asaad alemaraصدر للكاتب الصحفي سعدون هليل كتاب بعنوان الحضارة وفلسفة التأريخ، وهو لقاء مع الدكتور محسن محمد حسين، سبق للكاتب الصحفي سعدون هليل أن أجرى عدة لقاءات فكرية دونها في صحف ومجلات علمية محلية ومواقع اليكترونية منها لقاء مع الدكتور حسام الآلوسي، والدكتور عقيل الناصري، والدكتور فالح عبد الجبار، والدكتور كريم الجاف، والدكتور ناظم جاسور، والدكتوره لاهاي عبد الحسين، والدكتور نبيل رشاد سعيد، والدكتور فيصل غازي، والدكتور شجاع العاني، والدكتور عامر حسن فياض، والدكتور محمد حسين الاعرجي، والقاص محمد خضير، والروائي حنون مجيد، والروائي أحمد خلف، والدكتور ناجح المعموري، والدكتور صبيح الجابر، والدكتور اسعد الاماره، والدكتور فارس عمر نظمي، والدكتور صاحب أبو جناح، والدكتور فاضل التميمي، والدكتور علي حداد، والدكتور سليم الوردي، والدكتور علي عباس مراد، والباحث الناقد فاضل ثامر، والباحث زهير الجزائري، والباحث زهير البياتي، والباحث جاسم العاصي، ورضا الظاهر وياسين طه حافظ، واعتقال الطائي، وناهده الرماحي، وغيرهم الكثير من المتخصصين في المجالات العلمية والبحثية والفنون والآداب، وفي هذا الحوار مع الدكتور محسن محمد حسين أتسم بعدة جوانب منها الفلسفية والتاريخية والسياسية والاجتماعية والنفسية فضلا عن الجوانب التربوية، تناول الكاتب الصحفي الاستاذ سعدون هليل السيرة العلمية والذاتية للدكتور محسن محمد حسين ثم السير التاريخية لبعض الشخصيات في تأريخ المنطقة العربية وأحداثها، وتأثيرهم الفكري في مسيرة الحياة الاجتماعية والثقافية، وفي الحقيقة تركت بصمات البعض منهم منحنيات في حياة شخصيات عربية تبوأت مراكز فكرية وسياسية.

تطرق الكاتب سعدون هليل في حواره مع الدكتور محسن محمد حسين لبعض مؤلفاته في التأريخ وفلسفة التأريخ، وعلاقة بعض المصادر الأساسية بتكوين اتجاهات جديدة لفكر سياسي أو ديني أو اجتماعي، أعتمد في تأسيسة على ما دونه لنا التأريخ بموضوعية، أم بتحيز واضح، ولكنه أصبح نتاج فكر لحركة يؤمن بها العديد من الأشخاص و المجموعات ، حيث تناول في هذا اللقاء عن العلاقة بين التأريخ والمعتقد الديني منذ بداية اهتمام الإنسان به، فهي إذًا محاورة بين كاتب متمرس في الفكر والصحافة والسياسة وفيلسوف في التأريخ، كان نتاجه خلطة فكرية فلسفية اجتماعية، لا نغالي إذا قلنا إنها نزهة فكرية وإبحار في التأريخ والفلسفة وعلوم الاجتماع والنفس والسياسة، والآداب.

حاور الاستاذ سعدون هليل الدكتور محسن محمد حسين لكي يفصح في فهم موسوعي للتأريخ بمختلف جوانبه، والوقوف على ما يجري اليوم من واقع يعيشه المجتمع العراقي والعربي والاسلامي، فضلا عن السياسة الدولية في تحريك الشعوب المغلوبة على أمرها، وهو موقف علمي عملي معًا فضلا عن أنه موقف إنساني يقيم فيه الوضع الحالي.

تناول الدكتور محسن محمد حسين المفكر الألماني أوزوالد شبنجلر، وتصوره للتأريخ ولفلسفته، ونشأة الحضارات وفنائها، ولكي يزيد الأمر وضوحًا طرح الدكتور محسن محمد حسين ما يعنقد "شبنجلر" أن التأريخ يمثل سلسلة متتابعة من الاحداث الفردية المتكاملة التي يسميها" ثقافات" ولكل ثقافة لها طابعها المتميز، اما اطار نظريته، فيستند في جوهره  إلى الفلسفة الطبيعية، بدلًا من المبدأ التاريخي ولهذا أطلق على تفسيره" الخاصية البيولوجية الاحيائية" وطرح فيها أفكارًا بعيدة عن زمانه.

تناول الحوار أفكار "توينبي" وما كتبه الدكتور محسن محمد حسين عن ذلك وتم تسميته بـ ( التحدي والإستجابة) في قيام وسقوط الحضارات، ووصفت نظريته بـ إرادة الإنسان في صنع الحضارة لدى توينبي، ويصف الدكتور محسن محمد حسين توينبي بقوله أنه لم يكن مؤرخًا لجانب محدد من جوانب التأريخ الكثيرة، أو مهتمًا بتاريخ فترة أو حضارة ما، بل عكف على دراسة حضارة العالم بأسره، قديمه وحديثه طوال أكثر من نصف قرن من دراساته في عمق وخصوبة وموضوعية، ومن ثم فان ما يوجه إلى الباحثين وفلاسفة التأريخ من انتقاد كونهم يقيمون ابراجًا ضخمة من مادة محدودة، لا ينطبق عليه، فدراسته ليست دراسة قائمة على الاطلاع فحسب، وإنما حرص على أن يكون أكثر قربًا من موضوع دراسته باسفاره ورحلاته، وبذلك فهو أشبه بمؤرخ ميداني، إن جاز التعبير. أما من حيث قوة مادته التاريخية لا يكاد يناظره مؤرخ آخر، فكتابه " دراسة التأريخ" فهو فيض من المعلومات تضمها "6290" صفحة، يقدر عدد كلماتها بأكثر من ثلاثة ملايين كلمة، ويزخر بقدر هائل من المعلومات التأريخية والعلمية والدراسات الفلسفية والمفاهيم والمصطلحات الأدبية والدينية، تتناول جميع أقطار الارض فضلا عن تأليفه العديد من الكتب الأخرى.

تمت مناقشة عدة موضوعات مع الدكتور محسن محمد حسين منها أفكار توينبي عن التفسير العرقي – العنصري للتأريخ، والتفسير الديني للتأريخ، وفكرة وتأثير عامل الصدفة الذي يرفضه "توينبي" ويؤمن بالحتميات. وعرض  أيضًا  في هذا الحوار الفكري الفلسفي مادة علمية اكاديمية غنية بالمعارف والشواهد التأريخية، أستطاع الكاتب سعدون هليل أن يظهر ما لا ريب في وجود مالا يمكن التعبير عنه، ما بين الحرف المجهد، والكلم المشجون بالصدر وما لا يمكن قوله، وهي خصوصية مدون التأريخ كتابة وفلسفة وتدوينًا وهو في الآن ذاته سبر طور من أطوار التأريخ بالفكر والعمل الواقعي الاكاديمي.

 

د.اسعد الاماره - أستاذ جامعي وباحث نفسي

 

nabil alrobaeiتعتبر الظواهر الدينية والممارسات الطقوسية انعكاس لعقيدة المجتمع، وهي سلوكيات تبحث عن طريقة جلد الذات وفق مفهوم التدين الشعبوي، والفهم الاجتماعي للتدين وفق نمط الطقوس العاشورائية التي تحدث في الأيام العشرة الأولى من محرّم، والتي أثرَّت هذه المشاهد على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لمناطق الفرات الأوسط والجنوب العراقي، والسبب هو الثقافة الشعبوية في تلك الطقوس من خلال تجديدها وتفاعل المجتمع المحلي مع الرموز المظلومة التي سفكت دمائها لقسوة الحكام في العهد الأموي، وقد انتقلت هذه الطقوس لاشعورياً من جيل إلى آخر وفق مفهوم قدسية الدين والتدين الشعبوي المقدس.

عن دار الرافدين في بيروت صدر للكاتب والباحث مهتدي رضا الأبيض كتابه الموسوم (اجتماعية التدين الشعبي.. دراسة تأويلية للطقوس العاشورائية) الذي يحتوي على (222) صفحة من الحجم المتوسط ذات الطباعة الراقية الخالية من الأخطاء الإملائية والطباعية. الكتاب يحتوي على مقدمة ومفاهيم للمصطلحات الهرمينوطيقا والتأويل، وقد قسم الكتاب إلى خمسة فصول، واحتوى الفصل الأول على الرؤية الكونية للممارسات الطقسية، أما الفصل الثاني يمثل نبذة تاريخية عن تاريخ الطقوس والشعائر، والفصل الثالث مثلَّ الثقافة السياسية والاقتصادية للطقوس العاشورائية، والفصل الرابع يمثل التأويل الثقافي للطقوس العاشورائية، أما الفصل الخامس والأخير فهو مخصص حول وصف الطقوس العاشورائية، ومن ثم يليها البوم الصور لمواكب هذه الطقوس.

الكاتب والباحث الأبيض في كتابه هذا يمتلك القلم الجريء في طرح مثل هكذا موضوع في هذا الوقت الصعب الذي قد يتعرض له الكاتب من قبل بعض الغوغاء باعتبار أن الكاتب قد مَسّ احد طقوسهم الثابتة دينياً. وفي هذا الوقت التي تهتم به الطائفة الشيعية بالطقوس العاشورائية وتعتبرها خط أحمر لا يمكن المساس بها أو انتقادها، يطرح الكاتب في ص19 موضوع سوسيولوجيا التدين الشعبي وفق عنوان الكتاب، إذ يقول (وقد تم توجيه العنوان من زاوية أخرى تتعلق بمفهوم السوسيولوجيا بسبب من الخلاف الحاصل فيما ينطوي عليه هذا المفهوم)، ثم يطرح الكاتب مفهوم التأويل وفق المفهوم العربي الإسلامي إذ يقول في ص22 (إن مصطلح التأويل تمت مداولته بين الفرق والمذاهب الإسلامية، فكل فرقة أخذت تجادل وتؤوّل النصوص الدينية حسب رؤيتها للعالم... لذلك نرى أن نصر حامد أبو زيد وعلي حرب وآخرين تبنوا التأويل للنقد الأدبي وفهم الدلالة والمعاني التأويلية عن الفرّق والمذاهب الإسلامية كقراءة جديدة أكاديمية).

1014 nabilلكن أجد أن الممارسات العاشورائية منها ما يكون شعائر ومنها ما يكون طقوساً، فضلاً عن أن الممارسات جوهرها شعيرة ولكن بعض أشكالها تعتبر طقوساً، لكن الإيمان عند الشيعة الإمامية له تجسيد ظاهري ومعنى باطني، فهي ليست نوعاً من أنواع الحدث وإنما هي وسيلة إعلاميّة تعبر عن أنواع الأحداث والتصرفات الاجتماعية، والبعض يعتبرها ممارسات ثقافية منها ديني ومنها اجتماعي، فالممارسات العاشورائية التي تظهر في الشوارع على شكل تظاهرات هي طقوس وليست شعائر، لأن تلك الممارسات دخلت على الشعائر الحسينية من الخارج، فمنها مسيحية أو يهودية أو هندية، فهي طقوس بدائية تمارس من اجل استمالة الأرواح العليا لجلب منافعها ودفع مضارها، أو من اجل الشفاعة وغفران الذنوب والهروب من الواقع والبؤس المؤلم، لذلك يتساءل الكاتب في ص31 ويقول (هنا ما زالت آثار الثقافة البدائية قابعة في لاشعورنا الجمعي؟ أم نحن ما زلنا بدائيين بامتياز؟ ومن المؤسف والمحزن أن نجد رجال الدين كباراً يؤلفون كتباً يحاولون شرعنة طقس التطبير، ويحولونه من طقس وثني وبدائي ودخيل إلى طقس شرعي، ويلصقونه بالشعائر الإسلامية).

لذلك تعتبر الطقوس العاشورائية ناجمة عن الشعور بالذنب لمقتل الإمام الحسين، وإن الظلم الذي انتفض من اجله الحسين ما زال موجوداً إلى يومنا هذا، مما اتخذ من الطقس العاشورائي حفلاً تكرارياً تقليدياً من اجل الثواب والغفران للذنوب.

فضلاً عن مساهمة جملة من العوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في جعل التديّن الشعبي بعد الحرب العالمية الثانية موضوع رهان اجتماعي/ سياسي، أسهم هذا الوضع في تطوير مسار بناء مفهوم (التديّن الشعبيّ) علمياً وسياسياً، أي عندما يدخل السياسي في الديني فحتماً سيخضع للرؤى الكونية الدينية لأدلجة الدين للنهج السياسي من خلال سيطرة السياسي وكتل الإسلام السياسي على عقلية أبناء المجتمع العراقي، وهذا ما حدث بعد عام 2003م، وترويج نظرية الطاعة العمياء كمبدأً راسخاً في عقول المجتمع بفضل أفكار الفقهاء ورجال الدين.

لذا يؤكد الكاتب مهتدي الأبيض في كتابه هذا في ص93 يقول (فإن التديّن الشعبيّ المتمثل بطقوس عاشوراء في العراق يحمل دلالات سياسية وثورية واضحة جداً، وذلك لاختزال الذكرى الحسينية لفاجعة كربلاء كلَّ المبادئ والقيم الثورية التي كرّسها صاحب الذكرى، لذلك جاء إحياء الطقوس العاشورائية مكتنزاً بدلالات سياسية كثيرة لم ترق لمزاج السلطات على مرّ العصور).

فالعراقيون ينظرون إلى الدولة التي تدين بمذهبهم كأنها المنقذ لهم وليست دولة احتلال وانعكس هذا الأمر على الحكومات اللاحقة، إذ أحكمت حكومة البعث السيطرة على كل أنماط الطقوس الدينية الشيعيّة والسنيّة وصولاً إلى مرحلة المنع للطقوس الشيعية التي كانت عن وحدة الجامعة الشيعية الممتدّة بين بلدين متحاربين قديماً هما الدولتين العثمانية والفارسية. وبعد عام 2003م وهو عام التغيير السياسي الذي حصل في العراق وكان السبب في صعود النخبة السياسية الشيعية أكثر من مرَّة لسدَّة الحكم، هو قيام السلوك الانتخابي على أساس طائفي، وهذا السلوك السياسي بطبيعته خاضع للرؤى الكونية والإيديولوجية الدينية المترسخة في عقلية الفرد المتدين.

يذكر الكاتب الأبيض في ص50 من كتابه العلاقة بين الوعي والطقس يقول (والجدير بالإشارة أن هناك علاقة عكسية بين الوعي والطقس، فكلما ارتفع وعي المجتمع قلَّت ممارسة الطقس، وكلما هبط وعي المجتمع كثرت ممارسة الطقس)، ثمّ يتساءل الكاتب ويقول : لماذا؟، ويجيب (إن المجتمع الواعي هو مجتمع يمتلك أفراده الثقة بالنفس والشعور بالمسؤولية، وهذا يؤدي إلى العمل الصالح وتحقيق الطموح والأهداف، وبالتالي يحقق الرضا والحياة لأفراده، ويحقق الرضا للسماء والأرض والتاريخ، ويسعى إلى تحقيق الجنة الأرضية قبل السماوية، مثل هذا المجتمع لا يحتاج إلى طقوس فهو يتمسك بثوابت الدين فحسب).

وهذا ما يترتب عليه التمسك بالطقوس الانفعالية في المجتمعات البدائية والمضطربة، لأن المجتمع البدائي أو المضطرب يكون انفعاله أعلى من وعيه، والتضامن الاجتماعي أعلى من الفردية، مما يؤدي إلى الفساد والضغوط النفسية والنقص الوجودي ولعنة السماء ولذلك يستوجب ممارسة الطقوس من اجل الشفاعة والغفران.

أما لو عدنا إلى تاريخ شهر عاشوراء في الجاهلية كما يذكر الكاتب في ص71 (كانت تعتبر عاشوراء يوماً دينياً فتصومه، وفي هذا اليوم كانوا يحتفلون، ويعيّدون، ويكسون الكعبة، فتظهر علامات التديّن ويمارسون الطقوس، وعلّلوا ذلك أن قريشاً أذنبت ذنباً في الجاهلية فعظم في صدورهم، وأرادوا التكفير عن ذنبهم فقرّروا صيام يوم عاشوراء، فصاموا شكراً للإله على رفع الذّنب عنهم). وهذا ما ذكره العلامة محمود شكري الآلوسي البغدادي في كتابه (بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب) الجزء الثاني الصفحة 288، وقد عللوا قريشاً سبب صيامهم هذا اليوم، أنه كان قد أصابهم قحط ثم رفع عنهم فصاموا شكراً، فضلاً عن أن المؤرخ جواد علي يشكك في هذا اليوم ويعطي جملة من الأسئلة الاستفهامية منها أن هذا اليوم هو صوم عاشوراء لدى اليهود وهو صيام كفارة واستغفار عندهم، ويظهر أن الرواة أقحموا اسم قريش في صيام عاشوراء لإثبات أنه كان من السُنّن العربية القديمة.

ثم يسرد الكاتب الأبيض حول واقعة عاشوراء واستشهاد الحسين في العصر الأموي ، وتبدأ الطقوس بعد ذلك ليوم عاشوراء في العهد العباسي والدولة البويهية ومن ثم الدولة الصفوية حتى عهد الاحتلال البريطاني والملكية والجمهورية، وهو توثيق وفق مصادر تاريخية لما لهذا اليوم من أهمية لدى أبناء المذهب الشيعي العراقي.

من الواضح أن التديّن الشعبي قد انقلب إلى موضوع رهان سياسي/ ايديولوجي، فالسلطات الرسمية عملت في الحكومات اللاحقة في العراق بعد عام 2003م على توظيفه لمقاومة الطرف الآخر، كما وظفته لتجييش الشعور الديني العام وتعبئته لخدمة أهدافها السياسية. فالسلطة السياسية أو القوى الشيعية التي أسهمت في حكم العراق تدرك أنّ هذا الاستعراض الشعبي يعد أهم مصادر قوتها ومسوغات بقائها، وفي الوقت نفسه فإن المجتمع الشيعي يدرك أيضاً أنّ وصول هذه القوى للسلطة يمنح هذه الممارسات والطقوس بقاءها وديمومتها، والدليل على ذلك في ممارسات طقوس عاشوراء من كل عام تجد هناك منصات تابعة إلى أحزاب سياسية تقوم باستقبال المواكب العاشورائية لتوظيف الظاهرة نحو غايات سياسية، وهي الورقة الرابحة لصعود هذه الأحزاب لسدّة الحكم، مما حول العراق بدل من اتخاذ من ثورة الحسين ومبادئ الإصلاح لمحاربة الفساد والظلم، بل أصبح من الدول الأوائل في الفساد المالي والإداري، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن تلك الشعائر والطقوس قد أفرغت من محتواها تماماً وأخذت توظف توظيفاً سياسياً من اجل مصالح ذاتية وطائفية.

أما في الفصل الأخير من الكتاب يصف الكاتب مرحلة الطقس العاشورائي واستعراضه في شارع المواكب في كل مدينة عراقية، ومن نماذج هذا الطقس منها (طقس التطبير، طقس الزنجيل، طقس التشابيه)، أما المقررات الخاصة بتنظيم المواكب فهي (هيئة الشعائر الحسينية، رابطة خدمة الحسين)، ويوضح الكاتب أهمية هذه الطقوس والمقررات في كتابه هذا.

من هذا نستنتج أن الكاتب وبقلمه الجريء قد سلط الضوء على هذه الظاهرة وتاريخها وما مرَّت به من ظروف المنع قبل عام 2003م وعلاقتها وصلاتها بظواهر أخرى حدثت في القرون الوسطى في المجتمع الأوروبي، وتحليل الظاهرة تحليلاً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، مما أدت به هذه الظاهرة التي اكتسبت خصوصيتها في الكم والنوع المؤثر تأثيراً اجتماعياً والمتكرر سنوياً بعد عام 2003م، والمتجدد في آن واحد عند الأجيال المتلاحقة، فتظهر في حياة الفرد الشيعي عندما تقوم بتحديد صورة العلاقة بينه وبين المقدس والطقوس اليومية، من خلال مقدس يومي متسامي بتجربته الدينية ليكون ممثلاً أوحداً وحقيقياً لمقدسٍ متعالٍ، وحشد وتعبئة السكان والمجتمع لممارسة هذه الطقوس قبل بدء موسمها لضمان استمراريتها لفترات طويلة جداً خلال السنة، مما أدى إلى سكوت المؤسسة الدينية وإجبارها على أتباع منهج الصمت والسكوت عن الكثير من الارتباطات الدينية لهذه الطقوس وتبريراتها الاجتماعية، مما أحدث هوَّة كبيرة وعميقة بين الوظائف الأساسية للدين الإصلاحي وتنامي ظاهرة التدين الشعبي الطقسي في المجتمع.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

khadom almosawiكُتب الكثير عن التطورات السياسية في فترة ما بعد ثورة تموز/ يوليو 1958 في العراق، ونشر في دراسات واطاريح وكتب ومقالات. كما ان الكثير من المذكرات الشخصية لشخصيات سياسية عراقية تناولت التطورات السياسية في تلك الفترة، لاسيما لمن عاشها او شارك فيها بشكل او بآخر، فضلا عن اهتمامات باحثين وغيرهم من خارج العراق. ويمكن القول ان تلك التطورات نالت فرصة واسعة من البحث والقراءات التاريخية والسياسية، وبالتأكيد تظل بحاجة الى امثالها كلما تقادم الزمن معها ليجلو اسرارها وخفاياها وما تقدم فيها وما أثر لما اتى بعدها من تطورات وتأثيرات سياسية وسمت الفترات اللاحقة لها. ولكن تقارير الامن الخاصة لم تفتح كما هو معروف في العالم إلا بعد مرور زمن عليها قد يقارب ثلاثة عقود او اكثر للمطالعة العامة او النشر العلني، إلا ان ما حصل في العراق وخصوصا بعد الاحتلال الامريكي الاوروبي عام 2003 ونهب الوثائق والأرشيفات والسجلات وغيرها من الدوائر الامنية او دور حفظ الوثائق والأرشيف الرسمي جعل النظر في هذه التقارير ميسرا امام بعض الباحثين ومن يهتمون فعلا في دراسة وقراءة وتحليل التطورات السياسية في العراق، حسب اختصاصاتهم او لتسجيل وثائقي تاريخي، وحسب حصولهم عليها. من بين اهم ما صدر في العراق عن هذا الموضوع كتابان، الاول للدكتور جعفر عباس حميدي، بعنوان: التطورات السياسية في العراق، 1958- 1968، دراسة وثائقية في ضوء التقارير الامنية الخاصة، عن دار الحكمة ببغداد، ط 1 عام 2010. والثاني للدكتور عبد الفتاح علي البوتاني، بعنوان: من ارشيف جمهورية العراق الاولى، الحركة الشيوعية في تقارير مديرية الامن العامة، 1958- 1962 دراسة تاريخية سياسية، من مطبوعات الاكاديمية الكردية، ط1 اربيل 2010.

كيف تشرح تقارير الامن العامة التطورات السياسية في العراق؟ وكيف كانت تراقب النشاط السياسي؟، وما هي وسائلها في ذلك؟، وما اهمية دراستها الان؟، وربما اسئلة اخرى تثار من خلال هذين الكتابين الصادرين في العراق. وعبر النظر فيهما او في الوثائق يمكن قراءة مستويات الامن وقياداته وتقدير ادوارهم الشخصية والوظيفية وأثرها وفعلها في الامن والاستقرار في العراق وفي العلاقات السياسية والاجتماعية والوطنية ايضا، وغيرها من المواضيع التي تقدم نماذج عنها.

قبل قراءة ما ورد، لابد من القاء نظرة عاجلة على الجهات التي تقوم بهذه "المهمة" الامنية، مَن تكون ومَن هم الاشخاص الذين مارسوها؟. كما معروف وكما رأى الدكتور حميدي انها وزارة الداخلية، التي استحدثت عند تشكيل اول حكومة عراقية مؤقتة في 25 تشرين الاول/ اكتوبر 1920 برئاسة عبد الرحمن النقيب، وشغل المنصب طالب النقيب. وعُيّن جون فيلبي، البريطاني المعروف، مستشارا للوزارة. كما عُين مشاورون بريطانيون في مختلف فروع الادارة الداخلية (ص3). أي عمليا ادارة الاحتلال البريطاني هي التي عملت على تطوير الاسس الادارية والتنظيمية وتوسيع  صلاحيات الوزارة  بالإشراف على متابعة النشاطات السياسية  للجمعيات والأحزاب، ومتابعة التجمعات والتظاهرات والاعتصامات واتخاذ التحوطات المطلوبة لحماية امن الدولة والمجتمع، ووضعت تحت تصرفها الامكانات المالية اللازمة. وترأسها المحتلون البريطانيون او تمت بإشرافهم المباشر. يعكس ذلك وظيفة الاحتلال والاستعمار في صناعة الدوائر واستخدامها بشكل مباشر او بغيره، وهو ما قام به ونفذه في العراق وغيره، وتطور مع المتغيرات المحلية والدولية ايضا، بل تعمق بها. وكان اول عراقي تولى ادارة التحقيقات الجناية - حسب المعلومات المتوفرة- هو علوان حسين، الذي شغل الادارة في المدة بين 1940- 1945، اعقبه بهجت داود العطية في المدة بين عامي 1946-1957، وقد الغيت مديرية التحقيات الجنائية عام 1957، واستحدثت عوضا عنها مديرية الامن العامة، وأصبح العطية اول مدير امن عام في العراق حتى ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 (ص5). وكانت مهامها المتابعة ورفع تقارير ومقترحات الى الملك ورئيس الوزراء ووزير الداخلية تتضمن معلومات عن  النشاطات السياسية والمظاهرات والإضرابات وحوادث "التمرد والعصيان" والحدود ومراقبة الاوضاع الاقتصادية وبخاصة الاسعار. ولمح الدكتور حميدي فيها اقترابا من الواقع او تسجيلا لها دون انحيازات او مؤثرات شخصية او حزبية: "من خلال الاطلاع على الكثير من التقارير الامنية – مدة العهد الملكي- بانها تقترب الى الحقيقة وتتصف بالمصداقية". (ص6).

