صبحة بغورةتضمنت إصدارات دار النشر اللندنية E- kutub” " لعام 2019 كتابا هاما للشاعرة والقاصة والكاتبة الصحفية الجزائرية صبحة بغوره تحت عنوان "مراجعات حول حديث السياسة مع الفن والأمن والتاريخ " تناول الكتاب على مدى 255 صفحة مجموعة متميزة من المقالات انطوت مواضيعها على ثراء خاص ليس لأنه يشكل سجل أفكار ورؤى ومقاربات لكاتبة وأديبة جزائرية مرموقة بل لأنه يمسك بجوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية من زوايا مختلفة ليقدم من خلالها تحليلات موضوعية، هادئة، وعميقة، تستلهم من تجارب الأمم وحياة الشعوب سر المغزى وعمق المعني، ودلالة العبرة وخلاصة الدرس.

أنه كتاب قضايا تكاد تكون شغلا شاغلا لكل يوم، نعيش مفارقاته أو نمسك بجمراته أو نعاني من عواقبه، وما من قضية تناولها هذا الكتاب إلا وكتبت بقلم حار يكاد يكون صاخبا حتى لو حافظ على هدوئه لو أن يلاحظه القارئ لو أنه نظر إليه من خلال ما يعنيه من آثار صاغتها الكاتبة بعدما استخلصت الأفكار من تاريخ الشعوب وبلورتها، وصاغت المرئيات التي انتقتها لتمثل المحاور الرئيسية في علاقة السياسة بالفن والأمن والتاريخ، وحسنا استهلت الكتاب بتناولها معنى ومفهوم الكتابة السياسية في حد ذاتها ومكانتها كقوة ناعمة باعتبارها تتبع الفعل السياسي من حيث مواكبتها لمهامه التاريخية، ثم ساقتنا الكاتبة بين الرواية السياسية والمسرح السياسي إلى عوالم الرومانسية السياسية وفن رسائل الأزهار بدون كلمات وبروتوكولات الهدايا الدبلوماسية، لتنقلنا بعدها بسلاسة موضوعية إلى الحديث الناعم عن الحضارة بين الفلسفة والفن، وإبراز الدور السياسي والاجتماعي للفن، والسياسة في ميزان الأخلاق، وحدود حرية الإبداع، وتحرير الرسائل بين عفوية التعبير والمهارة الأدبية، وأدب الرحلة كسيرة مروية لإنسان غير مستقر، ومدلول الأماكن في الشعر والرواية.

إنه كتاب حوار مع السياسة، عندما تتحاور السياسة مع كل شيء، تارة لتطغى، وتارة لكي تعثر على الطريق. ومن خلالها أرادت الكاتبة إظهار مدى استغراق السياسة في المجالات الفنية الحساسة والقضايا الأمنية الهامة والمواقف التاريخية الحاسمة تجاه المسائل السياسية الحرجة بأسلوب جذاب ومشوق، فحققت ما أرادته في تمهيدها، فكان التأكيد على أن العلاقة بين السياسة وبين كل مجالات الحياة نلمس أثرها كحقيقة راسخة في كافة مظاهر النشاط الإنساني، وهي علاقة أزلية ستبقى ما بقي الإنسان لأنه بالأساس فاعلها ولأنه المتأثر بها، لذلك استعرضت الكاتبة نخبة من الموضوعات المتعلقة بالثقافة لسياسية وقدمتها بشكل أكاديمي نافع للمتابعين ومفيد في بحوث طلبة المعاهد والكليات ومعدي البحوث الجامعية، ويلبي في نفس الوقت شغف الإطلاع وحب المعرفة لدى المهتمين بالثقافة بشكل عام، فانطلاقا من تحديد ماهية المسؤولية السياسية وضعتنا الكاتبة أمام تحديات طبيعة المناورات السياسية، ومسؤولية الرؤية السياسية بين دواعي الوضوح ومسببات الغموض في بروز المظاهر السلبية للرداءة السياسية والتوحد السياسي والاستنساخ السياسي، وصولا إلى إثبات أن تحول المشاركة السياسية إلى مجرد مشاهدة سياسية فقط تمثل في حد ذاتها جريمة سياسية، تقتضي النظر بإمعان في قضايا الأمن الفكري والأمن الاقتصادي.

يضاف هذا الكتاب إلى الرصيد الفكري الإنساني لما يحتويه من قضايا دولية وعالمية تعرضت لها موضوعاته بعمق بعيدا عن الترف الفكري كالعولمة وحديث الحوارات، والبعد الدولي والعالمي لدور الدبلوماسية البرلمانية، وقضايا الأمن الفكري ومفهوم التلوث التاريخي، وأبعاد ودواعي المصالحة التاريخية، ثم ينعطف بنا نحو قضايا أكثر تعقيدا من خلال بحث سبل ضمان مكانة أمن التنمية بين مشقة إقامة علاقات الثقة الدولية وبين تعثرات مسار السلم العالمي، ومفهوم التفاوض، والنظام العالمي بين صراع التعددية والأحادية القطبية، وجهود الإغاثة الدولية بين التسييس والتحديات، وأهمية تحديد معايير جودة الإعلام.

يجسد الكتاب بشكل مميز للغاية حزمة مترابطة من الانشغالات صاغتها الكاتبة صبحة بغورة أفكارا قلقة هي عصارة تأملات عميقة لواقع بنية سياسية واجتماعية تسودها ثقافة لا تقبل على الإطلاق النقد في مسطح تفكيرها،صاغتها بأسلوبها الخاص في الكتابة المتعدد الأبعاد والمتنوع الجوانب والذي يدور في كل الاتجاهات الفكرية ويتجاوز الحدود المتشابهة، وبين خيبة الأمل والقلق ساقتنا إلى فراغ رهيب ولكن إلى حين ميسرة فوضعتنا بين حقيقة الموت الفكري والاندثار العقيدي والمذهبي الجاثمة، وبين أمل الحياة الباقي وهي تدرك جيدا أنه لم يعد الوقت مناسبا للحديث عن الخطاب الجنائزي نحتفل فيه بجلد الذات،بل جعلت الكتاب إعلان بصوت قوي أن الفرصة الحقيقية ما تزال قائمة لتجاوز حالة الغيبوبة السياسية التي أدت إلى التصحر السياسي والسبات الإعلامي بعد ان صار الإعلام موجها اكثر من شارحا وموضحا،وما تشكل بينهما من تيه ثقافي أدى إلى تناسل الأخطاء يعاني فيه مثقف السلطة ومثقف المعارضة على السواء من قلق الوجود ووجع الهوية وآلام الهم الإنساني، وإذ لا توجد إيديولوجيا مسبقة على الواقع فلا واقع بلا إيديولوجيا، والمثقف المستقل هو ناقد وصاحب فكر نقدي حر. تلكم كانت تأملات في المحطات الرئيسية التي توقفت عندها صبحة بغورة في رحلة سفرها ممتطية قلمها بحثا عن ما يمكن توظيفه لترميم وإعادة الإصلاح البنيوي العربي عبر ترسيخ مفاهيم تدعو لاستخدام العقل لا إغفاله.

تمثل موضوعات الكتاب وقفة تستنبط من وجاهة الفكرة مدى عمق المعنى وحجم واتساع دلالة الدرس لاستفزاز الإرادة وتحفيز الهمم وشحذ العزم لأنها ليست مجرد كلمات تواجه بها الكاتبة الامتحان الأزلي في رحلة البحث الدائم عن الخلود، بل من أجل البحث عن الحياة الحقيقية بكل أبعادها الحيوية، لذلك تضمن الكتاب الكثير من التقاطعات في سياق السعي من أجل التدقيق في الوقائع الممزوجة بإشباع القيم الإنسانية في المتعة الفكرية الراقية مع الاستفادة من التجارب. تؤمن الكاتبة صبحة بغورة بحتمية التطور لتجنب فوضى التغيير الذي يشابه في واقعه صعوبات عملية عبور سفينة مضيق الانتقال بالسلطة إلى بحر الاستقرار السياسي، وذلك من خلال رؤيتها الشاملة والواضحة لمحاور الكتاب وانطلاقا من نهجها الموضوعي السليم، فتراها في وسط ظلمة التخلف تتسع عيناها لترى عكس ما يراه الآخرون أو ما يراد لهم أن يروه فتغرق في أفكارها لترسم خارطة طريق في حاجة لوضع معالم تحدده، تبين بدايته ونهايته وتميزه وتدل عليه فتشير إلى اتجاه السبيل الصحيح إليه، فألمس أمامي حكمة التطور السلمي المتدرج عبر المراحل ومن خلال الحوار والمشاورة وفي ظل الحضور الجليل الذي ينمو فيها مثل طوفان الرغبة للفكرة بالحضور في الكلمات، وبروحها المليئة بالمعاني والصور لفجر البدايات ولعوالم أخرى من الحقول الواسعة للأحلام، لقد زرعت الوعد ولم تضيع الطريق برغم تعرضها لأحداث تدور باللونين، بين التشاؤم والاستبشار بين الخيبة والرجاء فمنحت الكتاب بعدا إنسانيا وروحا من التعايش، ثم أكسبت أفكارها غناء بالدلالات والإيحاءات فاستفزت فينا قوة التمسك بالحياة، وأثارت بنفوسنا الغيرة الحميدة على الوجود، لقد تصدت بشجاعة لمؤامرات مواجه المستقبل بالماضي المقدس لتفجير الصراع الثقافي ولتقويض تحديث العقل بإثارة الحديث عن تلك المعضلة المفتعلة بين دعوات التمسك بالتراث والتشكيك في جوهر دواعي التطلع للحداثة، إنها تعيش الحاضر مثقلة بتراكمات الماضي وبهموم المستقبل وغموضه ولكنها تعي تماما ثقافة عصرها وتتحرك بواسطتها مرشدة ومعلمة، لقد أسست لسياسة أن ترى التباينات في كل جهة حتى تتمكن من بناء تقدير موقف صحيح وجعلها من روافد النجاح ومنبع القوة ومصدر النصر، فتحدثت عن التراث بكل ما يحمله من دلالة تاريخية وحضارية وإستراتيجية قوية في ماضي الأمة وحاضرها، ومنها وجدت نقطة انطلاقتها المحمومة نحو التشديد على ضرورة إعادة إحياء التغييبات الثلاثة عن الوعي العربي، العلم وقوة سلاح المعرفة والثقافة باعتبارها آلية بحث واستقصاء ونقد، والتراث كحافظ على الهوية والأصالة، والتضامن كشرط أساسي للوحدة الوطنية وكحائط الصد القوي أمام محاولات التقسيم، وكم من مرة تم إخراج صراعات من طبيعتها السياسية لتعد حروبا طائفية وعنصرية.

إن الكتاب وثيقة هامة تضعنا أمام إشكالية الوعي بالوجود وسؤال الكينونة الملح في هذا الوعي، ومع ذلك يشعرنا بالإشراقات الأولية حتى قبل أن تدخل في نطاق وعينا، وعندما نقرأ الكلمات وهي تتناسخ وتنسخ الزمن تستيقظ فينا حواسنا فندرك حجم القوة التعبيرية المصحوبة بطاقة غامرة تبلغ ذروتها في تأكيد مطلق يمكن اعتباره البصيرة، لقد تمكنت الكاتبة ببراعة الواثق أن تتحول في محاور الكتاب المتميزة إلى فضاء يحتوي بدفء كل العناصر وما بينها من علاقات، وأن تمنحها المناخ الذي تفعل فيه ليكون هو نفسه المساعد على تطوير بناء المشروع الجمعي الذي سبق أن جمدت الأحداث المؤلمة نشاطه وشلت المؤامرات الداخلية والخارجية حركته حتى لم يعد له ذلك الوجود الفاعل في الحياة والمؤثر في سيرورة المجتمع، بل وتمكنت باقتدار من رسم الملامح الرئيسية للمشروع المؤسسي في نفس الفضاء الذي صنعته الأحداث بعدما لم يعد له وزن وفقد الكثير من قوة الجاذبية، وأن تواجه في نفس الوقت بروح الواثق من سمو الهدف ونبل المقصد وشرف الوسيلة تحديات وسائل إعلام غدت مؤسسات اسطورية مهيمنة على الفضاء العام ولها القدرة المطلقة في صياغة الواقع وصناعته وتوجيه حركته نحو أهداف تصنع في غرف السياسيين .

نخلص من جملة هذه التأملات إلى أن حاجة الكاتبة وتطلعها إلى واقعية سياسية في التعامل مع متغيرات المشهد السياسي قد جعلتها فريسة لمصدومة في جوانب عديدة من واقعها في خضم رحلة استعراضها الطويلة للوجع أمام قرابين الألم سواء خلال ترصد تتابعها على مسرح الحياة،أو في اجتهادها في توصيف الأحداث بدقة حتى أخرجت الحقيقة من صمتها، لقد سافرت بنا بعد معاناة في مسار متسلسل إلى عدة نهايات صادمة دون أن تتخلى عن حمل بعض أفكارها أحلاما يافعة بعضها لم تتحقق بعد، تسلمها بكل حذر لمن يقدر على حمل المشعل، وفي نفسها شيء من التوجس تجاه جدلية العلاقة بين نظام الأفكار الذي تجاوز مجرد التباين المعبر عن التعددية والاختلاف بمعنى التنوع، إلى ملامسة حدود التناقض ثم التضارب، وبين شروط النهضة، إذ يخشى أن ينحرف دور بعض الأطراف فتخرج مساهمتها عن كونها جزء من الحل إلى جزء من الأزمة .

اشرأبت الكاتبة صبحة بغورة في كتابها "مراجعات في حديث السياسة مع الفن والأمن والتاريخ" نحو حزمة نور من الأمل في أبهة المفكر لتعبر عن ذات باحثة عن وجودها، ذات ترصد ما حولها من مشاهد تراجيدية وتلم بتفاصيلها الدقيقة حتى تمتزج ذاتها المتعبة مع تشظيات المحيط لتقدم ما يلهم الناس للتوقف والشعور والتفكير والعمل من خلال بحثها المخلص الذي اتخذت له خلفية تبدو داكنة لتفسر ماضي التخلف الحضاري ثم تجعلها منطلقا لاستنطاق الواقع بكل ما يحمله من تناقضات،ولتغوص بعدها في وجدانيات بأسلوب واقعي لتوصيف كل مقاييس العمل الجمعي المؤسسي الناجحة، وتكون موضوعات الكتاب في مجموعها تفعيلا للتكامل المعرفي والانطلاق الحضاري، باستعراضه الحيادي للمعوقات وللمفعلات لتشكيل ملمح للتطوير الحضاري،كما أنه معين جيد للبحوث الاستقرائية للمسار المتأرجح بين التألق والتقلص في ترسيخ الهوية ومواجهة التحديات المعاصرة،ومع ذلك يبقى العمل النقدي أمر لازب لمن رام الترشيد الهادف والتمحيص الجاد.

* صبحه بغوره: متزوجة وأم لثلاثة أطفال، تعود بداية نشرها للأعمال الأدبية شعر وقصة قصيرة إلى عام 1999 في معظم الصحف والمجلات الجزائرية ثم اتجهت لتولي مسؤولية تحرير وإعداد صفحة يومية تعنى باهتمامات الأسرة وقضايا المرأة وعالم الطفل في الصحف اليومية "الصباح الجديد" و"النهار" و"الشروق" وأثرت صحيفة " الحقائق" الأسبوعية بعمود الرأي الشهير "فضفضة" ثم انتقلت سريعا لنشر الشعر والقصة القصيرة في الصحف والمجلات العربية السعودية والقطرية والكويتية والإماراتية والبحرينية والعمانية واللبنانية والسورية والمغربية والعراقية... ثم اتخذت الكاتبة صبحة بغورة منحى آخر باتجاهها إلى كتابة المقالات خاصة المتعلقة بالثقافة السياسية والقضايا التربوية في المجلات العربية المتخصصة حيث نشرت عشرات المقالات حول الثقافة السياسية في مجلة "الدبلوماسي"السعودية التي تصدر عن وزارة الخارجية السعودية،ومجلة "الأمن والحياة " التي تصدر عن جامعة نايف للعلوم الأمنية، ومجلة " آراء الخليج " الصادرة عن مركز دراسات الخليج، وقد أصبحت هذه المقالات مراجع مدرجة بالمستودع الرقمي في العديد من الجامعات الجزائرية في ولايات المسيلة وتلمسان، وبالجامعات العربية في السعودية ومصر والسودان والأردن والكويت والبحرين ..

صدر للأستاذة صبحه بغوره ديوانين شعر بعنوان "إمراة أنا" وآخر "لأني أحب" احتويا على عشرات القصائد الشعرية التي تكشف بكل كبرياء عن مكنونات المرأة العاطفية،وتبوح بوحا جميلا بأسرار أنوثتها عندما تحب، هذا إلى جانب مجموعة قصصية بعنوان " وخزات على جراح مفتوحة " صدرت عن مجلة " الرافد" الإماراتية احتفاء بإسهامات الكاتبة صبحة بغورة على مدى سنوات طويلة في إثراء صفحات المجلة بإبداعاتها الأدبية وتضمنت هذه المجموعة القصصية أعمالا توصف "بالمؤلمة" لأنها تناولت بعمق الجوانب الإنسانية والاجتماعية لإفرازات واقع مأسوي خلال فترة مريرة،وللكاتبة العديد من الحوارات الصحفية المنشورة حول تجربتها في مجال الشعر والقصة ونظرتها إلى قضايا الثقافة العربية، وحصلت على تكريم خاص من المرصد الجزائري للمرأة الهيئة الاستشارية لأكاديمية المجتمع المدني بالجزائر عرفانا لما قدمته في حقل تخصصها.

وتصدر دار النشر اللندنية " أي ـ كتب" الكتاب بالشكل الورقي والالكتروني، وتتولى وكالة " أمازون" الأمريكية توزيع النسخ الورقية، أما النسخ الالكترونية كل من" غوغل بوكس" و" كيندل" و "بلاي ستور" ويمكن شراء النسخة الالكترونية عن طريق الرابط الموجود بصفحة المؤلف في موقع linked in الذي ينقله مباشرة إلى صفحة الشراء عن طريق "باي بال "

 

علي محمد صدقي – إعلامي مصري

 

988 الحلقة المفقودةكتاب ترجمته ترجمة بهية الأخت الغالية الأستاذة خالدة حامد لمؤلفه: ديفيد كوزنز هوي.

الكتاب بخمسة فصول: الأول: نقد الهيرمونيوطيقا: دونالد هيرش، والثاني: طبيعة الفهم: هيرمونوطيقا هانز جورج غادامر الفلسفية، وكان الفصل الثالث بعنوان: النص والسياق، فيما كان عنوان الفصل الرابع: الحقيقة والنقد، أما الفصل الخامس ، فكان موضوعه هرمس والعلاقة بين الهرمسية والتأويل بوصف التأويل (الهيرمينيوطيقا) مُشتقاً من لفظ الهرمسية، نسبة إلى هرمس، وهرمس هذا هو أحد آلهة الإغريق (الإله، النبي، الحكيم)، (مُثلث العظمة) "العاطفي، والمادي، والعقلي"، يتداخل فيها ما هو غيبي (إيماني) مع ما هو (مادي) طبيعي، ليتواشج مع ما هو (علمي)، يتادخل تكوين الوعي الهرمسي السحري (الباطني) والغيبي الديني مع الفلسفي والعلمي العقلي والنظري المُجرد (التأملي) الذي تتداخل فيه النظرة العلمية مع النظرة الفلسفية ببعدها العقلاني والهيام بمُعطيات (التجربة الدينية) الفردية ليلتقي فيها (الروح الكُلي المثالي) مع (الروح الجزئي الواقعي) بعبارة هيجل ليختط فيها ماهو (ميثولوجي) أسطوري مع ما هو (فلسفي) أو (علمي).

الحلقة النقدية هي تسمية موازية لمدرسة (فرانكفورت) تأثر روادها برؤى كبار الفلاسفة والمفكرين على رأسهم: هيجل (المثالي)، وكارل ماركس (المادي)، وفرويد (عالم التحليل النفسي) فضلاً عن تأثرهم بأطروحات (ماكس فيبر) و (جورج لوكاتش).

يصح وصف فلسفة أصحابها بأنها (فلسفة اجتماعية)، والأصح أنها (فلسفة تطبيقية) تسعى لتوظيف مقولات الفكر المادي والمثالي لفهم ما هو معيشي وواقعي وردم الهوة أو الفجوة بين نمطي الفكر السائدين (الرأسمالي) الفرداني المُفرط، والاشتركي (العام) المفرط ليستعين أصحابها بمقولات (سيجموند فرويد) في التحليل النفسي، ليجعلوا منها (بيضة القُبان) في معادلة التوازن بين النزوع نحو (الفردانية) المُفرطة، والنزعة (العمومية) المُستغرقة في الدفاع عن (روح الجماعة) ونسيان نزوع الذات الفردية نحو (حُب الذات) والتميَز.

ركز (دونالد هيرش) على البُعد النفسي للمُتلقي أزاء النص، الذي يجعلنا نضيع في فضاء تعدد المعنى أو ما أسماه "بلبلة التأويلات"، وهو هنا يحمل التلقي على محمل حسن، ولكنه سيبقى فهم ـ لربما ـ فيه اقتراب من قصد المؤلف ولكنه ليس شرطاً أن يكون هو ما يرومه كاتب النص أو المؤلف، لذا نجده يُفرق بين (الفهم) و (التأويل) لأن الفهم اقتراب من قصد المؤلف، بينما التأويل هو اعتقاد الشارحين أنهم قد اقتربوا من قصد المؤلف، فالمعنى عند (هيرش) ثابت، والدلالة أو (الإحالة) مُتغيرة، أي أن المعنى هو ما أراده المؤلف، بينما (الدلالة) هي قابلة للتأويل، فالمعنى يبقى ثابتاً رغم تغيَر الأحوال ومرور الأزمان.

أخذ (هوركهايمر) على عاتقه التعريف بأهمية (النظرية النقدية) بوصفها (فلسفة تطبيقية) غايتها تحقيق (العدالة الاجتماعية) خارج هيمنة (الراديكاليين) من دُعاة الاتجاهين سابقيَ الذكر، لأن كل منهما يدَعي (وصلاً بليلى)= (الحقيقة) ويُنظَر دعاة كل إتجاه على أنهم أمسكوا بلُبَ الحقيقة وجوهرها، ولكن (ليلى في العراق مريضة)!، وهذا هو حال الحقيقة، كما هو حال ليلى، ولكن من يدَعون وصلاً بها أصحَاء، لأنهم لا يرون ليلى بقدر ما يرون (توهامتهم) في (الكهف الإفلاطوني) على أن الظلال حقيقة، ولكنها ظلال ليلى، وليست ليلى = (الحقيقة).

التنوير هو ادَعاء الوصل بليلى، لذلك تبنى فلاسفة (مدرسة فرانكفورت) تهديم النظرة التقليدية للتنوير المبني فلسفة وفكراً على الإيمان بقدرة العقل العلمي (التقني) على إدراك كُنه الحقيقة، أو الوصول لليقين المعرفي والعلمي عبر الوثوق بمعطيات العقل وناتجه (التقنية) التي لم نجني منها (وصلاً بليلى) = (الحقيقة) بقدر ما جنينا من نزوعنا التنويري الوثوقي هذا من "تشيؤ" للعقل الإنساني.

تلك مهمة تبناها (هربرت ماركيوز) في نقده لليقينيات عقل التنوير بوصفهها رؤية ذات بُعد واحد في كتابه (الإنسان ذو البعد الواحد)..

لم يقبل (أدورنو) بسيادة (عصر التنوير) والقبول بأطروحات فلاسفته بوصفها الحل الأمثل لمشكل الخلاص لمسيرة المجتمع باعتمادنا على مُعطايات العقلانية بطابعيها (التجريبي أو العقلاني)، لأن اليقين مشكلة تأصلت في كلا الاتجاهين، فكل اتجاه يدَعي أصحابه أنهم قد مسكوا بتلابيب الحقيقة.

ربط (هابرماس) بين المعرفة والمصلحة في كتابه الذي يحمل العنوان ذاته (المعرفة والمصلحة) وكأنه يُعيد لنا انتاج مقولة فيلسوف البراجماتية الأشهر (وليم جيمس) في مرادفته المشهور بين المعرفة والمنفعة، فبعبارة (وليم جيمس):"ما هو نافع ىفهو صادق، وما هو صادق فهو نافع

التأويل عملية فهم بحسب غادامير، فأي تأويل يُراد له أن يُسهم في الفهم، أن يكون قد فهم ما يُراد تأويله.

يهتم التأويليون بتاريخية المعرفة

في هذا الكتاب سعي لتجاوز الفهم النسبي للنص المؤول، فكل فهم مُرتبط بمدى قُدرة المؤول في إدراكه لـ "صحة التأويل" وموضوعية الفهم من خلال إحياء مفهوم "قصد المؤلف".

في الفصل الثالث النص والسياق محاولة جادة لتوضيح العلاقة بين النص والسياق عبر قراءة لنتاج (دريدا) في كتابه (الكراماتولوجيا)، وتمييزه بين منطوق الكلام وأثر الكتابة بتاكيده على استقلالية الكتابة.

أما (بول ريكور) فيُميز بين (وظيفة الكلام) الاحالية و (وظيفة النص)، ليؤكد أن وظيفة النص لا تعني تأويلاً للحوار فحسب، بل، في الوقت نفسه تعني تأويلاً للاحالة، فلا وجود للنص من غير احالة ما.

يعتقد غادامير أن الفهم ظاهرة لسانية، بينما نجد هابرماس يؤكد على الأبعاد الاجتماعية للمعرفة مثل علاقات القوة وبنية العمل، ليُقدم لنا نظريته في "الفعل التواصلي".

لذا فإن النظرية الهيرمنوطيقية كما يتبناها فلاسفة (الحلقة النقدية) لا تجعل النقد مُستحيلاً - كما جاء في الفصل الربع (النقد والحقيقة) - بل سيجد اصحابها في التأمل الهيرمنيوطيقي مجالاً يُمهد للنقد وأصحابه ممارسة ورؤية للحقيقة بعيون باصرة.

 

ا. د. علي المرهج

 

محمد السعديقرية الهويدر: التي ولدت فيها وقضيت ثلث عمري، الذي تجاوز الستين بين درابينها الطينية وعلى تخوت مقائيها العتيقة وبين أهلها، هاجرتها مجبراً، لكنها لم تفك عني رغم مرور تلك السنيين في المهجر، وما زالت تعيش في تفاصيل حياتي اليومية في عطر الذكرى والناس والدربونه والنهر والمقهى والارهاصات . حيث لايمر يوماً الأ ويهاجمني شريط الذكريات عن طيبة ناسها ورائحة قداحها وطينة نهرها وميائه الرقراقة الزلال ولمعة النحاس للون المشاريب على أكتاف نسائها وهن عائدات من شريعة نهر ديالى محملات بمشاريب المياه وملفعات بتلك العباءات السود . شريط الذكريات يمر بي الى عتبة بيت تلو عتبة وسحنات وجوه ساكنيه وطيبتهم ومميزاتهم وأسمائهم، أواصل حلمي الى كل دربونه وعكد، بدءاً من القلعة الى الدوزة الى منطقة الحمام أميل يساراً الى دكان أبي المجاور الى باب الحمام الاهلي الجانبي مدخل سيدات وشابات الهويدر المبجلات بالخجل والجمال الهويدراوي، يطوف بي تلك الحلم الى بيتنا العتيق الفاصل بين عكديين الحميدية والجبان، أهيم بحنين بين بيوت الحميدية ويلفعني نسيم هواء بستان أم الهري الى فروع أم البنات عابراً الى درابين الممدية وذكرى صديقي الشهيد ثامر البغدادي في المطلاع، وصولاً الى فروع الجرد والفضوة ومروراً بمنطقة الجامع ومقهى كامل السعدي (أبو عيسى)، الى الشيخ دكل وإطلالة شريعة نهر ديالى والعبور بالكفه الى قرية السبتية.

تلك الذكريات، قفزت الى ذهني، حالما مسكت يدي تلك الكتاب وقبل تصفحه والنظر الى دفتيه، صورة الغلاف أبكتني بذلك الماضي العتيق من خزين طفولة وذكرى ومسيرة . (الهويدر قرية الالف لقب والالف شهيد) .

الهويدر: قرية قديمة وعريقة ومهمة تقع شمال مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى بمسافة خمسة كيلو مترات بطريق مبلط . وقد أنشأت هذه القرية سنة ١٩١٠ ميلادية، وقد أختلفت التسميات حولها مابين أصل فارسي مأخوذ من (هودار) أي مجمع الهواء، وقيل أن أسمها تركي جاء من الهواء العذب . وروي عن البعض أن أصل أسمها يعود الى كلمة (هودرو)، عندما مر الإمام علي أبن أبي طالب بجيش جرار فيها، وخاطب جيشه أن يهودرو في أحدى بساتين القرية تسمى (مال كاوري)، طلباً للراحة والآمان والتي تطل مباشرة على نهر ديالى مقابيل مدينة بعقوبة الحديثة (بعقوبة الجديدة / خان الوالوه سابقا)، في الجهة الثانية من نهر ديالى . وقبل خروجي بسنوات من القرية، كانت بستان (مال كاوري) وشاطئها الجميل ملتقانا اليومي مع الصديق عدنان الانصاري وفي مشهد سحر أختفاء ضوء الشمس من على ضفاف الشاطيء تجرنا الاحاديث ببطء الى الافراح والاوجاع والمعاناة في عراق مقبل على تداعيات خطيرة .

وهذه القرية كانت قد تكونت بسبب عوامل الطمي التي حصلت لنهر ديالى بعد أن تغير مجراه، وهي عامرة بالبساتين ومزارع الفرتقال والرمان والتمور بأنواعه المختلفة . وكانت حمضيات قرية الهويدر مضرباً لأمثال الطراوة ولذة طعم برتقالها، ونظراً لهذه المكانة في جزيئات الاقتصاد العراقي، أستضاف المرحوم كامل الدباغ في برنامجه الشهير (العلم للجميع) من كل يوم أربعاء مساءاً على قناة العراق الرسمية أحد مزارعيين القرية المرحوم (أبو علي) ليتحدث عن عدد أنواع وأصناف الفرتقال في بساتين القرية وبجهود من مزارعيها في تطوير عدة أنواع من خلال القاح والتطعيم . في السنوات الاخيرة باتت محاصيل القرية تعاني من مشاكل متعددة أبرزها الاهمال والتقصير بعدم مكافحة الآفات الزراعية وشحة المياة من خلال عدم جدولته وتنظيم سيره في جداول الأنهر الساقية . فأضطر العديد من الفلاحين الى تجريف المئات من الدونمات وتحويلها الى أراضي سكنية بسبب العوامل التي ذكرناها أدت الى تراجع في الانتاج الزراعي وعدم جدواه المادي .

وكان للعنف الطائفي بعد أحتلال العراق أيضاً أثره السلبي على الانتاج، حيث تعرضت العديد من البساتين الى العطش وأنقطاع مياه عنها، أضافة الى كثرة الأوبئة والامراض التي أصابت أشجار الحمضيات .

