وضم ثمانية أجزاء: اولا: القصف والعقوبات في عام1991 ثانيا: إنهيار الناتج المحلي الإجمالي والاقتصاد، ثالثا: حدود الدخل النفطي، رابعا: اسقف على مبيعات النفط، خامسا: الاستقطاع لصندوق تعويضات الكويت، سادسا: "الحالة المؤسفة" لصناعة النفط، سابعا: المكون النقدي، ثامنا: تسعير النفط باثر رجعي. الفصل السادس ؛ التوترات في الأمم المتحدة، واحتوى على خمسة أجزاء. اولا؛ معارضة داخل مجلس الامن، ثانيا؛ التزامات داخل الأمم المتحدة، وكالات الأمم المتحدة الإنسانية، ثالثا؛ النزاعات داخل الأمم المتحدة، الأمين العام والجمعية العامة. رابعا؛ محاولات الإصلاح، خامسا؛ الحماية التجارية. الفصل السابع؛ دور الحكومة العراقية. وضم خمسة أجزاء ايضا. اولا؛ تدابير الحكومة العراقية للتخفيف من آثار العقوبات. ثانيا؛ إعادة الإعمار بعد حرب الخليج. ثالثاً؛ البنية التحتية والخدمات العامة خلال برنامج النفط مقابل الغذاء، رابعا؛ فشل الحكومة العراقية، خامساً؛ عوامل قوضت قدرة الحكومة العراقية على الاستجابة. والفصل الثامن، الكونغرس والعقوبات. احتوى على ستة أجزاء: اولا؛ اهتمام الكونغرس بالوضع الإنساني 1996-1991 ثانيا؛ الكونغرس وبرنامج النفط مقابل الغذاء. ثالثاً؛ اواخر التسعينات. رابعاً؛ محاولات إصلاح العقوبات في الكونغرس، خامساً؛ حرب العراق في عام 2003 سادسا؛ تآكل الدعم. والفصل التاسع: فصيحة النفط مقابل الغذاء. واحتوى على ستة أجزاء: أولا؛ التهريب، ثانياً؛ قوة الاعتراض المتعددة الجنسيات، ثالثا؛ عقود الاستيراد، رابعا؛ التسعير المفرط للنفط، خامسا؛ اتهامات ضد مسؤولي الأمم المتحدة، سادسا؛ الفساد بعد الحرب. والفصل العاشر: داخل السياسة الأمريكية. وشمل ثلاثة أجزاء: أولا؛ عملية صنع القرار في الولايات المتحدة، ثانيا؛ رد الولايات المتحدة على النقد، ثالثا؛ تآكل الدعم. الفصل الحادي عشر: القانون الدولي والعقوبات. وضم أربعة أجزاء: اولا؛ القانون الدولي لحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية، ثانيا؛ قوانين النزاع المسلح، ثالثاً؛ مشكلة الاختصاص، رابعا؛ الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. واحتفى الفصل الثاني عشر بعنوان: المسائل الأخلاقية والسياسية.

هذه عناوين الفصول أو محتوى الكتاب الذي وثق خطط تدمير العراق للفترة من آب/ أغسطس 1990 بعد غزو العراق للكويت وفرض العقوبات الاولى، حتى نهاية العقوبات بعد حرب الخليج الثانية في أيار/مايو 2003 وليس المقصود، كما أشارت المؤلفة، من الكتاب تقديم وصف شامل لكل قرارات مجلس الأمن الدولي أو هيكل العقوبات عموما.

أجابت المؤلفة في مقدمتها على سؤال لماذا التركيز على الولايات المتحدة الأمريكية؟، بأنها هي من لعب الدور الأساس في العقوبات ونتائجها، وهو ما فعلته في البحث والرصد والتسجيل، مؤكدة أن الولايات المتحدة الأمريكية ووجهات نظرها ومازقها معروفة جيدا، ولكن تعقيد النقاش الداخلي الذي جرى داخل مجلس الامن وبين مختلف فروع الأمم المتحدة وكيف جرى التفاوض على التنازلات والوسائل الدبلوماسية لم يكن معروفا جيدا. ورغم أن كثيرا من المعلومات معلنة لكنها لم توثق، براي الكاتبة، وان اغلبها ظل حبيس المحاضر التي يقيد تداولها ويمنع توزيعها. وهذه محفزات البحث والتاليف وتأتي الأهمية للكتاب منها.

حاولت الأستاذة جوي غوردن في جهدها توثيق العقوبات ونتائجها وأدوار الأطراف التي عملت عليها، في الفترة المحددة لها، راصدة تداعياتها وعواقبها معتمدة على المعلومات المتاحة عاكسة ما حصل في كل أنحاء البلاد. ليكون كتابها صفحة أخرى في سجل ألادلة الموثقة لمحاكمة الجرائم التي انتهت بالغزو والاحتلال.

 

كاظم الموسوي

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الخامس والأخير عن ابن أبي الربيع رائد الفكر السياسي الإسلامي؛ حيث يكون حديثنا عن نظرية التفويض وتقسيم الاختصاصات، وذلك علي النحو التالي :

1- وزير عالم: ويصفه بالشريك في الحكم ويعادل في عصرنا الراهن رئيس الوزراء:

يعطي ابن أبي الربيع أهمية كبيرة للوزير، فالوزير برأيه، هو الشريك في الملك، المدبر فيه يحفظ أركانه، المدبر بالقول والفعل، وأنه لا بد لمن تقلد الخلافة والملك من وزير منظم للأمور، ومعين على حوادث الدهور، ويكشف له صواب التدابير، ويستدل على أهمية الوزير أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) رغم ما خصه الله تعالى  به من الإكرام، اتخذ على ابن أبي طالب (رضي الله عنه) وزيراً، حيث قال له أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وأن الله تعالى  قال: " ولقد آتينا موسي الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً "، فلو استغنى أحد عن المؤازرة والمعاضدة، لاستغنى نبينا محمد وموسى صلوات الله عليهما، ومن صفات الوزير أن يكون عالمًا بالأمور، حسن العقل، شديد الحلم، حلو اللسان، حميد الأخلاق،  قليل اللهو، بطيء الغضب، كتوم السر، صحيح الجسم، جيد الفكر.

ومما يجب للوزير على الملك أن يقربه الملك ويدنيه، وألا يتشاور مع أحد دونه، وألا يقدم أحدا عليه، وأن يستمع إلى نصائحه، وألا يكاتمه شيئاً مما يستعان به عليه، وألا ينشط أحدًا للسعاية به، وأن يتعهده بإنعامه وإكرامه، وليظهر صواب تدابيره وينشرح صدره لما يريد تدبيره .

أما ما يجب على الوزير تجاه الملك، فيجب أن يكون خبيرًا بأدب التدبير والسنن والفرائض والأحكام، وأن يكون ذا نصح، وأمانة، وصدق للملك، وأن يدمن النظر في سير الملوك، وأن يجعل نهاره للنظر في أمور العامة وليله للنظر في أمور الخاصة، وأن يوكل بنفسه من يرفع أخباره إليه، فيمضي فيما وافق الصواب، ويتلافى ما يمكن تلافيه، وأن يكثر عيونه، ليتعرف على أحوال الرعية، وأن يحسن اختيار من يستعمله في أعمال الملك .

