tawfiq shakhusanقال غيلبرتهايت: "الكتب ليست أكوام من الورق الميت، انها عقول تعيش على الأرفف".

القراءة هي الوسيلة الأكبر في أكتساب الثقافة وهي التي تمكن ّ الانسان من أكتساب خبرة الآخرين وكما قال عباس محمود العقاد :

"القراءة تضيف الى عمر الانسان أعمارا ً أخرى".

فالكتاب هو الصديق الوحيد الذي لا يمكنه أن يخونك على الأطلاق أو يكذب عليك ولذا لا يوجد أفضل من هذا الصديق لكي تبني خبرتك على أساس نصحه .

عن منشورات أتحاد الأدباء والكتاب في البصرة صدر للكاتب جاسم العايف كتابه المعنون "سحر القراءة" طبع لبنان / 2017 .

يفتتح الشاعر "مجيد الموسوي" مجموعته الشعرية الثالثة "دموع الأرض" بيوميات الربيع الدامي مستعيرا ً فيها ما ذكره هنري مللير:

" الحرب هي شكل من أشكال الجنون سواء كانت أهدافها نبيلة أم منحطة، والقتال ليس سوى فعل يدل على اليأس لا القوة ". لذا فالموسوي يلعن ُ شعريا ً الحرب التي تخر ّب الأوطان والمدن والانسان وذاكرته وروحه .

من خلال شعره نتلمس القصيدة بصفتها حالة غامضة من الغياب والحضور، من الحلم واليقظة، من التذكر والنسيان، حالة من أحتدام الروح يغدو فيها الأمساك بالبدء أو المنتهى أقرب للمستحيل .

الشعر لدى الموسوي ليس مجرد أنتظار سلبي لأنبثاق الرمز من أعماق اللاوعي بل من قطبين هما، الانسان ـ العالم، لينبثق بعد ذلك ضوء القصيدة المشع من ملايين الأشياء التي يتأملها الشاعر وربما لا يراها الآخرون، ولا يفتر الموسوي عن ترديد "بـَصّرته" كأنما خلق لها وغمس في تيارها وأستنشقها:

"البصرة  ُ

لمع ٌ في ذاكرة البرق ِ

وسيدة لا تنسى حين تغادر:

تترك بعض أنوثتها

النفنوف َ المبتل ّ الخفين

ودغدغة َ الآه !

البصرة

آخر ما نملك في الأرض

وأول

ما يرفعه الله " .

"عربة النهار" مجموعة شعرية لـ "هاشم تايه"، نرى في قصائده لغة واضحة المعنى لا تفتعل الغموض بذاته من خلال ادراكه لقيمة المفردة الشعرية ووضوح معناها ومقاربتها لواقعية الحدث .

لا يمكن لمتتبع "عربة النهار" الا أن يقف عند الصياغات الشعرية الدقيقة المنتقاة برهافة ودراية وتميز والولوج الى خفايا الأشياء واستبطانها .

بعض قصائده قصيرة جدا ً لكنها دالة على الزمان الغريب والمكان المحاط برعب الأنتظار والقسوة واليأس والالآم والأحباط والقهر الراهن .

" يمشي المذبوح

في طرقـّاتنا

ليل نهار

حاملا ً

مصباحه المقطوع " .

أختار الشاعر "عبد الكريم كاصد" مختارات شعرية للشاعر مهدي محمد علي وهي الأشعار الأولى التي تصدر له في العراق منذ أن غادرها بصحبته عبر بادية السماوة في رحلة جحيمية نحو الكويت ومنها الى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية .

يستثمر مهدي محمد علي في بعض قصائده ثنائية : الحضور ـ الغياب، حضور الذاكرة ـ الماضي وغيابها الآني، أستدلال الأمكنة والأحداث والأشخاص بوضوح، محاورتهم، طغيان ملامحهم، الأحتفاظ بأدق الخصائص الواقعية للمشهد ـ الماضي القابع في الذاكرة ـ غياب الوطن في المنفى وأختراق المنفي ذاته في حضور الوطن .

وتتحول الصور اليومية الى فعل مملوء بالغضب والمرارة، ويبقى الأمل الذي يفعـّل هذه الكائنات البشرية المقتنعة بحياتها الهامشية التي تحولها اللغة البسيطة الماهرة والصور الغنية المتقدة بالحياة الى نسيج يضج بالحركة والوجود المتوتر والانساني .

"أما زالت غرفتي وحيدة

تتمرغ في سكون الوطن

الوطن الذي تلوى على رماد الحرب

الحرب التي تلتهم الذكريات؟!" .

في البصرة أصدر الشاعر "علي عيدان عبدالله "مجموعته" هنالك .. وأبعد "عام 2008، تكشف عن أفق جديد في تجربته التي لم يفرط فيها بقصيدة النثر مطلقا .

جوهر الشعر يتولد من التجربة الشخصية ومن حرارة الروح وحدسها ويأسها وحتى من حزنها الذي يؤجج المشاعر ولعله قد يدفع للفرح، بالترافق مع ثقافة منفتحة متجددة وغنية انسانيا ً .

هنا يفتح أفقا ً آخر لتجربته وهو الأنفتاح على الخارج والثيمات الأسطورية وأستخدام الأستعارات والشخصيات والرموز التأريخية والمعاصرة لاستنطاقها وكبح جماح الذات .

في الذكرى الثانية لرحيل "محمود عبدالوهاب" أصدر الشاعر كاظم اللايذ كتابه المعنون " دفتر على سرير المرض .. محمود عبدالوهاب شاعرا ً " وتتميز بأسلوب الوضوح والأختزال والأختصار، والقصائد ذات طابع سردي ويكثر من " مثل " التشبيه والتي تذكرنا بـ " كاف " التشبيه التي تتكرر في شعر السياب ونرى فيها ما هو أهم في الشعر هو ايقاد شعلة التوتر الروحي الى أقصاها والأعتناء بالثراء الداخلي الحميم الذي تفيض به الروح .. " محمود عبد الوهاب" أديب بصري متعدد المواهب، كتب في القصة القصيرة والرواية والشعر والمقالة النقدية والمسرحية وله باع في الترجمة ..

دراسة عن الشاعر "شاكر العاشور" وبعض حصاده الشعري ..

"تلاوة في ما قالته ريما للشمس ـ ج 1 " هي الجزء الأول من الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر وتضمنت مجموعاته التي سبق ونشرها وهي " قصائد أولى " 1965، ومساهمته في مجموعة مشتركة لشعراء البصرة بعنوان " تسعة أصوات " 1971، و " الانذار الأخير الى أزهار الحدائق " 1972، و " في حضرة المعشوق والعاشق " 1975،

يتميز شعر الشاعر شاكر العاشور على حس شعري ونزعة " شبابية ـ فردانية " تعزز بقاء الشعر وديمومته وتواصله في مواجهة التوجهات الثقافية الراهنة ..

شاكر العاشور شاعر من البصرة لم يغب ذكره عن الأنظار والشهرة ولم تغفله أقلام الدارسين ..

دراسة عن البريكان، و"البذرة والفأس"، تسامى الشاعر محمود البريكان نحو آفاق الأبداع والتحضر بنتاجه وشخصه اذ مثــّلا روح التطلع الحداثوي المتمدن في النسيج الثقافي العراقي من خلال تنقيبه في صبوات الروح وتراثها الانساني متمسكا بارادته الحرة التي لم يسمح لأحد أن ينازعه عليها متجاوزا ً الاطناب والبهرجة والتزويق متحصنا ً بعزلته الخلاقة ضد تزوير الحقيقة .

الشاعر محمود البريكان شاعر عراقي ولد في الزبير ـ البصرة وكان رائدا ً وأستاذا ً لجيل من الشعراء والأدباء، يؤكد الناقد "رياض عبد الواحد"

ان شعر البريكان أشبه بالبذرة الموضوعة في أحدى قصائده التي فيها أستقى عنوان كتابه، وهذه البذرة وهي تعيش في الداخل فأنها تأخذ منه كل شيء وتندفع بقوة ارادتها مخترقة تربتها لتكبر وتثمر وتكون ذات لحظة ما خاضعة لفأس الحطاب التي هي صلة التواصل والتقاطع في العيش بعجائبه المتعددة مرثية أو مخفية ومنها صلة الشعر بالشاعر وبالآخر لكونها محصلة الحياة النهائية .

قصص " ودود حميد " في " ممر الضوء " تعتمد الحبكة المنضبطة والسرد المتزن الذي ينأى عن الارباك والأرتباك والخسائر اللغوية الفائضة . مجموعة " ممر الضوء " قسمت على ثلاثة أقسام الأول بعنوان " البدايات " وتضمنت ثلاث قصص " بابا والعطار، والصبي الشجاع، والرجل والصحراء". والثاني بعنوان " ما بعد الرحيل " وأحتوى على قصص " مكمن السر، ورحيل النغم، وهستيريا الشك، وشيزوفرينيا "

أما الثالث بعنوان " تواصل " وأحتوى على أربع قصص " ممر الضوء، وتراكمات الرؤى المنطفئة، والنبتة والأغتصاب " .

عمد القاص الى تنقية شخصيات قصصه من أدران أجتماعية سائدة في الحياة العراقية ويبدو أنه على تماس وثيق مع شخصياته القصصية حتى أنه يعقد معها صداقة ومعرفة .

صدر للقاص رمزي حسن مجموعته القصصية "ذاكرة الزمن " قسمت المجموعة على قسمين :

الأول "قصص" والثاني "نصوص" . القاص رمزي حسن عمل على الأستفادة من طرفين هما، الذاكرة والزمن .. الذاكرة هي ذاكرته الشخصية وكذلك الزمن فهو زمنه وحده، ذلك الزمن الذي عاشه وشهد أحداثه وحاول هنا أن ينفض عنه غبار السنين لانقاذه من الضياع، كما يتجلى في " ذاكرة الزمن " عالم الذات بكل ما فيه من نكوص واستلاب كامن في الروح الانسانية وتتسم بالأقتصاد في السرد وعدم رتابة اللغة كونها سريعة الايقاع وانعدام التمدد في الزمن الفني .

لا تنحصر تجربة القاص " محمد سهيل احمد " الثقافية في توجهاته وممارساته السردية فحسب بل بدأ بالشعر، ونشر قصائده في الصحف (البصرية ـ العراقية) ثم توجه للقصة .. صدرت مجموعته القصصية الأولى " العين والشباك " مطبعة الرسالة ـ الكويت / 1985، والتي حضيت باهتمام بعض النقاد والكتاب العراقيين والعرب، ومجموعته القصصية الثانية المعنونة (الآن أو بعد سنين) التي صدرت بعد 20 عاما على صدور مجموعته، نلاحظ أن " محمد ةسهيل أحمد " كاتب قصة يتقن الصنعة وقصصه مشحونة بالتوتر، والسرد القصصي لديه يخضع لمعارفه وقدراته وخبراته المتراكمة في التكنيك الفني عند كتابته للقصة القصيرة .

صدرت مجموعته الثالثة "اتبع النهر" ـ 2012 عن أتحاد أدباء وكتاب البصرة .. " محمد سهيل أحمد" في القصة القصيرة ينحو اللا ثلاث مراحل، نرى أنه لا بد لكل قاص أن يمر بها وهي : برق الالتماعة الأولى أو الأنبثاق،  والخزن الذي قد يطول أو يقصر زمنيا ً، ومن ثم الأشتغال والمعالجة .

رواية القاص علي عباس خفيف " عندما خرجت من الحلم " تجاوزت فخ السقوط في الأيديولوجية وتجريدياتها وتوجهاتها " الدوكوماتية " وهو ما أعطاها بعدا ً فنيا ً وبذا كانت بعيدة بمنهجية، روائية، عن سلطة الأيديولوجية الملفقة وتحكم سلطة الوعي المنحاز، واسقاطاته، ويمكن قراءاتها اجتماعيا ً .وقد أعتمد المؤلف تكنيكا ً مغايرا ً لما هو سائد في البناء الروائي الذي يعتمد التأريخ مرجعية له من خلال تداخل السرد وعبر هيمنة الماضي كذكرى، وسطوة الحاضر كفعل الى الحد الذي لا يمكن الفصل بينهما دون تعسف أو افتعال ..

(ثقافة الجسد .. قراءة في السّرد النـّسوي العربي ) للناقد عبدالغفار العطوي، قراءات مختارة تتعلق بالمرأة وهمومها الخاصة التي تقف حائلا ً دون عيشها بسلام بلا تمييز جنسي وثقافي وبايلوجي يؤشر وضع المرأة العربية المعاصرة كما هي في الواقع العربي الذي تعيشه .

درس " العطوي "رواية " ثريا نافع " المعنونة " فضاء الجسد ـ بيروت "، وقصص القاصة " هيفاء بيطار " في مجموعتها " ضجيج الجسد ـ دمشق "، وقصص القاصة " وفاء عزيز أوغلي " في مجموعتها " غريبة فوق أهداب دمشق "، ورواية " حلم الليلة الأولى " لليلى العثمان، ورواية " مسك الغزال " لحنان الشيخ، ورواية " ذاكرة الجسد " لأحلام مستغانمي، ورواية " نساء المتعة " لمنيرة سوار .

فكتابات الكاتبات قد أنصرفت في كليتها الى عالم السّرد الذي قدمت عبره الكاتبات قضاياهن ولعلها أفضل طريقة يمكن أن تؤدي بالمرأة للدفاع عن وجودها وفعاليتها الانسانية ـ الثقافية .

جميع النساء في القصص مهمشات ومقهورات ومنبوذات ومقموعات ومحملات بمكابدات المرأة جسديا ً من خلال علاقتها بالرجل .

السيرة الحياتية والثقافية للكاتب والناقد والمخرج "بنيان صالح" فيها كثير من المواقف التي تعكس حضوره كانسان وكاتب ومثقف، نشر الكثير من الدراسات عن المسرح البصري ـ العراقي، وبعض المسرحيات العربية والعالمية في الدوريات والمجلات العربية وأهمها مجلة " الأداب " اللبنانية، وقد أثارت المقالات التي نشرها على صفحاتها ومنها " يوسف العاني .. العودة الى النبع " ودراسة مطولة عن مسرحية " مارا صاد " للكاتب المسرحي العالمي " بيتر فايس " أهتمام وثناء النقاد العرب الذين ثمنوا قدرته النقدية والتحليلية المسرحية . في بداية السبعينات سعى " بنيان " في البصرة بتشكيل جماعة يكون همها الأساس " المسرح " لمناقشة أفكاره ورؤاه وأساليبه التطبيقية، وساهم معه الناقد والكاتب المسرحي الراحل " حميد مجيد مال الله " و " كاظم عيدان لازم " و " عبدالوهاب النعمة " و " وعبدالصاحب ابراهيم "، بتأسيس جماعة " كتابات مسرحية ".وبذا يشكل " بنيان صالح " مع بعض زملائه صفحة مضيئة في التأريخ المسرحي في البصرة والعراق .

وتناول الدكتور" عباس الجميلي" الأستاذ في قسم المسرح ـ كلية الفنون الجميلة ـ جامعة البصرة ـ في كتابه المعنون " بنيان صالح .. والوثائقية الفكرية " تقديم الدكتور " سلمان كاصد " بالتحليل والدراسة السيرة المسرحية لـ " بنيان صالح " ككاتب ومخرج ومسرحي وكيف خط لنفسه تجربة واعية في مسار الحركة المسرحية العراقية ولكنه لم يأخذ نصيبه من الأنتشار المطلوب لمبدع مثله .

تناول الكاتب " جاسم العايف " أيضا  " بابلو نيرودا .. في البحر والأجراس " و "ما لا يدرك .. والصوت الذي يحدثه العالم " و " أحفاد العروس .. أشياء من السيرة وقصص قصيرة " و"صنعة السرد .. الصرامة والوضوح " و "عاصفة ماركيز .. وعواصف العراق" .

عشنا مع الكاتب " جاسم العايف "  في كتابه " سحر القراءة " الى قراءة لعدد من الكتب في أجناس أدبية متنوعة ، ورصده الحراك الثقافي ّ في مدينته " البصرة " خصوصا، وملاحقة أحداثه وما ينتجه من آثار بالعرض والمتابعة والاضاءة والتقييم ..

 

mohamadsaed samadiدشن الكاتب الشاب يوسف الحضري شبعة باكورة أعماله الأدبية بنص قصير أطلق عليه "صدى الذكريات نشيد الفقد" ويخوض في نصه الثاني"الشْريفة" تجربةَ السرد الروائي الذي يستلهم ماضي مدينته الساحلية الهادئة التي كانت تعيش على إيقاع سمفونيةِ نغميةِ التعايشِ والتسامحِ والتمدن الذي أكسب المدينةَ "طنجة" خصوصيةً الانفتاح والتحضر مع الأصالة والمحافظة.

تشكلُ "المدينة" في النص الروائي عنصرا مهما ورافدا أساساً يُثيرُ كثافة النص ويُوثقُ تفاصيل يوميات الناس وأعيانِهم؛ ويحفظُ اعتمادُ الروائيِّ هذا المكون/ المدينة في نصِّه، مادةً مهمةً من الموروث الشفوي، على مستوى الأسماء والكُنى، والدُّروب والأمثال والتعابير اللهجية المحلية ذاتِ الخصوصية النطقية بالمدينة القديمة وأهلها...

واختار شبعة لغة البوح بدل الصمت الذي جشا على زمن الطفولة البريئة، وكان الفقدُ واليتمُ سبباً لإحياء مكابدات ومعاناة ظلتا معاً تصنعان شابا سيعرف لاحقا لغةَ السرد وإحياء الذاتِ المفتقدةِ في ماضٍ أليم متعدد العوامل والجروح...

في روايته الأخيرة تحضر مفردة بقوة وفي مواضع ومواطن مختلفة، ولعلها تكتب نفسها دون إذن راقِمها، إنها مفردة الجوانية: جوانية نفسي، محروق بجوانيتي، ....هذه الجوانية هي التي فجرت طاقة السرديات في إبداع شبعة. ولما سأله أحدهم ذات مساء كيف يمكن للمرء أن يصبح روائيا، أجابه الكاتب: الأمر يسير أن يكون قد جرَّبَ اليتم.

رحيلُ الوالدِ والصبيُ بعدُ لم يتبين ملامح وجههِ كانت بداية القصِّ والحكيِ عند يوسف شبعة، لم يكن يدور بخلده يوما وهو صبيٌّ وناشئٌ وشابٌ أنه سيحتاج يوما لاستحضار هذا الماضي الدفين بكل جراحاته وآلامه ونواقصه على مستويات متعددة خاصة مستوى العواطف الأبوية واللمسات العائلية، والتي مع الأسف ستنعكسُ مآسٍ وأحوال وصعوبات، كان تغييبُ القدَرِ المحتومِ لِـ"الأب" عِلَّتها المفصلية. وهنا ستطفو على السطح شخصية الرواية وبطلة الأحداث "الشريفة" العجيبية الأم التي لن يجري حدث إلا وستجد إشارةً إلى لمساتها فيه وستتعدد وظائفها وستتعقد أكثر مع تعدد أطراف المتدخلين داخل السقف الواحد" الأطفال الصغار، الجدة يما رحمة، الأعمام بمختلفِ توجهاتهم ومسلكيات حياتهم التي وصلت حد العربدة عند بعضهم"...

هل يكتب لنا يوسف شبعة، نحن بقية البقية من جيل طنجة القديمة، ويُحيي فينا كوامنَ ماضينا القريب الأثيل القشيب، الهادئ الرزين؟ هل اختارهُ القدر بعد سنوات عجاف أن يسمُقَ عاليا وبهمة متيقظة، ليسد ثغرة من ثغرات السرد والحكي في تفاصيل المدينة القديمة؟ بلى إنه هو الشاب الطنجي الذي اختار طواعيةً قَدَرَ الكتابة؛ واختار أصعبها، أي إحياء التصوير الجمالي لتفاصيل المدينة القديمة دروبِها ورياضِها وغرساتها، وعوائدها وأسمائها وألقابِ ناسِها، ونُكتِها وحكاياتها ومروياتها الشفوية الشعبية المندثرة مع فتنة الهواتف الذكية وتطبيقاتها المثيرة...

1262 samad

جماية الوصف ودقته تأسر قارئ"الشريفة" وخاصة إذا كان القارئ قد تقلَّبَ في دروب المدينة القديمة، وعايش جزءاً من قاطنيها مسلمين وغير مسلمين، سيجدُ لا مَحالةَ صدقا وتوثيقا وتأثيثاً لمشاهد تصويرية برع يوسف شبعة في تركيبها وتوَفَّقَ في تدبيج إخراجها السردي. يقول مثلا وهو يتحدث عن تفاصيل هندسة بيت أندلسي من أصول يهودية:" قبالة محل عبد المجيد، بيت إندلسي جميل يعود ليهود الأندلس، سفرداي، بابه خشبية خضراء مهيبة مشقوقة واجهتها، شقتها الرطوبة، مقدسة المنظر، كأنها باب زاوية من الزوايا وليس بيت منزل، منقوشة نقشا يأخذ العين واللب معا، نقوش كالمتاهات، تعلو الباب نجمة داوود السداسية، بها دبابيس دائرية ذهبية على واجهتها، وكأن أمهر الصانعين اجتمعوا لنقشها تحت طلب سلطاني عاجل..."(ص82).

ومن مظاهر التعايش والتسامح بين ساكنة طنجة، نجد مقيمة أجنبية معروفة تسدد نفقة فقيه الحي، يقول السارد:" كانت (الكونديسا) تتولى بنفسها مصاريف المسيد، وهي التي تدفع للفقيه راتبه على رأس كل شهر. يجاور (المسيد/ قاعة تحفيظ القرآن الكريم ) مدرسة اسمها (عرب إسبانيول)" (ص46).

إن الكتابة في هذا اللون من السرد الروائي الموغل في تفاصيل المدينة القديمة وأناسها وعلائقها يجب أن يتمهَّرَ بين قوة اللغة والكلمة العربية الفصيحة المنتقاة بدقة ــ وقد عبَّر بنفسه في مناسبة سابقة بذلك ــ وبين اللهجة الطنجية الدارجة الممزوجة بالتداخل اللساني الإسباني، وهنا يكمن جزءٌ بارزٌ من النداوة والنضارة السردية؛ وهذا أضفى على النص خصوصيته وجماليته الأدبية...

تاريخُ طنجة في الآونة الأخيرة يغتني بسرديات متنوعة ــ مهما اختلف النقاد في تقويمها ــ أبدع فيها كتاب شباب شقوا طريقهم من دروب وعوائد ماضيهم الذي يبكونه تحررا مُزيفا وأسًى حزيناً يكاد يمسح ويمسخ ويطوي كل تفاصيل الحياة الهادئة الطيبة الساكنة على موائد كؤوس شاي أخضر ناصع في مساءات الربيع بفضاءات رياضات زاهية بمرشان أو دار البارود أو حتى مع متعة ضجيج رصيف كأس شاي "قهوة دْسنطرال"...

لاشك أن رواية" الشريفة" وما شابهها؛ تنتمي لجيل من الروايات التي تحفظ ذاكرةَ المدينة عند ناشئة اليوم والقارئِ الذي لم يُدرك قبسات من حِقبة هذه الأجواء الهادئة أحيانا والعاصفة أخرى، وكم يكون السارد مُبهرا جذابا حينما يتوفَّق في تشكيل ملامح وظلال مختلفة لمتناقضات الحياة، فلا يكبّ فقط على تسليط الأضواء على بؤر وعلَب ويتناسى مقامات ومواطن كثيرة تُشكل مُجتمِعًة حقيقةَ المدينة، وينتهي بالقارئ إلى تعرُّفِ قيم مختلفة يستطيعُ حسَبَ قوة الحكي ونبرته وسياقه وجوانيته، أن يُموقِعَ بنفسه هذه في قيمة الخير وتلك في قيمة الشر، وهكذا دواليك. ومن هنا يجوز القول إن يوسف الحضري شبعة أبى في مشروعه الحكائي إلا يُقدم مدينَتَه كما رآها وعايشها ورُوِيت له، في وجهها المشرق؛ وملمحِها التسكعي المشين...

 

د.ـ محمد سعيد صمدي/ طنجة

 

moamar habarأنهيت البارحة قراءة كتاب

Albert CAMUS « Misère de la Kabylie », Edition Zirem, Béjaia,  Algérie, 2016, contient 136 pages.

وأعترف أمام القارىء أني لأول أرى هذا الكتاب، ولأول مرة أقرأ لألبير كامي، وقد قرأت عنه من القليل من قبل، ومن سنن صاحب الأسطر التي يتبعها منذ عقود، أنه لا يعلق على كاتب أو كتاب إلا إذا قرأه، ومن هنا كانت هذه الأسطر.

الكتاب عبارة عن زيارة ميدانية قام بها صاحب الكتاب لمنطقة القبائل من 5 إلى 15 جوان 1939، ويضم 11 مقال بالترتيب وخاتمة.

