1139 ahmadيعد النقد الأسطوري منهج يهتم به قراء الأدب والفنون المتعاملين مع الأساطير والمتفحصين لتقنيات وطرائق توظيف الأسطورة، ومن خلالها يتم رصد تجليات كل ما هو متعلق بالفكر الأسطوري.

صدر عد دار تموز في دمشق للباحث أحمد الناجي كتابه الموسوم (تنوعات الأسطورة وجماليات التأويل)، الكتاب يحتوي على (226) صفحة من الحجم المتوسط، وقد تمَّ تقسيم الكتاب إلى اثنى عشر فصلاً ومقدمة، وهو دراسة مهمة لمنهج النقد الأسطوري وجماليات التأويل.

يذكر الباحث الناجي في صفحة 12 من الكتاب عن النقد الأسطوري قائلاً :"النقد الأسطوري ينهل من منابع معرفية وثقافية متعددة، وللإبداع الأسطوري علائق مع عدد من العلوم الإنسانية منها (التحليل النفسي، والانثروبولوجيا، والفلسفة، والآثار، والأساطير والاجتماع واللسانيات، وعلم الأديان المقارن والأدب المقارن)".

ويعقب في صفحة 23 حول الفرق بين الأسطورة والخرافة والبعض يربط بينهما قائلاً :"دوماً ما يختلط في أذهان الكثيرين، بأن الأسطورة ترتبط ارتباطاً خاطئاً بالخرافة، ولكنه في الحقيقة ليس أكثر من قصور في المعرفة"، وأجد السبب في ذلك هو المفهوم العربي السائد حول الأسطورة ما زال متداولاً حول ربطها بالخرافة، حيث صارت دلالات الاسطورة تعني الخرافات والأباطيل التي استقرت في الذهنية التقليدية العربية والابتعاد عن مفهوم الفكر الغربي حول الأسطورة.

لكن الأستاذ الباحث ناجح المعموري في صفحة 24/25 من الكتاب يؤكد "أن هناك فرقاُ كبيراً بين الأسطورة والخرافة في العصر الحديث، مع العلم أن الأسطورة تستلزم وجود الآلهة داخل النص، وهو شرط تشترطه الأسطورة فيما تنطوي الخرافة على الحيوانات والغرائب". ويمكن تعرف الأسطورة بأنها الأحداث  سواء قصة أو حتى حكاية من التاريخ القديم، مثل الأساطير اليونانية للآلهة منها زيوس و Odysseys، وهي بعض الأساطير العظيمة في التاريخ، ويمكن أيضاً أن تستخدم هذه الأسطورة لشرح حدث طبيعي باستخدام كائنات خارقة، بدءاً في تطوير الخرافات منذ بداية الوجود الإنساني والحضارات بسبب رغبة الناس في فهم العالم من حولهم، في حين أن الخرافة هي مجرد اعتقاد . في معظم الثقافات، هناك العديد من الأساطير والخرافات التي تنبع من المجتمع، فالخرافات أو الأساطير ليست هي نفس الخرافات، بينما يمكن أن تفهم الفرق بين الأسطورة كقصة تقليدية بما لديها من بعض العناصر الخارقة للطبيعة، وباعتبارها أكثر دقة في النظر إلى الأسطورة في البناء الاجتماعي، ولكن القصة المثيرة للاهتمام، لا توفر معلومات واقعية دقيقة، ومن ناحية أخرى فالخرافات هي الاعتقاد بما له من التأثيرات أو الممارسات الخارقة للطبيعة.

تعتبر الأسطورة حكاية مقدسة يشف من معانيها الدلالة عن قدسية الكون والآلهة والوجود وحياة الإنسان، والأسطورة هي قصة رمزية تعبر عن فلسفة كاملة قد حدثت في العصور القديمة وتتحدد بنمط وجودها وقد حدثت بالفعل بالزمن البدائي وتعلق الأمر بخلق العالم وهي تخص تأريخاً مقدساً، مثال ذلك اسطورة نشأة الكون ووجود العالم وأصل الموت، أي بمعنى تاريخ الأديان.

يعرض الباحث أحمد الناجي في كتابه ما تطرق له الكتاب الغربيين بما يخص الأسطورة من الجانب الأدبي والنفسي ففي صفحة 32 يذكر بما جاء به (يونغ) بما يخص ماهية الأسطورة قائلاً :"فهو يرى أن السجية البدئية لا تختلق الأساطير، فالأساطير هي في الأساس رؤى النفس ما قبل الواقعية... أن المجتمع الذي يفقد أساطيره، سواء كان بدائياً أو متحضراً يعاني كارثة أخلاقية تعادل فقدان الإنسان لروحه" . في حين استخدمت الأساطير أيضاً للحفاظ على النظام الاجتماعي السائد في المجتمع من خلال التقاليد والعادات، ومختلف الطقوس.

في الفصل السادس صفحة 93 من الكتاب يؤكد الباحث الناجي على أن الفكر الأسطوري في مدار علم الأديان المقارن ينطوي :"حول الأساطير القديمة على أنها روايات خرافية، متراكمة بفعل التقادم، وتمثلت فيها محاولات الإنسان المبكرة التي يعبر بواسطتها عن مكنونات نفسه، ولهذا ارتبطت تمام الارتباط بمآثر الإنسان السلوكية تجاه ما كان يجري، وتضمنت نظرته في تفسير أنظمة حياته ومصيره، وتناولت طبيعة الكون وكافة الظواهر الطبيعية وأصول المعتقدات والعبادات والطقوس والعادات والتقاليد".

وهذا ما نجده في معظم المجتمعات، هناك العديد من الخرافات التي تتشابك مع المعتقدات الثقافية للمجتمع، يمكن أيضاً أن تكون متصلة مع الخرافات ومع الحظ، فعلى سبيل المثال، يمكن الاعتقاد بأن القطة السوداء تدل على سوء الحظ على الرغم من أن هذا الاعتقاد لا يوجد له أساس واقعي أو منطقي،  في الماضي كان الاعتماد والمعتقد في الخرافات عالي جداً، على الرغم من أن الوضع قد تغير الآن جنباً إلى جنب مع التطور السريع في العلوم.

أما الملحمة أو اللاجيندة فيبين الباحث الناجي أن الملحمة هي "تأليف شعري عالي المستوى يقص سلسلة من أعمال ومنجزات أحد الأبطال، وتجري معالجتها بإطالة وتفصيل على شكل نص مطرد . أما اللاجيندة فهي قصة في الأصل تشير إلى أحد القديسين... كما ينظر إلى اللاجيندة على أنها قصة غير متحقق من صحتها تاريخياً رغم الاعتقاد الشعبي بصحتها" . والملحمة حسب ما جاء في الويكيبيديا هي قصة شعرية طويلة مليئة بالأحداث غالباً ما تقص حكايات شعب من الشعوب في بداية تاريخه وتقص عن تحرك جماعات بأكملها وبنائها للأمة والمجتمع، والملحمة حكاية بطولية تخبر عن حركة جماعات أو حركة الشعوب وحركة القبائل وهي نموذج إنساني يُحتذى به، يفعل بحياته وسلوكه ما يمكن أن يطمح المرء لتحقيقه.

ثمَّ يعرض الباحث الناجي في كتابه الفكر الأسطوري في مدار الأدب المقارن حيث يتسع ميدان انشغالاته إلى أبعد حد، ونظريات الأنماط الأولية البدئية منها فكرة يونغ عن الأنماط على انها أنماط من الإدراك، ودراسة الأنماط البدئية عند فراي، وهي دراسة الرموز الأدبية بوصفها أجزاء من الكل، إلا أن الدرس الابلغ من فكرة الأنماط البدئية هو أن الأسطورة البدئية هي منبع الأدب الإنساني وأن جميع العاملين بالإبداع يغرفون منه . علماً أن نورثروب فراي يعد من أبرز دعاة منهج النقد الأسطوري فضلاً عن البريطانية مود بودكين والأمريكيين وليم تروي وفرنسيس فيرجسون.

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

1138 nabilكتاب الراحل حسين جميل (العراق شهادة سياسية 1908-1930) يحتوي على 310 صفحة من القطع المتوسط وذات الطباعة والورق الجيد، والصادر عن دار اللام في لندن 1987م، الكتاب يحتوي على مجموعة من الصور النادرة التي تمثل شخصيات بغدادية ادبية وثقافية فضلاً عن أماكن بغدادية حقبة عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، والكتاب هو عبارة عن مذكرات الراحل ودوره في الحياة السياسية في مطلع القرن الماضي.

ولد حسين عبد المجيد أحمد الجميل في بغداد يوم 8 شباط من عام 1908م في دار جده محلة قنبر علي، كان والده حينذاك محققاً ومن ثم قاضياً، وتنقلت العائلة بين النجف عام 1913م، وكان الراحل حسين جميل ابن الخامسة من العمر، ويعود سبب الانتقال إلى تعيين والده عبد الجميل مستنطقاً (وظيفة حاكم تحقيق) هناك، وبعد حصول والده على شهادة الحقوق عُينَّ في سلك القضاء وهي من الوظائف المرموقة والمجزية بمرتبها، ولهذا تنتقل العائلة مع انتقال رب الأسرة في التنقلات الوظيفية، حيث ثَبَتَّ والده في صيف 1919م بوظيفة حاكم صلح في مدينة العمارة، فأكمل الراحل حسين جميل دراسته الابتدائية في العمارة عام 1923م.

فهو من أسرة آل الجميل البغدادية عريقة، فجدهُ مفتي السلطة العثمانية في بغداد عبد الغني الجميل، بينما كان عمه هو العلامة الفقيه والمحدث عبد الجليل بن أحمد آل جميل حيث كان عضواً في المجلس العلمي السابق ومدرس في مدرسة الآصفية وله مؤلفات قيمة والذي توفي في عام 1377هـ/1957م، يذكر الراحل حسين جميل في كتابه (العراق شهادة سياسية 1908/1930) :"إن من أهم شخصيات بيت الجميل في بغداد هو المفتي عبد الغني الجميل الذي خرجَ على السلطة العثمانية في مقدمة الثائرين بسبب ما أصاب المجتمع البغدادي خاصة والعراقي عامة من ظلم وسوء الإدارة التركية على الوزير علي رضا باشا (كما ورد عن مجموعة نعمان خير الله الآلوسي ص7/14)، وأهل بغداد معهُ، حاولوا إخراجه وكلفوه بذلك، هاجموا دار الحكومة وقتلوا بضعة اشخاص وتقدموا نحو باب الحرم . ولكن الوزير استعان بالجيش فتمكن من القضاء على الفتنة واندلعت النيران في محلة قنبر علي" . هذا هو جد عائلة الشخصية السياسية والقانونية حسين جميل.

دخل حسين جميل المدرسة الابتدائية في عام 1917م، بعد ان تعلم القران في طفولته في الكتاتيب، يقول الراحل في كتابه (العراق شهادة سياسية) ص18/19 :"بلغت الصف السادس الابتدائي وهو والصف المنتهي سنة 1923م وكان قد تقرر في السنة الدراسية السابقة أن يكون امتحان الصف المنتهي للدراسة الابتدائية وزارياً... وتقرر اجراء الامتحانات الوزارية مركزياً في ثلاثة مراكز : هي بغداد والبصرة والموصل، كانت البصرة مركز امتحان الألوية الجنوبية وبضمنها العمارة".

أكمل الثانوية في بغداد، حيث اطلع الراحل في العاصمة بغداد على الكتب الحديثة الصادرة في مصر منه (لينين الدولة والثورة)، (تاريخ اوروبا الحديث)، والاطلاع على الصحف العربية والعراقية الصادرة منها (السياسية، السياسة الأسبوعية، المصور المصرية اليسارية، الصحيفة) والأخيرة لحسين الرحال .

كان لهُ دور بارز في الحركة الوطنية وهو ما زال في مقتبل العمر في كتابه (العراق شهادة سياسية) ص180/182 قائلاً :"كنت في السنة الدراسية 1925-1926م طالباً في الصف الثالث في المدرسة الثانوية ببغداد، وكان مدرس اللغة الانكليزية فيها رجل انكليزي اسمه كودول Goodal وأذكر أنه كان معلماً غريب الأطوار، ضعيفاً في تدريس مادته ونشازاً في مظهره، حتى أنه كان يشد سرواله برباط عنق قديم بدلاً من الحزام . في هذا الجو المشحون بالتحدّي للإنكليز دخل المسر (كودل) مدرس اللغة الانكليزية على طلاب الصف الثالث وكنت فيه، وقال في الصف: إن العراقيين حمير، لأنهم يعارضون المعاهدة (معاهدة الانتداب) مع بريطانيا في حين أن بريطانيا تمدّنهم وتعمل على تقدمهم . تململ الطلاب وهم يباغتون بمثل هذا الكلام الجارح، وأخذ الغضب يفعل فعله في نفوسهم، ولكنهم انتظروا لحين انتهاء الدرس ! وما إن رنَّ الجرس معلناً إناء الحصة حتى ذهبوا – وكنت بينهم – إلى إدارة المدرسة، وكان المدير هو يوسف عز الدين الناصري، وأعلموه أنهم قرروا الإضراب عن دخول صف اللغة الانكليزية لأن مدرسها أهاد العراقيين، ونفذوا إضرابهم".

ثم يعقب الراحل في قائلاً :"حاول المدير اقناعهم بعدم مقاطعة درس هذا المدرس... غير أن الطلاب لم يستجيبوا لطلبه ونفذوا إضرابهم... وأذكر إن مدته لم تكن طويلة... لعلها لم تزد على اسبوع، صدر بعده أمر نقل المدرس كودول إلى ثانوية الموصل، ونقل مدرس اللغة الانكليزية في الموصل (المستر براير Prayer) إلى ثانوية بغداد" . هكذا كانوا طلبة الثانوية يحملون من الروح والمشاعر الوطنية في عشرينات القرن الماضي ودفاعهم عن وطنهم.

هذا كان أول اضراب يشارك به الراحل حسين جميل، أما الأضراب الثاني فكان عام 1927م وهو ما زال في مقتبل الشباب، وهي حادثة فصل وزارة المعارف استاذ التاريخ انيس زكريا النصولي وكتابه (الدولة الأموية في الشام)، الكتاب الذي أثار مشاعر ابناء المذهب الشيعي في ذلك الوقت، فقررت وزارة المعارف وكان يشغلها السيد عبد المهدي المنتفكي لمنع تدريس كتابه في ثانوية بغداد، وكان الراحل حسين جميل نشاً ومن العناصر القيادية من طلاب الثانوية، يقول في كتابه (العراق شهادة سياسية) ص188 :"ثم اتصلت العناصر القيادية من طلاب الثانوية ودار المعلمين بعضها ببعضها الآخر، وكنت نشطاً فيها، وبعد المداولة بينهم اتفقوا على أن يتجمع الطلاب في صباح اليوم التالي الأحد 30 كانون الثاني 1927 في جانب الكرخ، وسط ارضٍ فضاء تقع بين حدائق الصالحية ودور السكك الحديدية، وجرى إبلاغ الطلاب بأن يتجمعوا هناك تمهيداً للسير بمظاهرة إلى وزارة المعارف، وبالفعل تجمعوا ذلك الصباح هناك دون الذهاب للمدرسة ... وطالبوا وزارة المعارف بإلغاء قرار الفصل وإعادة النصولي إلى عمله، وقد كنت من بين المتظاهرين، توجه الطلاب من حدائق الصالحية إلى وزارة المعارف، كان موقعها في شارع الجسر القديم، شارع المأمون الآن... عبرَّ المتظاهرون جسر الصالحية الذي كان يسمى حينذاك (جسر مود) حيث تجمعوا أما باب وزارة المعارف... وفي مساء يوم المظاهرة ألقت الشرطة القبض على بعض الطلاب وكنت منهم، وقد قضينا ليلتنا في موقف شرطة السراي، ثم اطلق سراحنا بكفالة في اليوم التالي 31 كانون الثاني 1927".

أما التظاهرة الثالثة التي شارك فيها حسين جميل فهي بمناسبة زيارة (الفريد موند) العراق يوم 8 شباط 1928، يقول حسين جميل في كتابه ص 207 :"ما ـن قرأت الخبر حتى ذهبت إلى عبد القادر اسماعيل، زميلي في الدراسة الثانوية وفي الحركتين الطلابيتين السابقتين، وكان عبد القادر حينذاك طالباً في كلية الحقوق، واعلمته بالخبر الذي قرأته عن هذه الزيارة وسألته رأيه بالتظاهر احتجاجاً عليها وشجباً للحركة الصهيونية بعمومها فأيد عبد القادر الفكرة"، بعد التظاهرة اعتقل حسين جميل مع المتظاهرين وهو ما زال طالباً في كلية الحقوق في بغداد، وأوقفتهم السلطات وكان عددهم (41) شخصاً و(35) منهم من الطلبة ومن ضمنهم جميل يوسف زينل، وقد تم اطلاق سراحهم بكفالة.

يوم 29/3/1928 غادر الراحل حسين جميل بغداد إلى دمشق لراسة الحقوق (معهد الحقوق في دمشق) وكانت سنوات الدراسة فيه ثلاث سنوات، عام 1929م زاره فؤاد شمالي في دمشق وهو أحد مؤسسي الحزب الشيوعي في لبنان سنة 1924 ثم امينهُ العام بعد ذلك، طالباً منهُ أن يذهب إلى موسكو للدراسة في (جامعة كادحي الشرق) دون أن يتكلف مصاريف السفر والإقامة والدراسة، إلا أن الراحل رفض الطلب.

كانت تربط حسين جميل علاقات واسعة مع الشخصيات الوطنية ومنهم عاصم فليح، وكان يلتقي معه في نادي التضامن ومع الطلاب والشباب للتحدث في الشؤون العامة والمظاهرات ضد الصهيونية ومجيء الفريد موند إلى بغداد، كان الوعي قد تجذر لدى حسين جميل ومنذ وقت مبكر لصالح مجموع الشعب، ويرى الدعوة للعدالة الاجتماعية في المجتمع والعلاقات الاقتصادية العادلة بين الطبقات والفئات.

تخرج الراحل حسين جميل في معهد الحقوق في دمشق في أول صيف 1930/، فعاد إلى بغداد يوم 2/7/1930، وقدم طلباً إلى رئيس محكمة تمييز العراق للحصول على إجازة العمل بالمحاماة، لكن طلبه رفض، مستنداً رئيس المحكمة إلى أن نظام المحامين لسنة 1918م يقر في مادته الثانية أن إجازة المحاماة تعطى لـ(من كان بيده شهادة مدرسة الحقوق في الإستانة أو بغداد) وبعد عدة مطالبات تمت الموافقة على منحه إجازة العمل في مجال المحاماة.

احب حسين جميل مهنة الصحافة فمنذ طفولته عندما كان طالبا في مدرسة العمارة الابتدائية سنة 1923 حرر المقالات ونشرها في مجلة التلميذ العراقي، وكتب في جريدة الاستقلال عام 1927، كما كتب في مجلة الشباب الصادرة في شباط سنة 1929/، ويعتبر أحد مؤسسي جريدة الأهالي عام 1931م.

عمل الراحل في مجال المحاماة في العراق بداية عام 1931، وصار ناشطاً ديمقراطياً ذائع الصيت بسبب مواقفه الوطنية التي دافع فيها عن الحريات الديمقراطية مستنكراً حملات القمع والإرهاب التي مارستها الحكومات المتعاقبة في العهد الملكي، وكان سياسيا وصحفيا بارعا، وقد ساهم في تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي، وعند تأسيسه اصبح سكرتيراً عاماً للحزب . وقد انتخب عضواً بمجلس النواب العراقي في دوراته للأعوام (1947، 1948، 1954)، وعينَ وزيراً للعدل في حكومة علي جودة الأيوبي للفترة من (149-1950)، كما انتخب نقيباً للمحامين العراقيين في اربعة انتخابات متوالية للأعوام (1953-1957)، وأميناً عاماً لأتحاد المحامين العرب للفترة من (1956-1958).

يعتبر حسين جميل أول من ألف كتاباً عن حركة 14 تموز 1958 فبعد بضعة أشهر من اندلاع الثورة نشر كتاب العراق الجديد وهذا الكتاب عبارة عن محاضرة القاها باللغة الانكليزية في مدينة نيودلهي في الهند حيث كان يعمل سفيراً للعراق هناك بتاريخ 29 أيلول/سبتمبر 1958 . رحل 7 كانون الثاني 2001م عن عمرٍ ناهز التسعين عاماً.

يذكر الكاتب والباحث جاسم المطير في مقال له على الحوار المتمدن تحت عنوان (حسين جميل في ذمة الخلود) يوم 10/1/2002 قائلاً :" منذ بداية الثمانينات حتى آخر عمره أصبحت مكتبته الشخصية البيتية تحت تصرف الباحثين والمؤرخين من طلبة الدكتوراه والماجستير في الجامعات العراقية، وكان في التسعينات جليس  بيته في اغلب الأحيان مستقبلاً رجال القانون والباحثين المهتمين بالدراسات والأبحاث القانونية، وقد اصدر في التسعينات أو أواخر الثمانينات  كتيباً صغيراً عن حقوق الإنسان في الاسلام، وهو كتيب تضمن مبادئ هامة عن الحريات والحقوق الإنسانية والفردية ضمن الفكر الإسلامي الحر . حاولت صحافة النظام (نظام البعث) خلال عقدين من الزمان جره الى بعض المواقف والتصريحات المؤيدة لبعض سياساتها في الحروب والمغامرات والقمع والغزو، لكنه لم يتجاوب مع أية دعوة وظل محافظاً على استقلالية موقفه وأفكاره . كانت صحته نشيطة بحدود مقبولة في التسعينات، إذ يغادر بيته مرة كل أسبوع على الأقل متجولاً في بعض شوارع بغداد كشارع الرشيد وشارع السعدون ويتجول أيضا في مكتبات شارع المتنبي.

يعتقد أصحابه من المترددين عليه في بيته أنه كتب الكثير من صفحات مذكراته السياسية التي ستكون مصدراً هاماً من مصادر التاريخ العراقي في العصر الحديث . استفسرتُ منه عام1993 عن احتمال نشر مذكراته وموعد نشرها فقال لي بالحرف الواحد، جاداً ومازحاً في نفس الوقت :"ما أكتبه من مذكرات لا يرى النور قبل الموت ..".

للراحل عدة مؤلفات منها:

1- إنكلترا في جزيرة العرب طبع في سنة 1930.

2- العراق الجديد.

3- نحو قانون عقابي موحد للبلاد العربية.

4- الحياة النيابية في العراق.

5- نشأة الأحزاب في العراق.

6- حقوق الإنسان في الوطن العربي.

7- تكييف القانون لحق النقض عام 1958.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

eljya aysh(جبهة التحرير الوطني مُؤَازِرَةُ الكفاح التحرري للشعوب  في شتى أنحاء العالم)

كِتَابُ المَسِيرَة..أو انْبِعَاثُ أُمَّة، كان عنوانا فرعيًّا لكتاب " محمد الصالح يحياوي رجل بوزن أُمّة ظلمه رفاقه" صدرت طبعته الأولى في 2017 لكاتبة المقال، عن دار الأوطان والذي يضم 200 صفحة، وكتاب "المسيرة" صدر عن حزب جبهة التحرير الوطني أيام الرئيس هواري بومدين وكتب مقدمته (مدخل) العقيد محمد الصالح يحياوي في 25 صفحة،  هو عبارة عن استحضار للمراحل التي سجلتها الثورة الجزائرية منذ ميلادها في الفاتح نوفمبر 1954، كما يؤرخ  لأصالة وهوية الجزائر وأصولها العرقية، و للتراث النضالي للشعب الجزائري ، والوقائع التي عاشها سكان الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي وبعده، وهاهو  العقيد محمد الصالح يحياوي يعلن عن إعادة إحياء "المسيرة" ويخرجه إلى النور في طبعة جديدة

وكتاب المسيرة يضم 217 صفحة، ومدخل كتبه العقيد محمد الصالح يحياوي في 25 صفحة ، كان عبارة عن "مَخْطُوطَة"  قبل أن يتحول اليوم إلى كتاب ورقي، وأضفتُ إليه عبارة "انبعاث أمة"، هذه العبارة اقتبستُها من مذكرات  الملك المغربي الحسن الثاني في جزئه الثامن والتي كانت تحت عنوان: "انبعاث أمة"، وقد أشرتُ إلى هذه المذكرات في كتاب محمد الصالح يحياوي رجل بوزن أمّة في محور خاص حول قضية الحدود و العلاقة  التي ربطت الرئيس أحمد بن بلة والحسن الثاني ملك  المغرب ، أما عن كتاب المسيرة فهو  يطرح إشكالية الهوية الوطنية وتحدياتها السياسية والاجتماعية والثقافية ومدى الولاء للوطن في ظل التحديات الداخلية والخارجية لبناء دولة ذات سيادة، وهو في الحقيقة يؤسس لرؤيتان ، إحداهما جيوتاريخية، وأخرى سوسيوثقافية بالغة الأهمية، خاصة وأن فكرة الهوية أصبحت موضع اهتمام الأكاديميين وتناقش في الملتقيات الدولية وأخذت لها أبعادا دينية ، سياسية وثقافية تستدعي الحفاظ عليها وصيانتها حتى لا تذوب في هويات أخرى، أو تدميرها، وهذا سبب كافٍ  لطرح أزمة الهوية ، وجاء الكتاب ليؤكد على جزائرية الجزائريين، هي في الحقيقة وقفة لهذا الجيل ليُقَيِّمَ نفسه ماذا قدم لهذه البلاد ويواصل السير على درب الشهداء، ولو أن الثورة الجزائرية عرفت بعض الأخطاء فيما أطلق عليها بالصراع السياسي العسكري بين مناضلي الداخل ومناضلي الخارج ، غير أنها كانت مُحَصَّنَة ، ويرجع ذلك إلى أولئك الشهداء، ما يهم أكثر هو معرفة الأحداث التي وقعت بعد الإستقلال  منذ صدور ميثاق الجزائر في 1964، ومجلس تأسيس وحكومة حرة،  والذي مكن الجزائر من علاج المشاكل التي ورثتها عن عهد الإحتلال، ومن هنا بدأت الثورة تحدد أهدافها لبناء مجتمع حقيقي، عن طريق إصدار القوانين والنصوص التشريعية والتي أثمرت بتأسيس المجالس الشعبية المحلية في 23 ماي 1969 تطبيقا لمبدأ اللامركزية في التسيير وعرف بميثاق الولاية.

الكتاب أنجزه حزب جبهة التحرير الوطني تحت إشراف العقيد محمد الصالح يحياوي، ويقع في 218 صفحة، قسِّم إلى ثلاثة (03) أبواب، وكل باب يضم فصلين أو ثلاثة فصول، استعرض في  الباب الأول من الفصل الأول تاريخ الجزائر في القديم، وفي الفصل الثاني الجزائر الإسلامية، ثم تطرق في  الفصل الثالث إلى الاحتلال الأجنبي وأشكال المقاومة الوطنية، وفي الباب الثاني من الفصل الرابع،  شرح مراحل الاحتلال والاستيطان وثورة التحرير ، ثم تحدث في الفصل الخامس عن أهداف الثورة، وفي الفصل السادس والسابع تغيير الريف والمدينة وتكوين المواطن الحر، ثم حزب جبهة التحرير الوطني قائد الثورة في الفصل السابع، ويختتم الكتاب ببلورة الملامح السياسية للحركة الوطنية والممارسة الديمقراطية الاشتراكية في الحزب والجولة في الفصلين الثامن والتاسع من الباب الثالث.

وقد كتب العقيد محمد الصالح يحياوي مدخلا للكتاب يقع في 25 صفحة، شرح فيه موضوع الكتاب وهدفه، وهذا المدخل من شأنه أن يسهل على القارئ فهم وتقييم مسيرة حزب جبهة التحرير الوطني، واستحضاره الماضي، كما يسهل له الوقوف على التاريخ بنظرة واعية وموضوعية، والأوضاع التي عاشتها الجزائر من تشتت وتصارع بين التنظيمات الحزبية في تلك الفترة، وقبول بعض الأشخاص الدخول في لعبة الشرعية المزيفة التي كان يحركها لاستعمار كما يشاء ولهدف محدد ، وهو إلهاء الشعب الجزائري عن مطلبه الأساسي في الاستقلال ، غير ان الشعب اثبت تعلقه بالثورة، واتضح للجميع أن جبهة التحرير هي الإطار السياسي الوحيد الذي يقود الثورة نحو الهدف المنشود، فانصهرت كل الأحزاب في جبهة التحرير الوطني، فكانت الدرع المتين الذي ينقذ الثورة، تجسد ذلك في مؤتمر الصومام المنعقد في أوت 1956 ، والذي كان فرصة لتقييم الوضع العسكري والسياسي، ووضع الخطوط العريضة لبرنامج العمل الثوري المسلح.

و إن كان كتاب المسيرة يؤرخ لتاريخ الجزائر ويعرض لمحات عن تأسيس الدولة منذ نشأة الممالك الأمازيغية القديمة وبداية الحضارة النوميدية  التي أسسها ماسينيسا الذي رفع شعار " أفريقيا للأفارقة" ثم الحضارة البيزنطية مرورا بالوندال ووصولا إلى الفتوحات الإسلامية في شمال افريقيا، وكيف عانق سكان الجزائر الإسلام كعقيدة، وأحاديث مطولة عن الدولة الرستمية والصنهاجية وانقسامها إلى فروع على غرار الحماديين والمرابطين والحفصيين والزناتيين، لكن القسم  الذي ركزنا عيه أمثر في قراءتنا للكتاب ، هو الفترة التي دخل فيها الاستعمار الفرنسي إلى ارض الجزائر ، والذي واجهه الجزائريين بمقاومة عنيفة انطلاقا من مقاومة الأمير عبد القادر، سلك فيها الفرنسيون حربا إبادية  مطلقة، لكن المقاومة الجزائرية أخذت طابعا شموليا، فنقرأ عن ثورة بوعمامة والشيخ الحداد والشيخ المقراني، والأمير عبد القادر، وأولاد سيدي الشيخ والشعانبة في الصحراء، وكذا ثورة الزعاطشة ببسكرة ..الخ، بحيث عرفت الثورة الجزائرية صمودا على كل المستويات سياسية عسكرية وثقافية، وكانت أشد مرحلة عانى منها الشعب الجزائري، مجازر 08 ماي 45 والتي مهدت للثورة الكبرى في أول نوفمبر 1954 ، ثم أحداث 20 أوت 1955 ، ومظاهرات 11 ديسمبر 1961 التي كانت بداية التفاوض مع فرنسا، والتوقيع على اتفاقيات إيفيان .

فقد عرفت الجزائر بعد الاستقلال، وفي عهد الرئيس الراحل هواري بومدين قفزة نوعية في مجال التنمية، وتمثلت الإستراتيجية التي وضعها بومدين  في تأميم المحروقات والمناجم ووضع حدا للمصالح الأجنبية في هذا القطاع، فضلا عن اهتمامه بقطاع الزراعة، كما كان التصنيع ضمن الأهداف في هذه الإستراتيجية، لقد كان الثورة  تكوين مواطن متعلم ، فقد قامت الثورة الثقافية على ديمقراطية التعليم والسعي للقضاء على الأمية، فأنشأت المدارس والمعاهد والجامعات، وعرفت عهدة الرئيس هواري بومدين إصلاحا تربويا شاملا، غير أن الموازين انقلبت بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، فانتخاب الشاذلي بن جديد أمينا عاما لحزب جبهة التحرير الوطني، والموافقة الشعبية الواسعة النطاق ترسيم الشاذلي رئيسا للجمهورية دليل على قوة المسيرة الثورية ومواصلة الجبهة مهامها في رفع مستوى الوعي والثقافي للمناضلين في مكافحة النزاعات الطفيلية، وكل الأمراض والانحرافات التي تسربت إلى بعض النفوس وحماية الثورة منها، وربما ما جاء في الكتاب يعتبر ردا على بعض الكتابات التي تقول أن قضية استخلاف بومدين خلفت صراعا بين محمد الصالح يحياوي وعبد العزيز بوتفليقة، مثلما اشرنا في الصفحات السابقة من الكتاب، فحزب جبهة التحرير الوطني لعب دورا فعالا في الإشراف والتنسيق بين كل قطاعات الحياة على الصعيدين الداخلي والخارجي، فإلى جانب الجهود في تحقيق التنمية الشاملة انعكست جهود الجزائر في ميدان السياسة الخارجية، والوطن العربي الإسلامي وأفريقيا والعالم الثالث في استعدادها لتبني قضايا التحرر.

