1480 النقد الفنيخْوَانْ كَرْلُوسْ مَارْتِنِيثْ مَانْثَانُو أنموذجا

يُعد كتاب: موقع اللوحة التشخيصية بمالقا خلال ثمانينات القرن العشرين(*) للناقد الإسباني الدكتور خْوَانْ كَرْلُوسْ مَارْتِنِيثْ مَانْثَانُو؛ مصدراً مهما من المصادر التاريخية المعاصرة للحركة تشكيلية بإسبانا.

وأصل الكتاب أطروحة علمية مُتخصصة تقدم بها مَرتِنيثْ لنيل الدكتوراه في تاريخ الفن بجامعة مالقا. وهي أطروحة يَتَوَاشج فيها: البحث التأصيلي النظري مع الممارسة الأكاديمية الميدانية التي وَثَّقَ لها خوان كارلوس بتحليله لجُماعٍ من الأعمال التشكيلية داخل القاعات والفضاءات الفنية، المروجون الفنيون، السوق الفنية، الكاتالوغات، المونوغرافيات... وبمواكبة الفترة التاريخية لسلسة المعارض الفردية والجماعية للفنانين عينةُ الدراسة، وبالوقوف على مختلف أنشطتهم الفنية داخل إسبانيا وخارجها.

فضلا عن التحولات الكبرى التي عرفتها الحركات والتوجهات الفنية التشخيصية في عملية التأثير لدَى عينة الدراسة وعلى سبيل المثال: تأثير البوب البريطاني، والواقعية الجديدة التي عرفتها أمريكا الشمالية، والتعبيرية الجديدة، الهندسة المُحدثة، الرمزية الجديدة، الحركات الأيقونية... (1)

فضلا عن استحضار مَرْتِنِيثْ للإرث التاريخي للخزانة الفنية الإسبانية بدخيرتها العلمية التي راكمها مؤرخو الفن ونقاده، باستثمارها بيبليوغرافيا خدمة لأهداف البحث التأريخية. والمتأمل في مضامين الكتاب سيجد جرداً وتحقيباً اسطوغرافيا في قالب مونوغرافي يؤرخ لسِيَّرِ المبدعين وأماكن العرض والملتقيات والتظاهرات الفنية. كما يرصد اللوحات التشخيصية في صيغتها المُحدثة التي راكمها الفنانون المالقيون بتوجهاتهم الجديدة. بدءا من  أواخر السبعينات حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي، ووصولا إلى فترة التسعينيات على سبيل التحديد.

ولعل السمة البارزة في أطروحة الكتاب هي تعدد الأساليب الفنية وطرق التعبير من داخل التوجه التشخيصي الذي أرسى دعائمه على مناخ التشكيلي الإسباني بصيغة التجديد،  وهي الصيغة التي تميّز بها الكتاب باضافته النوعية للخزانة الفنية بإسبانيا. (2)

واتسم هذا المناخ التشكيلي بتكسير البنية التقليدية للوحة عن طريق بنية جديدة تتلاءم مع الفترة الزمنية لروح العصر. وبتوظيف تقنيات جديدة في الرسوم، والصباغات، والخامات، والألوان، والأشكال التعبيرية، والهندسة المنظورية، والرموز، ودلالات الرسوم، ...(3)

واستحضر مرتِنِيثْ في جرده وتحقيبه تأثير الواقع الإجتماعي في ظهور موجات التشخيصية المُحدثة لدَى الفنانين، والممثلة في عدة نماذج متباينة تبعاً للفترات الكرونولوجية التي وقع عليها فعل التموقع، ويمكن بيانها على النحو الآتي:

- التوجه التشخيصي بمرجعية تكسير البنية والمتمثل في الواقعية اللَّعْبِية  Neotrealismo lúdico عند كَالوسْ دُورَانْ carlos Duran، بُولاَ بَارْيُو نْوِيبُو Bola Barrionuevo، كَالْبُو كَابَا Calvo Capa،  أَنْطُونْيُو هِرَايِّسْ Antonio  Hetráiz.

- التوجه التشخيصي المتوسطي بمرجعية الابتداع واتباع الأسلوب الواقعي المعبِّر عن البحر الأبيض والطبيعة الحية والأمكنة والشخوص... Figuración mediterránea ومن بين الفنانين الذين مثلوا هذا الاتجاه:

جَابْرِيَلْ بَادِيَا Gabriel Padilla، خْوَاكِينْ دِي مُولِينَا Joaquin de Molina، دَانِّلْ مُرْيِّيلْ Daniel Muriel، خُوسِي مَارِيا قُرطبة José María Córdoba، شِمَا طَاطُو Chema Tato، كَالوسْ دُورَانْ carlos Duran، بُولاَ بَارْيُو نْوِيبُو Bola Barrionuevo.

- التوجه التشخيصي مابعد حداثي  Figuración posmoderna لدَى: خُوسِي سِغِيرِي José Seguiri، خُوسِي إِغْنَاسْيُو دِّيَاسْ بَادْرُو José Ignacio Díaz Padro، شِمَا طَاطُو Chema

والمُلاحَظ أن هناك فنانين لا يتقيدون بتوجه بعينه ما دام التصنيف الذي اتبعه مَرتِنِيثْ ينسجم مع الاختيارات الفنية للعينة المدروسة. وهو في الآن نفسه يخدم تصور البحث ومنهج الدراسة. وهذا دليل على سمة الإبداع لدَى العينة في اختيار الأسلوب الفني وعدم الخضوع لضوابطه وخصوصياته إلا ناذراً، وإذا ما نظرنا إلى الأعمال المنجزة، والتي تكون مرتبطة في الغالب بالموضوع الذي يختاره الفنان. إنها توجهات تستجيب لروح العصر (خلال فترة الثمانينات ومطلع التسعينات)، فمن معالمها البارزة في خلاصة الكتاب: تعددة الرؤى في التقنيات والمضامين الجمالية التي ارتبطت بالتعبيرية الجديدة بمالقا الأندلسية.

 

بقلم: الدكتور محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي وباحث في الجماليات.

................................

(*) J.C. Martínez Manzano,

El posicionamiento de la pintura figurativa malagueña de la década de los 80, Centro de Edicionrs de la Diputación de Málaga (CEDMA), 2014.

 (1) Voir:

J.C. Martínez Manzano, Contextualización y promoción artística dentro del marco de la nueva pintura figurativa malagueña, Universidad de Málaga, Beletín de Arte, n.° 29, 2009.

(2) J. C. Martínez Manzano, Posicionamiento estético de la pintura figurativa en málaga, Dipotación de Málaga, 2009.

(3) J.C. Martínez Manzano,

El posicionamiento de la pintura figurativa malagueña de la década de los 80, op. cit. p. 70, 71, 72.

 

سلام كاظم فرجثمة خطأ شائع عن المثقف التقدمي العلماني يتداوله مثقفون تقدميون.. إذ يعتقد البعض منهم  ان المثقف التقدمي في غنى عن الاطلاع على الكتاب الديني الصرف...

ومن طريف ما أتذكر إني عندما اتشرف بزيارة صديق مثقف.. أذهب أول ما أذهب اليه الى مكتبته.. لعلني اعثر على كتاب نادر ممتع ومفيد..

قد اعثر في بعض مكتبات الاصدقاء على نفائس من الكتب الثمينة من روايات ودواوين شعرية وكتب فكرية لمؤلفين من الشرق والغرب من عرب ومن اوربيين واميركيين .. وغالبا ما اجد بعض مكتباتهم عامرة بمؤلفات ماركس وانجلز وسارتر ونيتشه وغيرهم من كبار المفكرين والمؤلفين لكني لا اعثر مثلا على نسخة من القرآن الكريم فأبتسم ..!! (أنا هنا اتحدث عن بعضهم..)...

وبالمقابل كنت حين ازور صديقا مولعا بقراءة الكتب الدينية.. قد أجد عنده عشرات الكتب المتعلقة بالفقه والحديث والتفاسير.. لكني لا اعثر على رواية واحدة او مجموعة شعرية.. ولا اجد كتابا واحدا في الماركسية او الوجودية ولا حتى كتابا واحدا  لبرالي الفكر أوالتوجه..

ومن طريف ما مررت به إني حين كنت أتسائل ومن باب المداعبة عن كتب الخندق الآخر من توجهات الصديق المعني كان يبتسم بإشفاق وينظر في عينيّ ليتأكد من سلامة عقيدتي او ربما قواي العقلية..

زرت صديقا.. هو قريب لي فوجدت مكتبته عامرة بصنوف من كتب دينية بعضها راق ومهم.. وحين سألته عن ابن خلدون أجاب وبثقة لا أقرأ له ولا أريد !! وحين سألته عن  الدكتورعلي الوردي قال أكرهه!! سألته ولمَ..وهل قرأت له..؟ أجاب لم أقرأ له ولا أريد..!!!

هذه المقدمة اسوقها لكي أبين ان المثقف لكي يستحق ان يقال عنه مثقفا ينبغي ان يكون شاملا في قراءاته. ملما ببعض ما يتداول من كتب وافكار متباينة ومختلفة.. فما كتابات كانط وماركس على سبيل المثال  إلا نتاج لقراءات سابقة في الفكر المسيحي أواليهودي وربما الاسلامي.. مضافا اليها كل الافكار النقدية التي انتجتها الحضارة الرأسمالية.. وبالمقابل فإن الكثير من مؤلفات المفكر محمد باقر الصدر هي نتاج قراءة متأنية واعية للفكر الماركسي ومعظم افكار المؤلفين الرأسماليين...

وعليه كنت سعيدا جدا بوصول الكتاب الذي أكرمني صديقي الاستاذ الشيخ عبد الامير النجار فأهداني نسخة منه.. (الإعجاز الخطي في القرآن الكريم.. القرآن الألفي أنموذجا..).. فكرة الكتاب لطيفة غير مسبوقة تتناول كل الخطوط التي كتب فيها القرآن الكريم منذ بدايات كتابته وحتى يومنا هذا.. ويتناول موضوعة فريدة ورائعة هي موضوعة الكتاب الألفي..

موضوعة الكتاب الألفي

من أجمل ما وجدته في الكتاب وما أشار اليه الاستاذ النجار ان الآية (بسم الله الرحمن الرحيم)  كتبت في الكتاب الألفي بخط يختلف عن مقدمة السورة التي سبقت أختها بمعنى ان السور  قد كتبت البسملة فيها بـ( 113) نوع من الخط العربي حسب مراحل تطوره عبر القرون المتعاقبة وهذا امر لا يمكن ان يهتدي اليه وكما أشار  المؤلف الا من وفقه الله وكان ذا حظ عظيم من الحذق والمهارة والاطلاع.. يفهم ذلك أولو الفن والمعرفة بشؤون الخط العربي.. ان جمالية تلك الخطوط تجعل من يقرأ القرآن الكريم وفق تلك التقنية منبهرا ومستمتعا..

ان تسمية القرآن الالفي تعود في الأصل الى  المؤسسة التي أشرفت على طبع القرآن الكريم في الهند (بومباي).. حيث ان كل سطر في هذه النسخة الفريدة الجميلة لابد ان يبدأ بالحرف ألف (الهمزة)..وباللون الاحمر.. حتى ان دعاء ختم القرآن يبدأ بالحرف ألف..

لقد قضيت وقتا ممتعا ومثمرا وانا اطلع على الكثير من الاطروحات الجميلة التي تخص تاريخ الخط العربي من جهة وتواريخ كتابة القرآن الكريم .. ولكن في الختام لابد من ذكر التنويه المهم الذي اورده الاستاذ الباحث القدير عبد الامير النجار حيث ذكر انه وبمتابعة مستفيضة عرف ان فكرة القرآن الألفي ليست من بنات افكار مؤسسة ناشري القرآن الخاصة المحدودة ولا هي من بنات افكار الخطاط المبدع الشيخ محمد يوسف القاسمي عظيم آبادي بل هو مجرد عملية نسخ لمخطوطة قرآنية موجودة ومعروضة في مكتبة متحف سالار جنك بحيدر آباد في الهند فضلاعن ذلك (وهنا يكمن الاعجاز الخطي ان سطريها الاول والاخير يبتدئان بكلمة واحدة ..)

تقول الباحثة (سيدة أصفياء كوثر) في دراسة لها موسومة بـ(نوادر المخطوطات العربية في مكتبة متحف سالار جنغ) ومن بين المخطوطات القرآنية توجد نسخة يبتديء كل سطر من سطورها بالحرف ألف وسطراها الاول والاخير يبتدئان بكلمة واحدة.. وهذه النسخة معروضة في المتحف ورقمها(173)..

لقد ضم كتاب الاستاذ الشيخ عبد الامير النجار صورا رائعة جميلة لبعض تلك الآيات المطبوعة بخط آسر جميل.. كما ضم العديد من الاطروحات الفكرية والفلسفية حول علاقة الاعجاز الخطي بالإعجاز البلاغي لكتاب خالد ومقدس عند ملايين البشر.. فتحية الامتنان والعرفان لصديقي الذي اعتز بصداقته ما حييت.. لقد منحني فرصة ان اكون قريبا من كتاب الله بشكل جميل واستثنائي..

 

سلام كاظم فرج..

 

علجية عيشالرواية الإفريقية نموذجا.. قراءة في دراسة أجرتها الحقوقية السودانية مروى التجاني، مع حلمي الشعراوي  

لا يختلف إثنان أنه يوجد أدب افريقي، وأدب عربي وأدب أمازيغي، وأدب المهجر، وأدب السجون، وهذه الأنواع الأدبية من شأنها أن تصل وكُتَّابِهَا إلى مستوى العالمية وقد تدرج كتاب ولغويون في الحدث عن اللغة الأفريكانية وجذور نشانتها وكيف كانت تكتب بالحروف العربية، ودور الترجمة التي خاضت هذا العمل منذ القرن السابع عشر، إلى أن تأسس المعهد الثقافي العربي الأفريقي في مالي والإتحاد الإفريقي لتقريب وجهات النظر في كل القضايا السياسية والإجتماعية والإقتصادية وكذلك القضايا الفكرية الثقافية والأدبية وكل ما يتعلق بالفكر الحضاري

الرواية الأفريقية كنموذج كانت دراسة أجرتها الكاتبة الصحافية والمناضلة الحقوقية مروة التجاني نشرت على موقع الأنتولوجيا alantologia.com والحوار المتمدن ahewar.org عرّفت فيها الباحثة بالأدب الإفريقي وأشارت إلى ما أجمع عليه عدد من الأدباء الأفارقة المهتمين بالقارة والذين عرفوه بأنه أدب المناطق الواقعة جنوب الصحراء الكبرى وخارج مجال اللغة العربية، كما أرادت أن تكسر القيود على الأدب الإفريقي مقدمة في ذلك الرواية كنوع من أنواع الأدب في ظل غياب المشهد الروائي الأفريقي عند المتلقي العربي رغم كثافة الإنتاج في الرواية الأفريقية، وقد تطرقت الكاتبة إلى ظروف كتابة الرواية الأفريقية باللغة الأجنبية وعدم انتشارها بسبب القمع الاستعماري للغات الأم، إضافة لذلك ضعف وغياب دور النشر التي تربط الشمال والشرق الأفريقي مع بعضهما والعكس ة قارنت بين كتابات غرب أفريقيا الإنجليزية التي كانت تعبر عن جدلية الاستعمار، وأدب الغرب الأفريقي الذي كان ينادي بالمساواة والحقوق دون أن تستثني دول الشمال التي كانت ذات صبغة فرانكفونية كـ: (مالي، الجزائر، المغرب وتونس,,الخ)، وكانت مشاكل الهجرة حاضرة في المشهد الروائي الأفريقي الحديث مثل رواية " كامراد" للكاتب الجزائري الصديق أحمد،

كما اعتمدت الباحثة على ردود فعل النقاد في محاولة لتفكيك هذه الإشكالية التي انقسمت حولها الآراء، البعض منهم كما تقول هي حلل قضية حاجز اللغة والهوية المتنازعة بين اللغات الأم ولغات المستعمر، البعض الآخر تناول الأثر السياسي والصراع بين المثقف والسلطة الذي أفرز أدوات رقابة ومنع مما قلل من انتشار الرواية الأفريقية، وفريق آخر يرى أن انتشار الرواية الأفريقية كان أسرع وأنجح في العالم الغربي لأنهم خاطبوهم بلغتهم وأوصلوا الرسالة الثقافية للموروث التراثي الأفريقي فيما عرف بالفرانكفونية والأنجلوساكسونية ورهنوا انتشار الرواية الأفريقية بثورة المعلوماتالتي فتحت المجال لفتح نافدة من نوافذ الأدب الإفريقي وسرد تاريخ القارة، واحتلت مكانة عالية بين تيارات السرد العالمية خاصة مع انتشار حركة الترجمة، هي روايات تحكي تاريخ المستعمر والنضال وأنماط العيش اليومية، وتزخر بالعوالم الغرائبية والفلكلور المحلي والتراث القديم، واستمرار السرد الأفريقي يعني الحديث عن الهوية الأفريقية ومنتوجها الثقافي المعاصر.

 وفي دراستها قدمت مروة التجاني ثلاثة آراء: الأول للكاتب الجنوب أفريقي (إركيال مافاليلي) ومقولته أن الشمال العربي المسلم لا علاقة له من الناحية الثقافية بالإنسان الأفريقي (وسنعود لى هذه الفكرة لاحقا)، والرأي الثاني للأديب مازيسي كونيني وهو على ما يبدو رأي نقيض، يرى هذا الأخير أن الأدب الأفريقي هو الأدب الذي يصور واقعاً أفريقيًّا بجميع أبعاده وهذه الأبعاد لا تضم ألوان النزاع مع القوى صاحبة السيطرة السابقة مع القارة وحسب وإنما تضم أيضاً جميع الأشكال الأدبية داخل القارة الأفريقية، ولعلنا نقف مع الرأي الثاني، فلا يختلف إثنان طبعا أنه يوجد أدب افريقي، وأدب عربي وأدب أمازيغي، وأدب المهجر، وأدب السجون، وأنواع أخرى من الأدب كأدب الطابو أو أدب الجنس إن صحت تسميته، تقول الكاتبة أن الرواية الأفريقية أخذت طابع الشكل الغربي في البناء الهرمي للبنية الشكلية ووظفت في مضمون قضايا اجتماعية، وأفريقيا تزخر بالقصص الخرافية والأساطير والحكايا الشعبية التي تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، ولم يتم تدوينها بعد، وظل هذا النوع من الأدب في طي النسيان إلى حين تعرضت الشعوب الإفريقية إلى الغزو، ومع بداية حركات التحرر والاستقلال التي انطلقت في معظم دول القارة في الخمسينيات من القرن الماضي، برزت في الساحة الأدبية أسماء عديدة تكتب بهذه الأنماط إضافة لترجمة بعض ما دون باللغات المحلية، فكانت موضع اهتمام لدى النقاد الغربيين في أوروبا وأمريكا، وذكرت في دراستها أاسماء عديد لمع نجمها في الفضاء الأدبي لايسع المجال لذكرها

تعليــــــق..

الحقيقة أن الكاتبة انطلقت من موطنها السودان الذي عرف عدّة هزات ومؤامرات خطط لها الإستعمار العالمي بتأجيجه الصراعات وقدمت صاحبة الدراسة عيّنة من هذه العوائق التي تعانيها دولة السودان (موطنها) حيث يوجد أكثر من 500 لسان ويتعذر ترجمته إلى لغات أو لهجات أخرى أو تدوينه عبر اللغات الأوروبية، الجميع طبعا يتفق على أن الرواية مهما كانت جنسيتها ومهما اختلف لسان كتابها تطرح مشكلة "الهوية"، يبقى السؤال حول ما إن كان الأدب الإفريقي أو ما يزال متأثرا بلغة المستعمر في ظل وجود بعض الكتابات باللهجات المحلية، فهذا يرجع إلى النظام السياسي والثقافي الذي يعيش فيه كل روائي إذا قلنا أن الرصيد الفكري والثقافي للشعوب الإفريقية ما يزال شفهي، أي انه لم يدوّن بعد ولم يخضع للدراسة والتحليل وهو ما جاء في كتاب الباحثة عندما أشارت إلى أن الأدب الشفهي الأفريقي غير المكتوب يمثل المساحة الأكبر ويفوق في وجوده ما كتبه الأفارقة أنفسهم أو الباحثين من جهات أخرى، وهذا بدوره يشكل عائقاً في التعرف على الرواية الأفريقية بصورة كبيرة، أمام تعدد اللغات وتعدد اللهجات المحلية في أفريقيا، الحقيقة ونحن نتصفح ما جاء في الدراسة، لم تتطرق الباحثة إلى تعدد الثقافات في السودان، وبالخصوص ثقافة "الدينكا" جنوب السودان، وثقافة مروى النوبية السودانية التي امتدت إلى مصر، ثم أن بعض الروائيين يتجاوزن حدود "البديهيات"، فعندما نقف على موقف الروائي نغوجي واثيونغو (ذكرته الباحثة في الكتاب) عندما قال أن اللغات الأوروبية سيما الإنجليزية ليست أفريقية، فهذا أمر بديهي ولا يحتاج إلى شرح أو تعليل، تبقى قضية اللغة فهي كما قال الأديب حامد بخيت وغيره سلاح قوي يمكن من خلاله للمستعمر السيطرة على الشعوب، وفكرة (واثيونغو) حول بعث اللغات كمشروع ثوري متقدم يحتاج إلى إثراء إذا ما تمت عملية تطوير اللغات الأفريقية وأصبح من الممكن كتابتها بحيث يمكن بعد ذلك استخدامها في الكتابة الأدبية ومن ثم نقلها إلى الآخر غير الأفريقي .

تراث اللغات الإفريقية... تراث أفريقي عربي

أما حديثها عن الحداثة في الأدب الإفريقي، ذهبت الباحثة مروة التجاني إلى القول أن حداثة الرواية الأفريقية في ديمومة مستمرة منذ تحولها من حكاية مروية إلى نص مكتوب استوعب تقنية الشكل الغربي في قوالب مواضيع أفريقية، فمهما اختلفت الآراء والمواقف حول موقع الحداثة في الرواية الإفريقية أو الأدب الأفريقي عموما، فقد استطاع الأدب الإفريقي الحفاظ على الهوية، هوية الشعوب الأفريقية من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، فقد كان للأدب الثوري دور جلي في كشف مخططات الإستعمار الثقافية، وهم ما لم تتطرق إليه الباحثة (الأدب الثوري الإفريقي) فكانت هناك تجارب أفريقية صنعت الحدث الثقافي والفكري تناولت الواقع الإجتماعي، السياسي والإقتصادي وانتقدته بشجاعة سواء كانوا كتابا أو حكاما وقادة واجهوا اليد الإستعمارية التي طالما سعت إلى طمس هوية الشعوب المستعمَرة، والتاريخ يذكر أن الأفارقة في القرن العشرين خاضوا نضالا مستميتا من أجل الإستقلال واتخذ صورا واشكالا، ليس بالسلاح فحسب بل كان ثورة بالقلم رسمها كتاب وأدباء منذ أن ظهرت الفكرة "الأفريقانية" أثير النقش حولها في المؤتمرات الست التي عقدت بين عامي 1900 و19945، وأتيحت فرصة التعليم أمام الإفريقيين سمح بظهور نخبة مثقفة.

ما لم تتطرق إليه الباحثة كذلك هو أن العديد من الدراسات تناولت قضية اللغة في الأدب الإفريقي بصفة عامة وهذا باتفاق العرب والأفارقة من خلال إقامة المعهد الثقافي العربي الأفريقي في مالي وهذا في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، لتنشيط العلاقات الثقافية بينهما، ففي مالي مثلا تقع (تمبكتو) كنز التراث العربي الإفريقي ومراكزه التاريخية ومنها مركز أحمد بابا التمبكتي ومركز ماما حيدرا للوثائق والمخطوطات، وفي مالي أيضا تاريخ الإلتقاء الإجتماعي والسياسي والممالك العظيمة التي ارست قواعده، إلا أن الفرنسيون غيبوا هذه المنطقة عندما استقر بهم المقام على الساحل الغربي لإفريقيا وجعلوا داكار مركز الحداثة الوافدة مع الإستعمار الغربي، كما أنهم لم يستطيعوا افيتسطان في قلب بلاد السودان وعصبها التاريخي في امبراطورية مالي، لذلك ظلت مؤسسات التاريخ الإفريقي محتفظة بنكهتها في مالي، في (تمبكتو وفي جنى وفي باماكو) التي يوجد بها جامعات ومساجد شامخة ودور العلماء، حسب الدراسات، ما كان موجودا هو تراث عربي عن افريقيا، ممثلا في ما نقله الرحالة، وكتب باللغة العربية مثل كتابات أحمد بابا التمبكتي، ولولا عملية الترجمة التي خاضت هذا العمل منذ القرن السابع عشر لظل هذا التراث مدفونا، وقد تحدث عن هذه الأعمال ما رواه كولي cooly في كتابه الشهير negro land of arabs، المكتوب عام 1846، أما الأوروبيون فلم يهتموا بما تمت كتاباته باللغات الأفريقية، لأنهم كمستقين كانوا يجيدون اللغة العربية لدهشتهم بالحرف العربي أو ما سمي بالعجمي Ajami وهي اكثر من 20 لغة معظمها تحديدا في غرب أفريقيا وفي قلب امبراطورية مالي.

نعم لقد ترجمت الرواية الأفريقية من لغاتها المحلية إلى لغات أخرى مما شكل حلقة تواصل داخل القارة وخارجها، واتسعت دائرتها ودخلت مجال المنافسات الإبداعية والمنابر الفكرية وحصد كتابها جوائز قيمة تضاف لمراتب الأدب الروائي الأفريقي وخلفت أثراً بين أجيالها ومازالت القارة تنتج أدباً روائياً له الريادة في مواكبته لقضايا المجتمعات الأفريقية، قبل وأثناء وبعد الاستعمار، وقد تطرق لهذه المسألة الحساسة الدكتور حلمي شعراوي عندما كشف ألاعيب الإعلام الغربي الذي روّج من مجرد الحديث عن كتابة اللغات الأفريقية مقولة أن "الشعوب الإفريقية لم تعرف الكتابة" وعندما أزعجتهم ثبوت وجود النصوص الإفريقية بالحرف العربي، اعتبروها مجرد " خربشات" دينية لا ترقى إلى مرتبة النصوص أو التراث، معبرا عن اسفة لوجود باحثين ومثقفين أفارقة يعتقدون في ذلك حتى الآن لتبرير عدم معرفتهم بالعربية الأصل من جهة واستغراقهم في الحداثة من جهة أخرى، رغم أن الفتوحات الإسلامية كان لها دور كبير في انتشار اللغة العربية في القارة، دون أن يدركوا مخاطر تجاهل الهويات الوطنية التي تعكسها الثقافات الأفريقية وانعكاستها على "العولمة"، في تفتيت مجتمعات الدول النامية وطمس هوياتها وإنجازاتها التاريخية بل شيوع أفكار ما بعد الإستعمار وما بعد الحداثة كمؤثر في قضايا الهوية والتاريخ والتراث لدى الشعوب.

جذور اللغة "الأفريكانية" وكتابتها

ما يمكن الإشارة إليه هو أن اللغة العربية انتشرت بقوة في العالم كله (الغربي، العربي والأفريقي) وقد ذكر المؤرخون كيف وصلت اللغة العربية إلى غاية جنوب افريقيا، وكانوا يكتبون اللغة الأفريكانية (كما جاء في بعض الكتب) بالحروف العربية، واللغة الأفريكانية هي اللغة الثانية بعد اللغة الإنجليزية، وكانت مستعملة بكثرة قبل وصول الإنجليز إلى جنوب افريقيا، تقول البحوث أن عماد اللغة الأفريكانية في الأصل من اللغة الهولندية، ولكنها ابتعدت عنها حتى أصبحت مختلفة عنها، بحيث أدخلت عليها مفردات وتعبيرات محلية وماليزية من أثر الإحتكاك ما بين الهولنديين الأوائل وسكان البلاد، والسبب في كتابتها بالحروف العربية لأنها في اول نشاتها لم تكن لغة ذات كتابة لأنها نشات بين طوائف مختلفة، وكان المسلمون أول من احتاج إلى كتابتها فكتبوها بالحروف العربيية من أجل تعليم ابناء أفريقيا علوم التوحيد.

 

قراءة وتعليق علجية عيش بتصرف

...................

أنظر في ذلك../

1- كتاب: أفريقيا من قرن إلى قرن تاليف حلمي شعراوي

2- كتاب: مشاهدات في بلاد العنصريين بقلم محمد بن ناصر العبودي

 

 

 

عزالدين عنايةلا تزال العديد من الأوساط في الغرب تذعِن لكنيسة روما، رغم ما دبّ في نسيجها الاجتماعي من "انسلاخ مسيحي" مرفوقٍ بفتور ديني تحت وطأة موجات العلمَنة المتعددة. فالحجّ إلى روما، وتحديدا إلى حاضرة الفاتيكان، مازال دأبَ ساسة ومتنفذين كثيرين، رغم مزاعم العلمَنة والفصل بين السلطتين الدنيوية والدينية. ولم يسلم من التودد للكنيسة حتى عتاة العلمانية والشيوعية. فمنذ فترة، انسحب رئيس "حزب إعادة التأسيس الشيوعي" الإيطالي ورئيس مجلس الشيوخ الأسبق، فاوستو برتينوتي، في خلوة روحية مع رهبان بشبه جزيرة مونتي آثوس باليونان، المخصّصة للذّكور حصرا والمحرّمة على الإناث، بشرا وطيرا وحيوانا، تعبيرا عن ولائه لضمير أوروبا الديني.

وفي هذا السياق تقتضي طبيعة العلاقة الوثيقة التي تربط الكنيسة الكاثوليكية بأوروبا، على وجه التحديد، متابعةً خاصة. نحاول من خلالها تناول فحوى كتاب "البابا فرنسيس والحلم الأوروبي" (120ص)، الذي صدر عن منشورات ديهونيان بمدينة بولونيا خلال العام الجاري، عبر ترجمة مقتطفات من أقوال مؤلّفَيْ الكتاب وعرضها. يجمع الكتاب في الأصل ثلاثة خطابات للبابا فرنسيس تتعلق بالشأن الأوروبي. أُلقي اثنان منهما على التوالي، في 25 نوفمبر 2014 في ستراسبورغ، في مقرّي البرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي، والخطاب الثالث أُلقي في السادس من مايو 2016 بمناسبة تلقّي البابا جائزة شارلمان العالمية. تولّى تلك الخطابات بالتعليق والشرح الخبيرُ السياسي لوتشو كاراتشولو، مؤسس ومدير مجلة "ليمس" الجيوسياسية، الذي يُعدّ من كبار المحللين للشأن السياسي؛ والمؤرخ الإيطالي المعاصر الأستاذ أندريا ريكاردي، رئيس جمعية سانت إيجيديو بروما أقوى المنظمات الدينية تأثيرا، والدائرة في فلك الكنيسة الكاثوليكية.

1474 البابا فرنسيسفي تناوله لشخص فرنسيس برغوليو في الكتاب المذكور، يقول لوتشو كاراتشولو: ينظر البابا إلى أوروبا بعينيْ الرحالة البرتغالي فرناندو ماجلان، أو بالأحرى بعينيْ المطلِّ من الأطراف المتشوّف إلى المركز. ولا شك أن تلك النظرة مفيدة، لأنها تلتقط ما لا يمكن أن يراه الماكث بالداخل. ذلك ما شرحه برغوليو في إحدى حواراته قائلا: "في الواقع نحن لا نتحرك في فضاءات نسيطر عليها بالكامل. ففي الوقت الذي ننأى فيه عن المركز ونبتعد قليلا نكتشف أمورا مغايرة، وحين ننظر إلى المركز، إلى المعطيات الجديدة التي اكتشفناها، من مواقع جديدة، من الأطراف، نرى الواقع بشكل مغاير. وعلى سبيل المثال: كان النظر إلى أوروبا من مدريد خلال القرن السادس عشر أمرا مغايرا، لكن ماجلان حين انتهى به المطاف إلى أقاصي القارة الأمريكية، شاهدَ أوروبا من نقطة نائية بلغها، أدرك حينها شيئا آخر. فالواقع نراه بشكل أفضل من الأطراف لا من المركز". مع ذلك لم يتسنّ لماجلان الدخول مجددا إلى أوروبا، فقد قضى نحبه في الفلبين. ولولا الرحالة أنطونيو بيغافيتا لفاتنا كثير من أخباره. في حين دُعي البابا برغوليو للالتحاق بأوروبا من أطراف العالم، من الأرجنتين خدمةً للكنيسة في المركز، في روما. هذا المركز الواقع في وسط إيطاليا، الواقعة بدورها في جنوب أوروبا، إيطاليا التي تصل أوروبا بالمتوسط والتي تنفي ذلك الارتباط في الآن.

وتبعا للسياق الأورومتوسطي الحالي، تلوح موجات الهجرة المتدفقة عبر المتوسط اليوم مصيريةً في تشكيل رؤية أوروبية للبابا فرنسيس. وبوصفه أرجنتينيا، فهو يفتقر، كما نقدّر، إلى ارتباط عاطفي بالقارة العتيقة على غرار أسلافه من البابوات. ونقصد هنا البافاري، البابا الأسبق بندكتوس السادس عشر وكذلك البولندي البابا يوحنا بولس الثاني الذي عاش لحظات حرجة من حياته جراء انقسام أوروبا بين معسكرين، ما دفعه إلى الحرص ضمن استراتيجياته لإعادة أوروبا إلى "وضع التنفس برئتين" -الشرق والغرب، ليس بمعناه الروحي فحسب، بل بمعناه الجيوسياسي أيضا-، وهو هدف واقعي وجدير بالمتابعة. وعلى خلاف البابا فرنسيس، جاء راتسينغر و وُوجتيلا من داخل البيت الأوروبي، وَفدَ كلاهما من المركز، من وسط أوروبا فعلاً بعد أن أنهكتها حربان عالميتان ونخرتها ثالثة باردة لاحقا. وليست مشكلة البابا برغوليو في توحيد أوروبا ضمن مشروع سلام، بل في إيقاظ الروح فيها. إذ يتابع حضورُ الكنيسة في أوروبا من منظور البابا فرنسيس هذا المفهومَ بالضبط، ألا وهو نفخ الروح في مشروع فقدتْه أوروبا، أو لعلها لم تملكه البتة.

وسواء وُجد ذلك المشروع أو انتفى،  فإن أوروبا من منظور البابا فرنسيس ليست شيئاً بل صيرورة. فيها زمن وليس فضاء، لأن الفضاء يقتضي سيطرة. والسؤال المطروح: ما الذي كانت عليه أوروبا تاريخيا، إن لم تكن فضاء، انطلقت منه قوى كبرى وأخرى أقلّ بأسا في غزو العالم؟ ها هي أوروبا تجد نفسها تجابه موجةً ارتداديةً لتلك الأعمال الاستعمارية -في شكل لاجئين ومهجَّرين وافدين من أراضٍ تمزقها الحروب وقد سبق للقوات الأوروبية أن احتلتها- التي لا تجد بالتأكيد ترحيبا من قِبل بابا أرجنتيني، وافد من مستعمَرة سابقة. تتلخص في هذا المأزق مأساتنا الجيوسياسية والروحية كأوروبيين اليوم. وبالفعل من مزايا أن يكون المرء من الأطراف، أن يعي بشكل أفضل من مواليد أوروبا الجذورَ الديمغرافية والبيولوجية لعوامل تصحّر ما كان يمثّل الحديقة الكبرى للكنيسة.

وبالفعل نحن قارةٌ من الطاعنين في السن، أطفالنا قلّة. قارة بلغ بها المطاف حدّ التساؤل: هل بوسعنا، حفاظا على رفاهنا، إعلاء الحواجز في وجوه المهاجرين؟ هل لنا أن نرفض احتضان القوى الشابة -بالطبع غرباء ليس من الهيّن دمجهم- خشية العدوى وخشية أن نفقد مزايا كثيرة؟ لكن بالخصوص: هل بإمكان قارة يعمرها الشيوخ أن تتجاسر على طرح أفكار جديدة؟ وفي خلاصة مقتضبة، وحدهم الشباب بوسعهم إنقاذ أوروبا بالنسبة إلى البابا برغوليو. ولن يتيسر ذلك إلا بعودة أوروبا إلى ألق الشباب وخلق مجتمع جديد متنوع. يتلخص الدرس الذي يقدّمه البابا فرنسيس في طرح مفاده أن هذا القسم من العالم لن يجد حيويته سوى بالانفتاح على باقي العالم. ولا سيما على العالم المتوسطي المجاور له. إنه الاحتواء أو الاندثار، لذلك ثمة حاجة إلى نظرة ماجلان حتى نعي على بيّنة الورطةَ التي وقعت فيها أوروبا والممتدّة إلى الأجيال اللاحقة.

***

من جانبه يقول أندريا ريكاردي في المؤلف المشترك: فرنسيس برغوليو هو أول بابا ليس أوروبيا، على امتداد ألفية بأكملها من تاريخ الكنيسة. فقد جاء العديد من البابوات، ولا سيما في القرون العشرة الأولى من العصر المسيحي، من المتوسط. في حين فرنسيس برغوليو فهو أول بابا وُلد وعاش خارج أوروبا، بعيدا عن المتوسط، برغم جذوره الأسرية -غير البعيدة- التي تجعله قريبا من إقليم بيمونته ومن إيطاليا. لم يتغاض فرنسيس برغوليو عن أوروبا، ولم ينظر إليها بوصفه أوروبيا: ذلك أن نظرته نظرة وافد، ولكن في الآن نفسه ليس غريبا عن القارة العتيقة. إذ يملك البابا فرنسيس نظرة سامية لأوروبا، تلك الشائعة في الثقافة الأرجنتينية. ولا يخفي البابا حسرته بشأن القارة التي ما عادت في مستوى تاريخها. إنه انشغال مبدئي. فقد فاقمت نهاية الإيديولوجيات، مع عدم توفر القدرة على الفكر والعمل، من حدّة الضياع.

وعلى النقيض من ذلك مثّلت الماركسية نظرة كبرى للعالم، تبلورت في الأوساط الأوروبية وجرى تصديرها إلى الخارج. ومنذ العام 1989 بدأنا نسير باتجاه حالة كمون لأوروبا داخل العالم، جراء تدهور دول كبرى على غرار فرنسا وبريطانيا، علاوة على الأزمة الإيطالية المتفاقمة؛ بل وبموجب أثر دول شرق أوروبا أيضا، التي افتقرت إلى نظرة استعمارية وعازها التطلع خارج المجال الأوروبي، عبر التاريخ، ناهيك عن غياب نظرة متركزة لديها في المجال الأوروبي. لقد أمست أوروبا عجوزا. تبدو وكأنها فقدت الرغبة في التواصل مع العالم، ولا تجد حافزا في المساهمة في تغييره. لقد انهارت الرؤى الكبرى، وبقي "التكنوقراط البيروقراطيون الموكلون بتسيير أمر مؤسساتها". يقول البابا (وهو لا يغفل عن الاشتغال الآلي للمجموعة الأوروبية): يقود هذا الموقف الذي يمكن أن يبدو صائبا، إلى "عولمة اللامبالاة". وهو المفهوم الذي أطلقه برغوليو من جزيرة لمبيدوزا في لقائه بالمهاجرين الوافدين. إذ يربط خطٌّ متناسقٌ الخيارات السياسية الأوروبية بالسلوكات الفردية لمواطني ذلك المجال (الشخص-المونادا بمفهوم لايبنتز "دائما أكثر لامبالاة بالمونادات الأخرى الدائرة حوله"). بهذا المعنى ثمة مسافة جلية بين المعطى الأوروبي ورؤية بابا روما. وعبر القرن الماضي، وقد غادرنا منذ أمد قريب، لم تعدم الصراعات بين البلدان الأوروبية والكنيسة الكاثوليكية.

ينبغي الحديث اليوم عن التنوع، بما يفوق التطرّق إلى الصراعات. وبالفعل، في الوقت الذي تنكمش فيه أوروبا، يواصل الكرسي الرسولي طرق مسار كوني، ليس من خلال إضفاء طابع عالمي على أجهزته فحسب، ولكن بالانفتاح على مجالات عدة في العالم. وقد ترافق الدفع العالمي للبابا في القرن العشرين ليس بالانبساط الأوروبي فحسب؛ بل بانضمام العديد من الأوروبيين إلى جحافل المبشِّرين عبر العالم، دعماً لعمل الكنيسة على جميع الأصعدة، مشاركة لأفعالها وتقاسما لرؤاها. فقد عزّز الكرسي الرسولي انفتاحه، لكن الأوروبيين وجدوا أنفسهم أقل بكثير أو لا شيء في هذا السياق. فالبابا يحثّ القارة لترتقي إلى مستوى تاريخها. ويملك فرنسيس رؤية مهمة بشأن الدور والإمكانيات الأوروبية، وبشأن الحاجة إلى أوروبا في العالم أيضا. فهو يدفع باتجاه انفتاح جديد. وبالنسبة إلى البابا فرنسيس ليست الجذور شيئا مفارقا أو أمرا لاتاريخيا، "فالجذور" تعني الذاكرة. وليس بوسع أوروبا أن تعي ذاتها وهي رهينة الحاضر، أو عرضة لسلسلة من العواطف.

ثمة ضرورة ملحّة "لبناء ذاكرة"، ولقراءة التاريخ بعمق. وبهذا المعنى لا يمكن اتخاذ خيارات كبرى، وانتهاج سياسات واقعية عبر القارة، دون العودة للثقافة التاريخية. مع ذلك أدارت السياسة الأوروبية ظهرَها، خلال العقود الأخيرة، لعلاقتها بالثقافة التاريخية؛ بل بالأحرى كشفت العديد من الخيارات الحديثة عن تنصل من ذاكرتها، وهو ما ولّد سلوكات اجتماعية منافية لعمقها الإنساني. نرى ذلك في أزمة الأطراف وفي وهن التصدي للإرهاب: أناس يتملّكهم الضياع، بدون ذاكرة، ليس فحسب يرتهنون للعواطف، بل ينقادون نحو أشكال مختلفة من الراديكاليات. والأمر ذاته ينطبق على بلدان بأسرها، فهي بدون ذاكرة، وأحيانا رهينة الشعبويات التي تستصرخ الجذورَ بشكل حماسي، وتطالب بإعلاء "الجدران". ينبغي على المسيحيين أن يقفوا حائلا دون انطواء الضمير الغربي.

 

عزالدين عناية - أكاديمي مقيم بإيطاليا

 

 

شاكر فريد حسنكان قد وصلني قبل فترة وجيزة من الصديق الكاتب والباحث والناقد والاكاديمي البروفيسور سليمان جبران، البقيعي الأصل، الحيفاوي الإقامة، كتابه الاخير الموسوم "كتاب الشذرات"، الصادر عن مكتبة كل شيء في حيفا، لصاحبها الناشر صالح عباسي.

ويشتمل الكتاب، الذي جاء في 136 صفحة من الحجم الكبير، وطباعة انيقة، على كتابات ومواد متناثرة لم تظهر في أي كتاب من كتبه السابقة، منها مقدمة ضافية للشعر الفلسطيني في هذه البلاد.

وجاء تجميع هذه الكتابات وإصدارها في كتاب- كما يقول جبران- بعد أن اكتشف أنه لم يعد قادرا على الجلوس إلى مكتبه ساعات طويلة وكتابة الأبحاث الكبيرة الجادة بكل ما تقتضيه من تنقيب ومراجع وشواهد، وأنه لا يمكن أن يكون ناشطا فاعلا، كما في الماضي، وأنه بعد هذا العمر الطويل والإصدارات الادبية والفكرية، يشعر أنه قام بكل ما يجب عليّه، نحو نفسه ونحو الآخرين. خاتمًا أقواله " انتهى طور الخروج، دخلنا في طور الكمون؟ ما أوان يستحي من أوانه !".

والكتاب جميل بمواضيعه وعناوينه، غني بأفكاره ورؤاه، ماتع بلغته وثراء أسلوبه، ومشوق في طروحاته ونوادره.

ومن اللافت في كتابه دراسته المبتورة- برأيه-  حول الشعر الفلسطيني في اسرائيل ، التي تناول فيها مسيرة وتطور هذا الشعر منذ العام 1948 حتى عام النكسة 1967، ويجيب فيها عن السؤال الذي يطرح عادة إذا ما كان هذا الشعر والأدب عامة استمرارًا للأدب الفلسطيني قبل 48 أم هو بداية جديدة لا صلة لها بما سبقها..؟!، ونجده يتطرق للحياة الثقافية والأجواء السياسية التي سادت في تلك الفترة، ومعاناة المثقفين والمبدعين الفلسطينيين كل أنواع الاضطهاد والقمع، والمضايقات والملاحقات التعسفية السلطوية.

