1151 inayatشكَّلت المافيا إحدى أبرز ظواهر النفوذ والسيطرة والجريمة عبر مراحل تاريخ إيطاليا الحديث. وقد بلغت الظاهرة شأوا بعيدا إلى أن باتت جزءا لا يتجزأ من انشغالات الخطاب السياسي والقضائي والأمني، في التعبير عن أوضاع التوتر، أو الفساد، أو النفوذ غير المشروع. فقد ظهرت كلمة "مافيا" أوّل ما ظهرت سنة 1863، في كوميديا شعبية في صقلية بعنوان "مافيوزيو فيكاريا"، لاقى العرض حينها نجاحا منقطع النظير واستحسانا بين الناس. محاولة العثور عن أصل دلالي للكلمة باءت بالفشل إلى حدّ الراهن، رغم مساعي عدة لإعطائها تفسيرا مضبوطا ودقيقا. لكن وبشكل عام، تبقى كلمة مافيا متعددة الدلالة متغيرة المضمون، بحسب السياق والوضع ومقاصد الاستعمال. وهي على ما يوحي استعمالها في اللهجات العامية في جنوب إيطاليا شكلٌ من أشكال ممارسة القوة واستغلال النفوذ، وهي سلوكٌ سياسيٌّ مشين أيضا أو تكتّلٌ مصلحيّ فاسد، وبعبارة موجزة هي مظهر من مظاهر العمل غير القانوني واقتراف الجريمة بشكل منظّم. بات للكلمة حضور في الجدل السياسي، وفي التحقيقات القضائية، وفي العروض السينمائية أيضا، للحديث عن الأوساط المتنفذة في إيطاليا بشكل عام، وامتدّ ذلك إلى الولايات المتحدة منذ بداية توافد المهاجرين الإيطاليين نحو أمريكا.

كتاب "رهبان الكنيسة ورجالات المافيا.. تاريخ علاقة المافيا بالكنيسة الكاثوليكية" هو من تأليف أستاذ علم الجريمة إيسايا سالِز، المتخصص في تاريخ المافيا. وهو يدرّس في جامعة سور أورسولانا في نابولي، كما شغل عدة مناصب سياسية في حكومة رومانو برودي (1996-1998). سالِز له مجموعة من المؤلفات في المجال، منها: "عصابات الكامورّا" 1988، "الجنوب في زمن اليورو" 1998، "طرقات العنف" 2007 الفائز بجائزة الكتاب في نابولي. كُلّف المؤلف بصياغة عدة مواد تتعلّق بالجريمة، والجريمة المنظمة، وعلم الإجرام في موسوعة تريكاني الإيطالية. في كتابه الذي نتولى عرضه يركّز سالز بالخصوص في علاقة المافيا بمؤسسة الكنيسة، حيث يعالج موضوعا يبدو عنصراه الأساسيان (المافيا والكنيسة) على طرفي نقيض، بوصف الأولى تجمّعا إجراميا لا يراعي حرمة للقانون والثانية مؤسسة تختزن رصيدا خُلقيا، وتعدّ نفسها وصية على الميراث الروحي. يُشرّح المؤلِّف الصلات المصلحية الرابطة بين ظاهرة الجريمة، التي تمثّلها المافيا، ومؤسسة الدين التي تمثلها الكنيسة الكاثوليكية. وإن يبدو الأمر على شيء من التباعد في المخيال الاجتماعي، بين قطب الجريمة المافيا، وما تختزنه من رمزية للفساد والعنف، وإرث الخُلق الديني المتلخص في الكنيسة، بوصفها أهم الوكالات التربوية للعموم، فإن الأمر ليس على تلك الشاكلة في الوسط الإيطالي، فلطالما تآلف المدنَّس مع المقدَّس وتكاملت الأدوار، كما يقول الباحث إيسايا سالِز (ص: 66).

يعتمد الكاتب على مدى محاور الكتاب الخمسة الأساسية (ما مبرر صمت الكنيسة المطبق على مدى سنوات؟؛ العقلية المافياوية وتواطؤ بعض رجالات الكنيسة؛ أشداء في الخطيئة متسامحون مع المخطئ؛ غياب تسليط عقوبة الحرمان على رجالات المافيا) منهجَ التحليل الثقافي الاجتماعي لأجهزة الكنيسة في دعمها للتشكيلات المافياوية وفي مساندتها، وذلك من خلال تتبّع ظاهرة الجريمة في إيطاليا بوجه عام.

ضمن إجابته عن سؤال: ما المافيا؟ وبعد تعريفها أنها تركيب إجرامي خاضع إلى بناء هرمي لأشخاص يعملون بوسائل غير قانونية لتحقيق مصالح، يعتبر إيسايا سالِز أن حصول ازدواجية في الموقف من ظاهرة المافيا، من جانب المحلّلين والكتّاب الإيطاليين، هو ناتج عمّا ترسّخ من ضبابية تجاه ذلك التنظيم منذ بدايات نشوئه. ويعود الباحث إيسايا سالِز بازدواجية ذلك الحكم والنظر للمافيا إلى الكاتب الإيطالي الماركيزي روديني، سنة 1875، الذي ميّز بين مافيا شريرة وخسيسة وسافلة، لا تراعي خُلقا في عملها، ومافيا نبيلة وشريفة تحتكم في أنشطتها إلى مرجعية معيارية، ليصلَ بنا إلى تصريح الفقيه القانوني الإيطالي الشهير فيتوريو إيمانويلي أولاندو، سنة 1925، في قوله: "أعلن أني مافيوزي وأنا فخور بذلك!"، على اعتبار أن جانبا نبيلا في المافيا لا ينبغي طمسه. وصحيح أن المافيا ثقافة ونمط عيش وليست تنظيما جامدا وثابتا، بل مجرد شِلل صغيرة الحجم قوية الفعل، تميزها علاقات زبائنية في ممارسة الجريمة، تخلو، وبأي شكل، من الروابط الإثنية بعكس ما تُصوَّر عليه أحيانا. فالتنظيم المفترض ليس سوى بنية علاقات شبه عائلية مميزة للمجتمع التقليدي، وهي نوع من تجمع البزنس العائلي.

ويخفي التآلف الذي سعى إلى إبرازه إيسايا سالز في كتابه، بين المافيا والكنيسة، موقفا غير معلَن من كلتيهما تجاه الدولة، يبلغ أحيانا حدّ المعاداة والخصومة مع المؤسسة الرسمية. وهو توتر في العلاقة ليس وليد الراهن، بل يضرب بجذوره في فترة التوحيد وبناء إيطاليا الحديثة. وهو ما انعكس على تقليص نفوذ الكنيسة وحصرَها داخل حيز ترابي في حاضرة الفاتيكان في مدينة روما. في هذا السياق جاء تشكيل لجنة برلمانية، سنة 1963، لتقصّي تحديات المافيا للدولة الإيطالية.

منذ العام 2010 حصل تحول في خطاب الكنيسة الكاثوليكية تجاه المافيا. أصبح الموقف أكثر وضوحا وبدون إيماءات، أي بخلاف ما كان معهودا. كان مستهل ذلك التحول الوثيقة الصادرة عن المؤتمر الأسقفي الإيطالي حول الموضوع، التي ورد فيها: "على مدى العقدين الأخيرين، طورت التنظيمات المافياوية، التي رمت بجذورها في كامل التراب الإيطالي، مصالحَ اقتصادية... نعود مجددا وبقوة إلى إدانة هذا "السرطان" المهين للكرامة البشرية... فالمافيا هي التجلي الأكثر درامية للشرّ والخطيئة. وضمن هذا السياق يصعب تفسير الأمر كونه مجرد تعبير عن تديّنٍ مشوَّهٍ، ولكنه شكل فظّ لرفض تعاليم الرب: المافيا هي بنية خطيئة".

ضمن محور "غياب تسليط عقوبة الحرمان على رجالات المافيا"، يتضح أنه في نطاق سياسة الكنيسة عادة ما يرد استعمال سلاحين متنوعين لتقريع المذنبين ومجازاة المحسنين: الحرمان كعقوبة تُصلَّت على العصاة والمذنبين ونقيضه التطويب، الذي يرتقي أحيانا إلى حدّ التقديس، أي رفع الشخص إلى مقام القداسة لفائدة الخيّرين والمحسنين. الأول يلحق المرء في حياته والثاني يناله بعد مماته. وفي ما يتعلّق بسلاح الحرمان الذي غالبا ما شهرته الكنيسة في وجه المنشقين والمناوئين، لم يثبت استعمالها ذلك السلاح ضد أي من رجالات المافيا المعروفين، وسكتت عن ذلك الإجراء على مدى عقود. لكن إضفاء التطويب حصل أن وظفته الكنيسة في ما يتعلق بالمافيا، ولأول مرة خلال العام 2013، عندما طوّبت أحد الضحايا، رجل الدين الكاهن بولييزي، واعتبرته شهيدا مكرَّماً. مع أنه سبق أن سقط جملة من رجال الدين ضحايا للمافيا، تغاضت عنهم الكنيسة خشية توتير علاقتها مع أباطرة المافيا المتنفذين على غرار ما حصل للراهب بيبينو ديانا.

خلال العام 2014، وفي نطاق تحمّس البابا فرانسيس برغوليو إبان توليه رئاسة كنيسة روما سعى لتطهير حاضرة الفاتيكان ممن أطلق عليهم تسمية الغربان، أي كل من تورّط في الفساد الأخلاقي والمادي. وامتدت حملته حينها إلى حدّ تلويحه بتسليط الحرمان على رجالات المافيا في عظة ألقاها في مدينة كالابريا عاصمة المافيا الإيطالية في الراهن، في قوله: "لا تربط زعماء المافيا صلة بالرب، لأن سوط الحرمان مسلَّطٌ على رقابهم"، فكان فرانسيس برغوليو أول بابا يقطع شعرة معاوية مع جماعات المافيا، ويعلن عن تحول موقف الكنيسة من الفساد صراحة. فلطالما تعامل اللاهوت المسيحي مع عناصر المافيا بشيء من التهوين والتبسيط والحذر، بوصفهم خراف الكنيسة الضالة الذين ينبغي ردّهم إلى القطيع. يتساءل الكاتب عقب عظة البابا تلك، هل تغير شيء في سياسة الكنيسة وفي فينومينولوجيا المافيا؟ فالكنيسة تعرض نفسها بوصفها مؤسسة تمقت الفساد وترفض العنف لكنها تتغاضى دائما عن التنظيمات الإجرامية العنيفة.

والواقع أن ما حصل من ترابط وتشابك للمصالح بين بنية المافيا ومؤسسة الكنيسة يعود إلى فترة متقدمة في السياسة الإيطالية، انطلقت مع فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ذلك أن التحول الفعلي الذي حدث مع سنوات الخمسينيات للمافيا، وهو تشكّل نوع من الوفاق السياسي المصلحي بين أطراف سياسية مقرَّبة من الكنيسة وأرباب المصالح والأعمال، تركز في باليرمو وامتد إلى مناطق أخرى في الجنوب. انجر عنه نوع من الغطاء السياسي الذي تمتّعت به المافيا من قِبل حزب الديمقراطية المسيحية المهيمن على الساحة السياسية، مما وفّر بيئة ملائمة لتفريخ العديد من الأصناف المافياوية "كوزا نوسترا"، "إندرانغيتا"، "الكامورا"، "ساكرا كورونا أونيتا". حيث بقيت المافيا، على مدى عقود ولازالت، بنية خدمات، مفتوحة عبر عدة قنوات على عالم السلطة الرسمية. والكتاب لا يتّهم الكنيسة بمساندة المافيا أيديولوجيا، بل يتّهمها بمعاضدتها ماديا. فعلى ما يرصد سالز ثمة تناغم بين العقلية الجنوبية والسلوك المافياوي، ذلك أن الأقاليم الأكثر التصاقا بالتقاليد الكاثوليكية (الممتدة من صقلية وصعودا إلى نابولي) هي التي شهدت ميلاد أصناف المافيا الرئيسية في إيطاليا وتطورها، وقد تم ذلك الربط بين الثقافة والمكان أن مجمل المتهمين بالانتماء إلى الأوساط المافياوية غالبا ما كانوا يعلنون التزامهم الكبير بالتعاليم الكاثوليكية. لكن ينبغي ألا نغفل أن مجمل التحليلات التي ربطت بين الجنوب والدين والمافيا وألحت على ذلك بشكل مفرط قد وردت من كتّاب يساريين. نجد من بينهم ثلّة من الكتّاب المعروفين مثل سيموني غاتو وميكيلي بانتاليوني وليوناردو شاشا، يحفزهم في ذلك الربط التواطؤ الحاصل لحزب الديمقراطية المسيحية المهيمن في ذلك العهد والمافيا. حولوا بمقتضاه الكنيسة وذراعها السياسية، حزب الديمقراطية المسيحية، إلى "مؤسسة خطيئة"، كما يقول لاهوت التحرير.

يستعرض الكاتب آراء عدة ذهبت في تحليلها لظاهرة الجريمة المافياوية أن التنظيم قد وجد بيئته الاجتماعية المناسبة للتطور في الجنوب الإيطالي، لكونه تشكيلا إجراميا تقليديا. فالانضمام إلى المافيا يشبه الالتحاق بتنظيم ديني، يقتضي ولاء تاما وقسما، يماثل التعميد لدخول الكاثوليكية. ولذلك يرى الكاتب إيسايا سالِز مجافاة جملة من القراءات السوسيولوجية الصواب في تقييمها لظاهرة المافيا والنظر إلى هذا التشكيل الإجرامي،كونه يسير نحو الانقراض بسير المجتمع نحو التحديث والعصرنة. وهو بخلاف ما يلاحظه سالِز من ازدياد تشعب شبكة المافيا وتمددها، حيث باتت تتواجد في قطاعات عدة وتعمل في مجالات جغرافية أبعد، كما تبدلت أشكال أنشطتها، أو لنقل استفادت من الحداثة أكثر مما تضررت منها. يدعم ذلك تقسيم المافيا إلى صنفين: تقليدية يتمحور هدفها في البحث عن الوفاق أكثر منه في جني الأرباح، وبالتالي فهي مافيا شرفية أكثر منها مافيا مصلحية؛ وهناك مافيا حديثة، أي مافيا أعمال، مهووسة بسبل تكديس الثروة ومشغولة بالتوغل والتحكم في الأوساط التي يمكنها الإسهام في تكديس تلك الثروة.

وعلى ما يرصد سالز يمتد عمر التنظيمات المافياوية في إيطاليا إلى حدود مئتي سنة، فهي متجذرة في عمق بناء إيطاليا الحديثة. ومن هذا الباب فإن اجتثاث الجريمة المنظَّمة في إيطاليا هو أمر في غاية الصعوبة والتعقيد. فليست المافيا مجرد أنفار، بل هي ثقافة ومؤسسة لصنع الجريمة متكاملة الحلقات، ولذلك تعذرت هزيمة المافيا وإن حصل تحجيم وتطويق لها عبر الزمن، كما حصلت أشكال من الهدنة والمصالحة والتوبة أيضا. ويقدّر نسبة اقتصاد الجريمة، على غرار المتاجرة بالسلاح وصنعه، وترويج المخدرات، والمتاجرة بالبشر (مومسات) بنسبة تفوق العشرة بالمئة من الدخل الوطني الإيطالي (ص: 46). صحيح أن هناك مختصين كبارا في مقاومة المافيا وفي التصدي للجريمة المنظمة في إيطاليا يعملون دائما على تفكيك تلك التجمعات المافياوية وتفتيتها، ولكن سرعة تشكل التجمعات المافياوية مجددا واستئناف أنشطتها، يكشف عن تواجد ثقافة سائدة وحاضنة اجتماعية مناسبة للجريمة في العقلية العامة. ويمثل السلوك المافيوي وفق الكاتب شكل حضور المجتمع الصقلي، على جميع الأصعدة.

وفي نطاق ما عُرف بتصدير المافيا، نالت التنظيم شيئا من الاهتمام من قِبل باحثين أمريكيين في الولايات المتحدة في نهاية القرن التاسع عشر، نظروا فيه إلى المافيا بوصفها منظمة سرية على صلة بمؤامرة خارجية لم تخل من اتهام الحكومة الإيطالية حينها في رغبتها للتخلص من الأشرار الخطرين. كما رصدت بعض الأبحاث الطابع المافياوي والسلوك غير القانوني المستشري بين فئة المهاجرين الإيطاليين نحو أمريكا، لكن انتقادات توجهت إلى محاولة تجريم جالية بأسرها، كون السلوكات غير القانونية التي رافقت المهاجرين الأوائل إلى الولايات المتحدة هي تجاوزات معتادة للجاليات المهاجرة قبل الاندماج.

 

الكتاب: رهبان الكنيسة ورجالات المافيا.. تاريخ علاقة المافيا بالكنيسة الكاثوليكية.

المؤلف: إيسايا سالِز

الناشر: روبتّينو (كاتنزارو-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2016.

عدد الصفحات: 336ص.

 

 

jawad wadi2مبادرة وفاء مائزة يقوم بها الكاتب العراقي أحمد شاكر سلمان بإصداره (دراسة حياتية فنية مختصرة عن حياة وفن المقام العراقي في العصر الراهن) أسماها "حسين الأعظمي سفير المقام العراقي"، أراد الكاتب من خلال كتابه هذا، أن يقدم شهادة وفاء لهذا الفنان المبدع كبادرة اعتراف لما يقدمه الدكتور الأعظمي من خدمات جليلة لفن المقام العراقي الخالد، أداء وبحثا ونبشا في الذاكرة، قبل أن تتضاءل أو تخبو اشراقات هذا الوجد العراقي الذي يشكل هوية وبطاقة تعريف يتفاخر بها كل العراقيين، خشية أن يطال المسخ هذا الجانب من التراث العراقي كما زحفت يد الخراب لمفاصل إبداع عديدة، كالسينما والمسرح والموسيقى وغيرها من العثرات التي يعيشها الابداع العراقي برمته، في زمن النوائب التي لا حصر لها.

تعددت أسفار وجهود الباحث الدكتور حسين الأعظمي في العقود الأخيرة بتعدد مواهبه وانجازاته المتميزة لوفائه وعشقه الفاتن لما يكتب ويبحث ويقدم خدمات جليلة لفن المقام العراقي الذي بقي هو الموروث الوحيد الذي لم تصله معاول الهدم والتشويه مقارنة ببقية الفنون الأخرى بسبب الزحف الظلامي الذي أخذ يعشعش في مفاصل الحياة العراقية، سعيا حثيثا ومتواصلا من لدن الباحث للحفاظ على أصالته ونقائه، ليظل علامة عز ومفخرة فنية وتراثية بارزة وخالدة لكل العراقيين الذين يتعاظم ابتلاؤهم يوما بعد آخر بسبب تعاظم الخراب وما يتعرضون له من مسخ وتقزيم لبلد كان فيما مضى يمطر إبداعا وعلما ورخاء، لتبزغ هذه الاشراقات التي بإمكانها أن تزيح الظلمة عن حياتنا التي ابتلت بكل رث وفاسد، وهكذا جهد مبارك يساهم في أن يحيي الأمل الذي أخذ يتلاشى تدريجيا، لتتحول أرض السواد، ارض الخير العميم، إلى صحارى وأراض جديبة، في كل المناحي والتفاصيل.

من هنا يأتي هذا الجهد الكبير للفنان والباحث الأعظمي بارقة أمل تجللها أياد بيضاء بارتعاشات العشق الطاهر، مندوفة بمياه نهرينا الخالدين، دجلة الخير وفرات النقاء والعذوبة المقدسة. ليظل كل من اختلطت دماؤه بهذين الرافدين الخالدين، مخلوقات ندية تزخر بالعطاء والخير والمحبة، وأجدني أن المبدع الأعظمي يستحق وبجدارة هذه التوصيفات لعطائه المتواصل والذي يمدنا دائما بالأمل والاشراقات والوفاء الدائم، ليظل يمتح من تراثه الخالد ليقدمه على طبق من الفتنة والهيبة المباركة، بإضافات ننحني لها اجلالا لتميزها النادر، من شأنها أن تخلق مسارات جديدة تلون المشهد الإبداعي العراقي برمته بألوان زاهية تزيح تلك الغيوم الكالحة التي باتت قدرا لعينا يلازمنا في حلنا وترحالنا.

كنا وما زلنا قريبين ومتابعين لهذا الصوت الجاد والمبارك منذ أواسط السبعينات، حين بدأ رحلة الاسراء وبعشق باذخ مع المقام العراقي، فنا وأداء وتراثا وانتماء، بفيض صوفي، ليوظف كل هذه التفاصيل في خدمة المقام العراقي ويحدث نقلة كبيرة ونوعية ابتعدت عن المألوف لا بمعنى القفز على ما سبق من منجزات، بل بإضافات مهمة ورؤيا إبداعية واكاديمية محكّمة، الأمر الذي جلب انتباه واهتمام كل من له علاقة بهذا التراث العظيم.

وأنا اتابع وأقرأ واكتب عن مؤلفات الدكتور الأعظمي، أجدني مأسورا بطريقة التناول العلمية بدراسات مختبرية، من شأنها أن تخلق خزانا معرفيا وتوثيقا علميا وفنيا للمقام العراقي، وسعيه الحثيث بخلق جغرافيا المكان والزمان وتفاصيل الوجود، بتلازم تاريخي، بحضور الزمان والمكان بطريقة موثقة، لتكون ابحاثه مرجعية وارشيفا لا يتعب المتابع في الوصول اليها والوقوف عليها وبسهولة شديدة، واعتقد شخصيا من خلال اقترابي من منجز الباحث، بأنه جنّد نفسه بوضع خريطة عمل وتبويبات وبرمجة علمية وبتناول فني وأكاديمي بجهود كبيرة ومضنية، حين بدأ بالكتابة في مؤلفه الأول "الطريقة القندرجية في المقام العراقي واتباعها" الذي تشرفت بالكتابة عنه، لتتبعه إصدارات رائدة تناولت طرق المقام وادائه منذ زمن الرعيل الأول من الرواد، كتعبير وفاء للمقام ومطربيه وباحثيه وعشاقه. والجدير بالملاحظة أن الفنان الأعظمي ومن خلال دراساته وابحاثه، شديد التعلق بجغرافية المكان وزمانه، حيث ولد وترعرع ودرس وتعلم المبادئ الأولى من خلال العتبات التي دفعته ليلج عوالم المقام لتأثيرات المحيط وبتعلق شديد الآصرة، وهذا ما نلاحظه بقوة في جل مؤلفاته، فلا غرو أن يظل شديد الوثوق بصباه ومراحل شبابه، حين نتبين أنه كان أحد أبطال العراق في المصارعة، وهذه سمة قد لا يعرفها العديد من العراقيين، دون أن يتردد بتفاخره بهذه المرحلة الهامة من حياته، لنشاركه ذات الاعتزاز وبمحبة غامرة، وهو يتفاخر بمرحلة صباه، بحنين صوفي،  وهو يحبو في كنف اعرق المدن العراقية، تلك هي مدينة الأعظمية العتيدة بتاريخها وناسها وانجازاتها ورجالاتها الخالدين بعطائهم في شتى مجالات الابداع والتميز، وبانتماء وطني صادق لبلدهم العراق العظيم.

شخصيا، ككاتب وشاعر ومترجم بمنجز لا بأس به، أنا شديد الاعجاب بهذا الفنان المبدع، ومما زاد اعتزازي به، حين شرفني هو وفرقته المصاحبة له،  المكونة من الراحل سامي عبد الأحد وعازف العود الكبير علي إمام وبقية المرافقين للفرقة،  بزيارة ظلت محفورة في وجداني، في شقتي المتواضعة بمدينة أسفي المغربية أواسط التسعينات، فكانت أمسية فنية باذخة بامتياز، وقتها لم أكن اعرف بأنه زيادة عن كونه مقرئ مجيد للمقام العراقي باقتدار، بأنه باحث اكاديمي من الطراز الأول، فزادني شرفا أن انجز ثلاث قراءات لثلاثة من كتبه الرصينة، وهنا اجدد اعجابي به وأنا اتناول هذا الكتاب الجديد الذي وأنا اضيء بعض جوانبه، من تأليف الكاتب المتميز الأستاذ أحمد شاكر سلمان، كلفتة وفاء لما يستحق منا جميعا، الدكتور الأعظمي من عظيم اعتراف بجميله علينا بتقريبنا اكثر لفننا الخالد، نحن محبيه، قارئا كبيرا للمقام وباحثا ثريا وراصدا متميزا لهذا الفن العراقي الأصيل.

قبل أن الج عتبات هذا الكتاب الذي هو سيرة ذاتية لفناننا وباحثنا الكبير، بودي أن احييه بقوة واعتبره جنديا معلوما لا مجهولا جنبا الى جنب لكل العراقيين الشرفاء الذين يخطون أروع ملاحم البطولات بدمائهم الزكية لطرد عفونات العصر من ظلاميين قتلة ويقدمون أروع البطولات، فلا غرو أن اعتبر الدكتور الأعظمي وطنيا اصيلا لا يبتعد كثيرا عن المقاتلين الأشاوس، حين أجده وبتفان متعاظم جنديا مقاتلا بأدواته الخاصة ليخط بمداده المبارك صفحات من الشخصية العراقية وتراثها الخالد ليحافظ على اصالة العراقي ويطرد الغبش الذي يطال تراثه البهي، شأن المقاتلين الذين ما فتئوا يلقّنون أعداء العراق دروسا في البطولات الوطنية الكبيرة، لذا فلكل مقاتل أدواته وحماسه وجهده، وباحثنا الأعظمي مقاتل من طراز خاص.

الكتاب من الحجم الكبير يتوزع على 430 صفحة تتصدر غلافه صورة بورتريه جميلة للفنان الأعظمي بطباعة انيقة، وكعهدنا دائما بالكتب السابقة للباحث الأعظمي، فان كاتب السيرة ومؤلف الكتاب وشح الكتاب بمجموعة كبيرة من الصور تتناول حياة المبدع الاعظمي في العديد من مراحله العمرية في شتى مجالات العطاء، صور منفردة أو صحبة زملاء وباحثين وأساتذة وموسيقيين أضفت على الكتاب رونقا جماليا باذخا تخفف على القارئ أعباء القراءة وتنشّط جهده الذهني في مواصلة تتمة الكتاب لما يتضمنه من مفاجئات تجعل من المستحيل على القارئ ان يترك تتمة القراءة دون ان يظل مرتبطا بصفحاته، لبساطة تناوله وتعدد المحطات التي توضح كثرة الأنشطة والفعاليات والشخوص والامكنة وغيرها، وهذه فطنة نحيي الكاتب عليها. والكتاب من اصدار مطابع الأديب البغدادية.

يفتتح الكاتب اهداء كتابه ل" الأساتذة البارعين: عبد الوهاب الشيخلي/ عادل الهاشمي/ يحيى ادريس... تقديرا لجهودهم الفائقة والمتواصلة، في تعريف وتثبيت وتوثيق الفن العراقي، مقاما وغناء وموسيقى... أهدي كتابي هذا." والاهداء مرفق بصور الأشخاص المذكرة أسماؤهم أعلاه.

دون ان ينسى الكاتب تقديم كلمة شكر وثناء لكل من قدم له يد العون والمشورة والمعلومة في انجاز هذا الجهد المشكور، ويذكر مجموعة من الأسماء بحضورها الفني والأكاديمي والشخصي والقريبة من الباحث وفن المقام العراقية.  

يتوزع الكتاب على بابين طويلين، الباب الأول يتضمن ثلاثة فصول والباب الثاني يحتوي على أربعة فصول، مضافا لذلك: الاهداء/ شكر وثناء/ قصيدة... "وحسينُ المقامِ يبقى حسيناً"/ صورتان للجسر العتيق (الأئمة حاليا) ثم المقدمة"

اعتمد الكاتب على مصادر عديدة ومراجع لا حصر لها لتعينه على توثيق سيرة الفنان والباحث الكبير حسين الاعظمي، ثم وهنا ما ينبغي الإشارة له وباعتزاز مجموعة الصورة الكثيرة والرائعة التي تزين دفتي الكتاب، الامر الذي يمنح القراءة لذة كبيرة ومتعة فائقة ويجعل القارئ يقف على محطات هامة من تاريخ المقام ورواده وباحثيه وعازفيه ومحبيه، وتغطية وافية لسيرة حياة الفنان الاعظمي منذ مراحل صباه حتى محطة تسيّده على عرش المقام العراقي اليوم، مؤديا وقارئا وعارفا وباحثا بوفاء نادر، وهذا ما تابعناه واطلعنا عليه وكتبنا عنه في مؤلفاته السابقة، ليؤدي خدمة لا تقدر بثمن للمكتبة العراقية وهذه الجهود البحثية تضفي للمكتبة العراقية وتحديدا في فن المقام العراقي مراجع يعود اليها الدارس والقارئ والمحب العراقي حين ينوي الاقتراب من هذا الفن الباذخ، اطلاعا ومعرفة وسعة افق، ليتحول الى مستمع متميز يحقق له الاطلاع على هذه الكتب وبالتالي تتحقق له متعة الانصات بوعي فائق التهذيب والمعرفة.

يستشهد الكاتب بكلمات اعتراف صادقة عن لسان الفنان الاعظمي وكأنه بوح واعتراف طقسي بوفاء نادر مع الذات:

"إنني اجتذب الناس بصورة غريبة...! فامتلك رضاهم ومحبتهم وقبولهم...! والله يشهد أنني صادقٌ معهم في كل شيء، في الباطن والعلن..."، إنه اعتراف مطول يريد أن يعتبرها الأعظمي سجية وخصلة حميدتين، ونحن نعرف من خلال متابعاتنا الممتدة لعقود لهذا الفنان المتميز، أنه صادق فيما ذهب اليه من اعترافات إنسانية موجعة ومؤثرة، ليبعد عنه الالسن الذربة التي لا هم لها سوى المتابعات الرثة للناس وهم لا في العير ولا في النفير.

إنها كلمات نقية وصادقة تعبر عن حالات التوحد الصوفي مع الذات والآخر، بصفاء روحي وسعي ايماني قوي لطرد اية شوائب حياتية قد تُستغل من لدن من به مرض ورثاثات لا حصر لها.

يقول المؤلف عبر استرساله الكلام عن الفنان والباحث الاعظمي:

(حسين الاعظمي، علامة مشرقة في مسيرة المقام العراقي، جديرة بأن نقف عندها... نتأملها ما وسعنا الى ذلك سبيلا... فسيرته الفنية السائرة بلا هوادة، تعد تجربة مقامية نادرة تدعو الى الفخر والإعجاب... توكّلَ على الله سبحانه وتعالى واعتمد على ذاته، وشق طريقه بنفسه، فاذا هو نسيج وحده في دنيا المقام العراقي...)

هذه شهادة واضحة وصريحة لعصامية الفنان الاعظمي، وسعيه الحثيث في الحفر في دهاليز هذا الفن الخالد، ببذله جهدا كبيرا وصبرا لا يستهان به، وبوعي قد تحمّله رغم الصعاب الكثيرة، ليخرج لنا كنزا أكاديميا رصينا بوضع بوصلة دقيقة التوجه، وبالتالي يضعنا نحن المتابعين لهذا الفن العزيز على الطريق السوي، بعيدا عن الاسفاف والاقحام غير المرغوب فيهما، لينير طريق الانصات والمعرفة العلمية، لتتضاعف متعة تعلقنا بهذا الفن الخالد.

والجدير بالذكر أن الفنان الاعظمي صحبة كاتب السيرة الأستاذ سلمان، قد عملا معا لإزاحة الغبار عن محطات حياتية عديدة لمسيرة الفنان الاعظمي منذ صباه وحتى يومنا هذا، وما اختزنته الذاكرة بعرض صور لا حصر لها توثق حياة هذا الفنان، رغم ملاحظاتي وتحفظي على نشر بعض هذه الصور التي تثير لدي المواجع، سوى صورة أرشيفية واحدة حركت وجدي بقوة واعادتني عقودا الى الوراء، تلك الصورة التي تضم مجموعة من الشباب المتميزين في رياضة المصارعة في نادي الاعظمية الرياضي، يتوسطهم طيب الذكر الأستاذ وليد إبراهيم الاعظمي، الذي أعدمه النظام فرية آنذاك، حيث كان المدير العام للشركة العامة للمشروبات الغازية، حينها كنت اعمل في هذه الشركة، وكانت لهذا الشهيد مواقف نبيلة، حيث وقف معي في منع محاربة بعض شذاذ الآفاق لي كوني كنت منتميا لحزب يساري ليس على وفاق مع حزب البعث، وكانت مواقفه النبيلة دليل على نضج ووعي هذا الرجل، ولكنه سرعان ما تم تعيينه محافظا لكركوك، و لتطاله يد القتلة، ليتم إعدامه ظلما وعدوانا اسوة ببقية الحزبيين من رفاقه الاخرين الذين كانوا يعارضون سياسة التفرد والاقصاء، وابعاد الطيبين. الرحمة الواسعة لهذا الانسان العراقي الأصيل. 

ومما يدعوني للتساؤل وانا اتصفح الصور الكثيرة في الكتاب، لم اعثر على أثر يذكر لصديقي المصارع والمدرب المعروف في المصارعة السيد خلدون عبدي، الذي كان يعمل معي في شعبة المشتريات الخارجية في الشركة المذكورة، له اعبق الذكر.

ان فناننا الاعظمي كان بطلا للعراق في المصارعة 1970/1975 وهذه محطة هامة قد لا يعرفها محبوه ومتابعو إنجازات الفنية والأكاديمية.

لا ينبغي أن نترك هذا الكتاب الذي يعتبر توشيحا وعرفانا لما قدمه الدكتور الاعظمي، دون أن نقدم نيابة عن الشخصية المحتفى بها، اعطر التحايا واصدق التبريكات مقرونة بالعرفان والمحبة للمؤلف السيد احمد شاكر سلمان، مباركين له هذا الجهد الكبير في انصاف من يستحق التكريم، وفناننا وباحثنا الأعظمي جدير بكل تقدير وعرفان بالجميل.

    

 جواد وادي

    

  

1150 ashعن (ملتقى العشرة كراسي الثقافي) الذي أسس حديثا في مدينة الحلة الفيحاء صدر العدد الأول من مجلته التي حملت أسمه (العشرة كراسي)، وهي مجلة فصلية ثقافية عامة كما جاء في ترويستها، وتقع في 194 صفحة من القطع الكبير .

تضمن العدد كلمة افتتاحية بقلم رئيس التحرير قال فيها (بدأنا مشوارنا الثقافي الجديد ونحن نتلمس صفحات هذا الوليد "العشرة كراسي" بعد أن تركت مجلة "أوراق فراتية" فراغا كبيرا في الساحة الثقافية البابلية بتوقفها عن الصدور)، وأوضح أن مهمة هذه المجلة (هي توثيق ودعم للمشهد الثقافي والإبداعي البابلي خصوصا والعراقي عموما)، ودعا في نهاية كلمته (إلى تبني الخطاب الثقافي الوطني الذي يأخذ بأيدينا إلى بناء مجتمع مزدهر بعد خراب في المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي) .

ووزعت محتويات المجلة إلى أبواب، وكان أولها باب البحوث والدراسات، وكتب فيه طارق الكناني (مدارات عقائدية)، والدكتور علي التميمي (أحزاب السلطة)، ورياض البياتي (أنابيب الغاز الكبرى)، والدكتور عبود الحلي (اللغة العربية وتحدياتها)، وفي باب شخصية العدد كتب الدكتور سعد الحداد عن (السيد محمد علي النجار)، وقد وصفه بـ (فاكهة المجاس وعطرها)، وفي باب ذاكرة كتب جواد عبد الكاظم محسن عن (خليل اسكندر) كما رآه، وفي باب قراءات كتبت الدكتورة أسماء غريب عن (همسات العصافير)، والدكتور عبد الرضا عوض عن (التدني الفكري في المراكز البحثية)، وجعل من المحور الشعري في (موسوعة الحلة الحضارية) أنموذجا لما قصد، وكتب نبيل الربيعي (ومضات من وقعة عاكف) .