قرية الهويدر: تصلح أن تكون مصيف سياحي تستقطب السواح لطبيعة جوؤها وموقعها الجغرافي وسط مياه نهر عذب ومحاطة ببساتين النخيل والحمضيات، وأن الشاعر المعروف (الملا عبود الكرخي)، ذكر في أحدى قصائده الشعبية برتقال الهويدر . وقد زارها فيصل الأول ملك العراق وحظي بأستقبال أهلها تقليداً للاعراف الاجتماعية في الهويدر في أحترام الزائرين والحفاوة بالضيوف . زوارها التقلديين أو المارين على مقاهيها ومطاعمها هم ضيوف على أهالي القرية، وهذا تقليد توارث عبر سنيين قيامها، وعندما يجلس الضيف على تخوت القرية وبدون معرفة سابقة ويطلب (شاي)، ينادي أحد الجالسين القريبين منه كلمة (وره)، بمعنى حسابه واصل، وحتى الذي قام بهذه الخطوة وأذا كان لم يمتلك فلساً فعلى مالك المقهى يتحمل (وره) أبن قريته .

في العام ١٩٨٣، وعندما أجبرتني الظروف على ترك القرية وأهلها الطيبيين، كانت القرية تحتوي على قرابة ١٢٠٠ بيت ويبلغ عدد سكانها نحو ثمانية الاف نسمه جلهم من العرب لهم تقاليدهم العشائرية وعاداتهم الاجتماعية وخاصة في الشعائر الدينية أيام محرم عاشوراء.

الهويدر: تعد قرية صغيرة حصرها نهر ديالى بمنفذ وحيد يربطك بمركز المدينة وقد تبدو للمشاهد كجزيرة وسط المياه ومحاطة بكثافة البساتين . وقد أستغل الارهابيين نتاج الاحتلال والعملية الطائفية في أستغلال هذا المنفذ الوحيد للقرية في تنفيذ أعمالهم الارهابية تجاه أهالي القرية من قتل وقصف وحصار، وراح ضحيته أبن أخي المرحوم باسم (نوار)، بعمر ١٧ عاماً متصدياً بصدره البريء الرصاص الغادر تجاه أهالي قريته .

وتعرضت القرية وأهاليها الى عمليين أرهابيين بطرق السيارات المفخخة أودت بحياة شريحة واسعة من أهالي القرية ظلماً وعدواناً . وطيلة قيام القرية تعرضت الى أكثر من مرة الى تدمير طبيعي أثر فيضانات نهر ديالى، لكن بقيت ملامحها طاغية ومعالمها واضحة وحافظت على تكوينها الطبيعي (القروي)، رغم الخراب الذي أصابها من أثر الفيضانات وهجمات النحر الطائفي .

تمسك أغلب الهويدراويون بطابعهم الشيعي الحاد والذي وصل أحياناً الى مستوى التقوقع في أيام الحرب الطائفية رغم قرب القرية من المركز بعقوبة . أمتازت قرية الهويدر بالزراعة ونخيلها المتميز وجمال طبيعتها وصفاء نهرها وطيبة أهلها . وخرجت القرية رموز أدبية وسياسية تركوا بصماتهم على مكانة القرية . أمثال طلعت الشيباني وزير أقتصاد حكومة ١٤ تموز ١٩٥٨ أول حكومة وطنية في العراق، وأيضا خزعل علي السعدي القائد العسكري والسياسي، وعلي عباس ططو عالم عراقي قتل في ظروف غامضة والشاعر أحمد حسين البياتي وأخرون . تكاد تكون نسبة اللامية ضئيلة جداً . عام ١٩٨٠ أقدم النظام العراقي على جريمة كبيرة، سادتها أجواء الرعب والحيف الذي لحق بالناس . ففي جو إرهابي أقدم على تهجير مايقارب ١٥٠ مواطناً قروياً الى الجارة إيران بحجة التبعية الايرانية أستعداداً للحرب القادمة والتي طالت ٨ سنوات حرقت اليابس والأخضر، ومن أجل تصفية حساباته وخلافاته السياسية والدفاع عن البوابة الشرقية، فكان العدد الاكبر منهم ينتمون الى العراق وحاملي الجنسية العراقية القديمة ومنهم وليس قليلاً من أعمدة النظام في القرية، هجروهم قسراً بعد أن أختطفوا شبابهم من ذويهم وغيبوهم في غياهب السجون، فقد هجروهم بعد أن جردوهم من كل ممتلكاتهم الشخصية وأفذاذ أكبادهم، البعض من هول الصدمة ماتوا على الحدود حنيناً للعراق وأهله، في هذه الاجواء المربكة والصعبة هب أهالي القرية لشراء ما تركوه من بيوت وبساتين وبأتفاق الجميع لتكون أمانة عند عودتهم، وفعلا عادت بعد عودتهم مع رحيل الدكتاتورية عن المشهد السياسي العراقي ومجيء الاسلام السياسي المتخلف تحت حراب الامريكان . في العام ١٩٨٨ وصلت الى إيران (طهران .. قم .. مشهد)، بعد أن نجوت بأعجوبة من أخر أنفال حكومي سبق قرار أيقاف الحرب العراقية الايرانية، والتقيت ببعض العوائل من أهالي القرية، الذين هجروا وجدتهم يتلوون حنيناً للعراق وأهالي قريتهم ويذرفون الدموع على تلك السنوات، ولفت أنتباهي خطوة النظام الغبية أن أبناء العديد من تلك العوائل قد أنخرطوا في التنظيمات والمليشيات التي تقاتل مع الجيش الايراني ضد العراق، صدام حسين ونظامه أعطى للايرانيين قوة عسكرية ضاربة جراء همجيته المدمرة والبعض منهم عادوا في حكم العراق بعد أحتلاله ورحيل النظام . وقد سبق هذا الفعل الهمجي حملات إعتقال واسعة في العراق شملت تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي والتفريط بالجبهة وتنظيمات حزب الدعوة وعناصر القوى القومية ورفاقهم في مجزرة قاعة الخلد عام ١٩٧٩ . للتفرد في الساحة السياسية العراقية وتكريساً لعقدة الحزب الواحد .

 

محمد السعدي - مالمو

 

 

987 المراة والقرانبقي عنوان النظر والتجديد في التراث الديني من أبرز العناوين التي تتحرك في فضائها مشاريع وأعمال عدد من الباحثين من دعاة الإصلاح والنهضة، ولا تزال قرأتهم قائمة في تكشيف المرجعيات الإسلاميَّة، بمقرراتها واداواتها، وفك التباساتها التاريخية مع معطيات الزمن الذي ولدت فيه وأثرت به وتأثرت، لتنمية وإرساء معطيات ونصوص ورؤى حضارية تنسجم مع تحديات الزمن الراهن، المتدفق بكل عناصر التغيّر والسرعة.

والموقف من المرأة كما يرى الدكتور عبد المجيد الشرفي يعد اليوم أفضل معيار يمكّننا من تصنيف المفكرين والمشتغلين بالمعرفة الدينية، ومعرفة مدى بقائهم عالة على بعض القدماء من الذين يكرّسون التمييز الذي كانت النساء ضحيته، أو انخراطهم في مقتضيات عصرهم بالنسبة إلى سائر القضايا. وهذا المعيار هو الدليل في الحكم على المصداقية التي يمكن أن يتمتع بها أي موقف، باعتبار أن حقوق الإنسان كل لا يتجزأ ولا يجوز اختزالها. فإذا وجد من ينبذ الأحكام الفقهية التفصيلية التي تفرق بين المسلمين على أساس الانتماء المذهبي –مثلًا- ثم وجدتهم يقرّون بفرض أحكام فقهية ولدت ضمن الاشتراطات التاريخية بتعللات واهية، فلا نستبعد أن ذلك النبذ منقوص ومعتل، يحمل في طيّاته تناقضًا داخليًا، وأنه غير مبني على أساس متين.(1)

وقد شهد المسار التاريخي لموضوع المرأة سجالات فكرية حادة في داخل الوسط الديني، في العصر الحديث من رفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده، وقاسم أمين، والطاهر الحداد ومرتضى مطهري، ونصر ومحمد مهدي شمس الدين وو.  وقد تمخضت عنها اتجاهات معرفية متعددة، يمكن حصرها في ثلاثة، لنتلمس من خلالها مشروع الأستاذ ماجد الغرباوي في مقاربته لهذه القضية الحرجة، وأين يمكن أن يصنف؟ وما هي أبرز محدداته وأدواته؟

وبإيجاز، فان هذه الاتجاهات الثلاثة، هي:

أولا: الاتجاه التقليدي النصوصي (الأصولي):

ومن أبرز معالمه الحفاظ على أصالة المعارف والتعاليم الإلهية، ومواجهة جميع الأفكار التي تستعين بالمعارف والمنهجيات الحديثة في فهم وتفكيك التراث الديني. فؤلاء يقدسون الماضي. حتى ان بعض اتجاهاته المفرطة، تعتقد أن الله يريد حفظ الظروف الموضوعية والعلوم والفنون التي كانت موجودة في ذلك العصر، ويعدون كل التحولات اللاحقة بعيدة عن المجتمع الإسلامي المرجوّ. (2)

الاتجاه الثاني: الاتجاه الكلامي (العقلاني):

وهو اتجاه برزت فيه شخصيات كبيرة في القرن العشرين كالشيخ محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، ومحمد حسين الطباطبائي، ومرتضى مطهري، ومصطفى السباعي، وغيرهم، وقد ركز هذا الاتجاه نشاطه على صعيدين(3):

أحدهما: تقديم صياغة علمية داخلية لموضوعات المرأة غلبت عليها، سمة إعادة إنتاج من دون تغيير في النتائج غالبا، أي إعادة صياغة وتشكيل للنظم المفاهيمية مع الأخذ بعين الاعتبار ثبات النتائج.

ثانيهما: تقديم تفسيرات عقلية للنتائج المفروغ منها، يمكنها عقلنة معطيات النصوص، أي تقديم تفسيرات لقضايا الحجاب وعلاقته بالحرية، وتعدد الزوجات وعلاقته بالحقوق وو. وقد ساعدت التركيبة الذهنية – الاجتماعية في المجتمعات الإسلاميَّة، على نجاح هذه التفسيرات ومعقوليتها لدى الرأي العام، وهو ما قد ينذر بفشل الديمومة، نتيجة التغيرات التي حدثت في العقديين الأخيرين.

الاتجاه الثالث: الاتجاه الفقهي الحضاري:

 وقد تبلور هذا الاتجاه في كتابات الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله، والشيخ يوسف صانعي، والشيخ مهدي مهريزي، والشيخ مجتهد الشبستري، غيرهم. ويحكي عن نمط من التفكير والتعاطي مع النص (القرآن والصحيح من السنة) المحتكم إليه في القراءة والتأويل، تمثل في أمرين(4):

الأمر الأول: آلية الحفر خلف الجانب الصدوري للنص، وهو أمر يتسنى في السنة الشريف، ويستحيل في القرآن الكريم. إن هذا الحفر الذي يهدف إلى تقويض النص من خلال نفي صدوره، وجد لنفسه في هذا الاتجاه فرصة ملائمة جدًا. والسبب في ذلك هو ان مجموعة تصورات اجتماعية عن المرأة لم يعمد الفقهاء والمتكلمون المسلمون السابقون إلى تحقيقها اتكالًا على الوضع العام في الوعي والعقل الجمعي المسبب عن بنية خاصة للمجتمع القديم.

الأمر الثاني: إلية تكوين قراءة جديدة للنص تدخل في الحساب التاريخي، والمكسب الذي سيتحقق حينئذ يقوم على محاولة عزل النص عن الواقع الاجتماعي الحالي من خلال وصله ببنى وهيكليات اجتماعية – سياسية سابقة لم يعد بالإمكان تحققها اليوم.

هذه هي أبرز الاتجاهات الدينية التي عاشت السجالات الفكرية لوضع المرأة الحقوقي والحضاري، وقدمت تصورتها وقناعاته فيه، ولكل منها كما شاهدنا أدواته المعرفية وسماته وتجربته.

ومن ثَّم، نعود ونسأل أين يمكن أن نصنف مجهود وعمل ماجد الغرباوي من هذه الاتجاهات من خلال كتاب (المرأة والقرآن) ؟ علمًا ان كتابه عبارة عن حوار أجرته معه الدكتورة ماجدة غضبان، وكان الحديث في عمق التشريع وفلسفته ومرجعياته وأصوله، والواقع ودلالاته في النص وفهم النص. مع النظر في المنهج البحثي والعقل الاجتهادي الإسلاميَّ في محاولات التأصيل والتعميق.

ويبدو لنا من خلال المطالعة انّه ينتمي إلى الاتجاه الحقوقي الحضاري، الذي يسعى إلى قراءة مضامين الأدلة الشرعية من جديد، وفك النصوص من اشتراطاته الزمانية. ويمكن تلمس أبرز أدواته في الفهم والتفكيك والمعالجة بالاتي:

أولًا: التفريق بين النص وفهم النص وتفسيره، فهو يرى ان القداسة أو الحجة الشرعية-كما يسميها- لا تتجاوز القرآن والصحيح من السنة، وحتى هذا السنة فبعضها تدبيري (أو ولائي، تقتضيه المصلحة العامة)، والآخر مطلق يحمل على نحو القضية الحقيقية. فهو يقول: (اذاً الحجة الشرعية هي الكتاب المبين والحديث الصحيح الذي يفسّر النص "في تفصيلاته التشريعية وبعض جوانبه". وما عدا ذلك يقبل النص الديني أي تفسير ضمن ظرفه وشروطه. ولا شك ان النفوس الذكورية والاعراف والتقاليد، لعبت دورا في تفسير النص لصالح الذكر ضد الانثى، وهي تفسيرات وليدة عاداتها وتقاليدها وفهمها، وليست بحجة علينا. ويجب ان يكون لنا تفسيرنا ضمن ظرفنا التاريخي. وهذا الكلام لا يعني الشمول ابدا، فهناك كثير من التفاسير الموضوعية، لكن قد نراها تجافي المرأة على خلفية فهم المفسّر، ومبناه في توثيق الروايات، ومدى قبوله لها. او مدى تأثّره بالتراث او بواقعه. او بسبب خلفيتنا نحن، واختلاف الزمان، ورؤية الرجل مطلقا للمرأة ودورها في المجتمع. فالقياس هو القرآن وليس قول المفسر او الفقيه، ومتى ما انتابنا الشك في اقوالهم نعود للقرآن نستنطقه كي نتعرّف على الحقيقة.."(5) وعلى ذلك فهو يرفض النصوص والتفسيرات التي تصف النساء بناقصات العقول، أو ما ينسب  للإمام علي(ع) من : " كن من خيرهن على حذر"

ويعتقد انها نشأت في ظروف سياسية خاصة، كحرب الجمل وخروج السيدة عائشة على الإمام علي (ع) وتزعمها لجماعة من المسلمين. (6) ووفقًا لذلك لا يمكن أن يشكل ذلك مدركًا للأحكام الشرعية أو لرسم صورة عن المرأة. نعم هي رأيٌ سياسيٌ شخصيٌ، لا رأيٌ اجتماعي عام تبنى عليه الأحكام.

ثانيًا: ان حصر مقاصد الله بالدلالة الحرفية للنص، وعدم مراعاة الدلالات الأخرى كالدلالة العقلية أو الدلالة المقاصدية، أو الدلالة الواقعية (التاريخية) قد أثر سلبا في تفسيرها، وجرد النصوص من قرائن مهمة قد تقلب العام إلى خاص، أو المطلق إلى مقيد والعكس صحيح. وعليه، فان الحل يكمن في تتبع المجتهد واستقرائه لجميع الدلالات الداخلية والخارجية لخلق وعي أعمق وأشمل للنص.

ثالثًا: من خلال إيمانه بلزوم فهم الأسبقيات والقبليات التي ينطلق منها المجتهد في معالجاته فانه يرى ان الفرضيات المعرفية المسبقة عن هوية المرأة وقدراتها هي من أثرت بشكل كبير في استنباط العديد من الأحكام المتعلقة بالرجل والمرأة. فيقول في ذلك: "لا إشكال في ان الحس الذكوري هو بوصلة الفهم والتفسير لدى بعضهم.. فكانت الذكورية حائلًا بينهم وبين التفسير والقراءة الصحيحة، حتى ان بعض الآراء الفقهية ما زالت قاصرة وقد تصنف جائرة بحق المرأة، وسببها كما تقدم النظرة الذكورية." (7)

رابعًا: فحصه للنصوص وإعادة قراءة مضامين الأدلة لا تمنعه من قبول مسوغات فكرية قدمها علماء الإسلام بخصوص تعدد الزوجات- مثلًا-، وصلته بالحقوق من أجل مجتمع نظيف، عفيف، ما دامت هذه المسوغات أو العلل لا تصطدم مع الواقع الضاغط بضرورياته ، مثل: كون الرجل لا يكتفي جنسيًا بزوجته، أو أن زوجته لا تطيقه جنسيًا، أو ان التعدد قد يساعد في القضاء على مشاكل العوانس، وقلة الرجال بسبب الحروب، أو الأرامل في ريعان الشباب، ونحو ذلك. والتعدد عنده من حقوق المرأة وليس الرجل فقط.

خامسًا: من الأدوات المنهجية عنده هو معيارية الفهم القرآني، وحاكميته على مجمل النصوص الأخرى، ولا يتأتى ذلك إلَّا من خلال النظر إلى القرآن ككل لا إلى جزء منه فقط.

وتشير الدراسات القرآنية الحديثة إلى ما يقارب من مئتي آية تتناول المرأة وعلاقتها بالرجل. ومن هذه النقطة في ينطلق إلى رفض الآراء التي تجيز زواح البنت بتسع سنوات!! معتمدًا على علامات البلوغ التي ذكرته النصوص كـ " بلوغ الحلم "، أو " بلوغ الرشد " فلا يمكن استفادة إطلاق الحكم بتسع سنوات من دون أن تكون حائضًا وبمستوى الرشد.

سادسًا: تحت عنوان "الإسلام والرق" يكشف ماجد الغرباوي عن أبرز أدواته المعرفية وهي التمييز بين الأحكام التدبيرية الزمنية التي تصدر من النبي (ص)، وبين الأحكام التبليغية التعبدية، فكما ان النبي يمارس أحكام التبليغ فانّه يمارس أحكام الولاية العامة في إدارة شؤون المسلمين، وهذه الأخيرة توقيتية لا تلزم المجتمعات اللاحقة. وعليه، فان أحكام الرق ومشروعيته إذا كان لها ما يبررها في ظروف وقواعد الصراع التاريخي، فان هذه القواعد قد تبدلت بعد أن اتفقت جميع المجتمعات على نبذ الرق بإشكاله المختلفة.

وأخيرًا، من حقي أن أسجل ملاحظة نقدية يمكن أضعها بصفه سؤال أمام منهج وتعاطي الأستاذ ماجد الغرباوي في تفريقه بين النص وفهم النص، وقد ذكرتها في كتابي:" مسألتان شائكتان في قضايا المرأة " وهي: ان معالجة القرآن لقضايا المرأة هل قائم على أساس تكويني في طبيعة المرأة بحيث يتصف بالثبات، أم قائم على أسس وحيثيات اجتماعية متبدلة ؟ وبالتالي يخضع النص القرآني للتبدل في معالجاته؟.

 

سُميَّة إبراهيم الجنابي/ باحثة إسلاميَّة.

الحلة/ العراق.

.............................

(1) ينظر: عبد المجيد الشرفي، عبثية الصراع المذهبي، كتاب: الصراع المذهبي فصول في المفهوم والتاريخ، الناشر: جامعة الكوفة، الطبعة الأولى- بيروت-2018م، 65.

(2) ينظر: الشيخ محمد تقي سبحاني، شخصية المرأة – دراسة في النّموذج الحضاري الإسلامي، ترجمة: علي بيضون- شاكر كسرائي، الناشر: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي- الطبعة الثانية - 2013م، 29-33.

(3) الشيخ حيدر حب الله، المرأة في الفكر الإسلامي المعاصر، الناشر: دار الهادي- بيروت، 2008م، 14.

(4) الشيخ حيدر حب الله، المرأة في الفكر الإسلامي المعاصر،12.

(5) المرأة والقرآن- حوار في إشكاليات التشريع، الناشر: العارف للمطبوعات، الطبعة الأولى- 2015م، 16.

(6) ينظر: المرأة والقرآن- حوار في إشكاليات التشريع، 24.

(7) ماجد الغرباوي، المرأة والقرآن- حوار في إشكاليات التشريع، 25-26.

 

سعيد الحسين عبدليحول الكتاب والكاتب: كتاب "نبض الخاطر" لئن اعتبره المؤلف من صنف السيرة الذاتية فإنه تجاوز هذا الحد كثيرا فكان أقرب ما يكون لأسلوب عبد الله ابن المقفع في كليلة ودمنة ووفيا لأسلوب غرامشي في النقد والالتزام بقضايا المجتمع. هو كتاب فاق حجمه بالقياس العددي 66 صفحة فكان أكبر بذلك بكثير لما نتأمل في القضايا التي طرحها والتي امتدت على 13 مشهدا سنأتي على توضيح مدارات اهتمامها.

صدر "نبض الخاطر" عن دار أطلس للنشر والتوزيع للكاتب صلاح هاشم وهو الكاتب الذي يحمل في رصيده أكثر من 16 كتابا فضلا عن المقالات والدراسات، هو أستاذ التنمية والتخطيط بجامعة الفيوم في جمهورية مصر العربية.

محتوى الكتاب:

يتكون من مستهل و13 مشهدا تعبر عن المعيش المصري كما عايشها الكاتب في المجتمع الذي ترعرع فيه: الله، القدر، الحياة، الموت، الحب، الصداقة، الأم، الوطن، العدل، الحرية، العلم، الفقر والفساد. فمثل هذه العناوين تكاد تكون هي نفسها مشاغل كل إنسان في البيئة العربية وليس فقط مصر. فالكاتب هنا جاب بذاكرته المفعمة بالحب والألم في آن واحد في كل أرجاء مصر،  إذا يقول " لقد كنت أمينا في نقل أفكار ومشاعر الذين تزاملت معهم عبر حياتي الماضية كما كنت أمينا في رصد أوجاعهم التي عجزت ألسنتهم آنذاك عن التعبير عنها، كما كنت حريصا على أن أنقل ملاحظاتي في سياسات الحكومات فيما يتعلق بتعاملاتها مع قضية الفقر وهموم الفقراء، أملا في تغيير سياساتها إلى الأفضل، من أجل دولة قوية تقوم على السلام والحوار العادل بين الحكومة وبين الشعب."

فهو بذلك  نقل آلام الناس ومعاناتهم وصوّر كل ذلك في شكل مسترسل وعفوي بعيدا عن لغة الخطابة الزائدة والتحرر قدر الإمكان من ضبط الكتابة التقليدية التي تستلزم إثراء النص بشواهد من دراسات أخرى. فكان المتخيّل والرؤية الثاقبة كفيلتان بالنسبة للكاتب صلاح هاشم لرسم معانات الناس الفقراء والفئات الهشة وحتى تلك الهامشية والتي سماها بلغة الملفوظ الشفوي التي نبتت فيها.

هذا الكتاب فيه مراوحة بين لغة الوجدان والعقل..الوجدان لما يكون الكاتب جزءا من معانات النــــــاس الذي كان هو نفسه واحدا منهم وجعلته وفيا، متحمسا لمناصرتهم، يعتبرهم جزءا من ذاته..ولكن سرعان ما تتراء لغة العقل والعلم والحال أنه المتخصص في مجال التنمية والتخطيط فتراه بين الفينة والأخرى يُنزّل تلك المشاهد وفق سياقاتها المعرفية متحمسا لضرورة جعلها في أولويات الإصلاح والتنمية حتى أنه يعتبر أن مقاومة الفقر هو أولوية مطلقة من دونها لا يمكن تحقيق التنمية والقفزة المصرية، ولذلك يقول:" لن تتوقف أنهار الفقر عن التدفق إلا إذا تبنت الدولة سياسات تحفز الفقراء على العمل والإنتاج، وتحفز الحكومة على تطبيق العدل، وتكف أيدي المسئولين عن الفساد"

هذا الكتاب عالج مفهوم الإنسية المصرية، الإنسية باعتبارها أبلغ المفاهيم المستخدمة في الحقل السوسيولوجي العربي كما نقرؤها في كتاب بوحديبة الموسوم بـــ"الإنسية في الإسلام" وخاض فيه جملة من المفاهيم المغلوطة في مجتمعنا العربي كتلك التي تناولها صلاح هاشم خاصة في مشهد القدر والله.." إذا أردت أن تكون إنسانا فليكن لك قلب تملؤه مراجيح الأطفال، وعقل تسكنه حكمة الشيوخ...داووا مرضاكم بالحب، فإن الحب "صدقة العاشقين"..و"زكاة" الغلابة والمساكين" ليؤسس بذلك إلى فلسفة الحب باعتبارها المنقذ من الموت بعيدا عن كل معاني الثقافة الصفراء التي مست حتى التمثل للدين وتعاليمه  والحياة والموت،  ولأن الإنسان هو الإنسان والله واحد فإن الكاتب عمل على تقويض النظرية القائلة بأن الاختلاف الديني يزرع الاقتتال بين الناس ويكون مبررا للتباغض وإحداث الفرقة في الجسم الاجتماعي مما يهدد السلم:" هل جربت "الحب" يا ولد ..هل تذوقت حلاوته؟ ..هل جربت أن يكون قلبك"معلّق" على صدر الحبيب..إذا غضب"الحبيب" لا تنام..ولا تنام حتى يرضى..لم يكن "محمد" والمسيح متخاصمين بل كانا أخوين متحابين في الله ، غزا" المسيح" العالم بتعاليمه المحبة، غزا الإسلام العالم بتعاليم التسامح.." .. وبصيغة متهكمة أحيانا وبلغة الحكمة في مواقع أخرى يتطرق إلى آفة الإرهاب الذي نخر الجسم العربي ومنه المصري مبرزا أن الإسلام هو دين حياة وليس موت. وفي هذا السياق بقي وفيا لنفس المنهج الإرشادي:" عودوا إلى ربكم ببعض "لقيمات" في بطن جائع، و"ابتسامة" في وجه مهموم، و"مسحة" يد على رأس يتيم..(...) الدين واسع، وكل يأخذ منه على قدر فهمه، وكل يأخذ منه على قدر طاقته..وكل يحصل منه على قدر إيمانه..الله رحيم يا سادة..فلماذا لا نصبح رحماء مثله..؟ "

هذا الكتاب عبارة عن مغامرة في التفكير الجديد من أجل نقل مشاغل المجتمع وتصورات أفراده ألمح فيه الكاتب إلى ما يجب أن يكون. فبرزت لغة الحكيم والوطني المخلص فهو على حد تعبير غرامشي ذلك المثقف الملتزم. ولعل ذلك هو مبرر "جنون" الدكتور صلاح بحب وطنه: " وطني الحبيب ..أنا لست بعيدا عنك إلى هذا الحد..فقط بيننا "بحر" هائج تسكنه الثعابين..(..) مصر بلد عظيم.. فلا تعيشوا بداخلها "أقزام"..(...) مصر أقوى واكبر من سكانها..لا تقبل أن يحكمها ضعفاء، أو يسكنها دهماء.." هذا الحب كما فهمته في روح الكاتب هو أنه أن يريد أن يدرأ عن مصر كل ماهو معيب مثبّط لنمائها وخاصة الفقر الذي هو الشغل الشاغل للكاتب صلاح هاشم  خاصة من خلال انتصاره لفئة الفقراء ويدعوا بكل جرأة إلى تجاوز بعض مضامين التراث البالية والتي كلما استعرضها بصيغة التهكم إلا وأعقبها بحكم ونصائح  كقوله :"علمونا في المدارس أن الجهاد في سبيل الله يكون بقتل النفس، ونسموا أن يعلمونا أن الجهاد الأعظم في "احيائها":" ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا "..نحتاج مجددا لإعادة هيكلة التعليم الديني في إطار قراءة سليمة للقرآن والسنة..بعيدة عن الغلو والتشدد..فلسنا بحاجة لــ"ضحايا" جدد لــ"فهم" ديني مغلوط.. " وهنا تبرزه نداءاته الجريئة للإصلاح  داعيا إلى التجديد في ظل عالم شديد التحول من أجل بلوغ  المنشود وتحقيق الرخاء لأنه حسب قوله" الشيء الوحيد الذي يجب أن تموت من اجله هو الوطن..فإذا عاش الوطن عاش فيه جميع من تحب..وإذا ما احترق..احترق الوعاء الذي تنصهر فيه مع من تحب.. (...) حينما يريد الله لنا النهضة سوف يمنحنا الإيمان بالعمل، ويحبب إلينا الصلاة في الحقول، والذكر على تروس ماكينات الإنتاج، ويرزق المسئولين سعادة العمل في حب الوطن، وليس في بناء أمجاد شخصية.. "  ومثل هذا الأمر  عمل على تفكيكه في كتابه الموسوم بــ "الفقراء الجدد".

هذا الكتاب هو إثراء للمكتبة العربية  لأنه كتاب الإنسان العربي المنشود بعيدا عن كل إسقاطات الايدولوجيا وليس هذا بغريب عن فكر الكاتب صلاح هاشم الذي كان لي شرف لقائه والاستمتاع بمحاضراته في تونس فهو لا يكل ولا يمل من الدعوة إلى التجديد ونبذ الثقافة الصفراء ثقافة الموت، فالإنسان والمجتمع والتجديد ثالوث مكون لفكر الكاتب كما فهمناها في نبض الخاطر.

  

بقلم:  د. سعيد الحسين عبدلي

أستاذ باحث في العلوم الاجتماعية، جامعة قرطاج، تونس

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن يمر علينا نبأ وفاة أستاذنا الدكتور "إمام عبد الفتاح إمام" في يوم الثلاثاء الماضي – الموافق 18/ 6/ 2019، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا المفكر والفيلسوف العظيم، فهو بلا شك يمثل أحد النجوم الكبيرة المتلألئة في سماء الفلسفة خلال أكثر من نصف قرن، حيث يمثل مفكراً أصيلاً وعالما كبيراً . كان يمتلك الكثير من عمق المعرفة وجدية الأدوات المنهجية، فهو يمثل صاحب مسيرة طويلة وممتدة في تاريخنا الثقافي، فله أكثر من مائة وعشرين كتاباً بين مؤلفاً ومترجماً في الفلسفة والعلوم الإنسانية، وهو لا يكاد يتحدث عن تلك المسيرة إلا ويشير إلي الدور الذي لعبه في حياته الدكتور زكي نجيب محمود، فهو من أبرز تلاميذه، وأحد من تولوا التعليق على فكره في الفكر العربي المعاصر. له مساهمات فكرية ذات أثر واسع في الأوساط الثقافية المصرية، وقدَّم إلى المجتمع الثقافي عدد كبير من المترجمين والباحثين.

والدكتور إمام عبد الفتاح إمام ابن عالم أزهري تعلم اليقين المطلق منذ صغره، لكنه في سن الشباب انتقل إلي الجدل وإلي الفلسفة وأحب هيجل كثيراً، وقد سئل ذات مرة لماذا اخترت الفلسفة؟ فأجاب الدكتور إمام عبد الفتاح  قائلا :" بأن التطور الطبيعي للتربية والنمو والتعليم جعلني أختار الفلسفة لفترة مبكرة جدا من شبابي، وهي فترة التعليم الثانوي، فقد كان مقررا علينا كتابا في الثانوية كتاب "دروس في تاريخ الفلسفة " ليوسف كرم والدكتور أحمد فؤاد الأهواني، لكن توسع ذهني وأفقي عندما التقيت بكتابين اشتريتهم من سور الأزبكية ـ الكتاب الأول اسمه ضجة في صف الفلسفة لجورج حنا وقد شدني العنوان كشاب حيث تثيره الثورات والضجيج فأعجبني الكتاب جدا وقرأته أكثر من مرة، والكتاب الثاني وهو الملل والنحل للشهرستاني وهو كتاب شهير في الأديان لكنه يقتلعني من جذوري حيث أعطاني نماذج أخري من الملل والنحل غير الإسلام، وهو عالم جديد، حيث إن هذين الكتابين قد شدوني جدا إلي الفكر بصفة عامة وعالم الفلسفة بصفة خاصة ولذلك أحببت الفلسفة لأنها تعمل العقل وتجعله يفكر .

