المثقف - أقلام حرة

السترات الصفراء ونعوشنا الحمراء

ميلاد عمر المزوغيلعقود مضت كانت الدول الاستعمارية تنهب خيرات البلدان التي استولت عليها عنوة وبقوة السلاح (افريقيا على وجه الخصوص)، استغلت بشرها في الانتاج بأقل التكاليف بل بالكاد يستطيع البقاء على قيد الحياة (يخدم ببطنه)، بينما ينعم المستعمرون بالخيرات، واستجلب الرعايا لأجل حفر الخنادق وأنفاق القطارات وتهيئة الارض للزراعة واستغل البعض كخدم منازل، عوملوا كأرقاء وفي احسن الاحوال (انتهاء عصر الرق) عوملوا مواطنين من الدرجة الثانية.

في فرنسا صدر عن الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) العام 2008 قانونا يستوجب على جميع سائقي السيارات حمل سترات صفراء مميزة وارتدائها عند خروج السيارة عن الطريق في حالة الطوارئ ليتم مشاهدتها من قبل المارة، لكن الحكومة الفرنسية بفرضها ضرائب على المحروقات أجبرت أصحاب السترات الصفراء على الخروج الى الشوارع والميادين ليشاهدهم العالم (وليس المارة فقط) بأنهم في حالة طوارئ، لم يعودوا قادرين على تلبية متطلبات العيش الكريم، وليضعوا الحكومة الفرنسية في مأزق، فإعلان حالة الطوارئ لم تعد تجدي في بلد تعد ام الثورات، واقتحام حصن الباستيل مرسخ في ذاكرة العالم اجمع فما بالك بساكن الاليزيه، وقوس النصر اصبح محجا للمتظاهرين ولا بد من ايجاد حل مع نقابات العمال.

اوروبا الاستعمارية ومن خلفها امريكا، سعت جاهدة وبكل ما تملك من قوة عسكرية ودهاء سياسي، الى بث الفرقة بين ابناء الوطن الواحد، ليسهل التحكم فينا فكانت مؤامرة سيكس بيكون،  فأصبحنا شيعا وأحزابا يقاتل بعضنا البعض، وقف المستعمرون بالمرصاد لكل محاولات لم شمل الوطن العربي، فكانت الدسائس والاغتيالات لرموز الامة، والإتيان بالعملاء سواء على ظهور دبابات ام على اجنحة طيور الابابيل ام في احشاء حوت (يونس) وقد اوجدوا لهم اليقطين، لينفذوا اجنداتهم الخبيثة وإعادة تفتيت الوطن.

المؤكد ان فرنسا وغيرها من الدول الاستعمارية لن تنجر الى شتاء ساخن او ربيع دموي كما يحصل عندنا، فلا يوجد من يتآمر على البلد (استبعاد نظرية المؤامرة) وان وجد (احتمال جد ضئيل) فالساسة متفطنون لذلك، فديمقراطيتهم تمنعهم من السقوط الى الهاوية، فلن تدمر البنى التحتية ولن تمس الاملاك العامة وسيتم التعويض عن الاملاك الخاصة والتي بالتأكيد ستكون جد بسيطة.

الغرب يحترمون ادمية مواطنيهم، ستراتهم الصفراء لن تعفر بالدماء، بينما ارواحنا لا تساوي عندهم جناح بعوضة، بحجة حماية المدنيين (لدينا) اوغلوا في القتل والتشريد لكافة فئات الشعب من مدنيين وعكسريين رجالا ونساء شيبا وشبابا، فكانت النعوش مخضبة بالدماء الزكية التي اريقت غدرا وظلما، لتروي تراب الوطن ولتنبت شجرة الحرية.اما عن المشردين المفترشين الارض الملتحفين السماء (خيام وأكواخ صفيح) فإنهم لا يزالون ينتظرون العودة الى ديارهم، ولم ترف للغرب اعين، ونشكر لهم تكرمهم علينا ببضع دولارات لسد الرمق، اما عن ايرادات النفط فإنها تذهب الى جيوبهم عبر عملائهم.

خروج المتظاهرين الى الشوارع كان شبه منظم ما ينبئ بان هناك من يدير التحركات بحكمة واقتدار (نقابات العمال)، ما احوجنا الى امثال هؤلاء النقابيون لإدارة تحركات غاضبة في بلداننا العربية، حيث بلغ الفساد مداه ويكاد يؤشر على المفسدين، والعمل على تجنيب الاملاك العامة والخاصة السلب والنهب والدمار، والعمل الجاد والدءوب على اسقاط من يتولون زمام امورنا وأوصلونا الى حالة من اليأس وبالأخص فئة الشباب، فمنهم من قضى نحبه جراء الاقتتال الداخلي لأجل امراء الحرب، ومنهم من اصبحوا مقعدين لا يقوون على شيء، وآخرون ركبوا البحر فرارا بجلودهم، بعضهم وصل الى الشاطئ الاخر ليبدأ حياة جديدة، وآخرون ابت الاقدار إلا ان يدفنوا في التراب الذي خرجوا منه.ليلتحقوا بقوافل الشهداء التي لم تتوقف يوما.

 

ميلاد عمر المزوغي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4474 المصادف: 2018-12-05 01:42:21