رضوان ضاوييساهم هذا الكتاب الموسوم بـ˝ اللاعنف في الإسلام: مفكرون، ناشطون وحركات اللاعنف الإسلامية˝ للكاتب سمير محمد مرتضى، والذي يعتبر مهماً، في فهم الإسلام فهما صحيحا، مستعينا في ذلك بتقسيم منهجي مضبوط جاء في ثمانية فصول ومقدمة وخاتمة، إضافة إلى لائحة بأهم المصادر والمراجع، ومجموعة من الصور لمفكرين وناشطين ومنظرين في مجال اللاعنف الإسلامي. 

يعتبر هذا الكتاب تلخيصا لأهم مفاهيم الحركات في اخلاقيات اللاعنف الاسلامي في البلدان الناطقة باللغة الالمانية، كما يلعب دورا كبيرا في تجديد النظرة النمطية للاسلام عند المتلقي الألماني ومناقضته للرؤى المشوشة عليه: ففي العالم الغربي، يعتقد الرأي العام جازما أن الاسلام لا يملك أخلاقيات السلام بسبب التضليل الاعلامي، ونتيجة لأعمال العنف العديدة التي يرتكبها بعض الاشخاص المحسوبين على التيار الاسلامي فأصبح يُنظر إلى الإسلام على أنه تهديد للسلام الاجتماعي والعالمي. ويؤكد المؤلف أن هذا الاعتقاد الغربي يكشف عن جهل هائل بتنوع الإسلام وبمصادره.

ورغم أن أخلاقيات السلام الإسلامية لها تاريخ طويل في اللاهوت والممارسة، فإن الغرب يتعمد تجاهل هذا التقليد المستمر، ولا توجد إلا حالات قليلة يظهر فيها الغرب بعض ممثلي السلام المسلمين، والذين غالبًا ما يتم تجاهل انتمائهم الديني، أو يُعتبرون "الاستثناء من القاعدة" الشهيرة، أو يُلاحظ وجودهم باستغراب، كما لو أن هؤلاء الأشخاص يساهمون في السلام رغم أنهم مسلمون، وليس لأنهم مسلمون.

هذا الكتاب يجيب عن تساؤلات الجمهور الألماني عما إذا كان الإسلام هو السلام أو هو نذير العنف؟ وما هو "الإسلام" أو ما الذي يميز هذا الدين؟ وبطبيعة الحال تختلف الآراء على نطاق واسع لدى المسلمين عن دينهم بخلاف الغرب الذي يصور أن الاسلام في كثير من الأحيان على أنه الدين الذي انتشر بالنار والسيف منذ ظهوره وبدايات انتشاره. ويتعزز هذا التصور المتشدد ببعض أفعال المتشددين في بلاد المسلمين أو الذين يعيشون في الغرب بزعمهم أنه يحق لهم احتكار الاسلام وممارسة الوصاية عليه .

يُظهر المؤلف محمد سمير مرتضى في أعماله التي تتناول الإسلام بطريقة مغايرة ومختلفة وموضوعية عما هو سائد في ألمانيا والغرب، أنه على العكس من المستنسخات السائدة، كانت هناك نقاشات متنوعة حول السلام واللاعنف على الجانب الإسلامي، ليس فقط في السنوات الأخيرة، بل منذ نشأة الإسلام، ساهم فيها وأثراها مفكروا اللاعنف الإسلامي، ونشطاء وحركات إسلامية سلمية. فكما هو الحال في كثير من الأحيان، فإن الواقع أكثر تعقيدًا من أنماط التفكير البسيطة التي يفسر بها الإسلام ويُفهم بها.

لهذا جاء هذا الكتاب شاملا يتضمن آراء ونقاشات مجموعة كبيرة من المفكرين المسلمين، الذين يمثلون الخطاب السلمي والمنهج اللاعنفي في الإسلام: وإذا كان هؤلاء المفكرون يختلفون فيما بينهم من حيث الوظيفة، حيث يذكر المؤلف نموذجا من الباحثين والمفكرين والناشطين، وحتى الحركات الإسلامية، والذين يختلفون أيضا من حيث الإنتماء الفكري، حيث لدينا سنة وشيعة وإسماعيلية ومن جماعة الإخوان المسلمين، ويختلفون من حيث الجنسية التي تتوزع بين الهندي والأفغاني والباكستاني والعراقي والسعودي والسوري، والجزائري والمصري أو أي دولة أخرى يسكنها المسلمون، فإن هؤلاء يتحدون فيما بينهم في انتماؤهم إلى الدين الإسلامي، وفي دفاعهم عن الإسلام ونفي صفة العنف عنه، من خلال نقاشات وكتابات ومؤلفات ومحاضرات وعمل ميداني.

وقدم المؤلف للقارىء في هذا الكتاب مجموعة من المفكرين الذين عالجوا مواضيع مثل أخلاقيات اللاعنف والالتزام بعالم خالٍ من الأسلحة ومفهوم الجهاد اللاعنفي، ووحدوا وجهة النظر من منظور إسلامي حول هذا الموضوع المعقد، ويعيد بذلك هذا الكتاب الاعتبار لباحثين وعلماء وناشطين، معروفين وغير معروفين في العالمين العربي الإسلامي وفي الغرب، ويشيد بأعمالهم، وبما قدموه للعالم، من أجل إبراز سلمية الدين الإسلامي، وتسامحه، وتقبله للآخر، واهتمامه بالمشترك الإنساني. وكانت نظرة مؤلف هذا الكتاب شمولية، غير مختزلة، ولا مختصرة، ذلك أنه لم يقتصر في نماذجه على فئة معينة، أو جنسية معينة، بل عمل على تنويع نماذجه بين عالم وباحث وفقيه وإمام وناشط حقوقي، كما نوع في جنسيات هذه النماذج بين هندي وسعودي وسوري وأفغاني ومصري. هذا التنوع نفسه يؤكد تنوع مشارب الإسلام وتقبله للآخر، وعالميته.

ومن النماذج التي ذكرها الباحث في كتابه نجد العالم جودت سعيد الذي ولد سنة 1931، وهو مفكر سوري معاصر، لقب بغاندي العرب، وكان قد تعرف أيضا على مالك بن نبي وتأثر به، كما تأثر بمصلحين آخرين مثل جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبدو، ومحمد إقبال، ومحمد أسد. اهتم في كتبه ومحاضراته بالأخلاق واللاعنف في الإسلام، واعتبر الإسلام طريق الأنبياء، كما أن اللاعنف هو الطريق الوحيد للتغيير. ويركز مؤلف هذا الكتاب في عرضه لسيرة جودت سعيد، على وصفه بمؤسس نظرية الجهاد اللاعنفي، والدعوة السلمية ونبذ العنف، فقد دعا إلى التحول الديمقراطي كحل للمعضلات التي تواجهها أمة الإسلام، عن طريق فكر التغيير اللاعنفي، رافضابذلك الخيار المسلح، واشتهر بكتابه˝ مذهب ابن آدم الأول، أو مشكلة اللاعنف في العمل الإسلامي˝. وبينما يواصل مفكرون مسلمون آخرون الحديث بحرية حول السؤال الشرعي متى يكون الجهاد مشروعًا دفاعا عن النفس، وكيف يمكن خوض مثل هذا الصراع وما هي حدوده؟، فإن الباحث جودت الذي درس في جامعة الأزهر سوف يتخذ اتجاهًا معاكسًا ويضع طاقته الفكرية في خدمة السلام الإسلامي، ويركز فيه على الدعوة إلى اللاعنف التي يعتبرها دعوة للعقل في جوهرها.وكان قد رفض تشدد جماعة الإخوان المسلمين المصرية في أواخر الأربعينيات،ذلك أن محاولاتهم تحقيق التغيير السياسي من خلال الاغتيالات لم تؤذي الإسلام فحسب، بل خلقت أيضًا مناخًا اجتماعيًا من الخوف، جعل الدولة تميل إلى تقييد أكثر للحريات المدنية. لذلك فهو يرى أن تعامله مع حق المقاومة الإسلامية اللاعنفي نقطة عكسية للجماعات الإسلامية في العصر الحديث، الذين يستخدمون العنف في أغلب الأحيان وسيلةًلتحقيق تغيير للحقائق السياسية. وهو يعارض التفكير الإيديولوجي لسيد لسيد قطب على وجه الخصوص، ويدعو إلى نبذ العنف. لهذا وجد أنه من المناسب تذكير الناس بالسؤال المحوري: متى يكون من الضروري توقف الرجل العقلاني عن صنع الأسلحة لإبادة نفسه وإبادة الآخرين؟ لذا فإن ممارسة اللاعنف على المستويات المحلية والعالمية والجزئية ليست فقط خيارًا لا غنى عنه، بل هي الخيار العقلاني الوحيد المتبقي. وقد وصف سعيد هذا بأنه عملية نضج.

كما تحدث مؤلف الكتاب عن المعلم مولانا وحيد الدين خان، وهو مفكر مسلم هندي معاصر، قامت دعوته على مهاجمة العنف ومواجهة الجماعات التي تتبنى العنف المسلح، ودعى لتبني المنهج العلمي والجهاد السلمي في الدعوة. وصفته مجلة الأمة القطرية فكتبت: ˝وحيد الدين خان أحد المفكرين المسلمين القلائل الذين جمعوا بين ثقافة العصر في أعمق ظواهرها وأعقد تشعبانها، وبين ثقافة الإسلام الخالدة في أدق خصائصها وأشمل معطياتها وهي ميزة؟ قلما وجدت بين مثقفي هذا العصر˝.  يؤكد المؤلف على أن خان كان في بداية أمره أحد العلماء المتحمسين لفهم الإسلام على طريق المودودي، وكان المودودي قد بشر في كتابته بثورة إسلامية في باكستان، مستلهما في ذلك الثورة الفرنسية في عام 1789 وثورة أكتوبر عام 1917. لذلك نأى خان بنفسه عن المودودي وقراءته السياسية للدين. وحذر خان من أن مثل هذا التحول في الإسلام سوف يسلم الدين للتلاعب السياسي. وانضم خان إلى حركة التبادل السياسي تبليغ غير السياسية لفترة طويلة حتى عام 1975. ثم أسس سنة 1970 في دلهي المركز الإسلامي وفي 2001 المركز من أجل السلام والروحانية، والمركزان معا يعملان على نشر دين السلام الإسلامي والعمل التنويري. وصنفته جامعة جورج تاون، نتيجة جهوده من أجل إحلال السلام بين الأديان والوئام الاجتماعي، ضمن 500 شخصية مسلمة من أكثر المسلمين نفوذاً في العالم في عام 2009 ووصفته بالسفير الروحي للعالم. 

ويضيف المؤلف أنه على الرغم من أوجه القصور في مفهوم خان للاعنف وقبوله للاضطهاد في نهاية المطاف، إلا أن أفكاره مهمة للسلام الإسلامي.لم يكن النبي محمد(ص) قائدًا عسكريًا، ومن المهم التأكيد على ما فعله النبي(ص) في حياته. نكتشف هنا درسًا يحاول احتواء العنف. إنه يلبي احتياجات الشباب المسلمين الذين يرغبون في القيام بشيء ما في مجال السلام.فقد ساهم خان في جمع كلمة السلام والإسلام معًا، وما يزال الأمر متروكا الآن للمسلمين لبذل جهد كبير لخلق أغلبية تتبنى الجهاد السلمي، وتعمل على السيطرة على مرتكبي العنف وتصحيح مسارهم المشؤوم.إن الدعوة إلى التغيير لا تخلو من الأمل ومن افتراض وجود مستقبل إذا قمنا بدورنا لجعل العالم أكثر سلمية سواء فيما بين المسلمين أوبين المسلمين واليهود والمسيحيين أو المسلمين أو غيرهم.

وكان المثقف أصغر علي الذي ولد سنة 1939 وتوفي سنة 2013، حتى وفاته من أهم المثقفين المسلمين في الهند، وهو من عائلة إسماعيلية، تعلم أصول الدين من أبيه قربان حسين، واهتم بالعلاقات بين المسلمين والهندوس، والتصالح بينهم، كما عمل على نشر التسامح والتصالح داخل المسلمين أنفسهم، فقدم تصوراته عن اللاعنف باعتباره نموذجا قدمه النبي محمد (ص). فعمل على تحقيق التصالح بين المسلمين، وبين المسلمين والهندوس، من أجل تجنب المواجهات الدامية بين الهندوس والمسيحيين والمسلمين التي حدثت وما زالت تحدث اليوم في الهند.ومن أجل التزام متواصل بقضايا السلام والتسامح. وأيضا مساهمات في نقاشات مضنية تم توشيحه بجائزة السلام البديلةسنة 2004 مناصفة مع الناشط الهندي سوامي أغنيفيشو أثناء تقديم كتابه الذي يروي فيه سيرته سنة 2011 أشاد به الرئيس السابق للهند محمد حامد أنصاري وقارنه بالفيلسوف سبينوتزا. ويعرف أصغر علي اللاعنف على النحو التالي: عدم الاعتداء، ونمط الحياة هذه هي موقف للحرية، لأن العدوان ينتهك دائما حرية الآخر، لكن أصغر علي مقتنع أنه لا يمكن مساواة عدم الاعتداء بمسألة التخلي عن العنف الإيديولوجي الحتمي، لأن استعمال العنف في حالات الضرورة والدفاع عن النفس والعقاب مسموح به، وهو بهذا يعلن عن اقتناعه بفهمه لسيرة حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة وفي المدينة.

ويستنبط المؤلف في هذا الكتاب هدف أصغر علي الذي يتجلى في تخليص سمو تفسير القرآن من استحواذ المتشددين عليه، فدعاة السلام ودعاة العنف من المسلمين يقرؤون النص ذاته، لكنهم يفهمونه على نحو متباين ومتناقض، بينما يوجب التعامل الموضوعي مع الدين النقاش المثمر حول سمو التفسير. فالرد المعاصر على جواب أول مرتكب للجريمة من أبناء آدم عليه السلام على سؤال الرب عن أخيه، فيقول: ˝لا أعلم. هل أنا وصي على أخي؟˝ كما جاء في سفر التكوين، يكون على النحو التالي: ˝نعم، أنا وصي على أخي˝.

ومن أهم النماذج التي أكد على أهميتها المؤلف في هذا الكتاب، نموذج آيات الله الكبرى محمد الحسيني الشيرازي، الذي ولد في عائلة شيعية بالنجف بالعراق، ويشهد تاريخ عائلته على منطلقها السلمي، وأن النظرية التي تقول إن الإسلام انتشر بالعنف، نظرية قاصرة، وأن الدين الإسلامي إنما يتوخى تحمل الإنسان لمسؤوليته. ناضل من أجل عالم خال من الأسلحة، وهي مسؤولية المجتمع الدولي، كما هي مسؤوليةالمسلمين بوصفهم صانعين للسلام. ودعا إلى ضرورة تحكيم الاخوة الإسلامية وإلى الحوار الحر والمؤتمرات والتعددية السياسية، وإلى شورى المراجع. وقد اهتم في كتبه ومحاضراته بمواضيع مهمة جدا ومؤسسة لتربية السلام والتسامح، من بينها: اللاعنف، التربية، الفكر الحيوي، الأخلاق الرفيعة، الجهاد المستمر بالأساليب السلمية، وكان مبدأه في الحياة هو السلم واللاعنف. وكان يقتدي بسيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، الذي عالج مسألة العنف حين دعا قومه ثلاثة عشر سنة، سلميا، رغم ما سببته له قريش من أذى. كما أنه تأثر بمنهج النبي عيسى عليه السلام السلمي، لهذا دعا الشيرازي أنصاره إلى تبني منهج سلمي في الدعوة والكفاح، تعبيرا عن الحركة السلمية التي يتبناها، وبالتالي فإن المسيحيين والمسلمين مجتمعين سيقودون الناس نحو نمط عيش سلمي.

أما الناشطان والسياسيان خان عبد الغفار خان ومحمد علي جناح فقدكافحا من أجل استقلال الهند، من خلال اتباع توجه جديد أساسه بناء المدارس، ودراسة القرآن في السجن، وتأسيس جيش اللاعنف، والقيام بثورة سلمية.لقب محمد علي جناح بموسى المعاصر، وأعلن أن السياسة هي مواجهة بين الشرفاء، ومكانها هي البرلمان.

وكان خان عبد الغفار رفيق غاندي في الهند، وهو أفغاني ورائد ثقافة اللاعنف في الإسلام، دعا إلى المقاومة السلمية، وأسس حركة خدام الله التي آمنت بتوافق الإسلام مع اللاعنف، رغم أن البلد كانت تستعمرها بريطانيا. وكان عاشقا للعلم والتعليم، فبنى بمبادرة منه مدرسة، وآمن بالمقاومة السلمية من خلال العصيان المدني سبيلا للتغيير عن مواقفه، وكان مبدأ الحركة مؤسس على العمل واليقين والحب، وهي مفاهيم يعتبرها خان قلب الإسلام.ولهذا كان قانون الالتحاق بالحركة هو قسم طالب الالتحاق أن تكون له فلسفة إسلامية سلمية، وثقافة المقاومة اللاعنفية. وقد لقب بدوره بالمسلم المسالم، وبفخر الأفغان.

يمكننا في نهاية هذا العرض أن نتبين عجز تاريخ العنف القائم على التعصب والطائفية عن إفراز مجتمع تترسخ فيه الديمقراطية الوطنية والاستقرار الإقليمي والتعاون بين الجوار أو التنمية البشرية.وكما يقول تيم أندرسون، فإن ˝للإسلام توجها مجتمعيا قويا وشاملا، على المستوى السوسيولوجي، ويعترف بالتعددية ويحث على التسامح. ويشدد القرآن على الرحمة، وينبذ الإساءة للجماعات الأخرى، ويحث على التعاون فيما بين الجماعات المختلفة من المؤمنين˝.

وفي هذا يستشهد الكاتب بمفكرين وباحثين وناشطين مصريين وعراقيين وإيرانيين وسعوديين وسوريين وهنود وأفغان المعاصرين، والمؤثرين الذين يعززون التسامح والتنوع بطرق مختلفة، ودون التخلي عن الهوية الإسلامية. فالعنف والطائفية هما بدعتان سياسيتان أكثر من كونهما تعبيرا عن القيم الدينية.

 

رضوان ضاوي

باحث في الدراسات الثقافية المقارنة والألمانية/ الرباط المغرب.

.....................

* محمد سمير مرتظى، اللاعنف في الإسلام: مفكرون، ناشطون، وحركات اللاعنف الإسلامية، الناشر Vergangenheitsverlag ، ألمانيا، عدد الصفحات: 224، سنة 2019. اللغة: الألمانية.

 

 

 

علي جابر الفتلاوي(عنف الدولة) هو أحد المواضيع التي بُحِثت في كتاب (تحديات العنف)(1) للاستاذ المؤلف ماجد الغرباوي(2) يقول الباحث (ص177) من كتابه، وننقل كلامه مختصرا دون الإخلال برؤى الباحث:

يمثل عنف الدولة أحد الأخطار المستعصية التي عانت وما تزال تعاني منه غالبية الشعوب، وتكمن خطورة هذا اللون من العنف، كون الدولة ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، وهي مركز السلطة والقوة والقرار، وتسبّب عنف الدول في تخلف مجتمعاتها ثقافيا وحضاريا، إذ تداعيات الارتكاز إلى العنف منهجا في التفكير السياسي، واسلوبا في الحكم، لا تقتصر على اقصاء المعارضة وقمع الرأي الآخر فحسب، بل إن العنف ينغرس في اللاوعي للشعوب، بحيث يقضي على خيارات تسوية الخلافات بالحوار بين مكونات الشعب الواحد، ويحصرها في اسلوب واحد هو العنف، وحينئذ لا يجد الفرد مبررا للعدول عن العنف ما دامت جميع الأطراف بما فيها السلطة السياسية تلجأ إليه.

عنف السلطة ينتج تخلف المجتمع بسبب الممارسة الطويلة للعنف والاستبداد الدموي، ربما لا يتجاهر الأفراد في استخدام العنف المسلح خوفا من ارهاب السلطة وبطشها إلّا أن سلوكهم واساليبهم تطفح بأنواع أخرى من العنف، ومثل هذا الشعب سيعاني طويلا حتى يعود إلى مائدة الحوار والتخلي عن العنف بجميع أشكاله، ولا يتحقق هذا الأمر بسهولة، إذ لابدّ من توفر أجواء وثقافة تساعد في تخطي محنة العنف والعنف المضاد، بعض الشعوب استطاعت تخطي هذه المشكلة، و (نأت بنفسها عن العنف في علاقاتها الداخلية).(3) وبات العنف بالنسبة لهذه الشعوب شيئا مكروها، لكنّ مثل هذه الشعوب مرّت بمخاضات صعبة قد امتدت لمئات السنين. (حتى أصبح متعذرا على دول تلك الشعوب اللجوء للعنف، في علاقاتها الخارجية فضلا عن علاقاتها الداخلية، مالم تتوافر على مبررات قانونية كافية وتضمن قناعة الأغلبية؛ وتمثل هذه الدول اليوم سلم الرقي الحضاري حكومة وشعبا، ونموذجا تطمح إليه بقية الشعوب.)(4) ويضيف الباحث الغرباوي:

1520  تحديات العنفالدول المتخلفة ظلت تعاني استبداد السلطة السياسية وتكريس القوة، وممارسة العنف ضد الشعوب، بعد انتاجه وتصديره، والتحايل في ممارسته بصور بشعة وأساليب شتى، وليس الوضع غريبا على المنطقة، بل أنّ ماضي الدولة تأريخ طويل من معاناة الشعوب والظلم والاضطهاد والتسلط والدكتاتورية والاستبداد. ومنذ أن تحولت الدولة إلى ملك عضوض على يد الأمويين والعباسيين، إذ بدأت السلطة المتمثلة بشخص الخليفة تمارس العنف عملا يوميا ضد المعارضة، واستمر هذا المنهج في عهد الدولة العثمانية المتمثلة بشخص السلطان، والدولة الفارسية ويمثلها الشاه، إذ سارت دولة الخلافة الأموية والعباسية، وكذلك دولة السلطان والشاه بمنهج واحد، هو الاتكاء على العنف والسيف وقمع المعارضين، وممارسة إرهاب السلطة حتى امتلأ التأريخ بأحداث جارفة اتسمت بالمواجهات والتمرد والقمع والقسوة والخوف والقلق، وأضاف الاستاذ ماجد الغرباوي:

عندما توفر فقيه السلطة تولى بنفسه شرعنة وتبرير ممارسات الحاكم التعسفية ضد شعبه وضد خصومه السياسيين. فمثلا تجد المعارضة عبر التأريخ توصف، وفق منطق الفقه السلطاني، بالفئة الباغية، العاصية، المارقة، الكافرة؛ ويوصف الشعب بأوصاف مثل رعية السلطان وعبيده ومواليه، فهو ولي أمرهم ونعمتهم، يغدق عليهم عطاياه ومننه، فهو أمير المؤمنين، القاضي بالحق، المنصور بالله، المتوكل على الله، أمين الله، يُحرَم الخروج عليه ولو كان فاسقا أو فاجرا أو قاتلا أو مقترفا للموبقات والكبائر. أخيرا يرى الباحث الغرباوي: أن (الدولة منذ تشكلها على يد الأمويين نجد أنها تنحصر في اشكاليتين متداخلتين، الأولى: اشكالية الفكر السياسي والتنظير الفقهي لنظام الحكم والسلطة. والثانية: اشكالية الممارسة السياسية المتمثلة بالحاكم أو رئيس السلطة السياسية ومن ينوب عنه أيا كان اسمه (خليفة/ سلطان/ شاه/ والي)..)(5)

بعد عرض الموضوع رأيي كقارئ، أنّ الاستاذ الباحث ماجد  الغرباوي، قد عرض الموضوع من حيثيات واتجاهات مختلفة، وهذا يُفصح عن قدرة الباحث الفكرية من جهة، وتنوع ثقافته وسعتها في الميدان الفكري من جهة أخرى. ذكر الباحث الآثار التي يتركها العنف على الشعوب، قال أنّ أهم آثار العنف الذي تمارسه السلطة، أنّه يخلق حالة من التخلف لدى الشعوب التي تعيش في أجواء العنف، وهذه إحدى النتائج التي توصل إليها الباحث، وهي نتيجة سليمة في رأيي، العنف والكبت الشديد يولّد عادات لا تخدم المجتمع ولا تواكب الزمن، ما يعنيه الباحث أن عنف السلطة هو سبب والتخلف عند بعض الشعوب من نتائج هذا العنف.

يستنتج الباحث الاستاذ الغرباوي، أن من يعيش أجواء العنف فترة طويلة يصبح سلوك العنف جزءا من بناء الشخصية، يوظفه الفرد في اتجاهات عديدة.

أرى الباحث مصيب في هذا الاستنتاج، والدليل أن بعض العادات والسلوكيات عند بعض شرائح المجتمع أي مجتمع، ومنها عادة الأخذ بالثأر هي نتيجة الألفة مع عنف السلطة لسنوات طويلة إذ خلقت حالة من التطبع التي تبدو عند الممارس لهذه العادة طبيعية ومألوفة، وهذا ما أكده الاستاذ الباحث الغرباوي بقوله: ربما لا يتجاهر الأفراد في استخدام العنف المسلح خوفا من ارهاب السلطة وبطشها، إلّا أن سلوكهم واساليبهم تطفح بأنواع أخرى من العنف؛ لم يبين لنا نماذج من هذه الأنواع الأخرى، في تقديري أنّ عنف الزوج مع زوجته أو أولاده أو مع أفراد المحيط الذي يعيش فيه، هي من الأنواع الأخرى للعنف، ومن نماذج عنف السلطة رأَينا أو سمعنا كيف كان صدام يتعامل مع معارضيه؟ القتل على الشبهة أو على كلمة تفوه بها الآخر، وعنفه هذا تعامل به حتى مع أفراد حزبه الذي ينتمي إليه. رأي الباحث أن هذا الاسلوب العنفي يقضي على خيارات تسوية الخلافات بالحوار، متوافق مع الباحث الاستاذ الغرباوي، واستنتاجه سليم ومصيب.

الأمر الآخر الذي يستنتجه الباحث أنّ ظاهرة العنف تعود لأسباب تأريخية، إذ يرى أن العنف بدأ منذ تحولت الدولة إلى ملك عضوض حسب تعبيره على يد الأمويين والعباسيين، ومن بعدهم العثمانيون والصفويون. استنتاج صحيح، ونضيف أنّ الحكومات التي تأسست لاحقا، سارت في نفس المنهج العنفي الموروث، إذ تحولت إلى مالكة ووارثة للدولة بكل مفاصلها ومؤسساتها وثرواتها، بل يشعر الحاكم أنّ شعب تلك الدولة مملوك له أيضا، سواء كان الحاكم رئيسا أو ملكا أو سلطانا أو أميرا، وكل واحد منهم يسلّم الحكم إلى الذي يليه من عائلته حسب اختياره، في تقديري أن أغلب الشعوب العربية والاسلامية لا زالت تعيش هذه المحنة إلى اليوم. نرى بعد أن يطرح الباحث رؤيته في إرجاع ظاهرة العنف لأسباب تأريخية يطرح مسألة أخرى مهمة لها علاقة بعنف السلطة، وهي مسألة دور الفقيه أو الواعظ الديني في قضية العنف، يرى الباحث أن فقيه السلطة تولى بنفسه شرعنة وتبرير ممارسات الحاكم التعسفية ضد شعبه وخصومه السياسيين.

رؤية الباحث سليمة وصحيحة وواقعية، وقد أكد هذه الحقيقة باحثون مختصون في دراسة طبيعة المجتمع، منهم الباحث الدكتور علي الوردي رحمة الله تعالى عليه، إذ ألّف كتابا مستقلا في هذا الميدان اسماه: (وعاظ السلاطين)، كذلك تناول تفاصيل عن عادات المجتمع العراقي التي تأصلت بسبب عنف السلطة في كتابه الآخر  المسمى: (لمحات اجتماعية من تأريخ العراق الحديث) المكون من ست أجزاء، كقارئ أتوافق مع الباحث الغرباوي في رؤيته عن الواعظ أو الفقيه السلطاني الذي يفتي حسب رغبة الخليفة أو السلطان الحاكم، الواعظ السلطاني يطوّع الدين حسب مزاج ورغبة واتجاه السلطان، فورثنا دينا رسميا لا يعكس صورة الإسلام الانسانية الحقيقية.

أخيرا لا اتوافق مع الاستاذ ماجد الغرباوي في إطلاق عنوان (عنف الدولة)، أرى المناسب أن يكون العنوان (عنف السلطة)، لأن السلطة التي تمارس العنف، هي أحد مفاصل الدولة، ومفهوم السلطة يختلف عن مفهوم الدولة، ولو أن الباحث الاستاذ الغرباوي أثناء عرضه للموضوع يطلق تسمية عنف السلطة في بعض المواضع.  وهذا يعني أنّ هناك خلطا بين المفهومين عند الاستاذ ماجد الغرباوي حسب تقديري. أخيرا أشير أن الاستاذ ماجد الغرباوي لم يتطرق لدور (وعاظ السلاطين) في إنتاج الفكر الارهابي الذي تتبناه منظمات الارهاب اليوم، والذي اسموه الفكر الجهادي. هذا الفكر المنحرف انتج جرائم منظمات الارهاب بمختلف مسمياتها؛ إذ أباح هذا الفكر المدعوم من وعاظ السلاطين، قتل الآخر لأنه مختلف؛ يقوم دعاة هذا الفكر العنفي بملاحقة وقتل المختلف، حتى لو كان منتميا لنفس الدين والمذهب، فهو فكر دموي في خدمة السلطان مهما يكن عنوانه ملكا أو رئيسا أو أميرا، المهم أنّه يحمل شارة السلطة ويرتدي زي الاسلام زورا، وقد سمعنا جميعا بمقتل خاشقجي وتقطيع جسده من قبل السلطة السعودية في قنصليتهم باسطنبول، رغم أن خاشقجي ينتمي لنفس مذهب السلطة السعودية، لكنّه معارض والمعارض وفق فتوى فقيه السلطة حكمه القتل، هذا الفكر إضافة إلى أنه يبيح قتل المختلف في الرأي، يبيح أيضا سبي النساء وانتهاك أعراضهن حتى وإن كانت النساء من نفس المذهب، وهذا ما قامت به منظمات الإرهاب من القاعدة وداعش، ومنظمات بعناوين أخرى تنتمي لنفس الفكر السلطوي المدعوم من الواعظ والفقيه الذي يخدم السلطان، مهمة فقيه السلطة تطويع الدين حسب ما يشتهي السلطان، هذا الفكر المدعوم من فقيه السلطان، يشوّه صورة الإسلام بما يقوم هؤلاء الارهابيون من أفعال شنيعة،إضافة إلى أنّه يلبّي أهداف إسرائيل، والدول الطامعة الاستعمارية الأخرى مثل أمريكا، لهذا نرى أمريكا واسرائيل وحلفائهما قد احتضنوا الاسلام السلطاني، ودعموه بمختلف الوسائل لتحقيق مصالحهم، وكان من نتائج هذا الدعم، أن أقدمت سلطة العنف على إعلان التطبيع مع إسرائيل، وقد تحققت هذه النتائج بسبب دعم الفقيه لسلطة العنف. أخيرا أقدم تقديري واحترامي للاستاذ الباحث ماجد الغرباوي على جهوده الكبيره في خدمة الفكر السليم والصحيح المتوافق مع أصالة الإسلام وإنسانيته، وأشكره على ما يقدم من جهود في هذا الميدان، كما استميحه عذرا إن لم أتوافق معه في بعض المواقف، ولابدّ من الإشارة وحسب معلوماتي، أن الاستاذ ماجد الغرباوي هو أحد ضحايا عنف السلطة في زمن المقبور صدام حسين.

 

عرض وتعليق: علي جابر الفتلاوي

.....................

المصادر

(1): انظر: الغرباوي، ماجد، تحديات العنف، إصدار معهد الابحاث والتنمية الحضارية، بغداد، الطبعة الأولى، العارف للمطبوعات، بيروت، (1430هج – 2009م.)

(2): الاستاذ ماجد الغرباوي مغترب عراقي يعيش في الوقت الحاضر في استراليا، تعرفت  عليه من خلال صحيفة المثقف الالكترونية كونه المشرف على الصحيفة، باحث أصدر عددا من الكتب، منها: (تحديات العنف) ، (مدارات الكون السردي) ، (مدارات أيدلوجية). وهي من مقتنيات مكتبتي الشخصية، إنّه حقا شخصية عراقية مفكرة تستحق التقدير والاهتمام.

كتبت صحيفة المثقف عنه في العدد (5000) في 14/5/2020: ماجد الغرباوي باحث في الفكر الديني يسعى من خلال قراءة متجددة للنص الديني تقوم على النقد والمراجعة المستمرة، من أجل فهم متجدد للدين كشرط أساس لأي نهوض حضاري، متخصص في علوم الشريعة والعلوم الإسلامية، مؤسس ورئيس مؤسسة المثقف العربي في سيدني – استراليا، أصدر عدة كتب .

للاطلاع على صفحة ماجد الغرباوي وسيرته في المثقف

http://www.almothaqaf.com/k/majedalgharbawi

(3): انظر: الغرباوي، ماجد، تحديات العنف، المصدر السابق، ص178.

(4): انظر: المصدر نفسه، ص179.

(5): انظر: المصدر نفسه، ص181.

 

 

طلال الغوارالكاتب لا يؤمن بطقوسية الكتابة

الكاتب يتناول عملية نشوء الفكرة وتبرعمها حتى تصبح جاهزة للكتابة

الكاتب يحاول أن يربط بين الطفل ورؤيته للحياة


"ما أكتبه من نصوص شعرية هي بمثابة المرآة التي أرى فها نفسي".

بهذه العبارة يبدأ طلال الغوار أولى مواضيع كتابه الجديد "انثيالات" الصادر عن دار أمل الجديدة ليضعنا أمام رؤية الكاتب لـ "الشعر، الطفولة، الحياة" عبر نصوص وجدتني وأنا اقرأها كأني أمام محاورة مع النفس للكشف عن تطلعات الشاعر ورؤيته لنصوصه وفعل الكتابة.

ولو وجدتني محاورا لطلال الغوار في حديث صحفي لا أجد أفضل من الأسئلة التي يمكن أن أستمدها من النصوص التي يضمها الكتاب، والتي وضعها الكاتب عبر فترات زمنية مختلفة.

في النص الأول الذي جاء تحت عنوان "مرايا" يجيب الكاتب عن سؤال: كيف تجد نصوصك الشعرية وما حكاية ذلك الطفل الذي يتردد فيها؟

يجيب الغوار بالعبارة التي افتتحنا بها موضوعنا هذا ويستدرك بالقول: لكني أجدني مشدودا بكل شغف إلى ذلك الطفل، وهو يتنقل بين مرايا نصوصي، فهو دائم الحضور.

ويحاول الكاتب أن يربط بين الطفل ورؤيته للحياة، فالطفل عند الغوار ليس ذلك الكائن الذي يتعامل مع الأشياء ببراءة فقط، بل أنه كائن "له القدرة في تغيير العلاقات التي تربط بين الأشياء، العلاقات المنطقية، يفككها، ويبعثرها، ثم يخلق لها علاقات جديدة بما تمليه عليه مخيلته". إنه الآن يضع رؤيته للكتابة التي تفترض عدم التعامل مع الأشياء كما هي بل خلقها من جديد برؤية طفل يعمل على تفكيكها قبل بنائها من جديد برؤية مغايرة. وهو ما يفصله في النص التالي الذي يأتي تحت عنوان "كتابة" حيث يتناول الغوار عملية نشوء الفكرة وتبرعمها حتى تصبح جاهزة للكتابة، وربما يكتبها في لحظتها أو يؤجلها إلى حين آخر كما تشاء هي (أي الفكرة) "فلا زمن محدد لكتابة القصيدة أختاره أنا، ولا مكان مفضل لكتابتها، وهي من تختار شكلها ولا إرادة لك في ذلك ,".هذا الأمر الذي يدفعنا إلى أن الكاتب لا يؤمن بطقوسية الكتابة. بمعنى أنه لا يوجد لديه طقس معين يضع عبره القصيدة، فمخاض الكتابة يمكن أن يكون في أي شكل أو وقت أو مكان، لاحدود تحد القصيدة إذا ما جاء وحي الشعر.

ويستمر الكاتب في توضيح رؤاه للكتابة الشعرية عبر النصوص اللاحقة التي يضمها كتابه "انثيالات" حيث يوضح تحت عنوان "البحث عن التكامل" رؤيته لموضوعة الحب في قصائده مبينا بأنه لا يعني تلك العلاقة العاطفية المحددة مع المرأة، فما يبحث عنه ويتعامل معه هو "رؤيا تكشف عن علاقة الغياب بالحضور، رؤيا التحدي من أجل الحياة، من أجل استمرارها، لكونه حاجة إنسانية روحية للبحث عن التكامل". إنه يقدم رؤية للحب تتسامى عن المعنى الجسدي الغريزي لتصبح "قدرة كامنة في العمق حالة للتمرد وللتحدي لكل ما يعيق حركة الحياة لتعميق بعده الإنساني، وما يساهم في تكامله مع الآخر، المرأة، الحبيبة، الذي لا يكتمل.".

والحب عنده يأتي مشابها للشعر لا يكتمل تفسيرها كما يذكر في نص "الخروج" أو نصل إلى حقيقتهما "فمهما أوغلنا فيهما كثيرا كي نشكل عنهما فهما معينا فأننا نواجه ما هو أبعد وأعمق مما وصلنا إليه، أو إننا لا نصل أبدا". فالحب والشعر بهذا المعنى هما ديمومتان مستمرتان لا يمكن الانقطاع عن التواصل معهما مهما حاول الشاعر أن يفعل ذلك، فالمعنى متدفق طالما الحياة مستمرة ولا يمكن الوقوف عند حد معين لنقول ها قد وصلنا إلى حقيقتهما، وهذا ما يمكن أن يفسر لنا تلك الاستمرارية بالحب والشعر منذ بدء الخليقة حتى اليوم..

وهو بذلك لا يقف عند معنى من المعاني كون "الشعر وحده من يستطيع اقتحام خفايا الأعماق أو المناطق السرية فيها"، كما يكتب تحت عنوان "التعبير السامي" لذلك فالشاعر حين يكتب فأنه لا يعبر عن نفسه فقط ولا تكون القصيدة إلا عندما تنصر بمجموعة أصوات "لتخرج في صوت واحد متميز" ذلك أن أنفاس الشاعر تختلط مع أنفاس الآخرين وتتفاعل أحاسيسه مع من قرأ لهم شعرا أو نثرا أو تحدث معهم وعاشرهم ومشى معهم. هنا يقدم الكاتب رؤية للتناص في الكتابة فهي ليست فقط تمثلا لنصوص سابقة وإنما أيضا تلك المواقف والمفاجآت التي تجتمع فيها "الأرواح، الأنفاس، والخطوات والطرق الكثيرة التي قطعتها الطفولة، الوجوه، الحروب، ارتجاف القلب حين يلمح وجه الحبيبة وهي تومئ إليه بعينيها".

إن النص عند الغوار يتشكل من تلك الحياة التي عاشها والوجوه التي التقاها والأحداث التي مر بها لتختلط بما قرأ فيصبح النص متناصا مع مجموعة أصوات على الشاعر أن "يصهرها بنبرات صوته لتخرج في صوت واحد متميز، يحمل بصمته".

وفي كل الأحوال مهما حاولنا أن نسبر غور الشاعر والكاتب طلال الغوار فأننا سنقف عند نقطة ما فهو يقر بأنه "لا يمكن الإحاطة الكاملة بمعرفة التجربة الشعرية للشاعر".

يقدم الشاعر طلال الغوار تجربته في كتابة الشعر عبر 92 نصا إذا ما استثنينا النص 93 والذي هو عبارة عن لقاء أجرته جريدة "الصباح الجديد" مع الشاعر.

وتتنوع النصوص ما بين النثر والشعر، وكلها تحمل ذلك الصوت الذي يريد الغوار أن يميزه سواء بكتابته للنصوص الشعرية أو برؤيته لتلك النصوص والتي يبينها لنا عبر انثيالات تمتاز بالتداعي الحر في الكتابة المعبرة عن رؤى شفافة يقدمها الكاتب عن نفسه، وكأنه يضعنا أمام حوار طويل وصريح بين الكاتب وذاته.

 

بقلم : نزار عبد الغفار السامرائي

.........................