أما في باب الشعر فنشرت قصيدتان؛ الأولى بعنوان (وصمة الترك) للشاعر على الحمداني، والثانية (أرجوزة العشرة كراسي) للشاعر مضر النجار)، وتلا ذلك الأبواب الثابتة للمجلة، وهي أخبار ثقافية، وإصدارات حديثة، وإصدار دار الفرات للثقافة والأعلام، وفي رحاب دار الفرات وهي الجهة الراعية لهذا الملتقى الثقافي، وآخر الكلام بقلم مدير التحرير، وقد ختم به محتويات هذا العدد، وقال فيه بأن المجلة وقد (أشهرت هويتها الفصلية وجدواها التواصلي ومهامها الفكرية جديرة باهتمام المثقفين وهم يرفدون بعطاءاتهم الثرة في المشهد الثقافي الوطني وصولا لأعمامها عبر صفحاتها لتكون خير مفصح عن تطلعات جديدة لدور المثقف العراقي في راهن إشكالي حقا) .

من الجدير بالذكر أن هيأة تحرير المجلة تتكون من رئيس التحرير الدكتور عبد الرضا عوض ومدير التحرير جبار الكواز وسكرتير التحرير نبيل عبد الأمير الربيعي والتنضيد الطباعي علي عبد الرضا عوض والمراجعة اللغوية عبد الأميرخليل مراد، بينما تكونت هيأتها الاستشارية من الأستاذ الدكتور المتمرس محمد كريم الشمري، والأستاذ الدكتور يحيى المعموري، والأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي، والدكتورة أسماء غريب، والدكتور المهندس نصير علي الحسيني .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

 

balkis alkaysiصدر في عمان بالأردن هذا العام 2017 كتابي الذي عنوانه "التوحّد العالم بنظرة أخرى" بمئتين وخمسين صفحة. لقد قلت في التمهيد لذلك الكتاب: على الرغم من أن البوادر الأولى لعوق التوحد ظهرت في أوروبا قبل أكثر من قرن، وإن الأوروبيين تعاملوا معه منذ نهاية العقد الأول للقرن الماضي وشخصوه وكتبوا عنه المقالات بدء ا ً من الأربعينيات ثم شكلوا الاتحادات والمنظمات والمؤسسات التي تدافع عن حقوق المتوحدين وتدعمهم وتحث الحكومات على تبنيهم وتأسيس المدارس الخاصة بهم ووضع برامج متقدمة تناسب قدراتهم الذهنية وتطورها بشكل ملحوظ، أقول بالرغم من كل ذلك نجد انفسنا نحن العرب متخلفين جدا في هذا المجال ولانملك الخبرة الكافية للتعامل معه، فالمتوحد في بلادنا يمكن أن يضيع  وبالإمكان المحافظة عليه وتطويره لو توفرت له الظروف الخاصة مع التأكيد التام أن نسبة هذا العوق آخذة بالازدياد عقدا بعد عقد إن لم نقل سنة بعد أخرى.

وقد وضّحت في التمهيد عن حال التجارب بيننا وبين الدول الأوروبيّة المتقدمة وبين تجاربنا وكذلك الفارق الزمني بين تأسيس اتحاداتنا ومؤسساتنا ومدارسنا ومراكزنا واتحادت الأوروبيين ومؤسساتهم فهم قد سبقونا في التجارب بأكثر من ثمانين عاما وفي تشكيل الاتحادت والمؤسسات الخاصة بالتوحّد بخمسين عاما ثم هناك الفرق بين نظرتنا ورؤياهم لعوق التوحد إنه في أوروبا عوق ذهني ويعدّه مجتمعنا نوعا من الجنون أو المناخوليا وهذا يدلّ على عدم الدقة في اختيار المصطلحات الخاصة بحقل نفسي طبّي اجتماعي.

ثمّ تأتي بعد ذلك المقدِّمة التي تحدثت فيها عن تعريف التوحد ونسبته في العالم فقد جاء التعريف بأنّه : يمكن أن يعرف التوحد  بأنه: اضطراب في نمو الدماغ يتسبب عنه ضعف التفاعل الاجتماعي عند الفرد والاتصال ويقتصر على سلوك متكرر وتلك علاماته التي تظهر على الطفل قبل أن يبلغ سن الثلاث سنوات.

بتعير آخر: هو اضطراب بايولوجي في المخ يعوق المهارات والاتصالات الاجتماعية.

تشبيها له بطيف الشمس spectrumويطلق الأوربيون على التوحد كلمة أو وصف " الطيف "

المتعدد الألوان وهذا الوصف علمي أكثر مما هو شاعري لأن التوحد يتكون من عدة أفراد  ليس  هناك من حالة تشبه الحالة الأخرى فكل حالة تختلف اختلافا واضحا عن أية حالة أخرى لكن مايجمعها كلها هو التوحد مثل الطيف الشمسي المتكون من ألوان أساسية كل لون لايشبه الآخر لكن مايجمعها هو الضوء.

أمّا عن النسبةفي دول العالم فهي تختلف من دولة إلى أخرى وفق إحصاءات تلك الدول. إنّ بعض الدول لا تعنى الإحصاءات الدقيقة في المجالات والحقول الصحية والنفسية في حين نجد بلدانا مثل بريطانيا والدنمارك والسويد والنروج والولايات المتحدة الأمريكية تعطينا أعدادا مضبوطة صحيحةللمتوحدين إذ تبغي من جراء ذلك تقديم المساعدات والخدمات والمنح النقدية لهم  والجدير بالذكر أن الكتاب الذي ألّفته عن التوحد كان من المفروض أن يطبع قبل ثلاث سنوات وقد ذكرت فيه النسبة الرسمية في بريطانيا والدول الأخرى وقدعرفت من خلال متابعتي السنوية واهتمامي بالموضوع أن النسبة زادت في بريطانيا عما كانت عليه سابقا وهذا يشير ايضا إلى ازديادنسبة المتوحدين في بقيّة أنحاء العالم.

يأتي الفصل الأوّل وعنوانه تاريخ التوحّد وقد تتبعت فيه تاريخ التوحد والمصطلح الخاص به فقد كان الأوروبيون انفسهم قبل أكثر من قرنين ينظرون إلى هذا العوق نظرة خرافية إذ تدلنا المصادر القديمة إلى وجود حالات من التوحد ترجع إلى ماقبل عام 1747 في بريطانيا فتذكر أن هناك صبيا له من العمر 12 عاما  كان يعاني من توحد وفقدان مشاعر صعب وقد عد الصبي حينذاك ممسوسا أي به لوثة من الجنون وتسكنه أرواح خبيثة وأشباح شيطانية وقد تم الاقتراح على أن يموت خنقا، أما قضية المتوحد هيوج بلير فقد كشفت تفاصيلها عام 1747 وارتبطت بالمحكمة القانونية حين التمس أخو المصاب من المحكمة حكما ليكسب الإرث وقد تم له ماأراد، وهناك شخص آخر يدعى أفيرون ظهرت عليه علامات التوحد في العام 1798 وهو من التوحد الصعب وقد عالجه طالب طب اسمه جين إثيارد وفق برنامج سلوكي صمم لمساعدته وحمايته  من المجتمع عبر إقناعه بالتأمل.

أما المصطلح التوحد autism فترجع إلى الجذر اللاتيني autismus وقد أطلقه العالم السويسري يوجين  بلولـر الذي كان قد حدد سابقا مفهوم الشيزوفرينيا عام 1911 وكلمة التوحد اللاتينية آوتزم اشتقت اشتقت أساسا من الإغريقية autos وتعني نفس أي الإعجاب بالنفس أي إعجاب المريض بنفسه لتقابل الهوس الذاتي فتعني من حيث العموم الاضطراب الذي لايطاق.

1148 balkisأما الفصل الثاني فقد حمل عنوان أسباب التوحد وفيه ذكرت وجهات النظر المختلفة  فهناك من يرى أن أصل التوحد هو سبب جيني يرجع بالأساس إلى الكروموسومات، فالطفل الذي يولد غير نمطي أو وفق مانطلق عليه في اللغة العربية خطأ منغولي الشكل يرجع السبب في شكله إلى وجود كروموسوم زائد في سلسلة الكروموسومات لكن ماهو الخلل في الكروموسومات عند المتوحد لاسيما أن المتوحد يبدو من حيث الشكل طبيعيا مثلنا؟ هناك من يقر بخلل ما لكن ليس بشكل مؤكد وهناك من يرى أن السبب يرجع إلى عوامل وراثية أو اسباب كيمياوية منها أن يكون أحد الوالدين قد تعاطى دواء ما لفترة طويلة  إلا أن هناك احتمالات في ذكر بعض الأمور التي يمكن أن تكون مسببات أو عوامل مساعدة في التوحد مثل التدخين من قبل النساء الحوامل والإدمان على الكحول والمخدرات وبعض المضادات الحيوية.

كما تذهب بعض التخمينيات إلى تصورات أبعد تتمثل في تغير البيئة والمناخ والتلوث المحيط وانبعاث الغازات وغيرها من العوامل البيئية المحيطة، وهناك بعض البحوث التي ترى في المطر المستمر ومراقبة التلفزيون طويلا من أسباب التوحد إذا كان عند الشخص استعداد وراثي للتوحد كما أورد ذلك بحث

وكان الفصل الثالث بعنوان السمات المتركة بين التوحد وعوقين آخرين هما:  هناك نوعان العوق تشترك في بعض المظاهرن فعلينا أن نفرق بينها لكي لانقع في اللبس وهذان العوقان هما:

أولا: عوق الأسبرجر: وهي عوق ذهني قريب من التوحد وأحيانا يصعب الفصل بينهما في البدء لكن العبء في ذلك يقع على الإخصائي.

ثانيا selective mutism =sm

وهو عوق يترجم بمصطلح ( البكم الانتقائي) ويعرف بأنه ضطراب نفسي فيه الشخص عادة مايكون قادرا على الكلام وغير قادر ونحن هنا نترجم المصطلح بكونه عوقا وفق مايراه الأوروبيون المختصون فهم يقفون من التوحد والبكم والانتقائي والأسبرجر على أنها عوق وليست مرضا لذلك يمكن أن يفهمها القاريء العربي على أنها أمراض والبكم الانتقائي هو عبارة عن ظاهرة بكمة تصيب الطفل وتستمر معه إلى الكبر وترافقه طول حياته وسميت اتقائية لأن المصاب بها لايتكلم مع الجميع بل مع شخص واحد فقط كما إنه يختلف عن الأخرس كون الأخير لايعني ضررا في المخ بل لأسباب لامجال  لذكرها في هذا الكتاب.

وقد ذكرت في الفصل الرابعدرجات التوحد وهي فق عنوان الفصل: درجات التوحد

ينقسم التوحد وفق الدرجات التالية :

الدرجة الأولى التوحد البسيط وهو أرقى تلك الدرجات ويمكن في هذه الحالة أن يعتمد المتوحد على نفسه وإن كان ذلك بحدود أو أن ينبغ في موضوع كما في مراقبة حركة الطائرات في المطار أو في الرسم مع ذلك يقى عند هذا الشخص نقص في الجوانب الأخرى ثم الدرجة المتوسطة أخيرا الدرجة الصعبة

ويمكن أن يصنف التوحد أيضا وفق مايرافقه من تشخيصات وهي:

1- توحد فقط ليس معه أي تشخيص لعوق آخر.

2- توحد يرافقه عوق آخر كالتخلف مثلا ومثل هذا التوحد يطلق على المصابين به  أي مجموعة المتخلفين.

3- توحد مركب أي مع حالتين مثل توحد مع تخلف بالإضافة إلىحركة مفرطة

وأشرت في الفصل الخامس إلى المثلث لعقلي فلو أخذنا  لو أخذنا أي عقل طبيعي لوجدناه يحتوي على ثلاث نقاط رئيسية تشكل المثلث المتكامل الذي يسبب فقدان أي  ضلع من أضلاعه خللا في حياة الإنسان، والنقاط الثلاث هي:ضلع اللغة وضلع الخيال وضلع الاتصال إن أي خلل في أحد أضلاع المثلث يمكن أن يحدث خللا عقليا لاسيما أن ذلك الخلل ينطبع في سلوك الشخص  تجاه نفسه والآخرين.

ويعنى الفصل السادس بالكلمة والمعنى فيحمل عنوان " زراعة المعاني"  وقد ذكرت أن المتوحد يولد طفلا طبيعيا من حيث الشكل ليس هناك من علامة تدلك على عوقه عند الولادة كما إن فحص السونار في أثناء  الحمل يشير إلى جنس الطفل ولا يدل على كونه متوحدا قط أما من الداخل أي داخل دماغ الطفل فيمكن للعلماء أن يشبهوا الفرق  بين المتوحد والطبيعي بتشبيه العقل البشري عامة بالحقل أو التراب، إن معاني الكلمات في العقل الطبيعي مثل البذور الموجودة في التراب إذا أردتها أن تنمو فما عليك إلا أن تسقيها بالماء أما عقل المتوحد فيشبه التراب الخالي من أية بذرة في هذه الحالة يجب عليك أن تزرع البذور أولا في هذا الحقل ثم تسقيها لكي تنمو، من هنا تكمن الصعوبة لأن عملية زرع الكلمات تكون في ذهن خال.

ثم جاء الحديث في الفصل السابع عن " اكتشاف المتوحد" إذ أعود لأذكِّر  أنّه من سن 0 إلى سن 3 سنوات تحدث في هذه الفترة أشياء كثيرة تخص الطفل منها قدرته على الكلام واللعب والسلوك الطبيعي والحزن أو الفرح، وأهم مايميز المتوحد خلال تلك الفترة الآتي:

نقص  المقدرة اللغوية: أي عدم مقدرته اللغوية، فهو لايستطيع أن يكون جملا مفيدة وجمله متعثرة أو غير مفهومة وأحيانا ينطق كلمات مشوشة لامعنى لها.وويتجسد نطقه بالصفات التالية:

لجلجة أو مقاطع سمعها ،الصدى: ترديد آخر كلمة سمعها من شخص، حركة الجسد وتتكون من الرمش بالعين، اهتزازات الرقبة، حركة الكتفين، تجهم الوجه، فتح الفم. والحركة المفرطة أي  عدم استقراره لوقت قصير في مكان محدد أما المناطق المفتوحة مثل الشوارع والمنتزهات فهي تشكل خطورة كبيرة عليه خاصة حين يفلت من رقابة الوالدين.

ولدينا أيضا إطاعة الأمر : إن الطفل الطبيعي يطيع أمر الأب والأم من أول مرة ولعله يرفض أن يطيع من أول مرة فمن ثاني مرة وهو الحد الأعلى أما المتوحد فهو لايستجيب للطلب وإن استجاب فبعامل الخوف لا الطاعة وهناك اللعب الجماعي فالطفل المتوحد لا يساهم في اللعب الجماعي.

وفي الفصل الثامن دار الحديث عن " إيذاء النفس"  إن جرح البدن من قبل المتوحد يشمل:ضرب الرأس.صفع أو ضرب البدن.عض أجزاء من البدن مثل اليد.إيذا العين عبر النقر أو الوخز أو أية حركة أخرى.جر الشعر بقوة.

أما السلوك العدواني فقد خصصت له الفصل التاسع والسلوك العدواني هو سلوك عنيف موجه ضد أناس آخرين فيما يخص الأفراد الطبيعيين يصنف السلوك العدواني من قبل الشخص تجاه آخرين في إطارين: سلوك عدواني ذو عنف شفوي ذو كلمات قاسية احتقار شتائم تهديد إلخ...وسلوك عدواني بدني استخدام اليد الرجل آلة حادة ....الخ

أما المتوحد فيشمله الصنف الثاني لأن عامل اللغة ينقصه ولكون الكلمات مزروعة في ذهنه بالتدريب والتكرار فهو لايدرك حقا أبعادها الضمنية والرمزية. إن بعض الأطفال المتوحدين لديهم الكثير من الماشكل مع الأطفال الآخرين أو الكبار الذين يجدون صعوبة في فهم الآخر المتوحد لسلوكه غير المتوقع المفاجيء لنا فيخافون منهم ويتساءلون لم فعل هذا الطفل مثل هذا الفعل.

إن هناك تساؤلا في الفصل العاشر " ماذا بعدالكشف" لتوضيح السؤال أقول: وأخيرا تكتشف العائلة أن طفلها متوحد وهذا ماأكده المختصون وبان من أنماط السلوك التي وضحناها من قبل.

فماذا بعد الكشف؟

وكيف تستقبل الخبر ؟

فعلى الأم سوف يقع العبء الأكبر،وما عليها إلا أن تتناسى أنها أم وتهيء نفسها لأن تكون ممرضة ومربية ومعلمة أكثر من كونها أما لأن العبء الأصعب سوف يقع عليها بلا شك،وهذا ماسجلته حالات التوحد الكثيرة.

إن مهمة الأم صعبة لكن جهودها بالتأكيد سوف تثمر في المستقل عن تصحيح كبير في مسار طفلها المتوحد إلى درجة أنها قد تكون متعبة من الناحية الجسدية لكنها سعيدة بعملها ونتائجه المثمرة.

لاشك أن هناك أسئلة مهمة نضعها في الحسبان ألخصها من الفصل الحادي عشر المتوحد وهي أسئلة ملزمة لنا من أجل أن نساعد المتوحد وأنفسنا لنقترب في فهمنا منه ومتطلباته، والأسئلة هي:من  ماذا أين متى

فما يخص كلمة " من " هو أن المتوحد غير قادر على الاعتماد على نفسه بل هناك أناس يساعدونه فمن الضروري أن يعرف من هؤلاء لأن المتوحد لايستوعب الآخر لكنه يربط بين الأحداث والأشخاص، هناك طفل رآى والده ينزلق قبل أن يصعد الحافلة التي توقفت لتقله فهو يربط دائما بين والده الذي سقط " من " الذي له علاقة به والحافلة دائما.

وتأتي الإجراءات الاحترازية في الفصل الثاني عشر مفصلة وهي: الرائحة، 1-رائحة الجسد 2- الضوء 3 ـ الضوضاء 4 ـ اللون 5 ـ ترتيب الأثاث وإخراجه .

وقد أدرجت في الفصل الثالث عشر أنماط سلوك الفوضى عند المتوحدين وهي  السلوك المشين الخارج عن الأعراف والتقاليد والذوق.ففي التصرف العنيف قبل أن يبدأ المتوحد سلوكه العنيف هناك إشارات يفهمها المختصون والأبوان تدلهم إلى ماسيأتي في اللحظة القادمة منها على سبيل المثال لا الحصر :

1 ـ تغير نبرة الصوت.

2 ـ تغير في الوجه مع ميلان للاصفرار.

3 ـ تكرار لكلمات محددة قد تكون مفهوهة  أو غير مفهومة سريعة وغير مترابطة.

ثم يبدأ العنف: الركل .الهجوم على الأشياء. مهاجمة الافراد. إيذاء النفس...

وورد في الكتاب منخلال الفصل الرابع عشر " نمطان للسلوك" فئتان: النمط الأول الشائع مانطلق عليه الاضطراب  المعترض ويندرج تحته ربع المتوحدين 1/4 ، والنوع الثاني الأكثر شدة ولحسن الحظ الأكثر ندرة وهو المسمى اضطراب " فوضى " التوصيل.

أما البرنامج العام الذي ورد في الفصل الخامس عشر فيعني الخطوات المنهجية التي علينا

مراعاتها بصفتنا آباء وأمهات لننتقل من النظرية إلى التطبيق العملي ويمكن أن يتحقق في :

توفير الهدوء التام للمتوحد وهي مسألة تخص التشويش الذهني الذي يعاني منه.

رفع كل مايمكن أن يسبب له أذى في البيت وهذا أمر يتعلق بالسلامة نجد بعض العوائل التي تثبت جهاز التلفاز في الحائط بمستوى عال وبعضها يستبدل صحون المطبخ بأخرى من البلاستك يمكن تحمل الأمر حتى يتم ترويض المتوحد.

النظام في البيت وذا شأن يتعلق  بالتقليد. إن المتوحد يقلد الرديء والجيد فلو تشاجر أخ طبيعي للمتوحد مع أخته الطبيعية وأدى الأمر إلى الصفع فمن الممكن أن يتخذ المتوحد من الضرب والركل عادة تترسخ فيه ولو عرف أن أخاه بال في فراشه لفعل ذلك من باب التقليد عندئذ نحتاج إلى جهد إضافي آخر لنجعله يتخلى عن هذه العادة.

وتحدثنا عن الفصولالأخرى وهي: السادس عشر إلى التاسع عشر عن: برنامج العطلة،القصة والتمثيلية،في التجارب العملية،التعليم بالموسيقى والرسم.وهنك فصل : استطلاعات وفصل خاص بالمتوحد العربي.

ثم تأتي الخاتمة التي تلخص نتائج هذه الدراسة وندعو فيها كذلك المجتمع العربي إلى الاستفادةمن تجارب الدول الأوربية وجهودهافيهذا المضمار.

وفي الختم نودّ الإشارة إلى أن الدراسة تلك ضمت عددا من الملاحق المهمة والجداول البيانية والرسومات التي تساعد القاريء العربي وتزيده خبرة وتجربة في التعامل مع حالات التوحد التي  توليها الدول المتقدمة اهتماما كبيرا وتسخر لها كل إمكاناتها العلمية والمادية.

 

الدكتورة بلقيس القيسي - المملكة المتحدة

 

 

ali almirhigلم أجد في دفاع شلايرماخر عن الدين سوى قراءة حالمة، المتمنى فيها أشد حضوراً من الواقع، فليس في الدين، إن رام شلايرماخر في دفاعه عنه، غير رؤى حالمة بأن نكون نحن بنو البشر مفارقون لطبيعة خَلقنا، كي ينتفي الصراع.

ولا أُخفيكم سراً أنني لا زلت لا أعرف مقصد شلايرماخر في دفاعه عن الدين، وأي دين يقصد، هل هو الدين السماوي؟ أم هو الدين الوضعي؟، وهل ديانات الشعوب غير التوحيدية هي من مرامي مقصده في الدفاع عن الدين؟ أم أنها تقع خارج منظومته الدفاعية.

لأن لُب الحياة الحقيقية عنده مُتجسدة في الدين، بوصفه المحرك الحيوي الدائم لصيرورة حياتنا، لأن وجوده مُتجذرٌ فينا، وهو الذي يمنح وجودنا كينونته.

وإمعاناً منه في تأكيد قراءته الحالمة للدين وفاعلية حضوره الإيجابي نجده يرى أن مغزى الدين توسيع أُطر المعرفة، "لأن فكرة الدين حُرة"(ص125)، فأينما يشع نور الله في قلب مؤمن، فتيقن أن "روح الله" الحُرة قد نشرت ضياءها في آفاق العالم الرحبة. لأن وجود الإنسان محكو بنظام ديني منذ ولادته!!. وهذا يعني "أن لا مناص من الحاجة لفهم الدين، بوصفه الوحيد القادر على أن يُقدم لنا فهماً مُتكاملاً للوجود من دون تشريحه أو تقطيع أوصاله" (ص130)، ولا أعرف كيف تسنى لشلايرماخر التوصل لهذا الحكم الذي أقصى فيه ضمناً حاجتنا للعلوم الطبيعية والرياضية؟ التي لا تنسجم مع الدين كثيراً لا في مُقدماتها ولا في نتائجها، وما أعرفه أن الدين كوجود نصي وتفسيري قد تراجع أمام مقولات العلم، رياضياً كان أم تجريبياً. وصار كثير من رجال الدين يميلون لربط الدين بالعلم بعد أن وجدوا ألّا قبول اجتماعي لهم في الإصرار على رفض مقولات العلم، وبعضهم آثر الإيمان بأن للدين ميدانه وللعلم ميدانه، وربما يلتقيان في المقصد والغاية، طِبقاً لقول ابن رشد في كتابه "فصل المقال": " أن الشريعة حق والحكمة حق، والحق لا يُضّاد الحق، بل يوافقه ويشهد له".

لم أجد في قراءة "الفقيه" أو "الصوفي" الحالم شلايرماخر ما هو قريب من متبنيات ابن رشد في الربط بين "الحكمة والشريعة"، إنما كانت أقواله مقولات صوفي حالم لا يرى في الدين سوى أنه "أفضل طُرق الإتصال بالحياة" (ص134)، وأي دين يقصد؟ وكيف يكون الدين أفضل طُرق الوصول للحياة؟، فهذا مما لا جواب واضح عنده.، فهل يمكن لنا أن نقول أن الفقيه الذي يفم الدين من داخله هو في تدينه مساوٍ للصوفي الذي فهم الدين من داخله أيضا، لأن شلايرماخر لا يؤيد "فهم الدين من خارجه" (ص125) رغم إختلاف طُرق الوصول، فالفقيه له متبنياته القُدسية التي سلح نفسه بها وفق وعي لغوي وتنزيلي للنص، والصوفي له مُتبنياته الخارج فقهية، والمتسلحة في الوعي الجواني للنص، وبقراءة بسيطة نُدرك أن شلايرماخر في دفاعه عن الدين هو أقرب للفهم الصوفي الحالم للنص، ولكن ما هو حال الفقيه المتآلف مع التفسير الفقهي للنص؟ وما هو حال العالم الطبيعي الذي يُضيف معنى وتفسيراً للوجود لا يبدو أنه من داخل النص القُدسي، وربما يتناقض معه في كثير من تجلياته التجريبية والمخبرية؟.

بقيّ شلايرماخر أسير رؤيته للدين ببعده الصوفي الحالم وتعريفه للدين بأنه غور الفرد الحدسي في ذاته، ليجعل من الدين قريباً من الفن يرتبط أحدهما بالآخر بوشائج قوية لها دلالاتها الروحية، وإن يكن "الدين ليس الفن، ولكن الإثنين يتوازيان على مستويات شتى" (ص144).

إن الدين عن شلايرماخر "فلسفة الإنسان التي ترتفع إلى مفهوم تعامله مع العالم...بوصفه أغنى مصادر طاقة (هذا العالم) وأكثرها عناية به، كونه "قوة أبدية وهو جوهرة وتعويذة تُزّين الوجود وتحميه" (ص145-146).

إن رؤية شلايرماخر الحالمة للدين هذه جعلته لا يرى في الدين سوى أنه تشريع لقبول التنوع والإختلاف، لأنه هو الذي "يمنحنا قدرة على أن نرى الآخر كرؤيتنا لذواتنا، أن تعاطى مع شرعية وجودنا عبير ما نُضفيه على الآخر من شرعية للوجود" (ص152). ولا أعرف كيف تسنى لشلايرماخر الوصول لهذه النتيجة التي تُعارضها طبيعة الدين، أي دين، بأنه من توصل لإدراك كُنه الحقيقة المطلقة، وتأسف دُعاته بأقل تقدير على أن مُخالفيهم لم يُدركوها!!.

والأغرب من ذلك كله أن شلايرماخر يرى أن: "الطيف الكهنوتي مجتمع، يُمكن أن يُوصف بالنظام المتكامل، إذ لا وجود لطبق أرسقراطية مُستبدة فيه، وحيث كل إنسان يكون هو القائد وهو المجتمع على حدٍ سواء" (ص157) !!. ليُزيد الطينة بِلّة بتساؤله المُدهش: أين هي روح الفتنة والإنقسامات، التي تتحدثون عنها وتتعاملون معها كما لو أنّها نتيجة حتمية لا تنفلت عن شِراكها الأديان"؟.

وكأن شلايرماخر يجهل صراع المسيحية مع اليهودية، وصلب المسيح. وكأنه يجهل ما سُميّ ب "الحروب الصليبية" بين المسلمين والمسيحيين، وربما تناسى معارك "الفتح الإسلامي"، فهذه كلها وغيرها لا تُعّدُ مؤشراً أن هناك فتنة أثارها دُعاة الدين ومتبنيه.

ومع كل ما أشرنا يُصر شلايرماخر على أن "الدين وحده القادر على منح الإنسان قوة قبول الحياة في أصى درجات إنحدارها... و الكهنوتي عنده واضح في تعبيره، مُشرق في دلالاته، وفي كيانه كله" (ص160)، وربما قصد في لفظة الكهنوتي نفسه الحالمة، وربما نفس ابن عربي أو إسبينوزا ومن سواهم ممن يحلمون بأن يكون الدين فكراً إشراقياً يُزيل قتامة الحياة ليجعل من الكهانة حرية في العبادة خارج المُتصور المُتعارف عليه في الكهانة بوصفها دراية وعلم وتعليم لبني البشر على أن طُرق الوصول لله بعدد أنفاس الخلائق كما يقول ابن عربي.

لتكون المؤسسة الدينية الكنسية، بمرامي وجودها الحقيقي، ضامن للُحمة الإنسانية، وداعية حقيقية لِلَم الشمل لا تفريق الجمع.!!

ليُنهيّ شلايرماخر كتابه "في الدفع عن الدين ضد مُحتقريه" بالقول: "ما أجمل أن تتعرفوا على الدين من الحاجة لإستفتاء العقل ومدونة الفلسفة" (ص191)!! لأن "الدين نقطة مركزية لدوران وجودنا، إنه نقطة التلاحم بين الفاني والأبدي (ص197).

وأختم قراءتي لكتاب شلايرماخر وفق تحولت ومتغيرات الحال العراقي بالقول: صار الدين قسيماً لنا نحن العراقيين بين وجودنا المدني وحضور الدين ببعده الطائفي أو الداعشي، ولا حول لنا وقوة إلّا بالنقد الممنهج.

 

علي المرهج

 

 

ali almirhigلا يوجد في محاولة شلايرماخر للدفاع عن الدين ما هو مختلف عن كل لاهوتي يعيش في برجه العاجي ليحلم في بناء مدينته الفاضلة التي حلم ببنائها الفلاسفة الطوباويين، أمثال إفلاطون في "جمهوريته المُثلى" أو الفارابي في رؤيته ل "المدينة الفاضلة" أو القديس أوغسطين في كتابه "مدينة الله"، وإن إختلفوا في طرق الوصول لها.

فكان جُل هم شلايرماخر هو بناء الدين وفق فطرة البشر بميلهم للتدين (ص77) لأن الدين عنده " مدخلٌ لكل الصور التي تفتح أبوابها على الحقيقة والوجود والبعد اللانهائي" (ص79)، ليستمر شلايرماخر في قرائته للدين ببعده الرومانسي في محاولة منه لفصل البعد القدسي للدين عن متبنيات العقل البرهاني، لأن أبعاد الدين مُتحققة في الفن وقريبة من "نغم موسيقى مُقدسة" (ص81) بطابعها الوجداني والعاطفي "الرومانسي" الذي يُرَحِل الروح والجسد لمنطقة التسامي والورع والتقوى، لأن مُقتضى الدين مخاطبة الروح والقلب والذات التي تُنميها المعتقدات الدينية والمشاعر المقدسة، وبصورة شعرية لها بريق الرومانسية وحرارتها الوجدانية يجد شلايرماخر في الدين ومعتقداته بأنها "الأجمل والأعبق بين كؤوس وتيجان زهور ألحياة وبراعمها، لأنه لا يرى في الدين غير حياة ملؤها "التجدد والنضارة والإنتماء لنقاء مناخات الفردوس، تلك التي لا تطالها تقلبات الفصول" (ص87). وكأن الدين عنده شبيهٌ بالوسط الذهبي عند أرسطو في إعتداله وفي تجاوزه للإفراط والتفريط.

لرومانسية الدين حضورٌ وأثر في تصور شلايرماخر له ودفاعه عنه، فالدين يعني عنده " أن نُحب روح العالم، ونبتهج لمشاهدة صنيعها" (ص89) لأن الدين قيمة جمالية لا تختلف عن سواها من قيم الجمال الأخرى، لذلك إنصب هم رسل الدين على مخاطبة وجدان البشر لا عقولهم فقط.

لذلك نجد شلايرماخر يُركز على الربط بين الشعر والدين، فقد كان لإنسان مُتمركزٌ حول قناعته بقدراته العقلية وبإيمانه بقدرته الذهنية في السيطرة على الطبيعة، ولكن العمق غير كافٍ عنده لإدراك البُعد الجواني للحقيقة الكامن خلف ظواهر الطبيعة، وإن كان كل ما في الطبيعة من "نظام" يشي بوجود منظم لها مفارق لوجودها المُدرَك.

كان الإنسان وما زال يرنو لمعرفة المجهول في قادم حياته ويحلم بحياة أخرى بعد إنقضاء حياته في هذا العالم، لذلك تجد أغلب البشر مشدودين للمقدس المتعالي. إنه "النسيج المقدس" (ص95) بعبارة شلايرماخر، الذي بقينا نُنشد وجوده علّنا نحصل على حياة هانئة في دنيانا، وإن لم نحصل عليها في هذه الحياة، فهي الُبتغى والأمل في حياة أسعد وأجمل رسمها لنا الدين وصورها بأفضل ما ترتجي الأنفس وتهوى.

لأن شلايرماخر يرى أن "الدين هو الوحيد القادر على تحقيق عالمية الإنسانية" (ص106)،.

ولم يُخبرنا شلايرماخر أي دين يقصد هو الذي يُحقق "عالمية الإنسانية". هل هو دين سماوي من الأديان السماوية الثلاث؟، أم هو الدين الوضعي، كما هو عند الزرادشتية أو البوذية أم الهندوسية، أو كما هو عند الكاثوليك أم عند البروتستانت، أو كما هو عند المسلمين، سنة كانوا أم شيعة، أو عند اليهود، موسويين معتدلين أم صهاينة!!.

ولا أعرف كيف تسنى لشلايرماخر أن يصل لهذه النتيجة التي لا تؤيدها وقائع التاريخ، لا في صَلّب رجالات الدين اليهود للمسيح، ولا مؤشر لها في الفتوحات الإسلامية، ولا في ثورة الإصلاح الغربي ضد هيمنة "الإكلوريوس الديني".

لذلك أرى أن شلايرماخر في كتابه هذا لم يرتقِ ل "فهم الفهم" بعبارة "غادامير" وبقي يدور في "فهمه للفهم"، بأبعاده الذاتية و "الأنوية" التي تجعل من النص أسير فهم أُحادي، هو فهم القارئ له وفق رؤاه وثقافته المفارقة ربما لمرامي النص. ولأن بنية شلايرماخر الثقافية ذات أفق رحب في نظرته الإيجابية للدين بوصفه رؤية تخييلية، لأن في الخيال خروج عن تصورنا للعقل وتبعيضيته ليجد منرام في الدين رحابة أنه رؤية وجدانية تتضامن مع الرؤية الحدسية لتخيل عالم رومانسي له وجود في أخيلة الحالمين من شتى بقاع الدنيا.

 

 

1143 aliصدرت مؤخراً ترجمة لكتاب الفيلسوف الألماني (شلايرماخر) "عن الدين - خطابات لمُحتقريه"، ترجمة الصديق أسامة الشحماني ومراجعة الأخ العزيز د.عبد الجبار الرفاعي. فكان لهما الفضل في أن يتعرف العرب على هذا الكتاب المهم.

إن أهمية هذا الكتاب تنبع من طبيعة موضوعه و المرحلة الزمنية التي كتب بها شلايرماخر هذا الكتاب. فقد تعرض الدين لموجة إنتقادات واسعة بعد النقد الذي وجهه له فلاسفة القرن الثامن عشر لا سيما هيوم في موقفه من المعرفة الميتافيزيقية ونقدها لأنها معرفة غير خاضعة للتجربة و لا يمكن التحقق من صدقها أو كذبها.

هنا إنبرى شلايرماخر للدفاع عن الدين ضد مُحتقريه، وإن لم يستسغ الرفاعي لفظة مُحتقريه، لأن "كلمة "الإحتقار" تستبطن معنى الإزدراء والإمتهان، والإهانة والتوبيخ، وتشي بمضمون لا يخلو من تسلّط...وهذه المعاني لا تلتقي ومعنى "مثقف" ولا تليقُ به"، وكان الأجدى أن يستخدم كلمة "مُنتقديه" (ص13).

