محمود محمد عليقد لا أكون مبالغا إن قلت بأنني لست من أنصار وأتباع من يكابرون ويتبرمون على الجهر بالحقيقة وفي وقتها القانوني دون أن تطالهم صافرة اللوم والنقد والعتاب مهما يكن من أمر أو تشتد بهم العواصف العاتية والرياح الهوجاء التي قد تجرفهم في تيارها الواسع البعيد في نقطة اللاعودة، ولأن أستاذ الفلسفة كما اعتقد هو ذلك الكيان المسكون والمخلوط بروح العطاء الخارق، فهو يمثل الرسالة البيضاء المليئة والمتدفقة في كل الجامعات والمحافل الفلسفية أينما كان وحيثما وجد فلولا هذا الأستاذ ما أطلت علينا نسائم وبشائر التفوق في عالم الفلسفة، وما شعرنا بقيمة الرجال العظماء والمفكرين الأفذاذ ، وما تلذذنا بطعم الكلمات والتعليقات الساخرة واللاذعة التي تقطر بها أقلامهم وتلهج بها ألسنتهم وتخطها أناملهم في كبريات المؤتمرات غير عابئين أو مكترثين بما يعترضهم من مصاعب ومشاق.

والدكتور أحمد عبد الحليم عطية واحد من هؤلاء الأساتذة العاشقين للمؤتمرات الفلسفية، فلا يًعقد مؤتمرا فلسفيا في الشرق والغرب إلا ويكون أحمد عبد الحليم أحد المشاركين فيه إما بالحصور أو بألقاء بحث وهذه ميزة تحمد له .

ولمعرفة القارئ الكريم بالدكتور أحمد عبد الحليم عطية نقول عنه بأنه أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة وعضو في عديد من الجمعيات الفلسفية العربية والدولية ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية، وهو مصرى الجنسية من مواليد القاهرة في 11 فبراير 1951، متزوج وله أربعة أبناء، حاصل على ليسانس آداب قسم الفلسفة بتقدير جيد جداً 1973 جامعة القاهرة، ماجستير فلسفة "القيم عند رالف بارتون بيرى" بتقدير ممتاز 1980 كلية الآداب القاهرة ودكتوراه الفلسفة "مفهوما الطبيعة والإنسان عند فيورباخ: دراسة نقدية" 1986، كلية الآداب – جامعة القاهرة.

وقد كتب أحمد عبد الحليم في الكثير من مجالات الفلسفة، وشارك في العديد من الندوات، فاهتم بدراسة علم الجمال، وهو قد حصل على بكالوريوس معهد السينما، وقام بتدريس مادة علم الجمال في قسمي الفلسفة واللغة الإنجليزية، وصدر عن هذه التجربة كتابه "دراسات جمالية"، هذا بالإضافة إلى اهتمامه المكثف بالفكر العربي المعاصر، فكتب عن الأخلاق وعلم الجمال في الفكر العربي، وكتب عن د. عبد الرحمن بدوي، وعن محمد عبد الهادي أبو ريدة ، وتوفيق الطويل وقدم دراسات مستفيضة عن هشام شرابي وعلي أومليل وناصيف نصار وغيرهم. أما عن جهده في تخصصه الدقيق (الأخلاق والقيم والفلسفة المعاصرة) فقد كتب في الأخلاق الإسلامية واليونانية والحديثة والمعاصرة؛ بالإضافة الى الفكر العربي وما بعد الحداثة.

كما يُعد الدكتور أحمد عبد الحليم عطية واحد من أساتذة الفلسفة الكبار في العالم العربي المشهورين بحضور المؤتمرات العلمية، حيث اهتم في مشروعه الفكري بالأخلاق والقيم وعلم الجمال ودرس الفلسفة والسينما واللغات الأجنبية في المحافل الفلسفية، لديه ما يزيد عن 50 كتابُا منشورًا في الفلسفة ما بين ترجمات ومؤلفات؛ تذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: القيم في الواقعية الجديدة عند ر.ب. بيرى، وفلسفة فيورباخ، والأخلاق في الفكر العربى المعاصر، والصوت والصدى: الأصول الاستشراقية في فلسفة بدوى الوجودية، والديكارتية في الفكر العربي المعاصر، والأخلاق الهيجلية: ترجمة كتاب وولش ودراسة، وأصل الدين، ترجمة كتاب فويرباخ: ودراسات في تاريخ العلوم عند العرب، والسعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية، دراسة و"تحقيق"، نظرية القيمة ونصوص أخرى، دراسة ترجمة لايريان، وميتافيزيقا القيم عند دويت باركر، والأخلاق والحياة الأخلاقية عند المسلمين "ترجمة عن دى بور"، ودراسات أخلاقية، ومحاضرات في الفلسفة العربية "إعداد لمحاضرات جلارزا بالجامعة المصرية"، الموسوعات الفلسفية المعاصرة في العربية "قراءة نقدية تحليلية"، وجالينوس بين الفلسفة والعلم، وإعادة تقييم الحديث "العودة إلى القرآن" ترجمة لكتاب قاسم أحمد،  ما بعد الحداثة والأخلاق التطبيقية.. وهلم جرا.