بعد ثورة تموز/ يوليو 1958 تعاقب على وزارة الداخلية اربعة عشر وزيرا، كان اولهم العقيد الركن عبد السلام محمد عارف، وبعد اعفائه في 30 ايلول/ سبتمبر 1958 عين الزعيم الركن احمد محمد يحيى في اليوم نفسه وظل في منصبه حتى 8 شباط/ فبراير 1963. فتولى وزارة الداخلية على صالح السعدي من 8 شباط/ فبراير الى 11 أيار/ مايو 1963، وحازم جواد من 21 أيار/ مايو الى 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1963، وتولاها لمدة يومين 16- 18 تشرين الثاني /نوفمبر احمد حسن البكر، رئيس الوزراء حينها. وبعد الاطاحة بحكومة البعث الاولى تولى الوزارة الزعيم رشيد مصلح، من 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1963 وحتى 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1964. وجاء بعده المقدم الركن صبحي عبد الحميد من 14 تشرين الثاني/ نوفمبر وحتى توليها من قبل العقيد الركن عبد الطيف الدراجي في 11 تموز/ يوليو 1965 والذي استمر الى 13 نيسان/ ابريل 1966. وأصبح عبد الرحمن البزاز، وزيرا للداخلية وكالة عند تشكيله الحكومة من 18 نيسان/ ابريل – 6 آب/ اغسطس 1966، اعقبه العقيد المهندس رجب عبد المجيد نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للداخلية بين 9 آب/ اغسطس 1966 والى 3 ايار/ مايو 1967. وجاء بعده المقدم الركن عبد الستار عبد اللطيف وزيرا للداخلية من 10 ايار/ مايو 1967 الى تشكيل طاهر يحيى وزارته الرابعة وتسلمه الوزارة وكالة بين 10 تموز/ يوليو الى 20 اب/ اغسطس 1967 ثم تعيين الطبيب شامل السامرائي فيها في اليوم نفسه.

اما مديرية الامن العامة فقد تولاها اربعة مدراء في الفترة المعنية 58-1968، هم العقيد عبد المجيد جليل، من 14 تموز/ يوليو 1958 الى 8 شباط/ فبراير1963. وتسلم بعده الرائد الركن جميل صبري من 8 شباط/ فبراير الى 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1963، اعقبه انور ثامر مباشرة وحتى تسلم الرئيس عبد الرحمن عارف (نيسان/ ابريل 1966) الذي عين اسماعيل شاهين مديرا للأمن حتى 17 تموز/ يوليو 1968.

الملاحظ فيما تقدم ان اغلب العناصر التي تسلمت ادارة وزارة الداخلية او مديرية الامن العامة هم من العسكريين، الموالين لرؤسائهم حزبيا او عائليا او شخصيا، غير المختصين او المتدربين والدارسين للواجبات الفعلية لإداراتهم. واغلبهم  قاموا بأداء واجباتهم في اطار عنوانهم الوظيفي وما تعودوا عليه في رفع التقارير المتابعة للنشاط السياسي والحزبي والنقابي وصناعة الاندساس فيها ومراقبة الناشطين السياسيين والصحافة وبث الاشاعات وغيرها، كما هو وارد في التقارير التي جهد مؤلفا الكتابين في البحث والتسجيل لها. مستهدفين الحفاظ على التقارير مصدرا للباحثين والتاريخ قبل ان تصلها يد الاتلاف التي وصلت الى كل تلك المؤسسات وغيرها بعد عام 2003. فضلا عما تحتويه من معلومات خاصة غير معروفة بشكل واسع، حسب ما هو معروف عن نشاطات مديريات الامن ومهماتها، كما ان لديها مصادرها الخاصة ايضا التي قد لا تتوفر عند غيرها من الجهات المهتمة بما قامت به تلك التقارير والإدارات المختصة بها. ويتبين منها ايضا امزجة القائمين بمسؤوليتها وانحيازاتهم و"انتهازيتهم" في التزلف او الدس فيها لإبراز دورهم وإقناع رؤسائهم بها.

فهل وفّت هذه الجهات في تقاريرها ما كان مطلوبا منها وكيف قدمته؟، وهل تمكنت من الاستفادة من خبرتها الامنية التي كونتها حسب عنوانها في معرفة التطورات السياسية وكيف عرضتها او وصفتها؟، ولماذا لا تعتمد كليا مصدرا للبحث العلمي والموضوعي بعد نشرها؟..

بالتأكيد التقارير المنشورة في الكتابين ليست كل الوثائق الموجودة، بل انها منتقاة كما يبدو من العرض والنص. وحتى في هذه الحالة فهي - أي الوثائق- تعكس عقل وطبيعة العمل الامني ووظيفته في الحياة السياسية في العراق لتلك الفترة المدروسة. ولخطة الدارسين ركز الدكتور حميدي على المحاور الاساسية فيها واختار منها ما يتعلق بهذه المحاور: الاول: النشاط السياسي في العراق والصراع بين التيارات السياسية المختلفة، وبخاصة الصراع بين الشيوعيين والقوميين عموما، ومواقف الرأي العام منها.. والثاني: الدعوة الى الديمقراطية، وإقامة الحياة البرلمانية السليمة، وإجازة الاحزاب السياسية... والثالث: تناول النشاط النقابي- العمالي والفلاحي والمهني- والإضرابات العمالية والجهات الداعمة لها ومطاليب المضربين.. والرابع: قضية الكويت ومطالبة العراق باستعادتها، وتعيين شيخ الكويت قائمقاما تابعا لمتصرفية البصرة... والخامس: يتناول علاقات العراق العربية بصورة عامة، والعلاقات مع الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسورية) واتهامها بالتدخل بالشؤون العراقية، وموقف العراق من انفصال سورية وسعيه الى تنمية العلاقات معها.

وطبيعي تتميز التقارير حسب مسؤوليها وظروف عملهم خلال الفترة المدروسة. كما تكون صفاتها وقيمتها الدراسية. وفي كل الاحوال قدمت صورة عن الاحزاب السرية وشخوصها ومطبوعاتها وبياناتها وخططها، والتقارير والمذكرات السياسية والاقتصادية المرفوعة الى الجهات العليا وما تردد حولها في اوساط الرأي العام، مما جعلها في النهاية تقدم خدمة كبيرة للباحثين والمهتمين بدراسة تاريخ العراق المعاصر، حسب الدكتور حميدي.

تلفت الانتباه التقارير الاولى التي كان يقدمها عبد المجيد جليل، والتي نشرها الدكتور حميدي، اشارات الى فئات لها رأي غالب عنده وكذلك تسميات مثل (اصحاب اليمين)، وكذلك في تقرير رقم 11562 بتاريخ 1/12/ 1960 وتحت عنوان تقرير خاص وسري للغاية كتب: فيما يلي التقرير الذي رفعه الينا معتمدنا البعثي. (ص 167) مما يشير الى اتباع وممارسة سياسات التغلغل والاختراق للأحزاب والمنظمات الاخرى، او يبطن تعاونا ما مع قوى سياسية او ميولا تقربه من بعضها وتكون ضد غيرها، كما وضح الدكتور البوتاني ذلك. اما التقارير الاخرى لمن تبعه فهي تواصل سيره ونهجه وتضيف اليه مهنية امنية في المتابعات لنشاطات الاحزاب السياسية وفعاليتها وشؤونها الداخلية ومتابعة نشرياتها وتلخيصها او استعراضها وتسجيل مواقف منها. وقارئ اليوم يلاحظ ان كثيرا من النشريات التي استعرضتها دوائر الامن منسوبة الى احزاب او تشكيلات سياسية مؤقتة، لم تستمر فيما بعد طويلا، او لم تبق عاملة ومؤثرة، ولم يعرف عنها إلا من تلك النشريات. وكذلك اسماء شخصيات سياسية نشطت او قامت بادوار محددة لها ولفترات محددة، مما يعطي انطباعات عن الموسمية او طبيعة العمل السياسي في العراق في تلك الفترات. ويعكس مثل هذا نوعية النشاطات السياسية وظروف العمل السياسي والبيئات الحزبية والقانونية ودور دوائر الامن في المتابعة والمعاقبة وإجراءات الرصد والمنع والكبت والقمع السياسي.

بينما خص الدكتور البوتاني كتابه في الوثائق التي تتعلق بالحركة الشيوعية العراقية وللفترة 1958- 1962. وفيها مشتركات مع ما نشره د. حميدي ولكنه مقصور بالعنوان والموضوع، الحركة الشيوعية، في فترة قيادة الزعيم عبد الكريم قاسم تحديدا. فذكر في "بدلا من المقدمة"، انه بدأ التفكير في وضع الكتاب قبل سنوات عديدة ولكن الظروف لم تكن تسنح لتنفيذ الرغبة. (ص3). وأضاف بعد ذلك: "لقد حاولت في كتابي هذا عن (العهد القاسمي) ان اكون موضوعيا، ومع هذا ان ما كتبته سوف لن ينال رضا القوميين العرب والإسلاميين من حلفائهم حينذاك، وبعض الشيوعيين والقاسميين الذين يرفضون ويستنكرون ان يسجل لهم و(لقاسم) موقف خاطئ او مخجل، لاسيما الذين وقفوا حتى اللحظة الاخيرة الى جانب (قاسم) ودافعوا عن نظامه قولا وفعلا" (ص3). واستطرق المؤلف الى "معلومات" سياسية خارج اطار الوثائق الامنية، او قراءة شخصية في مسيرة ومسار وظروف وأحكام كانت سائدة وسيدة خلال الفترة المطروحة للبحث. وقدم في "التمهيد" نبذة عن تأسيس الحزب الشيوعي العراقي وكفاحه ونضال اعضائه وكوادره. وأشار بموضوعية الى محطات خطيرة وسمت الفترة الزمنية، وبالرغم من عدم اجازة الحزب الشيوعي رسميا بعد الثورة إلا ان الحزب اثبت عمليا قيادته للشارع والمنظمات المهنية والشعبية البارزة في العراق. وذكر الكاتب: "لم تكن مواقف حكومة عبد الكريم قاسم تعبر عن ايمان حقيقي من قبل السلطات وأجهزتها بشرعية نشاط الحزب الشيوعي، او الاحساس بضرورة وجوده كمظهر ديمقراطي، أي ان نظام حكم (قاسم) ومنذ البداية لم يتعاون مع الحزب الشيوعي ويفتح له ابواب النشاط بدافع من اعتراف بشرعية ذلك النشاط، او القناعة بأنه حزب وطني يجب ان يتمتع بحقوق، بدليل حرمانه من الاشتراك في اول وزارة للثورة، وهو الحزب الذي كان الاكثر شهرة في مقارعة النظام الملكي، وكذلك عدم اجازته وبلا مبرر مقنع للعمل العلني في شباط 1960 ومحاولاته في اهمال حقيقة وجوده مع ان التواقيع التي طالبت بإجازته تجاوزت الـ (184960) توقيعا، وبغض النظر عن الدعوات الضيقة التي اخذت تدعو الى "سحق الشيوعيين والحد من نفوذهم" مع انهم كانوا الطرف المساند وبإخلاص، حتى ان السلطات اخذت تشجع رجال الدين على مهاجمتهم في خطب يوم الجمعة، ولا تراقب التزامهم بموضوع الخطب التي كانت وزارة الاوقاف تحدد مواضيعها، بل انها حرضتهم على اصدار فتاوى بعدم جواز الانتماء الى الحزب الشيوعي" (ص16). وفي ظل هكذا ظروف كان الحزب الشيوعي "يتمتع بشعبية حقيقية بدليل فوزه في قيادة معظم النقابات والاتحادات والجمعيات والمنظمات الشعبية والمهنية، وكان ذلك انعكاسا للتوجه العام في البلاد، فقد بلغت اعداد المنتمين الى واجهاته وتنظيماته المساندة نحو مليون شخص، (كانت نفوس العراق حينذاك اكثر من 7 مليون نسمة): المقاومة الشعبية (100 ألف) في تموز 1958، حركة انصار السلام، لجان صيانة الجمهورية، اتحاد الطلبة العام، رابطة الدفاع عن حقوق المرأة (25 الف) في سنة 1959، اتحادات العمال (50 الف) في سنة 1959، الجمعيات الفلاحية (250 الف)، نقابة المعلمين، نقابة الصحفيين، اتحاد الشبيبة الديمقراطي (84 الف)، هذا فضلا عن آلاف المنتمين اليه تنظيميا (رسميا)، وكانت جريدة الحزب (اتحاد الشعب) تطبع يوميا (35 الف) نسخة مقابل 15 الف نسخة لأغلب الصحف التي كانت شيوعية او مناصرة لها" (ص17). وكان الحزب الشيوعي يتصدى لسياسات الحكم بمقالات افتتاحية في جريدته الرسمية ويدعو الى معالجة اشكاليات الحكم وفهم قيادته للسلطة والحكم الديمقراطي وتوضح لها سبل ادارة الدولة ومساهمة القوى الفاعلة فيها. لكن التوترات بين الاحزاب السياسية والقيادة العسكرية للسلطة تفاقمت وأصبحت عنوانا للمرحلة التي ادت الى نهايتها في شباط/ فبراير 1963.

وضع الباحث فصلا اخر بعنوان: "عبد الكريم قاسم وإعلان (الحرب) على الحزب الشيوعي العراقي"، شرح فيه تحولات او تناقضات السياسة الرسمية مقابل تراجعات الحزب الشيوعي امامها، حسب رأيه.. وكذلك واصل في الفصول التي تلته، ومن عناوينها يمكن فهم تلك التحولات والتناقضات وسوء الادارة او طبيعة التمسك بها على حساب الاهداف والوعود التي سبقتها. مثلا: محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم وتداعياتها، او خطة العمل في الانذار.. او عبد المجيد جليل مدير الامن العام خير خلف لخير سلف. وفيها يرصد خطوات انقلاب قاسم على الحركة الوطنية والحزب الشيوعي خصوصا، واستمرار الحزب في تأييده ودعمه والتضحية في سبيل بقائه واستمراره، حتى نهايته. وما لفت الانتباه عن الغفلة في الاشارة الى ان مدير الامن العام كان متعاونا مع الانقلاب، فأورد نقلا عن جليل حين صفعه علي صالح السعدي على وجهه وبصق فيه، في المعتقل: "لماذا تضربني.. لولاي لما نجح انقلابكم". وانه كان متعاونا في الكثير من الاحداث قبل الانقلاب، مثل حركة عبد الوهاب الشواف، وكذا في تقاريره عن تعاون البعث مع مديرية الامن، من بينها :ان البعثيين يشيدون باجهزة الامن واخلاصهم في واجباتهم، لانها تحارب الشيوعيين الفوضويين والمخربين عملاء الاستعمار(!). وكان عبد المجيد يحاول في تقاريره الخاصة الى قاسم تبييض صفحة البعثيين بانهم "قانعون فعلا وراضون بان الزعيم بطل عربي وانهم والقوميون يؤازرون الزعيم" (ص57 ونقلا من تقرير خاص لمديرية الامن العامة، العدد 11562، في 1 كانون الاول 1960).

اختلف الدكتور البوتاني في تقييمه للتقارير التي كانت مديرية الامن ترفعها لقاسم عن تقييم الدكتور حميدي، ولعله هنا كما ذكر في حدود ما استطاع الاطلاع عليه عند تحضيره لرسالتي الماجستير والدكتوراه، بان التقارير "لم تكن تعرض الصورة الحقيقية لما كان يجري انذاك في العراق، لأنها تفتقد الى المقومات الاساسية التي يترتب ان يعدها جهاز امني متمرس، فقد كانت في طابعها العام وبالعبارات التي تستخدمها تحاول محاباة الحاكم الاول في السلطة انذاك وهو بالذات شخص رئيس الحكومة عبد الكريم قاسم، بل كانت في الحقيقة تضلله ولا توقفه على حقيقة ما كان يجري، وذلك بتفنيدها (الادعاءات) التي كانت ترد في بيانات ومنشورات الجهات الموالية والمعادية له، وكانت تتزلف وتتقرب منه، حتى ان مدير الامن العام العقيد عبد المجيد جليل عندما يرفع تقاريره اليه يبدأها بالمدح لأنه يعلم ان (الزعيم) كان يطرب لذلك" (ص59).

لعبت توجهات التقارير الامنية الخاصة دورها في التأثير على صنع السياسات وعلى الابتعاد عن مهماتها الامنية وعرض صورتها للأوضاع والتململ الشعبي مشوهة وتمريرها حسب رغبة ومزاج الزعيم. فقد ورد في احداها مثلا "ان الغالبية من افراد الشعب بدأت تفهم سياسة الزعيم وتكيف امورها وتتبنى شعار الوطنية لا شيوعية ولا بعثية ولا قومية ولا كوردية، ولا أي تعصب من أي نوع كان إلا الثورة والزعيم، فمن اعتنق هذه الفكرة سلم وسار في الدرب ومن تنكب لها كان عرضة لكل ما يعيده الى واقع الامور" (ص ص 61-62 كتاب مديرية الامن العامة العدد 5251 في 29 مايس 1961).

عاد الدكتور البوتاني بعد ان اسهب في تحليل التقارير ومواقفها السياسية المنحازة والتحريضية، ليقر بما كان الدكتور حميدي قد كتبه عن تلك التقارير ومحتوياتها. فسجل: "لا اريد الاسترسال في كتابة المزيد عن محتويات تقارير مديرية الامن العامة التي كانت توجه مباشرة الى عبد الكريم قاسم، وأحيانا الى الحاكم العسكري العام احمد صالح العبدي، ففيها الكثير من المعلومات الجديدة والمثيرة تنشر لأول مرة إلا انها على العموم تحرض حكومة عبد الكريم قاسم وتؤلبها على الشيوعيين وعلى مؤيدي (قاسم ) نفسه.." (ص68).

قراءة تقارير مديريات الامن العامة في العراق في تلك الفترة المحددة زمنيا تكشف مستوى وعي تلك المديريات وما كانت تتركه تقاريرهم عند الادارات السياسية والقيادات الحاكمة في رسم السياسات والقرارات، وهي بكل ما حوته تظل وثائق وأدلة تاريخية  او معطيات مرحلة تاريخية من دوائر لها موقعها الاساسي في مصائر الاحداث والتحولات والتغيرات..

الجديد في الكتابين والبحثين هو نشر وثائق سرية لأول مرة صادرة من دوائر الامن وتتعلق بالحياة السياسية في العراق، ولم تتوفر فرصة الاطلاع عليها لولا ما وفرته لها ظروف الاحتلال وفوضاه، ولم تكن صادرة من دوائر الامن نفسها، كما فعلت بما سمته حينها "الموسوعات" والتي استهدفت فيها كشف تنظيمات احزاب سياسية ومن مصادرها التي تمكنت من الحصول على المعلومات منها، سواء بالتغلغل او بالتحقيق والاعترافات والشهادات. كما بينت الوثائق عقلية الادارات الامنية وطرق ادارتها للأمن السياسي وتصوراتها عن الحركة السياسية، مثلما اشرت او ارخت لصفحات مجهولة او رصدت لفعاليات او اسماء لسياسيين لعبوا ادوارا في حركة التحرر والعمل الوطني في العراق. ولعل هذين الكتابين والباحثين يكونان مقدمة تشجيعية لإصدار قوانين تجيز الاطلاع على هذه الوثائق وأمثالها بعد تحديد فترة زمنية لها، كما هو حاصل في الكثير من بلدان اخرى. ويستفاد منها في التقويم والبحث التاريخي السياسي وإنصاف التاريخ او الحكم الموضوعي.. ورغم كل ذلك ما زالت تحتاج الى اعادة قراءة ودراسة موضوعية، قدمت ما قدمت من وجهة نظر امنية وسياسية في تطورات العراق السياسية، وأحزابها وكفاح شعب العراق، وقد تنفع في الدرس والعبرة لما حصل بعد فترتها وما يحصل اليوم في العراق.

 

كاظم الموسوي

 

1009 aliالتفجيرات الانتحارية التي استهدفت مركز التجارة العالمية في نيويورك ومبنى البنتاغون (وزارة الدفاع الامريكية) في واشنطن 11 ايلول عام 2001 هزت العالم باكمله وتعد من اهم احداث التاريخ البشري المعاصر النادرة ، شكلت منعطفا بارزا طبع القرن العشرين بمنعطف تاريخي هام لايوازيه في الاثارة والدهشة والاهتمام الا بعض احداث الحرب العالمية الثانية

1939 – 1944 وربما لاسباب دراماتيكية فاقت تفجيرات ايلول المفاجئة بعض تلك الأحداث غير المتوقعة الحدوث في حينها .

وتحديدا في العام 2003 المنصرم اي بعد حادث التفجيرات بعامين تقريبا وقع بيدي عددا من مجلة المستقبل العربي لايحضرني رقم العدد ولا تاريخه تحديدا سبق صدوره احداث ايلول 2001 بنحو اكثر من عام ، ومجلة المستقبل العربي كما هو معلوم تصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت يرأس تحريرها الاستاذ الدكتور خيري الدين حسيب وزير الاقتصاد العراقي الاسبق في حكومة رئيس مجلس الوزراء  المرحوم عبد الرحمن البزاز في العهد العارفي.

ان استعراضا مذيلا اخر صفحات العدد من المجلة استوقفني كثيرا بقلم الاستاذ الدكتور سعد الشلماني استاذ مركز دراسات الشرق الاوسط – جامعة درم – المملكة المتحدة استعرض في العدد الذي اشرت له من المجلة لاربعة كتب من تأليف بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل الاسبق وزير المالية حاليا 2005-2003 في حكومة مجرم الحرب الارهابي شارون تحت عنوان (نتنياهو ونظرية الارهاب الاسلامي) الكتب الاربعة تم تأليفها وطبعها ونشرها في الولايات المتحدة الامريكية قبل تفجيرات ايلول 2001 ، وقبل بروز مفهوم العولمة  Golbalization كباب مفتوح وحيد امام البشرية لدخول القرن الواحد والعشرين وبروز ظاهرة الارهاب Terrorsim كمصطلح سياسي دوخ العالم واقلق سكان المعمورة بأكملها – اول كتابين  صدرا  لنتنياهو عام 1981 ، 1986، والثالث عام 1993 والرابع عام 1995 -  وهو الاكثر الغالب استعمالا وقصدا بأسم (الارهاب الاسلامي !!) قبل تسويقه للعالم ان الارهاب الاسلامي حتمية تاريخية سياسية جرى استيلادها ومن ثم توريط في مرحلة اخيرة الولايات المتحدة الامريكية في مهمة مواجهتها ومحاولة القضاء عليها واجتثاثها ويتطلب ذلك بحسب دعوة نتنياهو تظافر جهود كل دول العالم المحبة للخير والسلام مكافحة الارهاب والجريمة ومن ضمن الدول اسرائيل طبعا على اعتبارها دولة غير ارهابية!!.

ارجو القارىء الكريم التركيز بأمعان على تاريخ صدور هذه الكتب ومحتوياتها ومفاهيمها وربطها بما حصل في 11 ايلول عام 2001 تلاها اسقاط نظامي طالبان في افغانستان وصدام في العراق والتبشير المعاصر للعولمة .

العرض الذي يسرده الاستاذ الشلماني لكتب نتنياهو الاربعة يعطي حقائق مذهلة تضع علامات استفهام عديدة وكبيرة امام الكثير مما عشناه وشاهدناه ونعيشه الان ونتوقعه مستقبلا .

كتب نتنياهو هي:

1- كتاب محاربة الارهاب : كيف تستطيع الديمقراطيات هزيمة الارهابيين المحليين والدوليين!؟

Benjamin Netanyahu

Fighting Terrorism : how democracies can Defeat Domestic and international Terrorists .

"New york: Farrar،  Straus، Giroux,1995).vi  151,[1]p

2- كتاب الارهاب : كيف يمكن للغرب ان ينتصر

Benjamin Netanyahu (ed.)

Terrorism : how the west can win.

(NewYork:Farrar,Straus,Giroux,1986) . xv,254p.

3- كتاب : مكان بين الامم : اسرائيل والعالم

Benjamin Netanyahu :

A Place among the Nations: Israel & The world

New york ، Bantam Books,1993).xxvii,467p.

4- الارهاب الدولي : تحدي واستجابة ، وقائع مؤتمر القدس حول الارهاب الدولي

International Terrorism, Challenge and Response:Proceedings of the Jerusalem Conference on International Terrorism

Edited by Benjamin Netanyahu

(Jerusalem: Jonathan Institute;New Brunswick USA :Transaction Books 1981).383p.

 

علي محمد اليوسف

 

إضاءة عامة: يعد مؤلف "الأدب الرقمي"[1] للدكتور "محمد أسليم"، حلقة هامة من حلقات التأليف في هذا المجال الجديد والحيوي، سواء في الأدب العربي أو المغربي، بعد سلسلة من المؤلفات أهمها؛ "من النص إلى النص المترابط" لـ"سعيد يقطين" (2005). و"مدخل إلى الأدب التفاعلي" لـ"فاطمة البريكي" (2006). و"الأدب الرقمي: أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية" لزهور كرام" (2009). وأهم ما يميز هذا الكتاب "الترجمات"، كما جاء في مقدمة الدكتورة "زهور كرام"، هو "اعتناؤه بالمفاهيم وتحديدها. فلا يمكن تأصيل ثقافة في تربة ما، أو جعلها مُنتجة في سياق معين خارج الوعي المعرفي بالمفاهيم التي تشكلها"[2]. وبذلك، فهو يحاول تقريبنا من مجموعة من المفاهيم التي تولدت عن هذا الأدب الذي أصبح يبني له جغرافيات جديدة ربما على أنقاض الأدب المكتوب. في أفق بناء وعي جديد، من خلال الجمع بين شتات قد تفرق في وضعية الأدب السابقة، "فلأول مرة يجتمع كل من النص والصورة والحركة والصوت والأشكال المتحركة في حامل واحد. وهذه التركيبة الجديدة والمُختلفة للنص الأدبي تحقق وجودا مختلفا لمنتجه وقارئه"[3].

