المثقف - أقلام حرة

تـرامـب والـعـرب واللــعـــب عـلـي الــحـبـال

hasan zayedاللعب علي الحبال، هي لعبة من ألاعيب السيرك، تقتضي شد الحبال بين  ثابتين، متباعدين، ومساحة فراغ تفصل ما بين الحبال المشدودة  وأرض المسرح . وفي هذه اللعبة يصعد اللاعب إلي مستوي الحبال، ثم يبدأ في إظهار مهاراته وقدراته، أمام جمهور المتفرجين، فينال التصفيق والإستحسان علي قدر إجادته اللعب من عدمه، في المشي علي الحبال، والركض عليها، والتقافز فوقها، وتركها في الهواء، والعودة إلي الإمساك بها، والرقص عليها، والنوم عليها في أوضاع مختلفة، وغير ذلك من الحركات، التي تكاد من خطورتها توقف القلوب عن الخفقان .

وبالقطع فإن هذه اللعبة علي خطورتها علي حياة وسلامة اللاعب، تتطلب تدريباً شاقاً ومكثفاً، علي قدر من الحرفية والمهنية، يكون من نتاجه تخريج لاعب بمواصفات احترافية، يكتسب القدرة علي انتزاع الآهات من بين الضلوع . ومع هذا المستوي من الإحترافية، فإن مخاطر اللعبة غير مأمونة، الأمر الذي اضطرت معه  إدارات المسارح التي تقدم هذا النوع من الألعاب، إلي ربط اللاعب بحزام أمان، يتدلي من السقف، علي نحو يسمح بحرية الحركة، وفي نفس الوقت يؤمن اللاعب من السقطات اللإرادية المحتملة، وقد تمثل درجة أو أخري من درجات المخاطرة غير المأمونة .

وإن صحت هذه القواعد والأسس بالنسبة للعبة، فإنها تصح بالضرورة بالنسبة لمجالات الجد، بل وتكون لمجالات الجد من باب أولي . فإن استدعينا مجال العمل السياسي، إلي المشهد المسرحي في ألعاب السيرك، لوجدنا أنه يتطلب نفس القواعد والأسس والإحتياطات التي تحكم اللعبة، وإلا ترتب عليه ما يترتب علي ألعاب السيرك من كوارث . ولذا لابد من أحزمة آمان تقي السياسي ـ كما تقي اللاعب ـ من السقطات اللإرادية المحتملة، التي قد تمثل درجة من درجات المخاطرة غير المأمونة، مهما بلغت درجة احترافيته .

والرئيس الأمريكي ترامب لا تنطبق عليه مواصفات لاعب السيرك، إذ أنه لا يعدو كونه أحد المتفرجين، الذين استهوتهم اللعبة، فصعد فجأة إلي خشبة المسرح، وارتقي السلالم، وألقي بنفسه علي الحبال المشدودة، متعلقاً بها، أو زاحفاً عليها، ومع كل حركة ينتزع آهات الفزع والإرعاب، وهو يظنها آهات الإعجاب والدهشة والإنبهار . فهو أول رئيس أمريكي ـ إن لم يكن أول رئيس علي الإطلاق ـ يأتي إلي سدة الحكم، وهو غير مرغوب فيه، من شعبه . وقد جوبه يوم اعلان فوزه، بموجة عارمة من السخط والإحتجاج، والنزول إلي الشوارع تظاهراً ضده، واعتراضاً عليه، هذا بخلاف الأصداء الدولية، باعتبار المكانة الدولية لبلاده، والخطورة التي ينطوي عليها انتخابه .

وقد استبشر بعض العرب خيراً بقدومه ـ وأنا منهم ـ لا باعتبار قدراته، ولا بالتغيرات الدراماتيكية التي يمكن أن يحدثها بإطلالته المتغطرسة، وإنما لاعتبار وحيد، وهو الخلاص من فترة حكم الحزب الديمقراطي، برؤسائه المتعاقبين عليه في السنوات الأخيرة، وإصرارهم علي استكمال مخططات تفتيت المنطقة . واستبداله بالحزب الجمهوري رغم انيحازه تاريخياً، إلي اليهود ودولة إسرائيل.