وفيها يتوقف جبران عند دور الحزب الشيوعي وصحفه في حياة جماهيرنا السياسية والثقافية والفكرية، حيث بسط نفوذه السياسي والفكري وشكلت صحافته المنبر الوحيد أمام الأدباء والمثقفين الأحرار، مشيرًا إلى أن الشيوعيين عن طريق صحافتهم وكتبهم ودعايتهم الحزبية قاموا بالعمل الدؤوب على احتضان الأقلام الأدبية الوطنية وتشجيعها على مقاومة السياسة العنصرية التي مارستها الحكومة الاسرائيلية ضد الاقلية الفلسطينية من جهة، وعلى توجيه هذه الأقلام بالنقد والنقاش إلى تناول الموضوعات الاجتماعية والطبقية، ثم يسهب في الحديث عن النشاط الثقافي للحزب الشيوعي ويتطرق لندوة الجديد، والمهرجانات الشعرية التي بدأت- كما يقول – قلقة متشابكة يعتريها التحويم في أجواء الخيال والغيبيات والمثاليات الملائكية ووصلت إلى مخاطبة مشاعرنا وامانينا، نحن أبناء الشعب المكافح من أجل حقه في الحرية والكرامة. وبعد ذلك يتطرق في دراسته إلى هجرة المثقفين اليهود من العراق ومساهمة اليساريين منهم في النتاج الأدبي في اسرائيل بشكل ملحوظ، ويشير إلى بعضهم، كشمؤيل موريه، وساسون سوميخ، ودافيد صيمح، متوقفًا مع المجموعة الشعرية " حتى يجيء الربيع " لدافيد صيمح، ويخلص إلى القول " أن شعر صيمح جيد، بمعايير تلك الفترة، صياغاته متماسكة وإيقاعاته متدفقة أخَّاذة يغلب على شعره " الكفاحي " الأيقاع التقليدي، بل يلمس القارئ في كثير منه روح الجواهري أستاذه، ويعمد في غزلياته إلى الشكل المقطوعي ايضًا. باختصار، لولا الاسم العبري للشاعر لعدَّه نقًّاد كثيرون من " شعراء المقاومة " أيضًا".

وفي مقالِ له بعنوان "هذيك الأيام" يحدثنا جبران عن مارون عبود، ويجيب عن سؤال صديقه: هل صحيح أن عبود اختار لابنه اسم " محمد"، وهو المسيحي العروبي الذي نظم قصيدة يفسر فيها تسمية ابنه باسم النبي العربي الكريم محمد، ويوردها كاملة في مقالته.

كذلك يتناول جبران في موضع آخر من الكتاب قصيدة "تنبهوا واستفيقوا أيها العرب"، وهل هي حقًا للشيخ ناصيف اليازجي؟!، موضحًا أن القصيدة هي لابنه ابراهيم اليازجي، وهي لا تختلف عن قصيدة سابقة لمارون عبود، وقد كتبت هذه القصيدة بعد ظهور الفكر العروبي، والشيخ ناصيف ابن القرن التاسع عشر، قبل أن يظهر الفكر القومي العربي، وكان حينها مشغولًا بإظهار "عبقريته" اللغوية، في كتابه المشهور " مجمع البحرين ".

ويرى سليمان جبران في مقال له عن النتاج الأدبي والموضوعية، أن النتاج الأدبي لا يمكن أن يكون موضوعيًا. بينما في مقال آخر له يرد على عتاب صديقه الذي سأله: لماذا أقلع عن كتابة النقد السياسي والاجتماعي، قائلًا: " لم أغيِّر مواقفي السياسية والاجتماعية قيد شعرة، لكني وجدت بالممارسة أن الكتابة في هذه الأيام لا تجدي، ولا يغيّر، لا في المحيط القريب حولنا ولا في البعيد.

وفي مكان آخر من الكتاب يتناول مسألة تغيُّر الموقف، مؤكدًا على ان الموقف يتغيّر بتغيّر الموقع .

وفي الكتاب الكثير من الملح والنوادر والمقتطفات الأدبية الممتعة والمدهشة، فضلًا عن كتابات شعرية له من زمن بعيد، وشروح لمصطلحات لغوية.

أهنئ الصديق الأديب الأريب بروفيسور سليمان جبران، بصدور "كتاب شذرات"، وأشكره على هديته، والحق يقال أنني استمتعت بقراءة ما جاء في الكتاب من مواضيع جادة وهادفة ومواد خفيفة، وأتمنى له الصحة والعافية ومديد العمر، وله الحياة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

علجية عيشوَبَاءُ اليوم مُخَطَّطٌ جَيِّدٌ ضِدْ كِبْرِيَاء ما بعد الإنسانية أو التّفاؤل التكنولوجي

هل كورونا أزمة العولمة؟ وكيف يمكن رؤية العالم القادم؟ يجمع مفكرون وفلاسفة غربيون أن الأزمة الصحية عادة ما تجر الحكومات إلى أزمة اقتصادية واجتماعية بل قد تخلق أزمة روحية و حضارية، وفي النهاية تصور للصورة التي تكون عليها الإنسانية، في الكوارث والأوبئة  نشعر بأننا من الأنواع البيولوجية، بل نشعر أننا على عكس جميع الأنواع البيولوجية الأخرى، في ظل  التطور الكبير لأنظمة الاتصالات، الأكثر تطوراً والأكثر هشاشة بين جميع الأفراد الذين يشكلونها

الفيلسوف بيير زاوي pierre zaoui، أستاذ في جامعة باريس (باريس7سابقًا)، في كتابه معبر الكوارث La Traversée des Catastrophes، قبل عشر سنوات شكك في هذا الكتاب في علاقة الإنسان  بالموت والحياة والمرض على نطاق أوسع،  قال أن التجارب التي نواجهها جميعًا فلسفة ثمينة في مواجهة وباء كورونا كوفيد 19، فالعيش أو الحياة من وجهة نظر هذا الفيلسوف هي أن يسقط الإنسان أسير المرض لكي يعرف معنى الحياة  ومن وجهة نظره العيش والمرض يمكن فهمه من عدة نواح، لاسيما الجانب الواقعي، فالمرء لم يتوقف أبدًا عن المرض منذ ولادت وقد يستدعي حضور الطبيب، مستشهدا بعالم  الأحياء كزافييه بيشات في نهاية القرن الثامن عشر عندما عرّف الحياة بنظرو سلبية وقال أنها  "مجموعة الوظائف التي تقاوم الموت"  العيش ليس هو أبعد ما يكون عن المرض، بل مواجهة بعضنا البعض من البداية إلى النهاية بالأمراض التي نمر بها، والتي نتغلب عليها، والتي تضعفنا في بعض الأحيان بشكل دائم والتي تقوينا في بعض الأحيان (في أولاً نظام المناعة لدينا.

من الواضح أنه طالما أن الشخص ليس ميتًا فهو لا يزال على قيد الحياة وهذا يعطي صورة لامعة نوعا ما عن ثباته أو قوته الروحية، لكن ليس الجميع أقوياء، فالحياة  بارزة وغير قابلة للخطأ بشكل واضح، ولن تحمينا التكنولوجيا أو التقدم العلمي من المعاناة والخسارة والموت، وباء اليوم كما يضيف مخطط جيد ضد كبرياء ما بعد الإنسانية أو التفاؤل التكنولوجي، في الوقت نفسه، تعلمنا الأوبئة العكس أيضًا، فنحن  كأنواع  عرضة للخطر إلى حد ما، لقد مرت البشرية، بدون أي دواء حديث، بالكثير من الأوبئة والكوليرا، وقد نجت في كل مرة (ليس من دون ضرر فظيع في بعض الأحيان ولكنها نجت)، ولذا الحياة لها قوة الربيع وقوة غير متوقعة للمقاومة والتكيف، يقول بيير زاوي : يبدو لي أن الدرس الأول عن الأوبئة، هو درس عن الفيروس التاجي مثل الآخرين، هو تعليمنا أن حياة الإنسان بالكامل هي دائمًا مزيج من مشاعر الضعف، وبدون الشعور بضعفك تفقد إنسانيتك وشعورك، من ناحية أخرى، فهي مكلفة للغاية ومثالية إذا لم تتحد مع أي شيء آخر.

و يعبر بيير زاوي عن موقفه من الرواقية، إذ يرى أن من يعجبه في الرواقي هو أنه يسلح  نفسه تمامًا ضد تقلبات الحياة، ضد ما يحدث في الوقت الحالي  وهذا يؤدي بالضرورة إلى المبالغة في حبس المرء واكتفاء نفسه بالحرية في التمثيل وحده، فإذا أردنا أن نأمل أن تتغير الأمور سياسياً أثناء هذا الوباء وبعده، وإذا أردنا أن يكون لدينا ما يكفي من القوة للعمل عندما ينتهي الاحتواء، يجب أن نقبل اليوم النزول إلى ساحة العالم وأن يعبر مثل أي شخص آخر عن العواطف المبتذلة التي يرفضها الرواقيون: الرعب قبل كل هؤلاء القتلى، والسخط والغضب من الأخطاء والأخطاء التي ارتكبت وما ارتكبت، والعاطفة التعاطف مع جميع أشكال التضامن والكرم الجديدة.

و يرى هذا الفيلسوف أن المشكلة الأخلاقية الكبرى اليوم هي مشكلة فرز المرضى في وحدات العناية المركزة، ويتساءل  كيف يمكن للأطباء الخروج منه أخلاقيا؟ حتى لو كانت لديهم معايير موضوعية كالعمر، التاريخ الطبي، وشدة المضاعفات الرئوية وما إلى ذلك، فهذه المعايير تظل غير كافية للسماح لهم باتخاذ قرار ضمير لكل حالة فردية، خاصة في حالات الطوارئ. لذلك سيحتاجون أيضًا أن يكونوا مثل الرواقيين، اي أن  يتسلحوا بأنفسهم، وهم بذلك يخاطرون بالجنون، لكن كيف تتكون الرواقية؟ يرى بيير زاوي أن الرواقية تتكون  من شيء واحد فقط هو أن تكون قادرًا على التمييز بين ما يعتمد علينا وما لا يعتمد علينا، وأن نكون قلقين تمامًا بشأن ما يعتمد منّا، لكن بدون هذه القدرة، تنهار كل الأخلاق، وستكون الفوضى، ومن ثمّ لا يمكن لمقدمي الرعاية الاستمرار في العلاج، وبائعي الضروريات الأساسية لإطعام السكان، والبحث عن الباحثين، وجامعي القمامة للتخلص من النفايات والروائح الكريهة.

 

ترجمة علجية عيش

 

1469 سكيولوجيا المثقفتنويه: هذا هو الكتاب الثالث إذ سَبَقَ أن صَدَرَ لنا كتابان: الأول تحت عنوان "البُعد النفسي في الشعر الفصيح والعامي – قراءة في الظواهر والأسباب" عن دار ابن السكيت في العراق، والثاني تحت عنوان "مدخل إلى سيكولوجية الفقر" عن دار القارئ في بيروت، وأدناه ملخَّصٌ للكتاب نشره أحد القراء على حسابه الشخصي في فيسبوك وأراه ملخصًا جميلًا ومفيدًا .

بعد مقدمة قصيرة يوضح فيها مضامين الكتاب الذي يتسم بالوضوح والإيجاز المنسجمين وروح العصر، يتناولُ المؤلفُ الاختلافات الدائرة بشأن مفهوم المثقف ومسؤولياته، فيناقشُ ما قاله عددٌ من الفلاسفة والأدباء والباحثين في هذا المجال، كـ "غرامشي، وتشومسكي في شرحهما للمصطلح" وعلي الوردي عند تفريقه بين المتعلم والمثقف، وعلي شريعتي في كتابه مسؤولية المثقف، ومحمد الأحمري تحت العنوان ذاته، وسعد محمد رحيم في كتابه "المثقف الذي يدس أنفه" ...

وينتقل لمناقشة بعض المقالات والدراسات التي أجراها المتخصصون في علم النفس التي تكشفُ أو تدَّعي انتشار اضطرابات معينة لدى عموم المثقفين كالاكتئاب والنرجسية أو تضخم الذات والانتهازية واضطرابات أخرى .

ثم يضعُ المؤلفُ تعريفًا لمصطلح "المثقف" من وجهة نظر سيكولوجية، فيقول أن المثقف وصفٌ يُطلَقُ على ثُلَّةٍ مِنَ أهل الفكر يتسمون بحيوية الضمير، ومستوى جيدٍ من والذكاء، ويملكون كمَّا من المعارف، يمكَّنُهم من تعديل أو خلق رؤية واضحة للحياة، يحاولون إيصالها لمجتمعهم بغية تطويره، أو وقايته، أو تخليصه مما يمر به من أزمات .

أي أنَّ صفة "المثقف" لا  تطلق على المتعلمين الذين ينظرون إلى الظواهر المختلفة على نحو ما ينظرُ البسطاء من الناس إليها، ولا تطلق على المفكرين المعتكفين على البحث فقط، أو المهتمين بأنفسهم دون مجتمعهم، كما أنها لا تطلق بالضرورة على الناشطين المدنيين، فقد يكون أكثرهم طلاب شهرة ومجد ومكانة، أو أنهم يفتقدون إلى الرؤية السديدة، ولا على الشعراء والأدباء الذين ليس لديهم اهتمام بمجتمعهم، فضلاً عن كون المثقف ليس بالضرورة أن يكون من حملة الشهادات العليا، بل قد يكون متواضعاً فـي تحصيله الدراسـي . أي أن المثقف قد يكون شاعرا أو أديبا أو عالما، أو  لا يكون، المهم أن تكون له مشاركات اجتماعية نافعة، ورؤية إصلاحية، وفقاً لهذا فإن المثقف من تتوافر فيه السمات التالية:

- مستوى جيدٌ من الذكاء يسهم إسهاماً فعّالاً فـي مدى دقة الفرد فـي دراسة واقعه الاجتماعـي، وما يمر به محيطه من أزمات، وابتكار أفضل السبل للسير به نحو طريق النجاة .

- كمٌّ من المعارفٌ تُمَثِّلُ وعاءً من البيانات يتحرك عقل الفرد وفقها، ليحولها من صيغتها الجامدة إلى مرنة يوظفها لتحقيق رؤيته وأهدافه.

- حيوية فـي الضمير تُحركه لخدمة مجتمعه وتجعله مستعداً للتضحية من أجله.

- اتزان نسبـي على مستوى الانفعالات، فلا يكون شخصاً ساذجاً أو متسرعاً أو متقلب المزاج .

- ذكاءٌ اجتماعـي يجعله يحسن التعامل مع أفراد مجتمعه، ويجذبهم إليه، ويقنعهم برؤيته .

على أن هذه السمات نسبية لا مطلقة، فهم ليسوا أناسًا مثاليين أو ملائكيين، إنما نقصد أنهم أكثر ذكاءً وعلماً واتزاناً بالنسبة للآخرين فـي محيطهم الاجتماعـي كما أنهم ليسوا على درجة واحدة باتسامهم بتلك الصفات .

يرى المؤلفُ أن المثقفين صنفٌ من المبدعين، وبالتالي فإن لهم دوافع الإبداعِ نفسها، فقد يكون الشعور بالنقص وفقا لآدلر، أو الرغبة في تحقيق الذات وفقا للنظرية الإنسانية، أو التسامي والإعلاء وفقا لفرويد ... هو الذي دفع ببعض الأفراد لأن يكونوا مثقفين .

يمر المثقفُ بمراحل نمو ثلاثة، المرحلة الأولى هي مرحلة الدافع وهي مرحلة مبكرة يندفع فيها الفرد بدوافع معينة نحو مطالعة الكتب ومتابعة أخبار المثقفين ومحاولة تقليدهم حتى في طريقة مسكهم السيجارة والتقاط الصور، ظنًا منه بأن ذلك يصنع منه مثقفًا، ويمكن أن نطلق على الأفراد في هذه المرحلة "أشباه مثقفين" ويبقى فيها عددٌ كبيرٌ من الأفراد، إذ يمضون أعمارهم ولا يصلون إلى المرحلة التالية لأسباب كثيرة تتعلق بمستوى الذكاء وسمات الشخصية وقوة الدافع . ومشكلة أهم تتعلق بالدور، إذ أن غالبية الأفراد الذين يملكون "دافع الثقافة" لا يتوحدون مع الدور الملصق بهم، لأسباب عديدة منها أنهم يملكون أدواراً تتعارض مع دور "المثقف"، أو أنهم يملكون دوافع نحو تحقيق أهداف، أو أخذ أدوار لا تتوافق مع دور "المثقف" ، أي أن علاقة الفرد بدوره "كمثقف" أشبه بعلاقة زوجين جمعتهما الضرورة أو المصلحة لأن يعيشا تحت سقف واحد، وأن يستمرا كذلك حتى لو كان الخصام بينهما علة مزمنة، والصراع بينهما افتتاحية الصباح وختام المساء .

أما المرحلة الثانية "المثقف" فإن الفرد يصلها بعد أن تُصبِحَ العلاقةُ بينه وبين دوره كمثقف كالعربة والحصان متصلين ويسيران باتجاه واحد حتى تصل العلاقة بينهما مثل حبيبين أو عاشقين يتم أحدهما الآخر، أي: يتماهى المثقف ويتوحد مع دوره، وتنسجم أهدافه الخاصة وأحلامه مع الدور، و"يعيش الدور بكل جوارحه" بما يضفيه الكُتَّابُ والمجتمعُ على هذا الدور من سمات كالذكاء وحيوية الضمير وغيرهما، ويتوقفُ هذا التوحد مع الدور على مدى التعزيز الذي يحصل عليه الفرد من الذات أو الأسرة أو المجتمع لقاء السلوكيات الأولية للثقافة التـي كان يقوم بها في المرحلة الأولى كالاهتمام بالمجتمع وقراءة الكتب، لأن "السلوك فـي حقيقته ينتظم بنتائجه، فالاستجابات التـي تقترن بعقوبات أو عدم مكافئة تميل إلى أن يتخلص الفردُ منها، فيما تميلُ الاستجابات التي تؤدي إلى إثابات أو مكافئات إلى أن يستبقيها الفرد"

مع وصول الأفراد إلى هذه المرحلة التـي تتسم بدرجة جيدة من الوعـي، والشعور بالمسؤولية، تبدأ الضغوط النفسية بالازدياد، فإن تعامل معها بالشكل الأمثل، وواجهها استمر في مسيرته، وإلا فإنه سيبلغ المرحلة الثالثة (المثقف المريض)، إذ يصل كثيرٌ من المثقفين إلى هذه المرحلة، فيظهر على الواحد منهم اضطراب ٌ أو أكثر بحسب عوامل عديدة .

فقد يصاب المثقف بالإحباط الشديد، أو الاكتئاب، أو النرجسية والانتهازية، أو قد تنشأ أو تنشط لديه بعض العقد النفسية التي استطاع من قبل تقليل تأثيرها، ويتناول المؤلف كلَّ اضطراب منها على حدة، ويشرح أسبابه، لكنها إجمالًا وبإيجاز تعود إلى الأسباب التالية:

- الهَوَّةُ الواسعةُ بين الهدف الذي وضعه المثقف، وبين واقع مجتمعه، وأساليبه والدعم المقدم له .

- تَعَجُّل المثقف واندفاعه فـي تحقيق أهدافه، وعدم وضعه سُلَّمًا زمنيا صحيحاً يعتمدُ على معطيات الواقع .

- حين يقف المثقف على دكة بعيدة ليرى كيف أصبحت نتائج أعماله فـي المسرح الواقعـي، يجدُ أنه يبنـي، وهناك العشـرات يسيرون خلفه ليهدموا ما بناه بجهد مضنـي، فيعيش ما عاشه الشاعر "بشار بن برد" ساعةَ كتب بيته الشهير:

متى يبلغُ البنيانُ يوماً تمامه      إذا كنت تبنيه وغيرُك يهدمُ

 

- شدة العائق الذي يحول بين المثقف وهدفه، المتمثل بالسلطات الثلاث: السياسية التي تملك المال والسلطة، والدينية مالكة النفوس، وسلطة الأعراف والتقاليد .

- وجود فكرة أزلية تربط بين الوعـي والحزن، وهذا ما جعل بعض المثقفين يتصنعون الحزن ويحاولـــون اكتسابه لأنهم يشعرون بأنه جزء مهمٌ من شخصيتهم، ولا يُعَدُّ مثقفاً من لا يعيش حزيناً، فيبقى يخلقه ويحاول الإحساس به، حتى يحدث فعلاً، فقد يكون الحزن (مرضًا يأتي بعد تمارض)، وباستطاعتنا ملاحظة ذلك منذ المرحلة الأولى لنمو المثقف .

- حيوية الضمير التـي تجعل من المثقف يحزن لرؤية واقع المجتمع، ويُحبَط لوجود عوائق تمنعه من النهوض به .

- بسبب شيوع الفكرة التـي تقرن بين الثقافة والحزن، واعتبار المثقفين الحزنَ جزءاً من شخصيتهم، أصبح المثقفُ الجديد مضطراً إلى مشاركتهم تلك المشاعر كـي يعدَّ من المثقفين حقاً، ولا يكون مغترباً عن هذه الطبقة .

وأسباب أخرى كثيرة يناقشها الكتاب بشكل مفصل، وينتقل بعدها ليتناول طبيعة العلاقة المضطربة بين المثقف ورجل الدين والتي من بين أسبابها نرجسية الطرفين والنظرة السلبية المسبقة التي يحملها كل منهما تجاه الآخر . ومدى تأثيرها على الطرفين، وعلى المجتمع، ويختتم المؤلف كتابه بتوصيات يمكن عدها وصفة وقائية وعلاجية لعموم المثقفين الذين أرهقتهم الحياة، ويرغبون بالمحافظة على اتزانهم النفسي من أجل الاستمرار بتحقيق أهدافهم وخدمة مجتمعهم .

وتجدرُ الإشارةُ إلى أن المؤلف اعتمد على مصادر عدة لأجل إتمام هذا المجهود العلمي تمثلت بالمقالات والأبحاث التي نشـرها المتخصصون في علم النفس والمتضمنة تحليلات نفسية مختصـرة أو جزئية لشخصية المثقف، فضلاً عن متابعته حسابات المثقفين فـي منصات التواصل الاجتماعـي وتجمعاتهم الافتراضية التـي تمثل وسيلة لإسقاط ما تحتويه النفس من مكنونات، واستفادته من العلاقة الشخصية التـي تربطه بعدد من المثقفين، والتـي جعلته يطلع عن قرب على حياتهم.

 

عنوان الكتاب: سيكولوجية المثقف

المؤلف: وعد عباس

سنة الطبع: 2020

عدد الصفحات: 150

 

 

الطيب النقرلعل ذلك الكتاب الجزيل المباحث، والجم الفوائد، الذي ألفه عن علم وفصّله عن إدراك، الدكتور النابه محمد غنيمي هلال الذي بسط فيه علم الأدب المقارن بسطاً وافيا،ً وتوسع في بيانه توسعاً شاملاً، قد أرسى الدعائم التي نهض بها ذلك الضرب من العلوم في عالمنا العربي، ففي سفره المسهب الشرح، والمشبع الفصول، مدد لا ينقطع من المعلومات، ومنبع لا ينضب من المعرفة، رغم أن مؤلفه سدد الله خلته، ووسد ضريحه الجنة قد تحيز لحزب، وتعصب لمذهب، فالدكتور هلال اقتصرت مادة كتابه الذائع الصيت على المدرسة الفرنسية الذي سار في حواشيها المترعة بالجمال ونهل من السوربون جامعتها المتوهجة بالفكر والمزدانة بالعلوم، ولم يتعداها إلى المدرسة الأمريكية، والحقيقة التي يتحتم علينا بسطها هنا أن الكتاب الذي خطه يراع الدكتور هلال كتاب يبهر العيون، ويخلب الأفئدة، وأن الكتب التي أتت من بعده اقتبست من خلاله، واقتدت بخصاله، فغنيمي نموذج احتذاه اللاحقون، وحري بي قبل أن أدلف إلى تلك الدوحة الوارفة الظلال أن أتي بنبذة عن صاحبها رائد الأدب الطريف، وسيده الغطريف الدكتور محمد غنيمي هلال. ولد الدكتور محمد غنيمي هلال في قرية سلامنت من أعمال مركز بلبيس بمحافظة الشرقية، في الثامن عشر من مارس سنة 1916م، وتلقي تعليمه الابتدائي والثانوي في المعهد الديني التابع للأزهر الشريف بمدينة الزقازيق، وفي سنة 1937م التحق بدار العلوم وتخرج فيها سنة 1941م، وكان أصغر الخريجين سناً إذ لم تزد سنه يومئذٍ على الخامسة والعشرين، وعمل بعد تخرجه مباشرة معلماً للغة العربية لمدة أربع سنوات، وفي ديسمبر سنة 1945 سافر إلى فرنسا في أول بعثة مصرية إلى أوربا بعد الحرب الثانية،، ومكث في باريس سبع سنوات من عمره القصير حصل في غضونها من جامعة السوربون على درجة الليسانس في الآداب، ثم على درجة الدكتوراة الدولة سنة 1952م في مادة جديدة على الجامعة المصرية هي الأدب المقارن، وفي مايو سنة 1952م عاد إلى مصر حيث عمل محاضراً ثم أستاذاً مساعداً للأدب المقارن والنقد الأدبي بكلية دار العلوم، وظل يؤدي رسالته العلمية في الكلية حتى سنة 1961م حيث انتدب في أثناء عمله بكلية دار العلوم للتدريس بالجامعة الأمريكية قسم اللغات الشرقية وفي سنة 1963 نقل إلى كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر أستاذاً ورئيساً لقسم الدراسات العربية، وفي عام 1966م أُعير لكلية الآداب بجامعة الخرطوم، وظل يعمل بها حتى داهمه المرض في أواخر عام 1967م، فلازم الفراش حوالى ثلاثة أشهر عاد بعدها للقاهرة في مارس عام 1968م، ولما لم يتحقق شفاؤه في القاهرة قررت وزارة التعليم العالي علاجه على نفقة الدولة، في الخارج ولكن علقته أوهاق المنية قبل أن يتحقق ذلك، ومضى إلى ربه في 26 يوليو 1968م مخلفاً ثروة فكرية ضخمة من الكتب المطبوعة والمخطوطة. والحقيقة التي لا يغالي فيها أحد، أن كتاب الأدب المقارن للدكتور هلال قد استوعب أصول هذا العلم، وأحاط بفروعه، لأن ناظمه لا يطيش له سهم، ولا يسقط له فهم، في ذلك المجال الذي كان قوياً فيه بالطبع، وأحكم صنعته بالدراسة، فإننا على ضوء ذلك نستطيع أن نقرر باطمئنان رغم أنه قد مضت عدة عقود من تأليفه لتلك الدوحةالفينانة، أنه لايزال أهم الكتب في مجال الدراسات الأدبية المقارنة النظرية في العالم العربي عموماً، لأن مادة الدكتور هلال تختلف عن بقية المواد التي أخرجتها لنا تلك العقول التي اعتمدت على رصيدها الثقافي العام، وعلى هذا فهو أعمق الكتب تأثيراً في مسار الدراسات النظرية في حقل الأدب المقارن على الإطلاق، وكل الكتب التي عرضت بعده للنظرية الفرنسية اعتمدت عليه بصورة أساسية، وبعضها الآخر كان ينمي بعض أفكاره ومداخله، بعضها الثالث لم يكن أكثر من مجرد تخليص له أو لبعض ما جاء فيه مع تحويرات كثيرة أو قليلة فى الترتيب أو الصياغة. فلقد كانت فكرة الكتاب واضحة جلية في ذهن المؤلف الذي لم يجد عنتاً ولا مشقة في بسطها وتدعيمها بالأدلة والبراهين التي تؤكد صحة ما ذهب إليه، الأمر الذي هيأ للقارئ أن يلتقط أفكاره في يسر، ويتداولها دون تعقيد، والكتاب في كنهه ومحتواه لوحة موشاة تضج ألقاً وبهاءً، تجد بين ثنياها أثراً يلهمك، أو فصلاً يكلمك، لوحة جلى لنا غامضها، وقرر قواعدها، وكشف لنا عن مفاتنها، أستاذ كانت حياته مسرحاً تركض فيه المصائب، ومرتعاً تتسابق إليه النكبات، أستاذ له أيادٍ سابغات على كل من جمعته علائق ود شفيف بالأدب، وهوى عنيف بالنقد، أستاذ وضع المنهج الدقيق الذي يجب أن يسلكه كل من أراد أن يمضي في طريق عبّده بجهوده المضنية، وذلله بذهنه الثاقب، ذهن يبحث، ويتقصى، وينقب، في مواطن التلاقي بين الآداب في لغاتها المختلفة، وصلاتها الكثيرة المعقدة، وفي حاضرها أو في ماضيها، وما لهذه الصلات التاريخية من تأثير أو تأثر، أياً كانت مظاهر ذلك التأثير أو التأثر.

قد حوى الأدب المقارن العديد من الحقائق على شاكلة أن قوام الأدب المقارن ونظامه هو الموضوعات والصلات الفنية التي تربط بين آداب الشعوب، وبرهن الدكتور أن الحدود الفاصلة بين تلك الآداب هي اللغات، فالكاتب أو الشاعر إذا كتب كلاهما بالعربية عددنا أدبه عربياً مهما كان جنسه البشري الذي انحدر منه، فلغات الآداب هي ما يعتد به الأدب المقارن في دراسة التأثير والتأثر المتبادلين بينها، وأن الجدوى من الأدب المقارن هو الكشف عن مصادر التيارات الفنية والفكرية للأدب القومي، وكل أدب قومي يلتقي حتماً في عصور نهضاته بالآداب العالمية، ويتعاون معها في توجيه الوعي الإنساني أو القومي، ويكمل وينهض بهذا الالتقاء. وذهب الدكتور إلى أن مناهج الأدب المقارن ومجالات بحثه مستقلة عن مناهج الأدب والنقد، لأنه يستلزم ثقافة خاصة بها يستطاع التعمق في مواطن تلاقي الآداب العالمية، وأكد أن أهمية الأدب المقارن لا تقف أهميته عند حدود دراسة التيارات الفكرية والأجناس الأدبية، والقضايا الإنسانية في الفن، بل لأنه يكشف عن جوانب تأثر الكتاب في الأدب القومي بالآداب العالمية، وما أغزر جوانب هذا التأثر، وما أعمق معناها، لدى كبار الكتاب في كل دولة، ونبه إلى أن ميدان الأدب المقارن لا يقتصر على دراسة الاستعارات الصريحة، وانتقال الأفكار والموضوعات والنماذج الأدبية للأشخاص من أدب إلى آخر، بل يشمل أيضاً دراسة نوع التأثير الذي اصطبغ به الكاتب في لغته التي يكتب بها بعد أن استفاد من آداب أخرى، وفند الدكتور هلال في سفره القيِّم أن تأثر كاتب ما في دولة ما بكاتب آخر في دولة أخرى دلالة على ضعف غميزته، وهشاشة حشاشته، ذاكراً أنه لن يضير كاتباً مهما بلغ شأوه وعبقريته، ومهما سما في كتاباته من أن يتأثر بانتاج الآخرين، فلكل فكرة ذات قيمة في العالم المتمدن جذورها في تاريخ الفكر الإنساني الذي هو ميراث الناس عامة، وتراث ذوي المواهب منهم بصفة خاصة. يقول بول فاليري في كتابه choses vues »أدعى إلى إبراز أصالة الكاتب وشخصيته من أن يتغذى بآراء الأخرين، فما الليث إلا عدة خراف مهضومة«. وعلى ضوء ذلك نستطيع أن نؤكد بيقين لا يخالطه ريب، أو ينازعه شك، أن الأدب المقارن لا يقتصر دوره على عرض الحقائق، بل يشرحها شرحاً مدعماً بالبراهين والنصوص من الآداب التي يدرسها. والأدب المقارن يتناول الصلات العامة بين الآداب، ولكن لا غنى له من النفوذ إلى جوانب كل أدب ليتبين فيها ما هو قومي وما هو دخيل، وليبين جدوى اللقاح الأجنبي في إخصاب الأدب القومي وتكثير ثمراته. إذن الأدب المقارن يرسم سير الآداب في علاقاتها بعضها ببعض، ويشرح خطة ذلك السير، ويعضد من إذكاء الحيوية بينها، ويهدي إلى تفاهم الشعوب وتقاربها في تراثها الفكري، كما أنه يساعد الآداب القومية في الخروج على عزلتها. ونجد أن كتاب الدكتور محمد غنيمي هلال »في الأدب المقارن« يتألف في محتواه من محورين أساسيين، هما تاريخ الأدب المقارن، وميادين البحث فيه، ويحتوي كل اطار أو محور على عدة مباحث فرعية، حيث يشمل المحور الأول محورين فرعيين: أولهما مفهوم الأدب المقارن الذي تبلور واستقرَّ له عبر رحلته التاريخية في أوربا، والثاني عدة الباحث في الأدب المقارن.

أما المحور العام الثاني فقد اشتمل على محور اضافي هو مناهج البحث في كل ميدان من ميادين البحث في الأدب المقارن. وجدير بالذكر أن المحور الثاني قد استحوذ على القدر الأكبر من اهتمام المؤلف وصفحات الكتاب، حيث احتل هذا المحور في جميع طبعات الكتاب ما يزيد على ثلاثة أرباع صفحات الكتاب، ونجد أن المؤلف وسد الله ضريحه الجنة قد أوفى الحديث عن عالمية الأدب وعواملها، واستفاض في الأجناس الأدبية وتحدث بإسهاب عن المواقف الأدبية والنماذج البشرية، وأتى بالأمثلة والشواهد على تأثير الكُتاب في أدب ما على الآداب الأخرى، كما أنه درس المصادر، وأماط اللثام عن الآداب القومية للبلاد والشعوب الأخرى، لينهي سفره الذي لا غنى عنه لدراس الأدب بخاتمة عن الأدب المقارن والأدب العام، مؤكداً أن كل أدب لا يستطيع أن يعيش بمعزل عما سواه من الأدب دون أن يصيبه الوهن والذبول، ومن أن أجمل نواحي الأدب القومي قد تعتمد في مصدرها على لقاح أجنبي يساعد على ازدهار تلك النواحي في الأدب القومي، هذا إلى أن من فروع الأدب المقارن ما يساعد على فهم الأمة لنفسها، برؤيتها صورتها في آداب غيرها، وتلك دروس وعظات بالغات في تربية الشعب، وتبوئه مكانته بين الشعوب الأخرى.

الدكتور محمد غنيمي هلال الذي استفاض ذكره على الألسنة، قبل أن تهصره يد الردى، وتطويه الغبراء، سطر مدونات تلاقفتها الأيدي، والتهمتها العيون، وأصغت إليها الأفئدة، لأنها ترفع عن العقل آصار الجاهلية، وتدخل على النفس قبساً من نور المعرفة، وتلقي في روع قارئها أن الإنسان لا يستطيع أن يشيح بوجهه عن آداب العالم، ولا يصم أذنيه عن دويها الذي تصطك منه الأسماع، فمن بلادة الحس، وخمود العاطفة، أن ينزوي كل شعب على ذاته، ويتقوقع كل أدب على نفسه، وحينها تغشى الأرض غيوم الجهل الداكنة، ويهيم في أصقاعها بوار العصبية والسخيمة الذي يلفظ كل خير، ويجلب كل شر.

 

الطيب النقر

 

بتول الربيعيبهاء الدين الوردي هو طبيب عراقي، قبل أن يكون عارفًا بالسومريّات، ورسّام، وشاعر، وُلِدَ في عام 1931م، في مدينة الكاظميّة، ببغداد، وهاجر إلى المغرب في مُقتبل عمره مع ابن عمّه عالم الاجتماع الكبير علي الوردي، واستحبَّ المكوث فيها، وتعرّف ثقافات شعبها، وخالطهم وعايشهم(1).

له مُصنّف لم يُكتَب له  الذيوع والشهرة ــ على أهمّيته وأُسلوب تحليله الشائق ــ، اسمه: (حول رموز القرآن الكريم)، طُبــِعَ جزؤه الأوّل في عام 1983م، في الدار البيضاء، وطُبــِعَ جزؤه الثاني في مراكش في عام 1990م، وطُبــِعَ جزؤه الثالث عام 1996م مع قاموس أصل اللُّغات (سومرية وأكدية وعربية)، وربَّما يعود سبب قلّة اشتهاره إلى أنَّ انتشار المطبوع المغربي كان بطيئـًا نسبيًّا في المشرق العربيّ.

ويبدو من غلاف الكتاب الـمُزيّن بالنقوش السومريّة، والرسوم الفرعونيّة، أنَّ صاحبه مولعٌ بفن الرسم، وقد قدَّمَ عبد الحقّ فاضل لكتاب الوردي بمقدّمة تكشف النقاب عن منهجه التحليليّ، وتصوُّراته في تشكيل أُصول الألفاظ القرآنيّة، ورموزها، ويغلب على أُسلوب الكاتب في تحليلاته طابع الـمُغامرة، وكسر المعهود من تقنيّات التأثيل التي كان ينهجها عبد الحقّ.

وأمّا الذي شجَّعَ الوردي على الخوض في غمار التأثيل؛ فزميله الصيدليّ الفرنسيّ رينو Raynau) الذي كان قد أعلن إسلامه، وتسمّى باسم (سمير عبد الله)؛ إذ كان الوردي مولعًا بالمسماريّات، مع اعتقاده، كبعض الباحثين الأوربيين، أنَّ اللُّغة (الشومريّة) هي أُمُّ اللُّغات؛ لأنــَّهم وجدوا فيها ألفاظًا، ومقاطع، تشبه لغات أُخَر، ولـمَّا كانت (الشومريّة) أقدم اللُّغات تدوينًا؛ افترضوا أنــَّها أقدم اللُّغات وُجُودًا، وكان (رينو) ما يفتأ يتحدّث عن البابليّة والآشوريّة طورًا، وعن (الشومريّة) طورًا(2). وأمّا كتابه فيشتمل ــ إلى جانب المعلومات التاريخيّة للحضارات القديمّة ــ على صور متنوعة لأنواع الآلهة، والرموز الـمُقدّسة، والنقوش المسماريّة، وما أشبه ذلك مِمّا جاء مُنسجمًا وتحليلاته، وفرضياتِهِ؛ وُمُساوِقًا لها؛ لأجل التوثيق.

وقد قَدَّمَ له عبد الحقّ فاضل بمقدِّمة غنيّة تفصح عن منهجه التأثيلي، قال فيها: «في الكتاب معلومات استطراديّة لُغويّة قديمّة، وتاريخيّة عن الشعوب، والآلهة، والديانات، والأساطير، مُستقاة من مراجع مُعتبرة، لكنَّ الدكتور الوردي لا يتقيّد بآراء مُؤلفيها، وإنــَّما يستنتج أحيانــًا، غير ما يستنتجه سواه، غير أنَّ هذا الاستقلال في الرأي ليس واضحًا دائمًا، فبعض كلامه غير المنسوب إلى أحد، لا نميِّز منه بين ما هو منقول، أو مُقتبس، وما هو من اكتشاف الـمُؤلِّف نفسه، أو استنباطه»(3).

وهذا الأمر كان ينبغي لعبد الحقّ أن يسوقه لنفسه؛ إذ إنَّ مؤلفاته التأثيليّة تفيض بأكثر ممَّا قاله عن الوردي، فلا مصادر، ولا هوامش، ولم يُبيِّن حتــَّى ما كان من استنتاجه هو أو من آراء الآخرين.

ثــُمَّ أردف قائلا «وأنا  ــ شخصيًّا ــ  لا أتفق مع الـمُؤلِّف في بعض آرائه، فأنا ــ مثلاً ــ  لا أبحث عن أصل الكلمة اللُّغويّة، بتجزئتها إلى مقاطع لأبحث عن معنى كُلّ مقطع منها في المراجع المسماريّة، إذا استطعت أن أجد أثل الكلمة كاملة، غير مُجزّأة، فالمؤلِّف يرى  ــ مثلاً ــ  أنَّ كلمة (سماء) مؤلَّفة من (س) و(ماء)، أي: (ضوء + ماء) في اللُّغة الشومريّة الأكاديّة، ومن ثــَمَّ ظهر فعل (سما يسمو)، بينما أنَّ (السماء) هي التي نشأت من الفعل (سما يسمو)، بمعنى ارتفع... وهذا أثله (شما يشمو)، بنفس الوزن والمعنى. وهذا أثله (شم يشم) بنفس المعنى أيضًا، وبمعنى استنشق الرائحة»(4).

وينتهي عبد الحقّ من مُقدمته إلى أنَّ استعراض خلافِهِ مع الوردي قد استوفاه في كتابه (مُغامرات لغويّة)، وكتابه (تأريخهم من لُغتهم)، لكنّ ذلك لا يمنع من تقدير عمل الوردي، أو الإعجاب بما توصّل إليه من نتائج(5).

وهذا عرضٌ مُختزل لبعض تصوُّرات الوردي التي أورد فيها تحليلاته الـمُعتمِدة صنوفَ المعارف الـمُختلفة، كالأنثروبولوجي علم الإنسان (Anthropology)، والإيتيمولوجي علم التأثيل Etymology)، والثيولوجي علم اللاهوت Theology)، والميثولوجي علم الأساطير Metheology)، وما آلت إليه استنتاجاته لتفسير بعض ألفاظ القرآن الكريم، وتعبيراته، ورموزه الدينيّة، والتعبُديّة.

1)  أسماء الله الحسنى

يذهب الوردي إلى أنَّ أسماء الله الحسنى باللُّغة العربية مشتقَّة من أسماء الآلهة التي كان يعبدها القدماء كالسومريين والأكديين والفراعنة وقد جمع الله كُلّ خصائص الآلهة القديمّة في ذاته القدسيّة وأصبحت في القرآن الكريم أسماءً حسنى(6).

فهو يرى أنَّ جبّار (GBAR) أصله الإله الثور، والبديع (BADIU) الإله حيّا، إله المياه والعذوبة، وربَّما يعني البادئ الأوّل، والملك (MALIKU) إله جهنّم، والمؤمن (UMUN يعني السيّد المعظّم(7).

وقد خَصَّ المؤلِّف اسم الرحمن بدراسة كاملة، فهو لا يعني عنده الرحمة، بل القوة؛ لأنَّ أصل (الرحمن) (RAMAN) إله المطر، والرعد، والصاعقة والأمطار والفيضانات (عند السومريين)، وعند الكنعانيين يُعرف باسم (ريمون)، وهذا الأخير كان معروفًا عند العرب قبل الاسلام، ويرى الوردي أنَّ رامون، وريمون، ورامان، هو (الرحمن) نفسه؛ لأنَّ بعض اللُّغات ليس في أبجدياتها الحاء، وورد ذكره عند البابليين: رحامون، ورحامن(8).

وكذلك ورد اسم الرحمن في النصوص الأكديّة باسم الإله مارتو* المعروف بإله البادية السومرية ويُدعَى كذلك رمانّو، أي: (الرحمن)(9).

ورمون هو إله الخصب عند الآراميين وكان للإله رمون معبد في دمشق في أيام نعمان السرياني قائد جيش ملك آرام(10).

وذكر الوردي أنَّ اسم الرحمن قد وَرَدَ في القرآن الكريم (57) مرَّةً، كُلّها في مدلول القوّة، وورد الرحيم (115) مرّةً، كُلّها في مدلول الرأفة والحنان. وإنَّ البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) تجمع صفتين من صفات الله تعالى، هما: الرحمة والقوّة(11).

وعن ابي العبّاس المبرّد (ت 286هـ) أنَّ (الرحمن) في قوله تعالى: {ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} (الفاتحة: 2)، عبريّ، و(الرحيم) عربيّ(12). بيد أنَّ هذا الرأي لا يستند إلى دليل علمي.

وذكر ابن سيده (ت458هـ) أنَّ «الرَّحْمنُ أبلغُ من الرَّحِيم بِدلالَة أنـَّه لا يُوصف بِهِ إِلا الله تَعَالَى ذكره، وذكر الرَّحِيم بعده لتخصيص الـمُسلمين بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا}» (الأحزاب: 43)(13).

وفي شرح العقيدة الواسطيّة لابن عثيمين «(الرحمن)، فهو ذو الرحمة الواسعة؛ لأنَّ (فعلان) في اللُّغة العربية تدلُّ على السعة والامتلاء، كما يُقال: رجل غضبان: إذا امتلأ غضباً. (الرحيم): اسم يدلُّ على الفعل؛ لأنــَّه فعيل بمعنى فاعل فهو دالٌّ على الفعل. فيجتمع من (الرحمن الرحيم): أنَّ رحمة الله واسعة وأنــَّها واصلة إلى الخلق. وهذا هو ما أومأ إليه بعضهم بقوله: الرحمن رحمة عامّة والرحيم رحمة خاصّة بالمؤمنين»(14).

وقد بيَّنَ مصطفى جواد الفرق بين الرحمن والرحيم؛ إذ إنَّ فعلان من الأوزان العربية والألف والنون للنسبة، فالرحمن معناه ذو الرحمة، والرحيم معناه الموصل رحمته إلى عباده، فالرحمن صفة من الفعل حين كان لازمًا لفظًا ومعنى، والرحيم صفة منه حين تعدَّى لفظًا لا معنًى، وهو يرى أنَّ RIMENU أجدر أن يؤخذ من (رئم)؛ لأنَّ الحاء قد نشأت عن الهمزة(15).