تحدث عن الأوضاع الاجتماعية، والاقتصادية، والتعليمية، والصحية، والزراعية، والسياسية، والطرقات، والأمراض، والأوبئة، وضعف الأجور، والجوع، وطول ساعات العمل، والمسكن غير اللائق، وإنعدام الماء، ونقص الأطباء، وضعف تعلم النساء، وكاهل القروض التي ميّزت منطقة القبائل في تلك الفترة، معتمدا على أرقام قدمها وحلول يراها في - نظره - تناسب الوضع.

والبؤس الذي رسمه كامي كان موجودا يومها عبر كامل التراب الوطني، وربما بحدة أخف في العاصمة، وقسنطينة، و وهران باعتبارها مدنا كبرى، ويوجد بشكل أفضع ورهيب بكثير بالمناطق الداخلية كالونشريس مثلا.

ومن المصطلحات التي ظل يكررها كامي: الشعب القبائلي، قرية الأهالي، شعب الأهالي، حي الأهالي، مدارس الأهالي، تعليم الأهالي، الوطن القبائلي، دولة فرنسية وهو يتحدث عن منطقة القبائل، القضية القبائلية.

ومن الملاحظات التي لفتت الانتباه، أن كامي لم يحارب الاستدمار الفرنسي، ولم يدعو إلى طرد الاحتلال، والحلول التي قدمها هي حلول فنية تعالج الأمراض التي وصفها معالجة فنية وكأن الاستدمار ليس هو مصدر البؤس، والجوع، والجهل، والأوبئة، والأمراض.

ويبدو من خلال الصفحات أنه يدعو إلى تثبيت الاحتلال والإطالة في عمره من خلال بعض "الحلول" التي قدمها ليقترب الجزائري من المحتل أكثر، كـ: توزيع القمح، وفتح المدارس، وإصلاح الطرقات، وشبكة المياه، ومساعدة الفلاح بالقروض، وخلق فرص العمل، وتكوين مجالس بلدية، والرفع من إنتاج الزيتون، وتحسين طرق تجفيف التين، والسكن، دون أن يدعو ولو مرة واحدة إلى وقف الاحتلال، بل زاد في عمره وثبّته بمثل هذه "الإصلاحات" التي تغري يومها، وتعمي عن النظر في حقيقة الاحتلال.

وأثناء كلمته التي ألقاها في ستوكهولم بمناسبة نيله جائزة نوبل للآداب سنة 1957، كما هو منقول عبر صفحات 121-125، لم يذكر الجزائر ولو مرة واحدة. ولم يقدم الجائزة هدية للجزائر التي ولد فيها. فكيف يقال بعدها أن هذا الرجل "دافع" عن الجزائر وهو لم يذكرها ولو مرة واحدة بالإسم في أرفع الأماكن العلمية. وقد يقول قائل لقد أشار إليها تلميحا بقوله "حيث كبرت"، ونقول ليست هذه هي الجزائر إنما يتحدث عن "الجزائر الفرنسية !".

 

jafar jonخسرت حياتي، الكتاب الصادر عن دار سطور للطباعة والنشر، للكاتب  غالب حسن الشابندر، عند قراءة صفاحته الاولى، سيسوقك الكاتب الى ايام الكرادة الشرقية القديمة، ونضالها ضد النظام الصدامي، مبيناً دورها السياسي انذاك، ثم يعقد معك بروتوكولات رغماً عنك، منها عدم ترك القراءة، لانك وببساطة لا تستطيع مفارقة الكتاب لمدة تزيد عن يوم واحد، ليس لسبب ما، بل لان الكاتب اتخذ اسلوب في الكتابة، قد يكون غريب من نوعه، على الرغم من انني لا اتفق معه في العديد من ما كتب، لكن هناك امر مهم، واعتقد انه الهدف الاساسي لما يريد الكاتب توضيحه ونشره للعلن، بغض النظر عن المواقف والشخصنة العلنية التي صدح بها صوته، الا ان الكاتب سيحدثك عن ماهية الاحزاب العراقية، وكيفية تشكيلها والاساليب التي انتهجوها انذاك، معلناً انها شكلت على اساسات هشة جداً، ونحت منحى غير واضح، وسلكت طرق الفشل والانهيار التكتيكي فيما بعد.

 رأيت في الكتاب طريقة التأجيل في سرد الاحداث، على الرغم من انها غير متسلسلة، من الناحية الزمنية، وهذا ما قاله هو بنفسه، فمثلاً سيذكر لك بداية حادثة، ويؤجل الكلام عنها الى اجزاء بعيدة عن موقعها الاول، لكن هناك شيء  مهم جداً، ان مثل هكذا اساليب، قد ينتبه لها البعض، وقد تعطيك صلاحيات في الاجابة عن الاسألة، التي تدور حولك، مستطيعاً قراءة الاحداث  قراءة سريعة قبل الاطلاع عليها.

حسب اعتقادي ان الشابندر اراد تبرأة نفسه، وجعلها في دائرة الحياد، وعلى مسافة واحدة من الجميع، وهذا ما احسست به، عندما التقيته  قبل ايام في الكرادة الشرقية ليلاً، لكن الوقت كان قصير جداً لم يسعفني ان اسأله عن امور قد يشخصها الجميع، ولم يجيب عليها الكتاب حتى، وعلى كل حال فالكتاب مهم جداً، سيكشف لك العديد من الخفايا والشبهات، وفيه العديد من العناوين المبهمة، التي تحتاج الى تمعن في القراءة، كما وانه قد سلط الضوء على السياسات الخارجية في العراق، ومدى تأثيرها في صناعة العديد من الشخصيات السياسية، التي تقود مفاصل مهمة في الساحة العراقية اليوم.

 يقال ان الكتاب يقرأ من عنوانه، وقد يستطيع القارئ الحذق، ان يقرأ الكتاب قراءة ملخصة، ويعرف ما ورائه، كذلك الصورة التي وضعها على تصميم الغلاف، والتي تدل على الخسارة فعلاً، وذلك لما تحمل تقاسيم شكله من معاني الندم والخسران.

 

جعفر جون

 

1040 mamdohعن دار بتانة للنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية (هفوات صغيرة لمغيِّر العالم) للكاتب ممدوح رزق. تقع المجموعة في 94 صفحة، وتضم 31 قصة قصيرة كُتبت على مدار الثلاثة أعوام السابقة.

من سطور الغلاف الخلفي للمجموعة: "لكن البقاء في البيت لن ينقذني من تلك اللحظات النادرة التي أخرج خلالها فأجدني دون انتباه أحاول تبادل دعابة صغيرة مع بائع الجرائد مثلما كنت تفعل مع العامل أمام ماكينة عصير القصب في ظهيرة الثمانينيات.. لن ينقذني من تجهم بائع عصير القصب الذي امتد عبر ثلاثين سنة ليستقر في وجه بائع الجرائد.. لن ينقذني من الحرج النادم الذي كان يخفض رأسك وأنت تسير مبتعدا، كأنك تحاول تثبيت إيمانك بأن طعم القصب هو كنزك الوحيد من الدنيا مثل صفحات القصص القصيرة التي أعود بها إلى منزلي.. البقاء في البيت لن ينقذني من احتضارك وموتك يا أبي".

ممدوح رزق كاتب وناقد مصري. صدرت له العديد من المجموعات القصصية والشعرية والروايات والمسرحيات والكتب النقدية كما كتب سيناريوهات لعدة أفلام قصيرة. حصل على جوائز عديدة في القصة القصيرة والشعر والنقد الأدبي. ترجمت نصوصه إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية. ويستعد لإصدار كتابه النقدي الجديد (هل تؤمن بالأشباح؟) الذي يتضمن قراءات في كلاسيكيات القصة القصيرة.

moamar habarلأول أرى وأشتري وأقرأ كتاب "عائشة الصديقة بنت الصديق"، لعباس محمود العقاد، الطبعة الأولى، دار الصحوة، القاهرة، مصر1437 هـ - 2016، من 98 صفحة. وجاء في الفصل المعنون بـ " المرأة العربية"، صفحات 3- 13، أن قبيلة بني تيم من أفضل القبائل في احترام المرأة، وكانت تقوم على الخصال والمكارم وليس على البأس والإكراه، وهي القبيلة الني نشأ فيها سيّدنا أبي بكر رحمة الله عليه ورضي الله عنه وأرضاه أب سيّدتنا عائشة أم المؤمنين، رحمة الله عليها، ورضي الله عنها وأرضاها. وقد عرف عن سيّدنا أبي بكر احترامه للمرأة وغيرته على بناته، ومنها أمنا عائشة. وتعلمت أمنا عائشة القراءة والكتابة التي لم يكن يتعلمها من نجباء الأبناء في بيوت السادة إلا القلة المعدودة.

وفي الفصل المعنون بـ "المرأة المسلمة"، صفحات 15- 20، جاء فيه أن الإسلام جعل احترام المرأة عام يشمل كل النساء وليس للأحرار والسيدات فقط. والإسلام جعل البر بالمرأة مقياس المفاضلة بين أخلاق الرجال، وعنوان المنافسة في طلب الخير والكمال. وكان بره صلى الله عليه وسلم بمن مات من أزواجه أكرم من بره بمن يعشن معه ويراهن كل يوم، حتى أن أمنا عائشة تغار من أمنا خديجة وهي في قبرها أشد من من غيرتها من زوجاته اللواتي يعشن معها في كنفه، لأنها نشأت في قبيلة تيم الذين اشتهروا بلطف الرجال ودلال النساء، وقد لقيت أمنا عائشة عند سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحظوة التي لم تلقها واحدة من النساء.

وفي الفصل المعنون بـ "المرأة الخالدة"، صفحات 21- 30، يقول: إجتمعت لأمنا عائشة خلاصة الرعاية في آداب أمة من الأمم، وكتبت لها خلاصة الرعاية في دين من الأديان والتي اشتركت في سيرة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقلت أحاديثه، وهي التي تلقى الأعقاب عنها مئات الأحاديث التي عرفوه بها في دينه ودنياه. وغيرة أمنا عائشة عادية جدا كشأن جميع النساء. وكان غضب النبي من غيرتها غضب تأديب وتهذيب لا غضب سخط وتأنيب. وأمنا عائشة هي تلك المرأة المعجبة بأنوثتها، والزوجة المعجبة بزوجها، والتي تغار وتتزين له، وهي حواء التي تحب أن ينظر زوجها إلى زينتها، وهي أم المؤمنين التي تحب أن ينظر الله إليها، فهي تطمح إلى زينة أعلى وأغلى.

 وفي الفصل المعنون بـ "عائشة"، صفحات 31- 43، يقول: كانت موفورة النشاط كأبيها وكانت حادة الطباع كأبيها، لكن لم تلازمها الحدة كما لازمت أباها لحاجة إليها في سياسة الناس. وقد سامحت سيّدنا حسان بن ثابت حين عاتبها في حادثة الإفك، ما يدل على مكانتها وأنها لا تحمل الضغينة لأحد. وكرم أمنا عائشة أقرب إلى النجدة منه إلى السخاء، وفيه آمال من أبيها العظيم. وكانت تشتري وتعتق المرأة المظلومة. واشتهرت بالكرم والإحسان إلى مستحقيه، وقد كانت بنت أبيها في أكثر من خصلة واحدة. وأكثر ما نقلت عن أبيها الصدق، ولم تنقل حديثا مشبوها، وكانوا يروون عنها الأحاديث ويقولون: حدّثتنا الصديقة بنت الصديق. وشابهت أباها في الذكاء المتوقد والبديهة الواعية. والحفظ والفهم ملكتان معروفتان للسيدة عائشة. وروت أكثر من ألف حديث، ومما يروي الثقات أنها كانت تحفظ وتفقه وتفسر. ولا ريب أنها كانت تقتدي بأبيها في حفظ الأخبار والأنساب. و قد عرف المسلمون الكثير من أمر نبيهم وأمر دينهم من أحاديث أمنا عائشة عن زوجها المحبوب صلى الله عليه وسلم. وكانت شغوفة باستطلاع أحوال الأمم كافة. ومن أعظم المصائب التي أصابت المسلمين بعد إلتحاق سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هي مصيبة موت أمنا عائشة.

وفي الفصل المعنون بـ "زوج النبي"، صفحات 45- 66، يقول: خطب سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنا عائشة وهي ما بين 12 و15 سنة، وقد خطبها من قبل جبير بن مطعم وكان يومها على شركه. وحدثتنا أمنا عائشة عن تفاصيل حياتها، لكنها لم تحدثنا أبدا وحشة الانتقال من بيت إلى بيت ومن معيشة إلى معيشة، ومن ظل أبوين إلى زوج. وكان الصحابة يؤخرون هداياهم إلى سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يكون في بيت أمنا عائشة. وكانت سيّدتنا فاطمة رحمة الله عليها ورضوان الله عليها تحب أمنا عائشة، لأن سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب عائشة، وهي تحب ما يحب الأب. وكانت أمنا عائشة أشد غيرة عرفتها امرأة على زوجها. ومرد روايتها لأحاديثه صلى الله عليه وسلم إلى أنه أكثر تحدثا إليها وارتياحا إلى مجالستها ومسامرتها. وكان سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهيؤها أن تكون سفيرة لأبناء المسلمين والعالمين. وأصبحت تعي من سنن النبي في المسائل النسائية وغير النسائية حتى احتاج الرجال أن يسألوها. ولم تكن تسكت عن سنة مطلوبة ولو كانت من أخص الأمور التي تسكت عنها النساء، لأن سكوتها حينها ضياع للدين. وتجيب وتفصّل في السنن لأنها فريضة الأمانة وضريبة الوفاء.وكانت من أسعد الزوجات، وغضب رسول الله منها إثر حادثة الإفك كان غضب عادي لأنه كان يغضب من نسائه. وحادثة الإفك لم يكن لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أمنا عائشة دخل فيه، إنما كان ابتلاء للحب الذي جمعهما وعطفه صلى الله عليه وسلم عليها. وحب سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها عوّضها نقص الولد فلم تعد تطلبه، وحرمانها الولد لم يؤثر على علاقتها الزوجية. وعلاقة أمنا عائشة بسيدتنا فاطمة الزهراء على أكمل ما ترضاه السجية، فالسيدة عائشة والسيدة فاطمة شريكتان في قلب واحد ولكنها شركة بين كريمتين. فالصلة بين أمنا عائشة وقرابة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت صلة الأدب والتجمل والمجاملة.. وحفظت من سنن النبي وتعليم النبي مالم يحفظه أحد، وحفظ عندها النبي أغلى الودائع من بعده: صحف الكتاب وسنته المشروعة لتابعيه.

وفي الفصل المعنون بـ " بعد النبي"، صفحات 67- 70، يقول: عاشت أمنا عائشة 10 سنوات مع سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم و 46 سنة بعد التحاق سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، وماتت في السبعين من عمرها، ودفن سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها وفي زيارتها، وفي المكان الذي كان ينام فيه. وقد كانت تزوره زيارة الأحياء وكذلك حين توفى سيّدنا أبي بكر وحين دفن سيّدنا عمر، ولبست الحجاب حينها وهي تزوره. وكانت المرجع الأول فيما حفظ من آي القرآن والأحاديث والسنن. وكانت في حدة نفسها ورفعة مكانها لا تقبل الفراغ. وكان الخليفة أبي بكر يدعوها بأم المؤمنين.

وفي الفصل المعنون بـ " في السياسة العامة"، صفحات 71- 88، يقول: رفضت أمنا عائشة بعد التحاق سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى أن تعيش الفراغ، لأنها كانت لها حدة نفس ورفعة مكانة لا تقبل الفراغ. ونشأت عزيزة في أهلها وذويها، عزيزة في بيت أبيها، عزيزة في أعز البيوت العربية بعد زواجها. كانت تنكر الثراء المتزايد على الصحابة الأجلاء. لجأ إليها كبار الصحابة كما كانوا يلجؤون إليها في العلم والحديث والفتوى. وكانت تنتقد علانية الوضع في عهد سيّدنا عثمان. وبنو أمية قتلوا أخ أمنا عائشة محمد بن أبي بكر حين دخلوا مصر ومثّلوا به أبشع تمثيل وجعلوه في جوف حمار ميت وشووه. واضطرت إلى الدخول إلى معترك السياسة. وسيّدنا علي يناديها: أي أمه، وأمنا عائشة تناديه: أي بني. وكانت كلما خاض الناس في حديث الجمل تبكي حتى تبل ثيابها. وكانت تقول عن سيّدنا علي إنه صوام قوام، وإنه أحب الناس إلى سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بقيت الإشارة أن صاحب الأسطر احتفظ في مسودته بجملة من الملاحظات السلبية والإيجابية حول طريقة عرض العقاد للتاريخ وللشخصيات، كان ينوي في البداية أن يطرحها، لكن في الأخير فضل تأخيرها إلى حين.

 

معمر حبار 

الشلف - الجزائر

 

 

adnanhusan ahmadصدر عن "دار الفارابي" ببيروت كتاب جديد للدكتور حسن البياتي يحمل عنوان "مقدمات وإشارات تعريفية بآثار إبداعية ومعرفية"، وقد وزّع الباحث موادَ كتابه على قسمين أساسيين وهما "الآثار الإبداعية" وعددها 16 أثرًا، و"الآثار  المعرفية" التي بلغ عددها 12 أثرًا. وعلى الرغم من غِنى هذه المقدمات وكثافتها إلاّ أنها لا تعوِّض المتلقي عن قراءة النصوص الأصلية. فأي مقدمة مهما اتسعت لا تمثل إلاّ العُشر الناتئ من جبل الجليد، أمّا التسعة أعشار فتظل غاطسة في الأعماق وتحتاج إلى قارئ عضوي يتجشّم عناء الغوص والمغامرة والاستكشاف. لا تحتاج أي مقدمة مُحْكمة سوى أن تضع القارئ في الفلك الذي يدور حول ثيمة الكتاب، والغاية الأساسية التي دفعت مؤلفه لإنجازه، وكلما كانت المقدمة موجزة، ومستوفية لشروطها كانت الفائدة أعمّ وأشمل لأنها تضمن بقاء القارئ في المدار الصحيح الذي يتمحور حول الفكرة المركزية لأي عمل إبداعي أو معرفي.

يحظى الجانب النثري في القسم الأول من الكتاب بحصة الأسد فهناك روايات، ونوفيلات، وقصص ومسرحيات، وحكايات أسطورية، وبالمقابل هناك جانب شعري يرصد عددًا من الأشكال والمضامين الشعرية المتنوعة، كما لا يخلو هذا القسم من إلتماعات نقدية يمكن تلمّسها في غالبية هذه المقدمات. لو تفحصنا المقدمة الأولى التي كتبها عن رواية "أولئك الذين تحت" للروائي المكسيكي ماريانو أثويلا Azuela لوجدناها طويلة مُسهِبة لم يُمسِك فيها البياتي بالفكرة المهيمنة التي يتردد صداها على مدار الرواية، كما أن ترجمة العنوان ضعيفة لأنها تخلو من الإشراقة المجازية التي تمنح النص هيبة إضافية. بينما يحيط البياتي في "طيور الشمس" بالثيمة الرئيسة للنوفيلا التي كتبها الروائي الروسي نيكولاي بالايف، ويدحض لنا بالدليل القاطع أن طيور الشمس الجاثمة في موطن الأسرار الخفية "لا تشتّي، بل تغادر مكانها، وتطير مُهاجرة إلى الجنوب"(ص29).

يركِّز البياتي في مقدمته التي كتبها عن رواية "زَبَد الحديد" للروائي الروسي إيفان أوخانوف على بطل الرواية الذي عاد من الجبهة فاقدًا لنعمة النطق والسمع إثر انفجار هائل لكنه لم يفقد حيويته، فقد ظل حدّاد القرية وحصّادها وبنّاءها في آنٍ معا. أما نوفيلا "الحاجز" للروائي البلغاري بافل فيجينوف Vezhinov إضافة إلى "الحِرْذَون الأبيض" و "الأبعاد" فتحمل نكهات غير مألوفة، كما يذهب البياتي، ويضيف بأنها تمزج "الواقع بالخيال، والمعقول باللامعقول، والحقائق العلمية بالتصورات الميتافيزيقية"(ص41). يؤكد البياتي بأن فيجينوف يستعمل الفنتازيا كأسلوب فني يُثري العمل الإبداعي.

تتكئ نوفيلات فاديم شيفنر الثلاث وعلى رأسها "اللغز المغلق" على الفنتازيا، وتعتمد على الخيال العلمي الواسع، آخذين بنظر الاعتبار أن هذا الروائي الروسي يميل في كتاباته إلى التحليل العميق لأمزجة الناس وسلوكهم وطباعهم. أما الروائي الأوزبكي فلاديمير باراباش فيكتب نصوصًا تعليمية غير مباشرة لكنها مفعمة بالتشويق وروح المغامرة. تتجلى الثيمة واضحة في مسرحية "لا تقلقي يا أمي" للجورجي نودار دومبادزه حيث يأتي تيموراز مع جده إلى "تبليسي" لتأدية امتحان القبول في كلية الطب لكنه يفشل فيمكث في العاصمة بينما يعود الجد إلى القرية خجلاً من هذا الحفيد الذي خيّب ظنّه. ثمة مسرحيات أخرى انضوت تحت عنوان "سوق الطيور" لكَريكَوري كَورن وأركادي أركانوف تتسم بالفكاهة لكنها لا تخلو من العنصر التراجيدي فضلاً عن نفَسها الانتقادي لظواهر اجتماعية في الحقبة السوفيتية.

تتضح اللمسة النقدية للبياتي في مقدمته التي كتبها لديوان "باب اليمن" للشاعر سالم عوض رموضة حيث توقف عند بعض السمات الشعرية في تجربته مثل بساطة التعبير، ووضوح الفكرة، وسلاسة اللغة . كما تكتمل صورة الناقد في مقدمته لكتابه الموسوم "وجوه بصرية" الذي كتب رباعياته على بحر عَروضي واحد هو "الرَمَل"، أما الشكل الشعري فهو "التفعيلة" وقد التزم الشاعر القافية في الرباعيات جميعًا مع استثناءات محدودوة عاد فيها إلى نظام الشطرين.

تكمن أهمية هذا الكتاب في تنوع أجناسه الأدبية التي أشرنا إليها آنفًا، وها هو الباحث يتوقف من جديد عند كتاب "حكايات أسطورية من جزيرة القرم" الذي يضمّ بين دفتيه 34 حكاية مجهولة ما عدا حكاية واحدة كتبها مكسيم غوركي. وكالعادة فإنها تتسم بالعفوية، والعجائبية، والمبالغة لكنها محبوكة ضمن أنساق جمالية وفنية.

تتسم بعض المقدمات بقِصرها وكثافتها لأنها مخصصة لبعض المجلات والدوريات العراقية مثل "الثقافة الأجنبية"، "وآفاق عربية"و "صوت الجامعة" التي احتفت بنشر نتاجات أدبية مُترجمة مثل "قصائد حُب" للشاعرة الأرمنية سيلفا كابوتيكيان، وخمس قصائد للشاعرة البلغارية ليليان ستيفانوفا، وقصيدة "آثار على الرمال" للشاعر الروسي سيميون كيرسانوف حيث تشترك الأولى والثانية بحب الوطن وتمجيده، فيما يتصف الثالث بحذاقة لغوية خفّت حدّتها بمرور الزمن لكنها ظلت موشحة بموتيفات فلسفية ووجدانيةلافتة للنظر.

مثلما فاجأنا الشاعر حسن البياتي بالجيولوجي نيكولاي بالايف الذي تألق في "طيور الشمس" رغم أنه ليس كاتبًا متفرغًا، ها هو يفاجئنا ثانية بميخائيل تشيكوف، الشقيق الأصغر لأنطون تشيخوف، القاص والمترجم الذي كتب قصة "الإثم" التي لا يمتلك القارئ سوى أن يتعاطف مع مضمونها الإنساني الذي يدعو إلى الخير والمحبة.

أما القصة الأخيرة فهي "إبريق الشاي" للكاتب الروسي يوري كوفال الذي حقق شهرة واسعة في أدب الأطفال لما يتوفر عليه من أسلوب تهكمي يذكِّرنا بالسخرية التشيكوفية اللاذعة.

يقتصر القسم الثاني من الكتاب على 12 مقدمة بعضها لأبحاث وكتب بقلم المؤلف، وبعضها الآخر لباحثين آخرين حيث يدرس البياتي بعض "المواقف المناوئة للحرب في الشعر الجاهلي"، فهناك شعر جاهلي يندد بالمناوشات، ويستهجن الحروب ليصل الباحث في خاتمة المطاف إلى وجود شعر جاهلي يعكس روح المحبة والسلام.

يدرس البياتي ويحقق في رسالة شاهد عيان و"قصيدة بصرية" تتمحور على حصار مدينة البصرة من قِبل عساكر العجم الذين بطشوا بالمواطنين الأبرياء، كما تصور القصيدة دفاع البصريين عن قلعة مدينتهم طوال مدة الحصار الذي دام أربعة أشهر. وبما أن القصيدة مكتوبة باللهجة العامية، وتنتمي إلى الفترة المظلمة فلاغرابة أن تكتنفها الأخطاء اللغوية والعروضية.