كانت جبهة التحرير الوطني ترى أن قضية التحرر لا تخضع لحسابات ميكيافيلية، وهاهي اليوم توفي بعهدها بالوقوف الى جانب الشعبين الفلسطيني والصحراوي  في كفاحهما العادل، مثلما أبدت موقفها في كفاح الشعب الفيتنامي ضد الغزو الإمبريالي الأمريكي، وقد انسجمت مواقف الجزائر مع مجموعة  عدم الانحياز لإعطاء فكرة الاستقلال السياسي، الاقتصادي والثقافي للشعوب الحديثة الاستقلال من المساهمة في تسيير شؤون العالم، ولعل هذه المواقف كانت ضمن المنطلقات الإيديولوجية للثورة الجزائرية، لقد أعاد صاحب المسيرة صياغة الأفكار السابقة في ضوء التطور الإيديولوجي للثورة، وتتبَعَ بطريقة موضوعية عوامل القوة والضعف فيها، أراد من خلالها الغوص في إستراتيجية الثورة الجزائرية وخصائصها – كما قال هو-  وهي تعكس سمات المجتمع الجزائري بما فيه من تنوع فكري ، ثقافي وثراء يؤدي إلى التكامل والاعتزاز بالنفس والتضامن الأخوي  والتقشف، هي طبعا رؤية استشرافية للمستقبل وضعها العقيد محمد الصالح يحياوي لمرحلة ما بعد البومديينية، أو مرحلة لما بعد الشاذلية، وربما المرحلة التي تلتها، والتي تأتي بعدها،  ألا يحق ومن باب الإنصاف للرجل أن نقول عنه أنه رَجُلٌ "مُفَكِّرٌ" بل "نَاقِدٌ " أيضا، وليس هذا القول من باب تأليه الأشخاص وتقديسهم،  أو حتى تلميع صورتهم، بل هي كلمة حَقٍّ نقولها ، لاسيما وهذا الرجل لطالما صبر على المحن التي لحقت به بعدما ظلمه  رفاقه وأبعدوه عن الساحة حتى يتفرغ لهم الجوّ لاحتكار السلطة واحتلال المناصب العليا، ففضل العيش في الظل، يتابع الأحداث من بعيد، فبالرغم من أنه عسكري.

فمحمد الصالح يحياوي رجل ينبذ العنف والتعصب، وهذا ما لمسناه ونحن نطلع على كتابه المسيرة، فالرجل لم يهدأ فكره وهو يدعو إلى المشاركة الديمقراطية التي تمنح للمناضلين في صفوف جبهة التحرير الوطني بل لكل شرائح المجتمع  الجزائري أن يناقشوا بحرية وتعقل دون تهور، مشاركة مبنية على النقد الذاتي، وينفض عنه غبار الجهل والتعصب الذي ترسب  وحجبه عن رؤية الحق، وبالفعل كانت جبهة التحرير الوطني تمثل كل فئات الشعب، في المقابل لم تنج هي الأخرى من الأزمات، فبرؤية الناقد يقول محمد الصالح يحياوي: " إن هذه الأزمات ليست مردها إلى كون المناضلين ليسوا في المستوى، لكن السبب هو أن القيادة كانت في الغالب تعمل بدون قواعد في العمل وبدون رؤية إيديولوجية واضحة، بحيث كانت الحلول التي تقدم هي من أجل التخلص من أزمة قائمة دون حساب آثارها والتي قد تخلق أزمة قادمة سيعملون على تجنبها أو وأدها في مهدها، ويفهم من هذا أن التصور كان ناقصا ، وأن الرؤية كانت قصيرة المدى ، يعني لم يكن هناك مخطط طويل المدى مثلما تعمل الدول المتقدمة في ذلك.

و نتلمس من خلال الكتاب أن الديمقراطية الاشتراكية أخذت حيزا كبيرا من اهتمام صاحب الكتاب، الذي رأى أن التغني بشعاراتها غير كافٍ،  كما لا يمكن أن تكون هذه الديمقراطية الاشتراكية  مجرد حبرٍ على ورق، فالتطبيق وحده ( أي العمل الميداني)  يرشد إلى ما في النظرية من نقص، جاء في الصفحة 188 من الكتاب مايلي: " فإذا قلنا بأن العلاقة بين الحزب والدولة، هي أن الحزب سلطة سياسية والدولة سلطة تنفيذية، فإن هذا لا يكفي ليجعل الحزب يقوم بدوره كسلطة سياسية والدولة تقود بدورها كسلطة تنفيذية، ولذا وجب أن تسند للحزب مهام تسيير هذه السياسة، لأن الحزب لا يستطيع أن يمارس الرقابة على الجهاز التنفيذي إلا إذا شارك هو في تعيين المسؤولين على الأجهزة الرئيسية للدولة والإدارة، غير أن الواقع اليوم يعكس ذلك تماما"، إن الثورة الحقيقية الواثقة من نفسها،  سواء أكانت اقتصادية أو ثقافية ، هي التي تقف بين الفترة والأخرى لتحاسب نفسها، وتقف على الخطأ والصواب خدمة للمرحلة التالية وتحقق مكاسب إيجابية تذهب بها نحو المستقبل، وبهذا تكون الجبهة قد تجاوزت زمن الشعارات والتحميس العاطفي للمناضلين إلى مرحلة التحليل والنقد ، وهي دعوة إلى تبني "النقد الذاتي" ، غير أن هذا الأخير يتوقف على فهم الأحداث ووضوحها في الأذهان فيما يتعلق بالنظام السياسي للدولة، وإن كان كتاب المسيرة يتحدث عن المرحلة البومديينة التي تبنت فيها الجزائر الاشتراكية كنظام اقتصادي، وما إذا كانت الاشتراكية  هدف أم هي وسيلة لبناء الإنسان الجزائري الجديد؟  ومن خلالها يحق له المشاركة في معرفة المشاريع ومناقشتها، فالثورة الثقافية وحدها تخرج الإنسان من العبودية ولا تبقيه على جهله  تحت رحمة البيروقراطية.

ويرسم كتاب المسيرة معالم الديمقراطية الاشتراكية ، خاصة في بلد كالجزائر 75 بالمائة من سكانها شباب، حيث تمكنه من تسيير شؤونه بنفسه والاضطلاع بمسؤولياته في البناء والتنمية والتطور، ولكي يضطلع الشباب بهذه المهمة يجب أن يتوفر لها مناضلون مؤمنون بالوطن وبالجماهير لا يحركهم سوى الإخلاص لخدمة المجتمع، لا يشعرون بأنهم جنود كما جاء في الكتاب، بل يضعون أنفسهم في مرتبة الجنود لحماية ثروات الوطن، وأجد أن صاحب المسيرة يوافقني بأن الناقد لابد أن يتحلى بالجرأة والشجاعة في عرض مواقفه وهو ينتقد الآخر، إلى حد وصفه بالإجرام، ولا يختلف اثنان أنه يحمل هذه الصفة ( أي الشجاعة والجرأة)  عندما قال في الصفحة 198 : " إنّ النظام الذي يُسَخِّرُ جهود الأمة بأكملها لرفاهية أقلية مجرمة هو نظام إجرامي ، ولا يجوز اتخاذه مثلا لنا"، ولذا فعملية التقييم والنقد الواعي المسؤول من شأنها أن تُمَكِّنَ الجيل الجديد من الوقوف على التناقضات والمحن التي عاشتها الجزائر أثناء مرحلة الكفاح، لأن التجارب دلت على أن الحزب إذا تحول إلى جهاز بيروقراطي مواز للإدارة ومنفصل عن الجماهير، كان ذلك علامة على وجود خلل في بنيته، لأن كفاءة بدون أخلاق نضالية تشمل ماضي المناضل وحاضره هي أكثر ضررا على الحزب، ولذا يجب على المناضل أن يكون بعيدا عن الشبهات، قادرا على محاكمة نفسه والرجوع إلى ضميره الوطني قريبا من الجماهير ليتحسس معاناتها اليومية، وبناء على ذلك فتح حزب جبهة التحرير الوطني بابه للجماهير من خلال عملية التوسع، وتجاوز الحوار التقليدي إلى الحوار الديمقراطي المسؤول، وإنها لمسؤولية تاريخية للجيل الحاضر الذي عليه تبليغ الرسالة بأمانة، لأن الجزائر في نظره جزء لا يتجزأ من الوطن العربي والإسلامي، ووحدة الشعوب ومساهماتها الواعية، ولأن وضعية البلاد اليوم لا تحتمل الخطب العاطفية  والمهرجانات الدعائية، فالكلمة اليوم لابد أن تكون للشعب، والالتزام بكل ما يرتضيه  في استشارة ديمقراطية، تطرح فيها كل الآراء والأفكار والتصورات، وعلى رفقاء المسيرة أن يشعروا بالمرارة التي يشعر بها هذا الجيل من الشباب.

 

علجية عيش

 

 

دراسة أكاديمية تعيد قراءة منهجه الفكري وأطروحته السياسية وآثاره الفلسفية

يصعد اسم المفكر المصري الراحل محمد السيد سعيد مثل حلم شفاف يظهر من بين ضباب كثيف يغطي سماء وطننا العربي ، حلم لمفكر مصري وعربي يؤمن إيمانا واضحا بأن الأمة العربية حبلي بجنين ثوري .. ولكن محمد السيد سعيد ترجل راحلا في العام 2009 ،أي قبيل هبوب رياح ثورات الربيع العربي، تاركا ثروة فكرية وعلمية فذة ، ومكانا شاغرا لم يستطع غيره أن يملئه ..هذا هو الدكتور محمد السيد سعيد الذي اجتهد تلميذه النبيل والنبيه أحمد منيسي الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتجية في إلقاء الضوء علي نتاجه ومشروعه السياسي والفكري وذلك في رسالته لنيل درجة الدكتوراه من معهد البحوث العربية بالقاهرة حول المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد والذي يراه منيسي ينتظم في مجالين أساسيين: أولهما، خاص بمنهاجيته في التحليل التي تركز على دراسة الأفكار والمبادئ والرؤى الخاصة بالنهضة والإصلاح. وثانيهما، ينصرف إلى المجالات التي يقع فيها هذا المشروع، والتي تنوعت لتشمل قضايا كثيرة عملية وفلسفية. وثمة جانب شديد الأهمية في هذا المشروع، يتمثل في أن صاحبه لم يقتصر على تقديم اجتهادات ورؤى فكرية ونهضوية بخصوص القضايا التي عاصرها، بل إنه توجه مباشرة إلى الواقع محاولاً تطبيق ما ينادي به من إصلاح، لينضم بذلك إلى كوكبة من كبار المفكرين الإصلاحيين الذين أقاموا علاقة وثيقة بين الفكر من ناحية والعمل المجسد له من ناحية أخرى.

تناول أحمد منيسي في رسالته هذه طبيعة المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، وذلك من حيث سماته الرئيسية ومراحل تطوره، بهدف بيان هوية هذا المشروع وما لحق به من تحولات أو تطورات وما قدمه من أفكار عميقة وحيوية للإصلاح والتطوير في مجالات ثلاثة: أولها، الأوضاع في مصر، وثانيها، النظام العربي والقضايا العربية، وثالثها، النظام الدولي والعلاقات الدولية. كما سعت الدراسة إلى بلورة وتحليل الإسهامات النظرية التي قدمها الدكتور محمد السيد سعيد، كواحد من المفكرين، الذين كانت لهم أفكارهم وأطروحاتهم وتصوراتهم الفلسفية العميقة في الكثير من القضايا النظرية.

وقدمت هذه الدراسة الإجابة عن عدة تساؤلات رئيسية، أبرزها العوامل الأساسية التي أثرت في التكوين الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، والتي تركت تأثيراتها العميقة على مشروعه الفكري، وطبيعة هذا المشروع والركائز الأساسية له ومعالمه الرئيسية، والإسهامات الرئيسية له في ما يتعلق بمجال حقوق الإنسان، الذي كان ركيزة مهمة في هذا المشروع، والإسهامات النظرية والفلسفية الرئيسية التي قدمها في ما يخص قضايا ومفاهيم أساسية، مثل السياسة والقوة والديمقراطية وغيرها، وكذلك ما هي الإسهامات الرئيسية التي قدمها في مجال الإصلاح والتطوير في مصر، وفي ما يخص تطوير النظام العربي والقضايا العربية الرئيسية، وتطوير النظام الدولي والقضايا والمشكلات الدولية الأساسية؟.

تناول الفصل الأول من هذه الدراسة التعريف بالدكتور محمد السيد سعيد والعوامل التي أحاطت بمشروعه الفكري، حيث تناول المبحث الأول السيرة الذاتية والمسيرة العملية، فيما ناقش الثاني العوامل التي أحاطت بهذا المشروع الفكري، حيث خلصت الدراسة إلى أن هناك ثلاثة مسارات أساسية في المسيرة المهنية للدكتور محمد السيد سعيد: أولها، عمله من خلال مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام الذي امتد على مدار نحو أربعة عقود، حيث كان مركز الثقل الفكري وصاحب المقام الرفيع في هذه المؤسسة البحثية التي ضمت قامات فكرية معتبرة في مراحل تطورها المختلفة. وثانيها، عمله في مجال حقوق الإنسان ميدانياً وفكرياً، وهو المسار الذي بدأه مع عودته من الولايات المتحدة في نهاية الثمانينيات، وعلى الرغم من أنه كان من رواد الحركة الحقوقية في مصر، فإن ذلك لم يمنعه من تقويمها موضوعياً، بما لها وما عليها. وأخرها، تأسيسه لجريدة "البديل"، كمنبر صحفي يعبر عن فكر التوجه اليساري وأولوياته. وقد كان الهدف أن تكون الجريدة الصوت المطالب بالعدالة الاجتماعية، والناطق باسم من لا منبر لهم، وأن تكون منبراً للأصوات الجديدة والناشئة التي تناضل من أجل الفقراء وتطالب بالشفافية والمحاسبة وأن تكون أداة لحشد الطاقات وتعبئة الجهود من خلال صوت مخلص ونزيه.

وخلال هذا الفصل تعرض الباحث أحمد منيسي إلى انخراط الدكتور محمد السيد سعيد كفاعل في الحياة السياسية، حيث امتدت المشاركة السياسية له لأكثر من أربعين عاماً، وبدأت بدوره في الحركة الطلابية في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن العشرين، وكانت نهايتها بدوره في تأسيس الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" ومشاركته الفاعلة في الحراك السياسي الذي شهدته مصر في العقد الأخير من حياته، والذي انتهى إلى تفجير ثورة 25 يناير 2011. وفي هذا السياق تم استنتاج أن تجربة الدكتور محمد السيد سعيد في مجال العمل العام، تكشف عن بحثه الدائم عن الجديد الذي يستطيع من خلاله توسيع رقعة النضال وإخراجه من صيغه التقليدية، فكانت له البصمة الواضحة في قضايا المجتمع المدني، بالتحريض والعمل على إنشاء مراكز حقوق الإنسان.

وفي سياق تحليل العوامل المتعددة التي أحاطت بالمشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، حللت الدراسة تلك العوامل الخاصة بالنشأة الاجتماعية والتكوين العلمي والمهني، ومنها ما يتعلق بتأثير الأسرة وبانتمائه الجيلي إلى واحد من أهم الأجيال في تاريخ المجتمع المصري؛ وهو جيل السبعينيات، الذي فجر الحركة الطلابية في العامين الأخيرين من الستينيات والسنوات الثلاث الأولى من عقد السبعينيات من القرن العشرين، مطالباً بالحرب لتحرير الأرض المحتلة منذ 1967، وبالديمقراطية والعدالة الاجتماعية، كما ناقشت الدراسة، العوامل الخاصة بالتحولات المجتمعية التي عاشها الدكتور محمد السيد سعيد منذ تفتح وعيه السياسي والفكري، وأبرزها نكسة هزيمة 1967، وما تلاها من انتصار أكتوبر 1973، والتغيرات التي حدثت في مصر على الصعيدين السياسي والاقتصادي بعد تبنى سياسة الانفتاح السياسي والاقتصادي في النصف الثاني من عقد السبعينيات، فضلاً عن التحولات الكبيرة التي شهدتها مصر في ظل عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك والذي امتد لأكثر من ثلاثة عقود، حتى انتهى على يد ثورة 25 يناير 2011، ومنها استشراء الفساد وتجذره على نحو غير مسبوق، والحراك السياسي الذي عاشته مصر مع بداية العقد الماضي، وقاد إلى خلع مبارك من السلطة.

وأكدت الدراسة أنه ومثلما تأثر الدكتور محمد السيد سعيد بالخصوصية الحضارية للمجتمع الذي نشأ فيه، وبالتحولات الكبرى التي مر بها هذا المجتمع، ومن ثم جاء مشروعه الفكري ذي طابع أصيل ومتفاعل بشدة مع قضايا الواقع. فقد تأثر وفي الوقت نفسه، بالتحولات الكبرى التي حدثت على الصعيدين الإقليمي والدولي، ومن ثم جاء مشروعه الفكري منفتحاً وشاملاً ومتجدداً. ومن أبرز هذه التحولات، ظاهرة المد القومي العربي خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، وتفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط المعسكر الشيوعي وظهور النظام العالمي الجديد، وتنامي ظاهرة العولمة، والغزو العراقي للكويت (1990) والاحتلال الأمريكي للعراق (2003). وقد تركت كل هذه العوامل تأثيراتها الواضحة على مشروعه الفكري، وكان لكل منها تداعياته الخاصة على هذا المشروع، الذي لم يكن بتأثير هذه العوامل مشروعاً مغلقاً، بل منفتحاً ومتطوراً ومتفاعلاً مع حركة تطور المجتمع المصري والقضايا العربية المختلفة، وكذلك الأفكار الكبرى على الصعيد الدولي، وتطور حركة التفاعلات الدولية. 

وانصب اهتمام الفصل الثاني من هذه الدراسة للتعريف بالمشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، حيث تناول المبحث الأول المعالم الأساسية لهذا المشروع، وتناول المبحث الثاني الإسهامات النظرية له، فيما ناقش المبحث الثالث حقوق الإنسان في ذلك المشروع، وقد خلصت الدراسة إلى القول بأن المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد اشتمل على أولويات متعددة، مثلت ركائز أساسية له، واستناداً إلى هذه الأولويات تنوعت القضايا التي شملها، حيث تضمن في شقيه: النظري والتطبيقي مواقفه وآراءه من قضايا مجتمعية عديدة؛ مثل الديمقراطية والحرية والحداثة وما بعدها والعلمانية، والمدارس الفكرية الغربية، وغيرها. وفي كل القضايا التي عالجها الدكتور محمد السيد سعيد، كانت لديه قدرات خارقة على الوصف والتحليل والتفسير والتركيب. وتشكل الحرية البؤرة الضوئية في هذا المشروع، وهي بؤرة تقربه من الفكر السياسي الغربي‏،‏ ولكنه كان يتعاطى مع الحرية باعتبارها الفكرة التي تنبثق منها كل المعاني الحقيقية والملموسة اللصيقة بالوطن.

وليس خافيا علي أحد أن قضية حقوق الإنسان قد شغلت قسماً كبيراً في المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، بل إنها كانت القضية المركزية في هذا المشروع، ومما لا شك فيه أن الاهتمام الشديد الذي حظيت به تلك القضية لدى الدكتور محمد السيد سعيد، مرده إلى إيمانه المطلق بحرية الإنسان وكرامته. وتشكل إسهامات هذا المفكر الكبير  في مجال حقوق الإنسان على الصعيدين الفكري والميداني أهم المساهمات الفكرية في العالم العربي في هذا المجال خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وقد كان للجانب الإسلامي لحقوق الإنسان مكانته المهمة في الخطاب الحقوقي للدكتور محمد السيد سعيد، حيث شدد على نبذ الإسلام للعنف، على نحو ما استقر من شروح فقهية لمبادئه وتعاليمه، مستعيناً بالتراث الإنساني للفقه الإسلامي أيضا في دعوته لسلمية النضال من أجل حقوق الإنسان، دون أن ينفي حضور عدد من الإشكاليات في الفقه الإسلامي من منظور حقوق الإنسان، أبرزها تلك المتعلقة بحقوق المرأة وقوانين الحقوق الشخصية ووضع الأقليات الدينية غير المسلمة.

أما في الفصل الثالث من الدراسة، فقد تم تناول الباحث أحمد منيسي قضايا النهوض الوطني المصري في المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، حيث عرض المبحث الأول لإشكالية الإصلاح السياسي وقضاياه الرئيسية، وتناول المبحث الثاني أزمات الوضع الاقتصادي، وناقش المبحث الثالث إشكاليات الوضع الثقافي، فيما تناول المبحث الرابع قضايا الإصلاح الاجتماعي، أما المبحث الخامس، فعرض لمشكلات السياسة الخارجية المصرية. 

المهم أن دراسة أحمد منيسي انتهت في تحليلها لرؤية الدكتور محمد السيد سعيد لأزمة عملية الإصلاح السياسي في مصر وأبعادها وآلياتها المطلوبة، إلى القول بأنه يرى أن هذه الأزمة لها جذورها التاريخية، التي تتمثل في أن الدولة الحديثة في مصر نشأت استبدادية وشخصانية على يد محمد علي واحتفظت بجانب من هذا الطابع حتى في العصر الليبرالي. والمشكلة الأساسية التي أعاقت عملية التطور الديمقراطي تمثلت في غياب التوازن بين الدولة والمجتمع، وبين الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبين الحاجة لاستنفار وتعبئة كل قدرات المجتمع وتوحيده من أجل تحقيق النهضة. وفي رأيه أن الحل السليم لإقامة نظام ديمقراطي في مصر، يتمثل في الانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية، أو ما يسمي بدولة العدل والقانون، وهذا الحل الديمقراطي لا يعالج مشكلة تقادم وتشوه النظام السياسي فقط، بل يعالج إشكالية السياسة في المجتمعات العربية الإسلامية، وهي إشكالية تاريخية، حيث إن الفكرة الديمقراطية تقوم على ضرورة استكمال بناء الأمة، فالديمقراطية هي تنظيم لدولة تنتمي لأمة. لكن ما يجب التأكيد عليه في هذا السياق، أنه ورغم أن الديمقراطية هي الحل الوحيد الممكن لإشكالية تقادم النظام السياسي وما أدى إليه من دمار المجتمع، فسوف تبقى ناقصة لسبب جوهري، فالديمقراطية نظام رائع عندما يعمل بصورة جيدة، ويعني ذلك أن يقوم المجتمع بصياغة مشروعه الاقتصادي والاجتماعي، وأن يبلور هذا المشروع في ميادين كثيرة ومتنوعة للغاية بداية من التربية والتعليم وصولاً إلى نظام وطني للابتكار، ولكي يتمكن المجتمع المصري من الوصول إلى عتبات هذه المرحلة أو هذه القدرة لا بد أن يستأنف مشروع نهضته.

أما فيما يخص رؤيته لعملية الإصلاح الاقتصادي في مصر، فيذهب الدكتور محمد السيد سعيد إلى القول بأن تحقيق النهوض الاقتصادي يتطلب توفر أربعة شروط جوهرية، هي: تراكم رأسمالي سريع جداً خلال فترة متصلة من الزمن لا تقل عن عقد كامل، وقد تصل إلى عقدين كاملين دون توقف، وبناء قدرة تكنولوجية وطنية كافية في الحد الأدنى لأقلمة وتوظيف المنجزات التكنولوجية التي أبدعت في بلاد أخرى، إن لم يكن الإضافة إليها، وتحقيق مستويات عالية من التنمية البشرية، والتمدد في السوق العالمي إن لم تكن البلد تملك بذاتها سوقاً واسعة للغاية. وعادة ما يحدث هذا التمدد عبر نشاط تصديري يتنامى بسرعة خارقة. ويشدد الدكتور محمد السيد سعيد، على أن تطوير الوضع الاقتصادي في مصر، يحتاج عمليات إصلاحية كثيرة، تشمل ضرورة الاهتمام بتحسين القدرات الوطنية على التطوير والابتكار المحلي، وتحسين نظم الإدارة الصناعية والإنتاجية، وهذه الجوانب كلها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتحقيق تطوير عميق في التكوين الثقافي والتعليمي في مصر. فمما لا شك فيه أن إنجاز ثورة صناعية وتكنولوجية، يعتمد على الثقافة أكثر مما يعتمد على المال.

وفيما يخص أزمة الوضع الثقافي الراهن في مصر، يقول الدكتور محمد السيد سعيد إن غياب الديمقراطية عن الواقع المصري قد أدى إلى تصدع مشروع التنوير الوطني وتدهوره، وبصفة خاصة حرية الرأي والتعبير والإبداع، التي تقع في قلب الاستنارة كمشروع فكري. وتمثل هيمنة الخطاب التحريضي- الغوغائي على العقل العام، كما يؤكد الدكتور محمد السيد سعيد، أبرز معالم الأزمة الثقافية، وأسباب هذه الأزمة في الوقت نفسه. ومن الأسباب الرئيسية لهذا الوضع، التدهور الحاد في التكوين الثقافي للطبقة الوسطى العليا المصرية. ويبدو هذا التدهور واضحاً في مساهمات عدد هائل من كبار المهنيين الذين يعملون في مختلف المهن العصرية بدءاً من الجامعات ومروراً بالقضاء والمحاماة والطب والهندسة، ذهاباً إلى السياسة والثقافة. أما عن كيفية النهوض بالأوضاع الثقافية، فيقول الدكتور محمد السيد سعيد إن استنهاض الواقع الثقافي لا يمكن أن يتم إلا بحدوث نهضة وطنية شاملة، ذلك أن هذه النهضة الثقافية، لا يمكن تحقيقها بشكل منعزل عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتعد المعرفة أولوية جوهرية لعملية التطوير الثقافي المنشود، حيث يقول إن الشق المعرفي هو جوهر المبادرة الحضارية في التاريخ العالمي: أي الحضارة المصرية القديمة.

وفيما يتعلق بأزمة الأوضاع الاجتماعية في مصر، يقول الدكتور محمد السيد سعيد إن المجتمع المصري يعاني حزمة من الاختلالات الأساسية تتمثل، في خمسة مظاهر أساسية، وهي: الخلل بين المجالين السياسي والمعرفي، والخلل بين المجالين الديني والدنيوي، والخلل في العلاقة بين الوحدة والتنوع، والاختلال بين الداخل والخارج، واختلال نظام الحكومة في لحظات حاسمة. ومن وجهة نظر الدكتور محمد السيد سعيد فإن النهوض بالأوضاع الاجتماعية، يستلزم مشروعاً نهضوياً شاملاً، ويركز الدكتور محمد السيد سعيد في أطروحاته الخاصة بإصلاح الأوضاع الاجتماعية في مصر على ضرورة تفعيل دور الطبقة الوسطى، ويؤكد أن النهوض بالأوضاع الاجتماعية، يستلزم إصلاح أحوال الطبقي الوسطى، لأن هذه الطبقة هي التي تفرز المعطيات الأساسية للتلاحم الاجتماعي، والتطور السلمي الاعتدالي للمجتمع. وبهذا المعنى، فهي تشكل الأساس الصلب للمجتمع المدني بشكل أكثر بكثير مما تمثل الأساس الاجتماعي لسلطة الحكم. وإذا تمتعت الطبقة الوسطى بالعافية نستطيع أن نطمئن إلى عافية وحيوية المجتمع ككل.

وفيما يتعلق بآليات تفعيل السياسة الخارجية لمصر، يؤكد الدكتور محمد السيد سعيد إن الديمقراطية الحقة صارت هي مفتاح المكانة الخاصة والمميزة لمصر في المجال الدولي عموماً وفي المستوي العربي بصورة خاصة‏، وهذا ما يعلمه ويعرفه بالممارسة العاملون في الدبلوماسية المصرية‏، فليس لدي مصر أوراق ذات بال في المجال المالي والاقتصادي، وهي لم تعد قوة إستراتيجية كبري‏، وما منح مصر مكانة ودوراً دولياً يتجاوز ما تحظي به قوي اقتصادية وعسكرية أكبر منها بكثير هو قيمتها الثقافية والأخلاقية‏، فمصر تستطيع أن تناقش وتؤثر بما تحظي به من احترام وليس بما تمتلكه من أوراق واقعية أو إستراتيجية‏، ومفتاح الاحترام الآن هو بناء نظام ديمقراطي ملهم لا يفرط في المبادئ الكبرى الملهمة لكل الشعوب الصغيرة والكبيرة علي السواء.

وفي الفصل الرابع ناقشت الدراسة القضايا العربية في المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، حيث تناول المبحث الأول أزمة الإصلاح السياسي في الدول العربية، فيما تناول المبحث الثاني القومية العربية والعمل العربي المشترك، وتناول المبحثان الثالث والرابع أزمة الأوضاع الثقافية العربية، وقضايا الإصلاح الاجتماعي، أما المبحث الخامس فتناول القضية الفلسطينية، وأما المبحث السادس، فعرض لقضية العرب ودول الجوار.

وقد أكدت الدراسة من خلال تحليلها لأفكار الدكتور محمد السيد سعيد أن الإصلاح السياسي المطلوب عنده يتمحور حول تحقيق الكرامة الإنسانية كهدف جوهري ومبدئي، حيث يقول إنه لا أمل مطلقاً في نجاح أي مشروع للنهضة أو الإصلاح بدون إنعاش الكرامة الإنسانية لدي جميع الناس بدون تفريق أو تمييز‏‏. ويذهب الدكتور محمد السيد سعيد إلى القول بأن الديمقراطية ستكون ممكنة في الواقع السياسي العربي عندما تتحقق معادلة من ثلاثة معطيات أساسية: الأول هو تعددية سياسية فعلية وجوهرية، والثاني هو تطور توازن حرج بين القوى، والثالث هو التعلم الذي يتيح إمكانية التوصل إلى حل سلمى للصراع السياسي في بيئة تعددية يقوم على مبدأ "تحكيم" الأغلبية. ويعنى ذلك أنه ليست هناك إمكانية للتحول الديمقراطي طالما ظل المجتمع السياسي "واحديا" بمعنى أنه يتكون حول مركز سياسي وحيد. بل لا بد أن "ينقسم" المجتمع السياسي بين عدة مراكز أو إلى قوى متعينة في الواقع السياسي لا يمكن قسرها على الانتظام في رؤية واحدة للسياسة أو السياسات.

أما فيما يتعلق بكيفة النهوض بالأوضاع الثقافية والاجتماعية في العالم العربي، فقد خلصت الدراسة إلى أن رؤية الدكتور محمد السيد سعيد في هذا السياق تتمحور حول القول بأنه لا أمل في إحياء الثقافة بدون إحياء الاهتمام بالسياسة، ولا أمل في إحياء الاهتمام بالسياسة بدون إنتاج مفهوم جديد لعلاقة الناس بالسلطة يجعلها في متناول كل المجتمع، وهذا ما تسميه الأمم المتحدة بالتمكين باعتباره جوهر فلسفة التنمية المناسبة للقرن الحادي والعشرين، والتمكين يعني قدرة الناس على السيطرة على شروط حياتهم والحق في توجيهها ولو في المحيط المباشر للحياة الاجتماعية مثل القرية والحي ومواقع العمل، والناس عند هذه المستويات هم الأكثر ذكاءاً بما لا يقاس بأي عقل فردي أو بيروقراطي، فإن لم يتم إحياء السياسة عند هذا المستوى يخسر الجميع وتركد الثقافة، بل ومن المحتمل أن يتفكك المجتمع نفسه. ويقول الدكتور محمد السيد سعيد إن النهوض بأوضاع المجتمعات العربية مرتبط بطرح مشروع كبير للتغيير، أول أهدافه استعادة وإطلاق الحيوية الحضارية في العالم العربي على اتساعه، وهو ما يضمن بذاته الانتصار ضد خصومه وأعدائه على المدى الطويل، أما على المدى المباشر فلا بد من وقف الصراعات الإبادية والاستئصالية ووضع أسس للوحدة الوطنية لا تصادر على الخلاف والاختلاف، بل تفيد منه في تأكيد التنوع والتعدد والاجتهاد الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي.

وفيما يخص القومية العربية والعمل العربي المشترك، يقول الدكتور محمد السيد سعيد إن فشل الجامعة العربية في تحقيق الوحدة لا يعود مطلقاً إلى فشل الفلسفة القومية بذاتها بقدر ما يعود إلى فشل الدول العربية حتي داخل أقاليمها. ولا يعني ذلك بالمرة أن هذه الدول محكوم عليها بالفشل. ولكنه يعني أنه من المستبعد أن تتوافر إرادة سياسية أكبر لمواجهة المشكلات الكبيرة التي تعيق العمل العربي المشترك، إذا لم تكن متوافرة لحل المشكلات المستفحلة داخل هذه الدول. ويرفض الدكتور محمد السيد سعيد القول بأن محنة الجامعة العربية هي نتيجة الخلافات العربية كما يشيع الاعتقاد، فهذه المحنة كامنة في احتجاز تطور الدولة العربية بمختلف أشكالها. فحتى أكثر الدول العربية تطوراً مازالت تدار بصورة جزافية لا تقوم علي توازنات اجتماعية واقتصادية مقبولة أو نظام مؤسساتي راسخ وحديث. ومن ثم فهي لا تفضل الالتزامات التعاقدية الخارجية طويلة المدى وخاصة علي المستوي العربي. بل ترغب في إدارة علاقاتها العربية بالطريقة نفسها التي تدير بها حياتها السياسية والاقتصادية الداخلية أي بطريقة يوم بيوم. وفيما يخص القومية العربية، يقول الدكتور محمد السيد سعيد إن القومية العربية مثل أي فكرة كبري وقعت لها هزيمة بسبب سوء الصياغة أو سوء الاستعمال أو الأمرين معاً، والأجدر بها هو أن يعترف معتنقوها بالواقع ليعيدوا تنظيم فكرهم وأطروحتهم الكبرى بما يضمن الخروج السريع من تيه أو متاهة قاسية علي النفس والوجدان أو العقل والخطاب‏. ‏‏ويؤكد أن النظم العربية التي استعملت الفكرة القومية العربية لإضفاء الشرعية علي سياساتها وتوجهاتها كانت بالفعل أكثر فشلاً من غيرها علي الصعيدين الداخلي والخارجي. فقد اتسم أداؤها بالقسوة المفرطة والتعسف والاستبداد السياسي المطلق والحرمان الشديد من أبسط مقتضيات الحق العام بل وأحيانا من أبسط مقتضيات المنطق والعقل. كما أن أداء هذه النظم اتفق في الميل الطاغي للمغامرات الخارجية غير المحسوبة.