* صدر الكتاب عن  مؤسسة أمل الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع سوريا ـ دمشق..2019 

** الصورة للشاعر طلال الغوّار

 

 

حاتم السرويفي عام 1976 ظهر "السبط الثالث عشر" فما هو السبط ولماذا كان رقمه الثالث عشر؟.. كلمة السبط باختصار هي المرادف لمعنى القبيلة عند العرب؛ فإذا كان العرب يستخدمون كلمة " القبيلة" للدلالة على فئة كبيرة من الناس تنحدر من أبٍ واحد وتنقسم إلى بطون وأفخاذ؛ فإن كلمة السبط تستخدم للدلالة على نفس المعنى ولكن في حق بني إسرائيل.

فالعرب كانوا شعبًا يجمع قبائل عدة كلهم من أصلٍ واحد وتجمعهم ثقافة لها مفاهيم خاصة وعادات وأعراف ثم صاروا أمة فيها أكثر من شعب؛ فهناك الشعب السعودي والشعب المصري والشعب المغربي.. إلى آخره، وكذلك شعب أبناء يعقوب فقد كانوا إثنا عشر قبيلة يقال لهم الأسباط وينحدرون جميعًا من أبٍ واحد هو يعقوب الذي كان لقبه إسرائيل.

و "السبط الثالث عشر " هو الكتاب الأشهر للكاتب اليهودي المجري " آرثر كوستلر" والذي فضح فيه مزاعم الصهاينة الذين ادعوا أنهم النسل المباشر للنبي إسرائيل أو يعقوب، ذلك أن العبرانيين قد اندثروا إلا قليلا، وهذا بفعل القتل أو التحول الديني؛ فالقتل كان من خصومهم الأشوريين، ثم الرومان بعد ثوراتهم التي سطرها التاريخ وذكروا بعضها بأنفسهم كما هو في سفر المكابيين الأول والثاني، وبعد اجتياح القائد الروماني تيتوس لأورشليم القدس وتدميره للهيكل سنة 70م وإذا صحت أعداد القتلى من العبرانيين على إثر هذا الاجتياح، والتي ذكرها المؤرخ المعروف عند الباحثين "يوسيفيوس اليهودي" فنحن أمام إبادة عرقية بكل معنى الكلمة، والذين بقوا من بني إسرائيل تنصر بعضهم، وبعضهم دخل في الإسلام وذابوا في الشعوب العربية التي عاشوا في كنفها وفضلوا نسيان أصولهم اليهودية والاندماج بالكامل في الشعوب التي عاشوا في وسطها، وبعد كل هذا بقيت اليهودية بوصفها ديانة يعتنقها أناسٌ ينتمون إلى أجناس مختلفة شأنها شأن المسيحية والإسلام، ولهذه الأسباب مجتمعةً يمكن القول بأن دولة إسرائيل هي في الواقع متحف أجناس متحرك؛ فاليهودي الأوروبي هو أوروبي يدين باليهودية ولا تجمعه أية صلة قرابة مع اليهودي اليمني أو اليهودي المصري، وترتيبًا على هذه الحقائق فقد اختار كوستلر لكتابه عنوان (السبط الثالث عشر) للدلالة على أن اليهود حاليًا ليسوا من الأسباط الإثني عشر، وإنما ينحدرون من شعب تركي ذي أصول آرية، وهذا الشعب أسلم بعض أبنائه فكان منهم المسلمون الأتراك، وبعض أبنائه تهودوا فكان منهم شعب إسرائيل.

لقد أشاع يهود الأشكناز الغربيون أنهم أحفاد إبراهيم أبو الأنبياء الذي أعطى الله لنسله الأرض ملكًا أبديًا حسب نص توراتي وارد في سفر التكوين، والملاحظ أن النصوص التوراتية نفسها لم تستقر على الأرض التي وهبها الله لإبراهيم وذريته ففي بعض الإصحاحات نرى الوعد الإلهي لإبراهيم قاصرًا على فلسطين وفي إصحاحات أخرى يشمل الوعد كل الأراضي الواقعة من غرب نهر الفرات حتى شرق نهر النيل بما في ذلك أراضي تقع الآن ضمن دائرة المملكة العربية السعودية!

وقد أثار كتاب السبط الثالث عشر جدلًا كبيرًا عند نشره، إذ قدم فيه آرثر كوستلر دراسة موثقة ودقيقة عن أصل اليهود المهاجرين إلى فلسطين والذي يرجع في حقيقة الأمر إلى مملكة الخزر التركية التي ازدهرت بين القرنين السابع والحادي عشر الميلادي في المنطقة الواقعة بين جنوب بحر قزوين في إيران وحتى البحر الأسود غربًا وكان شعبها يعبد صنمًا على هيئة العضو الذكري يسمى الفالوس، معنى ذلك باختصار أن اليهود في معظمهم لا ينتمون إلى أصول سامية ويصبح مفهوم معاداة السامية مجرد فزاعة يلوح بها الصهاينة لإخافة غيرهم وهم لايمتون بصلة إلى سام والساميين ومنطقة الشرق الأوسط برمتها.

ويرى كوستلر أن أسباب اعتناق الخزر الديانة اليهودية تعود لأغراض سياسية تبدأ مع رغبة ملكهم أو الخاقان -كما كانوا يسمونه- في الاستقلال عن الإسلام في دولته العباسية من جهة والمسيحية في الإمبراطورية البيزنطية من جهة أخرى ليصبحوا قوةً ثالثةً مستقلة ورغم دعوة الخاقان لم يتحول كل الشعب الخزري إلى اليهودية فبقي بعضهم على وثنيته وتحول البعض الآخر إلى الإسلام.

وقد اختفى الكتاب من مكتبات الولايات المتحدة والسبب واضح ومعروف بطبيعة الحال وفي مكتبة الكونجرس لا توجد سوى نسخة واحدة اختفت هي الأخرى كما ورد في صحيفة واشنطن ريبورت لشؤون الشرق الأوسط في عددها الصادر يونيو 1991.

والمثير أن كوستلر في الأساس من يهود المجر، وقد بدأ حياته يهوديًا ينتمي إلى الشيوعية ويؤمن كذلك بالفكر الصهيوني، ما دفعه إلى الهجرة لفلسطين، لكنه انقلب رأسًا على عقب فأصدر في البداية روايته ظلام في الظهيرة عام 1940 وفيها تناول تحوله عن الماركسية وازدراءه الحكم الشمولي الواقع في روسيا ودول التوجه الاشتراكي.

وفي 1948 حصل على الجنسية البريطانية فغادر فلسطين معلنًا تخليه عن الصهيونية ثم سافر إلى الولايات المتحدة وفيها أعلن تخلية عن اليهودية نفسها سنة 1949.

وفي 1983 مات كوستلر بعد صراعه مع سرطان الدم وأشاع البعض أنه انتحر لإيمانه بمبدأ القتل الرحيم فقد كان رافضًا للألم وقيل أيضًا أن زوجته انتحرت معه، وجاءت وفاته في خضم الجدل المثار حول كتابه عن اليهود وبقي موته حتى الآن محل غموض وتساؤلات.

على أن المفكر وعالم الجغرافيا الراحل جمال حمدان كان قد سبق آرثر كوستلر بتفنيد مزاعم الصهيونية حول الانتماء لبني اسرائيل الوارد ذكرهم في الكتب المقدسة فقد أصدر عام 1967 كتابه الشهير "اليهود أنثروبولوجيًا" وفيه تكلم عن الأصل الخزري لمعظم يهود اسرائيل والثابت تاريخيًا أن يهود الخزر تشتتوا وهاجر الكثير منهم إلى دول شرق أوروبا -وبالأخص بولندا- وهي الدول التي ينحدر منها في الأغلب كثير من يهودي الكيان الصهيوني بل وكثير من يهود العالم لذلك سميت بالخزان اليهودي.

وفي 1993 توفي العالم جمال حمدان إثر اغتياله من قبل عميلة بالموساد زعمت أنها صحفية وتريد أن تحصل منه على حوار خاص وكان سبب اغتياله أنه ألف كتابًا حافلًا يقع في ألف صفحة وعنوانه اليهود والصهيونية وبنو اسرائيل وفيه أراد أن يؤكد بوثائق جديدة حقيقة الأصول العرقية ليهود الكيان الصهيوني التي كشف عنها من قبل في كتابه "اليهود أنثروبولوجيًا" وبذلك فقدت مصر واحدًا من أنبه علمائها وأخلصهم والسبب أنه أكد بما لا يدع مجالًا للشك أن اليهود الحاليين ليست لهم علاقة بفلسطين لا من حيث التاريخ أو من حيث الجغرافيا أو من حيث النصوص المقدسة.

وفي الختام نقول أن إسرائيل مشروع استعماري غربي وليست دولة لأنها لا تملك حتى الآن مقومات الدولة؛ ويرجع هذا في الأساس إلى افتقادها للتجانس العام؛ فهؤلاء اليهود لا يجمعهم عرق ولا عنصر ولا ثقافة ولا قومية ولا دين؛ فهناك اليهودي الغربي أو الأشكنازي وهناك يهود المشرق أو المزراحيم وهناك بخلاف أولئك وهؤلاء يهود تعود أصولهم إلى الأندلس ويطلق عليهم لقب (السفارديم) وهو اللقب الذي درجنا على إطلاقه ليشمل عموم اليهود الشرقيين.

ثم أن الزيجات المختلطة كانت ولا تزال أمرًا واقعًا في عموم الأوساط اليهودية؛ فهناك زيجات يهودية مسيحية أو يهودية إسلامية كثيرة، وهذا يعني بوضوح أن فكرة نقاء العنصر اليهودي من الأوهام الكبرى التي روجها النصابون وصدقها الأغبياء.

وعلى مستوى الدين هناك اليهودي الحريدي وفي المقابل هناك العلماني، وبين هذا وذاك حرب فكرية شرسة، وكلاهما لا يحب الآخر، وأخيرًا هناك اليهودي الأرثوذكسي واليهودي الإصلاحي واليهودي الملحد، ولا نستغرب عندما نجد أن مؤسس دولة إسرائيل "بن جوريون" كان لا يكترث بالدين أصلاً.

إن إسرائيل لم تصنع لتبقى؛ لأنها دولة وظيفية، وبانتهاء مهمتها ينتهي وجودها؛ لذلك نحن نترقب زوالها، ولا ندري متى يكون ذلك لكنه ليس بعيدًا على أية حال، واستمرار إسرائيل مرهون باستمرار الغفلة العربية؛ لذلك نأمل أن تحدث معجزة وتستفيق الشعوب العربية وتعرف أن الطريق الوحيد للقوة هو العلم والثقافة؛ الثقافة التي يفر منها كثيرون عندنا وكأنها مرض جلدي مزمن، والحق أن اليهود لم يتفوقوا علينا بذكائهم وإنما بضياع همتنا وفساد أحوالنا، فهل نسنتفيق؟؟

 

حاتم السروي

 

نضير الخزرجيقبل أن أحط الرحال في العاصمة البريطانية لندن في التاسع عشر من شهر تشرين الأول أكتوبر سنة 1990م، في رحلة الهجرة في المنافي والبلدان، وهي هجرة قائمة حتى اليوم رغم زوال العارض بسقوط النظام البائد، علمت بوجود اقرباء لي فيها، وقد حرصت على مد حبل الوصال إلى ذوي القربى الذين هم الآخرون عانوا ما عانى كل مهاجر من بلده قسرا، ومن القربى أستاذ جامعي حكم عليه حادث سير في الجزائر ان يكون أسير الكرسي المتحرك، فقدم إلى لندن للعلاج، فلم يسفعه الطب في استعادة كامل صحته أو الوقوف على قدميه، لكن العلاج أتاح له أن يعيش مع حالته الجديدة عبر كرسي متحرك وسرير خاضع للسيطرة وأن يتأقلم مع هذا الوضع إلى الدرجة التي أتاحت له، مع الإرادة والعزيمة، الإعتماد على نفسه كليا حتى في الطبخ والتسوق وقضاء مشاغل البيت.

بعد أن استقر بي المقام جنوب غرب لندن في بادئ الامر قبل الإنتقال إلى شمال غربها، بدأت رحلة دق أبواب ذوي الرحم وكان هو أولهم، وكلما طرقته عبر الهاتف لأرتب معه موعدًا لزيارته كما هي عادة أهل الغرب كان يؤجل لي اللقاء إلى وقت آخر، ربما لأنه لا يرغب أن أراه في كرسيه المتحرك، وهو الذي كنت أراه بين الفينة والأخرى في العراق في مدينة الكاظمية مسقط رأسه أو مدينة كربلاء مسقط رأسي ومحل إقامة والده خال والدي.

حاولت تقمص العادة الغربية وأن لا أزوره حتى يأذن لي لكن الحنين حكم عليَّ العودة إلى عادة أهل الشرق وحملت نفسي إليه وطرقت بابه من دون علم مسبق، ففوجئ بي عندما فتح الباب وهو في كرسيه المتحرك، ومع أن الزيارة غافلته لكنها أوقفت حركة عجلة الحظر النفسي التي وضعها كرسيَّه المتحرك، وأكثرت بعدها الزيارة وكلما جلست معه تعلمت منه قوة الإرادة وصلابة الموقف وتجاوزه لكل المحن التي عانى منها رغم صعوبتها، وله الفضل في دفعي إلى استئناف الدراسة الجامعية وتوجهي الأكاديمي، إنه الدكتور حسن عباس حسن (1938- 1993م) صاحب المؤلفين الشهيرين: (الفكر السياسي الشيعي .. الأصول والمبادئ) المطبوع سنة 1988م، وكتابه الآخر (الصياغة المنطقية للفكر السياسي الإسلامي) المطبوع سنة 1992م، اللذان بهما نال شهادتي الماجستير والدكتوراه من القاهرة، إلى جانب العشرات من المؤلفات والمخطوطات والدراسات التي كنت أراها تحيط به من كل جانب، وكان يأمل أن يقوم بطباعتها، ولكن الأجل نقله في شهر رمضان سنة 1413هـ إلى رب رحيم وقد ترك كرسيه المتحرك شاهدًا على أن الإعاقة لا تحول دون العطاء، وإن الإنسان بإمكانه الإستفادة منها في إنجاز ما لم يكن بإمكانه ذلك وهو في كامل قواه البدنية.

وهذا الموقف أعاده إليّ بالذاكرة كتيب "شريعة المعوَّقين" للفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر في بيروت نهاية العام 2019م (1440هـ) عن بيت العلم للنابهين في 48 صفحة بين أسطرها 88 مسألة شرعية، تصدّره مقدمة الناشر وأخرى للمعلق الفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، مهّد له المؤلف بمقدمة وافية، وانتهى الكراس بـ (27) تعليقة.

نظرة صائبة

تحكي كتب التاريخ أن الرومان كانوا يتخلصون من المعوقين وأصحاب العاهات والتشوهات الخلقية، ومثلهم كان يفعل الفراعنة، إذ كانت النظرة إلى المعوق نظرة نقص، وهي نظرة قائمة حتى اليوم في بعض مجتمعاتنا حتى تصل الى درجة أن يحبس الأب وليده المعوق في الدار حتى لا يطلع عليه حتى أقرب الأقربين، إلى أن يتوفاه الله، ولا يتقدم خطوة واحدة لعرضه على طبيب مختص ربما وجد له شفاء أو بعض شفاء، وهذا الأب محكوم بنظرة مجتمعية جاهلية قاصرة تكشف عن البون الشاسع بين نظرة المجتمع ونظرة الإسلام الذي توجه إلى الفرد كإنسان وكتب على كل واحد حقوقه وواجباته، فإذا كتب على السليم الدفاع عن الأوطان فإنه رفع الكتاب عن صاحب الإحتياجات الخاصة، مثلما كتب الحج على الميسور ورفعه عن المعسور حتى وإن كان الثاني صاحب عضلات، مثلما كتب الخمس على المالك ضعيف البنية ورفعه عن الفقير صاحب القوة، لأن الإسلام ببساطة نظر إلى الجميع نظرة واحدة، لكنه كتب ورفع حسب الظرف.

وبشكل عام فإن العاهة التي تصيب الجنين ويخرج الوليد معوقا، هي من عمل الإنسان وما كسبت يداه، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد: (إنَّ الخلقة الناقصة لها أسبابها، وهي ليست من الله جلّ وعلا بل من أمور ارتكبها الإنسان فأدَّت إلى هذا النقص أو ذاك العيب، وإلا فإن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم كما تصرح بذلك الآية المباركة: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. سورة التين: 4).

إذن من أين يأتي الخلل؟ هذا السؤال يجيب عليه الفقيه الكرباسي بقوله: (إن تأثير أعمال الإنسان والبيئة عامل أساسي في إعاقة الإنسان سواء كان نطفة أو قبل ذلك، بحيث تكون مؤثرة على والديه ومن ثم تنتقل إلى نطفته، فعلى سبيل المثال، الأشعة الضارّة للجسم بأي نوع من أنواعها فإنها تؤثر في الإنسان، وتنقل آثارها إلى المنيّ الذي يُمنى فإلى الطفل، وهذا من فعل الإنسان وليس من فعله تعالى)، وهذا الأمر ينسحب إلى معاقر الخمور ومدمن المخدرات، وهي حقيقة أثبتها الواقع وسجّلها العلم الحديث والأرقام الطبية.

من هنا فإن بعض الدول ومنها دول إسلامية تشترط في إتمام عقد النكاح والزواج إستخراج ورقة سلامة طبية من الأمراض الوراثية والمعدية القابلة للإنتقال عبر الجينات الوراثية، فإذا جاءت النتائج طيبة أمضت العقد وإلاّ وقفت أمامه، وهذه نعمة من نعم العلم الحديث الذي يمكنه أن يحد من المعوقين ولاديا رحمة بالوالدين وبالوليد وسلامة المجتمع حتى وإن كان الزوجان أبناء عمّ، ولهذا كما يضيف الفقيه الكرباسي: (لا يجوز للرجل أو المرأة استغفال الآخر لدى الزواج، وإذا تبيّن بعد ذلك فهو من موارد الفسخ)، ومن موارد الفسخ الجنون والعُنَّة ومجمل العيوب الجنسية لدى الطرفين غير قابلة للعلاج.

وبإزاء ذلك وردت السنن والأحاديث تمنع بعض الممارسات أثناء المقاربة الجنسية بين الزوجين، وتحذر من بعض الأوقات لتأثيرها السلبي على تكوين الجنين، وتحظر بعض الممارسات الفعلية والكلامية أثناء الممارسة مع الزوجة الحامل لأن الجنين يسمع ويتأثر بالمؤثرات الخارجية، وتحذر من تناول الحامل بعض المأكولات، وما أشبه ذلك، ومن وصايا الرسول (ص) للإمام علي (ع) في الزمان: (يَا عَلِيُّ: لَا تُجَامِعِ امْرَأَتَكَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَوَسَطِهِ وَآخِرِهِ، فَإِنَّ الْجُنُونَ وَالْجُذَامَ وَالْخَبَلَ لَيُسْرِعُ إِلَيْهَا وَإِلَى وَلَدِهَا)، ومن الوصايا عن التكلم عند الجماع: (يَا عَلِيُّ: لَا تَتَكَلَّمْ عِنْدَ الْجِمَاعِ فَإِنَّهُ إِنْ قُضِيَ بَيْنَكُمَا وَلَدٌ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ أَخْرَسَ، وَلَا يَنْظُرَنَّ أَحَدٌ إِلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ، وَلْيَغُضَّ بَصَرَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ، فَإِنَّ النَّظَرَ إِلَى الْفَرْجِ يُورِثُ الْعَمَى فِي الْوَلَدِ)، وفي الجانب الإيجابي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم اللّه جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقنا، فإن قدر بينهما في ذلك ولد لن يضر ذلك الولد الشيطان أبدا‏).

وبالطبع فإن الإعاقة الولادية أقل من الإعاقة ما بعد الولادة، مثل العمى لمرض أو كبر سن أو نقص عضو بسبب حادث، وخاصة أثناء الحروب، وما إلى ذلك، وهذه كلها منظورة بعين الله، فأوجد لها التشريعات التي تحفظ لهذا المعوق شخصيته المعنوية والحقوقية.

حق وأكثر

المعوَّق أو العاجز أو صاحب الإحتياجات الخاصة، وغيرها من المصطلحات القديمة والحديثة، اللغوية والطبية، كلها تدل على المنع ووجود الإعاقة والسبب الذي يمنع صاحبها عن أداء وظيفة معينة يمارسها غيره السليم، وهذا هو المعنى اللغوي لكلمة الإعاقة التي وردت مرة واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً) سورة الأحزاب: 18، فالإعاقة كما يعرّفها الفقيه الكرباسي هي: (عجز الإنسان أو قصوره عن القيام بدوره بالشكل المطلوب بسبب خطأ غير طبيعي)، وعليه فإن المعوَّق: (هو الشخص المصاب بالإعاقة)، ولاشك أن: (الإعاقة قد تكون خَلْقيا وقد تكون بفعل فاعل او حدوث حادث).

في الواقع إنَّ المعوَّق مغلوب على أمره، بخاصة إذا كانت إعاقته كبيرة تحدّ من حركته وتمنعه من التفاعل مع باقي أفراد المجتمع، وهنا تأتي مسؤولية المجتمع في التعامل المثبت مع المعوَّق وليس إشفاقًا، وبتعبير الفقيه الغدير في تعليقه: "فالمعوَّق لا يقدر على ما يريد تحقيقه في الوصول إلى الهدف المطلوب والمقصود من خلقه، فيعدّ من القصر موضوعًا وحكمًا، بينما هو كسائر المكلفين مع فارق القدرة في أداء مهامه وتكاليفه، والله سبحانه وتعالى جعل كل مَن خَلق من المزايا الوجودية لعيشة راضية ومرضية، ولا يحق لأحد سلب سلامته وراحته من دون سبب شرعي أو عقلي أو عقلائي، كما في سلب الحقوق والحريات الفطرية، فالفطرة السليمة تقتضي تحقيق كل ما يرتبط بكمال الإنسان بما هو، والإنسان بطبعه الوجودي يميل إلى كسب الكمال).

بل إن المعوَّق المعوز له حق على الناس يأتيه من بيت المال بالعنوان الإسلامي، أو مصلحة الضرائب بالعنوان المدني، ولهذا يضيف الفقيه الكرباسي: (يجوز صرف الحقوق الشرعية على المعوَّقين حسب شروطها إن تحققت فيهم تلك الشروط)، وهذا الأمر أولاه الإسلام إهتماما كبيرًا، ففي بريطانيا مثلا التي تمثل أعرق الديمراطيات في العالم الغربي فإن الإعانة المرضية بدأت منذ عام 1948م في حين أنها دخلت مجتمع الجزيرة مع ظهور الإسلام، ولكن يبقى الأمر خاضعًا للحاكم أو ولي الأمر المبسوط اليد لتطبيقه، وهو ما جرى العمل به في العهد الإسلام الأول، ويذكر التاريخ أنه في سنة 86 للهجرة أجرى عبد الملك المرواني حاكم دمشق الصدقات على الزمنى- الإصابات المزمنة والعجز- والمجذومين والعميان والمساكين واستخدم لهم الخدّام، وأقام المشافي والمستوصفات.

ويفصل الكتيب في بيان مسائل الخنثى بوصف الحالة عوق جنسي وجسدي، وحقه أو حقها في التحول الى ما ينسجم مع الميول الفطرية والجسدية، والأحكام الشرعية المترتبة على الخنثى صاحب الآلة أو الآلتين الذكورية والأنثوية وبعد التحول إلى أحد الجنسين، ومسائل المولود برأسين بمركز تحكم واحد أو مركزين، والمولود بجسمين ملتصقين، ومسائل زرع الأعضاء الحيوانية في بدن الإنسان المعوَّق وحكمها من حيث الطهارة والنجاسة، وحكم الأعضاء الإصطناعية عند التطهر من غسل ووضوء، ومسائل من هذا القبيل، أنار الفقيه الكرباسي مشاعلها.

لاشك إن هذا الباب من أبواب الفقه، قلّما بحثها الفقهاء بشكل مستقل، وإذا تم تداوله فهي في مطاوي مسائل أخرى، ربما من باب غلبة توجه الخطاب الشرعي إلى الإنسان السليم بدنيا وعقليا، وبتعبير الفقيه الغديري: "إنَّ موضع الإعاقة من المواضيع الحديث في المباحث الفقيهة أولا وبالذات وفي المعالم التحقيقية ثانيا، وبالعرض أو بعكس ذلك، ولله در المؤلف المحقق آية الله الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي أيده الله تعالى الذي فتح باب البحث عنها من جانبها الفقهي"، وهي دعوة للفقهاء في المدارس الفقهية كلها لطرق الأبواب المسكوت عنها، والإعاقة منها، من أجل إخراجها من دائرة الحرج والرفض إلى دائرة العلن والقبول، والتعامل معها بصورة سليمة ودعوة المجتمع إلى التعاطي مع المعوَّق كإنسان له كامل الحقوق وأكثر، ولا يكون مَثَلُ الأب مع وليده المعوق مِثْلَ الأب الجاهلي مع وليده الأنثى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَى مِنْ الْقَومِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) سورة النحل: 58- 59.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

خضير اللاميللناقد فاضل ثامر

يقول الناقد فاضل ثامرفي مستهل كتابه الموسوم "التأريخي والسردي في الرواية العربية" كتابي النقدي هذا محاولة لقراءة الرواية العربية الحداثية وما بعد الحداثية في تعاملها مع التأريخ بين الإمتثال لفتنة التخييل كليا واعلان القطيعة مع ما هو تأريخي ورسمي، وبين محاولة خلق تاريخ بديل يشاكس التأريخ الرسمي الذي هو تأريخ الملوك والسلاطين والحكام المنتصرين .."

ففي كتابه النقدي هذا، يتناول الناقد ثامر، مسحا عاما؛ عرضا ونقدا لكوكبة من الروائيين العراقيين، والعرب منهم، الذين وضعوا آفاقا لتحوّلات السرد الروائي العربي المابعد حداثي، وما يُطلق عليه مصطلح الميتا – سرد meta - narration؛ وهم الذ ين أسسوا ايضا في سردياتهم ونقودهم، ثوابت لهذا العمل ما بعد السردي، أي تناول مادة التأريخ بوصفها عملا ابداعيا . وهم ايضا بالتاكيد قد تأثروا بهذا المنحى أو ذاك، بكتّاب من خلال تناولهم أعمال هؤلاء الكتّاب . ويُعدّ الناقد فاضل ثامر من جهة أخرى، من أوائل المعنيين بتناول اعمال هؤلاء الروائيين، وهذا ما نجده في سفره " التأريخي والسردي، في الرواية العربية ." فضلا عن اعماله النقدية الأخرى . وإذ يتعذر علينا إستعراض كل عمل من أعمال هذه الكواكب، الذين تناول الناقد الإبداعي، فاضل ثامراعمالهم التي أطلق عليها مصطلح ما يسمى مفهوم الميتا – سرد، كما اسلفنا اذ سبق له أن تناولهم بهذا الشأن؛ فضلا عن قيامه، بعملية مسح تام، لقراءة أعمال كتّاب غربيين، أهّلته لغته الانجليزية في أن يتناولهم فرادى، اذ كانوا يشكلون قاعدة أساس في تناوله لهذه الظاهرة، ظاهرة ثيمة ما اصطلح عليه سرد ما بعد التأريخ، في الأعمال السردية العربية؛ أي بمعنى آخر ثيمة التناول الفني للتأريخ، كما نوضح في كلامنا هذا .

ففي عملية نقده هذا، للأعمال الإبداعية التي ضمها هذا العمل السردي، والذي تناول فيه الرواية العراقية وصنوها الرواية العربية إجمالا، واعتمدهما مادة لتناول الأعمال الروائية، الإبداعية العراقية والعربية على حد سواء . فقد استخدم فاضل ثامرمادة التأريخ عجينة، للأعمال السردية، بوصفها مادة إبداعية، وبالذات الأعمال التي يُطلق عليها ثيمة ما بعد التأريخ، التي من مهامها لدى الناقد بهذا الشأن، التناول التأريخاني، بمعني آخر إستخدام التأريخ بوصفه مادة للتناول الإبداعي كما اسلفنا، وليست مادة للتاريخ الصرف، وبطريقة أخرى، تأريخ المهمشين والمعذبين تحت اسواط الجلادين والملوك والسلاطين. وأعني هنا، كتابة الرواية تفيد من التأريخ عموما، يكتبها الروائي بوصفها مادة يطلق عليها فنية التناول التأريخاني للأعمال الروائية أو بمعنى آخر السرد الروائي التأريخاني . وهو هنا، أي فاضل ثامر، على سبيل المثال لا الحصر؛ يذكر في سفره النقدي هذا التأريخاني،" التاريخي والسردي في الرواية العربية بهذا المقطع:

1508 فاضل ثامر"إذ يتواصل هذا التنازع بين سلطتين، سلطة المُتخيّل السردي في الكثير من الأعمال الروائية العربية الحديثة، وبين مركزية التأريخ، على رسم عالم افتراضي بديل، في منحى لتفكيك المركزية التأريخية الصارمة، واستبدالها برؤية تخييلية وافتراضية بديلة وأكثر إنسانية، ومرونة واستجابة للنزوعات، والأشواق الإنسانية المقموعة والمسكوت عنها .."

كما يأتي هذا في مقال الناقدة أ. د هناوي سعدون ليؤكد ما يذهب اليه الناقد فاضل ثامر بهذا المسار: "ولعل ما يحصل من خلط بين الكتابة التي تنتج رواية ما بعد التأريخ، والكتابة التي تشتغل على التأريخ وهذا يرجع الى ما تؤكده رواية ما بعد التاريخ، ليستثمر مخطوطا او حدثا تأريخيا مشتغلا على المبنى لا المحتوى .."

ومن هنا ايضا، ينطلق الناقد فاضل ثامر في مستهل نقده هذا لكل عمل روائي من اعمال الروائيين العراقيين والعرب الذين تناولهم كتابه الموسوم " التأريخي والسردي في الرواية العربية ."وبعرض تفصيلي مُسهب، ومن ثم يشرع بالعملية النقدية التفكيكية لكل عمل سردي، أو روائي، من هذه الأعمال. ونحن إذ ننطلق من هنا، في مقالنا هذا كما اسلفنا، لنؤكد، أنّ منطلقات كلام الناقد فاضل ثامر، يشكل تجربة؛ لا بل ثوابت في مسيرته النقدية الطويلة هذه: في مجال التناول النقدي للعمل الروائي العراقي والعربي بخاصة، حيث تناول أعمالا سردية كبرى في النقد التحليلي، مع مسيرة تأريخانية، لهذه السرديات الكبرى، والصغرى منها .. ويبدو لي أنه في كتابه هذا، يختزل تجربته النقدية للسرديات الروائية في عملية مسح تام لمعظم الروايات العربية، التي تناولت مادة ما بعد التأريخ، بوصفها مادة ابداعية .

وهنا، يعني أنًّ تناول السارد، لثيمات ستراتجية ضمّنها السرد الروائي، عرضا ونقدا وتفكيكا وتحليلا، على وفق منهجه أومفهومه لما بعد السرد، كان كما يبدو، أنه ملّم بكل الأعمال التي تناولها العمل الإبداعي، وما رافقها من نقد سردي ما بعد حداثي، تضمنتها أعمالا ستراتيجية ذات ابعاد تأريخانية وكرونولوجية واجتماعية وسياسية وجمالية الخ . وهو بهذا، لا يعني أنه يعرض لهذه السرديات حسب، بل إنه يتناولها نقدا وتحليلا وتفكيكا لأبعادها الستراتيجية والتأريخية كما ذكرنا اعلاه .

وإذ يبدأ الناقد، ثيمة تناوله السرد الروائي – الإبداعي بالعرض المُسهَب، ومن ثمة يُطعّمه، بشذرات من نقده، فضلا عن تواصله في السرد الروائي؛ وهي طريقة تجعل المتلقي ينشدّ الى قراءته الإبداعية، ومن ثم؛ وفي الغالب، يقوم بالعملية النقدية التفكيكية، لكل عمل سردي روائي تأريخاني – من الاعمل التي ضمها هذا السِفر الروائي : وبهذا يشد المتلقي في الإستمرار لمتابعة قراءته .

لا شك أنَّ الناقد المبدع ثامر هنا، هو ناقد ما بعد حداثي، ملأ الساحة الأدبية العراقية منها والعربية، في مقالاته وفي سردياته النقدية بهذا الشأن، وبتوجه حداثي، وما بعد حداثي صرف، وما من شاردة أو واردة؛ إلا وتناولها في المجال الروائي الإبداعي، وعلى وفق توجهات منهجه النقدي، إلما بعد حداثي، وغيره من الأعمال الأدبية، نقدا وعرضا وتفكيكا وتحليلا؛ وهو بهذا، يتّبع في هذه الأعمال الإبداعية العراقية والعربية منها، إسلوبا تفكيكيا كما أرى . وأحيانا، نراه يُسهب كثيرا، في عرض العمل الأدبي، بيد أنًّ هذا العرض منهجي لا يبعث إطلاقا على الملل لدى المتلقى؛ إنما العكس هو الصحيح، إذ يبحر مع قارب الناقد المبدع في تناوله للأعمال الإبداعية الروائية العراقية والعربية منها ..

وهو بهذا، يتناول أعمالا روائية إبداعية، ثيمتها التأريخ الحديث الصرف؛ بيد أنها تُعّد أعمالا ما بعد حداثية، او بمعنى آخر تأريخانية.. وهو متمرس كما أرى في هذا الصنف من الأعمال الروائية الإبداعية، ولهذا، فهو يمزج بين هاتين الثيمتين تأريخيا وابداعيا، ولهذا ايضا، فهو يمزج بين تينك الثيمتين، ويقدمهما باقة ابداعية للمتلقي ..

وأرى هنا ايضا، أنه يقرأ الرواية التأريخية لكتّاب معنيين بها بوصفها عملا تأريخيا تأويليا صرفا؛ ومن هنا، كما يبدو يشرع في ثيمة عرض العمل الروائي، وبخاصة الأعمال الروائية التي تتعامل مع ثيمة التأريخ الحديث وإفرازاته، وهذا لا يعني أنّ العمل الروائي الحداثي، وما بعد الحداثي الذي يتعامل معه الناقد فاضل ثامر، هوعمل روائي ابداعي ثيمته التأريخ الصرف . بمعنى آخر أنه يستخدم مادة التأريخ الحديث حصريا؛ وهذا لا يعني، أن الرواية الحداثية رواية تأريخية صرف؛ إنما يستخدمها، أو يتعامل معها بوصفها عملية تفكيكية تأريخانية؛ إن صح التعبير، ابداعية لأحداث التأريخ، وافرازاته في عصرنا هذا .

وقد تناول الناقد فاضل ثامر في مدونته هذه، قضية شائكة في العمل الروائي الحداثي، وبالذات ذلك الأدب الروائي الذي أخذ يمتد مضيئا فيما يُسمى أو ما يُطلق عليه أدب ما بعد الحداثي الذي ثيمته سيمياء الأدب ما بعد الحديث، والذي سمته التأريخ – الحاضر، ومن ثم يصوغ منه السارد الناقد عمله الجديد على وفق هذا المنهج التأريخاني إلما بعد حداثي، الذي يتكون من متنين ونصين، تأريخي صرف وسردي ابداعي، ماضي وحاضر، بمعنى آخر، أنًّ الماضي يضيء الحاضر؛ وأنًّ الحاضر يستلهم إمثولة من خلال عملية تحبيك متقنة .

ولعل ما يحصل من خلط في الكتابة التي تنتج مسلك رواية ما بعد التأريخ، او بمعنى آخر، رواية تأريخانية؛ راجع الى كون هذه الرواية؛ رواية ما بعد التأريخ، إنها بمعنى آخر تستثمر أوتشتغل على ثيمة ما بعد التأريخ الذي يستثمر هوالآخرمخطوطا أوحدثا تأريخيا مشتغلا على المبنى لا المحتوى .

وكان السائد قبل السرد الروائي المحض لنصوص التأريخ، تأريخ الملوك والسلاطين والفقراء والعبيد؛ كنا نقرأ قصصا تأريخية لرجال وابطال أو أحداث تأريخية شهيرة، دون سرد فني وجمالي، يركز على تناول ثيمة ما يسمى ما بعد التأريخ، ولم ندرك حينها زبد هذه الاعمال السردية في العمل الروائي المعاصر الصرف، حتى برزت هذه الموجة، موجة او توجه السرد ما بعد التأريخي التي احد اقطابها الناقد الكبير فاضل ثامر، لتربط الحاضر بالماضي، والعكس صحيح، الا بعد فترة في مستهل الستينيات حيث ظهرت بوادر ما يسمى رواية ما بعد التاريخ الذي هو مزيجا روائيا؛ من حيث ظهرت ثيمات التفاعل بين العمل الروائي والتاريخ، وتحوّل الى ما يطلق عليه عملا روائيا - تأريخانيا ..

وكان همّ الناقد والباحث الإبداعي فاضل ثامر، هو البحث الحثيت الدائم، ونبش ما وراء التأريخ من خلال قراءاته لمعظم الروايات العراقية، والروايات العربية حتى؛ لإثبات ما يريد أن يقوله عن مفهوم الميتا – سرد meta – narration، الذي تناولته الرواية العراقية وصنوها العربية، وبالتالي ليقدّم لنا ما قامت به الرواية العراقية والعربية على حد سواء لاثبات صحة تناول هذه الثيمة في السرد العربي الحداثي.ويبدو لي، ومن خلال سرده هذا؛ أنه ملّم بهذه العملية السردية، ويبدو أنه قد احاط بها من الفها الى يائها، فهو هنا، كما أزعم انه، يُعدّ عميد النقد الروائي ما بعد حداثي، وعلى وفق بعض ما قرأت عن قيامه بمسح عام للرواية العربية ..

وفي تناوله للبنية السردية الإطارية في الف ليلة وليلة، نلحظ أنه يمتلك إسلوبا أدبيا رشيقا، بعيدا عن التناول الأكاديمي، ويشعر المتلقي أنه ازاء عمل روائي ابداعي رغم إنه كان قد درس الأدب، دراسة أكاديمية، بيد أنه كما يبدو؛ قد تحرر تماما من هذه الصفة الأكاديمية، ولذا نرى أنه يختلف تماما عن الكثير من زملائه أصحاب الشهادات الأكاديمية، والذين إن قرأت لأحدهم عملا أكاديميا حتى تشعر بالملل، أو تضع ما تقرأه وترمي الكتاب جانبا، وبعكس ما نراه او نقرأه لدى فاضل ثامر، فإنك تنجذب باسلوبه الرشيق، وما يضخ لك من معلومات تأريخية وابداعية وانت مستمر في قراءتك هذه .

ويبدو، ومن خلل هذا السرد المسهب الذي أجرى عليه فاضل ثامرعملية مسح تامة، للأعمال الروائية في العراق، ومعظم الدول العربية؛ أقول، يبدو لنا أن هذا الجهد في المسح العام للأعمال الإبداعية، يدل على همّة الناقد فاضل ثامر في تناول الأعمال الروائية الإبداعية العربية اجمالا، ليقدّمها للمتلقي العراقي، وقرّاء الوطن العربي، وإنْ رسونا على تقييم ما قد كتبه الناقد فاضل، بعد أن أجرى مسحا عاما للسرديات العراقية والعربية، فضلا عن النقود الإبداعية الأخرى؛ فإنه بذلك، يحتاج الى زمن طويل، وربما سنين طويلة ايضا، ليقوم بمسح لمثل هذه الاعمال السردية ليقدمها لنا، باقة إبداعية متميزة في كتابه هذا، التأريخي والسردي في الرواية العربية، وربما في كتبه الأخرى ..

 

لذا، فإنًّ هذا العمل، اذا لم اكن مبالغا يُعدّ مشروعا أدبيا إبداعيا، وثقافيا، يضعه الناقد، بين أيادي القراء المتخصصين والقراء عامة؛ أو بالأحرى، يُعد مصدرا، ومرجِعا للناقد العراقي والعربي، وليضعه ايضا تحت إستخدام ما يراد منه لتناول أيّ عمل إبداعي .. وهنا، نجده جاهزا إنْ أردنا أن نقرأ تأريخ النقد العربي الإبداعي، وبخاصة العمل ما بعد الروائي او السردي، الذي تناوله الناقد فاضل ثامر، ليكون جاهزا أمامنا كعمل ثقافي ونقدي ابداعي تناول ثيمة ما بعد التأريخ.