ولكني أرى أن شلايرماخر كان يعي إستخدامه لهذه اللفظة، لأن الدين كان وصار فعلاً محطة لتحقير مُتبنيه في القرن الثامن عشر الذي إنبرى جُلّ مفكريه للإنتقام من سلطة الدين ورجاله "الإكليريوس" الذين كانوا سبباً أساسياً في تمادي السلطة وإحتقار الشعب، فكان لهذا الإحتقار رد فعل "إحتقاري" مساوياً له، وهو شبيه بحالنا اليوم نحن العراقيين، فكثير من رجال الدين والساسة من المنتفعين في تجهيل الناس بإسم الدين ولد إحتقاراً لكثير من رجال الدين وربما نال هذا "الإحتقار" الدين نفسه أو بعض من مقولاته.

إنصبت محاولة شلتيرماخر على ضرورة فصل الدين عن العقل، وهذا لا يعني عنده أن الدين مخالف للعقل، إنما هو يرفض تبرير الدين بمقولات العقل أو العلم، كما يرفض الدفاع عن العلم بقسر مقولات الدين ذات الطابع الروحاني والأبعاد الصوفية لصالح العقل برؤيته التبعيضية والتجزيئية التي تصلح لتفسير حدث ما في زمان ما، ولا تصلح لتفسير رؤية كونية للعالم بأسرهلم يكن كتاب شلايرماخر هذا كتاب عقلي للدفاع عن الدين، بقدر ما كان كتاباً رومانسياً يحاكي الروح قبل العقل. فكان شلايرماخر "ينتقد في كتابه هذا إدخال العقل باحة الدين"، كما يؤكد المترجم (ص18)، فقد دعى ضمناً وصراحة "إلى فهم الدين من داخل الدين نفسه"، ولربما يعترض مُعترض وهل كان لنا نحن العراقيين من مُعاناة سوى أن يُفهم الدين داخل الدين؟ وهل كان مُتطرفوا السنة أو الشيعة يفهمون الدين من خارج الدين؟.

وما يُنقذ شلايرماخر من هذا المأزق هو ربطه الدين بالفن أولاً، فهو ينظر للدين بوصفه تجربة روحية تتوق للجمال والمحبة.

وما يُنقذ شلايرماخر من هكذا مأزق هو إيمانه بتعددية الفهم للدين، وهذا أمر يرفضه السلفيون والمتطرفون من السنة والشيعة، لأن كلٍ منهما يعتقد بأنه هو من ركب سفينة النجاة وأدرك سبيل الخلاص!!.

مهمة شلايرماخر في هذا الكتاب توجيه خطابات للمثقفين الذي يحتقرون الدين، لأنهم"متوافقون على أن لا إغراء جديداً في تقصي متون الدين..." (ص26)، لأن جُلّ المثقفين في القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، "يستخفون بكل أشكال الثقة باخبرات والمعارف الدينية" (ص27) و يُنكرون على الدين طابعه الزُهدي، وكأن شلايرماخر لا يرى في الدين ورجالاته ما أحدثوه في أوربا من مصائب وصراعات دموية وحروب راح ضحيتها الآلاف إن لم نقل الملايين بين البروتستانت والكاثوليك، أو ما سُميت حرب الثلاثين عاماً في القرن السابع عشر، وكلا طرفيّ الكنيستين عدّها حرباً مُقدسة، كما هو حال كثيرُ من السنة الذين يرون في داعش ممثلاً لهم في حربهم مع الشيعة "الرافضة"!!، والحال نفسه يَنطبق على الشيعة الذين ينظرون للحشد كله على أنه مُقدس، فهي حرب المقدس ضد المقدس!!.

وفي محاولة ذكية من شلايرماخر للدفاع عن الدين وبعض رجالاته المحترمين من الكهنة، نجده يُحاول أن يُشبه "الكاهن الحقيقي" بالفنان البارع، "المُتمكن من تمثل المنطق السماوي الأبدي وعرضه بإسلوب يبعث في الموضوع نفحة من المُتعة والثقة ويجعله مصدراً لا يَنضب، ومُرتكزاً تقوم عليه جل الطروحات الكُبرى. إنه الواعظ التواق لإيقاظ البذرة النائمة الباعثة للصورة الإنسانيو، ولإشعال جذوة الحُب للمطلق اللامتناهي وتحويل الحياة إلى شكل من أشكال التواصل معه...هذا هو "الكهنوت العالي" الذي يَكشف عن جميع الأسرار الرووحية..." (ص35).

أعتقد أن الإنسان يرى نفسه في تدينهه وإعتقاده إلّا ما يرغب بتصوره، أو بتبنيه له، فإن كان خيراً لا يرى في تدينه غير الخير له وللآخرين، وإن كان شريراً فلا نأمل منه خيراً لا له ولا لمُخالفيه، وإن كان مُرائياً، فالدين سلاحه يُطيعه في مراميه.

ولأن شلايرماخر لا يروم سوى خير الدين وتنقية قلبه من حقده وأحقاد "مُحتقريه"، فقد أخذ على عاتقيه أن يتحدث في كتابه هذا عما يحتاج الدين من تصحيح للفهم المغلوط له (ص38).

في خطابات شلايرماخر كثيرُ من الوعظ، قليل من التدليل للدفاع عن الدين بوصفه بنية أخلاقية مُتماسكة في مُحاولة لا أجدها موفقة للربط بين الدين والأخلاق، ص50 - 52).

يُحاول شلايرماخر الربط بين الدين والمحبة و "تأسيس وجدان الإنسان على قاعدة المحبة" (ص59). في محاولة منه للإيهام بأن هناك علاقة ضرورة بين ما هو ميتافيزيقي (لاهوتي) وبين ما هو أخلاقي، لأنه يعتقد بإرتباط هذين الجانبين بالدين في وحدة الموضوع، (ص60)، وإن كنا نجد في تأكيد شلايرماخر في الربط بين ما هو ديني وبين ماهو أخلاقي ربطاً تعسفياً لدمج ما هو أخلاقي بما هو ديني، والعكس صحيح عنده، ولكننا لا نجد مبرراً عقلانياً مُستساغاً لهكذا ربط.

لكن لشلايرماخر مخرج لمأزقه هذا عبر ربط الدين بالفن، لأنه يعدُ التدين ضرباً من الفن، (ص70)، لأن الدين عنده "مدخل لكل الصور التي تفتح أبوابها على الحقيقة والوجود والبعد اللانهائي"، (ص79).

وملاذ الفن والدين الوجدان والعاطفة، لأنها من "المباني الأساسية التي تُشيّد عليها مباحث الدين، وهي بهذا المعنى أحد أهم مصادر تكوين إدراك روحوالعالم..."(ص94).

 

جعل شلايرماخر من الدين "اللبنة الأساساسية لتشييد محبة الآخر"(ص95).

 

 

1142 maulod

سجن بصيغة الجمع: إن يمر شريط حياتك البائسة بكل فجائعه ومواجعه أمام عينيك وأنت قابع في زاوية معتمة من علبة الدماغ لا تحلم بغير الهروب من سجنك بما تبقى لك من قدرة على الحياة. أن تكون علبة الدماغ أوسعَ شكلٍ يمكن تصوره لسجن الحياة العظيم، أن تكون" حياتك" داخل علبة دماغ متقد مشتعل وهاج، أو تكون داخل علبة كارتون تختار فيها اللغة أن ترسو في دفاتر الأشعار وتحار فيها الأفكار بين رسائل العشاق الرومانسية وأحلام الثوار.

 أن تكون" حياتك" على خط التماس بين ماركس وجبران، وبين النبي وما العمل، أن تكون موزعا بين شراسة رجل العصابة ورهافة قلب الأم، يعني ذلك أنك عشت داخل حي من أحياء مدينة تنكر أحياءها، حي كل داخل إليه مفقود لأن الحياة فيه جحيم وكل خارج منه مفقود لأن الخروج منه لا يكو ن إلا إلى السجن أو إلى المقبرة، إن وسعتك المقبرة ولم تتحلل جثتك في أعماق النهر.

 ويعني ذلك أيضا أن الحياة كلها "بلد" أو "عالم" من ضفتين بينهما سور باطنه فيه العذاب، وفيه حرب تطحن بين فكي رحاها من لا يستطيع غرس النصل في ظهر خصمه، ومن لا يستطيع إلى النجاة سبيلا، وظاهره من قبله النعيم المجنح كطائر والمعرش المورق كالدوالي. ضفة عليا " للتنابلة " الأعلون على حد غناء الشيخ وضفة سفلى للحثالة وللمغلوبين وأهل القعر والقهر والهاوية. ضفة أولى لا تعمل سوى على تأبيد وضعها بقوة القانون والمساطر والتدابير، وضفة ثانية ليست تسعى سوى إلى الخروج من أوضاعها بقوة السكين والساطور و الدعارة والمخدر، ويعني ذلك أن يكون القانون سكين وساطور المرفهين والمحظوظين ويكون السكين والساطور قانونا عند المهزومين والمأزومين، وأن تكون في النهاية حياتك ـــــــ ومصيرك أيضا ــــــــ مجرد زنزانة انفرادية في حي من أحياء السجن الصغير. فتلك كلها حيوات أشبه ما تكون بحياة واحدة داخل سجن واحد هو أيضا مجرد سجن داخل سجن آخر حتى هو سجن داخل سجن أكبر من كل السجون، اسمه نفسك واسمه العالم.

لا أمل هاهنا سوى في أمل أن تستطيع الهروب من نفسك.

تلك هي حياة وذلك هو مصير مراد ولد السلاخ بطل "الحي الخطير" ورفاقه في السلاح الأبيض وفي خيبات الأمل.

2)ورطة الوجود:

داخل زنزانة انفرادية يسترجع مراد ولد السلاخ سيرة حياته. سيرة رفاقه و أهل حيه، سيرة حي/مدينة، سيرة مدينة/ بلد، سيرة بلد/ عالم يعود ليتكور على نفسه ويتقلص إلى حده الأدنى ليصير عصابة صغيرة تشق طريقها إلى الخلاص الفردي بحد السكين واليأس المطلق العظيم من أي غوث أو عون يأتي من العالمين. المهم هو الخروج من قعر الجحيم. ومن شرط اجتماعي أقرب ما يكون وأشبه ما يكون بورطة الوجود من قربه أو شبهه بشرط الوجود.

العالم سجن، البلد سجن، المدينة سجن، الحي سجن، والزنزانة الانفرادية سجن، وحدها علبة الدماغ قادرة على أن تجعل من كل هذه السجون مساحة لخيال جامح يعيد تركيب الحياة وإجراء الدماء في أوصال الموتى والقتلى والمنبوذين والمشوهين والسكارى والحشاشين، فدماغ مراد ولد السلاخ سجن أكبر من كل السجون، هذه حيلته وهذه وسيلته لكي يتخطى شرطه الاجتماعي القاهر. كل سجون الواقع ليست في الخارج، إنها في الداخل ، إنها في العقول، إنها في عقل مراد ولد السلاخ. القَلِق والمتوتر والمتحفز والمتسائل على الدوام.

عقله الفوار بالأفكار هو سجنه الوحيد، لأنه يعيش كل ما مر به ويفكر في كل ما سيأتي داخل علبة الدماغ... العالم كله سجين عقله، وهو قادر داخل كل واحدة من هذه الزنازين أن ينظر إلى الحقيقة الساطعة دون أن ترمش جفناه، لأنه صار يمتلك أداة النظر، لقد أصبح يمتلك الفكر القادر على التحليل والتشريح، ذلك الفكر الذي كان بعضه سجين كارتونة الخال ولم ينفع حامليه في تغيير الحال. ولم يرفع أحدا من القاع إلى القمة ولم يجعل الحثالة نبلاء، وإنما استفاد منه فقط من كانوا ولا شك يشدون برأس الخيط ويتحكمون في انسيابه من الكبة، وكانت الكبة بين أيديهم.

الخال عاش في البيضاء ودرس ما يكفي لكي يصبح مشروع مهندس، وفكر في الواقع كطالب جامعي وكمثقف يدرك الواقع من خلال الكتب، ويبحث عن الخلاص الجماعي من خلال الأفكار والنضال والتنظيم والشعب.

أما هو، مراد، فقد استوعب هذا الفكر وتمثله كما لا يستطيع أحد غيره أن يفعل ذلك، لقد استوعبه وتمثله مباشرة من خلال الواقع، ويحق له أن تكون له رؤيته ورأيه، وأن تكون له ثقافته التي تمثل واقعه منظورا إليه من الداخل.

لا فرق بين أحلام الخال الثوري المودعة في علبة كارتون ــــ فقد كان الخال يبحث عن الخلاص الجماعي ــــ وبين الأحلام الفردية لابن الأخت المودع في زنزانة انفرادية ولأقرانه الذين منهم من قضى نحبه بحد السكين ومنهم من ينتظر. ما أشبه الكارتونة بالزنزانة، لكن مراد لا يشبه الخال.

الأمل فقط هو ما يترك الحلم بالخلاص متقدا. وهل الخلاص الجماعي ممكن؟ أم أن الخلاص لا يكون إلا فرديا؟ وهل يكون بقوة التنظيم والشعب أم بقوة الساعد و السكين؟ الخال غاب إلى غير رجعة وغابت معه أحلامه، وابن الأخت يقبع في الزنزانة على شفى حفرة من الأمل. أو من خيبة الأمل، لا أحد يدري. متى وكيف يكون الهروب.

3) من قعر الجحيم:

 أحداث رواية الحي الخطير تجري في الدماغ كاسترجاع للحياة وكمحاولة استئناف للأمل بعد أن جرت في الواقع كأحداث ومقادير.

مراد ولد السلاخ البطل السجين يسترجع أطوار حياته بعين ناقدة متفحصة، وبنظرة ثاقبة، وبقدرة غريبة على النفاذ إلى جوهر العلاقات وروحها بعيدا عن التصورات الجاهزة التي عبأت بها الكتب النظرية والأشعار والأدلوجات عقل الخال وعقول أقرانه وغير أقرانه من المستكينين المسالمين أو من المتطلعين إلى استبدال حال بحال... من المستلبين ومن المتنطعين على حد سواء.

الأمر كله يتعلق بالصراع الوحشي بين المركز والهامش وبين القمة والقاع. بين "جحيم الحثالة وجنة النبلاء".

في القاع يعيش المنبوذون والمهمشون والمكسورون والمعصورون ومعطوبو النفوس. في القاع الحثالة من كل الأصناف، زوجات باغيات أمهات بلا أزواج، أولاد لقطاء، عصابات تتربص الواحدة منها بالأخرى، حشاشون وبائعو بودرة وبائعات هوى، منحرفون ومعتوهون. ولا صوت يعلو فوق ضربة السكين الغادرة أو الوشاية المودية إلى الهلاك أو هتك العرض على مرأى من العيون التي لا يملك أصحابها غير التصفيق للمنتصر والتضييق على المهزوم. لا صوت يعلو على القتل عمدا أو القتل غدرا أو القتل عبثا أو جنونا. قتل ضروري وموت مجاني، وتلك قمة المفارقات.

إنها الحرب في أقوى معانيها وفي أجلى صورها. حرب من أجل العيش، حرب من أجل الحياة ، حرب من أجل البقاء. دفاع شرعي عن النفس، عصابة ضد عصابة، إما أن تَقتل أو تُقتل، ولا حل وسط إلا لمن أراد أن يعيش حياة المهانة والذل.

اضرب بلا رحمة، ولا تشفق على عدوك. لا مكان هنا للعاطفة والشفقة. على أمل وحيد، أن يجد كل واحد مخرجا من بين فكي هذا الوحش ذي العشرات من الرؤوس والأنياب والأضراس، هذا الوحش المسمى بين أهله وعند الأغراب،حي أبي رقراق "دوار الدوم" أو أكواخا، أو قصديرا .

إنه القاع فعلا، إنه الهامش الذي لا يعرفه غير أهله، الهامش المجهول والمسكون بالأشباح وبالأهوال، الهامش الذي لم يسبق في عمل أدبي مغربي أن جابه طولا وعرضا وسكن سطوحه ومشى بين مزاريبه ودروبه أديب بالمقدرة نفسها التي استطاع بها محمد بنميلود أن يفعل، إنه تعريف بالهامش وقراءة لأوضاعه وتشريح لمآسيه يجمع بين جموح الخيال ودقة الوصف وسحر التشويق وانسياب اللغة مع التوثيق الدقيق للحقائق التاريخية والتوصيف الموضوعي للبناء الاجتماعي وللعلائق والناس. إنه شرح للهامش وفضح للمركز سواء كان ثقافيا أو اجتماعيا أو سياسيا، إنه دفاع عن الهامش وإدانة للمركز الأناني والذي لا يرى غير صورته في كل المرايا التي يريد أن يرى عليها وجه الحقيقة.

4) رفقة السلاح:

تحكي رواية الحي الخطير قصة ثلاثة شبان من حي أبي رقراق دوار الدوم سابقا لا يفكرون سوى في الخلاص ولا يبحثون سوى عن الخروج من بين كماشة هذا الحي الذي لا تتوقف الحرب بالسكاكين والسواطير بين عصاباته ولا تتوقف تجارة المخدرات والدعارة فيه إلا لكي تبدأ من جديد، ومقابل كل قتيل جرفه ماء أبي رقراق أو التهمته نيران الفران أو النيران التي توقدها بالبنزين عمدا أيد آثمة لا تعرف الرحمة، يولد عشرات القتلة المستعدون للموت.

 يفكر الشبان الثلاثة ( مراد ولد السلاخ ــ عبد الرحمان الفراكة ــ رشيد ولد الفرناطشي) في الخلاص وتلتهم أحشاءهم نار الرغبة لأن يكونوا هم أيضا من المنعمين والمترفين والمحظوظين في حي بير قاسم أو حي الرياض أو السويسي. يتلهفون على الانتقال إلى الضفة الأخرى، وأن يغادروا إلى الأبد بئر الشقاء هذا وحفرة العدم المسماة دوار الدوم . ولكنهم، هم أيضا من دوم وصبار وشوك، ليست لهم أرصدة إلا من الكيف وليس لهم اعتماد إلا على السواعد والسكاكين والسواطير هذه هي الطريق الوحيدة السالكة إلى هناك. وهذه هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن يواجهوا بها واقعهم ويغيروه. وليس لهم إلا أن يمشوا فيها بحثا عن الخلاص، فلا مخرج من بين فكي هذه الرحى الوحشية التي تطحن اللحم والعظام إلا السكاكين التي تبعج البطون وتشق الطريق، وإلا الحشيش الذي ينفخ الجيوب وينفش الريش ويمهد المسالك .

يمضي الشبان الثلاثة في هذا الاختيار إلى حتفهم، لأنه اختيارهم ، وكشباب آخرين، يعملون كعصابة في مواجهة العصابات الأخرى، يقتلون بلا ندم وينفقون مما كسبوا نصيبا على لهوهم ويحتفظون بنصيب من أجل أن تزهر شجرة التجارة وتقترب ثمرة الحلم من قبضة اليد، لأنهم أقسموا على أن يقبضوا على جمرة الحلم بأيديهم مجتمعة، حتى تثمر. بعد سجن خاطف لمراد يحاول الثلاثة أن يضربوا على باب الحظ ضربة كبرى، لكنها كانت ضربة الخيبة، يحاول الأصدقاء الثلاثة أن يشتروا بكل ما وفروه من مال مقدارا كبيرا من المخدرات التي ستضمن لهم أرباحها الفوز بتذكرة الانتقال إلى جنة "التنابلة" ولكنهم لم يضربوا الحساب للأعين المتربصة، أعين الأمن وأعين عصابة الشعبة التي لم تكن تنتظر سوى أن تسنح لها فرصة الانتقام، ستردي رصاصة شرطي مصوبة بدقة عبد الرحمان صريعا، وستغتال العصابة رشيد ورفيقته نعيمة، ووحده مراد سينجو .ويحكم عليه بالسجن 16 سنة.

5)مثقف من طراز جديد:

لحسن الحظ سينجو واحد من الثلاثة، سينجو مراد من الموت ليعيد ترميم أحلام صديقيه، ويحتفظ بها حية لمن شاء أن يطلع على مأساته ومأساتهم.

سيقضي فترة من حبسه في زنزانة انفرادية يسترجع الواقعة ويتجرع مرارة فقدان صديقيه.

يتأمل مساره الخاص، ونشأته، يتأمل وضعه وواقعه. يتذكر أمه، ويتذكر خاله المناضل اليساري الذي اختفى إلى غير رجعة تاركا وراءه كارتونة دفاتر عن الاشتراكية والشيوعية والثورة، ورسائل رومانسية لرفيقة الدرب والنضال، وكتب جبران. كان له حظ التهامها كتابا كتابا ورسالة رسالة.

يفكر في ماضيه ويقارن بين حاله وحال خاله، وبين حيه وأحياء المرفهين، وبين القانون والسكين، ويطرح أسئلته الحارقة على كل من يستطيع أن يجيب. يسأل عن أصل الدولة وأصل القانون وعن فعل الدولة وفعل القانون، ويجعل من السؤال تحديا لكل من فكر أو نَظَّر أو أجاب عن الأسئلة الأولى للنشأة الأولى للمؤسسات وعن توزيع الثروات وقسمة الحظوظ بين الناس. كيف يولد واحد من الناس في القمة بينما يولد الآخر في القعر؟ ما ميزة الأول وما ذنب الثاني حتى يعيش الأول في النعيم ويصطلي الثاني بنار الجحيم.

ثم يتخذ داخل زنزانته الصامتة تلك، قراره الفريد، قراره الصعب، قراره الضروري، قراره الحاسم . هو الذي ينتمي إلى القاع، هو الذي ينتمي إلى الحثالة، لا بد أن " يقول" تاريخها، لا بد أن يكشف أصولها ومصيرها، لا بد أن يعري وجهها الذي شوهته الظروف ورسمت عليه السكاكين والسواطير والفقر والمخدرات والأمية ندوبها الكبيرة وأوشامها الغريبة. هو الناجي الوحيد من طعنات السكين ومن رصاصات المسدس، هو الناجي الوحيد من الحريق، يريد أن يعيد الحياة إلى صديقيه الميتين وفاء للعهد، لقد حاولا، لقد حاولوا جميعا ولم يصل منهم أحد، مثلما حاول غيرهم، ولربما من بينهم بضعة قد وصلوا، فصاروا أطباء أو مهندسين وصاروا أثرياء، ولكن هؤلاء كأنهم لم يصلوا لأن دماء الحي لم تعد تجري في عروقهم. يريد مراد ولد السلاخ من خلال الإجابة عن السؤال المؤرق: من أين جئت؟ من أين جاء عبد الرحمان؟ من أين جاء رشيد؟ أن يعيد بناء مسار كل واحد منهم، ومن خلال ذلك إعادة "قول" تاريخ الحي ورسم خريطته الاجتماعية، إنه لعمل لا يستطيعه إلا مصارع نبيل ووفي، إنه لعمل لا يستطيعه إلا مثقف عضوي ومخلص" لطبقته" بحق، ولعل مراد ولد السلاخ كما شاء له الكاتب أن يكون، نموذج "لمثقف عضوي من طراز جديد"، مثقف استوعب وتمثل واستضمر تاريخ الفكر الثوري وتجاربه، دون أن يكون منتسبا لتلك الفئات التي تنظر إلى القاع الاجتماعي من خلال المرايا العاكسة لسياراتها، فلا ترى الهامش إلا بقدر ما تبتعد عنه، مراد ولد السلاخ ابن القاع وابن الحثالة التي لم يتكلم عنها أحد ولم يعرفها أحد ولم يخبر تجربتها أحد ولم يقدر معاناتها أحد. مراد ولد السلاخ الوفي لحيه ولحثالته، يمتلك فكرا وسكينا، وكلاهما على نفس القدر من الحدة والمضاء. مراد ولد السلاخ ليس من أولئك المثقفين المترفين المزيفين والانتهازيين الذين لا يعرفون الهامش ولا يصورونه ولا يرسمونه ولا يكتبون عنه إلا إذا كان وراء شريطهم أو روايتهم أو لوحتهم "همزة" يتصيدونها أو "شهرة" ترفع قدرهم . مراد ولد السلاخ يريد قول الهامش من داخل الهامش، من نبضه ومن جذوره ومن نسغ الدماء التي تجري في عروق أهله.

من أين جئت؟

من أين جاء عبد الرحمان؟

من أين جاء رشيد؟

كيف تكونت الأحياء الهامشية، وكيف يعيش أهلها؟ ما هي أحلامهم وما هي شروط عيشهم؟ وهل لهم من أمل في الخلاص؟

 هذه هي أسئلة مراد، بحث عن الهويات المطمورة تحت أتربة النسيان . وإعلان عن وجود الذات المتميزة لأهل الدوار والأكواخ والبراريك والقصدير والكاريانات . إعلان عن وجود الهوية المتميزة لأهل الهامش. الهامش ليس لا شيء، وليس شيئا زائدا عن كل شيئ، إن الهامش هو كل شيئ. هو الحقيقة التي تنحني عند أقدامها كل الأسئلة خجلا واستحياء.

ومثلما يعيد مراد ولد السلاخ إلى التداول مفاهيم أُدخلت مرغمة من قبل المثقفين المترهلين إلى ثلاجة "الفكر" كأصل الدولة والثورة والطبقة والصراع والتشريعات، فكذلك يعطينا من داخل تجربته في الحي الخطير ومن خلال وضع الهويات المأزومة قيد السؤال درسا سوسيولوجيا بليغا في نشأة الأحياء الهامشية وتركيبتها البشرية، ويُشَرِّح النفسيات وأنواع السلوك باقتدار يعز نظيره.

يعيش مراد ولد السلاخ في الحد الجارح بين هويتين:

فهو مثقف مختلف عن كل النماذج السابقة من المثقفين، مثقف مسلح بالنظرة الثاقبة والمعرفة التي لا تشوشها التهويمات النظرية، إنه مثقف دون أن ينتسب إلى الفصيلة التقليدية للمثقفين. ودون أن يعترف له أحد بذلك.

وهو ينتمي إلى عالم القعر. إنه ابن الحثالة، ابن السطوح والبراريك ، إنه بائع المخدرات، إنه القاتل، إنه ابن دوار الدوم الذي لا يُعرف له أب مثل كل أبناء الحي الذين ولدوا في أكواخ القوادات. إنه ابن القعر دون أن يشبه أبناء القعر . ودون أن يكون سقف أحلامه وأفكاره محصورا بحدود الحي.

يعرف مراد ولد السلاخ بأنه يختلف عن خاله. ويعرف بأنه يختلف عن أقرانه وعن رفيقيه في السلاح والخيبات التي بلا حل وبلا أمل.

إنه يمتلك وعيا حادا بوضعه وبمصيره وبدوره، وعيا ولا شك تراجيديا، مما يجعله مثقفا من طراز غير مسبوق بالمرة.

وإذا كان كما أسلفت قادرا على تحدي المثقفين والمعلمين والمصلحين بقلب الطاولة وإعادة طرح الأسئلة الحارقة. فإنه لا يكتفي بطرح الأسئلة وإنما أيضا يقدم الأجوبة ، إنه لا يسأل فقط من أين جاء هو أولا، ومن أين جاء عبد الرحمان ورشيد كعينة من كل تلك الحثالة التي عمرت الحي أو نشأت فيه، ولا يسأل من أين جاءت هذه الأحياء والدواوير والكاريانات والأكواخ ودور الصفيح، فقط؟ بل ينبش وينقب ويعيد بناء وتركيب الصور الباهتة والمشوهة التي يمكن أن ترتسم في الأذهان عن نشأة هذا الهامش المنبوذ في الفكر والمنسي من التاريخ والمقصي من المجتمع.

6)أهل القعر والهاوية

وإذن فمن خلال رسم مسار كل واحد من رفاقه في السلاح وفي البحث عن الخلاص يجمع الصورة طرفا طرفا ونتفا نتفا حتى يستوي الحي وأهله وأحوالهم كالشاشة أمام أعين من يشاء النظر. إن مسار كل واحد من الشخوص يقدم صورة عن عينة من أهل الحي. كما لو أنه يتخذ من رسم هذه المسارات مبررا لإعادة تشكيل الحي من جديد كوخا كوخا وعصابة عصابة وفردا فردا.

الشخوص......... الصفة...........

***  ****

رحمة.........=........  وسيطة في الدعارة

سليمة.........=........ أم عبد الرحمان/ عاهرة/ تتزوج ابا عبد المجيد

ابا عبد المجيدالفراكة......=..... صياد يفقد الزوجة ويموت أولاده غرقا

العربي الأعور الفرناطشي.... = ...... سفاح الحي/ قاتل بالتسلسل/صياد البشر/ مغتصب الجثث

عصابة ابا موح الصحراوي...=..... العمل في الفران نهارا وبيع المخدرات ليلا/ تفرض قانونها على الحي

المقدم العروسي ومن معه:

الأخوان والأم والزوجة والأبناء.......=........عين السلطة في الحي/ بيع الخمر والمخدرات

حادة................=............... زوجة العربلي الفرناطشي

سليمان ــ ميلودة ــ رشيد..........=........... أبناء حادة من العرببي

المكي ...................=................ سلاخ البهائم وأب مراد

مينة ..................=........ زوجة المكي وأخت مجيد

نوارة....................=............. أم المكي

مجيد......=.......... يساري يطاله الاختفاء القسري ويترك كارتونة كتب ببيت ............=.......... أخته يقرؤها مراد ويتعرف من خلاله على فكر خاله.

حميد/ البتول/ نزهة ............=.......... أقارب مراد

دحمان الأعرج...............=...........براح الحي

المحجوب.............=...........صباغ

الفاطمي..............=.........بائع جافيل

العياشي.............=..........إمام الجامع

الحاج مغيث...... = ............ من أعيان الحي

الحاج عمر زوج الحاجة زهرة........ = ...... صاحب محل لبيع مواد البناء

ولد الرباح ـــ الغندور ــ أولاد البولونجي..........=........ من عصابة الشعبة

الغزواني.................=............... زعيم عصابة براريك القرعة

خنفاش..............=...........ضحية الاغتصاب والقرقوبي والقتل

..........

 هؤلاء ، والعشرات من هؤلاء، يختلفون في الأسماء ويتشابهون في الصفات، هم من ملؤوا الحي بنين وبنات،كلهم دون استثناء تقول الرواية، "جاؤوا من البوادي المجاورة والبعيدة إلى هذه المدينة، باعوا أراضيهم ومواشيهم واشتروا بقعا أرضية في هذا الحي أو غيره وبنوا فوقها أكواخهم" ... و"استولوا على أرض أخرى أو تقاسموا أكواخهم مع غيرهم" ... "جاؤوا إلى هذه المدينة فرارا من القحط والجفاف وطمعا في ثراء سريع"، ساقوا أمامهم عنزاتهم ودجاجاتهم وخرافهم، وحافظوا على عاداتهم وتقاليدهم في مكان غير المكان ووقت غير الوقت وعصر غير العصر ،" ضد سياق العالم وخارج أحداثه"،"لا يعرفون قانونا ولا مؤسسات ولا دستورا"، ويتصورون البلد والعالم قبيلة كبيرة، وهم مستعدون على الدوام لشهادة الزور ضد أضعفهم، ولممالأة المقدم، مستعدون لتصديق أن الوحش هو من يأكل الرجال وأن الجنية هي من تتصيدهم، ومستعدون للشهادة ضد بعضهم بأنهم كفرة وملاحدة وخارجون عن القانون، مستعدون لوضع علامات النبذ على الأبواب استجابة لإشارة المقدم المعلومة أو لإشارة أنفسهم الأمارة بالسوء إذا بدت لهم مصلحة في ذلك، جاؤوا من كل صوب، حطوا رحلهم على عجل ، و امتهنوا حرفا سهلة وذات مردود بسيط، ما بين كواي وخراز ونجار وخضار وسفناج وعطار وشواف وحارس سيارات وحمال و حارس مقبرة.

هنا دقوا أوتادهم ونصبوا خيامهم، هنا وضعوا بيضهم وانتظروا أن يفقص. نساء ورجال اجتمعوا على غير موعد وبدون سابق اتفاق، بلا حب ولا عشق ولا رغبة. الرجال قذفوا نطفة الشر في القعر، والنساء رمين بويضة الشؤم من رحم الجحيم وانتظروا جميعا أن تتخلق كائنات هذا اللقاء العجيب وأن تخرج إلى الوجود مسوخات الرعب واللهب. من هنا جاء مراد، ومن هنا جاء عبد الرحمان، من هنا جاء رشيد والعشرات من أمثالهم.

7) فرسان الجحيم:

1) عبد الرحمان ولد الفراكة:

 سليمة ستأتي إلى حي أبي رقراق هاربة من حي بعيد، وفي بطنها عبد الرحمان، ستتلقفها الأيدي الطويلة لصيادي اللحم البشري من محطات الركاب ومن الدواوير القريبة وباحات الاستراحة وتقودها إلى كوخ الوسيطة ، هناك ستفتح فخديها لكل قادم من أجل لذة عابرة ، لم يكن لسليمة ملاذ غير ذلك، لا هي ولا العشرات من ممتهنات الدعارة بالحي، سينتهي بها المطاف في بيت أبا العربي الفراكة، وفي كوخه ستلد عبد الرحمان، وبنتين توأمين، ما ذنبها هي حين سيسمع عبد الرحمان بأن العربي ليس أباه، وما ذنبها حين سيسمع بأنها هي نفسها ليست أمه وما ذنبه هو حين سينبت في هذا الحي كشوكة في قدم الحياة.

2) رشيد ولد العربي الأعور:

 رشيد سيولد دون أن يكون مقررا له أن يخرج للحياة، فقد غاب أبا العربي الأعور عن دوار الحاجة تاركا سليمان وميلودة لحادة زوجته، تأكل من أجلهما الجمر والأشواك لكي يحظيا بفرصة في العيش، وجاء إلى فران صحراوة بحي أبي رقراق يتصيد البشر ويغتصب الجثث ويطعمها للنار، الصدفة وحدها ستجعله يلتقي بحادة من جديد ويقذف في رحمها بذرة الشر. هل ولد رشيد من قذارة ابا العربي الأعور. نعم ولد من قذارته وبقيت حادة تحمل إثمه حتى أفضت بسرها لسليمان فأحرق سليمان الفران وأحرق العربي وأحرق الجوار وفر إلى أرض مسناوة من حكم بالمؤبد.

3) مراد ولد السلاخ:

 المكي السلاخ سيلتقط مينة من البويتات بحي يعقوب المنصور ويأتي بها حاملا إلى كوخه بحي أبي رقراق، ويستمر في تجواله حاملا سكاكينه وسواطيره، حتى تنغرس سكين بين ضلوعه بعد زيجتين أخريتين. وهو بعد في السابعة سيعرف مراد بأن المكي ليس والده، وبأن أمه أيضا" عاهرة" مثل باقي أمهات الحي وأن أباه مثل باقي الآباء في الحي و الذين ليسوا آباء لأحد، الجميع يتزوجون في أكواخ وسيطات الدعارة من عاهرات ، والجميع يسمي الواحد منهم الآخر ابن العاهرة، ولا أحد منهم يعرف من يكون أبوه ، وأحيانا فلا أحد منهم يعرف من تكون أمه، فكم من مرة وضعت الأم مولودها في كوخ الوسيطة وهربت إلى حي آخر.

هنا سيكبر الثلاثة بين مزاريب الأكواخ وأقدام العصابات،سيرون الموت ويمشون بين القتلى، سيشربون ما تبقى من ماء الحياة في القناني الفارغة ويدخنون ما تبقى من أعقاب السجائر ويسرقون ما تستطيع أيديهم أن تطاله من حشيش، وسيحلمون بالخروج من قعر هذا الجحيم، بلا أمل في الوصول إلى قمته بغير السكاكين والسواطير، وهم بعد صغار ستكون السكاكين لعبهم، وستكون المبارزات امتحاناتهم وسيكون كسر الخصم وعصره أو بعج بطنه شهادة نجاحهم في الحياة. وتكون علامات تفوقهم بعدد السنوات التي قضوها في السجن. أو بعدد الندوب والأوشام على الذراع.

لم تكن بالحي مدرسة ولا مكتبة ولا ملعب، كان الحي قطعة من جحيم ملتهب. لا تستطيع الأقدام أن تمشي فوقه فبالأحرى أن تسكنه.