2 - الكاتب: ويعادل في عصرنا الراهن الوزير أو المدير العام

والكاتب عند ابن أبي الربيع هو لسان الملك عند الخاص والعام،  والكُتاب أربعة، كاتب حضرة ويجب أن يكون ذكيًا فطنًا جيد العبارة عالمًا بالنحو، والبلاغة، عذب الكلام، وأن يعرف مراتب الملوك والمكاتبين، فيعطي كل منهم حقه. وكاتب الجيش يكون خبيرًا في السلاح عارفا بلغات جنده. وأن يجري على جنده الجرايات كل شهر وأن يخبر الوزير ما يحتاج إليه من النفقات والجرايات، وينبغي أن يكون له دربة بترتيب العساكر ليقدم من يجب تقديمه. وكاتب الأحكام يجب أن يكون عارفًا بعلوم الشريعة وحدودها، عارفًا أحكام الدعاوي والبينات، وأن يعرف ما يجب فيه الجلد، والقطع، والقتل، وأن يكون بصيرًا بالشهود وطبقاتهم وشهاداتهم. وكاتب الخراج ينبغي أن يكون خبيرًا بحفر الأنهار ومجاري المياه، وأن يكون عارفًا بالمساحات وتخزين الغلات، عالمًا بفصول السنة، بصيرًا بالحساب، وله خبرة بأوقات الزرع ومقدار محصوله، وأن يكون خبيراً عالماً بحقوق بيت المال وما يجب له.

إنه باختصار إذا أردنا أن نشبه الكُتاب في زمن ابن أبي الربيع بالمناصب التي تقلد في زماننا، حسب الخبرة التي يشترطها ابن أبي الربيع، نستطيع القول إن كاتب الحضرة أشبه بالمستشار الثقافي، وكاتب الجيش أشبه ما يكون برئيس أركان الجيش، وكاتب الأحكام أشبه بحاكم قدير له خبرة وممارسة طويلة في المحاكم. وكاتب الخراج يجمع في المعرفة بين خبير زراعي واقتصادي وما إلى في زماننا هذا.

3 - الحاجب: ويعادل في عصرنا رئيس ديوان الرئاسة

والحاجب هو الواسطة بين الملك وبين من يريد لقاءه، ليرتب الناس بين يدي الملك كما يليق بمجلسه. فهو أقرب ما يكون برئيس تشريفات في وقتنا الحاضر، ومن صفاته – بحسب رأي ابن أبي الربيع – أن يكون فهما ذا خلق واسع ومنطق بارع، مهيب الطلعة، ذا عقل وحكمة، ولا يكون مكفرًا ولا سهلا، يعرف مراتب الداخلين على الملك فينزلهم منازلهم، وعليه أن يعرف سير الملوك وقواعدهم وخاصة الملك وعامته، ويعرف الأوقات التي يجلس فيها الملك، والأوقات التي يكون في خلوته، وأن يراعي خواص الملك ويكرمهم، ويعرف مواضعهم، ولا يفسح لأحد منهم في الدخول على الملك إلا بإذنه ولو كان ولداً.

4 - قاض: ويمثل الجهاز القضائي

القاضي عند ابن أبي الربيع هو ميزان الملك من رعيته، وصفته أن يكون ذا وقار، وورع، ذكيًا، فطنًا، عالمًا، عاقًلا، عارفًا بأدب القضاء، وألا يتعجل الحكم قبل ثبوته، وأن يكون فقيهًا عفيفًا، ممارسًا للأمور، صادعًا للحق، لا يقبل هدية، يعامل الخصمين بالسواء، قليل التبسم، طويل الصمت، شديد الاحتمال، وأن يبالغ في التفتيش على الشهود والوكلاء، ويعرف أحوالهم.

5 - قائد الشرطة: رمز السلطة التنفيذية

صاحب الشرطة عند ابن أبي الربيع ينبغي أن يكون حليمًا مهيبًا، غليظًا مع أهل الريب، ظاهر النزاهة، غير عجول، يهتم بحراسة وأمن المدينة وتفقد سورها وأبوابها، يقيم الحدود كما وردت في القرآن الكريم، وعليه أن يمنع المظلوم من الانتصار لنفسه بيده، وينبغي أن تكون عقوبته الخاص والعام واحدة كما أمرت الشريعة.

6 - الجند: الجيش

أما الجند وحملة السلاح عند ابن أبي الربيع فبهم تدفع الأعداء وتؤخذ المدن، ولذا يجب أن يكون الجند ذوي بأس ولا يقبل من كان معتادًا للرقة والراحة والتنعم، وليكن قوادهم أبرهم قدرًا وأعرفهم بالوقائع والحروب، ومن العارفين بمكايد الحروب، وليؤمر رؤوسهم وقوادهم بعرضهم في كل شهر مرة، وأن يجعل على كل عشرة قائد وعلى كل عشرة من القواد رئيسًا حتى ينتهي إلى رب الجيش.

7 - العامل: المحافظ

والعامل عند ابن أبي الربيع هو جامع الأموال، ولذا يجب أن يكون عالمًا بأمور السواد، ناضجًا في جميع الأحوال، عامًلا بالعدل، وأن يكون فيه إنصاف وانتصاف ونزاهة، ليكن قصده إدرار أموال الرعية وتوفير مال السلطان، لأن المال قوة وعليه الاعتماد في رخاء الرعية وسد الثغور وصد الأعداء.

8- الحكيم:

والحكيم عند ابن أبي الربيع – ويقصد به الطبيب – يجب أن يكون عالمًا بمجرى علم الطب، كثير الدرس في الكتب، حاذقًا، لطيفًا، رقيقًا، كثير العلاج والتجارب مأمون السيرة، عارفًا بالعقاقير، والأدوية، والأغذية.

9- الجليس:

أما الجليس عند ابن أبي الربيع فالملك يحتاجه كحاجته إلى الوزير والحاكم، فينبغي أن يكون عاقًلا دينًا حرًا عفيفًا، حسن الأخلاق، نقي الثوب، ذا معرفة بالنحو، واللغة، والبلاغة، والفصاحة، حافظًا لصواب الشعر ومجونه ونوادره، وأن يكون كتومًا للأسرار، بعيدًا عن النميمة، حسن المحضر للناس، وأن يكون خبيرًا بخصائص الملوك وعاداتهم.

10- صاحب الطعام والشراب:

وصاحب الطعام والشراب عند ابن أبي الربيع يجب أن يكون ثقة مؤتمنًا، يتلطف في منع الملك عن بعض المطاعم التي لا توافقه ويعرفه وجه المصلحة في تركها، وألا يكون بخيلًا ولا مضيعًا، وليتفقد الطعام والشراب في كل ساعة، وأن يكون عارفًا بما يجلب من البلاد من المطاعم والمشارب؛ ويجب أن يكون عالمًا بما يهوى الملك من الأطعمة والأشربة فيبالغ في اتخاذه وتجويده.

ويضع ابن أبي الربيع تصورًا مهمًا للتخطيط الاقتصادي وتقدير موارد الدولة (الدخل القومي) وتحديد مصادرها من مصدرين رئيسين:

1 - الأموال الشرعية، وهي معروفة وثابتة.

2- الأموال التي تفرضها الدولة لأحكام الضرورة والاجتهاد.

ثم إنه يتقدم باقتراح صائب، هو أن يتكافئ الإنفاق، أي أنه يسعى لأن لا تصاب ميزانية الدولة بالعجز.