ينطوي الكتاب على إشارات تعريفية أيضًا فأحد أبحاث الدكتور الروسي فيكتور ليبيديف مكتوب بقلم الباحث نفسه الذي يتحدث عن "قصة مجهولة في التراث الشعبي العربي في القرون الوسطى" وهي قصة "طلحة وتحفة" وثمة قصة حب أخرى يعتقد الباحث أنها مجهولة وهي قصة "الوليد وسلمى"، بينما يثبت البياتي عكس ذلك، فالقصة الأولى نُشرت عام 1956 في المجلد الأول من كتاب "الحكايات العجيبة والأخبار الغربية"، والثانية كانت في طريقها إلى الملجد الثاني.

ثمة دراسات أدبية ثلاث كتب الباحث مقدمتين لإثنتين منها وترجم المقدمة الثالثة التي كتبها سانتوس نفسه حيث يتناول في الأولى "أدب الشباب" الذين برزوا في النصف الثاني من القرن العشرين. أما الدراسة الثانية فهي مكرّسة لتطور الأدب الفليبيني منذ نشأته حتى الوقت الحاضر. فيما تتمحور الدراسة الثالثة على الأدب الآسامي- الهندي. هناك مقدمة وافية لكتابي "رسائل ثقافية" و "كتبوا عني"، وثمة مقدمة مهمة عنوانها "الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر"، إضافة إلى المقدمة الأخيرة التي كتبها البياتي عن "ريادة المستشرق كراجكوفسكي في دراسة الأدب العربي الحديث". الذي أثبت أن هناك أدبًا عربيًا حديثًا يستحق الاهتمام"(ص251).

 

عدنان حسين أحمد

 

haseeb shahadaرفائيل بولس بولس، كفرياسيف بين أصالة الماضي وروعة الحاضر، طبعة ثانية جديدة مُنقحة ومزيدة. أيار ٢٠١٢، كفرياسيف: طبع في تخنوجراف، وجدي حمزة، 4828369-050، ٤٣١ ص.، وزهاء المائة صورة لشخص، لمكان، لوثيقة، أمّا الطبعة الأولى فكانت قد صدرت في تشرين الأول من العام ١٩٨٥، عكا: مطبعة رحمون، وكان ذلك من إصدار قسم المعارف في مجلس كفرياسيف المحلي، ٢٨٥ص.

إنّ إصدار مثل هذه الكتب عن مدن وبلدات وقرى فلسطينية بعامّة، وداخل الخطّ الأخضر بخاصّة، لأمر في غاية الأهمية قوميًا وتاريخيًا وثقافيًا، من أجل إثراء الذاكرة الجمعية والحفاظ عليها على مرّ  العصور والأجيال. قد يكون هذا الكتاب الضخم  قيد المراجعة، من أوائل هذه المؤلّفات، وحبّذا السيْر في الطريق ذاته، إذ أنّ السِّيَر الذاتية والذكريات أو المذكّرات رغم أهميتها، لا تفي بالهدف الجمعي المنشود. في أسفل الغلاف المقوّى الأيمن، أُثبتت هذه القطعة الشعرية اللطيفة للمؤلِّف بولس، وهي مقتطعة من قصيدة، يرثي فيها رئيس مجلس محلّي كفرياسيف، ينّي قسطندي ينّي (١٨٩٥-١٩٦٢ ورئيس من عام ١٩٣٤وحتى وفاته؛ هنالك كتيّب بهذا الخصوص، لا ذكر له عند بولس وهو: نمر مرقس، يني قسطندي يني ١٨٩٥-١٩٦٢، رئيس مجلس كفرياسيف المحلي ١٩٣٤-١٩٦٢ ورئيس الجبهة العربية الشعبية ١٩٥٨-١٩٦٢، مجلس كفرياسيف المحلي ١٩٨٧، ٥١ ص.)

                  ”لا تدعوا الشمس في بلدي تغيب

                  بل دعوا الهلال يعانقه الصليب

                  واجعلوا الطير حبيبًا للشجر

                  ليصدح الصادي ويشدو العندليب“

تتوزّع صفحات هذا الكتاب شِبه الموسوعي على اثني عشر بابًا رئيسيًّا، بدون ذكر أبواب فرعية وما أكثرها، وبدون إحالة للصفحات (أنظر ص. ٤٣٠) وهي: كفرياسيف عبر التاريخ ص. ١-٦٠؛ الوضع الجغرافي ص.٦١-٨٤؛ السكان ومصادر الرزق، ص. ٨٥-١٨٨؛ طرق المواصلات ووسائل الإعلام والاتصالات، ص. ١٨٩-١٩٤؛ الحكم المحلي، ص. ١٩٥-٢١٧؛ نهضتنا الأدبية العلمية الفنية والرياضية، ص. ٢١٩-٣٠٤؛ الأماكن المقدسة ورجال الدين، ص. ٣٠٥-٣٣٣؛ المرأة في كفرياسيف ومركزها الثقافي، الاجتماعي والسياسي، ص. ٣٣٥-٣٥٠؛ حركات ولجان وجمعيات أهلية وعامة، ص. ٣٥١-٣٦٤؛ شؤوننا الصحية، ص. ٣٦٥-٣٧٠؛ كفرساويات، ص. ٣٧١-٣٩٠؛ أحلى الكلام، ص. ٣٩١-٤١٧. من عناوين الفصول الفرعية للباب الأّول فقط ننوّه بـ: كفرياسيف موطن القمر، ٤-١٤ (كفر سين/ياسين = كفر القمر؛ وفي هذا نظر)، كفرياسيف العاصمة، ١٥-٢٠، كفرياسيف وثورة ١٩٣٦، ٢٠-٢٣، ثورة عكوز، ٢٣-٢٥، أّول حريق متعمّد من السلطة، ٢٦-٢٧، كفرياسيف عشية الاحتلال الإسرائيلي سنة ١٩٤٨، ٢٨-٣٠، سقوط كفرياسيف سنة ١٩٤٨، ٣٠-٣١، نظام الحكم العسكري، ٣٢-٣٤، النشاط الحزبي والنقابي، ٣٤-٣٩، جبهة كفرياسيف الديمقراطية للسلام والمساواة، ٤٠-٤٣، شخصيات هامة زارت القرية، ٤٣-٤٧، حادثة الرابع عشر من نيسان سنة ١٩٨١، ٤٧-٥٠، باب الأوائل، ٥١-٥٦. لا ريب في أنّ إثبات عناوين مثل هذه الأبواب الفرعية أو الثانوية، تسهّل على القارىء الوصول إلى مبتغاه، وخصوصًا في غياب الفهرست. 

اعتمد المؤلّف السيّد رفائيل (رفّول) بولس بولس، حامل الشهادة (أفضل من  لفظة ”اللقب“ إذ هو انعكاس calque للفظة  תואר وهو غير مفهوم في الدول العربية) الجامعية الأولى في اللغة العربية وآدابها، وتاريخ الشرق الأوسط من جامعة حيفا عام ١٩٨٢(عمل مدرسًا ومرشدًا لموضوع الموطن مدّة طويلة، ومديرًا للمركز الثقافي في كفرياسيف بين السنتين ١٩٧٢-٢٠١١)، في إعداد هذا العمل الهامّ، على نوعين من المصادر، المكتوبة والشفوية. في المصادر المكتوبة بالعربية هناك ذكر لـ ٢٥ كتابًا، وتسع كرّاسات و ١١ من صحف ومجلات ومنشورات وتقارير ورسائل؛ في المراجع العبرية هناك ٢٩ مصدرًا؛ وفي المراجع الأجنبية ذكرت عشرة مراجع. في المصدر الشفوي اتّكأ بولس على ما جمعه من معلومات وآراء وذكريات من خلال مقابلاته لسبعة وستّين شخصًا، منهم ثلاث عشرة امرأة (حبّذا إدراج الأسماء وَفق اسماء العائلة، كما هي العادة في الأبحاث، والأمر ذاته ينسحب بصدد قوائم المراجع المكتوبة، كما أنّ لذكر العمر أهمية، ص. ٤١٧-٤١٩). ويجدر هنا التنويه بثلاثة مصادر هي بمثابة مفكّرات وهي: بقلم الخوري أنطونيوس (المعروف بطنّوس) عبد الله خوري، كفرياسيف ١٩٤٥؛ فوزي عبد الله خوري، كفرياسيف ١٩٦٢ ومبدا عيسى فرحات، مذكرات ثورة عام ١٩٣٦، بدون تاريخ. أرى أن هناك فائدة في إصدار مثل هذه المفكّرات بعد تدقيقها لغويًا،  وحبذا لو سعى المجلس المحلي لتحقيق هذه الأمنية وبيع النسخ المطبوعة، لا توزيعها مجانًا، ومن ثمّ تخصيص ميزانية لنشر ما يكتب عن كفرياسيف.

لا  شكّ أن السيّد رفول بولس قد قام بجهد مُضن مشكور، وأمضى وقتًا طويلًا في إعداد هذا الكتاب عن بلدة، تستحقّ مثل هذا الجهد وهذا الوقت وأكثر. كفرياسيف، هذه البلدة الجليلية العريقة، يعود تاريخها إلى حوالي خمسة آلاف عام، إلى الحقبة الكنعانية الفينيقية؛ وقد ذكرت في العهد القديم في سفر يهوشع ١٩: ٢٩ تحت اسم חֹסָה أي حوسه أو حوصه بمعنى الملجأ، وقد وردت في الترجمة اليونانية  السبعينية Septuagint بلفظة ”يسف“، وسمّاها المؤرخ اليهودي يوسيف بن متتياهو المعروف بيوسيفوس فلاڤيوس (٣٧/٣٨-١٠٠م) باسم ”عكّا“.  في الأدب اليهودي الربّاني أُطلقت هذه الأسماء: ياسيف، يسوف، كفار يشيب، كفار يتصيب. وُجد في كفرياسيف نقش باليونانية، يشكر فيه ديئودوتوس بن نيئوفطوموس، باسمه وباسم زوجته وأولاده، إلهين سوريين، هما هدد/حدد/أدد وعترجته ويقيم على شرفهما مذبحًا (على ما يبدو في منتصف القرن الثاني ق.م).

أُسس في كفرياسيف أوّل مجلس محلي في فلسطين، وكان ذلك في الأول من تشرين ثان عام ١٩٢٥، بأمر من المندوب السامي آنذاك،  كولن تشارلز بلومر (١٨٩٥-١٩٧٣, Colin Charles Blumer)، وشمل سبعة أعضاء، ومن ضمنهم الرئيس الذي كان يعيّنه حاكم اللواء (أنظر صورة فوتغرافية لوثيقة التأسيس، ص. ٢١٧) ينتخبون لمدّة سنتين من الذكور البالغين عشرين عامًا فما فوق برفع اليد (سأنشر هذا الأمر/المرسوم قريبا). كما وتمتاز كفرياسيف بمدرستها الثانوية العريقة، مدرسة ينّي ينّي، التي خرّجت، وما زالت تخرّج الأجيال تلو الأجيال، وتتبوّأ كفرياسيف مركزًا مرموقًا، من حيث نسبة الأكاديميين فيها. في الفترة العثمانية تركّز اقتصاد القرية على زراعة الزيتون والقطن. سكن القرية في أواخر القرن التاسع عشر ما بين ٣٥٠-٦٠٠ نسمة، ربعهم من المسلمين والباقي أرثوذكس، في العام ١٩٢٢ وصل العدد إلى ٨٧٠ نسمة، وفي العام ١٩٤٥ إلى ١٤٠٠، ٣٥٠ مسلمًا و ١٠١٠ مسيحيين و٤٠ درزيا.  مساحة البلدة ٢٥٦٠ دونمًا، أراضيها ٦٨٦٠ دونما، مسطّح البناء ١٨٦٠ دونمًا، وعدد سكّانها زهاء العشرة آلاف.                                                     

كلّ ذي تجربة في إجراء أبحاث ميدانية، تعتمد جزئيًا على استبيانات يرسلها الباحث للمعنيين،  يعي جيدًّا مدى صعوبة الأمر في مجتمعنا العربي. التجاوب، في الغالب الأعمّ، يكون، في تقديري المتواضع، ضئيلًا وغير مشجّع، وآمل أن يكون السيّد رفّول قد كان محظوظًا في هذه الجزئية (أنظر نداءه على ص. ٥، ٢٩٤، للأسف لم يصلني ولم ينمُ إلى مسامعي، ولذلك فاحتمال ظهور عدم الدقّة يكون قائمًا في حالات معيّنة). هذا الواقع قد يفسّر الإسهاب في مواضعَ معيّنة والاختصار في حالات أخرى لشُح في المعلومات. قد يختلف بعض الكفارسة وبعض المختصّين حول نقاط معيّنة وردت في الكتاب، مثل سبب تسمية كفرياسيف بهذا الاسم، فالرأي السائد هو على اسم المؤرخ اليهودي يوسيف بن متتياهو المعروف  بيوسيفوس فلافيوس، الذي تسلّم البلدة هدية من القيصر إسپسيانوف؛ في موضوع الأوائل، تاريخ وجود اليهود في البلدة (ص. ٨، أنظر http://www.e-mago.co.il/Editor/history-3180.htm، http://www.news1.co.il/Archive/0024-D-117132-00.html) ؛ ينّي ينّي أطلق على نفسه اسم أبي محمد لحماية نفسه من الثوار، ص. ٢٤؛ وصول عدد اللاجئين في قرية يركا عند الاحتلال إلى ١٦ ألف نسمة، ص. ٣٠، قائمة انتقائية على الصفحة ٢٢٥  إلخ. إلخ. عصام حليم شحادة الكفرساوي هو أوّل من أجرى زرع كلى في لبنان في سبعينات القرن العشرين، وزوجته هي لميا رستم شحادة.  وهذا الاختلاف أمر صحّي وطبيعي فالمصادر مختلفة وطرق التحليل والتفكيك والاستنباط لدى الناس متباينة في الكثير من الأحيان. إمكانية الاختلاف والنقد البنّاء يجب ألا يٌُفسدا للودّ قضية، إذ أنّ الكلمات الفضفاضة والمديح المطلق والضحالة وما أكثرها، هي بمثابة آفة في المجتمع العربي ينبغى استئصالُها. في النقد العلمي لا مكان للمجاملات واللهث وراء التصفيق الرخيص. وقد دهُشت عند قراءتي بأنّ فاضل عبد النبي (يهودي عراقي)، الذي يعرفه أبناء جيلي وآخرون، والذي داوى مرضى البلد مدّة طويلة لم يكن طبيبًا بل مضمّدًا (كانت الناس عايشة عَلْبركه، ص. ٢٨٦). وقد أحببت بشكل خاص قراءة الباب الحادي عشر، وهو بمثابة طرائفَ ونهفات، وقد أضاف المؤلِّف صفحات كثيرة هنا مقارنة بما في الطبعة الأولى.

من خلال قراءتي للكتاب لاحظت بعض الهفوات اللغوية (وأخرى)، التي بالطبع لا تنقص من قدره المضموني، ولكنها لا تضيف في سمعته، وأملي وهدفي أن يتمّ تفاديها في الطبعة الثالثة. أعيد وأكرّر ما ناديت به في مناسبات كثيرة: لا بدّ من وجود مدقّق لغوي لدى كل دار نشر تحترم عملها، وعلى المؤلّفين التوجّه للمدقّق قبل تسليم العمل للمطبعة بالرغم من تأكّدهم من معرفتهم اللغوية الجيّدة. عين الآخر ليست كعين الكاتب.

أوصيكم بأن تتسربلوا ثوب المحبة، ص. ب؛ فلافيوس ثار ضد الرومان عام ٧٠ م وليس ٧٠ ق.م، ص. ٢؛ منع بيع أراضي عربية لليهود، ٢٠؛ أنهم مستعدون أن يعطوهم التساريح للعمل، ٣١، ٣٢، ٣١٦، ٣٢٥؛ راجع الإتحاد الأحد 25 آذار ص. ٤ ملحوظة، أية سنة؟، ٤٥؛ 6860 دونم، ٦٨؛ خريطة كفرياسيف الحاضر، ٨٠؛ ودعيوا في الماضي أيضًا بآل أحمد، ٩٨؛ بنادورة أم بندورة هي اللفظة الشائعة في كفرياسيف، ١١٦، ١٦٠؛ عن ثمن ذبيحة أو مبلغًا من المال، ١٣٠؛ من نذر منهم نذرًا عليه أن يوفيه، ١٤٥؛ ويقوم المآجرون بحضور الجنازة، ١٥١، ١٥٢؛ ص. ١٥٣ س. ٢؛ ويصيب بالعين يدعى الغائن (أراد: العائن) ١٥٣؛ مساحتها 60 دونم مع أرض البستان، ١٥٧؛ 30 دونم، ١٥٩؛ كل من يجدوا معه السجائر، ١٦٠ ملحوظة ١١٦؛ لتصبخ ص. ١٦٥ ملحوظة ١٢٥؛ محل دار عماد نبهان شحادة، ١٦٦؛ يوضع ردف فخار، ١٦٨، ١٧١، ١٧٤؛ يعتبر من متيسّري الحال، ١٧١؛ (الغير صافي)، ١٧٣؛ أن تكون (ماء النار)، ١٧٣؛ ص. ١٧٤ ملحوظة ١٤٠ وثائق؛ مواشي، ١٧٨؛ جريس يوسف شحادة، بدلا من يوسف جريس شحادة، ١٩٢؛ ص. ٢١٩ ملحوظة ٥  لا ذكر للصفحة وهي ٢٩٨؛ وخاصة المسيحيين منهم الكثير، ٢٢١؛ حوالي 700 طالبًا،  600 طالبًا، ٢٢٣؛ 500 طالبًا، ٢٢٤؛ 6000 كتابًا، ٢٢٧؛ قصة بعنوان ”رجل سلام“ التي سيحوّلها، ٢٥٤؛ من نفتات قلمه، ص. ٢٥٥؛ هل د. بطرس دلة تخرّج من كلية التربية في الجامعة العبرية؟ ٢٥٥؛ 4500 أستاذًا، ٢٥٦؛ ما كتب عن النتاج العلمي  لكاتب هذه السطور في. ص. ٢٥٧-٢٥٨ غير دقيق ولا يعوّل عليه علميًّا؛ الملحوظة الهامشية في ص. ٢٦٢ لا إحالة لصفحة ٢٩٩؛ منذ تأسيه، ٢٦٨؛ الخمسمائة عضوًا، ٢٧٠؛ ضرورة الإحالة لمصدر حول نسبة الأكاديميين في كفرياسيف ص. ٢٧٩ (ربّما يجب التطرق لظاهرة رواج سوق ابتياع الشهادات الأكاديمية)؛ هناك من يقول إنّ حبيب الخوري هو أوّل طبيب فلسطيني، ٢٨٠؛ ملحوظة في ص. ٢٨٤ بدون إحالة لموضع رسالة نقولا زيادة وهي ص. ٤٢٤، قل الأمر ذاته بصدد ملحوظة ص. ٢٨٧ ولا ذكر للكتاب في الببليوغرافيا؛ في بعض الأحيان لا يرد الاسم الثلاثي وهذا لا يسهّل التعرف على هوية المقصود، ص. ٢٨٨، ٢٩٢؛ (قاضي مسجل)، ٢٩١؛ ربما أن الحجر أُعِد من مكانه، ٣٠٦؛ وروضة أطفال ونادي، ٣٠٦؛ حتى تقاعد، ٣٠٩؛ حبذا لو ذكرت الجمعية المسيحية الكفرساوية التي بدأت أعمالها منذ العام ١٨٩٣ لغاية ١٨٩٨، ص. ٣١٦، ٣٣٢-٣٣٣ (أنظر مثلا: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=107168، وهناك حاجة ماسّة لبحث ما في المخطوطات الأخرى من معلومات عن كفرياسيف مثلا تلك المحفوظة في مكاتب الكنيسة الأرثوذكسية)؛ أما قبل تأسيسها كان هناك، ٣١٧؛ ملحوظة ٣٤ في ص. ٣١٨ أين؟؛ لقب كنن، ٣٢٤؛ سنة 1870 او 1983، ٣٣٥، ألم تكن السيّدة زادة جرمس شحادة أول فتاة حصلت على شهادة الـ B.A. من الجامعة العبرية في اللغة العبرية والتاريخ؟، ٣٣٥؛ 52.8.1985، ٣٤٤؛ إلى كونه مربٍ ومرشد ومدير، ٣٤٦؛ لا تخافوا فالفكر والوجود الفلسطينيين، ٣٤٧؛ حسب الشروط المقرة، ٣٦٠؛ يهودًا وعربا، ٣٦٨؛ ربّما كان من الأنسب تسمية الباب الحادي عشر باسم: طرائف ونهفات كفرساوية، ٣٧١؛ من الأدق استخدام: عبارة/لفظة بدلا من مصطلح ، ٣٧٢، ٣٨٣؛ متضلعاً باللغة العربية، ٣٧٥، ٣٨٣؛ كان أحد الكفارة مديوناً للبنك، ٣٧٨؛ كيفية سدّ الدّين، ٣٧٨؛ عندما فاز أحد رؤساء (قصد: مرشَّحي) المجلس المحلي، ٣٧٩؛ ويقولون بأن هناك وحش في مغارة المرشقة، ٣٨٠؛ يحكى أن أحد المعلمين أنه أراد، ٣٨٢؛ تزوجت إحدى الكفرساويات إلى رجل، ٣٨٧.

 إنّي  وبالرغم من هذه الشوائب، قد استمتعت جدًّا في قراءة هذا الكتاب الشامل، من الغلاف إلى الغلاف، وعادت بي ذكريات كثيرة وغالية إلى أيام الطفولة والشباب في مسقط رأسي الغالي كفرياسيف، والبعد الجغرافي يقوّي الحنين والانتماء الصادقين للوطن. أدعو الكفارسة إلى قراءة هذا الكتاب، وإبداء وجهات نظرهم البنّاءة، وملاحظاتهم ومعلوماتهم، وكل ذلك من أجل حبّة العين الغالية، التي حضنت وما زالت تحضن الطوائف المختلفة.

ما أحلى العلم والمعرفةَ مع المحبّة والتواضع!

 

ب. حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

1040 adnanصدر عن مركز تراث البصرة / قسم شؤون المعارف الاسلامية والإنسانية كتاب بعنوان " البصرة في مقل القصيد" من تأليف الباحث الأكاديمي الدكتور عامر السعد والكتاب عبارة عن موسوعة تسجل القصائد التي نظمها الشعراء القدامى والمحدثون في البصرة ووصف جمالها وحسنها وأرضها والحنين والحب الذي يكنه هؤلاء الشعراء لهذه المدينة العريقة.

 في مقدمة الكتاب يقول المؤلف" في عيون التاريخ علت قمرا، تحكي الكواكب قصة تألقه .. وعلى شفة البحر همت به دجلة والفرات وهما بها حتى التقيا على راحتيها" وهي مقدمة جميلة تليق بهذا المؤلف الموسوعي الضخم.

 وإذا تجاوزنا عن الشعراء القدامى ومنهم الشاعر محمد بن ابي عينة المهلبي الذي يقول في البصرة:

يا جنة فاقت الجنان فما تبلغها قيمة ولا ثمن

من سفن كالنعام مقبلة. ومن نعام كأنها سفن

اذا تجاوزناه الى الشعراء المعاصرين نجد العراقيين والعرب نذكر بعض الأسماء التالية: رعد حميد سلمان، عبد الباقي فرج، علي مجيد البديري، د عدنان عبد الكريم جمعة، د محمد الأسدي، د رعد طاهر، د صدام فهد الأسدي، محمد مصطفى جمال الدين، عبد السادة البصري، عادل علي عبيد، مجبل المالكي، حامد عبد الصمد البصري، فوزي السعد، سليمان العيسى، مصطفى جمال الدين، السيد عباس الشبر، علي الإمارة، شاكر العاشور، قُصي الشيخ عسكر، نزار قباني، كاظم الحجاج، عبد الكريم كاصد، مظفر النواب، عبد الجبار داوود البصري، بدر شاكر السياب وغيرهم الكثير.

نستشهد ببعض قصائد الكتاب الموسوعة:

يقول نزار قباني:

يستوقفني قمر البصرة

هل أبصرتم قمرا يصهل مثل المهر

كيف أمشط شعر البصرة بالكلمات

ومن قصيدة قُصي الشيخ عسكر نقتطف:

لوجهك القديم

قافلة من الأرق

يحدو بها الندى لآخر المطاف

كم زخة من السنين

مرت على ترابك الموثوق بالغيوم

ومن قصيدة شط العرب للشاعر نفسه:

انفيك عن فرحي وعن الامي. فأراك في صحوي وفي أحلامي

الكون يلغي ذاته في لحظة  متقمصا وهما من الاوهام

ويقول بدر شاكر السياب عن الشط:

يا شط ليتك سامعي

او ليت قلبك لي يميل

يا موج يا ملاح يا

يا بيض الزوارق يا نخيل

يا ريح يا سرب الطيور

البيض يرشده الدليل

شاركن قلبي في المسرة

لا رقيب ولا عذول

 ان هذا الكتاب الموسوعة يدل على سعة اطلاع مؤلفه ويشير الى جهده المتواصل الواسع في جمع المادة الشعرية من مصادرها القديمة والحديثة اذ نستنتج انه لم يعتمد فقط على الإحصاء ونقل المادة التراثية بل انصبت محاولاته ايضا في تتبع الشعراء المعاصرين وإجراء مقابلات معهم واحاديث عن شعرهم الذي جمعه والذي يعنى بالبصرة انه لحقا كتاب يثير فينا حس المتعة وحاسة الجمال ويشدنا الى مدينة رائعة بين المدن وان كانت في عصرنا الحاضر تعاني من تشويه بسبب الحرب والاحتلال والفوضى والاهمال لكن جمالها الأصيل حفظته لنا كتب الأدب وقصائد الشعراء القدامى والمعاصرين.