وقد خلصت الدراسة في هذا الفصل إلى القول بأن القضية الفلسطينية قد حظيت باهتمام مركزي في المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، وناقشت الدراسة رؤية الدكتور محمد السيد سعيد لكيفة حل القضية الفلسطينية من خلال حل الدولتين كمرحلة لتأسيس دولة ديمقراطية واحدة على كافة أرض فلسطين التاريخية، والاستراتيجية التي يدعو إليها تنظر إلى شعار الدولة الوطنية الديمقراطية في الأرض المحتلة عام 1967 ليس كبديل إنما كخطوة نحو بناء دولة ديمقراطية علمانية لكل مواطنيها على كل أرض فلسطين التاريخية، وهذا التحرك هو جوهر النصر لأنه يضمن انحسار العقيدة الصهيونية وتراجعها. ويؤكد الدكتور محمد السيد سعيد في هذا السياق أنه يبدو أن ثمة تناقضاً بين الحل النهائي، أي الدولة الفلسطينية الواحدة في كل فلسطين تحت الانتداب، وطريقة الوصول إلى هذا الحل، أي تأسيس دولة فلسطينية وفقاً لحدود الرابع من يونيو 1967، ولكن التناقض مرفوع لأسباب كثيرة. منها أن المروق الفوري لدولة واحدة مرفوض إسرائيلياً أكثر بكثير حتى من التسليم بإعادة كل الأراضي المحتلة في يونيو 1967. ومنها أيضا أنه حتى لو وافقت إسرائيل فلن تكون هذه الدولة سوى اتحاد مظهري أو قانوني صرف بين مجتمع يهودي بالغ التقدم من النواحي السياسية والتكنولوجية والاقتصادية ومجتمع فلسطيني لا يزال يحبو في طريقة لتلمس أبجديات بناء دولة حديثة ومؤسسات هذه الدولة. ويؤكد الدكتور محمد السيد سعيد أن بناء تجربة فلسطينية سياسية وطنية أصيلة يقلل كثيرا المسافات بين «القوميتين» الفلسطينية واليهودية ويمهد لعلاقات متكافئة لا تماثل الاستعمار الداخلي. بل قد تمهد لإذابة المجتمع اليهودي في فلسطين في المحيط العربي والشرق أوسطي الأوسع.

وفما يخص العلاقات العربية مع دول الجوار، دعا الدكتور محمد السيد سعيد إلى إعادة بناء هذه العلاقات من خلال إستراتيجية جديدة لعلاقات العرب مع العالم ككل، تضمن تحقيق المصالح القومية العربية، من خلال التفاعل بشكل إيجابي و"سياسي" مع العالم الخارجي، ذلك أن ممارسة السياسة علي المستوي الدولي من قبل الدول العربية، مازالت في الجوهر مغلفة تماماً بخطاب الحق والكرامة. وكأن السياسة ليس لها مشروعية بذاتها. وهو ما يكرس غياب مفهوم ومنطلقات ومهارات السياسة عن الوعي العام. ويقول الدكتور محمد السيد سعيد، إن هناك ضرورة قصوى لتطوير الخطاب الثقافي العربي تجاه العالم الخارجي، لتخليص هذا الخطاب من التشوهات الكثيرة التي لحقت به في هذا الصدد.

أما في الفصل الخامس من هذه الدراسة، فقد تم تناول القضايا الدولية في المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، والتي تمثلت في ثلاث قضايا أساسية، وهي: النظام الدولي والعلاقات الدولية، والإسلام والغرب، والسياسة الخارجية الأمريكية، حيث انتهت الدراسة إلى التأكيد على أن الحل الذي يراه الدكتور محمد السيد سعيد للمشكلات الدولية، يتمثل في الضرورة الحاسمة لتأسيس نظام عالمي جديد يقوم على التطبيق الحاسم لقانون دولي يعكس آمال الإنسانية كلها في التقدم والتنمية والسلام. ولكنه لا سبيل لإنشاء مثل هذا النظام الذي يقوم بالضرورة على المشاركة إلا بإنهاء أوضاع الاستبداد على الصعيد العالمي، وهو ما يتطلب ضرورة أن يكون القانون الدولي، وليس القوة، هو الحاكم للعلاقات الدولية.

وقد خلصت الدراسة إلى التأكيد على أن تصحيح العلاقة بين الإسلام والغرب من وجهة نظر الدكتور محمد السيد سعيد يتطلب من الناحية السياسية مبادرة قوية لتفكيك الطوق الذي قد ينشأ حول العالم الإسلامي، كما أن هناك حاجة ماسة لتأسيس مشروع سلام إسلامي عالمي، تبادر به الدول العربية والإسلامية، بحيث لا يكتفي العرب والمسلمون برد الفعل على ما يوجه للإسلام من اتهامات بالتطرف، بل يكونوا مبادرين بالفعل. وتعني مبادرة "مشروع سلام إسلامي" أطروحة لبناء السلام على المستويين (الإقليمي والعالمي)، أما فيما يخص العلاقات العربية الأمريكية، فيخلص الدكتور محمد السيد سعيد من تحليله لهذه العلاقات إلى التأكيد على أنها تعكس كل أمراض التبعية، وهو يخلص إلى القول بأن تصحيح الخلل القائم في تلك العلاقات يتطلب وجود استراتيجية واضحة وكاملة للتأثير على الشعب الأمريكي ودفعه لتأييد الحقوق العربية المشروعة، ولكن ذلك بالطبع يعني خوض معركة جبارة مع القوى الصهيونية التي تحتكر النفوذ على عملية صنع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

 

عبد السلام فاروق

 

 

nadeer alkhazrajiالكتابة نوعان: كتابة يسوقها الفكر والعقل وكتابة تسوقها العاطفة والشعور، الأولى يتلقاها الذهن عبر أذان الفهم والمعرفة، والثانية تتلاقفها الروح عبر قناة المشاعر والأحاسيس، الأولى يُحبِّرها كاتبها وقائلها بدواة الأناة والروية والثانية يدلع فوهة محبرتها على البداهة والسجية، الأولى ينظم الملقي كلماتها على سلّم الرتابة والثانية ينضد المنشيء كلماتها في عقد منضود، تلك هي كتابة النثر والنظم، فالأولى يحسن صناعتها الكثير والثاني ينظم قوافيها القليل، والقلة من القليل من يجيد حبك عقد لؤلؤها ورويها، لأنها ليست من الصناعات المتاحة لكل صاحب قلم ومحبرة، ومن تمكن من صناعة النثر وعفوية النظم وزيّن جيد النثر بقلادة الشعر، وسوَّر ساعد النثر بمعاضد الشعر، كان ممن حبته الحياة بزينة الحروف المضيئة التي تحاكي العقول والأفئدة معًا.

وكما للكتابة النثرية فنونها وتعدد ألوانها وتمايز كتّابها بين لون وآخر، كذلك للبداهة الشعرية فنونها وتمايز ناظميها، ومن فنون الشعر "المسمَّطات" التي يأتي النظم فيها على نسق خاص يميزه عن النظم المألوف، ومن شعر المسمَّطات هو التخميس والمشهور منه أن ينظم الشاعر البيت في خمسة أشطر تكون الثلاثة الأوائل له والرابع والخامس هما صدر وعجز بيت شعر لغيره على أن تكون قافية الأشطر الثلاثة مشابهة لقافية الشطر الرابع، ويكثر هذا النمط من المسمَّطات الشعرية أو ما يعرف بالتخميس عند الشاعر الذي ينبهر ببيت شعر أو قصيدة لشاعر راحل أو معاصر، فيجعل من البيت أو القصيدة قاعدة لتخميسته فيبني عليها أشطره، ومن لوازم هذا اللون من الشعر أن يأتي الشاعر المُخَمِّس بأشطر ذات بلاغة وصورة شعرية تفوق البيت الأصل (المُخّمَّس) أو في مرتبته على طريقة: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) سورة النساء: 86، ولهذا يتذوق القارئ التخميس الذي أحسن شاعره اللاحق (المُخَمِّس) في تنضيد عقده داخل سلك الشاعر السابق (المُخَمَّس له)، وكلما أبدع اللاحق في صيانة نظم السابق نال استحسان المتلقي للشعر المسمَّط، وكأن الشاعرين اللاحق والسابق يصولان في مضمار السبق النظمي، ولهذا يحرص المخمِّسون على الإتيان بما هو جديد يطرق باب المتلقي بأنامل الإحساس المرهف.

ولأن النظم في النهضة الحسينية فيه جرعات كبيرة من الأحاسيس والعبرات، ولأن حجم المشاعر الجياشة التي صاغتها القوافي وساقت زوارقها البحور هي التي تسلب لب المتلقي وتأخذ بتلابيب فؤاده، فإن الكثير من الشعراء راحوا ينشئون من الشعر الحسيني التخميسات، وهذا ما تابعه المحقق الأديب الشيخ محمد صادق الكرباسي في موسوعته الرائدة (دائرة المعارف الحسينية) في قسم (المسمَّطات) من باب (الحسين في الشعر العربي القريض)، حيث صدر حديثا (2017م) الجزء الثالث من (ديوان التخميس) في 348 صفحة من القطع الوزيري الصادر عن المركز الحسيني للدراسات بلندن، على أن هذه الجزء الذي يشكل الرقم 110 من المطبوع من الموسوعة الحسينية من مجموع نحو 900 مجلد بدأه المؤلف بمستدرك في حرف الألف على الجزء الأول في التخميسات 149 و150، وبمستدرك في حرفي التاء والدال على الجزء الثاني في التخميسات 151 إلى 186، وابتدأ الجزء الثالث من حرف الراء المفتوحة لينتهي الى آخر الظاء المفتوحة في التخميسات 187 إلى 233 تخميسة.

شرط البلاغة والمتانة

يعتبر التخميس كأي فن تختلف فيه المستويات يدركها المتذوق لعموم الشعر وخصوص التخميس، وبتعبير الأديب الكرباسي في الجزء الأول من ديوان التخميس أن مبلغ التخميس عندما: (يكون البيت الذي يُراد تخميسه تامًّا غير ناقص، وفيه وضوح بحث يرتفع معه الغموض، وأن لا يكون العجز مرتبطًا بالصدر من حيث المفردة بحث تكون نصفها في  الصدر ونصفها في العجز)، ولأن الشاعر المُخَمِّس استهواه البيت الذي يتوفر على قوة المعنى وصدق المراد وشدة الحبك، فإن الصورة الشعرية التي يأتي بها في الأشطر الثلاثة ينبغي أن تحمل مثل هذا المواصفات، وبتعبير الأديب اللبناني الأستاذ عبد الحسن الدهيني في مقدمة الناشر للجزء الثالث من التخميس أنه: (يجري على التخميس ما يجري على الأبيات الأصلية من ضرورة أن تكون الشطور المضافة فيه ذات متانة تلكم الأبيات وفي قوتها البلاغية، وإلا لظهر البون شاسعًا بينها وبين الأصل المُخَمَّس، ما يشكل عيبًا جليًّا وخللًا واضحًا في التخميس سوف يُنقص من قيمته الأدبية والبلاغية، وبالتالي لابد أن يكون الشاعر المُخَمِّس ذا قدرة لغوية عالية وجزالة في المعاني، كي لا يشوّه الإيقاع اللغوي، أو يضيع في الإسترسال فيشوّه المعنى، ما يفقد القصيدة قوتها ومتانتها).

ولأن البلاغة والمتانة والجزالة وتعدد الصور التشبيهية من لوازم عموم الشعر وخصوص التخميس، فإن الشاعر المُخَمِّس يحرص أشد الحرص على الإلتزام بهذه المعايير، ولهذا تكثر الصور البلاغية والتشبيهات والإستعارات في مثل هذا النمط من الشعر القريض، ومن هذه  الصور قول الشاعر العراقي الشيخ عبد الرضا بن علي الصافي المتوفى سنة 1409هـ (1988م) مخمِّسا مجموعة من أبيات قصيدة دعبل بن علي الخزاعي المتوفى سنة 246هـ (860م)، وهي من بحر الطويل:

بُيوتٌ بإذن الله مرفوعَةُ البنا ... تحُفُّ بها الأملاكُ طَوْعًا بِلا عَنا

مُشيَّدة بالذِّكرِ والحمدِ والثَّنا

لآلِ رسول الله بالخَيْفِ مِنْ مِنى ... وبالرُّكْنِ والتَّعْريفِ والجَمَراتِ

فالشاعر هنا زاوج بين بناء المسجد المادي من جص وطابوق يؤمه المؤمنون يعبدون فيه رب الجلالة وبين البناء المعنوي المشيد بالذكر والحمد والثنا، مستعيرًا قوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) سورة النور: 36، وحتى في هذه الصورة الشعرية فإن الشاعر يجمع بين البناء الروحاني والوجود الشخصاني المتمثل بالنبي الأكرم محمد(ص) وأهل بيته الكرام والملائكة تحف بهم هبوطا وصعودا.

ويأتي الشاعر العراقي المعاصر محمد علي بن حسين الحلاق الحائري المولود سنة 1354هـ (1935م) ليماثل بين الطواف حول كعبة رب العالمين والحركة حول ضريح الإمام الحسين (ع) سيد شباب أهل الجنة، وهو يخمّس مقطوعة ثلاثية الأبيات للشاعر العراقي المولود في المشخاب أحمد بن صالح العبادي، فيُنشد مخاطبا إبن وليد الكعبة، من بحر الكامل:

يا كعبة العُشّاق جئتُك زائرا ... لأطوف سبعًا حولَ روضك حاسرا

وقصدتُ تلبية النداء مناصرا

حتى أنادى في المعادِ مُفاخِرا ... أمضيتُ في حبِّ الحسين حياتي

وحيث يلبي الحاج في مكة: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ)، يلبي الزائر في كربلاء دعوة سيد الشهداء الذي نادى في عرصات كربلاء ظهيرة العاشر من محرم: (أما من مغيث يغيثنا)، مستحضرًا ما حوته الزيارة المأثورة من نصوص: (لَبَّيْكَ دَاعِيَ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَنِي عِنْدَ اسْتِغَاثَتِكَ وَلِسَانِي عِنْدَ اسْتِنْصَارِكَ فَقَدْ أَجَابَكَ قَلْبِي وَسَمْعِي وَبَصَرِي‏ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا)، وحيث يلبي الحاج ويطوف حاسرا من كل زينة دنيوية، يقدم الزائر نصرته لنيل الزينة الأخروية.

وهذا الشاعر السعودي حسين بن علي القديحي البلادي القطيفي المتوفى سنة 1387ه (1968م) يقدم لنا مشهد الإمام الحسين(ع) وهو مرمي على الأرض لثلاثة أيام مقطع الأوصال مقطوع الرأس من القفا، وليس له من غطاء ولا كفن إلا الرمال تنسجها الريح والشمس تهيل عليه أشعتها الحارقة، فيخمس بيتي الشاعر بشر بن حذلم المدني المتوفى بعد سنة 61هـ، منشدا، من بحر الكامل:

مَن للمعالي مِسْكُهُ يتأرَّجُ ... أضحى تُكفِّنُهُ الرياحُ وتنسجُ

ولجسمِهِ شمسُ الظهيرةِ توهِجُ

الجِسمُ منه بكربلاء مضرّجُ ... والرأس منه على القنا يُدارُ

ومن الخليق ذكره أن من مستحبات زيارة مراقد أهل البيت هو الغُسل أو الإغتسال، وحيث كان الزائر لمرقد الإمام الحسين (ع) ومازال عند البعض يتطهر ويغتسل في نهر العلقمي الذي يشق مدينة كربلاء، فإن الشاعرة السعودية المعاصرة أمل بنت عبد الله الفرج المولودة سنة 1395هـ (1975م)، تدعو الزائر الى الغسل ارتماسًا في نهر الأحزان بدلًا من نهر كربلاء، فتنشد من بحر البسيط مخمسمة بيتًا من قصيدة الشاعر هاشم الصياح الستري البحراني المتوفى بعد سنة 1193هـ (1779م)، من بحر البسيط:

جئهُ وارتمس في الشَّجو والكدرِ ... واتلُ المدى حين تمشي بُغية الأثرِ

واقرأ زيارته واقصدُهُ بالنذرِ

قم جدِّد الحزنَ في العشرين من صفرِ ... ففيه رُدَّت رؤوس الآل للحُفَرِ

وحيث أن المساجد لله وهي سبعة: باطن الكفين والركبتان وإبهاما القدمين وجبهة الرأس، فإن الحسين(ع) كما يصوره الشاعر ظل على رمضاء كربلاء يصلى لله على مساجد ستة فقط، فالسابع على رأس رمح طويل يُطاف به في البلدان، وهي صورة أكثر من مؤلمة ينشدها الشاعر البحريني المعاصر حسين بن ماجد أمين سهوان المولود سنة 1402هـ (1982م) مخمِّسا البيت 42 من قصيدة من 76 بيتًا للشاعر هاشم الصياح الستري البحراني المتوفى بعد سنة 1193هـ:

ثاوٍ يصلّى صلاة الذَّبح من غدِهِ ... سِتُّ المساجدِ عُدَّت عند موردهِ

واستُفقدت جبهةٌ تهوي لِمَسْجَدِهِ

لا تدفنوا الرأس إلا عند مرقدِهِ ... فإنَّه جَنَّةُ الفردوس والزَّهرِ

نبضات حسينية

للطبيب قدرة التشخيص من خلال جس نبض المريض، فحركة النبضات كاشفة عما تحمله الشرايين من صحة وسقم، وحيث يحيط رداء الخوف بالمرء ترتفع النبضات وحركتها والقلب ودقاته، وحيث تخفق أجنحة الجوى عند أعشاش القلوب الظمأى تتصاعد النبضات وتتدافع أضلع الصدر تفتح الدرب أمام القلب الولهان.

ولما كان النبي الأكرم وهو أصدق الصادقين قد طارت في الآفاق قولته المشهورة المتواترة: (حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنْ الْأَسْبَاطِ)، فإن هذا الحب ينبض في شريان المحب الموالي، ولما كان الشاعر المجيد هو بمثابة قاروة مشاعر وأحاسيس تفيض على الناس بقوافيها، فإن نبضاته شاخصة في عالم المحبين وذات وقع موسيقي تتراقص على نياط القلب وأوتاره، ولذا فإن مفردة (النبض) تكررت في أكثر من تخميسة لأكثر من شاعر وهم يخمِّسون لبيت واحد بعينه، فهذا الشاعر العراقي المعاصر أركان بن حسين التميمي المولود سنة 1387هـ (1967م) يدلنا على نبضه مذ كان جنينا وأمه ترتل في مسامعه أذان الحب الحسيني وهو يخمس بيت الشاعر أحمد بن صالح العبادي من بحر الكامل:

وأنا جنينٌ قبل بدءِ حياتي ... عشتُ الحسينَ الحُبَّ في النبضاتِ

أمِّي تخاطبُهُ فتُسمِعُ ذاتي

تمشي إليكَ توسُّلاً خطواتي ... وأعدُّها إذ أنها حسناتي

الشاعر السعودي المعاصر حسين بن سلمان آل سهوان المولود سنة 1390هـ (1969م) يخبرنا عن مناجاة نبضاته مع الإمام الحسين(ع)، وحيث تأتي النبضات متواترة متسقة، فإنها تتناغم مع نداء الحسين(ع) "هيهات منّا الذلّة"، فينشدنا بنبضاته:

باسمِ الحسينِ تكلَّمت نبضاتي ... فتعلقت عينًا بكلِّ صلاتي

وتواترت هيهاتها في ذاتي

تمشي إليك توسُّلًا خطواتي ... وأعُدُّها إذ أنَّها حَسَناتي

ويمشي الشاعر العُماني عقيل بن درويش اللواتي المولود سنة 1392هـ (1972م)، واثق الخطى تسوقه نبضاته، فينشد:

خطوي حسينيٌّ بكلِّ صلاتي ... وأرى بمعنى الحُبِّ أنت صلاتي

فلذا تراني واثق النبضاتِ

تمشي إليك توسُّلًا خُطواتي ... وأعدّها إذ أنها حسناتي

وهكذا تتهادى النبضات في تخميسات الشعراء: ناصر إبن ملا حسن أحمد زين الدين المولود في سنابس البحرين سنة 1394هـ (1975م) وشهرته ناصر زين، علي بن عبد الوهاب علي البقالي المولود في كرزكان البحرين سنة 1395هـ (1975م)، أحمد بن حمزة الماجد المولود في قطيف السعودية سنة 1402هـ (1982م)، علي بن سلمان المطاوعة المولود في أحساء السعودية سنة 1402هـ (1982م)، أحمد بن عبد الكريم هلال المولود سنة 1409هـ (1989م)، حسين المهدي البحريني، والشاعر العُماني مصطفى بن محسن اللواتي.

وحيث وثّق المؤلف التخميسات الحسينية، فإنه هو الآخر ترك بصماته على هذا الديوان بعدد من التخميسات، منها تخميسته على بيت للشريف الرضي محمد بن الحسين الموسوي المتوفى سنة 406هـ (1015م)، من بحر السريع:

مِن حيدرٍ يبدو سنا الفجر ... وفي حسينٍ نورُهُ يجري

تناغما على مدى العصرِ

قرّت عيونُ المجدِ والفخرِ ... بخلعةِ الشمس على البدرِ

مفخرة المكتبات

توزعت تخميسات الجزء الثالث على الشعراء التالية أسمائهم: إبراهيم محمد ألبو شفيع، إبراهيم ناصر آل مبارك البحراني، أحمد حمزة الماجد، أحمد عبد الحسين الستراوي، أحمد عبد الكريم هلال، أحمد محمود الدر العاملي، أحمد هاشم العلوي، أركان حسين التميمي، أمل عبد الله الفرج، باسم محمد العيثان، حسن حبيب احليل، حسين طاهر المعيبد، حسن عبد الكريم الفرج، حسين عبد الله الخطي، حسن علي العبد العال، حسن ماجد سهوان، حسين المهدي البحريني، حسين حسن آل جامع، حسين حسن سهوان، حسين سلمان آل سهوان، حسين علي آل عمار، حسين علي القديحي البلادي، حسين محسن البزاز، سعيد علي أبو المكارم العوامي، سلطان علي حسين الصابري، صالح أحمد الستري البحراني، صالح مهدي القزويني، طاهر إبراهيم المدهون، عبد الحسين سلمان البحراني، عبد الرضا علي الصافي، عقيل درويش اللواتي، عقيل ناجي مسكين، علوي أحمد الغريفي، علي حسين البلادي القديحي، علي حسن المؤلف، علي سعيد المناميين، علي سلمان المطاوعة، علي عبد المجيد النمر، علي عبد الوهاب البقالي، كاظم جواد الحلفي، محمد عبد النبي المخوضر، محمد صادق محمد الكرباسي، محمد علي حسين الحلاق الحائري، محمود عبد الله السابودي، مصطفى محسن اللواتي، منصور محمد علي الجشي، ناصر حسن أحمد زين الدين، نبيه (نبية) إبراهيم البحريني، هادي صالح الخفاجي، هادي عبد الرسول آل مغيص، هاشمية جعفر علوي الموسوي، ياسر أحمد المطوع، ياسر عبد الهادي الجمري، ويوسف يعقوب المعاميري.

وفي هذا الديوان تلتقي مشاعر القوافي مع تجليات التصوف، في مقدمة كتبها شيخ الطريقة السمانية في السودان الشيخ الطيب علي أحمد، الذي آمن بأن: (الحسين بلغ عالي الدرجات بتحمله الصعاب وتجرعه الغصة وصبره على عظيم النوائب .. هنا كان دور الإمام الحسين عليه السلام عظيما وخطيرا رغم الحصار عليه وعلى محبيه إذ كان هو المحافظ على دين جده وأبيه) من هنا يوثق شيخ الطريقة السمانية بأن شعار "هيهات منا الذلة" قد: (مثّل نهضة الحسين وتبناه عمليا قادة الثورات التحررية باختلاف أديانهم وأجناسهم وأماكنهم ... فكانت النهضة الحسينية عنوانًا مشرِّفًا وتاجًا لكل نهضة وحركة في كل العالم) وعليه فإن: (من حق كل حر وشريف أن يعتبره أبًا له وقائدًا وقدوة، ولكنه عليه السلام مع هذا ظلَّ مظلومًا في قومه ممن يدعي الإنتماء للإسلام والعروبة .. ومع تقصير المقصرين ظل شامخًا مضيئًا رغم أنف الطاغوت بأشكاله، وظلّت نهضته نبراسًا يتمدد نوره بقوة عبر كل أجناس بني البشر).

ومن مصاديق نبراس النهضة الحسينية وأنوارها، دائرة المعارف الحسينية لمؤلفها المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي التي اعتبرها شيخ الطريقة السمانية مفخرة وفريدة ذلك: (إنَّ هذا العمل الكبير والضخم يعد مفخرة للمكتبة الثقافية العالمية وإضافة نوعية فريدة للمؤلفات الكبيرة في العصر الحديث .. يعتبر إنصافًا بقدرة شخص محترم فريد ومتميز في كل شيء صار عنوانًا لكل ما هو نبيل وقيم .. خاصة أن الباحث والمحقق يفتقد في جهده لمثل هذه الموسوعة العظيمة التي تشفي ظمأ كل طالب حقيقة غاص منقِّبًا عن لآلئ وجواهر في قاع أمّات الكتب التاريخية ظلت حبيسة ظلمات الإخفاء والدس وأحيانا التدليس والتحريف).

وصدق الشيخ الطيب علي أحمد، فهناك جواهر ولآلئ لا يفتقدها الباحث والمحقق والكاتب فحسب، بل بمسيس الحاجة إليها كل باحث عن الحقيقة في هذه الكرة التي تتصارع في سوحها قوى الخير والشر منذ أول الخلق الآدمي إلى آخر الخلق البشري.

 

د. نضير الخزرجي - الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

adnanhusan ahmadصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت كتاب "حكايات من ليالي العنف" للناقد السينمائي الأردني عدنان مدانات وهو طبعة مزيدة ومنقّحة لطبعة أولى مقتضبة ومحدودة لم تنل حقها من التوزيع في سنوات الانحسار الفكري. لا يصنّف المؤلف كتابه كسيرة ذاتية له وإنما كسيرة للشخصيات الأُخر التي تحرّكت على مدار النـص، وأكثر من ذلك فهو يقدِّم صورة بانورامية لمدينة بيروت التي عاشت عنف الحرب الأهلية لخمس عشرة سنة، وصورة مُوجزة لكنها شديد الدلالة عن عنف التحقيق الأمني الذي شهِدته مدينة عمّان قبل ولوجها إلى الفضاء الديمقراطي المُراعي لحقوق الإنسان.

يتضمن الكتاب شذرات متوهجة من السيرة الذاتية لكاتب النص لكنها لا تأتي في المقام الأول لأنّ همّهُ الأساسي منصبٌّ على تتبّع ظاهرة العنف الذي تَشَكّل في النفوس وصار جزءًا من سلوكهم اليومي خلال سنوات الحرب الأهلية المقيتة التي اشترك فيها كل مكونات الشعب اللبناني لكن المؤلف تفادى التعريف بالشخصيات والجهات التي تنتمي إليها لأنه لم يكن "معنيًا بالخاص بل بالعام، وبالفكرة وليس بالحدث، وبالسلوك وليس بالأشخاص"(ص10).

يتألف الكتاب برمته من مقدمة وفصلين يتناول فيهما الكاتب ظاهرة العنف في بيروت وعمّان وليس من المستغرب أن يستهل كتابه بالعنف الطفولي الذي انتقل من الكبار إلى الصغار فبينما هو يمشي في زقاق ضيق شعر بضربة قوية على رقبته وسقوط خِيارة على الأرض رافقتها شتيمة بذيئة وحينما رفع رأسه شاهد طفلاً متحديًا لم يتجاوز عمره سنّ السادسة في أفضل تقدير وكلاهما لا يعرف الآخر، فمن أين تسربت شحنة العنف إلى هذا الطفل؟

لم يشهد مدانات أحداث أيار عام 1973 حينما اشتبك أنصار اليمين المسيحي مع أتباع التنظيمات اليسارية والقومية ولكنه عاشها من خلال ذكريات الناس وأحاديثهم عنها. وبما أنه ناقد ومُخرج سينمائي فلاغرابة أن يلتقط التناقضات التي تجتمع في شخصيات أصدقائه ومعارفه الجدد. فجورج، الشاب اللبناني الأنيق، الذي يتقن اللغة الفرنسية، ويكتب في مجلة أسبوعية، ويهوى التصوير، ويحب مشاهدة الأفلام، لكنه يتحدث عن الاشتباكات التي كانت تدور بين التنظيمات المتناحرة بحماس متقد، ولذة كبيرة، فكيف جمع هذا الصحفي اليساري الأنيق بين الشخصية المثقفة الأليفة وبين المقاتل العنيف الذي يدرِّب الشباب على استعمال السلاح؟ ينتقي مدانات نموذجًا آخرَ لشخصية مزدوجة وهو الفنان سمير الذي يسكن في بيت جميل تكتظ جدرانه باللوحات التي تنمُّ عن ذوق رفيع لكنه فاجأ الراوي حينما أسمعه تسجيلاً لأصوات الطائرات وهي تقصف مخيمًا قريبًا، فما علاقة التشكيل بالانفجارات ودويّ القنابل؟

يعتقد مدانات أن العنف الفردي أصبح جزءًا واضحًا من مكونات الشخصية اللبنانية، إذ"لم يعد إطلاق الرصاص وحده يكفي لإشباع العواطف المتأججة فانتشرت عادة تفجير القنابل الصوتية وأصابع الديناميت في الأعياد والأعراس والاحتفالات"(ص25) وفي السياق ذاته ثمة معلِّم عاشق فجّر منزل عائلة حبيبته لأنهم رفضوا تزويجها إياه! وهناك ضابط برتبه عقيد شوّه بماء النار وجه عشيقته التي تخلّت عنه. كما بدأت عمليات الاختطاف تأخذ طريقها في المجتمع اللبناني بغية الابتزاز المادي أو الانتقام السياسي. وفي هذه الحقبة تحديدًا انتشرت عبارات جديدة مثل "حواجز مُفاجئة"، "مُظاهرات طيّارة"، "ممرات سالكة" وما إلى ذلك، كما شاعت أفلام الكاراتية التي تحظّ على العنف في الصالات السينمائية. وفي العام 1975 عرض المخرج مارون بغدادي فيلمه الروائي الطويل الأول "بيروت يا بيروت" الذي رصد فيه ظاهرة العنف الطلابي المسلح واستعداد حزب الكتائب لخوض المعركة. ويعتقد مدانات أن هذا الفيلم "كان بمثابة نبوءة عن حرب أهلية حقيقية وشيكة الحدوث"(ص28).

تختلف الآراء كالعادة بشأن بداية الحرب الأهلية، فالمؤلف يعتقد أنها بدأت بسبب حادثة الاعتداء على حافلة كانت تضم فلسطينيين عائدين من حفلة عرس في "عين الرمّانة"، بينما يعتقد آخرون أن سبب اندلاع الحرب هو محاولة اغتيال الزعيم الماروني بيار الجميل. وعلى الرغم من الاختلاف على الأسباب فإن ما يهمنا هو روح العنف التي تغلغلت في نفوس اللبنانيين وخاصة الأطفال الصغار الذين كانوا يشنّون معاركهم ببنادق خشبية أو يتراشقون بالحجارة وكأنهم في ساحة حرب حقيقية.

تعرّض المؤلف وسارد النص السيري إلى مخاطر عديدة فطلقة الذبّاح الذي كان يسكن في الطابق السادس من عمارة "القصر" في حي "أبو شاكر" أزّت بالقرب من أذن الراوي وكادت أن تودي بحياته. كما تعرض للخطف هو وصديقه زيد ولم يُطلق سراحهما إلاّ بعد أن تأكد الخاطفون بأنهم عربًا وليسوا فلسطينيين.

يترجّح مدانات بين الحديث عن سيرته الذاتية وسير الآخرين. فبعد عملية الخطف يتوقف عند حادثة "انفجار الفرن" نتيجة قصف عشوائي فنعرف أنه يقشعر من منظر الدماء، ويخاف من إبرة الطبيب، ويخشى من إجراء عملية جراحية في أي مكان من جسده، وكان ينصح مصوِّره بألا يصور اللقطات الشنيعة التي تسبب الذعر والغثيان للمشاهِد العادي.