ودليل ذلك قول الجوهري «رَئِمَتِ الناقةُ ولدَها رِئـْماناً، إذا أحبَّتْهُ. ويقال للبوّ والولد: رَأْمٌ. والناقةُ رَءُومٌ ورائمَةٌ. وأرْأَمْنا الناقة: عطفناها على الرأم»(16).

وذكر خالد إسماعيل علي أنَّ الرحمن مشتقّ من الجذر (ر ح م) وهو ساميٌّ عام بمعنى الشفقة والمحبّة والرحم(17).

وتوسَّعَ الوردي في مدلول القوة، والخُلاصة التي توصل إليها أنَّ (الرحمن) اسم إله عبدته البشريّة، وصوّرته إلهًا بذاته، وهو إله البرق، والرعد، والعاصفة، والصاعقة، والخصب، والمطر، والحديد الـمُنزَّل، وذلك كُلّه من معنى القوّة، والتمكُّن، والجبروت، جمعها تعالى في ذاته، فأصبح (الرحمن) من أسمائه الحسنى(18).

بيد أنَّ الوردي لم يلتزم قواعد أساسية في تأثيل أسماء الله الحسنى وخالف منهجه التأثيلي في تقطيع الكلمات، واعتمد ما وَرَدَ فقط من أسماء الآلهة في كتب الديانات والأساطير في اللُّغة السومريّة، واللُّغة الأكديّة، واللُّغة الفرعونيّة؛ إذ إنــَّه عامل تلك الأسماء على أنــَّها أسماء منقولة لا جذر لها.

2)  الحروف المقطّعة في القرآن الكريم:

عِلْمُ الحروف علمٌ قديم، تمرَّس فيه الـمُتقدّمُون من أهل الصنعة، وأورد الوردي جدولاً بمعاني تلك الحروف، ثــُمَّ قال: «ولا نريد أن نسلك الطريق الشائك وندرس علم الحروف، وأثره في الطلسمات والتعاويذ؛ ولذا فقد اطّلعنا على ما قاله الأقدمُون، وما قاله الـمُسلِمُون الأوائل في تفسيراتهم، فلم نجد ما يُشبع رغبتنا في التحقيق والاستنباط، فلجأنا إلى بداية البداية، والتجأنا إلى أوّل المعاني للحروف، وهي المقاطع المسماريّة السومريّة الأكاديّة؛ لأنــَّه باعتقادنا هي التي منها تولّدت اللُّغات، وتشعّبَتْ، ومن بابل تبلبلت الألسن»(19).

وبالعودة إلى مجموعة النظائر التي ذكرتها الأسفار الأُولى، ودراسات الـمُستشرقين، وكتب التفسير المشهورة؛ أقرَّ الباحث باقتراب أهل التفسير مِمّا توصّل إليه هو، فإنَّ هذه المذكورات ليست مُجرَّد حروف صُمٍّ، بل رموز لها معانٍ، فـ(الم): تعني: هاكم الكلمات الإلهيّة(20).

أمّا (طه): فيرى الوردي أنَّ معناه حبيب الله: (طا: حبيب + ها: إله)، ويرى الوردي أنَّ معنى (طه): (يا رجل) الوارد في تفسيرات الـمُتقدِّمين، قريب جدًّا من تفسيره: (حبيب الله)، (طا) = صاحب، رفيق، حبيب + (ها) = إله (21)؛ إذ قال: «وهذا الاسم، أو ما يُشابهه، كان معروفًا عند أهل الكتاب، أو عند بعضهم، فقد ورد عند السامريين، أنــَّهم كانوا ينتظرون مسيحًا اسمه (طاهاب) إذ كان ظهوره عندهم مُرتقبًا، وعند الهنود الحُمْر هناك إله اسمه: (طاهابو)... ومعناه عندهم: أبونا»(22). بيد أنَّ معظم المفسِّرين لم يقطعوا بمعاني هذه الرموز، فقال القرطبي: «اختلف أهل التأويل في الحروف التي أوائل السور، فقال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدّثين: هي سرّ الله في القرآن، ولله في كُلّ كتاب من كتبه سرّ، فهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه ولا نحبّ أن نتكلّم فيها، ولكن نؤمن بها، وتُقرَأ كما جاءت ورُويَ هذا القول عن أبي بكر الصدّيق وعن علي بن أبي طالب G»(23).

لذا تبقى أغلب التحليلات في هذا الباب افتراضيّة تعتمد التكهُّن والاجتهاد الشخصي، ولم يضف الوردي جديدًا إلى ما ذكره المفسّرون في هذا الباب. وهذه صورة من جدول الـمُقطعات التي أوردها الباحث بالعربيّة في كتابه، لمعاني الرُموز التعبديّة، ومعانيها، باللُّغة السومريّة (24).

1463 سومريات 4

الشكل (4)

1463 سومريات 5

الشكل (5)

3 ــ أسماء الأعلام وصفاتها:

أ ــ محمود وأبابيل:

نجد في الكتاب التفاتات ذهنية تثير الانتباه، فإنَّ الفيل الذي أتى به أبرهة من الحبشة مع جيشه لهدم الكعبة، اسمه (محمود)، وهو ــ بحسب الباحث ــ مُشتقّ من (الماموث)، وهو النوع الضخم الـمُنقرض من الفيلة، وارتأى أنــَّه قد تطوَّر عند العرب حتــَّى تلفظّوه بما يوافق أُسلوبهم في نطق ألفاظ لُغتهم(25).

ويردُّ الوردي على الباحث عبد الغني الملاّح، صاحب كتاب (المُتنبي يسترد أباه) إذ كان قد نشر مقالاً في مجلة ألف باء يستغرب فيه أن يكون الفيل اسمه محمود، كما زعم الإخباريون(26).

ويستند الوردي في الردّ على ما استغربه الملاّح، إلى أنَّ القاموس الفرنسيّ (لاروس ـ أصل الكلمات) ذَكَرَهُ منسوبًا إلى الروسيّة، وهي كلمة آتية من سيبيريا الغربيّة، ذُكِرَت لأوّل مرة في الفرنسية، عام 1727م، وأنَّ العرب عرفوا هذا الكائن، وأنَّ الإنسان الأوّل قد نقشه على جدران الكهوف(27).

ولأنَّ منهاج الوردي يعتمد تقطيع الكلمات، وتحليلها؛ رأى أنَّ المقطع (ما) = يملك، أو عنده + (مـ) = يد، + (موث) = في الأنف، فيكون المعنى: (عنده يد في الأنف)، أو (يده بأنفه) (28).

وهذا ما ينطبق ــ برأيه ــ تمامًا على كلمة الفيل؛ إذ إنَّ (في) = يد، و(أيل) = في الأنف، ويمكن تفسيره مجازًا بـ(أنف طويل)، وهذا بطبيعة الحال من معنى الـ(ماموث)(29).

وجاء في (التحرير والتنوير): «الفِيلُ: حَيَوَانٌ عَظِيمٌ مِنْ ذَوَاتِ الأَرْبَعِ ذَوَاتِ الخُفِّ، مِنْ حَيَوَانِ البِلادِ الحَارَّةِ ذَاتِ الأَنْهَارِ مِنَ الهِنْدِ وَالصِّينِ وَالحَبَشَةِ وَالسُّودَانِ، وَلا يُوجَدُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ إِلاَّ مَجْلُوبًا، وَهُوَ ذَكِيٌّ قَابِلٌ لِلتَّأَنُّسِ وَالتَّرْبِيَةِ... وَجِلْدُهُ أَجْرَدُ مِثْلَ جِلْدِ البَقَرِ»(30).

وجاء في الموسوعة الحرة: إنَّ الماموث نوع من الفيلة التي يغطي جسمها الصوف لتتحمّل درجات الحرارة المنخفضة جدًّا فهي لا توجد إلاّ في المناطق الباردة، ولا سيَّما في سيبيريا الغربية، وقد عاش مع الإنسان في عصور ما قبل التاريخ وقد انقرض مع انتهاء العصر الجليدي وارتفاع درجات الحرارة(31).

وبذلك يكون الفيل غير الماموث وإن كانا من فصيلة واحدة، لكنّ المذكور من التحليل برمّته، ومحاولة الباحث إقناع القارئ بأنَّ هذا الحيوان معروف، وأنــَّه ما زال يُعبَد في الهند(32)، لا يقوم دليلاً مكينًا على أنَّ (محمود) مُعرّب (ماموث)؛ إذ لا علاقة جوهريّة أكيدة بين الاسمين.

وهُنا قد يلتفت القارئ إلى تدخُّل الوردي السريع في تحويل مجرى الأحداث، وتدخّله في تلفيق سرد جديد في السرد القديم، فالوردي يتأوّل صورة تاريخيّة ما، بالاحتكام إلى صورة ــ أو صُوَر ــ  حيويّة مُناظرة قد تكون أقرب عهدًا منها، بل قد تكون الصورة الأخيرة مُعاصِرة، وذلك باعتماد التوافق الظاهري الـمُجرَّد بين اللَّفظ القديم، واللَّفظ الجديد، فيجعل اللاحق لمعنى السابق، ثــُمَّ يبني عليه تحليلاً تبدو عليه المنطقيّة، ويسوقُ في أثناء ذلك أمثلة مُتناحرة في التفاصيل، يربط بينها لإكمال المشهد الأخير، وهو  ــ في بعض تحليلاته ــ  يجتاز مئات السنين بقفزة واحدة، كما قد فعل، ففسّر الماموث بمحمود!.

ولا يعتمد الوردي منهجًا ثابتــًا في استقصاء التطوّر التاريخي للكلمة، فهو يتنقّل بين المصادر بحسب ما يراه مُناسبًا لوجهته، مُتوخّيًّا في ذلك تأليف ما يؤيّد تصوُّراته.

وأمَّا (أبابيل)؛ فيستند الوردي في بعض تحليلاته للكلمة، إلى ما نقله من الشيخ مُحمّد متولّي الشعراوي في التلفزيون(33)، فقد نقل الشعراوي عن الشيخ مُحمّد عبده أنَّ الطير الأبابيل عبارة عن الميكروبات والجدري والذي حمله على هذا القول أنــَّه استبعد أن تحمل الطيور الحجارة، ومن ثــَمَّ تنزل الحجارة على الناس فتقتلهم(34).

وقد تعدَّدت توجيهات المفسِّرين لمعنى الطير الوارد في سورة الفيل وجاء في تفسير الطبري: «إنّ أوّل ما رُؤِيَت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام»(35)، أي: عام الفيل. «وهو أوّل جدري ظهر في الأرض»*(36).

وذكرت بعض كتب التفسير أنَّ طيرًا من البحر، أمثال الخطاطيف، قد خرجت عليهم، ومع كُلّ طير ثلاثة أحجار، حجر في منقاره وحجران في رجليه مثل الحمص والعدس، ورمتهم بحجارة مدحرجة كالبنادق، فشدختهم، فنزل الهلاك بهم(37).

لكنَّ بهاء الدين الوردي يذكر أنَّ نظرته إلى القضية مُختلفة، فهو يرى أنَّ    تقطيع الكلمة (أبابيل) إلى المقاطع الأصليّة، يُعطي معنى: (النسور التي تحرس باب السماء)، والسِّجّيل: أحجار جمرات بُركانيّة سُود، والبراكين تكثر حول مكّة الـمُكرّمة، وأحجارها كُلّها سِجّيل، وهي من (السجل)؛ إذ كان السومريون أوّل مَنْ كتب على ألواح الطين، وأنَّ هذه الألواح كانت تُشوَى لِتُصبِحَ كالطابوق؛ فإنَّ (جل) = (طين)، و(سين) = (ضغط)، ومنه الكلمة (Argile الطين في الفرنسيّة، وعند البابليين (سجّيل) تعني قمّة المعبد (الزقورات بيشون)، وليس من الـمُصادفات أنَّ (مكّة ــ بكة Ba-ka) نفسها = (باب السماء). وإذا عكسنا المقاطع؛ ظهر لنا (كعبة)، ومنه جاء التكعيب، فالشيء قبل الاسم، فإذا هي نسورٌ تحرُسُ السماء (مكّة)، ولا بُدّ أن تُفسَّر هكذا بما يلائم عصرنا ومزاجنا في القرن العشرين؛ لأنَّ القرآن حمّال أوجه(38).

ولم أتبيَّن الوجهة التي جعل الوردي فيها الكعبة مخصوصة بمكّة فقط وهو يتحدَّث عن عصور ما قبل الإسلام؛ إذ تذكر كتب التاريخ أنَّ للعرب قبل الإسلام كعبات مقدّسة، يحجّون إليها في مواسم مُعيَّنة منتشرة في الجزيرة العربيّة، وفي هذه الكعبات أقام العرب الأصنام التي كانوا يعبدونها، وكان لكُلّ قبيلة معبودها الخاصّ، ولم يبقَ لهذا الكعبات أثر بعد ظهور الإسلام سوى كعبة مكّة(39).

والخُلاصة التي ينتهي إليها الوردي يُمكن التوصُّل إليها بغير تطويل؛ إذ يُغني ما ذكرناه من تحليله، عن التفاصيل اللاحقة التي ذكرها، مع اللَّوحات والرسوم؛ فقد أراد أنَّ يُثبِتَ أنَّ الطير الـمُعبَّر عنه في القرآن، إنــَّما هو تعبير مجازيّ، وذلك ما نلحظه في قوله: «إنّ الطير الأبابيل، هُم طلائع من الـمُحاربين، اسمهم (أبابيل)، اي: (نسور باب السماء، وباب السماء هو مكّة)»(40).

وقد انتقد الشيخ الشعراوي هذه التوجيهات مبيّنًا أنَّ العقول المادية تريد تفسير الأشياء بناموس البشر والكون. وقد قدَّمَ دليلاً عقليًّا واضحًا على أنَّ الأبابيل يُراد بهم جماعة من الطير، مبيّنًا أنَّ هذه الحادثة قد وقعت في عام الفيل ذلك العام الذي وُلِدَ فيه رسول الله مُحمّد (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد بُعِثَ الرسول بعد أربعين سنة منها، وتوالى نزول القرآن على أهل مكّة، وكان هناك أناس أعمارهم خمسون أو ستون أو سبعون أو ثمانون أو تسعون، ثــُمَّ نزلت السورة وقرأها الرسول على القوم وكان معظهم كافرين بها وحريصين على أن يكذّبوه، ولو علموا شيئـًا ممــَّا أُنزِلَ عليه يمكن أن يُكذَّب لما ادّخروا في ذلك وسعاً*(41).

وقد ذكر النيسابوري هذا الدليل في تفسيره وأنَّ هذه القصة قد تواترت خلفًا عن سلف(42).

وبالعودة المتأنــِّية إلى ما قاله الوردي في أثناء تحليله، يثبت ميله إلى إنكار التسليم بالمُعجزات على أنــَّها أمور غير قابلة للتفسير ــ مُطلقًا ــ؛ إذ يقول: «فإذا قُلنا: (طير)؛ فذلك يأتي من باب الـمُعجزات، ونحن لا نريد أن نفسِّر الأشياء التي يمكن تفسيرها عقليًّا مفهومًا بالـمُعجزات، وإن كُنّا لا نــُنكر وقوعها..، يعني إذا قصّر البشر في المرحلة الحاضرة عن تفسيره تسمية الـمُعجزة؛ قد يأتي جيل عنده ما يلزم من تفسيرها، إذا أُريدَ بنا أن نفهمها فهمًا يسيرًا»(43).

والذي يبدو لي أنَّ كلامه مقنع إلى حَدٍّ ما، فالسيّد موسى الصدر يقول: «إنَّ القرآن الكريم ــ كما وصفناه ــ هو كتاب الله وكلماته، فهو حقيقة كونيّة بصورته الموجودة... والحقيقة الكونية تتجلّى وتبرز للإنسان من جديد في أيّ خطوة تقدَّم وعيه فيها، وارتفع مستوى ثقافته بها.. فالكون والإنسان حقيقتان تتجلّيان في كُلّ مرحلة حضاريّة بصورة جديدة، والقرآن الكريم هذه الحقيقة تنكشف في كُلّ مرحلة أيضًا، بصورة جديدة تناسب الصور الجديدة للكون وللإنسان، وتوجّه الإنسان لخطوة إيجابيّة جديدة في الكون»(44).

فهو يشير إلى أنَّ تفسير القرآن الكريم لا يعتمد مقدرة المفسِّر ومعرفته بأسباب النزول وثقافته الذاتية فحسب، بل على تقدُّم العلوم البشريّة أيضًا.

إنَّ اختلاف المفسّرين في بيان المقصود من الطير الأبابيل، وقصور المؤرِّخين عن تسجيل كُلّ ما له صلة بهذه الحادثة جعل الباب مشرعًا أمام التأويل، يقول الوردي: «فبحثت واكتشفتُ أنَّ الطير الأبابيل تعبير مجازيّ للقبائل الـمُحيطة بمكّة، والتي كانت تسكن بين جدة، ومكّة، وهم قُضاعَة، وغيرها، والأبابيل معناها: (جماعات) بالعربيّة، وكانوا يعبدون النسر، وهو (طير)، وكانت عندهم آلات حرب، كالمقلاع، والـﮔزوة (المنجنيق يدوي فردي) يرمون بها الأعداء بأحجار من الحجارة البُركانيّة (السجيل) التي تكثر بين مكّة، وجدة، ويرمون بها جيش أبرهة، وربما حاصَرُوه بين جَبَلَين، وأرسلوا عليه الحجارة من فوق، ثــُمَّ زادوها بالرمي»(45).

 

فهذا التوجيه مخالف لما أتى به المفسِّرون؛ إذ يرى أنَّ لفظ الطير أُطلِقَ على هؤلاء المحاربين لأنــَّهم كانوا يعبدون النسر، ورموا الجنود بأحجار كانت موجودة بين مكّة وجدّة، ولكنَّ ورود كلمة (طيراً) بصيغة المجهول توقع في الالتباس؛ إذ يمكن حملها على المعنى الظاهري بأنــَّها كانت طيورًا حقيقية غير معروفة حينذاك قد أصابت جيش إبرهة ودمرته، فقضية الطير الأبابيل غامضة حتــَّى في كتب التفسير، ويبقى باب الاجتهاد فيها مفتوحًا، بل إنَّ كلمة أبابيل قد اختصّت بالطير الوارد في القرآن الكريم.

1463 سومريات 6

الشكل (6)

ب ــ هامان:

اسمٌ ورد في سبعة مواضع في القرآن الكريم(46)*، منها: {وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ} (القصص: 6) وقوله تعالى: {إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِ‍ِٔينَ} (القصص: 8).

وهامان اسم أعجمي وقد مُنِعَ من الصرف للعلميّة والعجمة(47). وقد أشار الجواليقي، والخفاجي إلى تعريبه(48).

ويقولُ الورديّ: «ونقول حالاً إنــَّه اسم مصري مُعرّب»(49).

وهامان الذي في القرآن غير هامان الذي في التوراة، ففي التوراة هامان اسم فارسيّ الأصل، وكان وزيرًا لملك الأخمينيين(50)، وقصته في إصحاح (إستير) في التوراة مُفصّلة (51).

1463 سومريات 7

الشكل (7)

ومعنى (هامان) ــ بحسب ما يرى الوردي ــ في إصحاح إستير: عبد الله.. رفيق الله.. أو كاهن الإله(52).

وتوصّل الورديّ إلى معرفة هذا الاسم الفارسيّ من إرجاعه إلى المقاطع البدائيّة السومريّة الأكاديّة، التي يُعتقد أنــَّها أوّل ما دُوِّنَ من المقاطع في لُغة الإنسان، قال: «وإليها نرجع دائمًا، ومن بابل تبلبلت الألسن، وهامان اسم شَهْرٍ في اللُّغة الآشوريّة»(53).

ويرى الورديّ أنَّ هامان في القرآن الكريم، تعريب لاسم الإله الفرعونيّ القديم (أمون)، أو (عمون)، أو (عامون)، أو (هامون)، أو (عامن)، فأصبح بطول الاستعمال (هامان)*، بحسب ترجمته إلى اللُّغات الـمُجاوِرَة (54).

وجاء في معجم الأعلام في الكتاب المقدّس أنــَّه بمعنى مهمّ ومشهور أو من هيمان بمعنى مخلص أمين(55).

وذكر العالم الفرنسي موريس بوكاي أنــَّه ورد في معجم الأسماء الهيروغليفيّة بمعنى رئيس البنّائين وهو يناسب ما وَرَدَ في قوله تعالى: {يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ} (غافر : 36)(56).

ولعلَّ هذا المعنى هو أقرب المعاني إلى اسم هامان؛ إذ فُسِّرَ بما ورد في القرآن الكريم.

وقد تعدَّدت معاني هذا الاسم؛ إذ إنَّ أسماء الأعلام بصيغها ودلالاتها في أيّ أُمّة من الأُمم هي مرآة ثقافيّة وحضاريّة لأيِّ مجتمع من المجتمعات، ومن ثــَمَّ فإنَّ اختلاف صيغها ودلالاتها من مجتمع لآخر يشير إلى اختلاف المجتمعات في التفكير ودرجة التطوُّر، فمثلاً شيوع صيغ أعلام ذات دلالات دينيّة معينّة بدءًا من وقت مُعيَّن في مناطق بعينها ممَّا قد يكون انعكاسًا لما طرأ على هذه المناطق من تحوُّل في العبادة(57).

ووَرَدَ اسمُ هامان ابنًا لعمِّ فرعون (خوفو)، من السُّلالة الرابعة، باني الهرم الأكبر في الجِيزَة، وعدّد الورديّ شخصيات كثيرة في التُّراث الفرعونيّ تحمل هذا الاسم، اختار من بينها شَخصيتين، في تحليل طويل، هُمَا: منفتاح بن رعمس الثاني، وأمنمس (هامان مس)، أي: هامان موسى؛ إذ إنَّ ما تردَّدَ في تحليله لَهُمَا، وما ورد في قصة الرعامِسَة وموسى، يتناسب وما ورد في القرآن ، وأغلب الظن أنَّ الباحث قد عاد إلى التفاسير القُرآنيّة، لتوكيد ما توصّل إليه، وخلُص بحثــُهُ إلى أنَّ هامان الوحيد المقصود في القُرآن من هاتين الشخصيتين، هو (هامان مس) الذي حكم مصر، بعد منفتاح (58).

وذكر الرازي في تفسيره «أَنَّ تَوَارِيخَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ قَدْ طَالَ العَهْدُ بِهَا وَاضْطَرَبَتِ الأَحْوَالُ وَالأَدْوَارُ فَلَمْ يَبْقَ عَلَى كَلامِ أَهْلِ التَّوَارِيخِ اعْتِمَادٌ فِي هَذَا البَابِ، فكان الأخذ بقول الله أَوْلَى»(59).

ويبدو أنَّ الوردي اعتمد مُضارعة الأحداث القرآنيّة بالسرد التاريخيّ، الـمُضطرب أحيانــًا، والذي يعتمد الظنَّ أحيانـًا أُخَر، لكنّ التحليل ــ عمومًا ــ لا يُمكن إنكاره برمّتِهِ، فهو مُحتَمِلٌ للصحّة، بلا قطع، لذلك؛ كان الورديّ يُكثِرُ من استعمال عبارة (أظنّ)، ونحو ذلك، في ما ينتهي إليه من نتائج.

ويُلحَظ أنَّ سرديات الورديّ، وما توصّل إليه، تُوافِقُ كثيرًا ما جاء في تفسير الطاهر بن عاشور (التحرير والتنوير)، فبالعودة إلى ما أورده الطاهر في تفسيره؛ يُمكن وضع اليد على كثير من الأحداث الـمُتشابهة، فضلاً عن طرائق التحليل التي تبنّاها الـمُفسِّر.

ومِن ذلك أنَّ الطاهر ذكر شيئـًا في تفسيره، يَدعو معه تصوُّر أن يكون الورديّ قد اطّلَعَ عليه، كقول الطاهر في تفسير قوله تعالى: {وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا}: «فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَامَانَ لَقَبُ وَزِيرِ المَلِكِ فِي مِصْرَ فِي ذَلِكَ العَصْرِ. وَجَاءَ فِي كِتَابِ «أَسْتِيرَ» مِنْ كُتُبِ اليَهُودِ الـمُلْحَقَةِ بِالتَّوْرَاةِ، تَسْمِيَة وَزِير (أحشويروش) مِلْكِ الفُرْسِ (هَامَانُ) فَظَنُّوهُ عَلَمًا، فَزَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ وَزِيرٌ اسْمُهُ هَامَانُ، وَاتَّخَذُوا هَذَا الظَّنَّ مَطْعَنًا فِي هَذِهِ الآيَةِ. وَهَذَا اشْتِبَاهٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّ الأَعْلامَ لا تَنْحَصِرُ، وَكَذَلِكَ أَلْقَابُ الوِلايَاتِ قَدْ تَشْتَرِكُ بَيْنَ أُمَمٍ، وَخَاصَّةً الأُمَمَ الـمُتَجَاوِرَةَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هامانَ عَلَمًا مِنَ الأَمَانِ، فَإِنَّ الأَعْلامَ تَتَكَرَّرُ فِي الأُمَمِ وَالعُصُورِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَقَبَ خِطَّةٍ فِي مِصْرَ، فَنَقَلَ اليَهُودُ هَذَا اللَّقَبَ إِلَى بِلادِ الفُرْسِ فِي مُدَّةِ أَسْرِهِمْ»(60).

ففي تحليل الطاهر، وما جاء في أثنائِه، بالمعنى، أو بالنصّ، أو ببعض اللَّفظ، أو ببعض الـمُسمّيات، ما يُوحي بإفادة الورديّ من التفسير المذكور ــ عمُومًا ــ  هو، أو ما يُشبِهُهُ من التفسيرات الـمُتاحة، لكنَّه لم يأتِ على ذِكرها في مُلحق المراجع بعد خاتمة الدراسة.

وينتهي الوردي أخيرًا إلى أنَّ هامان كان ثاني شخص في الدولة بعد فرعون؛ لأنَّ كلمة جنودهما تعني جنود فرعون وجنود هامان لما له من قيادة ورئاسة، ولو كان مهندسًا فقط لما كان له جنود ولما كان من أقرب المقرّبين إلى فرعون(61).

وجاء في إعراب (جنودهما) في قوله تعالى: {وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ} بأنــَّها عُطِفَت على فرعون وهامان، ومنهم متعلّقان بـ(نــُري)، أي: ونــُري فرعون وهامان وجنودهما من بني إسرائيل ما كانوا يحذرون، أي: يخافونه منهم (62).

وقد أجاز الفَرَّاء أن يكون لهامان جنود مخصوصة به، وإن كان وزيراً، أو لأنَّ جند السلطان جند وزيره(63).

ت  ــ نون = الحِكمة

ذو النون = ذو الحِكمة

(ذا) في قوله تعالى: {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ} الأنبياء: 87  عطفٌ «عَلَى (وَذَا الكِفْلِ) في الآية الخامسة والثمانين من سورة الأَنْبِيَاء، وَذِكْرُ ذي النُّونِ فِي جُمْلَةِ مَنْ خُصُّوا بِالذِّكْرِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ لأَجْلِ مَا فِي قَصَّتْهُ مِنَ الآيَاتِ فِي الالتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ وَالنَّدَمِ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنَ الجَزَعِ وَاسْتِجَابَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ و(ذُو النُّونِ) وَصْفٌ، أَي: صَاحِبُ الحُوتِ. لُقِّبَ بِهِ يُونُسُ بْنُ مَتَّى u»(64). وقد صرَّحَ القرآن بمعناه في قوله تعالى: {وَلا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ} (القلم: 48).

و(ذو) بمعنى صاحب متصدِّرة التركيب الإضافي ترِدُ في ألقاب ملوك اليمن القدامى نحو: ذو يزن وذو الكلام(65).

وتذكر المعجمات العربيّة أنَّ لكلمة نون معاني عِدَّة، هي: السمك والحوت والحبر والسيف (66).

وقد وردت كلمة نونو في النصوص البابليّة والآشورية بالمعاني العربية نفسها وأشهرها السمك والحوت(67). كذلك وردت في الآرامية نونا وفي العبرية نون ومعناه السمك أو سمكّة(68). والنون بمعنى الحوت لقب يُطلَق على الرجل، والنونة بمعنى السمكّة اسم يُطلَق على المرأة نحو: نونة بنت أُمية عمة أبي سفيان بن حرب، وما زال هذا الاسم يُستعمَل في اللَّهجات الدارجة في مصر(69).

ولم يشذَّ عن هذه المعاني سوى بروكلمان الذي ذكر أنَّ معناه الثعبان في الحبشية (70).

و(نون) الذي ورد في القُرآن، كما يرى الورديّ، هو الإله (أيا) أو (أنكي)، إله المياه العميقة، والحِكمة، والعِلم، والمعرِفة، وهذا الاسم معروف عند السومريين، والأكديين، وكان مُنتشرًا في الهلال الخصيب، ووادي النيل. وهو إله الطِبّ والحِكمة، وكان من طقوس كهنة نون لبسُ لباس خاصٍّ عند العبادة، وعند قيامهم بعملهِم الطبيّ، وكانوا بمنزلة الحُكماء، فالحكيم قديمًا، هو العالم، والطبيب، والمهندس، والفقيه، وقارئ الفأل، وقد عُثِرَ على كثير من الرسوم في العراق لرجالٍ يلبسون جِلد السمكّة، وهُم يقومون بطقوسِهِم لِطردِ الأرواح الشريرة من المرضى، أو لتقديم القُدّاس(71).

وبعد سردٍ تاريخيّ طويل؛ انتهى الورديّ إلى أنَّ (نون) تعني في الأصل: قُربان القُدّاس؛ إذ كان يُقدَّم السمكُ بعد اصطياده إلى القُدّاس؛ لتبريكه، وأخذ حقّ الملك والكهنة، ثــُمَّ يُباع الباقي، أو يُوزّع على العامة (72). وبعد تحليل آخر يُفسّر الورديّ أصل كلمة (قلم) بأنــَّها منقولة من القصب، وأنَّ بلاد سومر كانت تُسمَّى (Kalam ــ Ki قلم كي)، أي: بلاد القصب، و(كلام) = قلم (ما يُعقَل من السامع، ويُفهَم) (73).

فيجوز على وفق ذلك تفسير قوله تعالى: {نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ}(القلم: 1)، بالعِلم، والقَلَمِ، وما يسطرون بذلك القلم من الحِكمة. والخطاب إذن: يا نون، يا ذا الحِكمة، يا بحر العلم. وقوله تعالى: {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ} (الأنبياء : 87)،أي: وذا الحِكمة، وذا الحِجى، إذ ذهب مُغاضِبًا؛ لِثقتِهِ بنفسِهِ لما يعلم من علوم، ظانــًّا أنَّ الله  ــ جلّت قُدرتُه ــ  لا يقدر عليه، فأريناه أنــََّنا أقوى منه، وأعلم، وما علم النبيّ من علم الله إلاّ كقطرة من بحر(74).

قال الوردي: «وهذا لا يُناقض قول الله الصريح {فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومٞ} (القلم: 48)؛ إذ يُمكن أن يكون هناك شخصان مُختلفان، ثــُمَّ إنَّ صاحِبَ الحوت يُمكن أن يكون هو ذا النون؛ لأنــَّه كان يلبس جلد سمكة»(75)!!.

ثــُمّ يذكر الباحث بعد خوضه في غمار جُملة من التقطيعات البدائيّة، بما أسماه: (مُغامرات لُغويّة)، أنَّ التسليم بمعنى النون الـمُواطئ للحكمة، والعقل، والعلم، يطرح تساؤلاً: مَنْ هو ذو النون؟ فيجيب: هو: (أيا)، أو رسوله الذي كان يأتيه مُرتديًا زي الحوت من الجزيرة في الأهوار لِيُعلّم الناس الكتابة والحِكمة، وبعد محاولات مُضنية، ومتعثـــِّرة أحيانـًا، لربط الرموز القديمة بنصوص القرآن الكريم، يخلُص أخيرًا إلى ما ابتدأه أوّل مرّة، إنّ (ذا النون) كان حكيمًا، عالِمًا، ونون هو الحكمة، وكان (ذو النون) يظهر للناس في النهار؛ ليُعلّمهم الكتابة، والحكمة، وهو لابس جلد سمكّة، وتفسيرات أُخَر ، لا تخلو من الاستطراد، حاول فيها الباحث تعزيز قيمة تحليله، من أنَّ في الأحداث الغابرة حكمة غامضة مكنــَّنا الله بفضله من كشف النقاب عنها، أو عن بعض ما يتعلّق بها(76).

ولا أدري أيَّة توجيهات هذه التي يلجأ إليها الورديّ ــ مع إيمانه بقدرة الله على فعل غير الـمُمكن ــ باعتماده ما أُتخمت به كتب الميثولوجيا، ومرويّات الأساطير!.

وتجمع كتب التفاسير على أنَّ ذا النون، أي: صاحب الحوت هو يونس بن متّى u).) بيد أنَّ الوردي لم يأتِ على تفسير (فالتقمه الحوت) في قوله تعالى في سورة الصافات: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٩ إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١٤٠ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِينَ ١٤١ فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ ١٤٢ فَلَوۡلآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ ١٤٣ لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤٤ ۞ فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ ١٤٥}.

وذكر الزمخشري في تفسيره أنَّ « الحوت سار مع السفينة رافعًا رأسه يتنفَّس فيه يونس ويُسبِّح، ولم يفارقهم حتــَّى انتهوا إلى البرّ»(77).

ويذكر المحقّق عبّاس شمس الدين أنَّ ترتيب النصوص القرآنية في قصة يونس تؤدِّي إلى تسلسل معقول، فقد كُلِّفَ يونس بالدعوة إلى نينوى فدعاهم سنين طوالاً فلــمَّا يئس من إيمانهم وغضبوا من دعوته وإلحاحه غضب عليهم وخرج من غير إذن من الله، ظانــًّا أنــَّه لم تعُد جدوى في بقائه معهم، فالتقمه الحوت، فلــمَّا نجا منه، أمره الله بالرجوع إليهم فرجع إليهم فهدَّدهم بالعذاب وخرج ينتظر، فتابوا وآمنوا (78).

وكذلك وردت قصة يونس في الكتاب المقدّس في سفر يونان وقصته كاملة مع الحوت الذي ابتلعه ودعا الله فأخرجه منها (79).

ويبدو أنّ إصرار الورديّ* في كُلّ مرّة على توجيه كُلّ مُعجزة تعترضه الوجهة التي يرتأيها، ينطوي في الواقع على تهوين شيء لا يقبل التفسير، مُتجاوِزًا بذلك أن تكون الـمُعجِزَةُ من الخوارق التي تتعطّل عندها أدوات الإنسان المعرفية؛ لأنــَّها تتعدَّى حدود العقل البشري.

ث ــ  عاد (البشر العقارب):

يُعدُّ مبحث (عاد) من أطول المباحث عند الورديّ، وهو آخر مبحث ينتهي به كتابه، وقد وصفه بأنــَّه الأكثر جُرأةً في الافتراض، وإنــَّما كان كذلك؛ لأنَّ الأخباريين لم يتمكّنوا من حلّ لغز (عاد) الذي قارب في شُهرته التاريخيّة حدّ الأسطورة(80).

وقد ذكر عنهم القرآن الكريم أنــَّهم عاشوا في منطقة تُعرَف بالأحقاف، وأنــَّهم انمازوا بـ(أرم ذات العماد) فلــمَّا كذَّبوا نبيّهم هودًا، أرسل الله عليهم ريحًا عاتية أطاحت بكُلّ ما لديهم(81).

وقد اعتاد الرواة أن يضربوا بهم المثل في القدم، ولم يُبّين القرآن مكانهم، وترك باب الاجتهاد مفتوحًا فيما يتعلّق بقوم عاد(82).

وأمّا السبب الوجيه الذي منع الـمُتقدّمين والـمُحدثين، من الوقوف على رسم ملامح الأحداث العامة لـ(عاد)  ــ بحسب ما يرى الوردي ــ هو تبدُّل صياغة هذا اللَّفظ على مَرِّ الزمن(83).

ويرى ابن خلدون أنَّ الخلاف الواقع في ضبط الأسماء عائدٌ إلى اختلاف مخارج الحروف، فإنَّ هذه الأسماء قد أخذها العرب من أهل التوراة، وأنّ مخارج الحروف عندهم مُختلفة، والعرب قد تُبدِل، أو تَحذِف بعضًا من الحروف بما يتلاءم ونواميسها النُطقيّة (84)، بيد أنَّ الوردي يرى أنَّ العودة إلى المقاطع البدائيّة تفكّ هذا الإشكال؛ لأنَّ المقاطع هي أوّل ما وُجِد مكتوبًا عند البشريّة، وقد تتبّع الورديّ أثر ما عالجه من جميع الأسماء بإرجاع معنى كُلّ اسم إلى أصلِه السومريّ، وأحيانـًا إلى الأصل الهيروغليفي المصريّ؛ إذ يعتقد الباحث بتداخل حضارة وادي النيل، وحضارة وادي الرافدين، بعضهما ببعض، ويعتقد أيضًا أنَّ السومريين سامِيُّون وأنّ بقاياهم هي قبائل شمّر(85)*. وقد أثبت ذلك في كتابه (قوم نوح)(86)، وقد أكدّ هذا الرأي بهنام أبو الصوف(87).

وأمّا (عاد)؛ فأقوامٌ عاتية، مُحارِبة، شعبُهم كبير، ودولتهم صغيرة، سكنوا شمال الجزيرة العربيّة، في الهلال الخصيب، وكانت هذه الأقوام تدخل في تحالفات واسعة مع الدول الـمُجاورة، وصار منهم ملوكًا في سُلالات، فتعدّدت بتوسّع نفوذهم الأسماء، والآثار، والـمُدن، والآلهة، فأينما حلّ العاديون؛ تركوا أثرًا في الأسماء، والمدن، والآلهة؛ إذ إنَّ تاريخ هذا الشعب مُمتدٌّ بحضارته إلى أكثر من ألفي سنة، وهذا يفتح الباب للمُخيّلة لِتصوّر حجم الأثر الذي خلّفوه في وادي الرافدين، وسوريا، ومصر، والأناضول(88).

ومن ملامح المنهج في هذا البحث أنَّ صاحِبَه وجد مُتَّسعًا للتشعّب في التأويل، فقد تتبَّع الرموز، وبيَّنَ مواطنها الـمُحتملة، فظهر له أنَّ (عادًا) أصل معناه: (البشر العقارب)(89)*، وذلك باعتماد دراسة حروف الاسم بعد تجزئته على وفق القراءة المسماريّة في السومريّة، والقراءة الهيروغليفيّة في الفرعونيّة المصريّة. وقد توزّعت موارد الدراسة على نصوص القُرآن الكريم، وما وَرَدَ في ملحمة ﮔلـﮔامش، وفي الآثار السومريّة، والبابليّة (الأكادية، والآشوريّة)، والفرعونيّة المصريّة، وعلى ما قاله الـمُؤرّخُون، وما تناقلته الأساطير، وعلى ما انتهى إليه الباحث نفسه من وصل ما اعتقد أنــَّه مُتعلّقٌ بهذه الكلمة.

ويبدو أنَّ غياب الأدلّة التاريخية الدقيقة عن عاد، وتوسّع نفوذها على نحو هائل ونسج المرويات الكثيرة عنها قد أدخل كثيرًا من أحداثها في باب الأساطير، والخرافات. فممَّا جاء في (لسان العرب) «إنَّ حَيّاً من قوم عاد عَصَوْا رسولهم فمسخهم اللَّه نَسْناساً لكل إِنسان منهم يد ورجل من شِقٍّ واحد يَنْقُزُون كما يَنْقُزُ الطائر ويَرْعَوْن كما ترعى البهائم»(90).

وقد تنبّه العلاّمة ابن خلدون على هذا الأمر فذكر أنَّ «فحول المؤرِّخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيّام وجمعوها، وسطّروها في صفحات الدّفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفّلون بدسائس من الباطل وهموا فيها وابتدعوها، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها، ولا رفضوا تُرَّهات الأحاديث ولا دفعوها، فالتّحقيق قليل، وطرف التّنقيح في الغالب كليل، والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل»(91).

وقد أحصى الوردي في دراسته كُلّ أنواع الرموز الـمُتاحة، شرقًا، وغربًا، إلى الحدّ الذي يجد القارئ معها نفسه غارقًا في خضم بحر من الاستطرادات والنصوص الـمُتناثرة، فيُضطَر إلى تجاوزها ــ أحيانًا ــ نحو الخُلاصة، فإذا وقف بين يدي الخُلاصة؛ وجد نفسه ثانيةً بين يدي مُقطّعات جديدة، ورموز، وحكايات، تفضي إلى عنوان آخر أسماه: (خُلاصة الخُلاصة)، ومفادُها ما تقدَّم الكلام عليه، من أنَّ فئة ضئيلة عاشت في فجر التاريخ، تُسمَّى (البشر العقارب)، تركوا آثارهم في كُلّ مكان على مدى قرون مُتطاولة (92).

وألحَقَ الوردي في نهاية دراسته عن عاد قائمة طويلة بالأسماء التي يعتقد أنــَّها مُشتقّة من (عاد)، فكلّ لفظ تشتمل مُكوِّناتُهُ على أدنى تشابه مع مكوّنات هذا الاسم، هو بنظره مُشتقٌّ منه، وهو مُشتقٌ من (عاد)، أو مُتصِلٌ به على نحو من الأنحاء. فـ(جُبُّ عادين) مدينة في لبنان، مُشتقة من (عاد)، ومعناها: (بئر عاد). و(عراد، أو عراض) = (هيكل عاد) مدينة في شمال لبنان. و(عادو Adou = مدينة التمساح) في مصر، والتمساح، اسمه عادو؛ لأنــَّه عدوٌّ وغير ذلك(93).

ويرى بعضهم أنَّ اسم عاد في اللُّغة العبرية مشتقّ من (لعد) بمعنى الأبد والدوام والخلود(94)، وقد استدلّ الباحث عبّاس شمس الدين على صحّة ذلك بأنَّ التنزيل الحكيم كان يؤكّد كلمات الفناء وعدم البقاء لعاد فيما يشبه السخريّة، فعاد الخالدة فنيت ولم تعُد لها باقية: {فَهَلۡ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٖ}(الحاقة: 8)(95).

ونجد أنَّ أغلب ما ذكره الوردي للوصول إلى معنى (عاد)، إنــَّما يُعدُّ في الواقع من المرويات التي ليس لها علاقة بالتأثيل، وذلك لأنَّ أحداث عاد ما زالت مستعصية على أهل التفسير؛ لكونها ضاربة في القدم، وبسبب ندرة المصادر التي تحدَّثت عن أحداث تلك الحقبة*.

***

الدكتور بتول الربيعي

...........................

* من كتاب (التأثيل عند اللّسانيين العراقيين في العصر الحديث ).

(1) يُنظَر: العراق في القلب: 20 ــ 21.

(2) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/7 ــ 8.

(3) المصدر نفسه: 1/9.

(4) حول رموز القرآن الكريم: 1/9.

(5) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/10.

(6) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/14.

(7) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/14 ــ 38.

(8) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/45 ــ 46.

*  ذكر فوزي رشيد أنَّ مارتو في النصوص السومرية تعني الغرب، وفي النصوص البابليّة وردت بصيغة (أمورو)، وتعني الغرب أيضاً، وهي تعني الأموريين ويقصد بهم البدو الرحّل الذين يعيشون في بوادي بلاد الشام. يُنظَر: الملك حمورابي مجدّد وحدة البلاد: 10، وذكر فاضل الربيعي أنَّ (المارتو) تعني ساكن الخيمة والمتنقّل في الصحراء. يُنظَر: إرم ذات العماد: 165 ــ 166.

(9) يُنظَر: البنية الذهنيّة الحضاريّة في الشرق المتوسطي الآسيوي القديم: 177، وفي الساميّات واللسانيّات المقارنة: 50.

(10) يُنظَر: معجم أسماء الأعلام في الكتاب المقدّس: 218.

(11) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/46، والعراق في القلب: 25 ــ 26.

(12) يُنظَر: التفسير البسيط: 1/455.

(13) المخصص: 5/230.

(14) شرح العقيدة الواسطيّة: 1/38.

(15) يُنظَر: نظرة في مقالة الألفاظ السريانيّة في المعاجم العربيّة (بحث): 555.

(16) الصحاح: 6/2926.

(17) يُنظَر: القاموس المقارن لألفاظ القرآن الكريم: 195.

(18) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/55 ــ 56.

(19) المصدر نفسه: 1/61 ــ 62.

(20) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/62.

(21) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/63.

(22) المصدر نفسه: 1/63.

(23) الجامع لأحكام القرآن: 1/154.

(24) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/64.

(25) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/81.