ويختتم ابن أبي الربيع كتابه بمجموعة من والوصايا، حيث يدرج ابن أبي الربيع ستة عشر نصيحة لمن يريد أن يصلح أخلاقه ولمن يجب الوصول إلى للكمال، وذلك بأن يكون متفقدًا لجميع أخلاقه محترزًا من دخول أي نقص عليه، وأن يكون أبدًا عاشقًا لصور الكمال، وألا يقف في العلم عند حد، وأن يأتمر بأوامر الله ورسوله، وأن يعتدل في كل شيء، ويجتنب الإسراف، وأن تكون قوة العقل دائمًا، مسيطرة على قوتيه الغضبية والشهوانية، وأن يبتعد عن السفهاء، إلى غير ذلك من النصائح.

ثم يذكر ابن أبي الربيع بعض الحكم والأمثلة على لسان الحكماء والعلماء والملوك؛ فمثلًا  يذكر وصايا لحكيم منها:"لا تحقر عدوك"، ثم يفسرها ابن أبي الربيع أن معناها: لا تستصغر اليسير من الهوى، أو أن بعض العلماء يذكر أن الكذب قبيح من الحكماء، والبخل قبيح من الأغنياء أو أن بعض الملوك ينصح وزيره: " لا تحمل على بدنك مالا تطيق "، ثم يكتب جدولاً في صفحتين، يذكر فيه عشرين وصية لعلماء وحكماء لم يذكر أسماءهم، ثم إن الوصية أخلاقية لا تفوت أي مفكر أخلاقي من ذكرها عندما يريد أن يكتب كتابًا أو مقالاً فمثلاً الوصية الأولى قال حكيم: " لا يجب أن تحث  غيرك على فضيلة ما لم تكن كاملة فيك فإن فعلك يخبر عن قبول كلامك". وهكذا باقي الوصايا والنصائح.

وهكذا ينصح في باقي الصفحات بالتحرز من الآفات. فمثلاً يذكر أن أرسطو أوصي الإسكندر عدة وصايا منها: إذا بلغت غاية الأمل فاذكر الموت. ووصايا ملك لولده مثل:لا تهتم بالدنيا فإنه لا يكون إلا ما قدر الله.

مما سبق وبعد عرض ما جاء في كتاب سلوك المالك في تدبير الممالك لابن أبي الربيع، اتضح لنا أنه لم يهدف من وراء هذا الكتاب تأسيس نظرية في السياسة، بقدر ما يُريد شرح ما ينبغي أن يكون عليه الحاكم، وكيف يتعامل مع رعيته وأعوانه في الحكم. فيخال لنا أن كتاب سلوك المالك في تدبير الممالك، قد كتبه ابن أبي الربيع، وهو جالس مغمض عينيه، يحلم بما ينبغي أن يكون عليه الحاكم.

يقدم ابن أبي الربيع نصائح للملوك، ويقدم للرعية مثلها، حتى لا يحدث شقاق بين الحاكم والمحكوم، فتكون السياسة عنده قائمة على نظرية الحقوق بين الحاكم والمحكومين، ومن تلك النظرية تبرز لنا نظرية السيادة، دون أن يذكرها ابن أبي الربيع صراحًة. وتكون السيادة هي سيادة الحاكم الذي يهدف إلى صيانة مصالح الرعية والدولة التي وليَّ عليها حاكمًا.

على الرغم من أن السلطة صاحبة السيادة عند ابن أبي الربيع تتمثل في الحاكم الفرد، إلا أنه لم يغفل نظرية التفويض، فالحاكم لا يستطيع تسيير مصالح الدولة والرعية بمفرده، ولهذا قال بتفويض الوزارة، وعلى الحاكم مراقبة الوزراء، والوزراء يفوضون من هم أقل منهم، ويقومون بمراقبتهم، وهكذا حتى يصل إلى العامل الذي لا يفوض أحدًا غيره.

كان الهدف من كتاب سلوك المالك في تدبير الممالك، بيان الأركان التي تقوم عليها الدولة، وهي أربعة؛ الملك، والرعية، والعدل، والتدبير. وتقوم العلاقة بين الركنين الأول والثاني، ويكون الركن الثالث وهو العدل غاية الاجتماع وقيام الدولة، ويكون الركن الرابع وهو السياسة أو التدبير بمثابة الوسيلة الموصلة إلى الغاية.... وللحديث بقية!.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الرابع عن ابن أبي الربيع رائد الفكر السياسي الإسلامي؛ حيث نكمل حديثنا عن أركان الدولة لديه، وفي هذا يمكن القول: من خلال النصوص السابقة التي أوردناها بصدد الملك، فتجدر الإشارة إلى أن رئيس المدينة عند ابن أبي الريع الذي يصلح لرئاسة المدينة هو الملك الفاضل. فهو لم يطالب بالملك الفيلسوف كما ذهب فلاسفة من قبله، فأفلاطون مثلا اشترط أن يكون ملك المدينة فيلسوفًا وكذلك الفارابي من فلاسفة الإسلام. نلاحظ هنا أن ابن أبي الربيع يشابه يحيى بن عدي الذي اكتفى بأن يكون الملك فاضلًا فحسب. والملك – كما يقول مضطر إلى ست آلات، وهي الأبوة والهمة الكبيرة والرأي المتين والصبر على الشدائد والمال الجم والأعوان الصادقين. ولعل أغرب ما ذكره في هذه الفقرة الآلة الأولى  - كما يسميها – وهي الأبوة حيث قال في تفسيرها نصًا: " وهو أن يكون من أهل بيت الملك قريب النسب ممن ملك قبله، وذلك سبب الاتفاق عليه"، فيظهر أنه يريد أن يقرر إجماع الأمة أو مبايعة الأمة الإسلامية، ولكنه يرى أنه يعيش تحت ظل دولة وراثية يتناوب الملك الأولاد أو الأقارب وأن التسمية تأتي أولًا سواء من الملك أو الخليفة السابق، أو عن طريق تدخل الحاشية والقواد ثم بعدها تؤخذ المبايعة من الأخرين ولهذا مزج بين القول بالوراثة والاتفاق. ويوجب ابن أبي الربيع بأن يسوس نفسه بذكر الله تعالى  وشكره وأن يجعل العدل نصب عينيه. وأن يسوس بدنه بالاعتدال في اللذات وأن يكون كامل الأعضاء لا يأتي قبيحًا. وفي سياسة خاصته كالوزير والعامل والكاتب والطبيب ينبغي أن يضع عليهم العيون سرًا وأن يرفع من يثبت إخلاصه وأن يقرب منه حكماء القوم وعقلائهم. وفي سياسة الرعية ينبغي عليه أن يستميل قلوبهم ويتلطف عليهم وينفق عليهم ويطمعهم في الرفعة إليه وقرب المنزلة منه. وفي سياسة الحروب عليه أن يعلم حال عدوه، وبنفس الوقت يخفي أخباره عن عدوه، بالإضافة إلى تقوية جيشه وحماية الثغور. كما يحذر ابن أبي الربيع الملك من خصال ذميمة كالحرص والعجب وإتباع الهوى. ويجب على الملك كذلك ألا يغضب، ولا يبخل، ولا يحقد، ولا يحسد، ولا يخاف. ثم لا يلبث أن ينصح الملك بالعفة، والعدل، والعفو، وأن يتبع طريق العدل والجود والحزم وأن يبعد من بطانته الشر، والحريص والذي لا دين له والشرير المتظاهر بالخير.