 ووفق هذا السياق، يمكن القول إن مسألة الوقوف عند أهم المفاهيم المتربطة بالأدب الرقمي، لم تكن خارج سياق التاريخ وسياق الوعي المعرفي، فالتغيير الذي يُمَارس بفعل منطق التاريخ، لابد أن يسايره بناء وعي جديد يفتح له مجال الذيوع والاستئناس به، بل أرضية الألفة والمؤالفة،  رغم ما يُجابه به من رفض، باعتباره نشازا ضمن بنية تقليدية دأب عليها الإنسان، وكأن التغيير ضمن بنية الذهن العربية تشكل حاجزا هلاميا نحو تطور مستقبلي، هذا إذا لم تكن هناك مآرب أخرى، لهذه العصا التي تسلط على فعل التغيير ورواده المدافعين عنه. ونحن هنا لسنا، خارج مفهوم "الحداثة"، التي نجدها ترتبط بعنصرين اثنين هما؛ أولا الإنسان، فهو جوهر الحداثة المرتبطة بالعقل، واعتماد الحرية والمعرفة والعلمية والعقلانية في فهم العلل والنتائج، في سياق التعامل مع التاريخ وتطورات وقائعه، ومن ثمة "اعتماد المعرفة مجهودا إنسانيا يتطور باستمرار، ويتغير نحو الأفضل"[4]. وثانيا؛ ترتبط بالسياق التاريخي، فهي وظيفة بالأحرى لتاريخ الخطاب الذي يبرز وَفق عوامل إنتاج في فترة معينة، هي فترة ذات معنى حداثي بالذات[5].

إن هذا المؤلف الذي اختار له الدكتور" محمد أسليم" هذا المنحى، لم يكن اعتباطا، بل بغية الربط عموديا بين منطق التاريخ وبناء الوعي، وأفقيا رهانات التحول التي  أصبح يعرفها الأدب من بنيته التقليدية نحو أدب رقمي، يؤسس لمفاهيمه الجديدة، ومن ثمة لمصطلحاته وآلياته القرائية والنقدية.

1-  الأدب: نحو برامج تفاعلية

إن أولى المفاهيم الكبرى التي يقف عندها هذا المؤلف هو "الأدب الرقمي"، الذي جسد قطيعة تاريخية مع عصر "المطبعة"، كما جاء في المقال الأول منه، بعنوان "وداعا جتنبرغ"، ومعه "يختم العصر الذي افتتحه اختراع جتنبرغ، وهو المطبعة التي أحدثت ثورة في علاقتنا بالمكتوب وبالنصوص، وجددت وصولنا إلى المعرفة وغيرت نظرتنا إلى العالم"[6].حيث التحول من الكتاب الورقي نحو الكتاب الرقمي، أسفر عن تحولات أهمها "تشتيت النص، وتفكيك الحوامل التقليدية، ثم التداخل مع وسائط أخرى"[7]. وبذلك، تم التدقيق في مجموعة من المصطلحات منها "الأدب الرقمي" الذي يعد "كل شكل سردي أو شعري يستعمل الجهاز المعلوماتي وسيطا ويوظف واحدة أو أكثر من خصائص هذا الوسيط"[8]، علما أن مفهوم "الوسيط" هو أداة التواصل المستخدمة، الذي تشتغل فيه الميديات بشكل متناغم، مما ينتج وسائط متعددة، عبارة عن ميديات يفهمها الإنسان "مثل الصوت والصورة والنص، وعليه فالوسائط المتعددة ذات طبيعة سمعية بصرية"[9]. ويتحكم في هذا النظام، "الخوارزم" الذي هو "مجموعة من القواعد المنطقية التي يتم ترميزها برمجية لأنتاج نتيجة"[10]. و"التشفير الرقمي" القائم على ثنائية (01). و"التفاعلية" التي تجسد العلاقة "التي تقوم بين القارئ والبرنامج. إنها قدرة تُمنح للقارئ وإكراه يُلزِمُ البرنامج: يمنح العملُ القارئَ قدرة التأثير في تركيب العلامات المقترحة للقراءة ويفرضُ العملُ نفسُه على البرنامج أن يتجاوب مع بعض المعلومات التي يقدمها القارئ"[11]. و"الوسيط المركب" الذي يعد مقر "تنفيذ البرنامج أو نقل المعلومات بين أجهزة أو بين برامج"[12]. ويمر هذا عبر "جهاز العمل"  الذي يجمع بين كل مكونات الأدب الرقمي أي العلاقة بين "الأجهزة والبرامج التي تتدخل في التواصل الذي يحدثه هذا العمل بين الكاتب والقارئ والفاعلين المشاركين فيه"، وحيثما كان العمل جاهزا، فيدخل ضمن مفهوم "العابر المرئي" الذي يعد حدثا "متعدد الوسائط الناتج عن تنفيذ البرنامج والمتاح للقراءة"[13].

والتدقيق في مثل هذه المصطلحات، لم يكن  بترف معرفي، بقدر ما جاء بهدف التمييز بين الأدب الرقمي والأدب الإلكتروني  (أو المعلوماتي) الذي ارتبط بالأدب المكتوب الذي يسهل إعادة طبعه في كتاب ورقي. وإن تعددت مفاهيمه، مثل؛ "النص التشعبي" أو "الأدب الرقمي" أو الأدب الشبكي" أو الأدب التفاعلي" (...) أو غيرها، فهو يروم إحداث قطيعة تاريخية مع كل ما هو خارج الشبكية وإن استعمل الوسيط المعلوماتي؛ مثل "الكتب الورقية المرقمنة، وهي مؤلفات لاتدخل ضمن فئة الأعمال الأدبية الرقمية"[14].

وقد مر "الأدب الرقمي" تاريخيا بثلاث مراحل: فالمرحلة الأولى؛ كانت ما بين (1959) و(1980)، وفيها كانت المقاربة شبه تجريبية. والمرحلة الثانية؛ بدأت "مع المولدات الأوتوماتيكية الأولى التي برمجها جان بييير بالب في عام 1980، وانتهت بتأسيس مجموعة L.A.I.R.E سنة 1988"[15]. أما المرحلة الثالثة، فقد تميزت بهيمنة أعمال جماعة ALAMO بفرنسا، خاصة اقتراحات "جان بيير بالب" وأعماله. كما واكب هذا التطور ظهور مجموعة من المجلات مثل مجلة "LAIRE" في يناير 1989. وتابعت أعمالها فيما بعد، مجلة KAOS.

وتبعا لهذا، تحولت أقانيم العلاقات التي كان يقيمها الأدب التقليدي، مقارنة بالأدب الرقمي، سواء على مستوى المؤلف أو القارئ أو النص. و"بهذا المعنى، يصبح الأدب التفاعلي شيئا آخر وتصير الكتابة، باعتبارها فعله المؤسِّسُ، عملا أو حركة متبادلة حيث العلاقات بين المؤلف والنص والقارئ بداخلها آخذة في التغيير"[16]. فموت المؤلف[17] التي نادى بها "رولان بارت"، قد تحققت  بصيغة شبه نهائية، حيث حررت كل من النص والقارئ من سلطته التي كانت متمركزة حوله خلال عهد الكتابة. فمبجرد أن ينبي المؤلِّف خطابه على شكل نص تشعبي، يحضر القارئ، باعتباره المسؤول عن قراءة مثل هذه النصوص، ويستحيل على المؤلِّف "أن يتوقع سائر السياقات التي سيتم فيها قراءة مقاطع نصه"[18]، وذلك من خلال التحول عن الحامل  الورقي  نحو الحامل الإلكتروني، أي تحول من مفهوم "القراءة" التي كانت تتم في ظروف تقليدية أساسا، نحو مفهوم آخر نتيجة التفاعلية التي أتاحها " الكتاب الإلكتروني"، حيث أصبحت "أفعال القراءة والكتابة وإعادة الكتابة التي كانت يُنظر إليها إلى وقت حديث بأنها أنشطة منفصلة تميلُ الآن إلى الانصهار في فعل واحد أو عملية مثالية واحدة هي "الكتاءة" (écrilecture)"[19].

لقد أتاح "الحامل الإلكتروني" نوعا من الثراء والتنوع على مستوى النشاط القرائي، في صورة تكتمل علاقة النص بالقارئ والمؤلف، ويعود هذا بالتحديد إلى تميز النص الرقمي، من خلال إعادة إنتاجه على آلة الحاسوب، بمجموعة من الخصائص؛ فالخصيصة الأولى تتمثل في "صيغة العرض" حيث "تستطيع شاشة الحاسوب أن تحتضن تخطيطات مختلفة للصفحة وخيارات حروف قابلة للتعديل"[20]. والخصيصة الثانية، هي قابلية مثل هذه النصوص للبرمجة الحاسوبية، فلم تعد تعرض فقط، بل تولَّدُ بالآلة، وبهذا "صار المؤلف هو –مهندس النص- حيث لم يعد يكتب كتبا وإنما يصمم خوارزميات، بل ويصمم أحيانا برامج ليفسرها الحاسوب لاحقا"[21]. أما الخصيصة الثالثة فهي التفاعل، الذي يظهر من خلال قدرة القارئ على التدخل في النص، والتأثير على مجرياته عبر مجموعة من الخيارات.

لقد أفضت مجمل هذه الخصيصات إلى ظهور أنواع عدة من النصوص الرقمية التي تشكل ما ينعت الآن بـ"الأدب الرقمي"؛ وإن اختلفت بين النقاد والمهتمين بهذا المجال، فيمكن حصرها في نوعين كبيرين، وفق ما جاء به الدكتور "محمد أسليم" من خلال هذه المترجمات، وهي "النص التشعبي" الذي يمكن أن تتولد عنه مجموعة من النصوص، تبعا للمقاربة النوعية  المعروفة من النص القصصي أو الروائي أو الحكائي أو غيرها، و"الشعر الرقمي" الذي أصبح ينعت ب"الشعر المتحرك"، وتتفرع عنه أيضا أنواع عدة.

1- النص التشعبي:  نحو "رؤية كلية"

إن ثاني المفاهيم الكبرى التي وقف عندها مؤلف "الأدب الرقمي"؛ "النص التشعبي"، الذي افترعه "عالم الرياضيات فانيفار بوش، الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ووصف مبدأ هذا النص في مقال نشره في عام 1945، معيدا فكرة أن الدماغ البشري يعمل عن طريق التخاطر"[22]. ومن بعده "تيد نلسون" الذي لم يفلح في محاولته، إلا مع ظهور "نظام "الهايبركارد" الذي صممه"بيل اتكنسون" لأجهزة كمبيوتر شركة أبل، وهي أول الحواسيب التي توفرت على الماوس الشهيرة"[23]. ويعرف "جورج لاندو" النص التشعبي أنه "تكنولوجيا للمعلومات تتكون من كتل من النصوص –أو الكلمات- والوصلات الإلكترونية التي تربط فيما بينها"[24]. بينما يعرفه بشكل أكثر وضوحا" إيلانا سنايدر" بكونه "شبكة من الروابط بين كلمات وأفكار ومصادر ليس لها نواة مركزية ولا نهاية"[25].

ولاغرو أن النمط الذي ارتبط بهذا المفهوم، هو "النص التشعبي التخييلي"، الذي لم يكن جديدا على مجال الأدب في عهد الحامل الورقي، فمفهومه عموما، يلتقي في بعض نواحيه مع تيار الفكر البنيوي، الذي يعتبر النص قائما على فكرة الترابط والتبادل، حيث يرى البنيويون أن الفكر عبارة عن "نسق من التبادلات، بمعنى أنه شبكة، ليس فيها نواة مركزية، ولكن فيها العديد من المجموعات المتفاعلة فيما بينها"[26]، توافقا مع العرض الذي جاء به "رولان بارت" في مؤلفه "s/z". وفي هذا الصدد، فالقراءة عنده تعني تشبيك "النص، مثل قائمة زلزال، يباعد بين كل الدلالات بحيث لا تدرك منها القراءة إلا سطحها الذي يلمحه تدريجيا تدفق الجمل، وخطاب السرد المنساب، ومجرى اللغة الطبيعي الكبير. (...)"[27]. مع العلم أن القليل من الأعمال التي يمكن أن تنفلت من "منطق الحكي"، وفق منطق الزمن الذي يحتكم إلى نظام يستدعي تقدما تسلسليا. فالبعودة إلى "أرسطو" لابد أن تكون للحكاية "بداية ووسط ونهاية"، مما يعني أنها قائمة على نظام، ولا تحتكم إلى العشوائية. في حين نجد أن النص التشعبي، "يزعم قطع الصلة بهذا التقليد الراسخ، ومن وجهة النظر هذه يحسن التمييز بين الحكايات الشجرية متعددة الفروع وتلك التي (...) ترسم مسارات خطية وتسرد قصة واحدة أو أكثر سردا تقليديا"[28].

وبذلك، تم التمييز بين كل من "النص التشعبي" و"القصص الشجرية "والتوليف الخالص"، والرابط بينهم هو عامل النظام على مستوى الوحدات السردية الشذرية، "وبذلك يكون النص التشعبي عبارة عن مجموعة من المقاطع النصية شبه المنظمة، (في أفق تحقق) حلم قديم جدا، هو حلم إشراك القارئ في كتابة العمل الأدبي"[29]،  الذي يسمح له أثناء عملية التفاعل، اعتمادا على ما أسماه "كلود بيرسزتيجن" "Claude Bursztjen"[30] ب "التزلج على الأمواج"  "surfing"، عوض "الإبحار" أو "التصفح". وهذا ما جعل "ستيورت ملثروب" في "شهوة النصر" يقول "ربما نعيش غارقين في الوسائط التشعبية وما بعد الحداثة، في عالم يشبه على نحو مريب حديقة الممرات المتشعبة"[31].

 لقد أسفرت مثل هذه النصوص عن تحولات ليس في آليات النص بأكمله فحسب، بل في العلاقة التقليدية بين أطراف عملية الاتصال الأدبي.رغم ما أتاحته الكتابة من تجاوز لأشكال المعرفة التقليدية، على اعتبار أن "الأبجدية هي أول نظام تواصل عالمي"[32]. كل هذا خلق وعيا جديدا، في فضاء سبرنتيكي؛ أصبح يتميز بنمط العلاقات المفتوحة،  وبالسرعة في التطور والتحول، في أفق بناء ذكاء جماعي، أساسه" الرؤية الكلية"، من خلال "اتخاذ عدد لانهائي من وجهات النظر المتنوعة"[33]. ناهيك عن التأثيرات المتمثلة في "الديموقراطية السيبرانية" واقتصاد السوق "بقيادة أخلاقية للاقتصاد من لدن الاقتصاديات الشعبية على الخط ومن لدن الاستهلاك في الأسواق الافتراضية الشفافة"[34].

2 - الشعر الرقمي: الدينامية والتوليد

  وثالث المفاهيم التي تم الوقوف عندها، تتمثل في "الشعر الرقمي" الذي ظهر باللغة الألمانية والإنجليزية عام 1959، أما باللغة الفرنسية فلم يظهر حتى عام 1964، بفعل مجهودات مجموعة من الباحثين والجمعيات، خاص جمعية "الأدب المدعوم بالحاسوب" أو "ALAMO، ثم بعد ذلك واصلت العديد من المجلات الإلكترونية الجديدة العمل على هذا النمط الشعري الجديد مثل مجلة "alire" و مجلة KAOS".

ولم يتشكل الوعي بهذا النمط الشعري، بشكل سريع، بل عبر ثلاثة مراحل، على وجه التقريب. فالجيل الأول، اهتم فقط ب"تحديد العمليات الرئيسة للإبداع ووصفها بمصطلحات حاسوبية من أجل امتلاك القدرة على إعادة بنائها ومحاكاتها (...) مع ما يسميه فرانسوا هذا بتحليل الإجراءات الأدبية و "الأنيبولية""[35]. والمرحلة الثانية؛ بدأت عام 1961، التي تم الاهتمام فيها بعمليات جديدة للإبداع، وهو ما أطلق عليه ب "التركيب"، أي "آلات معالجة المعلومات" بهدف "اكتشاف إمكانات الأدب الكامنة والاحتمالية"[36]. أما المرحلة الثالثة؛ فقد بدأت عام 1995، مع ظهور شبكة الأنترنيت، وظهور "الشعراء الشبكيين" و "الشعر الشبكي". وقد رافق هذا الاكتشاف العديد من الدراسات التي أنجزت في نطاق علمي أكاديمي، مثل "تكنولوجيا الإعلام الجديدة والإبداع الأدبي" لكل من "أورلاندو كارينيو" و"رودريغيز- ماريبونا" بإسبانيا. و"تحولات الواقع. المعلوماتية والإبداع الأدبي" ل"بيدرو باربوصا" بالبرتغال. و"عن دوكس Doc(k)s: طريقة الاستعمال. تاريخ الأشعار التجريبية المعاصر وأشكالها ومعانيها" ل"فيليب كاستيلان" بفرنسا. وقد مهدت هذه الأبحات لظهور مجموعة من الكتب في هذا الموضوع[37].

ويتميز الشعر الرقمي بمجموعة من الخصيصات، أهمها الدينامية والتوليد، فكونه يتميز بالدينامية "الشعر المتحرك"، لأنه "يسعى إلى إبراز الوجه المحسوس للعلامات اللغوية في الإبداع الشعري"[38] مما جعله يعرض للمشاهدة أكثر من القراءة "أما اليوم فقد تغير الوضع وأصبح الشعر الرقمي يعرف كيف يستغل كل إمكانات العرض والتحريك باستعمال الحاسوب (...)"[39]. أما خصيصة التوليد، "الشعر التوليدي" فتتجلى "في نوع من القصائد التي لا توجد مسبقا ولكن يتم تصنيعها (أو توليدها...) ببرنامج "مولِّد" أو "مركِّب" للنص (...) يصمم خصيصا لهذا الغرض"[40]. وتبعا لهذا، عرف تحولا على مستوى المفهوم، خلاف ما جاء في الأدب المكتوب، فهو شعر يجمع بين الصوت والصورة و الحركة واللغة، بلا حدود فاصلة بينها، بل أصبحت القصيدة الشعرية بلا نهاية، لأنه  "لا يعرف حدودا جغرافية ولا لغوية أو تكنولوجية"[41]، لذلك تولدت عنه أنواع عديدة، وأشكال شعرية غير معهودة "مثل الشعر الشبكي، والفن الشبكي، والشعر الإلكتروني، وشعر الويب، والويب آرت، وفن البريد الإلكتروني، وشعر البريد الإلكتروني، وآلاف التنويعات من الشعر الديجتالي، والرقمي، والتكنولوجي، والإلكتروني، والمتعدد الوسائط، والمشعب الوسائط، والتشعبي، والتفاعلي، والتركيبي، والتوليدي، والمتحرك، وما إلى ذلك"[42].

تنوير خاص:

لقد أسهم ظهور الأدب الرقمي في إحداث تحولات متحاوزة ما دأب عليه " الأدب المكتوب"، ومع مرور الوقت ستضاف تحولات أخرى، وفق منطق حركية التاريخ وتحولات بناء الوعي، خاصة أن الأبحاث  العلمية الآن تسعى إلى الجمع بين ما هو رقمي وما هو بيولوجي :" البيورقمي". لكن السؤال الذي يطرح نفسه ضمن هذا السياق؛ هل سيبقى الأدب كما كان، أم سيتم تجاوزه إلى مسألة التقنية ويصبح الأدب مفهوما شكليا وليس تخييلا بالمفهوم التقليدي في نظرية الأدب، وإذا كان كذلك ، ما مصير الكتابة والكتاب؟. هل الكل ينبغي الانخراك في هذا التحول، وبأية معايير نقدية؟. هل القارئ بدوره قادرا على تطوير النص التشعبي التخييلي بشتى أنواعه أم أن الأمر سيكون حكرا على "مهندسي التكنولوجيا" فحسب. وبالمقابل هل المجتمع المغربي يعي  الفوارق المطروحة على المستوى الثقافي والتعليمي؟ أم أن الأمر لا زال رهين المبادرات الفردية وبعض الجمعيات والمواقع الإلكترونية التي تدفع بالجيل الجديد للانخراط في هذا التحول الرقمي؟. ما موقع المدرسة المغربية من هذا، هل تعي الهوة بين مجتمع ينفتح على عالم رقمي ومدرسة لازالت تركن إلى الوسائل التقليدية في العملية التعليمة- التعليمة؟. وملاك القول؛ فمنذ القرن الواحد والعشرين، نحن مقدمون على تحولات بنيوية على جميع المستويات عموما، وعلى المستوى الثقافي والأدبي على جه خاص، ولا سبيل لنا إلا الانخراط الجاد في هذه الثورة مجتمعيا وإنسانيا.

 

رشيد طلبي

............................

هوامش

[1]-  محمد أسليم؛ الأدب الرقمي. تقديم: الدكتورة "زهور كرام". الدار المغربية العربية للنشر والطباعة والتوزيع. ط1. 2016. وهو عبارة عن ترجمات لعدة مقالات، حول "الأدب الرقمي"، لكل من "فليب بوتز" وكلود بيرسزتيجن" وألان فويلمان" وجان كليمون" و"بيير ليفي" و"صوفي ماركوص".

[2]- نفسه. المقدمة. ص6.

[3]- نفسه. المقدمة. ص8.

[4]- حسن العودات؛ النهضة والحداثة بين الارتباك والإخفاق. دار الساقي. بيروت- لندن. ط1. 2011. ص107.

[5]- Henri Meschonnic;Modernité Modernité. Collection folio/essai. ED Gallimard.1988.p35.

[6]- محمد أسليم؛ سابق. ص9.

[7]- نفسه. ص16.

[8]- نفسه. ص29.

[9]- نفسه. ص30.

[10]- نفسه.  

[11]- نفسه. ص33.

[12]- نفسه.ص36.

[13]- نفسه. ص37.

[14]- نفسه. ص40.

[15]- نفسه. ص45.

[16]- نفسه. ص68.

[17]- رولان بارت؛"موت المؤلف" سنة 1967.

[18]- محمد أسليم؛ سابق. ص90.

[19]- نفسه. ص72.

[20]- نفسه. ص93.

[21]- نفسه.  

[22]- نفسه. ص148.

[23]- نفسه. ص149.

[24]- نفسه. ص177.

[25]- نفسه.  

[26]- نفسه. ص183.

[27]- نفسه. اُنظر الهامش. ص183-184.

[28]- نفسه. ص161.

[29]- نفسه. ص163-164.

[30]- نفسه. أنظر مقال (المترجم): "التفكير التشعبي". ص151.

[31]- نفسه. ص173.

[32]- نفسه. ص121.

[33]- نفسه. ص126.

[34]- نفسه. ص129.

[35]- نفسه. ص207.

[36]- نفسه. ص208.

[37]- نفسه. اُنظر ص209-210.

[38]- نفسه. ص99

[39]- نفسه.

[40]- نفسه. 219.

[41]- نفسه. ص225.

[42]- نفسه. ص254.

 

 

تمّ بحمد الله استلام كتابي الجديد (كريم عبدالله والسايكودراما) هذا اليوم من دار بغداد للتوزيع والنشر، وهو عبارة عن فصلين،:

الفصل الاول يحتوي مذكرات خمسة عشر عاما من العمل مع المرضى العقليين الراقدين في المستشفى وبالخصوص السايكودراما،

اما الفصل الثاني فيحتوي على اربع مسرحيات سايكودراما قام باداء الادوار فيها مجموعة رائعة من المرضى والمريضات الراقدين في المستشفى .

الكتاب من القطع الكبير وهو عبارة عن (200) صفحة .. شكرا للاخ الدكتور رعد احمد الزبيدي صاحب دار بغداد للتوزيع والنشر على هذه الجهود الاستثنائية في اخراج هذا الكتاب بالشكل الجميل والوقت المحدد ..

أولا: حول الوثيقة والمحقق سعيدوني.. كتاب "قانون أسواق مدينة الجزائر 1107-1705"، لمتولي السّوق عبد الله محمّد الشويهد، تحقيق وتقديم وتعليق الأستاذ ناصر الدّين سعيدوني، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى 1427هـ -2006، من 250 صفحة.

الكتاب عبارة عن وثيقة تركية بقلم تركي كتب عن تلك الأحداث في تلك الفترة، ورسم صورة عن الجزائر من خلال الضرائب التي أضرت بالجزائريين و الأسواق.

ويبدو غلاف الكتاب أنه ردىء في النظرة الأولى، لكن جودة أوراقه فاقت في جودتها وجمالها أوراق المجلدات التي تباع بأثمان باهظة جدا والتي تعتبر أقل بكثير من هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

بذل الأستاذ ناصر الدّين سعيدوني مجهودا خارقا في تقديم الوثيقة التاريخية التركية على أحسن وجه وأفضل بكثير من الوثيقة بحد ذاتها.  فقد نقل في الأعلى النص حرفيا كما نقله التركي بعامية يصعب فهمها خاصة بعد أن طال عليها الأمد، وفي الوسط أعاد النص إلى لغته العربية الفصحى التي يفهمها الجميع، وفي الأسفل وضع هوامش لبعض الكلمات التركية التي يصعب فهمها الان، فشرحها أحسن شرح، وشرح الأعلام والأماكن والتواريخ، فكان الهامش بحق قاموسا يرجع إليه القارىء والطالب والمهتم. فتحية تقدير للأستاذ على الجهد المبذول والصرامة في العمل، والدقة في المعلومات، وإثراء الكتاب للأجيال الحالية والقادمة وتسهيله للقراءة والنقد والمتابعة. ولفهم ما جاء في الكتاب لابد من قراءة مقدمة الأستاذ سعيدوني فإن فيها شرحا مستفيضا وافيا يعين القارىء وينير له ما صعب عليه. و يعترف المحقق وفي عدة مرات أنه عاجز عن معرفة معنى الإسم الفلاني أو المهنة الفلانية ويصرح كما جاء في صفحة 121: "لم نعثر على تعريف لها والراجح أنها ..."، وهذا من الأمانة والصدق الذي يسجل له.