نما الدكتور إمام عبد الفتاح إمام وترعرع في بيئة محافظة دينية، حيث يقول عن والده بأنه :" كان أحد علماء الأزهر، وكان يدرس في المدارس الأولية، ثم أصبح ناظراً للمدرسة، وهذا نفعني في أكون نشط في القراءة والكتابة، وكان أبي يعشق الأدب، وقدر ورثت عنه مكتبة كبيرة في الشعر والأدب وهو نفسه كان يقرض الشعر، وكان يكتب كتيبات صغيرة في مدح الرسول وفي استقبال رمضان، وعشنا فترة طويلة في منطقة الحسين، وكان أخي الأكبر مني، وكان والدي يأخذنا معه في صلاة الفجر بالحسين .

وعن كيفية انتقاله من البيئة الإسلامية الخالصة إلي الجدل الهيجلي، قال الدكتور إمام عبد الفتاح إمام :" المفارقة لم تكن كبيرة بالصورة التي تعتقدها، لأن هيجل عنده حقيقة كبري أيضا  وهي تنمو وتتشكل علي مدار التاريخ، يعني الفلسفة عند هيجل لا توجد شئ اسمه الفلسفة اليونانية مطلقة لا الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وأرسطو، لكنها تشكلت في فلسفة مسيحية، والفلسفة المسيحية واليونانية تشكلا في الفلسفة الحديثة، وبالتالي فالفلسفة تتشكل وتنمو، وهنا وجدت الفكرة الهيجلية أفادتني جداً في فهم تطور الفلسفة حيث لا يوجد انقطاع لكن هناك تطور ونمو .

ويستطرد فيقول :" إن اهم ما في هيجل أن الفكر لديه متحرك وليس لديه السكون، فالسكون هو الموت، فالفكر عند هيجل الفكر متطور وتطوره راجع إلي اصطدامه بفكر آخر، ولذلك المجتمع الذي لا يوجد فيه فكر آخر، مجتمع ميت، وهذا أمر خطير جدا علي المجتمع، لأن المجتمع الذي لا يوجد فيه فكر سوي فكر واحد فأعلم أنه هو فكر الحاكم المستبد، وهذا خطأ جدا جدا وضار بالمجتمع نفسه، فهيجل عنده النمو الجدلي، حيث النمو يصطدم بالآخر ويصطدم بالضد والتناقض، والأثنين – القضية ونقيضها – يظهروا في مركب جديد .

ولد الدكتور إمام عبد الفتاح بالشرقية عام 1934، ثم حصل علي ليسانس الآداب من جامعة القاهرة بتقدير جيد جداً عام 1957، ثم نال درجة الماجستير من آداب القاهرة وموضوعها: "المنهج الجدلي عند هيجل" بتقدير ممتاز عام 1968، ونال درجة الدكتوراه من آداب عين شمس وموضوعها تطور الجدل بعد هيجل بمرتبة الشرف الأولى عام 1972.  قام بالتدريس بجامعة القاهرة وعين شمس، والمنصورة، والزقازيق.. إلخ وجامعة الكويت، وطرابلس، وكلية الدعوة الإسلامية- وجامعة سبها بليبيا. - أشرف وناقش على كثير من رسائل الماجستير والدكتورة. وأنتدب لمناقشة رسالة دكتوراه في الجامعة التونسية.

كما ألف مناهج الفلسفة التي تدرس لطلبة المرحلة الثانوية في مصر، وأشرف وناقش العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، كما أشرف على سلسلة "أقدم لك" بالمجلس الأعلى للثقافة، وعلى ترجمة موسوعة كوبلستون في تاريخ الفلسفة الغربية وترجمة بعض أجزائها. أصدر ما يقرب من مئة كتاب ما بين تأليف وترجمة ومراجعة. ومن أشهر مؤلفاته: : المنهج الجدلي عند هيجل مدخل إلى الفلسفة أفكار ومواقف تطور الجدل بعد هيجل (3 أجزاء) كيركجور، رائد الوجودية، جزءان هوبز فيلسوف العقلانية الطاغية عدة طبعات الأخلاق والسياسة معجم ديانات وأساطير العالم الفيلسوف والمرأة (سلسلة في ثمان أجزاء) سلسلة المرأة في الفلسفة تطور هيجل الروحي دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل؛  وغيرها.

وأما عن ترجماته فقد عددا كبيرا من الأعمال من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية. كما يُعد الدكتور إمام عبد الفتاح صاحب مدرسة في الترجمة ؛ حيث قام بمراجعة ترجمات عديدة لمترجمين واعدين برزوا فيما بعد من أمثال ممدوح عبد المنعم وحمدي الجابري وكمال المصري وفاطمة الشايجي (الكويت). وقد أُثيرت شكوك بشأن صحة نسبة كل هذه الترجمات إلى الدكتور إمام عبدالفتاح، و ذلك بسبب التفاوت الواضح في جودتها ودقتها ورصانتها، علاوة على نشر كم هائل من النصوص المترجمة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً (بيد أن هذه الملاحظة الأخيرة مردود عليها بكونه متفرغ تماماً للعمل بالبحث والترجمة والتأليف ويكاد لا يرى الشارع إلا في أضيق الحدود). ومن أهم الأعمال التي ترجمها الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام ما يلي: فلسفة التاريخ، هيجل، أصول فلسفة الحق، هيجل، ظاهريات الروح، هيجل، محاضرات في تاريخ الفلسفة، هيجل، استعباد النساء، جون ستيوارت مل، الوجودية، جون ماكويى، موسوعة العلوم الفلسفية، هيجل...الخ.

يضع الدكتور إمام عبد الفتاح إمام اهتماما واضحا لفكرة الديمقراطية والاستبداد، وكان ذلك واضحا في كتابه الأشهر الطاغية وكتاب السياسة والأخلاق دراسة في فلسفة الحكم ويبرر اهتمامه بذلك فيقول : لأن هذا الاستبداد والدكتاتورية هي سبب تخلفنا وانا أؤمن إيمانا كاملا مع جان جاك روسو القائل " عندي أن كل شئ يرتد في النهاية إلي سياسة "، حتي الأخلاق فالبعض يقول بأن سبب تخلفنا الأخلاق، لا بل سبب تخلفنا نظام الحكم لأن نظام الحكم هو الذي يوجد الأخلاق، فالاستبداد قتل للحرية وبالتالي قتل للعقل ويقول الدكتور إمام عبد الفتاح إمام أن كتاب الطاغية أخذت في كتابته سنوات طوال ولولا ظروف العالم العربي ما كان لهذا الكتاب أن يخرج إلي النور لأنه جاء عقب حرب الخليج الأول، وأنا كنت أيامها في الكويت وأهل الكويت فرحوا به لأنني كنت أعطي أمثله بصدام وهو الوحيد الذي بإمكاني أن تتوفر لدي حرية نقده وأي حاكم أخر لا فأخذت أتحدث عن الحاكم العربي المستبد في شخص صدام أو أحدد القذافي وأحيانا أحدد عبد الناصر .

ونقرأ في كتابه "الطاغية.. دراسة فلسفية لصور الاستبداد السياسي"، حيث يستهل كتابه بإهداء قال فيه: “الى الذين يعانون من ظلم الطغيان ووطأة الاستبداد ويتوقون الى الخلاص.. الى الذين يشعرون أن الحرية هي ماهية الانسان، إذا فقدها، فقد وجوده معها ..”. الى الذين يؤمنون أن أحدا منا ليس معصوما من الخطأ، ومن ثم يتقبلون الرأي الآخر برحابة صدر وسعة أفق”.

في مقدمة الكتاب يؤكد د. إمام أنه ما لم يحصل المواطن على حقوقه السياسية كاملة غير منقوصة، وعلى نحو طبيعي، فلا تكون منة أو هبة، أو منحة من أحد، بل يعترف المجتمع أن للفرد حقوقه الطبيعية وكرامته، بل قداسته من حيث هو إنسان فحسب، بغض النظر عن أي شيء آخر مما يحيط به سوى أنه إنسان، فلا شأن لدرجة الفقر أو نوع العمل الذي يؤديه أو جنسه ذكرا أو أنثى، أو ظروفه الأسرية- لا شأن لهذه الأمور كلها بأن يكون لكل فرد من الناس إنسانيته الكاملة التي يعترف بها مجتمعه على نحو طبيعي، بحيث ينحل الصراع بين السيد والعبد الذي أشار اليه  هيجل، من تلقاء ذاته، فيعامل على أنه غاية في ذاته وليس وسيلة لشيء آخر، “أقول إنه ما لم ينل المواطن حقوقه كاملة: حقه في الحياة الآمنة، وفي أن يملك، وفي أن يعتنق ما يشاء من آراء وأن يفكر ويعبر عن أفكاره بحرية وأن يعمل العمل الذي يهواه وأن يشارك مشاركة فعالة في حكم نفسه عن طريق المجالس النيابية .. الخ، فلن يؤدي واجباته على نحو طبيعي- أعني بالتزام داخلي ينبع من ذاته، بل سيؤدي ما يؤديه منها بسبب الخوف من العقاب” والخوف هو المبدأ الذي يرتكز عليه حكم الطغيان والاستبداد كما أشار مونتسكيو ” – بحيث تظهر كل الرذائل في سلوكه إذا أمن شر العقاب : فلا مانع من أن يكذب، ويسرق وينافق ويغش ويخون .. الخ كلما سنحت له الفرصة !

ثم جعل الباب الأول على ثلاثة فصول: الأول: فيما يتعلق بفلسفة السلطة وضرورتها تفاديا للفوضى الصادرة عن اختلاف الأفكار والعقول، وبالأخص السلطة السياسية التي تتنفذ في شؤون الناس، وحين استخدام القوة وتجاوزها لنيل الأطماع بسبب انتهاء سلطة القانون وانتقال السلطة من مرحلة السلطة المجردة إلى مرحلة السلطة الشخصية التي يشعر أنه يملكها يتجاوز القهر المادي إلى الاعتماد على عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وتاريخية، ومن ثم ظهرت نظريات تبرر للحاكم تصرفاته وجوره الثيوقراطية والتعاقدية والتطورية.

والفصل الثاني: بين الطريق إلى تأليه الحاكم شيئاً فشيئاً وخطوة فخطوة عبر تطورٍ لنظريات الحكم وساق في ذلك تأليه الحاكم في مصر القديمة في المملكة الفرعونية وصفاته، ثم ساق الطاعة البابلية متحدثا عن خطواتهم في ذلك، ثم الحال في فارس وإطلاقهم لقب ملك الملوك على إمبراطورهم وما أدى إليه، ثم عرج إلى ذكر الصين واعتقادهم أن الإمبراطور يستمد سلطته من السماء، ثم ذكر الاسكندر وتأليهه نفسه واعتقاد أن ما يقره الملك هو عادل أبداً.

والفصل الثالث: ذكر عائلة الطغيان، وبدأ بذكر معنى الطغيان، وأول من أطلق كلمة طاغية على ملك، مؤرخاً للمصطلح وجوده وتطور استخدامه، وذكر سمات الطغيان لدى طغاة الإغريق، ثم ذكر الاستبداد وإطلاقاته عند اليونانيين، وبين أوجه الشبه بينه وبين الطغيان، ثم ثلَّث بالديكتاتورية مبيناً المصطلح من حيث هو روماني الأصل ذاكراً تاريخ ظهوره، ثم عقب بالشمولية أو مذهب السلطة الجامعة كشكل من أشكال التنظيم السياسي المذيب لجميع أفراد ومؤسسات وجماعات المجتمع، وذكر أبرز خصائصها، ثم ذكر السلطة المطلقة التي لا يحدها حد من داخلها وبين تاريخ ظهور هذا المصطلح، ثم ذكر الأوتوقراطية وأنها تعني الحاكم الفرد الذي يجمع السلطة في يده، ثم ختم بالمستبد المستنير أو العادل وبين تاريخ ظهوره وبين بعد ذلك الأقوال في الحضارات والأديان باختصار في الموقف من الطاغية.

وشرع في الباب الثاني: صورتان للطاغية في الفلسفة اليونانية: جاعلاً الفصل الرابع: معبراً عن الطاغية في صورة الذئب، فذكر لقاء الفيلسوف أفلاطون مع أشهر طاغية ديونسيوس وسفره إليه ثم مع ابنه وسفره إليهما كمخاطرة وما وقع له من مؤامرة على بلاط الطاغية ويأسه من إصلاحه في رحلاته الثلاث، مستنتجاً عدة نتائج مستفادة، ثم صنف الدساتير إلى أصناف مبيناً قول أفلاطون وتقسيمه لذلك، وشرح كل صنف، ثم ذكر الطاغية الذئب ومكوناته وأنه لا يفرق بين المواطنين إلا يعتد أحداً صديقاً، ثم ذكر شخصية الطاغية ورغباته وحياته وأعوانه ونفسه، ليختم بذلك الفصل..

وجعل الفصل الخامس في الطاغية في صورة السيد، فبدأ بذكر نشأة الدولة كونها هي النواة الأولى لبناء المجتمع، مثنياً بنشأة السلطة وعرج إلى علاقة السيد والعبد والزوج وزوجته كتشبيه للسلطان والرعية، ثم ذكر ثالثاً أشكال الحكم وقسمه إلى قسمين صالحة وفاسدة وتحت كل قسم أنظمة مختلفة، ثم ذكر بعد ذلك الطاغية وأنواع الطغيان، واختلاف الطغيان عن النظام الملكي، وقارن بين الملك والطاغية وكيف يحتفظ الطاغية بحكمه، ثم ذكر خاتمة بعد هذا التفصيل لنظرية أرسطو عن الطاغية، وأورد أخيراً ثلاث ملاحظات..

ثم شرع في الباب الثالث: الطاغية يرتدي عباءة الدين: جعل الطاغية في العالم المسيحي فصلاً سادساً، مبيناً فيه انفصال فكرة الروح التي ركز عليها المسيح عليه السلام عن أي عقيدة سياسية، بمعنى آخر: الحياة مملكتان سماوية وأرضية، كانت الحياة في بداية المسيحية تتطلع إلى السماوية أكثر من الأخرى، حيث الأولى متعلق بها الروح، والثانية متعلقٌ بها الجسد، وعليه فما وقع على الجسد من رق أو أذىً أو نحو ذلك فلا حرج، وأما الروح فهي ملك للمسيح، من هنا تعلق الطغاة بهذه الفكرة، وأن السلاطين الكائنة هي مرتبة الله، وبهذا أضفيت القداسة على الحكم الاستبدادي، إلى أن ضعفت الإمبراطورية الرومانية وتطورت الكنيسة دخلت في إضفاء الشرعية الدينية على الحكم، وكان رضاها هو الآمر الناهي، فصار الحكام الذي نصبته هو سيف الله في الأرض، ثم ذكر البروتستانتية والطاغية، ورجعيتها وتبرير استبداد الطاغية للناس، وذكر بعض الآراء في ذلك..

ثم انتقل إلى الفصل السابع: وسمه بـالطاغية يرتدي عباءة الدين في العالم الإسلامي، وبدأ بتمهيد ذكر نماذج مشرق في صدر الإسلام في مجالات شتى، ثم فرق بين الواقع والمثال في النظام الإسلامي وثنَّى بتشخيصه الخلافة الراشدة وأنها قامت على بذور ديمقراطية ودرج في الكلام عنها حتى انتقل إلى انتقالها من الخلافة إلى الملكية المستبدة على أن الأمويين أخذوا الحكم عنوة مناقشاً ذلك كله، ثم عرج إلى ذكر الطاغية العباسي يقصد السفاح، والخلافة العباسية، ثم ختم الفصل بست نقاط مستنتجة..

وأخيراً بدأ بالباب الرابع: فرار من الطاغية ... وفيه الفصل الثامن في أوروبا الديمقراطية، وقانون الرجل المحار الذي يعني نفي المواطن الذي يشعر الشعب بأنه خطر عليه، ذاكراً تجربة الحصانة من الطغاة في أثينا، وثنى بذكر الديمقراطية المباشرة في أثينا أيضاً، حيث تتولى جمعية شعبية سلطات البرلمانات كاملة، مع وقوع البلاد في أخطاء في فهم الديمقراطية المباشرة، ثم ذكر استئناف المسيرة في العصر الحديث ويعني بذلك انتعاش الديمقراطية في عصر النهضة ذاكراً بعض التفاصيل الحادثة آنذاك، مدعومة ببعض الآراء، التي تمنح الحرية لكل الإنسان، ثم ختم الفصل بإسهامات شتى للفلاسفة في مسيرة الديمقراطية تصب على أرض الحرية والمساواة بين الناس دون تمييز بين لون ولا جنس..

وفي الفصل التاسع: الطغيان الشرقي بدأ بظاهرة التوحيد بين الحاكم والشعب حيث يصبح الكل في واحد وأنه هو المنقذ الأوحد، ثم فسرها، وثنى بذكر طبيعة العبيد كتفسير لطغيان الشرق، مناقشاً بعض النظريات الفلسفية، وختم الفصل بخاتمة أوجز فيها الآثار السيئة التي يخلفها الطاغية في شعبه، وكيفية التخلص منها، خاتماً بذلك الكتاب في رحلته العميقة الغور..

وقال د. إمام إن القضية الأساسية في حياتنا هي قضية الطاغية الشرقي أو “الحكم الاستبدادي – بصفة عامة- ذلك الوحش المستقر في أغوار اللاوعي الجمعي في بلادنا! مشيرا إلى أنه ليس ثمة قضية أخرى أولى منها بالتفكير والكتابة والتحليل والبحث عن علاج.

وتابع د. إمام: “كنتُ أسكن في الشارع الرئيسي بمدينة أكسفورد وهو شارع ضيق إذا قورنت مساحته بكثافة السيارات التي تعبره كل يوم، ووقعت حادثة ذات صباح ” كان حريقا في أحد المحلات التجارية استدعى وجود سيارات الاطفاء، مما أحدث ارتباكا في تدفق المرور ” وتوقف السير في أحد اتجاهي الشارع، فاصطفت السيارات في طابور لا تستطيع العين أن تصل الى نهايته ..

ومع ذلك لم تخرج سيارة واحدة عن هذا الطابور الطويل لتسير في الاتجاه المقابل – رغم أنه لا يوجد رصيف ولا حجر واحد يمنعها من ذلك – وسألت نفسي: لمَ يلتزم المواطن على هذا النحو العجيب؟! وكانت الاجابة التي لم أتشكك لحظة واحدة في صدقها: الديمقراطية!

نعم الديمقراطية العتيقة في انجلترا التي أعطت لكل مواطن حقه وكرامته وقيمته وإنسانيته، فأصبح من الصعب عليه أن ينتهك حقوق الآخرين، لأن القوم سوف ينظرون اليه في هذه الحالة باحتقار شديد لسلوكه الشاذ الغريب!”. وخلص د. إمام الى أن الأخلاق مرتبة على النظام السياسي وليس العكس. وتابع د. إمام عبد الفتاح إمام: “تأمل أي حكم استبدادي في أي مرحلة من مراحل التاريخ، تجد انتشارا لجميع الرذائل لا تخطئه العين العابرة: الجبن، الخوف، النفاق، الكذب، الرياء، المداهنة، عدم الاخلاص في العمل، ومحاولة الافلات من القانون بشتى السبل!”

وقال د. إمام إنه في النظام السياسي السيئ يتم تحويل الشعب الى جماجم وهياكل عظمية تسير في الشارع منزوعة النخاع، شخصيات تافهة تطحنها مشاعر العجز والدونية واللاجدوى!

وأما عن تفسير الطغيان الشرقي، فقد قال د. إمام إن هناك محاولات كثيرة لتفسير الطغيان الشرقي والأسباب التي جعلت الحاكم الشرقي يبتلع كل شيء في الدولة والاستسلام العجيب من جانب المواطنين لهذا الضرب من الحكم الذي انفرد به الشرق، فذهب البعض الى القول إن الشرقيين هم بطبيعتهم عبيد يعشقون الطغيان ويستمتعون بالقسوة ويخلقون الطاغية إذا عز وجوده.

والسؤال : كيف يمكن التخلص من الطاغية؟

يؤكد د. إمام أنه لا سبيل أمامنا للتخلص من الطاغية سوى بفعل ما فعله الغرب بالفرار الى الحكم الديمقراطي ونتمسك به ونحرص عليه، مشيرا الى أن الديمقراطية ممارسة وتجربة إنسانية تصحح نفسها بنفسها، ناصحا برفع شعار: “أفضل علاج لأخطاء الديمقراطية هو المزيد من الديمقراطية!”.

وردا على سؤال: “الشعوب المتخلفة لا تستطيع أن تحكم نفسها بنفسها حكما ديمقراطيا صحيحا؟

قال د. إمام: كل ذلك مردود عليه بسؤال: “وما البديل؟” والجواب هو: “البديل هو حكم الطاغية أو المستبد أو الديكتاتور أو ما شئت من أسماء، وإذا كانت الديمقراطية ممارسة، فإننا سوف نبدأ بعد أن يحكمنا الطاغية عشرات السنين من البداية، من الصفر!

والديمقراطية الناقصة أو العرجاء خير ألف مرة من حكم الطغيان، ولقد جربنا نحن في مصر هذين النظامين وكانت الهوة بينهما شاسعة”.

وفي ختام هذه القراءة يمكننا القول بأن هذا الكتاب غنيّ بالأفكار والتفصيلات والتوضيحات حول شتى جوانب مسألة الطغيان، وتكمن أهمية الكتاب في تناوله لمسألة “الطغيان” من الجوانب الفلسفية والتاريخية والاجتماعية والنفسية، والمؤلف لا يكتفي بالطرح والمناقشة النظرية لهذه المسألة، وإنما يسقطها على الواقع، ويتبيّن ذلك من خلال إيراده للعديد من الأحداث والوقائع والمجريات القديمة والمعاصرة، وهناك سلبية نذكرها : وهي عدم تطرّق المؤلف إلى “الطغيان في الخطاب الفكري العربي المعاصر” ذلك أنه بالرغم من عدم وجود مؤلفات كثيرة في هذا الصدد ولكن توجد كتابات معاصرة تتناول الطغيان والاستبداد عبر دراسات وأبحاث منشورة في الصحف والدوريات العربية.

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول تحية وفاء وعرفان واحترام لهذا الأستاذ الجليل الذى لم تستهويه السلطة، وظل معدنه أصيلًا لامعًا لا يصدأ أبدًا، فهو ذلك الذي كان متربعًا على قمة أساتذة الفلسفة الحديثة والمعاصرة في الوطن العربي، رغم محنة ضعف سمعه وبصره نتيجة الكر والفر بين صفحات الآلاف من الكتب والدراسات والمقالات التي تعامل معها الدكتور إمام عبد الفتاح فى رحلة أكاديمية فريدة كانت أدواته فيها هي الذكاء المشتعل والنظرة الحكيمة والبصيرة الواضحة والرؤية الشاملة.. فلقد كان رحمه الله صاحب قلب كبير، وعاطفة جياشة، وكبرياء لا ينحنى، ونفس تعلو فوق كل الصغائر. رحم الله أمام عبد الفتاح بما قدم لنا ولغيرنا من إسهامات مجيدة فى الفلسفة الغربية والعربية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

980 سليم بطييكاد الكاتب والباحث د. علي محمد هادي الربيعي يجعل جهده البحثي مقصوراً على الأدب المسرحي العراقي، فضلاً على كتابات ثرَّه وانيقة نشرت في المجلات والصحف العراقية في مجالات ثقافية مختلفة.

لقد امتاز الربيعي بأسلوب جميل في البحث والكتابة، ولغة رشيقة انيقة، تحلق بك في اجواء جميلة، وتنقلك من هذا الواقع الحياتي المؤلم، إنه يكتب برومانسية حالمة، تجعلك تجد في الحياة بعض ما تستحق أن يعيش من أجلها الإنسان واضعين في الحسبان قساوة الظروف، وانهيار القيّم النبيلة وتصدعها، وأثر الخيبات الحياتية، والانتكاسات التي مني بها المجتمع العراقي، إن لغة الربيعي الأنيقة والرومانسية جاءت نتيجة قراءاته المعمقة في كتب التاريخ والأدب المسرحي ومصادره، فضلاً على روحه الرهيفة الشفيفة الحالمة.

إن محبة د. علي الربيعي لأدب سليم بطي المسرحي ونتاجه المعرفي، جعلهُ يجد في بطِّي ايقونة، يتوجه إليها بالاحترام والتقدير، لذا رأيناه يذب عنهُ عاديات الزمن في البحث والكتابة.

عرفت الأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي المولود في مدينة الحلة باحثاً حصيفاً محلقاً، ومدوناً وموثقاً لتأريخ المسرح العراقي منذُ اهتمامه الجاد في هذا المجال، ذا نفسٍ طويل في البحث والتدقيق والتوثيق، نشر بعض مؤلفاته في مجال تاريخ المسرح العراقي منها : (تاريخ المسرح في الحلة، الخيال في الفلسفة والأدب والمسرح، المسرحيات المفقودة، محمد مهدي البصير رائد المسرح التحريضي في العراق، اسكندر زغبي زجالاً ومسرحياً، مسرحيات نعوم فتح الله سحار المفقودة، المسرح المسيحي في العراق، اسهامات يهود العراق في المسرح، شالوم درويش وجهوده في فضاء المسرح العراقي، أنور شاؤل وجهوده في المسرح العراقي، ثورة الزنج في المسرحية العربية، وكتابه الأخير سليم بطي فتى المسرح العراقي) ، كما عرفته باحثاً دؤوباً في الأدب والثقافة، ولا أدل على دأبه وقوة شكيمته في البحث والتنقيب عن النصوص المسرحية لفتى المسرح العراقي سليم بطِّي.

الدكتور علي الربيعي لهُ نفس طويل في البحث الذي يحتاج إلى صبر ومطاولة ومصاولة، والغوص في بطون المصادر والمراجع والمظان بحثاً مصوباً بكثرة التنقل والتوقل، ومراجعاً، ذلك على النسخة الأم التي غالباً ما تكون الأقدم تاريخياً، وقد اعتمد في أكثر مؤلفاته على الصحف اليومية التي هي أكثر دقة في التواريخ ونقل الأحداث ومواعيد اقامة المسرحيات، ومثال ذلك كتابه الأخير سليم بطِّي فتى المسرح العراقي، الذي اعتمد على الصحف والمجلات في تأليفه. لقد قرأت واستقرأت بمتعة وشغف، وأكثر من قراءة واحدة، الكتاب الذي امضى الدكتور الربيعي أكثر من سنة في كتابته.

في كتابه الأخير موضوع البحث (سليم بَطِّي فتى المسرح العراقي) الصادر عن اتحاد الأدباء والكتاب السريان في العراق/ اقليم كردستان هذا العام، ويقع في 405 صفحة من الحجم الوزيري، ويبدو أن الكتاب الذي جاء خِلّواً من دار الطبع أو الطبعة والفهرست، وهذا من ضرورات النشر وأولياته، فضلاً عن خِلّوا الكتاب من عنوان الفصل الرابع وقد يكون قد سقط سهواً، يذكر الدكتور الربيعي حول معاناته لتوثيق السيرة الذاتية لسليم بطِّي وهو شقيق الصحفي رفائي بطي، مع العلم أن رفائيل بطي في مذكراته (رفائي بطي ذاكرة عراقية) من اعداد وتحقيق فائق بطِّي لم يذكر عن سليم بطي أي شيء برغم أن سليم بطي كان يكتب في جريدة البلاد وفي باب الفنون، حتى توصل الربيعي بالاتصال بباهر سامي رفائيل بطِّي ليدلي له بالمعلومات عن عم أبيه سليم بطِّي وعن ابنائه الذين ما زالوا يعيشون منتشرين في اقطار الأرض.

كانت صعوبة البحث في توثيق تاريخ سليم بطي المسرحي والروائي بالنسبة للدكتور الربيعي بسبب عدم توفر تلك النصوص المسرحية المطبوعة والمخطوطة في المكتبات العامة والخاصة، فقد أخذت من وقت الربيعي السنوات في البحث على وقع ضالته ففي صفحة 8 من الكتاب يذكر الربيعي قائلاً : "تحقق لي أن وجدت نصٍ لمسرحية (تقريع الضمير) في أكداس من الكتب العتيقة عند بائع للكتب المستخدمة في شارع المتنبي.. وبعد سنوات أخر من التفتيش عثرت على نص مسرحية (الأقدار) في كدس من الكتب على قارعة شارع المتنبي، والنص المطبوع الثالث حصلت عليه من خلال بحثي في أعداد مجلة الحاصد، فقد نُشرَ فيها. أما النص المطبوع الرابع (طعنةً في القلبِ) فلم أحظ به برغم أنني انفقت في البحث عنه سنوات طويلة، وبقي عصياً على الوجود وربما في قابل الأيام ينفرج لنا الأمر ونحصل عليه".

هناك نصوص ثلاثة مخطوطة ألفها سليم بطِّي في مجال المسرح وقدمها في وقته على خشبة المسرح هي مفقودة منها (ضحيا اليوم) و(المساكين) و(خدمة الشرف)، والمسرحية الوحيدة التي ظفر بها الدكتور الربيعي هي مسرحية (ضحايا اليوم) التي وجدها في خزانة المرحوم الأب الدكتور بطرس حداد في كنيسة مريم العذراء في الكرادة الشرقية في بغداد صفحة 9.

قسم الربيعي كتابه (سليم بطِّي فتى المسرح العراقي) على خمسة فصول وملاحق، الفصل الأول حيث اعتنى بحياة الراحل قائلاً في ص16 :"سليم بن بطرس بن عيسى بن عبد النور بطِّي المولود في مدينة الموصل سنة 1908م من أسرة مسيحية الديانة، كان والده يعمل حائكاً وكانت الاسرة تعاني من عسر الحال وشظف العيش، فهي تضم خمسة أبناء" ، كان تسلسل سليم الثالث بين أشقاءه ، إذ أكمل سليم بطي دراسته الابتدائية في مدرسة مار توما للبنين في الموصل ، وانهى دراسته الاعدادية في سنة 1927م ، يذكر الدكتور الربيعي في صفحة 19 قائلاً: "ووجد نفسه مرغماً على أن يعمل لإعالة نفسه بعد أن بقي لسنوات طويلة يعتاش على شقيقه (رفائيل بطي)، وأغوته الصحافة وأخذ يكتب في صحيفة (البلاد) في باب الفنون والأدب، وكان يترجم المقالات ويكتب النقد الفني، وبدأ يكسب قوته من عمله، ثم انتقل؟ إلى العمل الحكومي حيث عيِّن موظفاً في مديرية التقاعد العامة في بغداد، وبقي يعمل فيها حتى وفاته في بيروت في الرابع عشر من شهر ايلول سنة 1953م".