(26) يُنظَر: ردّ على ردود (مقال): 531.

(27) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/86، و620:Iarousse.

(28) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/85.

(29) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/84.

(30) التحرير والتنوير: 30/547.

(31) يُنظَر: (الماموث) على الموقع https: //ar.mwikipedia.org، بتاريخ 1 ديسمبر 2018م.

(32) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/86.

(33) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/86

(34) يُنظَر: تفسير القرآن الكريم ــ  تفسير الشعراوي: 20/828.

(35) جامع البيان في تأويل القرآن: 24/615.

* يرى عبد الغني الملاح أنَّ الأخباريين قد ابتعدوا عن الحقيقة الإنسانيّة بأخيلتهم في الشروح، وابتعدوا عن المعنى اللُّغويّ باسم اللُّغة؛ لأنَّ بثور الجدري أو الحصبة شُبِّهَت بالأبابيل لاخضرارها عند بداية المرض واحمرارها بعد ذلك؛ لأنَّ الأبَلّ بمعنى الرجل شفي من المرض، وبضمّ الباء تعني الأخضر من الأراك، وفي قوله تعالى: {وَأَرۡسَلَ عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ}، أي: إنَّ الموت حدث فيهم متتابعًا كالطير يتبع بعضه بعضاً. يُنظَر: ردّ على ردود (مقال): 31.

(36) غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 6/565.

(37) يُنظَر: الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل: 4/797، والميزان في تفسير القرآن: 3/420، والجامع لأحكام القرآن: 10/295، وتفسير المراغي: 30/443، ومعالم التنزيل (تفسير البغوي): 4/528 ــ 529.

(38) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/86 ــ 87.

(39) يُنظَر: المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 12/5، والكعبات المقدّسة عند العرب (بحث): 1 ــ 7، وإرم ذات العماد: 50.

(40) حول رموز القرآن الكريم: 1/87.

* ذكر عبد الغني الملاح أنَّ عبد المطلب كان يخادع؟؟؟ أبرهة بخدعة حرب ويستعدّ لخطة محكمة، فاستردَّ مئة ناقة للاحتفاظ بها من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، وعاد إلى مكّة وطلب من أهلها الخروج إلى قمم الجبار وأراد تفريغ مكّة من أهلها ومن المؤن التي فيها، لكنَّ هذه الخطة لم تُنفَّذ؛ لأنَّ أبابيل الحصبة والجدري كانت أسرع إلى جيش إبرهة من خطة عبد المطلب، وفتكت بهم قبل وصولهم إلى مكّة. يُنظَر: عبقريّة عسكريّة طمرها التاريخ، (مقال): 70.

(41) يُنظَر: تفسير القرآن الكريم (تفسير الشعراوي): 20/829.

(42) يُنظَر: غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 6/564.

(43) حول رموز القرآن الكريم: 1/90.

(44) تاريخ الفلسفة الإسلامية: 18.

(45) حول رموز القرآن الكريم: 1/90.

(46) يُنظَر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: 739.

* ذكر موريس بوكاي أنَّه ورد في ستة مواضع في القرآن الكريم. يُنظَر: التوراة والإنجيل والقرآن والعلم: 261.

(47) يُنظَر: شرح المفصّل: 1/186، وحاشية الخضري على شرح ابن عقيل: 3/253.

(48) يُنظَر: المعرّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم: 637، وشفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل: 235.

(49) حول رموز القرآن الكريم: 1/104.

(50) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/104.

(51) يُنظَر: إصحاح إستير: 4/12.

(52) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/105.

(53) المصدر نفسه: 1/105.

* وذكر رؤوف أبو سعدة أنَّ (هامان) ليس شرطًا أن يكون اسمًا دالاً على شخص بل من الممكن أن يكون لقبًا لمنصب، ويجوز أن يكون من العبرية هيمان من جذر (أامن) ومنه (هَيمَنَ) بمعنى الغلبة والسيطرة والقهر، كذلك يجوز أن يكون مُركَّبًا من (ها + آمان) بمعنى كبير الكهنة، كذلك يمكن اشتقاقها من (الهَامَة) في العربيّة بمعنى عظيم الرأس. ويجوز أن يكون معناه مقرّبًا من هذا المعنى كبير المستشارين. يُنظَر: من إعجاز القرآن الكريم: العلم الأعجمي في القرآن مفسّراً بالقرآن: 2/56 ــ 58.

(54) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/106.

(55) يُنظَر: معجم الأعلام في الكتاب المقدّس: 486 و496.

(56) يُنظَر: معجزة ذكر هامان في القرآن الكريم، محاضرة على الموقع:

https://www.youtube.com/channel/UCOjL.

(57) يُنظَر: أسماء الأعلام الساميّة: 13.

(58) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/107.

(59) مفاتيح الغيب، أو التفسير الكبير: 27/516.

(60) التحرير والتنوير: 3/87.

(61) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/116.

(62) يُنظَر: إعراب القرآن وبيانه: 7/280.

(63) يُنظَر: فتح البيان في مقاصد القرآن: 10/89.

(64) التحرير والتنوير: 17/130.

(65) يُنظَر: المعجم الوسيط 1/ 76.

(66) يُنظَر: تاج العروس: 36/233.

(67) يُنظَر: من تراثنا اللُّغويّ القديم: 173.

(68) يُنظَر: النون في اللُّغات الساميّة دراسة تاريخيّة وصوتيّة (بحث)، ستار الفتلاوي، في الواقع اللُّغويّ العربي القديم وموقع العربيّة فيه: 207.

(69) يُنظَر: أسماء الأعلام الساميّة: 482.

(70) يُنظَر: فقه اللُّغات الساميّة: 36.

(71) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/131.

(72) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/142.

(73) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/142، وما قبل اللُّغة: 44، وأصوات بابل: 3.

(74) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/142.

(75) المصدر نفسه: 1/143.

(76) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/147.

(77) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: 4/62.

(78) يُنظَر: أنبياء العرب: 326.

(79) يُنظَر: سفر يونان: 1/4.

* قام بهاء الدين الوردي بتقطيع كُلّ كلمة تشتمل على نون على النحو الآتي:

جنون: ج مريض + نون = مريض العقل.

منون: (م) ما أداة نفي بمعنى موت أو نهاية + نون = نهاية العقل، أي: الموت.

قانون = ق كلام، فكر + نون = كلام العقل.

فنون = فاء الرؤيا العين + نون = ما ترى العين من حكمة أو عقل مرئي. يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/143.

(80) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/152.

(81) يُنظَر: تاريخ الطبري: 1/253 ــ 254، وأخبار الزمان: 1/104 ــ 105، والمنتظم في أخبار الملوك والأمم: 1/253 ــ 254، وتاريخ ابن خلدون 2/21 ــ 24.

(82) يُنظَر: تاريخ الأدنى القديم شبه الجزيرة العربيّة، ايران، الأناضول: 59، وللتوسع يُنظَر: تفسير مقاتل بن سليمان: 2/44 ــ 46، ومعالم التنزيل (تفسير البغوي): 2/451 ــ 453، ومفاتيح الغيب أو التفسير الكبير: 18/362 ــ 364.

(83) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/152.

(84) يُنظَر: مقدمة ابن خلدون: 3/42.

(85) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/153.

* يرى رزوق عيسى أنَّ أصل كلمة (شُمر) مصحَّفة عن السومريّة (زو ــ  مر ــ اري) والمقطع الأوّل بمعنى الضوء, والثاني الإله, والثالث العبد فيكون المعنى عابد إله النور , أو عن (سن ــ مر ــ أور)، أي: بلاد إله القمر, فأُدغِمَت النون بالميم فأصبحت سُمر ومن ثــَمَّ شُمر. يُنظَر: خواطر لغويّة في أصل بعض الأعلام العراقيّة (مقال): 254.

(86) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم (قوم نوح): 3/49 ــ 54.

(87) يُنظَر: قراءات في الآثار والحضارات القديمة: 10 ــ 13.

(88) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/155.

(89) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/155 ــ 158.

* وذكر الوردي أنَّ أكد هم قوم عاد فـ(أكد + عاد) تعني عادًا الأقوياء؛ لأنَّ (أك) بمعنى القوة في السومرية، فيكون محصل اللفظ: عاد الأقوياء، ينظر: حول رموز القران الكريم (قوم نوح): 3/٥٤.

(90) لسان العرب: 6/4409.

(91) مقدَّمة ابن خلدون: 1/6.

(92) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/163 ــ 165.

(93) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 212 ــ 220.

(94) يُنظَر: قاموس عبري ــ  عربي للُّغة العربية المعاصرة: 10/820.

(95) يُنظَر: أنبياء العرب: 55.

 

عصمت نصارتباينت رؤى النقاد القدماء والمحدثين حول كتاب «كليلة ودمنة» لعبدالله بن المقفع (نحو ٧٢٤ - ٧٦٢ م) فشكك بعضهم فى نسبة هذا الكتاب لمؤلفه، وراح نفر منهم يجمع بين الأقاصيص من التراث الهندي والفارسي مثل التى أوردها المؤلف فى كتابه لإثبات تأثره بها، وانتهوا إلى أن دور ابن المقفع ينحصر فى جمعها وإجراء بعض التعديلات فى صياغتها وسردها لتوائم مع الثقافة العربية الإسلامية، وراق لفريق ثالث ولاسيما من المستشرقين التأكيد على أن الكتاب - فى مجمله - يعبر عن آراء ابن المقفع السياسية والأخلاقية التى كان يخشى التصريح بها فى أيام أبى جعفر المنصور (ت ٧٧٥م) الذى اتسم بالشدة والعنف تجاه الكتاب والمبدعين والحكماء والفقهاء أيضًا، وذلك لحماية دولته الفتية، وقد ذكر أحمد أمين - الذى انتصر لهذا الرأى - ذلك بالتفصيل فى كتابه (ضحى الإسلام) مبينًا أثر هذا العمل فى الأدبين العربى والفارسي، والذى يعنينا فى هذا المقال هو الكشف عن تلك الآراء النقدية ذات المسحة الفلسفية التى ضمنها ابن المقفع فى كتابه «كليلة ودمنة»، الذى يُعد من بواكير الكتابات الأدبية التى ارتدت الثوب القصصي الملغز اتقاء لغضبة السلطات القائمة، سواء كانت سلطة الحاكم أو العقل الجمعى التابع (الجمهور) وسوف نشير - فيما بعد - إجمالًا لإبداعات ابن المقفع وصنعته فى بناء الشكل القصصي ليتناسب مع الواقع المعيش آنذاك واجتناب السلطات المهيمنة على الرأى العام.

وجدير بالذكر فى هذا المقام أننا لا نجد أشهر من قصة «حي بن يقظان» لابن طفيل وكتابات أبى حيان التوحيدي ولاسيما كتابه «الامتاع والمؤانسة» وما ورد فى رسائل «إخوان الصفا» سيرًا على هذا الدرب، فجميع هذه الأعمال اتخذت من الحكي القصصي وعاءً لحمل آراء أصحابها الأخلاقية والسياسية والتربوية والاجتماعية والعقدية والفلسفية، أما فى العصر الحديث فنجد أحمد فارس الشدياق فى كتابه «الساق على الساق»، ورفاعة الطهطاوي فى ترجمته لكتاب فينليون «مواقع الأفلاك فى وقائع تليماك» ومسامرات «علم الدين» لعلى مبارك، وكتاب «الفضيلة» لبرنار دين سان بير الذى عربه مصطفى لطفى المنفلوطي، وكتاب «حديث عيسى بن هشام» لمحمد المويلحي، وحكايات يعقوب صنوع، وأزجال عبدالله النديم الساخرة، و«مذكرات الشيخ حسن الفزارى» للشيخ مصطفى عبدالرازق، ناهيك عن الكتابات القصصية لطه حسين ومحمد حسين هيكل ويحيى حقى ونجيب محفوظ، فجميع هذه الأعمال جمعت بين الأدب والفلسفة واللهو والحكمة والتبكيت أيضا، وكان مقصدها هو النقد والتقويم والإصلاح.

ويأمل كاتب هذه السطور أن يضطلع أحد الباحثين الشبان بوضع دراسة مقارنة بين هذه الخطابات مجتمعة للكشف عن نسقيتها وأثرها فى الثقافات التى نشأت فيها، بالإضافة إلى المسحة الفلسفية التى شكلت بنيتها وصبغت بناءها.

والجدير بالذكر أن ابن المقفع قد أفصح فى غير موضع من الكتاب (أى كليلة ودمنة) عن مقاصده من سرده لهذه الأقاصيص التى حواها الكتاب وجاء معظمها على لسان الحيوانات والطيور، فى ثوب أدبى رفيع وفى لغة أقرب إلى الرمزية والألغاز منها إلى السرد القصصي المباشر.

فها هو ينبه القارئ إلى ضرورة إمعان النظر للتميز بين القشر واللباب، أى بين القالب القصصي وأسلوب الحكي وتلك الحكم العاقلة والرؤى الموجهة الكامنة فى صلب القصص التى تنشد الإصلاح للراعي والرعية، وذلك بقوله: «ينبغى للناظر فى كتابنا هذا ألا تكون غايته التصفح لتزويقه، بل يدقق ويتأمل ما يتضمن من الأمثال، حتى ينتهى منه، ويقف عند كل مثل وكلمة، ويعمل فيها رويته... ويديم النظر فيه من غير ضجر (أى فى النص والتراكيب والأحداث)، ويلتمس جواهر معانيه، ولا يظن أنه نتيجة الأخبار عن حيلة بهيمتين أو محاورة سبع لثور: فينصرف بذلك عن الغرض المقصود... كما ينبغى للناظر فى هذا الكتاب أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أغراض: أحدها ما قصد فيه إلى وضعه على ألسنة البهائم غير الناطقة ليسارع إلى قراءته أهل الهزل من الشبان (أى للتسلية والترويح عن النفس) فتستمال إليه قلوبهم، والثاني إظهار خيالات الحيوان بصنوف الأطباع والألوان، ليكون آنسًا لقلوب الملوك، ويكون حرصهم عليه أشد للنزهة فى تلك الصور (أى للمتعة والمسامرة)، والثالث أن يكون على هذه الصفة: فيتخذه الملوك والسوقة، فيكثر بذلك انتساخه، ولا يبطل فُيخلق على مرور الأيام (أى يستمر)، ولينتفع بذلك المصور والناسخ أبدًا (أى رواة القصص والحكايات)، والغرض الرابع، وهو الأقصى (أى البعيد الغامض)، وذلك مخصوص بالفيلسوف خاصته».

وقد عقب مفكرنا أحمد أمين على هذا المقصد الأخير بقوله: «إن ابن المقفع قد سكت عن هذا الغرض الرابع ولم يبينه وهو - من غير شك - وهو (الإحالة والإشارة والرمز) غرض ابن المقفع من ترجمته (لكتاب بيدبا حكيم الهند المزعوم) والظاهر أن هذا الغرض يمكن تلخيصه: فى أنه النصح للخلفاء حتى لا يحيدوا عن طريق الصواب، وتفتيح أعين الرعية حتى يعرفوا الظلم من العدل، وحتى يطالبوا بتحقيق العدل، ولم يوضحه ابن المقفع لأن فى إيضاحه خطرًا عليه من الخليفة أبى جعفر المنصور (مؤسس الدولة العباسية)، ولعل هذه النزعة كانت من الأسباب للإيعاز بقتله».

من هزل الأقاصيص إلى خصال الحكام :

لم يترك لنا ابن المقفع مصنفًا قصصيًا مفعم بالحكايات الرمزية المستندة إلى الإشارة والإحالة، ولم يضع – فى كتابه كليلة ودمنة – ذلك الخطاب السردي الشاغل بالحكايات المتعاقبة المتداخلة فحسب، بل ترك لنا أيضًا العديد من التصورات والرؤى خلال الحكي لحماية إيماءته النقدية التوجيهية الإصلاحية، وسوف نتناول هذه الرؤى والنظريات تبعًا لأهميتها، ويبدو أولها فى:

مركزية البطل:

فقد ذهب ابن المقفع إلى أن صلاح الحاكم يؤدى حتمًا إلى صلاح المجتمع وليس العكس، لذا نجده يؤكد على ضرورة تمتع الحاكم بقدر كاف من العقلانية والأريحية والوعى والأناة والحنكة والحكمة والنظرة الناقدة لتقييم الأمور والحكم عليها، وانتقاء النافع من الأفكار وانتخاب الأصلح من الرجال ليخصهم بمعيته ويستعين ببعضهم فى تسييس أمور دولته، وذلك كله بمنأى عن الأهواء والأنانية والتسلط والاستبداد، وقد حث فى غير موضع من حكاياته على أهمية صلاح حاشية الملك وإخلاصهم له فى النصح عند المشورة ونزاهتهم وعفتهم وورعهم وغير ذلك من الفضائل العملية التى تحول بينهم وبين الفساد بكل ألوانه وأشكاله، فها هو ابن المقفع يجعل من «دبشليم ملك الهند وبطل أحدى أقاصيصه» نقطة الانطلاق، فهو علة ظهور الكتاب وما فيه من قصص على ذلك النحو القصصي الجامع بين الهزل والجد، الأمر الذى يبرر حرصه على تضمينه العديد من قصصه عدة نصائح للحاكم بوجه عام لتحميه من الزلل والانقياد للأهواء أو الإصغاء لأهل الشر من المخادعين والمحتالين، وهو أيضًا – أى الملك أو الرئيس بطل كل أقاصيصه ومسير كل الأحداث بداية من قصة أسد الغابة إلى نهاية حكاياته- فيقول فى قصة « الأسد والثور» عن خطر اللئام فى معية السلطان: «إن اللئيم لا يزال نافعًا ناصحًا حتى يرفع إلى المنزلة التى ليس لها بأهل، فاذا بلغها التمس ما فوقها، ولاسيما أهل الخيانة والفجور: فإن اللئيم الفاجر لا يخدم السلطان ولا ينصح له إلا من خوف، فإذا استغنى وذهبت الهيبة عاد إلى جوهره، كذيل الكلب الذى يربط ليستقيم فلا يزال مستويًا ما دام مربوطًا، فإذا حُل انحنى واعوج كما كان، واعلم أيها الملك أنه من لم يقبل من النصيحة ما يثقل عليه مما ينصحون له به، لم يحمد رأيه، كالمريض الذى يدع ما يبعث له الطبيب، ويعمد إلى ما يشتهيه، وحق على أعوان السلطان أن يبالغوا فى حثه على ما يزيد سلطانه قوة ويزينه، والكف عما يضره ويشينه، وخير الأعوان أقلهم مداهنة فى النصيحة، وخير الأعمال أحلاها عاقبة، وخير الثناء ما كان على أفواه الأخيار، وأشرف الملوك من لم يخالطه الحاقدون والناقمون، وخير الأخلاق أعونها على الورع».

ثم يضيف ابن المقفع على ما تقدم نصحًا شارحًا لمأربه وموجزًا لفكرته وذلك بقوله: «إن السلطان إذا كان صالحًا، ووزراؤه وزراء سوء، منعوا خيره، فلا يقدر أحد أن يدنو منه، ومثله فى ذلك مثل الماء الطيب العذب الذى تسكنه التماسيح: لا يقدر أحد أن يتناوله من الظمئ، وإن كان إلى الماء محتاجًا».

ويرى ابن المقفع أن أسوأ الحكام هم الذين تمكن منهم الحمق وقادهم إلى الصلف والاستبداد وعدم الإصغاء إلى النصح والمشورة، كما أن الحاكم الجائر هو الذى صورت له نفسه بأنه أعلى مقامًا وشأنًا من رعيته، ومن ثم لا يحق لهم مراجعته أو مطالبته بشيء لم يمنحه لهم وقد وعدهم به، أو سؤاله عن أمور لم يفصح عنها، رغم ذلك فيرى ابن المقفع أن السبيل لعلاج هذه السمات والصفات الذميمة هو التقويم عن طريق نصح الحكماء والمصلحين من قادة الرأى فى الرعية، فمن الواجب عليهم فى كل عصر أن يبصروا الحاكم بأخطائه وزلاته وسقطاته ومواطن الخطأ والخطر فى قراراته ومواضع الفساد والخلل فى حاشيته ومؤسساته ووزرائه وعماله.

ويقول: «الواجب على الملوك أن يتعظوا بمواعظ العلماء، والواجب على الحكماء تقويم الملك بألسنتهم وبالأسلوب اللائق بمخاطبتهم وتأديبه بحكمتهم وإظهار الحجة البينة اللازمة لإقناعه ليرتدع عما فيه من اعوجاج والخروج عن العدل» ويقول فى موضع آخر فى قصة (البوم والغربان) « من لم يستشر النصحاء والأولياء، وعمل برأيه من غير تكرار النظر والروية، لم يغتبط بمواقع رأيه ومآله وعواقبه».

ويفاضل ابن المقفع بين الملوك والحكماء ساعيًا إلى الإعلاء من قدر الفلاسفة والعلماء وتحميلهم فى الوقت نفسه مسئولية حماية الأمة من جنوح الحكام واستبداد الراعي من جهة وغشاوة جهل الرعية وسكوتها على الجور إذا حل من جهة أخرى، فأصحاب الرأى عنده أعلى مقامًا من الولاة والوزراء والمنوطين بحفظ النظام والأمر والنهي، كما أن صاحب الجوائب على ألف سؤال أغنى مما اكتنز المال، ويقول: «إن كان للملوك فضل فى ممالكها فإن للحكماء فضلًا فى حكمتها أعظم: لأن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم وليس الملوك بأغنياء عن الحكماء بالمال، وقد وجدت العلم والحياء ألفين متآلفين لا يفترقان: متى فقد أحدهما لم يوجد الآخر... ومن لم يستح من الحكماء ويكرمهم، ويعرف فضلهم على غيرهم، ويمنعهم عن المواقف المذلة، وينزههم عن المواطن الرزلة كان ممن حرم عقله، وخسر دنياه، وظلم العلماء حقوقهم، وعد من الجهال».

وينتقل ابن المقفع إلى الخصال التى ينبغى للحاكم أن يتحلى بها، وهى فى مضمونها أكثر نفعًا - فى عصرنا - من تلك التى وضعها المتكلمون والفقهاء وكتاب الآداب السلطانية كشروط لصحة الإمامة، وقد أورد ذلك فى سياق حكايته عن كسرى انو شروان ملك فارس فبين أن رجاحة العقل وسعة الدراية والعلم، وسداد الرأى والسعي لتحقيق المصلحة والمنفعة العامة.

ومن أقواله فى ذلك: «إن العاقل إذا أتاه الأمر الفظيع العظيم الذى يخاف من عدم تحمله ويؤدى إلى الشدة المهلكة على نفسه وقومه، لم يخرج من شدة الصبر عليه، لما يرجو من أن يعقبه حسن العاقبة، وكثير الخير، فلم يجد لذلك ألمًا» ومن خصال الحاكم البطل أيضًا تقدير العلماء والحرص على صحبة الحكماء، بالإضافة إلى حماية الحقوق والانتصار إلى العدل، والشدة فى مكافحة الفساد، والقوة فى حفظ الأمن، والرغبة الصادقة فى تفشى روح السلم والمودة والرخاء بين الرعية، وأكد - ابن المقفع - أن أخس وأشر الحكام هو الكذوب المخادع، وأحكمهم هو الكتوم الذى لا يفشى أسراره لأهل النميمة واللجاجة وأسافل الناس، كما ينبغى للحاكم أن يحصن أموره من أهل الإفك والفجور، ولا يطلع أحدًا على مكنون سره.

وقد تأثر معظم الفلاسفة الذين اضطلعوا بتوضيح مقاصد السياسة الشرعية وصفات الحاكم الأساسية والآداب السلطانية بهذه الآراء، نذكر منهم: الماوردي وابن حزم والغزالي وابن الأزرق وغيرهم.

وللحديث بقية عن آراء ابن المقفع الأخلاقية

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

بتول الربيعيللدكتور حسام قدوري عبد الجبوري/ جامعة بغداد

مَنْ يطالع اللغات الساميّة ويمخر عباب بحرها الزاخر، يجد نفسه غارقا في خضمِّ بحر لجّي، مأسورا بين أمواجه المتلاطمة، محاولًا الإبحار في رحلة البحث اللُّغويّ، والغوص في متاهات اكتشاف المجهول، ويأتي كتاب (تأصيل الجذور الساميّة وأثره في بناء معجم عربي حديث) للدكتور حسام قدوري عبد الجبوري أستاذ اللغة والمعجم والدراسات المقارنة في جامعة بغداد، في طليعة هذا التبحر الذي يُعنَى بتأثيل الجذور في اللغات الساميّة، وفي أثنائه أمثلة كافية من الرواسب اللغويّة التي ورد ذكرها في الموروث العربي وتأثيلها في اللغات الساميّة.

 وهو ثمين المحتوى؛ إذ يقع الكتاب في (200) صفحة من القطع الكبير، وهو من إصدار دار الكتب العلمية في لبنان عام 2007م، ويشتمل على مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول.

نبّه الكاتب في المقدّمة على أنًّ الدرس المقارن ليس هو الدرس الأوحد الذي يحقق الغاية في تأثيل الجذور الساميّة للوصول إلى الطريق الصحيح، والأفضل لكتابة المعجم العربي الحديث، وإنَّما هو الأساس المتين لها آخذين بالحسبان سائر العلوم والمناهج التي تُسهِّل عملية قيام هذا المشروع.

وفي التمهيد ركّز الكاتب على أوجه التشابه بين اللغات الساميّة، فذكر أنَّ (الساميّة) التسمية التي اقترحها (شولتزر) أول مرّة في بحث نشره سنة 1781م، لم تَرق للقوميين؛ لأنَّها جعلت العيلاميين أخوة لهم بحسب ألواح الأنساب العبرية، وهو أمر لا يرتضونه، فما كان منهم إلاّ أن أسموها باللغات الجزريّة؛ فوقعوا في محذور أشد حين جعلوا لليهود نصيبا تاريخيا في الجزيرة نفسها، وهذا الأمر جعل الدراسات المقارنة تسير على وفق نزعات متطرفة، ولا تخدم العلم نفسه، بل أخذت تسير نحو الجمود والتضاؤل، وكان من المفترض أن تسير الدراسات المقارنة في اتجاه موضوعي يخدم الدرس اللّغوي أولاً، ثم تتوسع الفائدة لتخدم العلوم الأخرى. ثم تطرّق إلى الدرس المعجمي المقارن في الدرس اللغوي العربي القديم، وبيَّن أهمَّ مواطن الضعف التي تعتور الدرس المقارن العربي القديم.

وتتبَّع الدكتور الجبوري في دراسته بناء المعجم العربي الحديث، وما يحتاج إليه من أدوات ليواكب تطورات العصر العلميّة المتعددة، مبيّنًا أنَّ البحث المقارن يتقصّى الشبه بين اللغات المتقاربة في الأُسرة الواحدة، مع مراعاة الظروف المتكاملة في حياة المفردات، كالظروف الدينية والسياسية والاجتماعية، وأنَّ التغافل عن السمة التأريخية المقارنة في صياغة المعجم العربي الحديث أمر لا يعود على المعجميّة العربية بالنفع، بل ستدور في فلك ما هو موجود من مواد لا تغني في مواكبة العلوم اللغويّة المتطورة، وعرّج الكاتب على المحاولة الجادة والرصينة للمستشرق (أوغست فيشر) في صنع المعجم، وعدّه خطوة مهمة في سبيل التأثيل للجذور، وإن تغافل عن نعت معجمه بالمقارن، فإنّه لم يغفل عن تطبيقها في صناعة معجمه.

وفي الفصل الأوّل الذي حمل عنوان (دراسة في آليّات تطور أشكال الجذور) تحدّث الكاتب عن التطورين الصوتي والصرفي، وأثرهما في تغيير هيأة الجذر، سواء أكان في مادته أم في وزنه.

 وقد سلّط الكاتب الضوء على ظاهرة صوتية أطلق عليها (ظاهرة التسامي في الإبدال الصوتي)، ونبّه على أنَّ هذه الظاهرة مهمة في دراسة الإبدال الصوتي، وهي انتقال الصوت في مرحلة ما من التغيّر من دون المرور بالمرحلة الوسطى منها؛ لذا أطلق عليها (ظاهرة تسامي الإبدال)؛ لأنَّها شبيهة بظاهرة تسامي المواد الكيميائية، وهي انتقال من حالة إلى حالة من دون المرور بالحالة الوسطى التي بينهما.

 ومن ذلك مثلا إبدال الطاء كافًا في (نبط) السبئية بمعنى حفر بئرًا؛ إذ وردت في الأوجاريتية (نبك) بالكاف، وقد رجّح الكاتب قدمها بالكاف لقدم الأوجاريتية.

ومما يلفت النظر في هذا الفصل أنَّ الكاتب تحدّث عن الافتراض الصرفي وأثره في معرفة أصول الجذور الساميّة، وفكرة هذا البحث تقوم على دراسة ما افترضه الصرفيون القدامى من أُصول، وإن لم تنطق بها العرب على حد زعم بعضهم، وكان عمادهم في ما افترضوه عللاً وحججًا منطقية تؤيد ما ذهبوا إليه من آراء، ومقابلة هذه الآراء التي ذكروها باللغات الساميّة الأخرى، كالأكدية والعبرية وغيرهما.

وقد توصل الكاتب إلى مدى نجاح اللُّغويين القدامى في تفكيرهم، وطرائق استدلالهم، واستنتاجاتهم، وإصابة فرضياتهم، على الرغم من عدم اطلاعهم على تلك اللغات، وبيّن أثر الفلسفة والمنطق ونجاح الصرفيين الأوائل في إصابة (الأصل الأوّل) بطريق الافتراض أو التخمين المنطقيين.

ومن مثال ذلك ما ذكره في تأثيل كلمة (خنزير)

خنزير: وهم على مذهبين فيه:

الأوّل: مذهب سيبويه أنَّه على وزن (فعليل)، والنون فيه أصلية، وهو من مادة (خنز).

الثاني: مذهب ثعلب فيما نقل عنه ابن عصفور أنَّه على وزن (فنعيل) والنون فيه زائدة، وهو مادة (خزر)، وهو بمعنى صغر العين، واستدل بقول الشاعر:

اَ تَفْخَــرَنَّ، فــإنَّ اللــهَ أنْـزَلكُمْ     يَــا خُـزْرَ تَغْلِـبَ دَارَ الـذُّلِّ والهَون

وردَّ ابن عصفور هذا الرأي بأنَّ خزراً فيه جمع أخزر، إذ إنَّ كل خنزير أخزر، والدرس المقارن يؤيد رأي ثعلب؛ ذلك أنَّ الجذر (خزر) من دون النون هو الذي ورد في أقدم الساميّات تدوينًا، وهي الأكدية، فهو(خُزريم) بضم الخاء، والأنثى منه (خزرت)، وهو في الآرامية (حزيرا)، وكذا في السريانية، وفي المندائية (هيزورا)، ولم تظهر النون إلاّ في الأوغاريتية والحبشية (خنزر)، ويفسّر وجود النون قانون المخالفة؛ إذ المظنون أنَّ الزاي كان يلفظ بالتشديد، ثم فك وأُبدِلَ أحد الزايين بالنون.

وفي الفصل الثاني بحث الكاتب مظاهر التطور الدلالي في جذور اللغات الساميّة، وكأنَّه ينتقل بين الأحاجي والطلاسم ويفكُّ رموزها في اللغات الساميّة، ونحو ذلك قراءته لمادة (ع ج ل ):

تحدث ابن فارس عن أصلين مختلفين في الجذر (عجل) لا رابط بينهما في المعنى، قال "(عَجَلَ) الْعَيْنُ وَالْجِيمُ وَاللَّامُ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ، يَدُلُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْإِسْرَاعِ، وَالْآخَرُ عَلَى بَعْضِ الْحَيَوَانِ" وجعل من الأوّل العجلة في الأمر،" وَالْعُجَالَةُ: مَا تُعُجِّلُ مِنْ شَيْءٍ. وَيُقَالُ: " عُجَالَةُ الرَّاكِبِ تَمْرٌ وَسَوِيقٌ ". وَذُكِرَ عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّ الْعَجَلَ: مَا اسْتُعْجِلَ بِهِ طَعَامٌ فَقُدِّمَ قَبْلَ إِدْرَاكِ الْغِذَاءِ". "وَالْأَصْلُ الْآخَرُ الْعِجْلُ: وَلَدُ الْبَقَرَةِ; وَفِي لُغَةٍ عِجَّوْلُ، وَالْجُمَعُ عَجَاجِيلُ، وَالْأُنْثَى عِجْلَةٌ وَعِجْوَلَةٌ، وَبِذَلِكَ سُمِّيَ الرَّجُلُ عِجْلًا".

ولم يلحظ ابن فارس – بحسب ما يرى الكاتب -الصلة الدلاليّة بين الأصلين، وهي التطور من المعنى الحسي إلى المعنى المجرّد في الذهن، فقد انتقلت دلالة (عِجل) من الحيوان المعروف إلى معنى الإسراع.

ومراجعة دلالة مادة (ع ج ل) في اللغات الساميّة يدلّ على هذا المقصد، بيد أنَّ الجذر أصابه انزياح في الدلالة فقد أصبح يدلّ على المدوّر من الأشياء، فما السبب في ذلك؟

وردت مادة (ع ج ل) في " الأوجاريتية ع ج ل: بمعنى عِجل، وفي العبرية ع ا ج ول: مدوّر، ع ج ل: عِجل، عَ جَ لَ ا: عجلة مركبة، الآرامية: ع ج ل: استدار، عِ ج ل ا: عِجل، السريانية: عِ ج ل ا: عِجل، ع ا جِ ل ت ا: عجلة، المندائية: ل ي ج ا ل: عجلة، الحبشية: عَ جَ لَ: صف، كوّم، سيّج"

ويجيب الدكتور الجبوري عن ذلك بانتقال الذهن من معنى العجلة إلى الشكل المدوّر فيها، فقد انتقلت الدلالة إلى الحيوان المعروف لما يجر من آلة، سمّيت بالعجلة، وقد يُلحَظ تطور دلالي آخر في لمح مادة الخشب في العجلة فأطلقت في العربية على (خشبة معترضة على نعامتي البئر والغرب معلّق بها). ثم انتقلت بدلالة الجزئية إلى جزء منها – أي العجلة التي تُركَب -، هذا الجزء لمح فيه الشكل المستدير، فانتقلت دلالة العجلة إليه؛ فأصبحت مادة (ع ج ل) تدلّ على الاستدارة، بسبب هذا الانزياح الدلالي، وقد تطورت دلالة هذا الانزياح في الحبشية فأصبحت تدل على الصفِّ، والتكويم، والتسييج.

ولعلّ أبرز ما ينماز به هذا الكتاب أنَّ مؤلفه يمضي في تأثيل الجذور إلى اللغتين السومريّة والأكديّة، ففي الفصل الثالث المعنون بـ(توليد الجذور الساميّة ونموها)، درس الباحث فكرة صياغة بعض الجذور من لغة غير ساميّة، هي اللغة السومرية التي ترتبط بصلة الجوار بلغة قديمة هي اللغة الأكديّة، ومن ثَمَّ دخلت تلك الجذور في لغة ساميّة أخرى هي العربيّة، وتحدّث عن النظرية الثنائيّة التي تحاول تفسير توليد الجذور ونموها، ودرس الأشكال والآليّات التي تتوالد فيها الجذور وتنمو.

إنَّ الفكرة التي قام عليها هذا الفصل هي إيجاد الأثر السومري في صناعة الجذور الساميّة التي دخلت إلى معاجم تلك اللغات ومنها على وجه الخصوص اللغة العربيّة، وكانت تلك الجذور في اللغة السومرية على شكل جمل مفيدة أو تركيب لغوي متكامل وهو مما يدعو إلى التأمل، وكيف انتقلت هذه الجذور إلى اللغة الأكدية ثم استقرت في الساميّات على شكل كلمات وجذور، ومن هذه الجذور:

(رقن): هذا الجذر بمعنى التلوين والنقش. قال ابن فارس «الرَّاءُ وَالقَافُ وَالنُّونُ بَابٌ يَقْرُبُ مِنَ البَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. يُقَالُ: رَقَّنْتُ الكِتَابَ: قَارَبْتُ بَيْنَ سُطُورِهِ. وَتَرَقَّنَتِ المَرْأَةُ: تَلَطَّخَتْ بِالزَّعْفَرَانِ. وَالرَّقُونُ وَالرِّقَّانِ: الزَّعْفَرَانُ. وَالمَرْقُونُ: المَنْقُوشُ».

وقد تطوَّر صوت النون فيه فأصبح ميمًا لما بين الصوتين من تشابه ظاهر في الغنّة وغيرها فأصبح (رقم). قال ابن فارس «الرَّاءُ وَالقَافُ وَالمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى خَطٍّ وَكِتَابَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَالرَّقْمُ: الخَطُّ. وَالرَّقِيمُ: الكِتَابُ. وَيُقَالُ لِلْحَاذِقِ فِي صِنَاعَتِهِ: هُوَ يَرْقُمُ فِي المَاء.... وَكُلُّ ثَوْبٍ وُشِيَ فَهُوَ رَقْمٌ. وَالأَرْقَمُ مِنَ الحَيَّاتِ: مَا عَلَى ظَهْرِهِ كَالنَّقْشِ».

ويمكن القول: إنّ الجذر (رقن ) مأخوذ من السومرية بالمعنى نفسه إذ ورد فيها (RA-GAN ) بمعنى ختم رقيما أو نقشاً، ووردَ فيها بالعلامة السومرية (GAN).

بمعنى تلّون وترقّش. ويرى الكاتب أنَّه هو الأصل ويقوّي هذا الأمر وروده بالمعنى نفسه في العلامة (GUN-A)، بمعنى مرقّط أو مرقّش إذ يرتبط التلّوين هنا بالماء الذي يُفهَم من العلامة السومريّة (A) التي ذكرت في تفسير الجذر السابق بالمعنى نفسه وهو الماء.

ويمكنُ عدّ الدكتور الجبوري مؤثلا من طراز خاص؛ فهو يناقش ما وَرَدَ في الموروث اللُّغويّ، وما وَرَدَ في اللغات الساميّة محاولا التقريب بينهما، وجعل الباب مشرعًا لمَنْ يأتي بعده، فكأنّك تنتقل من الأحاجي إلى جوهر اللغة ولبابها، فالبحث في اللغات الساميّة ليس بالأمر اليسير، فهو علم لا يجيده سوى المهرة المختصّين، والغوص في أعماقه لا يستقيم إلا لحذّاق الغوّاصين، ومَنْ كانت لديهم دراية واسعة وبصيرة ثاقبة، وهذا ما نجده في كتاب الأستاذ الجليل الدكتور حسام الجبوري، فهو محط رحال المثقفين بصورة عامة، والباحثين في اللغات الساميّة بصورة خاصة.

 

الدكتورة بتول الربيعي

 

يوسف محسنعن الدار العربية للموسوعات-  بيروت صدر كتاب الباحث العراقي يوسف محسن (موسوعة الحرب الأهلية الطائفية في العراق (2003 – 2017) في 4 مجلدات الكتاب يعد وثيقة تاريخية وسياسية للنزاع الطائفي ويحتوي الكتاب على عشرا الخرائط والجداول البيانية، وفي ما يلي النص الكامل لمقدمة الكتاب .

مقدمة

في البداية اطرح ملاحظة مهمة، إن هذا العمل لايدخل في إطار التحيزات المذهبية أو الدينية، وإنما يجري التعامل مع قاموس المصطلحات الطائفية مثل (سنّي) و(شيعي) و(ميليشيات) و(جماعات مسلحة) و( متمردون قوميون سنّة ) و( سلفيون جهاديون) بوصفها مصطلحات أداتية مجردة من اي نزعة نابية كما ان هذه الدراسة ليست معنية بتصحيح أو تخطئة ما يندرج تحت تلك المصطلحات من تصـورات دينية، أو أيديولوجيه، فضلاً عن ذلك يحاول هذا العمل القيام بمراجعة جذرية للكثير من المفاهيم والتصورات السياسية والسياقات التاريخية التي فقدت نجاعتها الرمزية والوصفية، حيث يعد المخبر العراقي ما بعد العام 2003 نقطة تحول قصوى في تطوير المفاهيم السياسية، وسوف يدفع الباحثين إلى إعادة النظر في الأجهزة المفاهيمية، والقواميس، والمقولات الجاهزة لا سيما في ما يتعلق بالهوية (الهويات) والطوائف، والأقليات، والنزاع الأهلي، نحاول ان ندرس مسالة الحرب الأهلية الطائفية في أساسياتها الاجتماعية والسياسية، حيث اننا نجد الصورة الانقسامية في القاع السوسيولوجي للمجتمع العراقي، وإن الدولة العراقية منذ التكوين الأول تقوم على بنى عصبوبة طائفية، وهنا تبدو فرضية الحرب الأهلية الطائفية في العراق. على جدول أعمال المجتمع / المجتمعات العراقية وممثليها السياسيين الفاعلين منذ التكوين التأسيسي، فهي فكرة أو مشروع متوطن في الذاكرة التاريخية ولأيديولوجية وتاريخ المعتقدات الدينية، وتاريخ الجماعات سواءً كانت المجتمعات الشيعية أو المجتمعات السنّية، إذن الحرب الأهلية الطائفية ومنذ انهيار نظام صدام في العام 2003 أخذت مسارات متعددة، لتكسب أطرافاَ محلية، وإقليمية، ودولية تقوم هذه الحرب على التطهير الاثني، والطائفي والديني المتبادل، والقتل اليومي، والتهجير من أجل إعادة رسم الخرائط الديمغرافية، وتفجير السيارات المفخخة، والانتحاريين والاغتيالات، وتفكك جغرافية الدولة، وتوطن تلك المجتمعات في مناطق محدودة ومنفصلة، فالميليشيات الشيعية المسلحة حققت انتشاراَ واسعاَ في جنوب ووسط العراق (البصرة، والعمارة، والكوت، والسماوة، والناصرية، والديوانية) أما الميليشيات السنّية المسلحة فقد توطنت في غرب وشمال العراق في (الموصل، والانبار، وتكريت، وديالى، وكركوك) أما الميليشيات الكردية فقد اتخذت من السليمانية، وأربيل، ودهوك، وامتدادات أخرى داخل المجال الجغرافي العراقي، هذا الانتشار فرض الحدود للانقسامات الطائفية والقومية والاثنية، ومن ثم بروز دويلات وإمارات، وتم كسر احتكار الدولة التي لم يكتمل تكوينها بعد الانهيار الشامل العام 2003 لمجال القوة والعنف،  مما أدى إلى تداخل التمركز الطائفي للسيطرة على الثروات والموارد، والأفراد الفاعلين وتكيفهم على وفق التصورات المذهبية.