مراد ولد السلاخ، وعبد الرحمان الفراكة، وورشيد ولد العربي الأعور، والعشرات من أمثالهم الذين يفترقون عنهم في الاسم ويلتقون معهم في المصير نفسه الذي لا اسم له سوى ورطة الوجود، هؤلاء وأولئك جميعا ولدوا من رحم الجحيم وصهرتهم نار القعر في حممها ونسبوا لأكثر من أب وعاشوا بين أكواخ القوادات وأقدام رجال العصابات، عاشوا بين فرن يطهو الخبز بالنهار على نار من حطب الجثث التي يتصيد أصحابها الفرناطشي الأعور ، ولعبوا بين السانية والكاليتوسة لعبة الكبار، أعدو ا سكاكينهم وسواطيرهم ولم يكن لهم من أفق غير أن يصبحوا قتلة وحشاشين وسكارى كعصابة صحراوة والشعبة... لم يكن لهم من أفق غير الولجة وعكراش ودوار الحاجة وأرض مسناوة وجبل الرايسي... ولما أرادوا تغيير الأفق والانتقال إلى جنة النبلاء،، لما أرادوا الخروج من القعر مهما كلفهم ذلك من ثمن، مات أولهم برصاصة شرطي، ومات الثاني ورفيقته بسكين رجال عصابة الشعبة، وحكم على الثالث بستة عشر سنة من السجن... مرت الآن منها خمس سنوات وبضعة أشهر كلما خرج من زنزانة انفرادية تلقفته أخرى وكلما حاول الهروب فشل، وما يزال يعيش على أمل الخروج من قعر الجحيم، ياه لهذا العالم يقول لنفسه متذكرا رشيد وعبد الرحمان، لا وجود لحثالة ونبلاء، كلنا حثالة وأبناء عاهرات، وحدها الفلوس هي الشريفة العفيفة التي تستحق الاحترام.

 8) بلاغة التعبير: في رسم المكان ووصف الإنسان:

اعتمد الروائي وباقتدار كبير اقتصادا تعبيريا مذهلا في تشكيل عالمه الروائي وتدبير ثرائه اللغوي والفكري " بناء وتركيبا وتصويرا وتخييلا" ، موزعا اهتمامه الصريح والمضمر على أربعة أقطاب مزاوجا ما بين السخاء اللامتناهي أو التقتير الدال على النبذ والإقصاء أو المفضي إليهما:

1) قطب السلطة:

تحضر السلطة في الرواية باقتضاب في العبارة وجفاء في الوصف من خلال ممثليها الأقربين لواقع الحي، فيحضر الأمن وتحضر الشرطة عند الاعتقال أو عند الاستنطاق أو عند التربص وإطلاق الرصاص، ويحضر المخازنية والقوات المساعدة عند هدم البناء ويحضر القايد بمناسبة قبضه لمقابل غض الطرف عن البناء العشوائي وبمناسبة إشرافه على عملية هدم أبنية من لم يفهموا رؤوسهم، وحين يحضر اسم الوزير فإنما فقط كمظلة لعصابة الصحراوي التي أثرت من بيع الكيف والحشيش وصارت لها أذرع في السلطة.

وهؤلاء جميعا لا ينتسبون إلى الحي، إنهم يأتونه من الخارج لفرض القانون أو لإعادة ترتيب الأوراق وتوزيع الأدوار وتأديب من يحتاج إلى تأديب. وحده المقدم وشركاؤه يحظون باهتمام خاص وبوفرة في الوصف وإحاطة تامة بالأدوار التي يلعبها بمعية شبكته داخل الحي، ذلك أنه جزء من تركيبته البشرية، المقدم وعائلته، إخوة وزوجة وأبناء وأما.

إن حضوره القوي في ذاكرة مراد ولد السلاخ، يعبر فعلا عن مدى تأثيره في الوسط ذاك الذي عاش فيه وانتسابه الفعلي إليه. المقدم عين السلطة التي لا تنام ومهمازها.

2) قطب "التنابلة":

المقصود بهؤلاء المحظوظون من ساكني جنات الدنيا، المترفون أصحاب القصور والفيلات والثروات، ويبدو أن ذاكرة ولد السلاخ لا تحتفظ لهم باسم أو صورة أو حضور ما، حتى وإن كان عابرا أو شكليا، إنهم كما يقال بالفرنسية يلمعون بغيابهم، باستثناء حديثي العهد بالنعمة من أهل الحي فهؤلاء جزء من حياة مراد ، ولا يمكن فعلا للحي أن يتشكل فقط من السكارى والحشاشين والقتلة والشماكرية، لا بد ممن يمسك بخيوط اللعبة عن قرب ويدير الحروب عن قرب ويوزع الأعطيات عن قرب، وهؤلاء غالبا يعيشون بقدمين واحدة في الحي والأخرى بعيدا عنه، وهم مرشحون لمغادرته ولمجاورة التنابلة، وإن لم يحصل ذلك لهم هم بالذات فلا شك سيحصل لواحد أو أكثر من ذرياتهم بينما سيهوي واحد آخر أو أكثر من هذه الذريات إلى قعر الجحيم.

أما التنابلة الذين توارثوا الجاه والمكانة والثروات أبا عن جد أو تلقفوها بضربة حظ، فهؤلاء لا يحضرون بالمرة ولا حتى كخلفية للحكاية، كل ما يرشح عن عالمهم هو أسماء الأحياء أو الممتلكات، الفيلات والقصور، و أحياء الرياض والسويسي وبير قاسم التي صارت عند أبناء الهامش عنوانا للخلاص وللنجاة من القهر.

لذلك، فهذا الغياب الساطع لهؤلاء لا يفتأ يؤكد حضورهم في كل همسة وفي كل كلمة وفي كل حلم وكل حركة ترشح من بين أنفاس أبناء الحي.

3) قطب المكان: أقصد بالمكان الفضاء الذي شهد جريان الوقائع والأحداث، ويبدو قاسيا جافا موحشا وموغلا في العداء، يبدو المكان ضد الإنسان في أكثر من صورة، ويحضر باقتضاب شديد: الأكواخ ــ السطوح ــ البراريك ــ القصدير ــ الكاليتوسة ــ دكان المهيدي أخ المقدم ــ الغابة ــ الفران ــ عكراش ــ باحة الجامع ــ السانية ــ هضبة جبل الرايسي ـ أرض ميساوة ـــــــــ الولجة.

يبدو مكانا للرعب ولانتظار الموت فقط، إنه مكان مختصر لحده الأقصى. لا مكان فيه للربيع ولا للأزهار ولا للأطيار ولا للحياة، ولا مكان فيه للتراحم أو التزاور أو الترفيه أو التسلية أو التأمل والاسترخاء. هو مكان فقط للاختباء والتخفي وللتربص والترقب، مكان لم يكن جديرا بالحياة أن تبحث عن أنفاسها في صدره، ولكنها فعلت، فماتت منخنقة. رغم ذلك فإنه كلما تعلق الأمر بالحي كان السخاء ميزة التعبير الذي يُظهر البراعة الخاصة للكاتب في تحويل أبشع الأماكن والمشاهد كساحة سياج الفران مثلا أو كوخ ابا مجيد الفراكة إلى أجمل اللوحات.

4) قطب الحثالة: الحثالة هنا ليست وصفا قدحيا بقدر ما هي وصف موضوعي لانتماء هذه الفئة إلى القعر الاجتماعي كرشيد وعبد الرحمان ومراد وسليمة وخنفاج و العربي الأعور أو على الأقل عيشها في محيطه كالعروسي وابا موح الصحراوي و عمار زوج زهرة. وهؤلاء الأخيرين يعيشون في المحيط نفسه ولكن دون أن يعيشوا الظروف نفسها، وإن كانوا يساهمون في خلقها، لأنهم هم من يدبر تجارة المخدرات ويسيطر على مصائر أبناء الحي ويحمي أكواخ القوادات والنساء الهاربات..

وبسخاء لا يضاهى يرسم مراد بقلم الكاتب صورا جديرة بأن تكون لوحات تشكيلية تتخذ كشاهد على النبوغ الفائق في الوصف والتصوير. بل وشاهد على أن الرسم بالكتابة قد يتفوق على الرسم بالألوان والتصوير بالكاميرا، إنها لوحات فنية خالصة أبدع فيها الكاتب أيما إبداع، وأجرى الخيال واللغة لتلوين الكلمات بألوان الواقع والحقيقة بل وجعل النفسيات تنعكس على الملامح بدون ما حاجة لأن تبصرها العين. ،( أضف إلى ذلك أن الحوارات كلها جديرة بالتشخيص المسرحي مثلما أن كل وصف جدير بالتصوير السينمائي، إنها بالفعل مشاهد ولوحات ولقطات يمكن أن تتخذ كنموذج لهذا الفن الذي نسميه رواية).

يصف الكاتب ابا مجيد ويصف سليمة ويصف عبد الرحمان ورشيد ويصف ابا العربي الأعور ويصف ابا موح الصحراوي ويصف المقدم العروسي والمهيدي وموسى والغزواني، بل وفي تحد فني جميل ومشوق يرسم الكلبة لايكة في تحولاتها ومسوخاتها العجيبة ليجعل منها كائنا مرعبا وخالدا لا يموت.

إنه بالفعل يفي بالتحدي الذي رفعه مراد ولد السلاخ الذي جعل رهانه أن يكشف عن الهويات المقصية وأن يجيب عن الأسئلة الحارقة:

من أين جئت أنا ؟ من أين جاء عبد الرحمان؟ من أين جاء رشيد؟

نعم يكاد هذا السخاء يصرخ لقد جئنا من هنا؟

جئنا من الأكواخ والبراريك والقصدير والسطوح. جئنا من المزاريب ومن الخواء المرعب، خرجنا من بين الدكاكين السوداء ومن بين سكاكين العصابات. لا نعرف أباء وقليلا ما نعرف الأمهات. لكننا نحلم بالخلاص مثلما قد يحلم كل إنسان بالخلاص. من قعر هذا اليأس العظيم خرجنا إلى الحياة لكننا لم نجد الحياة في انتظارنا فحملنا السكاكين وشققنا صدر الحياة لكي تصل صرختنا إلى الآذان الصماء ولكي تصل صورتنا إلى الأعين المطفأة.

9) بقية قول:

إنها واحدة من المرات القليلة بالنسبة لي على الأقل التي أقرأ فيها عملا روائيا مغربيا استطاع صاحبه وباقتدار كبير أن يضع الهامش تحت الضوء وأن يفتح أبوابه أمام من كانوا يمرون بمحاذاته دون أن يعرفوه أو الذين كانوا سببا في نشأته أو الذين يحملون عنه صورة مزيفة أو الذين يتخذونه خلفية عجائبية لأشرطتهم أو قصائدهم أو قصصهم.

إنه الهامش الفعلي، وليس الهامش المتخيل أو المتوهم.

 وقليلة هي الأعمال القادرة على بسط ثقافة المهمشين وشرح تأثير الإقصاء والنبذ على النفسيات وفضح كل مركز سواء كان ثقافيا أو سياسيا أو اجتماعيا بالبراعة الأدبية والفنية والفكرية نفسها التي نجدها في الحي الخطير. وإن حصل، فلن يتعدى ذلك الاسم أو الاسمين ليبقى الحي الخطير من الأعمال الرائدة وغير المسبوقة في الكشف عن واحدة من أعتم قارات الهامش .

 

 

بقلم : جمال الدين حريفي -القنيطرة  

 

 

1145 salamصدرحديثا عن دار ليندا للطباعة والنشر والتوزيع - سوريا / السويداء، كتابي الجديد (أزقة الأحلام) وهوعبارة عن مجموعة نثرية

 تصميم الغلاف للفنان كنان رشيد، الاخراج والإشراف العام للشاعرة ليندا عبد الباقي .

جاء الديوان في 93 صفحة من الحجم المتوسط .

كتب مقدمته القاص والروائي الكبير الاستاذ زيد الشهيد السماوي، مشيرا في جزء منها قائلا " في مشروعِه الأدبي الذي جنَّس له بـ(مجموعة نثرية) مُبتعداً عّما يطلق عليه بعضُهم قصيدة نثرٍ يكون الأديبُ سلام البهية قد أراحَ القارىء الناقد وجعلَه يدخل على مضمارِ تدوينه برؤيةِ أنَّه امامَ نصوصٍ نثريةٍ تتولّى الحوار مع الذات القارئة وتدخل في مضمارِ التفاعل معها قبلَ معرفةِ ماهيّةِ هذه النصوص وفحواها وأغراضها ... ولأنِّي ممَّن يتابعون همومَ ومشاغلَ ورؤى الأديب سلام، ولكونه يعيش غربةً واغترابا منذ اكثر من عشرين عاماً (يقيم حاليا في استراليا)  فقد حدست أنّ النصوصَ لابدَّ انها تتعالق بموضوعةِ الوطن الذي أُجبر على مبارحته، ومدينته "السماوة" وما يحيط بها وما يتداخل معها من حنينٍ وشوقٍ وشغف، تأسيساً على ذاكرةٍ متوهجةٍ تختزن فيلماً تتزاحمُ مشاهدُه وتتوالى على مكانٍ معشوق، وفضاءٍ زمني مَليء بذكرياتٍ  هي بمثابةِ كنزٍ لا يفنى من الصور والاحداث مؤطرَّة ببراويز من العشقِ السرمدي ...

وفعلاً كانت فاتحةُ المخطوطةِ مُضاءةً بالإهداءِ الموجَّه إلى الارضِ التي عشِقها وهامَ، مقرونةً بشهادتي دجلة والفرات، وفاعلةً بقامات المنائر والقباب وما يحيطها من هالاتِ التقديس  والتبجيل، وباذخةً بسموِّ النخيلِ وكبريائه الباعث على الفخار .. لكنَّك ما أنْ تدخل بستان النصوص حتى تواجهك لافتات الألمِ والحزنِ تحكي مراراتِ الكاتبِ وشقاءَه ؛ تُفصِح عن بوحٍ جارح وحارق ؛ فيه قسوةٌ مريعةٌ يمارسها مع حشودِ مفرداتِ الالم ....."

وأما كلمة الغلاف كانت للاديب والشاعر الكبير الاستاذ مصطفى المهاجر، وقد عبر فيها قائلا:

 "للنثر جمالياته ... كما للشعر تتساوى معه احيانا، وتنافسه في أحايين كثيرة، وواهم من يعتقد ان النثر أدنى مرتبة في البلاغة والتأثير على القارئ والسامع ..!!

ويكفي النثر فخرا أن " القران الكريم " ينتمي اليه و "نهج البلاغة" لسيد البلاغة، ينتمي اليه أيضا

هنا في هذه الباقة النثرية الجميلة الموسومة ب (أزقة الأحلام ) تتزاحم الخواطر و المشاعر والذكريات عن الاهل والوطن والنخل بكل مامر وما يمر عليهم من محن وكوارث ومعاناة انسانية تتجاوز الطاقة البشرية على الاحتمال ربما ...!! 

ولكن يبقى شعاع الأمل المنبعث من الايمان بالعقيدة والولاء للوطن وانسانه المبتلى بكل ذلك، يبقى حيا في القلوب والنفوس والضمائر في انتظار فجرحياة جديدة وذلك ما جسده قلم الاديب " سلام البهية السماوي " عبر مشاعره وكلماته الصادقة .. فتحية له  داعيا له بالتوفيق ..."

ولايسعني هنا الا ان اتقدم لاساتذتي الكبار الروائي والقاص الاستاذ زيد الشهيد، والاديب والشاعر الاستاذ مصطفى المهاجر بالشكر الجزيل ووفقهما الله وتعهّدهما برعايته ومحيّاهم رب العزة والجلال، ولهما من قلبي المحبة والدعاء بالخير كله والعافية كلها والإبداع كله ....

 

سلام البهية السماوي- ملبورن

 

 

1144 nabilصدرعن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة كتابي الموسوم (الدرة البهية في تاريخ مدينة الديوانية...منذُ تمصيرها حتى عام 1917م...العهد العثماني). الكتاب احتوى على (550) صفحة من الحجم الوزيري.

الإهداء :::

إلى الرجال المخلصين من أبناء مدينتي (الديوانية) الذين فقدوا حياتهم لرد الظلم والحيف عن أبناء مدينتهم.

للتاريخ نكهته وحلاوته، وكتابة التاريخ فنٌ لهُ مناهجه المعروفة، ونحن العرب تعودنا كتابة التاريخ من خلال مشاهيره وملوكه ناسين أو متناسين كتابة التاريخ الحقيقي للشعوب صانعة التاريخ وبناته المجهولين، فالملوك والأباطرة شيدوا البنايات الضخمة والتي عُدّت من عجائب الدنيا ولا زال بعضها ماثلاً للعيان ونُسبَت لهذا الملك أو ذلك السلطان أو هذا الرئيس وتناسى التاريخ اليد العاملة والعقل المخطط لها، هذه الفلسفة العقيمة ثبت خطؤها وبطلانها، فالشعوب هي من تصنع التاريخ ومن هنا أنطلقت في كتابه تاريخ مدينتي (الديوانية)، فقد أعتمدت المصادر التاريخية والوثائق والمصادر الميدانية من خلال تقصي الأخبار من مصادرها صانعة الحدث والتي لا زالت تتفاعل معي، والتعامل مع المصادر يحتاج لقدرات كبيرة على الفحص والتدقيق فقد تختلف وجهات النظر للرواة تبعاً لتوجههم الفكري والطبقي، وقد تتباين رواية الحادثة من مؤرخ لآخر لأن كلاً منهم نظر إليها من زاويته أو وجهة نظره، من هنا يظهر دور الباحث في التوفيق بين الروايات للخروج برؤية قريبة من الحقيقة أو الحقيقة ذاتها.

بعد صدور كتابي الأول (تاريخ الديوانية السياسي والاقتصادي والاجتماعي) بثلاثة أجزاء، وبتوجيه من الأخوة والمتابعين أرتأيت أن أكتب تاريخ مدينة الديوانية عن كل حقبة زمنية بكتاب منفصل، أما هذا الكتاب فيخص حقبة العهد العثماني واحداثه، ثمَّ سيليه كتابان آخران حول حقبتي العهد الملكي والعهد الجمهوري، وبسبب ما حصلت عليه من مصادر ومعلومات جديدة تخص مدينة الديوانية صدر هذا الكتاب.

ولتأريخ مدينة الديوانية لا يمكن قراءتهُ قراءة دقيقة من دون دراسة التطورات التاريخية للمدينه، حيث تمثل الدراسة الشاملة للتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مقدمة مهمة لمعرفة التاريخ العام للعراق بصورة تفصيلية.

مدينة الديوانية لها أهمية تأريخية كبيرة، كما لها خصوصيتها في تاريخها وجغرافيتها وآدابها، وهي بذلك حلقة مكمِّلة لحلقات المدن العراقية الأخرى، لقد تناول تأريخ مدينة الديوانية أكثر من باحث ولمدة زمنية محددة، ولتسليط الضوء على الأحداث التاريخية التي مرَّت بها المدينة جاء كتابنا هذا تحقيقاً لدراسة الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمدينة منذ تأسيسها ولغاية عام 1917م.

فما زالت مدينة نفّر وتلول إيسن وبسمايا ومدينة مرد وأبو الصلابيخ شواهد شاخصة ومعالم واضحة لحضارة أصيلة، على أرضها وقعت معركة القادسية عام 636 م في صحراء الشنافية، وما زال التاريخ يذكر مدينة الرماحية المندرسة، ومنطقتي الحَسَكَة ولملوم، ثم ظهور اسم الديوانية في النصف الأول من القرن الثامن عشر 1747م، وقد شيدها شيخ قبيلة خزاعة حمود آل حمد، وصراعهم المستمر مع قبيلة الأكرع بزعامة محمد آل حمود وأبنه شبيب، سميت بديوانية الخزاعل لبناء قلعة على النهر ودار ضيافة، فكانت تلك البداية لمدينة الديوانية، وفي عام 1858م اتخذها العثمانيون مركزاً للقضاء.

اختلفت آراء الباحثين في تحديد تاريخ نشأة وموقع مدينة الديوانية، فبعضهم أرجع تأريخ نشوئها إلى عام 1671م وحدد موقعها في بلدة اللملوم وهي عاصمة إمارة الخزاعل من جنوب الحلة وحتى العرجة شمال مدينة الناصرية مدللاً على ذلك بأن أمارة الخزاعل كانت هذه حدودها، حيث كانت تختلف في مظهرها العام وتركيبتها السكانية عما هي عليه في الوقت الحاضر قبل أن تصل إلى ما وصلت إليه من التطور النوعي والحياتي . وبعضهم يُرجع نشأتها إلى عام 1688م وهو تاريخ تدفق نهر ذياب (نهر الديوانية حالياً) مستنداً بما موجود من آثار وشواهد تاريخية حيّة ما تزال شاخصة إلى يومنا هذا، وهناك رأي يؤكد أن تاريخ تمصير مدينة الديوانية يعود إلى عام 1747م بدلالة بناء الشيخ حمد آل حمود شيخ الخزاعل ديوانه على الجانب الغربي من نهر الديوانية، وتبدو هذه الأخيرة أكثر وضوحاً إذ أشارت إلى تاريخ مباشرته في بناء المدينة، ثم بدأ توسع المدينة، إذ تم بناء المساكن والدور وقد قصدها التجَّار فصارت من أفخر بلاد العراق واحسنها في مجال الزراعة والمنتجات الزراعية.

اليوم وفاءً لهذه المدينة وللعطر النازف من وردة الشوق في قلوب أبنائها وددت الكتابة عن تاريخ المدينة الصعب، لأن هنالك من يؤيد وهنالك من يعارض، والمعارض يخاف كشف المستور من تعاون آبائه أو أجداده مع الاستعمار البريطاني أو الأحتلال العثماني، ومنهم من كان جاسوساً ساعد الأجنبي على احتلال العراق عام 1918م، ليستغلوه مادياً ومعنوياً لإشباع رغباتهم في الحياة حتى الرحيل، لا يفكرون بتاريخ عوائلهم أو سمعتهم، لأن التاريخ سيسجل ذلك مهما طال الزمان.

لندوّن في أوراقنا تاريخ هذه المدينة، العالقة بين آلام الجفاف، وأبقتها أمنيات النهوض، وأحلامها الغافية علّها تعود مدينة العنبر وشاي (الكچرات)، والحنين ونسائم هوائها العليل، ونذور أمهاتنا، وشموع خضر الياس في مساءاتنا، وهي تطفو على مياه نهرها، الحالم بالعودة إلى تلك الأيام الخوالي.

لقد تمَّ تبويب الكتاب على ستة فصول، احتوى الفصل الأول الموقع والمناخ لمدينة الديوانية، والآثار التأريخية لها في عصور ما قبل التاريخ، ومدن المحافظة بعد تمصيرها والوحدات الإدارية المرتبطة بالمدينة ومعالم مدينة الديوانية الدينية، وتأريخ التعليم الحوزوي في الديوانية، أما الفصل الثاني فقد تضمن عشائر الديوانية وصراعهم فيما بينهم ومع السلطة العثمانية ومتطلبات شيخ العشيرة في منتصف القرن التاسع عشر، وتأريخ عشائر الخزاعل وعشائر الأكرع وصراعهم المستمر مع الحكومة العثمانية والتكوين العشائري للواء الديوانية ونبذة عن تأريخ كل عشيرة، والفصل الثالث احتوى على التشكيلات الإدارية للواء الديوانية من الأقضية والنواحي، أما الفصل الرابع فقد تضمن الانتفاضات العشائرية في لواء الديوانية، والفصل الخامس احتوى على الحالة الاقتصادية لمدينة الديوانية في العهد العثماني ودور العوائل اليهودية في تطوير النظام الاقتصادي في المدينة، أما الفصل السادس فقد تضمن طبيعة المجتمع الديواني الاجتماعي والأدبي وطبيعة البيت الديواني في العهد العثماني.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

iman mohamadعن دار العارف للمطبوعات ببيروت صدر لأستاذي الدكتور (عبد الرضا عليّ) كتابه النقديّ الجديد الذي وسمه بـ: (قيثارة أورفيوس .. قراءات في السائد والمختلف) ضمَّ بين غلافيه  دراسات نقديّة عديدة في حقلي التنظير والتطبيق ابتدأت في تأصيلِ القولِ ـ إيجازاً ـ (عن الشعر في العراق في القرن العشرين) أشار فيها إلى ما كان لهذا الشعر من منجزات، وما كان فيه من ظواهر فنيَّة وظَّفها صانعوهُ في مضامينهِ، فضلاً عن وقوفِها عندَ إنجازات بعضِ رادة التحديث الذين حاولوا تقديم النصِّ الأنموذج.

 كما عالج هذا الكتاب قضيَّتي (الغموض والإبهام في الشعر) تنظيراً لأمن اللبسِ في فهم الظاهرة على نحوٍ عام، لأنَّ بعضَ الناشئين لا يميِّزُ بينهما، ولا يدركُ الفروق الجوهريَّة بين المصطلحين كما يقول المؤلّف، ثمَّ كانت دراستهُ للسيّاب ـ في ذكرى رحيله ـ  هدفاً (كما يقولُ) للوصولِ إلى بنيَةِ نصِّهِ بداءةً من مخالفة السائد، وصولاً إلى تحقيقِ النصِّ الأنموذج الذي كان بدر قد سعى إلى تحقيقه.

 كما تناول هذا الكتاب دور الخيال الشعبي في تكوين الميثولوجيا العربيَّة،  وما تناقلته بعض المظان القديمة من تلك الصورالميثولوجيَّة، واعتبارها من الحقائق (للأسف)، وترويجِها بين الناس.

أما (حركة نقد الشعر في الموصل منطلقاتُها واتجاهاتُها) فيمكن عدّها واحدةً من الدراسات المستفيضة في نقدِ النقد في جانبيهِ : التنظيري، والتطبيقي لأكثر من ربعِ قرنٍ في حراكٍ ثقافيّ نقديّ لمدينةٍ كان بعضُ أبنائها من رادةِ التحديثِ في العراق، فضلاً عن دراساتٍ أخرى في بنية النصِّ، ونسيجهِ، وفلسفتهِ.

1141 abdulrida أمَّا القسم الثاني من هذا الكتاب، فقد كان تطبيقيَّاً، حيثُ اهتمَّ بالنصوصِ الفنيَّة التي خالفت السائدَ، وتمرَّدت عليه، وسعت إلى التجديدِ في فلسفةِ النصِّ، وبنيةِ النسيجِ، والاهتمام بالتدويرِ، أو بالإيقاعِ الداخليّ، فكان أن وقفَ عند تلك النصوصِ محلِّلاً مفسِّراً مقوِّماً، لينتهي إلى تأصيلِ القولِ في أهمِّ ملامحِها المختلفة.

 إنَّ هذه الدراسات في السائدِ والمختلف ستحفِّز العيون المغمضة (كما يرى المؤلّف) على فتحِ أجفانها.

ومع أنَّ مقدّمة المؤلّف الموجزة حاولت أنْ تجيب عن بعضِ ما قد يُثيرهُ القاري من أسئلةٍ عن السائد الرصين، والمختلف الجديد، فإنّنا نرى أنَّ الوصولَ إلى تلك الإجابات لن يتمَّ دون قراءة الكتابِ برمّتهِ في قسميه ألتنظيري والتطبيقي، لأنَّ قراءات المؤلِّف النقديَّة لبعضِ الآثار الإبداعيّة تحليلاً، وتفسيراً، وتقويماً في القسم الثاني التطبيقي أظهرت أنّه يضع بعض السائد الرصين معادلاً للمختلف الجديد من حيث المعياريّة. وقبل أن نعرض تلك المقدّمة الموجزة للمتلقّي الكريم نشيرُ إلى أنَّنا كنّا وراء كتابة التنويه الذي كتبه أستاذي الدكتور عبد الرضا عليَّ توضيحاً لدراسته عن (حركة نقد الشعر في الموصل منطلقاتها واتجاهاتها)، فقد رجوتُه أن يوضح للمتلقّي أسباب حجب نصف تلك الدراسة في (موسوعة الموصل الحضاريّة) آنذاك في العام 1992، ليطلع الجميع على ما كانت تقوم به بعض ما سمّيت بلجان السلامة الفكريّة في زمن الطغيان.

*****

 وإليكم ما عرضته مقدّمةُ هذا الكتاب بلغة الشخص الثالث المستحبّة لدى أستاذي: (تَـنبَّهَ وهو في أشدِِّ معاناتهِ من أسقامِ المفاصلِ، والسكّريِّ، والكولسترول، وما إليها من آلامِ العمود الفقريّ إلى أنَّ بعضاً من دراساتهِ النقديَّةِ التي أخلصَ القولَ فيها لمَّا تنتظمْ بعدُ بين دفَّتي كتابٍ يحفظُها من الضياعِ بعد الرحيلِ، ورأى أنَّ استكمالَ قراءاتهِ النقديَّةَ الجديدة، وضمَّها إليها قد يُشعرُهُ بالرضـا النسبيِّ في أنَّ مشروعَهُ الثقافيَّ الذي حلمَ بإنجازِهِ لا يزالُ قابلاً للتنفيذِ، فسارعَ إلى إنجازِ بعضِ ما رغِبَ في إنجازهِ على الرغمِ من تلكَ الآلامِ التي يسببها له الجلوسُ وراءَ الحاسوبِ، وشرعَ  بضمِّ الجديدِ إلى القديمِ مراعياً الصلةَ في تناسقِ بعضِها ببعضٍ، فارتأى أنْ تكونَ قراءتُهُ (عن الشعرِ في العراق في القرن العشرين) هي المدخل المناسب لهذا الكتابِ، مع أنَّ هذه القراءةَ لم تكنْ الأجدَّ في إنجازهِ، رغبةً في جعلِ المتلقِّي الكريم يقفُ على ما كانَ قد توصَّلَ إليهِ من نتائجَ نقديَّةٍ رآها حريَّةً بالنشرِ بين الناسِ منهجيَّاً، تحقيقاً لهدفِ المنهجِ العلميِّ في الوصولِ إلى الحقيقة وإذاعتِها بين الناس.

 وحينَ أعادَ قراءةَ دراساتهِ جميعاً اكتشفَ أنَّ بعضَ أبياتِ استشهاد الشعريَّةِ قد تكرَّرتْ، فلمْ يرَ ما يوجبُ القيام بتغييرِها، لأنَّ السياقَ العام للاستشهادِ كانَ موضعُهُ سليماً، فأبقاها مقتنعاً معتزَّاً بها حيثُما وردت، لأنَّها حقّقَتْ شأوها المطلوب.

 إنَّ هذه القراءاتِ النقديَّةَ التي احتفتْ بالسائدِ الرصينِ، وأشادتْ بما حقَّـقَهُ من خلاصاتٍ احتفت في الوقتِ نفسِهِ بالنصِّ المدهشِ المخالفِ ِالذي ناقشَ السائدَ الراكدَ، وخالفهُ، فضلاً على أنَّها قد دعتْ (ضمنيَّاً) إلى تجاوزِ حالاتِ التقليدِ الفجِّ، والاشتغال (والانشغال أيضاً) بالوجعِ الإنسانيِّ الذي لا يتردَّدُ في أنْ يتعاطى مع الأسئلةِ الملحّةِ، فالشعرُ رؤيا، وليسَ من شروطٍ على فاعليَّـتهِ، والقراءة في السائدِ والمختلف ستحفِّزُ العيونَ المغمَّضةَ (كما نزعم)على فتح الأجفان) .

 

عرض: إيمان محمّد ـ ألمانيا

                                                   

 

ata mansourعزيزي القارئ: قراءتي اليوم في كُـتَـيّب يحتوي على 250 صفحه من القطع الصغير ضمّت بين جنباتها ما اختاره الكاتب هادي العلوي من شعر اللزوميات للشاعر الفيلسوف ابي العلاء المعري يقول فيه انها دراسة عن شاعرنا المعري يتضمن نقد الدوله والدين والناس، والكُـتـيّـب صادر عن مركز الابحاث والدراسات الاشتراكيه في العالم العربي، الطبعة الاولى لسنة 1990.

يبدأ الكُـتـيّب بفاتحه ثم ينهيها الكاتب بتنبيه يقول فيه [جَرَيْتُ في هذا الكتاب على طريقتي في النحو الساكن الهادف الى تيسير اللغة وتقريبها من لغة الكلام دون الاخلال ببنيتها الاساسية]

أقول لو تأملنا حقيقة ما كتبه الكاتب لوجدنا فيه تغريباً لاتقريباً وتعسيراً لاتيسيراً فـتيـسـير اللغة لايعني انتهاك أسـس لغويه سليمه وابدالها بلغه ركيكه وهزيله، وما كانتْ اللغه بناءً عـشـوائـيًّـا  في يوم من الايام حتّى يأتي هادي العلوي بنحوه الساكن وطريقته الهادفه بزعمه .

انّ هذا الكلام الارتجالي الذي يطنطن به كثير من دعاة التجديد من بينهم الدكتورعلي الوردي ما هو الا عمليه مدروسه للتخريب يقف وراءها معسكر كبير للفكر الغربي للنيل من هذا التراث اللغوي العريق .

وأقول لهادي العلوي كان عليك ان تتنبه الى مُـسـتواكَ ووضعِك الحقيقي مِنْ أنّـكْ لم تكن إماماً في النحو ولاحُجّـةً في اللغة لتخترع لنا الطريقة الساكنه، وكان الاليق بك أن تعترف بمحدودية معلوماتك في قواعد النحو وبهذا تكون اكثر صدقاً واحتراماً  في نظر القارئ .

ومن قول الكاتب في نحوه الساكن [اللزوميات او لزوم ما لايلزم هي ديوان لأبو العلاء المعري] فهو يقول

ابو العلاء والصحيح هو ابي العلاء لكونها مجروره باللام، وعلى هذه الطريقة الساكنه نجد الكثير من الاغلاط النحويه في كُـتـيّـبه الذي يقول عـنه أنّـه  جمع فلـسـفة المعري كلّـها فيه وعلى طريقة الكاتب في النحو الساكن  .

ففي الصفحة 15 من الكُـتـيّـب يقول الكاتب هادي العلوي [لا انكار ان المعري شاعر، هذا ما اتفق عليه الاقدمين وهو كذالك بمعيار الحداثه الادونسي والمعري عند أدونيس شاعر حقيقي] .

أقول كان على الكاتب ان يقول الاقدمون وليس الاقدمين ثم اني اسأل من يكون ادونيس حتّـى يضع المعايير؟

انّ المعايير لايضعها شخص مهما بلغتْ منزلته الادبيه او العلميه او السياسيه وانما هي انطباعات أجيال وأجيال عن ذلك الشاعر او الاديب من خلالها يتم التقويم أما ما يقوله ادونيس فما هو الا انطباع شخصي لا يُـرْكَـنُ اليه كما  ان المعري في غِـنى عن تقويم شاعريته لانه من الشاعرية بمكان مع قدرة لغوية متميزة .

وفي الصفحة 19 يتناول العلوي السلوك الديني في شعر المعري فيقول [نقد الدين كأديولوجيه، يطال به الالوهيه، النبوه، مفردات اصول الدين والعقائد والعبادات والشعائر] .

أقول اذا كـنّـا قد اغمضنا أعـيـننا عن النحو فلا يمكننا أن نغمضَ على تركيبة الجملة الركيكة وكان عليه ان يقول : نَقَـدَ المعري الدين كأديولوجيه تناول فيها الالوهيه الى اخـره بدلاً من يطال لأن الفعل طال يطول  .

والحقيقه ان المعري والعلوي ومن على شاكلتهما لم ولن يطولوا من الالوهية او الدين ولوبمقدار جنح بعوضة او اصغر وفي نفس الصفحة يقول [يميل انكار الاله تارة والطعن بعدالته وحكمته تارة اُخرى] ويسـتـشهد

بثلاثة ابيات من لزوميات المعري .......