أما الفصل الثاني من الكتاب فقد احاط الدكتور الربيعي بمنجز سليم بطِّي في فضاء النقد المسرحي، وقد بذل الربيعي الجهد الكبير في جمع كل ما كتبه بطِّي في هذا المجال، حتى تم نسخ نقوداته على الهيئة نفسها التي حلت بها في مظانها، فقد كتب سليم بطِّي مقالاته النقدية في الصحف العراقية ومنها جريدة البلاد تحت اسم خفي (كين) وفي أحيان أخر يوقع باسمه الصريح، يذكر الدكتور الربيعي في صفحة 35 قائلاً :"وما يميز مقالاته انها تلابس الموضوعات المكتوب عنها بشكل لا يضاهيه في أحد من النقاد في ذلك الوقت. فهو قد اشتغل في المسرح ممثلاً ومخرجاً ومؤلفاً، واتقن تقانة تامة معارف المسرح وسبر اغوارها، وعندما بدأ بكتابة النقد المسرحي ترشحت كتاباته عن دراية ومهنية عالية... وآخر مقالة نقدية له كانت تحت عنوان (مسرحية توتو – فرقة فاطمة رشدي) التي نشرها في جريدة البلاد بعددها 736 في 20 تشرين الثاني 1946".

أما الفصل الثالث فقد احتفى بدراستين مهمتين كتبهما سليم بطي في علوم المسرح معارفه، نشرتا في جريدة البلاد العدد 190 بتاريخ 25/6/1930 وفي مجلة الحاصد العدد 9 بتاريخ 25/6/1936، في وقت لم تكن جذور للفن المسرحي وتغلغله عميقاً في العراق. ونسخ الدكتور علي الربيعي هاتين الدراستين نسخاً مقابلاً، ووضع لها الحواشي الذي اراد من ورائها أن يزيد من ثرائها، كانت الدراستين عبارة عن مقالتان طويلتان كتبهما بطي ونشرهما بسلسلة حلقات في جريدة البلاد ومجلة الحاصد، يذكر الدكتور الربيعي في صفحة 112 قائلاً :"وأحسب أن الذي دفع بطِّي إلى كتابة هاتين الدراستين هو واقع المسرح العراقي في وقته... فجاءت الدراستان لتردما الفجوات التي قابلت وتقابل المسرحيين في مسالكهم، وتنتشلا المسرح العراقي من واقعه المسطح، وتؤشر عوامل النهوض والارتقاء بفني التمثيل والاخراج". وقد جاءت الدراستين نتيجة لما تراكم عند الراحل سليم بطِّي من خبرة ميدانية وشخصانية خاضها في مجال المسرح المدرسي في فرقة مدرسة التفيِّض الأهلية، كما عمل ممثلاً ثانوياً في فرقة جورج أبيض أثناء زيارة الفرقة إلى العراق سنة 1926م، وعمله كممثل مع الفرقة الوطنية بوصفه أحد مؤسسيها سنة 1927م، فضلاً عن اطلاع بطي المباشر على اداء عزيز عيد مع فرقة فاطمة رشدي في زيارتيها المتكررتين إلى العراق سنة 1929م/ و1930م، والتعرف على آخر مستحدثات المسرح، ومشاهداته للعروض المسرحية العراقية، كل ذلك اكسبه دراية وخبرة فنية عالية، فضلاً عن نبوغه بوصفه مبدعاً.

وقد حملَ الفصل الرابع من الكتاب المقالات الصحفية التي لاحقت سليم بطِّي ومنجزه المسرحي بالدراسة والتحليل والنقد، وهذه المقالات كتبت بأقلام أدباء وصحفيين مجايلين لهُ، لكن هذه المقالات حفظت منجز سليم بطي من المسرحيات التي ضاعت أخبارها، وتعد صفحات مجهولة في مسرد المسرح العراقي، كما بحث الدكتور الربيعي عن منجز الراحل بطي المخطوطة والمفقودة من خلال اعلانات الصحف عن منجز بطي المسرحي ونشاطات الفرق المسرحية العراقية.

فقد نشرت مجلة الحاصد في عددها السادس بتاريخ 4/6/1936 مقالاً حول مسرحية بطي  (خدمة شرف) التي مثلت من قبل فرقة بابل يوم الخميس الموافق 28/5/1936 برئاسة محمود شوكت وعضوية جميل عبد الأحد وابراهيم معروف ونعيم الجواهري وغيرهم من الممثلين، التي تم تقديم عروضها في بغداد والبصرة والعمارة. كما نشرت جريدة البلاد بعددها 590 الصادرة بتاريخ 9/6/1935. أما مجلة الحاصد فقد نشرت دراسة قدمها الاديب والناقد شالوم درويش حول مسرحية بطِّي (طعنة في القلب) بعددها 31 الصادر بتاريخ 26/11/1936، لكن لم يرق لسليم بطِّي ما كتبه الناقد شالوم درويش، فقام بالرد عليه بمقال مطول وجهه إليه بعنوان (طعنة في القلب – رد المؤلف على الناقد) التي نشرتها مجلة الحاصد بعددها 33 الصادرة بتاريخ 10/12/1936. ثم علق على مسرحية (طعنة في القلب) الناقد عبد الله رمضان.

وقد نشرت دراسة حول رواية بطي (المساكين) التي مثلت على مسرح الف ليلة في جريدة العالم العربي العدد 5419 الصادرة بتاريخ 14/7/1945. وقد قامت بدور (ترفة) الفنانة المعروفة السيدة نظيمة ابراهيم، وكان النقاد ستأملون لها مستقبلاً باهراً في التمثيل على المسرح وفي السينما.

أما الفصل الخامس من الكتاب فقد خُصص للنصوص المسرحية التي ألّفها الراحل سليم بطِّي وحظيت بثلاثة نصوص مطبوعة ونص مخطوط واحد، ونسخت هذه النصوص من قبل الباحث د. الربيعي على الهيأة نفسها التي حُررت بها، وقد زاد عليها الباحث تعليقات وحواشي من وراء وجودها. ثم اتبع الدكتور الربيعي الكتاب بملاحق ثلاثة لأثراء الكتاب وتثبيت معلومات مجهولة ذات صلة بموضوعاته.

إلا أن الراحل سليم بطِّي مع كل ما كتبه حول المسرح من تأليف ونقد مسرحي، لم يغب عن الحضور في فضاء القص العراقي، بل كان مساهماً فيه بمائزة فكتب القصة مبكراً، يذكر د. الربيعي في صفحة 24 من الكتاب قائلاً :"فقارئ قصصه سيجد انما عالجت موضوعات أخلاقية وتربوية، وعادات سيئة استحكمت في العديد من العائلات العراقية، مثل الخيانة والإدمان والزنا والقتل والسرقة والاغتصاب وغيرها. وكان يعرض هذه الموضوعات من خلال سلوكيات الشخصيات المتضادة، لينتصر في الأخير "إلى السلوك القويم الذي يعده المثال الذي يُحتذى به، ومن قصصه : (قلب صخر) نشرت في جريدة الوطن العدد 86 سنة 1929م،  و(الزوج السكير) نشرت في جريدة البلاد العدد 4 سنة 1929م، و(ضحية رأس السنة) نشرت في جريدة البلاد العدد 45 سنة 1930  و(تحت ستار الظلام) نشرت في جريدة الاخبار العددان 12/ 14 لسنة 1931، و(في العرس) نشرت في جريدة البلاد العدد 35 لسنة 1929، و(الأثر الدامي) نشرت في جريدة البلاد العدد 123 سنة 1930،  و(تقريع الضمير) نشرت في جريدة البلاد العددان 133/ 134 لسنة 1930، و(ضحية) نشرت في جريدة البلاد العددان 200/ 202 لسنة 1930، و(المهاجر) نشرت في جريدة التقدم العددان 213/ 214 لسنة 1930، و(في النادي) نشرت في جريدة الزمان العددان 277/ 278 لسنة 1930، و(تحت ستار الظلام) نشرت في جريدة الاخبار العددان 12/ 14 لسنة 1931،  و(هو الحب) نشرت في جريدة الاخاء الوطني العدد 1 لسنة 1931، و(اميليا) نشرت في جريدة الاخاء الوطني العددان 3/ 4 لسنة 1931، و(صياد النساء) نشرت في مجلة الحاصد العدد 32 لسنة 1932، و(غرام عذراء) نشرت في جريدة الاخاء الوطني العدد 291 لسنة 1932، و(الزوجة العذراء) نشرت في مجلة الحاصد العدد 35 لسنة 1933، و(قلب مكلوم) نشرت في مجلة الحاصد العدد 3 لسنة 1936، و(بنت الطحان) نشرت في الاديب العدد 1 لسنة 1946، و(صادجة) نشرت في الاديب العدد 2 سنة 1946" . كانت جميع قصص سليم بطِّي التي نشرها في الدوريات العراقية راكزة على تصور موضوعات اجتماعية واخلاقية.

اسند الكاتب والباحث الربيعي لدعم كتابه بوثائق مصورة لصور الراحل سليم بطِّي ولصور صحف نشرت اعمال بطي المسرحية والقصصية والنقدية في ذاك الوقت. الكتاب وثائقي جميل يدل على أصالة محتد، ووفاء يجعلنا نتوسم الخير في كاتب وباحث سيخلف ويواصل الدرب من بعد الجيل الذي سبقه، وإن الجهد الذي بذله الربيعي لا يذهب بين يدي الله والناس.

وأنت إذ تقرأ هذا الكتاب لتعجب من موسوعية الأديب الباحث علي الربيعي ودراسته الجميلة، وأنا اقرأ هذه الدراسة القيّمة، كنت ألمس شكوى الدكتور من قلّة المصادر وكثرة اشغاله الوظيفية التي تهدر ايامه، فإن الباحث الربيعي كان له مع كل كتاب يصدر حديثاً قد ألمَّ بجميع أبعاده.

أرى هذا الكتاب أروع ما كتب عن حياة فتى المسرح العراقي سليم بطِّي الذي صور فيه الصورة الحية لا السرد الجاف لبعض الأحداث في حياته.

أكتب هذه القراءة تقديراً لشخص الكاتب والباحث د. علي الربيعي، لهذا القلم الثَّر الأنيق، الذي قدم لنا هذا العطاء الوافر في دروب ثقافة المسرح العراقي، واضعاً في الحسبان أن يكون هذا الكتاب مرجعاً مهماً في تاريخ المسرح العراقي.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

972 سبينوزايسعى هذا الكتاب الطموح لعرض تفسير لرؤى سبينوزا في السياسة مثلما تحدث في الواقع، خاصة في الاخلاق التطبيقية، والرسالة الثيولوجية السياسية (TTP) والرسالة السياسية (TP). من بين العديد من الكتب التي صدرت اخيرا حول سبينوزا يُعتبر كتاب جوستن ستينبيرغ من الكتب الهامة  التي عرضت موضوعات سبينوزا السياسية بشكل عام بدلا من التركيز على عمل معين. الكتاب ايضا هام بالنظر للاحاطة الاكاديمية الواسعة للكاتب . ستينبرغ يشير للأعمال التي اثّرت على سبينوزا،  والى الفلسفة التاريخية ذات الصلة والنظرية السياسية. هذا الاتساع يثري جدال الكتاب ويجعل العمل سهل الفهم وجذابا لمختلف انواع القرّاء.

يؤكد ستينبيرغ على ادّعاء سبينوزا، في بداية الرسالة السياسية بان سياسته هي محاولة لبناء نظرية للكائن البشري كما هو وليس كما يريد الآخرون ان يكون(6-7). هذا الموقف يوضح ويبرر اهتمام ستينبيرغ بسايكولوجيا سبينوزا.كتاب الاخلاق يعرض في الاساس، وصفا مفصلا لطبيعة الكائن الانساني )1)، وان الرسالة السياسية خصيصا تستفيد مباشرة من ذلك الوصف. الفقرة 1.5 من الرسالة السياسية، التي يشير فيها مرارا الى سايكولوجيا الاخلاق، هو دليل قوي على ذلك. الرسالة الثيولوجية السياسية هي موقف اكثر صرامة وهو ما سنشير اليه في عدة اماكن لاحقا. بالرغم من الصعوبات التي واجهت الكاتب، لكننا نعتقد ان ستينبيرغ نجح في الفصل السابع في ان يبيّن للقراء الكيفية التي انسجمت بها كلا الرسالتين .

المفهوم المركزي لجدال ستينبيرغ هو مفهوم الموهبة الفطرية ingenium (2). الموهبة بالنسبة لسبينوزا هي مجموعة من الميول العاطفية التي تكوّن شخصية الفرد. لكي نتعامل مع الكائن البشري كما هو يجب ان نفهم موهبته الفطرية والطرق التي تؤثر بها الهياكل السياسية والتفاعلات على تلك الموهبة. بالنسبة لسبينوزا،  هناك بالتأكيد مختلف الطرق التي يكون عليها الكائن الانساني، اختلاف يتحدد فقط بعدد المشاعر المختلفة وبمختلف الاشياء المرتبطة بكل واحدة من تلك المشاعر. ظروف الفرد الحالية تقرر أي المشاعر(الرغبات والعواطف) تميزه حاليا، وكيف يتحرك بمشاعر مختلفة . الدولة، بالطبع تُعد هامة من بين تلك الظروف. 

يؤكد الكاتب – وهو كما يبدو صائب تماما – ان سبينوزا يتصور الدولة كوسيلة لتحسين حياة المواطنين. اذا كان سبينوزا لم يأخذ الكائن الانساني كما يريده هو ان يكون، فهو مع ذلك يجعله هدف للدولة لجعله كما يريده هو .

واقعية سبينوزا السياسية – التي وُضعت مقابل الخلفية النظرية للموهبة الفطرية – تطورت لاحقا لتعبّر عن جهد لفهم الكيفية التي تقرر بها مختلف انواع الظروف الحالية حياة المواطنين وكيف يمكن للدولة  في كل نوع من الظروف ان تجعل بإمكان المواطنين ان يصبحوا افضل حالا.  يجادل ستينبيرغ بان سبينوزا يؤمن باستمرار ان الدول الاكثر ديمقراطية تخدم مواطنيبها بشكل افضل .

الكتاب جرى تنظيمه بشكل جيد . كل فصل يدافع و يتوسع وفق هذه الرؤية الاساسية بوسائل من الاطروحة الواضحة والحجة المستقلة . واذا كان الكاتب يستفيد من نتائج الفصول السابقة، فهو يعود مجددا الى نقاشات ملائمة.هناك خلاصة في كل فصل و ملاحظات نقدية حول كل ملخص.

الفصل الاول هو دفاع عن تفسير سبينوزا للموهبة الفطرية مع اهتمام خاص بالسياسة. ادعائه المركزي هو انه، بالنسبة لسبينوزا، فعالية الاشياء المتناهية تتحدد بمشاعرها وان الهياكل السوسيسياسية  تؤثر على الموهبة الفطرية للكائن البشري الذي يعيش ضمن تلك الهياكل. كل واحدة من هذه الادعاءات جرى الدفاع عنها بعناية، العديد من تفاصيل سايكولوجية سبينوزا بقيت مثيرة للجدل. هناك اثنان من الادعاءات التفسيرية في هذا الفصل مثيران بشكل خاص.

اولا، يجادل الكاتب بانه،  بالنسبة لسبينوزا "المرء الذي لا يرغب بـ X اكثر من Y هو في الحقيقة لا يحكم ان X احسن من Y" (22). ومع انه قد يكون صحيحا، لكن بالنسبة لسبينوزا المرء يمكن ان يحكم  ان X افضل من Y متى ما رغب بـ  X اكثر من Y،  ذلك لا يعني انه  لا يحكم ان تكون Y افضل من X. اساسا، سبينوزا يؤكد فعلا ان المرء يمتلك فكرتين مختلفتين حول شيء واحد (انظر E2,p 35 ) وهو ايضا يؤكد بانه لكي تمتلك فكرة حول X يعني فقط ان تحكم حول X(انظر مناقشة حول الحصون الطائرة في E2 ص 49 ).

ثانيا، يدّعي الكاتب انه، بالنسبة لسبينوزا، أحكام القيمة هي مقاومة للتغيير(24). مثلما الرغبات المرتبطة بها، فان احكام القيمة  تكون عصية على التغيير. افكار سبينوزا حول العواطف، بما فيها التردد والحساسية المستمرة للعواطف الجديدة، يشير الى انه بالنسبة للعديد من الناس وفي اغلب الاوقات، يتوصلون باستمرار الى أحكام قيمية جديدة، وهذا هو جزء من المشكلة.

في الفصل 2 يدافع الكاتب عن الرؤية، بالضد من جون بوكوك وآخرين، بان سبينوزا ليس اخلاقيا طبيعيا. هو يعترف بان سبينوزا يستعمل مصطلح الطبيعي مثلما يستعمل مفردات Jus,Lex,imperium  وغيرها لكنه يجادل بان سبينوزا يقوم بهذا فقط لكي "يجردها من اهميتها المعيارية"(39). فكرة هذا الفصل ونتيجته الأكثر اهمية للجدال هي ان الالتزامات، الحقوق، والواجبات  بالنسبة لسبينوزا تُفهم بعبارات من المنفعة او المنفعة المتخيلة فقط. الفصل يُعتبر مساهمة واضحة وقوية لهذه النقاش لأنه يطرح طريقة واضحة لفهم  القضية قيد الدراسة. الكاتب يقترح اننا نستطيع فقط اعتبار سبينوزا اخلاقيا طبيعيا لو ان المصطلح التقليدي يشير الى شيء آخر غير نظرية المنفعة.

 يرى المؤلف ان الاخلاقي الطبيعي يعتبر القانون الطبيعي مفروضا علينا من جانب الله لكن سبينوزا لايتصور الله مانحا للقوانين(3). هذا بالتأكيد يصح بالنسبة لسبينوزا في الاخلاق (E1APP)، وهي رؤية تستحق الاعتبار .ان TTP تعرض مشاكل للرؤية بان اعمال سبينوزا تمثل عقيدة متماسكة واحدة. ان عقيدة الايمان العالمي في الـ TTP الفصل 14 تتطلب باستمرار الايمان بالله كموجّه وحاكم  يجب طاعته.

الفصلان الثالث والرابع يتعلقان بالحرية. اطروحة الفصل الثالث هي انه،  وفقا لرؤية سبينوزا، يجب على الدول تحرير مواطنيها قدر الإمكان. الكاتب يؤكد على ان سبينوزا يحدد الحرية والسلطة، يدافع عن الاطروحة بشكل جيد  ضد النقاد الذين اعتبروا سبينوزا ليبرالي كلاسيكي.

في الفصل الرابع، يجادل ستينبيرغ ان سبينوزا يرسخ زراعة الامل بدلا من الخوف كوسيلة بواسطته تتمكن الدول من تحفيز نشاط مواطنيها، وهو يدافع عن التماسك الداخلي لهذه الرؤية. الفصل يُعد مساهمة قيّمة لفهمنا لسبينوزا. سبينوزا يبيّن حقا تأكيدا واضحا على الأمل وتوقعات اكثر استقرارا للخير والأمن او الثقة، كعواطف تميز المجتمعات الجيدة. غير ان هناك تحفظا واحدا وهو ان المؤلف ذهب بعيدا في اعتبار الولاء الديني  devotion كنوع من الأمل (91). سبينوزا بالفعل اعتبر الولاء الديني كوسيلة سياسية هامة، خاصة في الـ TTP. في تفسيره للعواطف هو يميز بوضوح بين الولاء الديني والامل. الولاء هو نوع من الحب ارتبط بالدهشة او الاحترام الكبير. بعد تعريف سبينوزا "للولاء"، هو يكتب بان العواطف الاخرى ربما ايضا ترتبط بالدهشة، وهو يضع الامل ضمن قائمة العواطف. الولاء، عندئذ ليس املا. انه عاطفة مختلفة ذات قيمة اجتماعية.

في الفصل الخامس يجادل ستينبيرغ انه وفقا لرؤية سبينوزا، فان الدولة تساعد المواطنين عبر التخفيف من عواطف الحظ. المؤلف يعرض جدالا هاما بان توافقية سبينوزا – الرغبة في تعديل لغة المرء وسلوكه الى توقعات المجتمع — والتي هي شكل عالي الخصوصية في اعماله المبكرة، هو ايضا جرى التعبير عنه باهتمام الدولة الذكي بالموهبة الفطرية لمواطنيها. ببساطة تحويل التصورات العقلانية الى قوانين سوف لن يكون الطريقة الفعالة لمساعدة المواطنين.

يجادل ستينبيرغ في الفصل السادس بان الـ TTP يمثل هجوما منهجيا دائما على السلطة الدينية والمؤسسات الفاسدة التي تنتجها  تلك السلطة(130)(4). يتضمن الفصل توضيحا مفصلا ومقنعا للاخطار التي يجدها سبينوزا في الكهنوتية. من غير الواضح لماذا سبينوزا يعتقد ان إعطاء سلطة دينية لصانع القوانين هو حل للأخطار التي ربما يرتكبها القساوسة. ستينبيرغ لم يحل هذه المشكلة. هو حقا، في تأكيده على اهتمام سبينوزا بأخطار السلطة الدينية، يكون قد هيأ الظروف  لتصور فعال لوحدة الـ TTP و TP في الفصل القادم.

في الفصل السابع يدافع ستينبيرغ عن فكرة ان  سبينوزا كان ديمقراطيا طوال اعماله المختلفة(164) وان تفضيله للديمقراطية له اساس نفعي: انها احسن وسيلة لتحسين حياة المواطنين(173). في القسم 7.2 يجادل ستينبيرغ ان تصورنا الثابت عن انفسنا يجعل المؤسسات الديمقراطية اكثر قدرة من غيرها على إعطاء الأمل والأمان .هذا التوضيح الاداتي لمساواة سبينوزا يتجاهل كثيرا الحجج بان سبينوزا اخلاقي مساواتي. المؤلف يرى ان سبينوزا يعرض سياسة متماسكة كثيرا في TTP و TP.

القسم 7.3 يجمع كل من ألـ  TTPوTP. فيه يجادل ستينبيرغ ان سبينوزا يعتبر الديمقراطية احسن أشكال الحكومة باعتبار اننا من خلال الاجراءات الديمقراطية نصل الى احسن القرارات. الفصل السابع يقدم عددا من الرؤى التفسيرية المثيرة للجدل، لكنها جذابة وجيدة بشكل استثنائي. انه قلب الكتاب. اخيرا، في الفصل الثامن يجادل ستينبيرغ ان الدولة تساهم في تحقيق الخلاص والخير، وبعمل كهذا يحاول مرة اخرى ان يبين التماسك الكلي لرؤى سبينوزا. الاقسام الاولى من الفصل تقدم ملخصا مفيدا عن التعامل الجيد  للاخلاق. قسم 8.5 يقدم رؤية مباشرة عن دور الدولة في تعزيز وترسيخ الخلاص: انها يمكن ان تمنع اضطراب المؤسسات الاجتماعية . يمكنها ان تعزز الامن والامل عبر تشكيل الموهبة الفطرية للمواطنين وانها يمكن ان تجلب الظروف التي بها يمكن بلوغ امكاناتنا في المساعدة . ستينبيرغ يعرض حالة قوية متأسسة على خلفية من التاريخ والفلسفة والنظرية السياسية لإيجاد رؤية حول السياسة لدى سبينوزا. الكتاب بداية ممتازة لطلاب الدراسات العليا والباحثين في الفكر السياسي لسبينوزا.

كتاب السايكولوجيا السياسية لسبينوزا:ترويض الحظ والخوف، للكاتب جستن ستينبيرغ، صدر عن مطبوعات جامعة كامبردج في ديسمبر 2018 بـ 248 صفحة

 

حاتم حميد محسن

.........................

الهوامش

 (1) هناك ثلاث ادّعاءات اساسية لسبينوزا في مجال الاخلاق وهي 1- كل الاشياء تأتي الى الوجود وتعمل بالضرورة وفق قوانين الله الطبيعية.2- الطبيعة لاتعمل نتيجة لغاية او غرض.3- الطبيعة دائما وفي كل مكان هي ذاتها. هذه الادعاءات الثلاثة مجتمعة تعني ان السلوك الانساني مثل سلوك اي شيء اخر، يستلزم ويمكن توضيحه كليا من خلال قوانين الله في الطبيعة الثابتة.هذا يشكل جزءا هاما من الخلفية الميتافيزيقية التي طور بها سبينوزا نظريته السياسية.هذه الرؤية التي تتكون من ثلاثة افتراضات يمكن تسميتها بطبيعية سبينوزا،  وهي الطبيعية التي قادته الى تبنّي رؤية جريئة حول مصدر ومكانة الحقوق والالتزامات والقوانين التي ميزت أعماله عن تلك النظريات السياسية السائدة في القرن السابع عشر.

(2) مصطلح ingenium يعني الموهبة الطبيعية، مقابل الحكمة المكتسبة من الممارسة والتجربة،  وهي تعتبر بصمة الهية على روح الفرد عند الولادة.

 (3) طبيعية سبينوزا تستبعد امكانية الاله المتجاوز. اولئك الذين يعتقدون بالاله المتجاوز "يتصورون ان هناك قوتان متميزتان عن بعضهما، قوة الله وقوة الاشياء الطبيعية .. بالطبع حسب تفسير سبينوزا، الله ليس مشرّعا متجاوزا، الله هو الطبيعة ذاتها. وبالنتيجة، كل الحقوق التي يرجع اصلها الى رغبة الله التشريعية هي زائفة. هذا يُعد هجوما مباشرا ليس فقط على المدافعين عن الحق الديني للملوك وانما على جميع السلطات ذات المصدر الديني."القوانين وقواعد الطبيعة هي ذاتها دائما وفي كل مكان "(E111preface)، "سواء يقاد الانسان بالعقل او بالرغبة فقط، فهو يعمل طبقا لقوانين وقواعد الطبيعة"(TP2/5).

(4) تحتوي رسالة الـ TTP على الكثير مما يعرف بالنقد الانجيلي.يحدد سبينوزا عددا هائلا من حالات عدم الانسجام النصي، الذي قاده وبدعم فلسفي الى انكار المكانة المجيدة للانبياء، والحقيقة الموضوعية للمعجزات، ومن ثم الاصل الديني للاسفار الخمسة. سبينوزا يرى ان الكتاب المقدس لا يتنافس مع الفلسفة كمصدر للمعرفة، ولا ان نصائح الكتاب المقدس تتنافس مع اوامر السلطات المدنية. عبر فصل الايمان عن العقل وجعل دور الدين في الحياة العامة خاضعا لسلطة الدولة يكون سبينوزا قد حاول تطهير الدين من مظاهره الخرافية الخبيثة (الفصل13). سبينوزا يتجاهل الادّعاء بان الكتاب المقدس مصدر حقيقي للمعرفة. قيمة الكتاب المقدس لاتكمن في اسطوريته او في محتواه الميتافيزيقي المبهم، انها تكمن بالحقائق الاخلاقية المبسطة التي تشجع على طاعة الدولة. الكتاب المقدس كُتب للناس البسطاء وغير المتعلمين وينقل معلومات بطريقة تتناسب مع هؤلاء الناس، على شكل تفسيرات طوباوية وأمثال تجذب الخيال وليس الفكر.

 

جمعة عبد اللهيتميز الناقد الاستاذ الدكتور الكبير عبد الرضا علي بذائقة رفيعة في الادب، والدراسات البحثية والتطبيقة. في منهجية عالية في اسلوب البحث والتحليل والتطبيقي، الذي يرتقي ببراعته الى الاستاذية المتمكنة. وهذه الدرجة الرفيعة، يتميز بها استاذ النقد الكبير. من هذه الرؤية الموضوعية، يأتي كتابه المرسوم (الايقاع في الشعر الشعبي) يتطرق الى البنية المعيارية، لاهم جوانب الايقاع في الشعر. في الموسيقى واللحن والغناء والنغم. في الدلالة البارزة في أهم الخصائص والمميزات الناتجة والظاهرة. وكما يتطرق الى ارتباط الشعر الشعبي الى البحور الشعرية (الاوزان) ومدى تجاوب الشعراء الشعبيين في ابداعتهم في هذه العروض. في دلالتها و بنية تشكيلاتها في المعيارية الوزنية، لبحور الشعر الخليلية والمستلزماتها، بين الحركات والساكنات. واهمية الكتاب الذي لا غنى عنه للمكتبة الموسيقية للشعر الشعبي والتراث الغنائي، ليسد الفراغ لهذه المكتبة الموسيقية. يتناول بالبحث التطبيقي هذه الجوانب ومفرداتها ونزاعاتها الطبيعية، وحالة الانسجام التي تتكيف مع حالة الحياة والوجود في الجوهر المعني، في خصائصها وتجاذباتها، واهمية مستلزمات هرمونها الطبيعي. المتناسق والمنسجم لماهية الحياة والوجود. وقد ذكر الفيلسوف اليوناني (افلاطون) بأنه يرى (النزعة الطبيعية الى الانسجام والايقاع، هو الاساس في الشعر) وكما يرى (فيثاغورس) ليؤكد دور الشعر والموسيقى في الحياة والوجود، بصفة التجانس والمتناسق. حين قال (العالم مبني بناءً موسيقياً) ولا نهضم حق فيلسوفنا العربي (ابن سينا) في تأثير الايقاع الموسيقي على الحياة واثرها في سايكولوجية الفرد، في مسكنات الاوجاع. حيث اشار الى (ان مسكنات الاوجاع ثلاث: المشي الطويل. الغناء الطيب. الانشغال بما يفرح الانسان). لذا فأن الايقاع الموسيقي في الشعر الشعبي، في مفهومه العام، يؤدي وظيفة حياتية بالغة الاهمية. لذلك انشغال الكتاب النقدي في هذه الخصائص، في التبحر بهذه الاشياء، بالتحليل الدراسي العميق، بين البنية الايقاعية. في موسيقى الشعر ودلالتها الدالة، وتأتي في البحث التطبيقي. كأنها دروس نظرية وعملية تطبيقية، لاغنى عنها المثقف والدارس. في ابراز جمالية مفهوم الايقاع ومؤثراته. بين الموسيقى واللحن والنغم والصوت، وما تخلق من آثار مؤثرة في العاطفة والاحساس. ان الناقد الكبير يدلل من خلال تطبيقاته على هذه الخصائص، بالتحليل الجمالي بصفة الاستاذية، في الشرح والتفسير والفهم والتشخيص. بما يملك من خزين معرفي متكامل، ولاسيما وان البدايات الاولى لاستاذنا، أهتم بكتابة والنظم في الشعر الشعبي. لكنه انصرف عنه الى التطرق الى قصائد الشطرين، عند دخوله الجامعة المستنصرية في بغداد. لذلك يملك حصيلة من المعرفة والخبرة الطويلة في التعمق في البحث في دراساته النقدية. في جوانب الايقاع الشعر الشعبي، في الجوانب الفنية واللغوية. وجوانب الاجتهاد في العروض الوزنية. وفي جوانب الايقاع الشعري والموسيقي. واجراء دراساته البحثية، في التطبيق على بعض الاغاني. التي اتسمت بالشهرة الواسعة، او التي اصبحت خالدة في التراث الغنائي العراقي. وكذلك التطبيقات وفق المعيارية الوزنية، على قواعد البحور الشعرية، ومؤثراتها لدى السامع، في الايقاع والصوت واللحن والغناء. في الجوانب المهمة. كما اشتملت دراساته التطبيقية في التطرق الى (الابوذية) و (العتابة) وغيرهما.. ان كتاب (الايقاع في الشعر الشعبي) مقسم الى ثلاث اقسام. هي:

1 - القسم الاول: الايقاع في الشعر الشعبي، تنظيراً وتطبيقاً.

2 - القسم الثاني: في ايقاع الاغاني. واشتمل التطبيق على 12 أغنية، وهي:

1 - أغنية (بنادم) ل حسين نعمة واشكالية إيقاعها.

2 - إيقاع اغنية (أفز بالليل) ل ستار جبار.

3 - الايقاع في أغنية حسين نعمة (جاوبني تدري الوكت)

4 - الايقاع في اغنية (طير الحمام) ل رضا الخياط

5 - الايقاع في قصيدة كاظم اسماعيل الكَاطع (تغطيت).