 

عدنان المشيمش

 

 

1038 thumbnailظهر هذا الكتاب في طبعتِهِ الأولى في العام 1978م، أي قبلَ ما يقربُ من أربعينَ عاماً، وكانت دارُ الشؤونِ الثقافيّةِ العامَّة ببغدادَ قد اختارتهُ ضمنَ مجموعةٍ من الكتبِ ليتمَّ طبعُها في فرنسا دونَ علمي، وتشاءُ المصادفةُ أنْ تجمعني بممثِّل الشركةِ التي كُلِّفت بطباعتهِ في أثناء زيارتي لدارِ الشؤونِ الثقافيّة (التي كانت بنايتُها تقعُ في البابِ المعظَّم مع المكتبةِ العامّةِ) وكانَ هذا الرجلُ على عُجالةٍ من أمرهِ، وهو يحملُ تلك الكتب َ المختارة، فرجوتهُ التريُّثَ قليلاً، ودلفتُ إلى صالةِ أقيمَ فيها معرضٌ تشكيليٌّ، فتبعني إليها، ولم نجد أحداً غير اللوحات المختلفة الأحجام، لأنَّ دوامَ الموظفين قد أوشكَ على الانتهاء، فالتقطتُ من المعرضِ لوحةً معبّرةً صغيرةً لتكونَ غلافاً للكتابِ، ودوَّنتُ في ظهرها اسمَ صاحبةِ المعرضِ (لم أعدْ أتذكّرُه الآن)، واتّفقنا على أن يُشيرَ الطبّاعُ إلى صاحبةِ اللوحةِ في المكان المناسبِ ضمن المعلومات الخاصّة بالطباعة، لكنه للأسفِ لم يفعلْ، وظهر الكتابُ خلواً من اسمها الذي أظنُّهُ كان (نهلة) أو قريباً منه، لهذا أجدُ من الأمانةِ العلميّةِ أن أقدِّم لها هذا الاعتذار المتأخِّر بعد هذه العقودِ الأربعةِ العجاف.

 أمّا طبعتُه الثانية فقد كانت في العام 1984م، حين اتَّفقت معي دارُ نشرٍ على إعادةِ طبعهِ ثانيةً، لكنَّها للأسف لم تقمْ بطباعتهِ، إنّما اكتفتْ بتصويرهِ ليس غير، وظلت تصوِّرهُ وتبيعهُ طوال ثلاثةٍ وثلاثين عاماً ( منذُ 1984 حتى هذه الساعة) فبقيتْ أخطاءُ طبعتِهِ الأولى هي هي، لأنَّ الطبعة الأولى كانت خارج العراق، وأنَّ المطبعةَ هناك تكفَّلتْ بمراجعتهِ، وتصويب أخطائهِ الطباعيّة دون أن يكون لي، أو لدار الشؤون الثقافيّة شأنٌ في ذلك.

 ومرَّتِ الأعوامُ، فأدركتُ أنْ لابدَّ من إعادةِ طبعهِ مجدّداً كي أنقيَهُ من أخطاءِ الطباعةِ، وأضيفَ إليهِ مُلحقاً يسدُّ نقصاً يدخلُ في بابِ النقدِ الثقافيِّ حصراً، بعدَ أنْ كان الكتابُ قائماً على النقدِ الفنّيِّ في توظيفِ الأسطورةِ أصولاً، ومقاصدَ على وفقِ رؤيةِ صنّاعها الذين هيَّؤوها لتكونَ بوتقةً فسّروا فيها نظرتهم إلى الحياةِ، وما فيها من ظواهرَ كونيَّةٍ، وكيفَ نظر إليها السيّاب نظرةً مغايرةً خالفتْ نظرتَهم البدائيّةَ في تفسيرِهِ  للحياةِ في كونٍ مضطربٍ يعجُّ بالمنازعاتِ والحروب.

 إنَّ هذا المضافَ (الذي سيكونُ ملحقاً) مهمُّ جدّاً في معرفةِ السيَّابِ إنساناً، وشاعراً، وقد أطلقنا عليهِ تسميةِ (السيّابُ يتحدَّثُ عن تجربتهِ – توليفٌ ودراسة)، وجعلنا مقدِّمةَ التوليفِ تُعنى بعوالمِ تلك التجربة منذُ أنْ ابتدأ شاعرُها أولى خطواتهِ، حتى نبوغهِ الذي وصلَ إلى كتابةِ القصيدةِ الأنموذجِ .

ونظنُّ كلَّ الظنِّ أنَّ هذا (التوليفَ) سيساعد في سدِّ النقصّ المعرفيَّ الذي تشكو منه بعض الدراساتِ التي كُتِبتْ عن السيَّاب، إنْ لم يكنْ هو وحدَهُ كافياً لفهمِه كما ينبغي مبدعاً، وإنساناً، شاكرينَ من أعاننا على إظهار هذا الكتاب بهذه الطبعة المزيدة المنقّحة.

 

عبد الرضــا عليّ

 

jasim alayffبعد "مخاطبات العشب"- 2000  بغداد - دار الشؤون الثقافية العامة، و" يقظة متأخرة" 2002 - دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد ،و" دموع الأرض-2013 –دار ضفاف - دبي،  صدر للشاعر مجيد الموسوي": "نجم آخر هناك"*.يتوقف (الموسوي) في "نجم آخر هناك" طويلاً أمام الزائر الأخير، ويتوقع مباغتته دائماً، بـ "الموت – الفناء"، المهيمنة واضحة المعالم، في كل مجموعاته الشعرية السابقة، والفناء ذاته، بالنسبة للموسوي، ليس محاولة لإلغاء الذات، بل الخوف على الذات من الانقراض الأشد قسوة، والتصدي الذي يعمد إليه الموسوي، يتجسد عبر طرائق عدة، منها: استعادة الغائبين، والوجوه والأمكنة المنقرضة، و يعقد معها علاقات متجاورة تنحصر بين المتخيل والواقع الفظ. ثمة ترابط لمهيمنات عدة، أخرى، في كل شعر مجيد الموسوي، فهو قد توقف طويلاً عندها وتحرى فيها ليصل بعدها إلى مخاطباته هو لا مخاطبات غيره. الموسوي بحسب الناقد مقداد مسعود "استروح طويلاً عشب ويتمان"، في إشارة إلى ديوان "أوراق العشب"، ولكن "الموسوي" وهو يستريح قربه ويسقي أعشابه هو، لا أعشاب ويتمان، بل خاطب العشب وأشياء أخرى، مبثوثة هنا وهناك، عبر ، تصوراته وواقعه المعاش، ليكتشف بعدها انه نهض بألقٍ، وحمل ثقيل. "الموسوي" شعرياً يمسك باللحظة المعاشة باعتبارها لحظة الأبد مع انه يدرك ويعي، إن الآن يتحول إلى ماضٍ، وأنه لهذا الشأن يرتقي باللحظة الزائلة نحو الأبدية من خلال الشعر لغرض تجاوز الراهن، كون الشاعر وهو يجلس على نهاية الحواف، فأنه يبصر الهاوية الفاجعة التي تحيطه ومعه الإنسان، المنتهك، خاصةً، ويعمل على تجاوز ذلكَ، بإعادة اكتشاف الأشياء:

"أتجنّبُ

الجلوسَ في المقاهي

والثرثراتِ

والتشدّقَ

بأمجادٍ فارغةٍ".

ما أكثر المراثي التي كتبها الموسوي للأحبة الراحلين ومنهم: محمود عبد الوهاب، ومهدي محمد علي، ومصطفى عبد الله، وكزار حنتوش، وسلام الناصر،وتلك الرسامة، ووالده، وذلك الشاعر المجهول.. الخ، والأشياء الزائلة التي يسعى إلى الإمساك بها شعرياً، في محاولة لإملاء النقص الحاصل في الحياة، تلك المراثي تسعى إلى القبض على اللحظة التي تتبدد ومعها تتسرب الحياة، وبذا فأنه لا يقف شاهداً سلبياً على ما يحدث من انتهاكات فظة تجاه الإنسان في

أي زمان:

"أيهذا الربيع

كيف صارتْ سماؤك معتمة

ونجومك رملاً

وهذا المساء

الوديع

جمرةً قانية"!.

(الموسوي) من خلال شعره نتلمس القصيدة بصفتها حالة غامضة من الغياب والحضور من الحلم واليقظة، من التذكر والنسيان، حالة من احتدام الروح يغدو فيها الإمساك بالبدء أو المنتهى أقرب إلى المستحيل. وحتى اللغة لا تكاد تلتقط من هذه الحالة إلا بعض سطوعها وشراراتها. القصيدة لديه تريد أن تقول شيئاً، أن تبوح بسر ما، برؤيا، بحلم، بشيء مدهش، شيء من السحر يؤجج الأعماق، إنها أشواق متحدة بالأقاصي، ونشوة شاملة تتلبس الروح، ومن هنا يصبح تحديد بدء القصيدة شاقاً وعسيراً لديه!. ثمة محفزات توقظ فيه الحنين إلى عالم الغرابة والمجهول والرؤى، ترنيمة بلبل، وجه عابر، أغنية، فتاة ناحلة محبطة، كلمة في الريح، مشهد ما:

"دائماً

ثمةَ أملٌ

بصيصٌ، رغبةُ، نشوة

في تموجات هذا الكون الشاسع:

ثمة غناءٌ، وصوت لا يرى

لكنه خبيء

في مكانٍ

ما.."

هكذا تتفجّر المصادفة أو المفارقة أو اللوعة الخفية، فيندفع للقول، محاولاً الإيغال في العالم، والإمساك بشيء من لهبه ونشوته، من شذاه وغبطته، و جنونه وفوضاه، وعندئذ تبدأ القصيدة:

" أفقْ..!

يا أيها الذاهلُ

قل شيئاً لهذا الزمن المجنون،

لا ترتقبِ الماضي

ولا تنتظر القادم

لا شيء

حقيقاً سوى الآنَ

- هنا لحظة ما.. تنشدهُا الروح -

فكن أولى بأن تظفر بالدهشةِ

في مملكة الراهنِ".

ولكن هل هذا التوصيف يكفي لولادة قصيدة - الحياة؟. عند هذا الحد نغفل مسألة غاية في الأهمية، يذكرنا بها شاعر صيني عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، كان من سوء حظه أن يخسر موقعة عسكرية، لكنه ربح الشعر.مجيد الموسوي، في "نجم آخر هناك"، من الشعراء الذين ما زالوا يواجهون الواقع الضاري، عبر "أنا" خلّاقة وغير منغلقة على ذاتها:

"إني أرى الآنَ الذي يجري

وفي روحي وخز موحشٌ مشتعل كالجمر

ما بين زمانين:

زمان البدو مقذوفين في عاصفة التيه

وهذا الزمن العاصف بالموج الخرافيّ وبالنار

أراني هائماً بين السماوات

وحيداً حائراً مرتبكاً بين مجرات من الظلمة والنور

ترى هل ينتهي الوهم الذي يغمرني الآن

واستوثق ما تاه من الخطو"؟.

ثمة ميل في توجه " الموسوي" إلى رصد الواقع وضراوته وإصرار على عدم التصالح معه، من خلال تساؤلات متواصلة، وتقلبات شخصية - عامة، إنه يواجه العالم الصلد بالشعر الذي يتميز غالباً بالبحث والتأمل والأسئلة التي لا حد لها:

" يا زمان الصبا والصبابة،

مَنْ أحرق العشب؟

مَنْ لوّث الريح؟

مَنْ أطفأ النجم؟

مَنْ قال للقلب كن حجراً،

يتدحرجُ في هوّة،

أو يصير حصى

في جدار"؟.

في شعر "الموسوي" نتعرف على: "البقية الباقية من سمات الشعراء الرومانسيين، البصريين بالذات، الذين راهنوا على الحلم والتخاطب معه واليقظة المتأخرة عن غفوة الموت في الحياة، "مصطفى عبد الله" في الأجنبي الجميل وعبد الخالق محمود في عازف آخر الليل، اللذين دلفا إلى عالم المتعة الأبدية وابتعدا عن العالم فعلياً بمغادرته، وتحمل الموسوي بعدهما وحده حملهما، وإخفاقات عالمها المشحون بالرومانسية، وناء بأخيلتهما معاً"  الناقد عبد الغفار العطوي جريدة- المشرق- بغداد- الناقد "العطوي"، هنا، وضع مصطفى عبد الله في خانة "الشعراء الرومانسيين"، ولكن لا يمكن التأكد من ذلك، عند مراجعة مؤلفاته الشعرية الكاملة والمعنونة "الأجنبي الجميل" وقد حققها وقدم لها الشاعر عبد الكريم كاصد  ط1- 2004- وزارة الثقافة- بغداد- لكن العطوي أصاب جداً في توصيفه لـ "رومانسية" الشاعر الراحل عبد الخالق محمود. كما اجتهد - العطوي - كثيراً في أن يموضع الموسوي في خانة "العرفانيين"، كون عالم الموسوي الشعري يفتح أفقاً واسعاً للواقع الذي يحدق إليه بتمعن فيرى فيه ما لا يراه غيره عبر عالم شعري ينطوي على مزدوجتي الواقع- الحلم. وهو يفتح الباب واسعاً للغياب عبر المفارقة والإيغال في التيه القادم من الواقع - الغرائبي - الراهن ذاته.

 

جاسم العايف

.................

* اتحاد أدباء وكتاب البصرة - ط 1 - بيروت- 2017

 

 

abdulhusan salehaltaiاطلعنا في الحلقة الأولى على الآثار الإبداعية للدكتور حسن البياتي في كتابه (مقدمات وإشارات تعريفية بآثار إبداعية ومعرفية)، الذي صدر حديثاً في بيروت من دار الفارابي. والحلقة الثانية مخصصة للآثار المعرفية، بدأها شاعرنا ببحث مطول لموضوع في غاية الأهمية، بعنوان: (مواقف مناوئة للحرب في الشعر الجاهلي)، نُشر في مجلة الجامعة الصادرة في جامعة البصرة 1969. جوهره يكمن في رصد الصور المغايرة لما هو متعارف عليه في العصر الجاهلي بأن العرب أمة حرب، فالبحث فيه اطلالة لبعض مآثر الشعر الجاهلي الرافض لمآسي الحروب ونتائجها البشعة، والدعوة إلى حقن الدماء، وإشاعة السلم الاجتماعي. وتناول البحث الدوافع الرئيسية للتناحر بين القبائل والمشاحنات التي تتوج بالغزو والاعتداء على الغير. واشار البياتي إلى الكثير من المواقف الداعية إلى التريث وتجاوز الخلافات بوسائل أخرى غير الحرب.

وأعقب هذا البحث القيم بدراسة معمقة لمخطوطة عربية نادرة، ذات قيمة تاريخية، معتمدة على مصادر متنوعة موثوقة وبهوامش توضيحية. هذه المخطوطة محفوظة في خزانة المخطوطات بمكتبة لينيغراد العامة، وهي تضم أربع قصائد ومقدمة على شكل رسالة، تحكي قصة الحصار الذي فرضه الجيش الايراني الغازي على مدينة البصرة، وما قام به من ممارسات لا انسانية، قابلها سكان المدينة بالشجاعة والصمود. هذه الرسالة موجهة إلى أحد الفرنسيين (المسيو اوتير)، الذي عاش في البصرة لفترة من الزمان، وتمكن من فهم اللغة العربية وتذوق شعرها، وبعدها رجع إلى فرنسا، والرسالة مذيلة  بتوقيع مرسلها (الملا سرحان كاتب)، أحد عامة الشعب الذي ربما كانت تربطه بالمسيو اوتيرعلاقة صداقة. والقصائد الأربع بخط الملا سرحان، القصيدة الأولى فقط باللهجة الشعبية (العامية)، وهي تمثل قيمة استثنائية، للمهتمين بالتراث الشعبي واسلوب الكتابة باللهجة العامية.

تبحر البياتي في دراسة أجواء القصيدة الثانية التي تناولت بعض أحداث مجتمعنا العراقي إبان السيطرة العثمانية، في مرحلة تفسخ النظام الإقطاعي، على أثر الأزمة الحادة التي واجهتها السلطنة منذ أواخر القرن السابع عشر، وتصاعدت في القرن الثامن عشر في كافة المجالات، نتج عنها انسلاخ معظم الأقاليم العربية عن السلطان التركي، مكونة أسراً إقطاعية حاكمة. وكذلك اشار شاعرنا إلى طبيعة النتاج الأدبي والفني وأثره على وجهات نظر طبقات مختلفة لتلك المرحلة، ولاسيما الذي يمجد السلطة، باعتباره يمثل جزءاً من البناء الفوقي للنظام. وعلق على رؤية شاعر القصيدة النابعة من مصالحه المرتبطة بالطبقة الاقطاعية للسلطة العثمانية، ومدى تعارضها مع ثقافة الطبقات والفئات المستعبدة.

وضمن اهتمامات شاعرنا، البحث عن كنوز المعرفة التي قام بها البعض من المستشرقين، عثر على بحث فولكلوي بعنوان: (قصتان مجهولتان من التراث الشعبي العربي في القرون الوسطى)، للمستشرق السوفيتي (فيكتور ليبيديف)، المعروف باهتمامه بتراثنا الشعبي العريق، حيث تمكن من نشر عشرين بحثاً باللغة الروسية، أغلبها في مجال التراث الشعبي العربي. كتب شاعرنا مقدمة مختصرة وتعليقات ضرورية على بعض ما جاء في صلب البحث وهوامشه من مصادر متعددة، أعطت للبحث نكهة جديدة جاذبة، ونُشِر في مجلة كلية التربية – جامعة البصرة 1979. كان القسم الأول من البحث مخصصاً للقصة التراثية (طلحة وتحفة)، وغطى القسم الثاني أثراً آخر من تراثنا الشعبي المجهول قصة (الوليد وسلمى)، وهي من قصص الحب في أدبنا العربي، بطلاها الخليفة الأموي الوليد بن يزيد وزوجته الثانية سلمى.

وبنفس الإطار وللمؤلف نفسه، ترجم البياتي بحثاً فلوكلورياً آخر: (قصتان مجهولتان من التراث الشعبي العربي في القرون الوسطى). نشره في مجلة التراث الشعبي في بغداد سنة 1988. يتألف البحث من قسمين، الأول يتكون من مقدمة في فن القصص الغرامي في أدبنا العربي وغيره من آداب الشعوب الأخرى – أنواعه وخصائص كل منها. أما الثاني فيتناول دراسة وتحليل قصتين من قصص الحب في تراثنا الأدبي المخطوط. أثبت شاعرنا بأن القصتين ليستا مجهولتين تماماً، وأكد بأن البحث يظل محتفظاً بأهميته الكبيرة، لما فيه من معطيات طريفة تتعلق بجوانب مهمة من تراثنا الشعبي.

واهتم البياتي بترجمة دراسة فولكلورية أخرى تحمل ذات الاهتمام بالموروث الشعبي العربي، لذات المستشرق بعنوان: (أثر الموروث الشعبي للجنوب العربي في ألف ليلة وليلة)، نشرتها دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد 1989.

وترجم البياتي فصلاً خاصاً بالحرب العالمية الثانية، استقاه من كتاب عنوانه (نثر الشباب)، تأليف الدكتور (فلاديمير بوبوريكين)، تناول فيه جوانب إبداعية نثرية من النتاج القصصي لمجموعة من الأدباء الشباب، يحمل موضوعات متنوعة مثل: الحرب، المدينة، القرية وغيرها من الأمور الحياتية. تمكن شاعرنا من نشره في مجلة الطليعة الأدبية في بغداد 1987.

وخطى البياتي خطوات جادة في التعريف بالأجناس الأدبية والمعرفية المتنوعة، حيث قام بدراسة نادرة لتطور الأدب الفليبيني منذ نشوئه. هذه الدراسة من تأليف: (أ. سانتوس)، ترجمها من الروسية، ونشرها في كتاب الثقافة الأجنبية 1987. كان الأدب الفليبيني القديم يحمل معالم التأثر بالثقافة الهندو – جاوية، ومن بعد بالثقافة الإسلامية، هاتان الثقافتان قد تسربتا من خلال المناطق الأندونيسية في الفترة الواقعة ما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر للميلاد. واستمرت السيطرة الإسبانية مدة تزيد على ثلاثة قرون، تركت أثرها العميق، ليس في الأدب فقط بل بكل مناحي الحياة الثقافية لسكان جزر الفليبين. وعندما حل المستعمرون الأميركيون، تأثر الأدب الفليبيني تأثراً بالغاً بالأدب الأميركي، ورغم استقلال الفليبين عام 1946، إلا أن الكثير من الآثار الفليبينة كُتب باللغة الإنكليزية، بالإضافة إلى اللغات الأساسية الأخرى في جزر الفليبين.

وفي دراسة أدبية أخرى ترجمة لكتاب (الأدب الآسامي)، من تأليف الأديب الهندي (بيرنجي كومار باروا)، نشرها البياتي في بغداد عام 1988. كان شاعرنا أميناً في نقل محتويات الكتاب رغم تصرفه بالجانب الشكلي. وقد بذل جهوداً كبيرة في تقديم جملة من التعليقات والايضاحات معتمداً على مصادر ومراجع مختلفة.

وفي نهاية القسم الثاني قدم البياتي ملخصاً لاصداراته الأخيرة (رسائل ثقافية متبادلة بيني وبين ...)، و(كتبوا عني .. وكتبن)، وكتاب (الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر)، المعد للنشر، ضمن السلسلة الخماسية التي تحمل مادة تاريخية تسجيلية تغطي مراحل حياة ونشاط شاعرنا على الساحة الإبداعية والثقافية منذ المراحل الأولى التي خاض غمارها، منذ مستهل النصف الثاني من القرن الماضي، حيث تضاربت أو تقاربت بها الآراء في مختلف مناحي الحياة الأدبية والسياسية والاجتماعية والنضالية بين المؤلف ومريديه من جهة ومناوئيه من جهة أخرى.

 

د. عبدالحسين صالح الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

       

1034 anisإن التلخيص عملية ليست بالأمر الهين، كما يبدو للكثير وإنما على العكس من ذلك تماما؛ فهي عملية قي غاية التعقيد، تتطلب كثيرا من المهارة مما يكسبها أهميتها وفعاليتها، ذلك أن التلخيص يسمح للباحث عموما أن يستجمع تلك التفاصيل التي قيلت، والتي تعرض في ذلك النص الهدف، فيعمل على تلخيصها تلخيصا يكون مفيدا، وكأنه يقلل من كم النص دون أن يفقده جودته ودون أن يشوه معانيه.

فكيف يا ترى سيكون تلخيص هذا الكتاب الذي بين أيدينا؟

إن تلخيص كتاب بأكمله يستدعي مجموعة من الآليات والميكانيزمات، التي تسعف في الإلمام بأهم ما جاء فيه من أفكار وقضايا.

إن كتاب الدكتور "أنيس فريحه" "اللهجات وأسلوب دراستها" قد قسمه إلى ثلاثة أقسام كبيرة تتضمن فصولا عديدة، استهلها بمقدمتين اثنتين:

كانت الأولى للكاتب "ساطع الحصري" الذي شرع من خلالها، في إبراز أهم المشاكل التي تثيرها "قضية الفصحى والعامية " لدى اللغويين وأهل الفكر بالبلدان العربية.

كما تطرق أيضا، إلى فكرة فحواها أن العالم العربي في حاجة ماسة إلى لغة موحدة "موحدة" تجمع بين الفصحى والعامية وتكوين ما يصطلح عليه بفصحى متوسطة، وذلك لتذليل الصعوبات التي تحول دون ملامسة الهدف المنشود، والمتمثل في خلق "لغة التخاطب" ترضي جميع الأطراف.

ولهذا، نرى الباحث يدعو إلى ضرورة العمل بجد، وعدم التقاعس وإهمال الأبحاث اللغوية بدعوة الاكتفاء باللغة الفصحى.

وبالموازاة مع ذلك، ثمن الدكتور أنيس فريحه "في مقدمة الكتاب" الثانية" ما جاء به زميله "ساطع الحضري" إذ حث ـ هو الآخر ـ على تجاوز تلك النظرة التقليدية المكسوة بالعاطفة للغة، ودعا إلى الالتزام بنظرة مؤسساتية للغة تخضع للموضوعية العلمية.