وهنا، لا بد أن أشير الى أنّ فاضل ثامر يمتلك، إسلوبا أدبيا ماتعا، ورشيقا، بعيدا عن التناول الأكاديمي، ويشعر القارئ انه ازاء عمل روائي ابداعي، رغم إن دراسته كانت اكاديمية فعلا؛ بيد انه يختلف تماما عن كثيرين، من اصحاب بعض الشهادات الاكاديمية الذين إنْ قرأت لهم عملا اكاديميا فإنك سرعان ما يغلبه النعاس وتضع الكتاب جانبا . وارى هنا، ان ثقافة الناقد فاضل ثامر للاداب الاجنبية بحكم تخصصه في اللغة الانجليزية مكنته من الاطلاع على كثير من الاعمال الابداعية وبخاصة الروائية منها . ما حدى بتوجهاته نحو ثيمة اواصطلاح ما يطلق عليه السرود التأريخانية التي سادت الساحة الروائية العراقية والعربية، وبخاصة، الأعمال الابداعية . وقد تناول بهذا لاتجاه الاعمال الابداعية الكبرى منها والصغرى، وبخاصة السرد التخييلي .والكتابة عن ناقد تمرس في النقد العراقي والعربي، وما يمتلك من تنظير، أو من تناول حداثي أو ما بعد حداثي للأعمال الإبداعية، فضلا عن ثيمة النقد الإبداعي مثل فاضل ثامر، فإنًّ المُتناول في الكتابة عنه من نقاد وقرّاء لا بد وأنْ يكون متأنيّا جدا، لما يملكه هذا الناقد من عمق تناول سردي، ومن باع طويل في المجال النقدي العراقي والعربي، وهذا تخصصه، وما يملكه من خبرات ورصيد وظفهما من اجل تناول العمل الروائي والقصصي على مسافات عمره الطويل لما يكتنزه من خبرة في المجال الابداعي وما بعد الابداعي..

وثمة انتباهة هامة للناقد فاضل ثامر حين يؤكد: "إن المسرد الروائي يغدو دائما مسرودا مرويا، ينعكس فيه المسرود الجديد، ليجد فيه صورته الخاصة، ففي كل مسرودة تستولد مسرودا جديدا ". وهذا يعني إستيلاد مسرود جديد، وهذا يعني ايضا توالي مسرودات؛ بمعنى آخر، أن النص الإبداعي يستولد نصه الابداعي إياه .. وهذا ما يُطلق عليه توالي عملية الإستيلاد ..

واهتمام فاضل ثامر بهذا التوجه التأريخاني، في الأعمال الروائية، ربما قد تأثر بكتّاب هذا النوع ومنتجيه، من التوجه الى كتّاب الغرب وأميريكا، وهذا ما منحه أنْ يكون ناقدا لمثل هذ النوع من العمل الإبداعي الإجناسي، وبخاصة الرواية العربية الإجناسية. وهو هنا، يفكّك العمل الروائي من جانب آخر؛ منطلقا من ثقافته المتأثرة بكتّاب الغرب عموما . وهو هنا ايضا، كي يسرد عملا سرديا؛ فإنه بهذا يدخل في أدق تفاصيل العمل البداعي، فيستهجن عملية الوصف؛ بديلا للابداع وبخاصة، قيامه بتناول عملية الميتا - سرد، في العمل النقدي الابداعي ..

ومسك ختامنا هذا نتوّجه في قول الناقد فاضل ثامر في ادناه في تدوين بعض الساردين الروائيين الذين ضمهم كتابه "التأريخي والسردي في الرواية العربية ": وهذا ما اغنانا عن تناول اسماء هؤلاء الساردين العراقيين والعرب:

ومما حرصتُ عليه في كتابي الحالي، الى جانب انشغالات عديدة ومتنوعة ان أفحص ـ فضلاً عن معاينات سردية اخرى ـ بتأمل اشتغال الروائي العربي على فحص لحظة معينة من التاريخ العربي - الإسلامي في الأندلس تلك هي لحظة سقوط غرناطة والتي تجسدت في عدد من الروايات العربية المهمة منها " ثلاثية غرناطة " للروائية رضوى عاشور و"ليون الإفريقي " للروائي أمين معلوف و"مخيم المواركة " للروائي جابر خليفة جابر و"البيت الأندلسي " للروائي واسيني الأعرج و"رحلة الغرناطي "للروائي ربيع جابر.ويمكن القول إن هذه الروايات انما تحقق بطريقة او باخرى خلق هوية سردية وطنية او قومية او انسانية بمفهوم بول ريكور والتي تعني قيام السرد بتجميد حركة الزمن لاقتناص لحظة معينة لخلق هوية سردية لشخصية انسانية معينة . وقد تكون هذه الهوية فردية او تدل على مجموعات بشرية من الناس أو أمة بكاملها كما يمكن ان نرحل ذلك الى خلق البنية السردية للمكان او للمدينة او للحضارة أو لقارة بكاملها.

 

خضير اللامي

 

هيبة مسعوديقراءة تحليلية في كتاب الفنّ والمقدّس لأمّ الزّين بنشيخه المسكيني

التقديم للكتاب: الفنّ والمقدّس نحو انتماء جمالي إلى العالم كتاب للباحثة والأكاديمية في الجامعة التونسية أمّ الزّين بنشيخه المسكيني، صدر مؤخرا عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، في 283 صفحة وثلاثة أقسام في ما يلي قراءة تحليلية لمضمون الكتاب.

إنّ "الفنّ والمقدّس"ثنائي مفهومي مثّل إشكالا فلسفيّا يطفو في كل مرّة على سجالاتنا الفكرية، منذ أنّ ولجت الردّة الدينية إلى أوطاننا بعد ما يُعرف بالربيع العربي، يعود إلينا من جديد ونحن قد خلّنا أنّ مثل هذه الإشكالات حسم العقل الإنساني في أمرها منذ ردح غير يسير من الزمن. بيْدأنّ كتاب الفنّ والمقدّس نحو إنتماء جمالي إلى العالم للأكاديمية أم الزين بنشيخه، يستعيد ذات الإشكال استعادة لا تُعدّ من قبيل التكرار والاجترار في شيء لأنّ المقدّس في كل مرّة "يغيّر من عناوينه"، ليكون فضاءًا فكريِّا حمأ يستوجب الاستعادة من أجل ترسيخ نوعا من الإنتماء الطريف في فكرته والعميق في دلالاته كشكل من المدّ المتعجّل لكل الدلائل وكل منها يصيب مرماه في إعادة تشكيل للعلاقات وتنشيط للأحداث والوقائع الكونية تدشينا "للانتماء الجمالي إلى العالم". فكيف لها أنّ نتأوّل هذا الانتماء من خلال إعادة تنشيط للفنّ والمقدّس؟ وكيف لنا أنّ نوّقع هذا الإنتماء المخصوص بعدما صارت الانتماءات إمّا سياسية حزبية أو هووية قبلية أو شيء من هذا القبيل لأنّنا ما سمعنا قطّ "بالانتماء الجمالي للعالم"؟ وأيّ إقتدار تعدنا به صفحات الكتاب، أي ما شكل هذا التواشج المستّجد بين الفنّ والمقدّس؟ وكيف يَقدّ لنا انتماء جماليّا بعدما دأبنا حروب التدمير وسطوة العنف ووئد الفنّ باسم المقدس؟ أي هل هذا الطرح المعاصر للإشكال يأزر جهودا فكرية عالمية معاصرة اتخذّت من العنف مستقرّا تفكيكا أينما كان مأتاه قصد التبديد وتخليص الإنسانية من شروره؟

يكتب رولان بارث في مؤلفه لذّة نّص" هو قارئ النّص لحظة إلتذاذه بالقراءة. في هذه اللحظة تنقلب الأسطورة التوراتية القديمة فلا يعود اختلاط الألسن عقابا وتبلغ الذات المتعة عبر تعايش اللغات وهي تشتغل جنبا إلى جنب: نصّ لذّة هو بابل سعيدة.[1]" إنّه عيْن التوصيف الذي يتملّك القارئ وهو يلتهم الإحداثيات السجالية التي يتقفى عمقها كتاب الفنّ والمقدّس، إلتذاذ يبلغ أشدّه مع إلتحام النظريات الفلسفية، الوقائع التاريخية، الحروب الدينية والآثار الفنية التقليدية منها والمعاصرة في طراز التكنولوجيات الحيوية. إنّها خيمياء غريبة تتفاعل في ما بينها، على ذات الصفحات، لا لتزايد على بعضها البعض في روايات الانتصار والصمود، ولا لتؤرخ لبشاعات الحروب وعنف الكراهية، بل لتبرع في ارتسام شروط إمكان التعايش الآمن والممكن بين المقدّس والفنّ في ضرب من صناعة المستقبل بإعتبارها صناعة تزدهر في العقول المتمّسكة بالأمل والفلسفة المرحة[2]، وصناعة المستقبل تتقن انتقاء شكل الانتماء إلى العالم الذي تعبّر عنه إرادة الإنسان المعاصر. فكيف لأمّ الزين بنشيخة أنّ تروّض كل هذه الوقائع والنظريات المشحونة بالكره والإكراه لتتقن صناعة مستقبل الفنّ والمقدّس؟

المقدّس بين تعدّد الأشكال وإحراج الإنبعاث من جديد

1490 الفن والمقدستتساءل الكاتبة منذ الصفحات الأولى من المقدمة "ماهو شكل المقدس الذي يخصّنا نحن اليوم في حضارة عودة الديني إلى ديارنا على إيقاع الدماء والجوع إلى القرابين؟ وأيّ معنى لهذه العودة إلى الديني في عالم قرّر فيه العقل العالمي المرور إلى سرعة مغايرة، أي إلى براديغم ما بعد ديني ومابعد علماني معا؟[3]" إنّها أسئلة إشكالية مضاعفة الدور، من جهة تعلن عن خطّة معالجة المفهوم المشكل، فما عاد مقدّس الأمس يعنينا، لتبقى الدعوة مفتوحة أمام تخيير شكل المقدّس المعاصر الذي يرتضيه كل منا حسب اختياره، ونحن على يقين أنّ التخيير لا يكون متاحا إلا في ظّل التّعدد. وحده إجراء التخيير يهدينا شيئا من الحرية حتى في صلب المقدّس ذاته الذي ظنناه في منآى عنها.

إنّ المقدّس المعاصر الذي نحن بصدد اكتشافه، يدعونا إلى أبعد من ممارسة حرية التخيير إنّنا مدعوون إلى الوجود النشط في ما يخصّه، ممّا قد يضعنا أمام فراضية أكثر حيوية للعقل المعاصر، فراضية اختراع المقدّس الذي نرتضيه للتعبير عنّا لأنّنا إزاء "رسم الخرائط وتعيين الحدود بين أن تؤمن وأن تفكّر وأن تبدع[4]" فنمرّ من مجرد التخيير إلى ضرب من الخلق في درء للتعريفات الصدئة التي مازال تحافظ على دغمائتها بعض القراءات.

من جهة أخرى، تبوح لنا الأسئلة المطروحة عن راهنية قصوى تحرّك هذا البحث بخاصة والبحوث المعاصرة لنا عموما، فثّمة راهنية حارقة وحاجة فكرية ملّحة حرّكت سجيّة التفكير الفلسفي بغية تنشيط الثنائي المفهومي والعلاقات الثاوية بينه في شكل من الانبعاث من جديد تغيب فيه التلقائية وتحضر التغيرات السياسية التي تعيشها الدول العربية كمحرك رئيسي، يزّج بالتفكير في أفق" أسئلة الربيع العربي والإرهاب الإسلاموي وذلك في صلب ضرب من الوضعية التأويلية التي تحاول فحص المسافة بين النصوص المكتوبة في لغة الغرب والواقع الموقّع بحبر لغة الضاد الدموي[5]"سنتخذ من أسئلة الأكاديمية مشكاة تنير درب هذه القراءة راسمة بذلك الخيط الهادي. أمّا عن سؤال المقدّس الذي يخصّنا، فقد اختار الكتاب أنّ يرسم توبوغرافيا بيّنة لمفهوم المقدّس في حدّ ذاته، كانت ديباجتها مع فلسفة دوركايم قافلة إحداثياتها مع كتاب الإيمان الحرّ لفتحي المسكيني مرورا بمرسيال إلياد، ميشال ليريس، رينيه جيرار وريجيس دوبراي.وهو ما ينّم عن جهد واضح في الإحاطة بالقراءات الحديثة والمعاصرة للمفهوم رغم قدم تاريخ ظهوره ما يناهز"النصف مليون سنة" لأنّ المقدس الذي ينهمّ به هذا الكتاب ليس في ثوبه المتهرئ القديم الذي ما عاد يناسب زماننا ولا المرحلة التاريخية التي نحن بصدد التفكير فيها وضمنها بل هو مفهوم يستوعب ما قبله، يفكر فيه، ويُدشّن وجوده المستقل.

تدوّن الباحثة في علاقة بالمفهوم "يعود من جديد مغيّرا من عناوينه، فهو مقدّس ما بعد ديني أو علماني أو جمالي أو مقدّس الحياة اليومية."[6] لتؤكد على العودة المرافقة للدين السياسي، لكن الانبعاث من جديد لا يبخس المفهوم حقّه في التعدّد المنضوي على ثراء حقيقي، ينتصر على إكراه القراءات التي تسجنه في ماهو ديني صرف. ورغم أنّ الكتاب يدافع على المفهوم في ثرائه ورحابة تعدّده خاصة في شكله الجمالي بماهو اقتدار على اختراع انتماء طريف للعالم. فإنّ الالتزام بالموضوعية البحثية جعله يرسم خارطة واضحة للمفهوم مستعرضا بذلك أهمّ النظريات والكتب التي فكرّت ودوّنت المقدّس المعاصر في أطرف أشكاله. فكان لزاما علينا أنّ نستحضر باختصار هذه الأشكال دون أن نتناسى أنّ الكتاب لا ينفكّ عن تذكيرنا باللحظة الفكرية التي تخصّنا فهو ليس كتابا في تاريخ الأديان بل كتاب يفكر في المقدس والفنّ لذلك يميّز بين نوعين من المقدّس وينخرط في الاشتغال عليهما:

المقدس الديني: يتمظّهر المقدّس في التحام بالدين. فالمقدّسات لا تكون ضرورة إلاّ مرتبطة بالرؤية الدينية. فكرة تبلورت خاصة مع عالم الاجتماع الفرنسي إميل دور كايم في كتابه الأشكال الأساسية للحياة الدينية[7]1912 واستُأنفت مع الألماني كارل أوتو(1922-2017) ومرسيال إلياد عالم الأنتروبولوجيا وتاريخ الأديان(1907-1986) خاصة في مؤلفه المقدّس والدنيوي والواضح أنّ الواوا التي تتنصّف المفهومين تحيل على التضاد في الزمان، المكان والوجود البشري حتى في إقتسام السماء والأرض.

المقدّس خارج حدود الدين: وهي نظريات حديثة، تعبّر عن انعتاق المفهوم من عبودية الديني الضّيق نحو أفق أكثر شساعة تحيل إلى تحرّر المقدّس من الإلزامات الميتافزيقية ليحطّ على الأرض جنب إلى جنب مع الإنسان المعاصر في شيء من المعاصرة الطريفة.

هذا الوجه المتحرّر من المقدّس نلمحه مع كتاب المقدس في الحياة اليومية (1938) لميشال ليريس أين نعثر على مقدّسات تنبع من حياتنا اليومية من" أشيائنا المحبوبة جدا، بعض ذكريات الطفولة، بعض الأشياء العزيزة علينا.[8]" إضافة إلى شباب المقدّس(2012) عنوان لريجيس دوبري فيه يرفع صفة الإطلاقية على المقدّس، ليؤكد ليس هنالك مقدّس مطلق على ممر الزمان، وإنّما المقدس المعاصر يتخذ من التكنولوجيا المعاصرة مطية ليعيد شبابه. لنقفل بآخر الإصدارات تقريبا في هذا الضرب الثاني من المقدّسات الثائرة على السطوة الدينية على المفهوم، مع كتاب الايمان الحرّ(2018) لفتحي المسكيني وقد دوّن "إذ لا تحتاج المجتمعات ما بعد دينية إلى الإلحاد بل فقط إلى تحرير الإيمان من الأديان النظامية" ليعيد بذلك كل أشكال التقديس حتى الإيمان إلى العقل البشري والأفق الأرحب الذي لا يضيق أبدا أفق الإنسانية.

إذا الفنّ والمقدّس نصّ ليس ككل النصوص يوفر لك فرصة مراقبة مفهوم المقدّس عن كثب ومرافقته في رحلاته التوسعيّة منذ انبلاجه مع "الذبيحة التأسيسية" إلى الانتشار والتّوغل في حياتنا اليومية بهشاشتها وماديتها، فالمقدّس صار حقلا حمأ يدلو فيه كل فكر بعمقه خاصة فيما يتعلّق بالضرب الثاني "المقدّس خارج حدود الدين" أين خيّر كتابنا أن يحطّ رحاله تأصيلا للانتماء الجمالي. فكيف نضّدت أمّ الزين بنشيخه هذا الانتماء في إعادة قراءة الفنّ والمقدّس؟

التسامح والانتماء الجمالي للعالم: الكونية الجمالية نموذجا

ليس النّبش في تاريخية المفاهيم بالأمر الهيّن خاصة المفاهيم العملية من قبيل التسامح، فهو العود إلى ما قبل البداية، لأنّ ما قبل المفهوم، يمنح الباحث حقيقة الشروط الماقبلية القاضية بضرورة اختراع هذا المفهوم بذات دون غيره. كتاب الفنّ والمقدّس انتقى لنفسه هذه الشعاب الوعرة، فعاد إلى ما قبل انبلاج مفهوم التسامح أي الأزمة الدينية المسيحية[9] في القرن السادس عشر، أزمة ما كان لها أن تنتهي لو لا التسامح التنويري، بيدأنّ أمّ الزّين بنشيخه تحيلنا إلى تفصيل مهمّ لا يمكن أن تقدمه المعاجم والقواميس. فتكتب "التسامح يولد دوما من استحالة ما في التسامح مع شخص أو خطاب...[10]" هاهنا يتراءى لنا بمثابة اللحظة الحاسمة التي تقيم فيها الاستحالة سدّا منيعا أمام قبول الآخر، فتُترجم في شكل عنيف تتعاظم فيه الأنا سواء كانت فردية أو جماعية قبالة الآخر... فكان لابّد من رسائل تشرّع هذا المفهوم.[11] لكن هل قيمة التسامح ظلّت حكرا على المقدّس؟ أم مثل هذه القيمة كان لابّد لها أن تُستضاف في المجالات الأخرى منها الفنّ؟

تكتب أمّ الزّين بنشيخه" لقد تُرجم التسامح التنويري جماليّا[12]" لتعلن بذلك الولوج في خطّ تأويلي مستحدّث، لا يدخل الحداثة الجمالية من جهة المفاهيم المعتادة، أي من جهة الجميل والاستقلالية الفنية والرائع... وإنّما هي حداثية لأنّها ترجمت التسامح التنويري في حقل الجماليات ليكون الانتماء الجمالي إلى العالم ممكنا، انتماء كان رهين فسحة من التسامح بين نقد العقل المحض ونقد العقل العملي من خلاله لم يعد الفنّ أو الحكم الجمالي حكرا على فرد أو فئة بعيْنها. فلئن كان التسامح التنويري إيقاف لصراع تناحري بين الكاثوليك والبروتيستانت، حربا ضارية بين ما يُعتبرا طرفا نقيض، فإنّ التسامح الجمالي الكانطي كان هو الآخر إيقاف لصراع خفيّ بين العقلانيين والتجريبيين. فالتسامح يكون ممكنا حينما يأتي منطق المستحيل بين الثنائيات المتصارعة.

إنّ"الفنّ تجربة كونية[13]" هكذا تتأوّل الباحثة الإقرار الكانطي كضرب من ضروب التسامح داخل الجماليات بمعنى قبول الأنا الجمالي لكل التجارب الفنية الكونية ليعدّ بذلك "انفتاح على الآخرين والاعتراف بهم بوصفهم ينتمون معنا إلى العالم نفسه الذي نتقاسمه جميعا[14]". فالتسامح الجمالي، قد دثّر كونية طريفة دون مفاهيم في نقد ملكة الحكم، كونية لا تشبه الكونيات الأخرى، غيرأنّها الأجدر بالتّحقق حينما حُكم على كونية القيم وغيرها بالإجهاض والاتصاف بالطوباوية التي لاترى النور إلا في النظريات.

إنّنا نكتشف حسب هذا التأويل، أنّ نقد ملكة الحكم "مستعد للتكلّم من جديد" في كل مرّة، اقتدار يوازي اقتدار المؤول على استخراج المعاني المتمنّعة عن التّجلي. ذات هذا الاقتدار أمكن تأويل آخر نقديات كانط في هذا الكتاب بمثابة رسالة في التسامح الجمالي تفتح للجميع نوعا من الانتماء الجمالي أو وفق العبارة المتسامحة لفتحي المسكيني"الهجرة إلى الإنسانية" بمطيّة الحقل الجمالي. رُبّ هجرة إلى الأفق الأرحب لقبول الآخر الفنّي في كثرته التي لا يظّل فيها الإقصاء ولو لفرد واحد ممكنا بعدما أيقنت الإنسانية وجوب مقاومة التعصّب أينما حلّ، وأينما خيّرت العصابات الداعمة له تبديل جغرافيته.إنّ "الكونية الجمالية هي شكل من الانتماء السلمي المدني إلى العالم[15]" فيها يمكن الإقرار بالقضاء على التعصّب الفنّي والإنفراد بالحكم الجمالي.

لقد عُرف كانط بحكم الذوق كقارّة جديدة يضيفها إلى عالم الجماليات ليُقرّ"إنّ حكم الذوق لا يمكنه أن يكون، أنانيّا، لكن ينبغي أنّ يكون ضرورة ذا قيمة تعددية.[16]" هاهنا نتوقف عند ما أبعد من المفهوم حدّ ذاته، إنّه عمق الدلالة وتأصّل مفهوم التسامح في حكم الذوق ليكون بذلك قطعا باتا مع الذاتية أو الذوق المنغلق على نفسه. وهذا ما تُلخصه أمّ الزين بنشيخه بقولها "معايير الذائقة الجمالية على الرغم من كونها تنبع من الذات فهي تنخرط دوما في نوع من الكونية الجمالية.[17]" ومفهوم الكونية الجمالية ما فتئت الباحثة تدافع عنه منذ الكتابات الأولى كانط راهنا. أو الإنسان في حدود العقل[18] والفن يخرج عن طوره. أو جماليات الرائع من كانط إلى دريدا[19] لتثّبته في هذا الكتاب أيضا، حرصا على جدواه في افتراع مقدّس ما بعد ديني أي المقدّس الجمالي" إنّه يشتقها بادئ الأمر من الطابع اللانفعي للجميل نفسه. ولأنه لذّة بلا منفعة، بوسع الجميل أن يفتح الذوق الجمالي على مطلب الكونية، بما هي وفق عبارات كانط الصريحة، ضربا من" الصلاحية المشتركة للجميع.[20]" غير أنّ ما تستميت هذه الكونية الكانطية في الدفاع عنه في الفنّ والمقدّس كونها نابعة من مفهوم خاص إنّه التسامح .

الجمالية في مدرسة فرنكفورت: بيْن الصفح والاعتذار وقبول الآخر

إنّ التسامح التنويري لم يُترجم جماليّا في الإستطيقا الكانطية فقط، بل تّم تأويله في النظرية الإستطيقية لأدرنو على شاكلة أخرى في تعابير متباينة قريبة من التسامح، منها "الإعتذار". إنّ جماليات القبح من هذا المنطلق جمالية في الإعتذار بمعنى علينا أن نعتذر فنيّا عن ما يحدث في عالمنا المتشظي بين ضوضاء ضحايا الرأسمالية المتوحشة ودويّ التفجيرات الإرهابية. فثّمة "إحساس بالذنب" تُجاه ما نعيشه من فضاعات في العالم، كان لابّد من احتوائها في التجارب الفنيّة الحديثة والمعاصرة فنعيد تشكيل القبح في تشكيلاته الأكثر فظاعة لأن "الظلم الذي يقترفه كل فن مرح وبخاصة فن التّسلية، إنّما هو ظلم في حق الأموات والألم المتراكم الصامت.[21]" إنّ الفنّ عليه إن لا يدير أعماله جهة الجميل البهيج والترفيه البرجوازي الحقير، عليه أن يلعب دور صفاء بركة نرسيس ليعكس ما حوله من هيمنة و إستحواذ.

في تتبع لخطى التسامح التنويري في النظرية الاستطيقية، تكتب أم الزين بنشيخه "حينما يعجز العقل إذ عن التسامح، تظهر الحاجة الرمزية إلى الفنّ[22]" وكأنّما عجز العقل لا يخلق مكانا للتعصّب والالتجاء إلى العنف، فثّمة انتصار آخر لا يقلّ أهميّة عن انتصارات العقل، إنّه الفنّ بوصفه قوة رمزية تمنحنا اقتدار عظيم من جهة نتائجه. إنّه اقتدار التسامح هذا الذي نلتجئ إليه كلّما استحال اللقاء بين الذوات الإنسانية. فكيف للفنّ أن يتّسع لرحابة التسامح في عالم القبح والرذيلة؟

ههنا علينا الإقامة في الفويرقات الثاوية بين الجميل والقبيح في فلسفة أدرنو، فويرقات أوّلتها أمّ الزّين بنشيخه في خدمة التسامح التنويري لتواصل تنشيط انتماءنا الجمالي إلى عالم "قبيح كفاية" كما وصفه أدرنو وهو"عالم الآلام المتراكمة في ضمير الإنسانية.[23]" كما يتراءى لصاحبة كتاب الفنّ في زمن الإرهاب. كيف لنا أن نعيش هاهنا في عالم استحالت فيه شروط إمكان تصوّر الإنسانية؟ أيحقّ لنا الانحياز للقبح في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة؟ هل فيه شيء من ضالتنا حول التسامح؟

أسئلة نجد صداها في الفنّ والمقدّس لتكتب أمّ الزين بنشيخه مدافعة عن خيار أدرنو في الانتصار إلى القبيح الفنّي "من أجل أن يفضح أشكال البؤس والحيف، في ضرب من الإنصاف الرمزي لما استحال إنصافه بالطرق القانونية."[24] ما عاد القانون حاميا للحياة الإنسانية في زمن السطوة والهيمنة، وما عاد الحق باستطاعته كفكفة شرور الإرعاب وقهقهة الإمبريالية المهيمنة التي بسطت سطوتها حتى على الثقافة، وصوّبت أطماعها نحو الفنّ في ثوب الجميل علّه يكون عزاء منعشا. هكذا ليس القبيح الفنّي مجرد طرازا جماليا، يدثّر ضربا مختلف من الجماليات، جماليات القبيح، بل يمكن تأويله في شكل من المقاومة للجميل المتواطئ في التسلية والمتعة المزيفة من جهة، وهي مقاومة للانسياق وراء الظلم المستتر والابتذال المنتشر بحثا للانخراط في الصروف الممكنة للاعتذار القصدي عن قسوة عنيفة لتغدو"الآثار الفنية نسخا للحي الخبري طالما أنّها تعطيه ما يدفع عنه في الخارج ومن ثّم تحرّره ممّا تُعدّه له التجربة الخارجية المشيئة[25]إنّه إنصاف بمعنى الاصطفاف وراء الأضعف حتى يكتسب ثقلا إضافيا يجعل إمكانية التسامح ممكنة في زمن تغتال فيه حتى إمكانية التسلّح بالأمل، هذا الذي ترفض الأكاديمية اعتباره مجرد مفهوم نظري ليكون "مقياسا علميا حاسما[26]" في الفصل الرابع. إنّ فسحة الأمل مازالت ممكنة مادام الفنّ أو القوة الرمزية في العالم انتقت لنفسها مكان الحقيقة في درء للتنميق والتزويق، والإيمان بالوعي الحقيقي المنتصر للقبح "ذلك أن الوعي المُشيّى يسترجع على سبيل التعويض ما يُحرم البشر منه على مستوى المحسوس المباشر[27]"

في ذات السياق نجد استحضارا لكالاكاوسكي بقوله" الفنّ هو طريقة في الصفح عن خبث العالم وفوضاه.[28]" لتكون الآثار الفنية ثنايا تجرّب الاعتذار تارة والصفح طورا منتقية مسار النقد الفاضح لتستّر الجميل الحقير المراوغ في إيهامنا. فالحقيقة متمنّعة تعشق قول "أزهار الشّر[29]" شعريا وموسيقى شوبنبارغ اللامقامية[30] ففي فوضاها وعدم انتظامها تجيد الإنصات إلى هسهسة الجنون القسري كنتيجة حتمية لمابعديات الحروب، وثغاء اللاجئين أمام حدود الدول المتبجّحة بالديمقراطية والقيم الإنسانية. إنّ الفنّ يوسّع في طاقات استيعاب التسامح ملء الأشداق، آملا في اقتدار الاعتذار وتنشيط ما بقى من إمكانيات الاعتراف بألم الآخر في قبحه وشططه.

إذن، من هذا المنظور يغدو الفنّ في طرازه القبيح قابلية كثيفة لقول التسامح والانتماء بشكل كوني إلى العالم في قبحه واقعيا وجماليا في آن، مادامت فلسفة الفنّ عند أدرنو تسمح بهذا الالتحام بين العالم الواقعي وعالم التجارب الفنية بعدما استحال في نظريات سابقة اختزلت الفنّ في وعد بالسعادة الميتافزيقية.

غير أنّ التسامح الثاوي في تفاصيل الوقائع الفنية والحريص على الانفتاح على الآخر في إحالة على ضرب من التفاعلية القائمة على التحاور، تجده بيّن في الجمالية التواصلية لفيلسوف مدرسة فرنكفورت هابرماس، حيث تلحقه أمّ الزين بنشيخة بالقراءات الممكنة في دروب التسامح التنويري. فالفنّ "تجربة تواصلية قادرة على صقل العلاقات بين الناس"[31]وهو شكل من الأشكال الرمزية للاعتراف بالآخرين والتواصل معهم كذوات تنتمي جماليا إلى كونية تواصلية.

هاهنا علينا أن نستخلص، أنّ الحداثة الجمالية في عموميتها وفي عمق دلالاتها رغم تباين النظريات وإختلاف مدارسها مثّلت فرصة للتسامح المؤدي إلى الاعتراف بالآخر كما أنّها افترعت لنا انتماء مخصوصا إلى العالم الجمالي. فتكتب أمّ الزين بنشيخه"في وسعنا الانتماء إلى ذاكرة بهيجة من أنفسنا، هي ذاكرة المستقبل بوصفه مسافة التسامح الوحيدة... وذلك هو أحد شروط التوجه على درب مقدس جمالي عالمي مضّاد لعولمة السوق من جهة، ولأصوليات تستثمر في الدين خارج مواقعه من جهة ثانية.[32]" إنّ الحداثة بهذا المعنى تصنع من لّدن النظريات الجمالية المنخرطة في عمق الوقائع الفنيّة مقدّسا جماليا متسامحا. هكذا استطاعت الحداثة أنّ تنهي تاريخا مقرفا من العنف المقزز الذي ألحقه اللاتسامح بالإنسانية. لكن ماذا لو أخطأنا الطريق ولم نحسن اختيار المقدّس الذي نريد؟ ماذا لو تعثّرت خطى الإنسان المعاصر ليعود إلى الوراء تاريخيا حيث لم يكن التسامح ممكنا؟

فراضية الارتداد إلى اللاتسامح واستحضار الحروب للاعتبار

لا يتناسى كتاب الفنّ والمقدّس التّرحل بين وقائع تاريخية مشينة وحروب فاغرة فاه الكره والقتل المروّع، فنعثّر على توصيف دقيق" كنائس ومعابد دمّرت بالكامل وأيقونات وتماثيل حطّمت...إعدامات على الدولاب وعظام تهشّمت، دحس ونهش وحرق وأوصال قُطّعت إربا إربا...[33]" هي حال الإنسانية دون تسامح، وحال كل فكر ينّصب نفسه في عرين الحقيقة ورفعة القيمة دونما رغبة في الالتفات إلى من حوله لعلّه قد أخطأ التّموقع في ضرب من النرسيسية المتكابرة. والحقيقة أنّ هذا الجانب المظلم من تاريخ الإنسانية واقع، بل يمثّل جزء لا بأس به من تاريخنا تعود إليه أمّ الزّين بنشيخه في شيء من التحذير و شدّ الانتباه إلى ماض ليس بعيد يجعلنا نتساءل لماذا يعود بنا الكتاب إلى حرب الأيقونات iconoclasme تحديدا؟ أهي حرب تاريخية انتهت أم مازالت تعايشنا في شكل من المعاصرة؟

يبدو أنّ عالمنا العربي لايستعيد إشكالات فكرية لإعادة الخوض في غمارها، بل يستعيد حروبا وكروبا أيضا، لا للملهاة والاستمتاع، بل لتجريب حجم الارتداد إلى وراء واكتشاف بعد المسافة التاريخية الفاصلة بينا وبين الشعوب، نقول هذا رغم توفر فرصة طيّ الهوة العميقة عبر الاعتبار. لكن هيهات الوعي ليس سلعة تكنولوجية أو جهاز إلكتروني يمكن شراؤه توهما مواكبة العصر، بل هو دربة تختزل عسر مخاض لمجموعة بشرية أو هو طريق وعرة لا ينجح في تخطيها إلا العقل الرصين. لذلك ينوّه الكتاب إلى حرب أيقوناتنا المعاصرة " كانت حروب أديان لعلّنا نعيش على وقعها وعلى وقع عودتها على نحو أكثر فظاعة في العصر الحالي.[34]"

فهنالك الفظائع نعيشها في استعادة للاتسامح بين الفنّ والمقدّس دفعت إلى النبش في ذاكرة المفهوم الحزينة من القرن الثالث الميلادي في روما إلى حدود القرن الثامن عشر في أوروبا، ذاكرة اختزلت في مفهومين"التحريم والتحطيم" في ثلاث محطات بحثية عميقة رصدّها الكتاب شيطنة ترتيليان للفنانين، أوغسطين ومدينة الله والحقبة البزنطية. غيرأنّنا نعثر على استثناء للوقائع الإسلامية تبررها الباحثة بقولها "لا نقف عند اللحظة الاسلامية لأنّنا لا نعتقد أنّها معنية بمعاداة الصور[35]" "لتكتب الباحثة"لقد ارتبطت مسألة تحريم الصور أو حرب الأيقونات بالخصومة التي أقامتها الكنيسة الكاثوليكية مع الديانات الوثنية.[36]" فهي ظاهرة يهودية مسيحية.

هاهنا كان لابد لنا من الاعتبار من وهيج هذا الدمار متسائلين حثّا لسجية التفكير لشيء من الراهنية التي تخصّنا، في زمن الإرهاب والإرعاب أنحتاج اليوم إلى التسامح أم إلى العدالة؟ إلى التوبة أم إلى العقاب؟ إلى الرحمة أم إلى القصاص؟[37]" أسئلة حارقة ومثلها في الكتاب الكثير تشّق عباب الحيرة بحثا عن أجوبة نحن الأحوج إليها، لأن هذا الكتاب لا يستعيد إشكالاته من حاجة خارج عنه، إنّه يعايشها في نوع من المعاصرة كما نعيشها نحن أو أشّد، ممّا يقود في بعض الأحيان الأسطر إلى السخط عنا ونحن لا نعتبر من نعيق البوم فوق خراب اللاتسامح وإلا كيف تسلل إلينا في زمن الديمقراطية والكونية كل هذه الضحايا وعدد القتلى.

بمثابة الخاتمة: راهنية الكتاب توازن بين الهووي والكوني.

يدوّن رولان بارث متحدّثا عن أفق انتظار القارئ لنّص ما"ألاحظ خلسة لذة الآخر[38]" يبدو أنّه ذات الأمر يحدث مع الأكاديمية أمّ الزين بنشيخه وهي تطّعم نّصها بها يُثير لذّة الآخر وما يُغري القارئ خاصة وإنّها ترافقه وتفكر معه في نّص وفق في الجمع بين راهنية عالمية و أخرى هووية: راهنية عالمية لا يمكن درؤها خاصة وأنّ الحداثة حاولت استئصال المقدّس، غير عابئة بالحاجيات الروحية للإنسان، استئصال عبّر عنه ماكس فييبر بقوله"الحداثة نزع لقداسة العالم" إنّه نزع كلّفنا الكثير من"التصّحر الروحي"أو ما توصّفه بنشيخه "بالجوع الهائل للمقدس[39]" وهو ما "يغرقنا في دوّامات العنف المعمّم" من إرهاب وإقصاء وكراهية. إذ هو القفر الروحي الذي طغى على الإنسانية يحتّم إعادة الخوض في"الفنّ والمقدس". لا من جهة إعادة ما قيل قبل هذا القحط، بل إنّه من الوجاهة تشخيص هذا العطب الروحي الذي ما انفك الكل ينذر بالكارثة. أمّا عن الراهنية الهووية: نكتشفها في انتقاء معجم هووي ما تنفك الباحثة تردده من قبيل" ديارنا الربيع العربي حلب..." فالكتاب يعود على وقائع بعينها يوّقع ضربا من الراهنية التي تنبعث من وجع الوطن العربي أو ديارنا كما توصفّه أم الزين بنشيخه وما أحوج ديارنا إلى إعادة الاشتغال على"الفنّ والمقدس"، هي الحاجة إلى تنشيط علاقات وتعريفات تآكلت وزاد التطرّف في اختلالها بعد الارتداد الديني إلى أوطاننا.

 

هيبة مسعودي – تونس

باحثة في مرحلة الدكتوراه

............................

[1] بارث ( رولان)، لذّة النص، ترجمة فؤاد الصفا، منشورات الجمل، بيروت، 2017، ص8.

[2] تؤكد أمّ الزين بنشيخه في كل الحوارات الإعلامية وكتاباتها التي لا تكف عن التفكير في الأمل والسعادة أنّها تنتمي إلى شقّ من الفلسفة، ذاك الذي ينتصر للفلسفة المرحة أو ما يُعرف بفلسفة الحياة.

[3] بنشيخه ( أمّ الزين)، الفنّ والمقدّس نحو إنتماء جمالي إلى العالم، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2020، ص18.

بنشيخه، الفنّ والمقدّس، المصدر مذكور سابقا، ص21.[4]

المصدر نفسه، ص23.[5]

[6] ينشيخه، الفنّ والمقدّس، المصدر مذكور سابقا، ص10.

[7] يكتب في هذا الكتاب " الدين هو نظام موحّد من المعتقدات والممارسات المرتبطة بأشياء مقدسة، أي أشياء يجري عزلها وتحاط بشتى أنواع التحريم..." فالمقدّس بهذا المعنى لا يكون إلا دينيا. وهو لا يتعلق بفرد منعزل وإنّما في الحياة الدينية داخل مجتمع ما أنظر:

-دور كايم( إميل)، الأشكال الأولية للحياة الدينية، ترجمة رندة بعث، المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية، 2019.

[8] بنشيخه، الفنّ والمقدّس، المصدر مذكور سابقا، ص16.

[9] بداية من 1913، دارت سلسلة من الحروب الدينية الضارية بين المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت، عرفت في ما بعد من قبل المؤرخين بحرب الثلاثين عام راح ضحيتها أكثر من 8 ملايين قتيل، وقد كان لهذه الواقعة أبلغ الأثر في تشكيل التسامح الديني في أوروبا.

[10] بنشيخه (أمّ الزين)، الفنّ والمقدّس، المصدر مذكور سابقا، ص31.

[11] في 1679 كتب الفيلسوف الأنغليزي جون لوك(1632-1704) رسالة في التسامح باللغة اللاتينية من خلالها تّم تدشين التسامح المدني أو المناداة بالفصل بين الدين والسياسة، فلا يحق للملوك أن يجبروا أحدا على ديانة بعيْنها . في 1763 كتب الفيلسوف الفرنسي فولتير(1694-1778) رسالة في التسامح لتُعد بذلك الرسالة الثانية بعد رسالة لوك تضمنت أربعة وعشرون فصلا تتبنى مبدأ التسامح بين الأديان نقدا للحروب المسيحية بين الكاثوليك والبروتيستانت أو اللاتسامح .

[12] ينشيخه، الفنّ والمقدّس، المصدر مذكور سابقا، ص32.

[13] المصدر نفسه، ص33.

[14] المصدر نفسه، ص34.