6 - إيقاع أغنية (بحشاشتي) ل رياض أحمد.

7 - إيقاع أغنية (عليمن يا كَلب) ل وحيدة خليل.

8 - إيقاع أغنية (عاش من شافك) ل فاضل عواد.

9 - الايقاع في أغنية (يانبعة الريحان) التراثية.

10 - الايقاع في أغنية (كيفك أنتَ) ل فيروز

11 - الايقاع في أغنية (جوز منهم) ل عفيفة اسكندر.

12 - الايقاع في أغنية (مالي خلق) كاظم الساهر والاطفال.

ومحاولة التمتع في بعض هذه الاغاني الجميلة، والتطبيقات الوزنية عليها.

 1 - إيقاع اغنية بنادم. غناء حسين نعمة. ولحن كوكب حمزة. الشاعر ابو سرحان (ذياب كزار. 1946 - 1982). أبتدأً مطلع أغنية (بنادم) بايقاع السريع المحوّر في العروض والضرب شعبياً. أي ان الشاعر لم يلتزم بأيقاع السريع المستعمل:

مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ / مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُن.

وإنما جعل العروضة والضرب مصابين بعلة القطع (فَعْلُنْ) بسكون العين كما في مستهلها:

 بهيدة عله بختك لاتعت بيها روحي انحلت والشوك ما ذيها

 مُسْتَفْعِلُن مُستَفْعِلُن فَعْلُنْ مُستَفْعِلُن مُستَفْلُن فَعْلُن

 ما جنها ذيج الروح يبنادم لا جنها كلها اجروح يبنادم

 مُستَفْعِلُن مُستَفْعِلٌن فَعْلُن مُستَفْعِلُن مُستَفْعِلُن فَعْلُن

 وهذا رابط اغنية (بنادم) بصوت حسين نعمة

 https://youtu.be/1Xtj7VwA80E

....................

2 - اغنية عليمن يا كَلب تعتب عليمن / وحيدة خليل

عليمن يا كَلب تعتب عليمن

مفاعيلُنْ مفاعيلُنْ فعولُنْ

 هويت وجربت وامنت بيمن

 مفاعيلُنْ مفاعيلُنْ فعولُنْ

وهذا رابط اغنية (عليمن يا كَلب) بالصوت الشجي للمطربة وحيدة خليل

https://youtu.be/kIjvjkwaiEc

.......................

3 - الايقاع في أغنية (يا نبعة الريحان) التراثية بصوت المطربة سليمة مراد

 يانبعة الريحان حِنِّي على الولهان

 مُسْتَفْعِلُنْ فَعْلانْ مُستَفْعِلُنْ فَعْلانْ

جسمي نحل والروحْ ذابت وعظمي بانْ

مُستَفْعِلُنْ فَعْلانْ مُستَفْعِلُنْ فَعْلانْ

وهذا رابط الاغنية

https://youtu.be/I7bb_fHpbCQ

......................

4 - الايقاع في أغنية (كيفك أنتَ) ل فيروز

 تزكر آخر مرة شفتك سنتا ؟

فعْلُن فعْلُن فعْلن فعْلُن فعْلُن

تزكر وقتا آخر كلمة قلتا ؟

فعْلُن فعلن فعلن فعلن فعلن

وهذا رابط الاغنية بصوت فيروز. كتب كلماتها ولحنها زياد الرحباني

https://youtu.be/iTBwW7GKx_8

.......................

5 - الايقاع في أغنية (مالي خلق) كاظم الساهر والاطفال.

أقيمت هذه الاغنية (مالي خلق) على مجزوء الكامل

مالي خلقْ حب وافترق ْ

مُستَفْعِلُنْ مُستَفْعِلُن

نار العشقْ تحرقْ حرقْ

مُستَفْعِلُن مُستَفْعِلٌنْ

وهذا رابط الاغنية الجميلة

 https://youtu.be/35wriEJvhWI

 3 - القسم الثالث: دراسات

اشتملت على القصائد التالية

1 - قصائد للشاعرة وفاء عبدالرزاق

2 - قصيدة: الملحمية الشعرية (جبت كل العراق وجيت) للشاعر د. خيرالله سعيد

3 - عن مظفر النواب ومخالفاته للسائد في الشعر الشعبي.

ونختار مقطع من قصيدته المشهورة (للريل وحمد)

 مرينا بيكم حمد واحنا بقطار الليلْ

 مستفعلن فاعِلن مستفعلن فعلانْ

 واسمعنا دك اكَهوة وشمينا ريحة هيلْ

 مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلان

 ياريل صيح ابقهر صيحة عشك يا ريلْ

مستفعلن فاعلن مستفعلن فعْلانْ

 هودر هواهم ولك، حدر السنابل كَطةْ

 مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعِلُنْ

 آنه ارد الوكَ الحمد، مالوكَن لغيره

مستفعلن فاعلن مستفعلن فعْلُن

 

 × كتاب: الايقاع في الشعر الشعبي

× المؤلف: الاستاذ الكبير د. عبدالرضا علي

× نشر وتوزيع: شركة العارف للاعمال ش. م.م. بيروت / لبنان

× تاريخ الاصدار: الطبعة الاولى عام 2018

عدد صفحات الكتاب: 149 صفحة

 

 

جمعة عبدالله

 

 

971 فلاح الشابندرد. سعد ياسين يوسف يقول:

"إنَّ الشابندر يكتبُ قصيدةً لا تنتمي إلى السّلاسةِ الشعرية ِ الظاهرة وإنما إلى تمثل المعنى الكامنِ فيها..."

"كتب متأخرا ... مات مبكرا"، هو عنوان لكتاب جديد صدر في بغداد متناولا تجربة الشاعر "الموغل في الرمز" فلاح الشابندر وأسهم فيه نخبة من النقاد والأدباء وبخاصة الأكاديميين منهم من الذين كتبوا رؤاهم وأفكارهم ومقالاتهم النقدية عن المنجز الشعري للشابندر عبر مجموعاته الشعرية الثلاث .

وجاء في مقدمة الكتاب بقلم د . سعد ياسين يوسف:

" عبر العصور التي مرت على البشرية نجد الإنسان مأخوذاً بالتعبير عن ذاته بوصفه كياناً متحركأ ومتغيراً وقد يكون شكل ذلك التعبير مما هو سائد فيمر من غير أن يستوقف لحظة

عبر العصور التي مرت على البشرية نجد الإنسان مأخوذاً بالتعبير عن ذاته بوصفه كياناً متحركأ ومتغيراً وقد يكون شكل ذلك التعبير مما هو سائد فيمر من غير أن يستوقف لحظة التأمل والسؤال كلها ونادراً ما يخالف السائد والمألوف وهنا يستوقف علامات السؤال، وهذا ما لمسناه من خلال متابعتنا وقراءاتنا المتعددة لمنجز فلاح الشابندر في مجموعاته الشعرية الثلاث (سطر الشارع، وفحم وطباشير وفي زنزانة السؤال) التي طرح من خلالها نصوصه التي نحت صوب الرمزية وجاءت أحيانا غارقة فيها مما يدعونا بكلِّ تأكيد الى طرحٍ جديد لعمليّة القراءة ودور القارئ في التعامل مع هذه النصوص .

ولما كان الرمز من أعقد صور التخييل، إذ يتداخل فيه الثقافيّ بالنفسيّ والاجتماعي بالذاتيّ، فإن الكتابة في هذا المجال تعكس رؤية الشاعر وتجاربه التي تعمقها ثقافته وروافده الفكرية .

وقال الشاعر د . سعد ياسين يوسف:

إنَّ الشابندر يكتبُ قصيدةٍ لا تنتمي إلى السلاسةِ الشعرية ِ الظاهرة وانما الى تمثل المعنى الكامنِ فيها منطلقاً في كل كتاباتهِ من ثيماتٍ أساسية ٍ مهيمنة تترددُ أصداؤها في جنبات ِ النصوص التي يقدمُها للقارئ، والقارئ النخبوي بشكلٍ خاص مدركا أن َّ هذا الغموض ليس لعباً باللغة والكلمات.

وأضاف: إنَّ مفاتيحَ شفراتِ نصوص ِفلاح شحيحةٌ ظاهريا ويكادُ يخفيها تحتَ طرف سجادةِ رموزه أحيانا أو بينَ شُجيراتِ المعنى..ولكن ثمة مهيمنات تكاد تهيمن على جميع نصوصه ومن خلالها ندرك كيفية فك شفرات المعنى في شعره وتتمثل في) مهيمنة الإحساس بالغربة ومهيمنة الحرب، مهيمنة المرأه، مهيمنة الأنا، مهيمنة الإنتظار، ومهيمنة القلق) .

وقال الدكتور سعد ياسين يوسف: إن الشابندر في رسم صورهِ الشعرية وتوليدها يسعى إلى إعادة الحياة لمهملات الأشياء وهوامشها ليمنحها رؤية فلسفية عبر صياغتها وتأطيرها بأطر فكرية جديدة نابضة، فهو " أي الشاعر " يغيب أحياناً عن ذروة الوعي في أثناء كتابة القصيدة فتكتب القصيدة نفسها بعيداً عن سلطة وعيه وهو بذلك مجتهد في منح اللامعنى معنى جديدا.

وأختتم يوسف مقدمة الكتاب بالقول :

إن الدخول الى عالم فلاح الشابندر عبر الرؤى النقدية التي يزخر بها هذا الكتاب لنخبة طيبة من الأساتذة النقاد سيثري الرؤية وسيفتح للقاريء نوافذ واسعة للتقرب من تخوم المعنى فيما طرحه وأراده الشاعر عبر منجزه الشعري الذي نتمنى له أن يتواصل لرفد الساحة الثقافية العراقية والعربية والإنسانية بما يبقى.

شارك في مقالات الكتاب التي جمعها الكاتب والمترجم أحمد فاضل وصدر عن دار الكتاب الجامعي الأساتذة (د. سعد ياسين يوسف، د. إنعام الهاشمي، صباح محسن، فائز الحداد، عمر مصلح، أحمد فاضل، قاسم محمد مجيد، أ. د . بشرى البستاني، عبد الستار نور علي، سعد محمد مهدي غلام، حسين الساعدي، إسماعيل إبراهيم عبد، قاسم ماضي، محمد الرشيد، جمعة عبدالله، ناظم ناصر القريشي، غالب الشابندر، عباس باني المالكي، و أ.د سهير أبو جلود).

 

بقلم : أحمد فاضل

 

محمود محمد عليأهدي هذا المقال لكل قراء صحيفة المثقف احتفالا بمرور العام الثالث عشر من تاريخ صدورها

يعلم كل من يتابع كتاباتي ومقالاتي وكل من هو قريب لشخصي إنني متحرر تماماً من أية تبعية تقودها أهوائي لمصلحة ذاتية أرغب في تحقيقها، فقلمي متجرد من كل قيود ولا يستقي كلمته إلا من محبرة تراب الوطن فقط، ومن ضمير الحق الذي يسكن بداخلي ويقود كل كلماتي.

ومن تلك المحبرة وضمير الوطن والحق الذي يسكن بداخلها، غمست قلمي لأكتب عن ماجد الغرباوي الوطني والإنسان.. وما دفعني لذلك هو تلك المناسبة العطرة وهو الاحتفال بالعيد الثالث عشر لإصدار صحيفة المثقف والتي من خلالها تمكن ماجد الغرباوي أن يجمع العديد من الكتاب والمثقفين في مؤسسة فكرية ثقافية فتحت قلبها لكل الأقلام بمختلف جنسياتهم، ورحبت بالذين يحملون بداخلهم طاقة ذهنية وفكرية وإنسانية متوقدة يحطمون بها كل التناقضات ويواجهون بها  الزيف الثقافي (حسب ما أخبرتنا الأستاذة الفضلة "علجية عيش" في مقالها الصادر بعنوان في عيدها الثالث عشر.. المثقف نافذة تطلُّ على العالم).

ولذلك بسبب هذه المناسبة انتفض قلمي لأكتب عن ماجد الغرباوي للمرة الثانية، وهذه المرة بمناسبة وما أحلاها من مناسبة، فهي مناسبة شكر له علي ما تفضل به من خلال إنشائه لتلك الصحيفة الموقرة والذي لولاها  لما استطاع الكثير من الكتاب والمفكرين أن يحلقوا بعيدا عن أوطانهم أو يقفزوا إلى ما وراء البحار (هنا في أستراليا)  ليصنعوا ذواتهم، بعد أن مُورست عليهم ثقافة الإقصاء في بلادهم وليقولوا بصوت مرتفع "نحن هنا" في صحيفة المثقف نعبر عما يجيش في صدورنا وقلوبنا وعقولنا .

ومن هنا كان اللجوء الإعلامي.. الإبداعي والثقافي (في صحيفة المثقف)، والتي وجد فيها العديد من الكتاب والمثقفين ملجأ لهم،  ففتحت قلبها لكل الأقلام بمختلف جنسياتهم، ورحبت بالذين يحملون بداخلهم طاقة ذهنية وفكرية وإنسانية متوقدة يحطمون بها كل التناقضات ويواجهون بها  الزيف الثقافي، وهي تجربة مرت مع كل من تواصل مع مؤسسة المثقف برئاسة الاستاذ ماجد الغرباوي، ليس كمسؤول، وإنما كمبدع يعيش الواقع الثقافي العربي ويغوص في أعماقه،  فقد استطاعت المثقف أن تفتح آفاقا جديدة أمام كل الأقلام بمختلف جنسياتهم من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، وتحقق الانفتاح، واستطاعت بفكرها الواسع أن تقضي على الفوارق الثقافية، فلا تفرق بين كاتب كبير وكاتب مبتدئ، بل جعلت من الصغير كبير، واحتلت مساحات جديدة في النفوس بعمق وحرية من أجل إيصال الفكرة وتوضيح الرؤية، وتنوير العقول، فكانت نافذة تطل على العالم، وهذا هو الوعي الثقافي في كل تجلياته. (حسب قول الأستاذة "علجية عيش" في مقالها السابق).

كتاب: تحديات العنف

967 tahadiyatalonf

كما قلت في الفقرات السابقة انتفض قلمي لأكتب عن ماجد الغرباوي ولكن بشكل مختلف عن المرة الأولي، حيث أخترت إحدى كتاباته المهمة والتي تعالج الواقع الحالي، وهو كتابه الشهير " تحديات العنف"؛   لأعرض له وأحلله وأنقده،  وهذا الكتاب كان قد صدر للمرة عن دار الحضارة للأبحاث ودار العارف في عام 2009م، وفي هذا الكتاب قدم لنا المؤلف من خلاله خلاصة مقطرة ومركزة لكنها بالغة التعبير والدلالة لحقيقة اكتشاف البنية المعرفية للممارسة العنف من قبل المتطرفين الإسلاميين، أي محاولة اكتشاف المفاهيم والمقولات والفضاءات الفكرية والعقيدية التي تدفع المتطرف نحو قتل الإنسان لا لشئ سوي إنه يختلف معه عقدياً أو دينياً أو فكرياً، كما يحاول المؤلف التعرف علي الخطاب الديني التكفيري الذي يمارسه الفقهاء المتطرفون ضد الآخر المختلف دينياً أو عقدياً .

لقد أراد ماجد الغرباوي في هذا الكتاب أن يعطينا خطاباً تجديدياً، حيث حاول أن يحرر الفكر الإسلامي من قيود القراءات التقليدية والأيديولوجية وإعادة تفسيره وتأويله من منظور واقع الحداثة ونقله إلى فضاء معرفي جديد. من مفارقات السجالات الفكرية المعاصرة حول ضرورة تجديد الفكر الإسلامي وتطوير آليات علمية جديدة لدراسة فقهه وتوظيفه من أجل مواكبة مسار الحضارة والتجاوب مع متطلبات العولمة وتعقيدات الحداثة، أن معظم المفكرين الإصلاحيين والتجديديين المسلمين يحظون باهتمام عامة الجمهور في دول العالم الإسلامي وباهتمام الرأي العام الغربي ليس بسبب اجتهاداتهم الفكرية وإنجازاتهم العلمية المميزة، بل بالدرجة الأولى لأنهم يعايشون محنة العالم الإسلامي وعواقب العنف، حيث حاول الغرباوي أن يحدد شروط ممارسة القوة في الإسلام، فليس العنف مرفوضا مطلقاً، وإنما له مبرراته الموضوعية، ولاسيما مع المعتدي الرافض للحوار أو في حالات الدفاع عن النفس أو غير ذلك بامتلاك القوة أمراً ضرورياً جداً، لأن تمسك بزمام الحياة في عملية إدارة وقيادة المجتمع.

لقد تناول " تحديات العنف " بعض الحركات الأصولية المتطرفة التي مارست العنف بشكل مريب ومكثف، متخطين بذلك كل القيم الدينية والخطوط الحمراء التي أرستها الشريعة المحمدية، ولم يتوقفوا عن إرتكاب مجازر العنف حتى مع المسلمين، ممن يختلف معهم مذهبياً أو فكرياً أو عقدياً، كما يكشف كذلك علي أن وتيرة العنف والعمليات الارهابية في العالم في تصاعد ما دامت بؤر التوتر لم تلامس حلولاً موضوعية ولا يقابل العنف إلا بعنف مضاد، سرعان ما يتحول هو الآخر إلى سلطة فوقية تمارس العنف والاضطهاد . ولذلك يعالج الكتاب طبيعة الصراع بين الأديان والمذاهب علي حقيقة العنف، حيث يتساءل المؤلف : ما الهدف من هذه الممارسات؟ هل هي حرب ضد إرهاب الدول الكبرى كأمريكا وحلفائها، فلماذا يقتل الأبرياء؟ هل هي جهاد في سبيل الله، فلماذا يتقاعس العلماء؟ هل هناك ما يبرر أعمالهم شرعاً فلماذا لا تستجيب لهم الشعوب المسلمة؟ من الذي يجيز لهؤلاء قتل الرجال والنساء في كل مكان؟ ومن المسؤول عن فتاوى التكفير ورمي الآخر بالردة والانحراف؟ وهل الرأي الآخر مبرر للقتل والعدوان؟ ولماذا لم يقتل الرسول صلي الله عليه وسلم جميع اليهود والنصارى بل من لا دين له من العرب وغيرهم؟ وهل الحرب والسيف الوسيلة الوحيدة لنشر الإسلام وبيان الحقيقة؟ لماذا لا يتمكن المسلمون مقارعة الكلمة بالكلمة؟ وهل صحيح إن الإسلام عاجز عن ممارسة الديموقراطية واقناع الآخر بوسائل وآليات حديثه؟ هل حصلت للمتطرفين شبهة عقدية؟ هل يتلقون توجيهاتهم من جهات أعلى؟ من هي هذه الجهات؟ هل هم فقهاء؟ وأي فقهاء؟ هل يفقهون الحياة؟ وهل يدركون مقاصد الشريعة وغاياتها؟ وهل يعترفون بدور الزمان والمكان؟ أم فقهاء متحجرون، متغطرسون؟.

ولعل من المفيد – قبل عرضنا لهذا الكتاب ومحتواه – أن نشير في عجالة إلي أهم التوجهات الضابطة في مسيرة المؤلف الفكرية عبر فصول الكتاب العديدة .

وأبرز هذه التوجهات وهو ما ظهر له من أن دراسة "تحديات العنف " يمثل أمراً هاماً، لدراسة اسباب العنف واكتشاف بنيته المعرفية، من مقولات ومفاهيم وفضاءات فكرية وعقيدية، ومحاولة للتعرّف على الخطاب الديني التكفيري الذي يمارسه الفقهاء المتطرفون ضد الاخر المختلف دينياً وعقيدياً. واكتشاف الأدلة التي تبرر للإنسان منطق العنف والاقصاء والكراهية والتنابذ، وفهم طبيعة الثقافة التي تشبع بها الإرهابيون الدينيون فاستساغوا الموت وكرهوا الحياة، وامتلأت قلوبهم حقداً وبغضاء.

وثمة توجه آخر للمؤلف يتمثل في أنه إذا أمكن تحديد وسائل العنف، حيث يقول في مقدمة كتابه:" ليس العنف طارئاً، أو غريباً على سلوك الانسان، فماضي البشرية حلقات متواصلة من الحروب، وتاريخها مشهد تراجيدي موشح بالدماء، ونكبات الموت ترسم صورة قاتمة لمستقبل الحضارة الانسانية. وليس في الحياة سوى نكبات متوالية، وكوارث مرعبة. إنها ثقافة العنف الذي شكل تحدياً خطيراً لوجود الانسان منذ القدم، فراح يهدد أمنه وسلامته واستقراره. ويهوي به عميقاً في لجة التوحش والانحطاط. وهو اليوم أحد أخطر التحديات وأكثرها تعقيداً، وقد امتدت تداعياته إلى أغلب المدن فسلبتها أمنها واستقرارها. واختلطت الأوراق بشكل متشابك وملتبس بسبب ما أحدثته تلك العمليات من رعب واستفزاز إجتاح الساحتين الدولية والاقليمية، وبات من الصعب العثور على واحات سلام تسمح بالمراجعة والنقد، وتحري الخطأ وتشخيص الحلول الناجحة لتسوية الازمات، إذ ارتكز الجميع إلى فوهات البنادق لتصفية الحسابات، والتشبث بالعنف لتسوية الخلافات.

أما التوجه الثالث فيتمثل في ربط المؤلف دراسة العنف بالإعلام، حيث يقول :" إن التكثيف الإعلامي المضاد لوسائل الاتصال الحديث، بطريقة متهورة  أحياناً، ليس أقل خطر من الأعمال الإرهابية ذاتها التي يرتكبها البعض باسم الدين، أو هكذا يحلو لتك الوسائل أن تصفها. حتى تنبـّه ساسة بعض الدول إلى خطورة النتائج المترتبة على الأسلوب الاستفزازي للإعلام المضاد. فمثلاً دعا توني بلير رئيس وزراء بريطانيا في حينه وقبله جورج دبل بوش الرئيس الامريكي إلى توخي الحذر في إثارة حفيظة المسلمين والتمييز بين ما هو إسلامي ينتسب للدين الحنيف وما هو إرهابي يرتكبه بعض المتطرفين باسم الدين، مخافة أن ينقلب المسلمون أشد عنفاً إذا ما تمادت وسائل الإعلام في سياسة الطعن والتشويه، وتجاهل الحقوق المشروعة للشعوب في صراعها مع الدول المتسلطة، وحقها في التعبير عن ارادتها. وهكذا وضع الإسلام في قفص الاتهام حتى في حالات الدفاع الشرعي عن الذات والهوية.

علي أن هذه التوجهات قد صاحبها ثلاث نزعات للمؤلف: إحداها نفسية، والثانية أخلاقية، والثالثة عقلية . أما الأولي من هذه النزعات، فتتمثل في إفراط المؤلف في القول بأن :" ويكفي لتأكيد ذلك مسلسل الاعمال الطائفية التي ارتكبها هؤلاء في باكستان والعراق وأفغانستان ضد إتباع المذاهب الإسلامية، بل وابناء المذهب الواحد والدين الواحد والوطن الواحد كما في كثير من البلدان الإسلامية مثل الجزائر ولبنان حتى (أدى التوسع العنيف لادعاءات الهوية التي تستبعد الآخرين إلى كثير من المعاناة والتضحيات. ويقدر أن الصراعات بين الدول داخل العالم العربي تسببت بين 1948 و 1991 في مقتل ما لا يقل عن 1.29 مليون نسمة وتهجير نحو 7.3 مليون نسمة) . ناهيك عما حدث بعد هذا التاريخ من مجازر في المنطقة ذاتها. فقد كان ضحية الموجات الإرهابية (نفذها الإسلاميون ام غيرهم) في مصر بين 1992- 1995 مالا يقل عن 984 شخصاً، كما عاشت الجزائر اضطرابات إرهابية دامية، وقد اعتبر جل الملاحظين أن حصيلة الهجمات بلغت ما لا يقل عن أربعين ألف وربما أكثر . كما حصدت الأعمال الإرهابية في أفغانستان وباكستان والهند والسعودية ودول أخرى الآلاف من الضحايا، وعندما نصل إلى العراق نجد الاعمال الإرهابية حولته بعد سقوط التمثال حتى موعد تشكيل الحكومة الانتقالية الى لوحة متشحة بدماء الاطفال والنساء، ومطرزة بجماجم العزّل والابرياء. فلم يبق جزء بما فيها الأماكن المقدسة لدى الشعب إلا واستباحته الموجات الإرهابية المعادية للسلام والحرية...الخ.

وأما التوجه الثاني فتتبدي لنا بجلاء في مواضع عديدة من الكتاب يعزف فيها المؤلف لحن عظمة الإسلام في شجب العنف، حيث  يقول الغرباوي :" إن ممارسة العنف واستخدام القوة في الإسلام تجري وفق ضوابط خاصة تطوقها خطوط حمراء ومساحات محرمة واسعة، فهي قوة للدفاع عن النفس والحقوق المشروعة، لا يسمح معها بالاعتداء والتجاوز على العزّل والأبرياء من الناس، أو الإطاحة بالممتلكات العامة، تحت أي عنوان كان ما لم يجد العنف مبرره الشرعي. كما أن القوانين الدولية الرافضة للإرهاب تلتقي مع الإسلام في استخدام القوة دفاعا عن النفس وردعاً لتجاوزات المعتدين، وترفض أيضاً استخدام العنف اللامبرر.

وأما النزعة العقلية فتبدو لنا واضحة في نظرته وأفكاره النقدية واحتفائه بالعقل في كل ما يطرح من قضايا وما يثيره من إشكاليات، سواء كانت هذه الأطروحات مستقاة من لمحات تراثية أو مستمدة من وقائع وطواهر فكرية وثقافية معاصرة . ونعتقد بيقين أن المؤلف بنزعته هذه يحقق درجات عالية من المصداقية في كل ما يقدمه لنا في هذا الكتاب من حيث تنطلق هذه النزعة أساساً من رفضه للثقافة السائدة لكونها في مجملها مدفوعة بالسطحية، داعمة للفكر الرجعي، داعية إلي الجمود والانغلاق، ومن ثم فإنها لم تثمر إلا تخلفاً ونكوصاً في مجملها مدفوعة بالسطحية، داعمة للفكر الرجعي، داعية إلي الجمود والإنغلاق . ومن ثم فإنها لم تثمر إلا تخلفاً ونكوصاً يضاعف أبعاد المسافة بيننا وبين الحضارة والفكر العالمي المعاصر، ويند آمالا وأحلاماً لنا مشروعة في التغيير إلي ما هو أفضل.

إن هذه النزعات وما صاحبها من توجهات قد أسهمت في تشكيل رؤي المؤلف وتنظيراته التي ضمنها كتابه الذي بين أيدينا.

وينهج ماجد الغرباوي في معالجته لقضية "تحديات العنف" خلال أبواب وفصول هذا الكتاب، منهجا تاريخياً- نقدياً  - مقارناً في كل فصول الرسالة، مع استخدام منهج تحليلي تركيبي، بمعني أنه كان معنياً بتحليل أقوال توجهات القائلين بالعنف، حيث ارتكز المؤلف في كتابه إلي دراسة النصوص الدينية، وفلسفة أخرى في فهم الحقيقة. وتعمـّد المؤلف طوال البحث إلى استفزاز الوعي، وفتح الأضابير المحرمة، غير مكترث لأي ممنوع او محرم. ولا ينسى التأشير على الدوافع الشخصية والايدولوجية في فهم النصوص. والمحاولات المتكررة من قبل المذاهب والأديان ورجال الدين لاحتكار الحقيقية وتوظيفها لخدمة التبشير الديني، بعد تكفير المختلف والمعارض.

كما اعتمد الباحث ماجد الغرباوي في دراسته لهذا الموضوع علي المصادر الأصلية التي اشتملت علي تعريف العنف وتاريخه وفلسفته وانواعه، ثم التحديات الكبيرة للعنف على جميع الأصعدة. إضافة إلى دراسة مسيرة الحركات الإسلامية المتزامنة مع ممارسة العنف. وقراءة في الآيات والاحاديث التي يرتكز لها خطابها التكفيري، ومناقشة الفتاوى الدموية وفقه الكراهية الذي يتشبث به بعض الفقهاء لاستباحة دماء الناس. ولم يقتصر العنف على الحركات الإسلامية وحدها فهناك عنف الدولة والسلطة وعنف الفرد والقبيلة وغيرها من الأنواع.

يقع الكتاب الذي بين أيدينا في 417 صفحة موزعة علي مجموعة من القضايا والمحاور وذلك علي النحو التالي : بدأ المؤلف العنف تاريخياً، حيث تناول دلالاته الاصطلاحية، ثم عرض بعد ذلك للحديث عن القوة كمفهوم مغاير، حيث تناول القوة والعنف، القوة .. التسليح والتعبئة، القوة .. المدويات والأهداف، القوة .. المحددات والضوابط . كما تناول بعد ذلك فلسفة العنف من خلال العنف ومصداقية السلم وسيكولوجياً العنف، ولم يكتف بذلك بل راح المؤلف يتناول التحديات المختلفة للعنف سواء فيما يتعلق بمشروعه الحضاري أو وحدة المجتمع والأمة، أو الحوار بين الحضارات، أو أمن واستقرار الجاليات الإسلامية، أو قيام المجتمع المدني . ثم انطلق المؤلف عقب ذلك للحديث عن أشكال العنف من خلال : عنف الدولة، وإشكالية الفكر السياسي، أزمة السلطة، فخ العنف، أو الشعب ضد الدولة أو الدولة ضد الدولة . ثم تطرق بعد ذلك لموضوع مهم جداً وهو الحركات الإسلامية والعنف، وذلك من حيث التعريف بها، والركائز الفكرية، والإنجازات، والنشأة، كما تناول في ذات الموضوع لحركات إسلامية أخري، مثل الإخوان المسلمون في مصر، وحزب الدعوة الإسلامية في العراق وحركات إسلامية أخري ببعض الدول العربية، حيث تمكن المؤلف من أن يكشف أسباب ظهورها من خلال حركة الإصلاح الديني وسقوط دولة الخلافة، والاستعمار، والاستبداد، وفشل المشاريع الوطنية...الخ. كما تناول المؤلف لقضية مهمة بعد ذلك ألا وهي التطرف الديني والعنف، حيث أوضح لنا بداية العنف وأسبابه وذلك من خلال : الحاكمية الإلهية، وجاهلية المجتمع، والجهاد وفتاوي الفقهاء وعنف السلطة وأمور أخري. ثم تناول المؤلف بعد ذلك للسيرة النبوية والعنف مع قراءة لبعض آيات القتال في القرآن الكريم كما جاء في سورتي (الأنفال ويوسف) مع تحليل لأدلة القائلين بالحرب الابتدائية : سواء فيما يتعلق بحكم المشرك غير المعاهد، أو حكم المشرك المعاهد الناقص للعهد، أو حكم المشرك المعاهد الذي لم ينقض العهد، أو حكم أهل الكتاب. وأخيراً تناول أهم المصادر والمراجع التي عول عليها.