قلتم لنا خالق حكيم   قلنا صدقتم كذا نقول

زعمتموه بلا مكان  ولازمان ألا فقولوا

هذا كلام فيه خبئ   معناه ليست لنا عقول

ثم يعقب العلوي شارحاً الابيات فيقول [تنفي هذه اللزوميه وجود شيئ خارج الزمان والمكان اي خارج العالم، فلو تصورنا وجود اله فلابدّ ان يكون داخل العالم وهو محال فلـسـفـيّا لأن يقتضي اثبات الجهة كما أنّـه يقتضي اشتمال الاله على مادة حتى يصح له وجود داخل عالم مادي مشتمل على الزمان والمكان] انتهى شرح هادي العلوي. وأقول اذا كان المعري معذورا لكونه أعمى فأنتَ يا علوي غير معذور وأنت ترى وتقرأ عن هذا الكون الفسيح العجيب وعن الاكتشافات العجيبة المذهلة لهذا الكون، وكان عليك وعلى المعري ان يسأل نفسه من اين اتى هذا الكون المادي الذي لايمكن تحديد حدوده الى الان؟ وكيف تكونت كينونته الدقيقه المنسجمة الحركة والدائمة ؟؟ وحسب المنطق الفلسفي الذي يقول لابدّ لكل مخلوق من خالق ولكل موجود من واجد كان من المنطق ان يقول من أين اتى هذا الكون ومن أللف بينه بهذا النظام البديع الرائع؟ اترك الاجابه  للعلوي ولشاعرنا المعري ولمن على شاكلتهما وإنّا لله وإنّـا اليه راجعون .

ويتناول الكاتب ابياتًا من شعر المعري التي ينقد فيها الدين وينكر الخالق وهي ......

ومولد هذي الشمس اعياك حـدّه     وخبّـر لبٌ أنه متقادم

وقوله ايضا

ولو طار جبريل بقـيّـة عمره    عن الدهر ما اسطاع الخروج عن الدهر

وعلى هذا يعلق الكاتب فيقول [تبعاً للمشائية الافلاك خالده والعالم الازلي هو هذا العالم الذي تتوسطه الشمس الازليه مثله وحدوده هي حدود مجموعتنا الشمسيه بعد ادخال النجوم الثوابت فيها، وفي الفلسفة الحديثه  الخالد هو المادّه فقط دون الاجزاء المركبة منها، امّـا مجموعتنا الشمسيه فهي مركبات غير خالده من المادة الخالده وقد تناولت اللزوميه ازلية العالم من خلال ازلية الشمس فأصابت في الكُلّي وأخطأت في الجزئي] انتهى

أقول كان الاجدر بالكاتب ان يقول ان الشاعر المعري قد اخطأ في الجزئي وفي الكلّـي وقد شـطّ عن الصواب حين ربط شاهديه بالدين ولو تأملهما لوجدهما يدوران حول رأي فلسفي، وان الدين لا يمتّ الى الفلسفة في شيئ وإنّما الفلسفة قد تطـفّـلت عليه حيث راحت تدور حول الدين باسـتـنـتاجات لعقول محدوده ووسائل قاصره  تقارن وتقيس من خلال المحسوسات الماديه بمثيلاتها عن قدم العالم والزمان المقرون بهما، ولو علموا ما نعلمه اليوم عن الكون لخرّوا ومنهم المعري الى الاذقان ساجدين و مسبحين خالقَه المبدعَ المصورَ، أمّـا من يتعامى عن هذه الحقيقه ويكابر فما من حسابه علينا من شيئ والى الله مرجعنا جميعا واليه المصير .

ويقول الكاتب هادي العلوي << ويمشي المعري على الادلوجية السائده بعد ان يضع جانبا مذهبه الفلسفي في الالوهية فيحمّـل الخالق المعترف بوجوده في هذه الادلوجية مسؤولية هذا الخلل فيقول .....

والله اذ خلق المعادن عالمٌ     ان الحدادَ البيضَ منها تجعلُ

سفك الدماءَ بها رجالٌ أعصموا    بالخيل تلجم بالحديد وتنعلُ 

اقول ان تذبذب الشاعر بين انكار الخالق والاعتراف به وتحميله فساد الطبيعة البشريه هو ضرب من الهذيان ثم ان شاعرنا المعري في حالته القلقة هذه  نسي اوتناسى ان الخالق قد خلق البشريه للامتحان وانّ جميع ماخلقه الباري للبشر يحمل في جوانبه الخير والشر والنافع والضّار والصالح والطالح ومنها المعادن واعطى الحريه بالتصرف الى الانسان فاذا اساء التصرف او الاستخدام فما هو ذنب الخالق في اساءة المخلوق ؟؟

والمعري لايرى من المعادن الا جانبها السيئ وهو كما نقول لا يرى الا الجانب الفارغ من الكأس وهذه هي النظرة التشاؤمية التي يتبناها شاعرنا المعري .

ويقول الكاتب هادي العلوي في الصفحة 23 من كتيبه [أن المعري اكتشف من قراءته الكتب المقدسة الثلاثة ان المسلمين اخذوا دينهم عن اليهود وان اليهود كذبوا على الله في قوله ......

كلّ الذي تحكون عن مولاكم      كَـذِبٌ أتاكم عن يهود يُـحـبّـرُ 

ويعلق الكاتب فيقول: هذه خلاصة مركزة لمقارنة الكِتابين المقدّسين اللذين نعتبرهما دراسه مبكرة إذْ لم يتجه البحث العلمي الى استطلاع العلاقه بين الاديان السماويّـة إلّا في القرن الماضي .

أقول كان على العلوي ان لايقع في فخ المقارنة لأن مُشَـرِّعَ  الاديانِ هو مُـشَـرِّعٌ واحدٌ ثم ان المنكر الى الاصل وهوالله تبارك وتعالى عليه أنْ لا يتطرق ويماري في فروع الدين لأن الكلام فيه يصبح ضرباً من السفاهة .وفي الصفحة 25 يقول الكاتب << واتّهمَ المعري الاديان بالتسبب في الحروب والعداوات بين الناس وهذه تهمة مستقاة كما يبدو من الرازي الذي لاشك أنّ المعري قد قرأه بامعان وبالنسبة للاسلام فان ما يعجّ به تأريخه حتى عصر المعري من صراعات دامية إنّما نتج عن حروبه الاولى وذلك في قول المعري .....

وانّ القتل في أُحدٍ وبدرٍ   جنى القتلين في نهرٍ وطفّ

اقول لقد غاب عن بال المعري أنّ الحروب كانت قائمة قبل أحدٍ وبدرٍ قبل مجيئ الاسلام وبعده وسوف تبقى حالة الصراع الدموي بين البشرية الى ماشاء الله مادامت النوازع الانسانيه من مطامع ومن ظلم قائمة على الارض، وليس للدين في هذه الصراعات يد لامن قريب ولا من بعيد وإنّما هو اي الدين توجيه تربوي روحي للارتقاء بالانسان الى الطهر والنقاء والتحلل من كبول الماده وهذا مايتعارض والنزعه البشريه القائمه على حُبِّ الشهوات والاهواء وليس كما ذهب اليه الشاعر من أنّ أحداً وبدراً هما السبب في معركتي النهروان التي كانت بين الامام علي والخوارج ومعركة الطّـف التي دارت بين جيش يزيد وبين الامام الحسين ومعه نفر من عائلته واتباعه وهذا القول فيه وهم كثير من الشاعر .

ويقول الكاتب العلوي [ولم يَـتَـبَـنَّ المعري اي عقيدةٍ للشيعه إلّا في مسألتين وردت احداهما  في لزوميه رائيّـه تقول ......

  لمّـا تولّـى يزيدُ الامرَ هان على       معاشرٍ كونه من قبل في عُمَـرِ  

وفيه اشارة الى ان حكم الامويين قد مُهِّـدَ له في السقيفه وهوقول الشيعه ولو انه لايقتصر عليهم فقد ذهب ابو حـيّان التوحيدي في الامتاع والمؤانسه الى أنّه من نتاج فتح مكه وأن التمهيد للأمويين تمّ على يد النبي نفسه والتوحيدي من خصوم الشيعه وانما عَـبّر عن رأي شخصي في قضية من قضايا التأريخ وهذا هو شأن المعري والمسألة الثانية هي مسألة الجِفْـر والقول للكاتب العلوي هو جلد جدي يزعم الشيعة انه يحتوي على علم اهل البيت وما اطـلعوا عليه من اسرار العالم بالالهام الالهي تقول اللزومية عن ذلك

لقد عجبوا لاهل البيت لمّـا     أتاهم عِلمُهم في مِسْكِ جِـفْـرِ

ومِرآةُ المنجِّم وهي صُغرى    أرته كل عامرة وقَـفْــرِ ] انتهى قول الكاتب .

أقول لقد توهم الكاتب من انّ الجفر يحتوي على علم اهل البيت وما تقوله الشيعة عن حقيقة الجفر هوكتاب فيه تحديد الحقوق والارش والديّـات وما تعارف عليه الناس في المعاملات بخط الامام علي وإملاء الرسول عليه  وعلى آله أتم  الصلوات والتسليم  وليس كتاب علوم غـيـبـيّـه وما الى ذلك من تقولاتٍ ما أنزل الله بها من سلطان واذا كان شاعرنا المعري والسواد الاعظم من الناس لايعرفون حقيقة الجفر لدى الشيعه في ذلك الزمن كان يتوجب على الكاتب وهو الباحث الواعي ان لا يعوم على عوم الاخرين ممن غابت عن اعينهم الحقيقه ومَنْ أزمَنتْ في نفوسهم الاحقاد  وأنْ يـتـدارك هذا التجـنّي وينوه عنه كباحـث لواقع تأريخي .

كما أنّـي أعجب من شاعرنا المعري الذي يُـكذّبُ النبوءاتِ ويُـنكر وجود الخالق كيف يصدق منجِّما يُـريه العالم في عامره  وغامره بمرآة لاتزيد مساحتها على كفّ انسان؟

والاعجب من هذا قول المعري .....

الشهب عظّـمها المليكُ ونَصّها       للعالمينَ فواجبٌ إعظامُها

فالشاعر المنكر لوجود الخالق يطلب من الناس تعظيمُ الشهبِ لأن المليكُ وهوالباري عزّ وجلّ قد عظّمها ومعنى التعظيم عبادتها او تقديسها هذا هو واقع شاعرنا الفيلسوف الذي لايقف عند رأيٍ ولا يستقرُّعلى حال .

ويتطرق الكاتب الى رأي المعري في الحُكّام المسلمين الذي يسـتـنـد على قول : كون الانسان شرير بالطبع في قوله ......

وأرى ملوكاً لاتحوط رعـيّةً       فعلام تُجبى جزيةٌ ومكوسُ ؟؟

أقول هذه حقيقه قائمة الى الان ما دام الحاكم يرى نفسه فوق القوانين السماوية او الوضعية فما علاقة الدين بهذا الصدد وهل الدين جعل من الملوكِ خلقاً فوق بني  البشر ؟؟ هذا قولٌ  فيه  الكثير من  التخريف، ويذكر العلوي شاهدا اخر للمعري فيقول .......

توحّـد فانّ الله ربُّـكَ واحدٌ     ولا ترغـبنّ بعِـشرةِ الرؤوساءِ

أقول ان في قول المعري نصيحة ولكـنّها لاتتجاوب مع الواقع كما أنّ في معنى البيت غفلة من الشاعر حين طلب  الشاعر من المخلوق أن يتوحد كما هو الخالق في وحدانيته، لان الخالق متوحد بذاته وقدرته ومستغني عن جميع خلقه بينما المخلوق ضعيف ومحدود الامكانيه وزائل فاذن هي نصيحة خاويه حتى أنَّ قائلها لم يلتزم بها فكيف يطلب من الاخرين الالتزام بها ويعقب الكاتب لرأب الصدع فيقول : [والراجح انّـه يخاطب المثقفين إذْ هم المعنيين اساساً بصحبة الرؤساء] .

أقول قد يكون التبرير صحيحاً ولكن هل بالامكان للمثقفين ان يعيشوا متوحدين على فرض الاخذ برأي المعري  ومعايش المثقفين من السابقين الى يومنا هذا وسوف تبقى بأيدي الحكام والمتنفذين من أهل المالِ والسلطه ؟؟ هذا كلام مَنْ لا يَعي  .

اذن فالكاتب العلوي اراد ان يرقعها فخَـرّقها وأساء التَدبّرَ والتدبيرَ .

ويستطرد الكاتب فيقول [ان نقد المعري للدولة لم يمنعه من نقد المعارضة وقد مـرّ بنا أنّـه اي المعري لم يوفر ايّ فرقة اسلاميه من ذمّـه حتى لو كانت فرقة يشاركها في مجمل طروحاتها القائمة على العقل كالمعتزلة ومن هنا يأتي نقده للقرامطه ثم يعرج الكاتب فيقول من جهة ثانيه لم يلتفت المعري الى الاضطهاد الشنيع الذي كان يلقاه الزنج في جنوب العراق ويصعب القول انه لم يكن يعرف شيئاً عن ذلك، ويقول ايضاً ان المعري لم يستنكر الرق بدا وكأنّـه يساير أرسطو في اعتبار الرق من عمل الطبع اي ان العبد عبد بالطبيعة ويأتي بشاهد للمعري على ذلك فيقول ......

ولولم يرد جور البزاة على القطا      مكوّنُها ما صاغها بمناسر

ويعلق الكاتب فيقول يريد المعري تعزيز قوله الاول بأنّ العبد عبد والحر حرّ بالفطرة .

أقول انّ هذا الشاهد من مضحكات شاعرنا المعري فهو هنا يعترف بمكوّن لهذه البزاة وينسى أو يُعرضُ عن  قول الله تبارك وتعالى الذي ساوى بين البشرية حين قال في كتابه العزيز [يا ايها الناس إنّـا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم] صدق الله العلي العظيم  وقول الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم [الناس سواسية كأسنان المشط] وكان عليه اي المعري ان يكون داعيةَ تحررٍ لأن الاستعباد حاله مفروضه لا حاله طبيعيه كما تصورها او تأثربها من قراءتـه لأرسطو على حدّ قول الكاتب وكذلك يعزز الكاتب العلوي مبدأ بشاهد آخر للمعري فيقول .......

وهل الوم غـبـيّا في غباوته      وبالقضاء أتـته قِـلّـةُ الفِطَـنِ  ؟؟

أقول وهل إلّا الاغبياء هم المنعمون في هذه الدنيا والمتنبي يقول ......

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله      وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم 

اذن فالغباء وقلة الفطنة نعمة مع جور الحكام وفساد الناس .

ويقول الكاتب هادي العلوي [تُـظهرُ اللزوميات كراهـيّةً شديدةً لآدم بصرف النظر عن الاقرار بوجوده او عدمه مع استخفاف به وبحوّاء، والمعروف ان آدم معدود من الانبياء في حين يصر المعري أنّـه لم يكن عاقلاً والا لكانت ذريّـته عقلاء، وذهب بعيداً فاتهمه بالفجور مستنداً الى حكاية تزويجه ابنه من بنته معتبراً هذا الزواج من باب الزنا ومنتهياً الى القول بأن البشر اولاد زنا] انتهى قول الكاتب من غير شاهد للمعري يؤيد به ما قال عنه وهذا ما لايصح ولا يُـقبل من باحث مبتدئ فكيف بالباحث هادي العلوي، واذا كان قول المعري بأن الناس اولاد زنى فعلى هذا القول يترتب كون المعري ابن زنى وهذا لايقول به عاقل .

ويقول الكاتب في كُـتـيّـبه في شاهد للمعري .......

 لو اتّـبعوني ويحهم لهديتهم   الى الحق أو نهج لذاك مُقاربِ

اقول أليس هذا بالعجيب من شاعرنا الفيلسوف الذي يطلب التوحد والابتعاد عن الناس لجـبـلّة البشرالسيئة ينبري بهذا البيت  ليكون قائداً لهم فيهديهم  الى الحق او اقرب ؟؟ ومن هذا البيت استطيع أن أسـتـشف نزعة المعري الى الزعامة لكـنّه لم يُصرِّح   بها لبعض الاعتبارات ولخوفه الدائم من الحكام والوشاة، والكاتب يؤكد هذا الشيئ في قوله [ان ترك التسمية في نقد السلطة عامل صيانة هام فقد قُـتِـل بشار بن برد على بيتين هجا فيهما المهدي العباسي والمعري اذكى من بشار او لنقل اكثر تماسكاً منه] .

أقول التماسك لا يكون مع الانسان الخائف يا استاذ هادي وإنما مع الجريئ الشجاع فكيف تَنقلبُ عندكَ الموازين  ؟؟ وما اراكَ   إلّا حابيتَ للتوافق في نظرتك المتـذبـذبة مع المعري  للحياة الى حـدّ ما .

وينقل الكاتب في الصفحة 58 حواراً دار بينه وبين شيخه الاستاذ عبد المعين الملوحي فيقول العلوي [انا منزعج من جبن المعري والقول للعلوي] فيرد عليه استاذُهُ [كان الاولى ان تنزعج من جبنـنا نحن اهل هذا العصر وأوصاني ان لا اجور عليه] ويعني به المعري انتهى الحوار بين التلميذ العلوي والاستاذ الملوحي .

أقول ما ردّ به الاستاذ على تلميذه يُـغـنيني عن الرد حيث ان الاستاذ الملوحي أدانَ به كاتبنا العلوي لجبنه الذي وصم به غيرَهُ .

ويستشهد الكاتب بقول المعري فيقول .......

تعالى الله فهو بنا خبيرٌ    قد اضطرت الى الكَذِبِ العقولُ

نقول على المجاز وقد علمنا  بأن الامر ليس كما نقـولُ

ويعلق الكاتب فيقول [ولا شكّ ان المجاز ـ الكذب الذي يقصده هو في لزومياته المؤمنه فهو مضطر الى إعلان ايمانه وغير مضطر الى اعلان كفره  .

أقول كان على الكاتب ان يقول كان المعري مضطراً لمجاراة الناس على ايمانهم  للتضليل بآرائهِ وخلط الاوراق وهذا هو النفاق بعينه وربما يقول قائل انها التقيه فأقول ان التقية لاتكون بهذه الصوره وعلى هذا

ينقل الكاتب شاهداً فيقول: [أرى زمناً تقادم غير فانٍ    فسبحان المهيمن ذي الجلالِ] فيعلق الكاتب فيقول

[ففي صدر البيت فكره فلسفيه وفي عجزه تسبيحة لاعلاقة لها بالفكرة وانما سبّح للتعمية ويورد شاهداً اخر

فيقول: [خالق لا يُـشـكُّ فيه قديم   وزمانٌ على الانام تقادمْ]  ويُحِبُ اي المعري ان يكون الشطر الاول غطاءً للثاني لأن الاول مؤمن والثاني مارق] .

ويقول الكاتب وفي تكتيك آخر يُعلنُ رأيه بصراحة ثم يعقب عليه بالدعوة الى الصمت وتحاشي الجرأة في الكلام  ويذكر الشاهد فيقول .......

ولستُ اقولُ أنَّ الشُهبَ يوماً      لبعث محمدٍ جُعِـلتْ رُجوما

فأمْسِكْ غَربَ فيكَ ولا تُعوّدْ      على القول الجراءةَ والهجوما

وشاهد اخر يقول فيه :

ولو لم يرد جور البزاة على القطا    مكوّنها ما صاغها بمناسرِ

رأيتُ سكوتي مَـتجراً فلزمته     اذا لم يُـفـدْ ربحاً فلـستُ بخاسرِ

ويعلق الكاتب فيقول في اللزومية الاولى طعن في خبر قراني وفي الثانية حَـمّل الخالقَ مسؤولية العدوان في الطبيعة ويعقب الكاتب فيقول عموماً خدمت هذه الاساليب اغراضه في التعمية على المؤسسة الدينية بحيث حالت دون الاتفاق على قرار بشأنه] انتهى قول الكاتب

فأقول وأختم قراءتي بأبيات اوردها الكاتب للمعري فيقول ...... 

قد ترامت الى الفساد البرايا      واستوت في الضلالة الاديانُ

أنــا اعـمى فـكـيف أهـدي الى الـمنهـج والـناسُ كـلّـم عـمـيـانُ

أقول كفى بالشاعر حين اقر بحقيقة عماه واعني عمى البصيرة نعم انها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور .

وأودُّ التنويه الى أنّ الكاتب هادي العلوي ماركسي الفكر يتفق والمعري في تفضيل حرق جثمان الميت كما في قول المعري ......

فاعجب لتحريق اهل الهند ميّـتهم       وذاك اروح من طول التباريحِ 

إنْ حرّقوهُ فما يخشونَ من ضبعٍ        تسري اليه ولا خِفيٍ وتطريحِ

والنار أطيبُ من كافور مـيتنا             غِـبّاً وأذهبُ للنكراء والريحِ 

ومعنى الخِفي هو النبش  كما ذكره العلوي وفي تفضيل الحرق على الدفن ينقل لنا الكاتب شاهداً اخر فيقول:  اذا حَرّق الهنديُّ بالنار نفسه   فلم يُبقَ نحض للتراب ولا عظم

فهل هو خاش من نكير ومنكر   وضغطة قبر لايقوم لها نظم ؟؟

أقول أنّ شاعرنا المعري خالف فلسفته بالحرق فلم يوصِ وقـد دُفِنَ في المعرّة معرة النعمان في سوريا، وأمّـا كاتبنا العلوي فطلب أنْ يُدفنَ جثمانه في إيران إلّا أنّ الايرانيين رفضوا دفنه كما سمعتُ من بعض  الناس ولم يوصِ بحرق جثمانه حسب عـقـيدتـهِ التي تبناها وذَكَـرَ أخوه حسن العلوي في هامشٍ من كتابه عمر والتشيع أنّ أخاه نُقِـل من الصين الى سوريا مريضاً ومات ودُفِنَ فيها سنة 1998 وذكر ايضاً ان سبب انتقال اخيه هادي من اسلامي متزمت الى  ماركسي مُلِـحد هو موت أمّـهما المبكر وهي في ريعان الشباب وهذا إنْ دلّ على شيئ فانّما يدل على عدم توازن عقلية هذا الكاتب وهشاشه ايمانه وإنّـا لله وإنّـا اليه راجعون .

 

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

 الدنمارك / فايلا       

 

 

shaker faredhasan2أهداني الصديق الشاعر عبد القادر عرباسي "أبو صخر"، ابن كفر قرع، ديوانه الشعري الأول "ذريني مع الريح" الصادر حديثاً، ويضم بين دفتيه قصائد تمتد على سنوات، تراوح بين الشعر والنثر والاهزوجة، وتتناول موضوعات شتى، سياسية ووطنية وانسانية ووجدانية ورومانسية، فيها نبض وحياة .

جاء الديوان في ٢٥٠ صفحة من الحجم المتوسط والورق الصقيل وفي طباعة انيقة، ولكن يتقصه الفهرس، ويهديه الى "عيون سكنت اليها روحي ووجدت بها وطن" .

كتب توطئة الديوان د. أسامة مصاروة مشيراً الى " أن هناك شعوران او احساسان يتقاسمانه ويحاولان السيطرة عليه من ناحية . واحدة نجده مؤمناً بأن النصر سيكون في النهاية حليف شعبه ووطنه، نراه اذا يتغنى بوطنه وبعشقه لهذا الوطن وهو عشق مطلق لا حدود له على الرغم من الوضع المأساوي الذي يمر به والذي يزرع في قلبه وروحه اي احساس باليأس والاحباط، سيظل التفاؤل السمة الغالبة على مشاعره، لكن مثله كمثل غيره من الوطنيين الأحرار، يقع مراراً فريسة للتشاؤم الذي يفرضه الوضع العربي الراهن، وضع يمزق قلب كل وطني مخلص لوطنه وشعبه وأمته لذلك نرى الشاعر متأرجحاً بين هذين الاحساسين المتناقضين - التفاؤل والتشاؤم " .

عبد القادر عرباسي شاعر مسكون بالاوجاع والجراح، وبالندى والوطن، شعراً ورؤية واحساساً وحلماً، يسكب جراح وعذاب الذات وعشق الوطن في قصيدته، التي ترتدي وشاحاً ملوناً، واصباغاً تضاهي اصباغ والوان قوس قزح، وهي قصيدة شفافة ورقيقة، متعددة الطبقات النصية، ومكتظة بالوهج الشعري والنبض الروحي الممتلء بالشوق والحزن والأسى والغضب مما تراه عيناه من رداءة وبؤس واقع، وعهر أنظمة، وزيف مجتمعي، ونفاق مستشر غداً أفة العصر، ومن تراجع القيم، وتدهور الاوضاع السياسية والاجتماعية والحياتية .

ما يميز قصائد عبد القادر عرباسي مضامينها المتشعبة والتزامها الطبقي رطرحها الفكري وغزارة معانيها وجزالة الفاظها ورقة تعابيرها واسلوبها الشاعري الانسيابي كالشلال، الذي ينتمي للسهل الممتنع، وصوره الشعرية الفنية التي ترصد عمق المعاناة النفسية الذاتية والوجدانية، وعمق المأساة الفلسطينية .

وقد أجاد شاعرنا عبد القادر عرباسي في التعبير عما يترسخ في ذهنه ووعيه من أفكار نيرة عميقة الابعاد، وعما يجيش ويختلج في صدره من مشاعر واحاسيس انسانية صادقة النوايا .

وتبدو فيها شخصية عبد القادر عرباسي واضحة وظاهرة للعيان، فهو ينتمي لمعسكر وجيوش الفقراء والمسحوقين والكادحين والمهمشبن والمعذبين وبسطاء الشعب، ومنحاز لقضاياهم الطبقية وثورتهم الحمراء القادمة حتماً، ونجده شاعراً وانساناً لا يصنع حوله هالة مقدسة، ولا يلهث وراء الشهرة القاتلة، ولا ينظر الى الناس من برج عاج، ولا يتشامخ ويتطاول، ولا يحتقر ولا يستهين، ولا يتفاخر انه في ذروة المجد والعظمة، بل فان عينيه تحسنان البصر والبصيرة، فلم تريا البشرية أقزاماً أو نملاً، أو أشياء صغيرة، انهم بشر آدميون، انسانيون، لكل منهم مشاعره واحاسيسه وشخصيته المستقلة .

ومن أجواء الديوان وقع اختياري على قصيدة " انتظريني ريثما يخضر عودي " .. حيث يقول:

انتظريني ريثما يخضر عودي

سأعود مع الربيع مجدداً مع الجمال عهودي

صامد جذعي بعمق التراب ضارب

يروي قصة سالف الدهر عن جدودي

فيا أرض عشقت ترابها

لك الولاء والوفاء أجمل مكان في الوجود

فأنا الأعزل من السلاح مرابط

لن انثني لن يقدر المحتل نفي وجودي

فما دامت بطون النساء تحمل

تتعاقب الأجيال تكاثراً ضمن حدودي

سنظل ننشد للبقاء جهارة

فيا نفس عن أوطاننا ذودي

مهما فعل الظلام وهدموا

فيك الحياة والممات ديرتي

فيك تأكد تواصلي وصمودي

صبراً عزيزتي يا مسقط رأسي

من سالف العصور وعهد ثمود

لا بد لليل أن يبزغ فجره

ولا بد ديرتي لأهلك

يوماً ان تعودي

اننا اذ نرحب بالديوان الذي يستحق القراءة والاهتمام النقدي، وللشاعر الرفيق الجميل عبد القادر عرباسي تهانينا، مع اجمل التحيات واطيب الامنيات، ومزيداً من العطاء والابداع والتألق، ولنا عودة ووقفة اخرى في القريب العاجل مع قصائد الديوان الجميلة، بمضمونها واسلوبها وعفويتها .

 

شاكر فريد حسن

 

 

kamal alhardiما يربو عن 500 عام مذ رحل عن عالمنا (ماكيافيلي) صاحب أشهر مقولة نفعية على الإطلاق (الغاية تبرر الوسيلة). تلك المقولة العابقة بالانتهازية ارتبطت باسمه ارتباطا وثيقا ليصبح اسمه - فيما بعد ولمئات السنين - سيء السمعة ومثير للاشمئزاز لدى أصحاب الفضائل الداعين إلى كرائم الأخلاق وجواهر الإنسانية.

في كتابه (الأمير) ذكرت تلك العبارة وغيرها من العبارات التي ارتبطت لدى شريحة واسعة من القراء بمعاني الخسة والدناءة والمبادئ الرخيصة. والمثير لشيء من العجب أن تلك العبارات ذكرت صراحة دون تورية أو تغطية، وأنه ساقها للأمير في قوالب النصح والإرشاد لدرجة أنه أباح دماء المعارضين والذي كان منهم من احتضنه ورباه حتى صار فتيا! يقول المدافعون عن المنطق الماكيافيلي أن كتابه يتناول الأشخاص كما هم لا كما يجب أن يكونوا، بيد أن ذلك لم يجد نفعا في تحسين اسمه الذي صار مرادفا للشر.

يقول ماكيافيلي أنه وضع في كتابه (الأمير) خلاصة فكره وتجاربه في مضمار السياسة، ثم أهداه للأمير ليسترشد بأفكارة الذي ظل مشغولا بتحصيلها لسنوات عديدة. وفي مقدمته استهل حديثه بمدح المنبت الشريف للأمير والصفات الشخصية التي يتحلى بها، ثم أردف ذلك قائلا: الناس يهدون الحكام جياد أصيلة أو أسلحة ثمينة أو ثياب موشاة بالذهب أو الأحجار الكريمة، أو ما شابه ذلك مما يليق بمكانتهم العظيمة، وأنا لا أجد أثمن من كتابي هذا لأهديك إياه. وفي حقيقة الأمر أنه كتب الكتاب وأهداه إلى الأمير عله يحظى مجددا بالمنصب الذي فقده إبان الحكم السابق، وبذلك فإن ماكيافيلي هو أول من مارس النفعية السياسية بعد تأليفه للكتاب ليثبت قناعاته بأن القوى المحركة للتاريخ هي المصلحة المادية، وأن ما هو مفيد فهو ضروري حتى لو تطلب الوصول إلى الغايات تجاوز الاعتبارات الدينية والأخلاقية.

ومن تلك الارشادات التي أوصى بها الأمير في كتابه بأن لا له رذائل مفضوحة أمام الناس، فالناس يودون أن يروا حاكمهم في صورة حامي حمى الفضيلة، وإن كان خلف الأستار عاشق لمستنقعات الرذيلة. إذن فما يضر الحاكم - وفقا لماكيافيلي - هو أن يظهر الرذيلة، أما إذا أبطنها فلا ضير ولا بأس. كما يوصي أيضا في كتابه بضرورة أن يكون الأمير محبوبا ومرهوبا أو مرهوبا فقط، وأن من الضار للأمير أن يكون محبوبا فقط؛ لين الأمير المحبوب يغري خصومه به بطريق الاستخفاف بنظامه أولا، ثم تحريض العامة ضده، ثم الانقضاض عليه. أما الأمير المحبوب والمرهوب ففي يده سيف لمن عارضه وفي الأخرى مال لمن آزره. ويرى ماكيافيلي أن الأمير القاسي أكثر رحمة من الأمير اللين، لأنه بقسوته أكثر رحمة من أولئك الذين يسمحون بظهور الفوضى بسبب لينهم، لكن بامكانه كذلك المضي قدمًا بكثير من الحكمة والإنسانية؛ فالثقة المفرطة ستكسب الأمير سمعة المغفل، وعدم الثقة ستظهره بمظهر الغير متسامح. وفي كتابه يشير على الأمير أن يظل

 معترفا بجميل أولئك الذين ساعدوه للوصول إلى السلطة ؛إذ يتعين عليه أن يمنحهم ميزات تلبي طموحاتهم، و تحميهم من عقوبات قد يوجبها عليهم القانون.

ومن نصائحه للأمير الجديد أن يقضي قضاء مبرما على الأسر المالكة في الأرض التي دانت له بالخضوع، وألا يغير قوانينهم وأعرافهم ونظام الضرائب كيلا يكسب سخط الناس وعداوتهم؛ الشعب سيدين لك بالولاء إذا لم تغير ظروف حياتهم أو عاداتهم ومعتقداتهم. هذا بالإضافة إلى أن الأمير يتحتم عليه أن يقيم بالأرض التي استعمرها كي لا ينهب رجاله خيرات تلك الأرض ومقدراتها، وكذلك ليتمكن من معالجة الاضطرابات وهي لا تزال في المهد قبل أن تتفاقم وتغدو مستعصية العلاج. أما بالنسبة للفكر الاستعماري فيقول عنه: الرغبة في تملك الأشياء أمر طبيعي وعادي جدا، ومن يستطيع ذلك فسيمدحه الناس ولا يلومونه، أما من يريد التملك ولا يستطيع تحقيقه فسيقع في سلسلة من الأخطاء ينجم عنها لوم كثير.

أما عن أنظمة الحكم فقد تحدث عن نظامين. الأول يكون فيه الأمير ذا سلطة مطلقة، ويخول وزراءه أو معاونيه ما يرتئه من سلطات. وهذا النوع من الأنظمة يصعب إسقاطه باستمالة معاوني الأمير لأنهم لا يملكون سلطة مطلقة، ولذلك فمواجهة جيش السلطان هو السبيل إلى السيطرة. أما نظام الحكم الثاني فهو أن تكون السلطة مقسمة بين الأمير وبارونات حكم أخرى من أسر عريقة لهم امتيازات خاصة لو فكر الأمير بتجريدهم منها لعرض نفسه للخطر. وهذا النوع من الأنظمة يمكن إسقاطه بسهوله بشراء ولاءات أولئك البارونات أو بعض منهم، إلا أن الإمساك بزمام الحكم سيكون فيه الكثير من الصعوبات بسبب تعدد مصادر السلطة. أما عن القواعد العامة للسياسة التي لا تخيب إلا فيما ندر  فقد كتب ناصحا للأمير : كل من يتسبب في أن يقوى غيره يهلك نفسه لأنه يفعل ذلك إما بالحيلة أو بالقوة، وهاتان الصفتان موضع شك ممن يصل إلى السلطة .. وللحديث بقية.

 

كمال الهردي: كاتب وروائي يمني

 

 

1140 rasheedتعيش الطائفة العلوية في مجتمع تظهر فيه أحزاب وافكار خارج الطوائف ينتمي إليها أبناء تلك الطوائف، لكن ليس معنى هذا أن هؤلاء يمثلون طوائفهم، مثلما يحصل الخلط بين النظام السوري والطائفة العلوية النُصيرية.

صدر عن دار مدارك للدكتور رشيد الخيون كتابه الموسوم (النُصيرية العلوية بسورية، السياسة تصادر الطائفة) الكتاب يحتوي على (176) صفحة من القطع المتوسط، قسم الكتاب إلى أربعة فصول، وهو دراسة عن الطائفة النُصيرية التي تعيش في سورية، وللدكتور الخيون بعض الملاحظات حول الطائفة قد لا يتفق معهُ الباحثين والمؤرخين الآخرين.

ظهرت البوادر الأولى للطائفة النُصيرية بعد وفاة الإمام الحسن العسكري (260هـ)، وغياب ولدهُ المفترض محمد الملقب بالمهدي، في السَنة نفسها أعلن أحد وجوه الشيعة الإمامية آنذاك (محمد بن نصير النميري) (ت 70هـ) أنه المكلف بشأن الإمام الغائب، متجاوزاً بذلك السفراء الأربعة، ويؤكد الخيون في كتابه ص17 قائلاً :"مثلما هو الحال لدى الاثني عشرية، وبذلك أخذ يتردد في كتب الملل والنحل اسم النُميّرية عند البعض وعند البعض الآخر عرفوا بالنُصيّرية".

وهناك رأي لكتاب ومؤرخون تورطوا في الكتابة عن النُّصيريين العلويين ومنهم ابن الأثير (ت630هـ) في حوادث السنة (494هـ) على أنهم العلويون أو النُّصيريون الذين أشار إليهم بالباطنية، إنما على ما يبدو كان يقصد الإسماعيلية / النزارية أصحاب حسن الصَباح (ت 518هـ)، أو توهم بمقالتهم فنسب بالإسماعيلية إليهم . كما أخطأ ابن الأثير بروايته، وهو يأتي بأخبار الباطنية أي النزارية الذين عرفوا بالحشاشين قائلاً :"كان أهل عانة نسبوا إلى هذا المذهب قديماً، فأنهيَ حالهم إلى الوزير أبي شجاع أيام المقتدي بأمر الله"(1).