ثانيا: محتوى الوثيقة التركية.. جاء في صفحة 46 أن مادة الأفيون كانت تستورد ويقبل عليها الحشاشون وأغلبهم من البحارة.

ويتضح من خلال صفحة 61 سر سيطرة الخبازين من ولاية جيجل على مهنة صنع الخبز والحلويات عبر كامل التراب الوطني إلى يومنا هذا، والسبب في ذلك يعود لسنوات 1700 كما واضح في الكتاب أو ربما ما قبلها.

ومن الضرائب التي ذكرت في صفحة 63 و65، تلك المفروضة على بائع الفخار "إذا كان منتعلا فيخضع للضريبة" و "يدفع الساكن في الطابق العلوي ضعف ما يدفعه الساكن في الطابق الأرضي".

وأعجبني كثيرا ما جاء في صفحة 92 ، حيث أنه من أراد أن يشتري الحمام فهو مطالب بعدم طرد العمال كالطيابين حتى لا يتعطل العمل بالحمام ويحافظ على سمعته.

وجاء في هامش صفحة 93، أن فرنسا المحتلة هدّت أجمل مسجد في الجزائر سنة 1830 وأتموا عملية الهدم سنة 1830، وأشعلوا النار في دعائم المنارة الخشبية وإزالة حجارتها بالمعاول لتختفي إحدى المعالم العمرانية للجزائر، وهو جامع السيّدة الذي بني سنة 1561.

ويتضح من خلال صفحة 99 وحسب ما جاء في الهامش، أن الأتراك هم الذين أدخلوا الدخان إلى الجزائر وقلّدهم الجزائريون في شرب الدخان.

ومما يفرح أنه جاء في صفحة 103، أن من "يلتحق بمحل ما لتعلم المهنة عن صاحبها لا يغادر المحل إلا وقد أتقن الحرفة".

وجاء في هامش صفحة 104، أن جامع الرابطة الذي بني سنة 1624 تم هدمه من طرف الاستدمار الفرنسي سنة 1832.

ومن مظاهر التمييز التي شرحها المحقق في هامش صفحة 105، أن الأتراك كان لهم سجن خاص بهم.

وتحدث في صفحة 115 عن سطوة المال لشراء المنصب والنفوذ، وكان معمولا به عبر كافة المستويات والشرائح.

و جاء في هامش صفحة 130، أن المومسات أو النساء العموميات كن يقمن في منازل خاصة بهن ويتردد عليهن الجند الإنكشاري الذي كان يعيش في حالة عزوبة طيلة الخدمة العسكرية، حيث تجاوز عددهن عند الاحتلال الفرنسي سنة 1830 بثلاثة آلاف مومس. ويمكن للقارئ أن يرجع للصفحة ويقف على فضائع أخرى.

وجاء في هامش صفحة 131، أن الاستدمار الفرنسي هدم العديد من أسواق الجزائر بعد سنة الاحتلال 1830 ومنها حريق 1844.

وجاء في صفحتي 144- 145، إستيلاء الفرنسيين على ميناء جيجل سنة 1655 و 1664. وتعرض مدينة الجزائر لقنبلة الأسطول الفرنسي لثلاث مرات وعبر سنوات 1682 و 1683 و 1686.

جاء في صفحة 149 "وصول أعداد من المهاجرين الأندلسين سنوات 1584 و 1609.

ثالثا: تقرير الإستدمار الفرنسي.. جاء في التقارير الفرنسية الممتدة عبر صفحات 161 -182، أن الجزائر كانت مركزا للقرصنة ولم تعرف التجارة أو الصناعة قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر والذي يسميه التقرير بالنظام الفرنسي، وكانت تبدو أزقة الجزائر للمحتل الفرنسي غامضة وغير آمنة.

وجاء في صفحة 162، أن الفرنسيين لم يقيموا أدنى اعتبار لخصوصيات المدينة الشرقية وأخضعوها للقواعد العمرانية التي ألفوها من أوربا.

وكانت المرأة الجزائرية كما جاء في صفحة 165 من التقرير المحتل الفرنسي لم يكن باستطاعتها شراء الحلي الذهبية بسبب المفروض، وكانت تكتفي بشراء الحلي المصنوعة من قرون الثيران ولذلك كانت هذه الصناعة رائجة.

وتحدث في صفحة 166 عن اليهود فقال لم يكن لليهود شارع خاص بهم كما هي العادة في المدن الإسلامية الأخرى وقد كان المسلمون واليهود يعيشون في الجزائر جنبا إلى جنب.

وقال في صفحة 168، أن الانكشاريين اشتهروا بظلم الجزائريين لذلك تعرضوا للانتقام إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر من طرف الجزائريين.

وذكر في صفحة 169-176 أن صناعة مدينة الجزائر لم تكن تلقى رواجا بالخارج عكس صناعة تلمسان التي كانت تلقى رواجا بالخارج. ويرى أن الأتراك لم يمارسوا التجارة إنما تركوها لليهود الذين احتكروا وسيطروا عن طريق إستغلال أسماء أوربية لكي يدفعوا أقل الضرائب ويتحصلوا على أقصى ربح. ويعطي التقرير الفرنسي مثالا عن ذلك فيقول.. في سنة 1826 وأثناء الحكم التركي لم يدخل ميناء الجزائر أكثر من 12 سفينة تجارية من كل الجنسيات، بينما وبعد 11 شهر من الاحتلال الفرنسي للجزائر دخلت 295 سفينة لميناء الجزائر لنقل حاجات الجيش الفرنسي المحتل للجزائر. وقال أيضا: "نلاحظ أن الخمور تعتبر من أهم الواردات في انتظار أن يبدأ استهلاكها من طرف العرب". ودعا التقرير إلى الإسراع في احتلال قسنطينة وأراضي جزائرية أخرى قبل أن تستحوذ عليها بريطانية. ويقول التقرير أن الفلاح الجزائري كان يستعمل 700 زوج بقر لحرث أرضه وبعد الضرائب التي فرضها عليه الأتراك أصبح يستعمل 60 زوجا، ودائما حسب التقرير الفرنسي.

ويرى التقرير في صفحات 177 -179 أن عروج كان قرصانا ونقل القرصنة إلى إخوانه الأتراك، مع التنبيه أن هذا هو رأي فرنسا في عروج. و يتأسف الفرنسي لكون العلاقات التي أبرمها مع فرنسا كانت لصالحه ولم تكن لفرنسا. وذكّر بالقصف الهولندي والإنجليزي للجزائر سنوات 1655، و1669، و1670، وكذا القصف الفرنسي للجزائر سنوات 1682، و1683، 1687. وتحدث قبيل الاحتلال الفرنسي للجزائر عن تدهور الصناعة الجزائرية بشكل كبير.

ويرى التقرير عبر صفحتي 181-182، أن أسواق مدينة الجزائر كانت ضعيفة ولا تقارن بأسواق الشام وبغداد، بل لا يمكن مقارنتها بأسواق زمير وقسنطينة. وكان الثراء بالجزائر بمثابة الحكم بالإعدام. وكان الأوربي يأخذ معه الصناعات التقليدية لبلده وهو قادم من زيارة الجزائر، ومنها أشياء من خيوط الصبار.

 

معمر حبار

 

 

 

 

 

 

 

 

"مخطوطة ابن إسحاق، مدينة الموتى"، هي رواية للكاتب المصري حسن الجندي، تصنف ضمن روايات الرعب، تتحدث عن شاب جامعي خامل، يقرر ذات مرة زيارة سور الأزبكية وهو مكان لبيع الكتب القديمة يماثل شارع المتنبي في بغداد، وكانت زيارته الأولى لهذا المكان، فهو يعيش بعيد عن عالم الكتب والمعرفة، مثل اغلب شباب هذا العصر التابع للشبكة العنكبوتية "الانترنيت"، فتقع بين يديه مخطوطة أصلية لساحر عاش في مصر في فترة بعيدة، فينغمس في قراءتها، فيصبح شخص أخر، حيث ركزت الرواية على مخاطر كتب السحر على جيل الشباب غير الواعي.

عالجت الرواية موضوع مخاطر مطالعة كتب السحر، من دون وعي وفهم سابق، فتكون مطب كبير لمن يطالعها، أن السحر في العالم الغربي يعتبر علم وله قوانينه وأساتذته، أما في بلداننا فيعتبر شعوذة ويستخدمه في الغالب حثالة المجتمع، وهو في الحالتين خطير ويؤثر سلبا على الشخص المتعاطي به، وقد كفر ديننا المتعاملين بفنون السحر، لكن قضية تداول كتب السحر وسهولة الحصول عليها من الأمور الخطيرة، وهي منتشرة ألان وبكثافة، هذه الظاهرة يجب أن يكون لها ضوابط، كي ندفع خطرها.

أولا نوضح أمر مهم وهو أننا لسنا ضد حق النشر وحرية التداول، لكن كتب السحر والشعوذة تعتمد فنون غريبة، تنتمي لقوانين ما وراء الطبيعة، وتكون خطرا على فئة الشباب والأشخاص المرضى النفسيين، فيكون موضوع حماية المجتمع مقدم على حرية التداول.

انتكاسات الحياة هي السبب

قصة الشاب مازن مازالت طرية في ذاكرتي، كان مازن إنسان طيب يسعى دوما لخدمة الناس،لكنه تعرض لانتكاسات متتابعة من وفاة والده، الى فشله بالحب، الى خسارة مشروعه، مما جعله يلجا الى الانعزال عن الناس، كان يحس بالحقد على كل من استهزأ بآرائه، أخيرا وجد كتاب بعنوان السحر الأسود، فشرع بقراءته بشره كبير، وبدأ يجمع كتب غريبة ويمارس طقوس عجيبة، الى ساءت أحواله الصحية والنفسية وانتهت بموته المفاجئ.

بعض الشخوص يكون بنائهم الشخصي ضعيف، والبعض الأخر تكون ضغوطات الزمان عليه شديدة، هؤلاء يكون عالم السحر وقوانينه الغامضة خطر شديد عليهم، حيث يتحولون الى أشخاص خاضعين لقوة غريبة، بما يسمى بالتلبس أو طبيا بذات السحايا، خمول توقف عن أداء أي دور حياتي، وكل هذا بسبب الغرق في صفحات كتب، والاعتقاد بالقوى الخفية، وكل هذا لا ينهض بالإنسان بل تحط من قدره.

كتب السحر والفضائيات

أحيانا تكون الدوافع لدخول عالم كتب السحر، هو البحث عن القوة، والسعي للفوز بالغايات، بعد أن جعلت الحياة كل الأمور صعبة المنال، وعندها تحصل عملية الغرق، ويكتشف أن لا قوة حقيقية ولا فوز بأي شيء، فقط مجرد خيبة أمل وندم لكن حين لا ينفع الندم.

لكن الغريب أن تفتح فضائيات للترويج للسحرة والدجالين، وهؤلاء يرشدون الى كتبهم ويبينون للمتلقي طريق الفوز بقوة خفية، كان في السابق يتم اعتقال السحار لكن ألان يسمح له بفتح مكاتب وفضائيات ليدخل كل بيت من دون استئذان، أمثال أبو علي الشيباني والوائلي وغيرهم الكثير، وقد أصبحت لهم شعبية ومريدين وناس تأخذ منهم.

العجيب أيضا أن تركز بالدراما العربية على موضوع السحر، وتقوم بإطلاق مسلسلات تعتمد على قضية السحر، وتبرزها بشكل مخيف مثل مسلسل (الكبريت الأحمر)، والذي عرض بعد شهر رمضان الفائت، ومسلسل (ونوس)، وكلاهما يخلق تشويق عند الإنسان العادي للخوض في كتب السحر، ليفهم ما طرحته الدراما، وهنا يتبين لنا مدى تغلل خط السحر، وهذا لا يتم الا بتواجد شخوص ومنهج وهدف،  ويتضح مقدار عدم الاهتمام بالإنسان العربي، وغياب لجان الرقابة الفعال، بل يبدو أن هنالك جهات خفية تدعم نشوء هكذا خط أعلامي يروج للسحر.

الثمرة

نحتاج اليوم الى تنظيم عملية تداول كتب السحر، مثلا أن يحدد عمر معين  يسمح له بالاطلاع على كتب السحر، وان يفرض عليها ضريبة كبيرة كي ترتفع أثمانها فتصبح صعبة المنال، وان تلتزم دور النشر بتوفير معلومات كاملة عن أي كتاب للسحر يطبع الراعي والهدف والفئة المستهدفة، وإلا يتم محاسبة دار النشر الى عقوبات تصل للغلق والسجن، ومن جانب أخر يجب على الأعلام والمنابر أن ترسخ فكرة أن الإنسان يجب أن يصل لغاياته عبر قدراته وأرادته وعلمه وليس بطريق والسحر والخزعبلات، الوعي وعملية خلقه في المجتمع أمر مهم في حل هذه القضية.

تكاتف الجهود يجعلنا نتقدم بخطوات واثقة في عملية حماية المجتمع من مخاطر قوانين عالم خفي. 

 

اسعد عبدالله عبدعلي

كاتب وأعلامي عراقي

 

 

يلقي كتاب (رهانات السلطة والحكم في العراق.. حوار في آيديولوجيا التوظيف السياسي) الصادر في دمشق عن دار الأمل الجديدة بالتعاون مع مؤسسة المثقف العربي في سيدني (1)، الضوء على الازدواجية التي عانينا منها خلال عقود، منذ نهايات أول حرب عالمية وحتى عام 2003 وهو المنعطف المؤثر والتاريخي الذي وضع نتائج سايكس بيكو تحت الاختبار والتعديلات.

يأخذ الكتاب شكل الفصول المفيدة، أو يطيب لي تسميته أيضا شكل السؤال المتفق عليه للوصول إلى أجوبة تفسر المناطق الرمادية والغامضة من تجربة العرب مع السياسة أو فن الحكم. هل كان العرب موفقين في إدارة شؤونهم أم انه غلبت عليهم أعراض الخلل المنهجي والذي يضع التطبيقات وراء الأفكار؟؟.

بتعبير آخر يقدم الكتاب نفسه بخط عريض وواضح على أنه قراءة تجريبية، تستند للملاحظة والخبرة. فالمشاركان في عملية التأليف وهما الأستاذ طارق الكناني والمفكر المعروف ماجد الغرباوي اتفقا على أن السياسة هي عمل من عدة مستويات، إنها إنتاج لأفكار لها صفة الإطلاق وإنتاج لمجموعة من الممارسات التي لا تتبلور إلا من خلال الوعي بمعنى تاريخية الظواهر. جتى لو أن الأفكار أسره بالمقارنة مع الممارسة ص8.

فالجمود لا يليق بالإنسان الذي شهد عدة أطوار وتحولات نقلته من واقع الاستسلام لظروف الطبيعة إلى واقع التحكم بالطبيعة القهرية ذاتها.

وقد تلازم مع هذه الرؤية الديناميكية روح النقد والتقويم، وعلى ما أرى إن هذه الروح هي ضرورة وواجب، بل هي فرض عين على كل مفكر، حتى لا نقع في المحظور ونتحول إلى جوقة من المداحين العميان، لا نرى ما حولنا ونخاف من رؤية أنفسنا.

لقد اختار الكناني أسئلة موجعة (بتعبيره مباشرة وحادة وتتطلب موقفا صريحا لا لبس فيه ص 7) وطرحها على الغرباوي الذي وضع في إجاباته الواقع العربي على المحك.

وأن نتكلم عن الواقع العربي يعني أن نقارب نقاط التحسس بين التصورات، ولا سيما في المرجعيات سواء هي مادية أو أنها تستمد شرعيتها من الإسلام. وحتى أن الدين يعاني من مواجهات مرعبة ودامية بين أهل الشورى وأتباع الإمامة كما ورد على لسان الغرباوي في آخر الكتاب.

مع أن الرسول لم ينص على أحد باتفاق الشيعة (كما وردت في كتب الشيخ المفيد) والسنة (التي يمثلها الطبري). ص181.

لقد تركت وفاة النبي فراغا بين النخبة السياسية الذين نعرفهم باسم الصحابة. وبتعبير الغرباوي إن ما جرى في مؤتمر السقيفة كان مخزيا، فهو مجرد تقاسم لسلطات النبي الروحية وتنازع عليها.و برأيي الغرباوي محق حين نظر للمؤتمر على أنه التأم لحسم نزاع سياسي ولو هناك نص (يعني قاعدة شرعية) لانتفت الحاجة للخلاف أصلا (ص181).

وكانت الحجة لدى كل فريق تعتمد على النسب العائلي أو درجة القرابة. ص181 .

إن هذه الجراة في تجريد الأفكار ثم شخصنتها يذكرني بمشروع سابق ومبكر ظهر في الستينات للمرحوم جلال صادق العظم أول من فكك التفكير الديني وأول من فك التشفير عن أسباب الهزيمة عام 1967. وذلك في ثنائيته المشهورة (نقد الفكر الديني 1970) و(النقد الذاتي بعد الهزيمة 1968).

لكن مشروع الغرباوي ينقل هذه التجربة الى مستوى التشربعات، بمعنى أنه يعارض السلفية المعاصرة من داخل القانون الإسلامي. فهو بالانطلاق من ترسانة الشواهد الدامغة التي يأخذها من السنة المشرفة والقرآن الكريم (وهذه المفردات أضعها بين قوسين لخصوصيتها التي تتنزه عن التشخيص والتجريد) إنما يدخل في منطقة التابو أو يلغي فصاحة المحظور والممنوع، فهو يفحص مشكلة الفتوحات بعد وفاة النبي ويسأل: هل هي جزء من الرسالة أم أنها استعمار وغزو وبقوة السيف؟ ص40. ويتابع مع مفهوم الجزية، هل هو إسلامي في ظروف الألفية الثالثة أم أنه تفسير جاهلي لظاهرة إيمانية تعود للقرن السادس بعد الميلاد. ص 180.

بهذه الروح يواجه الكتاب خمسة محاور أساسية.

الأول الفكر القومي ص19. ويعتقد أنه يعاني من الضعف والهشاشة في العراق لكنه أقوى في مصر وبلاد الشام ص21. وييذكر عدة أسباب لتفسير ذلك. فالعراق يتكون من جيوب اجتماعية أو إثنيات. بينما مصر جاهزة للتجانس لم تتخللها تاريخيا غير موجات بشرية متماثلة. فبعد الحضارة الفرعونية توسع الأقباط ثم حل في مكانهم المسلمون، ووجد الأقباط فيهم خلاصا من الاستعمار الروماني وطقوسه وإملاءاته. ص24.

وأضيف لما سلف أن الخلل في هذه المنطقة ناجم عن الأفكار الميكانيكية التي تفرضها السلطات من أعلى. فحكوماتنا العربية لا تؤمن بالتربية ولا مبدأ الإقناع. وتستعمل العنف عند أي مشكلة تطرأ على الساحة. وربما كان العنف المبذول ضد المعارضة أكبر من العمليات العسكرية التي واجهنا بها المحتل. ولذلك الغيبوبة السياسية هي التي تتحكم بالخطاب الإعلامي. وليس غريبا أن تسمع في وسائل الإعلام عن نبأ ولكن لا تجد له أي مصداقية على أرض الواقع. والقومية العربية في مصر وبلاد الشام ليست بريئة من هذه الشبهات.

فهي فكر كلاسيكي لديه خروقات إيديولوجية وتطاله العيوب من كل أطرافه. وأعتقد أن هذا هو السبب وراء تبلوره في العراق أكثر من البلدان المجاورة. فهو ذريعة للتماسك. باعتبار أن العراق على خط المواجهة مع الساسانيين أو الفرس وبلغة معاصرة إيران.

وكل دوائر العقل العربي الحديث وجدت لها أرضا خصبة في سنة العراق وحكومة صدام. وهذا لم يكن من السهل تذويبه بعد موت النظام السابق عام 2003. فموته لم يكن سريريا، ولكنه تفكيك للأدوات. بمعنى آخر لقد طرأ تبدل في المساحة التي يحتلها اللاعبون الأساسيون أو الكبار، القوميون أصبحوا في الخلف والإسلاميون احتلوا الواجهة. وليس من الوارد إقصاء أي طرف أو الغاؤه.

وكما يقول أرنست غيلنر: إن الإسلام الإصلاحي لعب دورا يشبه الذي تلعبه القومية. وفي البلاد الإسلامية يصعب التمييز بين الحركتين. ص34، فالإسلام يزود أتباعه بالهوية القومية والمثال الأبرز ما قدمه في سياق الكفاح ضد الاستعمار. ص35.(2). ولم ترتفع في العراق أصوات تدعو لتحييده عن الساحة العربية. لكن الصورة تختلف في سوريا. فقد كان للميليشيات السورية وجود بالعلن أو في السر منذ تأسيس سوريا.

لقد دخلت الأحزاب، التي ترسم للعراق شخصية أكادية، في عداد الثقافات الميتة التي تحتاج للإنعاش والحماية للحفاظ على الإرث الحضاري للعراق. بينما الدعوات الانعزالية تنشط في بلاد الشام. وإذا لم يكن لها مشاركة فعالة في السلطة فإنها في وضع التهيؤ أو الانتظار. وتجد لنفسها أكثر من ساحة لتلعب بها ومنها الدعوات المختلف عليها كمجموعة بلاد حوض المتوسط أو نظرية الشرق ألاوسط الجدبد وهلم جرا.

والصورة في لبنان أوضح لو نظرت لواقع القوات اللبنانية وحراس الأرز. مثلا يرى يوسف السودا (3) أنه لا يوجد فرق بين لبنان وفينيقيا. ص13 حتى أن التوراة كانت تسمي السواحل الفينيقية باسم لبنان. ص23.

ويرى رئيس حزب الكتائب اللبنانية الأسبق كريم بقردوني (4) أن البعثيبن في سوريا أقلية سياسبة والعلويين أقلية دينية و لم يجد حافظ الأسد ضمانة له للاستمرار غير اتباع أساليب غير كلاسيكية في ممارسة وتطبيق الفكر القومي.

فقد انتهج سياسة الجسور الممدودة، وأضاف إليها سياسة التحالفات البديلة، كما يقول بقردوني، وهذه الصيغة هي التي خلصت الأساطير الإيديولوجية من العيوب والنواقص.

لقد كان صدام يؤمن بأسطورة التفوق العرقي ويدعو لتعويم العشيرة والأسرة، وكانت فكرة التضحية عنده تكاد تكون صورة بالمرآة لظاهرة الجهاد المقدس التي يتبناها الإسلاميون.

بينما اعتمدت المدرسة البعثية في سوريا مبدأ اللعبة المفتوحة. وهذا التعبير أيضا لبقردوني. فاستراتيجية الأسد في إدارة الأزمات تستبعد الحل النهائي وتتبنى الحل المؤقت. وأهم ما في هذه السياسة أنها تحول هذه الحلول إلى أوضاع ثابتة مع الزمن. ص87.

وإذا كان الغرباوي يرى أن المشروع العربي نجح وتخلى اللبنانيون والسوريون عن خلافاتهم الدينية واحتكموا للعروبة لمواجهة الاستعمارين التركي ثم الفرنسي ص 32 فأنا لا أجد أي مزاعم تشكك بهذه الخطوة التحريرية، مع ذلك إن المرجعيات تختلف في تفسير أسباب وأشكال يقظة العقل العربي في بلاد الشام.

فقد تداخلت ردود الأفعال إلى حد التناقض.

بالنسبة لمواجهة سياسة التتريك كانت الصحوة ذات هوية عروبية، ووقف خلفها الهاشميون باعتبار أنهم ينظرون للإسلام كدين هاشمي، ولكن بالنسبة للانتفاضة ضد الاستعمار الفرنسي فقد غلبت على الحراك الشعبي الدعوة لطرد جحافل الصليبيين العائدين إلى المشرق وبلاد المسلمين، حتى أن حرب النكبة كانت وراءها شعارات إسلامية تشبه ما فعله النبي وأصحابه بالقبائل اليهودية في شعاب يثرب. بينما كانت الثورات العربية ذات مضمون وطني، اشتراكي قومي أو تقف وراءها فكرة النسر السوري، وهي فكرة حضارية لا تفرق بين الماضي التاريخي لبلاد الشام والمشهد السياسي المعاصر، وتجد في هذه الأفكار بقايا ورواسب من أيام الإمبراطورية الهيلينية، وعناصر من الفكر البيزنطي الذي امتد ليشمل مملكة تدمر.

وبجرد بسيط لأسماء الجمعيات الناشطة في بلاد الشام ضد العثمانيين تلاحظ تغليب مفهوم الانتماء للوطن السوري بالمعنى الروحي لوحدة سوريا الطبيعية داخل إطار جغرافيا هذه البلاد، فقد اقترنت القومية مع العلمنة وأنجبتا بلا تردد ثقافة غربية أنكلو فرنسية تسعى لسلخ القناع العثماني عن وجه سوريا والتماهي مع علمنة التفكير القومي في رؤية وطنية. من هذه الجمعيات والأحزاب أذكر: حزب الاتحاد السوري وجمعية ١٨٧٥ والحزب الديمقراطي والمؤتمر السوري العام وقد تطورت هذه الأندية من منطلق علماني صرف قبالة الحركة التي قادها الأفغاني ومحمد عبده في مصر من منطلق ديني (5). ص78.

وعليه يمكنك أن تنظر لنشاط الأفكار في المشرق على أنه يشتمل على ثلاثة ميول أساسية: التيار الإصلاحي الديني في مصر، والوطني السوري في سوريا ولبنان، والقوماني العربي في العراق، وإذا كنا مصرين على إضفاء الصفة القومانية على السوريين فهي، كما يرى داية، عن وجه حق، كانت عروبة تكتيكية، حتى أن نجيب عازوري مؤلف يقظة الأمة العربية كان يصر على فصل العرق عن العقل، وينادي بضرورة الوحدة، ولو تأملت بخلفيات هذا الشعار ستتبين أنه يشير للاتحاد السوري كنواة لأمة نبني عليها لاحقا. ص79. وهو ما يسميه بالإمبراطورية العربية الجديدة ص80. ولنضع خطا تحت الجديدة، ولو شئت التفصيل فحدود الأمة العربية بنظره تمتد من دجلة إلى برزخ السويس.