وفي نهاية عرضنا يمكن القول بأن كتاب " تحديات العنف" لماجد الغرباوي، سياحة عقلية خالية من أي تعصب، بعيدة عن أي إسفاف، مجردة من أي هوي، واعية متأنية في ذاكرة تاريخ الفكر الفلسفي الإسلامي نقف من خلالها مع المؤلف علي استقصاء دوافع العمل الإرهابي، إلا أنها تأمل أيضاً في تحديد شروط ممارسة القوة في الإسلام. فليس العنف مرفوضاً مطلقاً، وإنما له مبرراته الموضوعية سيما مع المعتدي الرافض للغة الحوار ولا يفهم سوى منطق القوة والعنف. أو كما في حالات الدفاع عن النفس أو مباغتة العدو المتأهب لقتال المسلمين خشية الاحاطة بهم إذا كانوا قادرين على ذلك. إذن فامتلاك القوة أو أن تكون قوياً أمراً ضرورياً جداً، لأن امتلاك القوة لا يعني العنف وإنما ( أن تكون نفسك لا غيرك ... وأن تمسك بزمام الحياة في عملية إدارة وقيادة .. أن تعطيك الحياة طاقاتها وثروتها لتسخرها كما تريد، وتفجرها كما تشاء، وتصنعها كما يروق لك. إما أن تفقد القوة ..فتكون ضعيفاً ..  تفقد القدرة على الصراع وعلى الحركة ..  فمعناها أن تكون صورة غيرك.. وظله، كمثل الشبح الذي يبدو، ويزول، ليعود في بعض اللمحات، باهت اللون، ضائع الملامح .. وأنك لا تشارك في الحياة إلا من بعيد تماماً، كاللمحة الخاطفة من الضياء الخافت الآتي من مسافات شاسعة على خجل واستحياء، من أجل أن يخترق سواد الليل فلا يخدش إلا بعض حواشي الظلام، بكل هدوء) .

وأخيراً وليس آخراً أقول إنني استمتعت بقراءة هذا الكتاب الجاد الذي رجع صاحبه لكل الأصول المتاحة، وهي هائلة كماً وكيفاً وتقصت حقيقة كل ما له علاقة بتحديات العنف في تراثنا العربي – الإسلامي، واجتهد في التأويل والتفسير، ونقل إلينا دهشته وشغفه فشاركناه مشواره، وأحسب أن هذا الكتاب فريدا في منحاه ومنهجه في كتاباتنا العربي، فهو ليس تأريخاً سردياً، وإنما هو تأريخ لحقبة من الفكر في تراثنا العربي – الإسلامي من خلال التحديات التي تواجه الجاليات العربية والمسلمة بسبب العنف، مستحضراً أمثلة كثيرة واجهت العرب والمسلمين كردود فعل سلبيه من قبل المتطرفين، كما قارن المؤلف في كتابه حال الجاليات قبل موجة العنف وبعدها، والإجراءات التي باتت تواجه العربي والمسلم في المطارات والأسواق، وتوجس الشعوب الأخرى من العرب والمسلمين تحديدا.

وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول بأن هذا الكتاب كشف لي بأنني إزاء نموذج نادر يصعب أن يتكرر، لمثقف واسع الثقافة وكذلك لمفكر حر نزيه لا يقيم وزناً ولا يحسب حساباً إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا أنه كان يقدم مادته العلمية فى أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق تجعلها أشبه ما تكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من دقتها الأكاديمية، ولهذا لم أكن مبالغاً حين قلت في عنوان الكتاب بأن ماجد الغرباوي - مؤلف الكتاب يعد بالفعل في مرحلتنا الراهنة "أيقونة التسامح في زمن العنف".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

علي جابر الفتلاوييقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي وهو يتحدث عن حياة المفكر الإيراني الدكتور علي شريعتي: ولد عام 1933م، في قرية (مزينان)، وهي تابعة لمدينة (سبزوار) في إقليم (خراسان) في إيران، وتوفي  في لندن بتأريخ 21- 11- 1977م.(1)

الدكتور علي شريعتي هو ابن المفكر محمد تقي شريعتي، الذي قام بتوعية الجماهير بالدور الحقيقي للدين في المجتمع، وأحد مؤسسي (مركز الحقائق الاسلامية) في مدينة مشهد، وكان له دور مهم في مسيرة الجهاد الاسلامية... علي شريعتي سليل عائلة علمية، نشاطه لم يعجب حكومة الشاه، ضايقته وسجنته، ثمّ اطلقت سراحه مما اضطره للانتقال إلى لندن، وبعد شهر من إقامة الدكتور علي شريعتي في لندن عُثر عليه ميتا في شقته، ميتة غامضة، قالت سلطة الشاه في حينها أنّها نوبة قلبية؛ أنّها من تلك النّوبات المصطنعة التي دبّرتها السلطة عشرات المرات لأعدائها، ولم تسمح لجثمانه بأنْ يًدفن في إيران، فنُقِل إلى دمشق، ودُفِن في الحرم الزّينبي، ترك حوالي مائة وعشرين عملا ما بين فلسفي، وأدبي، وثوري.(2)

صنّف الدكتور عبد الجبار الرفاعي (ص100 - 102) من كتابه (الدين والظمأ الانطولوجي) علي شريعتي على تيار الهوية ((الذاتية))، ضمن عدد من اتجاهات التفكير الديني المعاصرة في ايران واستدلّ على انتمائه لهذا الاتجاه الفكري من خلال دعوات علي شريعتي إلى: الأصالة، والهوية الحضارية، والذاتية، وعدّ كتاب علي شريعتي (العودة إلى الذات) دليلا على صحة استنتاجه عن فكر الدكتور شريعتي، وأضاف واصفا فكره: أنه لا يقارب مفهوم الذاتية والهوية من منظور انطولوجي، وإنما يقدّم تفسيرا اجتماعيا ثقافيا ثوريا من (أجل العودة إلى الذات).

يرى الدكتور الرفاعي أنّ مَنْ ينطلق دفاعا عن الهوية الذاتية يسير في المسار الخطأ، إنْ كان المسار خارج المنظور الوجودي (الانطولوجي) للانسان، وهذا يعني من منظوره أنّ الدفاع عن الهوية يقود إلى الانغلاق وخارج المسار الصحيح، الدفاع عن الهوية أما أن يكون ضمن المنظور الانطولوجي أو لا يكون.  نشير أنه قد لا يتوافق مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي مفكرون آخرون في هذه الرؤية.

 أرى أنّ كلّ رؤية تحتمل الخطأ والصواب، أو على الأقل نسبة منهما؛ لكنّ الدكتور الرفاعي لا يشير إلى ذلك. وصف (علي شريعتي): أنّه حرص على صياغة تفسير ثوري للدين، وسعى إلى وصل العقيدة بالثورة، وبناء رؤية ثورية للنص الديني والثراث والتأريخ...أدرك شريعتي أنّ تفسيره الثوري للدين يتطلب قراءة ايديولوجية للدين، وهذه الايديولوجيا تستوعب أهم أسباب النهضة والتطور والتنمية... الأدلجة غاية لإنسانية الانسان لدى شريعتي.

لا يتوافق الدكتور الرفاعي مع الدكتور علي شريعتي في هذه الاتجاه يقول: إنّه يغالي بوظيفة الايديولوجية، لدرجة أنها ترتقي لتكون وصفة تعالج كلّ تشوّهات وأمراض المجتمع، وتمنحه مجموعة أحلامه صفقة واحدة، إنه يشدّد على أخلاقية الايديولوجيا وابتكارها لقيم جديدة.(3) 

 لا أتوافق مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي في توصيفه للدكتور علي شريعتي، لأنّي أفهم فكر الدكتور علي شريعتي أنه يمثل مرحلة زمنية معيّنة؛ انتشرت فيها أيديولوجيات من أهدافها تنحية الدين عن المجتمع جانبا وعزله، ولمواجهة هذا التطرف، لابد من فكر آخر يمثل الإسلام النقي، لأنّ المواجهة يجب أن تكون بنفس الأدوات. أيديولوجية علي شريعتي تعتمد على فكر الاسلام بفهم عصري يتناسب والظرف الذي عاش فيه الدكتور شريعتي، لقد أدّى دورا مهما في مرحلة زمنية معينة، نوّر فيها القرّاء عن الفكر الاسلامي بعيدا عن التقاليد الموروثة، فِكْر يحترم الانسان المختلف، هدفه العدالة ويحمل صفة الانسانية بعيدا عن مصادرة فِكْر الآخر، ليس بالضرورة أن يصادر الفكر الايديولوجي الفكر الآخر، في تقديري أن الفكر الاسلامي المنفتح يتميز عن غيره من الأفكار أو الايديولوجيات، الدكتور علي شريعتي يحمل هذه السّمة.

487 الظمأ الانطلوجي

 الدكتور عبد الجبار الرفاعي لا يرى في أيديولوجية علي شريعتي منبعثة من المنظور الانطولوجي، أرى أنها تنبعث من هذا المنظور طالما جذورها الاسلام الأصيل غير المشوّه كالإسلام الوهابي، أيديولوجية علي شريعتي تختلف عن الايديولوجيات الاخرى البعيدة عن الاسلام أو التي تحمل الاسلام اسما وترتدي زيّ الاسلام تزويرا وظلما مثل اسلام التكفيريين، الأيديولوجية التي تستوحي مبادئ الاسلام النقي غير المشوّه هي المقبولة، كأيديولوجية الدكتور علي شريعتي؛ على عكس الايديولوجية الأخرى التي تكون أساسياتها ومنطلقاتها عقلية بحتة بعيدا عن المنظور الديني الانطولوجي، والعقل البحت ليس بالضرورة أن يكون مصيبا، كما لا يوجد انتاج عقلي لا يخضع للتغيير حسب سنن التطور.

أرى أنّ  أيديولوجية علي شريعتي تمثّل مرحلة زمنية دافعت فيها عن الاسلام الاصيل بنفس أدوات العصر الذي عاش فيه، وقد أدّى دوره بنجاح، وأظهر مدى صلابة وسلامة هذا الفكر؛ أرى كل سلاح يُشهَر بوجهك، لابدّ أنْ يُقابل بسلاح مثله كي يتحقق الانتصار، إضافة إلى ذلك لعب فكر علي شريعتي دورا مهما في توعية الشباب الإيراني قبل الثورة الاسلامية، إذ قام بدور تحريضي للمجتمع الإيراني كي ينخرطوا في مناهضة حكومة الشاه. يقول علي شريعتي عن مشروعه الايديولوجي: إنّ منطلقنا هو الذات الاسلامية نفسها، وينبغي أن نجعل شعارنا هو العودة إلى هذه الذات نفسها؛ لأنها الذات القريبة من بين كلّ الذوات، وهي الثقافة الوحيدة التي لا تزال حيّة حتى الآن، وهي الروح والإيمان والحياة الوحيدة في المجتمع الآن، ذلك المجتمع الذي ينبغي للمفكر أن يعمل من خلاله، ويعيش وينبض. (4)

من كلام الدكتور علي شريعتي نستوحي أن أيديولوجيته تختلف عن الأيديولوجيات السائدة، فهي مستوحاة من الدين وليست من ابتكار العقل المجرد، كالأيديولوجية الماركسية مثلا، أيديولوجية شريعتي اسلامية ثورية جاءت في زمن شيوع الايديولوجيات، ايديولوجية شريعتي مطلبية مستوحاة من فكر الاسلام.

يعطي الدكتور عبد الجبار الرفاعي حكما عاما عن الايديولوجيات، لا يميّز أو يفرّق بين ايديولوجية وأخرى، قال عن أيديولوجية علي شريعتي نقلا عنه: أنها تستوعب في رأيه أهم أسباب النهضة والتطور والتنمية، الأدلجة عند علي شريعتي حسب توصيف الدكتور الرفاعي: غاية لإنسانية الانسان، فمن لم يكن مستنيرا مسلما فلابد أن يكون ماركسيا من أجل أن يحتفظ بآدميته.(5)

لست بالمطلق مع الدكتور علي شريعتي، أو الدكتور عبد الجبار الرفاعي، لا أتوافق مع الدكتور الرفاعي في رفض أي أيديولوجية، ولا أتوافق مع الدكتور شريعتي في قبول أي أيدلوجية، الايديولوجية المصنعة من فكر الانسان المطلق مرفوضة متوافقا مع الدكتور الرفاعي في هذا الاتجاه، لوجود سلبيات كثيرة منها حسب ما ذكر الدكتور الرفاعي (ص109): الايديولوجيا تعطّل التفكير التساؤلي الحرّ المغامر الذي يتخطى ترسيماتها وحدودها. ولست مع الدكتور شريعتي في قبول أي أيدلوجية، فمن الايديوليجيات من يصادر إنسانية الانسان، ومنها من له عمر زمني تموت بانتهاء عمرها، حتى أيديولوجية علي شريعتي انتهى عمرها بانتهاء المرحلة الزمنية التي أدت غرضها فيه، أصحاب الأيديولوجيات وأنصارها، دائما ما يصورونها حيّة صالحة لكل زمان ومكان، في تقديري لا توجد أيدلوجية تصلح لكل زمان ومكان، فلكل أيديولوجية غرض؛ ينتهي عمر الايدلوجية بانتهاء غرضها.

أخيرا أقول هذه المقالة الرابعة والأخيرة عن كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) للدكتور العراقي المفكر عبد الجبار الرفاعي، والمقالات الأربع دليل الاعجاب بفكر الدكتور الرفاعي، ادعو له بالموفقية وإلى مزيد من الانتاج المبدع النافع الذي يغذي الفكر والروح، مع تقديري الكبير له.

ارجو المعذرة إن تقاطعت معه في بعض الفقرات، لأني أكنّ له الاحترام والمودة.

 

علي جابر الفتلاوي

...........................

(1): الدكتور عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الانطولوجي، ص105.

(2): الدكتور علي شريعتي، العودة إلى الذات، المقدمة بقلم المترجم الدكتور ابراهيم الدسوقي شتا، استاذ اللغات الشرقية، كلية الآداب، جامعة القاهرة، ص10و ص14- 15.

(3): الدتور عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص107- 109.

(4): الدكتور علي شريعتي، المصدر السابق، ص54.

(5): الدكتور عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص108.

 

961 المحامين العراقيينعن دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع في كربلاء المقدسة صدر حديثا الجزء الأول من كتاب (تاريخ نقابة المحامين العراقيين 1933- 2019) لمؤلفه أحمد مجيد الحسن، في حلة زاهية وطبعة أنيقة وصور ملونة ووثائق في غاية الأهمية .

وقد جاء في مقدمته ((تعد نقابة المحامين من الصروح المهنية المهمة التي أثرت كثيراً في الوعي الوطني والسياسي والثقافي والديمقراطي في العراق منذ تأسيسها سنة 1933، وساهم أبناؤها في تأسيس وبناء العراق الحديث، منذ انبثاق الحكم الوطني سنة 1921 إلى اليوم، فلقد تسنموا المناصب العليا، كرئاسة الوزراء والوزارات ورئاسة وعضوية مجلسي النواب والأعيان في العهد الملكي، فضلاً عن سائر الوظائف المهمة الأخرى.وامتد ذلك الأمر إلى العهد الجمهوري في جميع أدواره والى الآن، في تسنم الوظائف العليا التي ذكرت آنفاً وغيرها كالمجلس الوطني ومجلس النواب الحالي؛ لذا كان من الواجب، تسليط الضوء على ذلك الدور المهم الذي اضطلعت به نقابة المحامين في تاريخ العراق الحديث، إذ أن تاريخها هو جزء مشرق من تاريخ العراق، وان الحاجة الآن تبدو أكبر لتعريف الجيل الجديد من الزملاء المحامين أو غيرهم، بتاريخ نقابتهم المشرف ومدى مساهمتها في صنع الأحداث التي مر بها العراق)).

ومن باب الوفاء والأمانة يقف المؤلف مشيدا بجهود من سبقه في الكتابة عن المحامين ونقابتهم، فيقول : ((ولا يخفى فقد نُشرت عدة كتب ودراسات تتعلق بنقابة المحامين العراقيين، ولكنها كانت تتعلق بمرحلة معينة من تاريخها أو نشاط معين فيها.وبهذه المناسبة أود الاعتراف بأن جميع من كتب في ذلك، بما فيها مؤلف هذا الكتاب، هم عيال على كتاب (تاريخ المحاماة في العراق) للمرحوم احمد زكي الخياط الصادر سنة 1973عن مطبعة المعارف في بغداد، فهو يعد المصدر الأهم لغاية سنة إصداره، لأنه كان معاصراً لتأسيس النقابة ومساهماً في إدارتها ونشاطها، ومطلعاً على الكثير من الوثائق ذات العلاقة، ومن مصادر الكتاب المهمة الأخرى، ما نشره مدير الإدارة السابق في نقابة المحامين السيد طارق رؤوف محمود في مجلة (القضاء) والمواقع الالكترونية من مواضيع مهمة عن مجالس نقابة المحامين وعن مجلة القضاء ومواضيع أخرى غطت جوانب كثيرة تتعلق بنقابة المحامين وتاريخها، وكذلك كتابا المرحوم زكي جميل حافظ (شاهد على ثلاثة عهود)، و(الذكرى الأربعون ؛ اتحاد المحامين العرب)) والأخير مازال مخطوطا .

في الباب الأول تحدث المؤلف عن الشرائع العراقية القديمة، وتحدث في الباب الثاني عن المحاماة في العهد العثماني ذاكرا أول تشريع للمحاماة ومدرسة الحقوق في اسطنبول، قبل أن ينتقل في الباب الثالث إلى المحاماة في العراق في العهد العثماني وتأسيس مدرسة الحقوق في بغداد والمحاماة أيام الاحتلال البريطلني، وجاء الباب الرابع للحديث عن المحاماة بعد تأسيس الحكم الوطني، ثم توالت الأبواب الأخرى للحديث نقابة المحامين العراقيين وهيكلها التنظيمي ودوراتها الانتخابية ومؤتمرات المحامين وبنايات النقابة وإصداراتها ومواقف النقابة ومشاركاتها في المحافل العربية والدولية لتختم في الباب الرابع عشر الذي خصص لصندوق تقاعد المحامين، وقد تضمن كل باب من الأبواب مجموعة من الفصول التي ألقت الضوء ساطعا على موضوعاتها .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

- "المعروف منهج حياة"

- "القرآن الكريم كتاب يعني بالعمل أكثر مما يعني بالرأي"

محمد اقبال

نظرة سريعة على مؤلفات علم الأخلاق العام لعلماء الغرب تكفي لملاحظة الفراغ العميق بسبب صمتهم المطبق عن علم الأخلاق في القرآن الكريم. إذ أن هذه المؤلفات تذكر باختصار أو بإفاضة المبادئ الأخلاقية في نظر الوثنية الإغريقية ثم ديانتي اليهودية والمسيحية، ثم تنقلنا فجأة إلى العصور الحديثة في أوروبا، متجاهلة كل ما يمس النظام الأخلاقي في الإسلام. برغم أن العطاء القرآني في هذا الموضوع ذو قيمة لا تقدر، يفيد النظريات الأخلاقية سعة وعمقًا وتناسقًا، كما يفيد المشكلة الأخلاقية ذاتها في حل مصاعبها الدائمة والمتجددة. ولو أننا رجعنا إلى الكتب الأوربية التي تعالج الإسلام خاصة، فسوف نجد أن محاولات قد تمت خلال القرن التاسع عشر من أجل استخراج المبادئ الأخلاقية من القرآن، بيد أن إطار هذه المحاولات كان في الغالب محدودًا، إذ أغفل الجانب النظري من المسألة فلم يحاول أحد أن يستخلص من القرآن المبادئ الأخلاقية العامة فضلًا. وقد عرفت المكتبة الإسلامية نوعين من التعاليم الأخلاقية: إما نصائح عملية هدفها تقويم أخلاق الشباب واقناعهم بالقيمة العليا للفضيلة، وإما وصفًا لطبيعة النفس وملكتها، وتعريفًا للفصيلة وتقسيمًا لها، فهي كتب إنسانية محضة، لم يظهر فيها النص القرآني كلية، أو ظهر بصفة ثانوية. مما دعانا إلى تناول الموضوع من جديد، ومعالجته بمنهج علمي دقيق، من أجل تصحيح هذه الأخطاء، وملء الفجوة في المكتبة الأوروبية، وحتى يتمكن الغرب من أن يروا الوجه الحقيقي للأخلاق القرآنية.[1]

وبالمثل في الكتابات العربية نجد أن بعض شعب الإيمان لقيت من الدراسة ما جعلها قريبة المآخذ يسيرة العرض، بل لقد حُسبت الإسلام كله لطول ما توافر العلماء على خدمتها، وذلك كفقه العبادات وما تضمن من طهارة وصلاة وزكاة، وفقه المعاملات من بيوع وشركات ومعاوضات وغيرها..، إن هذه الجوانب من ديننا العظيم استبحر الكلام فيها، وبرز فيها أئمة مرموقون. أما الجانب النفسي والخلقي، فهو على جلالته مغموط الحق، ولم يلق العناية الدقيقة التي لقيتها الجوانب الأخرى. لماذا لا تؤلف كتب في الإخلاص والتوكل، والتقوى والأمانة، والصبر والحب، والتي فيها معان تعد من شعب الإيمان، أو هي من أركانه الركينة. وتحرير هذه المعاني وفق تفاسير مضبوطة، وشروح مستفيضة خدمة جلية للإسلام، فالأعمال الظاهرة من عبادة ومعاملة ما تصدق ولا تكمل إلا إذا اتسقت وراءها هذه المعاني الباطنة، وتخللت مسالك الفؤاد، ولذلك يجب أن تطرق موضوعاتها بكثرة ودقة. وميدان التربية الإسلامية في هذا العصر أحوج ما يكون إلى هذه الدراسات؛ فالتعاليم المدنية تأتي من كل فج، وتقتحم طريقها إلى الأشخاص. وإذا لم نحسن البناء الداخلي للنفوس ورفع الإيمان على دعائمه الفكرية والعاطفية كلها، فإن الأجيال الناشئة ربما شعرت بنقص في كيانها الروحي تسعى كي تستكمله من جهات أخرى قد تكون غير صادقة ولا تنقل الحقائق الإسلامية كما هي. إن الدين الذي نزل به الوحي هو الإسلام إن نظرنا إلى السلوك الظاهر والعمل البين، وهو الإيمان إن نظرنا إلى اليقين الباعث والعقيدة الدافعة، وهو الإحسان إن نظرنا إلى كمال الأداء والوفاء على الغاية عند اقتران الإيمان الواضح بالعمل الصالح. والإيمان إذا صح لابد أن بنتج العمل، والعمل إذا صح لابد أن يرتكز على الإيمان، والإحسان إذا صح لا ينشأ إلا من إيمان راسخ وعمل كامل، والإسلام لا يصح إلا بالروح الكامنة فيه، والوقود المحرك له أي الإيمان الحق.[2]

يقول "مارسيل" ليس الإسلام دينًا فقط، بل هو حياة جديرة أن تحيا في الوقت الحاضر، وكلمة religion الغربية لا تعبر إلا جزئيًا وبشكل غير كامل عن المفهوم الإسلامي لكلمة دين الغامضة المعنى والمجهولة الأصل الوضعي في العربية. فقد تعني كلمة دين في الإسلام الحقيقة والعرف والتصرف السوي والموقف السليم، وتجمع بمعناها الواسع الإيمان والإسلام والإحسان. فقد بين الله في رسالته إلى الناس الحقيقة والشريعة ومكارم الأخلاق، فالحقيقة تتصل بالعقل، والشريعة بالإرادة، ومكارم الأخلاق بالوجدان. والصلة بين عناصر هذه التعاريف الثلاثة الأساسية وثيقة لا تنفصم عراها، يؤكد ذلك أركان الإيمان، وهي الإيمان بالله ورسوله وما أنزل إليه والكتب التي انزلت من قبل والملائكة واليوم الآخر. ويميز الربط بين طرف الإيمان المبدئي وطرفه النهائي طبيعة الإسلام الخاصة، وهي أنه توحيدي أخروي، يعزز وحدانية الله فيه.[3]

يشكل الخلق الإسلامي جزءًا لا ينفصل عن الدين الذي هو في نظر السنة طريقة التعامل مع الآخرين، ولن نحكم إلى أي مدى هو مطبق ومحترم في أيامنا، فقد قال محمد عبده أن حياة المسلمين أصبحت في الوقت الحاضر مظاهرة ضد دينهم. فقد يكون ضعف الإيمان وانحرافاته مماثلة في الواقع لما قد تكونه الرذائل المناقضة للفضائل المتعلمة من الله والنبي محمد، وهي رذائل تسيئ إلى المسلمين، فساد العقيدة والجهل الفكري، والظلم والاستبداد، والخيانة، والغش والمخادعة حتى حيال الله. ويعتبر المنظور الخلقي العام تبعًا لجوهر الدين نفسه، وإذا كانت المحبة أهم الفضائل الإلهية في المسيحية، فإن الأفضلية في الإسلام هي الإيمان. فالسبيل في المسيحية إلى الخلاص هو الزهد، وفي الإسلام السبيل في التقى والتقيد بالقانون، باعتبار أن الخلاص للقاعدة رفع المؤمن معنويًا وروحيًا، ويبدو أن هذا الفرق الجوهري هو السبب في عدم فهم الغرب للخلق الإسلامي الذي قد يخيل لهم أنه أميل إلى التمسك بالشكليات، ولما كان المسيحي يعتنق دين المحبة أي دين التضحية، فإنه يتوهم اكتشاف نوع من الحصر في نظام الوصايا العملية القرآني. وتختلف نظرة المسلم اختلافًا شديدًا مع تلك النظرة، فهو يرى أن أساس حياته الخلقية برمتها كامن في قرار حر وعقلاني باحترام القانون، لا في بذل جهد فرداني. وبالإجمال تبقى قضية الفرد الكبرى أن يبحث عن اندماجه في النظام الأكمل للعالم، وأن يحظى به، فالخير هو التوازن، والشر هو عدم التناغم، وهما مثبتان محددان في القرآن، يهدفان إلى حفظ حقوق الله وحقوق الإنسان، وهكذا ينبغي أن يجد كل إنسان نصيبه في التناسق.[4]

لم يأت القرآن فقط لتذكير الناس بالعقل السليم، ولإعادة الخلق القويم بينهم، فليست رسالته الوحيدة هي تعزيز الرسل السابقين والربط بين دعواتهم بسياج الوحدة والتصديق عليها، بل القرآن يقصد الإنسان حيث يكون وإلى أي جنس ينتمي، وذلك حين يوجه نداءه إلى العقل والذوق السليم والشعور الإنساني النبيل. وإذا كان القرآن بعيدًا عن أي عامل خارجي قد أثر بصفة دائمة على عقول جد مختلفة فلابد أن يكون ذلك راجعًا إلى ما له من جاذبية خاصة بتوافقه الكامل مع أسلوب الناس الفطري في التفكير والشعور. وباستجابته لما تتطلع إليه نفوسهم في شؤون العقيدة والسلوك، وبوضعه الحلول الناجعة للمشكلات الكبرى التي تقلق بالهم. وبمعنى آخر لابد أنه ينطوي على ما يشبع حاجاتهم إلى الحق والخير والجمال بما يجمع من صفات العمل الديني والأخلاقي والأدبي في آن واحد. ويستند القرآن في أغلب الأحيان على الشعور العام القادر على التمييز بين العدل والظلم وبين الخير والشر ليؤسس نظامه الخلقي، ويعتمد عليه في تعريف فكرته العملية، والتي تدور في معظمها حول المعروف والفعل الحسن. ونظرًا لأن الحاسة الطبيعية التي يلجأ إليها القرآن ليست بنفس القدر عند كل الناس، ولا بالقوة والفاعلية لتلزمهم بالخضوع لقاعدة السلوك، فقد اقتضى الأمر وضع منهج كامل في التربية، وبجوار الحاسة الخلقية وهب الله الإنسان الذكاء والعقل، فإن غاب هذا الشعور الحيوي عن الخير والشر، تبقى فكرة الواجب العام أو المتعارف عليه عالميًا، وهذا هو جوهر مفهوم المعروف.[5]

لماذا مفهوم "المعروف"

تُرجم معنى "المعروف" في العلوم الإنسانية إلى مجموعة من النظريات السلوكية والأخلاقية –دون الإشارة إلى المصطلح صراحة- وهو أساس في الحكم والقضاء إذا ركزنا على مرادف المعروف "بالعرف" السائد في مكان ما، وانصرف الناس إلى هذه النظريات الغربية، دون الالتفات إلى  تاريخية موقع هذا المعنى وترجمته في القرآن الكريم. ونحاول هنا إعادة لهذا لمفهوم تأصيله، ونستدعيه إلى واقعنا وتعاملاتنا اليومية، لنحاكي الغرب في استخدامهم لهذا الأسلوب والمنهج، والذي ساهم في تقدمهم وتعاملاتهم الأخلاقية المتحضرة، مما يجيب على تساؤل يدور في المجتمع الإسلامي، لماذا الغرب متقدمون والدين لديهم ليس أساس للحياة، بينما نحن نعاني من الجهل والتخلف والدين عندنا مكون أساسي في الحياة؟؟ والإجابة واضحة، وهي أننا لم نترجم الدين إلى سلوك وأخلاق، اكتفينا بأركان الإسلام، من صلاة وصوم وزكاة وحج بيت الله، وأغفلنا المنهج الذي نسير عليه، والمذكور جملة وتفصيلًا في كتاب الله "القرآن الكريم".

يقول كيفين رينهارت أن القرآن الكريم يشتمل على مفاهيم حياتية، تفتح مجالات لأسس التعامل سواء على مستوى فردي أو مستوى مجتمعي، فهو لا يعطينا أنماط فكرية أو مفاهيم نقف عندها وحسب، بل يفتح آفاق جديدة للتفكير. ويؤكد غلى أن "المعروف" مفهوم شامل، وهو المصطلح الأفضل ليساعدنا على فهم طبيعة العلاج الأخلاقي القرآني، وفي الترجمة الانجليزية لا يوجد مصطلحات كافية لفهم هذا المصطلح الهادف للتقييم الأخلاقي، إذا إنه يشتمل على معنى كل ما هو حسن، والمعاملة الجيدة الطيبة مع الآخر، ويقترن بالإحسان، وعادة ما يترجم إلى كلمة "طيب" Kind ، والتي تترجم في حد ذاتها على أنها مجرد فعل طيب، وهي غير كافية لوصف المفهوم، لذا يفضل استخدامه في لفظه العربي "المعروف".[6]

ومن ثم فقد أثرنا التركيز على مفهوم "المعروف" لأنه مفهوم شامل وعام، فهو أعم من المودة والحب، وبالالتزام به ستصل إلى درجة الإحسان، ثم إلى تزكية النفس، التي هي من القيم العليا. ويتضمن "المعروف" المعاملة الحسنة لمن تحبه ولا تحبه، ولا يرتبط بالعاطفة المتقلبة وفقاً لأهواء النفس، بل هو سلوك ينطوي على الاحترام وعدم الإساءة حتى لمن أساء إليك. وهذا ما نحتاج إليه في تعاملاتنا اليومية، ونحتاجه أكثر في الحفاظ على العلاقات الإنسانية، واستدامة الحياة ولو انتهت مشاعر الحب بينك وبين أقرب الناس إليك، ستبقى المعاملة الحسنة. إن دائرة المعروف والمنكر لا تقتصر على الأفعال والأقوال لتكون مقتصرة على دوائر الأحكام الشرعية التقليدية من عبادات ومعاملات، بل تتسع لتشمل كافة أبعاد الوجود الإنساني بما يشمل عقائد الإنسان ومشاعره. ولا تقتصر على الجانب الفردي في حياة البشر بل تتوسع لتضم باقي الجوانب التي تتعلق بالاجتماع الإنساني أو الجانب الاجتماعي، بل أكثر وأوسع لتشمل كل نواحي حياة الإنسان وعلاقاته.