وفي إشارته: إن على الملك (الحاكم) أن يعمل على إشغال رعيته لكي لا يجدوا وقتاً للتفكير في مفسدة، وتوجه فيها ابن أبي الربيع إلى مرتبة فلاسفة السياسة، لما بعد ميكافيلي، فهو يجعل السياسة أداة بيد الحاكم. ولا غرو، فمفكرنا يستشهد بالآيات القرآنية بأسلوبه الخاص، وآثار الفلاسفة الإغريق، أفلاطون وأرسطو تبدو واضحة، وكذلك أعمال فلاسفة عرب ومسلمين، بالإضافة إلى الإبداع الذاتي في طرقهم الحثيث لآفاق الفلسفة السياسية. فنحن إذن أمام ثلاثة مصادر رئيسة لمفكر مثل ابن أبي الربيع وربما آخرون غيره من هذا المستوى أو ما يقاربه، وهي:

1/ الشريعة (الكتاب والسنة والاجتهاد).

2/منجزات الفلسفة. 3/ الإبداع الذاتي.

ثم نقرأ لابن أبي الربيع ملاحظة واضحة ومهمة تزيد من قيمة مصنفه على المستوى العلمي وبها يكتسب ثقة ومصداقية في إشارته الواضحة إلى اقتباسه من أعمال وكتب علماء أخرين، وتلك لا تنقص من أهمية كتابه، بل تزيد من درجة علميته ورصانته.

ومثله مثل الفارابي تقريباً، يركز ابن أبي الربيع على ضرورة أن يكون الملك أو الرئيس حكيماً عالماً، ويضع ذلك في المرتبة الأولى من صفات الملك، إذ يقول:" أن يكون له قدرة على جودة التخيل " ولكنه من جهة أخرى يؤكد على قدسية مكانة الملك بقوله " إن الله هو ينصب الحكام " ثم يقول في مكان ثالث وبوضوح " أكبر " إن الله جل جلاله لما خص الملوك بكرامته ومكن لهم في بلاده ودخولهم عبادة أوجب على علمائهم تبجيلهم وتعظيمهم وتوقيرهم، كما أوجب عليهم طاعتهم".

فهو إذن يقبل النظام الملكي الوراثي، إذ يشترط في الملك أن يكون من أهل البيت المالك، قريب النسب ممن ملك قبله، وحسب الاتفاق(ولي العهد) ولكن ابن أبي الربيع يبقى السؤال حائراً، ماذا وكيف مع الملك أو السلطان الجائر؟. وأقصى ما يقبله ابن أبي الربيع، هو أن يتجه العلماء إلى الملك بالنصح والإرشاد و " تزين العدل وتقبيح الجور واستهجانه" ولكن على الرعية الطاعة في جميع الأحوال.

الركن الثاني: الرعي

وهي الركن الرئيس الثاني من أركان الدولة ويقسم ابن أبي الربيع الرعية إلى الأقسام السبعة التالية:

أ- متأهلون: هم الذين اقتصروا على العبادة والزهد، يوعظ العالم بترهيبهم وترغيبهم.

ب- حكماء: هم العارفون بالعلوم الحكيمة، كالطب، والنجوم، والحساب، والهندسة، وأشباه ذلك.

جـ- علماء: هم حملة الآثار وخلفاء الأنبياء، إليهم يرجع فى التحريم، والتحليل، والتفسير، والتأويل.

د- ذوو أنساب: هم أهل الشرف، والجاه، والقدر، كلما كثروا فى المملكة كانوا أنبل، وهم عدة الملك.

هـ- أرباب الحروف: هم حرسة المملكة، بهم تدفع الأعداء وتؤمن غوائلهم، وبهم تفتح المدن والممالك.

و- عمار الأسواق: هم صناع وأتباع بهم تتم أمور الناس، وينالون حوائجهم من قرب.

ز- سكان القرى: هم مثمرو الحرث، والنسل، والزرع، والنسل، وباقى الناس محتاج إليهم. وهؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

1- أخيار أفاضل: هم محبو الخير، مبغضو الشر، يأتمرون وينتهون طوعًا، يؤثرون ما عدا بصلاح الملك والرعية ويختارونه. وحقهم الإكرام، والبر، والتقديم، ورفع المنزلة باختيارهم للمهمات.

2- أشرار أراذل: هم أضداد الأخيار، لأنه ليس للتأديب فيهم نفع، فهم كالسباع المؤذية طبعًا.

3- وحقهم إذا يئس من إصلاحهم، ولم تنجح العقوبة فيهم أن يُبعدهم إلى الأماكن النائية ليأمن شرهم.

4- متوسطون: وهم أرباب المكاسب، يتكافأ قولهم من محمود ومذموم، يميلون فى الصلاح مرة وإلى الفساد أخرى. وحقهم إصلاح فسادهم، ورد مائلهم، وفطمهم عن العادات الرديئة، بإغفال مرة وعقوبة أخرى، كتدبير الطبيب للعليل.

ولا يتم إصلاح الأقسام السابق ذكرها إلا بالوسائل التالية:

1- باستعمالهم في صناعتهم، حتى  لا يجدوا فراغًا لفكر في مفسدة.

2- بالتقدم إليه في كل وقت، باجتناب الخوض في أسباب السلطان.

3- بالأخذ للضعفاء من الأقوياء، ويساوي الأقربين، والأبعدين في السياسة.

4- وترك التعرض للمظلوم، وتسهيل الحجاب له، وإنصافه من الظالم.

5- وأن يجلس لهم في كل وقت لشكوي أو وصف حال، أو مسألة حاجة.

6- وأن يؤمنوا من الأعداء الخارجين عنهم بسد الثغور وأحكامها.

7- وليحرسهم من قطاع الطريق، لئلا ينقطع معاشهم بانقطاع ميرتهم.

8-  وليؤمنهم من اللصوص في منازلهم لتكون الثغور مصونة، والطرق آمنة، وأيدي الأشرار مقبوضة.

وهذه النقاط الثماني تتعلق بحقوق الرعية على الحاكم. أما واجبات الرعية فيحددها ابن أبي الربيع في النقاط الثماني التالية:-

1- ألا يشرعوا في شيء من تعنت السلطان وتتبع أسراره.

2- وأن لا يدعوا النصيحة في الله تعالى، إذا أراد الإقدام على أمر غير جميل.

3- وليجتهدوا في تحسين العدل عنده وتزيينه، وتقبيح الجوار.

4- وذلك إنما يجب على خواصهم وعلمائهم، أما غير هؤلاء فليس لهم ذلك.

5- وإذا عرض لهم مكروه من بعض خواصه، فلا يتعرضوا له دون التألم إلى سلطانهم.

6- وإذا اتفق له سرور أو فرح، أظهروا الاستبشار بقدر ما في طاقتهم.

7- وإذا عرضت بلية أو حزن، فليشاركوه في حزنه ويساعدوه على ما هو فيه.

8- وليجيبوه إذا دعا في ليل أو نهار، ولا يخالفوا له أمرًا، وليعتقدوا ذلك دينا.