1459  موسوعة الحربإن الفعل الإجرائي الأول الذي يجب تحديده، يكمن في إحداث قطعية معرفية مع المصطلحات المتداولة إعلاميا ونقصد بذلك المصطلحات والتسميات التي تحمل نعتاً وحكماً أيديولوجياَ وتفتقد للعلمية والرهان على إنتاج معرفة موضوعية عن البنية السوسيولوجية، والمجال التاريخي للمجتمع وإعادة إنتاج مفاهيم ومقولات محايدة لتسمية الدوائر والهويات العراقية. عبر الإجابة على سلسلة من الأسئلة، لماذا تم تفجير أكبر خزان للأساطير الما قبل تاريخية، وإعادة إنتاج الظاهرة الأصولية داخل السيرورات الطائفية العراقية، وتحولها إلى أديان مغلقة واستنفار الطاقة التخيلية للمنظومات السياسية، والسرديات الفقهية، والإرث الديني، والطبقات السفلى من تركيبات الجماعات الدينية الأصوليّة؟ ما مدى الارتباط بين ظهور النزعات الطائفية، والانبعاثات الأصوليّة والنصوص السياسية والدينية، والأيديولوجية للجماعات العراقية ونشوب صدام الهويات الأصوليّة الدينية العراقية على تقنيات ومؤسسات وتركيبات اجتماعية واقتصادية، وسياسية؟ ما الأسباب التي جعلت الدولة منذ التأسيس في العام 1921 تفتقد للخصائص السوسيولوجية والأيديولوجية، وتشكل بنيتها على المجال الطائفي الذي يخترق الجسم السياسي للدولة العراقية؟

لكون المجتمع عبارة أنساق سيوسولوجية لذلك فهو منتج لخطابات دينية - سياسية ومرجعيات أيديولوجية مختلفة داخل نظام الفكر ما يتطلب كشف لعبة الخفاء الأيديولوجي للحركات السياسية أو النخب الدينية العراقية في إعادة إنتاج الهوية الطائفية الأصوليّة التي تعبر عن البنية الأجتماعية العراقية في هندسة الدولة؟ هل أدت البنية الطائفية لدستور العام 2005 دوراً في اتساع ظاهرة الحرب الأهلية الطائفية والتشظي السياسي للمجتمع العراقي ولتبدد وضوح هوية الدولة الدينية أو المدنية؟

فرضية النزاع الديني

منذ بدايات النزاع وصفت تلك الحرب الاهلية الطائفية بكونها امتداداَ للانقسام الشيعي/السنّي في القرن السابع الميلادي بشأن الخلافة السياسية للإسلام الكلاسيكي، وهيمنت السنّة على مؤسسة الخلافة وأقصاء الشيعة أو الخط العلوي من توزيعات السلطة والثروة، فضلاً عن ذلك أن الأيديولوجية السنّية الارثوذوكسية ترى في الشيعة عناصر غريبة عن الإسلام ومنحرفين ومهرطقين حتى ظهور الدولة الوطنية في العراق وامتداداتها، جعل من الشيعة يشكلون الطبقات الدنيا في المجتمع، وهي قراءة أحادية، إذ إن اصل النزاع الشيعي/ السنّي في العصر الكلاسيكي الإسلامي، لم يكن يتعلق بالمسائل الاعتقادية، أو المسائل المتعلقة بالعبادات فقط، بل يتعلق أصلاً بالسياسية (الأمير، الإمام) فالسرديات، والأدبيات الشيعية، ترى أن الإمامة والسلطة تنحصر في خط عصبوي وجرى اقصاؤه من توريث الخلافة من قبل الجماعات المؤسسة في حين تؤكد السردية السنيّة على شرعية الخلافة، عبر هذا العمل نرى أن الخلاف كان صراع سياسياً وجرى التعبير عنه في اطار لغة دينية ومذهبية، وجاء إعادة ظهور تلك المشكلات مع التغيرات الجيوسياسية التي حدثت في إيران العام 1979، وصعود تيار (النسخة الخمينية) من الإسلام السياسي الشيعي  وكانت الحرب العراقية – الإيرانية أحد تجلياتها أو الجزء الحيوي في تحجيم المد الإيراني وامتدادته في العوالم الشيعية المنتشرة في العراق، والبحرين، والسعودية، والكويت، ثم الانبعاث الشيعي الكبير والصعود الى السلطة في العراق بعد الحادث الأميركي العام 2003، وبفعل ديناميكيات الديمقراطية، إذ لعبت الديمغرافية وصراع الهويات ادواراً معيارية في انبعاث الصراع السياسي بين الشيعة والسنّة وعلى الرغم من مشاركة سنًة العراق في العملية السياسية، فقد كان لديهم  أحساس بالفقدان والخسارة الكبيرة، فهم بناة الدولة الوطنية وعسكرها، وأبناء السلطة العميقة منذ العصور الوسطى، حيث كانوا يملكون المفاصل الدقيقة فيها، أما الهوامش فكانت حصة الشيعة والكرد ويعاملون كمواطنين قيد الدرس، محكومين بسلسلة قانونية واجرائية تحد من صعودهم في هرم السلطة.

مع انهيار سلطة البعث العراقي العام 2003، أظهر السنّة فقدان الرشد السياسي فقد شهد العراق منذ تلك اللحظة موجات من العنف، والعمليات الانتحارية وتفجير السيارات والقتل ذي الخلفيات الطائفية وخاصة ضد التجمعات الشيعية ومن ثم ظهر تنظيم القاعدة، ودولة العراق الاسلامية، ودولة العراق والشام الأسلامية (داعش) حتى إعلان دولة الخلافة الإسلامية التي مارست الإبادة ضد المختلف دينياً على وفق المدونات التراثية، إذن يعد النزاع الديني أحد التأسيسات الأيديولوجية للحرب الأهلية الطائفية بين الميليشيات الشيعية والميليشيات السنّية بتنوعاتها في العراق، ولكن يبقى هذا النزاع محكوماً بنظام القوة وتوزيع ممتلكات السلطة السياسية، والثروات والهيمنة على الرأسمال الرمزي للدولة وانتاج المعنى، فالحادث الأميركي العام  2003 حطم النظام القديم للعقد الاجتماعية بين المجتمعات العراقية، فضلاً عن ذلك أوجد نظاماً عقدياً جديداً.

جماعات وميليشيات متخيلة

سياسات الحرب الأهلية الطائفية في العراق وموجاتها وامتداداتها الراهنة، أدت إلى خلق واقع سياسي جديد عبر ظهور (جماعات متخيلة) تستقطب الأفراد عبر آليات التمثيل لكون المجتمع العراقي لا يتوفر على نظام ثقافي مستقر يستطيع بواسطته تنظيم العلاقات بين الجماعات الدينية والسياسية، ويعطل العنف التبادلي بين المكونات والتركيبات الاجتماعية، تحولت الحرب  في المجتمع إلى (عنف بنيوي) قائم على المقدس الديني الطائفي المنغلق وعلى رؤية عصبوية صلبة.

في (الثامن عشر من برومير لويس بونابرت) يبين ماركس أن البشر يصنعون تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه كما يرغبون تماماً، لأنهم لا يقومون بذلك في ظروف يختارونها بانفسهم، بل تحت ظروف معينة يجدونها وقد انتقلت اليهم من الماضي، أن تراث الاجيال البائدة كلها، يجثم بثقله مثل كابوس على أدمغة الأحياء، إذ حالما يبدو على الناس أنهم قد انخرطوا في تغيير انفسهم، وتغيير الأشياء من حولهم تغييراً جذرياً، وفي خلق ما هو جديد تماماً خصوصاً في زمن الاضطرابات العميقة، فإنهم يستحضرون بتلهف أرواح الماضي لخدمتهم ويستعيرون منها أسماءها، وعاداتها وشعارات المعارك التي خاضوها في الماضي من أجل تقديم مشهد جديد لتاريخ العالم، لكنه يتقنع هذه المرة بقداسة الماضي، وبهذه اللغة المستعارة) حيث يتم التلاعب بالتاريخ والصراعات الأيديولوجية وفي الانساق الثقافية وفي ذاكرة النزاعات الطائفية، وتشويه واقصاء سرديات الجماعات الاخرى واحتكار سردية كلية شاملة، وتوظف الهويات الاثني- طائفية، (كادوات أيديولوجية) في اضفاء شرعية على هذه الحرب الأهلية الطائفية التي هي إنتاج التفكك المزمن للدولة القومية في العراق.

إذ نرى كيف يتم تشكيل وتفكك الهويات في أتون هذا الصراع الأهلي الطائفي، لكون هذه الحقبة التاريخية التي يمر بها المجتمع والدولة والافراد في العراق، تعد مرحلة الازمات الكبرى، فجميع التكوينات الطائفية والجماعات التخيلية تبحث عن هويات بديلة عن الهويات القديمة، فضلاً عن ذلك انه صراع متعدد الأبعاد ومعقد وهناك العديد من اللاعبين والمصادر السياسية (السلطة والدين والأيديولوجيا والعوامل الاقتصادية)، فمنذ تسعينيات القرن الماضي جرى تثبيت النزاع الطائفي والعشائري في طبيعة تكوين السلطة البعثية، واعادة استثماره الرمزي وألسياسي وتحويله الى أدوات للصراع الاجتماعي، فقد انشأت الدولة القومية السنّية عصبياتها في تلك الحقبة من التاريخ، ما جعل المجتمع الشيعي يبني عصبياته المضادة والدخول في دورة من الانقسامات كل هذا ادى الى ولأدة شبه دولة في العراق ما بعد العام 2003 تجمع خصائص الاستبداد، والمحاصصة، وأنماط من الشموليات الطائفية الحديثة تحرسها المليشيات وهنا نصل إلى ان الطبيعة المتشظية للمجتمع والطبقة السياسية، هي التي اشعلت الحرب الاهلية الطائفية وتحولت بعد العام 2014 الى نزاع شامل، فقد أجرت الميليشيات الشيعية، والميليشيات السنّية تعديلات جوهرية في ستراتيجياتها وتعديل الديناميات السياسية، كان الغرض من ذلك اطلاق حرب شاملة، على وفق أيديولوجية طائفية.

في هذا العمل الوقائعي سوف نحاول الكشف عن أشكال الهيمنة السياسية والايديولوجية، فضلاً عن الحفر في البنى الاجتماعية والأطر السلطوية للوصول إلى أن العراق ككيان سياسي أصبح منذ العام 2003 يقع في منطقة (تنازع طائفي) ويمكننا أن نفسر هذا التصدع بين الشيعة والسنّة في المجال المجتمعي العراقي، بوصفه تنازعاً على امتلاك الرأسمال الرمزي، وإنتاج المعنى الصحيح للدين، وإن الطرف الآخر منحرف عقائدياً ويتطلب إعادة (الأسلمة) والتنازع على ممتلكات الدولة السياسية، والثروات المادية ومصادر القوة ونزاع سياسي – مجتمعي، جرى التعبير عنه في (انفجار الهويات) والتحشيد والتعبئة له على وفق المشروعية الدينية – السياسية  الطائفية وذلك أن النظام السياسي الذي تأسس بعد الحادث الأميركي لم يستطع انتاج هوية جماعية تدمج داخلها المجموعات الدينية والقومية والاثنية، وهذا يمنحنا القدرة على السعي الى أن نفهم الصدع الطائفي في ضوء العوامل الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية فضلاً عن العوامل الثقافية – الدينية فالمجتمع العراقي لم يخرج حتى الان عن كونه (جماعات مخيالية) وليس مجتمعاً منظماً، فضلاً عن العوامل المتعددة لاطلاق التوترات الطائفية، حيث يشكل الخطاب الطائفي الميراث الثقافي – الديني للجماعات العراقية،  فقد اتخذت الحرب الاهلية العراقية اطاراً مذهبياً لكون هذا الخطاب بالفعل يمثل التوليفة المخيالية ويقدم المبررات للنزاعات في المجتمعات التقليدية.

تسأل البدايات

هل أن البريطانيين قد وحدو على نحو مصطنع مناطق وولايات متباينة و مجموعات دينية، وعرقية، وعشائرية في ظل دولة لم تتطور الى أمة؟ الى أي حد كان الصراع الطائفي، والحكم السلطوي، نتيجتين للانماط البنيوية السياسية حددت تاريخ العراق منذ التأسيس الأول؟ التساؤل الذي يطرح عن ماهية الإشكالات البنيوية التي أعاقت تطور أمة عراقية منذ تأسيس الدولة الوطنية الحديثة العام 1921 على يد البريطانيين ؟ ماهي العوامل التي أدت إلى بروز االطائفية بوصفها العامل البنيوي في السياسية العراقية؟ فضلاً عن ذلك أن المجتمعات العراقية شبه منفصلة عن بعضها، سواء كان ذلك على الصعيد الجغرافي، أو الاقتصادي، أو البنى المجتمعية والتكوينات، والتنظيم المؤسساتي، وعلى الرغم من السياسات الادماجية والتي مورست منذ التكوين الأول للدولة الوطنية (التعليم الموحد، والإعلام، والاقتصاد ،والتجنيد) ولكن لم تتشكل هوية أو أمة، حيث أن المجتمع العراقي يتشكل على الأنموذج الانقسامي، فالتمايزات الدينية، والمذهبية، والطائفية متجذرة في البنى الاجتماعية، وسوسيولوجيا تاريخ الجماعات.

يطرح حنا بطاطو فرضية في غاية الأهمية إذ يقول: إن التوجهات القومية للدولة في حقبة ما قبل البعث استطاعت أن تتعايش مع الولاءات القديمة (الولاءات الطائفية، والقومية، والدينية) آنذاك واخذت تعمل على تآكل وتفتيت تلك الولاءات، هذه الفرضية أثبتت عقمها في تاريخية الدولة العراقية الحديثة عبر اصطدامها مع مفهوم العصرنة وإعادة بناء الأمة - الدولة، سواء كان ذلك في حقبة الجمهوريات، أوالدولة الفاشية البدوية الصدامية، وقد تحولت مجموعة الهويات العراقية الى تركيبات سرمدية متجوهرة، وحقل صراعات دورية، وصدام بسبب انهيار المشروع الليبرالي العقلاني ونمو الأصوليّات الدينية، والنزاعات الطائفية ورافق هذا الفشل انبعاث الهويات الفرعية، لا سيما هويات  الجماعات الدينية  وهو يمثل هزيمة للدولة، حيث جرى الدمج القسري بين الدين/ السياسة وتحول السياسة إلى حقل مقدس والامتثال الى دين الطائفة عبر إنشاء بنية مؤسساتية ذات نزعة عسكرية محاربة داخل الطائفية السلفية (الشيعية والسنيّة) وبسبب غياب التصورات الهرمية داخل بنية المجتمع العراقي، برزت المجموعات السلفية الجهادية الطائفية، سواء كانت السلفية الجهادية الشيعية او السلفية الجهادية السنّية،  وأصبحت محور العلاقات والهيمنة وإعادة إنتاج التمايزات الثقافية وتشكيل نسخ الحقيقة عبر مجال القوى والممارسة الانتوغرافية والمعتقدات الدينية.

إنّ البنية الاجتماعيّة العراقية  تكوّنتْ من طوائف (communities) متمركزة على ذاتها، وكل منها يمتلك معاييره وتقاليده الخاصةَ به، وكل مجموعة طائفية تمتلك ميثولوجيّتَها الخاصةَ بها ما جعل العراق معرضاً للنزاع الدائم، ولكونه بلداً مركباً حديثاً كان محتوماً أن تدمره الضغوطُ المحلّيّةُ، حتى اصبح النظام السياسي، نظاماً طائفياً يستند إلى الطائفية بوصفها مؤسسة سياسيّة، وتجري عملية  مأسسة وندماج بجهاز الدولة، من أجل إنتاج مخيّلةٍ تاريخيّةٍ.

وقد شكل المجال الثقافي العراقي مجالاً واسعاً لإنتاج وإعادة إنتاج تراكمات الرأسمال السلفي الطائفي داخل الطوائف (سنّي/ شيعي) عبر إحلال مشاريع وهمية ثقافوية وبناءات مثيولوجية يتأسس لاهوتها السياسي على نظام مستند لتأويل العالم كنموذج نهائي، نظام مغلق يتسلح دائماً بأدوات المناعة ضد قرارات الواقع الاجتماعي وتصورات مغلقة، ويعود هذا ظهور (الطائفية السلفية) إلى أسباب متعددة.

أولأ: وجود مخزون تاريخي ضخم قائم على تمثيلات تاريخية ودينية، او يتم اختراعها في حالة اختفائها وانغلاق هذه الجماعات على بنية معرفية إضافة الى وجود ايديولوجيات خلافية.

ثانياً: أزمة الهوية التي تعصف بالمجتمعات المتحولة تاريخياً، ووقوع المجتمع العراقي بين هويتين التباسيتين هوية سياسية لم تتبلور، وهوية دينية متكونة ومتبلورة قادرة على إعادة إنتاج نظام الفروقات والخلافات .

ثالثاً: توظيف الرأسمال الرمزي للجماعات الدينية (الأفكار والعقائد والتقاليد) التي تشكل محركاً للتوترات المستديمة واحتكار الحقيقة السياسية، والدينية والتحول الذي يصاحب بنية الطوائف الدينية من هويات فرعية إلى مؤسسات دينية متكاملة.

رابعاً: إن كل جماعة دينية (شيعية/ سنّية) أخذت تشكل سردياتها الانثروبولوجية المتكاملة وكتلة المفاهيم والمقولات.

ذاكرة طائفية تنازعية

المعضلة السياسية التي يواجهها العراق أكثر تعقيداً فالخلافات بين السنّة من جهة، والشيعة من جهة أخرى بشأن ماهيّة الدولة العراقية لا تقلّ أهمية عن الخلافات اللاهوتية مع أن الطائفية لا تعكس الفروقات الدينية بين الجماعات فقط، وانما كانت دائماً متصلة بالسلطة، والموارد والهيمنه، ويمكن اكتشاف جذور النزاع في المخيال الديني والسياسي، حيث يستند المخيال السنّي والمخيال الشيعي إلى التاريخ لكونهما تبلورا عبر نموذجين متباينين، المخيال السنّي يتشكل عبر أنموذج البطل والذي يركز على الانجازات الحضارية الكبرى، ويتغاضى عن السلطوية والوحشية التي اتسمت بها الدولة الإسلامية الكلاسيكية، أما المخيال الشيعي فهو ينتج نموذج الشهيد من أجل بقاء جذوة فكر الامامة حية، لكون الشيعة شكلوا دائماً الاقلية المقصية والمهمشة في تاريخ العالم الاسلامي.

وهنا من الصعب أن نتناول التاريخ العراقي وتبدل تشكيلاته بالقطيعة عن تاريخ الجماعات الطائفية وصراعها على الدولة السياسية والسرديات الإسلامية الكلاسيكية (الإمام/الأمير) التي تعد احدى الديناميكيات البنيوية الداخلية لتطور الحدث السياسي اليومي، عبر المتخيل الطائفي السلفي الجهادي، الذي هو أداة رئيسة في تعيين الهويات والتمثيلات الثقافية، وأخذت نسقاً بنيوياً وجماعياً يوظف على الاجتماع الثقافي العصباني.

فالخطاب السلفي الطائفي (اقصد هنا السلفية الجهادية الشيعية، والسلفية الجهادية السنّية) في العراق أسس مشروعيته بواسطة إنتاج تصنيفات تاريخية، وثقافية، ودينية مندمجة بالأرضية الاجتماعية، والسياسية،  والاقتصادية مبلوراً نموذجاً بنيوياً تركيبياً تبادلياً داخل حقل الثقافات التداولية الشعبوية وهي إنتاج إفرازات التحديدات المادية للمجتمع العراقي، ونظام البنى الذي يشكل الحاضن الأول للثقافة وتاريخ التمركزات البيطرياركية.

لذا فإنّ صدام الهويات الطائفية العراقية بعد تفجيرات القبة العسكرية العام 2006، يؤشر إلى سيادة الرؤية اللاعقلانية الإقصائية التي تسعى إلى تقويض التنويعات الدينية لصالح خطاب ميتافيزيقي يستند إلى الاستبعاد التيولوجي المتبادل في التصنيف ويحمي الجماعات السياسية من عمليات الاعتراض عليها بإضافة كاريزما مقدسة، تحتوي في داخلها عناصر الصراع السياسي، والديني بشأن الثروات/ السلطة الرمزية/السلطة المادية، ونتيجة للتركيبات الديمغرافية للمجتمع العراقي تبلورت مجموعة مكونات تتمركز حول هويات (اثنية، قومية، دينية) وهي صياغات لتمثيلات (الحيز السياسي) داخل هشاشة التكوينات العراقية إذ اعتمد (النسق المقدس) كحقل شائك ومعقد. فهوية الجماعات الشيعية، نتاج للقوى الثقافية والدينية والاضطهاد التاريخي والشعائري والإقصاء عن الأنظمة الفكرية الإسلاميّة، إضافة إلى تراكم منظومة الرأسمال الرمزي والتي تبلورت عبر حقل التاريخ، فهي تمثل هوية جوهرية، تفتقد للتشكيلات الاندماجية بسبب الصراعات بشأن (المواقع والهيمنة في السوق الرمزية) هذه الهوية تقوم على مخزونات ضخمة من الاستيهامات الذاتية والجماعية والوعي الاغترابي والتمزق وبالعودة إلى الظهور الدوري لشخصيات ورموز كارزمية في وعي الفاعلين الاجتماعيين السياسيين، تتشكل عبر بنية مؤسساتية يقودها طاقم ديني قادر على إنتاج وعي معين للإتباع في حين لم تتشكل هوية الجماعات السنّية إلا تحت وطأة الصراعات السياسية الحديثة، لذا سادت الرؤية اللاعقلانية وتخلفت سردياتها السياسية والأيديولوجية والدينية لصالح خطاب ميتافيزيقي ذي بنية إقصائية، اضافة إلى افتقارها إلى بنية صلبة، حيث إن هذا الصدام بين الهويات داخل المكون العراقي (صدام الهويات السلفية) صياغات سياسية مخترعة لاحداث التفكك والاضمحلال في حقل التاريخ، بعد الحادث الأميركي، نجد أن هناك سياسات اقصاية وايديولوجيات تحريضية واضطهاد ممنهج ضد المجتمع السنّي/ ضد المجتمع الشيعي في العراق تبادلياّ، فضلاً عن الذاكرة النزاعية والاختلاف والتمايز بينهما في الاعتقاد والفقه والرؤية المتشكلة في العالم الإسلامي.

ايديولوجيات طائفية

إن الدين السياسي الطائفي يعد شكل إيديولوجي- سياسي، يشتق زخمة الجوهري من الأجوبة التي يعطيها على الأسئلة الوجودية للجماعات بشأن الشروط الإنسانية ومعنى الحياة وتحليله للأصول التاريخية والنظام الطبيعي والحوادث والوجود الموضوعي للجماعات والأفراد داخل حقل التاريخ، وتتضح قضيتان عامتان تتصلان بتحديد بنية الدين السياسي الطائفي .

القضية الأولى : تاريخية أي شكل أيديولوجي (الطائفية احد الأشكال) من البروز والتمفصل مع ايديولوجيات أخرى.

القضية الثانية: مادية كل أيديولوجية / أيديولوجيات، تعمل في رحم مادي من التأكيدات والاجراءات وهذا الرحم يحدد علاقاتها في ما بينها حيث إن نشاطها محاصر بالمعنى ولكل أيديولوجية نوع من الوجود المادي، إذن أن وظيفة الدين الطائفي الايديولوجية، منح المجتمع (أفراداً أو جماعات) هوية، تقدم لهم سردية، تحدد مكانتهم في حقل التاريخ، فهي تعتمد على مواد خام، أسمنت، مواد بناء، من الاحداث  والمؤسسات المرجعية والشخصيات الكارزمية، تركز على اللحظة الدينامية للحدث الأول المؤسس للجماعة. ويمثّل الدين السياسي الطائفي احد المتغيرات الأساسية في المجتمع البشري، وخاصة في المجتمعات المتعددة الطوائف يبرز هذا المتغير كأحد معايير التباين بين الجماعات، إذ أن التنوع الطائفي في المجتمع لا يكتسب أهمية سياسية إلا إذا تداخل في عمليات تنافس أو تنازع أو صراع في مجالات القيم، أو الثروة أو السلطة وهنا يبرز الفرق بين مفهومين للطائفية السياسية :

المفهوم الأول: يشير إلى التنوع السوسيولوجي في المعتقدات والممارسات الدينية.

المفهوم الثاني: استخدام الطائفية لممارسات سياسية واقتصادية وثقافية لأغراض الهيمنة ويحتوي هذا المفهوم على سلسلة من التصنيفات المعرفية والمؤسساتية وأنظمة القيم.

فالموقع الديني السياسي للجماعات الشيعية اخذ صفة معارضة مستديمة لجماعات سنّية مركزية تأقلمت مع تخطيطات هوية الدولة القومية ووظفت المكتشفات الأيديولوجية في التجربة التاريخية، هذه الوضعية التاريخية فرضت على الجماعات الشيعية البحث عن تعويضات خارج التاريخ الواقعي العياني والذي هو ليس مجال تاريخ الشيعي ( أفرداً أو جماعات ) أو وجوده الموضوعي وإنما هو تاريخ جماعات افتراضية أخذت تحذف عناصر هذا التاريخ وتحيله إلى دلالات ومعنى وميثولوجيات وسلطة أسطورة وفي صيغ مستديمة بهذا النسق المزخرف حيث استطاعت الطائفة الشيعية إيجاد مخرج تعويضي معبر عن رفض الدولة والانسحاب الكلي من المشاركة السياسية خوفاً على قداسة الأسطورة من الدنس الأيديولوجي فضلاً عن ذلك كانت الطائفة  الشيعية تعاني من الطرد المستمر خارج التاريخ امتداداً من عصر الفقهاء حتى عصر الفتاوى المعاصرة والأحاديث السياسية التي تتخذ مفهوم الروافض والولاءات المزدوجة السياسية والدينية موضوعاً لها، وقد عبرت عن ضرب من النزعات الراديكالية لكونها مهمّشة خارج حقل الممارسات التاريخية.

نصل الى تأطيرات معرفية لمفهوم الشيعي/ السنّي فقد تشكلت هذه الجماعات عبر التاريخية الإسلاميّة كجماعات سياسية أولا: لها أنظمتها الفقهية ومعتقداتها الخاصة وتمايزاتها في شبكة الرموز والكاريزمات والتفرعات اللاهوتية، والصور الدينية، والمنظومات المقدسة الأساسية والمقولات الأيديولوجية المطلقة، وكذلك تقوم المؤسسة الطائفية السلفية الجهادية سواء كانت الشيعية أو السنّية على نسق من التعارضات الثنائية التي ترسخ الفصل والافتراق الجذري بين الطوائف وهي تعتمد على إعادة إنتاج التشققات باستمرار وتقيم منظومة أيديولوجية مغلقة ونظاماً صارماً من قواعد وآليات التكفير والمقدس والمدنس ومقولات وبناءات فقهية، وفكرية، وإشكاليات في تاريخ الطوائف، ما جعل الطائفية السلفية الجهادية الشيعية والسنّية، تشكل إحدى الأدوات الاستيهامية في بناء الهوية داخل التكوينات المجتمعية للطائفية لتأسيس سلطة سياسية وتحديدات الذات واحتكار المجال التيولوجي والأنظمة الدلالية.

البنية الثقافية الدينية الشيعية ساعدت هي الأخرى على تهشيم العلائق مع المجتمع السنّي عبر اتخاذها موقف العداء المستمر والتقليدي للسلطة السنّية الذي يتأسس على مقولة دينية تاريخية تستند إلى رفض الطاعة للحاكم الغاصب، حيث يعد الأئمة المعصومين في الفكر الشيعي هم الاشخاص القابلون للطاعة، ولم يتمكن الشيعة إلا في وقت قريب من الوصول إلى تصور سياسي ينهي التناقض الموجود بين غياب الإمام المعصوم وضرورة وجود تصور عن الدولة تفرضه الحاجة التاريخية.

الهويات القتالية

الصراع المسلح على الهوية في العراق اكتسب روح الايديولوجية المقدسة  وذلك ان الهويات العراقية تكونت عبر ديناميكية سياسية تاريخية، تقوم على  نزعة قتالية ضمنية متجذرة في طبيعة تكوينات الجماعات، أو يعود ذلك إلى أن تلك الهويات (الهوية الشيعية والهوية السنّية) تتأسس على الازاحة وتضخيم الذات التخيلية، فضلاً عن ذلك اسهم الفتح الأميركي للعراق العام 2003 في تفجير النزاعات والاحقاد الأهلية الكامنة وانبعاث العصيان والتمردات.

لكن السؤال الحقيقي يتعلق بدور البنى الداخلية والفاعليين المحليين والجماعات الطائفية في الوصول إلى مرحلة (حقل الدم) فالهوية السنّية كانت متماهية مع السلطة ولم تكتشف عن سنيتها القتالية، إلا بعد العام 2003 وصعود الشيعة الى السلطة السياسية في العراق، والتي هي نتاج تبلور القومية العروبية في النصف الثاني من القرن الماضي، قومانية ذات ابعاد دينية ، قبلية اختزلت العروبة بوصفها ايديولوجية اثنية لا تجد فيها الجماعات الدينية غير السنّية وجودها، وقد شكلت هذه النظرية الحاضن الأساسي لحزب البعث القومي ذو النزعة الفاشية وتماثله مع الفكر الجهادي، حيث إن  تنظيم القاعدة والتنظيمات البعثية المسلحة تعطي جهادها صفة مقدسة، وتتمركز نحو هوية دينية سلفية تقوم على العسكرة المطلقة، فضلاً عن ذلك أن تلك التنظيمات تعد اكثر صفاءً طائفياً، وبالذات بنسخته الاخيرة تنظيم الدولة الاسلامية ( داعش).

أخذت الطائفيـة السنّية والطائفية الشيعية تعيد إنتاج ذاتها في لحظات الأزمات التاريخية، وكذلك تقوم بانتاج طائفية مضادة لكونها بنيات سوسيولوجية – ثقافية، ويكمن وجودها في حقل النقاء والانغلاق الديني الطائفي، حيث يوحي لنفسه القابلية على الانغلاق الداخلي، يتجوهر على معجم لغوي وفقهي وقانوني ثابت وغير خاضع للواقع المادي المتغير، وهنا تكمن قوتها وانهيارها، وجرى تطييف مؤسسات الدولة، ومؤسسة الجيش التي تتكون من جماعة طائفية فضلاً عن الميليشيات المسلحة والحشد الشعبي.

المجال السياسي الذي تمثله الدولة والاحـزاب السياسية أضمحل وتحول المجتمع الأهلي الى مجتمع سياسي عبر الأحزاب الطائفية والعشائرية وجرى تقسيم السلطة طائفياً وادخال الدولة في نسيج التوازنات الأهلية العصبوية، واخذت تتغذى على الشعور المتزايد بالمظلومية للجـماعات والملل، وعبر هذا كله نكتشف ان الهوية الشيعية القتالية والهوية السنّية التكفيرية هما مشاريع سياسية - أيديولوجية قبل كل شيء، ترسمان الحدود والتصورات الثيولوجية و الديناميكيات الطائفية، فهي تمثل كتل ثقافية - انثروبولوجية ، وتحتوي على تناقضات وأختلافات سواء في المجال الفقهي أو التصورات السياسية أو بناء الدولة القومية.

بواكير الازمة السياسية

تعد الأزمة السياسية في العراق ما بعد صدام أزمة محورية في تاريخ الشرق الاوسط، إذ ان عمليات الفتح الامريكي التي اطاحت بالدولة القومية السنّية (1921– 2003) كانت البؤرة التي تكشفت داخلها العديد من المعطيات والاشكالات والانشقاقات والتمردات، التي حكمت تكوين الدولة الوطنية العراقية الحديثة، وظلت كامنة بفعل ضغط الحكومات المركزية القومية، تجسدت تلك الانفجارات بكل ابعادها داخل مرحلة ما بعد العام 2003 حيث تولدت مجموعة من الحروب الأهلية المتداخلة بموجاتها المتعاقبة (على الرغم من تاريخ الدولة الوطنية العراقية منذ العام 1921 كان تاريخ حرب اهلية دائمية)، فتلك الحروب جاءت نتيجة منطقية لتاريخ العراق ومشكلاته التي لم يتم حسمها والتي تتعلق بتوزيعات السلطة السياسية والثروات وتعريف الدولة، وكـان الفتح الامريكي  المحرك الأساسي لديناميكية تشكل الهويات الطائفية، وانفجار المشكلات السياسـية وتفكـيك المجال الجـيو- سياسي للعراق وتجـذر التطرف الجـهادي الشيعي / السنّي فضـلاً عن التدخـلات الإقليـمية.

يحـاول بعض الباحثين اكتشاف اللحظة الانقسامية (اثنية، طائفية، عشائرية) التي حدثت، هل كانت لحـظة تأسيس مجلـس الحكم الانتـقالي (تموز العام 2003) والذي تشـكل على وفـق الهـويات الطائفـية والقومـية؟ أم لحظة التصويت على الدستور الدائم، في تشرين الاول العام 2005؟ الذي تم وصفه بانه وثيقة طائفية صممت على تهميش وعزل المجتمعات السنّية، أم كانت انتخابات كانون الثاني العام 2005 التي كانت لحظة انتصار للشيعية السياسية؟ كشفت طبيـعة توزيعات السلطة وشـرعية النظام السياسي وتحديـد أسهم الجماعات الطائفـية المتنافسة من الـثروة والسلطة؟

فقد أدت انتخابات العام 2005 إلى هيمنة طائفية – عرقية على مؤسسات الدولة العراقية، واكتشف السنّة أن الانتخابات سوف تظل محدودة النتائج والتأثير طالما ظلت البنية السياسية والقانونية و الدستورية و الديمغرافية تعمل في هذا المجال، ومن ثم لعبت الشخصيات التقليدية و المؤسسات الدينية التي سادت المناطق السنّية (قادة دنيويون، شيوخ صوفيون، ضباط الجيش السابق، جهاديون معولمون) بعد فـقدان السـلطة و الثروة دوراً في إعـلان الجهاد المقدس ضد الشيـعة و منعهم من تثبيت السلطة.  لذا فقد ظهرت ما بعد العام 2003 (الحادث الأميركي) مجموعة من المشكلات  قد تبدو انها لم تكن جزءاً من التصميم النظري في اسقاط النظام السياسي (انهيار نظام صدام، العام 2003، حرية العراق)

المشكلة الاولى : تحلل المؤسسات الأمنية والجيش أدى بالمجتمع إلى اللجوء الى الهويات المحلية، والدينية، والطائفيةـ فضلاً عن ذلك (تميّزت عملية الدمقرطة بظهور سياسة الهوية، التي صنّفت السكان وفق خطوطٍ طائفية، فكان النجاح يتوقّف على تمثيل الطائفة أو العرق لا على المعتقد الأيديولوجي أو أي مؤشّر آخر يستند إلى قضية بعينها في ظل هذه الحقائق الجديدة، كان الكرد والشيعة سريعين وفعّالين في تعبئة أنفسهم سياسياً، فالكرد يمثلون قومية تقود حركة انفصالية منذ تأسيس الدولة الوطنية في العراق، كما يملك الشيعة مؤسّسة دينية مركزية يحرّكها شعور بالمظلومية أو الاضطهاد ولطالما كانت تنتظر لتقوم بالتعبئة السياسية داخل البلاد غير أن الأقلّية السنّية في العراق التي تشكّل نحو 20 في المئة من السكان، تحوّلت بين عشية وضحاها من كونها حاكمة إلى كونها محكومة.  وعلى عكس منافسيهم الشيعة أو الكرد، أنكر السنّة الواقع الجديد، حين كانت مجتمعاتهم المحلية تفتقد السلطة والامتيازات، ومعضلة فقدان الثقة السياسية والتمثيل، أما مأزقهم فهو حصيلة حمّى التنافسات بين المجتمعات المحلية وداخل كل مجتمع محلي) وهنا ظهرت (المشكلة السنّية) التي هي ناتج  عن توازنات جديدة بعد سقوط نظام صدام، فضلاً عن  سياسات الاقصاء والتهميش نتيجة الانتخابات الديمغرافية.

السنّة لا يفتقرون إلى هيكل قيادي واضح وحسب، بل الأهم من ذلك أنهم يفتقرون إلى الهوية الطائفية اللازمة للتعبئة السياسية بعد العام 2003، أما الكرد والشيعة فلم تكن لديهم مشاكل تُذكر في الإشارة إلى أنفسهم وفق طابع يتمحور حول الطائفة أو القومية، و كان بوسعهم استخدام الرموز أو الأساطير الكردية أو الشيعية لتعبئة جماهيرهم، وهناك في الأقل أربعة نزاعات متكرّرة تساهم في الانقسامات داخل المجتمعات السنيّة، النزاع الداخلي الأول  له علاقة بمسألة سياسات الهوية، وما إذا كان ينبغي أن تعمل التعبئة السياسية وفق خطوطٍ طائفية، أي تمثيل السنّة، أو ما إذا كان ينبغي العمل وفق خطوطٍ وطنية، في حين يستخدم السلفيون الجهاديون  الخطاب والرموز المتمحورة حول السنّة لشرعنة تمثيلهم، فهم ينظرون إلى مشاكلهم بوصفها نتيجة لنزعة التشيّع النابعة من إيران، يتعلّق النزاع الثاني بمسألة اجتثاث البعث، فعلى الرغم من أنه ينظر إلى حدٍّ كبير إلى الجهود المبذولة لتطهير نفوذ الحزب الحاكم السابق، بوصفه جزءاً من محاولات الحكومة للقضاء على ممثليهم، ينقسم السنّة أيضاً بشأن هذه المسألة، مازال حزب البعث نشطاً إلى حدّ ما، لكنه يلجأ إلى العنف، وله صلات مع الدولة الإسلامية (داعش)، النزاع الثالث يدور حول الشراكات الإقليمية لكل زعيم، و دور الأطراف الخارجية والإقليمية وهذا يشكّل الانقسامات السنّية الداخلية، يتركّز النزاع الاخير حول شرعية الزعيم المنفي وفقدان الدعم الشعبي من قواعدهم الشعبية التي ما تزال تقطن مناطق النزاع.

المشكلة الثانية: هيمنة قوى الاسلام السياسي الثيوقراطيه (السنّي والشيعي) على سائر مفاصل الحكم، نتيجة تفكك المجتمع العراقي المزمن، وتحلل بنيته الاجتماعية ما أدى إلى هيمنة مؤسسات المجتمع الأهلي على حركة تطوره السياسي، (المؤسسات العشائرية والحوزات العلمية والمنظمات الدينية والجماعات الصوفية على الحركة السياسية)  هذه العوامل سرعت من تطور التيارات الإسلامية المتطرفة، ووفرت لها إمكانية الانتشار والتوسع الجماهيري.

أولاً:  انضواء الكثير من القوى القومية تحت أغطية دينية، إذ لا يمكن، مثلاً، عزل النشاط الديني السنّي وتوجهاته ذات الصبغة العنفية المناهضة للفتح الاميركي عن النشاط القومي، بمعنى أن نشاط القوى القومية اتخذ إطاراً دينياً، وهذه واحدة من المفارقات في التشكيلة السياسية العراقية.

ثانيا: تتشكل القاعدة الاجتماعية للتيارات الدينية السنّية من شرائح ومؤسسات اجتماعية مختلفة، يتصدرها كبار موظفي الجهاز البيروقراطي للدولة المنهارة، العسكريون من مختلف المراتب وأقسام من الأجهزة الأمنية المنحلة، إضافة إلى بعض قيادات العشائر التي احتلت مواقع وجاهية في البنية الاجتماعية للنظام السابق.

ثالثاً: السمات الطبقية الاجتماعية لتيار الإسلام السياسي السنّي تترابط  وبعض التجليات السياسة / التنظيمية لهذا التيار.

- القوى الدينية / العشائرية السنّية تبحث عن هيكلية تنظيمية تؤطر نشاطها السياسي وتمنحها سمة التماسك، وبهذا المعنى نشير إلى أن القاعدة الاجتماعية لنظام صدام لم تتوفر لها الظروف التاريخية الاقتصادية/الاجتماعية للتشكل في طبقة اجتماعية ذات سمات بنيوية محددة.

- بسبب الخبرة التاريخية / الإدارية المتراكمة لدى الكثير من أفراد الجهاز البيروقراطي فان هذه القوى قادرة على التكيف مع المستجدات السياسية واستعادة العديد من مواقعها في التشكيلة السياسية الجديدة للعراق.

- البرنامج السياسي لقوى الإسلام السنّي غير واضح المعالم، ويمثل معوقاً كبيراً في  اندماجها في العملية السياسية .

اما الاسلام السياسي الشيعي يمكن تأطيره بالصياغات الأتية :

-  لم تحتل رموز التيار الشيعي مواقع قيادية في مراكز الدولة العراقية منذ نشأتها التاريخية وبهذا المعنى فان غالبية القيادات الإسلامية الشيعية تفتقد الخبرة السياسية لإدارة شؤون الحكم.

-  تتشابك ممارسة التيار السياسي الشيعي العلنية في ظروف الوجود الاميركي  مع وجود سلطة أجنبية الأمر الذي يضفي على نشاطه السياسي طابعاً معقداً يتجسد في تناقض توجهاته الشرعية المناهضة في التعامل مع القوى الأجنبية.

-  بسبب عمليات التهجير المتواصلة جرى تبعثر طبقة التجار التي شكلت القاعدة الاجتماعية / الاقتصادية الساندة لقوى التيار الشيعي في العقود التي سبقت استلام البعث لسلطة الدولة السياسية.

- إن القاعدة الاجتماعية/الاقتصادية للتيار السياسي الشيعي قد طرأت عليها تغيرات كبيرة تدفعنا إلى التفريق بين التوجهات السياسية التي تتبناها مختلف فصائله تبعاً لطبيعة الشرائح الطبقية الساندة لهذا الفصيل أو ذاك في اللحظة التاريخية الملموسة.

المشكلة الثالثة : أصبح  العراق أكبر مركز استقطاب لعمل ( الجماعات الجهادية)، حيث وجدت فيه جبهة للحرب المستمرة ضد (الصليبين الأميركان الكفار)، ونتيجة للوضعية التاريخية المأزومة التي عاشتها المجتمعات السنّية ما بعد صدام وانهيار الاطار السياسي السنّي (حزب البعث العربي الاشتراكي) خلقت فراغاً صعدت عبره قوى الاسلام السياسي السنّي الجهادية لتحتكر تمثيل  الجماعة السنّية، ذلك ان هيمنة نظام صدام على المجال السنّي لم تتح تطور نخبة سياسية سنّية لا ترتبط بالبعث سوى النخبة الاسلاموية. وكذلك عمل الجرح الوجودي (الفقدان) فقدان السلطة والامتيازات المرتبطة بها على شعور السنّة بالتهميش، جعلهم حاضنة للتيارات السلفية الجهادية.

فقد شكل اثنان من القرارات الاميركية التشريعية أدوات قانونية ودستورية لتهميش المجتمعات السنّية، وهما حل ‏الجيش العراقي والقرار المتعلق بإتباع إجراءات عقابية قاسية ضد أعداد كبيرة من أعضاء حزب البعث، حيث ان هذين القرارين أديا إلى نفور السنّة وفتحا الباب أمام وجود قوي لتنظيم الاسلام الجهادي في العراق المتمثل بتنظيم القاعد وتنوعاتها وفي ما بعد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فإنه من المفهوم جيدا أن إلغاء الجيش وحله بدلا عن القيام باستدعاء طوعي إنتقائي كان أحد أكبر معطيات الحرب الخاطئة وحتى الرئيس السابق جورج دبليو بوش رفض فى مقابلة مع الصحفي روبرت درايبر العام 2006 ‏الدفاع عن هذا القرار مؤكدا بدلاً عن ذلك أن حل الجيش كان مناقضاً للسياسة التي أوعز بها، عمل حظر حزب البعث من جانب، وبشكل غير مناسب على معاقبة قيادة المجتمع والطائفة السنّية في العراق عن طريق إخراجهم من وظائفهم وإلغاء معاشاتهم ‏التقاعدية، في مسارات الحرب كان هناك قرار ثالث موجه وفى المقام الأول الى السنّة، تضمن معاملة أفراد الجماعات شبه العسكرية من ‏السنّة والذين يندرجون تحت برنامج أبناء العراق (الصحوات) وإنهاء تمويل الحكومة لهذه الجماعات ما جعل تلك الجماعات عارية أمام تنظيم دولة العراق الاسلامية (النسخة المطورة) من تنظيم القاعدة باختراق تلك الجماعات وتقويضها بالقتل، والاغتيال، والترويض، وهذا النوع من التكتيك الذي اتبعه رئيس الوزراء العراق نوري المالكي أدى الى دفع المجتمع والطائفة السنّية الى الشعور بأنها محاصرة بشكل متزايد ودفعهم بطريقه ما إلى ان يختاروا مرة أخرى طريق التمرد (الأحتجاجات، ومن ثم الثورة السنّية العام 2013) وكان نتائجه الموجة الثانية من الحرب الاهلية الطائفية (العام 2014-....... ). حيث جري توصيف الشيعة في الأيديولوجية الداعشية المحدثة، بأنهم عبدة الأوثان وقبوريين وهي إشارة تحقيرية وتبرر الجماعات الجهادية المتطرفة (الدولة الإسلامية) عمليات قتلهم تحت مبدأ التكفير، كما نفذت داعش محو الحدود الوطنية التي تم رسمها في الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.

اما الإسلام السياسي الشيعي فقد تم نقل تلك الجماعات الشيعية العراقية بالذات الى المجال الطائفي السياسي وتم ادخالهم في ستراتيجيات الهوية والهيمنة والصراع الاقليمي، منذ التغيرات التي حدثت في إيران العام 1979، حيث استطاعت الخمينية الإيرانية، ترويج خطاب سياسي شعبوي ذي نزعة شوفينية وتطبيع المقولات العنصرية ونزعات الكراهية وتحويلها إلى جزء من اللغة السياسية، وجرى دعم  الميليشيات الشيعية من إيران، عبر التجنيد والانتقال المتبادل الذي ساهم في تآكل الحدود الوطنية للدولة العراقية، اعتمدت الميليشيات الشيعية، السردية التي تقول إنها (تدافع عن المقدسات) أو تدافع عن الطائقة الشيعة بغض النظر عن الجغرافيا السياسية، كما قادت إيران عملية تنمية الميليشيات الشيعية، لتطوير شبكتها من الجماعات التي تعمل كوكلاء لها في العراق وتتغلغل المليشيات الشيعية الأن في مؤسسات الدولة وفي الوقت نفسه لها تنظيمات مسلحة مستقلة، و تحتمي خلف المؤسسات العسكرية والأمنية ما يصعب تمييزها وتحديدها.