[15] بنشيخه، الفنّ والمقدّس، المصدر مذكور سابقا، ص 34.

[16] Kant, Critique de la faculté de juger, Paris,Gallimard,1986, p1053.

[17] بنشيخه، الفنّ والمقدس، المصدر مذكور سابقا، ص34.

[18] لقد تطرقت الباحثة إلى فكرة الكونية الجمالية في تشخيصها لتحليليى الجميل من موقع إشكالية الكونية: أنظر بنشيخه ( أم الزين)، كانط راهنا. أو الإنسان في حدود العقل، بيروت، المركز الثقافي العربي، 2006، ص147_162.

[19] الكونية الاستيطقية كانت من بين الخطوط البحثية التي دافع عنها الكتاب في الجزء المتعلق بالرائع في نقد ملكة الحكم، أنظر: بنشيخه (أمّ الزين)، الفن يخرج عن طوره أو جماليات الرائع من كانط إلى دريدا، تونس، دار المعرفة للنشر، 2010، ص38-47.

[20] ينشيخه، الفنّ والمقدّس، المصدر مذكور سابقا، ص38.

[21] أدرنو، النظرية الإستطيقية، ترجمة ناجي العونلي، بيروت، دار الجمل، 2017 ص81.

[22] ينشيخه، الفنّ والمقدّس، المصدر مذكور سابقا، ص 35.

[23] بنشيخه، الفن والمقدس، المصدر مذكور سابقا، ص35.

[24] المصدر نفسه.

المصدر نفسه، ص28.[25]

[26] في الفصل الرابع من الباب الأول، المعنون" في السؤال عن الأمل" توسّع في تحليلها لمفهوم الأمل من السؤال الكانطي " ما الذي يحق لي أن آمل؟" إلى معناه العلمي العملي المعاصر بإعتباره مقياسا أو مؤشرا يُقاس به مدى تقدّم شعب ما وتعني به "مؤشر الحياة عند الولادة". المصدر نفسه، ص58.

[27] أدرنو، النظرية الإستطيقية، ترجمة ناجي العونلي، بيروت، دار الجمل، 2017، ص32

[28] بنشيخه، الفنّ والمقدّس، المصدر مذكزر سابقا، ص35.

[29] " أزهار الشرّ" مجموعة شعرية للشاعر الفرنسي شارل بودلير نُشرت سنة 1857 تمّ الاحتفاء فيها بالقبح بدلا عن الجميل، يستشهد به أدرنو في النظرية الإستطيقية، بإعتباره شكلا فنيّا ينتصر للقبيح الفنّي

[30] هي شكل من أشكال الموسيقى المعاصرة التي تؤسس لبراديغم مستقل من الموسيقى التي صارت تُعرف باللانظامية أو اللامقامية.

[31] بنشيخه، الفنّ والمقدّس، المصدر مذكزر سابقا، ص35.

[32] المصدر نفسه، ص37.

[33] بنشيخه، الفنّ والمقدّس، المصدر مذكور سابقا، ص89.

[34] المصدر نفسه، ص94.

[35] بنشيخه، الفنّ والمقدّس، المصدر مذكور س، ص94.

المصدر نفسه.[36]

المصدر نفسه[37]

[38] بارث، لذّة النص، المصدر مذكور سابقا، ص30.

[39] بنشيخه، الفنّ والمقدّس، المصدر مذكور سابقا، ص9.

 

 

نضير الخزرجيلو اجتمع عدد من الكتّا ب والأدباء وطلبة الدراسات العليا في مسابقة للكتابة في حقل معين، وعرض على مجموعهم الكتابة في عنوان بعينه مثل: "أثر النشاط السياحي في تنمية الدخل القومي للمواطن"، فبالتأكيد فإن الجميع قادرون على الكتابة لما وهبهم الله من ملكة القلم إن طوعا بالنسبة للكاتب أصالة أو قسرا لمن يستوجب منه الكتابة مثل طلبة الدراسات العليا، فكل سيبدع فيما هو فيه، ولكن في نهاية الأمر وعند المقارنة فإن الأسلوب سيختلف من كاتب لآخر إن كان في المدخل أو المتن أو الخاتمة، ولو عرضت نتائج المسابقة على أديب فإنه ربما اختار ما كتبه الأديب لأنه ينسجم مع ذوقه، ولو عرضت على كاتب مؤلف اختار ما كتبه نظيره، ولو عرض على أستاذ جامعي لاختار ما كتبه طالب الدراسات العليا لانسجامه مع معايير الدراسة الجامعية الأكاديمية.

وعند النظر إلى جميع ما كتب من منظار الكتابة البحثية، فإن طالب الدراسات العليا سيكون مقدما على الجميع وربما فاق الأسماء الكبيرة في عالم الأدب والتأليف، ولسبب بسيط جدا، لأنه تفرد على الجميع أن كتب ضمن موازين الكتابة البحثية التي تستند إلى منهج معين ينسجم مع مفاد البحث يسير الكاتب على هداه في تناوله لموضوع البحث، شريطة الإستفادة من المنهج وقواعده، والعمل بأنواره للوصول إلى نتائج طيبة، وكلما كان الكاتب أو الطالب متبعًا للقواعد بصورة سليمة كان أقرب للصحة والقبول، فهو كمن يسير في سيارة إلى مقصد معين مهتديا بالمرشد الآلي الإلكتروني (Navigation) أو تُم  تُم (TomTom).

فالمرشد الإلكتروني للطرق البرية أو البحرية أو الجوية أو الفضائية، آلة يستهدي بها مستخدمها مع ضمان الدقة في التعاطي معها، ومثلها آلة العلوم بجميع أصنافها وأبوابها، أو ما يُعبر عنها منذ القدم بـ (المنطق) بوصفه البوابة إن أدرك العالم أو المتعلم عظيم شأنه في فتح مغاليق العلوم وزواياها المظلمة، وقد تناوله كثيرون منذ أرسطو طاليس المتوفى سنة 322 قبل الميلاد وحتى يومنا هذا، ومن هؤلاء الشريف الجرجاني علي بن محمد الحسيني المتوفى سنة 1413م في كتابه "الكبرى في المنطق" الذي خطه باللغة الفارسية وكان محل التدريس في المحافل والحواضر العلمية حتى يومنا هذا، ومن تلك حاضرة كربلاء المقدسة حيث كان الفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي يقوم بتدريسه منذ سنة 1963م حتى خروجه من العراق مرغما سنة 1971م، وكان يقوم بتدريسه باللغة العربية، وما كان قد حبّره على الورق منذ عقود من ترجمة وشرح، صدر مؤخرا في طبعتين منفصلتين حمل المعرَّب منه عنوان (المنطق الواضح .. الكبرى في المنطق)، وحمل الشرح عنوان (الراجح في المنطق الواضح .. ترجمة وشرح الكبرى في المنطق)، أعدّ الأول للطبع وقدّم له وعلّق عليه الأديب اللبناني الأستاذ عبد الحسن دهيني، وقدّم للثاني الأديب العراقي أستاذ علم الفلسفة الدكتور إبراهيم العاتي.

وما نحن بصدده هو المعرَّب الصادر عن بيت العلم للنابهين في بيروت سنة 1440هـ (2019م) في 116 صفحة من القطع المتوسط.

العقل والعقلانية

يقوم علم المنطق على قاعدتي التصور والتصديق، ويضم كتاب "المنطق الواضح" المعرّب أو "الكبرى في المنطق" على 39 فصلًا تقاسمها التصور والتصديق (23) لـ (16)، وزاد من أهمية الكتاب المقدمة المستفيضة التي كتبها الأديب الدهيني وفيها أبان معالم علم المنطق من تعريف وتاريخ ومنهج ومؤلفين إلى جانب الشروحات في الهامش، ليسهل على القارئ والدارس تناول الكتاب والخروج منه بحصيلة غنيّة، لاسيما وإن علم المنطق ليس علم تاريخ أو اقتصاد أو اجتماع وليس من فنون الأدب يرجع إليها القارئ أو الدارس عند الحاجة، وإنما هو منهاج تفكير وتفكر، مَن وقف على مداخلها ظفر بحسن النظر والعمل السليم، لأن العلم يخاطب العقل ويحاكيه، ومحاكات العقل أقرب إلى الصواب من مخاطبة المشاعر ومحاكاة الأحاسيس، كون العقل هو المائز بين الإنسان والحيوان، وفي التعامل البشري اليومي يتوجه الخطاب الى العقل، فالنائم معذور والمجنون مرفوع عنه القلم، لغياب الحضور الذهني في الأول وتعطيل آلة العقل في الثاني، والحيوانات غير مدركة لعالم الإنسان أو الإنسان غير قادر على التخاطب الذهني والعقلي مع الحيوانات، وما حصل مع خاصة الأنبياء مثل النبي سليمان وحديثه مع الهدهد والنمل وغيرهما فهو أمر رباني استثنائي، بل إن الأنبياء والمرسلين لهم من العقل والعقلانية ما ليس لعموم الناس ولهذا فإنهم مكلفون بمجاراة عقول العامة، وفي ذلك قال رسول الله (ص): (إنّا معاشر الأنبياء نكلِّم الناس على قدر عقولهم).

فالأمور كلها خاصعة لعقل الإنسان وحجم الإستفادة منه، فبه يُكرم المرء أو يهان، وعليه المعول في الثواب والعقاب، وفي الحديث الشريف عن الإمام محمد الباقر (ع): (لمّا خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقًا هو أحبّ إليَّ منك، ولا أكملك إلا فيمن أحب، أما إنِّي إيّاك آمر وإيّاك أنهى، وإيّاك أُثيب)، وفي الحديث النبوي الشريف: (لا يعجبنكم إسلام المرء حتى تعلموا ما عقدة عقله)، ويضيف عليه الصلاة والسلام (ذا بلغكم عن رجل حسن حاله، فانظروا في حسن عقله، فإنما يجازى بعقله).

وحتى يصل الإنسان المدارج العليا من سلّم العقلانية، فإن عددا غير قليل من العلماء في سالف الزمان وحاضره يعولون على فهم قواعد المنطق والعمل بها لضمان الحصول على عقلية نافذة وتفكير أسلم ونتيجة مضمونة سالمة.

آلة العلوم

يتابع الدهيني في تقديمه وتعليقه على ما عرّبه المحقق الكرباسي من منطق الشريف الحسيني الجرجاني، موضوعات على غاية من الأهمية، من قبيل: علاقة العقل بعلم المنطق، تعريفات علم المنطق عبر التاريخ، أقسام المنطق: الإستعمال العام والإستعمال الخاص للذهن، مناهج الإستدلال الرياضي والإستقراء والمنهج التاريخي والمنهج الجدلي، المراحل التاريخية، أسماء المنطق عبر التاريخ، أهمية المنطق والحاجة لدراسته، علاقة علم المنطق بالعلوم الأخرى، وأخيرا علم المنطق والإجتهاد.

ويعتبر الإجتهاد من المراتب العلمية العالية التي يصل إليها العالم، مع التأكيد بأن الإجتهاد مصطلح اشتهر بين علماء الدين والدراسات الشرعية والحوزوية، لأن الطالب في هذه المدارس عندما يصل مرحلة الإجتهاد يكون مؤهلا للإفتاء، وهي رتبة كبيرة وخطيرة في آن واحد، والإجتهاد عام وخاص، يكثر روّاده في الثاني ويقل في الأول، على أن الإجتهاد وإن اختص بالعلوم الدينية الشرعية فهو في نظري قابل للإمتداد إلى كل علم وفن، فطالب الدكتوراه المجاز في حقله هو مجتهد في البحث الذي أنجزه وهو محل للسؤال من آخرين كما هو الفقيه المجتهد محل للإستفتاء من آخرين، فالمختص في علم الإجتماع هو مجتهد، وكذا المختص في علم التاريخ، والمختص بعلم اللغة، والطبيب الأخصائي المتمرس.

ومثلما التوم توم آلة الكترونية يستدل بها الإنسان على العنوان الذي يبغيه، فإن المنطق لدى كثير من المختصين والباحثين هو بمثابة آلة لكل علم، ولهذا اشتهر تعريف علم المنطق بالقول: (آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر)، وأول ما ألّف فيه ووضع قواعده الفيلسوف أرسطوطاليس في كتاب الأورغانون (Organon) وهي تعني الآلة أو آلة العلوم، ومثله قال الشيخ ابن سينا المتوفى سنة 1037م عندما قسَّم العلوم في كتابه منطق المشرقيين الى: العلم الآلي، العلم الكلي، العلم الإلهي، العلم الطبيعي الأصلي، العلم الرياضي، والعلم العملي، واعتبر الأول هو المنطق بعينه، والعلم الآلي سبيل ومنهاج الى بقية العلوم يُحصِّن المتدرع به عن الوقوع في الزلل ما أمكنه ذلك، وإلا صار من زمرة المعصومين المصطفَين الأخيار.

فصول رقمية

لم يشأ المعرِّب وضع عنوان لكل فصل وإنما اكتفى بالترقيم، تبعًا للأصل الفارسي من جهة ولأن الفصول متداخلة مع بعضها، ولكنها بالعموم تناولت: الصورة الحاصلة في الذهن (القوة المدركة للإنسان) التي تتمحور حول التصور والتصديق، ونسبة الشيء إلى شيء سواء كان بالإيجاب أو السلب وهو ما يعبر عنه بالتصديق، حيث شبّه المناطقة الصورة الحاصلة بالآلة والمرآة لمشاهدة ذي الصورة، وعقل الإنسان يدرك العلاقة بين التصور والتصديق من خلال تصور المنسوب إليه أو المحكوم عليه وتصور المنسوب به أي المحكوم به وتصور نسبة البين بين أي النسبة الحكمية مثل قولنا "زيد قائم"، ومن التصديق قولنا: العالم متغير وكل متغير حادث فالعالم متغير، فالعقل يحكم بذلك سراعا، وهذا ما يميز الإنسان عن غيره فهو قادر أن يحصل من المعلومات على مجهولات بإجراء بعض  المعادلات الذهنية.

ويتابع الكتاب في الفصول اللاحقة بيان معنى الدلالة والوضع واللفظ وأنواعه: المختص والمشترك والمنقول والحقيقة والمجاز، واللفظ المفرد واللفظ المشترك والمفرد المركب، والمركب التام والناقص، والكليات الخمس: النوع والجنس والفصل والعرض الخاص والعرض العام، وماهية الشيء وحقيقته، والمعرَّف، والألفاظ المجازية والمشتركة.

ينتهي الكتاب في الفصل الثالث والعشرين من قاعدة التصور ليدخل في الفصل الرابع والعشرين حتى النهاية في قاعدة التصديق، متناولا القضية بوصفها حملية وشرطية متصلة وشرطية منفصلة، وما للقضية الحملية من موضوع ومحمول ونسبة حكمية أي الرابط مثل قولنا: "زيد هو قائم"، ثم يتناول الكتاب الحجة من قياس واستقراء وتمثيل، ففي القياس نستعمل قاعدة الهرم المقلوب من كلي إلى جزئي مثل قولنا: كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم فكل إنسان جسم، فالحيوان كلي يجمع العاقل وغير العاقل انتهى بنا القياس إلى معرفة حال الجزئي وهو الإنسان، وعكسه الإستقراء الذي نستعمل فيه قاعدة الهرم الطبيعي من جزئي إلى كلي مثل قولنا: الإنسان والبهيمة والطير يحرك فكه عند الأكل والمضغ وانتهى بنا الإستقراء إلى معرفة حال الكل من بيان الجزء، وأما التمثيل فهو مثل سكة القطار استدلال من حال جزئي على جزئي آخر مثل قولنا: النبيذ مسكر ولما كان الخمر مسكرا وهو حرام فالنبيذ حرام، على أن الإستقراء والتمثل كما في الفصل الثالث والثلاثين مفيد للظن والقياس مفيد لليقين، والعمدة في باب تحصيل التصديقات هو القياس وهو عبارة عن قولٍ مؤلّف من قضايا بحيث يلزم منها لذاتها قول آخر كما في قولنا السابق الذكر: العالم متغير وكل متغير حادث فالعالم حادث، وللقضايا أشكالها وأشراطها واشتراطاتها يوضحها مع الأمثلة الفصل التاسع والثلاثون وهو الأخير.

وبشكل عام، فإن الوقوف على قواعد علم المنطق ليس بالأمر العسير، والعبرة في الإلتزام بها والعمل بقواعدها، وإن كان بعض العلماء لا يرى ضرورة في تعلم المنطق بخاصة لطالب العلوم الدينية الذي يروم الإجتهاد والإفتاء، بيد أن العالم الذي لا يقول بضرورة تعلم المنطق ينتهي في قضية معينة إلى النتيجة نفسها التي ينتهي بها دارس علم المنطق، لأن المسألة عقلائية خاضعة لإعمال العقل، على أن الثاني ربما وصل إلى النتيجة أسرع من الأول، وهنا تبدو الحكمة في فهم قواعد المنطق.

وخلاصة الأمر كما يؤكد الفقيه الكرباسي: إن المنطق أمر وجداني يتعاطاه الإنسان من حيث يعلم أو لا يعلم، وهو من العلوم العقلية التي يتعاطاها أولو الألباب في حواراتهم واستدلالاتهم من دون تكلف، وهو جار في كل العلوم.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

علي جابر الفتلاويالقرآن الألفي أنموذجا (1)

الكتاب من تأليف الشيخ عبد الأمير النجّار، يتكون الكتاب من مقدمة وثلاثة فصول وفي نهاية الفصل الثالث الملاحق، بعدها لمحة عن حياة المؤلف، ثمّ المصادر وأخيرا الفهرس، يظهر من كلام المؤلف في المقدمة أن (القرآن الألفي) صدر في القرن الخامس عشر الهجري، إذ طُبع بمناسبة حلول هذا القرن.

عبارة (القرآن الألفي) لفتت انتباهي، إذ لم يسبق لي أن أسمع أو أقرأ عنها، وصلتني نسخة من الكتاب هدية من المؤلف مشكورا مع كتب أخرى، بحث المؤلف عن (القرآن الألفي) في الفصل الثالث من كتابه، يقول: إنّ أول ما طرق سمعي (للقرآن الألفي) عندما كنت أطالع كتاب محمد التيجاني التونسي، فقد ذكر التيجاني أنه زار (دار النشر للمنشورات الإسلامية) في الهند، فأهدى صاحب الدار للتيجاني مصحفا.  ينقل الشيخ النجّار عن التيجاني قوله: لم يسبق لي أن رأيت مثله وهو المسمى (المصحف الألفي). يصف التيجاني المصحف قائلا: من أول صفحة ومن السطر الأول إلى آخر صفحة وإلى السطر الأخير يبتدئ بالألف، فليس هناك سطر إلّا وبدايته ألف، فيه  مائة وثلاثة عشر بسملة على عدد سور القرآن الكريم ما خلا سورة براءة، وكل بسملة كُتبت بخط وشكل خاص. يقول الشيخ عبد الأمير النجّار: بقي كلام الدكتور التيجاني عالقا في ذهني، وفي أحد الأيام زرت مكتب السيد صادق الشيرازي في كربلاء، فوجدت (القرآن الألفي) ضمن الكتب، سألت مدير المكتب الشيخ طالب الصالحي: من أين حصلتم على هذا القرآن؟ قال: هدية من أحد الأصدقاء في الهند، وبحكم علاقته الطيبة مع مدير المكتب استعار (القرآن الألفي) ثلاثة ايام، فصوره من الغلاف إلى الغلاف، حسب قول الشيخ النجّار.

أعطى الشيخ عبد الأمير النجّار وصفا مفصلا للقرآن الألفي، قال: أنّ عدد صفحات القرآن الألفي (185) صفحة، مع (13) صفحة إضافية، في أول  المصحف  صفحة تحوي على آية  (53)  من سورة الزّمر، وصفحة  دعاء ختم القرآن، وصفحة شرح علامات الوقف باللغة العربية، وأخرى باللغة الأوردية، صفحتان تعريفيتان للمصحف باللغتين العربية والانكليزية، ثلاث صفحات فهرس سور القرآن، أربع صفحات صور مصاحف قديمة ومكاتيب الرسول (ص)، نوع خط المصحف الجلي وعدد الآيات (6236) حسب العدّ الكوفي، عدد السّور (114)، عدد الأجزاء (30) جزءا وكل جزء في (6) صفحات، وكتبت الكلمتين الأولتين من كل جزء بلون سمائي، عدد السجدات (14) سجدة، إذ لم يعدّوا الآية (77)  من  سورة  الحج  بسجدة، وعدد  آية البسملة (113)، كتبت آية البسملة في بداية كل سورة بخط يختلف عن السورة الاخرى ما خلا سورة التوبة، وهذا يعني أن (113) نوعا من الخط العربي كتبت البسملة في (القرآن الألفي)، وكتبت عبر القرون المختلفة من زمن الرسول (ص) وإلى يومنا هذا، كُتِب (القرآن الألفي) في مدة استغرقت (7) سنوات من قبل الخطاط الشيخ محمد يوسف القاسمي عظيم آبادي، تمتاز المصاحف المطبوعة في شبه القارة الهندية ومنها (القرآن الألفي) بعلامتين تخلو منها المصاحف المطبوعة في البلدان العربية هما المنزل والركوع، ما معنى الكلمتين يقول النجّار: المنزل: هو أحد أقسام القرآن السبعة، إذ يُقسم القرآن في بلاد بخارى، وما وراء النهر، والهند وباكستان، إلى سبعة منازل أي أقسام شبه متساوية، ليتمكن القارئ من قراءة القرآن وختمه في سبعة أيام فقط، يسمى كلّ قسم من هذه الأقسام منزلا. المنزل الأول سورة الفاتحة إلى آخر سورة النساء، والثاني المائدة إلى آخر سورة التوبة، والثالث يونس إلى آخر سورة النحل، والرابع سورة الإسراء إلى آخر سورة الفرقان، والخامس الشعراء إلى آخر سورة (يس)، والسادس الصافات إلى آخر سورة الحجرات، والسابع سورة (ق) إلى آخر سورة الناس.

الركوع: ويرمز له (ع)  يعتبر من علامات الوقف، والركوع عبارة عن عدة آيات مكتملة المعنى، يستحسن قراءتها بعد سورة الفاتحة، فيستحب الركوع بعد قراءتها  لمن كان في الصلاة إماما أو منفردا، فأهل السّنة يعتبرون التقسيم المعتمد على الركوعات يصلح للقراءة في صلاة الفرض، وصلاة التراويح في شهر رمضان المبارك، وفي غيرها من الصلوات. وأضاف الشيخ عبد الأمير النجّار: الشيعة الإمامية لا يجيزون ذلك، ويرون لابد من قراءة سورة كاملة بعد سورة الفاتحة، ولا يجوز قراءة السّور الطوال بعد الفاتحة في الصلاة الواجبة بحيث يفوت الوقت بقراءة السور الطوال، ونسب ذلك القول إلى العلّامة السيد  اليزدي (ت1337هج). قسّمت السّور إلى ركوعات كي تسهل القراءة على المصلّي، وهذا التقسيم موجود في القرآن الألفي أيضا، ومصطلح الركوع نشأ أواخر القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع الهجري تقريبا، في مدن بخارى وما وراء النهر، وهم أول من وضع المصطلح، ثم انتشر في مصاحف الهند والباكستان وما جاورهما من البلدان، ولم ينتشر في المصاحف المطبوعة في الدول العربية، وقد ظل هذا المصطلح غامضا لدى الكثير من المعنيين بالقرآن الكريم والمتخصصين في القراءات وعلومها، حتى في البلدان التي تنتشر فيها المصاحف الحاوية على الركوعات، وهناك ثلاثة أقوال في عدد الركوعات، استعرضها المؤلف في كتابه. يستنتج الشيخ عبد الأمير النجار ان (القرآن الألفي) ليس من إبداع أحد، بل هو عملية نسخ لمخطوطة قرآنية موجودة ومعروضة في (مكتبة متحف سالار جنك) بحيدر آباد في الهند، في المخطوطة السطران الأول والأخير يبتدئان بكلمة واحدة وأيّد كلامه بشهادة للباحثة (سيدة أصفياء كوثر)، إذ ذكرت في دراسة لها بعنوان:

(نوادر المخطوطات العربية في مكتبة متحف سالار جنغ)، على وجود نسخة مخطوطة للقرآن الألفي في (مكتبة متحف سالار جنغ) تحت رقم (173)، لكن الاختلاف بين النسختين، أن نسخة المتحف المخطوطة إضافة إلى أنّ كلّ سطر من سطورها يبتدئ بالألف، لكنّ سطريها الأول والأخير يبتدئان بكلمة واحدة، وهذه الكلمة الواحدة غير موجودة في القرآن الألفي، وهذا هو الاختلاف بين النسختين.  رأي الباحث الشيخ عبد الأمير النجّار: أنّ الخطّاط ربما تجاهل هذه الميزة حتى تبدو نسخة القرآن الألفي فريدة أيضا، أو أنّ الخطاط لم يستطع مجاراة المخطوطة المذكورة، فاكتفى أن يبتدئ كل سطر من سطور (القرآن الألفي)  بالألف فقط، أخيرا ختم الشيخ النجّار كتابه بعرض صور للقرآن الألفي، ثمّ أعقب ذلك عنوان (مصور القرآن الألفي)، إذ عرض صورا ملونة لصفحات من القرآن الألفي، بعدها تكلم عن كتابة المصاحف عموما، ثمّ ذكر ملاحق الكتاب، وفيها جداول تبين عدد الركوعات في كل سورة ومواضعها في (القرآن الألفي)، وفي نهاية الكتاب (لمحة عن حياة المؤلف)، ثمّ المصادر فالفهرست. طبع الكتاب في دار الفرات للثقافة والإعلام – الحلة/العراق، على نفقة: الحاج سعد مرزة حمزة السعدي، ثوابا لروح أخيه المرحوم الشهيد حامد مرزة حمزة السعدي.

القارئ للكتاب يلمس الجهد الكبير الذي بذله الشيخ عبد الأمير النجّار لإنجاز الكتاب جعله الله تعالى في ميزان حسناته، بالنسبة لي كقارئ أتحفظ على عنوان الكتاب ولا أتوافق مع المؤلف عليه، والسبب أنّ خطّ القرآن لا يُعَدّ من إعجاز القرآن، كما أن كلمات القرآن إملائيا ليست إعجازا، لأن القرآن لم ينزل على النبي (ص) مكتوبا، بل الخط والإملاء تمّ لاحقا من قبل المسلمين، أمّا الإعجاز فهو من فعل الله تعالى يكرم به الأنبياء والرّسل، والإعجاز هو ما يعجز عنه الآخرون باستثناء الرسول أو النبي صاحب المعجزة، في حين أنّ كلمات القرآن خطا وإملاء من عمل الإنسان، وهذا الأمر لا يعجز عنه الآخرون.

حسب تصوري أن المؤلف يعني بالإعجاز الخطي، الكلمات التي تبدأ بحرف الألف في كل سطر من صفحات (القرآن الألفي)، والدليل قوله في المقدمة: (هذه رسالة لطيفة، فيها تبيان لشيء من عظمة القرآن الكريم، وتبرز سرّا من جملة الأسرار) إذن لا إعجاز في الخط لأنّه من فعل إنسان، والكلمات الألفية وليس الخط هي من وجوه إعجاز القرآن، ويمكن حمل إعجاز الكلمات الألفية على الإعجاز اللغوي والبلاغي للقرآن الذي تحدى العرب أن يأتوا بمثله، وهم أهل البلاغة والبيان، إذن لا يمكن أن نقول (الإعجاز الخطي في القرآن الكريم) وهو عنوان الكتاب، لأن الخط من فعل الإنسان، لكنّ المعجزات من فعل الله تعالى يُكرم بها أنبياءه ورسله معجزات القرآن لا حدود لها، في ميادين لغوية وبلاغية وعلمية ومعارف أخرى، لا نقول أن القرآن كتاب علوم أو معارف، لكنّ هذه الإشارات هي من أساليب الهداية القرآنية، يقول الله تعالى: (إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) سورة الإسراء:9.  أخيرا أدعو للمؤلف الشيخ عبد الأمير النجّار بالمزيد من الإبداع، ومن الله التوفيق.

 

علي جابر الفتلاوي

............................

(1): النجّار، عبد الأمير، الإعجاز الخطي في القرآن الكريم – القرآن الألفي إنموذجا الناشر،الحاج سعد مرزة حمزة السعدي، الإخراج الفني، منتظر عبد الأمير النجار، الطباعة: دار الفرات للثقافة والإعلام – الحلة/العراق، الطبعة الأولى، (1440 هج/ 2019م.)

 

 

1480 النقد الفنيخْوَانْ كَرْلُوسْ مَارْتِنِيثْ مَانْثَانُو أنموذجا

يُعد كتاب: موقع اللوحة التشخيصية بمالقا خلال ثمانينات القرن العشرين(*) للناقد الإسباني الدكتور خْوَانْ كَرْلُوسْ مَارْتِنِيثْ مَانْثَانُو؛ مصدراً مهما من المصادر التاريخية المعاصرة للحركة تشكيلية بإسبانا.

وأصل الكتاب أطروحة علمية مُتخصصة تقدم بها مَرتِنيثْ لنيل الدكتوراه في تاريخ الفن بجامعة مالقا. وهي أطروحة يَتَوَاشج فيها: البحث التأصيلي النظري مع الممارسة الأكاديمية الميدانية التي وَثَّقَ لها خوان كارلوس بتحليله لجُماعٍ من الأعمال التشكيلية داخل القاعات والفضاءات الفنية، المروجون الفنيون، السوق الفنية، الكاتالوغات، المونوغرافيات... وبمواكبة الفترة التاريخية لسلسة المعارض الفردية والجماعية للفنانين عينةُ الدراسة، وبالوقوف على مختلف أنشطتهم الفنية داخل إسبانيا وخارجها.

فضلا عن التحولات الكبرى التي عرفتها الحركات والتوجهات الفنية التشخيصية في عملية التأثير لدَى عينة الدراسة وعلى سبيل المثال: تأثير البوب البريطاني، والواقعية الجديدة التي عرفتها أمريكا الشمالية، والتعبيرية الجديدة، الهندسة المُحدثة، الرمزية الجديدة، الحركات الأيقونية... (1)

فضلا عن استحضار مَرْتِنِيثْ للإرث التاريخي للخزانة الفنية الإسبانية بدخيرتها العلمية التي راكمها مؤرخو الفن ونقاده، باستثمارها بيبليوغرافيا خدمة لأهداف البحث التأريخية. والمتأمل في مضامين الكتاب سيجد جرداً وتحقيباً اسطوغرافيا في قالب مونوغرافي يؤرخ لسِيَّرِ المبدعين وأماكن العرض والملتقيات والتظاهرات الفنية. كما يرصد اللوحات التشخيصية في صيغتها المُحدثة التي راكمها الفنانون المالقيون بتوجهاتهم الجديدة. بدءا من  أواخر السبعينات حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي، ووصولا إلى فترة التسعينيات على سبيل التحديد.

ولعل السمة البارزة في أطروحة الكتاب هي تعدد الأساليب الفنية وطرق التعبير من داخل التوجه التشخيصي الذي أرسى دعائمه على مناخ التشكيلي الإسباني بصيغة التجديد،  وهي الصيغة التي تميّز بها الكتاب باضافته النوعية للخزانة الفنية بإسبانيا. (2)

واتسم هذا المناخ التشكيلي بتكسير البنية التقليدية للوحة عن طريق بنية جديدة تتلاءم مع الفترة الزمنية لروح العصر. وبتوظيف تقنيات جديدة في الرسوم، والصباغات، والخامات، والألوان، والأشكال التعبيرية، والهندسة المنظورية، والرموز، ودلالات الرسوم، ...(3)

واستحضر مرتِنِيثْ في جرده وتحقيبه تأثير الواقع الإجتماعي في ظهور موجات التشخيصية المُحدثة لدَى الفنانين، والممثلة في عدة نماذج متباينة تبعاً للفترات الكرونولوجية التي وقع عليها فعل التموقع، ويمكن بيانها على النحو الآتي:

- التوجه التشخيصي بمرجعية تكسير البنية والمتمثل في الواقعية اللَّعْبِية  Neotrealismo lúdico عند كَالوسْ دُورَانْ carlos Duran، بُولاَ بَارْيُو نْوِيبُو Bola Barrionuevo، كَالْبُو كَابَا Calvo Capa،  أَنْطُونْيُو هِرَايِّسْ Antonio  Hetráiz.

- التوجه التشخيصي المتوسطي بمرجعية الابتداع واتباع الأسلوب الواقعي المعبِّر عن البحر الأبيض والطبيعة الحية والأمكنة والشخوص... Figuración mediterránea ومن بين الفنانين الذين مثلوا هذا الاتجاه:

جَابْرِيَلْ بَادِيَا Gabriel Padilla، خْوَاكِينْ دِي مُولِينَا Joaquin de Molina، دَانِّلْ مُرْيِّيلْ Daniel Muriel، خُوسِي مَارِيا قُرطبة José María Córdoba، شِمَا طَاطُو Chema Tato، كَالوسْ دُورَانْ carlos Duran، بُولاَ بَارْيُو نْوِيبُو Bola Barrionuevo.

- التوجه التشخيصي مابعد حداثي  Figuración posmoderna لدَى: خُوسِي سِغِيرِي José Seguiri، خُوسِي إِغْنَاسْيُو دِّيَاسْ بَادْرُو José Ignacio Díaz Padro، شِمَا طَاطُو Chema

والمُلاحَظ أن هناك فنانين لا يتقيدون بتوجه بعينه ما دام التصنيف الذي اتبعه مَرتِنِيثْ ينسجم مع الاختيارات الفنية للعينة المدروسة. وهو في الآن نفسه يخدم تصور البحث ومنهج الدراسة. وهذا دليل على سمة الإبداع لدَى العينة في اختيار الأسلوب الفني وعدم الخضوع لضوابطه وخصوصياته إلا ناذراً، وإذا ما نظرنا إلى الأعمال المنجزة، والتي تكون مرتبطة في الغالب بالموضوع الذي يختاره الفنان. إنها توجهات تستجيب لروح العصر (خلال فترة الثمانينات ومطلع التسعينات)، فمن معالمها البارزة في خلاصة الكتاب: تعددة الرؤى في التقنيات والمضامين الجمالية التي ارتبطت بالتعبيرية الجديدة بمالقا الأندلسية.

 

بقلم: الدكتور محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي وباحث في الجماليات.

................................

(*) J.C. Martínez Manzano,

El posicionamiento de la pintura figurativa malagueña de la década de los 80, Centro de Edicionrs de la Diputación de Málaga (CEDMA), 2014.

 (1) Voir:

J.C. Martínez Manzano, Contextualización y promoción artística dentro del marco de la nueva pintura figurativa malagueña, Universidad de Málaga, Beletín de Arte, n.° 29, 2009.

(2) J. C. Martínez Manzano, Posicionamiento estético de la pintura figurativa en málaga, Dipotación de Málaga, 2009.

(3) J.C. Martínez Manzano,

El posicionamiento de la pintura figurativa malagueña de la década de los 80, op. cit. p. 70, 71, 72.

 

سلام كاظم فرجثمة خطأ شائع عن المثقف التقدمي العلماني يتداوله مثقفون تقدميون.. إذ يعتقد البعض منهم  ان المثقف التقدمي في غنى عن الاطلاع على الكتاب الديني الصرف...

ومن طريف ما أتذكر إني عندما اتشرف بزيارة صديق مثقف.. أذهب أول ما أذهب اليه الى مكتبته.. لعلني اعثر على كتاب نادر ممتع ومفيد..

قد اعثر في بعض مكتبات الاصدقاء على نفائس من الكتب الثمينة من روايات ودواوين شعرية وكتب فكرية لمؤلفين من الشرق والغرب من عرب ومن اوربيين واميركيين .. وغالبا ما اجد بعض مكتباتهم عامرة بمؤلفات ماركس وانجلز وسارتر ونيتشه وغيرهم من كبار المفكرين والمؤلفين لكني لا اعثر مثلا على نسخة من القرآن الكريم فأبتسم ..!! (أنا هنا اتحدث عن بعضهم..)...

وبالمقابل كنت حين ازور صديقا مولعا بقراءة الكتب الدينية.. قد أجد عنده عشرات الكتب المتعلقة بالفقه والحديث والتفاسير.. لكني لا اعثر على رواية واحدة او مجموعة شعرية.. ولا اجد كتابا واحدا في الماركسية او الوجودية ولا حتى كتابا واحدا  لبرالي الفكر أوالتوجه..

ومن طريف ما مررت به إني حين كنت أتسائل ومن باب المداعبة عن كتب الخندق الآخر من توجهات الصديق المعني كان يبتسم بإشفاق وينظر في عينيّ ليتأكد من سلامة عقيدتي او ربما قواي العقلية..

زرت صديقا.. هو قريب لي فوجدت مكتبته عامرة بصنوف من كتب دينية بعضها راق ومهم.. وحين سألته عن ابن خلدون أجاب وبثقة لا أقرأ له ولا أريد !! وحين سألته عن  الدكتورعلي الوردي قال أكرهه!! سألته ولمَ..وهل قرأت له..؟ أجاب لم أقرأ له ولا أريد..!!!

هذه المقدمة اسوقها لكي أبين ان المثقف لكي يستحق ان يقال عنه مثقفا ينبغي ان يكون شاملا في قراءاته. ملما ببعض ما يتداول من كتب وافكار متباينة ومختلفة.. فما كتابات كانط وماركس على سبيل المثال  إلا نتاج لقراءات سابقة في الفكر المسيحي أواليهودي وربما الاسلامي.. مضافا اليها كل الافكار النقدية التي انتجتها الحضارة الرأسمالية.. وبالمقابل فإن الكثير من مؤلفات المفكر محمد باقر الصدر هي نتاج قراءة متأنية واعية للفكر الماركسي ومعظم افكار المؤلفين الرأسماليين...

وعليه كنت سعيدا جدا بوصول الكتاب الذي أكرمني صديقي الاستاذ الشيخ عبد الامير النجار فأهداني نسخة منه.. (الإعجاز الخطي في القرآن الكريم.. القرآن الألفي أنموذجا..).. فكرة الكتاب لطيفة غير مسبوقة تتناول كل الخطوط التي كتب فيها القرآن الكريم منذ بدايات كتابته وحتى يومنا هذا.. ويتناول موضوعة فريدة ورائعة هي موضوعة الكتاب الألفي..

موضوعة الكتاب الألفي

من أجمل ما وجدته في الكتاب وما أشار اليه الاستاذ النجار ان الآية (بسم الله الرحمن الرحيم)  كتبت في الكتاب الألفي بخط يختلف عن مقدمة السورة التي سبقت أختها بمعنى ان السور  قد كتبت البسملة فيها بـ( 113) نوع من الخط العربي حسب مراحل تطوره عبر القرون المتعاقبة وهذا امر لا يمكن ان يهتدي اليه وكما أشار  المؤلف الا من وفقه الله وكان ذا حظ عظيم من الحذق والمهارة والاطلاع.. يفهم ذلك أولو الفن والمعرفة بشؤون الخط العربي.. ان جمالية تلك الخطوط تجعل من يقرأ القرآن الكريم وفق تلك التقنية منبهرا ومستمتعا..

ان تسمية القرآن الالفي تعود في الأصل الى  المؤسسة التي أشرفت على طبع القرآن الكريم في الهند (بومباي).. حيث ان كل سطر في هذه النسخة الفريدة الجميلة لابد ان يبدأ بالحرف ألف (الهمزة)..وباللون الاحمر.. حتى ان دعاء ختم القرآن يبدأ بالحرف ألف..

لقد قضيت وقتا ممتعا ومثمرا وانا اطلع على الكثير من الاطروحات الجميلة التي تخص تاريخ الخط العربي من جهة وتواريخ كتابة القرآن الكريم .. ولكن في الختام لابد من ذكر التنويه المهم الذي اورده الاستاذ الباحث القدير عبد الامير النجار حيث ذكر انه وبمتابعة مستفيضة عرف ان فكرة القرآن الألفي ليست من بنات افكار مؤسسة ناشري القرآن الخاصة المحدودة ولا هي من بنات افكار الخطاط المبدع الشيخ محمد يوسف القاسمي عظيم آبادي بل هو مجرد عملية نسخ لمخطوطة قرآنية موجودة ومعروضة في مكتبة متحف سالار جنك بحيدر آباد في الهند فضلاعن ذلك (وهنا يكمن الاعجاز الخطي ان سطريها الاول والاخير يبتدئان بكلمة واحدة ..)