مما سبق  يتضح لنا أن الرعية فمنهم الزهاد الذين انقطعوا للعبادة ومنهم الحكماء الذين اتجهوا للعلوم؛ كالطب، والحساب، والهندسة، ومنهم العلماء وهم ورثة الأنبياء أصحاب التحليل، والتفسير، والتأويل. ثم هناك سكان القرى أهل الزرع، والحرث، والنسل  وينقسمون إلى ثلاثة أقسام: أخيار أفاضل وهم محبو الخير وحقهم الإكرام والتقدم. أو أشرار أراذل وهم السباع المؤذية ليس للتأديب فيهم نفع، والمتوسطون وهم يميلون إلى الصلاح مرة، وإلى الفساد مرة أخرى. ويسوق ابن أبي الربيع رأيا غريبًا مفاده أنه ينبغي على الملك تجاه الرعية أن يشغلهم في صناعتهم حتى لا يجدوا فراغًا للتدخل في أمور السلطان (تدعيمًا لحكمه المطلق) فالتدخل في شيء والحكم ليس من اختصاصهم، كما يرى أن الملك بالنسبة للرعية أشبه بالطبيب بالنسبة للمريض، فالطبيب غرضه شفاء المريض، كما أن هدف الحاكم المطلق مصلحة الرعية .

الركن الثالث: العدل:

وهو الركن الثالث من أركان الدولة أو المملكة  وهو حكم الله تعالى  في أرضه والدليل على شرف منزلته اتفاق الأمم وأطيافهم عليه مع اختلاف مذاهبهم، فليس منهم إلا من يوصي به ويعرف فضله، وهو على ثلاثة أقسام:

أحدها: ما يقوم به العباد من حق الله تعالى عليهم: كالفرائض وما يتعلق بها، والقرابين والضحايا، وعمارة الجوامع والمساجد، والقيام بالنوافل، واستعمال ما أمر الله ورسوله.

الثاني: ما يقومون به من حق بعضهم على بعض: كإقراض بعضهم بعضًا، وتأدية الأمانات، ورد الودائع، والشهادة بالحق، وفعل الخير.

الثالث: ما يقومون به من حقوق أسلافهم: كتكفين موتاهم، وعمارة مقابرهم، وقضاء ديونهم، وتربية أيتامهم،والصدقة عنهم.

ومن أعمال العدل: أن يقسم المرء كل شيء على حقه وفي موضعه، وأن لا يخالف السنن الموضوعة له، وأن يكون صدوقًا في كل ما ينبغي، وأن يكون حفوظاً لمواعيده منجزًا لها، وأن يكون رحيمًا بريئًا من الدنس، وأن يجتمع فيه الوفاء والأمانة وبعض المساوئ .

من كل ما سبق يتضح لنا أن ابن أبي الربيع حين عرف العدل أكد بأنه حكم الله تعالى  في أرضه، ثم يستدل على شرف العدل بإجماع الأمم مع اختلاف مذاهبهم، فليس منهم إلا من يوصي به، ويعرف فضله، ومن أعمال العدل أن يقسم المرء كل شيء على حقه، وفي موضعه، وألا يخالف السنن الموضوعة له، وأن يكون صدوقًا حفوظاً للمواعيد، رحيمًا بريئًا من الدنس، وأن يجتمع فيه الوفاء والأمانة...الخ .

الركن الرابع: التدبير

وهو الركن الرابع والأخير من أركان الدولة أو المملكة، ولقد اهتم به ابن أبي الربيع اهتمامًا بالغًا باعتباره رباطًا وواسطة قوية بين الحاكم والمحكوم أو بين الملك والرعية. والملك لا يمكن أن يقوم بتدبير شؤون مملكته بمفرده، ولهذا فإنه محتاج دائمًا إلى من يعاونه في تدبير هذه الشؤون، فإذا لم يكونوا صالحين فسدت الدولة، وساء تدبيرها. ومن ثم فإننا نجد ابن أبي الربيع يحذر الملك من ستة أشياء، ويدعوه إلى ضرورة تجنبها حتى يصلح حكمه وتدبيره، وهذه الأمور الستة التي يجب على الحاكم أو الملك تجنبها كالتالي: من استوزر غير كاف، وخاطر يملكه،ومن استشار غير أمين، أعان على ملكه، ومن أسر إلى غير ثقة، ضيع سره، ومن استعان بغير مستقل أفسد أمره، ومن ضيع عاملًا دل على ضعف عقله، ومن اصطنع جاهلًا أعرب عن جهله.

والملك لا يمكن أن يستغني عن الأعوان والأتباع في تدبير شؤون نفسه وشؤون حكمه وشؤون رعيته فهو محتاج إلي: وزير عالم، وكاتب عارف، وحاجب عاقل، وقاض ورع، وحاكم عادل، وعامل جلد، ومال متوفر، ورب شرطة، وجند أقوياء، وحكيم مجرب، وجلي... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

1184 مجادلة الاخريعرّف المؤرخ الدكتور أبو القاسم سعد الله الجزائري العولمة على أنها مجموعة قوانين واستثمار وإتخام البلاد بالمستوردات وإلغاء الثوابت الوطنية، ويقول أن الديمقراطية ليست حكرا على جنس أو دين أو بلاد وإنما هي ممارسة صالحة إن احترموها، كما يصف أبو القاسم سعد الله منظمة التجارة العالمية وتبعاتها وتداعياتها على الإقتصاد الوطني بأنها عبارة عن أخطبوط، وأن الشعبوب لم يؤخذ برايها في مسالة الإنظمام أو عدم الإنظمام إلى المنظمة، كما يسلط سعد الله الضوء على الثقافة العربية والعولمة، إذ يقول وجحب على الثقافة العربية أن تواجه التحديات الكبرى لتكون في مستوى العصر القادم، أو تختفي عن الأنظار وتترك المجال لثقافات أخرى أولى منها بالحياة والبقاء، لأن البقاء للأقوى والفضل للمبدع لا للمجتر، هكذا تقول قوانين الطبيعة

"العولمة والآخر والهوية والتحرّر والديمقراطية" كما جاء في المقدمة، هي من مصطلحات المرحلة التي تعيشها الشعوب وكانت من اهتمامات المثقف، يستعملها في كتاباته ويدلي فيها بنصيبه من المعرفة، وهذه المصطلحات وردت في مقالات كتبها المؤرخ الدكتور أبو القاسم سعد الله جمعها في كتاب بعنوان: "مجادلة الآخر"، سلط فيها الضوء على قضايا شغلت بال الباحثين والمفكرين والأمة العربية، ومن أبرز هذه المقالات نقرأ مقال يبحث فيه كاتبه عن صوت الشعب، وقد عنوانه بـ: أين صوت الشعب؟ رسم فيه لوحة للوضع الذي وصلت إليه البلاد العربية، ومأساتها ليس في الجزائر فحسب وإنما في كل الأقطار التي تتقاسمها اللغة والدين والثقافة والعادات والتقاليد، وجب أن يقول الشعب كلمته بحرة واقتناع لأنها تتعلق بمصيره، مصير الوطن الذي يعيش فيه ومن أجله وليست آنية ذات تأثير محدود في الوقت والإنسان، وهاهي الشعوب تستجيب لنداء أبو القاسم سعد الله وترفع صوتها عاليا عن طريق الحراك الشعبي والإنتفاضات لتغيير النظام.