إذن فهو بطة عرجاء في السياسة الأمريكية من أول يوم، نظراً لشعبيته المتدنية من ناحية، والبدء في تآكل شعبيته فيما بين ناخبيه من ناحية أخري . نظراً لتخبط سياساته الداخلية، وعجزه عن الإلتزام بوعوده الإنتخابية، بل واتخاذ إجراءات وقرارات عكسية بشأنها . وعلي المستوي الدولي تبخرت مواقفه من الإتحاد الأوروبي، ومواقفه من قضايا الإرهاب، والدول الراعية له، وموقفه من إيران .

والسيد ترامب يواجه بتآكل في شعبيته في قاعدته الإنتخابية، وأغلبيتها من المسيحيين الإنجليين، الذين يؤمنون بعقيدة توقف عودة السيد المسيح، علي بناء هيكل سليمان، وقيام مملكة إسرائيل . وهو في نفس الوقت يواجه بانتخابات التجديد النصفي لمجلس الشيوخ منتصف العام القادم، فلو صدق علي قانون اعتبار القدس عاصمة لدولة إسرائيل، لحاز أصوات قاعدته الإنتخابية، ولأنقذ ما يمكن إنقاذه، من الخسارة المتوقعة له في مجلس الشيوخ . لأنه يدرك أن خسارته تلك، ستقدمه لقمة سائغة، يلوكها بسهولة ويسر، من يرغب في ذلك، خلال الفترة المتبقية له، في عالم السياسة .

ولديه شعب برجماتي لا تشغله شئون العالم، وإنما ينشغل حتي أذنيه بمصالحه الشخصية . وقد لا تستغرق قضايا الصراع العربي / الإسرائيلي من تفكيره، سوي بضع دقائق . ومن ثم فإن قرار مثل قرار القدس، لن ينشغل به أحد . وإن كان له من تأثير، فسيكون إيجابياً لصالح القرار، لأن الصورة الذهنية عن العرب والمسلمين لدي المواطن الأمريكي سلبية وقاتمة .

كما أن العرب والمسلمين، ليس لديهم لاعب سيرك احترافي، وفي ذهن الآخر، مجرد ظاهرة صوتية، تملأ الأرض ضجيجاً وصراخاً، وفقط . دون أن يكون لهم فعل، ولا قدرة علي الفعل، ولا رغبة فيه . إنهم من وجهة نظرالآخر مدفوعين بالغرائز، تبدأ متوترة عنيفة، ثم سرعان ما تخبو جذوتها، وتنطفيء وتموت . ومن ثم فإن العرب مأمونين الجانب، ليس لهم شوكة ولا ظهيراً . مظاهرات هنا، ومظاهرات هناك . إجتماعات هنا، واجتماعات هناك . قرارات شجب وإدانة واستهجان، وتحرك علي منظمات دولية بالمناشدة، وطلب النصرة . بعد ذلك ينام الجميع قرير العين، مرتاح البال والضمير، إلي أنه قد فعل كل ما عليه وزيادة .

كل ذلك في إطار الرفض المطلق للقرار، الذي كان أمام أعيننا لـمدة 22 عاماً، ولم نحرك ساكناً، بخلاف تناول المسكنات الأمريكية، بأن القانون تحت السيطرة . ولم نكلف خاطرنا بمناقشة القانون، والعمل علي الخلاص منه، ولو أنفقنا ما أنفقناه علي تمويل العمليات الإرهابية علي عملية الخلاص، لتخلصنا من أدرانه من جذورها . ويبقي السؤال : هل نملك حل القضية بالمظاهرات؟ . وهل لدينا القدرة علي انتزاعها عسكرياً، سواء كنا متفرقين أو مجتمعين؟ . وهل لدينا القدرة علي تجميع العرب والمسلمين، علي صعيد واحد، لصف القضية؟ . وهل لدينا القدرة علي اكتساب التعاطف الدولي إلي جانبنا؟ . وهل لدينا الفرصة ـ أي فرصة ـ لدفع ترامب إلي التراجع عن قراره ؟ .

ومع ذلك، فما لا يدرك كله، لا يترك كله، والقانون قد اعترف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، إلا أنه لم ينكر علي الفلسطينيين حقهم في اعتبار القدس الموحدة عاصمة لدولة فلسطين، وتصبح بذلك مدينة القدس عاصمة موحدة  للدولتين، كمخرج قانوني وسياسي للمعضلة، يتم التفاوض بشأنه، في إطار حل الدولتين، وذلك كبديل عن حالة التخبط التي نعيش في غياهبها إلي الآن .

 

حــســــــن زايــــــــــد

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4118 المصادف: 2017-12-14 02:30:18