تقول الباحثة (سيدة أصفياء كوثر) في دراسة لها موسومة بـ(نوادر المخطوطات العربية في مكتبة متحف سالار جنغ) ومن بين المخطوطات القرآنية توجد نسخة يبتديء كل سطر من سطورها بالحرف ألف وسطراها الاول والاخير يبتدئان بكلمة واحدة.. وهذه النسخة معروضة في المتحف ورقمها(173)..

لقد ضم كتاب الاستاذ الشيخ عبد الامير النجار صورا رائعة جميلة لبعض تلك الآيات المطبوعة بخط آسر جميل.. كما ضم العديد من الاطروحات الفكرية والفلسفية حول علاقة الاعجاز الخطي بالإعجاز البلاغي لكتاب خالد ومقدس عند ملايين البشر.. فتحية الامتنان والعرفان لصديقي الذي اعتز بصداقته ما حييت.. لقد منحني فرصة ان اكون قريبا من كتاب الله بشكل جميل واستثنائي..

 

سلام كاظم فرج..

 

علجية عيشالرواية الإفريقية نموذجا.. قراءة في دراسة أجرتها الحقوقية السودانية مروى التجاني، مع حلمي الشعراوي  

لا يختلف إثنان أنه يوجد أدب افريقي، وأدب عربي وأدب أمازيغي، وأدب المهجر، وأدب السجون، وهذه الأنواع الأدبية من شأنها أن تصل وكُتَّابِهَا إلى مستوى العالمية وقد تدرج كتاب ولغويون في الحدث عن اللغة الأفريكانية وجذور نشانتها وكيف كانت تكتب بالحروف العربية، ودور الترجمة التي خاضت هذا العمل منذ القرن السابع عشر، إلى أن تأسس المعهد الثقافي العربي الأفريقي في مالي والإتحاد الإفريقي لتقريب وجهات النظر في كل القضايا السياسية والإجتماعية والإقتصادية وكذلك القضايا الفكرية الثقافية والأدبية وكل ما يتعلق بالفكر الحضاري

الرواية الأفريقية كنموذج كانت دراسة أجرتها الكاتبة الصحافية والمناضلة الحقوقية مروة التجاني نشرت على موقع الأنتولوجيا alantologia.com والحوار المتمدن ahewar.org عرّفت فيها الباحثة بالأدب الإفريقي وأشارت إلى ما أجمع عليه عدد من الأدباء الأفارقة المهتمين بالقارة والذين عرفوه بأنه أدب المناطق الواقعة جنوب الصحراء الكبرى وخارج مجال اللغة العربية، كما أرادت أن تكسر القيود على الأدب الإفريقي مقدمة في ذلك الرواية كنوع من أنواع الأدب في ظل غياب المشهد الروائي الأفريقي عند المتلقي العربي رغم كثافة الإنتاج في الرواية الأفريقية، وقد تطرقت الكاتبة إلى ظروف كتابة الرواية الأفريقية باللغة الأجنبية وعدم انتشارها بسبب القمع الاستعماري للغات الأم، إضافة لذلك ضعف وغياب دور النشر التي تربط الشمال والشرق الأفريقي مع بعضهما والعكس ة قارنت بين كتابات غرب أفريقيا الإنجليزية التي كانت تعبر عن جدلية الاستعمار، وأدب الغرب الأفريقي الذي كان ينادي بالمساواة والحقوق دون أن تستثني دول الشمال التي كانت ذات صبغة فرانكفونية كـ: (مالي، الجزائر، المغرب وتونس,,الخ)، وكانت مشاكل الهجرة حاضرة في المشهد الروائي الأفريقي الحديث مثل رواية " كامراد" للكاتب الجزائري الصديق أحمد،

كما اعتمدت الباحثة على ردود فعل النقاد في محاولة لتفكيك هذه الإشكالية التي انقسمت حولها الآراء، البعض منهم كما تقول هي حلل قضية حاجز اللغة والهوية المتنازعة بين اللغات الأم ولغات المستعمر، البعض الآخر تناول الأثر السياسي والصراع بين المثقف والسلطة الذي أفرز أدوات رقابة ومنع مما قلل من انتشار الرواية الأفريقية، وفريق آخر يرى أن انتشار الرواية الأفريقية كان أسرع وأنجح في العالم الغربي لأنهم خاطبوهم بلغتهم وأوصلوا الرسالة الثقافية للموروث التراثي الأفريقي فيما عرف بالفرانكفونية والأنجلوساكسونية ورهنوا انتشار الرواية الأفريقية بثورة المعلوماتالتي فتحت المجال لفتح نافدة من نوافذ الأدب الإفريقي وسرد تاريخ القارة، واحتلت مكانة عالية بين تيارات السرد العالمية خاصة مع انتشار حركة الترجمة، هي روايات تحكي تاريخ المستعمر والنضال وأنماط العيش اليومية، وتزخر بالعوالم الغرائبية والفلكلور المحلي والتراث القديم، واستمرار السرد الأفريقي يعني الحديث عن الهوية الأفريقية ومنتوجها الثقافي المعاصر.

 وفي دراستها قدمت مروة التجاني ثلاثة آراء: الأول للكاتب الجنوب أفريقي (إركيال مافاليلي) ومقولته أن الشمال العربي المسلم لا علاقة له من الناحية الثقافية بالإنسان الأفريقي (وسنعود لى هذه الفكرة لاحقا)، والرأي الثاني للأديب مازيسي كونيني وهو على ما يبدو رأي نقيض، يرى هذا الأخير أن الأدب الأفريقي هو الأدب الذي يصور واقعاً أفريقيًّا بجميع أبعاده وهذه الأبعاد لا تضم ألوان النزاع مع القوى صاحبة السيطرة السابقة مع القارة وحسب وإنما تضم أيضاً جميع الأشكال الأدبية داخل القارة الأفريقية، ولعلنا نقف مع الرأي الثاني، فلا يختلف إثنان طبعا أنه يوجد أدب افريقي، وأدب عربي وأدب أمازيغي، وأدب المهجر، وأدب السجون، وأنواع أخرى من الأدب كأدب الطابو أو أدب الجنس إن صحت تسميته، تقول الكاتبة أن الرواية الأفريقية أخذت طابع الشكل الغربي في البناء الهرمي للبنية الشكلية ووظفت في مضمون قضايا اجتماعية، وأفريقيا تزخر بالقصص الخرافية والأساطير والحكايا الشعبية التي تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، ولم يتم تدوينها بعد، وظل هذا النوع من الأدب في طي النسيان إلى حين تعرضت الشعوب الإفريقية إلى الغزو، ومع بداية حركات التحرر والاستقلال التي انطلقت في معظم دول القارة في الخمسينيات من القرن الماضي، برزت في الساحة الأدبية أسماء عديدة تكتب بهذه الأنماط إضافة لترجمة بعض ما دون باللغات المحلية، فكانت موضع اهتمام لدى النقاد الغربيين في أوروبا وأمريكا، وذكرت في دراستها أاسماء عديد لمع نجمها في الفضاء الأدبي لايسع المجال لذكرها

تعليــــــق..

الحقيقة أن الكاتبة انطلقت من موطنها السودان الذي عرف عدّة هزات ومؤامرات خطط لها الإستعمار العالمي بتأجيجه الصراعات وقدمت صاحبة الدراسة عيّنة من هذه العوائق التي تعانيها دولة السودان (موطنها) حيث يوجد أكثر من 500 لسان ويتعذر ترجمته إلى لغات أو لهجات أخرى أو تدوينه عبر اللغات الأوروبية، الجميع طبعا يتفق على أن الرواية مهما كانت جنسيتها ومهما اختلف لسان كتابها تطرح مشكلة "الهوية"، يبقى السؤال حول ما إن كان الأدب الإفريقي أو ما يزال متأثرا بلغة المستعمر في ظل وجود بعض الكتابات باللهجات المحلية، فهذا يرجع إلى النظام السياسي والثقافي الذي يعيش فيه كل روائي إذا قلنا أن الرصيد الفكري والثقافي للشعوب الإفريقية ما يزال شفهي، أي انه لم يدوّن بعد ولم يخضع للدراسة والتحليل وهو ما جاء في كتاب الباحثة عندما أشارت إلى أن الأدب الشفهي الأفريقي غير المكتوب يمثل المساحة الأكبر ويفوق في وجوده ما كتبه الأفارقة أنفسهم أو الباحثين من جهات أخرى، وهذا بدوره يشكل عائقاً في التعرف على الرواية الأفريقية بصورة كبيرة، أمام تعدد اللغات وتعدد اللهجات المحلية في أفريقيا، الحقيقة ونحن نتصفح ما جاء في الدراسة، لم تتطرق الباحثة إلى تعدد الثقافات في السودان، وبالخصوص ثقافة "الدينكا" جنوب السودان، وثقافة مروى النوبية السودانية التي امتدت إلى مصر، ثم أن بعض الروائيين يتجاوزن حدود "البديهيات"، فعندما نقف على موقف الروائي نغوجي واثيونغو (ذكرته الباحثة في الكتاب) عندما قال أن اللغات الأوروبية سيما الإنجليزية ليست أفريقية، فهذا أمر بديهي ولا يحتاج إلى شرح أو تعليل، تبقى قضية اللغة فهي كما قال الأديب حامد بخيت وغيره سلاح قوي يمكن من خلاله للمستعمر السيطرة على الشعوب، وفكرة (واثيونغو) حول بعث اللغات كمشروع ثوري متقدم يحتاج إلى إثراء إذا ما تمت عملية تطوير اللغات الأفريقية وأصبح من الممكن كتابتها بحيث يمكن بعد ذلك استخدامها في الكتابة الأدبية ومن ثم نقلها إلى الآخر غير الأفريقي .

تراث اللغات الإفريقية... تراث أفريقي عربي

أما حديثها عن الحداثة في الأدب الإفريقي، ذهبت الباحثة مروة التجاني إلى القول أن حداثة الرواية الأفريقية في ديمومة مستمرة منذ تحولها من حكاية مروية إلى نص مكتوب استوعب تقنية الشكل الغربي في قوالب مواضيع أفريقية، فمهما اختلفت الآراء والمواقف حول موقع الحداثة في الرواية الإفريقية أو الأدب الأفريقي عموما، فقد استطاع الأدب الإفريقي الحفاظ على الهوية، هوية الشعوب الأفريقية من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، فقد كان للأدب الثوري دور جلي في كشف مخططات الإستعمار الثقافية، وهم ما لم تتطرق إليه الباحثة (الأدب الثوري الإفريقي) فكانت هناك تجارب أفريقية صنعت الحدث الثقافي والفكري تناولت الواقع الإجتماعي، السياسي والإقتصادي وانتقدته بشجاعة سواء كانوا كتابا أو حكاما وقادة واجهوا اليد الإستعمارية التي طالما سعت إلى طمس هوية الشعوب المستعمَرة، والتاريخ يذكر أن الأفارقة في القرن العشرين خاضوا نضالا مستميتا من أجل الإستقلال واتخذ صورا واشكالا، ليس بالسلاح فحسب بل كان ثورة بالقلم رسمها كتاب وأدباء منذ أن ظهرت الفكرة "الأفريقانية" أثير النقش حولها في المؤتمرات الست التي عقدت بين عامي 1900 و19945، وأتيحت فرصة التعليم أمام الإفريقيين سمح بظهور نخبة مثقفة.

ما لم تتطرق إليه الباحثة كذلك هو أن العديد من الدراسات تناولت قضية اللغة في الأدب الإفريقي بصفة عامة وهذا باتفاق العرب والأفارقة من خلال إقامة المعهد الثقافي العربي الأفريقي في مالي وهذا في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، لتنشيط العلاقات الثقافية بينهما، ففي مالي مثلا تقع (تمبكتو) كنز التراث العربي الإفريقي ومراكزه التاريخية ومنها مركز أحمد بابا التمبكتي ومركز ماما حيدرا للوثائق والمخطوطات، وفي مالي أيضا تاريخ الإلتقاء الإجتماعي والسياسي والممالك العظيمة التي ارست قواعده، إلا أن الفرنسيون غيبوا هذه المنطقة عندما استقر بهم المقام على الساحل الغربي لإفريقيا وجعلوا داكار مركز الحداثة الوافدة مع الإستعمار الغربي، كما أنهم لم يستطيعوا افيتسطان في قلب بلاد السودان وعصبها التاريخي في امبراطورية مالي، لذلك ظلت مؤسسات التاريخ الإفريقي محتفظة بنكهتها في مالي، في (تمبكتو وفي جنى وفي باماكو) التي يوجد بها جامعات ومساجد شامخة ودور العلماء، حسب الدراسات، ما كان موجودا هو تراث عربي عن افريقيا، ممثلا في ما نقله الرحالة، وكتب باللغة العربية مثل كتابات أحمد بابا التمبكتي، ولولا عملية الترجمة التي خاضت هذا العمل منذ القرن السابع عشر لظل هذا التراث مدفونا، وقد تحدث عن هذه الأعمال ما رواه كولي cooly في كتابه الشهير negro land of arabs، المكتوب عام 1846، أما الأوروبيون فلم يهتموا بما تمت كتاباته باللغات الأفريقية، لأنهم كمستقين كانوا يجيدون اللغة العربية لدهشتهم بالحرف العربي أو ما سمي بالعجمي Ajami وهي اكثر من 20 لغة معظمها تحديدا في غرب أفريقيا وفي قلب امبراطورية مالي.

نعم لقد ترجمت الرواية الأفريقية من لغاتها المحلية إلى لغات أخرى مما شكل حلقة تواصل داخل القارة وخارجها، واتسعت دائرتها ودخلت مجال المنافسات الإبداعية والمنابر الفكرية وحصد كتابها جوائز قيمة تضاف لمراتب الأدب الروائي الأفريقي وخلفت أثراً بين أجيالها ومازالت القارة تنتج أدباً روائياً له الريادة في مواكبته لقضايا المجتمعات الأفريقية، قبل وأثناء وبعد الاستعمار، وقد تطرق لهذه المسألة الحساسة الدكتور حلمي شعراوي عندما كشف ألاعيب الإعلام الغربي الذي روّج من مجرد الحديث عن كتابة اللغات الأفريقية مقولة أن "الشعوب الإفريقية لم تعرف الكتابة" وعندما أزعجتهم ثبوت وجود النصوص الإفريقية بالحرف العربي، اعتبروها مجرد " خربشات" دينية لا ترقى إلى مرتبة النصوص أو التراث، معبرا عن اسفة لوجود باحثين ومثقفين أفارقة يعتقدون في ذلك حتى الآن لتبرير عدم معرفتهم بالعربية الأصل من جهة واستغراقهم في الحداثة من جهة أخرى، رغم أن الفتوحات الإسلامية كان لها دور كبير في انتشار اللغة العربية في القارة، دون أن يدركوا مخاطر تجاهل الهويات الوطنية التي تعكسها الثقافات الأفريقية وانعكاستها على "العولمة"، في تفتيت مجتمعات الدول النامية وطمس هوياتها وإنجازاتها التاريخية بل شيوع أفكار ما بعد الإستعمار وما بعد الحداثة كمؤثر في قضايا الهوية والتاريخ والتراث لدى الشعوب.

جذور اللغة "الأفريكانية" وكتابتها

ما يمكن الإشارة إليه هو أن اللغة العربية انتشرت بقوة في العالم كله (الغربي، العربي والأفريقي) وقد ذكر المؤرخون كيف وصلت اللغة العربية إلى غاية جنوب افريقيا، وكانوا يكتبون اللغة الأفريكانية (كما جاء في بعض الكتب) بالحروف العربية، واللغة الأفريكانية هي اللغة الثانية بعد اللغة الإنجليزية، وكانت مستعملة بكثرة قبل وصول الإنجليز إلى جنوب افريقيا، تقول البحوث أن عماد اللغة الأفريكانية في الأصل من اللغة الهولندية، ولكنها ابتعدت عنها حتى أصبحت مختلفة عنها، بحيث أدخلت عليها مفردات وتعبيرات محلية وماليزية من أثر الإحتكاك ما بين الهولنديين الأوائل وسكان البلاد، والسبب في كتابتها بالحروف العربية لأنها في اول نشاتها لم تكن لغة ذات كتابة لأنها نشات بين طوائف مختلفة، وكان المسلمون أول من احتاج إلى كتابتها فكتبوها بالحروف العربيية من أجل تعليم ابناء أفريقيا علوم التوحيد.

 

قراءة وتعليق علجية عيش بتصرف

...................

أنظر في ذلك../

1- كتاب: أفريقيا من قرن إلى قرن تاليف حلمي شعراوي

2- كتاب: مشاهدات في بلاد العنصريين بقلم محمد بن ناصر العبودي

 

 

 

عزالدين عنايةلا تزال العديد من الأوساط في الغرب تذعِن لكنيسة روما، رغم ما دبّ في نسيجها الاجتماعي من "انسلاخ مسيحي" مرفوقٍ بفتور ديني تحت وطأة موجات العلمَنة المتعددة. فالحجّ إلى روما، وتحديدا إلى حاضرة الفاتيكان، مازال دأبَ ساسة ومتنفذين كثيرين، رغم مزاعم العلمَنة والفصل بين السلطتين الدنيوية والدينية. ولم يسلم من التودد للكنيسة حتى عتاة العلمانية والشيوعية. فمنذ فترة، انسحب رئيس "حزب إعادة التأسيس الشيوعي" الإيطالي ورئيس مجلس الشيوخ الأسبق، فاوستو برتينوتي، في خلوة روحية مع رهبان بشبه جزيرة مونتي آثوس باليونان، المخصّصة للذّكور حصرا والمحرّمة على الإناث، بشرا وطيرا وحيوانا، تعبيرا عن ولائه لضمير أوروبا الديني.

وفي هذا السياق تقتضي طبيعة العلاقة الوثيقة التي تربط الكنيسة الكاثوليكية بأوروبا، على وجه التحديد، متابعةً خاصة. نحاول من خلالها تناول فحوى كتاب "البابا فرنسيس والحلم الأوروبي" (120ص)، الذي صدر عن منشورات ديهونيان بمدينة بولونيا خلال العام الجاري، عبر ترجمة مقتطفات من أقوال مؤلّفَيْ الكتاب وعرضها. يجمع الكتاب في الأصل ثلاثة خطابات للبابا فرنسيس تتعلق بالشأن الأوروبي. أُلقي اثنان منهما على التوالي، في 25 نوفمبر 2014 في ستراسبورغ، في مقرّي البرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي، والخطاب الثالث أُلقي في السادس من مايو 2016 بمناسبة تلقّي البابا جائزة شارلمان العالمية. تولّى تلك الخطابات بالتعليق والشرح الخبيرُ السياسي لوتشو كاراتشولو، مؤسس ومدير مجلة "ليمس" الجيوسياسية، الذي يُعدّ من كبار المحللين للشأن السياسي؛ والمؤرخ الإيطالي المعاصر الأستاذ أندريا ريكاردي، رئيس جمعية سانت إيجيديو بروما أقوى المنظمات الدينية تأثيرا، والدائرة في فلك الكنيسة الكاثوليكية.

1474 البابا فرنسيسفي تناوله لشخص فرنسيس برغوليو في الكتاب المذكور، يقول لوتشو كاراتشولو: ينظر البابا إلى أوروبا بعينيْ الرحالة البرتغالي فرناندو ماجلان، أو بالأحرى بعينيْ المطلِّ من الأطراف المتشوّف إلى المركز. ولا شك أن تلك النظرة مفيدة، لأنها تلتقط ما لا يمكن أن يراه الماكث بالداخل. ذلك ما شرحه برغوليو في إحدى حواراته قائلا: "في الواقع نحن لا نتحرك في فضاءات نسيطر عليها بالكامل. ففي الوقت الذي ننأى فيه عن المركز ونبتعد قليلا نكتشف أمورا مغايرة، وحين ننظر إلى المركز، إلى المعطيات الجديدة التي اكتشفناها، من مواقع جديدة، من الأطراف، نرى الواقع بشكل مغاير. وعلى سبيل المثال: كان النظر إلى أوروبا من مدريد خلال القرن السادس عشر أمرا مغايرا، لكن ماجلان حين انتهى به المطاف إلى أقاصي القارة الأمريكية، شاهدَ أوروبا من نقطة نائية بلغها، أدرك حينها شيئا آخر. فالواقع نراه بشكل أفضل من الأطراف لا من المركز". مع ذلك لم يتسنّ لماجلان الدخول مجددا إلى أوروبا، فقد قضى نحبه في الفلبين. ولولا الرحالة أنطونيو بيغافيتا لفاتنا كثير من أخباره. في حين دُعي البابا برغوليو للالتحاق بأوروبا من أطراف العالم، من الأرجنتين خدمةً للكنيسة في المركز، في روما. هذا المركز الواقع في وسط إيطاليا، الواقعة بدورها في جنوب أوروبا، إيطاليا التي تصل أوروبا بالمتوسط والتي تنفي ذلك الارتباط في الآن.

وتبعا للسياق الأورومتوسطي الحالي، تلوح موجات الهجرة المتدفقة عبر المتوسط اليوم مصيريةً في تشكيل رؤية أوروبية للبابا فرنسيس. وبوصفه أرجنتينيا، فهو يفتقر، كما نقدّر، إلى ارتباط عاطفي بالقارة العتيقة على غرار أسلافه من البابوات. ونقصد هنا البافاري، البابا الأسبق بندكتوس السادس عشر وكذلك البولندي البابا يوحنا بولس الثاني الذي عاش لحظات حرجة من حياته جراء انقسام أوروبا بين معسكرين، ما دفعه إلى الحرص ضمن استراتيجياته لإعادة أوروبا إلى "وضع التنفس برئتين" -الشرق والغرب، ليس بمعناه الروحي فحسب، بل بمعناه الجيوسياسي أيضا-، وهو هدف واقعي وجدير بالمتابعة. وعلى خلاف البابا فرنسيس، جاء راتسينغر و وُوجتيلا من داخل البيت الأوروبي، وَفدَ كلاهما من المركز، من وسط أوروبا فعلاً بعد أن أنهكتها حربان عالميتان ونخرتها ثالثة باردة لاحقا. وليست مشكلة البابا برغوليو في توحيد أوروبا ضمن مشروع سلام، بل في إيقاظ الروح فيها. إذ يتابع حضورُ الكنيسة في أوروبا من منظور البابا فرنسيس هذا المفهومَ بالضبط، ألا وهو نفخ الروح في مشروع فقدتْه أوروبا، أو لعلها لم تملكه البتة.

وسواء وُجد ذلك المشروع أو انتفى،  فإن أوروبا من منظور البابا فرنسيس ليست شيئاً بل صيرورة. فيها زمن وليس فضاء، لأن الفضاء يقتضي سيطرة. والسؤال المطروح: ما الذي كانت عليه أوروبا تاريخيا، إن لم تكن فضاء، انطلقت منه قوى كبرى وأخرى أقلّ بأسا في غزو العالم؟ ها هي أوروبا تجد نفسها تجابه موجةً ارتداديةً لتلك الأعمال الاستعمارية -في شكل لاجئين ومهجَّرين وافدين من أراضٍ تمزقها الحروب وقد سبق للقوات الأوروبية أن احتلتها- التي لا تجد بالتأكيد ترحيبا من قِبل بابا أرجنتيني، وافد من مستعمَرة سابقة. تتلخص في هذا المأزق مأساتنا الجيوسياسية والروحية كأوروبيين اليوم. وبالفعل من مزايا أن يكون المرء من الأطراف، أن يعي بشكل أفضل من مواليد أوروبا الجذورَ الديمغرافية والبيولوجية لعوامل تصحّر ما كان يمثّل الحديقة الكبرى للكنيسة.

وبالفعل نحن قارةٌ من الطاعنين في السن، أطفالنا قلّة. قارة بلغ بها المطاف حدّ التساؤل: هل بوسعنا، حفاظا على رفاهنا، إعلاء الحواجز في وجوه المهاجرين؟ هل لنا أن نرفض احتضان القوى الشابة -بالطبع غرباء ليس من الهيّن دمجهم- خشية العدوى وخشية أن نفقد مزايا كثيرة؟ لكن بالخصوص: هل بإمكان قارة يعمرها الشيوخ أن تتجاسر على طرح أفكار جديدة؟ وفي خلاصة مقتضبة، وحدهم الشباب بوسعهم إنقاذ أوروبا بالنسبة إلى البابا برغوليو. ولن يتيسر ذلك إلا بعودة أوروبا إلى ألق الشباب وخلق مجتمع جديد متنوع. يتلخص الدرس الذي يقدّمه البابا فرنسيس في طرح مفاده أن هذا القسم من العالم لن يجد حيويته سوى بالانفتاح على باقي العالم. ولا سيما على العالم المتوسطي المجاور له. إنه الاحتواء أو الاندثار، لذلك ثمة حاجة إلى نظرة ماجلان حتى نعي على بيّنة الورطةَ التي وقعت فيها أوروبا والممتدّة إلى الأجيال اللاحقة.

***

من جانبه يقول أندريا ريكاردي في المؤلف المشترك: فرنسيس برغوليو هو أول بابا ليس أوروبيا، على امتداد ألفية بأكملها من تاريخ الكنيسة. فقد جاء العديد من البابوات، ولا سيما في القرون العشرة الأولى من العصر المسيحي، من المتوسط. في حين فرنسيس برغوليو فهو أول بابا وُلد وعاش خارج أوروبا، بعيدا عن المتوسط، برغم جذوره الأسرية -غير البعيدة- التي تجعله قريبا من إقليم بيمونته ومن إيطاليا. لم يتغاض فرنسيس برغوليو عن أوروبا، ولم ينظر إليها بوصفه أوروبيا: ذلك أن نظرته نظرة وافد، ولكن في الآن نفسه ليس غريبا عن القارة العتيقة. إذ يملك البابا فرنسيس نظرة سامية لأوروبا، تلك الشائعة في الثقافة الأرجنتينية. ولا يخفي البابا حسرته بشأن القارة التي ما عادت في مستوى تاريخها. إنه انشغال مبدئي. فقد فاقمت نهاية الإيديولوجيات، مع عدم توفر القدرة على الفكر والعمل، من حدّة الضياع.

وعلى النقيض من ذلك مثّلت الماركسية نظرة كبرى للعالم، تبلورت في الأوساط الأوروبية وجرى تصديرها إلى الخارج. ومنذ العام 1989 بدأنا نسير باتجاه حالة كمون لأوروبا داخل العالم، جراء تدهور دول كبرى على غرار فرنسا وبريطانيا، علاوة على الأزمة الإيطالية المتفاقمة؛ بل وبموجب أثر دول شرق أوروبا أيضا، التي افتقرت إلى نظرة استعمارية وعازها التطلع خارج المجال الأوروبي، عبر التاريخ، ناهيك عن غياب نظرة متركزة لديها في المجال الأوروبي. لقد أمست أوروبا عجوزا. تبدو وكأنها فقدت الرغبة في التواصل مع العالم، ولا تجد حافزا في المساهمة في تغييره. لقد انهارت الرؤى الكبرى، وبقي "التكنوقراط البيروقراطيون الموكلون بتسيير أمر مؤسساتها". يقول البابا (وهو لا يغفل عن الاشتغال الآلي للمجموعة الأوروبية): يقود هذا الموقف الذي يمكن أن يبدو صائبا، إلى "عولمة اللامبالاة". وهو المفهوم الذي أطلقه برغوليو من جزيرة لمبيدوزا في لقائه بالمهاجرين الوافدين. إذ يربط خطٌّ متناسقٌ الخيارات السياسية الأوروبية بالسلوكات الفردية لمواطني ذلك المجال (الشخص-المونادا بمفهوم لايبنتز "دائما أكثر لامبالاة بالمونادات الأخرى الدائرة حوله"). بهذا المعنى ثمة مسافة جلية بين المعطى الأوروبي ورؤية بابا روما. وعبر القرن الماضي، وقد غادرنا منذ أمد قريب، لم تعدم الصراعات بين البلدان الأوروبية والكنيسة الكاثوليكية.

ينبغي الحديث اليوم عن التنوع، بما يفوق التطرّق إلى الصراعات. وبالفعل، في الوقت الذي تنكمش فيه أوروبا، يواصل الكرسي الرسولي طرق مسار كوني، ليس من خلال إضفاء طابع عالمي على أجهزته فحسب، ولكن بالانفتاح على مجالات عدة في العالم. وقد ترافق الدفع العالمي للبابا في القرن العشرين ليس بالانبساط الأوروبي فحسب؛ بل بانضمام العديد من الأوروبيين إلى جحافل المبشِّرين عبر العالم، دعماً لعمل الكنيسة على جميع الأصعدة، مشاركة لأفعالها وتقاسما لرؤاها. فقد عزّز الكرسي الرسولي انفتاحه، لكن الأوروبيين وجدوا أنفسهم أقل بكثير أو لا شيء في هذا السياق. فالبابا يحثّ القارة لترتقي إلى مستوى تاريخها. ويملك فرنسيس رؤية مهمة بشأن الدور والإمكانيات الأوروبية، وبشأن الحاجة إلى أوروبا في العالم أيضا. فهو يدفع باتجاه انفتاح جديد. وبالنسبة إلى البابا فرنسيس ليست الجذور شيئا مفارقا أو أمرا لاتاريخيا، "فالجذور" تعني الذاكرة. وليس بوسع أوروبا أن تعي ذاتها وهي رهينة الحاضر، أو عرضة لسلسلة من العواطف.

ثمة ضرورة ملحّة "لبناء ذاكرة"، ولقراءة التاريخ بعمق. وبهذا المعنى لا يمكن اتخاذ خيارات كبرى، وانتهاج سياسات واقعية عبر القارة، دون العودة للثقافة التاريخية. مع ذلك أدارت السياسة الأوروبية ظهرَها، خلال العقود الأخيرة، لعلاقتها بالثقافة التاريخية؛ بل بالأحرى كشفت العديد من الخيارات الحديثة عن تنصل من ذاكرتها، وهو ما ولّد سلوكات اجتماعية منافية لعمقها الإنساني. نرى ذلك في أزمة الأطراف وفي وهن التصدي للإرهاب: أناس يتملّكهم الضياع، بدون ذاكرة، ليس فحسب يرتهنون للعواطف، بل ينقادون نحو أشكال مختلفة من الراديكاليات. والأمر ذاته ينطبق على بلدان بأسرها، فهي بدون ذاكرة، وأحيانا رهينة الشعبويات التي تستصرخ الجذورَ بشكل حماسي، وتطالب بإعلاء "الجدران". ينبغي على المسيحيين أن يقفوا حائلا دون انطواء الضمير الغربي.

 

عزالدين عناية - أكاديمي مقيم بإيطاليا

 

 

شاكر فريد حسنكان قد وصلني قبل فترة وجيزة من الصديق الكاتب والباحث والناقد والاكاديمي البروفيسور سليمان جبران، البقيعي الأصل، الحيفاوي الإقامة، كتابه الاخير الموسوم "كتاب الشذرات"، الصادر عن مكتبة كل شيء في حيفا، لصاحبها الناشر صالح عباسي.

ويشتمل الكتاب، الذي جاء في 136 صفحة من الحجم الكبير، وطباعة انيقة، على كتابات ومواد متناثرة لم تظهر في أي كتاب من كتبه السابقة، منها مقدمة ضافية للشعر الفلسطيني في هذه البلاد.

وجاء تجميع هذه الكتابات وإصدارها في كتاب- كما يقول جبران- بعد أن اكتشف أنه لم يعد قادرا على الجلوس إلى مكتبه ساعات طويلة وكتابة الأبحاث الكبيرة الجادة بكل ما تقتضيه من تنقيب ومراجع وشواهد، وأنه لا يمكن أن يكون ناشطا فاعلا، كما في الماضي، وأنه بعد هذا العمر الطويل والإصدارات الادبية والفكرية، يشعر أنه قام بكل ما يجب عليّه، نحو نفسه ونحو الآخرين. خاتمًا أقواله " انتهى طور الخروج، دخلنا في طور الكمون؟ ما أوان يستحي من أوانه !".

والكتاب جميل بمواضيعه وعناوينه، غني بأفكاره ورؤاه، ماتع بلغته وثراء أسلوبه، ومشوق في طروحاته ونوادره.

ومن اللافت في كتابه دراسته المبتورة- برأيه-  حول الشعر الفلسطيني في اسرائيل ، التي تناول فيها مسيرة وتطور هذا الشعر منذ العام 1948 حتى عام النكسة 1967، ويجيب فيها عن السؤال الذي يطرح عادة إذا ما كان هذا الشعر والأدب عامة استمرارًا للأدب الفلسطيني قبل 48 أم هو بداية جديدة لا صلة لها بما سبقها..؟!، ونجده يتطرق للحياة الثقافية والأجواء السياسية التي سادت في تلك الفترة، ومعاناة المثقفين والمبدعين الفلسطينيين كل أنواع الاضطهاد والقمع، والمضايقات والملاحقات التعسفية السلطوية.

وفيها يتوقف جبران عند دور الحزب الشيوعي وصحفه في حياة جماهيرنا السياسية والثقافية والفكرية، حيث بسط نفوذه السياسي والفكري وشكلت صحافته المنبر الوحيد أمام الأدباء والمثقفين الأحرار، مشيرًا إلى أن الشيوعيين عن طريق صحافتهم وكتبهم ودعايتهم الحزبية قاموا بالعمل الدؤوب على احتضان الأقلام الأدبية الوطنية وتشجيعها على مقاومة السياسة العنصرية التي مارستها الحكومة الاسرائيلية ضد الاقلية الفلسطينية من جهة، وعلى توجيه هذه الأقلام بالنقد والنقاش إلى تناول الموضوعات الاجتماعية والطبقية، ثم يسهب في الحديث عن النشاط الثقافي للحزب الشيوعي ويتطرق لندوة الجديد، والمهرجانات الشعرية التي بدأت- كما يقول – قلقة متشابكة يعتريها التحويم في أجواء الخيال والغيبيات والمثاليات الملائكية ووصلت إلى مخاطبة مشاعرنا وامانينا، نحن أبناء الشعب المكافح من أجل حقه في الحرية والكرامة. وبعد ذلك يتطرق في دراسته إلى هجرة المثقفين اليهود من العراق ومساهمة اليساريين منهم في النتاج الأدبي في اسرائيل بشكل ملحوظ، ويشير إلى بعضهم، كشمؤيل موريه، وساسون سوميخ، ودافيد صيمح، متوقفًا مع المجموعة الشعرية " حتى يجيء الربيع " لدافيد صيمح، ويخلص إلى القول " أن شعر صيمح جيد، بمعايير تلك الفترة، صياغاته متماسكة وإيقاعاته متدفقة أخَّاذة يغلب على شعره " الكفاحي " الأيقاع التقليدي، بل يلمس القارئ في كثير منه روح الجواهري أستاذه، ويعمد في غزلياته إلى الشكل المقطوعي ايضًا. باختصار، لولا الاسم العبري للشاعر لعدَّه نقًّاد كثيرون من " شعراء المقاومة " أيضًا".

وفي مقالِ له بعنوان "هذيك الأيام" يحدثنا جبران عن مارون عبود، ويجيب عن سؤال صديقه: هل صحيح أن عبود اختار لابنه اسم " محمد"، وهو المسيحي العروبي الذي نظم قصيدة يفسر فيها تسمية ابنه باسم النبي العربي الكريم محمد، ويوردها كاملة في مقالته.

كذلك يتناول جبران في موضع آخر من الكتاب قصيدة "تنبهوا واستفيقوا أيها العرب"، وهل هي حقًا للشيخ ناصيف اليازجي؟!، موضحًا أن القصيدة هي لابنه ابراهيم اليازجي، وهي لا تختلف عن قصيدة سابقة لمارون عبود، وقد كتبت هذه القصيدة بعد ظهور الفكر العروبي، والشيخ ناصيف ابن القرن التاسع عشر، قبل أن يظهر الفكر القومي العربي، وكان حينها مشغولًا بإظهار "عبقريته" اللغوية، في كتابه المشهور " مجمع البحرين ".

ويرى سليمان جبران في مقال له عن النتاج الأدبي والموضوعية، أن النتاج الأدبي لا يمكن أن يكون موضوعيًا. بينما في مقال آخر له يرد على عتاب صديقه الذي سأله: لماذا أقلع عن كتابة النقد السياسي والاجتماعي، قائلًا: " لم أغيِّر مواقفي السياسية والاجتماعية قيد شعرة، لكني وجدت بالممارسة أن الكتابة في هذه الأيام لا تجدي، ولا يغيّر، لا في المحيط القريب حولنا ولا في البعيد.

وفي مكان آخر من الكتاب يتناول مسألة تغيُّر الموقف، مؤكدًا على ان الموقف يتغيّر بتغيّر الموقع .

وفي الكتاب الكثير من الملح والنوادر والمقتطفات الأدبية الممتعة والمدهشة، فضلًا عن كتابات شعرية له من زمن بعيد، وشروح لمصطلحات لغوية.

أهنئ الصديق الأديب الأريب بروفيسور سليمان جبران، بصدور "كتاب شذرات"، وأشكره على هديته، والحق يقال أنني استمتعت بقراءة ما جاء في الكتاب من مواضيع جادة وهادفة ومواد خفيفة، وأتمنى له الصحة والعافية ومديد العمر، وله الحياة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

علجية عيشوَبَاءُ اليوم مُخَطَّطٌ جَيِّدٌ ضِدْ كِبْرِيَاء ما بعد الإنسانية أو التّفاؤل التكنولوجي

هل كورونا أزمة العولمة؟ وكيف يمكن رؤية العالم القادم؟ يجمع مفكرون وفلاسفة غربيون أن الأزمة الصحية عادة ما تجر الحكومات إلى أزمة اقتصادية واجتماعية بل قد تخلق أزمة روحية و حضارية، وفي النهاية تصور للصورة التي تكون عليها الإنسانية، في الكوارث والأوبئة  نشعر بأننا من الأنواع البيولوجية، بل نشعر أننا على عكس جميع الأنواع البيولوجية الأخرى، في ظل  التطور الكبير لأنظمة الاتصالات، الأكثر تطوراً والأكثر هشاشة بين جميع الأفراد الذين يشكلونها

الفيلسوف بيير زاوي pierre zaoui، أستاذ في جامعة باريس (باريس7سابقًا)، في كتابه معبر الكوارث La Traversée des Catastrophes، قبل عشر سنوات شكك في هذا الكتاب في علاقة الإنسان  بالموت والحياة والمرض على نطاق أوسع،  قال أن التجارب التي نواجهها جميعًا فلسفة ثمينة في مواجهة وباء كورونا كوفيد 19، فالعيش أو الحياة من وجهة نظر هذا الفيلسوف هي أن يسقط الإنسان أسير المرض لكي يعرف معنى الحياة  ومن وجهة نظره العيش والمرض يمكن فهمه من عدة نواح، لاسيما الجانب الواقعي، فالمرء لم يتوقف أبدًا عن المرض منذ ولادت وقد يستدعي حضور الطبيب، مستشهدا بعالم  الأحياء كزافييه بيشات في نهاية القرن الثامن عشر عندما عرّف الحياة بنظرو سلبية وقال أنها  "مجموعة الوظائف التي تقاوم الموت"  العيش ليس هو أبعد ما يكون عن المرض، بل مواجهة بعضنا البعض من البداية إلى النهاية بالأمراض التي نمر بها، والتي نتغلب عليها، والتي تضعفنا في بعض الأحيان بشكل دائم والتي تقوينا في بعض الأحيان (في أولاً نظام المناعة لدينا.

من الواضح أنه طالما أن الشخص ليس ميتًا فهو لا يزال على قيد الحياة وهذا يعطي صورة لامعة نوعا ما عن ثباته أو قوته الروحية، لكن ليس الجميع أقوياء، فالحياة  بارزة وغير قابلة للخطأ بشكل واضح، ولن تحمينا التكنولوجيا أو التقدم العلمي من المعاناة والخسارة والموت، وباء اليوم كما يضيف مخطط جيد ضد كبرياء ما بعد الإنسانية أو التفاؤل التكنولوجي، في الوقت نفسه، تعلمنا الأوبئة العكس أيضًا، فنحن  كأنواع  عرضة للخطر إلى حد ما، لقد مرت البشرية، بدون أي دواء حديث، بالكثير من الأوبئة والكوليرا، وقد نجت في كل مرة (ليس من دون ضرر فظيع في بعض الأحيان ولكنها نجت)، ولذا الحياة لها قوة الربيع وقوة غير متوقعة للمقاومة والتكيف، يقول بيير زاوي : يبدو لي أن الدرس الأول عن الأوبئة، هو درس عن الفيروس التاجي مثل الآخرين، هو تعليمنا أن حياة الإنسان بالكامل هي دائمًا مزيج من مشاعر الضعف، وبدون الشعور بضعفك تفقد إنسانيتك وشعورك، من ناحية أخرى، فهي مكلفة للغاية ومثالية إذا لم تتحد مع أي شيء آخر.