القسم الأول: في اللغة

لقد هدف الكاتب من خلال هذا القسم الذي استهل به دراسته إلى إعطائنا لمحة تاريخية عن اللغة العربية ومسارات تشكلها بشكل مقتضب وموجز، بالرغم من ندرة المصادر والوثائق السابقة لعصر التدوين.

فاللغة العربية كما يرى "أنيس فريحه" تتصف بمجموعة من الصفات أهلتها أن تكون لغة رقي وتحضر، أجملها فيما يلي:

- غنى المفردات.

- قدرة على التصعيد.

- إمكانات في الاشتقاق عديد.

- مبدأ القياس والترعيب.

وهذه العوامل في رأي الباحث دفعت باللغة إلى تبوء مكانة مرموقة في العصور المتوسطة.

وجملة القول إن اللغة رغم حيازتها لكل هذه العوامل البناءة إلى أنها لم تبرح مكانها ـ للأسف ـ وظلت غير قادرة على مسايرة الزمن الحالي، وهذا ما ستفاض في تفصيله ورصده الكاتب حين قال:" بأن مشكلتنا اللغوية هي مشكلة كل شعب مزدوج اللغة.. !!

وهذا ما سيسمح لنا باستثمار ما قيل لحصر بعض مشاكل اللغة العربية التي جاءت على لسان "أنيس فريحه" والتي لخصها في التالي:

- وجود لغتين مختلفتين عامية وفصحى.

- تقيد الفصحى بأحكام شديدة.

- الخط العربي الخالي من الحروف المصوتة "الحركات".

- عجز العربية عن اللحاق بالعلم والفنون.

- تدوين اللغة العربية بطرق تقليدية قديمة على شاكلة مدارس الكوفة والبصرة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الازدواجية في اللغة ـ في رأي الكاتب ـ قد أعاقت وكبلت الفكر، وجعلته لأسباب يقف عند نقطة معينة دون حراك.

ويتضح طرحه هذا من خلال قوله:"..لن نحاول أن نقنع من لا يريد أن يقتنع بأن العربية عاجزة في وضعها الحالي عن التعبير..."

ومما لا شك فيه ـ حسب اعتقاد الكاتب ـ أن الفكر لن يساير الحضارة أبدا ما لم يتحرر أولا من قيود اللغة.

وعلاوة على ذلك، باشر ـ أنس فريحه ـ في معرض حديثة إلى إعطائنا تعريف للغة، بالرغم من اعترافه- أيضا- بصعوبة الأمر، نظرا لما يعتريها من تعقيد وغموض، هذا إضافة إلى إثارته لمسألة نشأة اللغة وأصلها.

ليصل بعد هذا إلى إثارة قضية ـ اللغة والعرق والعقلية ـ التي أكد بأنها شغلت جموع علماء اللغة خلال القرن التاسع عشر.

والواضح مما تقدم من حديثه في هذه القضية أن ليس هناك من لغة لها عبقرية تفوق اللغات الأخرى، وتبعا لهذه الصيغة المطروحة فليس هناك من عرق صاف خلق لغة خاصة تعكس عقليته.

ولعل هذا المستوى في رأي الباحث يحتاج إلى ما أسماه بـ"علم اللغة" الذي يروم من خلاله إلى تطبيق الأسلوب العلمي على اللغة، ذلك من خلال توخي مبدأ الموضوعية وكذا استثماره لهذا العلم للتأثير على الفرد ونظرته إلى اللغة.

ثم يتناول فيما بعد:

القسم الثاني: وعنونه بـ "نشأة اللهجة الأدبية المحكية"

إذ يتحدث فيه"أنيس فريحة"عن الأسباب الحقيقية التي جعلت من لهجة ما تسمو على لغة ما وتتبؤ الرسمية، موضحا ذلك بسرد مجموعة من الأدلة والبراهين التي تؤكد حقيقة لا مراء فيها، في أن لا فارق جوهري بين لهجة ولغة، وإنما الفارق راجع بالأساس، لسبب خارجي، ولظرف خاص أعطى الحق للغة، وسلبه من الأخرى.

ولعل ما يزكي طرحه هذا هو تطرقه لفصل عنونه "بالسلطة العليا" إذ انطلق من خلاله ليبني لنا حقائق تاريخية قد تكون السبب الخفي وراء رفع لهجة ما إلى مرتبة لغة قومية رسمية.

ولم يفته بالطبع أن يشير إلى هذه العوامل، وهي كالآتي:

- عامل عسكري سياسي

- عامل ديني

- عامل اجتماعي

وما يسترعي الانتباه حقا! في هذه النقطة هو تأكيد الباحث على أن كل هذه العوامل السلطوية تبقى غير فاعلة، وغير متعرف بها في سياق أسماه بعلم اللغة.

على اعتبار أن هذا العلم –حسب قوله- لا يعترف بسلطة عليا في اللغة غير سلطة الشعب.

ثم يتناول بالدرس بعد ذلك "نشأة اللغة" إذ يطلعنا من خلاله على أن العرب القدامى، لم يشيروا إلى اللهجات العربية، إلا إشارات عابرة، ولكنهم –في رأيه- لم يجيبوا عن السؤال الإشكال:كيف نشأت هذه اللهجات؟ كما أنهم لم يعيروا كبير اهتمام لدراستها و مدارستها.

لينتقل بعد ذلك، إلى الخطى المراد إتباعها لدراسة هذه اللهجات، وفي نفس الوقت يرد بالنفي القاطع على أن الرأي القائل:"أن نشوء اللهجات مرده إلى خروج العربية عن موطنها الأصلي، واحتكاكها بلغات أخرى، رأي مغلوط بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وبناء عليه يدعو "أنيس فريحة" إلى التروي في إصدار مثل هذه الأحكام المتسرعة، ويوصى بالتفتيش بشكل دقيق عن الأسباب الكامنة وراء نشوء اللهجة.

ووفقا لهذا التصور، يرجع الباحث مسألة نشوء اللهجة إلى ثلاثة عوامل هي كالأتي:

- المغايرة الفردية.

- إتباع الرقعة الجغرافية.

- احتكاك لغة بأخرى.

ويتابع "الباحث" حديثه في الفصل الموالي عن العامية كلغة قائمة بذاتها إذ يذهب من خلال هذا الفصل، إلى توضيح أن مسألة تقديم تعريف للعامية باعتبارها لغة قائمة الذات، أمر غير مستحب، نظرا لاعتقاد الناس الراسخ إلى أن العامية هي تجسيد للركاكة والرطانة والانحطاط، وهذا ما تأكد فعلا في مؤتمر الأدباء العرب، الذي انعقد ببيت مري أيلول 1954 إذا انبرى الجميع – كما جاء على لسان الكاتب- إلى الدفاع عن الفصحى ومهاجمة العامية.

وأيا كان الهدف المتوخى، من وراء مهاجمة العامية، فالكاتب لم يتراجع من الدفاع عن قضية أن العامية لغة قائمة بذاتها، إذ استعان في تثمين طرحه إلى استغلال الدليل السيكولوجي الذي يوضح بجلاء أن العامية جزء من الحياة، وتعبير عن اليومي بسلاسة ورخاء، وما يعلل ذلك قوله" .... يشعر عامة العرب أن لغتهم هي اللغة المحلية، وان الفصحى لغة رسمية، فهم لا يشعرون أنها جزء من حياتهم بل إنهم إذ تكلموا أو غنوا أو غضبوا... فإن اللغة التي يعبرون بها عن هذا كله إنما هي العامية".

أما فيما يتعلق بالتصور الثاني القابل بأن "العامية لغة حية ومتطورة"، فالكاتب بادر إلى ذكر بعض الظواهر اللغوية التي يحسبها تقدما وتطورا منها:

فقدان الإعراب: إذ ركز فيه على الطرح القائل:" بأن الإعراب لا يتلاءم والحضارة وبأنه:" زخرفة لا قيمة له في الفهم والإفهام " مؤكدا ذلك بسرد مجموعة من الاستشهادات للغويين على رأسهم، ابن خلدون في كتاب المقدمة ( ص 808- 811)، وابن قزمان الأندلس. ولعل السبب الآخر في تلافي استعمال الإعراب هو معارضة "أنيس فريحه" لفرض لغة تاريخية لا تساير في رأيه تطلعات هذا الجيل، وكذا اعتراضه على المبدأ القائل بأن:" قوانين اللغة من صرف ونحو وأساليب لا تتغير ولا تتبدل، فالباحث إذن يؤكد ميله إلى سقوط الإعراب عن اللغة.

• التطور الصرفي والنحوي: ويتضح هذا التطور من خلال اقتصار العربية المحكية على عدد قليل من الضمائر، وتصريف الفعل.....مما يمثل تطورا ملفتا وتقدما منشودا يتماشى مع الحياة، وقد مثل لذلك "بفكرة الزمن في الفعل".

• خضوع العامية لنواميس لغوية طبيعية:إن من بين أهم هذه النواميس التي توضح حيوية العامية وتطورها مع الحياة امتيازها بمبدأ الاقتصاد في اللغة.

• الاهتمام والاقتباس والتحديد في المعنى:إن حرص العامية على تحديد المعنى، وإهمال ما يجب إهماله، واقتباس ما يجب اقتباسه، واقتصارها على معنى واحد لا دليل على تحررها من القيود وانعتاقها من وطأة التقليد"في نظر الباحث".

• العنصر الإنساني في العامية يضفي عليها مسحة من الحياة: ونرصد هذا من خلال قول الكاتب:"....فإنك لا تستطيع أن تقول بالفصحى، ما تقوله بالعامية، وإذا نقلته إلى الفصحى أتى جافا قاسيا....." .

وخلاصة القول: إن العامية و من خلال ما وضحه" أنيس فريحه" تبقى لغة قائمة بذاتها، ولغة حية متطورة ونامية، تتميز بمجموعة من الصفات التي بوأتها مكانة وغنى.

القسم الثالث: "اللهجة وأسلوب دراستها"

ينتقل الكاتب في هذا القسم الأخير إلى الحديث عن فوائد دراسة اللهجات الإقليمية من باب أن في العامية مظاهر لغوية، صرفية ومعجمية، في حاجة إلى المدارسة، على اعتبار أن في دراستها إغناء اللغة الفصحة.

ثم يضيف بعد ذلك بشكل موجز بعض الشروط التي يجب توافرها لدى الباحث في دراسة اللهجة، وهي كالآتي:

- التقيد بالأسلوب إذ لا معطيات مقررة ولا نتائج مسلم بها مسبقا.

- على دارس اللهجة أن يدون اللغة ويضبط أحكامها الصوتية والتركيبية، وعليه أن يكون ملما بعلم الفونتيك .

- وضع خرائط جغرافية لتسهيل عملية تبيان الفروقات اللغوية التي تتميز بها كل بقعة عن أخرى .

ليختم الدكتور"أنيس فريحه كتابه الهام "اللهجات وأسلوب دراستها" بفصل أخير في اثر الأرامية في اللهجة اللبنانية من ناحية الأفعال والمفردات والتركيب، وبذكر نماذج من اللهجة اللبنانية شعرا ونثرا.

ونشير في الآخر، إلى أننا لم نكن نهدف إلى تحميل هذا الكتاب ما لم يستطع له عبئا. أو نقول صاحبه "أنيس فريحه" ما لم يقله، وإنما قصدنا إلى تدليل تفاصيله واستنتاج ما دلت عليه دون بخسها حقها.

 

أكثيري بوجمعة

 

wadea shamekh2تحت اشراف مباشر من قبل الإعلامية القديرة شميم رسام صدر كتابي "سجناء الفكر في العراق الحديث..أوراق نوئيل رسام من خلف قضبان الحكم الملكي .. تحقيق وتقديم وديع شامخ "، عن دار الأديب في عمان مؤخرا ... فرحتي عارمة بطباعة الكتاب الذي بذلت فيه جهدا نوعيا لانه اول تجربة لي في حقل التحقيق .. اتمنى لكم قراءة ممتعة .

وقد جاء في مقدمتي للكتاب "هذه الرسائل تمثل تقصيا مهما لحقبة سياسية تأسيسية في حياة الدولة العراقية، العهد الملكي وما رافقه من نشوء المملكة العراقية بوضعها الطائفي والديمقراطي معا، وقراءة هذه الرسائل تساعدني في الكشف عن وجهي الحياة العراقية بسلبيها وايجابيها، تتقصى الرسائل مواضيع حساسة فردية وعامة .. تمثل قراءة واعية وفاحصة لحقبة زمنية عراقية بما رافقها من ارهاصات سياسية وتاريخية محلية واقليمية وعالمية، برؤية قومية عربية وعراقية خالصة، ولعل من المفيد التوقف عنده، ان نوئيل رسام هو مسيحي ولكنه كان يفضل هويته العراقية والعربية على ايّة هوية جزئية أخرى كما جاء في دعوته الى تمثيله العراقيين جميعا في مجلس النواب يوم كان نائبا، ولا يفضل قبوله بالكوتا كمُمثل للمسيحيين / وهذا حس وطني رائع ودرس سياسي مفيد وصالح في كل عصر توجد فيها احتقانات سياسية وطائفية كما يمر العراق اليوم " 2014" بهذه العاصفة ..

أود ان أشكر السيدة الإعلامية القديرة شميم رسام والسيد غسان نوئيل رسام على جرأتهما ورغبتهما في نشر هذه الرسائل دون حذف او تغيير أو إضافة لكيما تقدم الرسائل نفسها وكاتبها وظروفها بكل مصداقية وموضوعية وأمانة تاريخية ..

1033 wadeeولعل نشر هذه الرسائل في كتاب مستقل وهي محاولة تأسيسية في هذا الباب - حسب علمي -، سوف يفتح الباب واسعا لنشر انماط من رسائل مختلفة في حقول الادب والسياسية وغيرها، وفي حقب تاريخية مختلفة ومن زوايا نظر متباينة، لتكون معينا للباحثين عن التقصي لدراسة الظواهر السياسية والتاريخية والجغرافية والادبية .. الخ، لان الرسائل تمثل بوحاً مهما ومصدرا ثراً للمعلومة ببعدها الشخصي والعام .

إن إضاءتنا في المقدمة لانواع الرسائل ومنابعها ومصادرها وسماتها الشكلية والمضمونية، إنما تشكل خطوة لبحث الترابط في البوح الانساني من زوايا مختلفة وفي حقول متباينة، ولكن المشترك الوحيد فيها هو الانسان باثا او متلقيا أكان فردا أو مؤسسة .

ولقد أفدنا من مصادر كثيرة ومتنوعة في هذا المجال كانت سبيلنا الى كشف مغاليقها وتقديمها للقاريء الكريم،ومن هذه المصادر ما استخدمناه حرفيا بنقل المعلومة، او ما حفّزنا الى الغور في حقول ورسائل أخرى .ومهما كانت درجة الإفادة أوالاقتباس أوالإيحاء، فأنني لابد أن أكون أمينا على إدراج المصادر التي إغترفنا منها سواء أكانت مصادر ورقية أم الكترونية، وأعتذر أن لم أذكر مصدر ما قد استفدت منه ربما لتشابه المعلومة في أكثر من مقام، فأكون قد إخترت أقربها مني تناولا واقعيا، أعني توفر المادة في مصدر إقتنيته عمليا دون غيره من المصادر الموجودة والتي لم أحصل عليها .

تركت الرسائل - موضوع كتابنا – تتحدث عن نفسها بتلقائية كاتبها ولحظة كتابتها، بكل هفواتها النحوية والإسلوبية والإملائية، لكي نعطي صورة حقيقية عن الكاتب ونرصد دفقه العاطفي والفكري والتاريخي بحسب لحظة تلك الرسائل ..ولاشك أن الكاتب رجل مثقف وصحافي مقتدر ولكن قيمة ومتعة قراءة دفقه الأول تكمن بهذه الهفوات، لانها قيمة تاريخية وليس بنقص هو قادر على تجاوزه لو كانت الرسائل قد كتبت بغير تلك الأوضاع التي يمرّ بها آنذاك ."

 .

 

1031 ayshجميل أن يأتي باحث كندي فيكتشف أن عبد الحميد ابن باديس هو زعيم القومية الجزائرية ومفكر الإصلاح، وفي هذه القراءة المختصرة معلومات قيمة جدا عن الإمام عبد الحميد ابن باديس أوردها الباحث الكندي "أندري ديرليك" في كتابه بعنوان: "عبد الحميد ابن باديس مفكر الإصلاح وزعيم القومية الجزائرية"، قدمه وترجمه مازن بن صلاح مطبقاني، وهو كتاب يكشف فيه صاحبه تأثر بن باديس بالفكر الأصولي في مصر، وكيف نشأت "المعارضة" داخل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مبرزا كذلك أهمية علم الاجتماع الإسلامي في نبذ الانقسام الطائفي في الجزائر، وتحديد مفهوم الإيديولوجية الاجتماعية الإسلامية  لبناء مجتمع فوق قواعد أقرها الدين

فكتاب أندري ديرليك هو رسالة دكتوراه قدمها الباحث من معهد الدراسات الإسلامية جامعة ماك غيل McGill مونتريال كندا في مارس 1971  وترجمها وقدمها مازن بن صلاح مطبقاني ونشرت الترجمة عن عالم ألأفكار في طبعتها الأولى لسنة 2013  يأتي قبل صدور كتاب الدكتور عبد الله حمادي الذي تحت عنوان ابن باديس سيرة ومسيرة صدرت طبعته الأولى في 2017، لاسيما والباحثان تكلما عن العائلة الباديسية، وكانت لكل واحد منهما رؤية خاصة، ولعل البعض اطلع على ما جاء به الدكتور عبد الله حمادي، ولذا لا يسمح المجال لإعادة ما كتبه هو، من اجل التركيز على ما كشفه الباحث الكندي أندري ديرليك من حقائق حول عائلة عبد الحميد ابن باديس، فمن مدينة قسنطينة العريقة انطلقت شرارة حركة ابن باديس، ولو لم يكن لعائلة ابن باديس تلك المكانة الخاصة لما تمكن ابن باديس من الإنطلاقة في حركته العلمية، ولما تمكن من الإنتقال إلى الزيتونة لتلقي العلم هناك، ولما أمكنه من نشر مشروعه الإصلاحي وإحداث التغيير في المجتمع المسلم، بعدما استبدل الإستعمار الفرنسي المؤسسات التي اعتمدت على مبادئ الدين بتلك التي استعيرت من" الفرنجة"، في ظل الصراع الذي كان قائما وما يزال بين التقليديين والتحديثيين وموقف الإصلاحيين من هذين الإتجاهين، لإعادة بناء ظهور فكرة الإصلاح كرد فعل  في وجه التحديث، وإعادة الإعتبار للإسلام في الجزائر.

وكما جاء في الصفحة 140 من كتاب أندري ديرليك، فقد وافق "القبّان" بن باديس (محمد كحّول)  الجد الأعلى لعبد الحميد بن باديس على الخدمة تحت ظل الحكم الفرنسي في جماعة المدينة عام 1838 وعام 1848 عندما استبدل حاكم قسنطينة الأهلي بأول رئيس بلدية فرنسي،  واستمر محمد كحول مستشارا بلديا، وتم تثبيت ابنه المكّي بن باديس، جد عبد الحميد بن باديس في منصب قاضي مقاطعة قسنطينة، واختير القاضي فيما بعد ليتحدث عن شرق الجزائر أمام لجنة لُوهُونْ للتحقيق Le Hon،  وتمتع المكي بن باديس مثل أبيه بثقة مكتب شؤون الأهالي، وبعد وفاة محمد كحول استمرا حميدة بن باديس عمّ عبد الحميد ومصطفى بن باديس والد عبد الحميد في خدمة فرنسا، وقد كوّن حميدة تكوين العلماء وعين قاضيا لمدينة قسنطينة، أما والد بن باديس فقد اختار التجارة فزادت ثروته على ثروة أسرته، ليتم تعيينه مندوبا ماليا عن قسنطينة في عام 1902،   ثم منحه وسام الشرف في عام 1919، إلى أن نال لقب الآغا في عام 1929 مقابل خدماته لفرنسا، وفي عام 1933 أصبح مصطفى بن باديس باش آغا المدينة، ومات وهو خادم لفرنسا، أما عن عبد الحميد بن باديس فقد ترعرع  في بيت بن جلول وتولت أمه تعليمه، بعدها سلم للشيخ محمد بن مالوس (المدّاسي) العالم الكبير الذي كان مسيده (مدرسته) خلف مسجد سيدي لخضر المخصص لبناء الأثرياء، ولما أصبح الوجود الأوروبي في قسنطينة جليا  عند بداية القرن العشرين، بدأ المستوطنون يؤثرون تدريجيا في حياة السكّان الجزائريين، وحدث تغير في المدينة.

وكان هذا التغير قد أقلق الإمام عبد الحميد ابن باديس، فكان كلما مر من أمام القلعة الحفصية التي كانت تحمي المدينة إلا وتذكر معركة " لابريش" la breche التي شهدت الكولونيل كومْبَسْ combes يضرب مدينة قسنطينة عام 1838 وكانت عيناه ما تنفكان تلمحان مسجد الباي الذي أصبح كاتدرائية المدينة، لكن والده أراد إبعاده فدبر  له فكرة السفر الى تونس لمواصلة تعليمه، وهناك ارتبط ابن باديس بالسلفية، حيث كانت تتواجد مدارس كثيرة هناك، وتعتبر المدرسة الصادقية من ابرز المدارس في تونس إلى جانب المدرسة الخلدونية التي عرفت بميولها للسلفية، وقد وفرت في مكتبتها مؤلفات حول الأصولية، وفي هذه المدرسة بالذات اكتشف ابن باديس الأصولية، التي أكد أعضاؤها ولاءهم لأفكار العروة الوثقى، في الوقت الذي شهدت الساحة التونسية صراعا كاد أن يكون دمويا بين  السلفية التونسية وعلماء الزيتونة التي كما قال المؤرخ غرقوا في العقيدة الخاطئة والجهل بتركهم القرآن واتباعهم مواعظ وتعاليم التيجانية، في الوقت نفسه كان ابن باديس أكثر تأثرا بالإباضيين.

وقد شهدت تنقلات ابن باديس من بلد لآخر واحتكاكه بالمجتمع الإباضي تغيرا،  ووقفت عائلته على هذا التغير في سلوكاته الغريبة، حيث صار يعيش حياة الزهد، ولولا حادثة مسجد سيدي لخضر لما عرفه الجمهور، لقد كان عبد الحميد ابن باديس خطيب هذا المسجد يلقي فيه المواعظ ويقدم محاضراته، غير أنه واجه صراعا داخل هذا المسجد عندما أمر مفتي المدينة الشيخ المولود بن الموهوب  بطرده من المسجد، لسبب واحد وهو الخلافات التي كانت بينه وبين مصطفى بن باديس والد ابن باديس، وقد عدها مصطفى بن باديس إهانة لعائلته، فكان عليه أن يحول ابنه إلى مسجد سيدي قموش، وهو مسجد العائلة، وكان هذه المرة الأولى التي يدرس فيها الإسلام خارج المدارس الرسمية التي تسيطر عليها الدولة، تجدر الإشارة أن أول مدرسة أسسها عبد الحميد بن باديس هي المدرس الباديسية الكائن مقرها بشارع ألكسيس لامبرت  Alexis Lambert، وكان منهجه إصلاحيا في الباديسية، ومن هنا نشبت الحرب الكلامية بين ابن باديس ومفتي المدينة المولود بن الموهوب، فكانت سببا في بداية تشتت الجزائريين وتفرقتهم، وانحراف الشباب عن المنهج الرباني، خاصة وأن ابن باديس كان أكثر تواصلا بالعلماء الإباضيين والزوايا والصوفيين الذين كانون من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومنهم أحمد بن عليوة  رئيس الطريقة العلاوية،  والشيخ قاسم شيخ الطريقة الرحمانية ومفتي الحنفية والمالكية في الجزائر وشيوخ الإباضية، وتوفيق المدني، الطيب العقبي، امبارك الميلي، والعربي التبسي والأمين العمودي، الذين عرفوا فيما بعد بالعلماء غير الرسميين.

