أقلام حرة

المناهج التعليمية طبعات متجددة، وأخطاء مستمرة

bakeer aliraqiبينما يعاني أولياء الأمور من البحث الدؤوب عن الكتب المدرسية، في بداية العام الدراسي الجديد، لم يخطر ببال أحد أن يرى محرقة إحدى المدارس مملوءة بالكتب الجديدة، وغير المستخدمة، فطبعتها الحديثة "2016" لم تشفع لها في تغيير وجهتها من المطبعة إلى المحرقة....!

انتشر فيديو قبل عام تقريبا في محافظة البصرة، يظهر أكداسا كبيرة من الكتب الحديثة، تملأ مساحة واسعة من الخلاء، تبين فيما بعد أنها طبعات قديمة، وقد يخطر ببالكم، انتماؤها لطبعات النظام السابق، لكن الحقيقة أنها طبعت في العام الماضي.

السؤال الساذج قد يأتي من ولي أمر طالب بسيط، لماذا هذا الكم الهائل من هذه الكتب التالفة؟ ولماذا هناك أزمة كتب في بداية كل عام دراسي؟

قبل يومين تقريبا حصلت على نسخة من جدول تصويبات كتاب الرياضيات للصف الثاني المتوسط طبعة 2017، توقفت عند الصفحة السابعة منه، فوجدت حل المسئلة الثانية خطأ في الإشارة والثالثة خطأ في مضمون المسألة والنتيجة معا، عدت إلى جدول التصويبات، فلم أجد أيا من هذه الأخطاء، والسبب كثرة الأخطاء في الكتب المنهجية، بحيث "تاهت" على المصححين.

هذه الأخطاء تكاد تكون معدومة سابقا، ففي أحد الأيام الجميلة من زمن دولة "الديكتاتور" البغيضة، أتذكر أن معلمي للصف الأول الابتدائي الأستاذ على سلمان زبيري "حفظه الله"، كان مشغولا جدا مع بقبة المعلمين، ومنهم الأستاذ عبد الحسين "من أهل الحلة"، وأخذت مناقشاته من درسنا وقتا طويلا، ونحن متحمسون نرقب النتيجة، كان موضوعهم كيف تقرأ كلمة "دب"؟

ذلك الموقف ووجوه المعلمين المنشغلة بتصحيح الخطأ، لم ينس أبدا، خاصة إذا امتزجت معه رائحة البردي والقصب والسقوف المستوية من الداخل، المصقولة من الخارج لصفوف مدرستنا "مدرسة الثقة الابتدائية"، والممسوكة معا بأعمدة حديدية خضراء، تحاكي الطبيعة الريفية الجميلة.

 لكن تلك الذكريات اللذيذة سقطت اليوم في وادي فساد الديمقراطية، فحينما نرى في عام 2017 مدرسة طينية متهالكة صفوفها محدودبة، كأنها ظهر حمار كبير السن أنهكته الأثقال، تهون علينا مصيبة المنهج.

سألت احد الأساتذة عن موضوع المناهج فقال: لا تدمي قلبي، فالأخطاء كثيرة جدا بعدد الكتب التي تطبع سنويا، والتغيير فيها لا يعدو كونه تقديم وتأخير في أغلب الأحيان، فلا قوانين علمية جديدة أكتشف، ولا نظريات حديثة وضعت، والتغيير في المنهج لغرض تغيير الغلاف والطباعة المستمرة، فقط هناك حجة بأننا ضمن قوانين منظمة "اليونسكو" التي تتطلب التغيير المستمر، وأولادنا في نهاية المطاف هم الضحية، ومصير بلدنا المزيد من التخلف عن ركب الأمم.

قبل أيام شاهدت خبرا على شاشة العراقية يطلب فيه مجلس الوزراء من وزارة التربية طبع المناهج التعليمية ويأمر بصرف 50% من تكاليف الطباعة، ولا أدري هل طباعة كتب هذا العام أم العام القادم، أم أن الطباعة لغرض إستمرار الحرق في الأموال والكتب معا؟

التعليم ازداد سوءا بعد أن صار الطالب يبحث عن كتاب المنهج في المكتبات الأهلية، فيجده بكل سهولة لكن بمبلغ كبير، بينما في مدرسته لا يوجد إلا الطبعات القديمة، فهل هذا الأمر جاء بمحض الصدفة أم أن هناك "مافيات" رتبت الأحداث بهذه الطريقة؟ بحيث تتأخر الكتب عن المدارس أو تختفي أو لا تأتي أساسا، ثم يجدها الطالب بكثرة في المكتبات والمدارس الأهلية، ولماذا يمر هذا الأمر  بكل يسر وسهولة أمام أنظار الحكومة والبرلمان والنزاهة والمدعي العام؟

يبدو أن عملية حرق الكتب الجديدة ومليارات الدنانير ستستمر، وهي لا تخلو من عملية غسيل مالي، فالأموال تحرق من خزينة الدولة لتصب في الجيوب، والطبعات تتجدد سنويا لغرض التغيير، ومع الطبع والحرق ستستمر الأخطاء، أما أولياء الأمور وأبنائهم فمالهم إلا الدعاء بالويل والثبور على ذلك الفاعل المستور. 

 

باقر العراقي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4059 المصادف: 2017-10-16 03:21:55