وهذا يختلف جذريا عن شعار القومانيين العرب الذين ينادون بعروبة مراكش قبل المناداة بعروبة بغداد.

المحوران الثاني والثالث هما عن إيديولوجيا التوظيف السياسي وتداعيات المواقف السياسية. وتخصصا بالمعارضة وظاهرة اللجوء إلى دول الجوار، وما ترتب على ذلك من خيانات يمكنك أن تقول إنهاعظمى ص59. وطوال النقاش كان السائل والمجيب يؤكدان على مشكلة طلب المعونة من طرف خارجي لحل أزمات الداخل.ص69 .

ولم تبرأ هذه المحاورة من أفلاطونية أو طوباوية سياسية.

فقد كان الغرباوي لا يبرر لحزب الدعوة ظاهرة العمل من خلف الحدود لكنه نوه بحجم الفاجع الذي كانت تعانيه في إيران بالرغم مما دفعته من ثمن باهظ جراء حمل لواء معارضتها للبعث. ص78.

ناهيك أنهم لم يغادروا طواعية وإنما بالقسر، وهو ما يعرف باسم التسفير وإن كان يفضل نعته بصفة التهجير ص103 ، فالذي حصل كان عملية تفريغ للبلاد من المعارضة بتهمة أنهم تبعية إيرانية. والحقيقة أن جذورهم عراقية وهربوا من خدمة الجيش العثماني بحمل هويات مصدرها إيران ص132، حتى أن هذه التهمة مضى عليها ما ينوف على خمسين عاما، أضف لذلك أن دستور البعث الذي يعمل به صدام يصنف كل من آمن بالانتماء للعروبة بين العرب.

لم أقرأ شيئا بهذا الوضوح وهذا الترتيب حول الأزمة الروحية لحزب الدعوة.

وأعتقد أن الغرباوي فسر مشكلة فقدان الاتجاه وانقلاب الموازين بعد الدخول في معادلة السلطة. فالمصلحة الوطنية كانت تقتضي الاعتراف بالأضداد. والإشارة هنا إلى الدولة الإيرانية والجيش الأمريكي.

ويوجد فرق واضح في هذه المساهمة الأجنبية.

إن دخول إيران على الخط له ما يبرره، فالتفكير الإسلامي كما يقول الغرباوي كوني، وهو منذور لنشر رسالة التسامح والمساواة بين كل أفراد الجنس البشري. ولذلك لا يوجد مساس بالروح الوطنية، ولا ترقى المعارضة الإسلامية في إيران لأية شكوك.

ويمكن أن تقول نفس الشيء عن البعثيين الذين احتموا في سوريا، ففكرة الوحدة العربية والمصير المشترك يساوي بين العمل السياسي على طرفي الحدود. وهذه ظاهرة متفشية في كل الكتل السياسية التي تعمل من وراء النظام. حتى الدولة الإسلامية المرفوضة عالميا هدمت نقاط التفتيش بين العراق وسوريا واعتبرت أنها صناعة وليست حقيقة.

إنما المشكلة التي ساعدت على تدمير العراق في بدايات الغزو هي في التنسيق مع أمريكا، فهي دولة غير عربية. ولا يمكن أن تجد سببا قويا للتعامل معها لقلب نظام الحكم لا برعاية من التفكير القومي ولا الإسلامي ولو شئت الحقيقة إن تدخل أمريكا في العراق لا يختلف عن ورطتها في فيتنام.

وكان الغرباوي واضحا في هذا الخصوص، فقد كان غطاء الغزو على مسؤولية أفراد وليس تنظيمات، ثم أخذت سياسة الأمر الواقع مفعولها بالتدريج .ص113 .

المحوران الرابع والخامس هما الفساد الاداري والمالي ودور الإسلام في بناء الدولة، ولقد كال الغرباوي التهم من كل الأنواع للنخب الحاكمة، فإذا كان صدام طاغية ونهب ثروات البلاد فإن حكومات المحاصصة نهبت ما تبقى ص147، ويفند الغرباوي الأسباب، ويدعمها بأرقام وحيثيات من الواقع السياسي المعيش. ولكن في كل كلمة تشم رائحة السبب الأساسي وهو غموض الاستراتيجية المتبعة.ص150 . ولا يمكن أن أستثني بلدا واحدا في منطقتنا العربية من هذا الداء.

حتى مصر لم تكن تتحرى طريقها بشكل مستقر، وكانت تسبح فوق بحر من الفوضى طوال أول خمس سنوات من ثورة يوليو المعروفة الآن باسم الجمهورية الأولى. فقد تداخلت في مجلس قيادة الثورة الميول الاشتراكية مع المال السياسي بصبغة أضفى عليها الإسلام مشروعا إصلاحيا بعيدا كل البعد عن المعنى الراديكالي للثورات، ونجم عن هذه المشكلة انفجار أزمة اللواء نجيب ودراما إخراجه من السلطة لاستبعاد الموالين له وهم الإخوان المسلمون. ويمكن أن تؤكد أن عالم السياسة والأحزاب لدينا يتبع آلية عمل الرمال المتحركة، ومثلما أن الحدود سائلة لأنها بدعة وتعود لاتفاق دولي وليس لظروف موضوعية فإن المفاهيم والإيديولوجيا سائلة، وخطوط العزل والاشتباك تحددها المصالح والأحلاف، أو بلغة معاصرة التوافقات. فالبعث له عدة أجنحة ومدارس تتصارع فيما بينها، وبالأخص نظرية ميشيل عفلق وهي كلاسيكية ومتأثرة بالمعنى الحضاري للأمة، ثم نظرية الأرسوزي التي تعول على علاقة اللغة بالفضاء النفسي للمجتمع وليس العرق. وهذا يضفي عليها بعدا وطنيا ورومنسيا له أفق متحول.

وأعتقد أن هذا الغموض والاختلاف الجدلي الذي يرقى لمرتبة قطيعة معرفية بين أطراف الحزب الواحد هو المتسبب حتما بتبديل معرفة الاتجاه، فالبعث في العراق أثمر عن هوية إسلامة تشبه إلى حد بعيد القدر الذي اختاره الاتحاد الاشتراكي في مصر لنفسه، فقد سقطت معظم كوادره في ظاهرة التأسلم ، بلغة الدكتور رفعت السعيد. في حين أن ميول البعثيين في سوريا تقودهم إلى هوية أرستقراطية تحاول أن تردم الفجوة التي تركها خروج حكومات الاستقلال من المجتمع. وإذا كان تأسلم صدام أنجب مجمعات تجارية ضخمة احتكرت العقل العربي لنفسها، فإن البعث في سوريا يقشر نفسه، وهذه عملية إنضاج وتطوير بطيء وطويل الأجل، وخلالها سيكون الحظ الأوفر لقطاع الخدمات والمانيفاكتورة البورجوازية.

من البديهيات في ألف باء السياسة أن يكون للحزب استراتيجية دائمة وتكتيك آني، ولكن للأسف يشوبنا الغموض في تحديد الاتجاه، حتى أن المبادى تبدو عرضة للمساومة لدرجة غسيل الدماغ، فالانتقال من مرحلة الحزب الشمولي إلى النشاط في البرلمان كما حصل في روسيا مسألة مفهومة لأن الشيوعي لم يطعن في الهدف أو الاستراتيجية ولكن اضطر لإعادة النظر في الأساليب والأدوات.

بينما ماكينة الأفكار لدينا تعوم في بحر من الضباب وينقصها الديمومة وربما تتأثر بعلاقات القرابة ورابطة الدم، فتحالف البعثيين مع عدنان المالكي واعتباره رمزا من رموزهم كان وراءه شقيقه رياض، وهو من صفوف البعثيين. ويمكن أن تجد نفس الظاهرة في حزب إيدبولوجي أممي عريق هو الشيوعي السوري، فقيادته تنتقل بالوراثة من الأب إلى الزوجة إلى الابن بمتوالية غريبة، كأنه لم يعد يوجد بين الشيوعيين مخلص ومؤمن غير آل بكداش. مثل هذه السياسة التي تحركها قوانين ميكانيكية هي التي تسببت باختراق الشيوعي السوري وتشرذمه في عدة تيارات تحمل أسماء مختلفة لخطاب واحد. لقد كان التناحر على السلطة هو السبب الرئيسي في الصراعات الداخلية وليس تعويم الأفكار، وانقلاب البعث على حكومة الأخوين عارف في العراق من المشاكل المحيرة، فقد كان الشقاق بين حلفاء. ويمكن أن تقول نفس الشيء عن الجماعات الإسلامية، فقد كانت تنضوي تحت لواء الإخوان المسلمين في الخمسينات، وكان للشيعة تكتل داخل جماعة الإخوان المسلمين واسمه الفرع الفاطمي كما هو الحال اليوم مع السنة المنضوين في كتلة النجيفي تحت قبة البرلمان (وهذه المعلومة من أرشيف الدكتور قصي الشيخ عسكر)(6). وتجد للغرباوي أكثر من إشارة تؤيد هذا الطرح ومنها قوله في الخاتمة إن الحركات الإسلامية جمعاء سنة وشيعة تربت ثقافيا وحزبيا في أحضان الإخوان المسلمين ولذلك هي لا تؤمن بالديمقراطية وتنحاز إلى اللطف الإلهي وتعتبر حاضنة طبيعة للعنف في حل النزاعات ص170. ويمكن في أي لحظة أن تنكل بالدستور المدني وتعود إلى شرع الله أو القرآن والسنة النبوية.

إن سياسة الكيل بمكيالين من الخصال النوعية المميزة عند العرب، وهذه خصلة تبث الرعب في النفوس، وتدعونا لتوخي الحذر لأنك لا تعرف مع من تتعامل. كل الأحزاب الهجينة في العالم لديها أهداف تعلن عنها وتسعى جهدها لتطبيقها لأنه توجد محاسبة على التقتير في جواب الطلبات، فالبرنامج أو الأجندا مطلب وليس مزاجا. إلا نحن، أحزابنا بلا هوية مستقرة، ويبتبادل الوجه والقناع المواقع بسرعة البرق. وتنشأ التحالفات من العدم، ومهما بذلت من عناية وحذق في الاستقراء لا تصل إلى الظاهرة الموجبة. وكانت أفظع نتبجة هي الرهان على السلطة بعد 2011. لقد حول الإهمال من طرف والتزمت من طرف آخر الشرق الأوسط إلى بحيرة من الدم، واستشرت السياسة الانتقامية على حساب البناء حتى بدأنا ننتبه أننا نراوح في المربع الأسود الذي يقول عنه ماجد الغرباوي: إنه سياسة الاحتلال ويسميه محاوره طارق الكناني باسم الفساد ص141.

 

د. صالح الرزوق

..................................

هوامش ضرورية:

1 – رهانات السلطة في العراق: حوار في إيديولوجيا التوظيف السياسي لطارق السماوي وماجد الغرباوي. منشورات الأمل الجديدة. دمشق. 2017. 191 ص.

2- ما بعد الحداثة والعقل والدين لأرنست غيلنر. كتاب المدى. دمشق. 2001.

3- تاريخ لبنان الحضاري ليوسف السودا. منشورات دار النهار. بيروت. 1979.

4- السلام المفقود لكريم بقردوني. منشورات عبر الشرق. بيروت. 1984.

5- رواد النهضة ودورهم في تأسيس التيار القومي العلماني لجان داية، ندوة الفكر الوطني في مواجهة المشكلة الطائفية، منشورات مجلة فكر، 1981.

 

 

 

من (تقرير عن إغتصاب وقتل وتعذيب واعتقال اكثر من 4000 اربعة آلاف إمراة في بلد المقابر الجماعية " العراق") الذي يحوي على 930 صفحة و365 صورة ووثيقة،

في ذلك التقرير وثيقة عن قيام صدام المجرم نفسه باغتصاب السيدة الفنلندية ( ورسالتها الموجه لي موجودة في التقرير)؟ أيدتها الشرطة...

* أسماء31 فتاة إغتصبهن عدي؟

* صورة الطفلة استبرق (المنشورة في التقرير) التي ولدت في سجن الطاغية صدام

* كيف كان المجرم صدام كان يعتدي على نساء المسؤولين الصداميين والبعثيين !

* ( صدام حاول اغتصاب زوجة معتقل) هذا عنوان في الصفحة 24 من التقرير.

* (صدام قد ذبح ابنة مضيفه)؟

* " شعب التسقيط ".

 * قصة (الملثم) صدام وعلاقته بعائلة المرحوم رشيد مصلح الحاكم العسكري العراقي العام السابق في الصفحة 31 من التقرير؟

 * والمعتقل عبد الحميد العباسي الذي حسب ما أظن انه الصديق السيد حسن شبر الذي كتب عن (صدام يغتصب طالبات الجامعة) نظام المجرم صدام

* صورة السيدة سلمى الجابري التي اراد صدام ان يغتصبها؟

 * صورة نور الدين صافي التكريتي الذي اخذ صدام زوجته منه وكافأه بتعيينه مديرا للخطوط الجوية العراقية؟

* الآنسة أسيل منصور وما جرى لها من قبل عدي صدام؟

 * العروس التي اغتصبت في يوم عرسها فانتحرت ، وعلاقة ذلك بعدي صدام التكريتي وعريسها الطيار سعد عبد الرزاق؟

 * والصفحة الستون من التقرير عن (الإغتصاب) ماخوذا عن كتاب فندق السعادة للصديق الدكتور جليل العطية عافاه الله؟

* قصي صدام التكريتي الذي اعدم ضابطا وخطيبته واخفاء الجثة في البستان؟

هذا غيض من فيض عن فصل واحد من فصول التقرير

عدا المواضيع الأخرى التي تحدثت بالتفاصيل عن :

* أخلاق حزب البعث العراقي وحكومته

* الاعتداءات الاخلاقية على العراقيات خلال حكم البعث عام 1963

كتاب المنحرفون

* فتيات وقع الإعتداء عليهن

* تعذيب الفتيات في قصر النهاية

* ازهار سلوم الخفاجي

* الاخت كفاح ادخلوا الصوندة بها

* إعتداء على بنات العراق الشاهدة ام امير زوجة الصديق الاخ رضا جواد تقي

* جريدة التايمس اللندنية : إجبار المعتقلين على مشاهدة إغتصاب زوجاتهم

* علي حسن مجيد التكريتي يختار من البنات أجملهن ص 117

* تعرية الآنسة آمنة واغتصاب المعتقلات ص 118

* الممثلة المشهورة زينب تتحدث عن الزفاف ... ولكن ! ، ص 121

* التهديد باغتصاب زوجة المرحوم مدحت الحاج سري وشهادة الشهيد السيد مهدي الحكيم

* إعتداء على الام أمام الاولاد.. ص 125

* العروس التي فقدت عريسها صبيحة زفافها ص 126

* إنتحر في السجن لانه شاركه في زوجته ص 128

* مسؤلو النظام والاغتصاب الجنسي ص 129

* التهديد باغتصاب زوجته والتي لم يرها بعد ص130

 * تعرية المتعقلات واغتصاب آخريات الشاهد المعتقل السيد علي موسى الحكيم الذي أطفأ جلاوزة صدام المجرم عينيه بالسجائر ( صورته ) في ص 134

* الجيش العراقي يغتصب النساء ص 136

* طبيبة تصف اغتصاب مديحة لمدة 4 سنوات متتالية ص138

* عض الفتاة العارية المدماة ص 140

* الجيش العراقي يغتصب 3 فتيات ص 141

* تعرية معتقلة مع معتقلات عاريات ص 142

* إغتصاب جماعي ص 145

* هنا ولدتني امي ص 145

* محاولة اغتصاب دكتورة سعاد خيري ص 147

* تعذيب جنسي ص 151

* صور اغتصاب المعتقلات للمتعة ص 152

* عضوا الاخت والاخ التناسليين شهادة الدكتور المعتقل حسين الشهرستاني ص 153

  • الطبيبة التي استعدت للبلاء بي بي سي ص 154

* وقائع الاغتصاب وتهديد الزوجات العفو الدولية ص 157

* معتقلة تتحدث عن ازالة بكارة معتقلات ص 158

* إعتداء على أم هدى قبل قتلها امام زوجها ص 161

* إغتصاب مستمر شهادة السيد حسين الصدر ص 162

* إغتصاب النساء امام ذويهن ص 163

* إغتصبوها وانجبوا منها ولم تبلغ الـ 11 عاما ص 171

* محاولة الاعتداء على ساهرة واصابة نهلة وليلى ص 172

* إدخال القضيب في فرج المعتقلة شاهد عيان من سجون صدام ص 175

* كاميرا مخفية لتصوير المعتقلات العاريات ص 178

* عشرون جثة عارية وقطعت اثداؤهن ص 184

* تعذب إمرأة عارية شهادة المعتقلة ام حسن البياتي ص 186

* قراءة في كتاب القسوة ص 187

* معتقلة تحت الارض تقول ازالوا بكارة نضال في المعتقل ( صورة المعتقلة) ص 191

* إغتصاب سجينات عاشت معهن الممرضة البريطانية دفني بريش المعتقلة بالعراق ص 194

* وضعوا التيار الكهربائي في كل فتحة من اجسامنا ص 195

* لو ظفروا بنا سيعتدون على شرف الشابات وقد فعلوا مع اناس قبلنا نيشتمان ص 196

* مشاهد مفجعة للبنات والنساء الكرديات في الانفال ص 198

* الاعتداء الجنسي على النساء الكرديات في معتقل نقرة السلمان ص 200

* تعليق النساء عاريات من شعورهن ص 202

* مداهمة فجأة والتهديد بالإغتصاب ، والتعرية من الملابس الشاهدة فريدة ص 207

* في الاستخبارات العسكرية : معذبة مع زوجها خرجت احشاؤها ص 210

* الفنانة المعروفة ناهدة الرماح: استعداد للانتحار ص 215

* إعتداء جنسي على الشاهدة ص 126

* الاكراد الموالون لصدام اعتدوا على اعراض 7 بنات المعتقلة بشرى ( صورة) ص 219

وغير ذلك كثير جدا...

 

مؤلف الكتاب:  الدكتور صاحب الحكيم

آذار 2017 لندن

 

 

 

ويلز رائد أدب الخيال العلمي: لا أعتقد أنّ احداً منّا، قرّاءً وكتّاباً، لا يمتلك معلومات وافية عن هربرت جورج ويلز Herbert George Wells واختصارا بالعربية "هـ . ج . ويلز". ولعل أكبر جزء من معرفتنا به سيرتبط حتما بريادته في مجال الخيال العلمي (ريادة يتشارك فيها مع جول فيرن مع الفارق الكبير لصالح ويلز) وتحديدا روايات الخيال العلمي الكثيرة التي تحوّلت إلى افلام تشاهدها الأجيال الجديدة دون أن تلتفت إلى دور مؤلفها الفائق في خلق أدب الخيال العلمي. فروايات مثل آلة الزمن وحرب العوالم والرجل الخفي وتاريخ السيد بوللي وجزيرة الدكتور مورو وغيرها قد وضعت الأساس لأدب الخيال العلمي مثلما أسهمت بصورة أساسية في وضع الأسس لسينما الخيال العلمي أيضا.

وبقدر تعلّق الأمر بعنوان وموضوع مقالتنا هذه ينبغي البدء بالقول إن ويلز الذي وُلد ومات في إنجلترا (21 سبتمبر 1866،13 أغسطس 1946) عن عمر ناهز 79 عاماً، كان مشهورا بـ "نبوءاته" العلمية الصادمة التي – كالعادة في تعامل العقل البشري، والأهم " قلقه " مع ما هو مُتخيّل سابق للمعطيات الواقعية خصوصا حينما يكون مخيفا من ناحية ويكشف جوانب من الحقيقة البشرية العدوانية المستترة التي نحاول مستميتين التستّر عليها بتزويقات الحضارة من ناحية ثانية، ووجهت بالكثير من الإنكار وحتى الاستخفاف .

لقد استقبلت رواية "آلة الزمن" (1895) بالكثير من النقد وهي تصوّر الرحيل الخارق جدا نحو المستقبل (حوالي 802,701 بعد الميلاد) والانقسام المروّع للبشرية إلى طبقتين هما ما نراه يتركّز ويترسّخ كل يوم في حياتنا من طبقة قطط (أو كلاب) سمان (سمّاهم ويلز الإيلو) تعوم في الرفاهية وطبقة مُحطمة من سكنة العالم السفلي (سمّأهم ويلز المورولوك).

أمّأ "حرب العوالم" (1898) التي تدور حول هجوم كائنات مريخية عنيفة على الكرة الأرضية وتدميرها (وهذه نبوءة جاءت ضد الطروحات العلمية السائدة آنذاك حول الضوء) باستخدام أسلحة "ليزرية". وهي رواية نبوءة أيضا حول الانحطاط البشري والسعي المرعب في مجال حرب الفضاء وغيرها. 

تنبّا حتى بالدبابات والقنبلة الذرية والاستنساخ الوراثي!

وفي رواية "جزيرة الدكتور مورو" (1896) نبوءة واضحة لكن استباقية غير متوقعة عن عالِم تشريح يعيش في جزيرة معزولة ويتلاعب بالتركيبة الجينية للحيوانات ليمنحها شيئا من صفات البشر وقد طُرد من وطنه لنفس السبب وهو ما يحاول العلماء القيام به في الوقت الحاضر بصورة سرّية، وعلنية خادعة، من خلال الاستنساخ الوراثي.

والأمر نفسه يمكن أن نقوله عن نبوءات فريدة صادمة أخرى استشرف ويلز فيها (وصوّر) بدقة اختراع الدبابات .. ونزول الإنسان على القمر .. واختراع القنبلة الذرّية (أخطأ في العنصر الكيمياوي فقط وهو الراديوم بدل اليورانيوم) .. وغيرها الكثير.

لكن كانت لويلز نبوءاته وتوقعاته واستشرافاته السياسية أيضا (وهو ما يميّزه من جول فيرن)، منها على سبيل المثال لا الحصر توقّعه اشتعال الحرب العالمية (الأصح الغربية) الثانية عام 1939 (اشتعلت عام 1940 أي بفارق سنة واحدة فقط) وقبلها توقّع اشتعال الحرب العالمية الأولى ..  وقد جمع ويلز نبوءاته وتوقّعاته السياسية والاجتماعية عن الحكومة العالمية الواحدة والوحدة الاقتصادية الديمقراطية والثورة الجنسية والسيادة اللغوية للانكليزية وغيرها من التوقعات وجانبا من توقعاته العلمية حول الثورة العلمية والتكنولوجية في مجال القطارت والطائرات وغيرها في كتابه الشهير "توقّعات  Anticipations" (صدر عام 1901 وهو بعمر 34 عاما) الذي حظى باستقبال واسع.

كتاب ويلز النبوءة صدر عام 1933!

وكلما تقدّم بويلز العمر ابتعد نسبيا عن الكتابة الروائية القائمة على الخيال العلمي واتجه نحو الروايات الواقعية من ناحية ونحو الكتابة و"النبوءات" السياسية والفكرية من ناحية ثانية. وضمن الإطار الأخير يأتي كتابه : " شكل الأمور التي ستأتي أو شكل الأمور في المستقبل The Shape of Things To Come" الذي أصدره عام 1933 وسطّر فيه رؤياه المستقبلية لمستقبل العالم حتى عام 2106 ولكن بصورة استعادية عبر مراجعة أوراق دبلوماسي مُتخيّل هو الدكتور فيليب رافن .

يتكوّن الكتاب من خمسة أقسام أو "كتب" هي :

(1). اليوم وغدا: عصر فجر الإحباط - تاريخ العالم حتى 1933.

(2). الأيام بعد الغد : عصر الإحباط - 1933-1960.

(3). عالم عصر النهضة: ولادة الدولة الحديثة - 1960-1978.

(4). الدولة الحديثة المقاتلة - 1978-2059.

(5). الدولة الحديثة في السيطرة على الحياة - 2059 إلى يوم رأس السنة الجديدة 2106.

النبوءة المشؤومة: الحرب العالمية الثالثة ستشتعل شرارتها من البصرة!

وقد راجع المحلّل السياسي والتاريخي الأمريكي الدكتور "دنيس كودي" كتاب ويلز هذا واقتبس منه على الصفحة 50 من كتابه : "العولميون: النخبة الحاكمة تنكشف  The Globalists: The Power Elite Exposed" الصادر عام 2001 :

"في عام 1933، كتب ويلز كتاباً بعنوان" شكل الأمور في المستقبل The Shape of Things To Come". في هذا الكتاب، كشف ويلز عن جزء من خطة عُصبة المتنورين لبدء الحرب العالمية الثالثة التي من شأنها أن تعلن الدخول إلى "الدولة العالمية الحديثة" التي سيحكمها "المسيح - المسيح الدجال". لنستمع بعناية إلى هذا الجزء من الخطة، لأننا قد نرى ذلك يظهر مستقبلاً في أخبارنا اليومية:

".. إن مخطط تحقيق "الدولة العالمية الحديثة" سوف ينجح في المحاولة الثالثة (الحرب العالمية الثالثة) والتي سوف تنشب من شيء يمكن أن يحدث في البصرة، بالعراق" (ص 50) .

وحسب تحليل الدكتور دنيس كودي، فقد رأى ويلز - وببساطة - أن "تشكيل منظمة الأمم المتحدة  (تأسست عام 1945)، بعد الحرب العالمية الثانية، ستكون المحاولة الثانية في تشكيل الحكومة العالمية، ولكن ويلز أدرك أن هذه المحاولة أيضا لن تكون ناجحة. وهكذا، فإن خطة لـ 'دولة العالم الحديث" سوف تنجح في المحاولة الثالثة .. . وسوف تخرج من شيء يمكن أن يحدث في البصرة في العراق".