ولعل ظهور المعارضة داخل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين برزت أنيابها مع بداية 1932 حينما تعرضعضو في اللجنة تاسيس جمعية  عمر اسماعيل رئيس اللجنة الدائمة والصديق الحميم للشيخ أحمد بن عليوة للطرد من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لمعارضته الصريحة لرئيس الجمعية عبد الحميد بن باديس، واقترح محمد الحافظي عضو آخر في اللجنة تأسيس  جمعية جديدة للجزائريين "السُنّة"، وانسحب 500 عضو  من جمعية العلماء المسلمين والتحقوا بالمعارضة، ومن هنا انفجر الجدال حول الإسلام الصّحيح وفشل مشروع التعايش بين الإصلاحيون والتقليديون،و تعمقت الهوة عندما اقترح البشير الإبراهيمي  تشكيل حزب "الإصلاحيين" لتطهير الإسلام في الجزائر من بدعه، وهو ما يوحي أنه وقعت خلافات بين بن باديس والإبراهيمي، ثم اتهام ايطب العقبي الشيخ بن عليوة بالشرك،مما أجبر بن باديس على إعادة مراجعة مواقفه، خاصة وأن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كانت في نظر والي الجزائر العاصمة ( ميشال) تشكل تهديدا للقانون والنظام في الجزائر، حيث اصدر مرسمين يمنع بهما أعضاء الجمعية من استخدام المساجد الممولة من الدولة لأهداف التعليم والوعظ، فخرج الإصلاحيون إلى الشوارع والمقاهي في مظاهرات واعتقل كثير منهم، وكما جاء في الكتاب فمواقف عبد الحميد بن باديس دفعته الثمن، لدرجة انفصاله عن أبيه الباش آغا مصطفى بن باديس الذي كان ممثلا ماليا ومستشارا بلديا لقسنطينة، وغادر منزل الأسرة، كما كشف المؤلف الخلافات بين بن باديس وبن جلول الذي اتهم الطيب العقبي باغتيال المفتي، لكمن في الحقيقة وكما هو مدون فإن محاولة اغتيال عالم قسنطينة كانت مدبرة من الشرطة الفرنسية لتحطيم صورة بن باديس وأتباعه باي ثمن.ذ، كون الرجل أعلن عداءه لفرنسا وحكومتها، وعبر عن آرائه عن حول مسالة الحضارة للجزائريين وكذلك لبقية البشر.

 

قراءة علجية عيش

 

mohamadsaed samadiأدب التراجم: تشكل كتابةُ سِيَر الرجال والأعلام مساحةً عريضة جدا في نصوص التراث العربي الإسلامي، تأليفا وتذييلا وتكميلا واستدراكا؛ وبهذا اللون من ألوان الكتابة احتفظت ذاكرة العرب والمسلمين بتاريخهم وأيامهم وأعلامهم وحكامهم وإسهاماتهم والكثير من التفاصيل والجزئيات التي غطَّتها ودوَّنتها مواد التراجم. وبذلك تكون كتبُ التراجم وثائق مهمة لكل مؤرخ أراد أن يبحث مرحلة من مراحل التاريخ أو بلدا من البلدان.فأنت مثلا حينما تقرأ كتاب" أعلام مالقة"  لصاحبيْهِ ابن عسكر(ت636هـ) وابن أخته ابنِ خميس(مج تاريخ الوفاة)، تجد نفسك أمام توثيق مُشوِّق ودقيق لجوانب مهمة من تفاصيل الحياة الأندلسية بمالقة وغيرها من الحواضر التي ينتسب إليها بعض من استوطن مالقة أو مرَّ بها. جاء في طالعته:" وجمع في هذا الكتاب من سكن مالقة ودخلها أو اجتاز عليها، وجملا من أخبارهم وأدبهم ومحاسنهم ومراسلاتهم وبلاغتهم، وذكر من أخذوا عنه من فقهاء الأندلس وغيرهم" . كما أنها ــ كتب التراجم ــ حفظت الكثير من الفرائد والنوادر التي اقتنصها المترجمون من المترجم لهم أو من تلامذتهم ممن أدركوهم أو ما تحصلوا عليه من أوراقهم ومخطوطاتهم؛ وهذا مثلا الأمير الأديب أبو الوليد إسماعيل ابن الأحمر الغرناطي الفاسي (ت807هـ) الذي ألف كتابا نفيسا في أدب التراجم على عهد الدولة المرينية سماه" نثير الجمان في شعر من نظمني وإياه الزمان" وجدناه يقول بين يدي ترجمته لمن وصفه وحلاه بصاحبنا الأستاذِ النحويِّ المقرئِ عبدِ الرحمن بن علي بن صالح المكودي:"... وكنتُ قد سألته شيئا من نظْمِه، لأنشرَ رداء معرفته وفهمه. فأبطأ علي بالجواب دهرا، حتى جمع من الشعر نزرا. وكتب ذلك في أوراق، وذيَّل بكلامه الذي راق. وذكر في أول كلامه اسمي، وطرزه برسمي، لما توالى مني السؤال عليه ودؤب  الطلب مما من النظم لديه. وبعث بذلك إلي، وألقى زمامه في يديَّ، واخترت منه ما يُعْلِمُ باتساع باعه، وانطباع طباعه " .

واضح أن المعتنين بفن التراجم بذلوا جهودا مضنية لجمع مواد الترجمة بما عانوه وكابدوه في هذا المجال، حرصا منهم ألا يفلتَ توثيقُ حركةِ الأدب والعلوم والثقافة والجهاد ومختلف الفنون من الضياع والتلف؛ فصنفوا في طبقات الرجال والبلدان والتخصصات والفهارس الخاصة  ؛ مما فوَّت علينا الكثيرَ من عِلل الإهمالِ والنسيانِ والنكرانِ والمساحات الفارغة في جوانب مهمة من تفاصيل حركة التاريخ والإبداع...

تراجم النساء عند المحدثين: اعتنى القدماء من المترجمين في مصنفات تراجمهم بجمهرة من أعلام النساء ومنهم من خصَّهن بمصنفات خاصة ليس هنا مجال سردها،  وذلك لأنهم لم يغفلوا أدوار النساء في مشاركاتهن في الحياة العامة وأدوارهن الطلائعية في مجتمعاتهن. وكانت النسوة من جيل الصحابيات وأمهات المؤمنين وآل البيت من أوائل ما سُطر وحُرِّر في هذا الباب توثيقا لأدوارهِن في مسارِ الدعوةِ الجديدةِ وما تلاها من محن وابتلاءات وفتن متعددة. ولعل من أجود مَنْ تتبعَ تفاصيل نساءِ المجتمع النبوي من المتأخرين المرحوم عبد الحليم أبو شقة(ت1995) في سِفْرِه النفيس" تحرير المرأة في عصر الرسالة "  وأحصى في أجزائه الستة جملةً من تراجم الصحابيات وتتبعَ دقائقَ حركتِهن وإسهاماتِهن في الدعوة ومشاركتهن في الحياة العامة.

وأورد محمد بن جعفر الكتاني في "سلوة الأنفاس" ترجمة قرابة خمسين امرأة، وكذا فعل العلامة محمد داود التطواني حينما ذكر في تاريخه بعض الفاضلات من نساء تطوان وأخبارهن ووصاياهن كالفقيهة رقية بنت العلامة محمد الورزيزي  وغيرها. وهذا عبد الله كنون وهو يؤرخ للنبوغ المغربي نجده حريصا على الإنصاف في التأريخ والترجمة والإشارة والتوثيق ل"مُساهمة المرأة المغربية في بناء صرح النهضة العلمية...ولنعطِ على ذلك مثالا ــ يقول ــ في حقل العلوم الدينية السيدة أم هانئ بنت محمد العبدوسي الفقيهة الصالحة أخت الإمام الحافظ عبد الله العبدوسي، قال الشيخ زروق في كناشته: كانت فقيهة، ذات علم وصلاح... وفي الميدان الأدبي نذكر الأديبة أم الحسن بنت لأحمد الطنجالي نزيلة لوشة...أما في الميدان العلمي فسنترجم للطبيبة عائشة بنت الجيَّار  مكتفين بها، ونحن على يقين أن هناك كثيرات من السيدات الفاضلات اللائي يشاركن في غير ما ذُكِرَ من ضروب المعارف، ولكنَّ أخبارهن لم تُحفظ بسبب الإهمال الذي مُنيَ به تاريخنا الأدبي بالنسبة للنساء والرجال."                                                                                                                      وفي هذا المجال أيضا نجد مِن أبرز من خَصَّ المرأة بالترجمة من الرجال من المعاصرين نجد العلامةَ سليمان الندوي صاحبَ "سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين"  ؛ والأديبَ الوزيرَ محمد عبده يماني(ت2010م) الذي وضع تأليفَه الشهير" خديجة بنت خويلد سيدة في قلب المصطفى"  ؛ووَضع سِفرا نفيسا وَسَمَه ب" إنها فاطمة الزهراء" ...

وقد تتبع الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري في بحث له "صورأ من الإسهام العلمي للمرأة في التاريخ الإسلامي" يمكن العودة إليه على الشبكة الرقمية؛ وقدم الأستاذ الدكتور محمد أكرم الندوي الباحث بمركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية درسا حسنيا السنة الماضية 2016/ 1437هـ تحت عنوان" جهود المرأة في الحديث النبوي الشريف"  . وهي جهود علمية مميزة استوعبت عصورا تاريخية مختلفة ومجالاتٍ معرفيةً متعددةً في حدود ما سمحت به ظروف العالم الإسلامي وحدود حركية المرأة المسلمة داخل محيط مجتمعها ...

المرأة تترجم للمرأة: من الكتابات التي استأثرت بتراجم النساء أيضا وأضْفَتْ عليها خصوصية معينة وجوانب مضيئة، ما حبَّرته المرأة في حق أختِها المرأة، وتميزَ هذا اللون من الكتابة بتكثيف وخصوصية أنثوية ذات ملامح جمالية وتدقيق فني متميز؛ جعل منها نصوصا تميل إلى الإبداعية والعاطفية الرقيقة  أكثر من التركيز على تقديم المعلومات والأخبار . ومن نماذج ذلك ما كتبته العالمة الأديبة أمينة عبد الكريم اللوه(ت 2015) تحت عنوان" الملكة خناثة قرينة المولى إسماعيل"  وهو نص سردي في قالب روائي تؤرخ فيه لهذه السيدة التي عُدت بمثابة مستشارة  للسلطان المغربي زوجِها المولى إسماعيل. وحررت السيدة نفسُها أمينة اللوه مقالا نشرته سنة 1969 تحت عنوان" نساء مدحن الرسول صلى الله عليه وسلم" .

ومن أجود ما كُتِب أيضا في هذا الباب السِّفرُ البديع" تراجمُ سيدات بيت النبوة" لصاحبته العالمة الدكتورة عائشة عبد الرحمن(بنت الشاطئ)، وهو الكتاب الذي ما فتئت تراجعه وتنقحه وتهذبه الباحثة المنقِّرةُ المدققة طبعةً بعد طبعة، وذلك " لأستدرك فواتا وأضيف إلى مادته جديدا مما وقفتُ عليه فيما أتابع من دراسات إسلامية. فكان أن عكفتُ على إعداد هذه الطبعة الجديدة، بما استدركتُ على سابقاتِها من أخطاء وأوهام وفواتٍ، وما وثَّقتُ من مرويات وأخبار جاءت مرسَلة أرسلت من مرويات وما أضفتُ إلى مصادري من أصول لم تكن مُيَسَّرة لي من قبل."  وهو كتاب حاز حظا وافرا  من الإبداع والنَّفـَسِ الأدبي والتصوير الجمالي والصياغة الأسلوبية الرقيقة لمواد السيرة  لِمَنْ ترجمت لهن، بل توفَّقت أيضا إلى حد كبير في وضع عناوين أساسية وفرعية لكل مبحث ومطلب تمتح من معجم الإيحاء والدلالة واللغة الرامزة؛ فيكون العنوانُ بمثابة إشارة ملخصة مشوقة تشدُّك شدا للقراءة ومتابعة أطوار الحكي واستكشاف جانب آخر من جوانب السيدة المترجم لها؛" الوداع، السر المذاع، الوديعة الغالية، طيف لا يغيب، سفر إلى يثرب، نذر العاصفة، دليل الركب، محاولة وإصرار، بطلة كربلاء، الصدى الباقي، زواج مثمر، شروط عجيبة، الأديبة الناقدة، الهلال الغارب،..."

لاشك أن المرأة حينما تترجم لأختها أو تكتب عنها فإن سبر أغوار الشخصية يكون عميقا ودقيقا ويلامس جوانبَ قد يغفلها المترجِمون من الرجال، أو على الأقل ليس من المُتيسرِ والسهلِ الوصولُ ــ حسب القواعد والأعراف ــ واللقاءُ المباشرُ الذي يسمح بالمعرفةِ عن قرب والسماحِ بالاطلاعِ على تفاصيل مفيدة في ترميم وتجميع مكونات مادة التراجم ، مما يمنحُها قيمة تجعلها وثيقة معتمدة لدى الدارسين لمعرفة مكانة المترجم لها وبَـيتها ومحيطها وبَلدها وحركة العلم والأدب بزمنها. ولا يغرُب عن البال ما يصاحب عملَ المترجِم من معاناة ومغالبة وجهد مضْنٍ كما سنجد عند الدكتورة زبيدة الورياغلي وهي تستجمعُ مواد تراجمِها بجَلَد وصبر وحب قلَّ نظيره. 

ويجب ألا نغفل في هذا الصدد الإشارةَ إلى نصوص كثيرة مهمة يمكن أن يحظى بها ويستثمرَها المعتنون بتراجم النساء خاصة المعاصرات، تُترجم فيها المرأة لنفسها، من خلال سِيَـر ذاتية أو مذكرات، أو مقابلات وحوارات منشورة، إذا استُجْمِعت واعتُني بها ستشكل موارد مصدرية مهمة في بناء ترجمة متماسكة متكاملة. يمكن أن نستشهد هنا بالحوار الطويل والمفيد الذي عرَّفَـتْ فيه سيدة بنفسها؛ ويتعلق الأمر بفريدة بليزيد المرأة الطنجية التي تُقدِّمُ نفسها كأول مغربية درست السينما ، وشقت طريقها في الفن السينمائي منذ وقت مبكر.           

1028 samadiقراءة في كتاب: نساء طنجة الرائدات:

أ ــ مؤلفة الكتاب: الدكتورة زبيدة الورياغلي  أستاذة باحثة ومربية سابقة، ولدت ونشأت في طنجة أمد الله في عمرها، شُغفت منذ يفاعتها بالنشاط والعمل الجمعوي ومازالت كذلك إلى الآن على كِبر سنها دون ملل أو امتعاض رغم المثبطات وكثرة المعيقات. عرفتُها في مجالا البحث العلمي، وجمعَتْنا وحدةُ المسلك في دبلوم الدرسات العليا والدكتوراه لاحقا، وكانت تُمثل لنا نموذج المرأة المغربية الأصيلة التي تبحثُ وتَجِدُّ وتجتهدُ في مجالات بحثية عميقة مثل التفسير الإشاري والتحقيق، وهما مجالان غاية في الصعوبة والتدقيق والمهارة البحثية عكس ما قد يظنه باحث مبتدئ، ومع ذلك شَقَّتْ طريقها بثبات وعزيمة تُـذَكِّـرنا بالمقولة المأثورة " مع المَحْبَرة إلى المقبرة ، ومن المهد إلى اللحد "، وهكذا تكون المؤلفة زبيدة الورياغلي قد وفقها الله لإنجاز الأعمال الآتية:

1. البحر المديد في تفسير القرآن المجيد: للشيخ أحمد بن عجيبة (ت1224)، الربع الثاني بدءاً من سورة الأعراف تقديم وتحقيق، نالت به دبلوم الدراسات العليا سنة 97ـ 1998. نسخة مرقونة منه توجد بمكتبة عبد الله كنون تحت رقم ب534.

2. "كتاب البحر المديد في تفسير القرآن المجيد" للشيخ أحمد بن عجيبة، النصف الأول؛ قدمته لنيل الدكتوراه الوطنية سنة  2001. نسخة مرقونة بمكتبة عبد الله كنون.

3. تفسير سورة الفاتحة من كتاب البحر المديد: دراسة وتحقيق طبع سنة 2013 ، وهو في 120 صفحة. وفيه تؤكد أن كل مشتغل بعمل التحقيق يعاني أثناء بحثه أن يكون عملُه قد اشتغل به أحدٌ ونشره في قطر من الأقطار، وخاصة قبل ظهور الشبكة الرقمية، تقول الأستاذة زبيدة الورياغلي:" وفي المدة الأخيرة علمتُ وأنا قد قطعتُ شوطاً كبيرا في تحقيق الكتاب بصدور طبعة منه بالقاهرة في ستة مجلدا، فترددتُ طويلا بين أن أتوقف أو أستمر في عملي، وحرصتُ على أن أطلع على الطبعة... فكانت مفاجأتي عظيمة، ذلك أنه تأكد لي بعد التفحص والإمعان ضرورة الاستمرار في العمل، بل إن حرصي على إتمامه زاد، ومرد ذلك إلى أن الطبعة المذكورة ــ كما تأكد لي ــ متسرعة تفتقد إلى كثير من الشروط الواجب توفرها في أي تحقيق علمي"   

4. نساء طنجة الرائدات الجزء الأول: وهو الكتاب الذي بين أيدينا في انتظار صدور جزئه الثاني قريبا بحول الله.

في شهادة لأستاذنا المشتركِ البحاثةِ المحققِ المرحومِ عبد الله المرابط الترغي في حق المؤلفة نجده يقول في المقدمة التي صدَّرت بها كتابها الفريد يقول:" والدكتورة زبيدة الورياغلي عالمة وباحثة ممتازة، صرفت حياتها كلها في التعليم، وفي كل مراحله من الابتدائي إلى الجامعي، وقد حصلت على أعلى الشواهد الجامعية...وبموازاة ذلك عملت في أكثر من جمعية نسائية. فهي صاحبة تجربة ثقافية ناضجة ذات عطاء في كل مستويات هذه الثقافة، في الكتابة والتأليف، وفي المشاركة في الندوات والتجمعات العلمية وفي كتابة الأعمال الصحفية."  ويعترف لها الدكتور المؤرخ الشاب رشيد العفاقي بباعِها في مجالات اهتماماتها وتخصصها فيقول: "والدكتورة زبيدة الورياغلي سيدة معترف لها بالكفاءة العلمية في مجال تخصصها، بأبحاثها الرصينة، وبمعلوماتها التي تستقيها من مصادرها الأصيلة" . إنها شهاداتٌ محبَّرة أشهدُ ومَنْ عايشَها وجاورَها ومازالَ يعايِشُها أنَّ همَّتها وجديَّتَها وطموحَها أكثرُ مما قيل، وأجدرُ أن يكون نموذجا نسائيا مُحتذى في زمنٍ انشغلت فيه المرأة المغربية المتعلمة بالملهاة وسفساف الأمور. تقول وهي تختم بحثها لنيل الدبلوم:" الحمد لله الذي وفقني إلى إتمام هذا العمل الذي احتسبته لله تعالى، راجية أن أنالَ به عفوه ورضاه وأجره سبحانه، وأن يغفر لي سيئاتي ويتجاوز عن أخطائي"  لقد كانت ومازالت تشتغل بالبحث والتنقير والكتابة والمشاركة لا تبغي بذلك ترقية ولا درجة، ولم تستفد من الأعمال التي أنجزتها في مسارها المهني ولم يكن ذلك عندها هدفا ولا أمنية، وهو ما أضفى على عملِها نَفَساً علميا خاصا، عَكْس بعض المتسرعة الذين يُبيضون ويُسَوِّدون لنيل الأوطار. 

ب ــ الكتاب: تعرف حركةُ التأليف المعاصرِ في تاريخ المدن وباديتها حركة علمية نشيطة اهتم بها من أدرك دورَ توثيق أخبار الأعلام والأحداث والمآثر في حفظ وصيانة التراث المادي والمعنوي للحاضرة والبادية المغربيتين، ويندرج هذا التأليف بصفة خاصة ضمن هذه السلسلة في نطاق  توثيق تاريخ طنجة وأعلامها. ولا أشك أن كتاب" نساء طنجة الرائدات" أولُ كتابٍ في الباب يُترجم لنسوة طنجة ممن كان لهن دورٌ وإسهامٌ وحركةٌ في البيئة الطنجية على عهد ما بعد الاستقلال. وقد نحتت من صخر، وأوجدَتْ من لاشيء شيئًا، ويا ما أصعب أن يستند بحثُك على فراغٍ توثيقي ومصدر مرجعي، ويزداد الأمر صعوبة وتحديا أن تُـرابط مُرابَطة في ثغور المواعيد والاعتذارات والتأجيلات والتسويفات والإلحاحات لتظفرَ بمقابلة أو حوار يمنحك الفتات من المعلومات والأخبار بلْهَ الوثائق والمخطوطات أو الصور. في هذا الخضم اشتغلت الباحثة زبيدة الورياغلي، واستطاعت أن تنجز هذا العمل الذي حوى اثنين وعشرين اسما ممن توفر فيه شرط الترجمة ممن ولدت بطنجة أو أقامت بها مدة معينة. يقول الدكتور عبد الله الترغي:"... تبقى أعمال كتاب(نساء طنجة الرائدات) عملا جيداً، يغطي ما أهملته أقلام الرجال من أنشطة المرأة في العمل الثقافي والجمعوي بطنجة والمغرب؛ لذلك كان هذا العمل المتمثل في تراجم نساء رائدات من طنجة عملا مهما جدا، له موقعه في التأريخ لطنجة وفي الكتابة عنها، وفي التعريف بأنشطة الساحة الثقافية والفنية والفكرية والجمعوية بها." والكتاب يغطي مرحلة مهمة من تاريخ المرأة بحاضرة طنجة التي خرجت من صبغتها الدولية وانعتقت من ربقة الاستعمار الذي سطا على المدينة لزمن كاد أن يطمس هويتها وخصوصيتها؛ مما جعل المرأة الطنجاوية التي أدت أدوارا وإسهامات مهمةً ساعدت رجال المقاومة والتحرير، تُقبلُ بشكل كبير على المشاركة في الحياة والانخراط في المدارس والتعلم والتعليم مع مواجهة التحديات وصعوبات المرحلة على مستوى الأسرة ومغالبة المحافظة والجمود، وفي هذا الإطار أرخت ووثقت الباحثة لأشهر النسوة اللواتي أدركت بعضهن وهي صغيرة، ومنهن من عاشرتهن أو صاحبتهن أو تيسَّر لها لقاءُ بناتهن لتجميع مواد الترجمة والتعريف بأدوارهن، فكانت تنحت من صخر كما يقال...

منهج الكتاب ومميزاته: حرصت الأستاذة الباحثة أن تبني تراجمها على مكونات أساسية في بنية نصوص الترجمة؛ بدءا من تحليةٍ للاسم بالصفة المؤذِنَةِ بنوعِ الشخصية وطبيعة اهتماماتها كالفقيهة والمُدرسة والإعلامية واالكاتبة والأديبة والناقدة والسيدة والإذاعية والحافظة والروائية والشاعرة والتشكيلية والمقاوِمة...ثم تحرص على ذكر تاريخ الميلاد والوفاة لمن توفيت منهن. وهي تترجم للوفيات وحتى لبعض المعاصرات ممن هن على قيد الحياة.وقد ترجمتْ لأجنبية وحيدة استقرت بالمدينة وكان لها حضور بها، وهي الإيطالية" إليسا كيمنتطي" التي درَّست الأميرة فاطمة الزهراء وحلَّـتها بالكاتبة والأديبة(1883ــ 1969). وتتوالى مواد الترجمة بذكرِ البيت الذي تنتمي إليه المترجَمَة سواء من جهة الأصول/ الوالد، أو جهة الزوج؛ بحيث يكاد يكون الكتاب الذي بين أيدينا تجميعاً لبيوتات طنجة العلمية أو المشهورة، فتكاد تكون كل مُترجَمَة تنتمي لبيت معروف مشهور" السميحي، أمقشد، كنون، سكيرج، السنوسي، ابن عبو، ابن غربيط، الخمال، أقلعي، العشيري، الزجلي،..."

وبذلتْ جهدا ملحوظا في استقاء المعلومات التي دعمت بها مضامين الترجمة، وكانت المعلومات المتفرقة وبعض الوثائق التي توصلت إليها تقودها إلى التحليل والاستنتاج واستخراج معلومة جديدة لم يكن للناس علم بها، فمثلا نجدها تقول عن السيدة الفقيهة خدوج الزجلي وهي تتحدث عن تعلمها والمدارس التي تدرجت فيها،  وتحرص أيضا أن تحدد بدقة مكان المدرسة المذكورة وإن تغير اسمها أو اسم الحي التي كانت به، ويجرها ذلك لإعطاء معلومة عن المدرسة وتاريخ إنشائها؛ تقول:" وعلى هذا الأساس يمكن القول ــ في حدود علمي ــ أن الفقيهة للا خدوج الزجلي أول سيدة انخرطت في سلك التعليم العمومي بطنجة، حيث التحقت في بداية مسارها التعليمي بمدرستين عموميتين، الأولى بحي بني يدر، والثانية بالسقاية قبل التحاقها في فاتح أبريل سنة 1931م، بمدرسة القصبة للبنات،(فاطمة الفهرية حاليا) بطنجة الواقعة بزنقة ابن عبو  بحي القصبة، والمجاورة لمسجد القصبة العتيق الذي شُيِّدَ سنة 1282هـ 1863م ، والتي كانت تحمل آنذاك اسم (مدرسة دار الضمانة للبنات المسلمات)وقد فتحت أبوابها بتاريخ 22/12/1930م لاستقبال أول فوج من البنات من مختلف الأعمار والطبقات الاجتماعية بمدينة طنجة، وكانت المشرفة على إدارة المؤسسة أستاذة فرنسية تدعى Rosin Goudiani إلى حدود سنة 1960م." 