النتيجة الكلية التي تريد كل طائفة أن تصل اليها أن تعترف الطائفة الأخرى بمعطياتها وأسسها التاريخية وسردياتها وهذا يتطلب أن تذوب احدى الطائفتين في الأخرى وهنا الاستحالة التاريخية، ان تلك المليشيات سواء كانت المليشيات السنّية او الشيعية تتوالد داخل أنواع متعددة من الديناميكيات المتناغمة بعضها ببعض، نتيجة هشاشة هياكل الدولة العراقية، وتطرّف مختلف السرديات، وتداخل المجتمعات، ومسألة السلطة والفرق المنصورة في التاريخ الكوني الإسلامي، وتشكيل الهوية الطائفية في سياق الصراعات المجتمعية على السلطة في العراق ،كل ذلك جعل الهُويات الطائفية أقوى من هُوية الدولة القومية ذاتها.

القتل الهوياتي

من الصعب احـتواء العدد الهائل من الوحدات المسلحة (الميليشات الشيعية والميليشات السنّية) ضمن تصنيفات محدودة لكونهما يمثلان اعداداً متنوعة من الثقافات والقيم والمعتقدات المتغايرة والبعض منها قائم على المصالح والتنافس القبلي، ولكنهما يشتركان بالكثير من الصفات فهما يقومان على التراتبية الهرمية والتنظيم المسلح وانظمة القيادة وكذلك التشابه بالنظام الأيديولوجي متحلقين حول قائد عسكري أو زعيم ديني، فقد كانت المجموعات الفاعلة في الحرب الأهلية الطائفية في العراق بالذات الموجة الأولى منذ تفجير القبة العسكرية العام 2006، مجموعات يغلب عليها الطابع الريفي القروي الشعبوي فهناك قوات الأمن العراقية ذات التكوين الطائفي الشيعي، واطلق عليها الاعلام (فرق الموت) تتكون من ميليشيات جيش المهدي و قوات بدر التابعة للمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق (المجلس الاعلى الاسلامي العراقي في ما بعد) وجماعات مسلحة شيعية أخرى، إذ كانت تستخدم آليات الشرطة والزي الرسمي لوزارة الداخلية وتمارس الخطف، والقتل، والاعتقال، بالمقابل كانت الميليشيات المسلحة السنّية و تنظـيم القاعدة تمارس القتل على الهوية و تفجير السيارات المفخخة والخطف، الجماعات المسلحة الشيعية والسنية، تعد فاعلة سـياسياً تشكلت في قلب المعركة وتم استنفار (النواة الحربية للفـقه السياسي الديني) مندمجة بأهليتها وطائفـيتها الريفية، وعبر تلك السـنوات استطاعت أن تعرف هويتها الذاتية واستثمرت التمايزات الاعتقادية والفقهية، حيث جرت عملية هيكلة واسعه لصالح نقاء طائفي طبيعي، فالميليشيات (الشيعية والسنّية) نتاج طبيعية الحقل السياسي الصراعي أكثر مما هي نتاج حقل ديني/ فقهي وكل منهما يرفع سردية المظلومية السياسية والاصطفاف الطائفي واحتكار الوطنية و الحرمان المادي والتمايز، هذة الظاهرة (الظواهر) تركت داخل كل منهم نزعات تسـلطية قتـالية.

على الرغم من أن الحرب الأهلية الطائفية في العراق، كان احد اسبابها الصراع الطائفي، ولكنها استطاعت توليد طائفيتها التماثلية، فضلًاً عن ذلك جرت عملية قومنة الصراع الطائفي، إذ تحولت الطائفة الشيعية والطائفة السنّية الى (أمم صغير) ترتبط باستراتيجيات دولية وإقليمية ومحلية صافية والتي تعد احد الاشتراطات الاجتماعية السياسية للحرب الاهلية الطائفية، فقد مارست الميليشيات المسلحة الشيعية و المليشيات المسلحة السنّية التهجير المتبادل على اساس الهوية الطائفية، وكان الهدف اخضاع المناطق المختلطة للهيمنة السياسية الاجتماعية وبهذا كانت سياسة العزل الطائفي والتطهير وتشويه المدن والاحياء المختلطة سكانياً تجري بكثافة عالية خلال سنوات الموجة الاولى 2006- 2008 والموجة الثانية 2014 التي لم تكتمل تفاصيلها حتى الان،  وخاصة في  العاصمة بغداد والحزام السنّي،  فمنذ العام 2003 تجري عملية رسم الخرائط الديموغرافية، حيث انشطرت بغداد سريعاً الى احياء سنّية صافيه و احياء شيعية صافيه، ومن ثم  أدت الحرب الأهلية الطائفية عامي 2006- 2008 الى تغيرات ديمغرافية هائلة حيث جرت عمليات  الفرز الطائفي وانهيار المناطق المختلطة سكانياً، ويعد تنظيم جيش المهدي الذي تتكون قاعدته الاجتماعية من الطبقات الرثة والقوى الهامشية الفوضوية ومن الطبقات الاجتماعية السفلى في المجتمع العراقي والتي تكونت بفعل الانهيارات الاقتصادية المزمنة والانعزال الثقافي والسياسي منذ الطور الأخير من عمر نظام صدام، الفاعل الاساسي في الموجة الأولى من الحرب الأهلية الطائفية، اما الموجة الثانية فقد تعددت الميليشيات السنّية والشيعية والجماعات القتالية.

استعمالات الهويات الطائفية

الأن من دون العقل النقدي، استحالة تفكيك القيمة التبادلية والاستعمالية للهويات الطائفية بعد أن تحولت إلى اشبه بسلعة ماركس المفعمة بالتعقيدات الميتافيزيقية والمماحكات اللاهوتية، حيث تبدو الشوفينية السنّية في الايديولوجية السلفية الجهادية من الوهلة الأولى إنتاج أشكال إسلاموية ولكن اسلاموية مندمجة بأكثر النسخ الوحشية للقومائية العربية، فألسلفية الجهادية السنّية (داعش) بغض النظر عن الجهاديين المعولمين، إنتاج تاريخية الوحشية العراقية، وتعد تمرداً محلياً، او الخلاصة النهائية للقسوة التي اتصف بها نظام صدام حسين مندمجاً بالتطورات العاصفة التي غيرت المجال السياسي العراقي (تهميش السنة بعد الحدث الأميركي العام 2003، الصراع التجريفي بين الجماعات المسلحة للطائفتين، حل الجيش واجتثاث البعث) مع التحولات البنيوية التي حدثت داخل حزب البعث في تسعينيات القرن الماضي بعد الحملة الإيمانية التي اطلقت العام 1994، فقد عانت المجتمعات السنّية في الأنبار وديالى والموصل من السياسات الطائفية الحكومية التي مورست ضدهم في الاقصاء من الحقل السياسي والعسكري والاقتصادي، فضلاً عن ذلك ان تلك المجتمعات تقوم على شبكات قبلية (عشائر متداخلة) وضعف المدن اقتصادياً وسياسياً، جعلهم يجدون ذواتهم في الاسلام السلفي الجهادي للكفاح ضد الشيعة (المهرطقين الروافض)، ما جعل من المجتمعات السنّية الحاضن الاجتماعي في الارياف والقرى المحيطه (حزام بغداد) والمحافظات الغربية للتيارات السلفية الجهادية.

اكتشاف الميليشيات الشيعية

كان هناك تطوران اساسيان يمكن عدهم سببين رئيسين في التحول للشيعية السياسية المسلحة، بعد مرحلة ضبط امتدت من العام 2003 إلى العام 2006 نحو عمليات الردع والقصاص و الثأر.

التطور الأول : تفجير الضريح في سامراء في شباط العام 2006. اذ كان هذا التفجير هو نقطة التحول النفسية او العاطفية بالنسبة لشيعة العراق فلقد هدد وبشكل جدي وواضح مشاعر واحاسيس الشيعة في مسألة أمنهم وأثار تساؤلاً كبيرا عن هشاشة المصالحة مع السنّة. كما اثار شكوكاً واضحه في عقول الشـيعة بشأن قدرة الولايات المتحدة أو رغبتها في دحر التمرد السنّي الذي شكلت حوادث العنف ضد الشيعة معالمه الرئيسة وبما لا يقبل الشك على الاطلاق، واكتشفوا ان سياسات (الكبح) التي مارستها المرجعيات الدينية الشيعية، تؤدي الى تشجيع التمرد السنّي وتعضيد العنف، فتح هذا الشك بوابة للميليشيات الشيعية في تحمل المسؤولية ونقض الثوابت من أجل توفير الامن للمجتمعات الشيعية المستهدفة، فضلاً عن توجههم لبناء قاعدة (توازن الرعب) باقدامهم على الهجوم على المدنيـين السنّة، فلم يكد العراق يتعافى من صدمة سـامراء العام 2006- 2008، حتى وقع ضحية دائـرة او دوامة من العنف الطائفي منذ العام 2014، حيث اعلن الجهاد الكفائي وتشكل الحشد الشعبي من اتحاد الميليشيات الشيعية بالضد من تنظيم الدولة (داعش) والميليشيات السنّية المرتبطه به، الذي وصل في اندفاعاته الى حدود العاصمة بغداد.

التطور الثاني: لعبت الميليشيات المسلحة الشيعية دورا متزايد في القتال،  وحلت تلك الميليشيات مشكلة القوى البشرية للجيش النظامي الذي اصبح يعاني من الانهيارات لعوامل متعددة، فضلاً عن ذلك أن تلك الميليشيات تمتلك عقيدة أيديولوجية دينية تتخطى قواعد الاشتباك العسكري وتمارس المذابح والابادة والتهجير واستئصال التجمعات السنّية عبر التطهير العرقي والاغتيال والاختطاف، يرافق ذلك تآكل المؤسسة الوطنية الاتحادية (الجيش) التي انحلت وملاء الفراغ خليط من التنظيمات المسلحة تمول من الحكومة المركزية، فالحرب الاهلية العراقية بعد العام 2014 تحولت الى نزاع شامل وان جميع عناصرها يمكنها الاستمرار بعد أن أخذت صفة حرب وجود طائفي، وقد تكون وعلى المدى الطويل أحد الاسباب في  أفول العراق وتحوله إلى دويلات متحاربة، فقد مارست الميليشيات الشيعية (جيش المهدي او سرايا السلام وعصائب اهل الحق وقوات بدر وعشرات من التنظيمات المسلحة)، سلطة تنفيذية كاملة في العاصمة بغداد التي تعرضت الى الفرز الطائفي وانهيار المناطق المختلطة سكانياً اما في الجنوب الشيعي فقد مارس سلطة مطلقة، اما الميليشيات السنّية فقد تشكلت عبر تدفقاً عضوياً أو مفككاً للمقاتلين السنّة من العالم الاسلامي إلى العراق بعد العام 2003،  قيل إنه حماية السكان السنّة من عمليات التجريف التي كانت تشنها المليشيات الشيعية والحرس الوطني (جيش شبة الدولة الطائفية) والجيش الاميركي، كان يعد جهداً أيديولوجياً وجيو- سياسيا لتنظيم القاعدة الجهادي للمقاومة ضد الفتح الأميركي للعراق، وهو جزء من (بروباغندا التحشيد الطائفي) وكانت جميع المجازر وعمليّاتِ الخطف والتهجير الفرديّ والجماعيّ، عبر سنوات الحرب الأهلية، ذاتَ طابعٍ طائفي، فقد مارس تنظيم دولة العراق الإسلامية كوحدة تأسيسية نفوذه في مناطق الأنبار والمثلث السني واستطاع فرض شريعته الدينية، والسياسية، والفقهية.

المشكلة أكثر تعقيدا ما يمكن تصوره. بالأخص، من الأولويات ادراك أنه لايوجد حرب أهلية واحدة فحسب خلال تلك السنوات (2003 – 2016 ) لكن هناك قوى عديدة محركة ومتداخلة مع بعضها وتشمل، النزاع بين السنّة والشيعة  من اجل السيطرة على الدولة، ونتيجة لذلك نشوب حروب أهلية متعددة تصب في النزاع السنّي – الشيعي، ومن ثم النزاع  في داخل بغداد وحزامها السنّي فضلاً عن تفشي الجريمة الجنائية والجريمة السياسية في جميع أنحاء البلاد.

كانت نتائجة تقسيم الدولة والمجتمع وانتقال السلطة بين الأشخاص المحليين والميليشيات والجماعات الطائفية والمجتمعات السياسية المحلية احد مظاهر الحرب الأهلية، حيث اصبحت الدولة تفويضية ومطوقة، وما هو إستثنائي هو أنه من الصعب دفع مسألة إعادة مركز السلطة، حيث أن منطق التطور السياسي في العراق يزيد من الافتراق بين الجماعات الشيعية والسنّية.

استعادة السلطة السنّية

يعد تنظيم دولة الخلافة الاسلامية (داعش) بالمحصلة النهائية، عراقي التكوين والأيديولوجية وله أهداف سياسية مع الاهداف الدينية، استعادة السلطة السنّية في العراق، بيد ان تكـتيك (دولة الخلافة السنّية القومانية) (داعش) اتبـع  نمطاً ثابتاً عسكرياً، يمكن العثور على وصفه في تقارير الأمم المتحدة الخاصة بالعراق، ففي البداية يتم قصف المدن المختلطة دينيا، واطلاق اشاعات لزيادة الصدمة ومن ثم التطويق وترويع السكان عبر التهديد بالقتل ونهب الممتلكات وفصل الرجال عن النساء وقتلهم، ونقل النساء الى مراكز الاغتصاب او البيع وقتل رجال الدين الذين لم يبايعوا الخليفة ابو بكر البغدادي أو يشكلون خطراً على والوجود التنظيمي للدولة، فضلاً عن ذلك الخطاب الداعشي، تميز بجهاز مفاهيمي مالوف وغير مهجن ولغته تتسم بالبديهيات والاستخلاصات اللاعقلانية وبالواحدية، وهو نـتاج تزاوج وتشـاكل الخطاب القومي الشمولي مع أيديولوجية سلفية جهادية طائفية يستمد قوته من الأزمات البنيوية للمجتمعات السنّية، إذ ادت الى انتاج خلطة غير متجانسة بين منظومة حزب البعث الفكرية ذات الابعاد الفاشية و السنّية الاصولية، انتجت قومانية اسلامية جديدة.

المجال السياسي للحرب الاهلية

يطرح فالح عبد الجبار موضوعين أساسيين عن الولاءات والحراك السياسي داخل بنية المجتمع العراقي.

الموضوع الأول: تعتمد الولاءات والحراك السياسي على ما يسميه علماء الاجتماع (التفكير النمطي) المؤلف من جملة قوالب جاهزة، يقينية، مقطوعة في الغالب عن الواقع، تخلط خلطاً عشوائياً بين تخيلات، وتحيزات، وتشوهات فكرية متعددة المشارب.

الموضوع الثاني: يعتمد الحراك السياسي عن الولاءات التقليدية الطائفية، والعشيرة، والزعيم السياسي أو القبلي.

إذ إن الهويات الطوائفية، والقومية، والاثنية، وبحثها المستمر عن مكان لها في الحقل السياسي، يكشف ارتهان السياسة العراقية أو الطبقة السياسية بحقائق التركيبة السوسيولوجية الرثة للمجتمع العراقي، حيث وقع منتجو الخطاب السياسي العراقي في (الوهم الايديولوجي) القائل بأن تماثل الدولة والمؤسسات التمثيلية مع تركيبة هويات المجتمع لكون هذه التركيبة تمثل أصالة المجتمع التخيلي والمخترع سياسياً من قبل هذه الجماعات، لذا يفتقد الخطاب السياسي العراقي منذ 2003 إلى آليات التمركز والثبات حول نواة صلبة في الهوية السياسية، إذ تسود شبكة من الهويات الفرعية والتفرد في المخيلة الأيديولوجية وانبعاث الطوائف والقوميات والاثنيات، أدى إلى تعميق الانقسامات المذهبية والمجتمعية وكشف عن شعبية الحركات الإسلاميّة الراديكالية السياسية مقابل أزمة تأسيسية للمجتمع العراقي هذه المسألة تعود إلى التشظي الشديد للمرجعيات السياسية والفكرية للجماعات العراقية، تتراوح بين التعايش والنزاع نتيجة للعنف والقهر المنظم الذي مارسته الدولة التوتاليتارية منذ ستينيات القرن الماضي داخل المجتمع العراقي.

لذا فأن هذه الجماعات الطائفية تبحث عن أساطير مرجعية، او خرافات سياسية وطقوس لاستعادة رأسمالها الرمزي الذي امتصته الدولة الشمولية القومانية العراقية، فقد تم بناء الدولة العراقية الحديثة ما بعد العام 2003 وفقاً لمفاتيح (اثني/ ديني) هذه التركيبة أدت إلى (تطويف السياسة العراقية) واشتغال نمط من الترابطات البنيوية الأساسية تمثل نقيضاً كاملاً لبلورة هوية وطنية عراقية.

فقد تم استبدال الديمقراطية التمثيلية بديمقراطية المحاصصة الطائفية والعرقية والتي تمثل تجاوز على أهم تأسيسات الدولة الحديثة التي توصف كحاضنة لكل المواطنين وتعطل الحراك السياسي واستبدال الممارسات السياسية بالعنف، ما أدى إلى تفعيل الفوارق الثقافية أو اللغوية والدينية بين الجماعات العراقية ودفعت هذه الجماعات إلى البحث عن التمايزات والرأسمال الرمزي وبناء كانتونات طائفية تصل حتى الى  تفكك بنية الدولة وقد ظهرت هذه التمزقات إبان الموجة الاول من الحرب الأهلية الطائفية في العام 2006 والتي أشرت إلى نهاية التاريخ لمقولة الدولة، وتأسيس أنماط جديدة من العلاقات الموغلة في تركيبات بنيوية معقدة سياسياُ واقتصادياً ودينياً وصراع نجد أساسياته في الهيمنة على السلطة السياسية والمجال الديمغرافي بين الجماعات الشيعية السلفية القتالية والجماعات السنّية السلفية التكفيرية التي تكرس ذاتها على التمزق الرمزي والخروج التام من التاريخ وتجعل منه خطوط تماس مع الجماعات الشيعية السلفية، والوقوع في فخ الوهم السياسي الذي إعادة إنتاجه داخل المتخيل الايديولوجي في الأصالة، والتفرد، والهيمنة المستدامة والتماهي والاستحواذ على الممتلكات الأرضية والرمزية بواسطة  هويات دينية جماعية مضادة لحركة التاريخ.

في حين تستخدم الجماعات الشيعية السلفية، آليات الديمقراطية للهيمنة لتعويض تاريخية الإقصاء من حقل السلطة والثروات والحيز السياسي داخل الأيديولوجية الأرثوذوكسية الإسلاميّة وتعود موجات الحرب الاهلية الطائفية داخل التكوينات العراقية إلى تفكك الطبقات الاجتماعية وظهور الطائفية كممارسة سياسية وبروز الطبقات السفلى في التركيبات السياسية وهيمنتها على مسرح التاريخ، حيث إن العلاقات بين الجماعتين (السنية والشيعية) تقوم على الاستبعاد التيولوجي والسياسي وقد شكلت هذه المسألة مجالاً واسع لإنتاج الهيجان الجماعي ضد (آخروية) الآخر وعدم الاعتراف بوجوده الموضوعي والتاريخي، وتصميم أسطورة الثقافة والعرق وخلق هويات وتمايزات دينية وخليط مثير من الأحكام المسبقة بصدد تشييد وتصميم نظام من التصنيفات اللاعقلانية ذات النزعات الفاشية المتبادله.

إعلان الحرب الأهلية

يبين د. فردريك معتوق أن المعادلة الأساسية التي تطرحها عادة الحرب الأهلية معادلة مثلثة الزوايا من ناحية أولى هناك دولة قد تكون قائمة على التعايش أو ضعيفة قائمة على الديمقراطية البسيطة ولكنها بالضرورة وفي جميع الأحوال دولة وفاقية قائمة على اتفاق نصي أو شفوي بين جماعاتها السياسية ومن ناحية ثانية هناك معارضة مسلحة، وميليشيات، تقوم ضمن الدولة ولكن ضدها على أساس أنها تجمعات سياسية وحزبية متمايزة بعضها عن بعض بأيديولوجية عدوانية ومن ناحية ثالثة هناك المجتمع المدني الذي يتسم بالضعف.

ويعد العنصر الأيديولوجي (الديني/الطائفي) إلا العنصر الاقتصادي هو الأساس والذي يتصدر قائمة الثوابت في النزعات الاهلية كما يلاحظ مايكل مان فمن دون أيديولوجيا مسلحة حربية لا وجود لنزاع أهلي، عبر هذه الايديولوجيا تستطيع الحرب الدخول إلى النسيج الاجتماعي والهويات الجماعية وهواجس الأفراد الفاعلين وقد يكون العنصر الاقتصادي محركاً حقيقياً للنزعات الأهلية ولكن الخلاف في المصالح الاقتصادية لا يصبح مجالاً متفجر للحرب الأهلية إلا بعد اقترانه بالخلاف الأيديولوجي.

شكل تجذر الولاءات الطائفية والدينية في الأنموذج العراقي بعد العام 2003 نمطاً من التشظي في الخطوط العرقية والمذهبية وتم استخدام هذه الانقسامات في الهويات الطائفية/ الدينية كأداة حشد وتعبئة سياسية، وانتشار خطاب التكفير المؤسساتي داخل الأطر الثقافية العراقية، الحرب الأهلية الطائفية في العراق 2006 – 2008 الموجة الأولى، والموجة الثانية (2014 - ....) وامتداداتها، قامت على حرب مدن كلاسيكية وبالذات في مدينة بغداد والمدن والاحياء المحيطة بالعاصمة (الحزام السني) حيث يتم اللجوء إلى الاغتيالات من أجل إفراغ المناطق المختلطة من السكان والتركيز على رجال الأعمال والتجار والشخصيات الاجتماعية كجزء من محاولة منهجية لخلخلة النسيج الاجتماعي بصورة أكثر عمومية، فضلاّ عن ذلك انها حرب متعدد الأوجه كشفت بقوة عن خطوط تماس وخصوصيات وتباينات جغرافية كانت كامنة وغير منظورة في الماضي القريب، حيث  إن الديناميات الأهلية في بغداد جعلت من الممكن، وعلى نحو مأساوي، وضع خريطة أكثر تفصيلاً للتركيبة الاجتماعية لأحياء العاصمة.

إن فهم نشوء وتطور هذه التركيبة يتطلب نبذ أي تفسير يستند الى معيار احادي وانما هناك مجموعة من المعاير و الأبعاد تشكل العوامل الرئيسة في الخطط المعقدة للحملات التي يصممها وينفذها اللاعبون الرئيسون في الحرب الأهلية الطائفية سواء كانت الميليشيات الشيعية او الميليشيات السنّية، حيث توفر صورة أكثر وضوحاً للجغرافيا السياسية للبلاد، يكشف غارث ستانسفيلد و تشاثام هاوس، ان النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي قد تمزق، لا توجد في العراق حرب أهلية واحدة، ولا حركة تمرد واحدة لكن ما يوجد فعلا عدة حروب اهلية وحركات تمرد قائمة بين مجتمعات ومنظمات مختلفة، كما يوجد أيضا طبقة من المتنفذين العاملين الذين يسعون نحو إضعاف، أو إسقاط أو التحكم والسيطرة على نظام الدولة، ومن ثم تشتت العراق جغرافيا إلى مناطق تسيطر عليها وتتحكم بها جماعات سياسية قبلية (عشائرية) أو عرقية وطائفية أو الميليشات التي استمدت قوتها عبر سيطرتها على بعض الاقتصادات المحلية غير الرسمية (اقتصاديات النزاعات الأهلية)، حيث نجد أن الميليشيات السنّية والميليشيات الشيعية تسيطر وتهيمن على الأرض والموارد، وكذلك ان القوى الإقليمية تمتلك قابليات وفاعلية نتيجة  التراث التاريخي للتفاعل الاجتماعي والترابط الديني المتأصل بصرف النظر عن حدود الدولة القومية العراقية الحديثة، فالحكومة العراقية الان مجرد واحدة من عدة عناصر محركة للحياة السياسية، وكذلك تفكك الروابط الاجتماعية، ونشوء السياسات التي تستند الى الهوية كوسيلة اساسية للتعريف السياسي والاجتماعي داخل المجتمع العراقي. فالهويات الطائفية اصبحت أساسا التعبئة، والتحشيد، والتماثل، وهذا جزء من ايديولوجية الاسلام السياسي بشقيه السنّي والشيعي في العراق حيث يعتمد الشرائح المهمشة التي اتسعت في زمن النظام الصدامي وتم افقارها في سنوات الحصار وسنوات ما بعد الحدث الأميركي 2003، وكذلك أدى التأثير المتراكم للهجمات الانتحارية وارتفاع مستوى،‏ التخويف والتهديد وإرتكاب الوحشية والقتل الطائفي المتواصل وعمليات الاختطاف والابتزاز والاغتيالات إلى حل الروابط الهشة التي تجمع المجتمع مع بعضه بعضاً، مؤدياً الى ‏حدوث نزوح كبير وانتقالات واسعة للسكان، ما أثر في الحياة ‏اليومية، ورسمت صوراً عن كيفية النظر إلى الآخرين وكذلك الحالة التي جعلت فيها أمن الاحياء في بغداد والمدن العراقية يقع في يد الميليشيات المسلحة، ما جعل منها مواقع جديدة لممارسة سطوتها محليا، بعد ان تخلت الدولة عن احتكار العنف والقوة، وممكن العودة الى الارشيف الكبير الموجود على شبكات النت (‏ يوتيوب YouTube) لنكتشف حجم العنف الطائفي والاعمال الوحشية التي أرتكبت بين السنّة والشيعة، فضلا عن التقارير الاممية التي تصدرها المنظمات الدولية والتي فهرست تصاعد الحرب الاهلية الطائفية في موجاتها وامتداداتها، وكان صعود النسخة السياسية (المالكية) السلطوية إلى إدارة البلاد ما بعد العام 2010، وهي خليط من المحاصصة والاستبداد، ومؤسسات غير دستورية، وجيوش ظل مسلحة وعصابات مليشايوية كانت تجري من أجل مركزة السلطة الشيعية، فقد جرى تغييب المؤسسات الدستورية وإنشاء سلطة تعتمد العلاقات القرابية والمناطقية والسياسة الزبائنية تعد احد تجليات الفجور السياسي للنخب الشيعية، مرتبط بصفتها بالذات كممارسة النهب الدائم والفساد وإيذاناً في بدء الموجة الثانية من الحرب الاهلية الطائفية.

تم تقسيم الكتاب الى خمس اقسام، في القسم الاول، مداخل وجذور النزاع الطائفي للهيمنة والسيطرة على السلطة والثروات تم تناول سياسات التنازع الطائفي في الإسلام الكلاسيكي عبر تحليل الايقونتين (الإمام والأمير) والتي تشكل أحد الابعاد الأيديولوجية في النزاع الاهلي الطائفي (الشيعي / السنّي) ومن ثم الانتقال الى دراسة صعود وتفكك الدولة القومية السنّية (1921 – 2003) التي عدة الوريث الشرعي والخلاصات  لعمليات الاقصاء والتهميش للمجتمعات الشيعية في العراق، والتغيرات السياسية التي صاحبت الفتح الأميركي العام 2003 (تفجيرصندوق باندورا العراقي)، في القسم الثاني من الكتاب تناولنا مفهوم االنزاعات الداخلية كمولدات الحرب الاهلية وتأسيس مفهوم الحرب الاهلية المركبة  وتناول آليات التكيف المنهجي لهذا المفهوم في تكوينات النظام السياسي الطائفي العراقي ما بعد العام 2003 عبر دراسة الثالوث المنتج للحروب الأهلية (ديمقراطية توافقية، هشاشة المجتمع المدني،  المليشيات والجماعات المسلحة) في القسم الثالث متمردون قوميون، وميليشيات وسلفيون جهاديون وايديولوجيات قتالية تناولنا طبيعة التمرد القومي السنّي وتحالفاته مع السلفيين المعولمين والذي رفع شعار ( القتال ضد الشيعة المهرطقين والأميركان الكفار) ومن ثم تفجير القبة العسكرية والتي تعد بواكير الحرب الاهلية الموجة الأولى 2005-2008، والصعود الراديكالي والانغماس في النزاع الاهلي للميليشيات الشيعية (الصدريون) ودراسة خرائط النزاعات الاهلية الطائفي في بغداد وحزامها السنّي، والتهجير الديمغرافي (التهجير المتبادل) وتقديم ارشيف عن وقائع الموجة الأولى من الحرب الاهلية الطائفية (2005- 2011) اعتماد على وثائق اممية، في القسم الرابع النزاع الاهلي وتصادم الشوفينيات الطائقية  2013- 2016، والتي تعد تأسيس  الموجة الثانية من الحرب الاهلية الطائفية درسنا ظاهرة نوري المالكي السياسية وطبيعة السلطوية التنافسية ونتائجها في بروز الاحتجاجات السنّية والدور الذي لعبته القبائل ورجال الدين والبعثيين، ومن ثم  انكسار تلك الاحتجاجات واعلان دولة الخليفة التي تعد  انتصار للقومانية الإسلامية  وبروز  اتحاد الميليشيات الشيعية (الحشد الشعبي)  و في القسم الخامس تناولنا  الايديولوجية الاحترابية الطائفية (العسكرة، قداسة الجهاد، حرب الهويات الطائفية) دراسة تحليلية للميليشيات الشيعية و السنّية الفاعلة في الحرب الاهلية الطائفية  وتقديم  الوقائع اليومية للموجة الثانية من الحرب الاهلية الطائفية 2012-2016، وبحث الاقتصاد السياسي للحروب الأهلية في العراق، فقد تم تزويد الكتاب بخرائط  تفصيلية، واشكال ، وجداول توضحية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هوامش، وثائق، ايضاحات، مصادر

 

      المقدمة

-        يتطلب مراجعة التاريخية العراقية الحديثة والكشف عن السلسلة المروعة من الحروب، والعنف السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي والانغلاقات الثقافية، والتهميش والإقصاء للجماعات، والمكونات العراقية والإبادات المتبادلة والعنف الإيديولوجي وعمليات إعادة إنتاج الإخضاع والهيمنة داخل نسق السلطة السياسية، المجتمع العراقي خضع الى سلسلة من التحولات ( مجموعة كبيرة من الثورات والانتفاضات والانقلابات ) منذ تأسيس الكيان السياسي، ولكن (الدولة) بالمعنى الاستعاري لم تخضع الى متغيرات او اعادة بناء للنسق الوظيفي، وانما دائماً يتم اعادة بنائها على اساس نظام من التوترات المعقدة حيث نجدها دائماً وعبر التاريخ مجال للفوضى والفوضى المضادة تتمحور حول الاستبداد والمدنية المنقسمة والنخب الدائرية والتي يتم اعادة انتاجها باستمرار، والقائمة  على استنفار المخزونات التاريخية للطبقات السفلى من المجتمع لبلورة  حرتقات ايديولوجية وتوسيع  دائرة الصراع  على  الرهانات السياسية، وإلى الان لم يتم كتابة سرديات الاقصاء المتبادل بين الجماعات العراقية والعلاقات الدموية والابادات التي تمت من قبل الدولة القومية العراقية 1921- 2003 وانعكاس هذا كله على تشكل المجتمع  وتحديد الوجود الموضوعي البشري  وتخطيطات انماط الثقافة والهيمنة بوصفها اداة ضبط فائض  القيمة الرمزية.

 

-        الخطاب السلفي  الطائفي ( السنّي او الشيعي ) في العراق أسس مشروعيته على إنتاج تصنيفات تاريخية وثقافية ودينية مندمجة بالأرضية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مبلوراً نموذجاً بنيوياً تركيبياً تبادلياً داخل حقل الثقافات التداولية الشعبوية وهي إنتاج إفرازات التحديدات المادية للمجتمع العراقي ونظام البنى الذي يشكل الحاضن الأول للثقافة وتاريخ التمركزات البيطرياركية.

 

-        بواسطة التحليل المادي للانتاجات الدينية الطائفية والتي تمثل (الانساق الثقافية)

 

-        المأزق السني في العراق / ريناد منصور- مركز كارنيغي للشرق الأوسط - http://carnegie-mec.org/2016/03/03/ar-pub-62945

 

-          جذور الإسلام السياسي في العراق وتياراته - لطفي حاتم http://www.althakafaaljadeda.com/324/13.htm

 

-          ظهور برنامج (أبناء العراق) وأفراده كقوة حيوية مؤلفة من ( 95 - 100) ألف مقاتل قد جاء نتيجة ‏مبادرة أمريكية كانت جزءا من جهود ديفيد بتريوس (David Petraeus)بعد العام 2006 - 2007 ‏ لتحويل مسار الحرب بعد عملية بزيادة عدد القوات الأمريكية في العراق . لم ترغب الحكومة العراقية ذات الهيمنة الشيعية وتقول العديد من الانتقادات التي وجهت الى الولايات المتحدة إن الأخيرة ببساطة تدفع الأموال للمتمردين لتغيير مواقعهم ولكن هذا الأمر يحمل تبسيطا لأن الأفراد الذين إنضموا الى برنامج (الصحوات) كانت لديهم كراهية شديدة وقوية لتنظيم القاعدة وسياساته بما فيها الاستيلاء على الموارد الاقتصادية وفرض صيغ صارمة من الشريعة الاسلامية (بما في ذلك قطع اليدين أو الأصابع بسبب التدخين) والزواج القسري للنساء المحليات .عمل أفراد برنامج (الصحوات) كقوة شريكة موثوق بها للولايات المتحدة والقوات الأمريكية وعملت الولايات المتحدة على دفع المستحقات المالية لأعضاء هذا البرنامج حتى تشرين الأول عام 2008 ‏عندما تولى العراقيون المسؤولية المالية لحوالي نصف أعضاء برنامج أبناء العراق كجزء من العملية الجارية لتوسيع سلطة الحكومة العراقية ‏وفي الثاني من نيسان عام 2009 ‏تولى العراق المسؤولية الكاملة عن هذا البرنامج قوبل القرار الخاص ببدء تحويل مسؤولية برنامج الصحوات ونقلها الى ‏الحكومة العراقية بعدم رضا وكان من  بين الأعمال الأولية للحكومة العراقية العمل على تخفيض وتقليل الرواتب والمستحقات المالية لأعداد كبيرة من رجال الميليشات والجماعات المسلحة مع دخولهم نطاق سيطرتها وولايتها . ثم جرت عمليات  إلقاء القبض عليهم وإعتقالهم لجرائم تم إرتكابها زمن التمرد على الرغم من الوعود المقدمة للعفو عنهم إذا ما تخلوا عن التمرد.

 

-        منذ تأسيس الدولة العراقية، حتى في ظل حكم العثمانيين. تمتع السنّة بمكانة مهيمنة واغلبية عددية في جميع مؤسسات الدولة. ومن ناحية أخرى كانوا أقلية وهم يعرفون ذلك، ولذا، إنطوى الانخراط في خطاب طائفي على خطورة، وشكل خطراً على هيمنتهم السياسية. وتعين عليهم تبني وفرض خطاب غير طائفي بديل تغلغل، من خلال سيطرتهم على وزارة المعارف، تغلغلاً عميقاً في صميم الوطنية العراقية. ويتضمن الإطار السنّوي (نسبة إلى السنّة) تديناً معيناً. ولذا كان السنّة العلمانيون أو التراثيون، في الحكومة وخارجها أقل نزوعا إلى إعطاء تعبير رسمي عن طائفيتهم عما عليه الأمر مع حزب سنّي ديني، على شاكلة الأخوان المسلمين، بل حتى أنهم اعتادوا طى صياغة رسالتهم الطائفية بعبارات تمويهية./ للتوسع مقال عن الخنوع والبقاء: المعارضة السنّية لصدام وجذور القيادة السنّية الحالية في العراق/ رونين زيدل

 

-        في العام 2003 كانت هناك علاقة مشتركة بين التمرد الشيعي في (النجف) والتمرد السنّي في (الفلوجة) ولكن حدث تفجير ضريح الامامين العسكريين العام 2006، أجرى تحولاً جذرياً في ستراتيجيات الهيمنة، حيث قامت الجماعات المسلحة الشيعية باعمال تجريفية واسعة ضد التجمعات السكانية السنًية وهجومات ضاربة على الجوامع، كانت حصيلتها اعلان الحرب الاهلية ( الموجة الاولى ) التي استمرت حتى العام 2008، بعد ظهور الحشد الأميركي والصحوات العشائرية، التي استطاع شل التمرد السنّي ذي الأبعاد الدينية – القومية، أما الموجات الثانية فقد جاءت مع انهيار الجيش العراقي العام 2014 امام تحالف الميليشيات المسلحة السنّية وتنظيم الدولة الاسلامية داعش، حيث سيطر على الموصل، ونينوى، وصلاح الدين، والفلوجة، والامتداد الى بعقوبة وتهديد العاصمة بغداد عبر حزامها السنّي، في الموجة الثانية انخرط عدد كبير من المدنيين حيث جرت عمليات ابعاد السكان والتهجير والاغتصاب، وتعطيل الامدادات الغذائية، وحصار المدن، انتجت مهجرين ومشردين ولاجئين، يعدون بالملايين.

 

-        السياسة السنّية في ظل نظام حزب البعث الذي كان له على الدوام  منافسون ضمن الطائفة السنّية. ففي خمسينيات القرن العشرين، تعين على الحزب المؤسس حديثا الصراع مع تيارين ايديولوجيين رئيسيين لهما شعبيتهما في المناطق السنّية: الناصرية والاصولية الإسلامية. كما جسدها الأخوان المسلمون٠ وينبغى ملاحظة ان حزب البعث لم يصبح أكثر ميلاً إلى الإطار السنّي إلا خلال ستينيات القرن العشرين، في حين ان منافسيه الاثنين المذكورين أعلاه كانا سنّيين بالكامل دوماً وشكلت الشيوعية إلى حد اقل، تحدياً ايضاً في بعض المناطق ذات الهيمنة السنّية. ومن المعروف جيدا انه على إمتداد فترة ثلاث سنوات عقب تولي البعث للسلطة في العام 1968، فقد اعدمت الحكومة الجديدة العديد من المنافسين السياسيين الفعليين او المحتملين، فقد أطاح البعث بنظام سنّي بمساعدة الضباط العسكريين السنّة. ولذا فان معظم المنافسين كانوا سنّة. ولم تكبح حتى الأواصر المناطقية التنافس السياسي وكان من بين اعمدة النظام السابق (اي نظام الرئيس عبدالرحمن عارف) التكريتيان رشيد مصلح (الذي نفذ به الاعدام في كانون الثاني من العام 1970 وطاهر يحيي (الذي اعتقل وتعرض لتعذيب شديد وقضى سنوات في السجن) وفي الوقت نفسه، أعدم النظام الجديد منافس ايديولوجي سنّي، الشيخ عبدالعزيز البدري، زعيم الحزب الإسلامي العراقي. وزعماء آخرين في ذلك الحزب الاصولي (وقد تواصلت عمليات الاعدام والقتل السياسي لمنافسين سنة طوال سبعينيات القرن العشرين. وبعض ممن تعرضوا للاغتيال على شاكلة حردان التكريتي، ومرتضى الحديثي، واخرين قد لقوا حتوفهم جراء الصراعات على السلطة داخل الحزب، في حين كان آخرون شركاء سابقين للبعث وفي منتصف سبعينيات القرن العشرين، بات واضحاً ان حزب البعث حاز على سيطرة كاملة على المسرح السياسي العراقي بفعل تنظيمه الاقوى وتوظيفه الفاعل. للأجهزة الأمنية وقد افادت الحكومة ايضا من الدخل الهائل المتأتي من تأميم النفط لتقوم بتوسيع صفوفها، مغرية الكثيرين جراء تقديمها لعروض التوظيف، وقد شجعت على نحو خاص السنّة للأنضمام الى جهاز الأمن المتوسع، ونتيجة لتصفية البدلاء السياسيين، بدأ الكثيرون من السنّة المؤيدين لأحزاب اخرى بالتعاون مع النظام، وفي الأقل حتى تسعينيات القرن العشرين، كان الأفراد السنّة او المعارضة السنّية المنظمة للبعث هي الاستثناء وليست القاعدة./ عن الخنوع والبقاء: المعارضة السنّية لصدام وجذور القيادة السنّية الحالية في العراق/ رونين زيدل.

 

يوسف محسن

 

 

عباس علي مرادعرض لكتاب فؤاد الورهاني "ضيعتي"

ان كانت شهرته تأتي من فن النحت الذي باشره في صباه، لكن الفنان فؤاد الورهاني الذي نحت الحجر، طوع الحديد وصقله وشكل الخشب، لم يكتفي بذلك، لكنه دخل عالم الكتابة حيث أجاد وتجاوز وعورة اللغة، فكانت تجربته في كتاب ضيعتي مختلفة، فكتب تجربة الحياة في ضيعته "الكارس" وجوارها من ألفها الى يائها والتي تشبه تجارب القرى الأخرى سواء كانت في لبنان اوسوريا  وفلسطين والتي لا يريد لها ان تدخل عالم النسيان.

يقول الكاتب: قالت لا تنسا بلادك/ لفيها تربت أجدادك/ تربة أجدادك سلام/ ملياني عظام وأقلام/ معليش تمشي لقدام/ بس خلي الرجعا بالك…(ص124)

يصور الورهاني بكلماته وباللهجة المحكية التجارب الزراعية والأجتماعية والثقافية ولا يغيب البعد التاريخي حيث يشرح الكاتب تاريخ وأسماء المواقع والقبائل والشعوب والدول التي حلت في المنطقة.

في 142 صفحة، و73 قصيدة، يسرد الكاتب قصصه وذكرياته كأنه ما زال يعيشها، فرغم غربته البعيدة (أستراليا) استطاع الورهاني الإقامة بين التفاصيل التي نقلها بأمانة شارحاً ومفسراً التعابير القروية وأسماء المعدات الزراعية وعادت قروية( أفراح، أحزان، علاقات أسرية، مواسم زراعة وحصاد...) حتى يسهل على قارئه وجذبه الى عالمه واشراكه في هذا العالم الخاص، الذي يجد فيه صفاء النفس واشتياق الروح الى أيام وذكريات، تتنفس في كلمات قصائده مبعوثة حية حتى تجعل القارئ منصتاً للصراخ، للهمسات، للآهات والوشوات الصاعدة مع اصوات أهل الضيعة ومعاناتهم وعنفوانهم وكرمهم حيث الضيافة والمضافة ركن من أركان البيت ويقول الكاتب: (ص 85) جدي كان ب فروتو ملفوف/ لخيطها من جلد لخروف/ ولبرد كان ليلي مش مألوف/ عتازوا فُرش لضيوف (1)/ علمطوا كان مصفوف/ وغطونا بلحف الصوف  ويشرح الكاتب (فرش الضيوف، كما كان البيت يضع ميزانية إطعام الضيف، كذلك فراش وأغطية الضيف دائماً موجودة بالمضافي، وانت قد تضاف بأي لحظة في الليل او النهار).

1454 الورهانيويصف عادات الزواج (ص119) عقدو عليها العقد ولفاتحا نقرت/ ومهرها تحدد مثل ما لبعادي جرت/ مأخر مقدم مقدم حقوقها كلا سَرَت/ بحيث لشيوخ لوحدا بلقصة نبرت/ وقصو جهازا وحتى ميقولوا فترت/ بنتن تنقي والعريس أمو شترت…

وعن عنفوان أهل القرية يؤرخ لقصة يرويها كما حدثت عندما حاول الفرنسيون شق طريق بمحاذاة قرية (العانات) والتي كان اهالي القرية يرفضونها لان الطرقات كما يقول الكاتب كانت تجلب معها القلق للناس على مزروعاتهم ومواشيهم وغيرها ويقول: جدك عرف بس حركو اللألات/ ونهارا عندو دور برديي/ خاف العساكر يطفشو الزرعات/ ولا همجهن ينزع الميي/ نزل البطل والدنيا صبحيات/ وكانت عئيدي عمتك هديي/ وقلوا(لليوطنان) بو نجمات/ والسيف بئيد وبئيد شبريي/ والله ما بتمرق بهالأرضات/ الا مجيشك يمرق عليي..( ص139).

وفي الصفحة 130 يعرض الكاتب وبأسلوب مشوق لمرحلة الطفولة  وكيف كانت أمه تحرص على تنشئته حتى كبر وكما يقول: كبرنا وصرنا نتغير/ وتغير عليي لعدان/وصرت مش لازم أسمع حكي لنسوان/ وتبعثني تا روح إسهر / بلمضافي مع ليشبان/ وتنهيني بفلفل أحمر/ عن لخمرا ولدخان..ويتحصر على تلك الأيام قائلاً: يسقا لله أيام زمان/ أنا بإمي بفخر/ ريتنا بحب وحنان (ص131).

وبما ان الرسم هي الموهبة الأخرى التى يتمتع بها الكاتب الى جانب النحت، فقد حرص على يتضمن الكتاب بعض من رسومه التي وزعها بين ثنايا الكتاب مثل (المنشل،  الطبق والمنسف، أبريق القهوة، الجلسة العربية ودق المهباج، سيدة مع الجاروشة، رسم للضيعة، رسم لفلاح على ظهر حماره وفلاح آخر يحرث الأرض بالفدان وغيرها من الرسوم ذات الدلالات والذكريات.