يتوقف الراوي عند عدد من الشخصيات التي تُظهر عنفًا في سلوكها وردود أفعالها مثل طاهر الذي يشهر مسدسه الكبير كلما أراد تخويف المتطفلين وإرعابهم. وينتقد ظاهرة "القبضايات" الذين يسخّرون قوتهم لمن هم أقوى منهم في المركز والثروة والجاه مثل التجار والإقطاعيين والسياسيين الكبار، بينما كان "القبضاي" سابقًا رجلاً شهماً، يحارب الباطل، وينتصر للمظلوم.

يرصد المؤلف ظاهرة القنّاصة الذين يستشري العنف في نفوسهم إلى درجة الإجرام. فثمة طبيب يمارس القنص في أوقات فراغه! وهناك طالب جامعي يدرس علم الاجتماع ويقنص ضحاياه بحجة ولعه بالصيد. وقد بلغت هذه الظاهرة ذروتها حينما بدأ بعض الشباب يزاولون القنص بحثًا عن الإثارة والترفيه.

يُعتبر "غرام في زمن العنف" هو الموضوع الترويحي الوحيد الذي يهشّم قساوة النص ليحيلنا إلى عالم الأنوثة والرقة والجمال، فثمة سيدة أنيقة وجميلة تعمل موديلاً للرسامين وترتدي ملابس مثيرة. وحينما تحضر حفلاً وطنيًا يستدعيها أحد المسلحين إلى المكتب ثم يطلب منها أن يفتش بيتها لأنها اعتقدت أنّ التفتيش "ضرورة وطنية" لكنه يتمادى فيطلب منها قُبلة لأنه أحبّها من أول نظرة.

على الرغم من فظاظة شخصية "سبع" وقساوته في التعامل مع الحرس والجنود إلا أنه لا يخلو من حسٍ إنساني مرهف، فهو يعتقد "أن قتل أي إنسان هو أمر بشع حتى لو كان عدوًا"(139). وحينما اقتربت منه الدبابة المعادية لم يتذكر إلاّ اللحظات السعيدة وعندها أدرك أن الحياة جميلة وأن الموت بشعٌ جدًا.

لا ينطوي الفصل الثاني من الكتاب إلاّ على سلسلة تحقيقات مضنية ومهينة لإنسانية الإنسان. فحينما أنهى مدانات دراسته الجامعية في موسكو عاد إلى الوطن كي يعمل مُخرجًا في تلفزيون بلاده لكن الجهات الأمنية نصحت بعدم تعيينه لأنه كان يساريًا، وأذلّته في سلسلة من التحقيقات العدائية المتواصلة التي أسفرت عن سحب جوازه ومنعه من السفر لثماني سنوات فقدَ فيها الكثير من حماسه المتقد، وأحلامه الجميلة، ورغبته الجدية في خدمة بلده لكن المُحققين آثروا أن يقبروا هذه الرغبة في مهدها لأنه لم يستطع تقديم "شهادة حسن السلوك" إلى جانب شهادة الماجستير في السينما التسجيلية والتلفزيون التي حصل عليها من أرقى الجامعات الفنية في موسكو.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

1135 likaaلم تحظ المرأة العراقية المبدعة بما تستحق من اهتمام وتوثيق، ولم يصدر عنها بما يتناسب مع عطائها، وما قدمته إلى العربية بشكل عام والعراقية على وجه خاص من نتاجات مميزة ومؤلفات قيمة، ويمكن أن نذكر في هذا الجانب كتاب (شاعرات العراق) لسلمان آل طعمة، و(النتاج النسوي) لعبد الحميد العلوجي، و(النتاج الثقافي النسائي) لباسم عبد الحميد حمودي، و(معجم الأديبات والكواتب العراقيات ج1-4) لصاحب هذه السطور، وضمن هذا المسار التأليفي صدر حديثا كتاب (تجلياتهن ؛ ببليوغرافيا الرواية النسوية العراقية مع دراسة في المضامين والأشكال الفنية 1953- 2016) لمؤلفته الدكتور لقاء موسى الساعدي .

قدم الكتاب دراسة وإحصاءً منفردا للنتاج الروائي النسوي العراقي؛ بهدف التعريف بنشاط الروائيات العراقيات ؛ لاسيما وقد تزايد عددهن في السنوات الأخيرة بما شكل ظاهرة لافتة للنظر تستحق التقصي النقدي كماً ونوعاً، وقد رافق هذه الدراسة المعمقة إحصاء عددي وتتبع ببليوغرافي لنتاجهن غطى سنوات البداية وصولا لسنوات الغزارة ؛ لذا امتدت دراسة الكتاب لتشمل الرواية النسوية العراقية من سنة 1953م إلى سنة 2016م .

تضمن القسم الأول من الكتاب دراسة تمهيدية تناولت البدايات المبكرة للرواية النسوية في العراق، وأهم المضامين التي ظهرت في النصوص النسوية، وأهم الأساليب الفنية التي شكلت ملمحا أسلوبيا في تلك الروايات، وتوقفت المؤلفة عند موضوع هو الأكثر ترددا في الرواية النسوية العراقية خلال مرحلة دراستها، وهو مضمون (الحرب)، ورأت أن أغلب النساء يرفضن الحرب بينما لا يمكن القول إن أغلب الرجال يرفضونها، بل قد يجدون فيها حلولا في كثير من الأحيان .

وتوقفت أيضا عند مضامين أخرى ؛ منها (قضية المرأة) في صراعها الاجتماعي لنيل حقوقها، وقد ظهر ذلك لدى رائدات الكتابة النسوية وأولهن سميرة المانع في رواياتها (القامعون) و(حبل السرة) و(الثنائية اللندنية)، وعند ناصرة السعدون في روايتها (أحببتك طيفا)، وصبيحة شبر في روايتها (العرس) ؛ كما توقفت عند موضوع الأقليات وما لحقها من الظلم والأذى والتهجير القسري كما هو الحال في محنة الكرد الفيلية، وعرضت في الدراسة إلى مضمون (رواية السجون)، ومضمون (انهيار الطبقة الوسطى)، لتنهي القول بحقيقة جريئة بأنها لا تزعم (أن كل الأعمال الروائية التي نشرت لنساء عراقيات خلال المدة موضوع الدراسة هي أعمال ترقى لمستوى الفن الجيد في الكتابة الروائية) فقد رصدت (بعضا منها منشور لأغراض تجارية ولا يمكن أن يوصف بعمل روائي لافتقاره لأبسط مقومات هذا الفن) !!

أما القسم الثاني من الكتاب وهو الأكبر حجما فقد تضمن الببلوغرافيا الخاصة بالروائيات العراقيات، وقد احتوى على سير ونتاجات 76 روائية معززة بصورهن الشخصية وصور إصدارتهن، وقد رتبت حسب حروف المعجم، وختم الكتاب بذكر المراجع التي  اعتمدتها المؤلفة، وبضمنها الدوريات ومواقع على الشبكة العنكبوتية (الانترنيت) .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

 

haseeb shahadaكنت قد نشرت عرضًا ومراجعة ببعض التفصيل، لكتاب السيّد جريس عوّاد الأول ”الصدى“ قبل عام تقريبا، كما يُظهر البحث في محرِّكات البحث ”الصدى بقلم جريس عوّاد“، والآن أتطرّق للكتب الثلاثة المتبقية (٧٠٤ ص.).

١) مَوْرد الأمثال. مئة مثل ومثل، جمعها وصاغها بتصرف. الناصرة: الحكيم للطباعة والنشر م. ض.، ط. ٢٠١٠، ط. ٢، ٢٠١١، ١٤٥ ص.

٢) 101 Expressions and Terms،

 تعابير ومصطلحات، مصادر ومعاني (هكذا في الأصل!)، مئة تعبير وتعبير. الناصرة: الحكيم للطباعة والنشر م. ض. ، ط. ١، ٢٠١٠، ط. ٢ ، ٢٠١٢، ١٩١ ص.

٣) إبداعات وشخصيات. باقة من أجمل الأقوال المأثورة ونُبذٌ عن سِيَر قائليها. الناصرة: الحكيم للطباعة والنشر م. ض.، ط. ١، ٢٠١١، ط. ٢، ٢٠١٢. ٣٦٨ص.

أوّل ما لفت انتباهي هو صدور طبعة ثانية لهذه الإصدارات الثلاثة في خلال سنة أو سنتين، وهذه ظاهرة نادرة في دور النشر العربية. لا شكّ أنّ المهندس عوّاد قد بذل مجهودًا كبيرًا ووقتًا طويلًا في اختيار مادّته التي استقبلها جمهور القرّاء وخاصّة الشباب بالترحاب. الانتقاء بحدّ ذاته غير يسير، وهو يعكس عادة ذائقة الجامع، ولا أعلم بالضبط ما المقصود من لفظة ”بتصرف“ الواردة في عنوان الكتاب الأّول أعلاه.

١) يقدّم هذا الكتاب مائة مثل بين قديم وحديث، فصيح ودارج فلسطيني (مناصفة تقريبًا)، ويحكي قصّة مولده بحسب ما كان لدى الكاتب من مصادرَ، وللمثل الدارج نصيب الأسد. المثل ظاهرة شائعة عند العرب منذ القرن الثامن للميلاد، وهو عادة نتاج عُصارة تجربة حياتية جماعية معيّنة صُبّت في كلمات معدودات، وهُوية مطلقه في الغالب الأعمّ مجهولة. وهنالك أمثال مبوّبة وَفق الميادين الدلالية مثل أمثال الملوك والمعلمين واللصوص والحمقى. وليس من السهل في بعض الحالات، فرز المثل عن القول المأثور. من الأمثال في هذا الكتاب يجد القارىء: الاتّحاد قوّة، ٢٤؛ الثِّلِم الأعوج من الثور الكبير، ٢٥؛ بَلا مَداسْ وبلا جْميلة الناس، ٢٨؛ إللّي بِعْرِفْ بعرف واللّي ما بِعْرِف بِقول كَفّ عَدَس، ٣٠؛ مواعيدُ عُرقوب، ٣٥؛ ألعين بَصيرة واليد قَصيرة، ٣٦؛ مِسْمارُ جُحا، ٤٧؛ إختلط الحابل بالنابل، ٤٨؛ بلغ السيلُ الزُّبى، ٦٢؛ بَدَلْ ما تْقول كِشّ، قوم واكْسِر إجِرْها، ٦٧؛ الطَّمَع ضَّر ما نفع، ٧٦؛ أجاك عمَّك والبَلَح، ٨٠؛ الدراهم كالمراهم، ٨٤؛ عادت حليمة لعادتها القديمة، ٩٧؛ عنزة ولو طارت، ١٠٠؛ عند جُهينة الخبر اليقين، ١٠١؛ بعد خراب البصرة، ١١٢؛  إحنا دافنينو سوا، ١١٤؛ ضربة المعلم بالف ولوّ شَلَفْها شَلْفْ، ١١٦؛ النساء أَوّلًا، ١٢١؛ فسّر الماء بعد الجُهد بالماء، ١٢٤؛ بَعد ما شَاب وَدّوه الكُتّاب، ١٢٦؛ بعد خراب مالطا، ١٣٠حاميها حراميها، ١٣١؛ إللّي استَحوا ماتوا، ١٣٤؛ إللّي خايفين عَليه قاعْدين عَليه، ١٣٦؛ حُطْ بالخُرْج، ١٣٧؛ إجا زبون العوافي، ١٤١؛ أجاك يا بلّوط مين يعرفك، ١٤٣.

أخطاء لغوية:

لا أذكر هنا ولا لاحقًا موضوع كتابة همزة القطع بدلًا من همزة الوصل، ولا أخطاء طباعية واضحة غير قليلة، كما أنّ موضوعَ التشكيل بحاجة لعناية، ما يحسُن بل ويجب شكله وما لا حاجة له.

مصادر ومعاني بدلا من ومعانٍ، في عنوان الكتاب.

آذاننا بدلا من أذاننا، ص. ١٢

… وأنه حضر إليه ليبشِّره عنها، طار عقل حجا، ٢٣

ثلاثة ثيران أحدهُم، ٢٥

أنّ قردًا يُحبُ حُبًّا جمَّ، ٢٩

بعذرٍ أقبح ذنبِ، ٥٢

ألّا يَدْخُلَ بالحمار في السَّبَق، ٩٨

… تكون كمية الشيء الذي حصلنا عليه غير كافية ولا تساوي مقدار التعب، ١١٠

وأطلق لجماعته من الزنج العنان ليستولون على ما يشاءون، ١١٢-١١٣

وقاموا بعملِ بعضِ الخدع لصدقِ روايتهم، ١١٤

لنيل البركات والدعاءات، ١١٤

شعر الوالي والتلميذ بالقلق فذهبوا إلى المعلم ليسألوه، ١١٦

شابَ فعلُ ماضٍ من يشيبُ ومعناه، ١٢٦

كانت القاهرة والشام مليئة بالحمّامات التركية القديمة، ١٣٤

قرّر زوجٌ وزوجتُه زيارةَ أقارب لهم في المدينة، ١٣٦

وتوجهت هي وزوجها قاصدين بيت أقاربهم. ١٣٦

٢) هذا الضلع الثالث في إصدارات السيّد جريس عوّاد، يضمّ كسابقَيه وكلاحقه نفس العدد، مائة وواحد، ولكن هنا أمامنا مصطلحات وتعابيرُ في شتّى المجالات، يشرحها الجامع ويحاول تقصّي أصولها بناءً على ما تيسّر له من مراجع  يذكر بعضها مثلًا في ص. ٣٥؛ ٥٦، ٦٥، ٧٠، ٨٠، ١١٠، ١٢٥، ١٣١، ١٣٣، ١٣٥، ١٣٧، ١٥٢، ١٨٤، ١٨٩. يأتي عوّاد بالمصطلح بزيّه الأجنبي، الإنجليزي مشفوعًا بمقابله العربي أو بالعكس. من هذه التعابير والمصطلحات نذكر: كاريزما، ١٤-١٦؛ ستيجما، وصمة عار، ٢١-٢٢؛ كذبة نيسان، ٢٥-٢٦؛ أد هوك، ٢٨؛ يوتوبيا، ٣٦-٣٧؛ مذهب السفسطة، ٤٧-٤٩؛ جدل بيزنطي، ٥٧؛ السريالية، ٦٣-٦٤؛ حصان طروادة، ٦٨-٧٠؛ صندوق باندورا، ٧١؛ العولمة، ٨١-٨٢؛ العالم الثالث؛ الطابور الخامس، ٩٦؛ حق تقرير المصير، ٩٩؛ ديموغُوجيا، ١٠١؛ جمهورية الموز، ١٠٧؛ اتفاق سايكس بيكو، ١١١-١١٢؛ ماجنا كارتا، ١١٩-١٢٠؛ المنهج العلمي، ١٢٦-١٢٨؛ بلاسيبو، ١٣٢-١٣٣؛ الأوزون، ١٤٣-١٤٤٦؛ السيندروم الصيني، ١٥٣-١٥٤؛ محامي الشيطان، ١٦٨-١٦٩؛ الفيل الأبيض، ١٧٨-١٧٩؛ عيد الأمّ، ١٩٠-١٩١.

هناك أحيانًا تكرار وغياب للتركيز، ١٤، ٢٤، ٦٣، ١٣٢، ١٦٨.

أخطاء لغوية:

جريس عوّاد والناشر الياس عوّاد م. ض. أو غيرهم، ص. ٣

ولكي يكون فهمنا وردُّنا مناسبًا ودقيقًا لِيفِ الغرض الذي نرتأيه، ١١

إعداد هذه الثلاثية أن يُكوّنوا بحثًا أكاديميًا، ١٢

منهم بدلًا من منهما، ١٨

إلى المسيحيين المتشددين (في أوروبا وأميركا في الأساس) الذي يؤكدون، ١٩

الكذبة المنتشرة في غالبية دول العالم باختلاف ألوانهم ومعتقداتهم وثقافاتهم. ٢٥

فيجب أن يكون الحكم مبني على قانون قضائي، ٣٠

فالعَلْمانية لا تُنهى عن اتِّباع دين معين، ٣٠

أغلب الظنِّ فإن مصدر هذا المصطلح، ٣١

فإن إحدى الطرق التي من شأنها أن تُأثِّرَ على ظلمات إجتماعية، ٣١

وجسّده خيرُ تجسيدٍ، ٣٩

أحد وسائل هذه التحقيق. ٤٦

وَوِفْقَ ما قاله ألبير كامو، ٥١

تمكين الطبقتين الأخريتين، ٥٤

وهناك من يرى أيضًا مفهومًا آخرًا، ٨١

حق كل مجتمع ذات هوية جماعية متميزة، ٩٩

وفق قوانين الدياليكتيك الثلاثة وهم: ١٠٢

للإناث الشوفينيات التي تعتقد أن، ١٠٩

وورثت أجزاءَ ضيّقة، ١١٢

وفي حال لم يُنَفِّذْ الملك، ١١٩

هذا المصطلح بدى ظاهرًا، ١٢١

على واحدٍ وخمسين مريض يعانون الاكتئاب الحادّ، ١٣٢

حتى يثيرَ ذلك لديه ردُّ فعلٍ إيجابيّ. ١٣٣

عددًا متساميًا … ذات عدد ارقام، ١٤٠

فيبدو بذلك أسودًا، ١٤٢

ثلاثة ”إطارات“ بدل إثنان وهم، ١٥٢

ليس أبيضًا حقيقيًا، ١٧٨

Abbriviations، ١٨٥

القول بأن العربية المعاصرة لا تختلف عن لغات الغرب بالنسبة لشيوع المختصرات، غير صحيح، ١٨٦ (أنظر مثلًا: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=279136)

٣) بين دفّتي هذا المجّلد باقة من أقوال مأثورة لمائة وواحدة من الشخصيات القديمة والحديثة  ونبذة عن حيواتها، منها حوالي الربع عربية مثل ابن خلدون، أبي الطيّب المتنبي، أحمد شوقي، إدوارد وديع سعيد، إميل حبيبي، جبران خليل جبران، فاطمة المرنيسي، مارون عبود، ميخائيل نعيمة. ومن الأسماء الأجنبية يمكن ذكر أرسطو، إسحاق نيوتن، ألبرت آينشتاين، أنديرا غاندي، بابلو نيرودا، بيل غيتس، جان بول سارتر، رابندراناث طاغور، رينيه ديكارت، سيجموند فرويد، سومرست موم، كافكا، بيكون، نيتشه، ماركس، مارتن لوثر كنج، نابليون بونابرت، شكسبير، غوته.  ومن البدهي أنّ الكاتب كما أشار ومثّل في مقدّمته، لا يتفق مع كلّ ما جاء به من أقوال وأفكار، إلا أنّه اختار بشكل عام ما يروق له ويعجبه ويعتقد أنّه ممتع ومفيد للقارىء. يأتي الكاتب عوّاد أوّلًا بقول مأثور لكلّ واحدة من الشخصيات ويترجمها من العربية للإنجليزية وبالعكس، ويورد الاسم بهاتين الأبجديّتين والترقيم بالأرقام العربية أصلا. حبّذا لو ذكر المعدّ تاريخ الميلاد والوفاة بعذ ذكر اسم الشخصية رأسًا في العُنوان. في بعض الحالات يذكر السيّد عوّاد مصادره ولكن أحيانًا بصورة ناقصة، كما ويذكر أحيانًا مؤلفات الشخصيات المختارة. 

في حالات كثيرة يجد القارىء تكرارًا لا مسوّغ له وهو ناتج عن الابتعاد عن التكثيف والتركيز في التعبير، ص. ٢٢-٢٣، ٣٣-٣٤؛ ٤٣، ٥١، ٥٩، ٩٧، ١٠٢، ١٢٨، ١٣٠، ١٩٦، ٢٠٤، ٢٢٤، ٢٣٦، ٢٥٦، ٣١٥.

مما ورد من أقوال اخترت: الدجاجة هي أذكى الحيوانات، فهي تصيح بعد أن تضع البيضة، ٢١؛ المغلوب مولع دائمًا بتقليد الغالب، ٢٣؛ اللحية لا تصنع الفيلسوف، ٢٤؛ الله لا يمكن أن يعطينا عقولا ويعطينا شرائع مخالفة لها، ٢٧؛ سأعيش رغم الداء والأعداء       كالنسر فوق القمّة الشمّاء، ٤٢؛  منذ أيام هوميروس فإن أيّ أوروبي، في كل ما يمكن أن يقوله عن الشرق، كان عنصريا، إمبرياليا وتقريبا متعاليا بشكل تام من الناحية الإثنية، ٥٥؛ السعادة صحّة جيدة وذاكرة ضعيفة، ٦٥؛ السعادة هي معرفة الخير والشر، ٦٩؛  أهمّ شيء أن لا تتوقّف عن التساؤل، ٧٧؛ مع تقدّم العمر تزداد الحكمة وتنقص العبقرية، ٨٥؛ الغفران شيمة الشجعان، ١٠٣؛ طوبى لمَن لم يكن لديه ما يقول فصمت، ١٠٦؛ غالبًا ما يكون الإقناع أنجع من القوّة، ١٠٩؛ تستطيع قطع كلّ الأزهار إلّا أنّك لا تستطيع أن تمنع قدوم الربيع، ١١٦؛ إنّه من المستحسن أن يكون المرء لطيفًا وعلى حقّ في آن واحد، لكنّني أفضّل أن أكون على حقّ ، لا أن أكون لطيفًا، ١٢٢؛ يسعى الكلّ وراء السعادة دون أن يلاحظوا وجودها خلفهم مباشرة، ١٢٦؛ أيّها الجائع تناول كتابًا فالكتاب سلاح، ١٢٩؛ أينما وُجد الظلم فهناك بلادي، ١٣٧؛ لكل الناس وطن يعيشون فيه إلا نحن لنا وطنٌ يعيش فينا، ١٣٩؛ على الإنسان أن يعرف كلّ شيء عن شيء، ويعرف بعض الشيء عن كل شيء، ١٤٢؛ العبقرية عبارة عن واحد بالمئة إلهام وتسعة وتسعين بالمئة بذلُ مجهود، ١٥٢؛ فيما يخصّ المسائل العلمية، سلطة ألف شخص لا تساوي المنطق المتواضع لدى فرد واحد، ١٥٨؛ الكلمات مسدّسات محشوّة، ١٦٢؛ من يعرف قليلًا يكون عادة ثرثارًا أمّا من يعرف كثيرًا فيتحدّث قليلا، ١٦٣؛ الحيرة بدء المعرفة، ١٧٦؛ نصف المعرفة أكثر خطورة من الجهل، ١٨٦؛ ليس هناك وقاحة أكبر من أن تُقاطع آخر أثناء حديثه، ١٨٩؛ لا يمكنك اقتلاع عبير زهرة حتّى ولو سحقتها بقدميك، ١٩٥؛ ليس كافيًا أن تمتلك عقلًا جيّدا، المهمّ أن تستخدمه جيّدا، ٢٠٢؛ الذكاء هو القدرة على التكيّف مع التغيير، ٢١٧؛ خلق الله لنا أذنين ولسانًا واحدًا لنسمع أكثر ممّا نقول، ٢٢٠؛ الإنسان يخرج من ظلمة الرحم إلى ظلمة القبر، مارًّا بظلمة الحياة، ٢٣٧؛ يجب أن يكون الكتاب فأسًا للبحر المتجمّد فينا، ٢٤٩؛ خبز الوطن خير من كعك الغربة، ٢٦٠؛ أتمنّى أن يقبلوني كما أنا، ٢٦٧؛  السعادة لا تكمن في السعادة ذاتها، لكن في تحقيقها، ٢٧١؛ الصداقة منبع السعادة، ٢٨١؛ إنّ غاية الحياة هي الحصول على السعادة وقد أرادها الله لنا، فمن يطلبها يتمّم إرادة الله، ٢٨٤؛ حيث يكون الصراخ، لا تكون المعرفة الحقيقية، ٢٨٧؛ لا يستطيع أحد ركوب ظهرك إلا إذا انحنيت، ٢٩٠؛ الحياة لغز يجب أن نعيشه وليست مشكلة يجب أن نحلّها، ٣١٢؛ صديق الجميع ليس صديقي، ٣١٤؛ ما تفهمه من كلامي فهو لك وما لا تفهمه فهو لغيرك، ٣٢٢؛ خذ الوقت الكافي للتدبير، لكن عندما يحين وقت العمل توقّف عن التفكير ونفّذ، ٣٣٠؛ الأدب ثورة على الواقع لا تصويرًا له، ٣٣٦؛ كل المنافي لا تُبدّد وحشتي ما دام منفاي الكبير بداخلي، ٣٣٩؛ استبعد أن يكون العقل صفحة بيضاء وقت الولادة، ٣٤٢؛ لكي ننجح علينا أن نؤمن أولًا أننا نستطيع، ٣٤٦، رأسٌ جيّد وقلب طيّب يكون دائمًا مزيجًا رائعا، ٣٤٩؛ ليس من الشجاعة أن تنتقم، بل أن تتحمّل وتصبر، ٣٥٨؛ المتواضع هو من يمتلك الكثيرَ ليتواضع به، ٣٦٢؛ التجربة هي المعلّم لكل شيء، ٣٦٥؛ أعمق موضوع في تاريخ الإنسان هو صراع الشكّ واليقين، ٣٦٨.

أخطاء لغوية وأخرى:

لهذه الشخصية الفريدة الذي تمكن بطرق، ٢١

عن 75 عاما والصحيح عن ٧٢ عامًا، ٢٥

رئيس تحرير مجلة في أمريكا، والتي طرح فيها، ٤٩

الليلة الألف واثنين لشهرزاد، ٥٠

إن أردت أن تنسى أي شيء في لحظة ما، فلتدوّنها بهدف تذكّرها، ٥٠

إذا كانت هناك قضيتان أخريتان، ٦٠

يبقى إسم نيوتن مقرون بأحد رموز العلم، ٦٧

من هذه الزهرة لن ينمو شيئا، ٧١

فإمّا تكون قد توفيت، ٧١

ولتغطيّة، ٧١

كما وأنَّ تواضعه وروح الدعابة لديه ومقدرته على … ساعدوا ايضًا في زيادة، ٧٤

نفى أينشتاين أيُّ تفوّق في الحقوق لليهود، ٧٥

أينشتاين كان ذات ميول يسارية، ٧٥

كنت سأقول أحيانًا للشعب الإسرائيلي أشياءً، ٧٦

خمسين شخصية، اعتبرتهم، ٧٦

وفيه حوارًا سياسيًا، ٩٥

لكونه رجل سياسة وكاتب وأديب متميّز، ٩٦

أحبّ أبا ماضي المرأة، ١١١

لردّة الفعل الذي يمكن أن تحدثه هذه النظرية، ١٣٢

أن هنالك رجلًا آخرًا، ١٣٢

قال في إحدى اللقاءات، ١٤١

في معارك شعبه وقضاياهم وهمومهم، ١٤٤

بدأ الفلسطينيون الباقون في وطنهم أشبه ما يكونوا ”بالأيتام على مأدبة اللئام“، ١٤٤

عبر خطا واحدًا، ١٥١

Gibran Kahlil Gibran , ١٧٠ (خطأ شائع في كتابة الاسم بالحروف اللاتينية)

لم يفت الوقت أبدًا لتكون ما وجب أن تكون، ١٧٧ (قطّ وأبدًا)

كما كان تأثّرها بالدّيانة كبيرٌ جدًا، ١٧٨

ولها منهُ طفلين، ٢٠٩

خطأ في حساب السنين، ٢٥٤

قسّ بروتستاني، ٢٨٨

يرى ملامحًا لهم، ٣٠٢

تُرجمت أعماله لأكثرِ من اثنين وعشرين لغة، ٣٠٦

خطأ في الحساب، ٣١١

...مع كل من جبران خليل جبران ….وآخرون من أعلام، ٣١٨

في السادسة عشر من عمره، ٣١٩

ذهب ميلتون ليأخذ الامتحانات الاكتوارية، ٣٢٣

عمِل فريدمان مستشارًا غير رسميًا للمرشح، ٣٢٥

ما لم يكون الأمر في مصلحة الطرفين، ٣٢٦

Filadelfia?، ٣٤٠

… مئة وخمسين ألف مواطن من أصول يونانية، الذين قطنوا في منطقة القوقاز، ٣٤٥

اشترى مزرعة مساحتها أربعين هكتارًا في نبراسكا، ٣٥١

فاز باثنين وعشرين جائزة أوسكار، ٣٥٦

ضَخِم الجثّة، ٣٦٢

خلاصة القول، استمتعت بقراءة هذه الكتب الثلاثة كسابقها الأّول ”الصدى“، ولا ريب أنّ فيها زادًا جيّدًا في مجالات ثقافية متعدّدة والشكر للسيّد جريس عوّاد، ويطمح القارىء بالمزيد من هذا العطاء التنويري.  آمل أن تُصحّح الأخطاء في طبعات قادمة، ولا بدّ من إيلاء هذه المسألة: ضرورة التدقيق اللغوي الحقيقي، ما تستحقّ من اهتمام ومال، مسح الجوخ ضارّ. وكتب العماد الأصفهاني: ”إنّي رأيت أنّه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه، إلّا قال في غده: لو غُيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يُستحسن، ولو قُدّم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العِبر، فهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر“.

 

عرض ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

 

husan sarmak2ملاحظة: هذه مقدمة طلبها منّي شهيد الثقافة العراقية الراحل "ناظم السعود" لآخر كتبه قبل رحيله.

ناظم: "جئت الى الدنيا بلا إسناد اجتماعي، وبلا غطاء اقتصادي"

(أمام هذا الاحتفال الذي يذكّرني بأيام الشباب التي ولّت بلا أسف، أجدني ازداد حيوية وتصبّرا فانا  أقابل إخوة وأصدقاء وزملاء عشت معهم لأكثر من ثلاثين عاما. وهذه هي عائلتي الحقيقية. وهذا هو ظلي الذي سيبقى في الأرض من بعدي. الانسان لن يموت ما دام الآخرون يتذكرونه، لن يمّحى من الذاكرة ما دام هناك من يلهج باسمه. ماذا أريد من زماني - أنا  الفقير - وقد جئت الى الدنيا بلا إسناد اجتماعي، وبلا غطاء اقتصادي؟ لكنني غنيٌّ بكل هذه القلوب المُحِبة، القلوب التي تُظهر مودّتها لي دائما حتى وأنا اقيم الآن في قرية تتبع ناحية تتبع قضاء من كربلاء. لكني رغم كل الجور الاجتماعي والظلم الجغرافي سعيدٌ لأن المنهج الذي رسمته نجح)

ناظم السعود

منتدى المسرح - 2011

رحلتي رحلة طويلة.. أوشكت على النهاية حياتيا او صحفيا

(1). اجتاحني شعور عميق بالمرارة وأنا أختم قراءة مخطوطة كتاب أخي الأستاذ ناظم السعود الجديد: "المدوّنة الحادية عشرة: أقباسٌ من  كتاباتي الصحفيّة". فبين ثنايا معانيه المستترة إحساس حارق بالإحباط والنقمة برغم تفاؤلية السعود المعروفة والظاهرة في مقالات هذا الكتاب وغيره بل وفي مسيرته الحياتية – المهنية والشخصية - الطويلة. ولكن إحساس المحلل النفسي غير إحساس الفرد وحتى المثقف العادي. فروح التحليل الناجح يتأسس على هذا الشعور بما هو متخفّ بين عبارات الكلام الملفوظة وخلف جمل السطور المكتوبة من أحاسيس كثيرا ما تخالف النبرة المعلنة، بل قد تنسرب من خلالها. ولكن المشكلة أن هذا الشعور قد يكون مُسقطاً منّي فيجعلني أقرأ رسالة وداع تلوب، أصلا، في أعماقي. هذه الرسالة تململمت مع تقدّمي في قراءة المقالات ثم اشتعلت وأنا أستمع لناظم وهو يقول في حفل تكريمه في منتدى المسرح عام 2011 :

(رحلتي رحلة طويلة.. أوشكت على النهاية حياتيا او صحفيا فلكم الشكر من قبل ومن بعد !).

(2). ولكن لهذا الشعور بالمرارة وجها إيجابيا، فهو شعور بنّاء، فقد وفّر الطاقة النفسية التي جعلت قلم ناظم مبضعاً ينغرز عميقا في لحم المشكلات الثقافية من أجل استئصال أورامها المؤذية لا من أجل تمزيق النسيج الحي فيها ومن حولها كما يفعل، للأسف، الكثيرون من النقّاد الذين ينفثون سموم أنفسهم المحتقنة تحت أغطية عملية النقد الملوّنة الخادعة. عرفت ناظم منذ أكثر من ثلاثين عاما كاتبا وإنسانا بلا عُقد ولا احتقانات ولا سموم نفسية. وهي من الحالات النادرة التي أراها في حياتي وفي عملي العيادي النفسي وفي منهجي النقدي.