يمكن أن نعيد إلى الأذهان أن الهجوم على العراق عام 1991 (أي حرب تحرير الكويت التي تحوّلت إلى حرب تدمير العراق) بدأت بالهجوم على البصرة بعد تحشيد دولي عسكري وسياسي هائل جعل البعض يصفها بأنها الحرب العالمية الثالثة حيث فاقت القوات العسكرية المحتشدة ضد بلد واحد والأسلحة المستخدمة وعدد الغارات وكمية المتفجرات ما استُخدم في عمليات الحرب العالمية الثانية مجتمعة. وتحت أي غطاء تم شنّ هذه "الحرب العالمية الثالثة" ؟ لقد شُنّت هذه الحرب تحت غطاء "النظام الدولي الجديد" الذي يرادف ما دعا إليه هـ . ج . ويلز من حكومة عالمية سمّاها "دولة العالم الحديث" وهي التي تديرها الآن – سرّياً – جماعة بيلدلبرغ Bilderberg Group التي تضع حتى خطط اختيار رؤساء الولايات المتحدة والحروب في العالم وبرامج الإبادة البشرية (والأخيرة لا يؤيّدها ويلز طبعا).

لكن محاولة 1991 لم تحقق أهدافها، فهل كانت حرب احتلال العراق عام 2003 والتي بدأت بالهجوم على البصرة هي محاولة أخرى مُجهضة لإشعال الحرب العالمية الثالثة ولم تأخذ مداها النهائي والكلّي؟

مواقع أمريكية: عاجل نحن على بعد 300 ميل من الحرب العالمية الثالثة!

لقد لفت انتباهي أن عدداً من المواقع الإلكترونية الأمريكية المعروفة مثل The End Times Forecaster و Cutting Edge Weekly Newsletter وغيرهما ظهرت وهي تحمل عنوانا صادما هو :

URGENT: We Are ONLY 300 Miles Away From the Start Of WW3!

عاجل: نحن نبعد 300 ميل فقط من بداية الحرب العالمية الثالثة !

وذلك بعد أن احتل تنظيم داعش الإرهابي محافظة الأنبار، وأصبح على بعد 300 ميل من البصرة في عام 2015، وكانت المقالة تُفتتح في كل المواقع بالاقتباس السابق من ويلز :

".. إن مخطط تحقيق "الدولة العالمية الحديثة" سوف ينجح في المحاولة الثالثة (الحرب العالمية الثالثة) والتي سوف تنشب من شيء يمكن أن يحدث في البصرة، بالعراق" .

فهل ستتحقّق نبوءة ويلز الشيطانية هذه في المحاولة الثالثة بعد المحاولتين السابقتين بترتيب جديد تصوغه إرهاصات مُبدع تطفّل على السياسة بعقلية روائي فكان يرى الشرارة التي تحرق أكثر مما يرى التداعيات والعوامل التاريخية الواقعية التي تُطفىء؟

وهل يمكن أن نأخذ درسا من نبوءة روائي ؟

هل يحتاج رجل السياسة للأدب؟

لقد كتب أحد الروائيين الإنكليز رواية عن سفينة ضخمة جدا تحمل المئات وتغرق في المحيط ويموت فيها ألفان من المسافرين وكان اسمها "تايتانك" وذلك قبل عشر سنوات من حادثة غرق السفينة تايتانك الحقيقية. نفس الحادثة ونفس الإسم ونفس الطريقة والعدد .. فهل هناك أكثر دقة من هذه النبوءة؟

ولنضع السؤال بصورة أوسع : هل يحتاج رجل السياسة للأدب؟ وهل يمكن أن يضع رجل السياسة الماكر "العقلاني" خططه استنادا إلى رؤى تحرّكها قوى اللاشعور التي لا يمكن حسابها على الورق؟

وفي كل الأحوال فقد اعتدنا في وطننا العراق على انتظار شرارات الحرائق بلا نبوءات من ويلز أو غيره.. فهل هذا هو قدر بلادنا الميتافيزيقي المحيّر و"نبوءتها" التي لا فرار منها؟؟!!

 

حسين سرمك حسن - بغداد المحروسة

 

 

هو كتاب أهداه صاحبه إلى كل المظلومين والمضطهدين الذين أرهقتهم الأيام وداستهم أقدام الطغاة، كان كما قال عبارة عن صرخة مدوية لا يملك سواها، إنها صرخة القلب الجريح، مذكرا لهم بأن لكل بداية نهاية، ولكل ليل فجرا مهما طال وتمدد، قدم الكتاب الشيخ محمد الهادي الحسني، وقد كتب العلامة محمد نسيب الجزائري في أولى صفحات الكتاب عبارة مثيرة جدا قال فيها: " أيها الظلم المصغر خده رويدك إن الدهر يبني ويهدم، هو الحق يعفي.. ثم يعرض ساخطا فيهدم"، والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات مختلفة نشرها الكاتب في صحف ومجلات جزائرية، نظمها في شكل كتاب، وهذه المقالات تعالج أمراضا ومشاكل اجتماعية، وماهي سوى صرخات النفس المعذبة، ودخانا تصاعدا من قلب محترق، وقد قسم المؤلف كتابه إلى  أربعة محاور: تناول في المحور الأول السيرة النبوية، وتناول في المحور الثاني بعض الشخصيات العلمية الجزائرية المتخرجين من مدرسة محمد، وتحدث في المحور الثالث عن الرافضون عبر التاريخ الذين اختاروا الدروب الوعرة المغروسة بالأشواك، الرافضون للعبودية والتبعية، أما المحور الرابع ركز فيها صاحب الكتاب على قضية التبشير الإستعماري الصليبي والإعلام الغربي الصهيوني وخطرهم على الأمة الإسلامية.

وإن كان صاحب الكتاب من أصول أمازيغية، فقد أبى إلا أن يدافع على لغة "الضاد" وهوة يؤلف كتابه بلسان عربيّ، وهو يستظهر بطولات الشعب الجزائري الذي تصدى للإستعمار الفرنسي مدافعا عن دينه ولغته وقيمه، من قال أن الأمازيغي لا يتكلم العربية، من قال أن الأمازيغي لا يعرف الكتابة باللغة العربية، فهاهو الأمازيغي يتحدث عن الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية العلامة ابن باديس، ويدعو جيل الإستقلال بأن يتعلم عن هذا الإمام المصلح، وأن لا يتسامح ولا يتنازل عن ثقافة وطنه ولسان قومه، وقد أسهب محمد نسيب في وصف مأساة الإنسان المعاصر الذي يقوده العميان والمجانين، إنه الإنسان المادي الذي صنعته الحضارة المادية فحولته إلى حيوان مفترس، وفيما يتساءل الكاتب عن الحرية والديمقراطية المزعومة التي صنعها الغربيون، يصف محمد نسيب تجار الحروب بأعداء الإنسانية..

لقد جف ريق الكاتب وهو ينادي المسلمين الذي تفرقوا ويدعوهم إلأى العودة لكتاب الله، فهو يخاطبهم قائلا: " يا مسلمين متى تقفون على أقدامكم ولا تزحفون على بطونكم.. يا مسلمين تعالوا إلى كتاب الله هو الحكم فينا بينكم ونبراس ينير طريقكم المظلم فلا تهملوه فتظلوا الطريق..، يا مسلمون هل من عقل يفكر وضمير يستيقظ، وحركة تنبعث..؟..الخ، ولكن لا احد يسمع فيستجيب، فلا يجد العزاء إلا من البحر يحدثه ويناجيه، وهو مقال عنونها الكاتب بالصيغة التالية: " متى تثور يا بحر؟"، إذ يقول: "  يا بحر متى تغضب وتثور، وتغرق القرود والخنافس، وتطهر شواطئك من الأمواج والأشلاء المبعثرة التي ينخرها الدود ويحوم حولها الذباب وينقل منها الجراثيم والأمراض ويهلك الأحياء"، ويضيف قائلا: " يا بحر لو أرسلت موجة واحدة لغسلت رمالك وأزلت من وجهك الأوساخ التي تجمعت حولك،و تطفوا على سطحك  فشوهت جمالك وغيرت لونك ورائحتك، يا بحر كنت ثائرا وكان هديرك يملأ الدنيا رعبا وخوفا،  وصرت جامدا سلكنا لا تدافع عن شرفك المهان وكرامتك المداسة، كان شاطئك يا بحر مأوى الأحرار وملتقى الأبطال ومرتع الأسود والأشبال..، لعلهم قالوا لك  إننا جيل ثائر على الأخلاق والعادات والتقاليد وعلى كل مبادئ الإنسانية؟، فصرت يا بحر لا تتأثر ، تغضب ولا تثور..الخ..

و يرحل الكاتب مع الرافضين عبر التاريخ، وهو في الحقيقة كتاب ألفه الأستاذ محمد الصالح الصديق، جمع فيه بين الأولين والآخرين، وعرّف بعظماء الشرق والغرب الذين قالوا " لا" في كل زمان ومكان، ورفضوا العبودية وقاوموا الظلم والإستبداد وصاحوا في وجوه الجبابرة والطغاة ودافعوا عن الحرية والكرامة الإنسانية، والحقيقة أنني بحثت عن كتاب الرافضون عبر التاريخ ولم أعثر عليه، يقول محمد نسيب : لولا الرافضون لابتلعتنا هذه الأفاعي التي تزحف في كل مكان تثير الرعب والفزع في قلوب البشر، والكاتب محمد نسيب من مواليد 1924 بمنطقة القبائل ناحية  بوغني ولاية تيزي وزو، بدأ تعليمه على يد والده في المنزل ثم انتقل إلى زاوية الشيخ عبد الرحمن اليلولي، قبل أن يشد رحاله إلى جامعة الزيتونة بتونس لمواصلة الدراسة، اشتغل في الصحافة بعد حصوله على شهادة ليسانس في الفلسفة من جامعة الجزائر، تولى إدارة المركز الثقافي الإسلامي بالعاصمة، ثم مديرا لمجلة "الرسالة" ، وظل يناضل بقلمه وفكره إلى أن وافته المنية في سنة 2003

 

علجية عيش

 

إنَّ هذا الجهد التاريخي النوعي الذي يقدّم لنا هو ثمرة قطفت من شجرة جهود علمية بذلها الباحث كما اشار في مقدمة كتابه حيث استند في القول الى عبارة من آيات القرآن الكريم بأسلوب استهلالي،إذ يقول:  (الحمد لله الواحد الاحد الفرد الصمد الذي جعلنا شعوباً وقبائل لنتعارف ان اكرمنا عند الله اتقانا).

ولهذا القول غاية تصب  في نهر الايمان لتتدفق الى أذهان العقلاء اثناء السقي منها حتى تتحقق تلك الغاية المنشودة (التعارف وتقوى الله تعالى).

أما الاطار العام لهذا الكتاب،فهو دراسة تاريخية  اكاديمية جديدة عن خفاجة في الجوانب السياسية والعسكرية والعلمية والعمرانية، فحتما انها ستفتح  افاق البحث لكل باحث في تاريخ هذه القبيلة ليبحث عن الجديد .

ونستطيع القول بأن هذه الدراسة التاريخية هي تمهيد لطريق واضح نحو إقدام الدراسات العليا على دراسة تاريخ هذه القبيلة، لا سيما ان لها مراجعا خاصة وضعها المرحوم الاستاذ د. محمد عبد المنعم خفاجي،وهي :

1.بنو خفاجة وتاريخهم الادبي والسياسي |تسعة اجزاء، صدر منه خمسة اجزاء في سنة 1950م،والاخرى مازالت مخطوطة .

2.الدولة الخفاجية في التاريخ .

3.الخفاجيون في التاريخ.

فضلا عمّا نشرناه من بحوث ومقالات عن تاريخ القبيلة ونسبها مع امكانية العودة للمراجع ونشر بعضها،وجميعها مادة تاريخية (خام) تتيح للباحث العمل بها سواء كأطروحة او دراسة وتحقيق .

وجاء هذا الكتاب (امارة بني خفاجة) مكملا لما ذكرنا من مراجع خاصة .

ومن فوائده انه مصدر عام تقدم به المؤلف وهو استاذ مختص في التاريخ، فالبحث هو بحثٌ يعلم الباحث ان يختار ما الجديد ليكتشف الحقيقة المغيبة عن تاريخ هذه القبيلة العريقة .

وعلى سبيل المثال تناول المؤلف موضوع وفود ربيع الخفاجي على الرسول (صلى الله عليه واله وسلم). وهذا الموضوع لم تتطرق اليه المراجع الخاصة بالقبيلة غير اننا كتبنا عنه بشكل عابر كمادة (خام)  ونشرناه عبر الموقع الرسمي للقبيلة، فقدم الاستاذ د. خضر الخفاجي تفصيلا كاملا عنه في كتابه المذكور.

ويقف المؤلف الدكتور بين ثنايا صفحات الكتاب عند بعض النصوص،فيحللها تحليلا علميا دقيقا  .

ويكتب رأيه حول نسب خفاجة بعد دراسته لضوابط علم النسب، ويبين لنا وجهة نظره في تسلسل النسب حيث يتفق معنا في مذكراتنا المنشورة سنة 2005 بالنسبة لأسماء اباء واجداد خفاجة .

ويختلف معنا في بحثنا الاخير (عمود نسب خفاجة الى ادم) المنشور على مكتبة علوم النسب (لندن) في 2016م، حيث ان الاستاذ الفاضل اعتمد على ابن حزم في جمهرة النسب، واعتمدنا نحن على سيرة ابن هشام .

وفي اسماء احفاد خفاجة كثمال اتفق معنا في المذكرات،لكننا اختلفنا معه في بحث العمود حيث ان د، خضر الخفاجي ذكر في نسبه ثمال بن سيف بن برصم (الاكبر)!

ونحن اكتشفنا في البحث المذكور ان ثمال هو ثمال بن مهدي بن سلمان بن حزن ..وسندنا بذلك  ابن ماكولا في   كتابه الاكمال في رفع الارتياب، الطبعة الاولى 1965م،ج4، ص25 .

 إن كتاب امارة بني خفاجة حتى العصر الاسلامي بحثا تاريخي عميق، يرسم من خلاله المؤلف صورة واقعية عن الاحداث والمواقف التي مر بها رجال القبيلة في العصر المشار اليه في عنوان الكتاب .

ومن خلال دراسته النصوص الاصيلة في المراجع والمصادر المختلفة أشبع مواضيعه تحليلاً علميأ دقيقاً.

وهكذا هي كتابة التاريخ يجب ان تكون نافعة  للباحثين أولا ، ثم لأبناء القبيلة ثانياً حيث يرتقي تاريخهم عن طريق السلم العلمي .

يشتمل الكتاب على تسعة فصول يبدأ في نسب خفاجة ومعناها والنشأة ثم ينقل المؤلف الكريم بعدها الى دور خفاجة في عصري الرسالة والاموي، ثم دراسة مستفيضة عن امارة عمران بن شاهين واولاده، معرجا على نسبه والمعارك التي خاضها .

وينقلك في الفصل التالي الى شخصيات سياسية وعسكرية من خفاجة.

ويقدم دراسة انفرادية اخرى عن الدور السياسي والعسكري لآل ثمال.

ويطرح الحوادث السياسية والعسكرية لخفاجة في القرن السادس وهذا الموضوع تفتقده مراجع ومصادر خفاجة الاولى .

اما الفصل التالي  هو تقديم صورة دراسية عن علماء خفاجة .

وينطلق المؤلف في بحثه العميق ليعرج بالقراء الاكارم ويقف معهم على نماذج من الدور العمراني لبني خفاجة حتى العصر العباسي .

ويعود معهم من حيث بدأ ليطلعهم على الجديد في ذلك البحث من ناحية النسب فيقدم دراسة عن المنسوبين لخفاجة وليسوا منها .

وينهي الاستاذ د. خضر الخفاجي بحثه بلمحة عن نسبه وخاتمة البحث حيث النتائج التي توصل اليها في هذا الكتاب .

ولا يسعني في هذه المقالة المتواضعة غير تقديم الشكر والتقدير والثناء لهذا الاستاذ القدير الذي غرس الامل عندي بأن هناك من يفكر معي من أجل الارتقاء بتاريخ قبيلة خفاجة .

والشكر موصول الى الاستاذ د. سلام الجابري في جامعة ذي قار الذي تحمل عناء وصول تلك الهدية الثمينة الينا .

 

بقلم: مجاهد منعثر منشد

……………….

* مؤلف الكتاب هو الدكتور خضر عبد الرضا جاسم الخفاجي ـــ استاذ جامعي ـ جامعة بغداد ـ كلية التربية للبنات (قسم التاريخ).

 

 

صدر للباحث الدكتور عبد الله الكدالي عن دار "عالم الكتب الحديث" كتاب عنوانه "تداولية المقام، بحث في الشروط المقامية في التراث النقدي والبلاغي". ويقع الكتاب في 226 صفحة، وقدم له الدكتور أبو بكر العزاوي.

ويحاول الكتاب الوقوف على مجمل الشروط التي يخضع لها الكلام البليغ، الشعري منه على وجه الخصوص، إنتاجا وتقبلا. فجاء الكتاب، تبعا لذلك، مقسما على ثلاثة فصول، عناوينها كالتالي؛ الفصل الأول: شروط المقام التعبيري. الفصل الثاني: شروط المقام التأثري. الفصل الثالث: شروط المقام المادي.

وقد حصر الباحث عدد الشروط المقامية في عشرة؛ منها شروط مرتبطة بالمقام التعبيري، وهي شرط الباعث، وشرط القصد، وشرط الشحذ. ومنها شروط مرتبطة بالمقام التأثري؛ وهي شرط التعقل، وشرط الاشتهاء، وشرط الاعتقاد. ومنها شرطان متعلقان بالمقام المادي، هما شرطا الزمان والبيئة.

 

مبارك أبا عزي

وقع تحت يديّ مؤخرًا الكتاب: نهال عبد الرحيم أبو عقل، عرعرة - جذور وأغصان، حكايا وتراث. عرعرة: دار الأماني للطباعة والنشر، ط.١، ١٩٩٩، ١٥٤ ص. من القطْع المتوسّط.

أوّلًا يجب التنويه بأن المؤلّفة، نهال عبد الرحيم أبو عقل، ابنة عرعرة، قد أعدّت مادّة  هذا الكتاب في نطاق بحث قدّمته، حينما كانت في الصفّ التاسع في مدرستها الإعدادية، وعمرها خمسة عشر ربيعًا، ونالت عليه علامة كاملة. بين دفتي الكتاب ثمانية وثلاثون بابًا بمعدّل أربع صفحات في كل باب. من عنوانين تلك الأبواب نذكر: الموقع؛ مبنى القرية العربية؛ أسلوب البناء في الماضي؛ عادات زراعية؛ الزيتون؛ المقاثي؛ الزي الفولكلوري؛ أمثال شعبية؛ الحزازير؛ المطبخ والمأكولات القديمة؛ مقامات وأولياء في عرعرة؛ التعليم؛ قريتي عبر التاريخ، حارات وعائلات؛ عادات وتقاليد؛ سمات الأغاني الشعبية؛ العادات والمعتقدات؛ القهوة السادة في تراثنا.

اعتمدت الطالبة في إعداد هذا الكتاب على بعض المصادر المكتوبة ذكرتها في ذيل الكتاب وعلى إجراء مقابلات مع بعض الأشخاص في عرعرة (ص. ٥، ١٥٣-١٥٤). آنها كانت عرعرة التي في المثلث في منطقة وادي عارة  قرية (هناك عرعرة النقب)، والآن أضحت مدينة حيث يبلغ عدد سكّانها قرابة الخمسة والعشرين ألفًا. ثمة رأي يذهب إلى أن الاسم ”عرعرة“ مستمدّ من شجر العرعر الموجود بكثرة في المنطقة (محمد عقل، المفصّل في تاريخ وادي عارة. القدس: مطبعة الشرق العربية، ١٩٩٩؛ نهال لم تستغل هذا المصدر إذ أنّه صدر في نفس السنة التي قدّمت فيها بحثها هذا). ومعلومة أخرى لافتة للنظر، وتهمّني شخصيًا، تشير إلى أن معظم سكّان عرعرة حتّى الفترة الصليبية كانوا، على ما يبدو،  من السامريين، كما صرّح بذلك المؤرخ العربي أبو الحسن علي المسعودي المتوفي عام ٩٥٧م وكما يشهد على ذلك الكشف عن طرق دفن سامرية هناك.

لا ريب في أن عمل السيّدة نهال هذا جدير بالاحتذاء والتشجيع. حبّذا لو سار على النهج ذاته، طلاب آخرون في المرحلة الثانوية في مدارس عربية أخرى في البلاد، وقد يتعاون بعض الطلاب في إنجاز مثل هذه المهمّة البحثية بإشراف المعلمين ذوي الاختصاص. إنّ القيام بعمل ميداني من هذا القبيل، لذو مردود كبير للطلاب وللمجتمع على حدّ سواء. هناك حاجة ماسّة وهدف سام في جمع وتوثيق ألوان شتّى من التراث الشعبي الشفاهي من أفواه المسنّين والمسنّات في الجليل والمثلث والنقب من قصص، حكايات، حزازير، أغاني الأطفال والأفراح، أدعية، ألغاز إلخ. أو التركيز على موضوع معيّن مثل عادات وتقاليد معينة، الطعام، اللباس، الزراعة، الأعراس، الأمثال، الحداد، معتقدات، السوق، البيادر، الحصاد، المهن القديمة، الزيتون، الكنيسة، المسجد، الطلاق، العلاقات الاجتماعية، الطب الشعبي، وصفات طبية، اللهجة، فروق لغوية بين لهجة الرجل ولهجة المرأة؛ الأمثال، حماية العرض والشرف، العونة-العمل التطوعي القديم، الرقى والتعاويذ، الألعاب القديمة، الدبكة، الرياضة إلخ.

وأرى أن التشجيع هنا واجب لأهميته وضرورته، إلا أنّه يجب ألا نغضّ الطرف عن أخطاء ونواقص، أي لا بدّ من نقد بناء لتفادي الوقوع بمثلها في المستقبل. وعليه ارتأيت أن أسجّل بعض الملاحظات.

١) ترتيب فصول الكتاب يجب أن يكون وَفق خطّة مدروسة ومنطقية، أولا مثلا نبذة عامّة عن القرية من حيث الموقع والتاريخ والسكّان، وما فيها من مواقع هامّة ثم مثلا جانب التراث، الزراعة، العادات والتقاليد ولهجة القرية إلخ.

٢) ترتيب المراجع وفق الأبجدية ووفق اسم العائلة فالشخصي فاسم الكتاب فمكان النشر ودار النشر والسنة، ولا حاجة لاستعمال الأرقام اللاتينية (يمكن أيضا اتّباع طريقة وضع سنة النشر بعد اسم المؤلف مباشرة بين قوسين أو بدونهما) وتفادي التكرار ، ص. ١٥٣-١٥٤.

٣) من المفيد ذكر أعمار الأشخاص الذين أُجريت معهم المقابلات ولا بدّ من مقابلة النساء أيضا.

٤) الطباعة لا تمتاز بجودة عالية وكذلك الصور، حوالي ثلاثين صورة أدرجت بدون كلمة إيضاح، وهي لا تساهم كثيرا كوسيلة إيضاحية.

٥) أخطاء لغوية: إنها آفة عصرنا، وللأسف الشديد، ولا بدّ من وجود/إيجاد مدقّق لغوي في كل دار نشر! وهاك عيّنة من الأغلاط المصحّحة:

 فلا تتردد عزيزي القارىء في الخوض، ص. ٦؛ معتقدا بدلا من معتقدة، ص. ٦؛ وتقع عليها قريتا عارة ومعاوية، ص. ٧؛ عدة ضواح، ص. ٧؛ التعريفات لا التعاريف، ص. ٩؛ إن هناك نوعين، ص. ١١؛ مسطحات، ص. ١٨؛ جاريا خلف فدانه، ص. ٢٠؛ يوم عمله، ص. ٢٠؛ بعض الخرب، ص. ٢١؛ واستقروا فيه، ص. ٢٢؛ وكما كان أصحاب رؤوس الأموال يشترون… ويزرعونها… ويؤتون، ص. ٢٣؛  ومساحته أكبر، ص. ٢٥؛ أكياس الخيش، ص. ٢٨؛ في جواب من الفخار، ص. ٣٠؛ تتواجد الجاروشة على شكلين لكنهما لا يختلفان، ص. ٣٥،  والحصان والحمار والبغل والجمل تقوم بهذا، ص. ٤١؛ وما زال يشكل نسبة عالية، ص. ٤٥؛ في حين عملت المرأة، ص. ٤٥؛ حتى ثلاثة دونمات، ص. ٤٨؛ مسافة خطوة، ص. ٦٠؛ إن الكرامين، ص. ٦٢؛ مأكولات لذيذة يحبها الجميع، ص. ٦٧؛ بعد أربعين سنة وقال استعجلت، ص. ٨٠؛ بنو هلال في الشرق وبنو قرة في الغرب، ص. ٨٨؛ توجد صبية اسمها سعدة، ص. ٨٩؛ في أحد الأيام، ص. ٩٢؛ ثأر أخيها، ص. ٩٢؛ ويعمل أعمالًا دنيئة، ص. ٩٤؛ ٩٩ شخصًا وأصبح يتساءل أنه، ص. ٩٤؛ من ثلاث نسوة، ص. ٩٥؛ حيث يقترب من اليباس، ص. ١٠٤؛ عن مساكن القرية، ص. ١١٨؛ وأصبحوا يسمون كل عشرة بيوت، ص. ١٢٤؛ وهذا جانب من التراث، ص. ١٣٩؛ وليس له ممسك (أذن)، ص. ١٤٦؛ الأرض المعطاءة، ليست عاقرًا، ص. ١٥١، فهو محصّلة بحث، ص. ١٥٢.