ويختم الكاتب كتابه بالتدليل على مدى تعلقه بداره ومحتوياته وحزنه بسبب الفراق ويقول:

دارنا ما أجملا/ بقصر لملك ما ببدلا/ فيها مضافي بئولا/ فيها كواير حب لك لنواع/ وكل وحدي بتوعي شي عشرين صاع / هذي قصص من ضيعتي/ عا فرقتا يا ليعتي…(ص 140).

أخيراً، يشكل كتاب "ضيعتي" مرجعية وتأريخ لمرحلة من حياة الضيعة وعاداتها وقيمها والتي أتت عليها المدنية والنزعة المادية. خصوصاً وان الكتاب من نوع الشعر الشعبي والذي يلبي الحاجة الثقافية وألإنسانية والتي تتفاعل مع واقع الناس المعيوش وبدون رتوش وتعبر بصدق عن أقوالهم وافعالهم وأحاسيسهم وانفعالاتهم وما يعتمر في قلوبهم فرح وحزن وشوق وحنين والورهاني بثقافته ووعيه أضاف مدماك الى مداميك الشعر الشعبي.

ضيعتي تجربة ارتسمت في فكر الورهاني ووجدانه، ولا يمكن لذكراها ان تُنسى او تُمحى فكيف بها وسيرتها العريقة موثقة في كتاب .  

 

كتب: عباس علي مراد

 

علجية عيشبعض ما مَرَّ به الشيعة من صراعات بعد غيبة إمام زمانهم

هذا ما جاء في كتاب الأستاذ حسين علي الطفيلي خادم أهل البيت بعنوان: "بين وصيتين" وصلتني نسخة منه بصيغة الـ: pdf، وهو عبارة عن دراسة استدلالية لمسار أهل البيت وما مرّ به الشيعة من صراعات بعد غيبة إمام زمانهم وتشتت كلمتهم وابتعادهم عن منهج المعصومين، مقدما فيه وصاياهم أي وصايا المعصومين، معتمدا على أحاديث كبار فقهاء الشيعة، وبيّن صاحب الدراسة أسباب انقسام الشيعة إلى جناحين، جناح محافظ إلى درجة التعصّب وجناح موالي للمخالفين، وقال أن الأسباب تعود إلى اختلاط فقهاء الشيعة بمدارس المخالفين وتداول طريقتهم، ومن هنا ظهرت مدرسة الرأي والإجتهاد تظهر على الساحة الشيعية ، يقول صاحب الكتاب أن فقهاء الإمامية انحرفوا بعد انفتاحهم على فقهاء المخالفين، فساروا خلفهم وتأثروا بمناهجهم، ويقصد بالمخالفين أهل السنة كالغزالي ، محمد عبده، سيد قطب، القرطبي وابن عربي وغيرهم.

 ويوضح الكاتب مدى اختلاف علماء الشيعة في تفسير معاني القرآن كما هو مذكور في سورة النبأ، فمنهم من قال أن النبأ يعني يوم القيامة، وقال البعض أنه القرآن، وآخرون اعتبروها إشارة إلى أصول الدين من التوحيد حتى المعاد، في حين رأى بعض الشيعة أن المراد بالنبأ هو الولاية والإمامية، واستدلوا ببعض الأحاديث عن أبي الحسن بن موسى الرضى، أن النبي قال لعلي: يا علي أنت جنة الله وأنت الطريق إلى الله وأنت "النبأ العظيم" وأنت الصراط المستقيم، وأنت إمام المسلمين وأمير المؤمنين..إلى أن قال: يا علي أنت خليفتي على أمّتي، فمن نتائج هذا الإنفتاح على المدرسة السنية هو فتح باب "الإجتهاد" من قبل فقهاء الشيعة وهو المرادف للرأي أو القياس، إلا أن بعض أئمة الشيعة كانوا يعارضون فكرة الإجتهاد ليبطلون القياس والإستحسان بعدما وصفوا القياس بأنه مِكْرُوب خفي، ومنهم عبد الله بن عبد الرحمن الزبيري.

 استمرت المعارضة من عصر الأئمة حتى القرن السابع الهجري، حيث تغير مفهوم الإجتهاد إلى مفهوم أوسع حتى يكون الإجماع، لكن هذه النقاشات أحدثت جدلا حول إذا ما كان الإجماع يتحقق في زمن الغيبة الكبرى، وقيل أنه متعذر لتعذر ظهور الإمام الثاني عشر، فيما ذهب البعض ببطلان الإجتهاد كما ذهب في ذلك السيد المرتضى، فقد كانت وجهة نظره أن الإمامية لا يجوز عندهم العمل بالظن ولا الرأي ولا الإجتهاد، كما يلفت الكتاب إلى تأثر بعض الشيعة بالصوفية تحت مسمى العرفان والسلوك، حيث صارت هذه الفرق الشيعية تعقد حلقات للدرس في اروقة الحوزات الشيعية لدراسة كتب التصوف مثل كتاب الفتوحات المكية لإبن عربي الناصبي، وقد لقي كتابه تهافت فقهاء الشيعة، الذين انتقدوا بالمقابل الإمام الخميني الذي سارعلى نهج الحلاّج وصرح بالقول: أنا الحق وهذا يعني انه الله، فتعرض لمواجهات عنيفة إلى حد تكفيره واتهامه بالكفر والزندقة .

و المعروف عن ابن عربي كمثال أنه مالكي المذهب، هاجر من الأندلس إلى الشام وسكن فيها، وكان من أبرز المخالفين لأهل البيت، ويقول بضلالة الشيعة عموما والإمامية بالخصوص، الغريب ان فقهاء الشيعة وعلمائها أغرموا بالكتاب رغم ما ورد فيه من انتقادات تكاد أن تتحول إلى شتم، فعلي سبيل المثال يصف الروافض من الشيعة بالخنازير، وينسب فضائل أهل البيت إلى غيرهم، كما أنه ادّعى انه رأى الله في المنام وأن دعاه إلى نصح العباد، وكأنه يعلن "النبوة" أو أنه خليفة موسى في الأرض، وأعلن أنه لا يؤمن بأهل البيت، بالمقابل كان موقف أهل البيت تحريم الفلسفة والتصوّف من خلال أحاديث "العترة"، فقد كان أهل البيت يصفون الفرق الصوفية بمخربي قواعد الدين، ولذا وقعت خلافات بين المدارس الشيعية لاسيما مدرسة المحدثين أو كما يسمونهم الإخباريين، ومدرسة الأصوليين التي عدّوها أجنبية عن منهج أهل البيت وأصحابهم، وتأزمت العلاقة أكثر بعد الحرب الكلامية بين أهل الشيعة و"الوهابية" التي هددت الأماكن المقدسة للشيعة في النجف وكربلاء، خاصة بعد ظهور الميرزا محمد بن عبد النبي بن عبد الصانع الإخباري الذي مثل المدرسة الإخبارية في تلك الفترة، ووصول جعفر كاشف الغطاء إلى منصب الجعفرية الأصولية حيث وصلت الأمور إلى غاية الإغتيال والتصفية الجسدية.

 

علجية عيش

 

عزالدين عنايةفي هذا المؤلَّف الصغير الحجم والعميق المضامين، الصادر باللغة الإيطالية من تأليف أحد أبرز الوجوه الإعلامية في الأوساط الكاثوليكية، الكاتب والصحفي جان فرانكو سفيدركوتسكي، رئيس تحرير صحيفة "لوسّرْفاتوري رومانو" الأسبق، اللسان الناطق باسم حاضرة الفاتيكان، يحاول المؤلّف تقديم حوصلة للسنوات الخمس من بابوية حبر الكنيسة خورخي ماريو برغوليو المعروف بفرنسيس. مستعرضًا صاحب الكتاب فلسفة البابا القادم من أقاصي جنوب العالم من الأرجنتين، ومبرزًا مدى نجاحه وإخفاقه. لقد ورث البابا الحالي فرنسيس تركةً ثقيلة خلّفها البابا المستقيل راتسينغر، كنيسةً ترهقها البيروقراطية ويحاصرها الجمود ويستشري فيها الفساد. قدِم البابا فرنسيس محمَّلا برسالة ثقيلة، تتلخّص في خوض إصلاحات عاجلة داخل الكنيسة قبل الغرق، وهو ما بدأت تلوح نُذره.

يحاول سفيدركوتسكي في مستهلّ كتابه رسْمَ صورة عامة للبابا الحالي. منذ اعتلاء فرنسيس سدة بطرس (13 مارس 2013) سعى ليكون البابا المتفرّد بمسلكه ورؤيته. وهو يدرك مليّا أنّ موقعه الجديد في حاضرة الفاتيكان، يتغاير جذريا مع موقعه الأسبق كرئيس أساقفة على هامش المركز في الأرجنتين. جعلت تلك العناصرُ فرنسيسَ يعوّل على خوض التغيير في ذاته قبل أن يخوضه في ساحة الواقع، الأمر الذي جعل منه في ظرف وجيز نجمًا إعلاميا ومحطّ أنظار وسائل الإعلام. صدرت في الأثناء مئات الكتب التي تناولت شخصه، وصار مدار حديث المتابعين للشأن الفاتيكاني، عن مسلكه الجديد، الصادم والمثير أحيانا. فهو البابا الذي أبى، منذ البدء، الإقامة في القصر الرسولي المنيف (مقر إقامة البابوات الرسمي) وأصرّ على السكنى في ديرٍ مجاور صغير، دير القديسة مارتا. ناهيك عن رفضه تقلّد الصليب المذهّب وإيثاره صليبا متواضعا، كما تخلّى عن السيارات الفارهة واختار أخرى شعبية رافعا شعار "كنيسة فقيرة لمؤمنين فقراء"، مستلهمًا في ذلك القول الإنجيلي "لا تستطيعون أن تخدموا الله والمال" (متى6: 24). الآن بعد مرور ما يفوق خمس سنوات على اعتلائه السدة البابوية، أي بعدَ أن "ذهبت الفورة وبقيت الفكرة"، يتساءل جان فرانكو سفيدركوتسكي (ص: 19) ما الذي وفّق فرنسيس في إنجازه وما الذي خاب في تحقيقه؟ فهل التَهَمت المؤسسة فرنسيس على غرار غيره من السابقين برغم الآمال والوعود المغرية بالإصلاح التي رافقت مجيئه؟

1451 البابا فرنسيسثمّة من يتحدّث الآن عن فتنة زرعها فرنسيس، وثمة من يتحدّث عن صراع محاوِر داخل كنيسة روما؛ لكن الجميع يتّفق أن ما تحقّق من وعود الإصلاح، وهو مشروع ضخم، شيء ضئيلٌ، ولعلّ الأزمة الأخلاقية العاصفة بالكنيسة، بشأن الاعتداءات الجنسية على القاصرين من قِبل رجال الدين، التي انتشر أوارها في شتى أرجاء العالم المسيحي، قد هزّت بعمق كنيسة روما ولم تهدأ، وهي في الواقع قمّة جبل الجليد العائم المعبّرة عن أزمة بنيوية عويصة. يرى سفيدركوتسكي أن "فولكلورية الإصلاح" التي انتهجها فرنسيس، دون الذهاب إلى أصل الداء، لم تقف حائلاً دون تراجع مصداقية الكنيسة في أعين الأتباع. فليس تغيير مؤسسة بحجم كنيسة روما رهْن فرد، مهْما علا شأنه، ومهْما ابتدع من أساليب في مخاطبة الناس بمنسكه ومسلكه وملبسه، فحاضرة الفاتيكان من ورائها جيش فعلي من العاملين والمتعاونين في شتى المجالات الدبلوماسية والمالية والإعلامية، واللوبيات المتنفذة والقوى المؤثرة الصانعة للرأي العام. وهي وبإيجاز، تملك كل الجيوش إلا جيش القوة العسكرية الجارحة.

وكما يلخّص سفيدركوتسكي شخصيةَ البابا "بالمؤكد فرنسيس شخصية كاريزمية وثورية. استطاع إنشاء شكل جديد في عيش الإيمان المسيحي. وخاضَ إصلاحا على مستوى السلوك الشخصي والعقلية والعلاقات مع الناس وتغيير القلوب. ووعدَ بتغيير في الحياة الراعوية... ولكن السؤال المطروح يبقى لماذا أثار عاصفةً من الجدل والنقاشات حتى غدا عنصر فُرقة داخل الأوساط الكاثوليكية؟ بلغت حدّ اتهامه بالهرطقة" في إشارة إلى الرسالة الموقّعة من قِبل 62 دارسا ولاهوتيا، ضمن محاولة سحب المشروعية من البابا، وهي سابقة خطيرة في تاريخ الكنيسة لم تشهدها منذ قرون.

يحاول المؤلِّف في قسمٍ آخر من الكتاب تناولَ جدلية المؤسسة والفرد ضمن الإطار الفاتيكاني، قائلا: لم يشفع لفرنسيس مسلكه المتواضع، وهو يغسل ويقبّل داخل أحد سجون روما أقدامَ مساجين وسجينات من بينهم مرأة مسلمة، ضمن مشهد درامي محبوك بعناية، أو وهو يلقي بباقة زهور في بحر جزيرة لمبيدوزا ترحّما على أرواح الغرقى من المهاجرين غير الشرعيين، أو كذلك معارضته عرضَ المباركة اللاهوتية للبيع في السوق الجيوسياسية، في إشارة إلى زيارة الرئيس الأمريكي رونالد ترامب الفاتيكان، بحثا عن تزكية توجّهه أكان في سياسته مع الأجانب أو في مواقفه المتشنّجة في مسرح السياسة الدولية. رغم كلّ ذلك انهالت على فرنسيس الانتقادات من كل صوب، من داخل الكنيسة وخارجها، وهو السلطة العليا على الضمائر وظلّ الله على الأرض في التصور الكاثوليكي. ففترة فرنسيس تشهد تشكيكًا في عصمة البابا بما ليس له نظير في العصر الحديث، فقد أضرّ الرجل بالكنيسة، بحسب البعض، بما يفوق ما أتاه من مسلك متواضعٍ مؤثرٍ.

يُلحّ المؤلف سفيدركوتسكي على إبراز أن سياسة الكنيسة تصنعها المؤسسة ولا يصنعها الأفراد مَهْما علا شأنهم، وهو الدرس العميق الذي لم يفقهه فرنسيس حدّ الساعة. ففي هذه النقطة يتلخّص جوهر الخلاف بين فرنسيس والمؤسسة، وهي النقطة التي جعلت البابا مدعاة للفُرقة كما يعنون المؤلِّف كتابَه.

وبرغم الضجيج الهائل في حقبة فرنسيس حول الشأن الكنسي، ثمة قضايا كبرى بقيت على حالها: منها الشخصَنة المفرطة للكرادلة، وصراعات النفوذ داخل الكوريا رومانا (الجهاز السلطوي الرئيس)، والفضائح المالية التي جعلت من حاضرة الفاتيكان تُصنَّف بالملاذ الآمن لتبييض الأموال والتهرب الضريبي، وفاتيليكس، وحوادث الاعتداء الجنسي على القُصّر من قِبل رجال الدين.

لا يغفل سفيدركوتسكي عن ذكر أن البابا يلقى آذانا صاغية في أوساط شرائح معينة من الناس، مثل العلمانيين (في مقابل من ليسوا من رجال الدين)، والغنوصيين، وفي أرجاء بعيدة خصوصا في جنوب العالم لا في المركز في الغرب. فخطاب فرنسيس خطابٌ مباشر، متميز بشحنة حماسية عالية ومنشغل حدّ الهوس بالفقراء والمشرَّدين والمهمَّشين. ذلك النجاح النسبي للبابا دفع العديدَ من الأوساط المناوئة إلى انتقاده بوصفه مروِّجا "لفولكلور أمريكا اللاتينية" في الغرب، وأحيانا اتهامه بالشعبوية والانزياح إلى الصفّ اليساري في معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية، وهو خطابٌ يذكّر كنيسة روما بطروحات لاهوت التحرر الممقوتة. والواقع أن الوسط الاجتماعي الأمريكي اللاتيني الذي نشأ فيه البابا يملي عليه النظر إلى واقع الكنيسة ورسالتها من منظور مغاير للمنظور الغربي. فقد عانت أمريكا اللاتينية طويلا ولا زالت من أوضاع الظلم والحيف. خلّفت في العديد من المناسبات ضحايا في صفوف الكنيسة على غرار اغتيال المونسنيور أوسكار آنولفو روميرو رئيس أساقفة سان سالفادور وهو يقيم القداس داخل الكنيسة، وسقط الراهب الأرجنتيني أنريك أنجيليللي صريعا أيضا في عملية مدبَّرة، واغتيل الراهب إغناسيو إلاكوريا رفقة خمسة من أساتذة جامعة أمريكا الوسطى. كما دفعت تلك الأوضاع بالمثل إلى انتهاج خيارات ثورية انخرط فيها رجال دين، لعلّ أشهرهم الراهب وعالم الاجتماع الكولومبي كاميلو تورّيس ريستريبو، سنة 1965، وانتمائه إلى صفوف "جيش التحرير الوطني" (ELN) ذي التوجهات الماوية، إلى حين استشهاده في فبراير من العام اللاحق. مثّل ذلك عنواناً لِما يعتري كنيسة أمريكا اللاتينية من تحولات، بظهور خطاب تحريري، بالمعنى الاجتماعي، لصيق بقضايا المهمَّشين، ومفعَم بالدلالات اللاهوتية. لذلك ما كان عسيرا على "لاهوت التحرر" تحوير مفهوميْ الخلاص والخطيئة وإعطائهما دلالات واقعية اجتماعية جنب تلك الدلالات الغيبية، ليغدو التحرر من الخطيئة بمفهومه الديني يوازي التحرر من الظلم والتخلف، ويرتقي بالرأسمالية إلى مصاف الخطيئة البنيوية.

تكشف مواقفُ البابا فرنسيس ومعارضتها الجامحة حدّةَ المركزية الأوروبية، كما يبيّن الكاتب (ص: 52)، التي ما انفكت متحكّمة بالقرار داخل الكنيسة الكاثوليكية، حيث تتواصل كما يقول سفيدركوتسكي هيمنةُ تفوّق "اللوغوس" الغربي، بوصفه المخوَّل الأوحد بتأويل الرسالة المسيحية. مع انتشار خشية من كنيسة هامشية، كنيسة أمريكا اللاتينية التي انحدر منها البابا، والتي كانت إلى سنوات قليلة حقلَ "أنْجَلة" وتبشير من الغربيين، أن تتحكّم بطريقة عكسية في المركز الذي أنشأها، مع أن الواقع المسيحي ككلّ يشهد تحولات ديمغرافية عميقة في ما يخص تطور أعداد المنتمين للكنيسة من عالم الجنوب وانحسار داخل الفضاءات المسيحية الغربية التقليدية، سواء على نطاق عامة الأتباع أو الكوادر الكَنَسية.

يخصص سفيدركوتسكي محورا خاصا لأشرس حملة استهدفت البابا فرنسيس، مع ما حصل في الرابع والعشرين من سبتمبر من العام الماضي بالتنسيق بين أوساط أوروبية وأمريكية بإصدار وثيقة ضمت 25 صفحة بعنوان: "تصويبات بخصوص إشاعة الهرطقة" استهدفت البابا أساسا. كانت الوثيقة موقّعةً من قِبل 62 شخصية كنَسية وغير كنَسية من بينهم رجال دين متنفذين على غرار برنار فيلاي المسؤول الأول في تنظيم الأُخوة الرهبانية سان بيوس العاشر، التنظيم التابع للمونسنيور لوفابر المعروف بمواقفه المتشددة لتوجه الكنيسة اللاهوتي، وشخصيات مكلفة بالشأن المالي التابع لحاضرة الفاتيكان مثل إتور غوطي تيديسكي المدير السابق "للإيور" (بما يعادل وزارة المالية) في حاضرة الفاتيكان. تضمّنت الوثيقة المذكورة إدانة صريحة "إن البابا فرنسيس قد أثار بلبلة داخل الكنيسة وفي العالم في مجاليْ الإيمان والأخلاق، بما أصدره من 'إرشاد رسولي' متمثل في 'أموريس لايتيتيا'"، وهي رسالة بابوية أعرب فيها البابا عن انفتاح تجاه قضايا المطلَّقين بقصد دمجهم مجددا في الجسد المسيحي، لقيت الرسالة معارضة شديدة. واعتَبرت وثيقة الانتقاد فرنسيس نصيرا لتوجه خطير داخل الأوساط المسيحية يحرّض على الفتنة والهرطقة (ص: 67).

في الواقع مثّلت محاولات فرنسيس لتطهير الكنيسة من المتنفّذين مثل الكردينال جيرار مولر المكلف الأسبق بـ"مجلس مراقبة عقيدة إيمان"، وهو بمثابة المحكمة الدستورية العليا، خطوةً جريئةً خلّفت تداعيات على توازن القوى، فقد اعتبر البعض عزل مولر مهينًا وفجًّا، حصل  بعد لقاء مع البابا حاججه أثناءه بقول فصل: "بلغني اتخاذك موقفا معاديا لشخصي ولهذا سأعزلك".

لقد سبق لفرنسيس أن شكّل "مجلس حكماء" متكوّنا من تسعة وجوه كَنَسية معروفة أغلبهم من جنوب العالم، بقصد تحجيم النفوذ الغربي داخل الكنيسة ولإتمام ما يصبو إليه، لكن ذلك المجلس بقي مشلولا ولم يتعدَّ دور الهيئة الاستشارية. ربما الشيء الأبرز الذي تحقّق في عهد البابا فرنسيس وهو إنشاء ثلاث هيئات كُلّفت بالرقابة المالية استطاعت أن تحقّق نجاحا نسبيا في السنوات الأخيرة: في الثامن والعشرين من يونيو 2013 تم إيقاف المونسنيور نونسيو سكارانو، وفي الثاني من ديسمبر 2015 تم إيقاف المدعوَيْن لوشيو أنجيل بالدا وفرانشيسكا شوقي المتّهمين باختلاس وثائق على صلة بالشأن المالي، وفي السابع والعشرين من نوفمبر 2017 تم تسريح جوليو ماتييتي المدير المساعد لمؤسسة "الإيور" (ص: 73).

يبقى التحدي الأكبر للبابا فرنسيس متلخّصا في العجز حدّ الراهن عن وقف نزيف تآكل رأس مال الكنيسة الخُلقي في أوساط الناس، بسبب قضايا الاعتداءات الجنسية المتعددة على القاصرين. تفاقمت الأوضاع بأن طالبت أصوات بحجم رئيس الأساقفة كارلو ماريا فيغانو، القاصد الرسولي (السفير البابوي) في الولايات المتحدة، باستقالة البابا فرنسيس بذريعة تستّره على كرادلة مورَّطين في الفضائح الجنسية من بينهم الكردينال تيودور ماكاريك.

الآن كما يقول سفيدركوتسكي بدأ البابا فرنسيس يعي أسباب استقالة البابا راتسينغر الحقيقية، فكما تُلخِّص تلك القولة الساخرة الأمر: "أن يتولى شخص بمفرده شأن الإصلاحات داخل الكنيسة، كمن ينظّف تمثال أبي الهول بفرشاة أسنان". يلخّص سفيدركوتسكي في خاتمة الكتاب ما تبقّى بحوزة فرنسيس من مناورة بقوله: لا يلحظ مراقبُ الكنيسة من خارج إصلاحات فعلية كبرى مسّت مؤسسة الكنيسة خلال سنوات بابوية فرنسيس، رغم الضجيج الهائل في وسائل الإعلام. صحيح يخوض البابا ثورةً، لكن هذه الثورة ذاتية ولم تَتَرجم في إنجازات فعلية حد الراهن. ثمة من يرى أن السلاح القوي المتبقي لدى فرنسيس في خوض لعبة استراتيجية داخل الفاتيكان بمنح جناح من يُسمَّون بالعلمانيين دورا فاعلا داخل الكنيسة، والمقصود بالعلمانيين في المدلول الكنسي جيش المتعاونين المدنيين مع الكنيسة في الأجهزة الإدارية وفي سائر الأنشطة عبر العالم، وعدد هؤلاء هائل وحاسم. في الواقع ذلك القرار الغائب من شأنه أن يقلب موازين القوى بشكل جذري داخل الكنيسة وهو ما تخشاه عديد الأطراف.

 

الكتاب: هل البابا فرنسيس مدعاة للفُرقة؟

تأليف: جان فرانكو سفيدركوتسكي.

الناشر: منشورات روبتّينو (كاتنزارو-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2020.

عدد الصفحات: 104ص.

***

عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

 

احمد بلحاج اية وارهاملا تُخامرنا نُقطة شك، أو لحظة ريب، في كون الأوبئة التي مرت على الإنسانية قد كتبت أسفارها في الأجساد والنفوس، وفي الطبيعة والسلوكات، وفي الفكر والإبداع والمًعاملات، وفي طرُق العيش والعمل.وتركتْ أوشامها على حياة الناس، وعلى أفكارهم ، ونقشتْ حروفها على إِهَابِ الزمان والمكان، بل وحتى على مؤلفات العلماء والأدباء والشعراء والمفكرين والفقهاء والمحدثين والأطباء، و على منتجي الخيرات المعنوية. ومما يُقضَى منه العجَبُ أن فئة من الكتاب الذين تحدثوا في كتبهم عن الأوبئة، وبَصَّروا الناس بأخطارها، ووسائل الوقاية منها قد امتدت إليهم يد الوباء ، وجرَّتهم إلى تربة الدياجي التي لن يستطيعوا العودة منها لتَذَوُّق طعم الحياة من جديد، وكأن هذه اليد تنتقم منهم بسبب ما كتبوه.

* مُبدعون في مختلف المجالات اختطفهم الوباء

وتكفي نظرة عميقة إلى مدونات التراجم العامة والخاصة، وإلى فهارس المؤلفات في الميادين العلمية والأدبية والدينية والفكرية، للدلالة على الشروخ الفظيعة التي سببتها الأوبئة لجسد الإنسانية على مدى التاريخ، إذ لا تخلو صفحات كتب أولئك من ذكرِ ما خلفتْه هذه الظواهر السوداء من دمار في البشر، وفي أموالهم وحيواتهم، وأخذتْه من أهليهم ومعارفهم وخلانهم، وكأنها منجلُ شؤمٍ في كَفِّ أعمى، يحصد زهرة الحياة الدنيا المتمثِّلة في المبدعين على اختلاف مشاربهم ومعارفهم، وحقولِ انشغالاتهم واهتماماتهم الفكرية والأدبية والفنية والعلمية والفقهية، التي تُساهم في توسيع حياة الناس بالسعادة والطمأنينة والجمال.وإن مما لا يُقضى منه العجب أن يكون هؤلاء الكتاب المبدعون؛ الذين أشاروا بإصبع الوعي والتشريح إلى الأوبئة التي عاصروها أو عايشوها؛طعاما لتلك الأوبئة، و لا تعوزنا الأمثلة عنهم، فهم كُثرٌ، ولذا سنقتصر على الأمثلة التالية:

1 ـ الشاعر أبوذؤيب الهذلي الذي اختطف الطاعون في سنة واحدة خمسة من أنجاله

2 ـ عالم العربية ، ومؤثل قواعدها أبو الأسود الدؤلي الذي أسقطه طاعون كاسح سنة 69ه في هوة الموت.

3 ـ المؤرخ ابن الوردي زين الدين عمر بن مظفر(ت:749ه) الذي ألف كتابا عن الوباء، سماه:(النبأ عن الوباء).

4 ـ المؤرخ الأديب الموسوعي صلاح الدين الصفدي(696ه ـ 764ه) الذي جمع ما قيل من أشعار قاسية في الطاعون بعد أن افترس صِحابه عام 749ه، فما كان من ذاك الوباء إلا أن جازاه على صنيعه ذاك بالفتك به، ودفعِه إلى قعر المَنية.

5 ـ العالم المحدث المشهور ابن حجر العسقلاني (773 ـ 852ه) الذي ألَّف كتاب: (بذل الماعون في فضل الطاعون)، بعد أن فجعه في بناته الثلاث وباء الطاعون.

6 ـ تاج الدين عبد الوهاب السبكي (ت:771ه) صاحب كتاب (جزء في الطاعون).

7 ـ ابن أبي حجلة التلمساني (776ه) واضع كتاب (الطب المسنون في دفع الطاعون.

8 ـ الشاعر الشاب إبراهيم بن محمد المعروف بابن الدكدكجي التركماني الدمشقي.(1104ه ـ 1132ه).

9 ـ العالم اللغوي الأديب محمد مُرتَضَى الزَّبِيدي (1145ه ـ 1205ه) واضع المعجم العربي العظيم المسَمَّى (تاج العروس من جواهر القاموس)، فقد مات في وباء الطاعون بمجرد ما أُصِيب به.

*أول من ألف في الطواعين والأوبئة

لقد أشعلتْ ظاهرة الطواعين والأوبئة العقول المفكِّرة ، فانطلقت لتناولِها، وبحثِ أسبابها، وعواملِ انتشارها، وسُبلِ مقاومتها، فقد أدَّى هولها، وسرعةُ انتقالها، إلى إنتاج مؤلفات عديدة ، تُبين خطورتها، وتدعو إلى الوقاية منها، وتصفُ التدابير الاحترازية للنجاة من كمَّاشتها الجائعة، والحيلولةِ دون الوقوع بين مخالبها، وذلك بالامتناعِ عن الدخول إلى المكان الذي شَملتْه، وباجتنابِ الخرُوج منه.

وأول كتاب تعرَّض إلى هذه الظاهرة السوداء المفترِسة بأيسرِ لفظٍ، وقلَّةِ تمحيصٍ عِلميٍّ مُؤلَّفُ الحافظ ابن أبي الدنيا(ت:281ه)الموسومُ ب(كتاب الطواعين)، ثم تتالت بعده كتب أخري، تناولت الأوبئة من مختلف الزوايا، وقاربتْها مقاربةً عِلمية وسوسيولوجية، وحتى دينية واقتصادية وجغرافية.ولعل أهم هذه الكتب وأشهرَها وأسيَرَها في التراث العربي الأندلسي كتاب (تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد) لابن خاتمة الأندلسي (توفي بعد770ه)، مُعاصرِ لسان الدين ابن الخطيب، وصديقِه المقرَّب، صنَّفه عام (749ه\1348م) بعد أن عَلم بوباء الطاعون الذي اجتاح بلاد الصين، وأغلبَ بلدان آسيا، وامتدَّ كالبرْق إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، ثم إلى الأندلس، فوضعها داخلَ جُبَّته ، حيث تغلغل في مدنها وقُراها، وبعد أن شهد الفظائع والآلام الناتجة عنه.وبما أنه طبيب، فقد جَمَع بين تدوين ما رأى، وبين النزول إلى ساحةِ محاربة العدو الطارئ، وذلك بإسعافِ المرْضَى المصابين بالوباء، ومحاولةِ علاجهم، وبمراقبةِ الكيفية التي يتفشَّى بها المرض بين الأفراد في بلده، وتسجيلِ ملاحظاته عن ذلك، وعن الأسباب المؤدية إلى سرعة انتشاره كالصوت أو كالضوء.فمن جميع ما رأى ومارَسَ تَمَكَّن من استخلاص نظريته عن الوباء، وتضمينِها كتابَه المشار إليه.والذي يُعتبَر من أهمِّ ما كُتِبَ عن الوباء عِلْميا، فقد عرَّفَ فيه الوباء، وشرَّحه، وبيَّن أعراضه، وذكر أسبابه، وطرُقَ الاحتراز منه.فعن تعريفه قال:(إنه حُمَّى خبيثة، مُعدية، تنتج عن تَغَيُّر الهواء المحيط بالإنسان والذي فيه تنفُّسُه، حيث يخرج عن حالته الطبيعية إلى الحرارة والرطوبة.فهي حُمَّى مُهلِكةٌ في الغالب، يَتبَعها كَرْبٌ وعرَقٌ، وقد يُوجَدُ لها فتورٌ في اليوم الموالي للإصابة، واضطرابٌ شديد، وبرْدٌ في الأطراف، وعَطَشٌ وثِقلٌ في الصدر، وضيقٌ في التنفس، وسعال قوي، واختناق مُمِيتٌ.) وقال إن أقوى سبَبٍ لانتقاله هو الملامسة والاحتكاك بمن مرض به، فمن لمَس مصابا بهذا الداء الوبيل، ينتقل إليه دون شك، وتظهر عليه الأعراض التي كانت في الشخص الملموس، ومن احتكَّ بالثاني حصل له نفس الأمر، وهكذا دواليك، فكلما كثر الاحتكاك بمصابٍ كثرَ عدد المصابين، وكلما ابتعد الناس عن بعضهم قلَّتِ الإصابة به وانعدمت.

ونظرا لما لهذا الكتاب من أهمية كُبرى في علم الأوبئة نوَّه به معاصرو ابن خاتمة و مُجَايِلُوه من الأدباء والمؤرخين والكُتاب، من أمثال لسان الدين ابن الخطيب في (الإحاطة في أخبار غرناطة)، وفي (الكتيبة الكامنة)، والتنبكتي في (نيل الابتهاج )، وابن الأحمر في (أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن)، وغيرهم من الذين كتبوا عن الطب والأطباء في الأندلس، وعن حضارة الغرب الإسلام وشموليتها.ويَظهرُ من مضامين الكتاب، ومن التعريف الذي أعطاه مؤلفه للوباء القادم على وطنه من الصين أنَّ حاضرنا الآن مع وباء كورونا أشبه بماضيهم مع وباء الطاعون، وأنَّ انطلاقةَ الوباء في أيامنا هاته كانت من الصين كما كانت في أيام الكاتب من الصين كذلك.فهل الأحداث والوقائع تتشابه تشابهَ قطرات الماء؟أم أنَّ لكل حدثٍ خلفياته وخصوصياته الخَفية التي لا تَطُولُها المدارك والعقول؟

و إذن؛لا ضير علينا ـ ونحن تحت أحذية كرونا المقيتة والمتنقلة في الجهات ـ إن استمدَدْنا الضوءَ من تراثنا الطبي خاصة، واستعنَّا ببعض توجيهاته النيرة في مقاومة هذا الطارئ المتوحش المسمى (كورونا)، كرديفٍ لمنجزات الطب المعاصر، ومن تراثنا الفكري والأدبي والثقافي عامة.فليس كل ما أنتجه الماضي سيئا، و لا كل ما أنتجه الحاضر حسنا، فالمشي على جسر الزمن يكون دائما بخطوات نِسْبية.

 

د. أحمد بلحاج آية وارهام

 

 

رائد عبدالحسين السودانيمنذ ان تعرفت على الدكتور محسن علي الدلفي والذي جمعتني وإياه لقاءات حوارية ممتعة، امتلكتني فكرة الكتابة، عن مؤلفاته، التي أثارت في نفسي مشاعراً عنيفة وأفكاراً جميلة.

 كنت مترددا في ذلك، وكنت كلما مسكت القلم لأبدأ الكتابة توقفت عن الكتابة لأن الأمر يحتاج الى جهد كبير والى وقت طويل لكي أقدم كل كتاب من كتبه بما يستحق من التعريف.

 وأخيراً وفي ساعة وحدة مع النفس حيث السكون يلف الكون وأنا اتصفح كتبه قررت أن ابقى ماسكا بالقلم وأن أبدأ الكتابة ولو بإختصار موجز عن كل كتاب من كتبه .

وقبل البدء أقول أنني متأكد أن القارئ الكريم إذا بدأ القراءة بأحد كتب الدكتور محسن علي الدلفي، سيجد نفسه مدفوعا وبرغبة عنيفة الى قرائته كاملاً وستمتلكه الرغبة في قراءة بقية كتبه . وأبدأ بمايلي:

 أولاً - الأحلام في الدين والفلسفة وعلم النفس: الكتاب سفر جميل ورحلة ممتعة مع الأحلام في 630 صفحة من الحجم الكبير .

صدرت الطبعة الثانية للإحلام بعد إضافات كثيرة جداً، عن: دار الرضوان للنشر والتوزيع في عمان الأردن بالإشتراك مع مؤسسة الصادق الثقافية في بابل العراق

يتألف الكتاب من جزئين الأول: مناقشة لظاهرة الأحلام

 أما القسم الثاني فهو لتفسير رموز الأحلام ويضم تفسير أكثر من 2000 الفين رمز من رموز الأحلام حسب الحروف الأبجدية، ولن يجد القارئ صعوبة في الوصول الى تفسير رؤياه .

وكما يقول المؤلف في مقدمة الكتاب:إن كتابه هذا خلاصة جميلة وممتعة لما كٌتب عن موضوع الأحلام في الدين والفلسفة وعلم النفس ... وأنه دراسة لحياة الإنسان الجسمية والعقلية والنفسية عبرالأحلام وعبر النظريات التي تناولت الأحلام.

 وأعتقد وحسب معلوماتي أنه لم يكتب ولن يكتب عن الأحلام وبهذه الشمولية التي تناولها الدكتور محسن علي الدلفي .

تناول الأحلام في اللغة والقرآن والسنة النبوية الشريفة وتطرق الى الأحلام الكبيرة التي كان لها دور كبير في مسيرة تاريخ البشرية، ثم بيّن دور الأحلام في حياة الأمم الغابرة وأوضح وبإختصار موجز وبلغة سهلة وواضحة وممتعة علاقة الأحلام بحياة الإنسان عبر مراحل النمو المختلفة .

واعتذر انني لم افي الكتاب حقه لأن الأمر يحتاج الى صفحات عديدة

ثانياً ـــ السعادة والتطور: صدرت الطبعة الثانية لكتاب السعادة بعد إضافات كثيرة عن الدار المنهجية للنشر والتوزيع في عمان الأردن بالإشتراك مع مؤسسة الصادق الثقافية في بابل العراق .

يبدأ الكتاب بالحديث عن السعادة التي يُعدُّ البحث عنها رغبةً عالمية شغلت تفكير الناس في مختلف عصور التطور . لأن الناس كما يرى المؤلف في مقدمته، يعانون من عذاب الهموم والأحزان،و من مشاعر الإثم الإتهام، التي ما إنفكت تطاردهم بلارحمة ولا هوادة، بسبب الخلل الواقع في طبيعة العلاقات العامة والذي ينعكس على العلاقات الخاصة ومن ثم على التكوين النفسي وعلى مجمل الحياة .

يتألف الكتاب من الفصول التالية بعد مقدمة شاملة وممتعة عن السعادة .

يتحدث الفصل الأول عن مفاهيم السعادة بدءاً من نظرة فلاسفة الإغريق مروراً بمن تلاهم من مفكرين ومصلحين وفلاسفة،أما الفصل الثاني فيتحدث عن دور الثقافة في هيمنت مشاعر الفرح والسعادة او العكس، والفصل الثالث يتحدث عن قوانين وأصناف السعادة، أما أسس السعاد فكانت موضوع الفصل الرابع وفي الفصل الخامس تحدث عن معالم الشخصية والسعادة وفي الفصل السادس يتحدث عن الحب والوعي والسعادة وفي الفصل السابع تحدث عن الطريق الى النجاح والسعادة وفي الفصل الثامن تطرق الى دور العلاقات الإجتماعية في خلق الشعور بالسعادة وأخيرا يوضح دور الزهد في الشعور بالسعادة .وسنتاولها بدراسة مفصلة.

 

رائد عبد الحسين السوداني

 

 

محمود محمد علياليوم؛ لا حديث بين الناس، وعلى شاشة التلفاز، غير فيروس كورونا، ذلك الوباء الذي أعاد لأذهان البشرية ذكريات سابقة لها مع الأوبئة، التي فتكت بالعديد من الناس على مر العصور، وطمست حضارات كبيرة بأكملها، وسطرتها الإنسانية بسطور من دماء في كتب التاريخ، متفوقةً بذلك على الحروب والصراعات في حصد الأرواح، ولتكون أحد أهم المسببات في تغيير مجرى التاريخ، وتحديد مصائر وأقدار شعوب وأمم عدة. واليوم، ما يزال عدد منها منتشراً، ومساعي مكافحتها مستمرة.

نتحدث في هذا المقال عن اليرسينيا الطاعونية من خلال كتاب "عودة الموت الأسود: أخطر قاتل على مر العصور" والذي صدر عن سوزان سكوت وكريستوفر دنكان، وقد ترجمه فايقة جرجس حنان وراجعه هاني فتحي سليمان وسارة عادلن وهذا الكتاب يركز علي ظهور الطاعون فجأة ومرة أخري بعد طاعون جستنيانن حيث يدور الكتاب حول خفايا الوباء الاعظم والأكثر رعبا في تأريخ البشرية، وهو الطاعون الذي تفشى بشكل واسع في اصقاع المعمورة بحدود القرن الثالث عشر والرابع عشر من عام 1347 الى عام 1670 والذي قضى تقريباً على ثلث سكان الكرة الارضية في ذلك الوقت .

والطاعون الأسود كما يقول المؤلفان يعود إلي علماء الآثار الذين كانوا يُجْرُون عمليات تنقيب في الريف الإنجليزي (في منتصف القرن الماضي) أولى المقابر الجماعية المعروفة لضحايا وباء الموت الأسود، الذي عصف قديمًا بريف إنجلترا، وهو ما يشير إلى عجز المجتمع المحلي وقتها عن التعامل مع أعداد الموتى المتفاقمة؛ ففي أثناء التنقيب في أراضي كنيسة ثورنتون آبي في لينكونشير، عثر هيو ويلموت -من جامعة شيفلد بالمملكة المتحدة- وزملاؤه على موقع ضخم للدفن الجماعي، يضم رفات 48 شخصًا على الأقل. وعلى الرغم من أنه قد سبق توثيق اكتشاف مقابر جماعية مخصَّصة لضحايا الأوبئة في لندن، فإن هذه المقبرة تُعَد أولى المقابر المكتشَفة في ريف إنجلترا.

ويرجع عمر العظام المدفونة في هذه المقبرة إلى القرن الرابع عشر، وهي حقبة تضمنت في إنجلترا واحدة من كبرى حالات تفشي الطاعون الدمّلي، الذي يُعرف أيضًا باسم الموت الأسود. وقد تأكد من تحليل الحمض النووي المستمَدّ من الهياكل العظمية وجود اليرسينيا الطاعونية  Yersinia pestis، وهي البكتيريا المتسببة في مرض الطاعون.. ومن الجدير بالذكر أنه كانت لمناسك الدفن المسيحية قداستها في أثناء العصور الوسطى في إنجلترا. ولذا.. فوجود مثل هذه المقابر الجماعية يشير إلى ما ألمّ بالناجين من قنوط.. ويرى الباحثون أن إجراء المزيد من الاختبارات الوراثية للكشف عن مُمْرِضات اليرسينيا الطاعونية قد يساعد على تصميم نموذجٍ لنمط انتشار طاعون الموت الأسود عبر إنجلترا.

ثم يؤكد المؤلفان أنه في عام 1832، أطلق عليه الطبيب والمؤرخ الألماني "هيكر" اسم "الموت الأسود" ؛ لأنه كان يتسبب في ظهور بقع من الدم في طبع سوداء على جلد المصاب؛ وقد نظرت إليه الكنيسة وأتباعها على أنّه عقوبة ولعنة إلهية، في حين كان المتسبب الأساسي فيه هو بكتيريا "اليرسينيا الطاعونية"، التي كانت تنتقل مع القوارض المحملّة بها، وتنتشر بسرعة كبيرة بين البشر عن طريق العطس والسعال.

والموت الأسود كما يقول المؤلفان هو الذي جعل المدن المسكونة تتحول الى مناطق اشباح مهجورة في أشهر قليلة، ليُودِي بحياةِ نصفِ سكان أوروبا في غضون ثلاث سنوات فحسب، مكتسِبًا سمعته كأخطر وأبشع قاتلٍ على مر العصور. فما إنْ أحكَمَ «الموت الأسود» - كما عُرِف فيما بعدُ - قبضتَه على فرنسا، حتى انطلَقَ يبثُّ الرعبَ في نفوس سكان القارة الأوروبية كلها طوالَ ما يزيد على ثلاثة قرون كاملة. وكان طاعون لندن العظيم هو آخِر الضربات الكبرى، وبعدها ببضع سنوات، اختفى الطاعون فجأةً، تمامًا كما ظهَرَ فجأةً.

ويذكر المؤلفان أن ضحايا هذا الطاعون قد تراوحت إجمالي تقديرات ضحاياه في أوروبا وآسيا من 100 إلى 200 مليون إنسان، من أصل حوالي 500 مليون مجموع سكان العالم منتصف القرن الرابع العشر. وقد تسبب في فناء ما نسبته 30 – 50% من سكان أوروبا، وأحدث بذلك آثار وتحولات بالغة، على المستويات؛ السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، فحدّ من سلطة الكنيسة ومن نفوذ الإقطاعيين، حتى عدّه عدد من المؤرخين أحد الأسباب التي عجلّت إنهاء العصور الوسطى.