فمما لا شك فيه أننا نعيش أزمة فيما يتعلق بالأخلاق والقيم، والأزمة الأكبر في تبرير هذا الانهيار تحت شعارات رنانة تجد صداها لدى البعض ممن يرغبون في الحرية المطلقة، والأنانية في استخدام هذه الحرية لحد إيذاء الغير معنويًا، سواء بالتعدي على معتقداته وقيمه الخاصة، أو اتهامه بالتخلف والرجعية. وتجد هذه الشعارات صدى لدى البعض –والذي أظنه النسبة الأكبر- ممن يفتقدون القدوة والمنهج الصحيح الذي يسيرون عليه، بشرط أن يحاكي هذا المنهج واقعهم، ولا يتحدث عن عالم يوتوبي مثالي. وفي كل الحالات نحن نتعامل مع إنسان بكل مكوناته المعرفية والعقلية والسلوكية، التي تنعكس في صورة معاملات. والقرآن الكريم بين لنا جملة وتفصيلًا مناهج عدة لنسير عليها، وتكون أسلوب حياة، سواء فيما يخص العبادات بين العبد وربه، أو المعاملات بين البشر، بل وأيضًا العلاقة بين الإنسان وسائر الكائنات الحية الأخرى والكون.

عندما ضل الإنسان طريقه لعدم معرفته بهذا المناهج، وانفصل الخطاب الديني السائد عن حياة الإنسان وواقعه، فكان من الضروري إعادة طرق باب القرآن الكريم، والنظر فيه بشكل أكثر عمقًا، بوصفه دليلًا ومرشدًا ينير الطريق من جديد، ويطرح حلولًا لما يعانيه المجتمع من مشاكل وأمراض اخلاقية، ويضع له أسس ومبادئ يسير عليها، بما يتوافق مع التغيرات المتلاحقة التي تفرز ظروف وأوضاع جديدة متباينة. إن القرآن الكريم كتاب تعبدي وتعليمي، والهدف منه ليس فقط القراءة والحفظ، بل أنه أعم وأشمل، فهو منهج متكامل للحياة، وقاعدة معرفية تهدف لتغيير الاتجاهات وأسلوب التفكير، وتوجيه السلوك، واكتساب مهارات لكيفية التعامل مع الواقع ومشكلاته. نحن في حاجة إلى إعادة قراءته بشكل مختلف، ليفتح لنا آفاق جديد للتدبر والتفكر، وهو ما وجهنا إليه الله عز وجل في كثير من الآيات التي تحث على التفكير واستخدام العقل، بالإضافة الى اكتساب القيم والأخلاق.

اختلفت الآراء حول الكيفية التي نبدأ بها للتعامل بالمفاهيم القرآنية مع العلوم الإنسانية، هل نبدأ بعرض القضايا الاجتماعية على القرآن، أم الاستعانة بالمفاهيم القرآنية والبدء بالتنظير، وهو ما تناوله البعض تحت مسمى "أسلمة العلوم ألاجتماعية". ولكن هل ينحصر هدفنا في مجرد أسلمة العلوم، أو إثبات أن القرآن شمل كل هذه النظريات؟ الهدف الأساسي الذي يجب وضعه نصب أعيننا، هو ترجمة معاني القرآن الكريم والمفاهيم التي يشتمل عليها إلى أسلوب حياة، ومناهج لحل القضايا الاجتماعية والإنسانية. إنما نهتم هنا بالترجمة الفعلية للمفاهيم القرآنية على أرض الواقع، وتحويلها لأخلاقيات وسلوكيات يمكن تطبيقها، بالاعتماد على الخلفيات النظرية التي تؤطر لكيفية هذا التطبيق ومنهجيته وأساليبه ووسائله، والعقبات والتحديات المتوقعة، ووضع حلول وبدائل لتخطيها. وهدفنا ليس تحسين أو تصحيح صورة الإسلام بعد انتشار الحركات التي ادعت إسلاميتها -وفي الحقيقة هي تعمل ضده مبادئه- بل نهدف لتحسين نوعية حياة الإنسان من خلال الاستعانة بالمنهج القرآني. وهو ما يحقق رسالة الإسلام، والتي أجملها نبينا محمد صل الله عليه وسلم في حديثه الشريف "إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ"[7].

ومن هذا المنطلق لنا أن نختار بين طريقتين: الأولى، اختيار القضايا التي تثير جدل، أو تؤرق المجتمع بشكل مُلح في اللحظات الآنية، وعرضها على القرآن، الثانية، التركيز على مصطلح قرآني، واسقاطه على الواقع بمشكلاته وقضاياه، الاجتماعية والتربوية. وفي كلتا الحالتين سوف نتعامل مع القرآن الكريم ليس فقط بوصفه كتابًا يشمل نظريات وأطر معرفية وأخلاقية وفلسفية يمكن اللجوء إليها، والاستناد على مبادئها للتعاطي مع هذه القضايا، ومن مميزات المنهج القرآني أنه يعالج جذور المشكلات، ولا يقتصر فقط على عرضها ظاهريًا.

يجب فقط أن نُجيد عرض القضية أو المسألة المجتمعية على القرآن الكريم، ونبدأ بتحديد المفهوم، ثم الانطلاق بين ربوع الآيات القرآنية لبيانه وتحليله، ورصد السياقات التي ورد فيها، للخروج في النهاية بمعان متعددة لهذا المفهوم. ولدينا أنواع من القراءات للمفاهيم عبر ربوع القرآن الكريم، منها القراءة بأسلوب كوني يربطها بمعطيات الكون والزمان والمكان، أو أسلوب موضوعي يربطها بالمفاهيم المترادفة لها والمكملة في المعنى، وغيرها من الأساليب المتبعة في منهجية تفسير المفاهيم القرآنية.

وبالنظر إلى واقعنا الحالي ومتطلباته، والرجوع إلى القرآن الكريم لمقابلة هذه المتطلبات ومواجهة التحديات القائمة فيما يخص بناء الإنسان الأخلاقي والقيمي، وجدنا أحد المناهج الذي يعد من وجهة نظر الكاتبة الأنسب لمواجهة هذا التحدي، ألا وهو "المعروف". وحين نتعمق في دراسة هذا المفهوم القرآني، نجد أنه يشتمل على منظومة خلقية وتشريع قرآني إلهي، فهو متعدد المعاني والأهداف، ففي الوقت الذي يصلح لأن يعبر عن الكلمة الطيبة البسيطة، نجده يضع قاعدة صارمة أيضًا للتعامل في بعض الحالات التي تتضمن أحكام شرعية، لذا فهو العلاج والأسلوب الأمثل لعصرنا هذا. وبالتدقيق لوحظ أن المفسرون الاوائل لم يتعمقوا في وصف أو شرح مفهوم المعروف، لأنه لا يحتاج إلى توضيح أو التركيز عليه، ولعل اختلاف الوقت والظروف والمشكلات هو ما جعلنا نحن نحاول فهم المصطلح كما قصده القرآن وقت نزول الوحي، بغرض انزاله على واقعنا الحالي بما طرأ عليه من خلل واضطراب اخلاقي وقيمي. ولكن توجد بعض المحاولات التي تناولت "المعروف" في أعمال ركزت على الجانب الأصولي المقارن بين فهم الفقهاء والمفسرين لدور المفهوم في عملية الحسبة، وهذا في أعمال محدودة للغاية، وتتسم بالنظرية والتخصص الأكاديمي. لكن لم يتناوله أحد من الجانب الاجتماعي والتربوي الذي أثرنا أن نركز عليه في هذا العمل، وهذا لنؤسس للمفهوم أن يصبح ثقافة متكاملة وليس مجرد سلوك وأفعال، بل يكون منهج وأسلوب حياة وفكرة.

يستند هذا العمل إلى مبدأين رئيسين:

إيجاد حلقة وصل ما بين العلوم الشرعيَّة والعلوم الإنسانيَّة، ولا سيما علوم النفس، والتربية، والاجتماع، ويتحقق هذا من خلال:

استنباط المضامين التربويَّة والاجتماعيَّة من القرآن الكريم.

الاستعانة بالمنهج للقرآني للتعامل مع المشكلات الاجتماعيَّة.

اكتشاف آفاق لاستبدال المفاهيم السلبيَّة المرتبطة بالأسرة بمفاهيم إيجابيَّة من داخل المنظومة القرآنيَّة.

تأمل الكاتبة أن يحقق هذا الكتاب الغرض منه، ويكون إضافة يتحقق منها التراكم المعرفي، ويكون جسرًا ما بين العلوم الشرعيَّة والعلوم الاجتماعيَّة، وما بين علماء الدين والواقع المعاش لأصحاب المشكلات الاجتماعيَّة. وقد حاولت أن يكون هذا العمل مركز بقدر الإمكان، خال من الإسهاب، وبلغة يتسنى للجميع الإطلاع عليها والاستفادة منها، فهو موجه للأكاديميين، والمتخصصين، والعامة. وهو جزء من الإنتاج المعرفي "لمبادرة المعروف منهج حياة"، وهي مبادرة تستهدف نشر سلوك المعروف بين الناس، عن طريق بناء القيم والأخلاق لتنعكس على التعاملات بين بعضهم البعض، متجنبين النصح أو الوعظ المباشر.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء:

الجزء الأول: يركز على منظومة الأخلاق الإسلامية كما وردت في القرآن الكريم، ونختص منها مفهوم "المعروف"، محاولين إلقاء الضوء عليه كمنهج أخلاقي قرآني، وتجلياته.

الجزء الثاني: يركز على عرض لتطبيقات وصور المعروف لاستعادة عدد من الأخلاق المجتمعية الغائبة، وكيفية يمكن التأكيد عليها من خلال هذا المفهوم والقانون الأخلاقي.

الجزء الثالث: المنهج القرآني (المعروف) للتعامل في الحياة الأسرية متمثلة في منظومة الزواج والطلاق، والقضايا المرتبطة بهما وكيف يمكن استخدام المعروف كمنهج ومبدأ أساسي بداية من اختيار الزوجين لبعضهما البعض، مرورًا بالحياة الزوجية، وصولًا إلى الطلاق وما بعد الطلاق، وفي الخاتمة، تضع الكاتبة خريطة للحياة الزوجيَّة بالاستناد إلى منهج "المعروف".

 

د. سوسن الشريف

.....................

[1] محمد عبد الله دراز، مختصر دستور الأخلاق في القرآن، ترجمة: محمد عبد العظيم علي، (الاسكندرية: دار الدعوة، 1996) عن رسالته للدكتوراه نوقشت عام 1947، وطبعت على نفقة الأزهر عام 1950.

[2] محمد الغزالي، الجانب العاطفي من الإسلام، (القاهرة: نهضة مصر، 2003).

[3] مارسيل بوازار، إنسانية الإسلام ، ترجمة: عفيف دمشقية، (بيروت: دار الآداب، 1980).

[4] المرجع السابق.

[5] المرجع السابق.

[6] A. Kevin Reinhart, What we know about Maruf, Journal of Islamic ethics, Koninklijke Brill NV, Leiden, 2017.

[7] رواه البخاري في "الأدب المفرد" رقم (273).

 

عدنان حسين احمدصدر عن "المركز الثقافي" في الدار البيضاء كتاب جديد يحمل عنوان "أنبياء سومريون: كيف تحوّل عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين؟" للدكتور خزعل الماجدي، الباحث المتخصص في علوم وتاريخ الأديان والحضارات والأساطير. يقع الكتاب في ثلاثة أبواب تضم في مجملها 17 فصلاً مع مقدمة وافية وثبت بالمصادر العربية والأجنبية.

يؤكد الباحث في مقدمته أنّ "الغرض من هذا الكتاب هو البحث عن الحقيقة" وليس هناك أية دوافع أخرى سواء كانت دينية أو سياسية أو فكرية، والفضل يعود، كما يذهب المؤلف، إلى الحفريات الأركيولوجية التي غيّرت تصوراتنا عن العالم برمته، فهي لا تدّعي الإحاطة بكل شيء لذلك تركتْ الأمر للمعنيين بالتاريخ والفكر كي يبنوا تصوراتهم الجديدة على أسس علميّة رصينة بعيدًا عن شطحات الخيال، وأوهام المُعتقدات النابعة من الخرافات والأساطير القديمة.

يُفرِّق الماجدي بين  مصطلحات العهد القديم والتناخ والتوراة ويدعو إلى فكّ الاشتباك بينها في حالة الإشارة إلى الكتاب العبري المقدّس ويقسمها إلى أربعة أقسام وهي: الكتاب المقدّس "بايبل"، والعهد القديم، والتناخ "الذي يتكوّن من قسم الشريعة، وقسم الأنبياء، وقسم الأدبيات"، والتوراة  التي تضم الأسفار الخمسة وهي:"سفر التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، والتثنية". وإضافة إلى الكتب المقدسة المذكورة أعلاه هناك نوعان من الكتب اليهودية وهما: "الكتب اليهودية الأساسية" التي تضم سبعة أنواع وهي:"الترجوم، المشنا، التلمود، الهلاخا، الهجادة، الكابالا، المدراش". و"الكتب اليهودية الثانوية" وتشمل أبوغريفا، السيديبغرافيا، كُتب قمران، والكتب المفقودة مثل "سفر ياشر" و"حروب الرب".

يعتمد الباحث على ثبت الملوك السومريين ليبرهن لنا أنّ الملوك العشرة السومريين الذين تحولوا إلى عشرة أنبياء توراتيين بفعل الرؤية التوراتية المُضللة التي زيّفت الحقائق وانتحلت أسماء هؤلاء الملوك السومريين، وسَطتْ على منجزاتهم الدينية والحضارية والفكرية. وهؤلاء الملوك أو الآباء هم :"آدم، شيث، إنوش، قينان، مهلالئيل، يارد، أخنوخ"إدريس"، متوشالح، لامك، نوح" الذين ينتمون جميعهم إلى مرحلة ما قبل الطوفان.

يتوسع الماجدي كثيرًا في الحديث أسطورة الخلق وسنحاول اختصارها قدر الإمكان كي لا يفلت منّا خيط التيمة الرئيسة للكتاب. كلنا يعرف بأنَّ الله خلق العالمَ في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع. ثمة أساطير متعددة في نظرية الخلق تختلف باختلاف الديانات والحضارات والشعوب لكننا سنجد أنفسنا مضطرين للإشارة إلى ليليث التي لم تُذكر في القرآن الكريم لكن العبريين أخذوا أسطورة آدم برمتها من السومريين وجعلوا من ليليث زوجة له لكنه تخلى عنها لأنها كانت عنيفة، ومتمردة، ومعتدة بنفسها فاقترنت بالشيطان وأصبحت رمزًا للشرّ والخطيئة بحسب الرواية التوراتية.

تتشعّب أسطورة آدم وحواء كثيرًا لكننا سنعرف أنَّ الله قد خلق آدم في اليوم السادس، جَبَلهُ من تراب، ونفخَ في أنفه نسمة الحياة، ثم خلق حوّاء لكن الحيّة أغرتهما فأكلا من شجرة المعرفة فعاقبهم الله ثلاثتهم: آدم وحواء والحيّة بالطرد من الجنة لأنهما خرقا وصيته وأكلا الثمرة المحرمة. أنجبت حواء قايين وهابيل فأصبح الأول فلاّحًا والثاني راعيًا، ثم تنافسا على الزواج من أختهما "إقليما" الأمر الذي دفع قايين لأن يقتل هابيل فيطردهُ الرب إلى مكان صحراوي مهجور شرقي عدن يُدعى "نود" ليقيم هو وسلالته في تلك البرية القاحلة. تلد حواء شيثًا الذي يعني "البديل" الذي عوّضت به عن موت هابيل ويعتقد المسلمون والمندائيون بنبوة شيث لأن الله أنزل عليه 50 صحيفة، كما أنه صاحب أول حرب وقعت على الأرض بينه وبين أخيه "قابيل" كما يسمّى في الرواية الإسلامية. يُعدّ النبي شيث أول مَنْ نطق بالحكمة، وأول من استخرج المعادن، ومن أبرز إنجازاته هو تنظيم الريّ، وبناء السدود. أما الملك الثالث فهو إنوش الذي نزلت عليه الرؤية النبوية وأصبح نبيًا. فيما تميّز الملك قينان بالحكمة، ونالها مبكرًا في حياته، وقد علّم الناس، ونقل إليهم معارفه وعلومه. تُنسب إلى الأب الخامس مهلالئيل تأسيس مدينتي بابل وسوسة، ومحاربته لجيش الشيطان، كما أنه أول منْ قطع الأشجار. لم تُسجل الوثائق شيئًا إلى الأب السادس يارد الذي يعني اسمه حرفيًا "سيفقد مكانته أو سيسقط" ولعله كان منشغلاً في الحفاظ على عرشه. أما الأب السابع فهو أخنوخ أو النبي إدريس عند المسلمين ويقابله في التراث السومري والرافديني هرمس الذي علّم الناس نواميس الحضارة، واخترع الكتابة. لم يمت إدريس، بل صعد إلى السماء وتحوّل إلى رئيس للملائكة باسم ميتاترون. توصّل الماجدي إلى أنّ جذور شخصية أخنوخ سومرية وأصله هو "أينمين دور أنّا"، ملك مدينة سبار ، أي من ملوك ما قبل الطوفان. يتميز الملك الثامن ميتوشالح بجمعه بين الحكمة والملوكية، وهو رجل السهم، وصاحب الوثبة السريعة، ويقابله من الملوك السومريين أوبار- توتو من مدينة شروباك ومن أبرز منجزاته هي مكافحته للمجاعة التي حدثت في عصره. أما "لامِك" وهو الملك التاسع الذي يوصف بأنه أول من عدّد زوجاته حين تزوج امرأتين، وهو صاحب أقدم قصيدة شعرية وقد وجهها لزوجتيه. يقابله شروباك بالسومرية والذي يعني "مكان الشفاء". تقترن وصايا شروباك بهذا الملك وتعد هذه الوصايا النص الأدبي الأول في التاريخ، وهو نص سومري كُتب في حدود 2600 ق. م. وسوف ينجب شروباك ابنًا يُدعى زيو سيدرا وهو بطل الطوفان السومري الذي يسمّى "نوح السومري" وقد تأثرت لاءات موسى كثيرًا بوصايا شروباك حتى بلغت درجة التطابق تقريبًا. أما الملك العاشر والأخير فهو نوح الذي عاش 950 سنة ومات بعد الطوفان بـ 350 عامًا ودفن في جبل أرارات. علامته المميزة سفينة نوح، وأهم منجزاته هي إنقاذ الجنس البشري والأحياء الأخرى من الطوفان.

يعتقد الماجدي أنّ عالِم الآشوريات الإنجليزي جورج سميث قد فتح الباب واسعًا حين اكتشف في اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش الأصل الرافديني لقصة طوفان نوح العبري فعقد أول مقارنة بين أصل حكاية الطوفان وأحد فروعها التي أعيدت روايتها في العهد القديم، بل أن فكرة الطوفان عند غالبية الشعوب مأخوذة من الأصل السومري مع اختلافات طفيفة. يُرجع الماجدي فكرة الحكماء السبعة إلى الحقبة السومرية وقد ورد ذكرهم في "ملحمة جلجامش".

يرى الباحث أنّ هناك خمس مدن سومرية ازدهرت قبل الطوفان وهي أريدو، بادتبيرا، لاراك، سبار وشروباك. أما جنة عدن فهي مدينة أريدو نفسها، فيما تقع "نود" شرقيها تمامًا. وحينما حدث الطوفان لم يترك أثرًا لهذه المدن. ولابد من الأخذ بعين الاعتبار أنّ الطوفان قد شمل جنوب العراق فقط وأن مخيلة الشعوب هي التي جعلته يغطي العالم برمته، وأن سفينة نوح قد بولغ بحجمها وبعدد البشر والكائنات الحية التي دخلت إلى جوفها، ويعتقد الماجدي أن شكلها مدور على هيأة "القُفّة"التي تستعمل في أنهار وسط وجنوب العراق. كما يتوقف الباحث عند الناصورائيين الذين أوجدوا الديانة المندائية لكنّ جهلهم باللغة هو الذي سبّب ضياع الجزء الأكبر معارفهم ولم يستطيعوا تدوينها لأن الكتابة أُخترعت في زمن النبي إدريس سنة 3200 ق.م. إن كتاب "أنبياء سومريون" يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، ويدحض النظريات التوراتية المُضللة التي اعتاشت على الفكر السومري النيّر.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

949 جهاد كرملا يندرج كتاب (بعثيون من العراق) للكاتب جهاد كرم، ضمن كتب التاريخ السياسي العراقي، إذا ما توخينا من التاريخ أن يكون مفتاحاً للمعرفة المضافة، والتعرف على الأحداث بقيمتها وأفكارها ودروسها، ومن هذه المسلّمة يمكن أن نعدّ كتاب كرم، مصدراً ببلوغرافياً لاغير، لشخصيات قيادية عراقية على الأغلب في حزب البعث، دوّنها الكاتب وفق رؤاه، وإعتماداً على ذاكرته الشخصية، غابت عنها منهجية الكتابة، والعودة للمصادر التاريخية في توثيق ما ذهب اليه .

جهاد كرم اللبناني الجنسية، أحد قياديي البعث، مثّل العراق دبلوماسياً لمدة ثلاث عشرة سنة، وشغل موقع سفيره في أكثر من بلد ما بعد تموز 1968، حاول كما زعم في مقدمة كتابه، تسليط الضوء على التجربة البعثية وينقلها (بكل أمانة ودقة وصدق!)، إلا ان ما توخاه وما قصده كرم وفق ما أشار، للتعريف بالشخصيات البعثية التي إختارها، وقدمها للقارىء، جاء متناقضاً للأسف الشديد مع أهم شرط في التوثيق، وهو (الأمانة التاريخية في كتابة التاريخ)، على الرغم من أن الكاتب مدّنا بمعلومات شخصية واسعة عن قيادات حزب البعث، تبدو جديدة لقارىء من جيل لم يعاصر تلك الأحداث .

يقول الكاتب (أندريه جيد): إن الإنسان هو تاريخ الحقائق التي يُطلق سراحها، هل إستطاع جهاد كرم أن يطلق سراح الحقائق الملحّة لتجربة البعث في العراق؟ وإلى أي مدى يمكن أن تكون الشخصيات التي تناولها محوراً لإعادة النظر في التجربة بكاملها؟ أم ان عقدة الخوف ظلت تلازمه، وعقدت لسانه؟ حتى وهو يوثق لمرحلة غابت عنها سلطة الحزب، وسلطة الفرد الدكتاتور، منذ ما يقارب العقدين من الزمن .هذه العقدة، هي التي قادت جهاد كرم إلى تحريف الحقائق في حادث مقتل فؤاد الركابي في سجن بعقوبة عام 1969، وهو حادث معروف لسنا بصدد الخوض في تفاصيله، إذ يقول عنه : مات فؤاد في ظروف غامضة خلال خروجه من السجن بعد أن صدر أمر الإفراج عنه !!(ص18)، هذه الرواية المتقاطعة مع كل الروايات التي أثبتت الدوافع والأسباب وراء مقتل الركابي داخل السجن، بتهمة ملفّقة، مدبروها ومنفذوها معروفون .

وحينما تواجه القارىء رواية بهذه الهشاشة، منذ الصفحات الأولى من الكتاب، وهو يتابع القراءة، عليه ان يكون شديد الحذر في التعامل مع الروايات الأخرى في فصول الكتاب اللاحقة .

إن فاصلاً زمنيا طويلاً بين صدور الكتاب (2010)، وبين إنهيار النظام في العراق إثر الإحتلال الأمريكي عام 2003، ان هذه السنوات السبع كافية بتقديري لكي يتحرر جهاد كرم من سطوة الخوف، ليكتب بيد مسترخية لا مرتعشة، إلا انه ظل اسيراً لتلك الأشباح التي تطارده، وتسكن عقله، فكرّست عزوفه عن ذكر الحقائق بتجرد وحرية، وبما يدعونا للتساؤل الأكثر إلحاحاً : ما قيمة أن يدلي الكاتب أو السياسي بشهادات ناقصة ؟ فهناك أكثر من سؤال يظل مفتوحاً !!لذلك جاءت النتائج مغايرة للتوقعات، وظل الإنتفاع من الكتاب محدوداً، لايقدم إضافة نوعية رصينة ضمن رؤية صادقة ومعمّقة، إنما برؤية أحادية وسواسة .

إلا ان الهامش الأهم في الكتاب بإعتقادي، يقودنا إلى مناقشة (إشكالية) كتابة التاريخ السياسي، إذ لا تقتصر هذه الإشكالية على حزب البعث، إنما تمتد إلى تجارب الأحزاب السياسية الأخرى في العراق والمنطقة معاً، فإذا ما توخينا الجدّ في كتابة التاريخ، علينا مطالبة هذه الأحزاب بدراسة ومراجعة تجاربها، فما صدر عنها، وإن كان متأخرا، يغلب عليه التعميم والمطلق، بإستثناء بعض المراجعات والمذكرات الشخصية التي ظلت مبتسرة، فأنها لم تساعد على حل ألغاز الماضي .

إن الوعي بالتاريخ غير قراءته، والإنتقال من العقد المغلقة إلى رحابة الفكر الفسيح يحتاج إلى شجاعة سياسية وفكرية، وحدها القادرة على كشف الملتبس في تجارب تلك الأحزاب بوعي نقدي جديد، وعقلانية تعتمد الجدل المعرفي، وتتقبل الصراع باشكاله، لأنهما عنوان يقظتنا الجديدة .ولكي يستقيم الوعي لابد من مفاهيم مرنة وواضحة، تكشف أسباب الخسارات والإنكسارات العميقة في تجارب الأحزاب، مع أدوات فهمية لاتتردد في مواجهة الفشل السياسي، بعيداً عن سلطة الإكراه .

إن المواقف الداعية لغلق الأبواب بوجه محاولات التجديد، بدوافع وتبريرات مختلفة، منها ذات طابع إنعزالي، أو فردية وجمود فكري، بعيداً عن جدل الحاضر وآفاق المستقبل، تتطلب على الدوام إعادة وفحص ومراجعة التاريخ، والأحزاب بما تمتلك من خزين معرفي تاريخي وعميق، وأصالة في التجربة، بما يمكنها من الإرتقاء إلى مستوى متميز في الحوار مع الآخر المختلف، وبما يوفر الضمانات والمقومات التي تكفل فيها الحياة، والنمو في عالم يزدحم بالآراء والمؤثرات والتناقضات.

 

جمال العتّابي

 

935 الحسين حاكماليس مثل الحسين أحدا شرَّقتْ الأمة وغرَّبتْ في حديثها عن نهضته، فجميع النهضات تاريخيا كانت توصف وتصنف منذ اللحظات الأولى لها، مرة من قبل الحكام، وأخرى من قبل وعاظ السلاطين، وثالثة من قبل المؤرخين، حتى ولو كان التوصيف مخالفا للهدف المعلن الذي قامت من أجله، ربما لأن الحسين (عليه السلام) لم يكن شخصا عاديا، بل كان قد اختزل الرموز الإسلامية كلها في شخصه، فجده لأمه هو رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) وجده لأبية هو أبو طالب سيد البطحاء (رضي الله عنه) وأبوه هو أول الناس إسلاما وأقدمهم إيمانا وأكثرهم جهادا وأشدهم تمسكا بالعقيدة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأمه هي سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء البتول (عليها السلام)، وقد جمع الشرف كل الشرف من أرقى مواطنه وأعلى مناهجه وازكى أصوله وأطيب منابته وأعرق جيناته، فكان أوحد زمانه على وجه الأرض، لا ابن نبي غيره على وجه البسيطة، فهو النسغ الصاعد لآخر الأنبياء والرسل.

وحتى مع وجوب أن تشفع هذه الصفات له لتضفي عليه قداسة الرمز الديني، وهذا ما كان واضحا حتى في سلوكيات الذين حشدوهم لقتاله، حيث التردد كان باديا على تحركهم، نجد هناك من أباح قتله دونما تردد أو وجل، فهو وفق رؤية هؤلاء ليس أكثر من ثائر متمرد خارج على القانون، قتل بسيف جده!

وأعتقد أن هذه الرؤية بالذات فضلا عن الكثير من الجزئيات المهمة الأخرى؛ هي التي دفعت الجانب الآخر ليضفي القدسية المطلقة على كل حركة قام بها الحسين منذ لحظة ولادته الميمونة وإلى لحظة استشهاده وإيداعه التراب.

ووفق خارطة الأحداث لم يعد خافيا الانشقاق الكبير الذي تركه مقتله على كيان الأمة ووجودها، إذ أصبح التوهين بموقفه، مع البحث عن أعذار لقاتليه وللخليفة الذي أمرهم بقتله منهجا معلنا وصريحا لإحدى الفئات. وأصبح تقديسه ابتداء وإعطاء الحق الكلي له ابتداء ولوم بل ولعن من اشترك بقتله، هو المنهج المعلن الذي تتبناه الفئة الثانية.

في مرحلة المواجهة الفعلية، كانت كل فئة تبحث عن دواعم لمنهجها لكي تنصره، بالبحث في كتب التفسير والحديث والتاريخ والفقه والرأي، ومن ثم العمل على إعادة صياغة تلك الرؤى بما يتوافق مع منهجها. وفي هذه المرحلة تدخل الرأي بشكل فاعل في إعادة كتابة وتشكيل الأحداث، ووظفت الأحداث الصحيحة والمختلقة لتقوية أواشج القربى والاحتكاك بين الأتباع والعقيدة، فكلما كان الأتباع أكثر قربا كان من السهل توجيههم إلى الجهة التي ترتأيها القيادات العليا والوسطى وأجهزة الإعلام.

تسبب هذه الصراع في دخول الكثير من الدخائل إلى المناهج العقدية للفئتين، مما ولد عداء ظاهرا وخافيا كان يدفعهم إلى البحث عن دواعم للخطوط العامة. وكان الفقه الشيعي هو الاكثر احتكاكا وتعاملا مع واقعة الطف لأسباب كثيرة جدا لا مجال لذكرها ـ في الأقل ـ لأن الحسين هو الإمام الثالث في سلسلة أئمتهم الاثني عشر  (عليهم السلام) ولهذا كانوا يهتمون بالحديث عن مظلوميته كجزء من منظومة المظلومية الشيعية الكبرى، وهذا دفع البعض إلى استنباط رؤى جديدة للنهضة الحسينية ليست من أصلها، ولا تمت لها، ولكنها وجدت من يستسيغها ويتقبلها. ودفع البعض الآخر إلى البحث عن قواعد فقهية تكفر من يتقبل تلك الرؤى.

يعني هذا أن من يروم الكتابة عن الحسين (عليه السلام) سوف يصطدم بهذه الاتجاهات لا محال، وهذا أمر شائك فيه الكثير من المخاطر، ومع ذلك آليت على نفسي أن أتابع رؤى كل الفرق، وأن أتخلى وأبتعد كثيرا عن نقول التاريخ، وأتسلح بفلسفة التاريخ، وأطلق العنان لعقلي ليتصور تلك النهضة العظيمة، وفق قواعد العقل والمنطق بعيدا عن مجال العاطفة وتأثيرها، في محاولة مني لفهم النهضة وإشاعة هذا الفهم، لأن الفهم وحده له قدرة تخفيف الأزمات وتلطيف الأجواء المأزومة، وتقريب الرؤى، وفتح المنافذ لإعادة التفكير في بعض أشد الأمور خطورة، ولاسيما تلك التي باعدت بين فرق المسلمين، ووضعت بينهم حواجز اسمنتية عالية جدا، لتفصل بينهم إلى الأبد.