تمتّعت في مطالعة هذا الكتاب، ولا سيّما في كل ما يخصّ اللهجة المحكية في عرعرة، التي لا تختلف كثيرا في معجمها عن لهجتي الكفرساوية. هل التلاميذ الذين بعمر نهال عندما أعدّت هذه المادّة، أي الذين تتراوح أعمارهم بين الـ ١٥-١٦ ربيعًا يعرفون معاني مثل هذه الألفاظ التي وردت في الكتاب:

يدغش، الملول، العرازيل، العراق، الصفار، إكوارة، المنزول، الخربوش، يوك/جاق، التشويف، قرقباشة، الحسيم، المنتعة، الليس، زغت، غبوة، ترماية، تتريحة/تغليقة، القمح الهايف، الدومرج، القاحوف، الدقران/القلاب/الشاعوب، البلانة، الكدانة، رياح الحيوان، الشبقات، الملقة، القمشة، ردايد، فرافيرة،المحاير، الروسية، حفشة، قحقيح/قرقيع، البدودة، طيشة البيضة، القرقة، طوالة الصبر، جليشة، الشخشير، الشمبر، ديماية، القهوة خص والشاي قص، اللطع، بصارة.

 

عرض ومراجعة: ا. د. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

يندرج كتاب » في مواجهة اليأس العربي « لكمال عبد اللطيف، ضمن المحاولات الجادة لاستنهاض الأسئلة الحقيقة، المتصدرة لمواجهة ما صار واقع العربي ينعم فيه ويطرحه بسخاء،  من حيرة وغثيان معمم.

كمال عبد اللطيف، لا يتحدث هنا عن يأس عدمي، كما يجنب دراساته بالكتاب، بل عن يأس تاريخي يمنحنا القدرة على التعبير عن كرْبنا بالصورة التي تحول توترنا وانقباضنا أمام ما يجري، إلى مناسبة للمقاومة، ليس بأساليب المقاومة أللفضية، بل بأساليب التعقل التاريخي، القادر على الابتكار وإسداء الأساليب الواقعية للترقي والتطور.

إن ما يميز الطرحات النظرية والرؤى المنهجية التي وسم بها الكاتب مغامرته البحثية، هي أنها صادرة عن مثقف خبر القضايا وقلّب أسبابها، ليصدر عن التحليل والموقف، وهو على عكس ما يرتج فيه المشهد الثقافي من استكانة عديدين لبرجهم العاجي، خاصة في وضعية الأزمة وانسداد أفاق التفكير والعمل العربي المشترك، حيت أننا لم نعد نشهد أعمال بحثية ذات قيمة قادرة على إرساء ما به نستهدي، ونحن نتلمس الطريق مسترشدين بما توضح لنا.

الجدير بالملاحظة والتتبع، أن الكتاب يأتي في ضمن الانشغال العام لهذا الكاتب باستقراء الواقع العربي، ومحاولات الخروج بمدركات نظرية يمكن البناء عليها، لتجاوز الإرباكية العامة التي نَستنْقع داخلها، فالمضيء أن عدد من الخلاصات والمواقف المبثوثة في ثنايا هذا الكتاب، نفهم ضمن مبادئ ركيزة اشتغاله النسقي عليها، في أعمال بحثية أخرى ككتاب (أسئلة النهضة العربية) أو في العمل اللافت للاهتمام (تشريح أصول الاستبداد في فكرنا السياسي) فإن كان الكتاب يقارب منجزه، من خلال عدد من المقالات الرامية لمواجهة جملة من الأحداث الصانعة لكثير من مظاهر الارتباك السياسي والفكري، بحاضرنا وإن كانت تغطي لفترة زمنية محدودة وسابقة لما اندلع بعدها من الربيع العربي، إلا أنها تبقى ذات طابع تحليلي برؤى مخالفة، قادرة على تمثل صلاحيتها على طول المدى المتوسط، بما هي تعلن انحيازها لخيار الحداثة والتحديث السياسي، بل تذهب إلى ما هو أبعد كما يعلن منذ إضاءته الأولى، بمحاولته نقد صورة المخاتلة والتردد والتراجع، التي أصبحت تشكل اليوم سمات بارزة في خطاباتنا السياسية والثقافية .. فدفاع كمال عبد اللطيف عن لزوم الانخراط في الإصلاح، لا يستسهل مطلب الإصلاح، بقدر ما يعمل على محاولة تفكيك أسئلته، وإبراز حدودها التاريخية، بطريقة في العمل لا تتردد في وضع يدها على مظاهر العطب والخلل، فالباحث يواجه وقائع محددة، كما يتصدى لأسئلة مضبوطة، وهو يحاول التفكير بمعيارية الزمني المتوسط، لأنه كما يذهب ويدافع أن صيرورة التدين في زمننا موصولة ببنيات تاريخية محددة، وموصولة في الآن نفسه، بإشكالات تتجاوز الوقائع المرصودة نحو ما هو أبعد منها، أي نحو ما يتغلغل في النسيج الحدثي، السياسي والثقافي، كما يحصل في واقعنا فالتفكير في إشكالية النهضة التي يعبر عنها بموضوع التفكير في الإصلاح، ونتيجة عنه البحث التشخيصي وفهم المآل العربي الراهن في ضوء المتغيرات الجديدة، التي تحملها معالم الصراع السياسي.

فليس من قبيل التشاؤم أو التفاؤل - كما يعلن- أن يتحدث الواحد منا اليوم، عن انسداد الأفاق أمامنا، أمام الحكام والأنظمة، أمام المواطن العادي، فقد تلاحقت الأزمات في عالمنا وبلغ الاحتقان مداه، ولا يبدو أن في الأفق مخرج قريب من المتاهة .. ليس من قبيل التشائم أو العدمية أن نقوم بإقرار هذا المعطى، ونعلنه لأنفسنا وللعالم، دون مواربة ولا خجل، لأننا من جهة معنيون بمآلنا الراهن، ولأننا من جهة ثانية متورطون بصورة أو بأخرى في تركيب وترتيب جوانب من كل هذا الذي حصل، ويحصل أمامنا وفوق رؤوسنا.

إن الجدير بالتتبع داخل هذه الأطروحات والمواقف، بهذا الكتاب هي استنادها على مرجعيات فكرية تَمتح من التنوير كفاءتها، وتُجدِر به نثرها، وحيوية ما به تدافع، فحاجة المجتمعات العربية إلى مبادئ الأنوار وقيم التنوير، حاجة فعلية تتطلبها معركة الإصلاح الثقافي والديني والسياسي بحاضرنا، وهو ما باشر كمال عبد اللطيف الصدور عنه، ليذكرنا أن للمثقف دور حصيف لايمكن التنازل عنه، ولابد أن يقوم به، مهما تكالبت عليه الظروف وحاولوا تغييبه.   

 

عبد الواحد مفتاح

في تاريخ أدبنا الحديث كثير من الشخصيات الموهوبة، ومنها نازك الملائكة شاعرة شديدة التميز، احتلت مكانتها في المشهد الإبداعي العراقي - العربي بالعديد من الأعمال الشعرية والنقدية والقصصية الفارقة. ومع ذلك فالمعلومات المتصلة باهتماماتها وخصالها غنية في الحقيقة، وتكفي لتكوين صورة واضحة عنها كانسان. فإذا أضفنا ما يمكن أن يهدينا إليها شعرها وكتاباتها تصبح الصورة النهائية لها كانسان شاعرة كاتبة أقرب ما تكون إلى الوضوح، أو على الأقل واضحة إلى حد ما. واستطاعت على مدى تجربتها تتدرج بشعرها على طريق التنوع في الموضوع والأصالة وأن تحقق لنفسها مكانة مرموقة بين شعراء جيلها الشيوخ والشباب على السواء. وتكشف القراءة الأولى لبعض قصائدها عن شاعرة متأملة في الحياة والطبيعة والكائنات جميعا. كما تكشف عن شاعرة مرهفة الحس، محبة لوطنها إلى درجة العشق، ومجمل شعرها يدور حول موضوعات بعينها مثل : الحنين للوطن والغيرة عليه، الطبيعة، التعاطف مع الإنسان، واقع المرأة وقضيتها الأساس. وفي كل هذه الموضوعات وغيرها تبدو صاحبة رؤية حزينة متشائمة إلى حد ما، فنراها في مجموعة من الخصائص تتصل بمفهوم الملائكة لوظيفة الشاعرة وطبيعة الشعر كما تتصل بميلها إلى التأمل وشجنها وتفكيرها في قضية الموت وشعورها بالغربة وعاطفتها الفياضة نحو الإنسان والحيوان وحبها للطبيعة. وهي بما إجادة به قريحتها امتداد للمنظومة الشعرية العربية. وفي كلتا الحالتين تشعر أيضاً أنها شاعرة أصيلة غير مقلدة، منفتحة على التراث الشعري العالمي، عبر مدارسه وأساليبه في تناول الأفكار والموضوعات.

وقد عرضنا فيما سبق لأهم جوانب شخصية الشاعرة، ولعنا لمسنا في هذه الشخصية ريادتها في مجال الشعر وتفوقها في مجال الأدب. وما نحب ان نؤكده في ختام هذا التقديم أن الملائكة شاعرة بالدرجة الأولى، تفوقت على كثيرين من شعراء جيلها إن لم تكن هي نفسها من أهم شعراء جيلها. وما نحسب هذه الصفات سوى ضوء يسير على تلك الشخصية الفريدة الجديرة بالدراسة والاحتفال وإعادة النظر في موقعها من التراث الشعري الحديث.

وهذا ما عمل عليه الكاتب الصحفي كريم خالد البهادلي في كتابة الجديد "نازك الملائكة دراسة ونصوص" الصادر عن دار أقلام للطباعة والنشر ببغداد - 2017 بواقع 216 صفحة قطع متوسط الذي كشف لنا فيه المؤلف بالرصد والتحليل والنقد عن جانب مهم من مسيرة نازك الملائكة الأدبية الزاخرة بالإبداع والتجديد، وهذه ليست بالترجمة الخالصة لحياة نازك الملائكة 1923 - 2007 ولا هي بالدراسة النقدية الخالصة لشعرها، ولكنها الشيئان معاً، وإذا صح أن كان بين الشعراء من قام موضوع فنه بمعزل عن حياته، فإن نازك الملائكة من ذلك القطب المقابل والطرف النقيض فالفن هنا كل لا يتجزأ ولعل المرأة - الإنسان والشاعرة لم يمتزجان في أحد أمتزجهما في نازك، فلن نعرفها حق معرفتنا إلا إذا تأملنا في شعرها، ولن نقدر الشاعرة قدرها ونفهم ما تقول على وجه الدقة إلا إذا اطلعنا على حياتها ووقفنا على أخبارها، هذا جانب من جوانب أخرى أكثر حيوية، تأتي بالدرجة الأساس التي شكلت شخصيتها الإنسانية، وعمقت من تجربتها الشعرية، وبلورت رؤيتها النقدية وقد سبق إن جاءت رياح التغيير على المنطقة  بفعل القوانين الموضوعية، واستجابة  لكل العوامل الحضارية والفكرية والفنية ونتيجة الإرهاصات التي شهدها العالم في العقد الرابع من القرن العشرين، حيث ظهرت على الساحة العربية، ومنها العراق بعض الحركات الفنية والأدبية والفكرية التي لم تقتصر على نوع معين من الإبداع، ففي أوربا الغربية كانت هناك الحداثة تتجلى كظاهرة ملفتة للأنظار شملت كل نواحي الفنون والأجناس الأدبية، ومنها الشعر بطبيعة الحال، حيث كان الشعر العربي أسير القوالب القديمة في بناء القصيدة والذي يعود إلى مئات السنين وكان لقاء الشعر الغربي بالشعر العربي يشكل بحد ذاته منعطفا كبيراً وحدثاً مهماً في تاريخ الأدب العربي، وما هو مهم على وجه الخصوص إذ إنه في الوقت الذي كانت فيه أوربا الغربية تعيش الحداثة وتشهد انتشار الشعر الحديث، الذي تمثل في استيعابه واستجابته  لقضايا الإنسان وويلات الحرب وما تركته من تداعيات وأثار انعكس ذلك كله على طبيعة الآداب والفنون، إذ كانت القصيدة العربية تعيش بداية ثورة شعرية هي وليدة للمتغيرات والتلاقح الفكري والأدبي بين الغرب والشرق حينذاك، ففي منتصف الأربعينيات من القرن العشرين ولد الشعر الحر، حينما بدأ العراقيون الجدد فجأة بعد نبذهم للتقاليد الشعرية القديمة المحكومة بالقوالب العروضية الخليلية في كتابة القصيدة، نجد أنه لم يكن من السهل الانفصال عن القالب الشعري العربي القديم في بناءه الهندسي المتوارث أو التخلي عنه كلية، وفي بداية الحركة الشعرية الجديدة نحج رواد الحداثة الشعرية في كتابة قصائد رائعة بعد إن كانت الملائكة قد عرفت على نطاق واسع في الأوساط الأدبية والشعرية في الوطن العربي، فإنها عُرفت كشاعرة، ولكن أكثر من هذا، عُرفت بأنها أحد أبرز الشعراء المجددين للقصيدة الحديثة ويعتقد الكثير من النقاد إن نازك هي أول من كتبت الشعر الحر وتعتبر قصيدتها اللافتة " الكوليرا " التي كتبت في نهاية عام 1946، وقصيدة السياب " هل كان حباً " والتي كتبت بعد ذلك بقليل، من أوائل الشعر الحر في الأدب العربي على الإطلاق، وقد بدأت الملائكة في كتابة القصيدة في فترة زمنية جاءت متزامنة مع ما كتبه السيّاب وزميلين لهما هما : الشاعران عبد الوهاب ألبياتي وشاذل طاقة، اللذان خرجا بالقصيدة نحو آفاق رحبة، على الرغم مما كتب شعراء عرب كثر وفي أزمان مختلفة سابقة من محاولات فردية تقترب من روح الحداثة والتجديد من حيث الشكل والمضمون في بناء القصيدة الحديثة التي أخذت بعدما نفضت الحرب العالمية الثانية أوزارها تستمد موضوعاتها من قضية الإنسان المعاصر وما يعصف به من مشاكل جمة، وما كان يطمح إليه من تغير نحو حياة مستقرة تتطلع إلى الحرية والاستقلال، لايمكن التقليل من شأنها، إلا أنها لم تشكل يومئذ ظاهرة فنية عامة كالتي حققها الشعراء العراقيون، ومنها شاعرتنا التي نترجم لها، إذا تُعد الشاعرة والناقدة الملائكة منعطف كبير في بُنية القصيدة الحديثة، لما لها من بصمة جلية على مسار الحركة الشعرية والنقدية عبر كتابها " قضايا الشعر المعاصر" الذي أحدث دويا كبيرا في الأوساط الأدبية يومئذ على مستوى المشهد الأدبي العربي، هذا وحريّ بنا اليوم العمل على إعادة قراءة شعرها ودراسته موضوعيا وفنيا من جديد كونها شاعرة تركت أثرها الواضح على طبيعة القصيدة العربية، وغيرت من شكلها المعهود، وقد جاءت هذه الدراسة التي نضعها بين دفتي القارئ الكريم محاولة جادة من قبل المؤلف كريم خالد البهادلي، في رسم صورة للشاعرة نازك الملائكة من خلال تتبعه لمسيرتها الشعرية والوقوف عند بعض منعطفاتها الزاخرة بالعطاء والإبداع وقد كُتبت عنها دراسات ورسائل جامعية كثيرة في جامعات عربية وغربية، وقد سبق للمؤلف أن قدم عدة دراسات منفصلة كلٍ على حدة لبعض رموز الحداثة الشعرية، منهم السيّاب، والملائكة، وجبران خليل جبران، وإنه بصدد تحضير دراسات أخرى عن عبد الوهاب ألبياتي، وبلند الحيدري، وغيرهم. وقد تناول الكتاب بالدراسة والتحليل والنقد سبع محاور مع مقدمة ضافية في تجربة الشاعرة الملائكة جاءت على النحو الآتي : المقدمة / سيرة وحياة وذكريات / نازك الملائكة عرابة القصيدة الحديثة / مظاهر الاغتراب في الشعر النسائي/ الاغتراب في شعر نازك الملائكة / الصورة الشعرية عند نازك/ نازك الملائكة وشعراء التجديد/ ثنائية الحياة والموت عند نازك /. وقد صدر لها  خلال مسيرتها سبع مجموعات شعرية هي على التوالي : عاشقة الليل - 1947/ شظايا ورماد - 1949 / قرارة الموجه - 1957 / شجرة القمر- 1968 / مأساة الحياة وأغنية للإنسان - 1970/  يغير ألوانه البحر- 1977/ للصلاة والثورة - 1978. ومن ثم طبعت لها الأعمال الكاملة  " مجلدان" دار العودة - بيروت 1979. ونازك إلى جانب كونها شاعرة رائدة، فإنها ناقدة مميزة ولها أيضا محاولات في القصة القصيرة وقد صدر لها من مؤلفاتها: قضايا الشعر المعاصر - 1962/ الصومعة والشرفة الحمراء - 1965/ التجزيئية في المجتمع العربي - 1974/ سايكولوجية الشعر - 1992 / الشمس التي وراء القمة - 1997 قصص قصيرة .

 

تقديم: عبد الرضا الخياط

الحقيقة أنّ كُتب السّير الذاتية -أيّاً كان شكلها السّرديّ- لا تروقني في الغالب لتهافتها الاستعراضيّ الكاذب في معظم الأوقات، وقلّما تاقتْ نفسي إلى أن أكمل القراءة فيها، إلاّ في القليل منها ولأسباب بحثيّة أو فضوليّة بحت؛لما فيها من بطولات دكنشوتية ممجوجة. لكنّني أستطيع أن أزعم أنّ القليل من هذه السّير الذّاتية قد شدّني نادراً إن صدر بلغة صادقة وصريحة تملك شجاعة خاصّة في تعرية ذوات أبطالها وواقعهم دون عمليات تجميل، وهي أقلام قليلة ومعدودة على الأقلّ على مستوى المشهد العربيّ بما هو مكتوب من سير باللّغة العربيّة أو مُترجم إليها.لكن كتاب السّيرة الذّاتيّة الذي يحمل اسم "السّير في الطّريق السّريع" قد أثار انتباهي، واسترعى توقّفي عنده، لعلّ اللّغة العربيّة الرّشيقة التي تُرجم الكتاب إليّها وبها هي أوّل ما لفت انتباهي، واستدعى إرساء مرساتي، إنّها لغة عربيّة جميلة يُترجم إليّها الأستاذ الدكتور مجيب الرحمن النّدويّ، ولم أعجب عندما قرأته اسمه على التّرجمة بمستوى رقيّ لغته العربيّة وفصاحتها؛فأنا أعرف أيّ لغة عربيّة فصيحة صافية يملك، وهو أستاذ الأدب الحديث في جامعة جواهر لآل نهرو في العاصمة الهنديّة دلهي، كما شغل من قبل منصب رئيس مركز الدّراسات العربيّة والإفريقية، ورئيس تحرير المجلة العلميّة الدّورية المحكّمة الصادرة عنه، فضلاً عن جهوده المشرفة في خدمة العربيّة والجهد العلميّ والبحثي في صدد هذه المهمة الشريفة التي انقطع لها، لاسيما في حقول الدّراسات والإشراف على الأطروحات، وتنظيم حلقات البحث العلميّ والنّدوات والمؤتمرات المحليّة والدّوليّة.ولكنّني عجبتُ من أنّه لم يخبرني من قبل عن هذا الكتاب السّيريّ الذي ترجمه، وخمنّت أنّ تواضعه المعروف عنه يمنعه –كعادته - من أن يتفاخر بمنجزه أو يلوّح به أمام الجميع.

قبل أن أبحر مع الكتاب سألتُ الأستاذ الدكتور مجيب الرّحمن النّدوي عن سبب قيامه بترجمة هذا الكتاب من لغته الأم التي كٌتب بها إلى اللّغة العربيّة، فردّ على سؤالي قائلاً:" بحكم اطلاعي على عمق العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية والشعبية بين الهند والإمارات كنتُ حريصاً جدا على قراءة كتب ومصادر تحكي قصة نشأة مدينة دبي ونموها وتطورها المدهش في العصر الحديث، وقد عملت الأفلام الهندية على ترسيخ صورة مشرقة لدبي في أذهان المشاهدين الهنود حيث باتت دبي رمزاً للثراء السريع ومن ثم صارت مقصداً للباحثين عن العمل والمغامرين في التجارة والأعمال. والآن تستضيف الإمارات أكبر جالية مقدرة بـ 2.6 مليون نسمة،  ولحسن الحظ لقيت رجل أعمال هندي بارز مقيم في دبي منذ ستين سنة بواسطة صديق حميم لي مقيم في دبي، وأعجبتني قصة نجاحه الباهر في مجال الأعمال في دبي، ولما قرأت سيرته الذاتية باللغة الإنجليزية "السير في الطريق السريع" أعجبتني قصة حياته التي تكاد تكون أسطوريّة،  وشدني أسلوب الكتاب،  وطريقة عرضه لأحداث حياته،  ووجدتُ أنّ هذا الكتاب لا يحكي قصة حياة فرد ونجاحه في مجال الأعمال التّنافسي في دبي فحسب،  بل يحكي أيضاً قصة نشأة دبي وتطورها إلى مدينة عملاقة منذ بداية النهضة العمرانية في الإمارات قبل ستين سنة تقريباً،  كما يدوّن الكتاب تطور العلاقات والأواصر بين البلدين،  ويتضمن الكتاب دروساً وعبرا للجميع؛لأن الحكمة لحمته والخبرة أساسه،  ولما عرض عليّ المؤلف أن أقوم بترجمة الكتاب إلى العربية لم أتردد في قبول عرضه،  وعكفت على التّرجمة ستة شهور،  ويسعدني صدور الكتاب في هذا المظهر الأنيق من مدينة دبي".(1)

كانت هذه الإجابة محفزاً لي على قراءة كتاب "السّير في الطّريق السّريع"، لاسيما أنّني تلقّيت إجابة مقنعة حول سبب ترجمة هذا الكتاب إلى العربيّة، كالعادة إجابات د.مجيب الرحمن مقنعة لكلّ من عرفه أو تواصل معه عن قرب، وهي إجابة جعلتني أفتح هذا الكتاب بفضول لأرى ذلك الشّخص الذي نال اهتماماً من المترجم ليترجم هذا العمل الضّخم، فاكتشفتُ أنّ اسمه د.رام بوكساني، وهو قامة هنديّة تجاريّة وإنسانيّة نمت وأزهرت في الإمارات، وفيما بعد اكتشفتُ أنّه يشكّل بكتابه هذا وبقصة حياته حلقة جميلة من حلقات الاندماج العربيّ الهنديّ عبر دوائر تاريخيّة عملاقة جمعت هاتين الحضارتين.

لم أكن أعرف د.رام بوكساني على المستوى الإبداعي أو الأكاديميّ كما أعرف موقع د.مجيب الرحمن الندويّ على هذه الخارطة الملبسة؛وعذري في ذلك ضعف اهتمامي- إن لم يكن انعدامه- بأهل المال وناشطيه، ولكنّني عندما قرأتُ هذا الكتاب، ونقلني الفضول إلى الاطلاع على منجزات صاحبه، عرفت أنّه استطاع في كتابه هذا أن يخلق فضاء جديداً له، وهو فضاء الكلمة التي قلّما يبغي أرباب المال والصّناعات أن يحلقوا فيها؛فمحبو الكلمة هم جمهور آخر في الغالب.على كلّ حال وجدتُ أنّ د.رام بوكساني يجمع الكثير من أنواع الحبّ في ذاته بدليل منجزه الذي راق لي أن أتعرّف عليه، والكتاب يقدّم رحلة في هذا العالم الشّائك المحموم بالعمل والتّحديات، ليغدو في نهاية المطاف بعد 53 سنة قضاها في دبي رئيس مجموعة "آي.تي.أل"، بعد أن شغل منصب مدير بنك" أندوسلاند"، فضلاً عن أنّه عضو شركة "أندوسلند" العالميّة المحدودة في جزيرة موريشيوش، فضلاً عن عضوية الكثير من الشّركات الأخرى المهمة.وقد مُنح شهادة الدكتوراة من الجامعة العالمية في واشنطن عام 2004 عن أطروحته "حكومة دبي:تأثير التّقاليد القبيليّة في صنع القرار خاصة في فترات الأزمات خلال تطوّر المدينة"

بين يدي الطّبعة الثانية هذا الكتاب " السّير في الطّريق السّريع"، وهي صادرة عن دار كتّاب للنّشر والتوزيع في عام 2016، والكتاب يقع في 459 صفحة من القطع الكبير، ويتصدّر الكتاب تقديمان؛تقديم الطّبعة الأولى، وتقديم الطّبعة الثانية، فضلاً عن تمهيد للكتاب بقلم :جيه بي فاسواني سادهو فاسواني ميشيون.وقد لفت نظري في التّقديمين تلك السّرديّة التلقائيّة الجميلة التي يمكلها د.رام، فهو يحدّثنا بوضوح وصدق وبساطة عن حياته وفكره دون تعقيد فكريّ أو لغويّ أو بنائي أو تجارب شكليّة ملفتة أو جديدة، هو باختصار يسكب في أعماقنا بعضاً عملاقاً من ذاته عبر مسيرته الطّويلة فيما أسماه " الطّريق السّريع" لنكتشف أنّه كان فعلاً" الطّريق الصّعب"، إنّه يقول في جملة ما يقول :" أمضيتٌ 57 عاماً من حياتي في دبي، وهي أضعاف المدّة التي أمضيتها في بلدي...حيثُ كنتُ في الثامنة عشرة من عمري عندما جئت إلى هنا...جامعتي كانت أسواق دبي، وتعلّمتُ أيضاً دروس الحياة من هناك، في الحقيقة دبي صاغت حياتي، وكان للثّقافة العربيّة تأثير كبير علي، وكتابي هو عبارة عن تحيّة إلى البلدان والشّعوب والمجتمعات والشّركات التي لعبت دوراً هامّاً في تكويني"(2)

الكتاب ينقسم إلى 18 باباً تحمل على التّوالي العناوين التالية :يوم جديد حياة جديدة، الطفولة، النشأة في بارودا، شعب مع تاريخ، التقسيم الطبقيّ، علاقة مع العرب، الغوص من أجل اللؤلؤ، البصمة البريطانيّة، الانتقال إلى العصر الحديث، البقاء للأصلح فقط، عندما جرت الأعمال على أساس الثقة وحسن النية، كلما زادت الأشياء تغيراً بقيت على حالها، أمر يتعلّق بالخيارات الشّخصيّة، هل السندية في خطر أم أنّها حيّة وفي حالة جيدة؟لا نهاية تتغيّر، الهنديّ غير المقيم الذي صار يتيماً، وهناك جيل جديد، أكبر سنّاً وأكثر خبرة.إلى جانب ملحق يتضمّن نبذة عن الاستعراضات المنشورة في مختلف الصّحف والمجلات عن هذا الكتاب عند نشره في طبعته الأولى، وبعض رسائل القرّاء ممهورة بأسماء من أرسلها ومكان إقامته، وينتهي الكتاب بملحق صور فوتغرافيّة لمحطات أسرية وعمليّة رسميّة في حياة د.رام بوكساني، وهذا الملحق الفوتوغرافيّ يحمل اسم" على مدى السّنوات".