ويرى الخيون في الفصل الأول من الكتاب أن شهرة الإسماعيلية فربَّما آنذاك جعلت الأمر يلتبس على المؤرخين أو الرّواة في شأنهم، ففي ص 24 من كتابه يقول :" إلا فعانة معروفة بوجود النُّصيرية لا الإسماعيلية، ومنهم الشاعر اليساري المعروف رشدي العامل (ت1991م)، ووزير النفط والقيادي البعثي تايه عبد الكريم، هذا ما نعلمهُ على السّماع من أهل الثَّقة".

وقد اشتهر مذهب النصيرية في العصر الحديث بالعلويين، مع قولهم بأن اسمهم المضاع قد عادَ إليهم، وهو اسم فيه إشكالية، فسلسلة الأئمة وأبوابهم حسب ما ذكر في كتاب (تاريخ العلويين) : تبدأ بعلي وبابهُ سلمان الفارسي وتنتهي بالحسن العسكري وبابهُ النميّري"(2).

ويؤكد د. الخيون في كتابه ص23 قائلاً :" لم يبق بالعراق إلا عائلات محدودة، بعد أن كان النُصيريون يشغلون محلة السَّراي بعانة غربي العراق، إذ بلغ عددهم فيها نحو الستمئة ظلوا يمارسون عقائدهم بسرية، ولهم اتصالات بنصيرية سورية . على حد عبارة الكرملي :"ذكر لي ثقات، أن لهم وجوداً آنذاك بمنطقة تلعفر بين سنجار والموصل، حسب ما ورد في مجلة (لغة العرب) باب أسئلة وأجوبة . الجزء السادس . والمجلد الخامس . السنة الخامسة من 368. والجزء السابع. ص432".

وقد رصد د. رشيد الخيون في كتابه هذا الحالة النُّصيرية منذ التأسيس، وكيف تمَ الانشقاق عن الشيعة الاثني عشرية، وعلى ماذا اعتمد الذين كتبوا ما لا يرتضيه العلويون، وكيف قامت لهم دولة ثم انتهت خلال ستة عشر عاماً (1920-1936م) بالذوبان بالدولة السورية، والتي عُرفت بدولة (جبال العلويين) وكيف أن العلويون أنفسهم طلبوا الوحدة مع سورية بعد اعتراضاتهم على الإدارة الفرنسية، إلا أن الخيون وجد في كتابه هذا على أن لا يكتب في عقائدهم، إلا أن العلويون قد كتب الكثير ضدهم، يقولون العلويون : نحنُ مسلمون، نصلي ونحج ونزكي ونؤمن بما جاء به الإسلام، ويعلنون بأنهم اماميون جعفريون يقرّون بإمامة علي والأئمة من أولاده واحفاده الاثني عشر، وبالغيبة وعدم موت المهدي وبظهوره، فقد قامت بزيارتهم المرجعية الشيرازية من كربلاء وهذا طموحها، إلا أن النظام السوري المحسوب عليهم حتى حصروا بسلطة قرداحة، وهي قرية صغيرة في سوريا لم يسمع بها أحد لكن تولي عائلة الأسد الحكم مما عرفت بعد ذلك كما عرفت في العراق بسلطة العوجة على نظام صدام حسين.

يذكر في كتاب (فرق الشيعة): "أن مؤسس الفرقة العلوية هو محمد بن نُصير النميري (ت270هـ)، فهو: صاحب فرقة غالية من القائلين بإمامة علي بن محمد الهادي (ت254هـ)، أصحابه قالوا بثبوته، وإنه كان يقول بالتناسخ والغلو في الإمام المذكور، فسميت جماعته بالنميرية"(3) . كما قالت هذه الفرقة بالحلول وهم اصحاب النميّري، وهو ابن نصير نفسه(4)، فعرفت بالنصيرية، وهنا التسمية جاءت نسبة إلى أبيه نصير . ولعلَّ أول من أشار إليه بالغلو والكذب هو شيخ الطائفة الإمامية في زمانه الشيخ الطوسي (ت460هـ) في كتابه الغيبة(5).

حسب رأي النُصيريين إن لكل إمام باباً، تيمناً بالحديث النبوي (أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب)، ويؤكد الخيون في كتابه ص38 :"ويبدو أن مركز الباب أعلن كمقالة بعد وفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري، فهو آخر إمام يحتفظ بباب له، وبابه حسب الاعتقاد النُصيري العلوي هو أبو شعيب محمد بن نُصير النميّري.

وجاء في كتاب (خطط الشام) بسؤال موجه إلى شيخ النُصيريين العلويين في حينه سليمان أحمد سليمان على استفساره منهُ عن أصل طائفته قائلاً : "لافرق بينهم وبين الإمامية إلا بما أوجبته السياسة والبيئة وعادات العشائر التي توارثها سكان الشام، كثر الناس اختلافاً وأقل أئتلافاً، إذا شيخ مذهبهم الذي ينتمون إليه الخصيبي من رجال الإمامية(6) . ويقصد بالسياسة هو لحظة الانشقاق والاختلاف مع الإمامية على ملئ الفراغ بعد موت الحسن العسكري ثم غياب الإمام المهدي المنتظر.

ويعقب د. الخيون في كتابه ص24 :"لكن الطائفة النُصيرية عاشت ظروف قاسية بسبب العزلة ومطاردة العثمانيين لهم" . ويذكر الخيون في ص 45 من كتابه :" لكن الشيخ العلوي عبد الرحمن الخير (ت1986م) قد شارك ممثلاً لطائفته مع بقية المسلمين فريضة الحج ومشاركته في المؤتمر الإسلامي بالمغرب عام 1972م".

يعتقد العلويون بأصول الدين كما يذكر ذلك عبد الرحمن الخير في كتابه عقيدتنا وواقعنا ص20/21 وهي نفسها عند الجعفرية تماماً (التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد)، والإقرار بفروع الدين (الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد) وزواج المتعة على أن لا يكون من نكاحها بولد لأنهم يعتقدون بأن ولد المتعة حرام وهذا ما ينقل عن النبي انه قال (ولد المتعة حرام وأن الأحرى للمؤمن لا يضيع النطفة في فرج متعة)، وهذا خلاف ما عند الإمامية، كما جاء في كتاب (أصل الشيعة وأصولها) :"إنما شروطها كشروط الزواج الدائم إلا أنها ليس فيها طلاق، بل تنتهي بانتهاء الوقت المتفق عليه، كذلك الميراث في زواج المتعة، وأن لا تكون المتمتع بها كافرة غير كتابية شأن الزوجة بالعقد الدائم"(7).

ويعتقد العلوييون كما يذكر الخيون في ص31 نقلاً عن كتاب عقيدتنا وواقعنا  قائلاً :"أما الكتب المعتمدة لدى العلويون فهي مثلما عند الجعفرية (الكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، والاستبصار للشيخ الطوسي، ووسائل الشيعة لمحمد الحسن الحر العاملي، ورسائل الفقهاء والمراجع الشيعية" . ويعقب الخيون في كتابه ص48 قائلاً :"أما الأعياد فهم يحتفلون بأعياد المسلمين إضافة إلى عيد الغدير وعيد المباهلة وعيد الفراش وعيد عاشوراء"، ويعقب في ص49 قائلاً :"كما أن لهم رأياً بأضرحة الأئمة التي يزورها الجعفرية ويتبركون بها، بأنها لا تحوي أجساد الأئمة إنما أشباههم، لأنهم لم يقتلون"، كم أنهم لا يقيمون اعتباراً لسفراء المهدي المنتظر في تقليدهم الديني، مع كل ما ذكر اعلاه يعتقد النصيرية العلوية بأنهم أثني عشرية جعفرية وهم من اتباع علي ومحبيه المخلصون.

في الفصل الثاني من الكتاب يعرِّج الدكتور الخيون على كتيب (الجيل الثاني) وهي قصة واقعية تحكي عقائد النُصيرية وعاداتهم للكاتب محمد حسين الصادر عام 1986م، ويعتقد الخيون في هذا الكتيب أن الاسم وهمي ودار النشر وهمية لكن المؤلف اعتمد على ما الفهُ سليمان افندي الأذني (قتل 1866م) يقول في ص58 :"وهو اسم حقيقي لشخص نُصيري أو علوي تحول إلى المسيحية وأخذ يسرد ما حملهُ من عقائد طائفته، كان قد ولد عام 1834م وقُتلَ بسبب عصبيته ضد أبناء طائفته السابقة أو لردته عن الإسلام"، وقد ذكر الخيون في هذا الفصل كل من كتب عن النُصيرية منهم تقي شرف الدين في كتابه (النصيرية دراسة تحليلية) وكتاب (سنونة سليما في اصول العقائد والأديان) الصادر في بيروت عام 1876 لنوفل نعمة الله الطرابلسي (ت1886م)، وهو كتاب يسيئ للطائفة النُصيرية ويقوّلهم بأنهم اعتقدوا بألوهية علي بن ابي طالب وأن محمداً متصل بعلي ليلاً ومنفصل عنه نهاراً كما ذكر المؤلف في ص234 من الكتاب، وهذا مما لا يعرف به شيوخ العلويين انفسهم .

وما قدمته بعض الكتب من اساءات للطائفة النُصيرية يذكر الدكتور الخيون في ص83 من كتابه وهي معلومات بعيدة عن الحقائق منها (تناسخ الأرواح والاباحية وقصة برهوم الحاشوش الخرافية.. وهذا ما حصل بحق الشبك بالعراق"، ويعقب الخيون في ص93 من كتابه حول تحريم الزواج من المرأة النُصيرية قائلاً :"يُحرم الزواج من المرأة النُصيرية، وعلى وجه الخصوص من أهل السُنّة، وهنا لا نعمم، فربما هناك من علماء الدين من لهم رأي آخر مختلف،أو يتجاوز ما يشاع عنهم كالذين أفتوا بأنهم مسلمون، وتجب معاملتهم هكذا، مثلما طرح ذلك مفتي القدس أو الديار الفلسطينية أمين الحسيني عام 1936م".

لكن قد تغير حال واقع الطائفة النُصيرية بعد عقد الاجتماعات والمؤتمرات عام 1936 ولغاية عام 1972م، حيث يؤكد الخيون في ص95 :"استقبلت حوزة النجف الدينية طلبة علويين للدراسة فيها للقيام بمهمة الارشاد الديني" . وفي ختام الفصل الثاني يذكر الخيون اسماء أعلام الديانة النصيرية منهم (زكي الأرسوزي وبدوي الجبل وأدونيس).

وقد تضمن الفصل الثالث من الكتاب عناوين كُتب النصيريين العلويين في الدفاع والتعديل عن طائفتهم منهم :

1-   أوهام المؤلفين في أحوال العلويين. الشيخ العلوي تمام أحمد.

2-   عقيدتنا وواقعنا. الشيخ العلوي عبد الرحمن بالخير.

3-   تاريخ العلويين. أمين غالي الطويل. وهو من أهم الكتب.

4-   العلويون بين الأسطورة والحقيقة. هاشم عثمان.

5-   تاريخ العلويين.. وقائع وأحداث. هاشم عثمان.

6-   اصول الدين عند الشيعة العلويين. أحمد عباس.

7-   الهداية الكبرى. الحسين بن حمدان الخصيبي.

8-   العلويون والتشيع. الشيخ علي عزيز الإبراهيم.

في صفحة 118 من الكتاب يذكر الخيون ما جاي بكتاب (الصلة بين التصوف والتشيع) لكامل الشيبي عن مبعوث مرجعية النجف عام 1956م الشيخ محمد رضا شمس الدين لاحظ : إن فكرة تناسخ الأرواح كانت تشتغل في الشباب العلوي هناك (سورية) ومن هنا حاول دحضها وخصها بستة أدلة عقلية : منها لو صحت لكان الثواب والعقاب على الأرض . ولأمتنع الحساب على العموم لتعلق عدة اجسام بروح واحدة . ولزم التحيّر في جواب سؤال من يقول : أين هي روح محمد وعلي؟ وفي أي جسم هي اليوم؟.

أما في الفصل الرابع من الكتاب فقد تضمن نبذة مختصرة عن دولة (جبال العلويين) ايلول 1920م بدعم من الفرنسيين بعد الحرب العالمية الأولى ضد إقامة دولة الأرمن المسيحية في تلك الفترة حسب ما تحدث به الكاتب محمد أمين الطويل (ت1932) في كتابه (تاريخ العلويين) وقصة النزاع بين العلويين والأرمن . وقد استمرت هذه الدولة ستة عشر عاماً، وفي تلك الفترة ظهرت حركة علوية في الدولة الفتية ضد التبشير المسيحي كما ظهر لدى العلويين حزب (الوحدة)، تصدر هذا الحزب الشيخ العلوي علي شهاب، من جانب آخر تأسست رابطة (الشباب المسلم العلوي) باللاذقية.

في ص140 من الكتاب يعقب الدكتور الخيون عن علويو تركيا وعدد نفوسهم كما جاء في (ملف العلويين الماضي والحاضر) قائلاً :"يزيد على خمسة عشر مليوناً) من اربعة وسبعين مليوناً عدد سكان الدولة التركية، ولا يحبذ العلويون بتركيا اطلاق اسم الشيعة على أنفسهم، إنما جعفرية لأن غمرة النزاع بين العثمانيين والصفويين صار كل شيعي إيراني، واشتد الحذر بعد الثورة الإسلامية بإيران (1979م)، وهم ينتمون لعدة قوميات : أتراك وكُرد وعرب والغالبية منهم من الأتراك، ولهم حضور قوي في الأحزاب اليسارية، كونها لا اميز على اساس الدين والمذهب، والأجواء العلمانية توافق الأقليات الدينية عادة، ونسبة قليلة منهم منتظمة في حزب العمال الكردستاني، والذي تعده الدولة التركية منظمة إرهابية، وهي في حرب مستمرة معه(8).

وفي ص142 من الكتاب يذكر الخيون حول تصوف بعض العلويون قائلاً :"ينتمي العلويون الأتراك إلى الطريقة الصوفية البكتاشية، وهي البكتاشية نفسها، اسسها في القرن الثالث عشر الميلادي المتصوف والشاعر حاجي بكداش (ت1271م)... أما على المستوى الاجتماعي فهم يساوون بين المرأة والرجل، هذا شأن الطائفة الحقيقية والحقة".

الكتاب يعتبر ذات أهمية تاريخية لما قام به الدكتور رشيد الخيون من جمع المعلومات والأدلة التاريخية الخاصة بأبناء الديانة النُصيرية العلوية في سورية، وفضح الكتب التي صدرت لتشويه الحقائق وتاريخ هذه الطائفة وإلصاق كل ما هو بعيد عن دياناتهم الجعفرية لأغراض سياسية تبثها الدولة العثمانية وقتذاك، وما تعاقب على سوريا وتركيا من سياسات طائفية.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

...................

المصادر

1-   ابن الأثير. الكامل في التاريخ. ج10.ص323. بيروت. دار صادر. بلا ت.

2-   محمد أمين غالب الطويل (ت1932م). تاريخ العلويين. بيروت. دار الأندلس.

3-   النوبختي. فرق الشيعة. ص93/94.

4-   الأشعري. مقالات الاسلاميين. ص14.

5-   الطوسي. الغيبة. قم. مؤسسة المعارف الإسلامية 1429هـ. ص398.

6-   محمد كرد علي. خطط الشام. بيروت. دار الملايين 1971. ص262.

7-   كاشف الغطاء. أصل الشيعة وأصولها. بيروت. مؤسسة الأعلمي للمطبوعات 1993. ص98.

8-   ملف العلويين الماضي والحاضر. مجلة النور الإسلامية. العدد 50 تموز 1995. ص13/14.

 

 

1139 ahmadيعد النقد الأسطوري منهج يهتم به قراء الأدب والفنون المتعاملين مع الأساطير والمتفحصين لتقنيات وطرائق توظيف الأسطورة، ومن خلالها يتم رصد تجليات كل ما هو متعلق بالفكر الأسطوري.

صدر عد دار تموز في دمشق للباحث أحمد الناجي كتابه الموسوم (تنوعات الأسطورة وجماليات التأويل)، الكتاب يحتوي على (226) صفحة من الحجم المتوسط، وقد تمَّ تقسيم الكتاب إلى اثنى عشر فصلاً ومقدمة، وهو دراسة مهمة لمنهج النقد الأسطوري وجماليات التأويل.

يذكر الباحث الناجي في صفحة 12 من الكتاب عن النقد الأسطوري قائلاً :"النقد الأسطوري ينهل من منابع معرفية وثقافية متعددة، وللإبداع الأسطوري علائق مع عدد من العلوم الإنسانية منها (التحليل النفسي، والانثروبولوجيا، والفلسفة، والآثار، والأساطير والاجتماع واللسانيات، وعلم الأديان المقارن والأدب المقارن)".

ويعقب في صفحة 23 حول الفرق بين الأسطورة والخرافة والبعض يربط بينهما قائلاً :"دوماً ما يختلط في أذهان الكثيرين، بأن الأسطورة ترتبط ارتباطاً خاطئاً بالخرافة، ولكنه في الحقيقة ليس أكثر من قصور في المعرفة"، وأجد السبب في ذلك هو المفهوم العربي السائد حول الأسطورة ما زال متداولاً حول ربطها بالخرافة، حيث صارت دلالات الاسطورة تعني الخرافات والأباطيل التي استقرت في الذهنية التقليدية العربية والابتعاد عن مفهوم الفكر الغربي حول الأسطورة.

لكن الأستاذ الباحث ناجح المعموري في صفحة 24/25 من الكتاب يؤكد "أن هناك فرقاُ كبيراً بين الأسطورة والخرافة في العصر الحديث، مع العلم أن الأسطورة تستلزم وجود الآلهة داخل النص، وهو شرط تشترطه الأسطورة فيما تنطوي الخرافة على الحيوانات والغرائب". ويمكن تعرف الأسطورة بأنها الأحداث  سواء قصة أو حتى حكاية من التاريخ القديم، مثل الأساطير اليونانية للآلهة منها زيوس و Odysseys، وهي بعض الأساطير العظيمة في التاريخ، ويمكن أيضاً أن تستخدم هذه الأسطورة لشرح حدث طبيعي باستخدام كائنات خارقة، بدءاً في تطوير الخرافات منذ بداية الوجود الإنساني والحضارات بسبب رغبة الناس في فهم العالم من حولهم، في حين أن الخرافة هي مجرد اعتقاد . في معظم الثقافات، هناك العديد من الأساطير والخرافات التي تنبع من المجتمع، فالخرافات أو الأساطير ليست هي نفس الخرافات، بينما يمكن أن تفهم الفرق بين الأسطورة كقصة تقليدية بما لديها من بعض العناصر الخارقة للطبيعة، وباعتبارها أكثر دقة في النظر إلى الأسطورة في البناء الاجتماعي، ولكن القصة المثيرة للاهتمام، لا توفر معلومات واقعية دقيقة، ومن ناحية أخرى فالخرافات هي الاعتقاد بما له من التأثيرات أو الممارسات الخارقة للطبيعة.

تعتبر الأسطورة حكاية مقدسة يشف من معانيها الدلالة عن قدسية الكون والآلهة والوجود وحياة الإنسان، والأسطورة هي قصة رمزية تعبر عن فلسفة كاملة قد حدثت في العصور القديمة وتتحدد بنمط وجودها وقد حدثت بالفعل بالزمن البدائي وتعلق الأمر بخلق العالم وهي تخص تأريخاً مقدساً، مثال ذلك اسطورة نشأة الكون ووجود العالم وأصل الموت، أي بمعنى تاريخ الأديان.

يعرض الباحث أحمد الناجي في كتابه ما تطرق له الكتاب الغربيين بما يخص الأسطورة من الجانب الأدبي والنفسي ففي صفحة 32 يذكر بما جاء به (يونغ) بما يخص ماهية الأسطورة قائلاً :"فهو يرى أن السجية البدئية لا تختلق الأساطير، فالأساطير هي في الأساس رؤى النفس ما قبل الواقعية... أن المجتمع الذي يفقد أساطيره، سواء كان بدائياً أو متحضراً يعاني كارثة أخلاقية تعادل فقدان الإنسان لروحه" . في حين استخدمت الأساطير أيضاً للحفاظ على النظام الاجتماعي السائد في المجتمع من خلال التقاليد والعادات، ومختلف الطقوس.

في الفصل السادس صفحة 93 من الكتاب يؤكد الباحث الناجي على أن الفكر الأسطوري في مدار علم الأديان المقارن ينطوي :"حول الأساطير القديمة على أنها روايات خرافية، متراكمة بفعل التقادم، وتمثلت فيها محاولات الإنسان المبكرة التي يعبر بواسطتها عن مكنونات نفسه، ولهذا ارتبطت تمام الارتباط بمآثر الإنسان السلوكية تجاه ما كان يجري، وتضمنت نظرته في تفسير أنظمة حياته ومصيره، وتناولت طبيعة الكون وكافة الظواهر الطبيعية وأصول المعتقدات والعبادات والطقوس والعادات والتقاليد".

وهذا ما نجده في معظم المجتمعات، هناك العديد من الخرافات التي تتشابك مع المعتقدات الثقافية للمجتمع، يمكن أيضاً أن تكون متصلة مع الخرافات ومع الحظ، فعلى سبيل المثال، يمكن الاعتقاد بأن القطة السوداء تدل على سوء الحظ على الرغم من أن هذا الاعتقاد لا يوجد له أساس واقعي أو منطقي،  في الماضي كان الاعتماد والمعتقد في الخرافات عالي جداً، على الرغم من أن الوضع قد تغير الآن جنباً إلى جنب مع التطور السريع في العلوم.

أما الملحمة أو اللاجيندة فيبين الباحث الناجي أن الملحمة هي "تأليف شعري عالي المستوى يقص سلسلة من أعمال ومنجزات أحد الأبطال، وتجري معالجتها بإطالة وتفصيل على شكل نص مطرد . أما اللاجيندة فهي قصة في الأصل تشير إلى أحد القديسين... كما ينظر إلى اللاجيندة على أنها قصة غير متحقق من صحتها تاريخياً رغم الاعتقاد الشعبي بصحتها" . والملحمة حسب ما جاء في الويكيبيديا هي قصة شعرية طويلة مليئة بالأحداث غالباً ما تقص حكايات شعب من الشعوب في بداية تاريخه وتقص عن تحرك جماعات بأكملها وبنائها للأمة والمجتمع، والملحمة حكاية بطولية تخبر عن حركة جماعات أو حركة الشعوب وحركة القبائل وهي نموذج إنساني يُحتذى به، يفعل بحياته وسلوكه ما يمكن أن يطمح المرء لتحقيقه.

ثمَّ يعرض الباحث الناجي في كتابه الفكر الأسطوري في مدار الأدب المقارن حيث يتسع ميدان انشغالاته إلى أبعد حد، ونظريات الأنماط الأولية البدئية منها فكرة يونغ عن الأنماط على انها أنماط من الإدراك، ودراسة الأنماط البدئية عند فراي، وهي دراسة الرموز الأدبية بوصفها أجزاء من الكل، إلا أن الدرس الابلغ من فكرة الأنماط البدئية هو أن الأسطورة البدئية هي منبع الأدب الإنساني وأن جميع العاملين بالإبداع يغرفون منه . علماً أن نورثروب فراي يعد من أبرز دعاة منهج النقد الأسطوري فضلاً عن البريطانية مود بودكين والأمريكيين وليم تروي وفرنسيس فيرجسون.

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

1138 nabilكتاب الراحل حسين جميل (العراق شهادة سياسية 1908-1930) يحتوي على 310 صفحة من القطع المتوسط وذات الطباعة والورق الجيد، والصادر عن دار اللام في لندن 1987م، الكتاب يحتوي على مجموعة من الصور النادرة التي تمثل شخصيات بغدادية ادبية وثقافية فضلاً عن أماكن بغدادية حقبة عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، والكتاب هو عبارة عن مذكرات الراحل ودوره في الحياة السياسية في مطلع القرن الماضي.

ولد حسين عبد المجيد أحمد الجميل في بغداد يوم 8 شباط من عام 1908م في دار جده محلة قنبر علي، كان والده حينذاك محققاً ومن ثم قاضياً، وتنقلت العائلة بين النجف عام 1913م، وكان الراحل حسين جميل ابن الخامسة من العمر، ويعود سبب الانتقال إلى تعيين والده عبد الجميل مستنطقاً (وظيفة حاكم تحقيق) هناك، وبعد حصول والده على شهادة الحقوق عُينَّ في سلك القضاء وهي من الوظائف المرموقة والمجزية بمرتبها، ولهذا تنتقل العائلة مع انتقال رب الأسرة في التنقلات الوظيفية، حيث ثَبَتَّ والده في صيف 1919م بوظيفة حاكم صلح في مدينة العمارة، فأكمل الراحل حسين جميل دراسته الابتدائية في العمارة عام 1923م.

فهو من أسرة آل الجميل البغدادية عريقة، فجدهُ مفتي السلطة العثمانية في بغداد عبد الغني الجميل، بينما كان عمه هو العلامة الفقيه والمحدث عبد الجليل بن أحمد آل جميل حيث كان عضواً في المجلس العلمي السابق ومدرس في مدرسة الآصفية وله مؤلفات قيمة والذي توفي في عام 1377هـ/1957م، يذكر الراحل حسين جميل في كتابه (العراق شهادة سياسية 1908/1930) :"إن من أهم شخصيات بيت الجميل في بغداد هو المفتي عبد الغني الجميل الذي خرجَ على السلطة العثمانية في مقدمة الثائرين بسبب ما أصاب المجتمع البغدادي خاصة والعراقي عامة من ظلم وسوء الإدارة التركية على الوزير علي رضا باشا (كما ورد عن مجموعة نعمان خير الله الآلوسي ص7/14)، وأهل بغداد معهُ، حاولوا إخراجه وكلفوه بذلك، هاجموا دار الحكومة وقتلوا بضعة اشخاص وتقدموا نحو باب الحرم . ولكن الوزير استعان بالجيش فتمكن من القضاء على الفتنة واندلعت النيران في محلة قنبر علي" . هذا هو جد عائلة الشخصية السياسية والقانونية حسين جميل.

دخل حسين جميل المدرسة الابتدائية في عام 1917م، بعد ان تعلم القران في طفولته في الكتاتيب، يقول الراحل في كتابه (العراق شهادة سياسية) ص18/19 :"بلغت الصف السادس الابتدائي وهو والصف المنتهي سنة 1923م وكان قد تقرر في السنة الدراسية السابقة أن يكون امتحان الصف المنتهي للدراسة الابتدائية وزارياً... وتقرر اجراء الامتحانات الوزارية مركزياً في ثلاثة مراكز : هي بغداد والبصرة والموصل، كانت البصرة مركز امتحان الألوية الجنوبية وبضمنها العمارة".

أكمل الثانوية في بغداد، حيث اطلع الراحل في العاصمة بغداد على الكتب الحديثة الصادرة في مصر منه (لينين الدولة والثورة)، (تاريخ اوروبا الحديث)، والاطلاع على الصحف العربية والعراقية الصادرة منها (السياسية، السياسة الأسبوعية، المصور المصرية اليسارية، الصحيفة) والأخيرة لحسين الرحال .

كان لهُ دور بارز في الحركة الوطنية وهو ما زال في مقتبل العمر في كتابه (العراق شهادة سياسية) ص180/182 قائلاً :"كنت في السنة الدراسية 1925-1926م طالباً في الصف الثالث في المدرسة الثانوية ببغداد، وكان مدرس اللغة الانكليزية فيها رجل انكليزي اسمه كودول Goodal وأذكر أنه كان معلماً غريب الأطوار، ضعيفاً في تدريس مادته ونشازاً في مظهره، حتى أنه كان يشد سرواله برباط عنق قديم بدلاً من الحزام . في هذا الجو المشحون بالتحدّي للإنكليز دخل المسر (كودل) مدرس اللغة الانكليزية على طلاب الصف الثالث وكنت فيه، وقال في الصف: إن العراقيين حمير، لأنهم يعارضون المعاهدة (معاهدة الانتداب) مع بريطانيا في حين أن بريطانيا تمدّنهم وتعمل على تقدمهم . تململ الطلاب وهم يباغتون بمثل هذا الكلام الجارح، وأخذ الغضب يفعل فعله في نفوسهم، ولكنهم انتظروا لحين انتهاء الدرس ! وما إن رنَّ الجرس معلناً إناء الحصة حتى ذهبوا – وكنت بينهم – إلى إدارة المدرسة، وكان المدير هو يوسف عز الدين الناصري، وأعلموه أنهم قرروا الإضراب عن دخول صف اللغة الانكليزية لأن مدرسها أهاد العراقيين، ونفذوا إضرابهم".

ثم يعقب الراحل في قائلاً :"حاول المدير اقناعهم بعدم مقاطعة درس هذا المدرس... غير أن الطلاب لم يستجيبوا لطلبه ونفذوا إضرابهم... وأذكر إن مدته لم تكن طويلة... لعلها لم تزد على اسبوع، صدر بعده أمر نقل المدرس كودول إلى ثانوية الموصل، ونقل مدرس اللغة الانكليزية في الموصل (المستر براير Prayer) إلى ثانوية بغداد" . هكذا كانوا طلبة الثانوية يحملون من الروح والمشاعر الوطنية في عشرينات القرن الماضي ودفاعهم عن وطنهم.

هذا كان أول اضراب يشارك به الراحل حسين جميل، أما الأضراب الثاني فكان عام 1927م وهو ما زال في مقتبل الشباب، وهي حادثة فصل وزارة المعارف استاذ التاريخ انيس زكريا النصولي وكتابه (الدولة الأموية في الشام)، الكتاب الذي أثار مشاعر ابناء المذهب الشيعي في ذلك الوقت، فقررت وزارة المعارف وكان يشغلها السيد عبد المهدي المنتفكي لمنع تدريس كتابه في ثانوية بغداد، وكان الراحل حسين جميل نشاً ومن العناصر القيادية من طلاب الثانوية، يقول في كتابه (العراق شهادة سياسية) ص188 :"ثم اتصلت العناصر القيادية من طلاب الثانوية ودار المعلمين بعضها ببعضها الآخر، وكنت نشطاً فيها، وبعد المداولة بينهم اتفقوا على أن يتجمع الطلاب في صباح اليوم التالي الأحد 30 كانون الثاني 1927 في جانب الكرخ، وسط ارضٍ فضاء تقع بين حدائق الصالحية ودور السكك الحديدية، وجرى إبلاغ الطلاب بأن يتجمعوا هناك تمهيداً للسير بمظاهرة إلى وزارة المعارف، وبالفعل تجمعوا ذلك الصباح هناك دون الذهاب للمدرسة ... وطالبوا وزارة المعارف بإلغاء قرار الفصل وإعادة النصولي إلى عمله، وقد كنت من بين المتظاهرين، توجه الطلاب من حدائق الصالحية إلى وزارة المعارف، كان موقعها في شارع الجسر القديم، شارع المأمون الآن... عبرَّ المتظاهرون جسر الصالحية الذي كان يسمى حينذاك (جسر مود) حيث تجمعوا أما باب وزارة المعارف... وفي مساء يوم المظاهرة ألقت الشرطة القبض على بعض الطلاب وكنت منهم، وقد قضينا ليلتنا في موقف شرطة السراي، ثم اطلق سراحنا بكفالة في اليوم التالي 31 كانون الثاني 1927".

أما التظاهرة الثالثة التي شارك فيها حسين جميل فهي بمناسبة زيارة (الفريد موند) العراق يوم 8 شباط 1928، يقول حسين جميل في كتابه ص 207 :"ما ـن قرأت الخبر حتى ذهبت إلى عبد القادر اسماعيل، زميلي في الدراسة الثانوية وفي الحركتين الطلابيتين السابقتين، وكان عبد القادر حينذاك طالباً في كلية الحقوق، واعلمته بالخبر الذي قرأته عن هذه الزيارة وسألته رأيه بالتظاهر احتجاجاً عليها وشجباً للحركة الصهيونية بعمومها فأيد عبد القادر الفكرة"، بعد التظاهرة اعتقل حسين جميل مع المتظاهرين وهو ما زال طالباً في كلية الحقوق في بغداد، وأوقفتهم السلطات وكان عددهم (41) شخصاً و(35) منهم من الطلبة ومن ضمنهم جميل يوسف زينل، وقد تم اطلاق سراحهم بكفالة.

يوم 29/3/1928 غادر الراحل حسين جميل بغداد إلى دمشق لراسة الحقوق (معهد الحقوق في دمشق) وكانت سنوات الدراسة فيه ثلاث سنوات، عام 1929م زاره فؤاد شمالي في دمشق وهو أحد مؤسسي الحزب الشيوعي في لبنان سنة 1924 ثم امينهُ العام بعد ذلك، طالباً منهُ أن يذهب إلى موسكو للدراسة في (جامعة كادحي الشرق) دون أن يتكلف مصاريف السفر والإقامة والدراسة، إلا أن الراحل رفض الطلب.

كانت تربط حسين جميل علاقات واسعة مع الشخصيات الوطنية ومنهم عاصم فليح، وكان يلتقي معه في نادي التضامن ومع الطلاب والشباب للتحدث في الشؤون العامة والمظاهرات ضد الصهيونية ومجيء الفريد موند إلى بغداد، كان الوعي قد تجذر لدى حسين جميل ومنذ وقت مبكر لصالح مجموع الشعب، ويرى الدعوة للعدالة الاجتماعية في المجتمع والعلاقات الاقتصادية العادلة بين الطبقات والفئات.

تخرج الراحل حسين جميل في معهد الحقوق في دمشق في أول صيف 1930/، فعاد إلى بغداد يوم 2/7/1930، وقدم طلباً إلى رئيس محكمة تمييز العراق للحصول على إجازة العمل بالمحاماة، لكن طلبه رفض، مستنداً رئيس المحكمة إلى أن نظام المحامين لسنة 1918م يقر في مادته الثانية أن إجازة المحاماة تعطى لـ(من كان بيده شهادة مدرسة الحقوق في الإستانة أو بغداد) وبعد عدة مطالبات تمت الموافقة على منحه إجازة العمل في مجال المحاماة.

احب حسين جميل مهنة الصحافة فمنذ طفولته عندما كان طالبا في مدرسة العمارة الابتدائية سنة 1923 حرر المقالات ونشرها في مجلة التلميذ العراقي، وكتب في جريدة الاستقلال عام 1927، كما كتب في مجلة الشباب الصادرة في شباط سنة 1929/، ويعتبر أحد مؤسسي جريدة الأهالي عام 1931م.

عمل الراحل في مجال المحاماة في العراق بداية عام 1931، وصار ناشطاً ديمقراطياً ذائع الصيت بسبب مواقفه الوطنية التي دافع فيها عن الحريات الديمقراطية مستنكراً حملات القمع والإرهاب التي مارستها الحكومات المتعاقبة في العهد الملكي، وكان سياسيا وصحفيا بارعا، وقد ساهم في تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي، وعند تأسيسه اصبح سكرتيراً عاماً للحزب . وقد انتخب عضواً بمجلس النواب العراقي في دوراته للأعوام (1947، 1948، 1954)، وعينَ وزيراً للعدل في حكومة علي جودة الأيوبي للفترة من (149-1950)، كما انتخب نقيباً للمحامين العراقيين في اربعة انتخابات متوالية للأعوام (1953-1957)، وأميناً عاماً لأتحاد المحامين العرب للفترة من (1956-1958).

يعتبر حسين جميل أول من ألف كتاباً عن حركة 14 تموز 1958 فبعد بضعة أشهر من اندلاع الثورة نشر كتاب العراق الجديد وهذا الكتاب عبارة عن محاضرة القاها باللغة الانكليزية في مدينة نيودلهي في الهند حيث كان يعمل سفيراً للعراق هناك بتاريخ 29 أيلول/سبتمبر 1958 . رحل 7 كانون الثاني 2001م عن عمرٍ ناهز التسعين عاماً.