و يعبر بيير زاوي عن موقفه من الرواقية، إذ يرى أن من يعجبه في الرواقي هو أنه يسلح  نفسه تمامًا ضد تقلبات الحياة، ضد ما يحدث في الوقت الحالي  وهذا يؤدي بالضرورة إلى المبالغة في حبس المرء واكتفاء نفسه بالحرية في التمثيل وحده، فإذا أردنا أن نأمل أن تتغير الأمور سياسياً أثناء هذا الوباء وبعده، وإذا أردنا أن يكون لدينا ما يكفي من القوة للعمل عندما ينتهي الاحتواء، يجب أن نقبل اليوم النزول إلى ساحة العالم وأن يعبر مثل أي شخص آخر عن العواطف المبتذلة التي يرفضها الرواقيون: الرعب قبل كل هؤلاء القتلى، والسخط والغضب من الأخطاء والأخطاء التي ارتكبت وما ارتكبت، والعاطفة التعاطف مع جميع أشكال التضامن والكرم الجديدة.

و يرى هذا الفيلسوف أن المشكلة الأخلاقية الكبرى اليوم هي مشكلة فرز المرضى في وحدات العناية المركزة، ويتساءل  كيف يمكن للأطباء الخروج منه أخلاقيا؟ حتى لو كانت لديهم معايير موضوعية كالعمر، التاريخ الطبي، وشدة المضاعفات الرئوية وما إلى ذلك، فهذه المعايير تظل غير كافية للسماح لهم باتخاذ قرار ضمير لكل حالة فردية، خاصة في حالات الطوارئ. لذلك سيحتاجون أيضًا أن يكونوا مثل الرواقيين، اي أن  يتسلحوا بأنفسهم، وهم بذلك يخاطرون بالجنون، لكن كيف تتكون الرواقية؟ يرى بيير زاوي أن الرواقية تتكون  من شيء واحد فقط هو أن تكون قادرًا على التمييز بين ما يعتمد علينا وما لا يعتمد علينا، وأن نكون قلقين تمامًا بشأن ما يعتمد منّا، لكن بدون هذه القدرة، تنهار كل الأخلاق، وستكون الفوضى، ومن ثمّ لا يمكن لمقدمي الرعاية الاستمرار في العلاج، وبائعي الضروريات الأساسية لإطعام السكان، والبحث عن الباحثين، وجامعي القمامة للتخلص من النفايات والروائح الكريهة.

 

ترجمة علجية عيش

 

1469 سكيولوجيا المثقفتنويه: هذا هو الكتاب الثالث إذ سَبَقَ أن صَدَرَ لنا كتابان: الأول تحت عنوان "البُعد النفسي في الشعر الفصيح والعامي – قراءة في الظواهر والأسباب" عن دار ابن السكيت في العراق، والثاني تحت عنوان "مدخل إلى سيكولوجية الفقر" عن دار القارئ في بيروت، وأدناه ملخَّصٌ للكتاب نشره أحد القراء على حسابه الشخصي في فيسبوك وأراه ملخصًا جميلًا ومفيدًا .

بعد مقدمة قصيرة يوضح فيها مضامين الكتاب الذي يتسم بالوضوح والإيجاز المنسجمين وروح العصر، يتناولُ المؤلفُ الاختلافات الدائرة بشأن مفهوم المثقف ومسؤولياته، فيناقشُ ما قاله عددٌ من الفلاسفة والأدباء والباحثين في هذا المجال، كـ "غرامشي، وتشومسكي في شرحهما للمصطلح" وعلي الوردي عند تفريقه بين المتعلم والمثقف، وعلي شريعتي في كتابه مسؤولية المثقف، ومحمد الأحمري تحت العنوان ذاته، وسعد محمد رحيم في كتابه "المثقف الذي يدس أنفه" ...

وينتقل لمناقشة بعض المقالات والدراسات التي أجراها المتخصصون في علم النفس التي تكشفُ أو تدَّعي انتشار اضطرابات معينة لدى عموم المثقفين كالاكتئاب والنرجسية أو تضخم الذات والانتهازية واضطرابات أخرى .

ثم يضعُ المؤلفُ تعريفًا لمصطلح "المثقف" من وجهة نظر سيكولوجية، فيقول أن المثقف وصفٌ يُطلَقُ على ثُلَّةٍ مِنَ أهل الفكر يتسمون بحيوية الضمير، ومستوى جيدٍ من والذكاء، ويملكون كمَّا من المعارف، يمكَّنُهم من تعديل أو خلق رؤية واضحة للحياة، يحاولون إيصالها لمجتمعهم بغية تطويره، أو وقايته، أو تخليصه مما يمر به من أزمات .

أي أنَّ صفة "المثقف" لا  تطلق على المتعلمين الذين ينظرون إلى الظواهر المختلفة على نحو ما ينظرُ البسطاء من الناس إليها، ولا تطلق على المفكرين المعتكفين على البحث فقط، أو المهتمين بأنفسهم دون مجتمعهم، كما أنها لا تطلق بالضرورة على الناشطين المدنيين، فقد يكون أكثرهم طلاب شهرة ومجد ومكانة، أو أنهم يفتقدون إلى الرؤية السديدة، ولا على الشعراء والأدباء الذين ليس لديهم اهتمام بمجتمعهم، فضلاً عن كون المثقف ليس بالضرورة أن يكون من حملة الشهادات العليا، بل قد يكون متواضعاً فـي تحصيله الدراسـي . أي أن المثقف قد يكون شاعرا أو أديبا أو عالما، أو  لا يكون، المهم أن تكون له مشاركات اجتماعية نافعة، ورؤية إصلاحية، وفقاً لهذا فإن المثقف من تتوافر فيه السمات التالية:

- مستوى جيدٌ من الذكاء يسهم إسهاماً فعّالاً فـي مدى دقة الفرد فـي دراسة واقعه الاجتماعـي، وما يمر به محيطه من أزمات، وابتكار أفضل السبل للسير به نحو طريق النجاة .

- كمٌّ من المعارفٌ تُمَثِّلُ وعاءً من البيانات يتحرك عقل الفرد وفقها، ليحولها من صيغتها الجامدة إلى مرنة يوظفها لتحقيق رؤيته وأهدافه.

- حيوية فـي الضمير تُحركه لخدمة مجتمعه وتجعله مستعداً للتضحية من أجله.

- اتزان نسبـي على مستوى الانفعالات، فلا يكون شخصاً ساذجاً أو متسرعاً أو متقلب المزاج .

- ذكاءٌ اجتماعـي يجعله يحسن التعامل مع أفراد مجتمعه، ويجذبهم إليه، ويقنعهم برؤيته .

على أن هذه السمات نسبية لا مطلقة، فهم ليسوا أناسًا مثاليين أو ملائكيين، إنما نقصد أنهم أكثر ذكاءً وعلماً واتزاناً بالنسبة للآخرين فـي محيطهم الاجتماعـي كما أنهم ليسوا على درجة واحدة باتسامهم بتلك الصفات .

يرى المؤلفُ أن المثقفين صنفٌ من المبدعين، وبالتالي فإن لهم دوافع الإبداعِ نفسها، فقد يكون الشعور بالنقص وفقا لآدلر، أو الرغبة في تحقيق الذات وفقا للنظرية الإنسانية، أو التسامي والإعلاء وفقا لفرويد ... هو الذي دفع ببعض الأفراد لأن يكونوا مثقفين .

يمر المثقفُ بمراحل نمو ثلاثة، المرحلة الأولى هي مرحلة الدافع وهي مرحلة مبكرة يندفع فيها الفرد بدوافع معينة نحو مطالعة الكتب ومتابعة أخبار المثقفين ومحاولة تقليدهم حتى في طريقة مسكهم السيجارة والتقاط الصور، ظنًا منه بأن ذلك يصنع منه مثقفًا، ويمكن أن نطلق على الأفراد في هذه المرحلة "أشباه مثقفين" ويبقى فيها عددٌ كبيرٌ من الأفراد، إذ يمضون أعمارهم ولا يصلون إلى المرحلة التالية لأسباب كثيرة تتعلق بمستوى الذكاء وسمات الشخصية وقوة الدافع . ومشكلة أهم تتعلق بالدور، إذ أن غالبية الأفراد الذين يملكون "دافع الثقافة" لا يتوحدون مع الدور الملصق بهم، لأسباب عديدة منها أنهم يملكون أدواراً تتعارض مع دور "المثقف"، أو أنهم يملكون دوافع نحو تحقيق أهداف، أو أخذ أدوار لا تتوافق مع دور "المثقف" ، أي أن علاقة الفرد بدوره "كمثقف" أشبه بعلاقة زوجين جمعتهما الضرورة أو المصلحة لأن يعيشا تحت سقف واحد، وأن يستمرا كذلك حتى لو كان الخصام بينهما علة مزمنة، والصراع بينهما افتتاحية الصباح وختام المساء .

أما المرحلة الثانية "المثقف" فإن الفرد يصلها بعد أن تُصبِحَ العلاقةُ بينه وبين دوره كمثقف كالعربة والحصان متصلين ويسيران باتجاه واحد حتى تصل العلاقة بينهما مثل حبيبين أو عاشقين يتم أحدهما الآخر، أي: يتماهى المثقف ويتوحد مع دوره، وتنسجم أهدافه الخاصة وأحلامه مع الدور، و"يعيش الدور بكل جوارحه" بما يضفيه الكُتَّابُ والمجتمعُ على هذا الدور من سمات كالذكاء وحيوية الضمير وغيرهما، ويتوقفُ هذا التوحد مع الدور على مدى التعزيز الذي يحصل عليه الفرد من الذات أو الأسرة أو المجتمع لقاء السلوكيات الأولية للثقافة التـي كان يقوم بها في المرحلة الأولى كالاهتمام بالمجتمع وقراءة الكتب، لأن "السلوك فـي حقيقته ينتظم بنتائجه، فالاستجابات التـي تقترن بعقوبات أو عدم مكافئة تميل إلى أن يتخلص الفردُ منها، فيما تميلُ الاستجابات التي تؤدي إلى إثابات أو مكافئات إلى أن يستبقيها الفرد"

مع وصول الأفراد إلى هذه المرحلة التـي تتسم بدرجة جيدة من الوعـي، والشعور بالمسؤولية، تبدأ الضغوط النفسية بالازدياد، فإن تعامل معها بالشكل الأمثل، وواجهها استمر في مسيرته، وإلا فإنه سيبلغ المرحلة الثالثة (المثقف المريض)، إذ يصل كثيرٌ من المثقفين إلى هذه المرحلة، فيظهر على الواحد منهم اضطراب ٌ أو أكثر بحسب عوامل عديدة .

فقد يصاب المثقف بالإحباط الشديد، أو الاكتئاب، أو النرجسية والانتهازية، أو قد تنشأ أو تنشط لديه بعض العقد النفسية التي استطاع من قبل تقليل تأثيرها، ويتناول المؤلف كلَّ اضطراب منها على حدة، ويشرح أسبابه، لكنها إجمالًا وبإيجاز تعود إلى الأسباب التالية:

- الهَوَّةُ الواسعةُ بين الهدف الذي وضعه المثقف، وبين واقع مجتمعه، وأساليبه والدعم المقدم له .

- تَعَجُّل المثقف واندفاعه فـي تحقيق أهدافه، وعدم وضعه سُلَّمًا زمنيا صحيحاً يعتمدُ على معطيات الواقع .

- حين يقف المثقف على دكة بعيدة ليرى كيف أصبحت نتائج أعماله فـي المسرح الواقعـي، يجدُ أنه يبنـي، وهناك العشـرات يسيرون خلفه ليهدموا ما بناه بجهد مضنـي، فيعيش ما عاشه الشاعر "بشار بن برد" ساعةَ كتب بيته الشهير:

متى يبلغُ البنيانُ يوماً تمامه      إذا كنت تبنيه وغيرُك يهدمُ

 

- شدة العائق الذي يحول بين المثقف وهدفه، المتمثل بالسلطات الثلاث: السياسية التي تملك المال والسلطة، والدينية مالكة النفوس، وسلطة الأعراف والتقاليد .

- وجود فكرة أزلية تربط بين الوعـي والحزن، وهذا ما جعل بعض المثقفين يتصنعون الحزن ويحاولـــون اكتسابه لأنهم يشعرون بأنه جزء مهمٌ من شخصيتهم، ولا يُعَدُّ مثقفاً من لا يعيش حزيناً، فيبقى يخلقه ويحاول الإحساس به، حتى يحدث فعلاً، فقد يكون الحزن (مرضًا يأتي بعد تمارض)، وباستطاعتنا ملاحظة ذلك منذ المرحلة الأولى لنمو المثقف .

- حيوية الضمير التـي تجعل من المثقف يحزن لرؤية واقع المجتمع، ويُحبَط لوجود عوائق تمنعه من النهوض به .

- بسبب شيوع الفكرة التـي تقرن بين الثقافة والحزن، واعتبار المثقفين الحزنَ جزءاً من شخصيتهم، أصبح المثقفُ الجديد مضطراً إلى مشاركتهم تلك المشاعر كـي يعدَّ من المثقفين حقاً، ولا يكون مغترباً عن هذه الطبقة .

وأسباب أخرى كثيرة يناقشها الكتاب بشكل مفصل، وينتقل بعدها ليتناول طبيعة العلاقة المضطربة بين المثقف ورجل الدين والتي من بين أسبابها نرجسية الطرفين والنظرة السلبية المسبقة التي يحملها كل منهما تجاه الآخر . ومدى تأثيرها على الطرفين، وعلى المجتمع، ويختتم المؤلف كتابه بتوصيات يمكن عدها وصفة وقائية وعلاجية لعموم المثقفين الذين أرهقتهم الحياة، ويرغبون بالمحافظة على اتزانهم النفسي من أجل الاستمرار بتحقيق أهدافهم وخدمة مجتمعهم .

وتجدرُ الإشارةُ إلى أن المؤلف اعتمد على مصادر عدة لأجل إتمام هذا المجهود العلمي تمثلت بالمقالات والأبحاث التي نشـرها المتخصصون في علم النفس والمتضمنة تحليلات نفسية مختصـرة أو جزئية لشخصية المثقف، فضلاً عن متابعته حسابات المثقفين فـي منصات التواصل الاجتماعـي وتجمعاتهم الافتراضية التـي تمثل وسيلة لإسقاط ما تحتويه النفس من مكنونات، واستفادته من العلاقة الشخصية التـي تربطه بعدد من المثقفين، والتـي جعلته يطلع عن قرب على حياتهم.

 

عنوان الكتاب: سيكولوجية المثقف

المؤلف: وعد عباس

سنة الطبع: 2020

عدد الصفحات: 150

 

 

الطيب النقرلعل ذلك الكتاب الجزيل المباحث، والجم الفوائد، الذي ألفه عن علم وفصّله عن إدراك، الدكتور النابه محمد غنيمي هلال الذي بسط فيه علم الأدب المقارن بسطاً وافيا،ً وتوسع في بيانه توسعاً شاملاً، قد أرسى الدعائم التي نهض بها ذلك الضرب من العلوم في عالمنا العربي، ففي سفره المسهب الشرح، والمشبع الفصول، مدد لا ينقطع من المعلومات، ومنبع لا ينضب من المعرفة، رغم أن مؤلفه سدد الله خلته، ووسد ضريحه الجنة قد تحيز لحزب، وتعصب لمذهب، فالدكتور هلال اقتصرت مادة كتابه الذائع الصيت على المدرسة الفرنسية الذي سار في حواشيها المترعة بالجمال ونهل من السوربون جامعتها المتوهجة بالفكر والمزدانة بالعلوم، ولم يتعداها إلى المدرسة الأمريكية، والحقيقة التي يتحتم علينا بسطها هنا أن الكتاب الذي خطه يراع الدكتور هلال كتاب يبهر العيون، ويخلب الأفئدة، وأن الكتب التي أتت من بعده اقتبست من خلاله، واقتدت بخصاله، فغنيمي نموذج احتذاه اللاحقون، وحري بي قبل أن أدلف إلى تلك الدوحة الوارفة الظلال أن أتي بنبذة عن صاحبها رائد الأدب الطريف، وسيده الغطريف الدكتور محمد غنيمي هلال. ولد الدكتور محمد غنيمي هلال في قرية سلامنت من أعمال مركز بلبيس بمحافظة الشرقية، في الثامن عشر من مارس سنة 1916م، وتلقي تعليمه الابتدائي والثانوي في المعهد الديني التابع للأزهر الشريف بمدينة الزقازيق، وفي سنة 1937م التحق بدار العلوم وتخرج فيها سنة 1941م، وكان أصغر الخريجين سناً إذ لم تزد سنه يومئذٍ على الخامسة والعشرين، وعمل بعد تخرجه مباشرة معلماً للغة العربية لمدة أربع سنوات، وفي ديسمبر سنة 1945 سافر إلى فرنسا في أول بعثة مصرية إلى أوربا بعد الحرب الثانية،، ومكث في باريس سبع سنوات من عمره القصير حصل في غضونها من جامعة السوربون على درجة الليسانس في الآداب، ثم على درجة الدكتوراة الدولة سنة 1952م في مادة جديدة على الجامعة المصرية هي الأدب المقارن، وفي مايو سنة 1952م عاد إلى مصر حيث عمل محاضراً ثم أستاذاً مساعداً للأدب المقارن والنقد الأدبي بكلية دار العلوم، وظل يؤدي رسالته العلمية في الكلية حتى سنة 1961م حيث انتدب في أثناء عمله بكلية دار العلوم للتدريس بالجامعة الأمريكية قسم اللغات الشرقية وفي سنة 1963 نقل إلى كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر أستاذاً ورئيساً لقسم الدراسات العربية، وفي عام 1966م أُعير لكلية الآداب بجامعة الخرطوم، وظل يعمل بها حتى داهمه المرض في أواخر عام 1967م، فلازم الفراش حوالى ثلاثة أشهر عاد بعدها للقاهرة في مارس عام 1968م، ولما لم يتحقق شفاؤه في القاهرة قررت وزارة التعليم العالي علاجه على نفقة الدولة، في الخارج ولكن علقته أوهاق المنية قبل أن يتحقق ذلك، ومضى إلى ربه في 26 يوليو 1968م مخلفاً ثروة فكرية ضخمة من الكتب المطبوعة والمخطوطة. والحقيقة التي لا يغالي فيها أحد، أن كتاب الأدب المقارن للدكتور هلال قد استوعب أصول هذا العلم، وأحاط بفروعه، لأن ناظمه لا يطيش له سهم، ولا يسقط له فهم، في ذلك المجال الذي كان قوياً فيه بالطبع، وأحكم صنعته بالدراسة، فإننا على ضوء ذلك نستطيع أن نقرر باطمئنان رغم أنه قد مضت عدة عقود من تأليفه لتلك الدوحةالفينانة، أنه لايزال أهم الكتب في مجال الدراسات الأدبية المقارنة النظرية في العالم العربي عموماً، لأن مادة الدكتور هلال تختلف عن بقية المواد التي أخرجتها لنا تلك العقول التي اعتمدت على رصيدها الثقافي العام، وعلى هذا فهو أعمق الكتب تأثيراً في مسار الدراسات النظرية في حقل الأدب المقارن على الإطلاق، وكل الكتب التي عرضت بعده للنظرية الفرنسية اعتمدت عليه بصورة أساسية، وبعضها الآخر كان ينمي بعض أفكاره ومداخله، بعضها الثالث لم يكن أكثر من مجرد تخليص له أو لبعض ما جاء فيه مع تحويرات كثيرة أو قليلة فى الترتيب أو الصياغة. فلقد كانت فكرة الكتاب واضحة جلية في ذهن المؤلف الذي لم يجد عنتاً ولا مشقة في بسطها وتدعيمها بالأدلة والبراهين التي تؤكد صحة ما ذهب إليه، الأمر الذي هيأ للقارئ أن يلتقط أفكاره في يسر، ويتداولها دون تعقيد، والكتاب في كنهه ومحتواه لوحة موشاة تضج ألقاً وبهاءً، تجد بين ثنياها أثراً يلهمك، أو فصلاً يكلمك، لوحة جلى لنا غامضها، وقرر قواعدها، وكشف لنا عن مفاتنها، أستاذ كانت حياته مسرحاً تركض فيه المصائب، ومرتعاً تتسابق إليه النكبات، أستاذ له أيادٍ سابغات على كل من جمعته علائق ود شفيف بالأدب، وهوى عنيف بالنقد، أستاذ وضع المنهج الدقيق الذي يجب أن يسلكه كل من أراد أن يمضي في طريق عبّده بجهوده المضنية، وذلله بذهنه الثاقب، ذهن يبحث، ويتقصى، وينقب، في مواطن التلاقي بين الآداب في لغاتها المختلفة، وصلاتها الكثيرة المعقدة، وفي حاضرها أو في ماضيها، وما لهذه الصلات التاريخية من تأثير أو تأثر، أياً كانت مظاهر ذلك التأثير أو التأثر.

قد حوى الأدب المقارن العديد من الحقائق على شاكلة أن قوام الأدب المقارن ونظامه هو الموضوعات والصلات الفنية التي تربط بين آداب الشعوب، وبرهن الدكتور أن الحدود الفاصلة بين تلك الآداب هي اللغات، فالكاتب أو الشاعر إذا كتب كلاهما بالعربية عددنا أدبه عربياً مهما كان جنسه البشري الذي انحدر منه، فلغات الآداب هي ما يعتد به الأدب المقارن في دراسة التأثير والتأثر المتبادلين بينها، وأن الجدوى من الأدب المقارن هو الكشف عن مصادر التيارات الفنية والفكرية للأدب القومي، وكل أدب قومي يلتقي حتماً في عصور نهضاته بالآداب العالمية، ويتعاون معها في توجيه الوعي الإنساني أو القومي، ويكمل وينهض بهذا الالتقاء. وذهب الدكتور إلى أن مناهج الأدب المقارن ومجالات بحثه مستقلة عن مناهج الأدب والنقد، لأنه يستلزم ثقافة خاصة بها يستطاع التعمق في مواطن تلاقي الآداب العالمية، وأكد أن أهمية الأدب المقارن لا تقف أهميته عند حدود دراسة التيارات الفكرية والأجناس الأدبية، والقضايا الإنسانية في الفن، بل لأنه يكشف عن جوانب تأثر الكتاب في الأدب القومي بالآداب العالمية، وما أغزر جوانب هذا التأثر، وما أعمق معناها، لدى كبار الكتاب في كل دولة، ونبه إلى أن ميدان الأدب المقارن لا يقتصر على دراسة الاستعارات الصريحة، وانتقال الأفكار والموضوعات والنماذج الأدبية للأشخاص من أدب إلى آخر، بل يشمل أيضاً دراسة نوع التأثير الذي اصطبغ به الكاتب في لغته التي يكتب بها بعد أن استفاد من آداب أخرى، وفند الدكتور هلال في سفره القيِّم أن تأثر كاتب ما في دولة ما بكاتب آخر في دولة أخرى دلالة على ضعف غميزته، وهشاشة حشاشته، ذاكراً أنه لن يضير كاتباً مهما بلغ شأوه وعبقريته، ومهما سما في كتاباته من أن يتأثر بانتاج الآخرين، فلكل فكرة ذات قيمة في العالم المتمدن جذورها في تاريخ الفكر الإنساني الذي هو ميراث الناس عامة، وتراث ذوي المواهب منهم بصفة خاصة. يقول بول فاليري في كتابه choses vues »أدعى إلى إبراز أصالة الكاتب وشخصيته من أن يتغذى بآراء الأخرين، فما الليث إلا عدة خراف مهضومة«. وعلى ضوء ذلك نستطيع أن نؤكد بيقين لا يخالطه ريب، أو ينازعه شك، أن الأدب المقارن لا يقتصر دوره على عرض الحقائق، بل يشرحها شرحاً مدعماً بالبراهين والنصوص من الآداب التي يدرسها. والأدب المقارن يتناول الصلات العامة بين الآداب، ولكن لا غنى له من النفوذ إلى جوانب كل أدب ليتبين فيها ما هو قومي وما هو دخيل، وليبين جدوى اللقاح الأجنبي في إخصاب الأدب القومي وتكثير ثمراته. إذن الأدب المقارن يرسم سير الآداب في علاقاتها بعضها ببعض، ويشرح خطة ذلك السير، ويعضد من إذكاء الحيوية بينها، ويهدي إلى تفاهم الشعوب وتقاربها في تراثها الفكري، كما أنه يساعد الآداب القومية في الخروج على عزلتها. ونجد أن كتاب الدكتور محمد غنيمي هلال »في الأدب المقارن« يتألف في محتواه من محورين أساسيين، هما تاريخ الأدب المقارن، وميادين البحث فيه، ويحتوي كل اطار أو محور على عدة مباحث فرعية، حيث يشمل المحور الأول محورين فرعيين: أولهما مفهوم الأدب المقارن الذي تبلور واستقرَّ له عبر رحلته التاريخية في أوربا، والثاني عدة الباحث في الأدب المقارن.

أما المحور العام الثاني فقد اشتمل على محور اضافي هو مناهج البحث في كل ميدان من ميادين البحث في الأدب المقارن. وجدير بالذكر أن المحور الثاني قد استحوذ على القدر الأكبر من اهتمام المؤلف وصفحات الكتاب، حيث احتل هذا المحور في جميع طبعات الكتاب ما يزيد على ثلاثة أرباع صفحات الكتاب، ونجد أن المؤلف وسد الله ضريحه الجنة قد أوفى الحديث عن عالمية الأدب وعواملها، واستفاض في الأجناس الأدبية وتحدث بإسهاب عن المواقف الأدبية والنماذج البشرية، وأتى بالأمثلة والشواهد على تأثير الكُتاب في أدب ما على الآداب الأخرى، كما أنه درس المصادر، وأماط اللثام عن الآداب القومية للبلاد والشعوب الأخرى، لينهي سفره الذي لا غنى عنه لدراس الأدب بخاتمة عن الأدب المقارن والأدب العام، مؤكداً أن كل أدب لا يستطيع أن يعيش بمعزل عما سواه من الأدب دون أن يصيبه الوهن والذبول، ومن أن أجمل نواحي الأدب القومي قد تعتمد في مصدرها على لقاح أجنبي يساعد على ازدهار تلك النواحي في الأدب القومي، هذا إلى أن من فروع الأدب المقارن ما يساعد على فهم الأمة لنفسها، برؤيتها صورتها في آداب غيرها، وتلك دروس وعظات بالغات في تربية الشعب، وتبوئه مكانته بين الشعوب الأخرى.

الدكتور محمد غنيمي هلال الذي استفاض ذكره على الألسنة، قبل أن تهصره يد الردى، وتطويه الغبراء، سطر مدونات تلاقفتها الأيدي، والتهمتها العيون، وأصغت إليها الأفئدة، لأنها ترفع عن العقل آصار الجاهلية، وتدخل على النفس قبساً من نور المعرفة، وتلقي في روع قارئها أن الإنسان لا يستطيع أن يشيح بوجهه عن آداب العالم، ولا يصم أذنيه عن دويها الذي تصطك منه الأسماع، فمن بلادة الحس، وخمود العاطفة، أن ينزوي كل شعب على ذاته، ويتقوقع كل أدب على نفسه، وحينها تغشى الأرض غيوم الجهل الداكنة، ويهيم في أصقاعها بوار العصبية والسخيمة الذي يلفظ كل خير، ويجلب كل شر.

 

الطيب النقر

 

بتول الربيعيبهاء الدين الوردي هو طبيب عراقي، قبل أن يكون عارفًا بالسومريّات، ورسّام، وشاعر، وُلِدَ في عام 1931م، في مدينة الكاظميّة، ببغداد، وهاجر إلى المغرب في مُقتبل عمره مع ابن عمّه عالم الاجتماع الكبير علي الوردي، واستحبَّ المكوث فيها، وتعرّف ثقافات شعبها، وخالطهم وعايشهم(1).

له مُصنّف لم يُكتَب له  الذيوع والشهرة ــ على أهمّيته وأُسلوب تحليله الشائق ــ، اسمه: (حول رموز القرآن الكريم)، طُبــِعَ جزؤه الأوّل في عام 1983م، في الدار البيضاء، وطُبــِعَ جزؤه الثاني في مراكش في عام 1990م، وطُبــِعَ جزؤه الثالث عام 1996م مع قاموس أصل اللُّغات (سومرية وأكدية وعربية)، وربَّما يعود سبب قلّة اشتهاره إلى أنَّ انتشار المطبوع المغربي كان بطيئـًا نسبيًّا في المشرق العربيّ.

ويبدو من غلاف الكتاب الـمُزيّن بالنقوش السومريّة، والرسوم الفرعونيّة، أنَّ صاحبه مولعٌ بفن الرسم، وقد قدَّمَ عبد الحقّ فاضل لكتاب الوردي بمقدّمة تكشف النقاب عن منهجه التحليليّ، وتصوُّراته في تشكيل أُصول الألفاظ القرآنيّة، ورموزها، ويغلب على أُسلوب الكاتب في تحليلاته طابع الـمُغامرة، وكسر المعهود من تقنيّات التأثيل التي كان ينهجها عبد الحقّ.

وأمّا الذي شجَّعَ الوردي على الخوض في غمار التأثيل؛ فزميله الصيدليّ الفرنسيّ رينو Raynau) الذي كان قد أعلن إسلامه، وتسمّى باسم (سمير عبد الله)؛ إذ كان الوردي مولعًا بالمسماريّات، مع اعتقاده، كبعض الباحثين الأوربيين، أنَّ اللُّغة (الشومريّة) هي أُمُّ اللُّغات؛ لأنــَّهم وجدوا فيها ألفاظًا، ومقاطع، تشبه لغات أُخَر، ولـمَّا كانت (الشومريّة) أقدم اللُّغات تدوينًا؛ افترضوا أنــَّها أقدم اللُّغات وُجُودًا، وكان (رينو) ما يفتأ يتحدّث عن البابليّة والآشوريّة طورًا، وعن (الشومريّة) طورًا(2). وأمّا كتابه فيشتمل ــ إلى جانب المعلومات التاريخيّة للحضارات القديمّة ــ على صور متنوعة لأنواع الآلهة، والرموز الـمُقدّسة، والنقوش المسماريّة، وما أشبه ذلك مِمّا جاء مُنسجمًا وتحليلاته، وفرضياتِهِ؛ وُمُساوِقًا لها؛ لأجل التوثيق.

وقد قَدَّمَ له عبد الحقّ فاضل بمقدِّمة غنيّة تفصح عن منهجه التأثيلي، قال فيها: «في الكتاب معلومات استطراديّة لُغويّة قديمّة، وتاريخيّة عن الشعوب، والآلهة، والديانات، والأساطير، مُستقاة من مراجع مُعتبرة، لكنَّ الدكتور الوردي لا يتقيّد بآراء مُؤلفيها، وإنــَّما يستنتج أحيانــًا، غير ما يستنتجه سواه، غير أنَّ هذا الاستقلال في الرأي ليس واضحًا دائمًا، فبعض كلامه غير المنسوب إلى أحد، لا نميِّز منه بين ما هو منقول، أو مُقتبس، وما هو من اكتشاف الـمُؤلِّف نفسه، أو استنباطه»(3).

وهذا الأمر كان ينبغي لعبد الحقّ أن يسوقه لنفسه؛ إذ إنَّ مؤلفاته التأثيليّة تفيض بأكثر ممَّا قاله عن الوردي، فلا مصادر، ولا هوامش، ولم يُبيِّن حتــَّى ما كان من استنتاجه هو أو من آراء الآخرين.

ثــُمَّ أردف قائلا «وأنا  ــ شخصيًّا ــ  لا أتفق مع الـمُؤلِّف في بعض آرائه، فأنا ــ مثلاً ــ  لا أبحث عن أصل الكلمة اللُّغويّة، بتجزئتها إلى مقاطع لأبحث عن معنى كُلّ مقطع منها في المراجع المسماريّة، إذا استطعت أن أجد أثل الكلمة كاملة، غير مُجزّأة، فالمؤلِّف يرى  ــ مثلاً ــ  أنَّ كلمة (سماء) مؤلَّفة من (س) و(ماء)، أي: (ضوء + ماء) في اللُّغة الشومريّة الأكاديّة، ومن ثــَمَّ ظهر فعل (سما يسمو)، بينما أنَّ (السماء) هي التي نشأت من الفعل (سما يسمو)، بمعنى ارتفع... وهذا أثله (شما يشمو)، بنفس الوزن والمعنى. وهذا أثله (شم يشم) بنفس المعنى أيضًا، وبمعنى استنشق الرائحة»(4).

وينتهي عبد الحقّ من مُقدمته إلى أنَّ استعراض خلافِهِ مع الوردي قد استوفاه في كتابه (مُغامرات لغويّة)، وكتابه (تأريخهم من لُغتهم)، لكنّ ذلك لا يمنع من تقدير عمل الوردي، أو الإعجاب بما توصّل إليه من نتائج(5).

وهذا عرضٌ مُختزل لبعض تصوُّرات الوردي التي أورد فيها تحليلاته الـمُعتمِدة صنوفَ المعارف الـمُختلفة، كالأنثروبولوجي علم الإنسان (Anthropology)، والإيتيمولوجي علم التأثيل Etymology)، والثيولوجي علم اللاهوت Theology)، والميثولوجي علم الأساطير Metheology)، وما آلت إليه استنتاجاته لتفسير بعض ألفاظ القرآن الكريم، وتعبيراته، ورموزه الدينيّة، والتعبُديّة.

1)  أسماء الله الحسنى

يذهب الوردي إلى أنَّ أسماء الله الحسنى باللُّغة العربية مشتقَّة من أسماء الآلهة التي كان يعبدها القدماء كالسومريين والأكديين والفراعنة وقد جمع الله كُلّ خصائص الآلهة القديمّة في ذاته القدسيّة وأصبحت في القرآن الكريم أسماءً حسنى(6).

فهو يرى أنَّ جبّار (GBAR) أصله الإله الثور، والبديع (BADIU) الإله حيّا، إله المياه والعذوبة، وربَّما يعني البادئ الأوّل، والملك (MALIKU) إله جهنّم، والمؤمن (UMUN يعني السيّد المعظّم(7).

وقد خَصَّ المؤلِّف اسم الرحمن بدراسة كاملة، فهو لا يعني عنده الرحمة، بل القوة؛ لأنَّ أصل (الرحمن) (RAMAN) إله المطر، والرعد، والصاعقة والأمطار والفيضانات (عند السومريين)، وعند الكنعانيين يُعرف باسم (ريمون)، وهذا الأخير كان معروفًا عند العرب قبل الاسلام، ويرى الوردي أنَّ رامون، وريمون، ورامان، هو (الرحمن) نفسه؛ لأنَّ بعض اللُّغات ليس في أبجدياتها الحاء، وورد ذكره عند البابليين: رحامون، ورحامن(8).

وكذلك ورد اسم الرحمن في النصوص الأكديّة باسم الإله مارتو* المعروف بإله البادية السومرية ويُدعَى كذلك رمانّو، أي: (الرحمن)(9).

ورمون هو إله الخصب عند الآراميين وكان للإله رمون معبد في دمشق في أيام نعمان السرياني قائد جيش ملك آرام(10).

وذكر الوردي أنَّ اسم الرحمن قد وَرَدَ في القرآن الكريم (57) مرَّةً، كُلّها في مدلول القوّة، وورد الرحيم (115) مرّةً، كُلّها في مدلول الرأفة والحنان. وإنَّ البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) تجمع صفتين من صفات الله تعالى، هما: الرحمة والقوّة(11).

وعن ابي العبّاس المبرّد (ت 286هـ) أنَّ (الرحمن) في قوله تعالى: {ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} (الفاتحة: 2)، عبريّ، و(الرحيم) عربيّ(12). بيد أنَّ هذا الرأي لا يستند إلى دليل علمي.

وذكر ابن سيده (ت458هـ) أنَّ «الرَّحْمنُ أبلغُ من الرَّحِيم بِدلالَة أنـَّه لا يُوصف بِهِ إِلا الله تَعَالَى ذكره، وذكر الرَّحِيم بعده لتخصيص الـمُسلمين بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا}» (الأحزاب: 43)(13).

وفي شرح العقيدة الواسطيّة لابن عثيمين «(الرحمن)، فهو ذو الرحمة الواسعة؛ لأنَّ (فعلان) في اللُّغة العربية تدلُّ على السعة والامتلاء، كما يُقال: رجل غضبان: إذا امتلأ غضباً. (الرحيم): اسم يدلُّ على الفعل؛ لأنــَّه فعيل بمعنى فاعل فهو دالٌّ على الفعل. فيجتمع من (الرحمن الرحيم): أنَّ رحمة الله واسعة وأنــَّها واصلة إلى الخلق. وهذا هو ما أومأ إليه بعضهم بقوله: الرحمن رحمة عامّة والرحيم رحمة خاصّة بالمؤمنين»(14).

وقد بيَّنَ مصطفى جواد الفرق بين الرحمن والرحيم؛ إذ إنَّ فعلان من الأوزان العربية والألف والنون للنسبة، فالرحمن معناه ذو الرحمة، والرحيم معناه الموصل رحمته إلى عباده، فالرحمن صفة من الفعل حين كان لازمًا لفظًا ومعنى، والرحيم صفة منه حين تعدَّى لفظًا لا معنًى، وهو يرى أنَّ RIMENU أجدر أن يؤخذ من (رئم)؛ لأنَّ الحاء قد نشأت عن الهمزة(15).

ودليل ذلك قول الجوهري «رَئِمَتِ الناقةُ ولدَها رِئـْماناً، إذا أحبَّتْهُ. ويقال للبوّ والولد: رَأْمٌ. والناقةُ رَءُومٌ ورائمَةٌ. وأرْأَمْنا الناقة: عطفناها على الرأم»(16).

وذكر خالد إسماعيل علي أنَّ الرحمن مشتقّ من الجذر (ر ح م) وهو ساميٌّ عام بمعنى الشفقة والمحبّة والرحم(17).

وتوسَّعَ الوردي في مدلول القوة، والخُلاصة التي توصل إليها أنَّ (الرحمن) اسم إله عبدته البشريّة، وصوّرته إلهًا بذاته، وهو إله البرق، والرعد، والعاصفة، والصاعقة، والخصب، والمطر، والحديد الـمُنزَّل، وذلك كُلّه من معنى القوّة، والتمكُّن، والجبروت، جمعها تعالى في ذاته، فأصبح (الرحمن) من أسمائه الحسنى(18).

بيد أنَّ الوردي لم يلتزم قواعد أساسية في تأثيل أسماء الله الحسنى وخالف منهجه التأثيلي في تقطيع الكلمات، واعتمد ما وَرَدَ فقط من أسماء الآلهة في كتب الديانات والأساطير في اللُّغة السومريّة، واللُّغة الأكديّة، واللُّغة الفرعونيّة؛ إذ إنــَّه عامل تلك الأسماء على أنــَّها أسماء منقولة لا جذر لها.

2)  الحروف المقطّعة في القرآن الكريم:

عِلْمُ الحروف علمٌ قديم، تمرَّس فيه الـمُتقدّمُون من أهل الصنعة، وأورد الوردي جدولاً بمعاني تلك الحروف، ثــُمَّ قال: «ولا نريد أن نسلك الطريق الشائك وندرس علم الحروف، وأثره في الطلسمات والتعاويذ؛ ولذا فقد اطّلعنا على ما قاله الأقدمُون، وما قاله الـمُسلِمُون الأوائل في تفسيراتهم، فلم نجد ما يُشبع رغبتنا في التحقيق والاستنباط، فلجأنا إلى بداية البداية، والتجأنا إلى أوّل المعاني للحروف، وهي المقاطع المسماريّة السومريّة الأكاديّة؛ لأنــَّه باعتقادنا هي التي منها تولّدت اللُّغات، وتشعّبَتْ، ومن بابل تبلبلت الألسن»(19).

وبالعودة إلى مجموعة النظائر التي ذكرتها الأسفار الأُولى، ودراسات الـمُستشرقين، وكتب التفسير المشهورة؛ أقرَّ الباحث باقتراب أهل التفسير مِمّا توصّل إليه هو، فإنَّ هذه المذكورات ليست مُجرَّد حروف صُمٍّ، بل رموز لها معانٍ، فـ(الم): تعني: هاكم الكلمات الإلهيّة(20).