وفق هذه المنهجية اشتغلت كتابي الموسوم "الحسين حاكما" الصادر عن دار المتن البغدادية، وقد خرجت بنتائج تخالف الخطأ الشائع، وتقترب من الصحيح الضائع، فهي على سبيل المثال ترفض أن يكون الحسين (عليه السلام) قد خرج بثلاثة وسبعين رجلا فقط، وتؤكد بالدليل أنه خرج بجيش  جرار مؤلف من عدة أقاليم إسلامية، وأن أغلب وحدات جيشه حِيل بينها وبين الالتحاق به، وأنه حينما وجد الميزان العسكري غير متوازن، طلب منهم الانسحاب والهرب لينجوا بحياتهم، وليتحمل لوحده تبعات ذلك الحراك..

ومنها الحديث عن ما يسمى بمحاورات أو مفاوضات كربلاء؛ التي ادعوا فيها أن الحسين بعد أن أحيط به تقدم إليهم ثلاثة شروط هي:

إما ان يسمحوا له بالعودة من حيث أتي.

أو يرسلوه جنديا بسيطا كأي جندي آخر إلى أي ثغر من ثغور المسلمين.

أو يرسلوه إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ليرى رأيه فيه.

حيث فندت بالدليل القاطع ما قيل عن هذه المفاوضات المختلقة، وأن كل ما قيل عنها إنما هو مجرد حراك إعلامي تسقيطي لا وجود له على أرض الواقع.

ومنها حديثهم بأن الحسين إنما خرج لطلب الإصلاح لا للحرب، حيث أثبتُّ وبالدليل القاطع أنه خرج للإصلاح عن طريق الحرب والاستيلاء على الحكم، ولا شيء آخر غير ذلك، فهو كان يخطط لتأسيس دولة إسلامية في العراق والشرق الإسلامي، ويترك لبني أمية دولة في الشام وفلسطين ومصر فقط، لأنه من غير المعقول أن يبدأ بالإصلاح من على منابر ترفرف عليها راية حكومة يزيد، بل إن الحكومة نفسها ما كانت لتسمح له بالتثقيف بمنهج يخالف منهجها.

لقد حاولت في هذا الكتاب أن أتحدث عن حقائق ليست خافية على أحد ولكن الأغلبية يحجمون عن التحدث عنها، ولذا اضطررت الى التحدث عن الدولة من مرحلة النشوء إلى هيمنة السلطة، ثم التحدث عن الخلافة من مرحلة النص إلى مرحلة الابتداع، ثم التحدث عن قاعدة الخلافة الشرعية، والأحكام والآداب السلطانية، ثم تحدثت عن علي بن أبي طالب من شرعية الخلافة إلى خلافة الظل والحسن من شرعية الخلافة إلى خلافة الظل، والحقبة المسكوت عنها، والهدنة بين الحسن  (عليه السلام) ومعاوية التي هي كانت مجرد مثابة لإعادة ترتيب الأوراق، وبعد ذلك تحدثت عن الحسين، والحقبة المفقودة، وسنوات التخطيط، ومحاولات استرجاع الخلافة، وشرعية الخروج، وموجباته، ومؤشرات وجوب الخروج.

بعد ذلك تناولت الجزئيات المهمة بالبحث والتفكيك ومنها الحديث عن جيش الحسين وسياسته، وجيش الحكومة، والدعوة إلى الثورة، وسياسة الضد، ورواية إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، واختتمت البحث بحديث عن الحقيقة، الحقيقة التي عمل الجميع على تغييبها، والتي يجب أن نبحث عنها ونجدها ونزيل الدرن عن وجهها ونرفعها ليشرق نورها على أمة أدمنت الخلاف ونسيت كيف تتفق خلافا لما أمرها دينها به.

لقد جاء الكتاب جديدا بطروحاته وآرائه التي تمتد على مدى 379 صفحة من القطع الكبير، وقد صمم لوحة الغلاف الفنان العراقي المغترب الأستاذ بسام الخناق، له مني جزيل شكري وتقديري، وأجاد الأستاذ عامر الساعدي مدير دار المتن للطباعة والنشر في بغداد في إخراج الكتاب بحلة قشيبة، فله شكري وامتناني، وارجو أن أكون قد وفقت في طرح الآراء ومحاكمتها علميا وأكاديميا وحياديا بعيدا عن التشريق والتغريب... والله من وراء القصد... والحمد لله رب العالمين.

 

صالح الطائي

 

942 السماويصدر عن دار تموز في دمشق كتاب جديد للباحث والكاتب لطيف عبد سالم وسمه بـ: (مرافئ في ذاكرة يحيى السماوي). الكتاب الذي قدم له الناقد الدكتور حسين سرمك حسن، وصممت غلافه الأديبة والمصممة الأستاذة رفيف الفارس، يقع في (320) صفحة، ويضم أربعة عشر فصلاً.

في مقدمته التي حملت عنوان: (التجربة الشعرية والتسلّطية المُحببة) أشار الدكتور حسين سرمك حسن إلى أنَّ الكاتبَ ذهب إلى معالجة موضوعة مهمة وحسّاسة عن الشاعر يحيى السماوي ومنجزه الشعري، لم تتم معالجتها بهذا الشمول والتماسك والإحكام من قبل. وهي العرض السيري لمسيرة يحيى الحياتية - الشعرية منذ ولادته حتى يومنا هذا محاولاً - أي لطيف عبد سالم - الإمساك بالعوامل البيئية والحياتية والثقافية الحاكمة التي أسهمت في صياغة وجدان يحيى الشعري، وتفجير وصقل طاقاته الشعرية من بيت ومحلّة ومدينة ومدرسة وجامعة ومكتبة وشارع سياسي وشخصيات أولى مؤثرة في بلورة ركائز الشخصية كالأب والمعلم والصديق والناشط السياسي وغيرهم. وما لا يقل أهمية عن ذلك محاولة مراجعة التجارب الأولى؛ الشخصية والعامة - والتجارب العامة في وطننا تأتي عاصفة ساحقة في أغلب الأحيان - خصوصاً المبكرة والتقاط الكيفية والمسارات التي أسهمت عن طريقها في انبثاق موهبة يحيى الشعرية - والموهبة تستعصي حتى على التفسير العلمي المنطقي في بعض الأحوال - وتحديد مآلاتها ورسم محاورها الأساسية في تصميم ما أسمّيه "النبع المركزي" الذي ينطلق منه نهر الشعر الذي سيمتد في حياة أي شاعر مجيد ويحدّد نوعية مياه التجربة الشعرية وعنفوان تياراتها وصخب تحوّلاتها صعودًا متجدداً نحو الأعالي أو هبوطًا متباطئاً نحو قيعان الركود والتكرار.

وقد أمسك لطيف بـ (النبع المركزي) الذي لم يشكّل الملامح المركزية لتجربة يحيى السماوي الشعرية والحياتية فحسب بل أرسى مرتكزات ما أسمّيه (العوامل / التجارب التسلّطية). وهي تلك العوامل والتجارب الحاسمة التي تغور عميقاً في لاشعور الشاعر منذ مراحل عمره المبكرة، وتبقى - وبصورة متسلطة قاهرة - تنسرب من حيث لا يدري لتحدّد مضمون، وبدرجة أقل شكل، منجزه الشعري.

ما أمسك به لطيف في هذا المجال هو دور المدينة؛ السماوة، والوطن؛ العراق، كنبع مركزي انطلقت منه مياه نهر التجربة الشعرية ليحيى لتنغرس - عميقاً وبعيداً - في أعماق لا شعوره الفردي، ولتستوي على سوقها وتتصلّب بالمراس والمران وتصل بعد سنوات طويلة من الاختمار والإثراء المقصود وغير المقصود بالتجارب الحياتية والخبرات الثقافية العامة والشعرية إلى النضج و(التسلّط). إنها سوف تصبح (شاعراً داخل الشاعر)، إذا جاز التعبير ودقّ الوصف، تفرض سطوتها على مضامين نصوص الشاعر الذي لا يتمكن، بل لا يحاول الإفلات من سيطرتها، ويستمتع بتجبّرها لأنها النبع الذي يروي شجرة وجوده الشعري ويمنع تصحّر أرض تجربته. ولهذا تجد عامل المدينة والوطن؛ النبع المركزي في تجربة يحيى، منسرباً في أغلب نصوصه حتى لو كان يكتب عن مقهى أو شجرة أو لوحة أو مدينة غير السماوة ووطن غير العراق.

واختتم الدكتور سرمك مقدمته بالقول: هناك دائمًا الأنامل الخبيرة التي تفرك الصدأ عن تبر (العراقية). وهي دائماً أنامل المبدعين - وليس السياسيين عليهم لعنة الله - وفي مقدمتهم الشعراء الذين يتبعهم القرّاء المؤمنون بقداسة التراب (الأمومية) مثل لطيف عبد سالم. المبدعون - ومنهم يحيى السماوي - هم الذين يفركون الصدأ ويزيحون ركام أتربة القهر والإنذلال واللهاث الحيواني عن وجه (الروح العراقية) الكامنة؛ ولهذا تجد أبسط مواطن يطرب وينتشي ويبدأ بالتغني بوطنه حين يستمع لنص من نصوص يحيى برغم أنّه قد لا يكون حصل على إفطاره ويفكر كيف يدبّر رزق عائلته. وهذا التأثير تجلى أوّلاً في نفس الكاتب؛ لطيف عبد سالم، وهزّه من الأعماق على طريقة الشاعر العامي: (هزني الهوه - الهَوّى- بكل حيله لَنْ شاعر مسوّيني) لتشكل (عراقيته) المتسلطة المحببة هذا الكتاب الجميل الذي بين أيدينا. فله مني التحية.  

 

 

932 سعادةعرض لكتاب شحادة الغاوي

شحادة الغاوي الباحث عن الحقيقة لا يكل ولا يمل ولا يترك حجراً الا ويقلبه او ملف الا ويغوص فيه، يقدم الوثيقة حيث وجدت، ويقارب الموضوع بأسلوب علمي منطقي حتى لا يظلم ولا يُظلم ويقول في: (ص 30 ان رفقاءه طالبوه وهو حرص بأن تكون فيه وثائق وألا تكون استنتاجات دون أساس).

 يحلل بأسلوب ومقاربة علمية مكثفة، ولا يتردد في إبداء رأيه اعتمادأ على أدلة، ويحرص على عدم الإدانة الا اذا كان يملك هذا الدليل ويترك لقارئه ان يطرح الأسئلة. وكتابه ليس كتاباً عادياً لأنه يلقي الأحجار في المياه الساكنة من أجل استعادة الحزب السوري القومي الإجتماعي لدوره والحفاظ على العقيدة والإلتزام بالقيم القومية الإجتماعية التي وضعها سعادة والتي تقوم على أربع دعائم : الحرية، الواجب، النظام والقوة التي ترمز اليها أربعة أطراف الزوبعة القومية الإجتماعية الممثلة في علم الحزب.

 يدرك الكاتب وهو الحزبي الملتزم بالعقيدة ان كتابه قد يلقى الترحيب من البعض والإعتراض من البعض الآخر من رفقائه في الحزب، وهذا لم يثنه عن وضع هذا الكتاب عله يشكل لبداية جديدة وإعادة النظر بمحطات تاريخية مرّ بها الحزب منذ التآمر على سعادة واغتياله واستمرار الحملة على الحزب لحرفه عن دوره القومي في محطات تاريخية مهمة من تاريخ الأمة السورية. ولا يتردد الكاتب عن ذكر أسماء حزبية بارزة ودورها سواء الإيجابي او السلبي.

الكتاب الصادر عام 2019 عن دار ابعاد في بيروت يقع في 559 صفحة ويـتألف من خمسة فصول بالإضافة إلى الاهداء وكلمة شكر ومقدمة عامة وقسم مخصص للملاحق وفهرس الإعلام ولائحة المراجع.

حرص الكاتب شحادة الغاوي على انه يكتب في التاريخ ولا يكتب تاريخاً، ففي الفصل الأول يتصدى للبدايات الصعبة من الـتأسيس الإول إلى السجن من (1932 إلى 1938) وينقل عن سعادة ص 42 (ليس الحزب السوري القومي الإجتماعي، إذاً جمعية أو حلقة، كما قد لا يزال عالقا ً في أذهان بعض الأعضاء،… إن الحزب السوري القومي الإجتماعي لهو أكثر بكثير من جمعية تضم عدداً من الأعضاء أو حلقة وُجدت لفئة من الناس أو من الشباب انه فكرة وحركة تتناولان حياة أمة بأسرها….) إن مبدأ " سورية للسوريين والسوريون أمة تـامة" أخذ في تحرير نفسيتنا من قيود الخوف وفقدان الثقة بالنفس والتسليم للإرادات الخارجية.(ص45)

في هذا الفصل يعرض الكاتب لمحطات مهمة في حياة سعادة والحزب ودور المنافقين والخونة والسجن الأول والثاني وخذلان المجلس الأعلى لسعادة ومحاولة قتل سعادة في السجن ومعاناة سعادة مع معاونيه.

أما الفصل الثاني فيتحدث عن السجن الطويل سجون وتشرد في الأرجنتين وفي الوطن ( من 1938 إلى 1947) من اوروبا إلى البرازيل وصولاً إلى الأرجنتين، وما واجهه سعادة من عذاب ومعاناة من عدم تعاون وعدم تلبية معاونيه، ومكافحة سعادة للجاسوسية، ولا ينسى الكاتب قصة سعادة وجريدة سورية الجديدة وجريدة الزوبعة، ويعرض الكاتب لموقف سعادة من الحرب العالمية الثانية والتي يجب ان تتماشى مع مصالح الأمة والمطالب السورية بالإستقلال والسيادة أولاً. وعما كان يحصل في الوطن يعرض الكاتب للسياسات الإنحرافية والنفعية لبعض أركان الحزب طلباً للسلامة الشخصية (ص100) وفي الصفحة 104 يتساءل الكاتب عن دور جورج عبد المسيح :أين عبد المسيح وماذا كان يفعل؟ ويبرر الكاتب تساؤلاته وبحثه عن هذا الدور لأن عبد المسيح ومريدوه كانوا يقدمونه على أنه ضمانة عقائدية. ويتحدث الكاتب عن تلك الفترة بالتفصيل حول قضايا أخرى لا تقل أهمية وكيفية مقاربة سعادة للأمور ويعنون ص115 سعادة يداري نعمة ويستوعبه.

الفصل الثالث يعرض لتجديد الروح والحصاد الوفير (من آذار 1947 إلى حزيران 1949) يقول الكاتب أن السلطة أرادت إبعاد سعادة عن الحزب ليتسنى لها ترويض هذا الحزب، لكن سعادة عاد عنوة ضد إرادة السلطة التي كانت تعتمد على نعمة ثابت في استيعابه (ص130) ويتحدث عن بعض أوجه المعركة الداخلية ومعاونون لا يعاونون، ويكمل إلى حسم سعادة الموقف داخل الحزب وكيف ربح سعادة المعركة العقائدية حتى قرار قتل سعادة فيقول: إن من يريد فهم الأسباب الحقيقية والمقدمات التي أدت إلى استشهاد سعادة يجب عليه قبل كل شيئ رصد حركته وأعماله وأقواله سنة على الأقل قبل الأستشهاد….(ص147) ليصل إلى إنقلاب حسني الزعيم في سوريا ورأي سعادة الحقيقي بالإنقلاب وشعار السيادة اللبنانية في وجه الشام فقط وذروة التحدي في خطاب برج البراجنة ويعنون الكاتب في ص169 عن التحريض المزدوج من حكومتي دمشق وبيروت لسعادة كي يقوم بإنقلاب مسلح في لبنان.

الفصل الرابع المطاردة والتوريط والإستشهاد (من 9 حزيران إلى تموز1949) في ص 177 وحول نظرية المؤامرة كما تعهد في أول الكتاب بعدم إلقاء التهم جزافا،ً يقول الكاتب فإنه من الصواب فحص الأمور جيداً ودرس الإحتمالات والتشدد في اعتماد الحقائق والوقائع في كل أمر وقضية، فإذا وجد دليل على مؤامرة يجب أن نقدم الدليل ونبني عليه، وإذا لم يكن هناك من دليل فيجب البحث عن العوامل وأسباب أخرى في غير نظرية المؤامرة. ويتابع بعنونة سعادة والمؤامرة وكيف تعامل الحزب مع خطة تصفية وقتل زعيمه؟ وعن الدور البريطاني، الأميركي والصهيوني لهذا الفصل أهميته لأنه كما الكتاب غني بالوقائع والتساؤلات والتحليلات المنطقية التي برأي الكاتب تقود إلى معرفة الحقيقة والأدوار التي قامت بها كافة الأطراف الخارجية والإقليمية والمحلية والحزبية، ويشير الكاتب إلى دلائل أربعة ابتدءاً من ص 203 إلى ص 208 وبعد ذلك يعود لبروز دور عبد المسيح وعدم استجابته لسعادة، ولا يهمل الكاتب ما قاله عبد المسيح نفسه ص214 ونصل إلى ص 242 لنرى كيف حارب سعادة حتى الرمق الأخير ليصل في ص 255 إلى السبب في سرعة المحاكمة وتجاوز أصولها وشروطها القانونية، وفي ص258 يستنتج لا بل يذهب الكاتب لحد الإتهام لعبد المسيح ويقول: ان سعادة كان ضحية مؤامرة خارجية استندت إلى سلبيات الأوضاع الحزبية الداخلية واستفادت منها. إن من كان يجب أن يلعب دوراً رئيساً في انقاذ سعادة هو جورج عبد المسيح ويعدد 3 أسباب لذلك وبعدها تكر سبحة الاسئلة عن ادوار الحزبيين وغيرهم وعن سبب إخفاء عبد المسيح لرفات سعادة.

الفصل الخامس السيطرة على الحزب بعد استشهاد الزعيم كوارث وانشقاقات وصراع على السلطة.

يستهّل الكاتب هذا الفصل ببدء مرحلة استيعاب الحزب والسيطرة عليه وانتقال عبد المسيح إلى دمشق، ويقول (ص 268) لا بد لنا من ملاحظة أن سعادة قبل اسشهاده لم يعطِ عبد المسيح أية مسؤولية مركزية في الحزب، وذلك بعد استقالته من عمدة الدفاع سنة 47 … ويمضي بمساءلة عبد المسيح عن "الاستشهاد الرائع" حسب تعبير عبد المسيح هل استشهاد سعادة كان رائعاً؟ (ص 278) ويتساءل ص 269 السؤال الكبير هنا هو كيف كان اي عبد المسيح سيقدم على ما رفضه لسعادة؟ ويبدأ الكاتب بعرض لسلسلة من المواقف والأحداث والأدوار كالموقف من حسني الزعيم، إلى محاكمة القوميين في لبنان، ويحرص الغاوي على الا يظلم أحداً ويشكك في البعض الأخر حيث يقول ص 282 حتى لا نظلم ابراهيم يموت، وص 284 يتساءل عن دور غسان التويني المشبوه، وص 288 يضع عنوان تحصين العملاء، وعدم التزام عبد المسيح بقوانين الحزب عند طرد الحزبيين علما ان سعادة كان كان قد ترك مرسوماً بإنشاء "المحكمة المركزية للحزب السوري القومي الاجتماعي " ويُذكر بوصية سعادة :" في الحزب شرع يضمن لكل فرد حقه في النظام والعمل والرأي…"ص 290

ويستطرد الكاتب في عرض بروز السوابق الإدارية غير المنطقية، ونشوء الأزمات والتسويات والتدخلات الخارجية وأسماء لشخصيات حزبية لعبت دوراً مهماً في تلك المرحلة من عصام محايري لعبدالله سعادة، وسامي خوري وهشام شرابي على سبيل المثال لا الحصر، ويخصص الكاتب جزءاً من هذا الفصل لمصدر السلطات ومن ينتخب ص309 سواء في حياة سعادة أو بعد استشهاده، وكيف صار الإستثنائي المؤقت دائماً ولاحقاً يتحث عن الخطأ الأفدح في كيفية منح رتبة الأمانة متسائلاً من هوالصادق؟ ص323، ويقارن الكاتب بين الديمقراطية التمثلية التي انتقدها سعادة والديمقراطية التعبيرية الجديدة التي جاء بها سعادة ص319.

ويعود الكاتب إلى الوضع السياسي في سورية ويطرح السؤال من هو أديب الشيشكلي؟(ص333) الذي يصفه بالطائفي ويحظى بدعم الإسرائليين (ص338)، ليصل بعد ذلك إلى انقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم 14 آب 1949، وإلى انقلاب أديب الشيشكلي على الحناوي في 18/12/1949 لينتقل للحديث عن الحزب في ظل الشيشكلي وموقف الحزب الشاذة كما سماه من قضية الإنفصال الجمركي بين سوريا ولبنان، والإتحاد مع العراق (ص348)، وموقف الحزب المؤيد للشيشكلي الذي كان معه "على طول" (ص 357) حيث يقول الكاتب عن ان عبد المسيح في خدمة أديب (ص 356) ورغم ذلك كيف خذل الشيشكلي الحزب واسقطه في الإنتخابات إلى ان يصل إلى مرحلة ما بعد الشيشكلي، وفي ص 370 يصف الكاتب سياسية الحزب سنة 1955 بأنها سياسية حمقاء خرقاء غبية مراوغة متورطة فيما لا يمكن تبريره والدفاع عنه والتي اتبعها عبد المسيح وخصومه في المجلس الأعلى التي وصفها بالخلاف على السلطة لا أكثر ولا أقل وليس لها بعد عقائدي ويضيف (ص372) ان الحزب وبعد نصف قرن يقف نفس الموقف ويقدم نفس التبريرات.

وفي ص 380 ينتقل بنا الكاتب إلى مرحلة مهمة وهي مقتل الضابط عدنان المالكي ودوره وعلاقته بالحزب والإيقاع بين الحزب وأركان الجيش والمالكي، وفي ص 391 يكتب الغاوي عن كيفية بدء التوتر والخلاف مع عبد الناصر، وفي ص 422 يعنون في المصيدة الأميركية وقول لقد ضرب الأميركان ضربتهم المزدوجة قتل المالكي وضرب الحزب خلال أسبوع واحد من تلكؤ الحزب في قبول العرض الأميركي عليه لإعتماده ركيزة ووسيلة لهم لتوجيه السياسة الرسمية في الشام…ليخلص إلى أن السذّج وحدهم لا يعرفون طريقة عمل المخابرات الأجنبية وكيفية مباشرتها في تجنيد عملائها. ص 422 يتحدث الكاتب عن حصاد المتآمرين والمستفيدين. وفي الكتاب أجزاء مخصصة للوحدة بين مصر وسوريا وموقف الحزب منها ووصول حزب البعث إلى السلطة في سوريا وما رافق ذلك من أحداث.

ويعرج على قضية الإنشقاقات الحزبية سنة 1957 وسنة 1974 وسنة 1987 وثم سنة 2012 (ص 437-438) ويصفها بأنها صفحات سود ليست من تاريخ حزب سعادة، بل من تاريخ من ارتكبوها وقاموا بها وشاركوا فيها وتبعوها ودافعوا عنها وقبلوها، وان حزب سعادة وحركته ونهضته وقضيته هي براء منها وضحية من ضحاياها. ويصف وضع حزب سعادة اليوم بأنه مخطوف ومرهون… ليعود ص 443 ليؤكد على ان الخطأ الكبير القاتل الذي وقع فيه من شقوا الحزب هو خطأ، بل مرض، النزعة الفردية القاتلة وعدم الإقتداء بسعادة في طريقة معالجة الإنحراف العقائدي والسياسي.

وفي ص 477 يفصل بين القوميين الجنود الأوفياء لسعادة ولعقيدته ونظامه ويعنون "الأسئلة الكبيرة والجواب الضائع" ويسأل ما هي الأسباب الحقيقية التي تجعل الوصوليين والفاسدين وأصحاب النزعة الفردية يصلون إلى قيادة الحزب مع أن نظام الحزب يحارب الوصولية والفساد والنزعة الفردية ويكافحها؟

وفي قسم الملاحق لا يتوقف الكاتب عن إعطاء المزيد من المعلومات واتخاذ المواقف من قضايا عقادية وسياسية، ويتحدث عن عبد المسيح العقائدي وعصام محايري العروبي وانعام رعد الثوري ويفند مواقفهم من قضايا مهمة وفهمهم للعقيدة كالمدرحية والإنسان والمجتمع، الجماهيرية والجماهير، عيد العمال- عيد العمل، بين الحياة والعيش، الموقف من اليهود، الإشتراكية العلمية .

ويتحدث ص 514 عن الضعف المثلث الأضلاع حيث يقول الكاتب أن القيادات الحزبية التي أتت بعد سعادة لم تستطع إكمال نهجه الصراعي الهجومي بسبب ضعفها المثلث الأضلاع علمياً وعقائدياً ومعنوياً والتي يشرحها بالتفصيل.

أخيراً، ان ما تقدم وما عُرض من كتاب شحادة الغاوي قد لا يفيه حقه ولا يغني عن قراءة الكتاب، حتى يطلع القارىء على المزيد من التفاصيل والحقائق التي عرضها الكاتب وان كان بعضها ليس على علاقة مباشرة مع الاسباب والعوامل الحزبية الداخلية وهذا ما يشير اليه الكاتب لكنه يرى أهمية عدم إهمالها كل ذلك من اجل ان يأخذ الحزب السوري القومي الاجتماعي دوره الطليعي كما يرى الغاوي في تقرير مصير الامة حسب المفاهيم والعقيدة التي وضعها سعادة ورسم خريطة طريقها الفكرية والعقائدية والتي توجت بالشهادة.

 

عرض عباس علي مراد

 

ضياء نافعكتبت عن هذا الكتاب في مقالتي بعنوان: (حول آخر كتاب لغوغول)، وقدمت هناك ترجمة لفهرسه ليس الا، وكتبت عن هذا الكتاب ايضا في مقالتي بعنوان: (حول رسالة بيلينسكي الى غوغول)، وذكرته في مقالاتي الاخرى عن غوغول، واعود هنا اليه، وذلك لانه من الكتب النادرة، التي تجبر القراء على العودة اليها بهدوء وامعان وتأمّل، اذ ان غوغول وضع هناك خلاصة افكاره بعد تلك الفترة الطويلة من التفكير العميق في ايطاليا، والتي أدّت به الى اتخاذ القرار الخطير بعدئذ، وهو حرق الجزء الثاني من روايته (الارواح الميتة)، والتي انجزها طوال فترة غير قصيرة من العمل الفكري الدؤوب، وقد تحولت تلك الغرفة التي حرق غوغول في موقدها روايته الى متحف الان (انظر مقالتنا بعنوان – كنت في بيت غوغول) .

 كتاب (مختارات من مراسلات مع الاصدقاء) هو النتاج المركزي في ابداع غوغول بفترته الاخيرة، اذ صدر عام 1848، بعد ان بدأت ازمته الفكرية الروحية الخانقة (توفي غوغول عام 1852) . لقد صدرت كل مؤلفات غوغول بين اعوام 1829 و 1842، اي انه ابتدأ بالنشر عندما كان عمره 20 سنة، واصدر رواية الارواح الميتة عندما كان عمره 33 سنة ليس الا . كتابه الاخير هذا أثار (زوبعة !) من ردود الفعل الصاخبة والمتنافرة في اوساط الادب الروسي خصوصا والمجتمع الروسي المثقف عموما، والتي يمكن القول ان آثارها وبقاياها لازالت واضحة المعالم لحد الان بشكل او بآخر .

نقرأ في مقدمة هذا الكتاب كلمات صادمة حقا، اذ يبتدأ غوغول هكذا – (كنت مريضا بشدة، وكان الموت قاب قوسين او أدنى منّي). ويستمر غوغول: (استجمعت قواي المتبقية، واستخدمت في اول لحظة من الصحو قواي العقلية، وكتبت وصيتي الروحية، والتي أضع فيها المسؤولية على عاتق أصدقائي كي ينشروا بعد موتي بعض رسائلي.)، ويكتب غوغول لاحقا في مقدمته للكتاب قائلا – (لقد أردت ان اكفّر عن كل ما نشرته، لانه في رسائلي وحسب اعترافات هؤلاء الذين كتبتها لهم، توجد ضرورة اكثر للانسان مما في مؤلفاتي). وهذه هي الفكرة التي لم يتقبّلها الكثيرون، وخصوصا بيلينسكي، والتي رفضها بكل وضوح وعنف في رسالته المشهورة الى غوغول، وهذه هي الفكرة التي تثير نقاشات حادة بين المتخصصين في الادب الروسي ولحد الان، ولا يمكن طبعا التوسع هنا حول هذه النقطة الفكرية البحتة، ولكن ايجازها يشير، الى ان غوغول اراد ان يقول ان رسائله تتضمن افكارا محددة ودقيقة حول مشاكل وقضايا اجتماعية وثقافية تقف امام الانسان الروسي، اما مؤلفاته الادبية فانها تحتوي على صور فنية قد لا تصل فحواها الى القارئ بشكل محدد و دقيق كما في رسائله، او انه اراد ان يقول كلمة جديدة للقارئ . لكن مؤلفات غوغول الادبية – من جانب آخر - لازالت حيّة وتتفاعل بقوة في اوساط المجتمع الروسي والمجتمعات العديدة الاخرى في العالم بما فيها مجتمعاتنا العربية، ولو كانت ضرورة هذه المؤلفات أقل للانسان من رسائله (كما يقول غوغول في تلك المقدمة)، لما حدث ذلك التفاعل الانساني الشامل معها، وهنا يكمن التنافر او حتى يمكن القول – التناقض بين الواقع الموجود لحد الان وبين آراء غوغول، الذي ابدع هو نفسه تلك النتاجات الفنية، وهو نفسه الذي كتب تلك الرسائل ايضا، ولهذا أشرنا في بداية هذه المقالة، الى ان بقايا ردود الفعل على هذا الكتاب لا زالت موجودة الى حد الان.

يستمر غوغول في مقدمته تلك بتبرير تأليفه لهذا الكتاب، ويقول، انه قرر السفر الى الديار المقدسة (اي القدس في فلسطين) بعد الشفاء من مرضه، وذلك لأن هذه الزيارة (ضرورية لروحه)، ولكنه يشعر (ان حياته معلقة بشعرة واحدة)، وانه يمكن ان يحدث كل شئ في هذه الرحلة، ويقصد طبعا الموت (كان هاجس الموت يسيطر عليه اثناء تلك الازمة الروحية)، ولهذا يكتب غوغول قائلا - (اردت ان ابقي لمواطنيّ شيئا ما من كياني عند الفراق . لقد اخترت بنفسي من رسائلي الاخيرة، التي استطعت ان استلمها مرجعا، كل ما له علاقة بالقضايا التي تشغل المجتمع الآن، وسأضيف مقالتين او ثلاث مقالات ادبية، واخيرا وصيتي، في حالة وفاتي في الطريق .)، ثم يضيف غوغول: (.. وقلبي يقول ان هذا الكتاب مهم ويمكن ان يكون مفيدا ..) .

 نعم يا غوغول، قلب الفنان يقول له الحقيقة، فكتابك هذا مهم فعلا ومفيد فعلا، ولكن نتاجاتك الفنية الاخرى مهمة ومفيدة ورائعة ايضا يا نيقولاي فاسيليفتش، ولهذا فان روسيا لا زالت (تتغنى!) بها، وليس روسيا فقط، وانما شعوب العالم ايضا، بما فيهم طلبة قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد، يا نيقولاي فاسيليفتش، الذين كانوا يقهقهون عندما يقرأون قصة (الانف)، او عندما يؤدون ادوارهم في مسرحية (المفتش) على (خشبة!) مسرحهم الطلابي الجميل.

 

أ. د. ضياء نافع