 وكعينة يقدم الدكتور سعد الله في هذه المقالة كيف غُيِّبَ الشعب الجزائري عن إشراكه في الإستشارة والإستفتاء في قضايا مصيرية مثل المنظومة التربوية ومنظمة التجارة العالمية وهو يردد شعار الديمقراطية التي تعني حكم الشعب الحاضر، ولا تعني التفويض المطلق بأن يحكم أحد باسمه في كل الأحوال ومهما طال الزمن، في وقت تعرض قضايا الشعوب الغربية أمامها وفي حضورها وإبداء رأيها بالموافقة أو عدمها لأنها رائدة ولأن مسؤوليها يحترمونها، لأنهم يحكمون باسمها ويعملون لمصلحتها، بينما الأنظمة العربية تقدم لشعوبها المشاريع والأفكار جاهزة دون أن تطلع على تفاصيلها، لأنها (أي الأنظمة) ترى في شعوبها كمستهلك لا غير، ثم يأتي المسؤول ويعلن بأن الأمر فصل فيه وانتهى واصبح الشعب ملزما بالتطبيق.

عن الديمقراطية يتحدث ابو القاسم سعد الله عن استعمالها في لحظة سياسية واحدة وهي الإنتخابات، كما نلاحظه الآن في الجزائر وهي لحظة تظهر الأمور غير الحقيقية، خطابات مزيفة ومشاريع مغشوشة وأفكار مسروقة، وبرامج واحدة ومفردات واحدة والإخراج واحد، فإذا انتهى العرس ويعود الضيوف ( الشعب)، أي بمجرد الإعلان عن نتائج الإنتخابات، تغيب الديمقراطية ويختفي اسمها وتعود الأمور إلى ما كانت عليه، إلى نقطة الصفر، بهذه الطريقة تضحك الأنظمة على شعوبها، وبكل أنواع الحيل، يحدث هذا في الجزائر وفي هذه الفترة بالذات، كما يحدث في بقية البلاد العربية، وفي مرحلة أطلقوا عليها عصر "العولمة" ومكافحة ااإرهاب الإسلامي، ونسيت السلطة أنها الإرهاب نفسه، لأنها تخذر الشعوب بافكار تسلطية دكتاتورية، بل فاقت حدود الإجرام.

 يعرّف أبو القاسم سعد الله العولمة على أنها مجموعة قوانين واستثمار وإتخام البلاد بالمستوردات وإلغاء الثوابت الوطنية، إذ يقول: يكفي الوقوف على شوارعنا وساحاتنا وحافلاتنا وطرقاتنا وقطاراتنا ومساكننا، وهل تعليمنا ومؤسساته وطلابه يتلقون ما يجعلهم يعيشون عصر العولمة دون خطر عليهم؟ سؤال طرحه ابو القاسم سعد الله، ثم يرد: فإذا كان الجواب بالنفي لماذا يخرجون علينا كل يوم في قبح وكبرياء بأننا نعيش عصر العولمة والحداثة؟ وإذا كان الجواب بالإثبات فهو هراءٌ هذيان، ويصف أبو القاسم سعد الله منظمة التجارة العالمية وتبعاتها وتداعياتها على الإقتصاد الوطني بأنها عبارة عن أخطبوط، كما أن السلطة (الجزائرية) لم تستفت الشعب في الإنظمام أو عدم الإنظمام إلى المنظمة، فمصير الإصلاح يمس كل الشعب ويؤثر على كل الأجيال، فلا يصح أن يصاغ الإصلاح من اصحاب النزوات والموتورون من أنصار العلمة والحداثة وحدهم، ثم يفرض على الشعب دون أن يدلي برأيه في الموضوع.

أما مصطلح " الجزأرة" كما يقول الدكتور ابو القاسم سعد الله في مقال له بعنوان: "تأصيل الهوية" بأنه مصطلح ظهر في الجزائر مع بداية الثمانينيات عندما بلغت الأمور حدها من العنف والتطرف، وقد استعمل المصطلح كتيار سياسي للدلالة على انطلاق الجزائر من تجربة علمائها ومفكريها إلى تجربة العلماء وة المفكرين الأجانب، أما اليوم فالجزأرة تستعمللإضفاء الطابع الثقافي في المدن الجزائرية، في غياب مؤسسات التوجيه المعنوي والتعبئة الفكرية والثقافية، وكما يقول هو في نفس المقال: " لا يعقل أن يحارب الجزائريون قرابة ثماني سنوات ويستشهد منهم مليون ونصف مليون ثم يتقاعسون عن استكمال مظاهر الإستقلال والسيادة في إحياء الرموز التاريخية والفكرية للوطن".

والحقيقة أن أفكار ابو القاسم سعد الله تحمل الروح الثورية المحبة لبلدها والغيورة عليه، ولنقرأ ما يقوله في هذه المقالة: إن الزائر بلادنا يصدمه بقاء مظاهر الإحتلال في المدن الجزائرية، بما فيها العاصمة، ولا شك أن الزائر سيتساءل مع نفسه: هل عجز الجزائريون عن استكمال الشوط الأخير من استرجاع استقلالهم؟ هل فيهم أنصار العهد البائد الذين يحبون بقاء الطابع الأجنبي لبلادهم؟ وربما يتحدث هنا عن الأحياء والشوارع التي ما تزال تحمل أسماء الكولونياليين، ويضيف بالقول: كيف يعقل أن تغير الجزائر من نظامها السياسي والإقتصادي ومن مواثيقها وقوانينها ونظامها التربوي من أجل مواجهة العولمة والتعايش مع الآخر؟ ثم لا تهتم بتغيير بيئتها وبنيتها الداخلية التي تعطيها حقيقتها بين الدول والأمم والجماعات؟ أم هم مجرد كتلة بشرية تأكل وتتناسل وتموت؟، وبلادهم مجرد منطقة جغرافية تستقبل الجيوش الغازية غادية ورائحة؟، وبأسلوب الثوري يرد ويقول: معاذ الله أن يكون الجزائري الحرّ من الصنف الذي يعيش ويتناسل ويموت، إن الجزائري "السلبي" فقط هو الذي لا يصنع التاريخ بل يُصْنَعُ به التاريخ.

ففي مقال آخر سلط فيه الضوء على الثقافة العربية في مجموع عناصرها من أدب ومسرح ورسم وموسيقى وعلاقتها بالعولمة وما تواجهه من تحديات كبيرة في مواجهة العصر القادم، أو تختفي عن الأنظار تاركة المجحال للثقافات الأخرى أولى منها بالحياة، لأن البقاء للأقوى والفضل للمبدع لا للمجتر، هكذا تقول قوانين الطبيعة، يقول أن مصطلح العولمة دخل أدبياتنا منذ عشرين سنة ولكنه لم يدخل كمصطلح ثقافيس أو ادبي وفني وإنما دخل كمصدلح إعلامي سياسي واستراتيجي واقتصادي وهو بذلك سيطرة قطب واحد أو دولة واحدة على سير ومصير العالم كله بكل ما في هذا العالم من أمم وحضارات وثقافات وتواريخ ولغات وأديان ومذاهب، والإنسان ألأمريكي ياخذ منة النرجعية بقدر ما يحتاجه منها في اللحظة، كما أنه ليس غيور غيرة عقائدية على معتقداته وآثاره ألأدبية لأنها عنده قابلة للتغيير والتغير وليست ثابة، فكل شيئ عنده يمكن النظر فيه إذا كان سيتحول إلى صفقة رابحة، لأن العمل في امريكا هو المقدس، الكل يعمل والكل ينتج ولا توجد بطالة، حتى اللغ عند المواطن الأمريكي ليست مقدسة وهي قابلة للتطوير والتطويع، ليستخلص القول أن الأمم اليوم تعيش الهيمنة الأمريكية وليس العولمة.