يقول د.رام بوكساني في كتابه آخر سطور من كتابه هذا :"لما جئتُ هنا كمراهق كانت عندي المستكشِف.وعلى مرّ الزّمان تضاءل الفرق بين المستكشِف والمستكشَف.وهذا شيء طبيعيّ، وسوف يجعل هذا الإدراك المرء واعياً بنقاط القوّة والضّعف في شخصيته.لقد قضيت جلّ حياتي في استكشاف هذا المكان، وقد أدركت أنّني أستكشف المكان المناسب، لقد أظهرت لي دبي طريقة أفضل للحياة"(3)

وهذا الرّجل النّاضج الذي يكتب هذه الكلمات في آخر كتابه، هو امتداد ذاك الفتى الشّاب الذي كتب د.رام بصوته ومشاعره وتجاربه في أوّل كتاب سيرته الذّاتيّة هذه:" كنتُ في الثّامنة عشرة من عمري عندما جئت إلى هنا، ولم تكن في ذلك الوقت كهرباء، ولا ماء جارٍ، ولا طرق، جئت عن طريق الباخرة، ونزلت في منطقة الخور"(4)، وبين النّقلين نستطيع أن نقرأ د.رام الإنسان والعامل والنّاجح والنّاضج ومن ثم صاحب الرّؤية والتّجربة، ونرى محطات طريقه السّريع المتعب المضني الذي جعله النّاطق الرّسميّ باسم الجالية الهنديّة المقيمة في الإمارات في ظلّ ما لعبه من دور استراتيجيّ في التّواصل بين الجالية الهنديّة والحكومة الهنديّة؛فحصل على جائزة "رجل العام" من مجلة "بهارات راتنا" الواسعة الانتشار في أوساط الجالية الهنديّة في العالم، إلى جانب منحه الكثبر من الأوسمة والتكريمات، على رأسها تكريمه من الرّئيس الهنديّ.

كما أنّ د.رام قد اندغم في أعمال مؤسستيه وتطوعيّة كثيرة؛منها على سبيل الذّكر لا الحصر، أنّه مؤسّس المنتدى الاقتصادي الهنديّ في خارج الهند، والنّادي الهنديّ في دبي، فضلاً عن أنّه عضو أمناء مركز نور لتدريب الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصّة.

قرأتُ في خضم بحثي عن هذا الكتاب وصاحبه أنّه قد تُرجم إلى الكثير من اللّغات، ومنها اللّغة السّندية والهنديّة والغواجاراتي والمراثي والأوردو، ولذلك أتوقّع أنّ هذه التّرجمات أتاحت لقطاع كبير من البشر أن يطالعوا هذه السّيرة الطّويلة الدؤوبة التي تمخّضت عن نجاح عملاق، جعل هذا الصّبي السّنديّ المولود في بيئة متواضعة في مدن حيدر آباد يرسم أقداره النّاجحة بنفسه عبر رحلة امتدت من الهند على دبي، وعاشت مخاضات عملاقة وتحديات جسيمة، ثم آلت إلى نجاح باهر منقطع النّظير يعزّ أن يتحقّق لغيره بسهولة، وهذه الرّحلة تقطر بالرّؤية الفلسفيّة والفهم الخاص للحياة عبر بوتقة عملاقة من التّجارب والخبرات والمعلومات والأفكار الحاضنة من ينبوع متدفّق من الثّقافة التي تنال نصيبها من كلّ حدب وصوب، فنقرأ خلاصة تجارب د.رام في كتابه هذا ممزوجة بحكم غيره وأفكارهم عبر رصدها، والانطلاق منها في عرض ما في جعبته من الحكايا والقصص والتّجارب.

أستطيع القول إنّ هذا الكتاب صادقني بشدّة بقوة قدرته على تجنيد الجانب الوجدانيّ والعقليّ فيمن يقرأ فيه؛إنّه صوت رجل كبير حكيم وصل السّتين من عمره، ويقصّ قصّة نجاحه بصدق وروية على كلّ من يحبّه أو يتطلّع ليعرف المزيد من أحاجي نجاحه وأسرار انتصاره في معركة الحياة على حرمانها وهزائمها؛لعلّها تكون إشارات مرشدة له في دربه المنشود إن بغى أن يسير عليه بقوة وإصرار د.رام بوكساني، فهو باختصار شديد يخطّ لنا درب " الطّريق السّريع" الذي اختاره في رحلة حياته المضناة المتعبة، لتكون ناجحة ومفيدة ومفعمة بقوة خارقة اسمها الإصرار.

 

بقلم الأديبة: د.سناء الشعلان/ الأردن

.......................

الإحالات:

1- مضمون مراسلة بين د.سناء الشعلان وأ.د مجيب الرحمن بتاريخ 2017-2-4

2 - د.رام بوكساني: السّير في الطّريق السريع، ترجمة أ.د مجيب الرحمن، ط1، دار كتّاب للنشر والتّوزيع، الإمارات العربية المتحدة، 2016، ص9.

3 -  نفسه :ص382.

4 - نفسه:ص9.

 

 

 

 

قرأت الكتاب مرتين لأتأكد من بعض النقاط، وأعدت قراءته للمرة الثالثة حين ضاعت  المسودة بسبب عجز الحاسوب حينها عن الحفظ، والكتاب هو..

DE PIERRE LOTI « LES TROIS DAMES DE LA KASBAH », EDITIONS DU LAYEUR, 96 PAGES..

عمل الكاتب 42 سنة في البحرية، ما مكنه من التمتع بأغلب بحار العالم الغربية والعربية.  ألف هذا الكتاب سنة 1882، وكانت أول زيارة له للجزائر سنة 1869، وزار الجزائر أربع مرات وخلال 10 سنوات أي سنوات 1869-1880.

يبدأ كتابه ببسم الله الرحمن الرحيم ويتحدث عن عائلة جزائرية تتكون من الأم خديجة والبنتين فاطمة وفايزة. ويتحدث عن الهندسة المعمارية للقصبة بإعجاب شديد والتي تتسم بصغر بيوتها وانعدام النوافذ إلا نافذة صغيرة محاطة بأسلاك، والزهور التي زيّنت جدرانها وبأنها مطلة على السماء ما يجعلها على إتصال دائم بسماء الجزائر الجميلة  الصافية، وأبوابها صغيرة لا تفتح كاملة ، ويرى أن روعة  الهندسة القديمة يعود الفضل فيها للتاريخ الإسلامي، وأن عزلة الغلق التي تميز السكنات العربية هي التي تحدد شبهة الغيرة والحراسة المشددة لحياة المسلمين.

يتحدث بإعجاب شديد عن جمال المرأة الجزائرية وعيونها الكبيرة الغارقة في السواد، والحليّ الكثير الثقيل القديم الذي يزيّن رقبتها ويديها الجميلة المكشوفة والتي تحدث صوتا حين ترفع يديها. و النساء الجزائريات اللواتي يعشن وراء الجدران المغلقة قرب البحر وبجوار الرومي غير الوفي، ويبدو أنهن مازلن يحافظن على السر غير المنتهك منذ عصور المسلمين الأوائل. وكن أحيانا يجمعن الزهور أو أوراق البرتقال بعدما يضغطن عليها لاستخراج العطر، وممارسة هواية الغناء والضرب على الدف و الدربوكة.  وفي ليالي الصيف حين تغرب الشمس يصعدن للسقف ويتبادلن الحديث مع النساء اللواتي يعشن نفس الظروف، وهن يحدقن بعيونهن السوداء نحو القصبة كاللقلق الواقف على الآثار القديمة، ويتمتعن بالنظر من فوق السطوح المتشابهة إلى مسجد سيدي عبد الرحمن وبجوار بعض من النخيل. و البحر الأبيض المتوسط كأنه سجاد كبير نحو سيدي فرج.

منذ سنوات قتل عبد الله زوج خديجة بسبب محاربته  للاحتلال الفرنسي، ومن يومها وابنتيه فايزة وفاطمة يتيمتين. ورغم الحلي القديمة الثمينة التي كانت تزين صدور وأيدي الفتاتين إلا أنهما فقيرتين. وعليه أقول: ما يدل على أن الاستدمار الفرنسي جعل من الغالي الثمين الذي يملكه  الجزائري لا يساوي شيئا، ما جعله يعاني الفقر والجوع ويجبره المحتل الغاصب إلى ترك أراضيه الخصبة ويعاني التشرد والتهميش.

يتحدث بحسرة عن ضياع الجزائر لحسنها وجمالها حين فتحت أبوابها للسكارى من حثالة الجنسيات المختلفة التي إحتلت الجزائر. ويتحدث بإعجاب عن لباس المرأة الجزائرية الأبيض الذي يلف الجسد كله، وتعجبه حشمة المرأة الجزائرية، فيقول.. كانت النسوة يضربن الباب الخشبي بطريقة معينة يفهم منها، أيها الخباز إذا مررت من هنا ضع أمام الباب قطعة الخبز، وهو ما يحدث بالفعل، فيضع الخباز قطعة الخبز أمام الباب ويتسلم في المقابل قطعة النقود جزاء جهده وعمله. 

كانت  الأسرة الجزائرية تتغذى من التين والتمر المجفف، ما يدل على الاكتفاء الذاتي للأسرة الجزائرية. ويصف القصبة بإعجاب شديد وهو في سنة 1869 بأنها قديمة، ما يدل على أن القصبة عريقة قديمة. ومن خلال بيع النسوة لحليهم الغالي بأبخس الأثمان لليهودي ، يتضح سيطرة اليهود على سوق الذهب والفضة والمال وتبعية الجزائريين لهم بسبب الفقر المفروض عليهم من طرف نهب الاحتلال والاستدمار الفرنسي.

يتحدث بإعجاب شديد عن القصبة القديمة المحمية بطهرها ليلا والمستمد من ماضيها، عكس المدينة ذات الطابع المسيحي المفروض  من طرف الاستدمار الفرنسي المعروفة بانحلالها ولياليها الصاخبة الحمراء. و بعدما أطال في وصف جمال الجزائريات راح يمدح جمال الرجل الجزائري، فقال.. يقفون مستقيمين برهبة وجلال  وجمال، رؤوسهم صغيرة وعيون كبيرة سوداء، والشمس تغرقهم بأشعتها الملونة الذهبية، وجمالهم يضاهي جمال الآلهة.

يحنوي الكتاب على 74 صورة نادرة تعود للقرن التاسع عشر زيّنت صفحات الكتاب والتي تدل على بهاء الجزائر من نساء، ورجال، ومساجد، ولباس الرجال والنساء، والقصبة، والبحر، والعمارة الإسلامية وتاريخ الجزائر العميق. و أعيد طبع الكتاب بعد قرن من الطبعة الأولى.

 

معمر حبار 

قبل عدة شهور برز سيل من العناوين الرئيسية تفيد بان الامم المتحدة جعلت الدخول الى الانترنيت حقا من حقوق الانسان. غير ان هذا الادّعاء ثبت انه انطباع خاطئ. ما قامت به الامم المتحدة كان مجرد تمرير قرار يؤكد على اهمية الدخول الى الانترنيت كوسيلة لإنجاز العديد من حقوق الانسان. القرار دعا الدول الى اتخاذ اجراءات للعمل باتجاه دخول عالمي للانترنيت، وانه أقر بان القيود الثقيلة على الانترنيت بمثابة انتهاك لحقوق الانسان. غير ان ذلك لا يعني الآن وجود حق انساني في الانترنيت. بل ان شيء ما يمكن ان ينجز حقوق الانسان بدون ان يكون هو ذاته حق انساني.فمثلا، امتلاك حذاء معين يساعد في بلوغ عدد من حقوق الانسان،مثل حق الحرية في الحركة والحق بالحصول على مستوى كافي من المعيشة، ولكن سيكون من الغريب جدا القول ان هناك حق انساني بالحذاء. التدخّل في استمتاع الناس ببعض الاشياء يمكن ان يشكل انتهاكا لحقوقهم دون ان تكون تلك الاشياء ذاتها حقا من حقوق الانسان. فمثلا، سيكون انتهاكا لحق الخصوصية لو ان الحكومة تقرأ فاتورة ديون الناس دون موافقتهم، لكن ليس هناك حق انساني معين بعدم قراءة فاتورة ديون شخص ما. مع ذلك،اذا كان الدخول للانترنيت هو بالفعل هام جدا مثلما يقترح قرار الامم المتحدة ،فهو ربما يُعتبر حق انساني. الرأي الشعبي يبدو داعما لهذه النظرة. طبقا لإستبيان قامت به جمعية الانترنيت عام 2012 ، وُجد ان 83% من بين اكثر من عشرة آلاف مشارك من 20 دولة وافقوا بان "الدخول للانترنيت يجب اعتباره حق اساسي من حقوق الانسان".

وبالرغم من الرأي الشعبي ،فهناك شك كبير بان الدخول للانترنيت يمكن تمييزه كحق انساني. لنرى لماذا سنحتاج للنظر بماهية حقوق الانسان وكيف يمكن تبريرها.

الحقوق الطبيعية والحقوق القانونية

يمكننا البدء بتوضيح الغموض في استعمال مصطلح "حقوق الانسان". احيانا عندما يتحدث الناس عن حقوق الانسان فهم يشيرون عادة الى الحقوق القانونية وشبه القانونية المعبّر عنها بالوثائق الدولية لحقوق الانسان مثل الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن الامم المتحدة، والاتفاقية الدولية للحقوق السياسية والمدنية ، والاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. دعنا نسمي هذه بـ "حقوق انسان قانونية". في اوقات اخرى عندما يتحدث الناس حول حقوق الانسان فهم انما يشيرون الى الحقوق الطبيعية وهي الحقوق الاخلاقية العالمية  التي يتمسك بها كل الناس بمقتضى كونهم اناسا. في معظم الاوقات التي يتحدث بها الناس عن حقوق الانسان نراهم في الحقيقة يخلطون بين هذين المفهومين المتميزين. من المهم تجنّب هذا الالتباس لأن حقوق الانسان القانونية والحقوق الطبيعية هما نوعان مختلفان من المفاهيم الاخلاقية ولكل منهما دور مختلف. لذا نستطيع ان نسأل كلا السؤالين حول ما اذا كان هناك حق طبيعي في الدخول للانترنيت ام ان هناك حق قانوني .

ان الحقوق الطبيعية هي حقوق اخلاقية عالمية يتمتع بها كل الناس بمقتضى كونهم بشرا. وبهذا، فان تلك الحقوق يجب ان تتأسس على سمات اخلاقية ملائمة لما هو انسان. رغم ان هناك اجماع على ماهية هذه السمات ،لكن الرؤية السائدة والاكثر مقبولية هي ان الحقوق الطبيعية تتأسس على المصالح الاساسية التي يتقاسمها الجميع، او على الاقل غالبية البشر. وفق هذه الرؤية سيكون هناك حق طبيعي بعدم القتل العشوائي لأن كل شخص لديه مصلحة هامة بان لا يُقتل، وهناك حق طبيعي بعدم التعذيب لأن كل شخص له مصلحة هامة بان لا يُعذّب، وهناك حق طبيعي بعدم فرض العبودية لان كل فرد له مصلحة هامة بان لا يُستعبد وهكذا.

وفق هذه الرؤية يكون من الصعب اعتبار الدخول للانترنيت حق طبيعي لأن المصلحة بالدخول للانترنيت ليست اساسية بما يكفي. كيف يمكن ان تكون كذلك في ظل صدفيتها التاريخية؟ قبل الاف السنين كانت للانسان مصلحة بان لا يُقتل او يُعذّب او ييُستعبد،ومن المعقول الافتراض ان الناس ستكون لديهم نفس المصلحة بهذا بعد عدة الاف من السنين من الآن(بافتراض استمرار وجود البشر). ولكن لا يمكن تصديق القول ان الاغريق القدماء كان لديهم اهتمام بالدخول للانترنيت باعتبار انهم لم يكن لديهم تصور عن هذه التكنلوجيا. ونحن لا يمكننا معرفة ما اذا كان الناس في المستقبل سيكون لديهم مثل هذا الاهتمام: قد لا يحصل لهم ذلك لو استُبدل الانترنيت بنوع اخر من التكنلوجيا اكثر قوة. الحقوق الطبيعية يُفترض ان يتمتع بها جميع الناس عالميا باعتبارهم بشرا. ولذلك لا معنى للقول ان هناك حق طبيعي بالدخول للانترنيت.

ومما تجدر ملاحظته ان ذلك يجب ان لا يقود الى عدم وجود حق قانوني في الانترنيت. خلافا للحقوق الطبيعية،الحقوق القانونية هي هياكل اجتماعية، هي اما ان توجد او لا توجد. لا معنى هناك للسؤال ما اذا كانت هناك ضرورة لوجود حقوق طبيعية معينة طالما ان هذه ليست من خياراتنا ولا يمكننا ان نقررها . الحقوق الطبيعية لها واقع اخلاقي يتجاوز قدرتنا في التأثير عليها. بالمقابل،محتوى الحقوق القانونية هو خيار يعود لنا. بالطبع،ليس جميعنا لديه امكانية القول الفصل حول ماهية الحقوق القانونية لكن محتواها يتقرر من جانب الناس ولا يُكتشف. لذا حتى عندما لا يندرج حق الدخول للانترنيت حاليا ضمن حقوق الانسان الدولية،مع ذلك يبقى هناك معنى للسؤال حول وجوب ان يكون كذلك. ولكي نتأكد من امكانية ان يكون  هناك حق قانوني للانسان بالدخول للانترنيت سنحتاج للنظر بالطريقة التي يُبرر بها محتوى حقوق الانسان القانونية.

الحقوق القانونية ليست حقوق طبيعية

يُفترض احيانا ان الحقوق القانونية هي فقط تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية،وان السؤال عن احتمال وجود حق قانوني في بعض الاشياء يعتمد كليا على ما اذا كان هناك حق طبيعي بها. وفق هذه الرؤية،حقيقة عدم وجود حق طبيعي في الدخول للانترنيت يُنهي التساؤل حول ضرورة وجود حق قانوني مطابق. نحن يجب ان نرفض هذه الرؤية. اولا،عندما ننظر في المحتوى الحقيقي لتشريعات حقوق الانسان العالمية،نجد انها اوسع واكثر تحديدا من الحقوق الطبيعية. فمثلا، الاعلان العالمي لحقوق الانسان يتضمن الحق في التجنس بالاضافة الى الحق في الانتماء الى النقابات. تاريخيا التجنس والنقابات كلاهما  طارئان ولذلك لا يمكن ان يكونا موضوعا للحقوق الطبيعية. ربما يرى البعض ان هذه الحقوق يجب ان لا يتم ادراجها ضمن حقوق الانسان القانونية. ولكن لماذا يجب الاعتقاد بهذا في ظل غياب سبب جيد للايمان بان حقوق الانسان القانونية هي مجرد تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية؟

كذلك، حقوق الانسان القانونية لها دور مختلف جدا عن الحقوق الطبيعية،ولذا ليس من الواضح لماذا يجب علينا الاعتقاد ان لها محتوى مطابق. الحقوق الطبيعية هي ادّعاءات اخلاقية لدى كل البشر . بالمقابل،الحقوق القانونية هي ادّعاءات قانونية يمتلكها الافراد بالذات تجاه الدول التي هم عرضة لسلطاتها،وهي تعمل كقيود على سيادة تلك الدول. القول بان حقوق الانسان القانونية هي فقط تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية يعني ان الحقوق الطبيعية وحدها يمكنها خدمة هذه الوظائف. ولكن لماذا علينا القبول بهذا الرأي؟ لا يبدو من المثير للجدل الافتراض ان جميع الافراد يجب ان يمتلكوا حقوقا قانونية امام حكوماتهم بعدم تجريدهم من جنسياتهم او عدم منعهم من تشكيل الاتحادات اوالانتساب لها . لكننا وجدنا سلفا ان مثل هذه الحقوق لا يمكن ان تكون حقوق طبيعية.

ورغم ان حقوق الانسان القانونية هي ليست مجرد تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية،لكن هناك ارتباط هام بينهما: كل من الحقوق الطبيعية والقانونية يتأسسان على المصالح الاساسية لكل الناس. الفرق هو ان حقوق الانسان القانونية يمكن ان تشمل الحقوق المشتقة من حقوق اكثر اهمية ضمن سياق تاريخي واجتماعي معين . الحقوق القانونية بالجنسية مثلا،لا تقوم على مصلحة جوهرية في الجنسية لكل الناس،طالما لم تكن هناك دائما دول. بدلا من ذلك، للناس مصلحة في امتلاك جنسية لانه في العالم المعاصر امتلاك جنسية هو شيء هام في انجاز مصالح اساسية اخرى،بعضها يبرر حقوقا طبيعية. بدون جنسية بلد ما لا يمكن للمرء الحصول على جواز سفر ،وبدون جواز سفر تصبح حرية المرء بالحركة مقيدة جدا. ان حرية الحركة هي مصلحة اساسية لكل الناس،ولذلك فان هذه المصلحة الاساسية تبرر الحق الطبيعي بحرية الحركة. هذه المصلحة ايضا توفر اساس لحق قانوني اساسي بحرية الحركة، منه يمكن اشتقاق حق قانوني معين بالجنسية.

حقوق الدخول للانترنيت

هل يمكن بهذه الطريقة تبربر حق الانسان القانوني بالدخول للانترنيت؟ الفائدة من امتلاك الانترنيت هي بالتأكيد تقوم على مصالح اكثر اهمية ،بعضها من ذلك النوع الذي يبرر حقوقا طبيعية،كما في المصلحة في حرية التعبير وحرية الانتماء. الانترنيت الآن هو من اكثر المنصات اهمية في التعبير عن الآراء ونشر المعلومات وتوفير حجم هائل من الفرص لمختلف اشكال المؤسسات.

ربما يقال انه حتى بدون الدخول الى الانترنيت يبقى الناس يتمتعون بحرية الانتماء والتعبير عن انفسهم، بافتراض انهم لايزالون يتجمعون في اماكن عامة وينشرون افكارهم في الصحف وهكذا. غير ان حق حرية التعبير وحرية الانتماء لايتطلبان مجرد ان يكون مالكو الحق لديهم اقل فرصة للتعبير عن انفسهم والانتماء وانما ،هما يتحققان فقط حينما يكون لدى الناس فرص كافية للانتماء والتعبير عن انفسهم. لكي نمنع الناس بشكل استبدادي من نشر افكارهم في جميع الصحف عدى واحدة سيشكل انتهاكا لحقهم في الحرية رغم احتفاظهم ببعض الفرص للتعبير عن انفسهم. وبالمثل،المنع العشوائي للناس في الانتساب لجميع المؤسسات عدى منظمة واحدة او حزب واحد او نادي واحد يعد انتهاكا لحقهم في التعبير عن حرية الانتماء رغم احتفاظهم ببعض الفرص للالتحاق ببعض المؤسسات الاخرى. السؤال حول ما الذي يشكل فرصة او قدرة كافية لممارسة المرء لحرية التعبير والانتماء هو سؤال هام وصعب،ولكن بالنظر للاهمية الكبرى للانترنيت يبدو من المعقول الايمان بانه لكي نمنع شخص ما من الدخول الى الانترنيت يعني حرمانه من الفرص الكافية لممارسة حريته في التعبير والانتماء. انه يبدو كما لو ان حق الانسان القانوني في الانترنيت يُشتق من الحقوق الطبيعية الاساسية الاكثر اهمية في حرية التعبير وحرية الانتماء،وبنفس الطريقة ان الحق الانساني القانوني بالجنسية يمكن اشتقاقه من الحقوق الطبيعية الاكثر جوهرية في حرية الحركة.

غير ان هناك فرق هام بين الحق في الجنسية والحق في الانترنيت. ليس من العملي امتلاك قوانين دولية هي بحاجة الى تحديث مستمر . ولهذا،فان حقوق الانسان القانونية لا تحتاج فقط لتكون ذات اهمية عظيمة الان،وانما ايضا في المستقبل المنظور. لذا فان التقدم السريع في التكنلوجيا يجعل الانتنريت ومن ثم الحق القانوني به،اكثر راهنية وهشاشة. ان عدم وجود حق طبيعي بالانترنيت لا يمنع من امكانية وجود حق قانوني انساني فيه،لأن الانترنيت حاليا هام جدا في انجاز حقوق الانسان الاخرى. ولكن مع احتمال ان يصبح الانترنيت متقادما ليس في المستقبل البعيد،فالاحتمال يبقى كبير جدا  بان الدخول اليه لا يضمن جيدا مكانة حقوق الانسان القانونية الدولية .

 

حاتم حميد محسن

.......................

للكاتبة Dr.Jesse Tomalty بروفيسور الفلسفة في جامعة Bergen بالنرويج،تدرّس حاليا في مجال الاخلاق والفلسفة السياسية.