لأول مرّة يجامل الحكومة الحقيرة

وهذه النفس الصافية – بل البريئة - ولأكن أكثر تطرفا وأقول: الطفلية البيضاء، متصالحة مع ذاتها. وهذا التصالح يتعبه بطبيعة الحال ، لكنه يمنحه في الوقت نفسه وعبر ضريبة "التعب" الاجتماعي هذه، قدرا عاليا من المصداقية التي حين يخالفها يكون هو أول من يشعر بهذه "الخطيئة" فنجده سرعان ما يرفع – وبلا تردّد – راية "الاعتراف". وهذا ما حصل حين بدأت بقراءة المقالة الثالثة من مخطوطة الكتاب: "زهير القيسي وفهد الأسدي ومحمد الخفاجي وهادي الربيعي: أربعة فتحوا عاصمة الثقافة !" وتحسست

روحا "مجاملة" بعيدة عن النهج "الستراتيجي"؛ الحياتي والنقدي، لأبي أسعد، ناظم الجسور. فمن هي هذه المؤسسات الثقافية الرعناء الكذّابة الجاهلة المنحطّة التي يحاول ناظم بتاريخه العريق والمجيد تبييض صفحتها؟ هؤلاء المثقفون الكبار الأربعة لا يصل سياسيو الثقافة إلى كعب أحذيتهم. هؤلاء المثقفون الأربعة كلّهم ماتوا بسبب إهمال المؤسسات الثقافية لهم. في نفس هذه المخطوطة يكتب ناظم مقالة يشرح فيها همومه وضياعه بل الإهانة التي واجهها في مستشفى ابن البيطار وهو يحمل كتابا من وزارة الصحة لرعايته!! يقول ناظم:

"وأصارحكم أنني ربطت الحال المتخلف الذي شهدته عيانا وحالات تفشي العلل وتعدد الوفيات بشكل مخيف لكثير من الأدباء والمثقفين الذين ودعناهم تباعا: أليس من العجيب أن أسماء عزيزة على الثقافة العراقية رحلت عن هذه الحياة خلال اسابيع معدودة وجميعها اشتكت تفاقم أوضاعها الصحية وتكالب أوجاعها من جراء رقودها او مراجعاتها للمستشفيات العامة: زهير أحمد القيسي، فهد الأسدي، محمد علي الخفاجي، هادي الربيعي ..  أربعة من كبار أدباء العراق فقدناهم في مدد متقاربة ويشتركون في مصير جامع هو أنهم جميعا ضحايا النظام البيروقراطي وغير الإنساني المهيمن على المستشفيات العراقية!"

ولأول مرّة في تاريخنا الثقافي أسمع – وللأسف من ناظم - أن موت مبدعينا سببه تدهوّر الأوضاع في المستشفيات الحكومية. نحن المثقفين الذين عايشنا آلام القيسي والأسدي والخفاجي والربيعي – وقبلهم العشرات من المثقفين الراحلين- نعرف كيف ماتوا وما هو سبب موتهم. إنه الإهمال الرسمي وليس تدهور المستشفيات الحكومية. هل إنشاء مستشفى للمبدعين وهم ثروة العراق أمر مستحيل وسط هذه المئات من مليارات الدولارات المهدورة؟ ثم أن ناظم يقول:

"كنت أدبّ بصعوبة حاملا في صدري جلطتين والثالثة اسمها فقر دائم"

فهل المستشفيات الحكومية هي المسؤولة عن فقر علم عراقي مبدع مثل ناظم السعود؟ هل المستشفيات الحكومية هي التي قامت بنفي – نعم أقول "نفي" وبلا تردد – ناظم إلى قرية في أطراف كربلاء؟ هل المستشفيات الحكومية مسؤولة عن ضيق ذات يد المبدعين وعدم توفر سكن لائق بهم؟

مرّة قال أحد المثقفين الأمريكيين: "من كل شارع ومقهى وحانة استطيع أن آخذ أشخاصا وأدرّبهم ليعملوا كسياسيين ولكنني لا أستطيع تدريب شخصا واحدا ليصبح مبدعا". وعندما سُئل: لماذا؟ أجاب: العمل السياسي يتطلب اتقان موهبة الكذب. أما الإبداع فنبوّة وموهبة من السماء". السياسي كائن أرضي فاني ومنحط والمبدع كائن سماوي خالد، ولهذا يحقد السياسيون على المبدعين أو يتظاهرون بصداقتهم ودعوتهم على العشاء للاحتفاء بهم كدمى والحصول على بركاتهم أمام الجمهور.

صاحب الضمير الحيّ يتراجع عن المجاملة

(3). هذه "المجاملة"، سرعان ما يشعر بها ناظم السعود نفسه ولا ينتظر من أحد أن ينبهه إليها. والسبب هو أن ناظم صاحب ضمير حي قل نظيره، فنراه يقول في نفس تلك المقالة:

"لقد لامني كثيرون على ما نشرته وبشّرت به حول افتتاح العاصمة الثقافية وما تضمنته من احتفاءات خاصة بـ " الأقمار الأربعة " بدعوى انه يدخل في باب " الدعاية المؤسساتية"! وهم لا يعلمون ان صاحب السطور ، على امتداد عمره المهني ، كان لا يهمل أية اشراقة ولو كانت بصيصا خجولا إلا وأشار إليها وذاد عن فرصتها فكيف ونحن أمام مهرجان كبير ومحفل مكتنز ببرامجه وخططه وتفاصيله؟!"

المثقف العراق المُحتقر يبيّض صفحة محتقريه

وهنا لا بُدّ لي أن أتدخل وأحذّر إخوتي المثقفين من سلوك يقوم به أغلب المثقفين العراقيين منذ عشرات السنين وهو الإحتفاء بأي نشاط إيجابي تقوم به المؤسسة الرسمية وكأنه هبة نازلة من السماء ناسين إهمال هذه المؤسسة التاريخي للمثقفين – ومنهم ناظم - حتى الموت واحتقارها للثقافة وحتى سجنها وإعدامها للمثقفين منذ تأسيس الدولة العراقية.

لماذا يهرول المثقف العراقي ويصفّق لأن السياسي الفلاني والمؤسسة الفلانية قامت بعمل إيجابي؟ إنّه يقوم بتبييض صفحة هذه الجهات السوداء ولا ينظر إلى هذا العمل كرشوة للتغطية على التقصير في واجباتها؟ ما معنى أن نصفّق لطبيب جرّاح يجري عملية واحدة بنجاح وهو كل عمره يفشل في العمليات وأحيانا يقتل المرضى أو يهملهم حتى الموت؟

إن الحكومات المتعاقبة التي تحتقر المثقف تحصل على التزكية من المثقف العراقي المُحتقَر نفسه عندما يهرول ليشارك في انشطة حكومة تحتقره ثمانين سنة وتقدم له الحلوى في مناسبة لساعات أو أيام.

على المثقف العراقي أن لا يقنع بالرشى العابرة من الدولة

(4). يجب على المثقف العراقي أن ينظر إلى المؤسسة الرسمية كجهة مقصّرة بحقه وبحق الثقافة وكخادم له ولإبداعه ، ويتابع وينتقد ما تقوم به إلى أن تصبح "ثقافية" كل السنوات وكل المراحل وليس في مهرجان أو حفلة أو لقاء ؟؟

على المثقف العراقي أن ينظر إلى أي نشاط وقتي للمؤسسة الثقافية على أنه "رشوة" و"خدعة" وقتية ستحصل منه على التزكية من ضحيتها المثقف نفسه لتعود بعده حليمة الفاسدة إلى عادتها القديمة المعروفة.

مواطنو المغرب يعرفون السيّاب ونازك والجواهري أكثر من رئيس الجمهورية العراقية

من يعلّمنا ذلك؟ إنه الصحفي المجاهد "ناظم السعود" نفسه.

فأغلب مقالات الكتاب المقبلة هي إعلان جارح وجسور عن فساد المؤسسة وضياع المثقف والثقافة في بلد علّم الدنيا كلها وكان عبر تاريخه منارة الثقافة بجهود مثقفيه الذين كانوا يشرّفون الحكومات بحضورهم ومنجزهم وسمعتهم الخارجية وليس بجهود وزارات الثقافة. الجواهري والرصافي والسياب كلهم لم تصنعهم الدولة أو المؤسسة الرسمية بل احتقرتهم وسجنتهم وافقرتهم. هم الذين شرّفوا الحكومة عبر تاريخها وليس العكس. واذهب إلى أقصى المغرب العربي واسأل عن شخص اسمه الجواهري أو السياب أو نازك وآخر كان وزيرا في حكومة عراقية، أو رئيس وزراء عراقي وحتى رئيس جمهورية ستجد أن لا أحد يعرف الأخيرين هناك في حين تجد المئات يعرفون مبدعي العراق! اسأل مواطنا في موريتانيا على سبيل المثال مَنْ يعرفْ أكثر: السيّاب أم السيد الرئيس فؤاد معصوم مع كامل احترامي للسيد الرئيس؟ سيقول لك أنه يعرف السياب وأنشودة المطر وسيقرأ لك مقاطع منها.

يقول الشاعر الراحل "محمد جواد الغبان" في كتابه "الجواهري فارس حلبة الأدب" إنّه كان حاضراً سهرة جميلة امتدت حتى الفجر على شرف شاعر العرب الأعظم الجواهري في بيت أحد الأساتذة الجامعيين في بغداد. وكان الجواهري نجم الدعوة المتلألىء كالعادة. وبعد أن قرأ قصيدته الرائعة "فارنا" وهزّ الحاضرن بشعره وإلقائه ، قام الأستاذ صاحب المنزل والدعوة واتجه إلى الجواهري ليصافحه، فقام الجواهري ومد إليه يده، وإذا بالأستاذ وعلى حين غرة يأخذ يد الجواهري ليقبلها، وحين أحس الجواهري بذلك سحب يده بسرعة قائلا له: (أستغفر الله يا أبا فلان)، ولكن الأستاذ أصرّ على تقبيل يد الجواهري إعجاباً به والجواهري يتدافع معه ويصرّ على الامتناع، والحاضرون يصفقون إعجابا بتلك الصورة الباهرة وذلك الموقف المثير، وحين لم لم يترك الأستاذ إصراره لم يجد الجواهري بُداً من أن يصيح بأعلى صوته بالأستاذ الممسك بيده قائلاً له: ويحك يا فلان ما قيمة تقبيلك ليدي، نعال، وهات يدك لكي أقبلها أنا، فتكون يدك عندئذ أول يد يقبلها شاعر العرب الأكبر الجواهري في حياته، وهذا أمر سيجعلك تدخل التاريخ يا أستاذ من أوسع أبوابه، فضج الجميع بالتصفيق وأمطروا وجه الجواهري بالقُبل تقديراً لهذا التصرف العظيم الرائع والعفوي البسيط للجواهري.

هكذا يعلّمنا الجواهري . وهكذا يقدّم ناظم السعود الدرس بعد الدرس على صفحات مخطوطة كتابه هذا:

منذ وفاة السياب عام 1964 لم تنشىء له الدولة متحفاً أو ترمّم بيته

-  مقالة "في خمسينية السيّاب: يستذكرونه ... ونلعنه " حيث يقول ناظم:

" لكم ان تتخيلوا العجب - او حتى الفضيحة الكبرى - معي ذلك ان اتحاد الإمارات هو الذي قدم مقترحا لنظرائه العرب للاحتفال بخمسينية شاعرنا السياب وليس الاتحاد العراقي الصامت الذي يعيش غيبوبة كاملة فلم نسمع له تعليقا او توصية او مبادرة"

ثم يتساءل:

"هل أنهم أقاموا – هنا في بغداد او هناك في البصرة – متحفا يضم مؤثراته ومقتنياته وابداعاته العديدة ؟ أين بيت السياب الموعود ؟ اين يذهب السياح اذا قصدوا البصرة وأرادوا رؤية منزل رائد الشعر العربي الحديث ؟!. وتكبر بي الغصة وربما يتكدر مريض مثلي ازاء اسئلة يجهر بها كل عام دون ان يجد اجابة شافية . كما أن الإجابة المسبقة تنبجس من ايحاءات الخبر المذكور الذي يمد لسانه لنا فيقول بقصدية واضحة " ...  وانطلاقا من ذلك نظم اتحاد كتاب وأدباء دولة الإمارات العربية في أبو ظبي أمسية شعريّة أدائية؛ هي باكورة البدء بالاحتفاء بمرور 50 عاماً على وفاة الشاعر الرائد بدر شاكر السياب (25 كانون الأول 1926 ـ 24 كانون الأول 1964)، أحد أهم مؤسّسي الشعر الحرّ في الأدب العربيّ. وقد كان سبّاقا بهذا الاحتفال قبل كل الدول العربية حتى موطنه ..."!.

"لن اقدم هنا مزيدا من النبش والعرض والمقارنة , ولكنني كتبت قبل ست سنوات او يزيد في مناسبة كهذه ما نصه: " .. عقود متكالبة لم تنجح في دفع المسئولين المحليين أن كان في بغداد العاصمة أم في بصرة  الولادة بإنشاء ولو متحف صغير يجمع عظام السياب وأنفاسه وأصداء كلماته للأجيال  المحاصرة أو الخارجة من كهوف الحكومات ولم تنفع النداءات والاستغاثات بدفع حكام البصرة وبغداد في إعادة الروح لأطلال بيت السياب المتهاوية ولا إغاثة نهر (بويب) بجرعة ماء الله فبقي منسيا وآفلا .....أما (بيت جدي) و(شناشيل ابنة ألجلبي) فبقيا طيفا في عيون المحبين وقراء تراث السياب ولم تمتد يد خيرة أو متبطرة أو باحثة عن الوجاهة في جر الذكرى من السديم وجعلها حية تسعى في جغرافيا أبي الخصيب  ..".. وقد لا يجد هذا النداء صدى عند اصحاب الكهف!) (انتهى حديث ناظم).

لا توجد في العراق لا دولة مثقفة ولا دولة ثقافة

-  مقالة "الحكومة والـ " تحولات": من البؤس ..  إلى المواجهة "، وفيها ينفي ناظم وجود دولة في الثقافة فيقول:

(ان ما نلحظه هو وجود فاعل لطرف واحد (المثقف الفرد) وغياب فاحش للطرف الثاني (المؤسسة الحكومية) بمعنى ان ثقافتنا تقوم وتظهر بل وتعمق وجودها وخطاباتها الفكرية والأدبية والجمالية استنادا الى قواها الداخلية  (...) وأصارحكم أنني عشت سبعة عهود كاملة لم اجد في أي منها اهتماما يذكر بالثقافة: مفهوما ومضامين وعناوين ، بل كنت اجد الهموم الثقافية وشجون المثقفين تتراكم وتعلو كالجبال حتى ما عاد نظري الكليل يحيط بها ولم اشعر يوما ان هناك مسؤولا واحدا او جهة بعينها تهتم بإيجاد الحلول او تسعف المثقف المبتلى بنظرة منصفة تفهم ما يريد وتمهد له دروب إبداعاته او تزيل عنه الفخاخ وما أكثرها !).

-  مقالة "هل أتاك حديث (المكتبة المركزية) ؟!"، حيث يقول:

(وفي التحقيق ثمة ما يخجل ويخدش الذات الثقافية والوطنية.. هناك تفاصيل عن الحال الفاجع الذي يوشّح المكتبة المركزية بأسوأ المظاهر وأكثرها خزيآ وإدانة، وهنا أسأل ولا انتظر جوابآ: هل هناك حالة موجعة أكثر من أن تعيش المكتبة حالات من الظلام (السرمدي) بسبب انقطاع التيار الكهربائي عنها؟! ..وهل نصدّق أننا في القرن الواحد والعشرين ونجد اكبر مكتبة علمية وثقافية في العراق وقد أثقلت كاهلها الأوساخ وسخام الحرائق والأتربة المتراكمة حتى أن المطالعين والموظفين يستخدمون كفوفآ واقية ومصابيح يدوية للتجوال في العتمة بحثا عن كتاب أو مرجع او أطروحة علمية ؟) .

ويختمها بالقول: (واذا كانت حجة (المسؤولين) في وزارة التعليم تعود دائما الى ضعف (التخصيصات المالية) فأنا اقولها واكتبها مرارا بأننا نفتقد الى شئ واحد اسمّيه (التخصيصات الأخلاقية) ..وذلك هو رأس البلاء!!).

دولة تحتقر الثقافة والمثقفين

-  مقالة "هذا الكلام خطير .. فاحذروه !" ، وفيها يشير إلى احتقار المثقف العراقي وإهماله وعدم دعوته للمشاركة في كتابة دستور البلاد: (استذكرت على الفور ما حدث في بلادنا من محنة مماثلة تخص (استبعاد المبدعين والمثقفين من اللجنة التأسيسية لوضع الدستور الجديد) وكيف ان الذين تم اختيارهم لمسؤولية كتابة الدستور استبعدوا أي ناشط ثقافي سواء أكان أديبا او كاتبا او فنانا من اللجنة المخولة بكتابة الدستور.. يومها كتبتُ مقالا غاضبا عنونته هكذا (المثقف المحنط بين الأخضر الإبراهيمي وفؤاد معصوم !) إشارة الى الاسمين المكلفين باختيار الأسماء لكتابة الدستور وذكرت فيه ان المثقف العراقي مبعد تماما منذ عقود وعهود عن أية اسهامة او ارتباط بالفعل العام بسبب تجاهل مقصود جاء أولا من العهود الحاكمة" (...)  "نعم ، تم في وقتها استبعاد أي مثقف إبداعي عراقي من المشاركة في كتابة الدستور ففي أية مراجعة جادة لمحتويات الدستور الحالي نكتشف حجم الشحوب الثقافي بل لا يمكن الادعاء ان هناك مادة او فقرة واحدة أشارت الى الثقافة والمثقفين او حتى انتبهت لوجودهم في المجتمع بعكس بقية الكائنات والقوى الظاهرة والمستترة).

تكاثر "فقراء الثقافة" وتناسلهم

-  مقالة "فقراء الثقافة ... وقانون سكسونيا!" حيث يقول:

(ومن جراء تقادم الممارسات المهمشة والنظرات القاصرة تكاثرت جموع ما اسميهم (فقراء الثقافة) الذين وجدوا أنفسهم مبعدين عن أية واجهة وليس هناك من إسناد حقيقي يقيهم غول العوز وعسف الحاجة وذل المرض، وأكثر من هذا إنهم وجدوا وزارة بأسمهم وضعت في أسفل الاهتمام الحكومي حتى قال احد وزرائها صراحة أن ميزانية الوزارة لا تكاد تكفي رواتب لموظفيها (!)  ثم صعقهم تصريح منسوب لأحد البرلمانيين بعد أن أحيلت، بطريقة المحاصصة، وزارة الثقافة (كحصة إلى كتلته) فقال قولته المشهورة التي ستدخله التأريخ (أعطونا وزارة .. تافهة)..".

وهناك الكثير من المقالات التي يمكن للسيّد القارىء مراجعتها في هذا الكتاب ليجد مبضع السعود، لا قلمه فقط، يخز الجراح النائمة بجسارة وشجاعة هي التي تعودناها منه عبر عقود طويلة. هذا هو ناظم السعود الذي أعرف منذ أكثر من ثلاثين عاما. ومن بين هذه المقالات:

- المثقف وسؤال العاصمة: من ألَصدمة الى القَباحَة !

- حديث عن محنة شرائح المثقفين المستمرة !

- درس من غواتيمالا!!

- العراق بلا نشيد وطني !

- وصية شكسبير:حافظوا على بدري حسون فريد !

- كاظم الحجاج: الكهرباء .. الاعتكاف .. ثم الرضوخ !

- لا تدفعوا مجلة (تشكيل) الى مصير معروف !

- درس مجاني لمن يريد أن يتعلّم!

- من طرد العبقرية العراقية ؟!

وغيرها الكثير.

رائد الدعوة للإسناد الثقافي

(5). وهناك سمة ثقافية إنسانية حاسمة في سلوك ناظم السعود الثقافي تلازم سمة الحزم والجرأة والجسارة في تشخيص المعضلات الثقافية، وهي ما اصطلح هو على تسميتها بـ "الإسناد الثقافي". ففلسفة ناظم الثقافية تقوم في جانب مهم منها على أهمية دور فصيل الصف الثاني الذي تُطلب منه التضحية والصبر بل الحنو في تعهّد الأصوات الجديدة التي تدفعها نحو مواقع الصف الأول . من دون هذا الموقف التربوي والسلوكي تموت الثقافية ويجف نسغها. كثيرة هي الأصوات التي تعهدها ناظم بالرعاية حتى استوت على سوقها قامات إبداعية مهمة ومؤثرة في بستان الثقافة العراقية الآن (بعضها تنكر له في محنته). يقول ناظم موضحا هذه "الستراتيجية" الثقافية:

(أنا انظر الى العمل الثقافي على انه خطان متوازيان، الخط الأول: المبدعون، أي الناس الذين يعملون في الإبداع من قصاصين الى شعراء الى نقاد، والخط الثاني: المسندون، الذين عملهم الأساسي إسناد الخط الأول، لا ان يكونوا بمعيتهم او يتنافسوا معهم، والاسناد هنا لا يعني ان (تطبطب) على أكتافهم بل بالنقد والتوجيه والنصح وهو جزء من الإسناد، فإذا ما اخطأ المبدع فعليّ توجيهه الذي هو نوع من الإسناد له، وانا وجدت العديد من الشباب خلف الكواليس ومددت لهم يدي البيضاء الساندة لكي انقلهم الى منطقة النور، وللأسف، في الثقافة العراقية يوجد الخط الأول، ولكن الخط الثاني فيه قلة أو ندرة في الساندين، عشت في مصر سنة وربع السنة اطلعت ميدانيا على الصحافة والثقافة وكيف تسند المبدعين في الصف الأول، وهذا شيء عملة نادرة عندنا في العراق، والسبب ان كل من يكتب يريد ان يكون في الواجهة، ولكن هذه الواجهة تحتمل الكثير، لا ينبغي ان امجد الأنا لكي استقطب النور لوجدي، بل المفروض أن استقطب الأنوار للآخرين، وهذا ما اسميه الإسناد الثقافي).

يعمل الكثير من الكتّاب والنقّاد عندنا على طريقة "قومي رؤوس كلّهم .. " كما قال الراحل علي الشرقي.

ولو قرأت مقالة: "شرايين جديدة في الصحافة الكربلائية !" لتلمست عمليا مقدار الإيمان والجهد والتوثيق والصبر ومسؤولية التعهّد في مجال رعاية الأصوات الصحفية الجديدة. كما تكشف لك مقالة: "اكتشاف ناقد وسط غابة من الكتب والاوهام والأشتات!" الأبعاد نفسها في حقل آخر هو العمل النقدي الأدبي.

ناقد أدبي يكتب مقالة مفهومة لا ألغاز

(6). وقد ضم الكتاب مقالات كثيرة أخرى تعكس عمل ناظم السعود كناقد أدبي في مجالات السرد؛ قصة ورواية وفن مقالي، والشعر. وتهمني الإشارة هنا إلى سمة مهمة هي أن ناظم السعود – وأنا مثله واسمحوا لي بهذه اللمسة النرجسية – هو من النقاد القلائل الذين يكتبون نقداً "مفهوما" بعد أن اكتسحنا طوفان الحداثة وما بعد الحداثة النقدية الغربية وأوقع نقادنا – خصوصا الشباب – في مصيدة الإسراف في اللغة المتعالية metalanguage حتى أصبح النص النقدي يحتاج ناقدا يشرحه لنا. مقالات ناظم النقدية ممتعة وحوارية ومفهومة. خذ على سبيل المثال لا الحصر مقالات مثل:

-  أحمد ألجنديل:  تمنطق بالقناع واستغاث بمملكة الحيوان!

- افتراس": استحلاب ممض لأيام الوجع !

- وهل هناك" ضفاف سعيدة " في العراق؟!

- عشرة اعترافات في مجموعة شعرية !!

- نعيم الصيّاد: يستذّكر الحرب في ديوانه ألأول

- علامتان  في سرد  "جاسم محمد صالح": البطولة .. أنسنة الحيوان !

وغيرها الكثير.

بطل ماراثون الثقافة العراقية المجاهد

(7). في عام 1999 أو عام 2000 (لا أتذكر التاريخ بالضبط) كنتُ عسكريا في جبهات القتال، وجاءني من يخبرني بإقامة حفل تكريم لناظم السعود في حدائق اتحاد الأدباء ببغداد وأن اللجنة المشرفة على الحفل (وهي مستقلة لا تتبع أي جهة وقامت بالحفل بمبادرة شخصية) تطلب منّي كلمة بهذه المناسبة. فأرسلت كلمة قرأها نيابة عنّي أخي الشاعر المبدع "سلمان داود محمد" وانبرى أحد رؤساء تحرير الصحف المشهورين آنذاك وهو (ا. ص.) للاحتجاج دفاعا عن النظام وعن "الأستاذ" برغم عدم مساسي بهما في الكلمة وكاد يوقعنا في براثن السلطة ويتسبّب في سجننا ، وهو الآن يصول ويجول على شاشات الفضائيات كمقاوم ضد النظام السابق (شلون عدنه مثقفين سفلة)!!. قلتُ في تلك الكلمة:

(لا أدري لِمَ لمْ يحفظ المؤرخون اسم الجندي الفرنسي الذي قطع عشرات الكيلومترات ركضا – تصوّروا ركضاً - كي يُبلغ الامبراطور (نابليون) بشرى النصر في إحدى المعارك:

قال له نابليون:

- انت جريح .

فقال الجندي:

- أنا ميّت .

ثم سقط ميتاً .

وذكّرت بالجندي اليوناني الذي ركض المسافة التي سُمّيت لاحقا ماراثون لينقل خبر انتصار جيشه إلى سكان مدينته ثم يسقط ميتا ، وقلت أن ناظم السعود يقاتل ثقافيا بهذه الروح الشامخة المتعالية من أجل هدف عظيم هائل اسمه "شرف الثقافة".. وأن موته مؤجل بانتظار الوصول الكبير وتبليغ الرسالة وتسليم الأمانة، وسوف ينتصر في وجداننا ويخلد في ذاكرة الثقافة العراقية العظيمة التي ينحتها المبدعون الشرفاء لا المؤسسات الكسيحة..

تحية للصحفي المجاهد "ناظم السعود" وهو يقدّم نتاجه الثقافي والتربوي الجديد .. متمنيا له الصحة الدائمة والإبداع المتجدّد.

 

الدكتور حسين سرمك حسن- بغداد المحروسة

بغداد المحروسة

 

 

adnanhusan ahmadصدر عن مطبعة MBG العالمية بلندن كتاب "عقوبة الإعدام بين العدالة والانتقام" للدكتور طارق علي الصالح. يقع الكتاب في 294 صفحة من القطع الكبير ويتألف من مقدمة وستة فصول إضافة إلى ثمانية ملاحق. يتمحور هذا الكتاب على بضعة أسئلة جوهرية مفادها: ما الهدف من عقوبة الإعدام؟ هل هو الانتقام أم الردع أم تحقيق العدالة الجنائية؟ وهل يتحمّل الفاعل وحده المسؤولية الجنائية أم أنها تقع على عاتق الدولة والمجتمع أيضًا؟ ولماذا ارتفع في العقود الأخيرة سقف المطالبة بإلغاء هذه العقوبة واستبدالها بالسجن المؤبّد؟ ولماذ تُوصف بالوحشية، والمهينة، واللاإنسانية مع أنّ القاتل قد أزهق نفسًا بشرية تمتلك حقّ الحياة ولابد لهذا القاتل أن ينال جزاءً موازيًا لما ارتكبه من فعل أثيم؟

لنعترف سلفًا أنّ الدكتور طارق علي الصالح قد وضع قارئه أمام قضية إشكالية مثيرة للجدل يطلبُ فيها أن تتخلى المحاكم عن تنفيذ عقوبة الإعدام بمرتكبي الجرائم لأنهم يعانون من أمراض عقلية أو نفسية أو وراثية سنأتي عليها لاحقًا. ينتقي الدكتور طارق الصالح أحدث تعريف لعقوبة الإعدام بأنها "إزهاق روح إنسان بقرار قضائي، كعقوبة عن ارتكابه لجريمةخطيرة "جناية" كجريمة القتل مع سبق الإصرار"(ص15).

يتتبع الباحث في الفصل الأول تاريخ عقوبة الإعدام ويُرجعها إلى ظهور المجتمعات البدائية، ثم ينتقل إلى العصر البابلي الذي ظهرت فيه شريعة حمورابي وهي أولى القوانين القديمة التي تضمنت 282 مادة قانونية حيث وضع فيها حمورابي أسس نظرية الاستحقاق Retributive للعقوبة التقليدية المبنية على الانتقام  Lex Talionis المستخلص من مبدأ "العين بالعين، والسِنُّ بالسِن" أو "ما يزرعهُ المرء يحصدهُ" وقد كانت مجموعة من قوانين هذه الشريعة متطرفة في نزعتها الانتقامية لأنها تتجاوز "شخصية العقوبة" إلى أبناء وأقارب الفاعل، فإذا تسبّب شخص في إجهاض امرأة وموتها فإن ابنته تُعاقَب بالإعدام! وقد تضمنت المسلّة على 25 عقوبة إعدام لجرائم مختلفة بعضها لا يستحق هذه العقوبة الانتقامية مثل السرقة، والخطف، وإيواء عبد هارب. ثم يتوقف الباحث عند ثلاثة قوانين أخرى وهي القانون الحِثّي واليوناني والروماني. والملاحَظ أن القانون اليوناني هو الأكثر قسوة ، ويتميز بوحشية لا نظير لها مثل دفن المحكوم حيًّا، أو تقطيع أوصاله، أو سلخ جلده، أو إغراقه بالماء.

خفّت العقوبات وتشذّبت بظهور الديانات السماوية الثلاث تباعًا، ففي ظل الديانتين اليهودية والمسيحية لم يُعاقَب الأبناء بجريرة آبائهم، كما تحولت عقوبة السرقة من الإعدام إلى التعويض، ومع ذلك فقد ظل بعض العقوبات قاسيًا مثل رمي المحكوم من أماكن عالية، أو رشقهِ بالحجر، أو تثبيته بالمسامير على الصليب. وعند مجيء الإسلام اقتصرت عقوبة الإعدام على الجرائم المعروفة بالحدود وهي القتل والزنا والحرابة، وتعززت المساواة بين الناس فلا فرق بين سيد وعبد، وأكدّ الإسلام على مبدأ القِصاص الذي يعني وجوب المساواة بين الجريمة والعقاب.

بدأ التململ من هذه العقوبة الوحشية في العصور الوسطى حينما أسست الكنيسة الكاثوليكية محاكم التفتيش Inquisition لمعاقبة الهراطقة فأُعدم، تمثيلاً لا حصرًا، المُصلح التشيكي المعروف جان هوس لمجرد اتهامه بعض القساوسة بالانحراف عن مبادئ الدين، كما قُطع لسان الفيلسوف الإيطالي جيوردينو برينو وتمّ إحراقة، ووُضِع غاليليو تحت الإقامة الجبرية في ضواحي فلورنسا بسبب نظريته القائلة بدوران الأرض حول الشمس. ثم تفاقم غضب الفلاسفة والمفكرين ورجال القانون حينما ارتكب الكاثوليك مجازر فظيعة بحق البروتستانت الذين اضطروا إلى ترك ديارهم والهجرة إلى السويد وألمانيا وهولندا وإنكَلترا في حكم الملك لويس الرابع عشر.

يُشكِّل عصر النهضة علامة فارقة في مقارعة تسلّط الكنيسة واستبدادها حيث وقف العديد من الفلاسفة أمثال فولتير وجيرمي بنثام وسيزار بيكاريا ضد عقوبة الإعدام الهمجية وحري بنا الإشارة إلى الأثر الكبير الذي خلّفة كتاب "حول الجرائم والعقوبات" لبيكاريا في تحجيم عقوبة الإعدام وإلغائها في عدد كبير من دول العالم.

يتمحور الفصل الثاني على نظريتين أساسيتين وهما "نظرية الاستنباط" المتحجرة و"نظرية الاستقراء" العلمية المتفتحة التي تقدِّر العقل البشري وتمجِّدهُ حيث يرى أصحاب نظرية الاستنباط بأن قواعد العدل لا تحتاج إلى دليل أو برهان على صحتها لأنها مُستنبطة من صدى الوصايا الإلهية التي يمثلها عقل القدّيس الراجح باعتباره "ظل الله على الأرض"! أما "نظرية الاستقراء" فهي تعتمد على الواقع بوصفه مصدرًا للمعرفة وتشريعًا للقوانين العقابية وأن "الإنسان هو مصدر العقل إذا ما أحسن وأتقن مهارة الإقناع"(ص71). وليس من الغريب أن تنسجم فلسفة أفلاطون وأرسطو الميتافيزيقية المنفصلة عن واقع الحياة مع الأنظمة الدينية والسياسية التي استمر نفوذها حتى العصر الوسيط وساهم في دعم الكاثوليكية وهيمنتها على السلطة التي عززت مواقع الشخصيات الكهنوتية. فلا غرابة أن تلجأ أوروبا إلى الفصل بين السلطات بغية تحقيق العدل القائم على النظرية الاستقرائية.