يذكر الكاتب والباحث جاسم المطير في مقال له على الحوار المتمدن تحت عنوان (حسين جميل في ذمة الخلود) يوم 10/1/2002 قائلاً :" منذ بداية الثمانينات حتى آخر عمره أصبحت مكتبته الشخصية البيتية تحت تصرف الباحثين والمؤرخين من طلبة الدكتوراه والماجستير في الجامعات العراقية، وكان في التسعينات جليس  بيته في اغلب الأحيان مستقبلاً رجال القانون والباحثين المهتمين بالدراسات والأبحاث القانونية، وقد اصدر في التسعينات أو أواخر الثمانينات  كتيباً صغيراً عن حقوق الإنسان في الاسلام، وهو كتيب تضمن مبادئ هامة عن الحريات والحقوق الإنسانية والفردية ضمن الفكر الإسلامي الحر . حاولت صحافة النظام (نظام البعث) خلال عقدين من الزمان جره الى بعض المواقف والتصريحات المؤيدة لبعض سياساتها في الحروب والمغامرات والقمع والغزو، لكنه لم يتجاوب مع أية دعوة وظل محافظاً على استقلالية موقفه وأفكاره . كانت صحته نشيطة بحدود مقبولة في التسعينات، إذ يغادر بيته مرة كل أسبوع على الأقل متجولاً في بعض شوارع بغداد كشارع الرشيد وشارع السعدون ويتجول أيضا في مكتبات شارع المتنبي.

يعتقد أصحابه من المترددين عليه في بيته أنه كتب الكثير من صفحات مذكراته السياسية التي ستكون مصدراً هاماً من مصادر التاريخ العراقي في العصر الحديث . استفسرتُ منه عام1993 عن احتمال نشر مذكراته وموعد نشرها فقال لي بالحرف الواحد، جاداً ومازحاً في نفس الوقت :"ما أكتبه من مذكرات لا يرى النور قبل الموت ..".

للراحل عدة مؤلفات منها:

1- إنكلترا في جزيرة العرب طبع في سنة 1930.

2- العراق الجديد.

3- نحو قانون عقابي موحد للبلاد العربية.

4- الحياة النيابية في العراق.

5- نشأة الأحزاب في العراق.

6- حقوق الإنسان في الوطن العربي.

7- تكييف القانون لحق النقض عام 1958.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

eljya aysh(جبهة التحرير الوطني مُؤَازِرَةُ الكفاح التحرري للشعوب  في شتى أنحاء العالم)

كِتَابُ المَسِيرَة..أو انْبِعَاثُ أُمَّة، كان عنوانا فرعيًّا لكتاب " محمد الصالح يحياوي رجل بوزن أُمّة ظلمه رفاقه" صدرت طبعته الأولى في 2017 لكاتبة المقال، عن دار الأوطان والذي يضم 200 صفحة، وكتاب "المسيرة" صدر عن حزب جبهة التحرير الوطني أيام الرئيس هواري بومدين وكتب مقدمته (مدخل) العقيد محمد الصالح يحياوي في 25 صفحة،  هو عبارة عن استحضار للمراحل التي سجلتها الثورة الجزائرية منذ ميلادها في الفاتح نوفمبر 1954، كما يؤرخ  لأصالة وهوية الجزائر وأصولها العرقية، و للتراث النضالي للشعب الجزائري ، والوقائع التي عاشها سكان الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي وبعده، وهاهو  العقيد محمد الصالح يحياوي يعلن عن إعادة إحياء "المسيرة" ويخرجه إلى النور في طبعة جديدة

وكتاب المسيرة يضم 217 صفحة، ومدخل كتبه العقيد محمد الصالح يحياوي في 25 صفحة ، كان عبارة عن "مَخْطُوطَة"  قبل أن يتحول اليوم إلى كتاب ورقي، وأضفتُ إليه عبارة "انبعاث أمة"، هذه العبارة اقتبستُها من مذكرات  الملك المغربي الحسن الثاني في جزئه الثامن والتي كانت تحت عنوان: "انبعاث أمة"، وقد أشرتُ إلى هذه المذكرات في كتاب محمد الصالح يحياوي رجل بوزن أمّة في محور خاص حول قضية الحدود و العلاقة  التي ربطت الرئيس أحمد بن بلة والحسن الثاني ملك  المغرب ، أما عن كتاب المسيرة فهو  يطرح إشكالية الهوية الوطنية وتحدياتها السياسية والاجتماعية والثقافية ومدى الولاء للوطن في ظل التحديات الداخلية والخارجية لبناء دولة ذات سيادة، وهو في الحقيقة يؤسس لرؤيتان ، إحداهما جيوتاريخية، وأخرى سوسيوثقافية بالغة الأهمية، خاصة وأن فكرة الهوية أصبحت موضع اهتمام الأكاديميين وتناقش في الملتقيات الدولية وأخذت لها أبعادا دينية ، سياسية وثقافية تستدعي الحفاظ عليها وصيانتها حتى لا تذوب في هويات أخرى، أو تدميرها، وهذا سبب كافٍ  لطرح أزمة الهوية ، وجاء الكتاب ليؤكد على جزائرية الجزائريين، هي في الحقيقة وقفة لهذا الجيل ليُقَيِّمَ نفسه ماذا قدم لهذه البلاد ويواصل السير على درب الشهداء، ولو أن الثورة الجزائرية عرفت بعض الأخطاء فيما أطلق عليها بالصراع السياسي العسكري بين مناضلي الداخل ومناضلي الخارج ، غير أنها كانت مُحَصَّنَة ، ويرجع ذلك إلى أولئك الشهداء، ما يهم أكثر هو معرفة الأحداث التي وقعت بعد الإستقلال  منذ صدور ميثاق الجزائر في 1964، ومجلس تأسيس وحكومة حرة،  والذي مكن الجزائر من علاج المشاكل التي ورثتها عن عهد الإحتلال، ومن هنا بدأت الثورة تحدد أهدافها لبناء مجتمع حقيقي، عن طريق إصدار القوانين والنصوص التشريعية والتي أثمرت بتأسيس المجالس الشعبية المحلية في 23 ماي 1969 تطبيقا لمبدأ اللامركزية في التسيير وعرف بميثاق الولاية.

الكتاب أنجزه حزب جبهة التحرير الوطني تحت إشراف العقيد محمد الصالح يحياوي، ويقع في 218 صفحة، قسِّم إلى ثلاثة (03) أبواب، وكل باب يضم فصلين أو ثلاثة فصول، استعرض في  الباب الأول من الفصل الأول تاريخ الجزائر في القديم، وفي الفصل الثاني الجزائر الإسلامية، ثم تطرق في  الفصل الثالث إلى الاحتلال الأجنبي وأشكال المقاومة الوطنية، وفي الباب الثاني من الفصل الرابع،  شرح مراحل الاحتلال والاستيطان وثورة التحرير ، ثم تحدث في الفصل الخامس عن أهداف الثورة، وفي الفصل السادس والسابع تغيير الريف والمدينة وتكوين المواطن الحر، ثم حزب جبهة التحرير الوطني قائد الثورة في الفصل السابع، ويختتم الكتاب ببلورة الملامح السياسية للحركة الوطنية والممارسة الديمقراطية الاشتراكية في الحزب والجولة في الفصلين الثامن والتاسع من الباب الثالث.

وقد كتب العقيد محمد الصالح يحياوي مدخلا للكتاب يقع في 25 صفحة، شرح فيه موضوع الكتاب وهدفه، وهذا المدخل من شأنه أن يسهل على القارئ فهم وتقييم مسيرة حزب جبهة التحرير الوطني، واستحضاره الماضي، كما يسهل له الوقوف على التاريخ بنظرة واعية وموضوعية، والأوضاع التي عاشتها الجزائر من تشتت وتصارع بين التنظيمات الحزبية في تلك الفترة، وقبول بعض الأشخاص الدخول في لعبة الشرعية المزيفة التي كان يحركها لاستعمار كما يشاء ولهدف محدد ، وهو إلهاء الشعب الجزائري عن مطلبه الأساسي في الاستقلال ، غير ان الشعب اثبت تعلقه بالثورة، واتضح للجميع أن جبهة التحرير هي الإطار السياسي الوحيد الذي يقود الثورة نحو الهدف المنشود، فانصهرت كل الأحزاب في جبهة التحرير الوطني، فكانت الدرع المتين الذي ينقذ الثورة، تجسد ذلك في مؤتمر الصومام المنعقد في أوت 1956 ، والذي كان فرصة لتقييم الوضع العسكري والسياسي، ووضع الخطوط العريضة لبرنامج العمل الثوري المسلح.

و إن كان كتاب المسيرة يؤرخ لتاريخ الجزائر ويعرض لمحات عن تأسيس الدولة منذ نشأة الممالك الأمازيغية القديمة وبداية الحضارة النوميدية  التي أسسها ماسينيسا الذي رفع شعار " أفريقيا للأفارقة" ثم الحضارة البيزنطية مرورا بالوندال ووصولا إلى الفتوحات الإسلامية في شمال افريقيا، وكيف عانق سكان الجزائر الإسلام كعقيدة، وأحاديث مطولة عن الدولة الرستمية والصنهاجية وانقسامها إلى فروع على غرار الحماديين والمرابطين والحفصيين والزناتيين، لكن القسم  الذي ركزنا عيه أمثر في قراءتنا للكتاب ، هو الفترة التي دخل فيها الاستعمار الفرنسي إلى ارض الجزائر ، والذي واجهه الجزائريين بمقاومة عنيفة انطلاقا من مقاومة الأمير عبد القادر، سلك فيها الفرنسيون حربا إبادية  مطلقة، لكن المقاومة الجزائرية أخذت طابعا شموليا، فنقرأ عن ثورة بوعمامة والشيخ الحداد والشيخ المقراني، والأمير عبد القادر، وأولاد سيدي الشيخ والشعانبة في الصحراء، وكذا ثورة الزعاطشة ببسكرة ..الخ، بحيث عرفت الثورة الجزائرية صمودا على كل المستويات سياسية عسكرية وثقافية، وكانت أشد مرحلة عانى منها الشعب الجزائري، مجازر 08 ماي 45 والتي مهدت للثورة الكبرى في أول نوفمبر 1954 ، ثم أحداث 20 أوت 1955 ، ومظاهرات 11 ديسمبر 1961 التي كانت بداية التفاوض مع فرنسا، والتوقيع على اتفاقيات إيفيان .

فقد عرفت الجزائر بعد الاستقلال، وفي عهد الرئيس الراحل هواري بومدين قفزة نوعية في مجال التنمية، وتمثلت الإستراتيجية التي وضعها بومدين  في تأميم المحروقات والمناجم ووضع حدا للمصالح الأجنبية في هذا القطاع، فضلا عن اهتمامه بقطاع الزراعة، كما كان التصنيع ضمن الأهداف في هذه الإستراتيجية، لقد كان الثورة  تكوين مواطن متعلم ، فقد قامت الثورة الثقافية على ديمقراطية التعليم والسعي للقضاء على الأمية، فأنشأت المدارس والمعاهد والجامعات، وعرفت عهدة الرئيس هواري بومدين إصلاحا تربويا شاملا، غير أن الموازين انقلبت بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، فانتخاب الشاذلي بن جديد أمينا عاما لحزب جبهة التحرير الوطني، والموافقة الشعبية الواسعة النطاق ترسيم الشاذلي رئيسا للجمهورية دليل على قوة المسيرة الثورية ومواصلة الجبهة مهامها في رفع مستوى الوعي والثقافي للمناضلين في مكافحة النزاعات الطفيلية، وكل الأمراض والانحرافات التي تسربت إلى بعض النفوس وحماية الثورة منها، وربما ما جاء في الكتاب يعتبر ردا على بعض الكتابات التي تقول أن قضية استخلاف بومدين خلفت صراعا بين محمد الصالح يحياوي وعبد العزيز بوتفليقة، مثلما اشرنا في الصفحات السابقة من الكتاب، فحزب جبهة التحرير الوطني لعب دورا فعالا في الإشراف والتنسيق بين كل قطاعات الحياة على الصعيدين الداخلي والخارجي، فإلى جانب الجهود في تحقيق التنمية الشاملة انعكست جهود الجزائر في ميدان السياسة الخارجية، والوطن العربي الإسلامي وأفريقيا والعالم الثالث في استعدادها لتبني قضايا التحرر.

كانت جبهة التحرير الوطني ترى أن قضية التحرر لا تخضع لحسابات ميكيافيلية، وهاهي اليوم توفي بعهدها بالوقوف الى جانب الشعبين الفلسطيني والصحراوي  في كفاحهما العادل، مثلما أبدت موقفها في كفاح الشعب الفيتنامي ضد الغزو الإمبريالي الأمريكي، وقد انسجمت مواقف الجزائر مع مجموعة  عدم الانحياز لإعطاء فكرة الاستقلال السياسي، الاقتصادي والثقافي للشعوب الحديثة الاستقلال من المساهمة في تسيير شؤون العالم، ولعل هذه المواقف كانت ضمن المنطلقات الإيديولوجية للثورة الجزائرية، لقد أعاد صاحب المسيرة صياغة الأفكار السابقة في ضوء التطور الإيديولوجي للثورة، وتتبَعَ بطريقة موضوعية عوامل القوة والضعف فيها، أراد من خلالها الغوص في إستراتيجية الثورة الجزائرية وخصائصها – كما قال هو-  وهي تعكس سمات المجتمع الجزائري بما فيه من تنوع فكري ، ثقافي وثراء يؤدي إلى التكامل والاعتزاز بالنفس والتضامن الأخوي  والتقشف، هي طبعا رؤية استشرافية للمستقبل وضعها العقيد محمد الصالح يحياوي لمرحلة ما بعد البومديينية، أو مرحلة لما بعد الشاذلية، وربما المرحلة التي تلتها، والتي تأتي بعدها،  ألا يحق ومن باب الإنصاف للرجل أن نقول عنه أنه رَجُلٌ "مُفَكِّرٌ" بل "نَاقِدٌ " أيضا، وليس هذا القول من باب تأليه الأشخاص وتقديسهم،  أو حتى تلميع صورتهم، بل هي كلمة حَقٍّ نقولها ، لاسيما وهذا الرجل لطالما صبر على المحن التي لحقت به بعدما ظلمه  رفاقه وأبعدوه عن الساحة حتى يتفرغ لهم الجوّ لاحتكار السلطة واحتلال المناصب العليا، ففضل العيش في الظل، يتابع الأحداث من بعيد، فبالرغم من أنه عسكري.

فمحمد الصالح يحياوي رجل ينبذ العنف والتعصب، وهذا ما لمسناه ونحن نطلع على كتابه المسيرة، فالرجل لم يهدأ فكره وهو يدعو إلى المشاركة الديمقراطية التي تمنح للمناضلين في صفوف جبهة التحرير الوطني بل لكل شرائح المجتمع  الجزائري أن يناقشوا بحرية وتعقل دون تهور، مشاركة مبنية على النقد الذاتي، وينفض عنه غبار الجهل والتعصب الذي ترسب  وحجبه عن رؤية الحق، وبالفعل كانت جبهة التحرير الوطني تمثل كل فئات الشعب، في المقابل لم تنج هي الأخرى من الأزمات، فبرؤية الناقد يقول محمد الصالح يحياوي: " إن هذه الأزمات ليست مردها إلى كون المناضلين ليسوا في المستوى، لكن السبب هو أن القيادة كانت في الغالب تعمل بدون قواعد في العمل وبدون رؤية إيديولوجية واضحة، بحيث كانت الحلول التي تقدم هي من أجل التخلص من أزمة قائمة دون حساب آثارها والتي قد تخلق أزمة قادمة سيعملون على تجنبها أو وأدها في مهدها، ويفهم من هذا أن التصور كان ناقصا ، وأن الرؤية كانت قصيرة المدى ، يعني لم يكن هناك مخطط طويل المدى مثلما تعمل الدول المتقدمة في ذلك.

و نتلمس من خلال الكتاب أن الديمقراطية الاشتراكية أخذت حيزا كبيرا من اهتمام صاحب الكتاب، الذي رأى أن التغني بشعاراتها غير كافٍ،  كما لا يمكن أن تكون هذه الديمقراطية الاشتراكية  مجرد حبرٍ على ورق، فالتطبيق وحده ( أي العمل الميداني)  يرشد إلى ما في النظرية من نقص، جاء في الصفحة 188 من الكتاب مايلي: " فإذا قلنا بأن العلاقة بين الحزب والدولة، هي أن الحزب سلطة سياسية والدولة سلطة تنفيذية، فإن هذا لا يكفي ليجعل الحزب يقوم بدوره كسلطة سياسية والدولة تقود بدورها كسلطة تنفيذية، ولذا وجب أن تسند للحزب مهام تسيير هذه السياسة، لأن الحزب لا يستطيع أن يمارس الرقابة على الجهاز التنفيذي إلا إذا شارك هو في تعيين المسؤولين على الأجهزة الرئيسية للدولة والإدارة، غير أن الواقع اليوم يعكس ذلك تماما"، إن الثورة الحقيقية الواثقة من نفسها،  سواء أكانت اقتصادية أو ثقافية ، هي التي تقف بين الفترة والأخرى لتحاسب نفسها، وتقف على الخطأ والصواب خدمة للمرحلة التالية وتحقق مكاسب إيجابية تذهب بها نحو المستقبل، وبهذا تكون الجبهة قد تجاوزت زمن الشعارات والتحميس العاطفي للمناضلين إلى مرحلة التحليل والنقد ، وهي دعوة إلى تبني "النقد الذاتي" ، غير أن هذا الأخير يتوقف على فهم الأحداث ووضوحها في الأذهان فيما يتعلق بالنظام السياسي للدولة، وإن كان كتاب المسيرة يتحدث عن المرحلة البومديينة التي تبنت فيها الجزائر الاشتراكية كنظام اقتصادي، وما إذا كانت الاشتراكية  هدف أم هي وسيلة لبناء الإنسان الجزائري الجديد؟  ومن خلالها يحق له المشاركة في معرفة المشاريع ومناقشتها، فالثورة الثقافية وحدها تخرج الإنسان من العبودية ولا تبقيه على جهله  تحت رحمة البيروقراطية.

ويرسم كتاب المسيرة معالم الديمقراطية الاشتراكية ، خاصة في بلد كالجزائر 75 بالمائة من سكانها شباب، حيث تمكنه من تسيير شؤونه بنفسه والاضطلاع بمسؤولياته في البناء والتنمية والتطور، ولكي يضطلع الشباب بهذه المهمة يجب أن يتوفر لها مناضلون مؤمنون بالوطن وبالجماهير لا يحركهم سوى الإخلاص لخدمة المجتمع، لا يشعرون بأنهم جنود كما جاء في الكتاب، بل يضعون أنفسهم في مرتبة الجنود لحماية ثروات الوطن، وأجد أن صاحب المسيرة يوافقني بأن الناقد لابد أن يتحلى بالجرأة والشجاعة في عرض مواقفه وهو ينتقد الآخر، إلى حد وصفه بالإجرام، ولا يختلف اثنان أنه يحمل هذه الصفة ( أي الشجاعة والجرأة)  عندما قال في الصفحة 198 : " إنّ النظام الذي يُسَخِّرُ جهود الأمة بأكملها لرفاهية أقلية مجرمة هو نظام إجرامي ، ولا يجوز اتخاذه مثلا لنا"، ولذا فعملية التقييم والنقد الواعي المسؤول من شأنها أن تُمَكِّنَ الجيل الجديد من الوقوف على التناقضات والمحن التي عاشتها الجزائر أثناء مرحلة الكفاح، لأن التجارب دلت على أن الحزب إذا تحول إلى جهاز بيروقراطي مواز للإدارة ومنفصل عن الجماهير، كان ذلك علامة على وجود خلل في بنيته، لأن كفاءة بدون أخلاق نضالية تشمل ماضي المناضل وحاضره هي أكثر ضررا على الحزب، ولذا يجب على المناضل أن يكون بعيدا عن الشبهات، قادرا على محاكمة نفسه والرجوع إلى ضميره الوطني قريبا من الجماهير ليتحسس معاناتها اليومية، وبناء على ذلك فتح حزب جبهة التحرير الوطني بابه للجماهير من خلال عملية التوسع، وتجاوز الحوار التقليدي إلى الحوار الديمقراطي المسؤول، وإنها لمسؤولية تاريخية للجيل الحاضر الذي عليه تبليغ الرسالة بأمانة، لأن الجزائر في نظره جزء لا يتجزأ من الوطن العربي والإسلامي، ووحدة الشعوب ومساهماتها الواعية، ولأن وضعية البلاد اليوم لا تحتمل الخطب العاطفية  والمهرجانات الدعائية، فالكلمة اليوم لابد أن تكون للشعب، والالتزام بكل ما يرتضيه  في استشارة ديمقراطية، تطرح فيها كل الآراء والأفكار والتصورات، وعلى رفقاء المسيرة أن يشعروا بالمرارة التي يشعر بها هذا الجيل من الشباب.

 

علجية عيش

 

 

دراسة أكاديمية تعيد قراءة منهجه الفكري وأطروحته السياسية وآثاره الفلسفية

يصعد اسم المفكر المصري الراحل محمد السيد سعيد مثل حلم شفاف يظهر من بين ضباب كثيف يغطي سماء وطننا العربي ، حلم لمفكر مصري وعربي يؤمن إيمانا واضحا بأن الأمة العربية حبلي بجنين ثوري .. ولكن محمد السيد سعيد ترجل راحلا في العام 2009 ،أي قبيل هبوب رياح ثورات الربيع العربي، تاركا ثروة فكرية وعلمية فذة ، ومكانا شاغرا لم يستطع غيره أن يملئه ..هذا هو الدكتور محمد السيد سعيد الذي اجتهد تلميذه النبيل والنبيه أحمد منيسي الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتجية في إلقاء الضوء علي نتاجه ومشروعه السياسي والفكري وذلك في رسالته لنيل درجة الدكتوراه من معهد البحوث العربية بالقاهرة حول المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد والذي يراه منيسي ينتظم في مجالين أساسيين: أولهما، خاص بمنهاجيته في التحليل التي تركز على دراسة الأفكار والمبادئ والرؤى الخاصة بالنهضة والإصلاح. وثانيهما، ينصرف إلى المجالات التي يقع فيها هذا المشروع، والتي تنوعت لتشمل قضايا كثيرة عملية وفلسفية. وثمة جانب شديد الأهمية في هذا المشروع، يتمثل في أن صاحبه لم يقتصر على تقديم اجتهادات ورؤى فكرية ونهضوية بخصوص القضايا التي عاصرها، بل إنه توجه مباشرة إلى الواقع محاولاً تطبيق ما ينادي به من إصلاح، لينضم بذلك إلى كوكبة من كبار المفكرين الإصلاحيين الذين أقاموا علاقة وثيقة بين الفكر من ناحية والعمل المجسد له من ناحية أخرى.

تناول أحمد منيسي في رسالته هذه طبيعة المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، وذلك من حيث سماته الرئيسية ومراحل تطوره، بهدف بيان هوية هذا المشروع وما لحق به من تحولات أو تطورات وما قدمه من أفكار عميقة وحيوية للإصلاح والتطوير في مجالات ثلاثة: أولها، الأوضاع في مصر، وثانيها، النظام العربي والقضايا العربية، وثالثها، النظام الدولي والعلاقات الدولية. كما سعت الدراسة إلى بلورة وتحليل الإسهامات النظرية التي قدمها الدكتور محمد السيد سعيد، كواحد من المفكرين، الذين كانت لهم أفكارهم وأطروحاتهم وتصوراتهم الفلسفية العميقة في الكثير من القضايا النظرية.

وقدمت هذه الدراسة الإجابة عن عدة تساؤلات رئيسية، أبرزها العوامل الأساسية التي أثرت في التكوين الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، والتي تركت تأثيراتها العميقة على مشروعه الفكري، وطبيعة هذا المشروع والركائز الأساسية له ومعالمه الرئيسية، والإسهامات الرئيسية له في ما يتعلق بمجال حقوق الإنسان، الذي كان ركيزة مهمة في هذا المشروع، والإسهامات النظرية والفلسفية الرئيسية التي قدمها في ما يخص قضايا ومفاهيم أساسية، مثل السياسة والقوة والديمقراطية وغيرها، وكذلك ما هي الإسهامات الرئيسية التي قدمها في مجال الإصلاح والتطوير في مصر، وفي ما يخص تطوير النظام العربي والقضايا العربية الرئيسية، وتطوير النظام الدولي والقضايا والمشكلات الدولية الأساسية؟.

تناول الفصل الأول من هذه الدراسة التعريف بالدكتور محمد السيد سعيد والعوامل التي أحاطت بمشروعه الفكري، حيث تناول المبحث الأول السيرة الذاتية والمسيرة العملية، فيما ناقش الثاني العوامل التي أحاطت بهذا المشروع الفكري، حيث خلصت الدراسة إلى أن هناك ثلاثة مسارات أساسية في المسيرة المهنية للدكتور محمد السيد سعيد: أولها، عمله من خلال مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام الذي امتد على مدار نحو أربعة عقود، حيث كان مركز الثقل الفكري وصاحب المقام الرفيع في هذه المؤسسة البحثية التي ضمت قامات فكرية معتبرة في مراحل تطورها المختلفة. وثانيها، عمله في مجال حقوق الإنسان ميدانياً وفكرياً، وهو المسار الذي بدأه مع عودته من الولايات المتحدة في نهاية الثمانينيات، وعلى الرغم من أنه كان من رواد الحركة الحقوقية في مصر، فإن ذلك لم يمنعه من تقويمها موضوعياً، بما لها وما عليها. وأخرها، تأسيسه لجريدة "البديل"، كمنبر صحفي يعبر عن فكر التوجه اليساري وأولوياته. وقد كان الهدف أن تكون الجريدة الصوت المطالب بالعدالة الاجتماعية، والناطق باسم من لا منبر لهم، وأن تكون منبراً للأصوات الجديدة والناشئة التي تناضل من أجل الفقراء وتطالب بالشفافية والمحاسبة وأن تكون أداة لحشد الطاقات وتعبئة الجهود من خلال صوت مخلص ونزيه.

وخلال هذا الفصل تعرض الباحث أحمد منيسي إلى انخراط الدكتور محمد السيد سعيد كفاعل في الحياة السياسية، حيث امتدت المشاركة السياسية له لأكثر من أربعين عاماً، وبدأت بدوره في الحركة الطلابية في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن العشرين، وكانت نهايتها بدوره في تأسيس الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" ومشاركته الفاعلة في الحراك السياسي الذي شهدته مصر في العقد الأخير من حياته، والذي انتهى إلى تفجير ثورة 25 يناير 2011. وفي هذا السياق تم استنتاج أن تجربة الدكتور محمد السيد سعيد في مجال العمل العام، تكشف عن بحثه الدائم عن الجديد الذي يستطيع من خلاله توسيع رقعة النضال وإخراجه من صيغه التقليدية، فكانت له البصمة الواضحة في قضايا المجتمع المدني، بالتحريض والعمل على إنشاء مراكز حقوق الإنسان.

وفي سياق تحليل العوامل المتعددة التي أحاطت بالمشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، حللت الدراسة تلك العوامل الخاصة بالنشأة الاجتماعية والتكوين العلمي والمهني، ومنها ما يتعلق بتأثير الأسرة وبانتمائه الجيلي إلى واحد من أهم الأجيال في تاريخ المجتمع المصري؛ وهو جيل السبعينيات، الذي فجر الحركة الطلابية في العامين الأخيرين من الستينيات والسنوات الثلاث الأولى من عقد السبعينيات من القرن العشرين، مطالباً بالحرب لتحرير الأرض المحتلة منذ 1967، وبالديمقراطية والعدالة الاجتماعية، كما ناقشت الدراسة، العوامل الخاصة بالتحولات المجتمعية التي عاشها الدكتور محمد السيد سعيد منذ تفتح وعيه السياسي والفكري، وأبرزها نكسة هزيمة 1967، وما تلاها من انتصار أكتوبر 1973، والتغيرات التي حدثت في مصر على الصعيدين السياسي والاقتصادي بعد تبنى سياسة الانفتاح السياسي والاقتصادي في النصف الثاني من عقد السبعينيات، فضلاً عن التحولات الكبيرة التي شهدتها مصر في ظل عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك والذي امتد لأكثر من ثلاثة عقود، حتى انتهى على يد ثورة 25 يناير 2011، ومنها استشراء الفساد وتجذره على نحو غير مسبوق، والحراك السياسي الذي عاشته مصر مع بداية العقد الماضي، وقاد إلى خلع مبارك من السلطة.

وأكدت الدراسة أنه ومثلما تأثر الدكتور محمد السيد سعيد بالخصوصية الحضارية للمجتمع الذي نشأ فيه، وبالتحولات الكبرى التي مر بها هذا المجتمع، ومن ثم جاء مشروعه الفكري ذي طابع أصيل ومتفاعل بشدة مع قضايا الواقع. فقد تأثر وفي الوقت نفسه، بالتحولات الكبرى التي حدثت على الصعيدين الإقليمي والدولي، ومن ثم جاء مشروعه الفكري منفتحاً وشاملاً ومتجدداً. ومن أبرز هذه التحولات، ظاهرة المد القومي العربي خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، وتفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط المعسكر الشيوعي وظهور النظام العالمي الجديد، وتنامي ظاهرة العولمة، والغزو العراقي للكويت (1990) والاحتلال الأمريكي للعراق (2003). وقد تركت كل هذه العوامل تأثيراتها الواضحة على مشروعه الفكري، وكان لكل منها تداعياته الخاصة على هذا المشروع، الذي لم يكن بتأثير هذه العوامل مشروعاً مغلقاً، بل منفتحاً ومتطوراً ومتفاعلاً مع حركة تطور المجتمع المصري والقضايا العربية المختلفة، وكذلك الأفكار الكبرى على الصعيد الدولي، وتطور حركة التفاعلات الدولية. 

وانصب اهتمام الفصل الثاني من هذه الدراسة للتعريف بالمشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، حيث تناول المبحث الأول المعالم الأساسية لهذا المشروع، وتناول المبحث الثاني الإسهامات النظرية له، فيما ناقش المبحث الثالث حقوق الإنسان في ذلك المشروع، وقد خلصت الدراسة إلى القول بأن المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد اشتمل على أولويات متعددة، مثلت ركائز أساسية له، واستناداً إلى هذه الأولويات تنوعت القضايا التي شملها، حيث تضمن في شقيه: النظري والتطبيقي مواقفه وآراءه من قضايا مجتمعية عديدة؛ مثل الديمقراطية والحرية والحداثة وما بعدها والعلمانية، والمدارس الفكرية الغربية، وغيرها. وفي كل القضايا التي عالجها الدكتور محمد السيد سعيد، كانت لديه قدرات خارقة على الوصف والتحليل والتفسير والتركيب. وتشكل الحرية البؤرة الضوئية في هذا المشروع، وهي بؤرة تقربه من الفكر السياسي الغربي‏،‏ ولكنه كان يتعاطى مع الحرية باعتبارها الفكرة التي تنبثق منها كل المعاني الحقيقية والملموسة اللصيقة بالوطن.

وليس خافيا علي أحد أن قضية حقوق الإنسان قد شغلت قسماً كبيراً في المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، بل إنها كانت القضية المركزية في هذا المشروع، ومما لا شك فيه أن الاهتمام الشديد الذي حظيت به تلك القضية لدى الدكتور محمد السيد سعيد، مرده إلى إيمانه المطلق بحرية الإنسان وكرامته. وتشكل إسهامات هذا المفكر الكبير  في مجال حقوق الإنسان على الصعيدين الفكري والميداني أهم المساهمات الفكرية في العالم العربي في هذا المجال خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وقد كان للجانب الإسلامي لحقوق الإنسان مكانته المهمة في الخطاب الحقوقي للدكتور محمد السيد سعيد، حيث شدد على نبذ الإسلام للعنف، على نحو ما استقر من شروح فقهية لمبادئه وتعاليمه، مستعيناً بالتراث الإنساني للفقه الإسلامي أيضا في دعوته لسلمية النضال من أجل حقوق الإنسان، دون أن ينفي حضور عدد من الإشكاليات في الفقه الإسلامي من منظور حقوق الإنسان، أبرزها تلك المتعلقة بحقوق المرأة وقوانين الحقوق الشخصية ووضع الأقليات الدينية غير المسلمة.

أما في الفصل الثالث من الدراسة، فقد تم تناول الباحث أحمد منيسي قضايا النهوض الوطني المصري في المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، حيث عرض المبحث الأول لإشكالية الإصلاح السياسي وقضاياه الرئيسية، وتناول المبحث الثاني أزمات الوضع الاقتصادي، وناقش المبحث الثالث إشكاليات الوضع الثقافي، فيما تناول المبحث الرابع قضايا الإصلاح الاجتماعي، أما المبحث الخامس، فعرض لمشكلات السياسة الخارجية المصرية. 

المهم أن دراسة أحمد منيسي انتهت في تحليلها لرؤية الدكتور محمد السيد سعيد لأزمة عملية الإصلاح السياسي في مصر وأبعادها وآلياتها المطلوبة، إلى القول بأنه يرى أن هذه الأزمة لها جذورها التاريخية، التي تتمثل في أن الدولة الحديثة في مصر نشأت استبدادية وشخصانية على يد محمد علي واحتفظت بجانب من هذا الطابع حتى في العصر الليبرالي. والمشكلة الأساسية التي أعاقت عملية التطور الديمقراطي تمثلت في غياب التوازن بين الدولة والمجتمع، وبين الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبين الحاجة لاستنفار وتعبئة كل قدرات المجتمع وتوحيده من أجل تحقيق النهضة. وفي رأيه أن الحل السليم لإقامة نظام ديمقراطي في مصر، يتمثل في الانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية، أو ما يسمي بدولة العدل والقانون، وهذا الحل الديمقراطي لا يعالج مشكلة تقادم وتشوه النظام السياسي فقط، بل يعالج إشكالية السياسة في المجتمعات العربية الإسلامية، وهي إشكالية تاريخية، حيث إن الفكرة الديمقراطية تقوم على ضرورة استكمال بناء الأمة، فالديمقراطية هي تنظيم لدولة تنتمي لأمة. لكن ما يجب التأكيد عليه في هذا السياق، أنه ورغم أن الديمقراطية هي الحل الوحيد الممكن لإشكالية تقادم النظام السياسي وما أدى إليه من دمار المجتمع، فسوف تبقى ناقصة لسبب جوهري، فالديمقراطية نظام رائع عندما يعمل بصورة جيدة، ويعني ذلك أن يقوم المجتمع بصياغة مشروعه الاقتصادي والاجتماعي، وأن يبلور هذا المشروع في ميادين كثيرة ومتنوعة للغاية بداية من التربية والتعليم وصولاً إلى نظام وطني للابتكار، ولكي يتمكن المجتمع المصري من الوصول إلى عتبات هذه المرحلة أو هذه القدرة لا بد أن يستأنف مشروع نهضته.

أما فيما يخص رؤيته لعملية الإصلاح الاقتصادي في مصر، فيذهب الدكتور محمد السيد سعيد إلى القول بأن تحقيق النهوض الاقتصادي يتطلب توفر أربعة شروط جوهرية، هي: تراكم رأسمالي سريع جداً خلال فترة متصلة من الزمن لا تقل عن عقد كامل، وقد تصل إلى عقدين كاملين دون توقف، وبناء قدرة تكنولوجية وطنية كافية في الحد الأدنى لأقلمة وتوظيف المنجزات التكنولوجية التي أبدعت في بلاد أخرى، إن لم يكن الإضافة إليها، وتحقيق مستويات عالية من التنمية البشرية، والتمدد في السوق العالمي إن لم تكن البلد تملك بذاتها سوقاً واسعة للغاية. وعادة ما يحدث هذا التمدد عبر نشاط تصديري يتنامى بسرعة خارقة. ويشدد الدكتور محمد السيد سعيد، على أن تطوير الوضع الاقتصادي في مصر، يحتاج عمليات إصلاحية كثيرة، تشمل ضرورة الاهتمام بتحسين القدرات الوطنية على التطوير والابتكار المحلي، وتحسين نظم الإدارة الصناعية والإنتاجية، وهذه الجوانب كلها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتحقيق تطوير عميق في التكوين الثقافي والتعليمي في مصر. فمما لا شك فيه أن إنجاز ثورة صناعية وتكنولوجية، يعتمد على الثقافة أكثر مما يعتمد على المال.