فهذا التوجه في الحياة الثقافية والتاريخية هو الذي أفسح المجال للعابثين والجهلة من ابناء جلدتنا الذين هم ضحايا لتاثيرات خارجية ـ فبدلا من أن يعاد ألإعتبار لمن أهملهم ألإستعمار راح البعض يبصب باليمين على الصك الذي قدمته جهات مندسة أو محسوبة على البلاد تاركة مخلفات الإستعمار في الأحياء والشوارع من اسماء ورموز استعمارية عاثت فسادا في البلاد، فكان من ألأفضل أن يتقدم اسماء ابطال وشهداء جزائريون وعرب الذين دافعوا عن الجزائر وحضارتها، على الأسماء الكولونيالية التي تملأ شوارع الجزائر ومدنها، وهي التي تزخر بتاريخ ثوري وصل صداه المعمورة، فدولة الموحدين والمرابكية وبني زيان ودولة بني رستم ودولة بني حماد وغيرها وجب ان تؤخذ مكانها في الشوارع والساحات وكذلك بعض ملوك وأمراء تلك الدول، ولو كان على الجزائر أن تكرم غير ابنائها كان عليها أن تكرم جمال عبد الناصر الدي آثر الثورة الجزائرية وأعطاها في وقت الشدة من اسمه واسم بلاده، واسماء أخرى تفتخر بهم الجزائر في مختلف المجحالات العلمية والمعرفية كعبد الرحمن الأخضري وابن معطي الزواوي وأحمد الونشريسي ويحي ابن خلدون شقيق العلامة ابن خلدون وغيرهم.

 

علجية عيش

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الثالث عن ابن أبي الربيع رائد الفكر السياسي الإسلامي؛ حيث نتحدث أركان الدولة لدية ، وفي هذا يمكن يقول أبي الربيع: " يقول ابن أبي الربيع: "إن أركان الدولة هي أربعة، ويودعها المهام القضائية، والتنفيذية، والأجهزة التي تشكل كيان الدولة فيما يبقى الخليفة والشريعة مصدراً وحيداً للتشريع". وهي على النحو التالي:

1 - الملك (الرئيس).

2 - الرعية (الشعب).

3 - العدل (مبدأ العدل وأجهزة العدالة).

4 - التدبير (السلطات التنفيذية).

وسوف نذكر كل ركن من هؤلاء بالتفصيل.

الركن الأول: الملك.

ذكرنا من قبل أن ابن أبى الربيع " إن الله خص الملوك بكرامته، ومكن لهم فى بلاده، وخولهم عباده، وحينئذ أوجب على علمائهم تبجيلهم، وتعظيمهم، وتوقيرهم، كما أوجب عليهم طاعتهم، فقال تعالى: "وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات". وقال تعالى:"وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ". ويظهر من هذا النص أن ابن أبى الربيع يؤمن بنظرية التفويض الإلهى للحكام من حيث إنه تعالى هو الذى يخصهم بكرامته، ويمكن لهم فى البلاد، ويعطيهم حق حكم العباد، كما أنه يأمر العباد على اختلاف طبقاتهم بوجوب طاعتهم وتبجيلهم لأن هذا سعادة لهم، وهاهنا يختلف ذلك الفكر السياسي الإسلامي عن الفكر السياسي الإغريقي القديم.

ويرى ابن أبى الربيع أن الملك يجب أن تتوافر له ستة عناصر هي:

1- الأبوة: وهو أن يكون من أهل بيت الملك، قريب النسب ممن ملك قبله، وذلك بسبب الإنفاق عليه.

2- الهمة الكبيرة: وحصول ذلك بتهذيب الأخلاق النفسانية وتعديل القوة الغضبية، وذلك لا يكاد الملك إلا به.

3- الرأي المتين: وحصول ذلك بالبحث والنظر فى تدابير السلف وأخبارهم وتجاربهم. وذلك لأن ما من أمر إلا وهو معرض لمكيدة.

4- المثابرة على الشدائد: وحصول ذلك له وتمكنه منه بإظهار الشجاعة والقوة واستعمالها، وبذلك يستقيم له أمر الملك وقهر الأعداء.

5- المال الجم: وحصول ذلك له باستعمال العدل فى الرعية ودوام العمارة، وبه قوام المملكة ودوامها.

6- الأعوان الصادقون: وحصول ذلك بالتلطف بهم ودوام الالتفات وبالإكرام، وبهم يشتد عضد الملك ويقوى قلبه .

ثم يذكر ابن أبي الربيع بأن ما يخص الملك من السياسات هو:

1- سياسة نفسه:

الأول: ينبغى أن يقيم نهاره أقساما: فأوله لذكر الله تعالى وشكره، وصدره للنظر فى أمر الرعية، ووسطه لأكله ومنامه، وطرفه للذاته ولهواته. الثاني: ينبغي أن يكون حكيماً ملتمسًا الحكمة، ويستشهد هنا بقول القائل للإسكندر بمن يصلح للملك ؟ فقال له: إما بملك حكيم أو ملك يلتمس الحكمة. الثالث: ينيغي أن يكون قدوة للرعية، حيث إن قلوب الرعية خزائن ملوكها. الرابع: ينبغي أن لا يفرح إذا مدح بما ليس فيه، ولا يحزن إذا عيب بما ليس فيه. الخامس: ولا يجزعن مما لا بد منه، ولا يأتي الأمر في غير حينه. السادس: ويجب أن يحافظ على الشكر ويحرص على الإحسان. السابع: وينبغي أن يكون جيد الحدس والتخمين، ولا يغيب عنه حال من أحواله. الثامن: وليجعل الحق والعدل إمامه، ويمتثل ما يأمرانه به. التاسع: وليقابل الخطأ من الناس بالصواب الذي في جوهره.

2- سياسة بدنه:

الأول: ينبغي أن يقهر شهوته. الثاني: ينبغي ألا يطلق لنفسه اللذات إلا ما كان جميلًا. الثالث: ويجب أن يكون معدي عن الشر، عن شراسة الأخلاق ولينها. الرابع: وينبغي أن لا يكون كسولًا ولا بطيء الحركة ولا متغافلًا. الخامس: و ينبغي ألا يعرف أحدًا مبيته ومنامه. السادس: و ينبغي أن يكون شديد القوة عالمًا بالفروسية. السابع: ويحسن أن يكون حسن الصورة، مقبول الشكل. الثامن: و ينبغي أن يكون كامل الأعضاء تامها، متمكنًا من الحركة. التاسع: و ينبغي أن يترك الملك لمن يأتي بعده أعمر مما تسلمه. العاشر: وألا يركبن قبيحًا ولا إثمًا، ولا يتكلف ما لا يضره تركه. الحادي عشر: وأن يتصفح في ليله أعمال نهاره, فإن الليل أجمع للمخاطر. الثاني عشر: وأن يقدم مصالح ما يقلده على مصالح نفسه ليعود صلاحه إليه .