أمّا (طه): فيرى الوردي أنَّ معناه حبيب الله: (طا: حبيب + ها: إله)، ويرى الوردي أنَّ معنى (طه): (يا رجل) الوارد في تفسيرات الـمُتقدِّمين، قريب جدًّا من تفسيره: (حبيب الله)، (طا) = صاحب، رفيق، حبيب + (ها) = إله (21)؛ إذ قال: «وهذا الاسم، أو ما يُشابهه، كان معروفًا عند أهل الكتاب، أو عند بعضهم، فقد ورد عند السامريين، أنــَّهم كانوا ينتظرون مسيحًا اسمه (طاهاب) إذ كان ظهوره عندهم مُرتقبًا، وعند الهنود الحُمْر هناك إله اسمه: (طاهابو)... ومعناه عندهم: أبونا»(22). بيد أنَّ معظم المفسِّرين لم يقطعوا بمعاني هذه الرموز، فقال القرطبي: «اختلف أهل التأويل في الحروف التي أوائل السور، فقال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدّثين: هي سرّ الله في القرآن، ولله في كُلّ كتاب من كتبه سرّ، فهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه ولا نحبّ أن نتكلّم فيها، ولكن نؤمن بها، وتُقرَأ كما جاءت ورُويَ هذا القول عن أبي بكر الصدّيق وعن علي بن أبي طالب G»(23).

لذا تبقى أغلب التحليلات في هذا الباب افتراضيّة تعتمد التكهُّن والاجتهاد الشخصي، ولم يضف الوردي جديدًا إلى ما ذكره المفسّرون في هذا الباب. وهذه صورة من جدول الـمُقطعات التي أوردها الباحث بالعربيّة في كتابه، لمعاني الرُموز التعبديّة، ومعانيها، باللُّغة السومريّة (24).

1463 سومريات 4

الشكل (4)

1463 سومريات 5

الشكل (5)

3 ــ أسماء الأعلام وصفاتها:

أ ــ محمود وأبابيل:

نجد في الكتاب التفاتات ذهنية تثير الانتباه، فإنَّ الفيل الذي أتى به أبرهة من الحبشة مع جيشه لهدم الكعبة، اسمه (محمود)، وهو ــ بحسب الباحث ــ مُشتقّ من (الماموث)، وهو النوع الضخم الـمُنقرض من الفيلة، وارتأى أنــَّه قد تطوَّر عند العرب حتــَّى تلفظّوه بما يوافق أُسلوبهم في نطق ألفاظ لُغتهم(25).

ويردُّ الوردي على الباحث عبد الغني الملاّح، صاحب كتاب (المُتنبي يسترد أباه) إذ كان قد نشر مقالاً في مجلة ألف باء يستغرب فيه أن يكون الفيل اسمه محمود، كما زعم الإخباريون(26).

ويستند الوردي في الردّ على ما استغربه الملاّح، إلى أنَّ القاموس الفرنسيّ (لاروس ـ أصل الكلمات) ذَكَرَهُ منسوبًا إلى الروسيّة، وهي كلمة آتية من سيبيريا الغربيّة، ذُكِرَت لأوّل مرة في الفرنسية، عام 1727م، وأنَّ العرب عرفوا هذا الكائن، وأنَّ الإنسان الأوّل قد نقشه على جدران الكهوف(27).

ولأنَّ منهاج الوردي يعتمد تقطيع الكلمات، وتحليلها؛ رأى أنَّ المقطع (ما) = يملك، أو عنده + (مـ) = يد، + (موث) = في الأنف، فيكون المعنى: (عنده يد في الأنف)، أو (يده بأنفه) (28).

وهذا ما ينطبق ــ برأيه ــ تمامًا على كلمة الفيل؛ إذ إنَّ (في) = يد، و(أيل) = في الأنف، ويمكن تفسيره مجازًا بـ(أنف طويل)، وهذا بطبيعة الحال من معنى الـ(ماموث)(29).

وجاء في (التحرير والتنوير): «الفِيلُ: حَيَوَانٌ عَظِيمٌ مِنْ ذَوَاتِ الأَرْبَعِ ذَوَاتِ الخُفِّ، مِنْ حَيَوَانِ البِلادِ الحَارَّةِ ذَاتِ الأَنْهَارِ مِنَ الهِنْدِ وَالصِّينِ وَالحَبَشَةِ وَالسُّودَانِ، وَلا يُوجَدُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ إِلاَّ مَجْلُوبًا، وَهُوَ ذَكِيٌّ قَابِلٌ لِلتَّأَنُّسِ وَالتَّرْبِيَةِ... وَجِلْدُهُ أَجْرَدُ مِثْلَ جِلْدِ البَقَرِ»(30).

وجاء في الموسوعة الحرة: إنَّ الماموث نوع من الفيلة التي يغطي جسمها الصوف لتتحمّل درجات الحرارة المنخفضة جدًّا فهي لا توجد إلاّ في المناطق الباردة، ولا سيَّما في سيبيريا الغربية، وقد عاش مع الإنسان في عصور ما قبل التاريخ وقد انقرض مع انتهاء العصر الجليدي وارتفاع درجات الحرارة(31).

وبذلك يكون الفيل غير الماموث وإن كانا من فصيلة واحدة، لكنّ المذكور من التحليل برمّته، ومحاولة الباحث إقناع القارئ بأنَّ هذا الحيوان معروف، وأنــَّه ما زال يُعبَد في الهند(32)، لا يقوم دليلاً مكينًا على أنَّ (محمود) مُعرّب (ماموث)؛ إذ لا علاقة جوهريّة أكيدة بين الاسمين.

وهُنا قد يلتفت القارئ إلى تدخُّل الوردي السريع في تحويل مجرى الأحداث، وتدخّله في تلفيق سرد جديد في السرد القديم، فالوردي يتأوّل صورة تاريخيّة ما، بالاحتكام إلى صورة ــ أو صُوَر ــ  حيويّة مُناظرة قد تكون أقرب عهدًا منها، بل قد تكون الصورة الأخيرة مُعاصِرة، وذلك باعتماد التوافق الظاهري الـمُجرَّد بين اللَّفظ القديم، واللَّفظ الجديد، فيجعل اللاحق لمعنى السابق، ثــُمَّ يبني عليه تحليلاً تبدو عليه المنطقيّة، ويسوقُ في أثناء ذلك أمثلة مُتناحرة في التفاصيل، يربط بينها لإكمال المشهد الأخير، وهو  ــ في بعض تحليلاته ــ  يجتاز مئات السنين بقفزة واحدة، كما قد فعل، ففسّر الماموث بمحمود!.

ولا يعتمد الوردي منهجًا ثابتــًا في استقصاء التطوّر التاريخي للكلمة، فهو يتنقّل بين المصادر بحسب ما يراه مُناسبًا لوجهته، مُتوخّيًّا في ذلك تأليف ما يؤيّد تصوُّراته.

وأمَّا (أبابيل)؛ فيستند الوردي في بعض تحليلاته للكلمة، إلى ما نقله من الشيخ مُحمّد متولّي الشعراوي في التلفزيون(33)، فقد نقل الشعراوي عن الشيخ مُحمّد عبده أنَّ الطير الأبابيل عبارة عن الميكروبات والجدري والذي حمله على هذا القول أنــَّه استبعد أن تحمل الطيور الحجارة، ومن ثــَمَّ تنزل الحجارة على الناس فتقتلهم(34).

وقد تعدَّدت توجيهات المفسِّرين لمعنى الطير الوارد في سورة الفيل وجاء في تفسير الطبري: «إنّ أوّل ما رُؤِيَت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام»(35)، أي: عام الفيل. «وهو أوّل جدري ظهر في الأرض»*(36).

وذكرت بعض كتب التفسير أنَّ طيرًا من البحر، أمثال الخطاطيف، قد خرجت عليهم، ومع كُلّ طير ثلاثة أحجار، حجر في منقاره وحجران في رجليه مثل الحمص والعدس، ورمتهم بحجارة مدحرجة كالبنادق، فشدختهم، فنزل الهلاك بهم(37).

لكنَّ بهاء الدين الوردي يذكر أنَّ نظرته إلى القضية مُختلفة، فهو يرى أنَّ    تقطيع الكلمة (أبابيل) إلى المقاطع الأصليّة، يُعطي معنى: (النسور التي تحرس باب السماء)، والسِّجّيل: أحجار جمرات بُركانيّة سُود، والبراكين تكثر حول مكّة الـمُكرّمة، وأحجارها كُلّها سِجّيل، وهي من (السجل)؛ إذ كان السومريون أوّل مَنْ كتب على ألواح الطين، وأنَّ هذه الألواح كانت تُشوَى لِتُصبِحَ كالطابوق؛ فإنَّ (جل) = (طين)، و(سين) = (ضغط)، ومنه الكلمة (Argile الطين في الفرنسيّة، وعند البابليين (سجّيل) تعني قمّة المعبد (الزقورات بيشون)، وليس من الـمُصادفات أنَّ (مكّة ــ بكة Ba-ka) نفسها = (باب السماء). وإذا عكسنا المقاطع؛ ظهر لنا (كعبة)، ومنه جاء التكعيب، فالشيء قبل الاسم، فإذا هي نسورٌ تحرُسُ السماء (مكّة)، ولا بُدّ أن تُفسَّر هكذا بما يلائم عصرنا ومزاجنا في القرن العشرين؛ لأنَّ القرآن حمّال أوجه(38).

ولم أتبيَّن الوجهة التي جعل الوردي فيها الكعبة مخصوصة بمكّة فقط وهو يتحدَّث عن عصور ما قبل الإسلام؛ إذ تذكر كتب التاريخ أنَّ للعرب قبل الإسلام كعبات مقدّسة، يحجّون إليها في مواسم مُعيَّنة منتشرة في الجزيرة العربيّة، وفي هذه الكعبات أقام العرب الأصنام التي كانوا يعبدونها، وكان لكُلّ قبيلة معبودها الخاصّ، ولم يبقَ لهذا الكعبات أثر بعد ظهور الإسلام سوى كعبة مكّة(39).

والخُلاصة التي ينتهي إليها الوردي يُمكن التوصُّل إليها بغير تطويل؛ إذ يُغني ما ذكرناه من تحليله، عن التفاصيل اللاحقة التي ذكرها، مع اللَّوحات والرسوم؛ فقد أراد أنَّ يُثبِتَ أنَّ الطير الـمُعبَّر عنه في القرآن، إنــَّما هو تعبير مجازيّ، وذلك ما نلحظه في قوله: «إنّ الطير الأبابيل، هُم طلائع من الـمُحاربين، اسمهم (أبابيل)، اي: (نسور باب السماء، وباب السماء هو مكّة)»(40).

وقد انتقد الشيخ الشعراوي هذه التوجيهات مبيّنًا أنَّ العقول المادية تريد تفسير الأشياء بناموس البشر والكون. وقد قدَّمَ دليلاً عقليًّا واضحًا على أنَّ الأبابيل يُراد بهم جماعة من الطير، مبيّنًا أنَّ هذه الحادثة قد وقعت في عام الفيل ذلك العام الذي وُلِدَ فيه رسول الله مُحمّد (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد بُعِثَ الرسول بعد أربعين سنة منها، وتوالى نزول القرآن على أهل مكّة، وكان هناك أناس أعمارهم خمسون أو ستون أو سبعون أو ثمانون أو تسعون، ثــُمَّ نزلت السورة وقرأها الرسول على القوم وكان معظهم كافرين بها وحريصين على أن يكذّبوه، ولو علموا شيئـًا ممــَّا أُنزِلَ عليه يمكن أن يُكذَّب لما ادّخروا في ذلك وسعاً*(41).

وقد ذكر النيسابوري هذا الدليل في تفسيره وأنَّ هذه القصة قد تواترت خلفًا عن سلف(42).

وبالعودة المتأنــِّية إلى ما قاله الوردي في أثناء تحليله، يثبت ميله إلى إنكار التسليم بالمُعجزات على أنــَّها أمور غير قابلة للتفسير ــ مُطلقًا ــ؛ إذ يقول: «فإذا قُلنا: (طير)؛ فذلك يأتي من باب الـمُعجزات، ونحن لا نريد أن نفسِّر الأشياء التي يمكن تفسيرها عقليًّا مفهومًا بالـمُعجزات، وإن كُنّا لا نــُنكر وقوعها..، يعني إذا قصّر البشر في المرحلة الحاضرة عن تفسيره تسمية الـمُعجزة؛ قد يأتي جيل عنده ما يلزم من تفسيرها، إذا أُريدَ بنا أن نفهمها فهمًا يسيرًا»(43).

والذي يبدو لي أنَّ كلامه مقنع إلى حَدٍّ ما، فالسيّد موسى الصدر يقول: «إنَّ القرآن الكريم ــ كما وصفناه ــ هو كتاب الله وكلماته، فهو حقيقة كونيّة بصورته الموجودة... والحقيقة الكونية تتجلّى وتبرز للإنسان من جديد في أيّ خطوة تقدَّم وعيه فيها، وارتفع مستوى ثقافته بها.. فالكون والإنسان حقيقتان تتجلّيان في كُلّ مرحلة حضاريّة بصورة جديدة، والقرآن الكريم هذه الحقيقة تنكشف في كُلّ مرحلة أيضًا، بصورة جديدة تناسب الصور الجديدة للكون وللإنسان، وتوجّه الإنسان لخطوة إيجابيّة جديدة في الكون»(44).

فهو يشير إلى أنَّ تفسير القرآن الكريم لا يعتمد مقدرة المفسِّر ومعرفته بأسباب النزول وثقافته الذاتية فحسب، بل على تقدُّم العلوم البشريّة أيضًا.

إنَّ اختلاف المفسّرين في بيان المقصود من الطير الأبابيل، وقصور المؤرِّخين عن تسجيل كُلّ ما له صلة بهذه الحادثة جعل الباب مشرعًا أمام التأويل، يقول الوردي: «فبحثت واكتشفتُ أنَّ الطير الأبابيل تعبير مجازيّ للقبائل الـمُحيطة بمكّة، والتي كانت تسكن بين جدة، ومكّة، وهم قُضاعَة، وغيرها، والأبابيل معناها: (جماعات) بالعربيّة، وكانوا يعبدون النسر، وهو (طير)، وكانت عندهم آلات حرب، كالمقلاع، والـﮔزوة (المنجنيق يدوي فردي) يرمون بها الأعداء بأحجار من الحجارة البُركانيّة (السجيل) التي تكثر بين مكّة، وجدة، ويرمون بها جيش أبرهة، وربما حاصَرُوه بين جَبَلَين، وأرسلوا عليه الحجارة من فوق، ثــُمَّ زادوها بالرمي»(45).

 

فهذا التوجيه مخالف لما أتى به المفسِّرون؛ إذ يرى أنَّ لفظ الطير أُطلِقَ على هؤلاء المحاربين لأنــَّهم كانوا يعبدون النسر، ورموا الجنود بأحجار كانت موجودة بين مكّة وجدّة، ولكنَّ ورود كلمة (طيراً) بصيغة المجهول توقع في الالتباس؛ إذ يمكن حملها على المعنى الظاهري بأنــَّها كانت طيورًا حقيقية غير معروفة حينذاك قد أصابت جيش إبرهة ودمرته، فقضية الطير الأبابيل غامضة حتــَّى في كتب التفسير، ويبقى باب الاجتهاد فيها مفتوحًا، بل إنَّ كلمة أبابيل قد اختصّت بالطير الوارد في القرآن الكريم.

1463 سومريات 6

الشكل (6)

ب ــ هامان:

اسمٌ ورد في سبعة مواضع في القرآن الكريم(46)*، منها: {وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ} (القصص: 6) وقوله تعالى: {إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِ‍ِٔينَ} (القصص: 8).

وهامان اسم أعجمي وقد مُنِعَ من الصرف للعلميّة والعجمة(47). وقد أشار الجواليقي، والخفاجي إلى تعريبه(48).

ويقولُ الورديّ: «ونقول حالاً إنــَّه اسم مصري مُعرّب»(49).

وهامان الذي في القرآن غير هامان الذي في التوراة، ففي التوراة هامان اسم فارسيّ الأصل، وكان وزيرًا لملك الأخمينيين(50)، وقصته في إصحاح (إستير) في التوراة مُفصّلة (51).

1463 سومريات 7

الشكل (7)

ومعنى (هامان) ــ بحسب ما يرى الوردي ــ في إصحاح إستير: عبد الله.. رفيق الله.. أو كاهن الإله(52).

وتوصّل الورديّ إلى معرفة هذا الاسم الفارسيّ من إرجاعه إلى المقاطع البدائيّة السومريّة الأكاديّة، التي يُعتقد أنــَّها أوّل ما دُوِّنَ من المقاطع في لُغة الإنسان، قال: «وإليها نرجع دائمًا، ومن بابل تبلبلت الألسن، وهامان اسم شَهْرٍ في اللُّغة الآشوريّة»(53).

ويرى الورديّ أنَّ هامان في القرآن الكريم، تعريب لاسم الإله الفرعونيّ القديم (أمون)، أو (عمون)، أو (عامون)، أو (هامون)، أو (عامن)، فأصبح بطول الاستعمال (هامان)*، بحسب ترجمته إلى اللُّغات الـمُجاوِرَة (54).

وجاء في معجم الأعلام في الكتاب المقدّس أنــَّه بمعنى مهمّ ومشهور أو من هيمان بمعنى مخلص أمين(55).

وذكر العالم الفرنسي موريس بوكاي أنــَّه ورد في معجم الأسماء الهيروغليفيّة بمعنى رئيس البنّائين وهو يناسب ما وَرَدَ في قوله تعالى: {يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ} (غافر : 36)(56).

ولعلَّ هذا المعنى هو أقرب المعاني إلى اسم هامان؛ إذ فُسِّرَ بما ورد في القرآن الكريم.

وقد تعدَّدت معاني هذا الاسم؛ إذ إنَّ أسماء الأعلام بصيغها ودلالاتها في أيّ أُمّة من الأُمم هي مرآة ثقافيّة وحضاريّة لأيِّ مجتمع من المجتمعات، ومن ثــَمَّ فإنَّ اختلاف صيغها ودلالاتها من مجتمع لآخر يشير إلى اختلاف المجتمعات في التفكير ودرجة التطوُّر، فمثلاً شيوع صيغ أعلام ذات دلالات دينيّة معينّة بدءًا من وقت مُعيَّن في مناطق بعينها ممَّا قد يكون انعكاسًا لما طرأ على هذه المناطق من تحوُّل في العبادة(57).

ووَرَدَ اسمُ هامان ابنًا لعمِّ فرعون (خوفو)، من السُّلالة الرابعة، باني الهرم الأكبر في الجِيزَة، وعدّد الورديّ شخصيات كثيرة في التُّراث الفرعونيّ تحمل هذا الاسم، اختار من بينها شَخصيتين، في تحليل طويل، هُمَا: منفتاح بن رعمس الثاني، وأمنمس (هامان مس)، أي: هامان موسى؛ إذ إنَّ ما تردَّدَ في تحليله لَهُمَا، وما ورد في قصة الرعامِسَة وموسى، يتناسب وما ورد في القرآن ، وأغلب الظن أنَّ الباحث قد عاد إلى التفاسير القُرآنيّة، لتوكيد ما توصّل إليه، وخلُص بحثــُهُ إلى أنَّ هامان الوحيد المقصود في القُرآن من هاتين الشخصيتين، هو (هامان مس) الذي حكم مصر، بعد منفتاح (58).

وذكر الرازي في تفسيره «أَنَّ تَوَارِيخَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ قَدْ طَالَ العَهْدُ بِهَا وَاضْطَرَبَتِ الأَحْوَالُ وَالأَدْوَارُ فَلَمْ يَبْقَ عَلَى كَلامِ أَهْلِ التَّوَارِيخِ اعْتِمَادٌ فِي هَذَا البَابِ، فكان الأخذ بقول الله أَوْلَى»(59).

ويبدو أنَّ الوردي اعتمد مُضارعة الأحداث القرآنيّة بالسرد التاريخيّ، الـمُضطرب أحيانــًا، والذي يعتمد الظنَّ أحيانـًا أُخَر، لكنّ التحليل ــ عمومًا ــ لا يُمكن إنكاره برمّتِهِ، فهو مُحتَمِلٌ للصحّة، بلا قطع، لذلك؛ كان الورديّ يُكثِرُ من استعمال عبارة (أظنّ)، ونحو ذلك، في ما ينتهي إليه من نتائج.

ويُلحَظ أنَّ سرديات الورديّ، وما توصّل إليه، تُوافِقُ كثيرًا ما جاء في تفسير الطاهر بن عاشور (التحرير والتنوير)، فبالعودة إلى ما أورده الطاهر في تفسيره؛ يُمكن وضع اليد على كثير من الأحداث الـمُتشابهة، فضلاً عن طرائق التحليل التي تبنّاها الـمُفسِّر.

ومِن ذلك أنَّ الطاهر ذكر شيئـًا في تفسيره، يَدعو معه تصوُّر أن يكون الورديّ قد اطّلَعَ عليه، كقول الطاهر في تفسير قوله تعالى: {وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا}: «فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَامَانَ لَقَبُ وَزِيرِ المَلِكِ فِي مِصْرَ فِي ذَلِكَ العَصْرِ. وَجَاءَ فِي كِتَابِ «أَسْتِيرَ» مِنْ كُتُبِ اليَهُودِ الـمُلْحَقَةِ بِالتَّوْرَاةِ، تَسْمِيَة وَزِير (أحشويروش) مِلْكِ الفُرْسِ (هَامَانُ) فَظَنُّوهُ عَلَمًا، فَزَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ وَزِيرٌ اسْمُهُ هَامَانُ، وَاتَّخَذُوا هَذَا الظَّنَّ مَطْعَنًا فِي هَذِهِ الآيَةِ. وَهَذَا اشْتِبَاهٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّ الأَعْلامَ لا تَنْحَصِرُ، وَكَذَلِكَ أَلْقَابُ الوِلايَاتِ قَدْ تَشْتَرِكُ بَيْنَ أُمَمٍ، وَخَاصَّةً الأُمَمَ الـمُتَجَاوِرَةَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هامانَ عَلَمًا مِنَ الأَمَانِ، فَإِنَّ الأَعْلامَ تَتَكَرَّرُ فِي الأُمَمِ وَالعُصُورِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَقَبَ خِطَّةٍ فِي مِصْرَ، فَنَقَلَ اليَهُودُ هَذَا اللَّقَبَ إِلَى بِلادِ الفُرْسِ فِي مُدَّةِ أَسْرِهِمْ»(60).

ففي تحليل الطاهر، وما جاء في أثنائِه، بالمعنى، أو بالنصّ، أو ببعض اللَّفظ، أو ببعض الـمُسمّيات، ما يُوحي بإفادة الورديّ من التفسير المذكور ــ عمُومًا ــ  هو، أو ما يُشبِهُهُ من التفسيرات الـمُتاحة، لكنَّه لم يأتِ على ذِكرها في مُلحق المراجع بعد خاتمة الدراسة.

وينتهي الوردي أخيرًا إلى أنَّ هامان كان ثاني شخص في الدولة بعد فرعون؛ لأنَّ كلمة جنودهما تعني جنود فرعون وجنود هامان لما له من قيادة ورئاسة، ولو كان مهندسًا فقط لما كان له جنود ولما كان من أقرب المقرّبين إلى فرعون(61).

وجاء في إعراب (جنودهما) في قوله تعالى: {وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ} بأنــَّها عُطِفَت على فرعون وهامان، ومنهم متعلّقان بـ(نــُري)، أي: ونــُري فرعون وهامان وجنودهما من بني إسرائيل ما كانوا يحذرون، أي: يخافونه منهم (62).

وقد أجاز الفَرَّاء أن يكون لهامان جنود مخصوصة به، وإن كان وزيراً، أو لأنَّ جند السلطان جند وزيره(63).

ت  ــ نون = الحِكمة

ذو النون = ذو الحِكمة

(ذا) في قوله تعالى: {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ} الأنبياء: 87  عطفٌ «عَلَى (وَذَا الكِفْلِ) في الآية الخامسة والثمانين من سورة الأَنْبِيَاء، وَذِكْرُ ذي النُّونِ فِي جُمْلَةِ مَنْ خُصُّوا بِالذِّكْرِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ لأَجْلِ مَا فِي قَصَّتْهُ مِنَ الآيَاتِ فِي الالتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ وَالنَّدَمِ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنَ الجَزَعِ وَاسْتِجَابَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ و(ذُو النُّونِ) وَصْفٌ، أَي: صَاحِبُ الحُوتِ. لُقِّبَ بِهِ يُونُسُ بْنُ مَتَّى u»(64). وقد صرَّحَ القرآن بمعناه في قوله تعالى: {وَلا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ} (القلم: 48).

و(ذو) بمعنى صاحب متصدِّرة التركيب الإضافي ترِدُ في ألقاب ملوك اليمن القدامى نحو: ذو يزن وذو الكلام(65).

وتذكر المعجمات العربيّة أنَّ لكلمة نون معاني عِدَّة، هي: السمك والحوت والحبر والسيف (66).

وقد وردت كلمة نونو في النصوص البابليّة والآشورية بالمعاني العربية نفسها وأشهرها السمك والحوت(67). كذلك وردت في الآرامية نونا وفي العبرية نون ومعناه السمك أو سمكّة(68). والنون بمعنى الحوت لقب يُطلَق على الرجل، والنونة بمعنى السمكّة اسم يُطلَق على المرأة نحو: نونة بنت أُمية عمة أبي سفيان بن حرب، وما زال هذا الاسم يُستعمَل في اللَّهجات الدارجة في مصر(69).

ولم يشذَّ عن هذه المعاني سوى بروكلمان الذي ذكر أنَّ معناه الثعبان في الحبشية (70).

و(نون) الذي ورد في القُرآن، كما يرى الورديّ، هو الإله (أيا) أو (أنكي)، إله المياه العميقة، والحِكمة، والعِلم، والمعرِفة، وهذا الاسم معروف عند السومريين، والأكديين، وكان مُنتشرًا في الهلال الخصيب، ووادي النيل. وهو إله الطِبّ والحِكمة، وكان من طقوس كهنة نون لبسُ لباس خاصٍّ عند العبادة، وعند قيامهم بعملهِم الطبيّ، وكانوا بمنزلة الحُكماء، فالحكيم قديمًا، هو العالم، والطبيب، والمهندس، والفقيه، وقارئ الفأل، وقد عُثِرَ على كثير من الرسوم في العراق لرجالٍ يلبسون جِلد السمكّة، وهُم يقومون بطقوسِهِم لِطردِ الأرواح الشريرة من المرضى، أو لتقديم القُدّاس(71).

وبعد سردٍ تاريخيّ طويل؛ انتهى الورديّ إلى أنَّ (نون) تعني في الأصل: قُربان القُدّاس؛ إذ كان يُقدَّم السمكُ بعد اصطياده إلى القُدّاس؛ لتبريكه، وأخذ حقّ الملك والكهنة، ثــُمَّ يُباع الباقي، أو يُوزّع على العامة (72). وبعد تحليل آخر يُفسّر الورديّ أصل كلمة (قلم) بأنــَّها منقولة من القصب، وأنَّ بلاد سومر كانت تُسمَّى (Kalam ــ Ki قلم كي)، أي: بلاد القصب، و(كلام) = قلم (ما يُعقَل من السامع، ويُفهَم) (73).

فيجوز على وفق ذلك تفسير قوله تعالى: {نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ}(القلم: 1)، بالعِلم، والقَلَمِ، وما يسطرون بذلك القلم من الحِكمة. والخطاب إذن: يا نون، يا ذا الحِكمة، يا بحر العلم. وقوله تعالى: {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ} (الأنبياء : 87)،أي: وذا الحِكمة، وذا الحِجى، إذ ذهب مُغاضِبًا؛ لِثقتِهِ بنفسِهِ لما يعلم من علوم، ظانــًّا أنَّ الله  ــ جلّت قُدرتُه ــ  لا يقدر عليه، فأريناه أنــََّنا أقوى منه، وأعلم، وما علم النبيّ من علم الله إلاّ كقطرة من بحر(74).

قال الوردي: «وهذا لا يُناقض قول الله الصريح {فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومٞ} (القلم: 48)؛ إذ يُمكن أن يكون هناك شخصان مُختلفان، ثــُمَّ إنَّ صاحِبَ الحوت يُمكن أن يكون هو ذا النون؛ لأنــَّه كان يلبس جلد سمكة»(75)!!.

ثــُمّ يذكر الباحث بعد خوضه في غمار جُملة من التقطيعات البدائيّة، بما أسماه: (مُغامرات لُغويّة)، أنَّ التسليم بمعنى النون الـمُواطئ للحكمة، والعقل، والعلم، يطرح تساؤلاً: مَنْ هو ذو النون؟ فيجيب: هو: (أيا)، أو رسوله الذي كان يأتيه مُرتديًا زي الحوت من الجزيرة في الأهوار لِيُعلّم الناس الكتابة والحِكمة، وبعد محاولات مُضنية، ومتعثـــِّرة أحيانـًا، لربط الرموز القديمة بنصوص القرآن الكريم، يخلُص أخيرًا إلى ما ابتدأه أوّل مرّة، إنّ (ذا النون) كان حكيمًا، عالِمًا، ونون هو الحكمة، وكان (ذو النون) يظهر للناس في النهار؛ ليُعلّمهم الكتابة، والحكمة، وهو لابس جلد سمكّة، وتفسيرات أُخَر ، لا تخلو من الاستطراد، حاول فيها الباحث تعزيز قيمة تحليله، من أنَّ في الأحداث الغابرة حكمة غامضة مكنــَّنا الله بفضله من كشف النقاب عنها، أو عن بعض ما يتعلّق بها(76).

ولا أدري أيَّة توجيهات هذه التي يلجأ إليها الورديّ ــ مع إيمانه بقدرة الله على فعل غير الـمُمكن ــ باعتماده ما أُتخمت به كتب الميثولوجيا، ومرويّات الأساطير!.

وتجمع كتب التفاسير على أنَّ ذا النون، أي: صاحب الحوت هو يونس بن متّى u).) بيد أنَّ الوردي لم يأتِ على تفسير (فالتقمه الحوت) في قوله تعالى في سورة الصافات: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٩ إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١٤٠ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِينَ ١٤١ فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ ١٤٢ فَلَوۡلآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ ١٤٣ لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤٤ ۞ فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ ١٤٥}.

وذكر الزمخشري في تفسيره أنَّ « الحوت سار مع السفينة رافعًا رأسه يتنفَّس فيه يونس ويُسبِّح، ولم يفارقهم حتــَّى انتهوا إلى البرّ»(77).

ويذكر المحقّق عبّاس شمس الدين أنَّ ترتيب النصوص القرآنية في قصة يونس تؤدِّي إلى تسلسل معقول، فقد كُلِّفَ يونس بالدعوة إلى نينوى فدعاهم سنين طوالاً فلــمَّا يئس من إيمانهم وغضبوا من دعوته وإلحاحه غضب عليهم وخرج من غير إذن من الله، ظانــًّا أنــَّه لم تعُد جدوى في بقائه معهم، فالتقمه الحوت، فلــمَّا نجا منه، أمره الله بالرجوع إليهم فرجع إليهم فهدَّدهم بالعذاب وخرج ينتظر، فتابوا وآمنوا (78).

وكذلك وردت قصة يونس في الكتاب المقدّس في سفر يونان وقصته كاملة مع الحوت الذي ابتلعه ودعا الله فأخرجه منها (79).

ويبدو أنّ إصرار الورديّ* في كُلّ مرّة على توجيه كُلّ مُعجزة تعترضه الوجهة التي يرتأيها، ينطوي في الواقع على تهوين شيء لا يقبل التفسير، مُتجاوِزًا بذلك أن تكون الـمُعجِزَةُ من الخوارق التي تتعطّل عندها أدوات الإنسان المعرفية؛ لأنــَّها تتعدَّى حدود العقل البشري.

ث ــ  عاد (البشر العقارب):

يُعدُّ مبحث (عاد) من أطول المباحث عند الورديّ، وهو آخر مبحث ينتهي به كتابه، وقد وصفه بأنــَّه الأكثر جُرأةً في الافتراض، وإنــَّما كان كذلك؛ لأنَّ الأخباريين لم يتمكّنوا من حلّ لغز (عاد) الذي قارب في شُهرته التاريخيّة حدّ الأسطورة(80).

وقد ذكر عنهم القرآن الكريم أنــَّهم عاشوا في منطقة تُعرَف بالأحقاف، وأنــَّهم انمازوا بـ(أرم ذات العماد) فلــمَّا كذَّبوا نبيّهم هودًا، أرسل الله عليهم ريحًا عاتية أطاحت بكُلّ ما لديهم(81).

وقد اعتاد الرواة أن يضربوا بهم المثل في القدم، ولم يُبّين القرآن مكانهم، وترك باب الاجتهاد مفتوحًا فيما يتعلّق بقوم عاد(82).

وأمّا السبب الوجيه الذي منع الـمُتقدّمين والـمُحدثين، من الوقوف على رسم ملامح الأحداث العامة لـ(عاد)  ــ بحسب ما يرى الوردي ــ هو تبدُّل صياغة هذا اللَّفظ على مَرِّ الزمن(83).

ويرى ابن خلدون أنَّ الخلاف الواقع في ضبط الأسماء عائدٌ إلى اختلاف مخارج الحروف، فإنَّ هذه الأسماء قد أخذها العرب من أهل التوراة، وأنّ مخارج الحروف عندهم مُختلفة، والعرب قد تُبدِل، أو تَحذِف بعضًا من الحروف بما يتلاءم ونواميسها النُطقيّة (84)، بيد أنَّ الوردي يرى أنَّ العودة إلى المقاطع البدائيّة تفكّ هذا الإشكال؛ لأنَّ المقاطع هي أوّل ما وُجِد مكتوبًا عند البشريّة، وقد تتبّع الورديّ أثر ما عالجه من جميع الأسماء بإرجاع معنى كُلّ اسم إلى أصلِه السومريّ، وأحيانـًا إلى الأصل الهيروغليفي المصريّ؛ إذ يعتقد الباحث بتداخل حضارة وادي النيل، وحضارة وادي الرافدين، بعضهما ببعض، ويعتقد أيضًا أنَّ السومريين سامِيُّون وأنّ بقاياهم هي قبائل شمّر(85)*. وقد أثبت ذلك في كتابه (قوم نوح)(86)، وقد أكدّ هذا الرأي بهنام أبو الصوف(87).

وأمّا (عاد)؛ فأقوامٌ عاتية، مُحارِبة، شعبُهم كبير، ودولتهم صغيرة، سكنوا شمال الجزيرة العربيّة، في الهلال الخصيب، وكانت هذه الأقوام تدخل في تحالفات واسعة مع الدول الـمُجاورة، وصار منهم ملوكًا في سُلالات، فتعدّدت بتوسّع نفوذهم الأسماء، والآثار، والـمُدن، والآلهة، فأينما حلّ العاديون؛ تركوا أثرًا في الأسماء، والمدن، والآلهة؛ إذ إنَّ تاريخ هذا الشعب مُمتدٌّ بحضارته إلى أكثر من ألفي سنة، وهذا يفتح الباب للمُخيّلة لِتصوّر حجم الأثر الذي خلّفوه في وادي الرافدين، وسوريا، ومصر، والأناضول(88).

ومن ملامح المنهج في هذا البحث أنَّ صاحِبَه وجد مُتَّسعًا للتشعّب في التأويل، فقد تتبَّع الرموز، وبيَّنَ مواطنها الـمُحتملة، فظهر له أنَّ (عادًا) أصل معناه: (البشر العقارب)(89)*، وذلك باعتماد دراسة حروف الاسم بعد تجزئته على وفق القراءة المسماريّة في السومريّة، والقراءة الهيروغليفيّة في الفرعونيّة المصريّة. وقد توزّعت موارد الدراسة على نصوص القُرآن الكريم، وما وَرَدَ في ملحمة ﮔلـﮔامش، وفي الآثار السومريّة، والبابليّة (الأكادية، والآشوريّة)، والفرعونيّة المصريّة، وعلى ما قاله الـمُؤرّخُون، وما تناقلته الأساطير، وعلى ما انتهى إليه الباحث نفسه من وصل ما اعتقد أنــَّه مُتعلّقٌ بهذه الكلمة.

ويبدو أنَّ غياب الأدلّة التاريخية الدقيقة عن عاد، وتوسّع نفوذها على نحو هائل ونسج المرويات الكثيرة عنها قد أدخل كثيرًا من أحداثها في باب الأساطير، والخرافات. فممَّا جاء في (لسان العرب) «إنَّ حَيّاً من قوم عاد عَصَوْا رسولهم فمسخهم اللَّه نَسْناساً لكل إِنسان منهم يد ورجل من شِقٍّ واحد يَنْقُزُون كما يَنْقُزُ الطائر ويَرْعَوْن كما ترعى البهائم»(90).

وقد تنبّه العلاّمة ابن خلدون على هذا الأمر فذكر أنَّ «فحول المؤرِّخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيّام وجمعوها، وسطّروها في صفحات الدّفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفّلون بدسائس من الباطل وهموا فيها وابتدعوها، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها، ولا رفضوا تُرَّهات الأحاديث ولا دفعوها، فالتّحقيق قليل، وطرف التّنقيح في الغالب كليل، والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل»(91).

وقد أحصى الوردي في دراسته كُلّ أنواع الرموز الـمُتاحة، شرقًا، وغربًا، إلى الحدّ الذي يجد القارئ معها نفسه غارقًا في خضم بحر من الاستطرادات والنصوص الـمُتناثرة، فيُضطَر إلى تجاوزها ــ أحيانًا ــ نحو الخُلاصة، فإذا وقف بين يدي الخُلاصة؛ وجد نفسه ثانيةً بين يدي مُقطّعات جديدة، ورموز، وحكايات، تفضي إلى عنوان آخر أسماه: (خُلاصة الخُلاصة)، ومفادُها ما تقدَّم الكلام عليه، من أنَّ فئة ضئيلة عاشت في فجر التاريخ، تُسمَّى (البشر العقارب)، تركوا آثارهم في كُلّ مكان على مدى قرون مُتطاولة (92).

وألحَقَ الوردي في نهاية دراسته عن عاد قائمة طويلة بالأسماء التي يعتقد أنــَّها مُشتقّة من (عاد)، فكلّ لفظ تشتمل مُكوِّناتُهُ على أدنى تشابه مع مكوّنات هذا الاسم، هو بنظره مُشتقٌّ منه، وهو مُشتقٌ من (عاد)، أو مُتصِلٌ به على نحو من الأنحاء. فـ(جُبُّ عادين) مدينة في لبنان، مُشتقة من (عاد)، ومعناها: (بئر عاد). و(عراد، أو عراض) = (هيكل عاد) مدينة في شمال لبنان. و(عادو Adou = مدينة التمساح) في مصر، والتمساح، اسمه عادو؛ لأنــَّه عدوٌّ وغير ذلك(93).

ويرى بعضهم أنَّ اسم عاد في اللُّغة العبرية مشتقّ من (لعد) بمعنى الأبد والدوام والخلود(94)، وقد استدلّ الباحث عبّاس شمس الدين على صحّة ذلك بأنَّ التنزيل الحكيم كان يؤكّد كلمات الفناء وعدم البقاء لعاد فيما يشبه السخريّة، فعاد الخالدة فنيت ولم تعُد لها باقية: {فَهَلۡ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٖ}(الحاقة: 8)(95).

ونجد أنَّ أغلب ما ذكره الوردي للوصول إلى معنى (عاد)، إنــَّما يُعدُّ في الواقع من المرويات التي ليس لها علاقة بالتأثيل، وذلك لأنَّ أحداث عاد ما زالت مستعصية على أهل التفسير؛ لكونها ضاربة في القدم، وبسبب ندرة المصادر التي تحدَّثت عن أحداث تلك الحقبة*.

***

الدكتور بتول الربيعي

...........................

* من كتاب (التأثيل عند اللّسانيين العراقيين في العصر الحديث ).

(1) يُنظَر: العراق في القلب: 20 ــ 21.

(2) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/7 ــ 8.

(3) المصدر نفسه: 1/9.

(4) حول رموز القرآن الكريم: 1/9.

(5) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/10.

(6) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/14.

(7) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/14 ــ 38.

(8) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/45 ــ 46.