ثم يُمِيط المؤلِّفان اللثامَ عن مسبِّبات ذلك المرض اللعين، وعن القصص الإنسانية المأساوية المختفية في أعماق السجلات التاريخية؛ فنجد قصصًا لأبطالٍ لم ينالوا التقديرَ اللائق، وآباءٍ مكلومين، وعشَّاقٍ مفترِقين، وأناسٍ استغلُّوا معاناةَ الآخرين لإشباعِ جشعهم.

ثم يكشف المؤلفان في هذا الكتاب تفاصيل انتشار هذا الوباء في أوربان ففي أكتوبر عام 1347 اجتاح أوربا أول ظهور لطاعون جبار من شأنه أن يدمر أوروبا على مدار الثلاثمائة عام التالية، ويحصد أرواح ملايين لا حصر لها من الضحايا؛ أكبر سفاح على مر العصور، وأكبر حادث مأساوي في تاريخ البشرية؛ حيث كان هذا الطاعون يمثل مرضاً معديا فتاكا وغير معروف من قبل، ظهر من العَدم في جزيرة صقلية، وقد وصف الراهب الفرنسيسكاني مايكل من بلدية بياتسا ( كما يقول المؤلفان ) كرب أولى ضحايا الموت الأسود قائلاً : " كيف أن 12 سفينة قادمة من مدينة جنوة الإيطالية، قيل إنها خرجت من القرم، قد دخلت ميناء مسينة في صقلية، وأطقمها الذين حملوا مثل هذا المرض المعدي ؛ حيث كانت تظهر بثرة على أفخاذهم أو على أعضادهم ... كانت هذه تصيب الجسم بأكمله، فكان المريض يتقيأ دما بشدة. كان هذا التقيؤ للدم يستمر بلا انقطاع طيلَة ثلاثة أيام، ولم توجد وسيلة لعلاجه، ثم يلقي المريض حتفه.. كان حجم الكارثة غير مسبوق؛ إذ لم يَُكْن يوجد أي علاج، وكان كل شخص يُصاب بالعدوى يموت ميتة شنيعة بحق... انتقلت العدوى إلى كل شخص تعامل مع المريض بأي شكل، وقد شعر المصابون بألم يخترق كل أنحاء جسدهم" .. ويبدو أن أطقم السفن كانوا أصحاء ولم تظهر عليهم أية أعراض، ومع ذلك خر أهل مسينة صرَعى سريعا. عندما أشارت السلطات بأصابع الاتهام إلى السفن، باعتبارها المسئولة عن جلب هذا المرض المخيف، طردوها من الميناء وأجبروا أطقمها على الإبحار مرة أخرى. أما أطقم البحارة، الذين كانوا لا يزالون يتمتعون بوافر الصحة، فلا بد أنهم َ كانوا في حْيرة وسخط... قيل إنهم أبحروا من هناك إلى جنوة، ولدى وصولهم بدأت نوبة تفش جديدة للوباء المميت، حيث انتشر المرض سريعا، تقريبًا في نفس الوقت الذي رست فيه السفينة.. كان هذا أول ظهور لطاعون من شأنه أن يدمر أوروبا على مدار الثلاثمائة عام التالية، ويحصد أرواح ملايين لا حصر لها من الضحايا؛ أكبر سفاح على مر العصور وأكبر حادث مأساوي في تاريخ البشرية.

وفي غمرة آلام الوباء الناتج، رأى أهل مسينة كما يقول المؤلِّفان أن أدنى اتصال مع المصاب يضمن سرعة ً حدوث العدوى؛ حيث  كتب الراهب مايكل قائلا: سرعان  ما مقت الناس ً بعضهم بعضا بشدة؛ لدرجة أنه إذا ما هاجم المرض ابنًا، فإن أباه ما كان ليعتني به، وإذا حدث - وبالرغم من كل المخاطر - وتجرأ ودنا منه، فإنه كان يُصاب بالعدوى في الحال، ولا مفر من الموت في غضون ثلاثة أيام. لم تَُكْن هذه نهاية المطاف؛ فكل أولئك الذين يخصونه أو يقيمون في المنزل نفسه، حتى القطط والحيوانات الداجنة الأخرى، كانوا يتبعونه إلى القبر. وفيما تزايدت أعداد الموتى في مسينة، تمنى كثيرون أن يعترفوا بخطاياهم للكهنة، وأن يحرروا وصاياهم وشهاداتهم الأخيرة، إلا أن القساوسة والمحامين والوكلاء القانونيين رفضوا الدخول إلى منازل المرضى، فإذا ما وِطئَ ُ أحدهم بقَدمه مثل هذا المنزل ليَُحِّرر وصية أو لأية أغراض أخرى، حكم عليه بالموت المفاجئ. الرهبان المنتمون إلى رهبنة الإخوة الأصاغر (الفرنسيسكان) والرهبان الدومنيكان وأعضاء الرتب الدينية الأخرى الذين استمعوا إلى اعترافات المُحتََضرِين، كان يقعون فريسة للموت في الحال، بل إن البعض ظلوا في غرف المُحتََضرِين.

ويستطرد المؤلِّفان قولهما : .. وسرعان ما كانت الجثث ترقد مهملة في المنازل، فلا قس ولا ابن ولا أب ولا أي ذي صلة قرابة كان يجرؤ على أن يقترب منها، لكنهم كانوا يدفعون ً أجورا كبيرة للخدام لدفن الموتى. وظلت منازل المرضى مفتوحة بكل مقتنياتها الثمينة والذهب والمجوهرات؛ فمتى قرر أحد الدخول لم يَُكْن يوجد من يمنعه؛ لأن الطاعون شن هجمة شرسة لدرجة أنه سرعان ما حدث نقص في أعداد الخدم، ولم يتبّق أحد في نهاية المطاف.

ويؤكد المؤلفان أن هذه الرواية تنقل بصورة حية الرعب والفزع الذي انتاب كل شخص عندما ضرب هذا الطاعون الجديد أول ما ضرب.. لقد رزحوا تحتَ َوطأًة ضراوة هذا المرض الغامض الذي كان يفوق تماما نطاق خبرتهم في الحياة.. ثمة شيء واضح وضوح الشمس - وهو خيط مهم - ألا وهو أنهم أدركوا في الحال أن انتقال العدوى يحدث مباشرة من شخص لآخر، ومع موت المئات وحدوث العدوى المؤكدة مع أضعف احتكاك بالمرضى، تَملك الذعر أهل مسينة المتبقين وفَروا.. لكن فيما ظنوا أنهم يتمتعون بوافر الصحة، فإنهم لم يكونوا على دراية بأنهم يحملون الطاعون معهم دون أن يْدروا.. استقرت مجموعة من اللاجئين في حقول وكروم جنوبي صقلية، إلا أن كثيرين منهم خروا صرَعى في الطريق ولَقُوا حتْفَهم.. التمس آخرون اللجوء إلى الميناء المجاور، ويدعى كاتانيا، حيث جرت رعايتهم في المستشفى إلى أن صرَعهم الموت.. إلا أن أهل كاتانيا سرعان ما أدركوا الخطأ الذي وقعوا فيه؛ فما كان يجدر بهم أن يستقبلوا هذه العدوى المروعة ُ في بلدتهم، وسرعان ما طرحت الجثث في خنادق خارج الأسوار، وجرى فرض القيود الصارمة على الهجرة إليهم.

هذا وصف لمشهد الطاعون كما حدث بين أهل مسينةن إلا أن الكتاب يشرح بالتفصيل كيف انتقل الوباء إلي سائر مدن أوروبا، وفي نهاية الكتاب؛ وبالذات في الفصل الأخير، يؤكد المؤلفان علي أن اليرسينيا الطاعونية، هو التهاب ينتح عن الإصابة ببكتيريا تسمى يرسينيا الطاعون؛ حيث تنتقل البكتيريا من القوارض إلى جسم الإنسان عن طريق قرصة الحشرات، وتسبب البكتيريا الطاعون الرئوي عند وصولها إلى الرئتين وينتقل من شخص لآخر بسهولة عند السعال.. أما الطاعون الدملي، فيصيب الغدد الليمفاوية وفلا ينتقل من شخص لآخر، ويعتمد التشخيص على التقييم الدقيق من الطبيب، ويتم تأكيد التشخيص بطلب فحوصات خاصة بالبكتيريا، وتعالج بإعطاء المضادات الحيوية، ويتم علاجه بإعطاء المضادات الحيوية، ويعتبر من الالتهابات الخطيرة التي قد تؤدي إلى الوفاة في حال عدم علاجه بالشكل الصحيح.. كما كانت بكتيريا يرسينيا الطاعون من أكثر الأمراض المعدية شيوعاً في العصور الوسطى وأدلت بحياة الملايين من البشر. أما في عصرنا الحالي، فأصبح الإصابة بها أمر نادر جداً، مقتصر على مناطق محدودة حول العالم.

وفي نهاية هذا المقال لا نملك إلا أن نقول بأن كتاب  " عودة الموت الأسود: أخطر قاتل على مر العصور يمثل سياحة فكرية وعقلية نقف من خلالها علي اليرسينيا الطاعونية وعودة الموت الأسود التي ألمت بأوروبا في العصور الوسطي، وفي ذات الوقت أعاد لنا هذا الكتاب أزمة تفشي فيروس كورونا الجديد، والذي نسأل الله عز وجل أن تنتهي هذه الأزمة علي خير، وأن يحفظ الله مصر من كل سوء، ومن كل مكروه .. اللهم أمين ..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

بتول الربيعيشغلت قضية المصطلح اهتمام المفكرين على اختلاف معارفهم ومشاربهم، وكان للعرب قديما وحديثا جهود جبارة في وضع المصطلحات، وإيجاد المكافئ الدقيق للمفاهيم المتنوعة. وفي العصر الحديث كان لازدهار العلوم المختلفة والتطور التكنلوجي، فضلاً عن الشابكة (الانترنت) التي عززت التواصل والتعارف بين الشعوب المختلفة، الأثر البيِّن في ظهور مصطلحات كثيرة تزاحمت للتعبير عن مفاهيم عدة أو مفهوم واحد، وأصبحت قضية المصطلح من القضايا الشائكة التي تعاني منها العلوم المختلفة، لغياب منهجية موحدة لتنسيق المصطلحات وتقييسها وتنميطها ومن ثَمَّ توحيدها. وقد تنبّه على هذا الأمر علماء مبرزين في علم المصطلح لهم باع طويل في أصول المصطلح وتحولاته ،  ومن أبرزهم العلامة الدكتور علي القاسمي في كتابه القيّم (علم المصطلح أسسه النظرية وتطبيقاته العملية) الذي مثل جهده المصطلحي، وهو معني بالفهم المتكامل لقضايا المصطلح وأصول مفرداته واشتقاقاته .

ولأهمية هذا الكتاب فقد حظي بعناية الباحثين والدارسين، وهو يُدرَّس في معظم الجامعات العربية. وقد أُجريَت فيه دراستان لنيل شهادة الماجستير هما:

1- المصطلحية في فكر الدكتور علي القاسمي،  للدكتور كمال العناني الذي يعمل في مجمع اللغة العربية في الجزائر.

2- المصطلحية في فكر علي القاسمي للأستاذة مرية الشوياخ،  وقد طبعت هذه الرسالة في كتاب في (110) صفحات، وهو من إصدار مركز الكتاب الأكاديمي في الأردن عام 2019م، وقد استهلت الباحثة كتابها بمقدمة بيّنت فيها أهمية المصطلح في العصر الحديث، وأنَّ الهدف المرجو من الكتاب العمل على تأسيس مصطلحية عربية حديثة تعنى بتصحيح ما هو موجود وتأصيل ما يجب أن يوجد، ولكون الباحثة تعمل في مكتب تنسيق التعريب بالرباط،  فإنَّ أهمَّ المصادر التي استعانت بها هي الأبحاث المنشورة في مجلة اللسان العربي, التي يصدرها سنويًا مكتب تنسيق التعريب التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

وقد قُسِّمَ الكتاب على فصلين،  تناولت الباحثة في الفصل الأول ثلاثة محاور:

المحور الأول : المصطلح والاصطلاح،  بيّنت فيه الباحثة أصل المادة اللغوية (ص ل ح) إذ تأتي هذه المادة للدلالة على أمرين :

1- ما هو ضد الفساد، أي: الإصلاح، ومنه قولهم : صلح الشيء يصلح صلاحًا.

2- الاتفاق ومنه قولهم : اصطلح وتصالح القوم.

وقد أكدت أنَّ لفظي (مصطلح واصطلاح) استعملا مترادفين في اللغة العربية, وساقت أمثلة كثيرة بشأن ورود لفظ مصطلح في مؤلفات القدماء، وأنَّ علماء الحديث هم أوّل مَن استعمل لفظ (معجم ومصطلح) في مؤلفاتهم مثل منظومة (أحمد بن فرج الاشبيلي ت 699هـ) في مصطلح الحديث.

وفي المحور الثاني درست الباحثة تفريق القاسمي بين (علم المصطلح، terminology-terminologie )، و(صناعة المصطلح terminographie-terminographie).

إذ نقلت الباحثة تعريف د. علي القاسمي لعلم المصطلح بأنّه «علم حديث يبحث في العلاقة بين المفاهيم العلمية والألفاظ اللغوية التي تُعبِّر عنها وهو علم مشترك بين علوم عدة أبرزها علم اللغة والمنطق والمعلوميات وعلم الوجود وعلم المعرفة، وحقول التخصّص العلمي». فالمصطلح على هذا الأساس يشتمل على عناصر لسانية (كالمجاز, والاشتقاق، والاقتراض اللغوي, والتركيب، والإبدال, والنحت). وعناصر غير لسانية متمثلة بعلم المنطق، وعلم الوجود, والمعلوميات، وعلم المعرفة.

أمّا صناعة المصطلح فهي الجانب التطبيقي لعلم المصطلح، وقد حصرها القاسمي «في العمل الذي ينصب على توثيق المصطلحات والتوثيق للمصادر والمعلومات المتعلقة بها ونشرها في معاجم مختصة ورقية أو ألكترونية».

وبناءً على ما توصل إليه في الميدان المعجمي يقول: «إذا كان هذا التفريق ضروريا فإنــَّنا نفضل أن يكون المصطلحية اسما شاملا لنوعين من النشاط هما علم المصطلح الذي يُعنَى بالجانب النظري، وصناعة المصطلح التي تُعنَى بالجانب العملي».

المحور الثالث :إشكاليات المصطلح : وقد حصرت الباحثة هذه الإشكاليات في أمرين :

(أ) إشكاليات تنظيمية: عرّجت الباحثة على قضية مهمة في علم المصطلح الحديث, وهي وجود اضطراب وتشتت في استعمال المصطلح العربي بسبب غياب التنسيق بين المترجمين بصورة عامة والمشتغلين بالمصطلح بصورة خاصة، وقد ركزت الباحثة على الصعوبات التي يواجهها المصطلح العربي كما ذكرها د. علي القاسمي في وضع المصطلحات وهي:

1- النقص في المصطلحات العلمية العربية .

2- اضطراب الجهات الواضعة للمصطلحات وعدم التنسيق بينها وتفرقها بين الجماعات (مجامع،  جامعات, وزارات)، والأفراد (كُتَّاب، مترجمين, معجميين).

3- اضطراب المنهج المتبع في الوضع.فضلا عن إشكالات أُخَر أشارت إليها الباحثة تتمثل بضعف القبول الجماهيري للمصطلحات الموضوعة على مستوى الاستعمال والتداول .

(ب) إشكاليات لغوية كالازدواجية اللغوية، وتعدُّد اللهجات في الفصحى، وظاهرة الترادف والمشترك اللفظي.

وفي الفصل الثاني من الكتاب درست الباحثة أسس الصناعة المصطلحية .

وقد قُسِّمَ على ستة محاور تناولت الباحثة بالمحور الأول علم المفهوم والعناصر المنطقية والوجودية في علم المصطلح, وأنّ المفاهيم وُجِدَت وتشكّلت قبل المصطلحات, وأنَّ أي عمل مصطلحي يجب أن يقوم على المفاهيم ويستند إليها،  وأنَّ علم المنطق هو الآلة التي تضبط المصطلح؛لأنَّه يتكفل ببيان الطرائق العامة الصحيحة التي يتوصل بها الفكر إلى الحقائق المجهولة،  فقواعد علم المنطق تُعلِّم المصطلحي كيف يُعرِّف المصطلحات العلمية تعريفًا مانعًا جامعًا بعيدًا عن الخطأ والغموض واللبس.

وفي المحور الثاني تطرّقت الباحثة إلى علاقة علم اللغة بالمفهوم،  إذ إنّ اللغة تُعبِّر عن المفاهيم، فإنّ الحديث عن المفاهيم يستوجب الحديث عن اللغة، وبذلك ينشأ المصطلح، فالمفهوم بالنسبة للمصطلح كالروح والجسد فهما متلازمان لا يمكن فصلهما عن بعضهما.

وبيّنت في المحور الثالث أهمية الترجمة والتعريب في علم المصطلح؛ لأنَّ المصطلح قد ينتقل من لغة إلى أخرى من طريق الترجمة والتعريب،  وقد لحظ الباحثون أنّ هناك تناسبًا بين التقدم الحضاري والترجمة،  إذ إنَّ البلدان التي تترجم أكثر تحقِّق تقدُّمًا أكبر، فالترجمة هي حوار بين لغتين قبل أن تكون حوارًا بين حضارتين،  وأنَّ الترجمة هي الطريقة المثلى لنقل المصطلح من اللغات الأجنبية، سواء أكان موجودًا مسبقًا أو تمَّ ابتكاره بطرائق التوليد، وإذا تعذّرت الترجمة لجأ المصطلحي إلى التعريب فيخضع المصطلح الأجنبي لشيء من التعديل أو التغيير في بنيته وأصوله ليوافق نظام العربية.

وخصّصت المحور الرابع لدراسة علم العلامات،  وركّزت على التفريق بين الرمز والعلامة والإشارة،  فالرمز هو نوع من العلامات يشير إلى شيء بوساطة قوة أحد القوانين، كشأن الإعراب مثلا لكلمات اللغة وعلامات تتلاقى بنفسها بالتجاور صحبة الموضوع المشار إليه، والعلامة هي الحامل المادي للدلالة الإعلامية مثل نبضات التيار الكهربائي، أمّا الإشارة فهي ضرب من العلامات إلاّ أنّها تختلف عنها في أنَّ الإشارات تكون اصطلاحية يتواضع عليها الناس.

وفي المحورين الخامس والسادس درست الباحثة أهمية المدونة الحاسوبية وتوثيق المصطلحات،  وذكرت الباحثة أن أبرز مسوغات الحاسوب في العمل المصطلحي تتجلّى في ما يأتي:

1- استحالة إلمام المختص بمجموع الاصطلاحات المرتبطة بشقٍّ معرفي واحد, فكيف إذا تعلّق الأمر بمنظومة من المفاهيم!.

2- إمكانية تسريع عملية الترجمة اليدوية، إذ يوافر الحاسوب مقابلات المصطلح ودلالاته وسياقاته, وخصائصه اللغويّة.

3- إمكانية تحسين عملية الترجمة بما يوافره الحاسوب من دقائق المعاني لكل مصطلح بحسب المجال المعرفي الذي ينتمي إليه.

4- إمكانية تحسين منظومة المصطلحات المخزنة في ذاكرة الحاسوب بالإضافة والإنقاص والتعديل وإعادة الترتيب دونما حاجة إلى إعادة طبع المنتوج.

5- إمكانية التنسيق بين المكافئات الموضوعة لمفهوم واحد مزودة بالمعلومات الضرورية.

ثمّ عرضت الباحثة لبنوك المصطلحات في العالم وفصّلت القول في الحديث عن بنك المصطلحات في مكتب تنسيق التعريب بالرباط الذي أنشأته الجامعة العربية بالتنسيق مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم،  والغاية منه تنسيق المصطلحات العلمية والتقنية في الوطن العربي, ويوافر حاليًّا جميع المصطلحات الموحّدة مع مقابلاتها باللغتين الانجليزية والفرنسية عبر موقعه على الشابكة :            www.Arabization.org.ma

وفي المرحلة الأخيرة يتم توثيق تلك المصطلحات ويشتمل التوثيق على (ثوثيق مصادر المصطلحات، وتوثيق المصطلحات، وتوثيق المعلومات عن المؤسسات المعجمية والمصطلحية).

وقد أبدعت الباحثة وأجادت في عرض المادة العلمية وترتيب الموضوعات بطريقة متناسقة بأسلوب تقويمي تحليلي واضح ودقيق،  وحسن تنقلها بين المصادر المتنوعة، ويمكنني القول: إنّ هذا الكتاب هو محاكاة للإبداع من جهة،  ومقاربة للإبداع من جهة أخرى, إذ كيف يمكن مقاربة ما في الذهنية معرفيًّا ما لم نكن نمتلك أدوات القراءة المبنيّة على أسس استكشاف مجهولات النص العلمي ؛ لأنّ الخوض في فعل المقاربة، والقراءات المتعدّدة للوصول إلى كشف مساحات العمل الذي قام به الدكتور علي القاسمي يحتاج إلى ملكة الوعي،  والاستيعاب لرؤاه في هذا التخصص.

فهل يمكننا الإجابة على هذا التساؤل الكبير،  لماذا الكتابة عن الدكتور علي القاسمي؟

ولأنني خضت التجربة من قبل، فإنّ حدود هذه التساؤلات معروفة لديّ، فالكتابة عن الدكتور علي القاسمي ترتبط وثيقا بهيكلية المنظومة المعرفية التي ينتمي إليها، ولأنّه يأتي أولا في الكتابة،  وهو نتاج معرفي رصين ربط بين الماضي والحاضر، واستطاع أن يمسك العصا من الوسط، ولا أغالي إذا قلت: إنّ أستاذنا العلامة د علي القاسمي قد تجاوز حدود الانتماءات الشكلية، فهو شخصية علمية لا تكتفي بالتبنّي العلمي لرأي، سواء أكان قديمًا أم حديثًا، بل هو مجتهد يمسك بناصية الآراء يدقِّق فيها،  ويعلم مقدار ما ينفع منها، حتى اكتملت رؤيته اللُّغويّة الكاشفة عنه.

ومن هنا تتضح قيمة السؤال المطروح، وجدية الجواب، فالقاسمي نسيج خاصٌّ صنعه هو، وعلى مَن يبحث في هذا النسيج أن يكون بهذا المستوى العالي من التفكير العلمي عند الدكتور القاسمي، وفهمه، وهذا ما نلمسه في كتاب الباحثة الكريمة الأستاذة مرية الشوياخ.

 

د. بتول الربيعي

 

داود السلمانفي كتابها (الانثى هي الاصل) تطرح الدكتورة نوال السعداوي عدة تساؤلات وتناقضات واعتراضات محيّرة تخص المرأة وعلاقتها بالمجتمع وموقف الرجل منها، الاعتراضات تأتي على مفاهيم تعتبرها السعداوي مجحفة وظالمة بحق المرأة، حيث تنظر المجتمعات الى هذا المخلوق اللطيف نظرة دونية وقاسية، وتحمّلها قضايا هي فوق طاقتها، بعكس الرجل، الذي جعلوه السيد المبجَل المسلًط على المرأة، فيحاسبها على الصغيرة والكبيرة، بينما هو حتى لو فعل الأفايل، فالمجتمع يغض الطرف عنه، ولا يحاسبه بقدر محاسبته المرأة.

فالمنغصات التي تعتري المرأة من المجتمع كثيرة، وذات جوانب متعددة، وهنا الدكتورة السعداوي تأخذ جانب مهم من هذه الجوانب، الا وهو قضية البغاء، وما صاحب البغاء من مشكلات.

وبداية تعترض السعداوي فترى، أنه "لا يمكن لأي قانون (في ظل عدم التساوي) أن يكون عادلًا؛ ولهذا لا يمكن لأي قانون يتناول علاقة المرأة بالرجل أن يكون عادلًا؛ لأن الحضارة الذكورية منذ نشأتها الأولى ومنذ بداية الأسرة الأبوية أعطت السلطة للرجل، وفرضت على المرأة الخضوع بالقوة. ولعل ظاهرة البغاء التي بدأت مع بداية الأسرة الأبوية تدلُّنا على تلك التناقضات الأخلاقية الصارخة، التي تميز المجتمعات الذكورية والحضارة الحديثة".

تعريف البغاء

وتعرّف السعداوي البغاء بأنه يعني" حدوث عملية جنسية بين رجل وامرأة؛ لتلبية حاجة الرجل الجنسية، ولتلبية حاجة المرأة الاقتصادية، وبالرغم من أن الحاجة الجنسية (في الحضارة الذكورية عامة) ليست في أهمية من حاجة الرجل الجنسية، وهذا هو الأمر دائمًا في حالة عدم التساوي بين الأفراد. إن حاجة الحاكم مهما كانت ثانوية فهي أهم من حاجة المحكوم مهما كانت ضرورية، إن حاجة السيد إلى المتعة أو الترفيه أهم من حاجة العبد إلى الطعام أو النوم، إن حاجة الزوج إلى المتعة الجنسية أهم من حاجة الزوجة المريضة أو المرهقة إلى النوم، إن حاجة الرجل إلى المتعة الجنسية أهم من حاجة المرأة أو أطفالها إلى الطعام أو الكساء".

إذن، فأن الامر الذي يجبر المرأة على ممارسة البغاء هو الجانب الاقتصادي، يعني أنه لولا حاجة المرأة والعوز الذي يعتريها لم يكن لها الاقدام على هذا الفعل المشين لولا العوز والحاجة؛ وهذه النظرية جدا صحيحة، كما ينظر اليها ارباب الاقتصاد.

القانون بصالح الرجل

وبذلك،" يُعطى الرجل الحق في إشباع حاجته الجنسية (داخل الزواج أو خارجه عن طريق تعدد الزوجات والخليلات والجواري والسراري وما ملكت يمينه)، وكذلك أيضًا عن طريق المومسات أو العشيقات، بشرط ألا يحضر عشيقته إلى بيت الزوجية".

واعتراض السعداوي هذا، هو أن القانون يبيح للرجل الحق في اشباع غريزته الجنسية ولا يشدد عليها، بقدر ما يشدد على المرأة ويحملها المسؤولية الكاملة، من هذه الناحية، واذا اخطأت في ذلك ستكون عقوبتها قاسية؛ فجميع المجتمعات لا ترحم من هذه الناحية مما لا شك.

فتعلق السعداوي على هذه الحال وتقول:" أمَّا المرأة فهي التي تُعاقَب في جميع الأحوال، وفي جميع الظروف التي تدفعها إلى ممارسة الجنس، سواء كانت حاجة اقتصادية أو حاجة جنسية، ولا يُسمَح للمرأة بممارسة الجنس إلا مع زوجها فقط. والسؤال الذي يجب أن يُسأل هنا هو: لماذا لا يُسمَح للرجل أيضًا بعدم ممارسة الجنس إلا مع زوجته فقط؟ (زوجة واحدة وليست أكثر من ذلك، كما في حالة المرأة)، لماذا يعطي المجتمع الرجل حرية جنسية داخل الزواج وخارجه بغير شروط، وفي جميع الظروف، وجميع الأمكنة (ما عدا مكانًا واحدًا هو بيت الزوجية في حالة الرجل المتزوج)؟ هل هناك سبب تشريحي أو فسيولوجي؟ لقد اتضح من جميع هذه العلوم التي تتعلق بالجسد أو النفس أنه ليس هناك من سبب علمي يعطي الرجل حرية جنسية أكثر من المرأة، بل العكس هو الصحيح كما اتضح من البحوث البيولوجية الحديثة التي أوضحت أن الطبيعة زوَّدت المرأة بقدرة وحاجة بيولوجية وجنسية أشد من الرجل".

وهنا قد يسأل سائل: هل تريد السعداوي بكلامها هذا أن تجعل المرأة مبتذلة وكل يوم هي بأحضان رجل؟!.

نقول: وهذا ما لا تدعو له السعداوي ابدا. انما هو تساؤل افتراضي، تريد الاشارة من خلاله، أنه لماذا المتجمعات تبيح للرجل ما لا تبيح للمرأة؟!.

ثم توضّح الاسباب الحقيقية الكامنة خلف ذلك، وتلقي بها على عاتق المجتمع" إن الأسباب التي دعت إلى إعطاء حرية جنسية للرجل ليست موجودة داخل جسم الإنسان، وإنما علينا أن نبحث عنها خارج الإنسان، أي في المجتمع". اذن المسؤولية تقع على عاتق المجتمع، فهو الذي يتحمل ذلك.

تاريخ البغاء

وهل للبغاء تاريخ، كما لغيره من الظواهر الاخرى المجتمعية تاريخ كذلك؟. يتفق هنا الدكتور علي كمال فيما تطرحه السعداوي من هذه الناحية. يتفق على حد ما، بل ويشاطرها الرأي احيانا؛ خصوص في كتابه "الجنس والنفس في حياة الانسان" (راجع الطبعة الاولى دار الواسط بلندن، لسنة 1985)

وتُطرح السعداوي السؤال التالي: متى بدأ البغاء في العالم البشري؟!

وتجيب عليه من خلال المصادر التاريخية التي بحثت فيها ووجدت تلك الاسباب. "تدلنا معظم المصادر العلمية على أن البغاء بدأ في العالم البشري مع بدء الأسرة الأبوية، شأنه شأن «الرق»، الذي بدأ أيضًا مع بدء الأسرة الأبوية. إن الإنسان البدائي (قبل نشوء الأسرة الأبوية) لم يعرف شيئًا اسمه البغاء. إن البغاء لم يظهر في المجتمعات البدائية؛ لأن الحرية الجنسية كانت ممنوحة للشباب من الجنسين، ولم تعرف المجتمعات الأمومية البغاء؛ لأن مكانة المرأة الاجتماعية كانت عالية، وكانت لها الحرية الكاملة كالرجل. وهذا شيء منطقي. كما أن البغاء لا يمكن أن يحدث أيضًا في مجتمع يساوي بين الجنسين في القيود الجنسية. إن المساواة بين الجنسين سواء في الحرية أو في القيود تمنع حدوث البغاء، إن البغاء لا يحدث إلا إذا أُعطيت الحرية لجنسٍ، وفُرضت القيود على الجنس الآخر".

وبعد هذا الايضاح، تطرح سؤالا آخر تهكمي: كيف يمكن أن يُستخدم الجنس الحر حريته ومع من يمكن أن يمارسها، طالما أن الجنس الآخر مُقيَّد؟.

فتقول:" وبهذا كان لا بدَّ من خلق مجموعة من الجنس الآخر تكون مهمتها الوحيدة هي إرضاء رغبات الجنس الحر، وهذا هو ما حدث في التاريخ. إن الرجل حين سلب من الأم النسب وأنشأ الأسرة الأبوية لم يكن في إمكانه أن ينسب أولاده إليه إلا إذا فرض على نفسه زوجة واحدة، إنه لو فرض على نفسه زوجة واحدة كما فعل مع المرأة لما ظهر في التاريخ البغاء، ولأصبح كل النساء زوجات وكل الرجال أزواجًا".

فالرجل، بعد أن اصبح زمام الامور بيده، وصار كل شيء طوع امرته، منذ البداية، كما تقول السعداوي، وبالتالي قرر "أنه لن يكتفي بزوجة واحدة، وأن المرأة أيضًا لن تكتفي بزوج واحد (كان الرجل بالفطرة واعيًا بطبيعته وطبيعة المرأة)؛ ولذلك صنع الرجل لزوجته حزام العفة الحديدي، وخصص لمتعته الجنسية نساء أخريات خارج نظام الزواج، وأطلق عليهن اسم المومسات. وقد اتضح لعلماء الأنثروبولوجيا أن نظام الزواج (الأبوي) لم يكن من الممكن له أن يعيش ويثمر لولا وجود البغاء؛ فالبغاء هو الوجه الآخر للزواج؛ لأنه من غير البغاء لم يكن من الممكن للأزواج أن يَرْضَوْا جنسيًّا إلا إذا فُرض عليهم حزام العفة كما فُرض على النساء، لكن السلطة والقوانين كانت بيد الرجال، ولم يحدث في التاريخ أن أصحاب السلطة فرضوا على أنفسهم ما فرضوه على المحكومين".

البغاء المقدس

نعم، فبعد أن اصبحت ظاهرة البغاء منتشرة في تلك المجتمعات القديمة، حتى وصل الى مجتمعاتنا هذه اليوم في ضوء الحضارة والتقدم العلمي والتكنولوجي.

تذكر السعداوي أن البغاء قد تطور عبر التاريخ، حتى تطور لدى بعض الشعوب أن اصبح مقدسًا، ثم تدرّج من مرحلته الاولى الى مرحلة متقدمة. إذ: "إن البغاء المقدس تطور عن تلك العملية المقدسة، وهي إزالة الرجال الغرباء لبكارة العذارى، وكان هدف البغاء المقدس عند هؤلاء الرجال هو رغبة الرجل في إمداد البغِيِّ بالقوة الخارقة التي تضمن أهليتها للإنتاج، وأن البغِيَّ المقدسة تنوب عن الآلهة في منح روادها قوة الإخصاب". هذا، "وقد استمر البغاء المقدس في بابل حتى القرن الرابع قبل الميلاد، ثُمَّ أمر بإلغائه الإمبراطور قسطنطين حوالي سنة ٣٢٥ق.م"

واستمر البغاء وهو بهذا الهالة التي اضفت عليه، يدور على عقبيه دوران النواعير عبر التاريخ وفي تلك الحضارات القديمة، مع ذلك. "وقد ظل البغاء المقدس موجودًا حتى عصرنا هذا في بلاد منها الهند واليابان، وتفتح المعابد أبوابها في الهند والسند لاستقبال الفتيات اللائي يهبن أنفسهن للآلهة، ويخصص بعض هؤلاء الفتيات لإرضاء شهوات الكهنة والبعض الآخر لإرضاء شهوات حجاج الرجال الجنسية فحسب، ولكنهن يشتغلن أيضًا كخادمات في المعبد، فينظفن أرضه ويغسلن الصحون (المقدسة) ويرقصن ويغنين ويطربن الرجال، ويمارسن معهم الجنس، وغير مسموح لهن أن يتزوجن. ويدفع الرجال الذين يزورون المعبد ثمن اتصالهم الجنسي بالبغايا المقدسات، ويرأس كل مجموعة من البغاء رجل يتولى تحديد أجر كل واحدة منهن ويدير شئونهن. وإذا حملت البغِيُّ وولدت أنثى أصبحت بَغِيًّا كأمها ومُنعت من الزواج، وإذا كان المولود ذكرًا أصبح خادمًا في المعبد". وفي بعض الشعوب وصل البغاء الى مرحلة خطيرة، تعرضت لها السعداوي بالبحث والتنقيب، الا أننا اعرضنا عن الاشارة اليها. لكن التطريف في الامر" إن منازل البغايا حلت كتطور طبيعي محل المعابد المقدسة، وظلت تؤدي الوظيفة الأساسية لها، وهي إرضاء شهوات زوار هذه المنازل، والذين كانوا من قبل زوار المعابد. وظلت منازل البغايا تؤدي وظيفتها الهامة للمجتمع في العصور الوسطى، وفي بداية انتشار المسيحية في أوروبا كان هناك بقايا صلة دينية بين البغاء والكنيسة".

واذا نظرنا من خلال هذه النظرة، ومن زاوية معمقّة، فالبغاء اذن هو حضارة كانت ولا زالت تُحسب على كل المجتمعات شاءت هذه المجتمعات أم أبت. وهل تستطيع بدورها المجتمعات أن تتخلى عن حضارتها؟.

مخاطر البغاء

يؤكد الطب الحديث أن ثمة مخاطر جمة تصيب البشر الذين يمارسون البغاء، تصل هذه المخاطر حد الموت، وقد نشرت تقارير دولية عديدة مصورة عما فعله "الايدز"، هذا المرض الخطير الذي يصيب الجهاز التناسلي بسبب ممارسة البغاء (الجنس)، حتى فتك بآلاف البشر في العالم، وبالخصوص في الدول الاوروبية. وكذلك غير الايدز ثمة امراض كثيرة لا تقل خطورة عن هذا المرض، من التي تصيب الجهاز التناسلي، جراء الجنس خارج المنظومة الصحيحة للجنس.

"وحينما اشتد خطر البغاء بسبب انتشار الأمراض التناسلية وبسبب ازدياد البغايا (بسبب ازدياد الفقر من تزايد السكان وانخفاض المستوى الاقتصادي لهم)، واضطراد تزايد أعدادهن فأصبحن يمثلن مشكلة اجتماعية واقتصادية وطبية؛ اضْطُرَّت بعض المجتمعات في أماكن مختلفة في العالم إلى إصدار قوانين بمنع البغاء تمامًا، لكن هذا المنع لم يحدث إلا على الورق فقط، وظل البغاء يمارَس كما كان ولكن في الخفاء. وأوضحت الدراسات أنه في أي مكان يُحرَّم فيه البغاء قانونًا فإن ذلك لا يعالج المشكلة، وإنما يدفع بها إلى الممارسة السرية وما ينتج عن ذلك من مشاكل أخطر".

حل يلوح بالأفق

فما هي الحلول الجذرية لمعالجة هذه الظاهرة، او على الاقل التخفيف من واطئتها؟.

وتجيب السعداوي مستشهدة برأي احد الخبراء المختصين بهذا الجاني، فتقول:" إنه قد ثبت أن ظاهرة البغاء هي ظاهرة غير قابلة للمنع، وليس لها من حل في أي وقت قبل المسيحية أو بعدها، ولا حتى في تلك الأوقات التي حصلت فيها الكنيسة على أقصى قوة سياسية".

فليس ثمة جدوى والحال هذه. "لقد اتضح لعدد من العلماء أن البغاء ظل جزءًا متمِّمًا للحياة الزوجية في العصور الوسطى، وقد وصف إدوارد الأول سنة ١٢٨٥ كيف أن الزواج في العصور الوسطى لم يكن ناجحًا بسبب افتقاده الحب، وبسبب الوضع الأدنى للنساء والأطفال".

وتضيف السعداوي: "ويعتقد بعض العلماء أن البغاء ظاهرة اقتصادية، وأنه لا بدَّ أن يوجد في البلد الذي لا يوفر العمل لجميع أفراده رجالًا ونساءً، أمَّا البلاد التي تتيح العمل لجميع أفرادها رجالًا ونساءً فإن البغاء ينقرض بغير قوانين. لقد انقرض البغاء في معظم المجتمعات الاشتراكية، وأصبح من المعروف الآن- للرجال الذين يزورون هذه البلاد- أن عملية البحث عن المومسات عملية يائسة تمامًا، وأن عليهم أن يبحثوا عنهن في البلاد الأخرى حيث تكون الدعارة (وحوانيت الاتِّجار بالجنس والفن الجنسي الرخيص) جزءًا لا يتجزأ من النشاط التِّجاري والرأسمالي في البلد".

وهذا الرأي الاخر للسعداوي لا نتفق معها عليه، فالبغاء بشكل خفي لا يزال في المجتمعات العربية والاسلامية قائما على قدم وساق، ولعوامل كثيرة واسباب متعددة؛ فالإحصائيات في هذا الخصوص تشير الى ارقام مرعبة، وهو ما اشارت اليه بعض التقارير وأن كانت على قلتها، لكون الخوض في هذا الشأن هو من المسكوت عنه، ويدعو الذي يخوض فيه للحظر، وربما للمسائلة القانونية، سيما وأن هذه المجتمعات التي ذكرناها لا تتمتع بالديمقراطية، ولا تؤمن بالرأي والرأي الآخر، حتى وأن ادعت ذلك.

"إن عملية بيع الجسد نظير المال عملية غير إنسانية، لا يقدم عليها الإنسان (امرأةً أو رجلًا) إلا اضطرارًا لحاجة اقتصادية معينة. ومن المعروف أن تجارة الدعارة في أي مجتمع في أيدي الرجال أساسًا، والمرأة في معظم الأحيان ليست إلا أداة في يد رجل قَوَّاد، يشغِّلها ويستغل المال الذي تكسبه بجسدها وهوانها، ولا يعطيها إلا ما يسدُّ رَمَقها … إن الرجال هم الذين يكسبون من وراء البغاء ماليًّا أو جنسيًّا، أمَّا المرأة فهي التي تدفع الثمن وتؤدي الضريبة، وتتحمل العار وحدها والهوان، وتُساق عند اللزوم وحدَها إلى السجن والعقاب". نعم، جدا صحيح، وهو هذا ما يحصل وللأسف الشديد، برغم التشديد والرقابة الامنية وغيرها. "إن هذا القطاع من النساء اللائي أُطلق عليهن «المومسات» لسن إلا إحدى الظواهر الاجتماعية للحضارة الذكورية القائمة على الأبوية، وكان على هؤلاء النساء التعيسات أن يكُن كبش الفداء لهذه الحضارة من أجل أن تقوم وتستمر وتزدهر".

ظلم وقسوة

وبعد هذا الظلم وهذه القسوة وهذا التراجع بحق المرأة، وعدم مساواتها بأخذ حقوقها كشريكة للرجل ويد فاعلة بديمومة وبقاء المجتمع، والنهوض به نحو آفاق مستقبلية منشودة، هل هناك شيء آخر؟. تقول السعداوي: نعم:" وكان هناك أيضًا قطاع آخر من البشر لا بدَّ أن يكون كبش فداء لهذه الحضارة القائمة على الظلم والاستغلال وعدم المساواة بين الجنسين، هذا القطاع من البشر هم الأطفال، الذين يَنتجون عن ممارسة الرجال للجنس خارجَ الزواج أو الأسرة الأبوية، والذين أُطلق عليهم (الأطفال غير الشرعيين). إن هذه الظاهرة ليست إلا مظهرًا من مظاهر التناقض الأخلاقي والإنساني للحضارة الذكورية غير الأخلاقية وغير الإنسانية، لكن شهوة السلطة تُفقد الرجال المنطق، وتصبح قوانينهم متناقضة، وتنتج عنها ظواهر لا معقولة وقيم عكسية؛ ففي الوقت الذي يدَّعي فيه الأب الإنسانية والأبوة والحب في علاقته بأطفاله، نجد هذا الأب نفسه يقسو ويتنكر لأطفاله، لماذا؟ لأن أطفاله من النوع الأول، وُلدوا من المرأة التي اختارها الرجل للزواج، أمَّا أطفاله من النوع الثاني فقد وُلدوا من المرأة التي اختارها الرجل للعشق فقط!".

وتشير السعداوي الى" إن الرجل في كلا الحالين (الزوج أو العشيق) هو الذي يختار، وهو الذي يحدد العلاقة زواجًا أم عشقًا فقط … وإن الرجل في كلا الحالين هو الأب لجميع الأطفال الناتجين عن زواجه أو عشقه، ومع ذلك فإن هذا الرجل الواحد لا يعامل أطفاله بالتساوي، لماذا؟ والسبب واحد، وهو توريث أطفاله من داخل الزواج فقط من أجل استمرار بقاء النظام الأبوي". وهذا مشكلة اخرى تعتري المجتمع فوق تلك المشكلات، فلا ندري يكشف عن ماذا؟" وهذا يكشف أن الرجل في علاقته بأطفاله لا يعرف الحب ولا الإنسانية ولا الأبوة الحقيقية؛ لأن الحب بين الأب وأطفاله لا يمكن أن يكون حقيقيًّا إلا إذا منح هذا الحب للأطفال جميعًا، وليس لجزء منهم دون الجزء الآخر، خاصةً أن الطفل المولود يأتي إلى الحياة بغير إرادته، وليس من العدل ولا المنطق ولا الإنسانية جعله كبش فداء للنظام الأبوي القائم".

فالأمر ينذر بالخطورة، خطورة جسيمة يتحملها المجتمع نفسه، وستبرز في فجواتها جرائم لا يمكن تفاديها أو حلها، الامر الذي فكك وسيفكك المجتمعات، ومن الصعوبة بمكان أن نجد حلول جذرية لها. "وكم من قصص أليمة عن حياة الأطفال الذين عُرفوا بالأطفال غير الشرعيين، كم يُحرَمون من جميع الحقوق الأخلاقية والإنسانية والاقتصادية والاجتماعية التي يحظى بها إخوانهم الشرعيون. والغريب أن الرجل مهما تنوَّر ومهما بلغ من الثقافة أو العلم أو الفن فإنه يتهرب من أطفاله غير الشرعيين، ويحرمهم من المال مهما بلغ ثراؤه".

النتيجة

وتخلص السعداوي بالنتيجة التي توصلت اليها من خلال دراستها لمشاكل المرأة بصورة عامة، ومسألة البغاء بورة خاصة. "وهذا يدلنا على أن ممارسة المرأة للجنس خارج الزواج قد يُقدَّس (البغاء المقدس)، وقد يُلعَن ويصبح عارًا على المرأة وحدَها وأطفالها، فالمسألة هنا ليست الفعل ذاته، وإنما هي نظرة الرجل إلى هذا الفعل، قد يقدسه وقد يلعنه حسبما يتراءى له ذلك".

وهل سيعي الرجل هذه المسؤولية التي تقع على عاتقه؟. الجواب للقارئ الكريم.

 

داود السلمان