3- سياسة خاصته:

الأول: سائسو المملكة؛ كالوزير والكاتب والعامل. الثاني: سائسو بدن الملك؛ كالطبيب والمنجم وصاحب الطعام. الثالث: ينبغي أن يدل العيون عليهم سرًا وجهرًا، ليعرف أخبارهم وأسرارهم. الرابع: ويجب أن يرفق بهم ويحميهم كما يحمي نفسه، ولا يؤاخذهم بتقصير ما لم يضر. الخامس: ومن تأكدت حرمته منهم، رفع منزلته ورعي حقه، حاضرًا وغائبًا. السادس: ولا يقبل فيهم قول ساع، إلا بعد التحقق واليقين. السابع: وليراع مراتبهم، ولا يقدم أحدًا منهم، إلا بقدر حاله، لئلا يسخط الباقون. الثامن: ويجب أن يحسن إلى الطبيب إحسانًا كثيرًا، فإنه أمينه على نفسه. التاسع: وينبغي أن يتخذ جلساء من أعمل الناس وأعلمهم، ويقوم بمصالحهم، ليتنفع في خلوته. العاشر: ندماء، وهم أصحاب خلوته .

4- سياسة جمهور الرعية:

الأول: يجتهد في استمالة قلوبهم، وجعل طاعتهم رغبة لا رهبة. الثاني: وليبتدئ بالنفقة عليهم، ثم بأطماعهم في الرفعة لديه وقرب المنزلة. الثالث: وينبغي ألا يغفل عن البحث عنهم بلطيف الأخبار حتى يقف على أسرارهم. الرابع: وليجعل محبتهم له اعتقادًا دينيًا لا طمعًا في أغراض الدنيا. الخامس: وينبغي أن يعرف أكثر أخلاق رعيته ليؤهل كلا لما يصلح له من الولايات. السادس: ويجب أن يعرف أخبار محاوريه من الملوك، وأن يشحن ثغوره بالرجال. السابع: ويجب أن يتعهد جنده بجوائزهم، ولا يحوجهم إلى رفع قصة أو شكوى. الثامن: وينبغي أن يسمع قول القائل والمقول فيه، ثم يعاقب الباغي. التاسع: وينبغي أن يخلع من أدخل عليه سرورًا، لينشر عنه الذكر الجميل. العاشر: ويجب أن يتفقد عمارات بلده، وإسعاد أهله، وأحوال أقواتهم. الحادي عشر: ويجب ألا يخلي الرعية من وعد ووعيد وإيقاع وإنجاز ورجاء وخوف. الثاني عشر: ويجب أن يكون أثر الأشياء عنده بسط الخير للناس، وأن يعمهم بفضله. الثالث عشر: وينبغي ألا يجمع المحسن والمُسيء بمنزلة واحدة، فيزهد أهل الإحسان. الرابع عشر: وليحسم أسباب التنازع، ولا يسهل لهم التحرز لقبت الكلمة. الخامس عشر: ولينه عن اعتقاد رياسة غير رياسته، ليرجع الأمر بأسره إليه. السادس عشر: وينبغي أن تعم سياسته سائر أهل مملكته، وليعاقب على الصغير من الذنب ويعفو عن الكثير.

5- سياسة الحروب:

الأول: ينبغي أن يعلم حال العدو في كل ساعة بالجواسيس ولا يغفل أمره. الثاني: ينبغي أن يخفي أخباره عن عدوه بكل ممكن، ويسترها عمن يخاف سريرته. الثالث: وينبغي أن يبدل المال العظيم في مخادعته، ومخادعة أصحابه واستمالتهم. الرابع: وينبغي ألا يثق بمستأمن جهة العدو، إلا بعد خبرة حاله وصفاء نيته.

الخامس: وإذا قوى عدوه واستظهر، فالصواب أن يستكثر ويلقاه بنفسه، بعد إحكام أمره. السادس: وإن كان دونه، فليخرج إليه من يثق ببأسه وشجاعته ونجدته ونجابته. السابع: وينبغي أن يجعل في مقدم عسكره من الأمور المزعجة ما يذهل أصحاب العدو. الثامن: وليحتل في إيقاع العذاب بهم، إما بقطع المياه عنهم أو القناطر أو النار. التاسع: ويجب أن يجعل على كل عدة معلومة من عسكره رئيسًا من شجعانهم ومجربيهم.

العاشر: وينبغي أن يتخذ كمينًا ولا يهمل خبره، ويحذر مع ذلك كمين الأعداء. الحادي عشر: ويجب أن لا يستصغر عدوه، ويقابله بما يقابل الأمر العظيم، إذ لا معول على ريب الزمان. الثاني عشر: وليجعل المحاربة آخر حيلة فإن النفقة فيها من النفوس وفي غيرها من المال. الثالث عشر: فإن أفادت الحيلة، ربح ماله وحقن دماء جيشه، وإن أعيت حارب بعد ذلك. الرابع عشر: وإذا تمكن من العدو، فليناد في الناس بنشر العدل والأمان من القتل. الخامس عشر: وليقسم الغنائم على أصحابه ويرضيهم بقدر الإمكان، ويقدم من يجب تقديمه. السادس عشر: وليتبع بعد ذلك الأراجيف، حتى تنتهي إلى منتهاها، فيعاقب مخترعها.

ثم يذكر ابن أبي الربيع الصفات التي يجب أن يتحلى بها الملك فيذكرها على النحو التالي:

1- أن لا يغضب: لأن القدرة من وراء حاجته.

2- ولا يحلف: لأنه لا يقدر أحد على استكراهه.

3- ولا يبخل: لأنه لا يخاف الفقر.

4- ولا يحقد: لأن حضرته تحل عن المجازاة.

5- ولا يلعب: لأن اللعب من الفراغ ولا فراغ له.

6- ولا يخاف: لأن الخوف من عمل الجهال.

7- ولا يحسد: إلا على حسن التدبير.

8- ولا يثق بالدنيا: فإنه لا عهد له.

كما يذكر ابن أبي الربيع أن هناك أمورا لا يكاد يستغني عنها الملك وهي:

1- آخرة تحرسه: بخشية الله تعالى والامتثال لأمره.

2- ودنيا تلذه: بأن يقتصد في استعمال اللذات.

3- وخاصة تعينه: بأن يودع قلوبهم محبته.

4- وعامة ترفده: بأن يودع قلبهم هيبته.

ثم يذكر أن هذه الأمور الأربعة أن تقوم على:

1- العدل: به تكثر العمارة ويدوم الملك.

2- العفة: هي سبب ظهور الهيبة.

3- العفو: به يظهر شرف القدرة.

4- العقوبة: بها تحرس الرياسة.

ويري ابن أبي الربيع أن تدبير الملك لا يخلو تدبير الملك من أمور أربعة، وهي:

1- إما من طريق العقل:

الأول: لطاعة الله وتصديق رسله. الثاني: ومجاهدة النفس على مكارم الأخلاق. الثالث: وأن يجعل بينه وبين هؤلاء حاجزًا منيعًا.

2- أو من طريق الجود:

الأول: كالتعطف على أهل المسكنة. الثاني: وإكرام ذوى البلاء. الثالث: واستفتاء طالب الحاجة بحاجته.

3- وإما من طريق السياسة:

الأول: كالعطاء الكثير عن السبب اليسير. الثاني: والعفو عن كثير الجرائم. الثالث: والعفو عن يسير الذنب.

الرابع: واستعمال المكايد على الأعداء.

4- أو من طريق الحزم

الاول: كترك حسن الظن بكل أحد. الثاني: وكتمان السر وصونه. الثالث: ومعاجلة ما يخشى قوته... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.