وفيما يخص أزمة الوضع الثقافي الراهن في مصر، يقول الدكتور محمد السيد سعيد إن غياب الديمقراطية عن الواقع المصري قد أدى إلى تصدع مشروع التنوير الوطني وتدهوره، وبصفة خاصة حرية الرأي والتعبير والإبداع، التي تقع في قلب الاستنارة كمشروع فكري. وتمثل هيمنة الخطاب التحريضي- الغوغائي على العقل العام، كما يؤكد الدكتور محمد السيد سعيد، أبرز معالم الأزمة الثقافية، وأسباب هذه الأزمة في الوقت نفسه. ومن الأسباب الرئيسية لهذا الوضع، التدهور الحاد في التكوين الثقافي للطبقة الوسطى العليا المصرية. ويبدو هذا التدهور واضحاً في مساهمات عدد هائل من كبار المهنيين الذين يعملون في مختلف المهن العصرية بدءاً من الجامعات ومروراً بالقضاء والمحاماة والطب والهندسة، ذهاباً إلى السياسة والثقافة. أما عن كيفية النهوض بالأوضاع الثقافية، فيقول الدكتور محمد السيد سعيد إن استنهاض الواقع الثقافي لا يمكن أن يتم إلا بحدوث نهضة وطنية شاملة، ذلك أن هذه النهضة الثقافية، لا يمكن تحقيقها بشكل منعزل عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتعد المعرفة أولوية جوهرية لعملية التطوير الثقافي المنشود، حيث يقول إن الشق المعرفي هو جوهر المبادرة الحضارية في التاريخ العالمي: أي الحضارة المصرية القديمة.

وفيما يتعلق بأزمة الأوضاع الاجتماعية في مصر، يقول الدكتور محمد السيد سعيد إن المجتمع المصري يعاني حزمة من الاختلالات الأساسية تتمثل، في خمسة مظاهر أساسية، وهي: الخلل بين المجالين السياسي والمعرفي، والخلل بين المجالين الديني والدنيوي، والخلل في العلاقة بين الوحدة والتنوع، والاختلال بين الداخل والخارج، واختلال نظام الحكومة في لحظات حاسمة. ومن وجهة نظر الدكتور محمد السيد سعيد فإن النهوض بالأوضاع الاجتماعية، يستلزم مشروعاً نهضوياً شاملاً، ويركز الدكتور محمد السيد سعيد في أطروحاته الخاصة بإصلاح الأوضاع الاجتماعية في مصر على ضرورة تفعيل دور الطبقة الوسطى، ويؤكد أن النهوض بالأوضاع الاجتماعية، يستلزم إصلاح أحوال الطبقي الوسطى، لأن هذه الطبقة هي التي تفرز المعطيات الأساسية للتلاحم الاجتماعي، والتطور السلمي الاعتدالي للمجتمع. وبهذا المعنى، فهي تشكل الأساس الصلب للمجتمع المدني بشكل أكثر بكثير مما تمثل الأساس الاجتماعي لسلطة الحكم. وإذا تمتعت الطبقة الوسطى بالعافية نستطيع أن نطمئن إلى عافية وحيوية المجتمع ككل.

وفيما يتعلق بآليات تفعيل السياسة الخارجية لمصر، يؤكد الدكتور محمد السيد سعيد إن الديمقراطية الحقة صارت هي مفتاح المكانة الخاصة والمميزة لمصر في المجال الدولي عموماً وفي المستوي العربي بصورة خاصة‏، وهذا ما يعلمه ويعرفه بالممارسة العاملون في الدبلوماسية المصرية‏، فليس لدي مصر أوراق ذات بال في المجال المالي والاقتصادي، وهي لم تعد قوة إستراتيجية كبري‏، وما منح مصر مكانة ودوراً دولياً يتجاوز ما تحظي به قوي اقتصادية وعسكرية أكبر منها بكثير هو قيمتها الثقافية والأخلاقية‏، فمصر تستطيع أن تناقش وتؤثر بما تحظي به من احترام وليس بما تمتلكه من أوراق واقعية أو إستراتيجية‏، ومفتاح الاحترام الآن هو بناء نظام ديمقراطي ملهم لا يفرط في المبادئ الكبرى الملهمة لكل الشعوب الصغيرة والكبيرة علي السواء.

وفي الفصل الرابع ناقشت الدراسة القضايا العربية في المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، حيث تناول المبحث الأول أزمة الإصلاح السياسي في الدول العربية، فيما تناول المبحث الثاني القومية العربية والعمل العربي المشترك، وتناول المبحثان الثالث والرابع أزمة الأوضاع الثقافية العربية، وقضايا الإصلاح الاجتماعي، أما المبحث الخامس فتناول القضية الفلسطينية، وأما المبحث السادس، فعرض لقضية العرب ودول الجوار.

وقد أكدت الدراسة من خلال تحليلها لأفكار الدكتور محمد السيد سعيد أن الإصلاح السياسي المطلوب عنده يتمحور حول تحقيق الكرامة الإنسانية كهدف جوهري ومبدئي، حيث يقول إنه لا أمل مطلقاً في نجاح أي مشروع للنهضة أو الإصلاح بدون إنعاش الكرامة الإنسانية لدي جميع الناس بدون تفريق أو تمييز‏‏. ويذهب الدكتور محمد السيد سعيد إلى القول بأن الديمقراطية ستكون ممكنة في الواقع السياسي العربي عندما تتحقق معادلة من ثلاثة معطيات أساسية: الأول هو تعددية سياسية فعلية وجوهرية، والثاني هو تطور توازن حرج بين القوى، والثالث هو التعلم الذي يتيح إمكانية التوصل إلى حل سلمى للصراع السياسي في بيئة تعددية يقوم على مبدأ "تحكيم" الأغلبية. ويعنى ذلك أنه ليست هناك إمكانية للتحول الديمقراطي طالما ظل المجتمع السياسي "واحديا" بمعنى أنه يتكون حول مركز سياسي وحيد. بل لا بد أن "ينقسم" المجتمع السياسي بين عدة مراكز أو إلى قوى متعينة في الواقع السياسي لا يمكن قسرها على الانتظام في رؤية واحدة للسياسة أو السياسات.

أما فيما يتعلق بكيفة النهوض بالأوضاع الثقافية والاجتماعية في العالم العربي، فقد خلصت الدراسة إلى أن رؤية الدكتور محمد السيد سعيد في هذا السياق تتمحور حول القول بأنه لا أمل في إحياء الثقافة بدون إحياء الاهتمام بالسياسة، ولا أمل في إحياء الاهتمام بالسياسة بدون إنتاج مفهوم جديد لعلاقة الناس بالسلطة يجعلها في متناول كل المجتمع، وهذا ما تسميه الأمم المتحدة بالتمكين باعتباره جوهر فلسفة التنمية المناسبة للقرن الحادي والعشرين، والتمكين يعني قدرة الناس على السيطرة على شروط حياتهم والحق في توجيهها ولو في المحيط المباشر للحياة الاجتماعية مثل القرية والحي ومواقع العمل، والناس عند هذه المستويات هم الأكثر ذكاءاً بما لا يقاس بأي عقل فردي أو بيروقراطي، فإن لم يتم إحياء السياسة عند هذا المستوى يخسر الجميع وتركد الثقافة، بل ومن المحتمل أن يتفكك المجتمع نفسه. ويقول الدكتور محمد السيد سعيد إن النهوض بأوضاع المجتمعات العربية مرتبط بطرح مشروع كبير للتغيير، أول أهدافه استعادة وإطلاق الحيوية الحضارية في العالم العربي على اتساعه، وهو ما يضمن بذاته الانتصار ضد خصومه وأعدائه على المدى الطويل، أما على المدى المباشر فلا بد من وقف الصراعات الإبادية والاستئصالية ووضع أسس للوحدة الوطنية لا تصادر على الخلاف والاختلاف، بل تفيد منه في تأكيد التنوع والتعدد والاجتهاد الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي.

وفيما يخص القومية العربية والعمل العربي المشترك، يقول الدكتور محمد السيد سعيد إن فشل الجامعة العربية في تحقيق الوحدة لا يعود مطلقاً إلى فشل الفلسفة القومية بذاتها بقدر ما يعود إلى فشل الدول العربية حتي داخل أقاليمها. ولا يعني ذلك بالمرة أن هذه الدول محكوم عليها بالفشل. ولكنه يعني أنه من المستبعد أن تتوافر إرادة سياسية أكبر لمواجهة المشكلات الكبيرة التي تعيق العمل العربي المشترك، إذا لم تكن متوافرة لحل المشكلات المستفحلة داخل هذه الدول. ويرفض الدكتور محمد السيد سعيد القول بأن محنة الجامعة العربية هي نتيجة الخلافات العربية كما يشيع الاعتقاد، فهذه المحنة كامنة في احتجاز تطور الدولة العربية بمختلف أشكالها. فحتى أكثر الدول العربية تطوراً مازالت تدار بصورة جزافية لا تقوم علي توازنات اجتماعية واقتصادية مقبولة أو نظام مؤسساتي راسخ وحديث. ومن ثم فهي لا تفضل الالتزامات التعاقدية الخارجية طويلة المدى وخاصة علي المستوي العربي. بل ترغب في إدارة علاقاتها العربية بالطريقة نفسها التي تدير بها حياتها السياسية والاقتصادية الداخلية أي بطريقة يوم بيوم. وفيما يخص القومية العربية، يقول الدكتور محمد السيد سعيد إن القومية العربية مثل أي فكرة كبري وقعت لها هزيمة بسبب سوء الصياغة أو سوء الاستعمال أو الأمرين معاً، والأجدر بها هو أن يعترف معتنقوها بالواقع ليعيدوا تنظيم فكرهم وأطروحتهم الكبرى بما يضمن الخروج السريع من تيه أو متاهة قاسية علي النفس والوجدان أو العقل والخطاب‏. ‏‏ويؤكد أن النظم العربية التي استعملت الفكرة القومية العربية لإضفاء الشرعية علي سياساتها وتوجهاتها كانت بالفعل أكثر فشلاً من غيرها علي الصعيدين الداخلي والخارجي. فقد اتسم أداؤها بالقسوة المفرطة والتعسف والاستبداد السياسي المطلق والحرمان الشديد من أبسط مقتضيات الحق العام بل وأحيانا من أبسط مقتضيات المنطق والعقل. كما أن أداء هذه النظم اتفق في الميل الطاغي للمغامرات الخارجية غير المحسوبة.

وقد خلصت الدراسة في هذا الفصل إلى القول بأن القضية الفلسطينية قد حظيت باهتمام مركزي في المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، وناقشت الدراسة رؤية الدكتور محمد السيد سعيد لكيفة حل القضية الفلسطينية من خلال حل الدولتين كمرحلة لتأسيس دولة ديمقراطية واحدة على كافة أرض فلسطين التاريخية، والاستراتيجية التي يدعو إليها تنظر إلى شعار الدولة الوطنية الديمقراطية في الأرض المحتلة عام 1967 ليس كبديل إنما كخطوة نحو بناء دولة ديمقراطية علمانية لكل مواطنيها على كل أرض فلسطين التاريخية، وهذا التحرك هو جوهر النصر لأنه يضمن انحسار العقيدة الصهيونية وتراجعها. ويؤكد الدكتور محمد السيد سعيد في هذا السياق أنه يبدو أن ثمة تناقضاً بين الحل النهائي، أي الدولة الفلسطينية الواحدة في كل فلسطين تحت الانتداب، وطريقة الوصول إلى هذا الحل، أي تأسيس دولة فلسطينية وفقاً لحدود الرابع من يونيو 1967، ولكن التناقض مرفوع لأسباب كثيرة. منها أن المروق الفوري لدولة واحدة مرفوض إسرائيلياً أكثر بكثير حتى من التسليم بإعادة كل الأراضي المحتلة في يونيو 1967. ومنها أيضا أنه حتى لو وافقت إسرائيل فلن تكون هذه الدولة سوى اتحاد مظهري أو قانوني صرف بين مجتمع يهودي بالغ التقدم من النواحي السياسية والتكنولوجية والاقتصادية ومجتمع فلسطيني لا يزال يحبو في طريقة لتلمس أبجديات بناء دولة حديثة ومؤسسات هذه الدولة. ويؤكد الدكتور محمد السيد سعيد أن بناء تجربة فلسطينية سياسية وطنية أصيلة يقلل كثيرا المسافات بين «القوميتين» الفلسطينية واليهودية ويمهد لعلاقات متكافئة لا تماثل الاستعمار الداخلي. بل قد تمهد لإذابة المجتمع اليهودي في فلسطين في المحيط العربي والشرق أوسطي الأوسع.

وفما يخص العلاقات العربية مع دول الجوار، دعا الدكتور محمد السيد سعيد إلى إعادة بناء هذه العلاقات من خلال إستراتيجية جديدة لعلاقات العرب مع العالم ككل، تضمن تحقيق المصالح القومية العربية، من خلال التفاعل بشكل إيجابي و"سياسي" مع العالم الخارجي، ذلك أن ممارسة السياسة علي المستوي الدولي من قبل الدول العربية، مازالت في الجوهر مغلفة تماماً بخطاب الحق والكرامة. وكأن السياسة ليس لها مشروعية بذاتها. وهو ما يكرس غياب مفهوم ومنطلقات ومهارات السياسة عن الوعي العام. ويقول الدكتور محمد السيد سعيد، إن هناك ضرورة قصوى لتطوير الخطاب الثقافي العربي تجاه العالم الخارجي، لتخليص هذا الخطاب من التشوهات الكثيرة التي لحقت به في هذا الصدد.

أما في الفصل الخامس من هذه الدراسة، فقد تم تناول القضايا الدولية في المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد، والتي تمثلت في ثلاث قضايا أساسية، وهي: النظام الدولي والعلاقات الدولية، والإسلام والغرب، والسياسة الخارجية الأمريكية، حيث انتهت الدراسة إلى التأكيد على أن الحل الذي يراه الدكتور محمد السيد سعيد للمشكلات الدولية، يتمثل في الضرورة الحاسمة لتأسيس نظام عالمي جديد يقوم على التطبيق الحاسم لقانون دولي يعكس آمال الإنسانية كلها في التقدم والتنمية والسلام. ولكنه لا سبيل لإنشاء مثل هذا النظام الذي يقوم بالضرورة على المشاركة إلا بإنهاء أوضاع الاستبداد على الصعيد العالمي، وهو ما يتطلب ضرورة أن يكون القانون الدولي، وليس القوة، هو الحاكم للعلاقات الدولية.

وقد خلصت الدراسة إلى التأكيد على أن تصحيح العلاقة بين الإسلام والغرب من وجهة نظر الدكتور محمد السيد سعيد يتطلب من الناحية السياسية مبادرة قوية لتفكيك الطوق الذي قد ينشأ حول العالم الإسلامي، كما أن هناك حاجة ماسة لتأسيس مشروع سلام إسلامي عالمي، تبادر به الدول العربية والإسلامية، بحيث لا يكتفي العرب والمسلمون برد الفعل على ما يوجه للإسلام من اتهامات بالتطرف، بل يكونوا مبادرين بالفعل. وتعني مبادرة "مشروع سلام إسلامي" أطروحة لبناء السلام على المستويين (الإقليمي والعالمي)، أما فيما يخص العلاقات العربية الأمريكية، فيخلص الدكتور محمد السيد سعيد من تحليله لهذه العلاقات إلى التأكيد على أنها تعكس كل أمراض التبعية، وهو يخلص إلى القول بأن تصحيح الخلل القائم في تلك العلاقات يتطلب وجود استراتيجية واضحة وكاملة للتأثير على الشعب الأمريكي ودفعه لتأييد الحقوق العربية المشروعة، ولكن ذلك بالطبع يعني خوض معركة جبارة مع القوى الصهيونية التي تحتكر النفوذ على عملية صنع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

 

عبد السلام فاروق

 

 

nadeer alkhazrajiالكتابة نوعان: كتابة يسوقها الفكر والعقل وكتابة تسوقها العاطفة والشعور، الأولى يتلقاها الذهن عبر أذان الفهم والمعرفة، والثانية تتلاقفها الروح عبر قناة المشاعر والأحاسيس، الأولى يُحبِّرها كاتبها وقائلها بدواة الأناة والروية والثانية يدلع فوهة محبرتها على البداهة والسجية، الأولى ينظم الملقي كلماتها على سلّم الرتابة والثانية ينضد المنشيء كلماتها في عقد منضود، تلك هي كتابة النثر والنظم، فالأولى يحسن صناعتها الكثير والثاني ينظم قوافيها القليل، والقلة من القليل من يجيد حبك عقد لؤلؤها ورويها، لأنها ليست من الصناعات المتاحة لكل صاحب قلم ومحبرة، ومن تمكن من صناعة النثر وعفوية النظم وزيّن جيد النثر بقلادة الشعر، وسوَّر ساعد النثر بمعاضد الشعر، كان ممن حبته الحياة بزينة الحروف المضيئة التي تحاكي العقول والأفئدة معًا.

وكما للكتابة النثرية فنونها وتعدد ألوانها وتمايز كتّابها بين لون وآخر، كذلك للبداهة الشعرية فنونها وتمايز ناظميها، ومن فنون الشعر "المسمَّطات" التي يأتي النظم فيها على نسق خاص يميزه عن النظم المألوف، ومن شعر المسمَّطات هو التخميس والمشهور منه أن ينظم الشاعر البيت في خمسة أشطر تكون الثلاثة الأوائل له والرابع والخامس هما صدر وعجز بيت شعر لغيره على أن تكون قافية الأشطر الثلاثة مشابهة لقافية الشطر الرابع، ويكثر هذا النمط من المسمَّطات الشعرية أو ما يعرف بالتخميس عند الشاعر الذي ينبهر ببيت شعر أو قصيدة لشاعر راحل أو معاصر، فيجعل من البيت أو القصيدة قاعدة لتخميسته فيبني عليها أشطره، ومن لوازم هذا اللون من الشعر أن يأتي الشاعر المُخَمِّس بأشطر ذات بلاغة وصورة شعرية تفوق البيت الأصل (المُخّمَّس) أو في مرتبته على طريقة: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) سورة النساء: 86، ولهذا يتذوق القارئ التخميس الذي أحسن شاعره اللاحق (المُخَمِّس) في تنضيد عقده داخل سلك الشاعر السابق (المُخَمَّس له)، وكلما أبدع اللاحق في صيانة نظم السابق نال استحسان المتلقي للشعر المسمَّط، وكأن الشاعرين اللاحق والسابق يصولان في مضمار السبق النظمي، ولهذا يحرص المخمِّسون على الإتيان بما هو جديد يطرق باب المتلقي بأنامل الإحساس المرهف.

ولأن النظم في النهضة الحسينية فيه جرعات كبيرة من الأحاسيس والعبرات، ولأن حجم المشاعر الجياشة التي صاغتها القوافي وساقت زوارقها البحور هي التي تسلب لب المتلقي وتأخذ بتلابيب فؤاده، فإن الكثير من الشعراء راحوا ينشئون من الشعر الحسيني التخميسات، وهذا ما تابعه المحقق الأديب الشيخ محمد صادق الكرباسي في موسوعته الرائدة (دائرة المعارف الحسينية) في قسم (المسمَّطات) من باب (الحسين في الشعر العربي القريض)، حيث صدر حديثا (2017م) الجزء الثالث من (ديوان التخميس) في 348 صفحة من القطع الوزيري الصادر عن المركز الحسيني للدراسات بلندن، على أن هذه الجزء الذي يشكل الرقم 110 من المطبوع من الموسوعة الحسينية من مجموع نحو 900 مجلد بدأه المؤلف بمستدرك في حرف الألف على الجزء الأول في التخميسات 149 و150، وبمستدرك في حرفي التاء والدال على الجزء الثاني في التخميسات 151 إلى 186، وابتدأ الجزء الثالث من حرف الراء المفتوحة لينتهي الى آخر الظاء المفتوحة في التخميسات 187 إلى 233 تخميسة.

شرط البلاغة والمتانة

يعتبر التخميس كأي فن تختلف فيه المستويات يدركها المتذوق لعموم الشعر وخصوص التخميس، وبتعبير الأديب الكرباسي في الجزء الأول من ديوان التخميس أن مبلغ التخميس عندما: (يكون البيت الذي يُراد تخميسه تامًّا غير ناقص، وفيه وضوح بحث يرتفع معه الغموض، وأن لا يكون العجز مرتبطًا بالصدر من حيث المفردة بحث تكون نصفها في  الصدر ونصفها في العجز)، ولأن الشاعر المُخَمِّس استهواه البيت الذي يتوفر على قوة المعنى وصدق المراد وشدة الحبك، فإن الصورة الشعرية التي يأتي بها في الأشطر الثلاثة ينبغي أن تحمل مثل هذا المواصفات، وبتعبير الأديب اللبناني الأستاذ عبد الحسن الدهيني في مقدمة الناشر للجزء الثالث من التخميس أنه: (يجري على التخميس ما يجري على الأبيات الأصلية من ضرورة أن تكون الشطور المضافة فيه ذات متانة تلكم الأبيات وفي قوتها البلاغية، وإلا لظهر البون شاسعًا بينها وبين الأصل المُخَمَّس، ما يشكل عيبًا جليًّا وخللًا واضحًا في التخميس سوف يُنقص من قيمته الأدبية والبلاغية، وبالتالي لابد أن يكون الشاعر المُخَمِّس ذا قدرة لغوية عالية وجزالة في المعاني، كي لا يشوّه الإيقاع اللغوي، أو يضيع في الإسترسال فيشوّه المعنى، ما يفقد القصيدة قوتها ومتانتها).

ولأن البلاغة والمتانة والجزالة وتعدد الصور التشبيهية من لوازم عموم الشعر وخصوص التخميس، فإن الشاعر المُخَمِّس يحرص أشد الحرص على الإلتزام بهذه المعايير، ولهذا تكثر الصور البلاغية والتشبيهات والإستعارات في مثل هذا النمط من الشعر القريض، ومن هذه  الصور قول الشاعر العراقي الشيخ عبد الرضا بن علي الصافي المتوفى سنة 1409هـ (1988م) مخمِّسا مجموعة من أبيات قصيدة دعبل بن علي الخزاعي المتوفى سنة 246هـ (860م)، وهي من بحر الطويل:

بُيوتٌ بإذن الله مرفوعَةُ البنا ... تحُفُّ بها الأملاكُ طَوْعًا بِلا عَنا

مُشيَّدة بالذِّكرِ والحمدِ والثَّنا

لآلِ رسول الله بالخَيْفِ مِنْ مِنى ... وبالرُّكْنِ والتَّعْريفِ والجَمَراتِ

فالشاعر هنا زاوج بين بناء المسجد المادي من جص وطابوق يؤمه المؤمنون يعبدون فيه رب الجلالة وبين البناء المعنوي المشيد بالذكر والحمد والثنا، مستعيرًا قوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) سورة النور: 36، وحتى في هذه الصورة الشعرية فإن الشاعر يجمع بين البناء الروحاني والوجود الشخصاني المتمثل بالنبي الأكرم محمد(ص) وأهل بيته الكرام والملائكة تحف بهم هبوطا وصعودا.

ويأتي الشاعر العراقي المعاصر محمد علي بن حسين الحلاق الحائري المولود سنة 1354هـ (1935م) ليماثل بين الطواف حول كعبة رب العالمين والحركة حول ضريح الإمام الحسين (ع) سيد شباب أهل الجنة، وهو يخمّس مقطوعة ثلاثية الأبيات للشاعر العراقي المولود في المشخاب أحمد بن صالح العبادي، فيُنشد مخاطبا إبن وليد الكعبة، من بحر الكامل:

يا كعبة العُشّاق جئتُك زائرا ... لأطوف سبعًا حولَ روضك حاسرا

وقصدتُ تلبية النداء مناصرا

حتى أنادى في المعادِ مُفاخِرا ... أمضيتُ في حبِّ الحسين حياتي

وحيث يلبي الحاج في مكة: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ)، يلبي الزائر في كربلاء دعوة سيد الشهداء الذي نادى في عرصات كربلاء ظهيرة العاشر من محرم: (أما من مغيث يغيثنا)، مستحضرًا ما حوته الزيارة المأثورة من نصوص: (لَبَّيْكَ دَاعِيَ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَنِي عِنْدَ اسْتِغَاثَتِكَ وَلِسَانِي عِنْدَ اسْتِنْصَارِكَ فَقَدْ أَجَابَكَ قَلْبِي وَسَمْعِي وَبَصَرِي‏ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا)، وحيث يلبي الحاج ويطوف حاسرا من كل زينة دنيوية، يقدم الزائر نصرته لنيل الزينة الأخروية.

وهذا الشاعر السعودي حسين بن علي القديحي البلادي القطيفي المتوفى سنة 1387ه (1968م) يقدم لنا مشهد الإمام الحسين(ع) وهو مرمي على الأرض لثلاثة أيام مقطع الأوصال مقطوع الرأس من القفا، وليس له من غطاء ولا كفن إلا الرمال تنسجها الريح والشمس تهيل عليه أشعتها الحارقة، فيخمس بيتي الشاعر بشر بن حذلم المدني المتوفى بعد سنة 61هـ، منشدا، من بحر الكامل:

مَن للمعالي مِسْكُهُ يتأرَّجُ ... أضحى تُكفِّنُهُ الرياحُ وتنسجُ

ولجسمِهِ شمسُ الظهيرةِ توهِجُ

الجِسمُ منه بكربلاء مضرّجُ ... والرأس منه على القنا يُدارُ

ومن الخليق ذكره أن من مستحبات زيارة مراقد أهل البيت هو الغُسل أو الإغتسال، وحيث كان الزائر لمرقد الإمام الحسين (ع) ومازال عند البعض يتطهر ويغتسل في نهر العلقمي الذي يشق مدينة كربلاء، فإن الشاعرة السعودية المعاصرة أمل بنت عبد الله الفرج المولودة سنة 1395هـ (1975م)، تدعو الزائر الى الغسل ارتماسًا في نهر الأحزان بدلًا من نهر كربلاء، فتنشد من بحر البسيط مخمسمة بيتًا من قصيدة الشاعر هاشم الصياح الستري البحراني المتوفى بعد سنة 1193هـ (1779م)، من بحر البسيط:

جئهُ وارتمس في الشَّجو والكدرِ ... واتلُ المدى حين تمشي بُغية الأثرِ

واقرأ زيارته واقصدُهُ بالنذرِ

قم جدِّد الحزنَ في العشرين من صفرِ ... ففيه رُدَّت رؤوس الآل للحُفَرِ

وحيث أن المساجد لله وهي سبعة: باطن الكفين والركبتان وإبهاما القدمين وجبهة الرأس، فإن الحسين(ع) كما يصوره الشاعر ظل على رمضاء كربلاء يصلى لله على مساجد ستة فقط، فالسابع على رأس رمح طويل يُطاف به في البلدان، وهي صورة أكثر من مؤلمة ينشدها الشاعر البحريني المعاصر حسين بن ماجد أمين سهوان المولود سنة 1402هـ (1982م) مخمِّسا البيت 42 من قصيدة من 76 بيتًا للشاعر هاشم الصياح الستري البحراني المتوفى بعد سنة 1193هـ:

ثاوٍ يصلّى صلاة الذَّبح من غدِهِ ... سِتُّ المساجدِ عُدَّت عند موردهِ

واستُفقدت جبهةٌ تهوي لِمَسْجَدِهِ

لا تدفنوا الرأس إلا عند مرقدِهِ ... فإنَّه جَنَّةُ الفردوس والزَّهرِ

نبضات حسينية

للطبيب قدرة التشخيص من خلال جس نبض المريض، فحركة النبضات كاشفة عما تحمله الشرايين من صحة وسقم، وحيث يحيط رداء الخوف بالمرء ترتفع النبضات وحركتها والقلب ودقاته، وحيث تخفق أجنحة الجوى عند أعشاش القلوب الظمأى تتصاعد النبضات وتتدافع أضلع الصدر تفتح الدرب أمام القلب الولهان.

ولما كان النبي الأكرم وهو أصدق الصادقين قد طارت في الآفاق قولته المشهورة المتواترة: (حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنْ الْأَسْبَاطِ)، فإن هذا الحب ينبض في شريان المحب الموالي، ولما كان الشاعر المجيد هو بمثابة قاروة مشاعر وأحاسيس تفيض على الناس بقوافيها، فإن نبضاته شاخصة في عالم المحبين وذات وقع موسيقي تتراقص على نياط القلب وأوتاره، ولذا فإن مفردة (النبض) تكررت في أكثر من تخميسة لأكثر من شاعر وهم يخمِّسون لبيت واحد بعينه، فهذا الشاعر العراقي المعاصر أركان بن حسين التميمي المولود سنة 1387هـ (1967م) يدلنا على نبضه مذ كان جنينا وأمه ترتل في مسامعه أذان الحب الحسيني وهو يخمس بيت الشاعر أحمد بن صالح العبادي من بحر الكامل:

وأنا جنينٌ قبل بدءِ حياتي ... عشتُ الحسينَ الحُبَّ في النبضاتِ

أمِّي تخاطبُهُ فتُسمِعُ ذاتي

تمشي إليكَ توسُّلاً خطواتي ... وأعدُّها إذ أنها حسناتي

الشاعر السعودي المعاصر حسين بن سلمان آل سهوان المولود سنة 1390هـ (1969م) يخبرنا عن مناجاة نبضاته مع الإمام الحسين(ع)، وحيث تأتي النبضات متواترة متسقة، فإنها تتناغم مع نداء الحسين(ع) "هيهات منّا الذلّة"، فينشدنا بنبضاته:

باسمِ الحسينِ تكلَّمت نبضاتي ... فتعلقت عينًا بكلِّ صلاتي

وتواترت هيهاتها في ذاتي

تمشي إليك توسُّلًا خطواتي ... وأعُدُّها إذ أنَّها حَسَناتي

ويمشي الشاعر العُماني عقيل بن درويش اللواتي المولود سنة 1392هـ (1972م)، واثق الخطى تسوقه نبضاته، فينشد:

خطوي حسينيٌّ بكلِّ صلاتي ... وأرى بمعنى الحُبِّ أنت صلاتي

فلذا تراني واثق النبضاتِ

تمشي إليك توسُّلًا خُطواتي ... وأعدّها إذ أنها حسناتي

وهكذا تتهادى النبضات في تخميسات الشعراء: ناصر إبن ملا حسن أحمد زين الدين المولود في سنابس البحرين سنة 1394هـ (1975م) وشهرته ناصر زين، علي بن عبد الوهاب علي البقالي المولود في كرزكان البحرين سنة 1395هـ (1975م)، أحمد بن حمزة الماجد المولود في قطيف السعودية سنة 1402هـ (1982م)، علي بن سلمان المطاوعة المولود في أحساء السعودية سنة 1402هـ (1982م)، أحمد بن عبد الكريم هلال المولود سنة 1409هـ (1989م)، حسين المهدي البحريني، والشاعر العُماني مصطفى بن محسن اللواتي.

وحيث وثّق المؤلف التخميسات الحسينية، فإنه هو الآخر ترك بصماته على هذا الديوان بعدد من التخميسات، منها تخميسته على بيت للشريف الرضي محمد بن الحسين الموسوي المتوفى سنة 406هـ (1015م)، من بحر السريع:

مِن حيدرٍ يبدو سنا الفجر ... وفي حسينٍ نورُهُ يجري

تناغما على مدى العصرِ

قرّت عيونُ المجدِ والفخرِ ... بخلعةِ الشمس على البدرِ

مفخرة المكتبات

توزعت تخميسات الجزء الثالث على الشعراء التالية أسمائهم: إبراهيم محمد ألبو شفيع، إبراهيم ناصر آل مبارك البحراني، أحمد حمزة الماجد، أحمد عبد الحسين الستراوي، أحمد عبد الكريم هلال، أحمد محمود الدر العاملي، أحمد هاشم العلوي، أركان حسين التميمي، أمل عبد الله الفرج، باسم محمد العيثان، حسن حبيب احليل، حسين طاهر المعيبد، حسن عبد الكريم الفرج، حسين عبد الله الخطي، حسن علي العبد العال، حسن ماجد سهوان، حسين المهدي البحريني، حسين حسن آل جامع، حسين حسن سهوان، حسين سلمان آل سهوان، حسين علي آل عمار، حسين علي القديحي البلادي، حسين محسن البزاز، سعيد علي أبو المكارم العوامي، سلطان علي حسين الصابري، صالح أحمد الستري البحراني، صالح مهدي القزويني، طاهر إبراهيم المدهون، عبد الحسين سلمان البحراني، عبد الرضا علي الصافي، عقيل درويش اللواتي، عقيل ناجي مسكين، علوي أحمد الغريفي، علي حسين البلادي القديحي، علي حسن المؤلف، علي سعيد المناميين، علي سلمان المطاوعة، علي عبد المجيد النمر، علي عبد الوهاب البقالي، كاظم جواد الحلفي، محمد عبد النبي المخوضر، محمد صادق محمد الكرباسي، محمد علي حسين الحلاق الحائري، محمود عبد الله السابودي، مصطفى محسن اللواتي، منصور محمد علي الجشي، ناصر حسن أحمد زين الدين، نبيه (نبية) إبراهيم البحريني، هادي صالح الخفاجي، هادي عبد الرسول آل مغيص، هاشمية جعفر علوي الموسوي، ياسر أحمد المطوع، ياسر عبد الهادي الجمري، ويوسف يعقوب المعاميري.

وفي هذا الديوان تلتقي مشاعر القوافي مع تجليات التصوف، في مقدمة كتبها شيخ الطريقة السمانية في السودان الشيخ الطيب علي أحمد، الذي آمن بأن: (الحسين بلغ عالي الدرجات بتحمله الصعاب وتجرعه الغصة وصبره على عظيم النوائب .. هنا كان دور الإمام الحسين عليه السلام عظيما وخطيرا رغم الحصار عليه وعلى محبيه إذ كان هو المحافظ على دين جده وأبيه) من هنا يوثق شيخ الطريقة السمانية بأن شعار "هيهات منا الذلة" قد: (مثّل نهضة الحسين وتبناه عمليا قادة الثورات التحررية باختلاف أديانهم وأجناسهم وأماكنهم ... فكانت النهضة الحسينية عنوانًا مشرِّفًا وتاجًا لكل نهضة وحركة في كل العالم) وعليه فإن: (من حق كل حر وشريف أن يعتبره أبًا له وقائدًا وقدوة، ولكنه عليه السلام مع هذا ظلَّ مظلومًا في قومه ممن يدعي الإنتماء للإسلام والعروبة .. ومع تقصير المقصرين ظل شامخًا مضيئًا رغم أنف الطاغوت بأشكاله، وظلّت نهضته نبراسًا يتمدد نوره بقوة عبر كل أجناس بني البشر).

ومن مصاديق نبراس النهضة الحسينية وأنوارها، دائرة المعارف الحسينية لمؤلفها المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي التي اعتبرها شيخ الطريقة السمانية مفخرة وفريدة ذلك: (إنَّ هذا العمل الكبير والضخم يعد مفخرة للمكتبة الثقافية العالمية وإضافة نوعية فريدة للمؤلفات الكبيرة في العصر الحديث .. يعتبر إنصافًا بقدرة شخص محترم فريد ومتميز في كل شيء صار عنوانًا لكل ما هو نبيل وقيم .. خاصة أن الباحث والمحقق يفتقد في جهده لمثل هذه الموسوعة العظيمة التي تشفي ظمأ كل طالب حقيقة غاص منقِّبًا عن لآلئ وجواهر في قاع أمّات الكتب التاريخية ظلت حبيسة ظلمات الإخفاء والدس وأحيانا التدليس والتحريف).

وصدق الشيخ الطيب علي أحمد، فهناك جواهر ولآلئ لا يفتقدها الباحث والمحقق والكاتب فحسب، بل بمسيس الحاجة إليها كل باحث عن الحقيقة في هذه الكرة التي تتصارع في سوحها قوى الخير والشر منذ أول الخلق الآدمي إلى آخر الخلق البشري.

 

د. نضير الخزرجي - الرأي الآخر للدراسات- لندن