على الرغم من أهمية هذا الكتاب إلاّ أنه لا يخلو من تكرار بعض الآراء والنظريات التي تتعلق بعقوبة الإعدام. وسنحاول قدر الإمكان أن نتجاوز المعلومات المُكررة في الفصول اللاحقة. يتناول الباحث ثلاث نظريات تبرر عقوبة الإعدام وهي نظرية العقوبة "كاستحقاق" و "كمنفعة" و "كحلّ وسط" حيث تتكئ النظرية الأولى على شريعة حمورابي ومبرراتها الانتقام المُستخلَص من مبدأ "العين بالعين. . " التي أيّدها الفيلسوف الألماني إيمانؤيل كانت  Kant واتبعهُ هيغل في ضرورة أن تكون العقوبة متجانسة مع الفعل المُرتكَب. أما نظرية العقوبة كمنفعة فيرى روّادها بيكاريا، وميل، وبنثام أن هذه العقوبة يجب أن تحقق منفعة للمجتمع، وتردع الآخرين من ارتكابها، وتعطي وزنًا للاصلاح الاجتماعي.  بينما تذهب نظرية الحل الوسط إلى التوازن بين المنفعة والاستحقاق ومن أبرز روّادها الفيلسوف البريطاني هربرت هارت.

يمكن اختصار الفصل الرابع بالاضطرابات السلوكية الأربعة وهي: التخلّف العقلي، الأمراض النفسية، الأمراض العقلية واعتلال الشخصية. وأن أي شخص يرتكب جريمة خطيرة كالقتل العمد مع سبق الإصرار هو شخص غير سوي ولابد أنه يعاني من بعض الاضطرابات السلوكية التي تؤثر على حرية إدراكه وإرادته، وأن هناك علاقة قوية بين المتخلف عقليًا والسلوك الإجرامي، وأن إعدام هؤلاء الأشخاص يشكّل جريمة بربرية بحد ذاتها كما ترى المحامية ألين شارب، المتخصصة في قضايا القتل على مدى أربعين عامًا.

يناقش الفصل الخامس الجدل المتواصل بشأن عقوبة الإعدام ومفارقات بعض الدول الديمقراطية مثل الولايات المتحدة الأميركية التي تُصدر تقريرًا سنويًا عن انتهاكات حقوق الإنسان في العالم مُنتقدة بقوة الدول التي تنتهك هذه الحقوق لكنها "تمارس أبشع أنواع التعذيب بحق السجناء المصابين بأمراض عقلية أو نفسية" (ص164).

كانت دول أوروبا الغربية سبّاقة إلى إلغاء عقوبة الإعدام بعد الحرب العالمية الثانية وما أسفر عنها من إعلانات وبروتوكولات واتفاقيات ومحاكم جنائية متعددة مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 وما تلاها من اتفاقيات دولية ألغت فيها عقوبة الإعدام كليًا وفي جميع الظروف بما فيها حالة الحرب. وقد ذكر تقرير منظمة العفو الدولية لسنة 2012 بأن مجموع الدول التي توقفت عن عقوبة الإعدام هي 140 دولة ماعدا الدول التي تخضع لأنظمة شمولية أو دينية أو مذهبية سياسية أو قومية تلجأ إلى عقوبة الإعدام لتصفية خصومها السياسيين.

عدنان حسين أحمد

 

 

1133 ZOUHERلقد شكل المبحث الأساسي لكتابه "بحث في الذهن البشري" عرضا لمسار تكون الأفكار في الذهن البشري وقدم توصيفا للعمليات التي تنقسم من خلالها إلى أفكار بسيطة وأفكار مركبة"1

عن دار ريم بألمانيا أضيف منذ 24 ماي 2017 للمكتبة الفلسفية التونسية والعربية وفي مرحلة بحثية متقدمة مؤلفا جديدا في 224 صفحة تحت عنوان "تدقيق فلسفي في نطاق المعرفة التجريبية" تم تقسيمه إلى ثلاث أبواب تتضمن بدورها مجموعة من الفصول يتوسطها تركيز حول مسألة الذهن عند جون لوك والأدوار التي تقوم بها التجربة في مجال المعرفة والقيم والتربية ، ولقد أعلن الكاتب الفلسفي بأن فلسفة لوك التجريبية الحسية تجلت بصورة ملموسة بعد بلوغه سن السادسة وخمسون حينما كتب "بحث في الذهن البشري" بين 1670 و1671 ولم يتم طبعه إلا في سنة 1690 ولقد أظهر فيه معارضة شديدة للتيار العقلاني وبيّن فيه رفضه التام نظرية الأفكار الفطرية التي تعتقد في امتلاك العقل البشري لمجموعة من الأفكار الفطرية يرثها منذ الولادة ولا يكتسبها عن التجارب التي يمر بها في الحياة ولا يتعلمها في البحث والجدل ، وفي مقابل ذلك أقر بأن العقل يولد صفحة بيضاء ويشبهه باللوح النظيف الخالي من كل شيء وصرح في هذا السياق بأنه " ليس ثمة شيء موجود في العقل إلا كان موجودا أولا في الحواس."

لقد احتوى الباب الأول الصراع الذي خاضته التجريبية ضد الميتافيزيقا ورصد تحولها من مجرد مقولة منطقية إلى منهج علمي ساهم في قيام ثورة معرفية وميلاد الحداثة وبحث في الإرهاصات الممهدة لها.

في حين الباب الثالث تطرق إلى تبعات تأسيس المذهب التجريبي في الفلسفة في مواجهة المذهب العقلاني ودور المدرسة الأنجلوساكسونية في تدعيم الدراسات التي تدور حول التجربة وتنطلق من الإدراك الحسي وتمنح اللغة وظيفة هامة في تنظيم العمليات المعرفية وتوجيه قوى الذهن نحو التحكم في ظواهر الطبيعة.

لقد أهدى الجامعي تأليفه إلى المهتمين بالفلسفة والعلوم الإنسانية والى الجمهور من الباحثين عن العلم والعمل وإلى الراغبين في المعرفة والساعين إلى الفعل وإلى المثابرين حول دقة النظرية ومحك التجربة.

في هذا المقام يصرح المؤلف في خاتمة مصنفه " لم تعد التجربة بالمعنى الذي أوجده كلود برنار تمثل فعالية اكتساب المعطيات في البحث العلمي بل إن الوثبة الاستكشافية في العلوم المعاصرة قد تمكنت من إخراجها من أسوار المختبرات إلى أعماق الظواهر وأدق الكائنات وللاشتغال على أبعد الظواهر."2

 

د. زهير الخويلدي

...................

المصدر:

الخويلدي (زهير)، عناصر في الذهن البشري عند جون لوك، دار ريم، ألمانيا، طبعة أولى ، ماي 2017.

الروابط:

https://www.morebooks.de/store/gb/book/%D8%B9%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%87%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%8A-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%AC%D9%88%D9%86-%D9%84%D9%88%D9%83/isbn/978-3-330-80314-5

https://www.amazon.fr/%D8%B9%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%87%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%8A-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%AC%D9%88%D9%86/dp/3330803142

 

shaker faredhasan2"نظرات" هو العنوان الذي اختاره الصديق الشاعر والكاتب كاظم ابراهيم مواسي لكنابه الصادر في العام الماضي ٢٠١٦، عن دار الهدى كريم للنشر، في كفر قرع، وجاء في ١٢٦صفحة من الحجم المتوسط، وهو مجموعة من مقالات معاصرة في في المجتمع والأدب والسياسة، كان نشرها في السنوات الأخيرة في الصحف المحلية والمواقع الالكترونية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي .

كاظم ايراهيم مواسي من مواليد باقة الغربية العام ١٩٦٠، وهو شاعر وكاتب ينتمي الى جيل حقبة الثمانينات من القرن الماضي، صدر له اكثر من عشرة كتب جلها في الشعر، والباقي خواطر ومقالات، وكتاب بحث عن بلدته باقة الغربية .

وكتاب " نظرات " الذي بين يدي، يتناول ويعالج العديد من قضايا الساعة، والقضايا السياسية، والمسائل الثقافية والأدبية، والمعضلات والظواهر الاجتماعية السائدة في مجتمعنا العربي .

فيكتب عن مدينته الفاضلة باقة الغربية، والانتقادات النكدية الموجهة لعمل بلدية باقة في فترة رئاسة مرسي أبو مخ، وعن الضلال العربي، وتوجيه الاعلام في الدولة، وعن امريكا التي تربكنا، ويتعرض للصراع الفكري في المجتمع العربي، وللجمعيات والمجالس البلدية، وحرمة المجلس البلدي، وماذا ينتظر رئيس البلدية في تحمل المسؤولية والنكد، ويرى ان رئاسة البلدية ليست وظيفة سهلة، ولا تجلب الشرف والجاه لمن لم يملكهما من قبل، وانه يجب على الرئيس الناجح أن تكون له سلطة قوية يستمدها من الناس وليس ممن هم فوقه، ويتساءل عن من نوصل الى المجلس البلدي، وما هي القيادة، ولماذا التهافت عليها ؟؟!.

ويتحدث ايضاً عن المبادرات الثقافية والاجتماعية والسياسية من اجل الاصلاح الثقافي والاجتماعي، التي سرعان ما تلقى العراقيل والفقر في الموارد والدعم الشعبي .

ويطرق كاظم مواسي أبواباً كثيرة، فيدخل الى عالم السياسة ويرى ان قضية فلسطين هي اقتصادية في الدرجة الاولى، ولا ينسى ان يتطرق الى قيمة يوم الارض الخالد في سفر الكفاح لجماهيرنا العربية الفلسطينية، الذي كتبت تاريخه بدماء الشهداء الابرار، والى أوجه التمييز في المجتمع الاسرائيلي، ومشروع ليبرمان التبادلي الترانسفيري .

ويلقي كاظم ابراهيم مواسي في كتابه نظرات واضاءات على المسائل الثقافية التي تؤرقه، ويتناول قضية الأدب والمتلقي، موضحاً ان الكتابة الأدبية تنتج عن تفسية وثقافة وظروف متباينة، كذلك الامر فان للمتلقين ثقافتهم وظروفهم ونفسياتهم المتباينة، وان من يستطع الحكم على الأدب هو المثقف الموضوعي الذي يرى في النص مادة لها تحليلاتها وتفاعلاتها ومكوناتها .

وهو يتساءل من هم الشعراء؟ ومن يحتاج النقد؟! مؤكداً على ان اليوم وفي بلادنا العربية لا سائل ولا مسؤول عن الشعراء وأشباه الشعراء وما يكتبون، يختلط القمح بالزوان، وقلما نجد القارىء الفطن الذي يميز بين الصالح والطالح، وتجد ان كل من خط خاطرة او كتب تعبيراً يعتبر نفسه شاعراً كبيراً، ناسياً ان على الشاعر ان يكون متمكناً من قواعد اللغة، وغارفاً لتاريخ الانسانياً، وحالماً بالتغيير والاصلاح، ومعالجاً للمعضلات التي تواجه مجتمعه .

كما يتعرض كاظم للبرادوكس الأدبي في المشهد الثقافي المحلي، مشيراً الى ان نقادنا باغلبيتهم السنتهم في افواههم يمدحون ويذمون وفق مصالحهم، وعلاقاتهم الشخصية، فيضيئون النص حين يريدون ويسدلون عليه عتمتهم متى شاءوا، وهذا طبعاً بالنطق وليس بالكتابة .

ويطرح رأيه وموقفه ووجهة نظره من السيرة الذاتية، وقضية الابداع والحياة، والنقد المحلي، والمسرح الادبي، والخلط بين الخاطرة والقصيدة، والتعميم والذوق الخاص في الأدب، ويتساءل هل تكتمل لغتنا العربية ؟ وما قيمة الأدب ؟!!

وفي نهاية الكتاب يقدم كاظم مولسي اضاءات فكر على قضايا اخرى متنوعة من واقع وصلب حياتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية .

كاظم ابراهيم مواسي يمارس ضروب الكتابة باتقان، وينزع الاعجاب بآرائه وافكاره الواضحة الصريحة، يؤمن بحرية الرأي والمعتقد، ويحلم بالاصلاح المجتمعي، ويرى بان الانسان المناسب يجب ان يكون في المكان المناسب .

وكتابه "نطرات" يشكل ومضات فكر وعقل منفتح، يفكر بهدوء ويطرح الأمور بعقلانية وموضوعية وبكل روية، وهو كتاب يستحق القراءة، ففيه رؤى وافكار جميلة وطروحات عميقة، مكتوبة بلغة شفافة ورشيقة ممتعة .

اشد على يدي صديقي المعتق كالقهوة العدنية كاظم ابراهيم مواسي، وتمنياتي له بالعمر المديد، والمزيد من العطاء لما فيه خير مجتمعنا ومشهدنا الثقافي، مع خالص التحيات القلبية المعطرة والعابقة بالمحبة .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

1395 jamila"عبق الحنين" هو الديوان الشعري الأول للشاعرة الفلسطينية، ابنة الناصرة، جميلة شحادة، الصادر عن دار مؤسسة نجيب محفوظ للثقافة في مصر، ويضم بين ثناياه باقة عطرة فواحة العبير من بواكيرها الشعرية النثرية، مع اهداء ومقدمة للشاعرة، ومراجعة نقدية وتحليلية للديوان للكاتب المصري محمد سلامة .

جميلة شحادة شاعرة مرهفة، تتنفس الشعر حنيناً وخفقات عطاء، يسيل لعاب حبرها من مداد يفيض انسانية ومحبة، وتكتب على اوراق الخريف حروفها، فلنسمعها تقول في قصيدتها الاستهلالية للديوان " في الخريف تبعثرت أوراقي ":

اعشق الخريف كثيراً

واخشاه كثيراً

فحين غابت شمسه

ولم يبق سوى ذاك الشفق الأحمر

وتطايرت تلك الوريقات العليلة

تبعثرت اوراقي

وايقنت أن احدى حكاياتي

سهواً قد سقطت

فكان نصيبي من الحزن ..وفيراً

جميلة شحادة شاعرة وقاصة وكاتبة للاطفال، تعمل مربية واخصائية تربوية، وحاصلة على شهادة في االقانون / المحاماة .

كتبت ونشرت الكثير من المقالات الاجتماعية والتربوية والقصص القصيرة والخواطر الوجدانية والنصوص الابداعية في الصحف العربية والمواقع الالكترونية المختلفة، وصدر لها ثلاث كتب من قصص الاطفال، وهي : " الكوكب الأزرق، ضوء ملون، ابو سليم واصدقاؤه " .

وجميلة شحادة شاعرة تأنس بالقمر، تعشق وتتذوق الكلمة الجميلة في كل انواع والوان القصيدة، التي تحرك فيها مشاعر الحب والشجن والحنين والفرح، والشعر بالنسبة لها هو الاحساس النابع من معين المشاعر وتلابيب الروح وعمق الوجدان، انه ملاذ بحد ذاته في عالم الكلمة والفكر، ويضعها وجهاً لوجه امام تفاصيل التجربة الانسانية .

يمثل ديوان " عبق الحنين " لجميلة شحادة انطلاقة جميلة في اصدار دواوينها، وهي في الغالب تلتزم الحداثة في شعرها الذي يميل وينتمي للقصيدة النثرية، رغم انها تكتب القصيدة العمودية التقليدية، التي تتجلى بوضوح في قصائدها الثلاث التي ضمها الديوان بين دفتيه .

ومنذ البداية يكتشف القارىء في نصوصها خصوصية ومساحة شعرية متميزة، ففي شعرها نسمع صوتاً انسانياً هادئاً يسرد علينا، دون تردد، آلامنا وأوجاعنا اليومية  وهمومنا الوطنية والسياسية، كشعب محاصر ومعذب ومكلوم يعاني التمييز والقهر والخنق والاضطهاد وسلب الاراضي وهدم البيوت، ومصادرة الهوية والتراث .

قصائد الديوان تعبق بالاحاسيس والمشاعر العاطفية الوجدانية، مشاعر الحب والحزن والغضب وخيبات الأمل، وفي الوقت ذاته مشرقة بالتفاؤل رغم كل شيء، وهي قصائد تعود للبيئة وتعكس الواقع الحياتي، وتطرح مواضيع انسانية ذات طابع وجداني، وقضايا اجتماعية وسياسية، من ابرزها مسألة هجرة اللاجئين الفلسطينيين وحلمهم بالعودة الى ديارهم، والغربة في الوطن، والعنف المستشري المتفشي في جسد مجتمعنا العربي، وزواج البنات القاصرات، وتطفح بالدعوة الى التسامح والاخاء والمحبة وتصافي القلوب والتحلي بالروح الانسانية، وتبرز مع موضوعاتها تمكنها من ادواتها الكتابية التي تدعو للتأمل والغوص في المعاني .

تتشكل قصائد جميلة شحادة من الم انساني ذاتي وعام، وحنين  وجداني جارف، وانفعال بالحدث والتأثر فيه، ولحظات صفاء وتأمل وحيرة وقلق، وتساؤلات، والحان فرح، وانغام شجن، وعطر ذكريات، وتنهمر شاعرتنا البهية على ارض عطشى لا يملأ شقوقها سوى كلماتها، وتجوب مرافىء الذات والعام، وتعتصر وجعاً وأنيناً وعشقاً للوطن، الذي يترك فيها ذكريات اللاجئين ومفاتيح عودتهم، وصور طوابين الخبز والطواحين والبيادر واشجار التين والصبار والزيتون والبرتقال والسنديان التي تسكن وجدان المشردين والمهجرين، وتلتصق بحياة الفلسطينيين :

مسحت دمعة

وخبأت أخرى

لتكون زادها

في طريق عودتها الى الهذيان

هي لم تثق بحديث الطيور

عن مخاطر هجرتهم بمراكب الريح

وغضب أمواج البحر ... ساعة الهيجان

هي لم تثق بحديث الطيور

أن رحلتهم، بلا عنوان

وأن بلاد العجم

ليست مفروشة امامهم بالبيلسان

                   (قصيدة حديث طيور مهاجرة)

قصائد " عبق الحنين " تظهر شاعرية عالية، ووجدانيات سامية، ووطنية صادقة، والتزام حقيقي بقضايانا وهمومنا، وعواطف جياشة، وحسن اوصاف، وجمال صور، ورقة مشاعر، وشفافية عبارات :

من بين أنين الردم

غداً سيزهر الزعتر

ومن خلف ركام العمر

سيورق عوده الأخضر

فالأرض ... رؤوم بنيتها

عزيزة في بأسها

ومن عاتيات الريح لا بد أن تسخر

وتطل من حنايا بيت يسكن في الروح

وفي صحراء الحلم السرمدي يسهر

وبقايا زمن قد تكسر

لتخبىء في صناديق

ذكرى من زمرد ...وعاج ومرمر

              ( قصيدة عبق الحنين )

وتبث جميلة فينا فكراً وحساً انسانياً صادقاً وخالصاً، ووجداناً، وايماناً، وتفاؤلاً، فناً وموسيقى، وسبك عبارة، وجمال كلمات :

هناك ...خلف الحد الفاصل للوجع

تطل على غد لها ...جديد

ترقب انبلاج فجر

وطيف فرح قادم من بعيد

اوجعها المكوث في الظل

وملت ... رفقة وحدتها

وها هي ... تقف على عتبة عهد تليد

ساءلت حالها على عجل ...

وكأنها تخشى لوم رقيب وحسيب .. ووعيد

كم مرة تابعت أسراب العصافير المهاجرة ؟

وكم مرة شقيت بقدوم صيف ... كالجليد ؟

               ( قصيدة غداً ...فجر جديد )

يقول الكاتب محمد سلامة : " جميلة شاعرة ذات طبع من طراز متطور، فهي لا تكد قريحتها كثيراً في اجتياح عالمها الشعري والتحليق فيه بكل اقتدار، وهي ايضاً تتجنب الاستنزاف الابداعي في لغتها، ولا تميل الى المماحكة في صنعة الشعر، بل تجتلب المعاني الشعرية البديعة وتلبسها من أواسط ما تلبس من هندام ألفاظها، فنجد عندها رحابة الرؤيا وسلاسة أفكارها مع بساطة التعبير الممتنع، ولعل أهم ما يميز شاعرتنا المحافظة على جوهرتين ثمينتين، قلما يجمع بينهما شاعر قويم، هما : المحافظة على جوهر الشعر وجذوته المتوهجة، والمحافظة على الهوية الثقافية النابعة من روح الأمة ووعيها، فلا تجازف بها، ولا تضطرها الملكة الشعرية الى مضايق الشعر أو ترديها في فخ المراهقات وفتنة الموهبة .

وتخاطب جميلة شحادة في قصيدة ״ يا قدس " زهرة المدائن، ومدينة الصلاة، القدس العتيقة العريقة التي يغازل وجهها القمر، التي بكت شاعرتنا على " عتبة قيامتها ندماً " " وأشعلت دموعها نار الحزن والحرمان " فتقول :

يا قدس يا عتيقة ! يا قمراً  مضيئاً الأركان

طفت بحواريك لأنتمي

فازدادت غربتي، وأوجعني خبث الاستيطان

يا قدس يا عتيقة ! يا أبهى ما في الكيان

لوحت لأسوارك من لهفتي

فنأى بي صمودها، عن صدى سكون الجدران

يا قدس يا عتيقة ! يا زهرة بديعة، تزين المكان

سجدت على أبوابك

لأدعو الله أن يغفر لي حبي لك

فذابت حروف كلماتي،،، وسمت النفس بحبك

وتألقت بجلالك الأذهان

وتناجي جميلة شحادة ايضاً بلدها " الناصرة "، ناصرة المحبة والأخاء والسلام، ومنبت السوسن والاقحوان، الراسخة والباقية في القلب والوجدان، المدينة السخية التي " يشهد على طيبها ملقاها حجاجها الكرام " و" يتغنى بحسن ضيافتها زوارها من كل البلدات "، وتحذر من الايدي الشريرة ومطمع الطامعين بالفتنة والتفرقة الطائفية :

ناصرة ... أنت مطمع للطامعين بشرفك الغالي

فكوني منيعة ... وتمسكي بالمحبة والتآخي

الدين لله ...يا زهرة البلدان

وأنت لأهلك من كل المشارب والأديان

تمسكي بعزك، بمجدك، بالانسان

وكوني حصينة من الفتنة ...

لا بوابة للغزاة ... كما كنت للرومان

عندها ... يطيب العيش فيك

ويهنأ أهلك بالوئام والأمان

وفي قصيدتها الأخيرة في الديوان تعود جميلة وتخاطب المقدسيين، الذين يواجهون خوذات ورصاص وبنادق المحتلين والمستوطنين، هؤلاء المقدسيين الذين يستشهدون دفاعاً عن الأقصى المبارك، وتشيد بمقاومتهم لجند الاحتلال والمستوطنين العنصريين، وتعلنها بصوت عال انها تفتخر بهم، وترفع اسمى آيات ورايات التقدير لصغيرهم وكبيرهم وكهلهم، وراية الاجلال لنسائهم ورجالهم، فتقول :

قولوا لي

ما سر جريان الشهامة في دمكم ؟

والأصالة والكرامة

والعزة والنخوة في عروقكم ؟

دلوني على مورد صبركم

وأناتكم وعزيمتكم

ونبع التآخي ... حتى وقف المسيحي

مع المسلم في صفكم

أنبأوني عن فيض ايمانكم

ومكمن السكينة في نفوسكم

وكيف لسجادة طاهرة

تحكي بدل السيوف عن قضيتكم ؟

وتتجلى عاطفتها الرجدانية وانسانيتها الدافنة في قصيدة " أمي ... تعالي الليلة نسهر " الطافحة بالوجد الذاتي،  والتوهج الشعوري الانساني، التي تحاكي فيها ست الحبايب التي اشتاقت اليها،:

وكم ... أحب زمرة عينيك ... وياسمين خديك ؟!

اشتقتك ... تعالي الي الليلة نسهر

فعندي لك حكايا وأكثر

تعالي ... لا تترددي

واعبري روحي لأقبل جبينك

وأمسد شعرك الأشقر

ونلمس هذه العاطفة القوية كذلك في قصيدة " نحن النساء ... كلنا الخنساء " التي تفيض بالدفق الشعوري والاحساس المرهف والتعابير الجميلة، وكم كانت تود لو كانت كل قصائدها " غزل في القمر والنجمات " و" وصف براءة الأطفال " وليس " آهات محزونين في الحياة والممات"، فلنصغ اليها وهي تتساءل :

لكن بربكم أخبروني :

كيف يقطر يراعي حباً

ويبوح بعشق ليلى وعبلا

ويسرد قصص الأميرات ؟!

وكلنا خنساء

والدم يسفك في كل مكان

ومن كل الجهات ؟!

ثم تقول :

نحن يا سادة ! وجبتنا الصباحية دسمة بالطائفية

وغداؤنا وفير بالجاهلية

أما عشاؤنا ... ف عنفاً وعنجهية

ثم نحلم بالانسانية ... فقط في المنامات

فكم انت صادقة يا جميلة بوصفك وتعريتك لواقعنا البائس !!!

ويحتوي ديوان جميلة شحادة على ثلاث قصائد من الشعر العمودي التقليدي، وهي " أقبل العيد " و" زفاف قاصر " و" رمضان "، وفي قصيدة " رمضان "تتحدث عن شهر الصيام والمكارم والتقوى والاحسان، وليس الامساك عن الطعام، وتتوجه للصائمين الى الصوم " عن أذى الناس بالفعل والكلام "، وتهذيب صيامهم والشعور بالفقراء والأيتام، والعمل على نشر المحبة والوئام، فتقول في ختام القصيدة :

رمضان وان بعدت النفوس طول العام

                  رقت فيه القلوب وأوصلت الأرحام

رمضان شهر من أشهر الحرام

                   لا دم فيه يسفك ولا اجرام

فاهجروا شجاراً واقتتالاً وانقسام

           وادفنوا الحرب واغمدوا سيوفاً وسهام

لتهنأ الأوطان بالأمن والسلام

           وتشرق الشمس في اليمن وبلاد الشام

قصائد ديوان " عبق الحنين " تشهد على شاعرية جميلة شحادة، حيث الصورة الفنية والمعنوية، وصدق العاطفة والمشاعر، وعمق التأثر والتأثير، فهي تصارع الواقع المشحون بالاحباط واليأس، وتبعث فينا أملاً قوياً في النهوض والغد الأفضل، والمستقبل القادم لا محالة .

ما يميز تجربة جميلة شحادة في ديوانها الشعري الأول هو التنوع والتلامس بعمق مع نهر الحياة، والاقتراب بلغة الشعر من الحياة اليومية بنصوص متنوعة والوان متدرجة في القوة والايحاء، انها تملك أدواتها الفنية والشفافية المدهشة والوضوح الجلي واللغة الداتية، وبساطة التراكيب، وعمق المعاني، وتنفتح على تأويلات متعددة تتيح للقارئ التحليق مع قصيدتها في عوالم شتى في آن واحد .

وهي تتعلق بصور الجماعة ومظاهر الحياة، والتمسك بالقيم، والغناء على قيثارة الشعر لنقل الذات الى فضاء الكلمة الحية المتجددة .

جميلة شحادة غيمة بيضاء تمطر على أرض ظمآنة للحب والوفاء والتسامح بديلاً للعنف، وعطشى للروح الجميلة والانسانية المهذبة التي تشبه روح جميلة ذاتها، ويشكل ديوانها الأول "عبق الحنين" اضافة نوعية وكمية للشعر الجميل الرقيق الناعم المنساب البوحي العفوي الصادق، وكلي أمل أن يجد اهتماماً من القراء والنقاد والدارسين على حد سواء، مع خالص التحيات والتمنيات لصديقتنا الشاعرة جميلة شحادة بدوام العطاء والزهو الاشراقي الادبي، والمزيد من الاصدارات، والمستقبل  الابداعي امامها .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

jafar almuhajir2يطلقون عليها ثغرالعراق الباسم، وحسناء الخليج، وأم الشناشيل، والفيحاء،وأم الخير. ومدينة العلم والأدب. وغيرها من الأسماء. وقيل عنها إنها جنة عدن التي صلى فيها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام. وهي مدينة الفراهيدي والجاحظ وإبن الهيثم وسيبويه وغيرهم الكثير من العلماء والمفكرين والأدباء على مر التأريخ .نشأت على ضفافها أعرق الحضارات ويلتقي في قرنتها الرافدان الخالدان. وقال عنها إبن بطوطه: بـ(أنها بندقية الشرق).هذه المدينة العريقة بتأريخها وبأهلها الطيبين الذين اشتهروا بالكرم وحسن الضيافة والمعشر. هذه المدينة التي قالت عنها مطربة العراق مائدة نزهت (أحيا وأموت على البصره خلت بكليبي الحسره) نعم إنها تركت في قلوب أهلها حسرات وحسرات لعشرات العقود نتيجة لماعانته من حرمان وظلم وإهمال على أيدي الحكام. وظلت تمنح الذهب الأسود الذي قدره الخبراء بـ 60% من مجمل النفط المنتج في العراق لكنها ظلت مدينة بائسة حزينة وينطبق عليها قول الشاعر:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما

والماء فوق ظهورها محمول.

لأن الحكام الذين حكموا العراق والمحافظين الذين توالوا على تسلم المسؤولية فيها لم يكونوا بمستوى المسؤولية، ولم يهتموا بعراقتها  وتضحيات أهلها الكبرى. وكثافة سكانها الذي يربو على أربعة ملايين إنسان وهي المحافظة الثالثة في العراق .ولو كان موقعها في دولة أخرى لضرب بها المثل بين دول العالم في تقدمها العمراني والحضاري والإجتماعي والإقتصادي. وكان من الواجب الأخلاقي عليهم أن يسألوا أنفسهم ألا تستحق هذه المدينة أن تكون كذلك؟ ومن حق المواطن البصري أن يسأل أين ذهبت تلك التضحيات ؟ وماذا بقي لها من بترولها الذي يسري كالبحر تحت أرضها ؟ ولماذا ظلت بنيتها التحتية في حالة يرثى لها بعد تلك الحروب الثلاث المدمرة المهلكة التي دفع أبناؤها الثمن الفادح من أرواحهم وممتلكاتهم حين تعرضت لأعنف أنواع القصف الصاروخي والمدفعي أثناء الحرب العراقية الإيرانية.ثم أعقبتها حرب أم المهالك والحرب الثالثة باحتلال العراق من قبل أمريكا وكانت البصرة منفذها الرئيسي فقضت على الآلاف من أبنائها، ودمرت الزرع والضرع وخاصة نخيلها الزاخر بأفضل وأشهر أنواع التمور في العالم كالبرحي والبريم والخستاوي والخضراوي والمكتوم وجمال الدين وأنواع أخرى كثيرة تربو على 600 نوع.وكان ينتشرفي منطقة طولها  120 كلم لكنها تحولت اليوم إلى أرض يباب تصفر فيها الريح.   وتراجع عدد النخيل فيها من 30 مليون نخلة في سبعينات القرن الماضي إلى أقل من مليوني نخلة في الوقت الحالي .وحين يبحث المواطن عن تلك الأنواع الجيدة في أسواقها يجد المستورد فقط.

ويتساءل المواطن البصري أين مياهها العذبة؟ ولماذا أصابها التلوث وانتشرت الأمراض السرطانية وما زالت مكافحتها على أدنى مستوى؟ ثم ماذا بقي من بيوتها الجميلة ومزارعها ؟ولماذا يعيش نصف سكانها في بيوت الصفيح ؟ ويعاني شبابها من البطالة ؟ ولماذا ظلت معظم حاراتها في دوامة من الخراب والآلام والأوجاع والحسرات؟ أما أقضيتها وقراها ومناطقها النائية فمعظمها لاتتوفر فيها أدنى متطلبات الحياة التي تتناسب وكرامة الإنسان. وباستطاعة إيرادات بترولها بناء دولة عصرية تعج بناطحات السحاب والشوارع الفسيحة والحدائق الغناء والمدارس والملاعب والمستشفيات الراقية والأسواق الحديثة؟ لكن من يزورها اليوم من العراقيين وغيرهم يراها مدينة كئيبة، يغطي جسدها الغبار، وتتراكم فيها أكوام القمامة،وقد شحت مياهها، وتصاعدت فيها نسبة الأملاح عن الحد المسموح به، وذبل شبابها واحترق نخيلها وماتت بساتينها،وتراجعت فيها الخدمات وخطفت الأمراض السرطانية والمعدية حياة المئات من أطفالها وشبابها وشيوخها ونسائها بعد أن شبعت تربتها من اليورانيوم المنضب فتلوث الحجر والشجر في تلك الأرض الخصبة الطيبة المعطاء؟وعشعشت في شناشيلها التراثية العناكب والحشرات. أليس خراب البصرة عاد إليها من جديد ؟ ترى إلى متى ستظل هذه المدينة على هذه الحال؟ ومن المؤلم إن محافظها السابق ماجد النصراوي تخلى عن مسؤوليته الوطنية والأخلاقية حين هرب إلى إيران . ولو كان نزيها حقا لذهب إلى القضاء وبرأ نفسه . أما رئيس مجلسها جواد البزوني فقد حكمه القضاء بالحبس الشديد لثلاثة أعوام لتعامله بالرشوة مع إحدى الشركات وكان الأولى بهذين الشخصين اللذين تصدرا المسؤولية في المدينة وأقسما على أن يكونا بمستوى طموحات سكانها أن يداووا جراح مدينتهم، وينقذونها مما هي فيه لينالوا ثقتهم لكنهم خيبوا آمال سكان مدينتهم .