ويظهر جليا أن الكتاب يُؤرخ لجوانب مهْمَلَة من تاريخ طنجة، فهو بهذا الاعتبار وثيقة تاريخية مفيدة للمهتمين بتاريخ المدينة ومعالها ومآثرها، وقد وجدتُ المؤرخ الطنجي الدكتور رشيد العفاقي يذكر الباحثة زبيدة الورياغلي سبع مرات في هوامش بحثه القيم والمفيد "إسهام المرأة الطنجاوية في نهضة التعليم وفن الرسم1930ــ1960، يقول  بعد أن أشار إلى غياب تراجم لنسوة طنجة:" عدا مقالات الأستاذة زبيدة الورياغلي المنشورة في جريدة طنجة ومقال للسيدة أم هشام  في نفس الجريدة، لا نعثر على كتابات حول المرأة الطنجاوية."  ويقول المؤرخ رشيد العفاقي معقبا على ترجمته للسيدة شمس الضحى أبو زيد والتي أشار فيها  إلى الغبن والنسيان والنكران الذي طال هذه الأديبة رحمها الله:" ترجمت الأستاذة الدكتورة زبيدة الورياغلي للأديبة شمس الضحى بوزيد، وختمت كلامها بما يخالف ما قررناه أعلاه... والدكتورة زبيدة الورياغلي سيدة معترف لها بالكفاءة العلمية في مجال تخصصها، بأبحاثها الرصينة، وبمعلوماتها التي تستقيها من مصادرها الأصيلة، فلعلها تلقَّت ذلك أخذا أو سماعا، أو وقفت على تقييد يؤيد كلامها المذكور..."   

تتطرق أيضا مواد الترجمة إلى دور المرأة الطنجية في الجهاد والمقاومة والطرق والحِيَل التي سلكتها لتيسير سُبل التواصل بين المناطق النائية وتبليغ الأوامر والتعليمات، ومن ذلك استغلال اللغة الأمازيغية (الريفية بالخصوص)  في تمرير الخطط، وتوفير التغذية ونقل السلاح واستغلال البيوت للتأطير والتخطيط وتوزيع المناشير، يرد في ترجمة المقاومة فاطمة المرابط (ت2009) " كانت شقيقته فاطمة المرابط أثناء زيارتها له في سجن غبيلة بالدار البيضاء تتبادل معه الحدي باللهجة الريفية التي كان حراس السجن لا يفهمونها، فتتولى هي نقل التعليمات الصادرة عن أخيها إلى أعضاء الخلية... كان بيتها بعد انضمامها إلى حركة المقاومة المسلحة مقرا للاجتماعات السرية للمقاومين... ــ وفي رواية شفوية من ابنها تحكي زبيدة الورياغلي ــ وفي إحدى المرات، ألقي القبض على فاطمة المرابط وابنتها من طرف الشرطة الدولية بمدينة طنجة وكانتا متوجهتين إلى مدينة تطوان في مهمة سرية وتحملان جواز سفر صادر عن سلطات المنطقة السلطانية آنذاك. فتم توقيفهما وحجزهما في مركز الشرطة بالسوق البراني، ولم يفرج عنهما إلا بعد تدخل أحد أبناء المدينة المرموقين، وقد وقع هذا الحدث يوم 30مارس1952 أثناء المظاهرة الصاخبة التي عرفتها مدينة طنجة"

ومن مميزات الكتاب أنه يوثق أيضا لمنظومة القيم الأصيلة والمحافظة وأيضا لمنظومة قيم التحرر والتحديث وصعوبة فصل التقاليد والعادات عن الشعائر والعبادات؛ بحسب طبيعة اللحظة وإيقاع الوعي ورواسب الاحتلال وصراع الهويات، فالمرحوم عبد القادر السميحي يعتبر الحجاب الذي كانت تضعه المرأة الطنجية وقتئذ مشكلة تعيق النهوض بالمسرح ومظاهر الترفيه، وكانت الهواجس والطموحات مشرئبة لكل انفتاح وتحرر كما يحصل عند كل لحظة انعتاق بما يصاحبها من تسرع وانبهار ، تنقل الأستاذة زبيدة الورياغلي عن عبد القادر السميحي قوله:" لم تكن التقاليد الاجتماعية تأذن يومئذ باختلاط الجنسين، والسماح للمرأة المغربية بالتمثيل، فضلا عن مشكلة الحجاب وتفشي الجهل في وسط المرأة المغربية" ، فوقع له سَبْقُ قلم حين اعتبر خصوصية لباس المرأة المغربية مشكلة معيقة.

فائدة: عند حديثها وترجمتها للفقيهة خدوج الزجلي المرشانية أول مُدرسة بالقطاع العام ، تطرقت لحادثة نزاع حضانة وقعت بين أسرتين، وروت لها الحفيدة الحكاية، تقول المترجِمة:" وقد أخبرتني حفيدتها الأستاذة فائزة الشاوي بقصة نزاع حصل بين عائلتين معروفتين بالمدينة حول حضانة طفلة، فتدخل المندوب السلطاني السيد التازي في القضية، وأمر بإرسال الطفلة إلى للاخدوج لتتولى تربيتها ورعايتها والتكفل بها فرضيت العائلتان بذلك.  وقد وقفتُ على حكم صادر ضمن أحكام القاضي الفقيه العلامة محمد المرابط الترغي رحمه الله  ظننته يتعلق بنفس النازلة، ويزيل بعض لبسٍ عنها، وقد أصدر فيه حكما استئنافيا نهائيا معاكسا للحكم الابتدائي الذي ظفر به المدعي تحت عنوان" حكم عدد 50308 متعلق بطلب المدعي بسقوط حضانة المدعى عليها عن بنتها.... وتسليمها له." ومما جاء في صك الحكم النهائي الاستئنافي ما نصه:"...وحيث إن البنت المحضونة تبلغ في سنها نحو 15 سنة قضتها مع أمها، وأمها لم تتزوج مع أنها صغيرة ومرغوب فيها، إلا أنها حبست نفسها عاى هذه البنت رعاية وحفظا لها، وهي من ذوات البيوت الكريمة يأبى عليها شرفها أن تنساق لما تشهد به شهود اللفيفة المضادة. وحيث إن حكم القاضي ورد غير صحيح لعدم مناقشة اللفيفة التي اعتمدها، ولهذه الأسباب  إن محكمة الاستئناف وهي تقضي علنيا، حضوريا، انتهائيا بقبول الاستئناف وبإلغاء الحكم المستأنف... " 

على سبيل الختم: ظفرت المكتبة المغربية بنص متميز لكاتبة شغوفة بالعلم والبحث، ولعل صدور الجزء الثاني إن شاء الله سيمكن القارئ من الاطلاع على أخريات من نسوة طنجة اللواتي كان لهن حضور ونشاط في ميدان من الميادين المختلفة، ولعله يكون بادرة لكتاب جديد عن نساء تطوان العالمات والرائدات، فلو تصدت فاضلة من فاضلات تطوان لتدوين تراجم المرأة التطوانية الحديثة والمعاصرة لوقفنا على درر نادرة وفوائد ثمينة قلَّ أن نجدها في كتب الرجال. وهي دعوة لتعزيز الكتابة النسائية في مجال مغمور قـلَّما يُلفتُ إليه...  

 

د ــ محمد سعيد صمدي

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين/ طنجة

 

 

eljya ayshكشف الدكتور عبد الله حمادي خلال عرض كتابه الجديد أن تأسيس مؤسسة الشيخ عبد الحميد ابن باديس جاءت بطلب من رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وهو من زكى هذا المشروع ليكون مكملا لمؤسسة الأمير عبد القادر بمنطقة الغرب، وكشف الدكتور عبد الله حمادي أنه هو المؤسس الحقيقي للمؤسسة وبحوزته رسالة التزكية التي بعث بها رئيس الجمهورية

غاب كل من المؤرخ الدكتور عبد العزيز فيلالي الرئيس الحالي لمؤسسة الشيخ عبد الحميد ابن باديس الكائن مقرها بشارع العربي بن مهيدي ولاية قسنطينة شرق الجزائر والرئيس السابق للمؤسسة الدكتور عبد الله بوخلخال (عميد جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية سابقا) لمناقشة الكتاب الجديد  الذي أصدره الدكتور عبد الله حمادي، وعرضه  بالمسرح الجهوي قسنطينة، وهما اللذان شاركا في الاجتماع الذي أشار إليه صاحب الكتاب عندما تحدث عن ظروف تأسيس مؤسسة الشيخ عبد الحميد ابن باديس، موضحا أنه حضر الاجتماع 12  شخصا من مثقفين وباحثين وناقشوا مسألة من يترأس المؤسسة، ودون أن يدخل في تفاصيل الاجتماع وما حدث فيه، كشف الدكتور عبد الله حمادي أنه هو صاحب مبادرة إنشاء مؤسسة عبد الحميد ابن باديس وهو مؤسسها الأول، وذلك بتزكية من رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وما زال يحتفظ برسالة الرئيس الذي زكى هذا المشروع.

الكتاب الذي حمل عنوان "ابن باديس سيرة ومسيرة" صدرت طبعته الأولى في السداسي الأول من السنة الجارية 2017 عن منشورات الوطن اليوم، يقع في 300 صفحة، وهو يدخل ضمن سلسلة كتاب الجيب، وقال أن أصل عائلة ابن باديس الحقيقي ينتمي والى مناد ابن زيري الصنهاجي موقعهم في ضواحي المدية في الجزائر العاصمة وليس قسنطينة ،  موضحا أنها من مخلفات المذهب الشيعي في الجزائر ولهذا كانت المرأة القسنطينية ترتدي الملاءة السوداء،  ثم استغنت عن المذهب الشيعي وعادت إلى المذهب السني قبل أن تستقر في قسنطينة طلبا للحماية وقد استقبلوا من طرف سيدي عبد المومن أحد الموالين للدولة الحفصية، وأوضح الدكتور حمادي أن "الكتاب الذهبي" الذي كتبته فرنسا  احتفالا بمئوية احتلالها الجزائر، أشار إلى عائلة ابن باديس  بكثير من التفصيل في زمن جدهم المكي بن باديس، وكان هذا الأخير قد منحته فرنسا رئاسة مكتب العرب، الذي تحول إلى مكتب الأهالي.

و تطرق الدكتور حمادي إلى ملامح الوضع في الجزائر أيام ابن باديس، وظروف تأسيس جمعية العلماء المسلمين، التي قال عنها أنه لولا الخدمات التي قدمتها عائلة ابن باديس لفرنسا لما تمكن الشيخ عبد الحميد ابن باديس أن يترأس هذه الجمعية، ونتيجة هذه الخدمات انتقل نابليون الثالث من فرنسا إلى قسنطينة ليكرم جده المكي ابن باديس، والدليل على ذلك أن والد ابن باديس محمد مصطفى  طيبة 60 سنة من حياته لم تزجه فرنسا في السجن ولا يوم واحد، غير أن ابن باديس وظف هذه الخدمات لصالح الجزائر، هكذا أضاف المؤلف الذي عرج إلى الحديث عن  مشاريع ابن باديس الثقافية وتأسيسه للنوادي الأدبية والثقافية ومدرسة التربية والتعليم، وأحداث المؤتمر الإسلامي، وآليات المناظرة والحوار عند ابن باديس.

و ما بين هاته وتلك كشف عن بعض الحقائق المكتوم عنها والتي تدخل في خانة الطابوهات، مثل الحديث عن دور الزوايا وشيوخ الطريقة الذين قدموا خدمات لفرنسا عام 1914 ووقفوا ضد مستقبل الجزائر، وهي الأسباب التي دفعت بابن باديس الى محاربة الطرقيين، ومجابهتهم بالحجة والدليل، مثلما قال في الصفحة 39 من الكتاب، رغم أنه كان صديق شيخ الزاوية الرحمانية، وقال الدكتور عبد الله حمادي، أن ما يميز العلامة ابن باديس من الدعاة المعاصرين هو أنه داعية عملي، بحيث لا يدخل في متاهات التكفير والتحليل والتحريم، وكان في حالة مجابهة مع الاندماجيين وفرحات عباس، لأنه كان لا يساوم ولا يسامح كلما تعلق الأمر بالجزائر، ولم يهمل العلامة عبد الحميد ابن باديس رسالته في عملية الإصلاح إلى أن تمكن منه المرض بسبب قلة النوم والأكل، وأقعده بغرفته التي كانت متواجدة بمدرسة التربية والتعليم وتوفي فيها، وقبل أن يتوفى ترك وصية بأنه إذا مات لا يحمل جثمانه سوى طلابه.

 

علجية عيش

abdulhusan salehaltaiامتاز الشاعر العراقي الدكتور حسن البياتي بجودة وغزارة إنتاجه الشعري والأدبي (الابداعي والثقافي)، منذ خمسينات وستينات القرن الماضي، فهو من المتأثرين بعمالقة الشعر والأدب، قديماً وحديثاً، يمتلك تجربة غنية رصينة في أكثر المجالات الأدبية، أغلب إنتاجه الإبداعي تلاقفته الصحف والمجلات ونُشر على نطاق واسعٍ. وبعد أن فقد نعمة البصر في نهاية القرن الماضي في اليمن، واستقر به الأمر في لندن، ملكوت ظلامه الجديد الذي انحسر النور فيه عن عينه، ورافق ذلك تدهور صحته المقرونة بأوجاع الشيخوخة. ورغم تلك المعضلات والمعوقات، عقد العزم على مواصلة مسيرة الإبداع الشعري والأدبي، على غرار أبي العلاء المعري وطه حسين وغيرهما من المبدعين.

صدر له ديوان شعري (في ملكوت الظلام) عن دار الفارابي في 2008، و كتاب (وجوه بصرية) في 2010، وبعض الأعمال المنشورة هنا وهناك. وبعد مضي عقود على نشر الكثير من أعماله الإبداعية، أدرك شاعرنا ضرورة إحياء تلك الآثار بإصدار سلسلة خماسية الحلقات، بدأها بكتاب (رسائل ثقافية متبادلة بيني وبين ...)، صدر عن دار الفارابي في آذار 2015، الذي حمل مادة تاريخية تسجيلية فيها ضرب من الإمتاع والمؤانسة. ورفدنا بكتاب (كتبوا عني ... وكتبن)، صدر عن دار الحكمة في لندن 2016، الذي احتوى على مواد متنوعة حياتية وثقافية وإبداعية لأجيال مختلفة. والكتاب الثالث، موضوع هذه المقالة  التي ستُنشر على حلقتين، صدر عن دار الفارابي في كانون الثاني 2017، (مقدمات وإشارات تعريفية بآثار إبداعية ومعرفية)، وفي انتظار صدور الكتاب الرابع هذا العام بعنوان (الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر).

ضم كتابه الثالث مجموعة من المقدمات والإشارات التي كتبها شاعرنا البياتي خلال الحقب الزمنية السابقة في المجالات الإبداعية كالشعر والقصة القصيرة والرواية والمسرحية والأسطورة وغيرها، وقد تخطت هذه المقدمات والإشارات إلى آفاق أرحب بتناولها موضوعات حياتية متنوعة جاذبة نابعة من ثقافات الشعوب وتراثها الأدبي، كالأدب الفليبيني والأدب الآسامي – الهندي والأدب الأوزبكي والأدب الجورجي والأدب الأرمني والأدب البلغاري والأدب المكسيكي. ونستطيع القول إن هذه المقدمات والإشارات التي صاغها البياتي بأطر أدبية وتاريخية وسياسية وعلمية وخيالية وأسطورية، تهدف إلى تزويد القارئ بفيض هائل من كنوز المعرفة التي شملت طيفاً راقياً متنوعاً من الأعمال الإبداعية، وبالتالي تحفيزه للبحث عنها والاطلاع عليها بشكلها الأصلي الكامل.

1026 hasanقسم البياتي الكتاب بعد المقدمة إلى قسمين، ضم الأول ستة عشر أثراً من الأعمال الإبداعية التي قام بترجمتها من اللغة الروسية وكتابة مقدماتها، بدأها بمقدمة رواية من الأدب المكسيكي الحديث (أولئك الذين تحت)،  للكاتب المكسيكي الواقعي ماريانو اثويلا، الذي وظف كل موهبته الإبداعية في هذه الرواية التي جوهر أحداثها الثورة الشعبية المكسيكية التي اندلعت سنة 1910 ضد النظام الدكتاتوري، فهي بمثابة وثيقة تاريخية كُتِبت بقلم شاهد عيان للأحداث، التي بطلها مجموعة من الفلاحين الذين ثاروا ضد النظام الاجتماعي القائم، وبمساندة نخبة من النساء المكسيكيات البسيطات المتضامنات مع أزواجهن وأبنائهن وأخوانهن في هذه الحرب المقدسة. فمن خلال هذه الترجمة الراقية، التي صدرت في كتاب في بغداد 1986، جعلنا البياتي نطلع على تجربة مشرقة من كفاح الشعب المكسيكي ضد الاستغلال الاقطاعي للفلاحين.

وينقلنا البياتي إلى أجواء رواية واقعية قصيرة من الأدب الروسي الحديث (طيور الشمس)، التي صدرت ترجمتها في كتاب في بغداد 1989، للمؤلف نيكولاي بالايف، الذي قادنا في رحلة علمية، صاغ أحداثها بلغة جميلة، وباسلوب إبداعي جذاب، على شكل حوار فني رفيع، كشف فيه حقيقة حياة واسرار موطن طيور الشمس، وبعد جهود متواصلة ومثابرة عالية تمكن من الوصول إلى هدفه، بأن الطيور تغادر مكانها بأنها لا تثبت في منطقتها القطبية الشمالية، بل تطير مهاجرة إلى الجنوب.

وضمن إطار الأدب الواقعي الروسي، يطل علينا البياتي بترجمة رصينة لعمل روائي سوفيتي له أصداء واسعة (زَبَدُ الحديد)، صدرت عن دار المأمون للترجمة والنشر في بغداد 1989. جرت أحداث هذه الرواية في إحدى القرى السوفيتية، اثناء الحرب العالمية الثانية، وكان أبطال هذه الرواية من أبناء وسكان تلك القرية، من النساء والشيوخ والأطفال، ومن عاد من جبهات القتال جريحاً أو معوقاً. جسد أحداث هذا السفر الروائي الكاتب الروسي (ايفان اوخانوف)، الذي حقق نجاحاً كبيراً باعتماده التحليل النفسي والفلسفي في الكشف عن طبيعة الأشياء، برؤية جديدة للصراع المحتدم وفق منطلقات أخلاقية، حُسم فيها الصراع لكفة الخير، وللحياة الحرة الكريمة.

واتحف شاعرنا البياتي القراء بترجمة ثلاث روايات قصيرة من كنوز الأدب البلغاري، أصدرها في كتاب عن دار المأمون في بغداد 1991. هذه الروايات لأعظم كاتب بلغاري معاصر متعدد المواهب، ومن المهتمين بالإنفعالات الداخلية للإنسان، وبالقضايا المتعلقة بحياة المجتمع. تكمن تجربته الإبداعية في مجالي الحرب والثورة. ورغم أن هذه الروايات (الحاجز، الحرذون الأبيض، الأبعاد)، لها أبطالها ومواضيعها الخاصة، إلا أنها تلتقي بمشتركات كثيرة تكمن في امتزاج الواقع بالخيال، والمعقول باللامعقول، والحقائق العلمية بالتصورات الميتافيزيقية، وتوحدها الحماسة العامة والتفكير الشامل.

وتألق البياتي في ترجمة ثلاث روايات من أدب الخيال العلمي: (العبقري المتواضع، وفتاة عند جرفٍ هاوٍ أو مذكرات كوفريغين، واللغز المغلق)، صدرت بكتاب عن دار المأمون في بغداد 1992. هذه الروايات الإبداعية المميزة اشتهر بها الأديب السوفيتي المبدع (فاديم شيفنر)، الذي امتاز بخيال شاعري خصب، وبثقافة متعددة الأبعاد.

وأبدع البياتي في ترجمة مجموعة قصص للأحداث بعنوان: (أحفاد كولومبس في أربطة عنق طلائعية)، للكاتب الأوزبكي (فلاديمير باراباش)، صدرت بكتاب عن دار ثقافة الأطفال في بغداد 1992. أبطال هذه القصص من التلاميذ، وهي ذات طابع تعليمي تربوي توجيهي، مفعمة بعناصر التشويق والمغامرة والاستكشاف، وحب الوطن والناس والمعرفة والعمل. ورغم اختلاف مضامينها وتوجهاتها ولكنها تلتقي بجوهر واحد هو دنيا الطفولة وعالم الأحداث، وما يشغلهم سواء في أجواء المدرسة أو في ظل تعقيدات المجتمع الكبير.

ويأخذنا البياتي إلى أجواء المسرح، حيث ترجم مسرحية (لا تقلقي، يا أُمي)، للكاتب الجورجي (نودار دومبادزه). وأصدرها بكتاب عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد 1995، جرت أحداث المسرحية في ستينات القرن الماضي في مدينة تفليس عاصمة جمهورية جورجيا السوفيتية. المسرحية من فصلين، بطلها طفل يتيم فاقد الأبوين، كان يعيش تحت رعاية جده في إحدى القرى، وبعدها انتقل إلى بيت عمته في العاصمة، وهناك تعرف على فتاة جامعية مرتبطة بحلقة شبابية، من الشعراء والكتاب والفنانين والرياضيين، ونتيجة حالة الإغتراب التي عاشها، والفوارق الكثيرة التي عكسها الواقع الاجتماعي، انتهى به الأمر إلى مشادة مع فئة من المشاغبين داخل هذه المجموعة، فيقع طريح الأرض. لقد عكس الفصل الأول من المسرحية حياة فئة معينة من الشباب المتطلع إلى التجديد بوسائل الرفض واللامعقول. أما الفصل الثاني فقد دارت أحداثه في إحدى نقاط التفتيش الحدودية، وبرز فيها دور مجموعة من مقاتلي حرس الحدود في مواجهة البعض من الشباب الذين يحاولون اجتياز الحدود للفرار إلى الخارج. امتزجت في هذه المسرحية أجواء الكوميديا بالعناصر الغنائية والعاطفية المفعمة بالحماسة والحركة والإثارة، التي لا تخلو من أجواء الفكاهة والمتعة الفنية الجمالية.

وضم الكتاب أيضاً مقدمة كتبها البياتي لمجموعة شعرية أصدرها الشاعر اليماني الدكتور سالم عوض رموضه، في آب 2000، عندما كان يعمل استاذاً للأدب العربي في كلية التربية في مدينة سيئون في اليمن. وكذلك ضم القسم الأول مقدمة كتاب (وجوه بصرية) الذي أصدره الشاعر عن دار الفارابي في 2010. تناول الكتاب الذي يتألف من ستة أبواب وخمسة فصول، مئتين وخمسة وثمانين وجهاً بصرياً من الجنسين، ومن مختلف شرائح المجتمع البصري. وقد خص البياتي كل وجه من الوجوه برباعية شعرية وتعليقات تعريفية وتوضيحية تتناسب وجو الرباعية الشعرية وخصائص كل وجه بما يستحق من ثناء أو تعليق.

وترجم شاعرنا كذلك كتاباً يضم خمس مسرحيات كوميدية ذات فصل واحد، نُشِرت متفرقةً في المجلات العراقية، وعُرقت إحدى المسرحيات (الاستلاب) إلى اللهجة العامية العراقية، وعُرضت تحت عنوان (الحرامي). هذه المجموعة من المسرحيات ذات طابع كوميدي ممزوج بأجواء التراجيديا، قدم لها البياتي بإشارات تعريفية، أوضح فيها الأسلوب النقدي للمؤلفين (كريكوري كورن، واركادي اركانوف)، اللذين تمكنا من رصد الكثير من الظواهر الاجتماعية في العهد السوفيتي، ونقدها بطريقة فكاهية ساخرة. وينوي البياتي إصدار هذه المسرحيات في كتاب مستقل خدمة لحركة المسرح العربي.

ومن الترجمات التي إعتز بها البياتي كتاب (أساطير القرم)، الذي ضم أربعاً وثلاثين حكاية أسطورية من شبه جزيرة القرم، تمثل الموروث الشعبي الذي تتناقله الأجيال، أغلب الأماكن التي تدور فيها أحداث هذه الأساطير قد زارها وعايشها البياتي لأكثر من مرة. تمكن شاعرنا من نشر البعض منها في المجلات العراقية، واحتفظ بمسودة الكتاب جاهزة للنشر، ولكن للأسف لم ترَ النور لحد الآن. كل هذه الحكايات مجهولة المؤلف عدا واحدة للأديب الكبير مكسيم كوركي. جوهر هذه الحكايات الصراع الذي يدور حول قيم الخير والشر، معظم أبطالها سحرة وساحرات وقوى خارقة، غير أن البطل الأساس هو الشعب، بالإضافة إلى اعتمادها على المظاهر الطبيعة المختلفة كالجبال والتلال والغابات وغيرها، ومنها ما هو غير طبيعي من صنع الإنسان كالقلاع والأبراج وغيرها. كل أسطورة لها متعة جمالية راقية لما تحمله من أفكار وقيم وحكم ومواعظ أخلاقية.