*  ذكر فوزي رشيد أنَّ مارتو في النصوص السومرية تعني الغرب، وفي النصوص البابليّة وردت بصيغة (أمورو)، وتعني الغرب أيضاً، وهي تعني الأموريين ويقصد بهم البدو الرحّل الذين يعيشون في بوادي بلاد الشام. يُنظَر: الملك حمورابي مجدّد وحدة البلاد: 10، وذكر فاضل الربيعي أنَّ (المارتو) تعني ساكن الخيمة والمتنقّل في الصحراء. يُنظَر: إرم ذات العماد: 165 ــ 166.

(9) يُنظَر: البنية الذهنيّة الحضاريّة في الشرق المتوسطي الآسيوي القديم: 177، وفي الساميّات واللسانيّات المقارنة: 50.

(10) يُنظَر: معجم أسماء الأعلام في الكتاب المقدّس: 218.

(11) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/46، والعراق في القلب: 25 ــ 26.

(12) يُنظَر: التفسير البسيط: 1/455.

(13) المخصص: 5/230.

(14) شرح العقيدة الواسطيّة: 1/38.

(15) يُنظَر: نظرة في مقالة الألفاظ السريانيّة في المعاجم العربيّة (بحث): 555.

(16) الصحاح: 6/2926.

(17) يُنظَر: القاموس المقارن لألفاظ القرآن الكريم: 195.

(18) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/55 ــ 56.

(19) المصدر نفسه: 1/61 ــ 62.

(20) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/62.

(21) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/63.

(22) المصدر نفسه: 1/63.

(23) الجامع لأحكام القرآن: 1/154.

(24) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/64.

(25) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/81.

(26) يُنظَر: ردّ على ردود (مقال): 531.

(27) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/86، و620:Iarousse.

(28) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/85.

(29) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/84.

(30) التحرير والتنوير: 30/547.

(31) يُنظَر: (الماموث) على الموقع https: //ar.mwikipedia.org، بتاريخ 1 ديسمبر 2018م.

(32) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/86.

(33) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/86

(34) يُنظَر: تفسير القرآن الكريم ــ  تفسير الشعراوي: 20/828.

(35) جامع البيان في تأويل القرآن: 24/615.

* يرى عبد الغني الملاح أنَّ الأخباريين قد ابتعدوا عن الحقيقة الإنسانيّة بأخيلتهم في الشروح، وابتعدوا عن المعنى اللُّغويّ باسم اللُّغة؛ لأنَّ بثور الجدري أو الحصبة شُبِّهَت بالأبابيل لاخضرارها عند بداية المرض واحمرارها بعد ذلك؛ لأنَّ الأبَلّ بمعنى الرجل شفي من المرض، وبضمّ الباء تعني الأخضر من الأراك، وفي قوله تعالى: {وَأَرۡسَلَ عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ}، أي: إنَّ الموت حدث فيهم متتابعًا كالطير يتبع بعضه بعضاً. يُنظَر: ردّ على ردود (مقال): 31.

(36) غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 6/565.

(37) يُنظَر: الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل: 4/797، والميزان في تفسير القرآن: 3/420، والجامع لأحكام القرآن: 10/295، وتفسير المراغي: 30/443، ومعالم التنزيل (تفسير البغوي): 4/528 ــ 529.

(38) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/86 ــ 87.

(39) يُنظَر: المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 12/5، والكعبات المقدّسة عند العرب (بحث): 1 ــ 7، وإرم ذات العماد: 50.

(40) حول رموز القرآن الكريم: 1/87.

* ذكر عبد الغني الملاح أنَّ عبد المطلب كان يخادع؟؟؟ أبرهة بخدعة حرب ويستعدّ لخطة محكمة، فاستردَّ مئة ناقة للاحتفاظ بها من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، وعاد إلى مكّة وطلب من أهلها الخروج إلى قمم الجبار وأراد تفريغ مكّة من أهلها ومن المؤن التي فيها، لكنَّ هذه الخطة لم تُنفَّذ؛ لأنَّ أبابيل الحصبة والجدري كانت أسرع إلى جيش إبرهة من خطة عبد المطلب، وفتكت بهم قبل وصولهم إلى مكّة. يُنظَر: عبقريّة عسكريّة طمرها التاريخ، (مقال): 70.

(41) يُنظَر: تفسير القرآن الكريم (تفسير الشعراوي): 20/829.

(42) يُنظَر: غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 6/564.

(43) حول رموز القرآن الكريم: 1/90.

(44) تاريخ الفلسفة الإسلامية: 18.

(45) حول رموز القرآن الكريم: 1/90.

(46) يُنظَر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: 739.

* ذكر موريس بوكاي أنَّه ورد في ستة مواضع في القرآن الكريم. يُنظَر: التوراة والإنجيل والقرآن والعلم: 261.

(47) يُنظَر: شرح المفصّل: 1/186، وحاشية الخضري على شرح ابن عقيل: 3/253.

(48) يُنظَر: المعرّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم: 637، وشفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل: 235.

(49) حول رموز القرآن الكريم: 1/104.

(50) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/104.

(51) يُنظَر: إصحاح إستير: 4/12.

(52) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/105.

(53) المصدر نفسه: 1/105.

* وذكر رؤوف أبو سعدة أنَّ (هامان) ليس شرطًا أن يكون اسمًا دالاً على شخص بل من الممكن أن يكون لقبًا لمنصب، ويجوز أن يكون من العبرية هيمان من جذر (أامن) ومنه (هَيمَنَ) بمعنى الغلبة والسيطرة والقهر، كذلك يجوز أن يكون مُركَّبًا من (ها + آمان) بمعنى كبير الكهنة، كذلك يمكن اشتقاقها من (الهَامَة) في العربيّة بمعنى عظيم الرأس. ويجوز أن يكون معناه مقرّبًا من هذا المعنى كبير المستشارين. يُنظَر: من إعجاز القرآن الكريم: العلم الأعجمي في القرآن مفسّراً بالقرآن: 2/56 ــ 58.

(54) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/106.

(55) يُنظَر: معجم الأعلام في الكتاب المقدّس: 486 و496.

(56) يُنظَر: معجزة ذكر هامان في القرآن الكريم، محاضرة على الموقع:

https://www.youtube.com/channel/UCOjL.

(57) يُنظَر: أسماء الأعلام الساميّة: 13.

(58) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/107.

(59) مفاتيح الغيب، أو التفسير الكبير: 27/516.

(60) التحرير والتنوير: 3/87.

(61) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/116.

(62) يُنظَر: إعراب القرآن وبيانه: 7/280.

(63) يُنظَر: فتح البيان في مقاصد القرآن: 10/89.

(64) التحرير والتنوير: 17/130.

(65) يُنظَر: المعجم الوسيط 1/ 76.

(66) يُنظَر: تاج العروس: 36/233.

(67) يُنظَر: من تراثنا اللُّغويّ القديم: 173.

(68) يُنظَر: النون في اللُّغات الساميّة دراسة تاريخيّة وصوتيّة (بحث)، ستار الفتلاوي، في الواقع اللُّغويّ العربي القديم وموقع العربيّة فيه: 207.

(69) يُنظَر: أسماء الأعلام الساميّة: 482.

(70) يُنظَر: فقه اللُّغات الساميّة: 36.

(71) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/131.

(72) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/142.

(73) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/142، وما قبل اللُّغة: 44، وأصوات بابل: 3.

(74) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/142.

(75) المصدر نفسه: 1/143.

(76) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/147.

(77) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: 4/62.

(78) يُنظَر: أنبياء العرب: 326.

(79) يُنظَر: سفر يونان: 1/4.

* قام بهاء الدين الوردي بتقطيع كُلّ كلمة تشتمل على نون على النحو الآتي:

جنون: ج مريض + نون = مريض العقل.

منون: (م) ما أداة نفي بمعنى موت أو نهاية + نون = نهاية العقل، أي: الموت.

قانون = ق كلام، فكر + نون = كلام العقل.

فنون = فاء الرؤيا العين + نون = ما ترى العين من حكمة أو عقل مرئي. يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/143.

(80) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/152.

(81) يُنظَر: تاريخ الطبري: 1/253 ــ 254، وأخبار الزمان: 1/104 ــ 105، والمنتظم في أخبار الملوك والأمم: 1/253 ــ 254، وتاريخ ابن خلدون 2/21 ــ 24.

(82) يُنظَر: تاريخ الأدنى القديم شبه الجزيرة العربيّة، ايران، الأناضول: 59، وللتوسع يُنظَر: تفسير مقاتل بن سليمان: 2/44 ــ 46، ومعالم التنزيل (تفسير البغوي): 2/451 ــ 453، ومفاتيح الغيب أو التفسير الكبير: 18/362 ــ 364.

(83) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/152.

(84) يُنظَر: مقدمة ابن خلدون: 3/42.

(85) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/153.

* يرى رزوق عيسى أنَّ أصل كلمة (شُمر) مصحَّفة عن السومريّة (زو ــ  مر ــ اري) والمقطع الأوّل بمعنى الضوء, والثاني الإله, والثالث العبد فيكون المعنى عابد إله النور , أو عن (سن ــ مر ــ أور)، أي: بلاد إله القمر, فأُدغِمَت النون بالميم فأصبحت سُمر ومن ثــَمَّ شُمر. يُنظَر: خواطر لغويّة في أصل بعض الأعلام العراقيّة (مقال): 254.

(86) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم (قوم نوح): 3/49 ــ 54.

(87) يُنظَر: قراءات في الآثار والحضارات القديمة: 10 ــ 13.

(88) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/155.

(89) يُنظَر: المصدر نفسه: 1/155 ــ 158.

* وذكر الوردي أنَّ أكد هم قوم عاد فـ(أكد + عاد) تعني عادًا الأقوياء؛ لأنَّ (أك) بمعنى القوة في السومرية، فيكون محصل اللفظ: عاد الأقوياء، ينظر: حول رموز القران الكريم (قوم نوح): 3/٥٤.

(90) لسان العرب: 6/4409.

(91) مقدَّمة ابن خلدون: 1/6.

(92) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/163 ــ 165.

(93) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 212 ــ 220.

(94) يُنظَر: قاموس عبري ــ  عربي للُّغة العربية المعاصرة: 10/820.

(95) يُنظَر: أنبياء العرب: 55.

 

عصمت نصارتباينت رؤى النقاد القدماء والمحدثين حول كتاب «كليلة ودمنة» لعبدالله بن المقفع (نحو ٧٢٤ - ٧٦٢ م) فشكك بعضهم فى نسبة هذا الكتاب لمؤلفه، وراح نفر منهم يجمع بين الأقاصيص من التراث الهندي والفارسي مثل التى أوردها المؤلف فى كتابه لإثبات تأثره بها، وانتهوا إلى أن دور ابن المقفع ينحصر فى جمعها وإجراء بعض التعديلات فى صياغتها وسردها لتوائم مع الثقافة العربية الإسلامية، وراق لفريق ثالث ولاسيما من المستشرقين التأكيد على أن الكتاب - فى مجمله - يعبر عن آراء ابن المقفع السياسية والأخلاقية التى كان يخشى التصريح بها فى أيام أبى جعفر المنصور (ت ٧٧٥م) الذى اتسم بالشدة والعنف تجاه الكتاب والمبدعين والحكماء والفقهاء أيضًا، وذلك لحماية دولته الفتية، وقد ذكر أحمد أمين - الذى انتصر لهذا الرأى - ذلك بالتفصيل فى كتابه (ضحى الإسلام) مبينًا أثر هذا العمل فى الأدبين العربى والفارسي، والذى يعنينا فى هذا المقال هو الكشف عن تلك الآراء النقدية ذات المسحة الفلسفية التى ضمنها ابن المقفع فى كتابه «كليلة ودمنة»، الذى يُعد من بواكير الكتابات الأدبية التى ارتدت الثوب القصصي الملغز اتقاء لغضبة السلطات القائمة، سواء كانت سلطة الحاكم أو العقل الجمعى التابع (الجمهور) وسوف نشير - فيما بعد - إجمالًا لإبداعات ابن المقفع وصنعته فى بناء الشكل القصصي ليتناسب مع الواقع المعيش آنذاك واجتناب السلطات المهيمنة على الرأى العام.

وجدير بالذكر فى هذا المقام أننا لا نجد أشهر من قصة «حي بن يقظان» لابن طفيل وكتابات أبى حيان التوحيدي ولاسيما كتابه «الامتاع والمؤانسة» وما ورد فى رسائل «إخوان الصفا» سيرًا على هذا الدرب، فجميع هذه الأعمال اتخذت من الحكي القصصي وعاءً لحمل آراء أصحابها الأخلاقية والسياسية والتربوية والاجتماعية والعقدية والفلسفية، أما فى العصر الحديث فنجد أحمد فارس الشدياق فى كتابه «الساق على الساق»، ورفاعة الطهطاوي فى ترجمته لكتاب فينليون «مواقع الأفلاك فى وقائع تليماك» ومسامرات «علم الدين» لعلى مبارك، وكتاب «الفضيلة» لبرنار دين سان بير الذى عربه مصطفى لطفى المنفلوطي، وكتاب «حديث عيسى بن هشام» لمحمد المويلحي، وحكايات يعقوب صنوع، وأزجال عبدالله النديم الساخرة، و«مذكرات الشيخ حسن الفزارى» للشيخ مصطفى عبدالرازق، ناهيك عن الكتابات القصصية لطه حسين ومحمد حسين هيكل ويحيى حقى ونجيب محفوظ، فجميع هذه الأعمال جمعت بين الأدب والفلسفة واللهو والحكمة والتبكيت أيضا، وكان مقصدها هو النقد والتقويم والإصلاح.

ويأمل كاتب هذه السطور أن يضطلع أحد الباحثين الشبان بوضع دراسة مقارنة بين هذه الخطابات مجتمعة للكشف عن نسقيتها وأثرها فى الثقافات التى نشأت فيها، بالإضافة إلى المسحة الفلسفية التى شكلت بنيتها وصبغت بناءها.

والجدير بالذكر أن ابن المقفع قد أفصح فى غير موضع من الكتاب (أى كليلة ودمنة) عن مقاصده من سرده لهذه الأقاصيص التى حواها الكتاب وجاء معظمها على لسان الحيوانات والطيور، فى ثوب أدبى رفيع وفى لغة أقرب إلى الرمزية والألغاز منها إلى السرد القصصي المباشر.

فها هو ينبه القارئ إلى ضرورة إمعان النظر للتميز بين القشر واللباب، أى بين القالب القصصي وأسلوب الحكي وتلك الحكم العاقلة والرؤى الموجهة الكامنة فى صلب القصص التى تنشد الإصلاح للراعي والرعية، وذلك بقوله: «ينبغى للناظر فى كتابنا هذا ألا تكون غايته التصفح لتزويقه، بل يدقق ويتأمل ما يتضمن من الأمثال، حتى ينتهى منه، ويقف عند كل مثل وكلمة، ويعمل فيها رويته... ويديم النظر فيه من غير ضجر (أى فى النص والتراكيب والأحداث)، ويلتمس جواهر معانيه، ولا يظن أنه نتيجة الأخبار عن حيلة بهيمتين أو محاورة سبع لثور: فينصرف بذلك عن الغرض المقصود... كما ينبغى للناظر فى هذا الكتاب أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أغراض: أحدها ما قصد فيه إلى وضعه على ألسنة البهائم غير الناطقة ليسارع إلى قراءته أهل الهزل من الشبان (أى للتسلية والترويح عن النفس) فتستمال إليه قلوبهم، والثاني إظهار خيالات الحيوان بصنوف الأطباع والألوان، ليكون آنسًا لقلوب الملوك، ويكون حرصهم عليه أشد للنزهة فى تلك الصور (أى للمتعة والمسامرة)، والثالث أن يكون على هذه الصفة: فيتخذه الملوك والسوقة، فيكثر بذلك انتساخه، ولا يبطل فُيخلق على مرور الأيام (أى يستمر)، ولينتفع بذلك المصور والناسخ أبدًا (أى رواة القصص والحكايات)، والغرض الرابع، وهو الأقصى (أى البعيد الغامض)، وذلك مخصوص بالفيلسوف خاصته».

وقد عقب مفكرنا أحمد أمين على هذا المقصد الأخير بقوله: «إن ابن المقفع قد سكت عن هذا الغرض الرابع ولم يبينه وهو - من غير شك - وهو (الإحالة والإشارة والرمز) غرض ابن المقفع من ترجمته (لكتاب بيدبا حكيم الهند المزعوم) والظاهر أن هذا الغرض يمكن تلخيصه: فى أنه النصح للخلفاء حتى لا يحيدوا عن طريق الصواب، وتفتيح أعين الرعية حتى يعرفوا الظلم من العدل، وحتى يطالبوا بتحقيق العدل، ولم يوضحه ابن المقفع لأن فى إيضاحه خطرًا عليه من الخليفة أبى جعفر المنصور (مؤسس الدولة العباسية)، ولعل هذه النزعة كانت من الأسباب للإيعاز بقتله».

من هزل الأقاصيص إلى خصال الحكام :

لم يترك لنا ابن المقفع مصنفًا قصصيًا مفعم بالحكايات الرمزية المستندة إلى الإشارة والإحالة، ولم يضع – فى كتابه كليلة ودمنة – ذلك الخطاب السردي الشاغل بالحكايات المتعاقبة المتداخلة فحسب، بل ترك لنا أيضًا العديد من التصورات والرؤى خلال الحكي لحماية إيماءته النقدية التوجيهية الإصلاحية، وسوف نتناول هذه الرؤى والنظريات تبعًا لأهميتها، ويبدو أولها فى:

مركزية البطل:

فقد ذهب ابن المقفع إلى أن صلاح الحاكم يؤدى حتمًا إلى صلاح المجتمع وليس العكس، لذا نجده يؤكد على ضرورة تمتع الحاكم بقدر كاف من العقلانية والأريحية والوعى والأناة والحنكة والحكمة والنظرة الناقدة لتقييم الأمور والحكم عليها، وانتقاء النافع من الأفكار وانتخاب الأصلح من الرجال ليخصهم بمعيته ويستعين ببعضهم فى تسييس أمور دولته، وذلك كله بمنأى عن الأهواء والأنانية والتسلط والاستبداد، وقد حث فى غير موضع من حكاياته على أهمية صلاح حاشية الملك وإخلاصهم له فى النصح عند المشورة ونزاهتهم وعفتهم وورعهم وغير ذلك من الفضائل العملية التى تحول بينهم وبين الفساد بكل ألوانه وأشكاله، فها هو ابن المقفع يجعل من «دبشليم ملك الهند وبطل أحدى أقاصيصه» نقطة الانطلاق، فهو علة ظهور الكتاب وما فيه من قصص على ذلك النحو القصصي الجامع بين الهزل والجد، الأمر الذى يبرر حرصه على تضمينه العديد من قصصه عدة نصائح للحاكم بوجه عام لتحميه من الزلل والانقياد للأهواء أو الإصغاء لأهل الشر من المخادعين والمحتالين، وهو أيضًا – أى الملك أو الرئيس بطل كل أقاصيصه ومسير كل الأحداث بداية من قصة أسد الغابة إلى نهاية حكاياته- فيقول فى قصة « الأسد والثور» عن خطر اللئام فى معية السلطان: «إن اللئيم لا يزال نافعًا ناصحًا حتى يرفع إلى المنزلة التى ليس لها بأهل، فاذا بلغها التمس ما فوقها، ولاسيما أهل الخيانة والفجور: فإن اللئيم الفاجر لا يخدم السلطان ولا ينصح له إلا من خوف، فإذا استغنى وذهبت الهيبة عاد إلى جوهره، كذيل الكلب الذى يربط ليستقيم فلا يزال مستويًا ما دام مربوطًا، فإذا حُل انحنى واعوج كما كان، واعلم أيها الملك أنه من لم يقبل من النصيحة ما يثقل عليه مما ينصحون له به، لم يحمد رأيه، كالمريض الذى يدع ما يبعث له الطبيب، ويعمد إلى ما يشتهيه، وحق على أعوان السلطان أن يبالغوا فى حثه على ما يزيد سلطانه قوة ويزينه، والكف عما يضره ويشينه، وخير الأعوان أقلهم مداهنة فى النصيحة، وخير الأعمال أحلاها عاقبة، وخير الثناء ما كان على أفواه الأخيار، وأشرف الملوك من لم يخالطه الحاقدون والناقمون، وخير الأخلاق أعونها على الورع».

ثم يضيف ابن المقفع على ما تقدم نصحًا شارحًا لمأربه وموجزًا لفكرته وذلك بقوله: «إن السلطان إذا كان صالحًا، ووزراؤه وزراء سوء، منعوا خيره، فلا يقدر أحد أن يدنو منه، ومثله فى ذلك مثل الماء الطيب العذب الذى تسكنه التماسيح: لا يقدر أحد أن يتناوله من الظمئ، وإن كان إلى الماء محتاجًا».

ويرى ابن المقفع أن أسوأ الحكام هم الذين تمكن منهم الحمق وقادهم إلى الصلف والاستبداد وعدم الإصغاء إلى النصح والمشورة، كما أن الحاكم الجائر هو الذى صورت له نفسه بأنه أعلى مقامًا وشأنًا من رعيته، ومن ثم لا يحق لهم مراجعته أو مطالبته بشيء لم يمنحه لهم وقد وعدهم به، أو سؤاله عن أمور لم يفصح عنها، رغم ذلك فيرى ابن المقفع أن السبيل لعلاج هذه السمات والصفات الذميمة هو التقويم عن طريق نصح الحكماء والمصلحين من قادة الرأى فى الرعية، فمن الواجب عليهم فى كل عصر أن يبصروا الحاكم بأخطائه وزلاته وسقطاته ومواطن الخطأ والخطر فى قراراته ومواضع الفساد والخلل فى حاشيته ومؤسساته ووزرائه وعماله.

ويقول: «الواجب على الملوك أن يتعظوا بمواعظ العلماء، والواجب على الحكماء تقويم الملك بألسنتهم وبالأسلوب اللائق بمخاطبتهم وتأديبه بحكمتهم وإظهار الحجة البينة اللازمة لإقناعه ليرتدع عما فيه من اعوجاج والخروج عن العدل» ويقول فى موضع آخر فى قصة (البوم والغربان) « من لم يستشر النصحاء والأولياء، وعمل برأيه من غير تكرار النظر والروية، لم يغتبط بمواقع رأيه ومآله وعواقبه».

ويفاضل ابن المقفع بين الملوك والحكماء ساعيًا إلى الإعلاء من قدر الفلاسفة والعلماء وتحميلهم فى الوقت نفسه مسئولية حماية الأمة من جنوح الحكام واستبداد الراعي من جهة وغشاوة جهل الرعية وسكوتها على الجور إذا حل من جهة أخرى، فأصحاب الرأى عنده أعلى مقامًا من الولاة والوزراء والمنوطين بحفظ النظام والأمر والنهي، كما أن صاحب الجوائب على ألف سؤال أغنى مما اكتنز المال، ويقول: «إن كان للملوك فضل فى ممالكها فإن للحكماء فضلًا فى حكمتها أعظم: لأن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم وليس الملوك بأغنياء عن الحكماء بالمال، وقد وجدت العلم والحياء ألفين متآلفين لا يفترقان: متى فقد أحدهما لم يوجد الآخر... ومن لم يستح من الحكماء ويكرمهم، ويعرف فضلهم على غيرهم، ويمنعهم عن المواقف المذلة، وينزههم عن المواطن الرزلة كان ممن حرم عقله، وخسر دنياه، وظلم العلماء حقوقهم، وعد من الجهال».

وينتقل ابن المقفع إلى الخصال التى ينبغى للحاكم أن يتحلى بها، وهى فى مضمونها أكثر نفعًا - فى عصرنا - من تلك التى وضعها المتكلمون والفقهاء وكتاب الآداب السلطانية كشروط لصحة الإمامة، وقد أورد ذلك فى سياق حكايته عن كسرى انو شروان ملك فارس فبين أن رجاحة العقل وسعة الدراية والعلم، وسداد الرأى والسعي لتحقيق المصلحة والمنفعة العامة.

ومن أقواله فى ذلك: «إن العاقل إذا أتاه الأمر الفظيع العظيم الذى يخاف من عدم تحمله ويؤدى إلى الشدة المهلكة على نفسه وقومه، لم يخرج من شدة الصبر عليه، لما يرجو من أن يعقبه حسن العاقبة، وكثير الخير، فلم يجد لذلك ألمًا» ومن خصال الحاكم البطل أيضًا تقدير العلماء والحرص على صحبة الحكماء، بالإضافة إلى حماية الحقوق والانتصار إلى العدل، والشدة فى مكافحة الفساد، والقوة فى حفظ الأمن، والرغبة الصادقة فى تفشى روح السلم والمودة والرخاء بين الرعية، وأكد - ابن المقفع - أن أخس وأشر الحكام هو الكذوب المخادع، وأحكمهم هو الكتوم الذى لا يفشى أسراره لأهل النميمة واللجاجة وأسافل الناس، كما ينبغى للحاكم أن يحصن أموره من أهل الإفك والفجور، ولا يطلع أحدًا على مكنون سره.

وقد تأثر معظم الفلاسفة الذين اضطلعوا بتوضيح مقاصد السياسة الشرعية وصفات الحاكم الأساسية والآداب السلطانية بهذه الآراء، نذكر منهم: الماوردي وابن حزم والغزالي وابن الأزرق وغيرهم.

وللحديث بقية عن آراء ابن المقفع الأخلاقية

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

بتول الربيعيللدكتور حسام قدوري عبد الجبوري/ جامعة بغداد

مَنْ يطالع اللغات الساميّة ويمخر عباب بحرها الزاخر، يجد نفسه غارقا في خضمِّ بحر لجّي، مأسورا بين أمواجه المتلاطمة، محاولًا الإبحار في رحلة البحث اللُّغويّ، والغوص في متاهات اكتشاف المجهول، ويأتي كتاب (تأصيل الجذور الساميّة وأثره في بناء معجم عربي حديث) للدكتور حسام قدوري عبد الجبوري أستاذ اللغة والمعجم والدراسات المقارنة في جامعة بغداد، في طليعة هذا التبحر الذي يُعنَى بتأثيل الجذور في اللغات الساميّة، وفي أثنائه أمثلة كافية من الرواسب اللغويّة التي ورد ذكرها في الموروث العربي وتأثيلها في اللغات الساميّة.

 وهو ثمين المحتوى؛ إذ يقع الكتاب في (200) صفحة من القطع الكبير، وهو من إصدار دار الكتب العلمية في لبنان عام 2007م، ويشتمل على مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول.

نبّه الكاتب في المقدّمة على أنًّ الدرس المقارن ليس هو الدرس الأوحد الذي يحقق الغاية في تأثيل الجذور الساميّة للوصول إلى الطريق الصحيح، والأفضل لكتابة المعجم العربي الحديث، وإنَّما هو الأساس المتين لها آخذين بالحسبان سائر العلوم والمناهج التي تُسهِّل عملية قيام هذا المشروع.

وفي التمهيد ركّز الكاتب على أوجه التشابه بين اللغات الساميّة، فذكر أنَّ (الساميّة) التسمية التي اقترحها (شولتزر) أول مرّة في بحث نشره سنة 1781م، لم تَرق للقوميين؛ لأنَّها جعلت العيلاميين أخوة لهم بحسب ألواح الأنساب العبرية، وهو أمر لا يرتضونه، فما كان منهم إلاّ أن أسموها باللغات الجزريّة؛ فوقعوا في محذور أشد حين جعلوا لليهود نصيبا تاريخيا في الجزيرة نفسها، وهذا الأمر جعل الدراسات المقارنة تسير على وفق نزعات متطرفة، ولا تخدم العلم نفسه، بل أخذت تسير نحو الجمود والتضاؤل، وكان من المفترض أن تسير الدراسات المقارنة في اتجاه موضوعي يخدم الدرس اللّغوي أولاً، ثم تتوسع الفائدة لتخدم العلوم الأخرى. ثم تطرّق إلى الدرس المعجمي المقارن في الدرس اللغوي العربي القديم، وبيَّن أهمَّ مواطن الضعف التي تعتور الدرس المقارن العربي القديم.

وتتبَّع الدكتور الجبوري في دراسته بناء المعجم العربي الحديث، وما يحتاج إليه من أدوات ليواكب تطورات العصر العلميّة المتعددة، مبيّنًا أنَّ البحث المقارن يتقصّى الشبه بين اللغات المتقاربة في الأُسرة الواحدة، مع مراعاة الظروف المتكاملة في حياة المفردات، كالظروف الدينية والسياسية والاجتماعية، وأنَّ التغافل عن السمة التأريخية المقارنة في صياغة المعجم العربي الحديث أمر لا يعود على المعجميّة العربية بالنفع، بل ستدور في فلك ما هو موجود من مواد لا تغني في مواكبة العلوم اللغويّة المتطورة، وعرّج الكاتب على المحاولة الجادة والرصينة للمستشرق (أوغست فيشر) في صنع المعجم، وعدّه خطوة مهمة في سبيل التأثيل للجذور، وإن تغافل عن نعت معجمه بالمقارن، فإنّه لم يغفل عن تطبيقها في صناعة معجمه.

وفي الفصل الأوّل الذي حمل عنوان (دراسة في آليّات تطور أشكال الجذور) تحدّث الكاتب عن التطورين الصوتي والصرفي، وأثرهما في تغيير هيأة الجذر، سواء أكان في مادته أم في وزنه.

 وقد سلّط الكاتب الضوء على ظاهرة صوتية أطلق عليها (ظاهرة التسامي في الإبدال الصوتي)، ونبّه على أنَّ هذه الظاهرة مهمة في دراسة الإبدال الصوتي، وهي انتقال الصوت في مرحلة ما من التغيّر من دون المرور بالمرحلة الوسطى منها؛ لذا أطلق عليها (ظاهرة تسامي الإبدال)؛ لأنَّها شبيهة بظاهرة تسامي المواد الكيميائية، وهي انتقال من حالة إلى حالة من دون المرور بالحالة الوسطى التي بينهما.

 ومن ذلك مثلا إبدال الطاء كافًا في (نبط) السبئية بمعنى حفر بئرًا؛ إذ وردت في الأوجاريتية (نبك) بالكاف، وقد رجّح الكاتب قدمها بالكاف لقدم الأوجاريتية.

ومما يلفت النظر في هذا الفصل أنَّ الكاتب تحدّث عن الافتراض الصرفي وأثره في معرفة أصول الجذور الساميّة، وفكرة هذا البحث تقوم على دراسة ما افترضه الصرفيون القدامى من أُصول، وإن لم تنطق بها العرب على حد زعم بعضهم، وكان عمادهم في ما افترضوه عللاً وحججًا منطقية تؤيد ما ذهبوا إليه من آراء، ومقابلة هذه الآراء التي ذكروها باللغات الساميّة الأخرى، كالأكدية والعبرية وغيرهما.

وقد توصل الكاتب إلى مدى نجاح اللُّغويين القدامى في تفكيرهم، وطرائق استدلالهم، واستنتاجاتهم، وإصابة فرضياتهم، على الرغم من عدم اطلاعهم على تلك اللغات، وبيّن أثر الفلسفة والمنطق ونجاح الصرفيين الأوائل في إصابة (الأصل الأوّل) بطريق الافتراض أو التخمين المنطقيين.

ومن مثال ذلك ما ذكره في تأثيل كلمة (خنزير)

خنزير: وهم على مذهبين فيه:

الأوّل: مذهب سيبويه أنَّه على وزن (فعليل)، والنون فيه أصلية، وهو من مادة (خنز).

الثاني: مذهب ثعلب فيما نقل عنه ابن عصفور أنَّه على وزن (فنعيل) والنون فيه زائدة، وهو مادة (خزر)، وهو بمعنى صغر العين، واستدل بقول الشاعر:

اَ تَفْخَــرَنَّ، فــإنَّ اللــهَ أنْـزَلكُمْ     يَــا خُـزْرَ تَغْلِـبَ دَارَ الـذُّلِّ والهَون

وردَّ ابن عصفور هذا الرأي بأنَّ خزراً فيه جمع أخزر، إذ إنَّ كل خنزير أخزر، والدرس المقارن يؤيد رأي ثعلب؛ ذلك أنَّ الجذر (خزر) من دون النون هو الذي ورد في أقدم الساميّات تدوينًا، وهي الأكدية، فهو(خُزريم) بضم الخاء، والأنثى منه (خزرت)، وهو في الآرامية (حزيرا)، وكذا في السريانية، وفي المندائية (هيزورا)، ولم تظهر النون إلاّ في الأوغاريتية والحبشية (خنزر)، ويفسّر وجود النون قانون المخالفة؛ إذ المظنون أنَّ الزاي كان يلفظ بالتشديد، ثم فك وأُبدِلَ أحد الزايين بالنون.

وفي الفصل الثاني بحث الكاتب مظاهر التطور الدلالي في جذور اللغات الساميّة، وكأنَّه ينتقل بين الأحاجي والطلاسم ويفكُّ رموزها في اللغات الساميّة، ونحو ذلك قراءته لمادة (ع ج ل ):

تحدث ابن فارس عن أصلين مختلفين في الجذر (عجل) لا رابط بينهما في المعنى، قال "(عَجَلَ) الْعَيْنُ وَالْجِيمُ وَاللَّامُ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ، يَدُلُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْإِسْرَاعِ، وَالْآخَرُ عَلَى بَعْضِ الْحَيَوَانِ" وجعل من الأوّل العجلة في الأمر،" وَالْعُجَالَةُ: مَا تُعُجِّلُ مِنْ شَيْءٍ. وَيُقَالُ: " عُجَالَةُ الرَّاكِبِ تَمْرٌ وَسَوِيقٌ ". وَذُكِرَ عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّ الْعَجَلَ: مَا اسْتُعْجِلَ بِهِ طَعَامٌ فَقُدِّمَ قَبْلَ إِدْرَاكِ الْغِذَاءِ". "وَالْأَصْلُ الْآخَرُ الْعِجْلُ: وَلَدُ الْبَقَرَةِ; وَفِي لُغَةٍ عِجَّوْلُ، وَالْجُمَعُ عَجَاجِيلُ، وَالْأُنْثَى عِجْلَةٌ وَعِجْوَلَةٌ، وَبِذَلِكَ سُمِّيَ الرَّجُلُ عِجْلًا".

ولم يلحظ ابن فارس – بحسب ما يرى الكاتب -الصلة الدلاليّة بين الأصلين، وهي التطور من المعنى الحسي إلى المعنى المجرّد في الذهن، فقد انتقلت دلالة (عِجل) من الحيوان المعروف إلى معنى الإسراع.

ومراجعة دلالة مادة (ع ج ل) في اللغات الساميّة يدلّ على هذا المقصد، بيد أنَّ الجذر أصابه انزياح في الدلالة فقد أصبح يدلّ على المدوّر من الأشياء، فما السبب في ذلك؟

وردت مادة (ع ج ل) في " الأوجاريتية ع ج ل: بمعنى عِجل، وفي العبرية ع ا ج ول: مدوّر، ع ج ل: عِجل، عَ جَ لَ ا: عجلة مركبة، الآرامية: ع ج ل: استدار، عِ ج ل ا: عِجل، السريانية: عِ ج ل ا: عِجل، ع ا جِ ل ت ا: عجلة، المندائية: ل ي ج ا ل: عجلة، الحبشية: عَ جَ لَ: صف، كوّم، سيّج"

ويجيب الدكتور الجبوري عن ذلك بانتقال الذهن من معنى العجلة إلى الشكل المدوّر فيها، فقد انتقلت الدلالة إلى الحيوان المعروف لما يجر من آلة، سمّيت بالعجلة، وقد يُلحَظ تطور دلالي آخر في لمح مادة الخشب في العجلة فأطلقت في العربية على (خشبة معترضة على نعامتي البئر والغرب معلّق بها). ثم انتقلت بدلالة الجزئية إلى جزء منها – أي العجلة التي تُركَب -، هذا الجزء لمح فيه الشكل المستدير، فانتقلت دلالة العجلة إليه؛ فأصبحت مادة (ع ج ل) تدلّ على الاستدارة، بسبب هذا الانزياح الدلالي، وقد تطورت دلالة هذا الانزياح في الحبشية فأصبحت تدل على الصفِّ، والتكويم، والتسييج.

ولعلّ أبرز ما ينماز به هذا الكتاب أنَّ مؤلفه يمضي في تأثيل الجذور إلى اللغتين السومريّة والأكديّة، ففي الفصل الثالث المعنون بـ(توليد الجذور الساميّة ونموها)، درس الباحث فكرة صياغة بعض الجذور من لغة غير ساميّة، هي اللغة السومرية التي ترتبط بصلة الجوار بلغة قديمة هي اللغة الأكديّة، ومن ثَمَّ دخلت تلك الجذور في لغة ساميّة أخرى هي العربيّة، وتحدّث عن النظرية الثنائيّة التي تحاول تفسير توليد الجذور ونموها، ودرس الأشكال والآليّات التي تتوالد فيها الجذور وتنمو.

إنَّ الفكرة التي قام عليها هذا الفصل هي إيجاد الأثر السومري في صناعة الجذور الساميّة التي دخلت إلى معاجم تلك اللغات ومنها على وجه الخصوص اللغة العربيّة، وكانت تلك الجذور في اللغة السومرية على شكل جمل مفيدة أو تركيب لغوي متكامل وهو مما يدعو إلى التأمل، وكيف انتقلت هذه الجذور إلى اللغة الأكدية ثم استقرت في الساميّات على شكل كلمات وجذور، ومن هذه الجذور:

(رقن): هذا الجذر بمعنى التلوين والنقش. قال ابن فارس «الرَّاءُ وَالقَافُ وَالنُّونُ بَابٌ يَقْرُبُ مِنَ البَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. يُقَالُ: رَقَّنْتُ الكِتَابَ: قَارَبْتُ بَيْنَ سُطُورِهِ. وَتَرَقَّنَتِ المَرْأَةُ: تَلَطَّخَتْ بِالزَّعْفَرَانِ. وَالرَّقُونُ وَالرِّقَّانِ: الزَّعْفَرَانُ. وَالمَرْقُونُ: المَنْقُوشُ».

وقد تطوَّر صوت النون فيه فأصبح ميمًا لما بين الصوتين من تشابه ظاهر في الغنّة وغيرها فأصبح (رقم). قال ابن فارس «الرَّاءُ وَالقَافُ وَالمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى خَطٍّ وَكِتَابَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَالرَّقْمُ: الخَطُّ. وَالرَّقِيمُ: الكِتَابُ. وَيُقَالُ لِلْحَاذِقِ فِي صِنَاعَتِهِ: هُوَ يَرْقُمُ فِي المَاء.... وَكُلُّ ثَوْبٍ وُشِيَ فَهُوَ رَقْمٌ. وَالأَرْقَمُ مِنَ الحَيَّاتِ: مَا عَلَى ظَهْرِهِ كَالنَّقْشِ».

ويمكن القول: إنّ الجذر (رقن ) مأخوذ من السومرية بالمعنى نفسه إذ ورد فيها (RA-GAN ) بمعنى ختم رقيما أو نقشاً، ووردَ فيها بالعلامة السومرية (GAN).

بمعنى تلّون وترقّش. ويرى الكاتب أنَّه هو الأصل ويقوّي هذا الأمر وروده بالمعنى نفسه في العلامة (GUN-A)، بمعنى مرقّط أو مرقّش إذ يرتبط التلّوين هنا بالماء الذي يُفهَم من العلامة السومريّة (A) التي ذكرت في تفسير الجذر السابق بالمعنى نفسه وهو الماء.

ويمكنُ عدّ الدكتور الجبوري مؤثلا من طراز خاص؛ فهو يناقش ما وَرَدَ في الموروث اللُّغويّ، وما وَرَدَ في اللغات الساميّة محاولا التقريب بينهما، وجعل الباب مشرعًا لمَنْ يأتي بعده، فكأنّك تنتقل من الأحاجي إلى جوهر اللغة ولبابها، فالبحث في اللغات الساميّة ليس بالأمر اليسير، فهو علم لا يجيده سوى المهرة المختصّين، والغوص في أعماقه لا يستقيم إلا لحذّاق الغوّاصين، ومَنْ كانت لديهم دراية واسعة وبصيرة ثاقبة، وهذا ما نجده في كتاب الأستاذ الجليل الدكتور حسام الجبوري، فهو محط رحال المثقفين بصورة عامة، والباحثين في اللغات الساميّة بصورة خاصة.

 

الدكتورة بتول الربيعي