إن هذه الجراح والمآسي لاتتفرد فيها البصرة وحدها وإنما تشترك فيها شقيقاتها ميسان وذي قار والمثنى والقادسية وواسط. هذه المدن وتوابعها التي تعرضت لأفدح الأضرار وأقسى موجات الحرمان والفقر والبطالة وكثرة الأيتام والأرامل مازالت تعج بالشوارع المدمرة المليئة بالحفر والمطبات والبيئة الملوثة ومياه المجاري الطافحة وانتشار أكوام القمامة وتذبذب الكهرباء ودرجة الحرارة تتجاوز الخمسين في صيفها اللاهب كشقيقتها البصرة. وكذلك شحة المياه الصالحة للشرب وانقطاعهما المستمر،وتدني الخدمات الصحية إلى أبعد حد وانتشار البعوض نتيجة البرك والمستنقعات المنتشرة بين شوارعها وفي ساحاتها، ومعظم مشاريعها متروكة بعد نسبة إنجاز بسيط فتحولت إلى مكبات للنفاية. وحين ينتقل الشخص من بغداد إلى الفاو لايجد غير الصحاري وحديد الخردة الملوث باليورانيوم المنضب المتراكم فوق بعضه مطروحا على جانبي الطريق، والكلاب السائبة والأكواخ المنتشرة بشكل عشوائي . وما عليه إلا أن يتنهد تنهيدة عميقة والحزن يغمره ويقول:أهذه هي أرض السواد؟

ومعظم هذه المدن تطفو على بحور من الذهب الأسود كذلك. لكنها محرومة من تلك النعمة التي أودعها الله في أرضها ولم تجن منها غير هذا الواقع المأساوي المرير. ومنذ سقوط الصنم وأبناؤها شبعوا إلى حد التخمة من الوعود والعهود التي منحت لهم من على شاشات الفضائيات وفي اجتماعات مجلس الوزراء وبين طيات الصحف من قبل السياسيين والمسؤولين بإنهم لايدخرون وقتا ولا جهدا للنهوض بهذه المدن لكن  معظمها تحول إلى مواعيد عرقوب . ولم يتحقق إلا النزر اليسير الذي لايتناسب مع ملايينها الصابرة واحتياجاتهم الضرورية الملحة . فتبددت الأموال شذر مذر على أيدي المفسدين الذين يقولون شيئا ويفعلون شيئا آخر . وطالما حلم أبناء هذه المدن بتلك الوعود وصبروا السنين الطوال ولكن خاب أملهم وتبخرت أحلامهم، وثالثة الأثافي يتسلل الإرهابيون إلى أسواقها ومطاعمها وتجمعاتها السكانية في كل فترة ليحصدوا جمعا من الأبرياء فيها. وفي كل مرة يسمع المواطن المحروم في هذه المدن بوضع الخطط اللازمة لحفظ الأمن والقبض على الإرهابيين قبل الإقدام على جرائمهم النكراء ولكن دون جدوى.

وهاهم أبناء هذه المحافظات اليوم يحتجون ويصرخون بوجوه كل من خدعهم بوعوده البراقة بالطريقة التي رأوها بعد أن طفح الكيل وبلغ السيل الزبى. ونفذ الصبر فماذا يتوقع هؤلاء المسؤولون من ملايين المحرومين الذين فقدوا كل أمل بهؤلاء السياسيين ؟ هل يريدونهم أن يقدموا لهم الولاء والطاعة والشكرعلى وعودهم البراقة الخاوية ؟ وكل حقائق الأمور تقول إذا تراكمت الآلام وازداد الظلم فأنه سيؤدي إلى الانفجار.

أن كل عراقي شرب من ماء دجلة والفرات وله غيرة على وطنه لايرضى أن تسير الأمور نحو الأسوأ وتدمر بقايا البنى التحتية للوطن، والممتلكات العامة التي هي ملك للشعب ولكن تراكم الأخطاء وأغماض العيون من قبل المسؤولين عن رؤية الحقائق، ودس الرؤوس في التراب والبحث عن المغانم والمكاسب على حساب الجماهير المحرومة لايمكن أن يستمر ألى مالانهايه.ولابد أن يتحول غضب الجماهير ألى طوفان يكتسح كل الدمى والطفيليات التي تسرق قوت الشعب وتدعي الحرص على مصالحه زورا وكذبا.وعند حدوث أية ردة فعل من قبل الجماهير المحرومة تتخذ بعض الحلول المؤقتة الآنية والشكلية التي لاتغني ولا تسمن من جوع وسرعان ماتعود الأمور ألى أوضاعها السيئة .

أن العراق يعيش اليوم أخطر مرحلة من تأريخه وقد أصبح ساحة للتدخلات الخارجية وأعداء أستقرار العراق ووحدته. وقد وجدوا فرصتهم الذهبية في توجيه سهامهم الغادرة نحو صدره وخاصرته طالما أن المسؤولين العراقيين قد غرقوا في خلافاتهم واستعان بعضهم بالأجندات الخارجية وانكشف أصرارهم على جني المكاسب من كعكة العراق المدماة دون أن تردعهم هذه المخاطر الجمة التي تهدد العراق داخليا وخارجيا . ففي الوقت الذي يضحي أبناء هذه المدن بأرواحهم، ويحررون الأرض العراقية من دنس الدواعش، تحرك أفاعي الطائفية والتقسيم ذيولها، وترفع عقيرتها للدعوة بما تسميه (الإقليم السني)  بشتى الذرائع الواهية.وما هي إلا دعوة مبطنة خبيثة لتقسيم العراق على أساس قومي ومذهبي بعد أن قام مسعود البارزاني باستفتائه للبدء بتفتيت تراب العراق .وشتان بين من يضحي بروحه من أجل الوطن والمصائب تغمره من قمة رأسه إلى أخمص قدميه وهناك من يتمتع بالإمتيازات في مجلس النواب ويحتمي بالسيارات المصفحة والحمايات ولم يذهب يوما إلى جبهة القتال ويساهم في تحرير مناطقه. لكنه بارع في الكيد لأبناء العراق الشرفاء المضحين حين يطلق لسانه في الفضائيات ويطالب بتقسيم وطنه دون حياء ولا أي شعور بالمسؤولية وآستهانة واضحة بالقسم الذي أداه للحفاظ على وحدة العراق..

 إنني لم أدون هذه السطور بعيدا عن واقع هذه المدن المتعبة . بل شاهدتها بأم عيني قبل أشهر. فإلى متى يظل جسد العراق ينزف  وقادته يبحثون فوق جسده النازف عن مكاسبهم الضيقة فقط؟ وأتمنى أن يقرأ كل من يهمه الأمر من أصحاب القرار فصيدتي (مدن الخراب) وقلت في بعض مقاطعها:

مدن يجف في دمها الندى

وينهشها الذباب

هجعت على صخور الموت

تحرسها الذئاب

فيها الضحايا تستغيث

بلا مغيث أو جواب

من ألف عام ترتدي أحزانها

تغفو على آلامها ودموعها وجراحها

وتستفيق على السراب

وعيونها قد أطفأت

بين المرارة والتوجع والعذاب

مسلوبة الأفراح تفترش التراب

محرومة من نفطها الثر الغزير

مكشوفة الأضلاع يلفحها الهجير

ولها الفجائع والمآتم والقبور

وللحروب المهلكات هي النذور

ولغيرها الذهب المصفى

واللذائذ واللباب

فمتى يعود لها الشباب؟

ومتى يغادرها الخراب؟

ومتى سيأتيها السحاب؟

جعفر المهاجر.

5/10/2017

 

 

shaker faredhasan"نوم الغزلان" هو احدث اعمال الكاتب والقاص الفلسطيني محمد علي طه، والصادر  عن دار "الشروق" رام الله - عمان، وهو "ليس رواية ولا سيرة ذاتية ولا سيراوية، وانما هو فصل على هامش السيرة الذاتية - كما يقول محمد علي طه في "اول الكلام" .

محمد علي طه، الميعاري المولد والنشأة والطفولة والاصل، وكابولي الاقامة والسكن، اشهر من نار على علم، فنجمه ساطع، وهو حكاء وراو ماهر من الدرجة الاولى، ومن ابرز واهم كتاب السرد القصصي والروائي الفلسطيني في الداخل، واحد اعلام ورواد القصة القصيرة والرواية الفلسطينية، ومن المؤسسين لأدب القصة في ثقافتنا الفلسطينية داخل الحصار .

انه كاتب قصصي يتمتع بالحس الانساني والادبي المرهف الصادق، التزم بالواقعية، مسكون بقضايا الوطن والهم والجرح والمصير الفلسطيني، ولم ينس جدوره الميعارية، وحافظ على خاصيته الريفية، ويقول رأيه وموقفه ويعبر عنه بكل وضوح دون مواربة وتزلف وخوف، وبجرأة واقدام .

وفي كل اسبوع ومع انبلاج الصبح كل يوم احد نلتقي محمد علي طه في زاوية " صباح الخير " على صفحات " الاتحاد " السنديانة الفلسطينية الشيوعية الباقية والراسخة، رغم كل الصعاب .

تحظى كتاباته ذات النكهة الفلسطينية، بالاهتمام النقدي والبحثي في الداخل والخارج، وكتبت ونشرت عن أدبه العديد من المقالات والمتابعات والأبحاث والاطروحات الاكاديمية، ومن اهم الكتب التي صدرت عنه كتاب " محمد علي طه، راودته الكلمات وراودها " للكاتب الناقد نبيه القاسم .

رلعل محمد علي طه هو الكاتب والأديب الفلسطيني الأكثر قراءة لدى الناس وجمهور القراء المهتمين بالقصة والرواية، وذلك بفعل اسلوبه القصصي الراقي، الأخاذ، الجاذب، الساحر، القريب من الذائقة الشعبية والأدبية، ولغته الحية، الصافية، وكلماته الانيقة المدهشة، التي تمس القلب والروح وتلامس الوجدان الفلسطيني .

وما يميز كتابة محمد علي طه روح السخرية، والالتصاق بالبيئة الريفية وحياة القرية الفلسطينية والهموم والآلام والمعاناة اليومية للناس البسطاء العاديين، وتنبعث منها رائحة فلسطين وعبق زعترها ونرجسها وسنديانها وميراميتها ونعنعها، وعبير اشجارها وزهورها البرية ونباتاتها الشتوية والربيعية، ووديانها ومروجها وسهولها  وجبالها وينابيعها وعيون مائها وبيادرها وطوايينها وخوابي بيوتها وطينها ومراعيها الخضراء وقطعان غنمها وغزلانها .

وهو يقدم شخصياته في نماذج اجتماعية وانسانية حية وواقعية .

وفي " نوم الغزلان " يحكي محمد علي طه، وكما عودنا دائماً باسلوبه المشوق ولغته الشعرية والادبية الجميلة السلسة الانسيابية، فصولاً عن طفولته وبواكيره وبداياته وملاعب صباه وأيام المراهقة والشباب، وعن النكبة والتهجير والتشريد القسري والحكم العسكري البغيض، ونضالات شعبنا، والحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية، ويروي يومياته الثقافية والسياسية والدراسية، وذكرياته صداقاته العميقة التي ربطته مع الكثير من رجالات الادب والشعر والفكر والثقافة والسياسة، من ابرزهم محمود درويش، توفيق زياد، سميح القاسم، راشد حسين، اميل توما، اميل حبيبي، توفيق طوبي، علي عاشور، احمد دحبور، يحيى يخلف، عز الدين المناصرة، محمود امين العالم، نجيب محفوظ، لطفي الخولي، ممدوح نوفل، الياس خوري وسواهم .

وهو يخصص في كتابه فصلاً كاملاً يتحدث فيه عن ذكرياته مع الرئيس الفلسطيني الرمز ياسر عرفات .

كما يطوف محمد علي بنا في جولاته وزياراته وسفراته الى مصر والاردن وتونس واليمن وسوريا والبحرين والنمسا وكوبا وروسيا والصين  وكندا، فنشعر وكأننا جزء من هذه الرحلات والجولات والمشاركات الثقافية في المؤتمرات والمواسم الادبية .

في " نوم الغزلان " نقرأ قصة فلسطين، وسيرة البقاء والكفاح والتحدي والمواجهة والتمسك بالارض حتى الجذور، وصيانة الهوية والحفاظ على اللغة والتراث، ونعرف اكثر أن فلسطين هي فلسطين الباقية الراسخة في عمق ووجدان كل فلسطيني،  وكل طفل يحبو،  وكل مقاوم بالحجر والمقلاع، وكل مهاجر ومشرد في مخيمات البؤس  والجوع والالم والشقاء يحلم بالعودة، فلسطين الذكرى والذاكرة والبقاء والحياة والغد الجميل، رغم العواصف والرياح العاتية التي مزقت اوصال الوطن، ورغم تقلبات الزمن، وما جار عليها من ظلم تاريخي وقهر دائم ومتواصل واحتلال ظالم .

محمد علي طه في " نوم الغزلان " يتقلب على جمر الرواية الفلسطينية، مقتحماً اللغة الشفافة الموغلة في الصدق العفوي، وسرد السهل الممتنع، في شتاءات ماطرة وعاصفة، وحنين لاهب، ليحظى بربيع بديع دافئ، وتنتصر الحكاية في غد سعيد اكثر اشراقاً وجمالاً واخضراراً .

" نوم الغزلان "هي الذاكرة الفلسطينية الحية التي يجب أن تسجل في سفر التاريخ الفلسطيني، وهي اضافة نوعية مميزة للرواية الشفوية الفلسطينية التي يجب أن تعرفها الاجيال الفلسطينية الجديدة، انها ايقونة ادبية كتبت بحروف من نار ونور، جمعت  في طياتها كل العناوين والدلالات الانسانية والجمالية والمعاني العميقة لفلسطين الرمز والتاريخ والشعب والوطن والقضية والتراجيديا المتواصلة والنكبة المستمرة .

ويسود حكايات محمد علي طه اسلوب سردي حكائي صاف، قربته من نفوس لباقة ولياقة مبدعنا المعهودة في السرد، بلغة شفافة ندية وعذبة فيها الجزالة والفصاحة والبلاغة والبديع والوصف الشاعري الجميل، ونلمس عمق انسانية وفلسطينية محمد علي طه وصدق تجربته، التي ينساق معها انسياق اللحن المفرد في السمفونية المتناغمة، فيبدو في حزن واسى وشجن على الماضي اللي راح، وتطغى عليه الذكرى، وطن وحبيبة وجمال، يتقاذفه الشوق والحرقة، فيحن حنين الملتاع، ويلجأ الى نشوة الحواس، ويفيق منها متعباً باحثاً عن درب الخلاص، وهو يعي ويدرك ويعلم تماماً أن طريق الحرية ليست مفروشاً بالورود، وانما يحتاج للتضحية والكفاح المقننن والنضال المثابر الدؤوب .

تحية لك يا أبا علي، يا عاشق فلسطين بكامل زهوها وجمالها وقداستها، السيدة الابدية التي تستحق الحياة والوجود، وتجعلنا مثلها نستحق الحياة، وكما قال سيد الكلمة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش " على هذه الارض ما يستحق الحياة " .

 

بقلم : شاكر فريد حسن       

 

khaira mobarakiفي خضم جملة من المصطلحات المتداخلة والمتشابكة يحاول تدوروف أن يكون أكثر دقة في تحديد جملة من المفاهيم المشحونة بحمولة فكرية . فبعد تحديد مفهوم البربريّة يحاول أن يفرّق بين الحضارة والهويّة دون أن يلغي مقولة "البربريّة " التي يجعلها سندا ومقياسا لتعريف "الحضارة "، باعتبار أن هذه الأخيرة هي كل ما يناقض "البربريّة " .فالحضارة هي ذلك الارث الانساني والقيمي المشترك ترتبط بتشكيلات "تاريخيّة تظهر وتندثر وتتميّز بوجود عدة مواصفات ترتبط بالحياة المادّية كما بالحياة الفكريّة " وهذا ما يعمّق الاختلاف بين معنى كلمة " بربري " الذي يحمل المعنى النسبي والمعنى المطلق اللذين يشكّلان هرميّة خاصّة . وبين معنى "حضارة " بصيغة المفرد الذي يدل على العمومية والشّمولية في مواجهة البربريّة.بهذا يحاول الكاتب أن يحدّد معنى التحضّر بأنّه الإقرار بإنسانيّة الآخر. وذلك لا يتحقق إلاّ عبر مرحلتين حسب الكاتب وهي أوّلا حين " نكتشف بأنّ للآخرين أنماط عيش مختلفة عنّا " وثانيا حين "نتقبّل بأنّهم يتشاركون معنا بالإنسانية نفسها " وهاهنا فتعريف تدوروف للتحضر يقوم أساسا على الوعي بالاختلاف والتّعدد والقبول به . بل اعتباره جزءا من إنسانيتنا بهذا فكل انغلاق على الذات هو مؤشر واضح  من مؤشّرات الحيوانيّة والبربريّة . ويذهب إلى أبعد من ذلك إلى أنّ الانتقال من البربريّة إلى الحضارة ينبغي أن يتّصل بشرط " الانفصال عن الذّات للتمكّن من معاينتها من الخارج كما بأعين الآخرين " بهذا فالتحضر إنّما هو الانفتاح على الآخر ومحاولة تفهّمه ومعرفة حقيقة وجوده وطبيعة عيشه لعلّه ضرب من ضروب الاقناع الذي ينهجه تدوروف من خلال منهج حجاجي عقلاني بعيد عن مظاهر الدغمائيّة والتّأثر السلبي بالآخر فهو ينطلق من معطيات الواقع التّاريخي وخاصة مرحلة الثورة العلمية وما اتصل بها من نهضة فكرية وثقافية . لتنبجس للرجل رؤية مزدوجة : رغبة في نسج تاريخي لمسيرة تشكل مشروع الأنوار، ورغبة في تعيين أصول الانحرافات التي أصابت هذا المشروع  ثم يحللها وليست غايته في ذلك التأريخ وإعادة بعث الماضي بل هو من ضروب القياس على الحاضر والرّاهن وكأنّه بذلك ينتقد الفهم الخاطئ للتاريخ الغربي ويحفر في هناته التي جعلت منه كيانا كليانيّا يعترف فقط بمن يماثله من  ناحية ومن ناحية ثانية هو ينتدب نفسه لإعادة قراءة هذا التاريخ وخاصة ما تعلق بالأنوار من منظور نقدي يعيد التفكير في هذه الحقبة  بوصفها مشتركا إنسانيّا  أو فكرا حاملا لقيم الحركة الإنسيّة لفهم الحاضر . وكأنّه بذلك يسعى إلى إثبات مشروعه الحضاري والحوار بين الأطراف المتعادية في ظل مقولة "الغيريّة " . لعلّه في هذا السّياق ينتقد في معرض حديثه عن الحضارة والبربريّة مفكّري الأنوار الذين يعارضون كل تجديد في القيم الأساسيّة للأنوار ويعتبرهم مجرد مدافعين عن القيم والثقافة الغربيّة وهذا يعني عدم الاعتراف بالآخر كشريك فعلي للثقافة والحضارة الإنسانيّة ليؤكد على إرث الرفض الذي انطلق منذ عصر الأنوار وبدايات تشكّل ايديولوجيا العقل الأوربي الحديث . وكأن التاريخ يعيد نفسه لكنّه يقر عبر منهج استقرائي وعبر جملة من الفرضيات التي تتصل بالطبيعة الإنسانيّة دون أدنى تمييز . لذلك فالعودة إلى مشروع الأنوار هو ترميم ما علق بها من أعطاب وتصحيح انحرافاتها . والأهم من كل ذلك هو الإيمان براهنيّة منطلقاتها الكبرى وفاعليّتها في مواجهة إشكالات الحاضر بهذا ينتقد بشدة من ناحية أخرى المعارضين الذين يعادلون بين الأنوار والإرهاب في اعتبار " أنوار تساوي ثورة، وثورة تساوي إرهاب " وتبعا لهذا الاتهام فإن مبادئ الأنوار هي نواة الاستبداد وهو انتقاد يقدم أمامه تدوروف مرافعة لتبرئتها من التهم الموجهة إليها.فيحاول مع كل ذلك أن يعيد دراسة التاريخ دراسة موضوعيّة بعيدة عن الأحكام الذاتية الضيقة والدغمائية المقيتة . وهو في هذا يعيد النظر في فكر كلود ليفي شتراوس ومن خلاله يصل إلى حقيقة مفادها "إنّ الحضارة لا تتعارض مع الثقافة ولا الأخلاق مع التقاليد ..." ليخلص إلى أمر هام يتصل بطبيعة العلاقة بين الحضارة والثّقافة بل إنّ الواحدة تتغذى من الأخرى على حد تعبيره. لعلّه مدخل مناسب للحديث عن الهويّة يقول في ذلك : "لم يعد للهويّة الجماعية سمعة حسنة إذ تحوطها الشبهة بأنّها نوع من التآمر على الحرية الفرديّة " ليؤكد من هذا المنطلق أن الهويات ليست " بحد ذاتها هي التي تتسبب بالنزاعات . وإنما النزاعات هي التي تجعل الهويات خطرة " بهذا فهو يفرق بين العديد من أنماط الهويّة : الهويّة الفرديّة، الهويّة الجماعيّة، الهويّة الثقافيّة ..لكنه يحافظ في الآن نفسه عن "الآخر المختلف " بكل ما يمتلكه من ثقافة وحضارة وهو المنطلق السليم لإقامة حوار حضاري مثمر . هو مشروعه الذي يشتغل عليه إن كان تلميحا بكل الانتقادات التي يوجهها للغرب منذ بداية الكتاب أو تصريحا باقتراح الحلول التي من شأنها أن تفتح على عالم متوازن .وهو في هذا السياق يركز على "الآخر" المسلم في علاقته بالغرب فيتحدّث عن الاسلاميين والإسلام في معرض حديثه عن العلاقة بين "صدام الحضارات " وتصدّع العلاقات الدوليّة وهذا التصدّع إنما مرده أيديولوجي بحت . فكل تصادم يرتبط بالأساس بالكيانات السياسيّة وليس الثقافيّة وينطلق في ذلك من رؤية هنتنغتون "وهو أن الصّدام والنّزاع والحرب هي مظاهر تكشف حقيقة العلاقات الدّوليّة " بهذا يفترض منطقيّا منطلقا للنزاع الأيديولوجي في عالمنا المعاصر. ومنطقه يفترض أن العدو المسلم هو الذي حل محلّ العدو السوفيتي القديم وتتجذّر هذه الرؤية خاصّة بعد تفجيرات 11 سبتمبر /أيلول 2001 لذلك فالمواجهة ستكون بين الغرب والإسلام ويكون العالم أمام عدو جديد هو "الإسلامي –الفاشي " وهو خطاب روّج له اليمين المتطرّف. وهاهنا تتعمّق مقولة الصّدام بين الحضارات وتطرح معها قضيّة " الحركات الإسلاميّة والتوتاليتاريّة "  وفي هذا يطرح تزفيتان تدوروف مقارنة طريفة بين الحركات الإسلاميّة والتّنظيمات الشّيوعيّة، فيعتبر أن  كلاهما يشكو من الظلم الاجتماعي والتّفاوت الطّبقي، وجميعهم يدّعون الوقوف في وجه الإمبرياليّة الغربيّة وأنهم طليعيّون وتقدّميون هذا فضلا عن أفكارهم حول الوحدة الأيديولوجيّة لينتهي بعرض الاختلافات بين الحركات الإسلاميّة والشّيوعيّة . ومع هذه المقارنة  يحاول المؤلف أن يفصل في حديثه عن الحركات الإسلامية بين الديني والسيّاسي هذه الحركات التي أرسى لها مرتكزات بين الحربين العالميتين " من جهة في مصر على يد مؤسس الإخوان المسلمين حسن البنّا ومن جهة أخرى في شبه القارة الهنديّة على يد الباكستاني أبو الأعلى المودودي" لتتطور شيئا فشيئا إلى منتصف القرن العشرين حين سلكت منعطفا أكثر راديكاليّة مع مؤلفات أحد مفكري الإخوان المسلمين المصري : سيد قطب ومن خلال العقيدة التي جاء بها آية الله الخميني الذين عززوا المنحى القتالي عبر مفهوم الجهاد في العقيدة . ويبرر تدوروف ذلك بكونه ردّة فعل على التحول المتسارع للعالم الذي يعيش فيه المسلمون ويندرج  ضمن ضرب المثل على تبرير وتحليل مقولة البربريّة التي ولدت من رحم التوتاليتاريّة الغربية لهذا يرفض الربط بين الحركات الإسلامية والإرهاب " لا يجب أن نخلط بين الحركات الإسلاميّة والإرهاب . ليس فقط إن كل الإرهابيين ليسوا من الإسلاميين ...إن الانتماء إلى حركة إسلاميّة هو إيديولوجيا لا تقود إلى أعمال عنف إلا في بعض الظروف الخاصّة . أما الإرهاب المعاصر فهو نمط نشاط لا يمتّ إلى الدين البتّة لا في أصوله ولا في أهدافه . إنّه يندرج بالأحرى في خط الإرهابيين الرّوس في القرن التاسع عشر، الذين أخذ عنهم تقنية الاغتيال بالمتفجّرات وأعمال القتل الإفراديّة ..." يبدو الكاتب واعيا بمشروعه النقدي. وإعادة التاريخ بهذه الشاكلة ليس بريئا،وإنما فيه إدانة واضحة للغرب تصل حد السخرية والنقد اللّاذع خاصّة في توظيف المقابلات حين يتعلّق الأمر بالسياسة الأمريكيّة والدول العظمى وما ترفعه من شعارات حول حقوق الإنسان والديمقراطية وحرّية التعبير... يقول في معرض حديثه عن الحرب على العراق " كانت الحكومة الأمريكية تؤكّد على أن الدّيمقراطيّة تترسّخ في العراق وفيها مئات المساجين يقبعون منذ سنوات طويلة في معسكر غوانتنامو بدون محاكمة وإمكانيّة الدفاع عن أنفسهم ...ويخضعون للمعاملة المهينة، نرى الحكومة تصرّح بأن الولايات المتحدة تضع كل قواها في خدمة حقوق الإنسان.." بهذا تتحوّل الديمقراطيّة إلى دكتاتوريّة وحقوق الإنسان يغدو إذلالا له وحريّة التعبير مشروطة لصالح الغرب حين يتعلّق الأمر بهم . وهذا من شأنه أن يعمّق الهوّة بين الشرق والغرب وهو برأيه  عين البربريّة " إن القوة المركّزة في أيدي حكّامنا بلغت حدّا يخيفنا جميعا، ويُخشى أن تتحوّل حرب العوالم كذلك إلى نهاية العالم " هكذا حدّث تدوروف وهكذا بث مخاوفه فهل يمكن أن ينجح الحوار الذي حلم به ؟

 

 

1128 aliديولافوا فنانة فرنسية زوجة مارسيل ديولافوا المهندس المعماري الذي اغراه الشرق وأراد ان يعرف عنه الكثير ولم يشف غليله ما قرأه عن الشرق فأراد أن يراه على حقيقته فيمم وجهه شطر هذا المكان من الكرة الأرضية عام 1881 على حسابه الخاص برفقة زوجته وكان العراق أحد محطات هذه الرحلة .

في سبتمبر 1881 ابحرت بهما السفينة الى نهر الكارون وبعد يومين وصلا المحمرة وبعدها إستقرا لبضعة أيام في البصرة التي تصفها ديولافوا بأنها " بندقية الشرق" حيث المرفأ الجميل والنخيل السامق والحقول الزاهية التي تخترقها مجاري المياه الرقراقة وفيها قطعان الجاموس والبيوت مختفية تحت ظلال غابات النخيل الكثيفة واشجار الليمون المثقلة بأثمارها ذات اللون الاحمر الجميل واشجار الموز بأوراقها العريضة التي تزيد هذا المشهد روعة وابداعا فضلا عن الزوارق الجميلة .(ص18 – ص19 )

لكن الملاحظ في البصرة في ذلك الزمان والى اليوم هو عدم إهتمام السلطات، بها وذلك ما كانت عليه السلطات العثمانية حيث السدود المهدمة والأوبئة المنتشرة إلَا أن ما أثار مدام ديولافوا كان هو موديلات الالبسة الجميلة في هذه المدينة فالنساء يلففن أنفسهن – بدل العباءة – بقطعة رقيقة من القماش تسمى (إيزار) وهي منسوجة من الحرير الأزرق أو الوردي أو الأبيض المصفر موشاة بأسلاك رقيقة من الفضة أو الذهب ويلبسن تحت الإيزار عادة ثوباً قصيراً قد وشيَ بالفضة أو الذهب .

والغريب الذي تشير اليه مدام ديولافوا أن حال المرأة ليس كحال الرجل، ومُقيدة بنوعية معينة من الملبس، أما الرجال المدنيون فلباسهم المتأثر بأوربا يقلل من قيمتهم بين السكان.

تشير الرحالة ديولافوا أن البصرة شيدت فوق أرض رسوبية وأنها لم تكن من المدن القديمة إذ لم تنشأ إلَا بعد وفاة النبي العربي بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب فقد إتخذ منها مركزا تجاريا وعسكريا مهما في العراق، تارة تكون تحت الحكم العثماني وتارة أخرى تحت الحكم الفارسي.

كان التمر من محاصيل هذه المدينة يصدر منها سنوياً ألوف الأطنان الى الخارج (ص29) وهي مدينة تعايش يسكنها جميع الطوائف " انك تجد النساطرة والسنة والشيعة والبابية والوهابية والمسيحية الرومية والمسيحية الكلدية والصابئة واليزيدية واليهود والأرمن وغيرهم كل بجنب الاخر وقلما يحدث نزاع بين أنصار هذه الطوائف التي تمارس كل منها شعائرها المذهبية الخاصة بمطلق الحرية والأطمئنان "، قارن ذلك مع وضع البصرة في القرن الحادي والعشرين .

كانت شركة لنج لندن، هي التي تنقل المسافرين من البصرة الى بغداد ولكنها "قذرة جداً" لأنها تترك لركابها حرية القيام بعمليات الطبخ والغسل في ممراتها وعنابرها. وهناك شركة عثمانية أسوء منها و لأن مدام ديولافوا كانت تريد الرحيل الى بغداد وعلى وجه السرعة فقد ركبت احدى سفن هذه الشركة وقد وصفت مدام ديولافوا سلوك العثمانيين بأسوء وصف لاسيما قبولهم الرشوة وإبتزاز الناس لاسيما الأجانب. مرت السفينة بمدينة "القرنة " والتي تصفها بأنها كانت تسمى " جنة الأرض " ! (ص36) ، ولكنها عند العثمانيين لايطالعك فيها إلا ساحل قذر تغطيه مياه الفيضان وموطنا للأمراض كما تستخدم محلا للجواميس .

بعد مرورها بعدة مدن لم تستقر بها وصلت مدام ديولافوا الى المدائن "سلمان باك" عاصمة كسرى أبرويز، إذ تقول عندما يدخل الانسان في هذا البهو العظيم يُؤخذ بالرهبة منه ويستولي عليه العجب العجاب لضخامته وعظمته على الرغم من مرور تلك العصور المتلاحقة من تاريخ انشائه وتصفه بكل جوانبه وأبنيته بإعجاب (ص42 – ص48) .

أهم ما لفت نظر مدام ديولافوا بعد دخولها بغداد والاستقرار بها ملاحظتها وضع النساء فيها فقد وجدت أن أكثرهن يعانين الأذى لما يؤمن به الاهلون بعادات وتقاليد غريبة.

شاهدت قوافل الزوار حينما يتجهون الى الكاظميَن "يحيط بها الأطفال السائبون ويأخذون في إسماع أفراد تلك القافلة قارص الكلم وجارحه في وسط زوبعة من الهرج والمرج ... ولا يستطيع الزوار إقامة دعوة في المحاكم، فالمسؤولون الترك - في الواقع - يشجعون تلك الحوادث و ربما تحدث بوحي منهم " ص76 – ص77 .

تذكر الرحالة وجود مدرستين فرنسيتين واحدة في بغداد وأخرى في البصرة يتعلم فيها العراقيون من جميع الطوائف اللغة الفرنسية " تؤدي هاتان المدرستان نتائج بعيدة في تثبيت نفوذ فرنسا في الشرق وتوسيعه وإني لمست آثار ذلك خلال سفرتي هنا وهناك بحيث أثلج ذلك صدري" (!!) (ص77) ، كيف لا وهي الفرنسية التي جاءت وأحد دواعي سفرها هو هذا الامر .

وما لفت نظرها واعجابها واعجاب الراهبات المدرسات في المدرسة الفرنسية " ذكاء ونبوغ أطفال هذه البلاد " (ص78 ) .