واحتل الشعر حيزاً كبيراً في مجال ترجمة الأعمال الإبداعية، فلم يكن إختيار الشاعرة الأرمنية المشهورة (سيلفا كابوتيكيان)، إلا لجودة قصائدها المكرسة للتعبير عن واقع الحياة وقضاياها العامة، وتنوع مواضيعها في مجالات الوطن والحب والحرب. فشعرها مفعم بعواطف الحب الإنساني اللامحدود لأرض الوطن والناس. وقصائدها الذاتية ملتهبة بكل الأحاسيس والانفعالات الإنسانية من سعادة وشقاء ووئام وخصام ولقاء وفراق، وغيرها من آثار تصب في عمق مفاهيم الحياة المغلفة بالأفراحِ والأحزان. انتقى البياتي أربع قصائد من مجموعتها الشعرية المختارة، نشرها في مجلة (صوت الجامعة) الصادرة من جامعة البصرة سنة 1979.

وفي إطار التنوع ترجم شاعرنا خمس قصائد رائعة للشاعرة البلغارية (ليليانا ستيفانوفا)، نشرها في مجلة الثقافة الأجنبية في بغداد 1996. وقع إختياره على هذه الشاعرة لأنها قدمت نفسها بأنها شاعرة غنائية ذات نبرة أنثوية وحس وجداني عاطفي جذاب بنزعة فلسفية اكتسبتها من تجاربها الحياتية، وهي تكتب بالطريقتين التقليدية والحرة، اكتسبت شهرتها لكونها كاتبة وصحافية وشخصية اجتماعية معاصرة تخطت شهرتها حدود وطنها إلى آفاق أوسع، فتألقت في تطوير مواهبها الشعرية والأدبية، متأثرة بعمالقة الشعر البلغاري والروسي. امتازت بتناول موضوع وطنها الأم بلغاريا إضافة إلى مواضيع أخرى كالزمن بكل أبعاده.

والشاعر الروسي الاجتماعي السياسي (سميون كيرسانوف) كان له نصيب وافر في ترجمة قصيدته القصصية الطويلة، بعنوان (آثار على الرمال)، التي قدمها في مهرجان الشعر في موسكو 1960، هذا المهرجان الذي حضر البياتي جوانب من فعالياته. نُشِرت القصيدة في مجلة الثقافة الأجنبية في بغداد سنة 1991. لقد احتلت القصائد القصصية الطويلة للشاعر كيرسانوف، بمضامينها الاجتماعية، التاريخية، الفلسفية، مكانة كبيرة في أعماله الإبداعية، لأن شعره امتاز بتنوع الإيقاعات وبالدقة والذكاء في اختيار الألفاظ المناسبة لأجواء قصائده التي طغت عليها الفلسفة – الوجدانية النابعة من عمق التأمل في طبيعة علاقة الإنسان بمجتمعه وبالتاريخ وبدائرة الكون الذي يحيط به.

وتضمن القسم الأول ترجمة قصتين الأولى، (الإثم) للكاتب الروسي ميخائيل جيخوف، كتب البياتي مقدمتها ونُشِرت في مجلة آفاق عربية في بغداد في آذار 1988. يذكر البياتي أن ميخائيل مترجم أدبي متمكن أتقن الإنكليزية والفرنسية ثم الإيطالية، وقد نشر نتاجه الأدبي في معظم الصحف والدوريات وبعدها ظهرت آثاره الإبداعية بطبعات مستقلة. وموضوعات ميخائيل واقعية مرتبطة بالوجود الإنساني، مُشبعة بالأحاسيس النبيلة التي يحملها أصحاب القلوب البيضاء. وهو من المعروفين بمحاربة الخرافات وضيق الأفق والابتذال. فمن خلال الاطلاع على قصة الإثم ندرك جيداً عمق ثقافة ميخائيل وقدرته في الغوص في الأحداث الاجتماعية الواقعية وإشكالاتها في أثر الدوافع الاقتصادية ومدى حاجة شرائح اجتماعية تعاني العوز، فتندفع من منطلقات ذاتية إلى الإيغال في التجني على القيم الإنسانية.

والقصة الثانية (إبريق الشاي)، في نهاية القسم الأول، للكاتب الروسي المعاصر يوري كوفال، الذي تألق في مجال أدب الأطفال، بالإضافة إلى إهتمامه بأدب الكبار. ترجم شاعرنا القصة ونشرها في جريدة الجامعة في بغداد 1989. إمتازت أعماله القصصية القصيرة بإيجاز العبارة، والميل إلى الأمثولة والحكايات التي فيها مغزى، وذات اسلوب ساخر. فمن خلال الحوار والتجاذب مع إبريق الشاي، والشخصيات التي تفاعلت مع تقنيات العصر، ندرك بأن القصة تحمل سمات الحداثة.

 

د. عبدالحسين صالح الطائي، عراقي مقيم في لندن

 

nabil alrobaeiيؤكد القاضي والباحث طارق حرب في تعليقه على دور العلامة عبد الكريم الماشطة من خلال الحفل الاستذكاري التي أقامته مؤسسة المدى في شارع المتنبي قال: من يقرأ مقالة الشيخ عبد الكريم الماشطة عن الإمام أبو حامد الغزالي يجد أن متصوفة بغداد كانت لهم مكانة خاصة في قلبه، إلا أن الشيخ الماشطة دخل التصوف يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، والسبب في ذلك هو أن الشيخ الماشطة كان لا يزال متأثراً بتاريخه الحضاري.

صدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في مدينة الحلة الكتاب الموسوم (مبادئ الصوفية وحكمة الإشراق) وهو جمع وتحقيق الدكتور سعد الحداد، الكتاب يمثل مقالات للشيخ عبد الكريم الماشطة نشرها في مجلة (الحكمة) الحلية سنة 1936م لصاحبها ورئيس تحريرها رؤوف الجبوري، ولعدم تيسر المجلة في الوقت الحاضر، آثر الدكتور الحداد على إخراج المقالات بكتابٍ واحد مبقياً على عنوانها الذي نشرت به يومذاك، ليضاف إلى المكتبة الحلية إرثاً بهياً من إرث علمائها التنويريين.

أولى الشيخ عبد الكريم الماشطة بعلم التصوف ومبادئه، ووضعه تحت مجهر الفحص والتحليل من خلال مقالاته التي نشرها في مجلة الحكمة الحلية سنة 1936م الأعداد (الأول/ ت1 1936، الثالث/ ك1/1936،الرابع/ ك2 1937، الخامس/ شباط/1937، السادس/ آذار/1937)، ليبعده عن آثار الشعوذة والأوهام، وكان للدكتور سعد الحداد الدور الكبير في جمع مقالات الشيخ الماشطة ليضعه بين يدي القارئ، والكتاب مجموعة من المقالات التي نشرها الشيخ الماشطة في حياته تحت عنوان (مبادئ الصوفية وحكمة الإشراق)، وقد عمل الباحث د. الحداد على شرح العبارات والمصطلحات التي تستحق الوقوف عليها، وترجم جميع الأعلام الوارد ذكرهم في المقالات، كما ترجم للمؤلف الشيخ الماشطة سيرة حياته ومنجزاته العلمية ومواقفه الوطنية.

مقدمة الكتاب بقلم د.أسماء غريب، وحقيقة أن هذه المقدمة تغني القارئ عن الغاية التي توخاها الباحث والمحقق د. سعد الحداد من هذا الكتاب، تقول د. غريب حول الشيخ عبد الكريم الماشطة (عَلم من أعلام الفكر المتنور، الشيخ المفضال صاحب راية السلم والسلام عبد الكريم رضا الحلي، الملقب بالماشطة لأنه كان يمشط العقول بحرفه المتنور ويحررها من ربقات الجهل وقيود الظلم والظلام والتخلف... لأرى طفولته وهو في الكُتّاب، وشبابه وهو في الحوزات العلمية تارة في النجف الأشرف وتارة في بغداد، وتارة بكربلاء، ولأرى أيضاً مقالاته منشورة في مجلتي (الفيحاء) و(الحكمة)، ولأراه وهو يكابد الأمرين من أجل إصدار مجلته (العدل) التي كان لها الحاقدون بالمرصاد، ولم يهدأ لهم بال حتى أجهضوها ولما يصدر بعد منها سوى عددٍ واحدٍ... مطبوعاته بما فيها كُتيبه الذي أصدره سنة 1959م في مدينة الناصرية بعنوان (الشيوعية لا تتعارض مع الإسلام والقومية).. وأنا مثله كتبت كثيراً عن السلام وأهله، وأنا مثله رافقت (الشيوعيين) وكتبت عنهم وترجمت لهم بحرف المحبة الكونية العالمية، حتى كاد قرائي وأهل الأدب يظنون أنني شيوعية الهوى والفكر وما كنت كذلك قط، ولكنني مثل الماشطة أقول إنّ الشيوعية لم تتعارض ولو ليوم واحد مع الإيمان أو الدين أو التدين، وأنها ولم تزل لليوم في حاجة إلى من يقرؤها بعين الفحص والتدقيق، وعين العدل والحوار والتقارب بين مثقفي العالم وعلمائه وفلاسفته الجهابذة.

حياته:

يعد الشيخ الماشطة أحد رواد التنوير في العراق، وهو ابن الحاج عبد الرضا بن الحاج حسين بن الحاج محسن الماشطة، ولد عام 1881م، في أحد بيوتات محلة جبران، زقاق (الجياييل) في مدينة الحلة الفيحاء، وكان والده من الشخصيات الوطنية التي طالبت بالدستور في بداية القرن العشرين، وامتدت طموحاته الكبيرة إلى إزالة الوضع الاستبدادي القائم، وتحسين أحوال العراقيين الاجتماعية والمعيشية، مما دعا إلى الاشتراك مع مجموعة من مفكري المجتمع الحلي بتشكيل جمعية سرية تكون فرعاً لجمعية الاتحاد والترقي.

بدأ الشيخ عبد الكريم الماشطة تعليمه بكتاتيب الحلة، وبرغبة من والده شد رحاله إلى النجف الأشرف، فأكمل المقرر من دروسه في النحو والبلاغة والمنطق والفقه وأصوله، فحاز على ناصية وزمام أمره كما أكد ذلك الباحث أحمد الناجي في كتابه (الشيخ عبد الكريم الماشطة أحد رواد التنوير في العراق)، وحين هبت رياح التجديد ارتبط الماشطة بالفكر التنويري، ممثلاً بأفكار رفاعة الطهطاوي، وعبد الرحمن الكواكبي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وكان الشيخ الماشطة أحد طلاب الحوزة الدينية المدافعون عن الدستور، متأثراً بفكر وسيرة والده.

لم يكن الشيخ الماشطة بعيداً عن ما مر على العراق من أحداث، وكل خفايا الاحتلال البريطاني 1914/1918م، وأحداث معارك الشعيبة عام 1915م، والأحداث المروعة التي مرت بها الحلة أواخر العهد العثماني في واقعة (دكة عاكف) 1916م، وأحدث ثورة العشرين، وتبلورت صور المشهد السياسي في ذهن الشيخ الماشطة المتابع لتفاصيل الأحداث، مما أنغرس في أغوار الذاكرة من بذرات أستاذه الآخوند ملا كاظم الخراساني زعيم الحركة المشروطة، تلك الحركة التنويرية الإصلاحية التي دعت سنة 1905م إلى التجديد والعدالة والدستور، وبدعم من الشيخ محمد حسين النائيني.

أصدر الشيخ الماشطة مجلته (العدل) عدداً واحداً في آذار عام 1938م، طبع في المطبعة العصرية في الحلة الفيحاء، وقد صادرته السلطة قبل توزيعه، وألغيت امتياز المجلة. ويذكر د. الحداد في ص16، لقد : ساهم الشيخ الماشطة في تأسيس حزب الشعب في مدينة الحلة سنة 1946م، وبعد عام واحد من النشاط الحزبي ألغيت إجازة الحزب في 19/9/1947م.

لم يكن الشيخ الماشطة ببعيد عن الأحداث العالمية وللحاجة الإنسانية للسلام وتجنب كوارث الحروب بعد الحرب العالمية الثانية، فقد لبى الدعوى الصادرة من مؤتمر السلام العالمي في 19 آذار 1950م لتحريم القنبلة الذرية، ولبى الدعوى أيضاً شخصيات سياسية عراقية أخرى منهم شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، والشاعر عبد الله كوران، ويعد الشيخ الماشطة رجل الدين الأول الذي لبى نداء السلم ووقع على بنوده الخمسة الصادرة عن اجتماع استوكهولم. وقد حصل الشيخ الماشطة على الوسام الذهبي تقديراً وتكريماً لهوده.

كما خاض الشيخ الماشطة الانتخابات النيابية عام 1954م متحالفاً مع تكوينات الجبهة الوطنية التي تضمنت تحت لواءها الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال، والحزب الشيوعي العراقي، وحركة أنصار السلام، ومنظمات الطلاب والشباب والنقابات المهنية والعمالية وممثلي الفلاحين.

تعرض الشيخ الماشطة للاعتقال أكثر من مرة، إلا أنه لم يلبث أن يعود إلى جهاده المساند للجماهير الداعية لنصرة قضايا السلام في العالم، المكافحة للاستعمار وأذنابه في العراق. كما بارك الشيخ الماشطة لثورة 14 تموز 1958م وأيدها، لكنه أدرك أن الثورة قصيرة العمر لما يختلجها من صرعات وخلافات بين قادتها.

كان الشيخ من الكتاب والصحفيين الوطنيين الذين لم تسخر أقلامهم إلا لمصلحة شعبهم وتطلعاته، بعد التغيير الوطني عام 1958م، نشر الشيخ الماشطة مقالات في الصحف العراقية آنذاك منها (اتحاد الشعب، وصوت الأحرار).

للشيخ الماشطة مؤلفات كثيرة مطبوعة ومخطوطة، ومقالات لا تحصى نشرت بالصحف العراقية، وأهم ما يذكر في هذا الباب كتابه الذي ذكره الأستاذ كوركيس عواد في (معجم المؤلفين العراقيين)، ويؤكده الأستاذ حميد المطبعي في (موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين)، وعنوان كتاب الشيخ الماشطة (الشيوعية لا تتصادم مع الدين ولا مع القومية العربية)، ومؤلفه الثاني الأحكام الجعفرية في الأصول الشخصية، وقد طبع أكثر من مرة منها الطبعة الأولى عام 1923م في بغداد والثانية في القاهرة سنة 1947م. وكتب الشيخ الماشطة الكثير من المقالات ، حيث يذكر د. الحداد في كتابه ص18 منها : جريدتا (صوت الفرات) 1952م، و(القافلة) 1959م، التي أصدرهما مع الشيخ حميد سعيد الغاوي، كذلك جريدة (الفيحاء) 1927م، وجريدة (حمورابي) 1935م، ومجلة (الحكمة) 1936م، وجريدة (الحلة) 1937، وجريدة (التوحيد) 1946، وجريدتي اتحاد الشعب وصوت الأحرار الصادرتين في بغداد.

أصيب الشيخ الماشطة بمرض عجز القلب بداية عام 1959م، وغادر إلى الاتحاد السوفيتي آنذاك لتلقي العلاج، ولم يمكث طويلاً في موسكو وعاد إلى مستشفيات بغداد وتوفى فيها في 3 أيلول عام 1959م. ونقل جثمانه إلى الحلة الفيحاء ومنها شيّع لمثواه الأخير النجف الأشرف، وأقيمت له أكثر من مجلس فاتحة أو أربعينية في مختلف المحافظات العراقية، وخارج العراق، ونعاه المكتب الدائم للمجلس الوطني لأنصار السلم في الجمهورية العراقية.

مبادئ الصوفية وحكمة الإشراق:

من خلال متابعتي لحلقات الكتاب الخمس التي جمعها د. سعد الحداد، حول مبادئ الصوفية وحكمة الإشراق، وجدت أن الشيخ الماشطة قد عالج مسألة الاغتراب عند الصوفية، وقد وضح الشيخ الماشطة حال كل صنف من أصناف التصوف، بما لهُ من الخواص والمميزات التي تميزه عن باقي الأصناف الكثيرة، لكن الشيخ الماشطة سلط الضوء على أربعة من أصنافهم منها : من كان منهم على طريقة الحكماء الإشراقيين من المتوغلين في الحكمة النظرية والحكمة العملية، وكذلك أتباع الفقهاء من المتوغلين في المواعظ والرقائق، فضلاً عن أهل الجهل من العُباد المتقشفين، والصنف الرابع هم أرباب الدجل والشعوذة.

أما إطلاق اسم الصوفية عليهم يقول الشيخ الماشطة في ص24 من الكتاب قال : فهو من مستحدثات القرن الثاني الهجري، وفي بعض الآثار أن الحسن البصري قد استعمل هذه الكلمة بمعناها المعروف بين المتأخرين. وعلى كلٍّ فلم تستعمل هذه الكلمة في عهد الرسول (ص) ولا في عهد الصحابة الكرام بمعناها الذي اشتهرت به في القرن الثاني والثالث الهجريين وما بعدهما.

لكن العلّة لإطلاق كلمة الإشراقيين على هذه الطائفة من المتصوفة هي نفس العلة لوصف الفلاسفه بأنهم أرباب المكاشفات والمشاهدات والأحوال والمقامات، وهي ما يدعيه كل  الفريقين من حصول العلوم والمعارف لهم بطريقة غير الطريقة المعروفة بين أهل العلم من المشائين.

كما ذكر الشيخ الماشطة في ص33 من الكتاب وما يخص الغزالي بفلسفته وما فعلوه علماء المغرب بكتبه من حيث اشتمالها على الفلسفة، قال : فخاف أن يسري هذا الوباء إلى المشرق فصنف كتابه (المنقذ من الضلال) تخلصاً من  شر أمثال هؤلاء الذين وصفهم بقوله (شركاء الطغام ، وأمثال الأنعام، وأتباع العوام، وسفهاء الأحلام، وعار أهل الإسلام).

ويعلق الشيخ الماشطة في ص35 من الكتاب حول المتصوفة يقول : إن هذه الطائفة من الصوفية اعني الذين هم على طريقة حكماء الإشراق قد تستر بعضهم بالتقشف والعبادة، وامتنعوا عن تدريس الحكمة بصورة صريحة، كما تستر بعضهم بالفقه، ذلك من اجل ابتلاء الحكماء بأهل الظاهر الذين جمدوا على ظاهر الكتاب والسنة.

هؤلاء من أنكروا عليهم آرائهم الفلسفية ورموهم بالزندقة والمروق من الدين فاضطروا إلى إخفاء أمرهم، وقد قتل الكثير منهم بفتوى من عاصرهم من الفقهاء ومنهم أبي الفتح السهروردي ومحي الدين ابن عربي وغيرهم، كما توعد المجلسي الشيعي المذهب صاحب بحار الأنوار لما صار شيخاً واستمد قوته من سلاطين الدولة الصفوية بمطاردة الحكماء من الصوفية.

في ص38 عرَّف الشيخ الماشطة الصوفية  قال : إن الصوفية كغيرهم من الحكماء المتألهين، بأن للنفس الإنسانية لذة وألماً روحانيين، وسعادة وشقاوة معنويين، وراء اللذات والآلام الحسية. وقد اتفق الحكماء الإلهيون من الصوفية وغيرهم، على أن الرذائل الممقوتة والأخلاق السافلة هي مناط الآلام والهموم في دار الدنيا.

إن الطريقة الإشراقية لتلقي المعارف بعد الحصول على شرائطها من التجرد والتخلي عن الشواغل لا يمكن أن يحصل بمها إلا بعض مسائل العلم الإلهي وليست عامة ومطلقة في سائر العلوم، ويرى الشيخ الماشطة في ص41 أنه لا طريقة لاكتساب المعارف سوى الطريقة المشهورة وهي الطريقة الفكرية البحثية وما يرى من حصول التصديق ببعض القضايا التي لا تعرف المقدمات المنتجة لها عند التبحر وصفاء الذهن.

لكن يرى الشيخ الماشطة في المتوصفة أن ليس لهم عناية بالحوادث المستقبلية، ففي ص43 قال : وما ينقل عنهم من تلك الحوادث، فهو إما من وضع الجهال، أو من افتراء الدجالين، أو ناتج عن الحدس والفراسة. وهذا قول واقعي لما صرح به الشيخ الماشطة حول اهتمام البعض في هذا الغلط تقليداً قد يكون للفلسفة البابلية حول تكهنات المستقبل وكذلك أحكام النجوم لابن عربي وأخوان الصفا.

يؤكد الشيخ الماشطة في الحلقة الثانية ص47 حول الفلسفة الصوفية والحكمة الإشراقية أنها (مغايرة لفلسفة المشائين أتباع المعلم الأول أرسطو، ومن تابعهم من فلاسفة الإسلام كالفارابي والشيخ الرئيس ابن سينا.

والإشراقيون تنتهي بهم السلسلة إلى أفلاطون وسقراط وغيرهما من حكماء الإشراق، والمشاؤون ينتهي سندهم إلى أرسطو. وان أرسطو أخذ نظرية السعادة عن شيخه أفلاطون وعن سقراط وفيثاغورس وغيرهم من المتألهين على الطريقة الإشراقية.

من خلال إطلاعي على الكتاب يرى الشيخ الماشطة أن الصوفي كغيره من الحكماء يعتقد بأن النفس البشرية تشعر باللذة والألم والسعادة والشقاوة، ويعترض على إنزال عقوبة القتل بالصوفية منطلقاً من حرية المعتقد والرأي، ودعا الشيخ الماشطة انه لا طريق لاكتساب المعارف سوى الطريقة الفكرية البحثية وما يرى من حصول التصديق ببعض القضايا التي لا تعرف المقدمات المنتجة لها عند التجرد وصفاء الذهن، ودعا الشيخ لأول مرة إلى موضوع  وهو المراد به الاستحسان.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

1021 samirصدر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمان كتاب بعنوان  "شياطين في حضرة الملكوت" ويقع الكتاب في 198 صفحة من القطع المتوسط.

يبدأ الكاتب مشواره بنسج فسيفساءه التي تنتمي إلى حقول معرفية عديدة، بعضها ينتمي إلى زمن الفلسفة التأويلية، وبعضها ينتمي إلى ميكانيكا الكم، بلغة سلسة وشائقة حد الانسياب.

"شياطين في حضرة الملكوت" محاولةٌ للاقتراب من المطلق، بل لعله يشبه الاهتداء بعلامات النجوم في فضاء لا حدود له. ولأن هذه المحاولة تنتمي إلى زمنها الذي وُلدت فيه كانت علاماتها من جنس هذا الزمان وبلغته. إن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، غير أن الأنفاس اليوم نضجت وتعقدت.لم تعد دروب العرفان منحصرة بما يؤدي إليه التجريد الفلسفي، أو يبوح به العرفان الصوفي المضنون به على غير أهله. صار للأنفاس فكر رقمي ومنجزات تقنية وامتدادات في آفاق المجرات وولوج إلى غياهب العالم دون الذري.

فإن أردتم أن نختصر هذا الكتاب فلنا أن نقول أنه قطع من الفسيفساء التي تنتمي إلى حقول معرفية عديدة؛ لكنها بالمجمل أحد عشر مقالا تنتمي إلى زمن الفلسفة التأويلية من جهة، وفتوحات ميكانيكا الكم من جهة ثانية. مقالات تناقش مفاهيم معقدة بلغة مبسطة. وتحضر فيها مفاهيم الزمن والخلود والأكون المتوازية جنبا إلى جنب مع إبداعات البشر في الشعر القصة. إنها مناجاة مع الله تارة عبر رصانة العلوم، وتارة عبر قيثارة التصوف، وتارة عبر استشرافات الفلسفة، وتارة عبر روائع الأدب، وفي أغلب الأحيان عبر اختلاطها جميعا لأن موضوع هذا الكتاب واحد. إن المناجاة عشق في جانب منها ومحاولة للفهم في جانب آخر. وحين يكون موضوعك من الجلال والجمال بما يفوق الوصف يصبح الفهم دربا من دروب التعشق. هكذا هي المعرفة؛ شغف في أعماق الإنسان يجذبه نحو آفاق جديدة. فإن قصرت هذه المحاولة في جانب العشق فإنما ذاك لذهولها أمام معشوقها. وإن قصرت في جانب الفهم عن إبداع شيء جديد فيكفيها من التجربة أنها قد دونت شهادتها فيه، وناجته بأقصى ما استطاعته من عشق ومن حكمة.

يمكن قراءة المقالات بالترتيب، وهو الأفضل. ويمكن قراءتها بشكل عشوائي بحسب اهتمام القارئ؛ فهذا الكتاب متصل منفصل. وفي النهاية ثبت بأهم المراجع التي يمكن العودة إليها لمزيد من الإحاطة بالمواضيع المطروحة في ثنايا المقالات.

السيرة الذاتية للكاتب

سامر حيدر المجالي

من مواليد عمان، عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، في العام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين

حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية من الجامعة الأردنية. وشهادة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة نورثامبتون

يعمل في المملكة العربية السعودية منذ العام ألفين

"شياطين في حضرة الملكوت" هو الإصدار الأول