أما فيما يخص أثر الحضارة الغربية على مناطق الشرق فتشير مدام ديولافوا الى القول أن نقل الحضارة الغربية الجديدة الى الشرق والعمل على تمدينه وتلقيحه بمبادئ هذه المدنية المادية الحديثة يبدو مستحيلا لأن ماكنة الحضارة الغربية بإعتقاد ديولافوا معقدة بحيث لا يستطيع أن يقوم بها شعب من شعوب الشرق الجاهل الساذج هذا ...(!!)

لذلك ينبغي علينا أن نُوجد مبادئ أخرى نستخلصها من روحيتهم وميزاتهم النفسية عندئذ تكون سياستنا نحوهم ناجحة ومفيدة ص83 .

من الأشياء التي يجب أن يقوم بها الغربيون هو تغيير إنطباع الاتراك عن الغرب والمسيحية لأن " في قلوبهم حقداً دفيناً للنصارى ويكرهونهم كرهاً شديداً ذلك لأنهم يروننا كفارا وخارجين عن كتاب الله وسنته فيجب الحذر منهم والابتعاد عنهم ما إستطاعوا الى ذلك سبيلا (!) ثم لأننا نريد تغيير عاداتهم وتقاليدهم الشرقية بما نمتلك من ثقافة وعلم. وخلاصة القول أنهم ( الأتراك الشرقيون) يعدون معلميهم من الاوربيين أحقر وأقذر من الكلاب السائبة " ! ص86 .

وحين دخلا الى بغداد ( مدام ديولافوا وزوجها ) وجدا "أن النساء يرتديَن ملابس فضفاضة تغطي أجسامهن من قمة الرأس الى أخمص القدم " ص62. فضلا عن ذلك ففي هذه المناطق يحظر على النساء أن يشاركن الرجال في أعمالهم أو التواجد في أماكن عملهم. ص63 .

أما إسم بغداد فهو كما يعتقد المؤرخون الأولون يعني "هدية الله أو إنعام باك" وباك هذا هو إسم صنم قديم كان يقدسه الكلدانيون، أما في إعتقاد العرب فأنه حرف من كلمة " باغ " التي هي البستان في اللغة الفارسية و "داد" الذي هو أحد الزاهدين النساك والعلماء وكان يملك بستانا في هذا المحل بعينه لذلك سميت هذه المنطقة بأسم " باغ داد " أي بستان داد ويقال (باغ داد) أي بستان العدالة نسبة إليه وسميت هذه المدينة بهذا الإسم عند تأسيسها . ص64

تشير الرحالة مدام ديولافوا الى أن هذه المدينة التي أسسها المنصور كانت مأهولة بالسكان، وفيما أسس الخليفة العباسي جسرين عائمين يربطان الضفتين (ضفتا دجلة) (الكرخ والرصافة) إحداهما بالاخرى، وعلى إثر هذا أخذت بغداد تتوسع وأصبحت إحدى المدن المهمة في العالم يوم ذاك، وهو ذات الوقت الذي كانت أوربا غارقة في ليالي الجهل والوحشية كانت بغداد هذه موطن العلم والمعرفة ومركز الإشعاع في الدنيا كلها .ص65

لم تغفل مدام ديولافوا الاشارة الى الصراع الفارسي العثماني، إذ تذكر كيفية دخول "آل بويه" الى بغداد وصراع السلاجقة وإستحواذهم عليها، وإحتلال بغداد كان يتم بالتناوب بينهما، الأمر الذي أجج الصراع الطائفي في هذه المدينة . ينظر ص66- ص68

وهذا ما نوه إليه الوردي في كتاب لمحات اجتماعية والذي نظر اليه بوصفه احد الاسباب الرئيسية في تأجيج الصراع الطائفي في تاريخ العراق .

تذكر هذه الرحالة أن مدينة بغداد في أيام رحلتها أغلبيتها من الطائفة السنية وتذكر سوء تصرف أبناء الطائفة السنية مع الشيعة. وبغداد اليوم ليست بغداد الأمس، فأغلبيتها من الشيعة، لا من السنة.

أما أسباب التخلف وإنهيار الدولة العثمانية فمنها كما ترى" تعدد الزوجات، ومنها الإعتقاد بالقضاء والقدر إعتقاداً راسخاً، وهذا الأمر الأخير تتميز به السنة أكثر من الشيعة، لأن الشيعة معتدلون في سلوكهم ومسيرتهم، فطائفتهم تؤمن بجانب سلطة القضاء المحمي بإختيار الانسان وأثره فيما يأتيه من أعمال" ص86.

أما " كثرة الزوجات فقدأدت (بنظر ديولافوا) بالرجل المتزوج من أكثر من إمرأة الى أن يقوم بأعمال كثيرة ولا يتورع حتى عن المسائل غير المشروعة لكي يستطيع سد نفقاته المتزايدة " ص86 ، لذلك نجده منهك القوى فضلا عن لجوئه للرشوة، الأمر الذي أدى الى خراب هذه الأمة .

أما القضاء والقدر فقد دفع بكثير من المسلمين الى الإعتقاد بالجبرية والقدرية إعتقاداً مطلقاً حتى صاروا أناساً كسالى متوانين وتركوا جميع أشياءهم في كف القدر. ص87 ، ومن الآثار التي تتركها عقيدة القضاء القدر " انها تجعل منهم ناسا لا مبالين خانعين لا يجشمون أنفسهم عناء التفكير في الغد وما يحمله لهم، ولا يضعوا خططاً لمستقبل حياتهم وحياة اولادهم ".

وقد وجدت المستشرقة أن اليهود كانوا أكثر قوة لاسيما ما يتعلق بسيطرتهم التجارية والاقتصادية، أما أحياءهم فإنها تختلف عن أحياء المسلمين، فالمنازل ذوات شبابيك ومشارف ذوات سياج حديدي تطل على الأزقة، والنساء اليهوديات عادة منزوية في البيت ويملن الى إقتناء الذهب والجواهر النفيسة والألماس (ص106) وهذا دليل عدم التفرقة والتعايش السلمي بين أطياف المجتمع العراقي، فالأقلية فيه محترمة وتتميز بنفوذ واضح ولم يثر هذا حفيظة الأكثرية في ذلك الوقت.

تناولت المستشرقة الصراع بين السنة الشيعة، إذ نجدها بحكم معيشتها في إيران وبحكم إطلاعها البسيط على بعض عقائد المسلمين تجزم على أن الحق مع الشيعة في إعتقادهم بولاية علي (ع) وتقول "أن هذه المسألة أصبحت جلية لا تحتاج الى نقاش أو جدل بحكم قربه من النبي (ص) لذلك أراني احترم الإيرانيين واجلهم لأنهم يؤمنون بحق علي في الخلافة " ص126.

المستشرقة بشكل عام نجدها أكثر احتراما للإيرانيين مقارنة بالأتراك، وتعتقد أن الشعب الإيراني أكثر تحضراً من الشعب التركي، وأعتقد أن حُكمها هذا المتعلق بتقديرها للإيرانيين كونها قد زارت المناطق التي هي تحت الحكم العثماني، فشاهدت معاناة أبناء هذه المناطق وحالة التخلف والجهل والإهمال بسبب حُكم الاتراك السيء، فضلا عن فساد الموظفين الترك في هذه المناطق، إذ نجدها تقول حينما زارت الحلة "يسكنها اليوم خمسة عشر ألف نسمة تقريباً وهم خليط من العرب والكلدانيين واليهود وجماعة من الشيعة الإيرانيين ، وموظفي الباب العالي ، والطائفة الأخيرة تجدهم في أي بلد تحت سلطة العثمانيين وكأنهم السرطان الذي يفتك بجسم تلك البلدان ... " ص130- 131

من كل ذلك نستطيع القول ان الرؤية الاستشراقية في هذه الرحلة تقوم على الإستفادة من علوم الانثروبولوجيا ودراسة واقع المجتمعات البدائية والنامية بغرض الإحاطة بأخلاقيات وعادات هذه المجتمعات لمعرفة كيفية التعامل معها وإستثمار طاقاتها البشرية والمادية خدمة للنزعة الكولنيالية التي دفعت باتجاه تطوير الدراسات الاستشراقية ، لذلك نجد مدام ديولافوا في رحلتها للعراق تنظر الى هذا المجتمع بوصفه مجتمعا تنقصه الخبرة ويسوده الجهل على الرغم من التوافق الاجتماعي بين فئاته وهي تعتقد أن هذا المجتمع لديه القابلية على النهوض في حال إستطاع التخلص من الهيمنة العثمانية، والرحلة في طياتها تحمل دعوة الى الدول الاوربية الى تخليص هذا المجتمع من الاحتلال العثماني ، بمعنى آخر إبدال إحتلال الشرق للشرق بإحتلال الغرب للشرق، مبررة هذا الإحتلال بكونه من واجبات المجتمعات المتقدمة تجاه الدول الأقل تقدماً أو المتخلفة (!) منطلقة بطبيعة الحال من مقولة مركزية الغرب وهامشية الشرق وإن بقيت ديولافوا منبهرة بسحر الشرق وروحانيته .

 

الكتاب : رحلة مدام ديولافوا (1299 هـ - 1881 مـ)

ترجمها عن الفارسية : علي البصري

مراجعة وتقديم : د . مصطفى جواد

مكان النشر : الدار العربية للموسوعات ط1 ـ بيروت 2007    قراءة تلخيص : د. علي عبد الهادي المرهج

حجم الكتاب : 17 سم X 24 سم

عدد صفحات الكتاب : 176 صفحة

 

 

1127 masaroaبداية أجمل باقات الورد وأحلى التحيات والتهاني للصديقة الشاعرة البهية فاتن مصاروة، ابنة كفر قرع، صاحبة الاحساس الراقي، والصفاء الوجداني الفلسطيني العميق، بمناسبة صدور ديوانها الشعري الجديد "وأقطف صمت التراب الجميل" الذي يرمز الى تراب الوطن الفلسطيني المخضب بدماء الشهداء الابرار الذين سقطوا في معارك الحرية والكرامة .

وهو صادر عن مكتبة " كل شيء " في حيفا، لصاحبها الاستاذ الناشر صالح عباسي، ويضم باقة من قصائدها التي جادت بها روحها وقريحتها الشعرية خلال السنوات الأخيرة .

وكان صدر لفاتن ديوانها الاول " فرس المجاز " العام ٢٠١٤ عن دار الشروق في رام الله .

فاتن مصاروة صوت شعري بالغ العذوبة، له خصوصيته ونكهته الفلسطينية وتميزه، ومبدعة مقتدرة تتنفس القصيدة، وتجمع الى موهبتها الشعرية الحقيقية الصادقة ثقافة أدبية وسياسية وفكرية واسعة مكنتها من انضاج وصقل تجربتها الشعرية، وتطويع اللغة وتفجير طاقاتها الدلالية الايحائية، ولغتها الشعرية رافضة لمختلف النعوت والديكورات المنمنمة الزائفة، وتحاول بطريقة ذاتية،واسلوب شاعري راق أن تؤجج الشوق اللاهب في النفوس الظامئة والمتعطشة لمدينة الشمس والغد المرتقبة، التي لا يلجأ اليها سوى الشرفاء والاحرار وإصحاب الضمائر النقية وفقراء الناس .

وهي توظف أدواتها الفنية والجمالية وصورها الشعرية المتدفقة في بناء شعري هندسي وفني متناسق يحفظ موقفها السياسي الفكري الفني نصوعه، وللمعايير الجميلة مقاييسها .

وحين تطرح فاتن مصاروة في قصيدتها موقفها الايديولوجي الطبقي، وهو مسألة نظرية ورؤيا فكرية عقلية مجردة بحتة، تضفي عليها جمالية فنية بحيث تتحول الى فكر فني - على حد تعبير "غوركي" .

انني اذ اهنئ فاتن مصاروة، الشاعرة الانيقة الملتزمة، والانسانة صاحبة الموقف والقيم الوطنية، والناشطة السياسية المكافحة بلا كلل، اتمنى لها مزيداً من العطاء والتألق الشعري، وستكون لي باذن الله وقفة أخرى مع ديوانها ونصوصها وعالمها الابداعي، والى الأمام ..

 

 شاكر فريد حسن

 

 

1125 mohanadيقع الكتاب في  252 صفحة، صادر عن دار مركز نماء للبحوث والدراسات (بيروت): وهو حصيلة بحوث اجريت على مدى عشر سنوات، كالاتي:

*مقاربة اسلامية مع نماذج "المنجمنت" الغربية: نماذج "نيوليبرالية" للدعاة الجدد أصحاب الأجندات الوظيفية!

*من طبائع الاستبداد الى طبائع الاستهلاك، عن ابتلاع الحداثة لصيغ التمدن، وخطر الرأسمالية على صيغ التدين.

*ويجدر الاعتراف أن الفاعل الوحيد الذي يملك مشروعا يقوم على القطيعة الفعلية هو التيار الجهادي الراديكالي، مما يفسر جزئيا نجاحه في تجنيد أعضاء جدد.

*اسلام السوق -اذن- ليس رافعة للتعبئة الهوياتية، بقدر ما هو حافز للانفتاح على العالم، وهو يشارك في اللحظة النيوبرالية التي تعكس التخلي عن البنى السياسية الكبرى، ولقد أسهم الربيع العربي في تاكيد هذا الاتجاه بشكل كبير.

*يمنح "اسلام السوق" لعدد من القيم والعواطف والسلوكيات الدينية فرادتها التي ترتبط بالتفاعل بين المجال الديني والحقل الاقتصادي، وليس من خلال تسييس الاسلام.

*ان الاخوان لم يعودوا قادرين على رؤية وتحليل المشاكل الحقيقية. انهم لا يرون سوى مشاكل وحلول تنتمي الى الماضي، ويواصلون تكرار خطابات وشعارات اطلقت في الخمسينات والستينات (ص. 49)، فخطابهم الديني فقد بريقه.

*كما يلاحظ مثقف اسلمي تركي: استهلاكية الحجاب ليست نتاج الأسلمة بقدر ماهي تعبير عن الحلم الأمريكي للبرجوازية الاسلامية.

*فرض عبد الله جمنستار في جنوب آسيا، وعمرو خالد في العالم العربي نفسيهما في اقل من خمس سنوات باعتبارهما أهم دعاة اللحظة الراهنة.

*يهتف عمرو خالد في احد دروسه الدعوية الاولى "كفانا اخلاصا لله خوفا منه"، ويضيف "لم أعد اريد علاقة مؤسسة على مبدأ: أنا أخافه لذا تجب علي عبادته – لا، أنا اريد علاقة مؤسسة على المحبة، والكسل هو أسوأ الشرور"، أما الأندونيسي الأخ جيم، فيفرض نفسه في الساحة الاعلامية الأندونيسية، بتمجيده لفضاائل التسامح وتأكيده على النزاهة والسخاء. (ص.84).

*تدين تحركه قوى السوق...

*في تركيا، يعتبر فندق "كابريس" على ضفاف نهر ايجه، الفندق الأول الذي يمنح مرتاديه بيئة تتوائم مع معايير الأخلاق الاسلامية، ويركز على "أسلمة" كافة وسائل الترفيه!

*لاهوت النجاح: لا بد ان تتذكروا أن الرسول كان رجل اعمال، كذلك يذكر عمرو خالد بأن الثرة هي وسيلة للسمو الديني، فالمسلم الغني احب الى الله لأنه سوف ينفق ثروته في سبيل الله وفي أعمال الخير.

*اليوتوبيا الادارية الجديدة: وفي هذا السياق سيتم اكتشاف "المنتجات الرئيسية" التي ستسد الفجوة بين الالتزام الاسلامي والفكر الاداري.

*نحن الآن نكتشف شيئا جديدا: التفوق والجودة والتنمية، وسيكون الشيخ "محمد الغزالي"، هو اول من سيقوم بربط المبادرات الاسلامية بأدبيات الادارة.*

*وصلت المبالغة لحد تشبيه مقولات "ستيفن كوفي" في كتابه " العادات السبع لأكثر الناس فعالية"، بما يقوله "القرآن الكريم" لافهام الناس بالعادات السلوكية الحميدة.

*أما في دول الخليج العربي، فقد ظهر "طارق سويدان" كأفضل من يمثل الداعية الذي يجسد هذه الرغبة في الجمع بين الدعوة  وبين اصلاح الذات، بالاعتماد على ادبيات "التحقق الذاتي" الأمريكية.

*يعزى نجاح مفهوم "المنجمنت" الاسلامي في جنوب شرق آسيا خاصة من الأرخبيل الندونيسي، الى كونه كان آداة موضوعية لخدمة طبقة التجار المسلمين في نزاعها القديم المتجدد مع الأقلية الصينية، وفي الواقع تفرض هذه الأقلية نفسها كقوة اقتصادية كبرى منذ أيام العهد الاستعماري.

*في اطار هذه الانعطافة بالضبط، سوف ينفتح "اسلام السوق التركي" على نماذج "المنجمنت" الغربية، ولسان حالها هو خطاب تركيبي يجمع ما بين الهاجس الأخلاقي والمشروع الاصلاحي.

*بدون شك، فان "فتح الله غولن"، هو الوريث الحالي لفكر "سعيد النورسي"، والمعروف بدعوته لاسلام يتوافق مع العقل والعلم والحداثة، وهو الأقرب الى مخيال عالم الأعمال الجديد الناتج عن اسلام السوق.

*فتح الله غولن لا ينبذ شيئا من الحداثة السياسية الغربية،بل يشجب تطبيق الشريعة من قبل الدولة، وينتقد الأنظمة السعودية والايرانية، ويعتبر الديموقراطية أفضل أشكال الحكومات، وهو يفضل "اقتصاد السوق" وصورة المسلم الفعال والمنتج انطلاقا من خطاب "تركيبي" موجه نحو أفكار "بذل الجهد والانضباط"، كما يجمع في طروحاته ما بين الهاجس الأخلاقي والمشروع الاصلاحي.

*انه "اسلام المشاريع" الذي سيصبح التعبير الأجد عن اسلام السوق، ويتم الآن العمل في اطار اقتصاد السوق باستخدام المعايير الدينية.

قيم كل من "المحافظة الأمريكية واسلام السوق" يتقاسمان نفس الطموح: تعمل "المنجمنت" بصيغتها العصرية البرجماتية كبديل مقبول للقيم الاسلامية العملية، حيث يؤكد المصري "محمد فتحي" على مهمته في تشكيل جسر، يجمع بين قيم الدعوة والمنجمنت.

*يجب اذن القبول بفكرة ان العالم الاسلامي يمر في مرحلة انحطاط، وان امتنا قد وصلت الى منحدر ليس هناك أعمق منه، وتكمن نقطة البداية في احياء الأمل، الذي تعبر عنه تجربتان عالميتان لاعادة البناء والنهضة وهما : اليابان والمانيا.

*وهذه القيم الموجودة في الاسلامهي ما تجعل الأمل ممكنا، فالقرىن الكريم يشدد على بذل الجهد 250 مرة، وعلى عمارة الأرض  400 مرة، وعلى استثمار الوقت 5 مرات!

*باختصار، فقد لخص الرسول (صلعهم) الاسلام  في جملة واحدة معبرة: "الدين النصيحة"، والنصيحة أن يكون المرء ايجابيا ومتفاعلا.

*والسؤال الأخير المطروح حول النهضة الاسلامية الجديدة: فهل هي اصولية جديدة، اسلام سياسي، ام حركة اصلاحية؟!

*أما الروح الانسانية فيمكن تشبيهها بالمنطاد المليء بالهواء، الذي لا يمكنه ان يعمل الا اذا تم فتحه!

*وفي الختام: يبدو ان الاسلام "بالمشاريع" يساهم في تشكيل طبقات اجتماعية وانماط حياة معينة، مندمجة في العولمة، وتتمتع باستقلالية نسبية تجاه الدول الوطنية.

الكتاب يتحدث بعمق ومع بعض الأمثلة الدالة عن التزاوج العصري بين ممارسات الخطاب الاسلامي والاسس الفلسفية والعملية لمفاهيم "السوق والمنجمنت"، وهذا التزاوج الفريد محمول بمضامين "العولمة والنيوبرالية"، وقد رأيت ان الخصه للقراء الكرام كمساهمة لفهم مجريات الامور في العالم العربي والاسلامي، وهو ربما من الكتب القليلة التي تتحدث عن هذا الموضوع ومن منظور غربي يتمتع نسبيا بالحيادية واحيانا بالسذاجة وسؤ الفهم, فعسى ان يكون مفيدا ويلقى التجاوب. والتفاعل.

 

مهند النابلسي/كاتب وباحث 

 

khaira mobaraki"إن الخوف من البرابرة هو الذي يُخشى أن يحوّلنا إلى برابرة السّوء الذي نتسبّب به لأنفسنا سيتخطّى السوء الذي كنّا نخشاه في الأساس..إن كل الارهابيين في العالم يعتقدون بأنّهم يتصدّون للإرهاب وأنّهم لا يقومون سوى بالرّد على عمل مروّع في السّابق "  تزفيتان تودوروف

ينطلق تزفيتان تودوروف من تحليل موضوعي يحاول من خلاله أن يقف عند الأسباب الحقيقية للصراع الذي سيولّد الشعور بالخوف ، ولعلّه اطراد منهجي يبرّر به مقولة الحقد في تطوره نحو تأجيج الصراع بمختلف أشكاله ينطلق من مواجهة كبرى بين الشرق والغرب لمدة تقارب العشرين سنة . ليشهد تطورات جديدة غابت فيها المواجهة والتصادم الشّمولي. وهذا الهدوء النسبي أفرز ثورة تكنولوجية حقيقية ساهمت في تعزيز الاتصال بين البلدان وهو ما أطلق عليه اسم " العولمة "  أثّر على العلاقات الدوليّة ، ليخلق ضربا من التّواصل بين "شعوب الكرة الأرضيّة " . قد يبدو لهذا التواصل بين البلدان والأشخاص مفاعيل إيجابية كما أشار تودوروف ، إلاّ أنّ ابتكارات تكنولوجيّة قد تصبح مصدر قلق وهو الوصول بسهولة إلى الأسلحة المدمّرة وخاصة المتفجّرات التي أصبحت في متناول أيّ كان فلا يحتاج الفرد سوى لهاتف محمول لكي يقوم بالتفجير. هنا تنشأ المخاوف من خلال تحليل الكاتب لأنّه ومن خلال قوله :" لم تعد هناك من حاجة لقوّة دولة لكي نُنزل بالعدو أفدح الخسائر ، ويكفي لذلك وجود بضعة أفراد مصمّمين ويمتلكون الحد الأدنى من الامكانيات الماليّة .." يؤكد أن هذه الثّورة من شأنها أن تسبّب صراعا بين الأقوياء والضعفاء يغذّي الحقد والثّأر الدّفينين النّاجمين عن الإذلال الذي مارسته هذه الدول على مدى عقود أو قرون طويلة. هو صراع بين الازدراء أو الشفقة وبين الشعور بالحسد والرفض لتعمّق هذه الثنائيات صراعا آخر بين التكنولوجيا والقوّة من ناحية والتّفوّق العددي والغضب من ناحية ثانية. والجدير بالذّكر أن الكاتب قد أقام خطابه على تحليل موضوعي يستند إلى العقل فينطلق من التاريخ ليقف عند الأسباب الموضوعية للخوف في ضرب من الاستقراء للواقع والأصح هو يحلل طبيعة المأزق التاريخي الذي يعيشه الغرب عبر متابعة طويلة ومتزنة  وليست غايته التأريخ بقدر ما هي الابتعاد عن التنظيرات الجافة والتّخيلات الخادعة ليلامس الواقع ويعيشه من الدّاخل . وهاهنا يدرس الاجتماعي للفرد والجماعة وما يحيط به من مثيرات اجتماعية. وكأنّه بذلك ينطلق من دراسة علميّة للإنسان ككائن اجتماعي ويهتم بالخصائص النفسيّة للجماعات ومتطلّباتها . لعلّه بهذا يشير إلى تصادم الذّات الفردية والجماعية أمام التّغييرات والتّبدّلات الحاصلة ببيان مقنع يلوذ به إلى التطورات الحاصلة وصيرورة التاريخ والثقافة وهذا ما يوصله إلى يقين وهو أنّه لا توجد ثقافة خالصة أو مختلطة  "فكل الثقافات مركّبة هجينة أو مهجّنة بما فيها الهويّات الفرديّة والجماعيّة كممثّل للثّقافة من جراء التواصلات الإنسانيّة".  هنا تطرح مسألة الغيريّة بعنف كيف ينظر كل طرف إلى الآخر؟ وهو أمر يراه مقترنا بالأهواء الانسانية  باعتبارها المحرّك للمجتمع استنادا إلى مقولة منتسكيو التي جاءت في كتابه روح الشرائع Lesprit des lois :"الفضيلة في الجمهوريّة ،والشّرف في الملكيات " وذلك ضمن مفهوم أطلق عليه "مبدأ الحكم" .فيؤكد من خلاله أن هوية هذه الأهواء هي هويّة متحرّكة تفرض خصوصيّة كل بلد لكنّها في الآن ذاته تمكّنها  من التحوّل والانتقال بسهولة من مجموعة إلى أخرى وهو بذلك يقترح تجمعا للعالم هو بالأساس تصنيف اشتغل عليه دومينيك مويزي في كتابه "صدام المشاعر" The clash of emotions  هذا التّجمع من أربع كتل : L appétit أو "الشّهية" وتتضمن مجموعة الدول الطامحة للوصول إلى مستوى من الرقي والغنى من إفادتها من العولمة ومن الاستهلاك ومن وسائل الترفيه (البرازيل واليابان والهند ..) .أمّا المجموعة الثانية فهي مجموعة البلدان التي يلعب فيها "الحقد " والاستياء دورا أساسيا Ressentiment  وتجمع الدّول العربيّة – الإسلاميّة التي لا تستطيع أن تخرج من حقدها على الغرب وهو حقد كما أشار تزفيتان تودوروف من طرف القادة العرب كذريعة لتجنب المشاكل الحقيقيّة . أمّا المجموعة الثالثة فهي التجمع الغربي وتتميز بالموقع الذي يحتلّه فيها "الخوف " La peur  الذي يأتي من المجموعتين : تخشى "بلدان الشهية " من سيطرتها الاقتصادية و"بلدان الحقد"   هجوماتها الإرهابية . وأخيرا الكتلة الرابعة "التّردّد" Indécis . بهذا التّصنيف يصل الكاتب إلى جوهر الإشكال وحقيقة الأطروحة التي يفسّرها وهي حق الدّول الغربيّة في الوقوف والتصدي لكل اعتداء يمس أمنها وقيمها التي اختارت أن تؤسّس عليها أنظمتها الديمقراطيّة وتواجه أي تهديد إرهابي . وهاهنا يتعاظم الخوف الذي يتحول من منظور تودوروف إلى  تبرير عقيم لتصرّفات لاإنسانيّة  حين تكون كل الوسائل مقبولة لإزاحة هذا الخوف . بهذا يعتبر أن الحرب ضد الإرهاب قد  برّرت العديد من الجرائم التي ارتكبت ضد الانسانية وخاصّة منها الشرعيّة التي تمّ اضفاؤها على التّعذيب من قبل الدّيمقراطيات الغربيّة ولا أدلّ على ذلك ما يحصل في سجني أبي غريب وغوانتنامو أو الاجتياح العسكري المنافي للقانون الدولي وقصف قرى المدنيين من وحي المفهوم الميكيافيلي "الغاية تبرر الوسيلة " . إنّه مبرر منظّري الاستعمار وهو نفسه الذي برّر له منظري التدخل باسم الإنسانيّة والحماية أو باسم الديمقراطيّة والحرّية ، كما ردّد جورج بوش وهو يحضر لغزو العراق " القول بالكونيّة يهدّد فكرة مساواة الشّعوب" بهذا يحذّر من أنّ "الخوف من البرابرة هو شعور يوشك أن يجعلنا برابرة" وهاهنا يتعمق في هذا الشعور الجامح الذي يتحوّل إلى حالة مرضيّة وخاصة ضد الاسلام والمسلمين لاعتبارات عدة تتجاوز التاريخ في صراعه مع المسيحيّة إلى ما هو أعمق وأخطر فالخطر "الذي يمثلونه ليس وهميّا . أخيرا شاءت الجغرافيا (أو الجيولوجيا) أن تمتلك هذه البلدان المسلمة أهم احتياطات الطاقة الموجودة في كوكبنا .وحين يرتفع سعر الوقود أو فاتورة التدفئة المنزليّة،فإنّ الشعور بالتبعيّة إزاء من كانوا خاضعين سابقا هو إحساس مزعج"  وهذا الأمر ضاعف من الشعور بالحقد لنكون إزاء ما يسمى الكزينوفوبيا (كره الأجانب) الذي يشكّل برنامج الحد الأدنى لأحزاب اليمين المتطرّف كأن يصرّح فيليب ديوانتر رئيس حزب "المصلحة الفلامنكيّة ": "الاسلام هو العدو رقم واحد ليس فقط في أروبا وإنّما في كل العالم الحر " وتترافق هذه الكزينوفوبيا مع ما يسمى الإسلاموفوبيا ليقترن الخوف والحقد في علاقة جدليّة . من هنا تظهر رؤية الكاتب وبرنامجه النقدي . هو نقد ذاتي يتصل بأخلاقية التحليل الموضوعي لقضايا تتصل بالعلاقة بين الذات والآخر. وخاصّة مشكلة الغرب مع العالم الإسلامي التي تتمثل في في إصراره على إسقاط تجربته الحضاريّة على الآخر . في هذا السّياق يحذّر المؤلف من تبعات هذه الأحكام كقوله : "أي شخص يحمل هذا الاعتقاد يصبح خطيرا عندما يقرّر أن على العالم بأسره أن يستفيد من مزايا مجتمعه وتجربته التّاريخية المحدودة في الزمان والمكان ، وأنه مدعو إلى غزو بلدان أخرى إن لزم الأمر من أجل إمدادها ببشائر التقدم والرّخاء ". هنا ينتقل تودوروف من موقع المفكّر صاحب النّظريّة إلى موقع السياسي صاحب الموقف . ليرفض بذلك السّياسات العنيفة لدول العالم الحر في التعامل مع دول معادية ونفوذها المتعاظم داخل دوائر صنع القرار وهذا لن يمثّل خطرا على الدّيمقراطيات الغربية فقط بل يتجاوزها إلى العالم بأسره . فخيارات الولايات المتحدة لا تختلف كثيرا عن تلك التي كانت ستتخذها بلدان عديدة أخرى ...فهي متحفّزة للشر والهجومات من ورائه لأنّها تحتلّ على الصعيد العسكري موقعا متميّزا . "إنّ ترسانتها المدمّرة هي بما لا يُقاس أضخم من كلّ البلدان الأخرى : ..إنّ كل البلدان تخشى ردّة فعل الولايات المتحدة..فالمواصفات الرّائعة للتكنولوجيا العسكريّة التي تمتلكها ،هي التي تجعل منها البلد الأشد خطرا-على الآخرين وكذلك على نفسها ،ذلك أنّ أسلحتها النوويّة يمكن أن تعرّض للخطر حياة الكرة الأرضيّة " (تزفيتان تودوروف الخوف من البرابرة :ما وراء صدام الحضارات ص14) . بهذا هو يشدّد على ضرورة إعادة النّظر في مفهوم "العدو" نفسه مشيرا إلى خطورة ما يفكّر به الغرب يقول هنتنغتون : " الكراهية جزء من صميم إنسانيّة الانسان ، ولتجديد هويّتنا وإذكاء مشاعرنا سنكون في حاجة إلى أعداء ". بهذه الطريقة يدمّر الغرب نفسه فيسقط في البربريّة حين يعلن المؤلف حقيقة المعنى في خضم "معمعمة" من المصطلحات المتشابكة المعنى ليركّز على مفهوم "البربرية" فيقوم بمماثلة منهجيّة تاريخيّة يربط من خلالها بين وصف دوائر غربيّة للحضارة الإسلامية بأنّها "بربريّة " وبين مفهوم البرابرة في عهد اليونان وهو إطلاق الاسم على كل من لا يتحدّث اللغة اليونانيّة ، لينتهي إلى أن المركزيّة الغربيّة تعتبر أن كل من يتجاوز القيم الغربيّة يدخل دائرة "البرابرة"  وهاهنا يرفض رأي الفيلسوف كلود لفي شتراوس  حين اعتبرها حالة انسانيّة ويؤكّد على وجود البربريّة فيحددها بمحدّدات مختلفة تتجاوز التنظير إلى ملامسة الواقع الموضوعي فالبربريّة برأيه هي حالة نفي إنسانيّة الآخر تتحقّق حين تعتقد مجموعة بشريّة ما بأنها تجسّد التّمدّن والإنسانية وترفض الاعتراف بتجربة الآخر وهذا ما يوقعها في شرّ الانغلاق على ذاتها وهو مؤشّر رئيسي في حالة "البربريّة " بهذه الطريقة يدمّر الغرب نفسه ، ليكون جزءا من الثقافة "البربريّة" التي يخشاها ويزعم أنه يريد القضاء عليها .

يتبع ....