إن كتابات الدكتور أحمد عبد الحليم عطية تنتمي – فيما يرى البعض – إلى نمط الكتابة ما بعد الحداثية: أي الكتابة غير النسقية، وهي كتابة لا تتقيد ببناء محدد أو خط سير معين، وإنما تمضي في كل اّتجاه بحسب الحاجة والضرورة التي تفرضها المناسبات البحثية والقضايا الآنية. فكتابات أحمد عبد الحليم – في معظمها – كانت أبحاث ودراسات قصيرة أتت بهدف المشاركة في الفعاليات البحثية والدوريات المتخصصة، ولعل هذا كان هو السبب في أن أحمد عبد الحليم لم يصرح بكونه يسعى باتجاه إنجاز مشروع فكري ما ، ولكنه صاحب رسالة.

ولذلك لا أنسي تلك المقولة التي قالها عنه الدكتور مراد وهبة حينما قال: إذا أردت أن تعرف الرسالة الفلسفية للأستاذ الدكتور أحمد عبد الحليم عطية فاقرأ المجلدات الثالثة التي أصدرها تحت عنوان "موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين"؛ حيث يكتب فيها كل مفكر رأيه في مفكر آخر. وكانت الغاية من ذلك تعريف الجمهور الفلسفي بالإصدارات الفلسفية هؤلاء المفكرين "الذين يسعون إلى التحديث والنهضة والتقدم ويتوسلون إلى ذلك بأساليب العقل والعلم والنقد، ويهدفون إلى تحقيق حياة مدنية حديثة تليق بالإنسان وتحقق غاياته وآماله وحقيقته.

كذلك قال عنه الدكتور فتحي التريكي: ليس ثمة شك أن الصديق الأستاذ الدكتور أحمد عبد الحليم عطية قد كرس مجهودا متواصلا بالمواقف والمقاربات ّالفكرية في ميادين عديدة داخل تيارات الفلسفة للتعريف ومناهجها.  فالعدد الضخم من الكتب التي ألفها أو التي أشرف عليها وقّدمها أو التي حققها أو أنجزها للطبع تشير بما لا يدعو للشك إلي سعة اطلاعه وإلمامه الشديد بكل ما يجد في الميادين الفلسفية والفكرية. والحقيقة أنه أثري المكتبة العربية بهذه الأعمال الضخمة التي أصبحت مراجع أساسية للبحث والفكر، فقد كان الفكر الفلسفي اليوناني حاضرا في هذه الأعمال كما كانت الفلسفة العربية القديمة ملهمة لبعض أطروحاته. أما الفلسفة الحديثة والمعاصرة غربية كانت أم عربية فهي التي أخذت الجانب الأكبر من تفكيره ونقده الفلسفي. كان إذن أرسطو وأفلاطون من مراجعه المهمة، وكان حضور الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون متواترا هنا وهناك في مجمل أعماله. كما كان ديكارت ولا كانط وفيورباخ بالإضافة إلى هيجل ونيتشه وهيدجر من فلاسفة الغرب الحديث الذين اعتمدهم في فلسفته. كما اهتم صاحبنا بالفكر الفلسفي المعاصر مجسدا في فلاسفة كبار مثل جيل دولوز وميشال فوكو وهابرماس وجون رولز وغيرهم. أما إذا أردنا إثبات المفكرين والفلاسفة العرب الذين اهتم بهم وبأعمالهم أحمد عبد الحليم عطية فستكون القائمة طويلة لا يتسع المجال هنا لفتحها.

ولست في حاجة إلي تناول أفكار الدكتور أحمد عبد الحليم الفلسفية والنقدية في هذا المقال ، فقد قام بهذه المهمة عدد من الزملاء بأبحاثهم التحليلية النقدية في المجالات المختلفة التي أسهم فيها أحمد عبد الحليم بكتاباته ، وسوف يتابع القارئ هذه الأبحاث لكنني سوف أشير إلي أن هذا المقال يأتي ربما متأخرا بعض الشئ عن وقته فأفكار أحمد عبد الحليم وغيره من رواد فكرنا المعاصر جدير بالبحث المنهجي تأكيدا للقيم التي التزموها والقضايا التي طرحوها.

لقد كان الدكتور أحمد عبد الحليم وعي بمهمته ورسالته ودوره في بداية نشاطه الفلسفي، الذي بدأ منذ تخرجه في قسم الفلسفة بجامعة القاهرة عام 1975،وهو تقديم "تاريخ واسع شامل للفكر الفلسفي اليوناني واللاتيني والإسلامي والحديث والمعاصر". وقد رأى أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا من خلال وسائل ثلاث متاحة أمام الباحث الجاد وهي: الترجمة الأمينة للكتب الأساسية في اللغات المختلفة التي تتناول الفلسفة اليونانية والإسلامية والحديثة والمعاصرة، وتحقيق المصادر الأصلية في فروع الفلسفة؛ بالإضافة لتقديم الدارسات مبتكرة تحيي الجوانب الهامة في هذه الفلسفة وهي عنده الجوانب الفلسفية والدينية والعلمية والفنية التي اهتم بها كثيرا وتابعها طوال حياته.

ويهمنا هنا أن نشير إلي بعض الملامح الأساسية في كتابة الدكتور أحمد عبد الحليم الفلسفية التي تعطي بعض المؤشرات في تفكيره موقفه الفلسفي العام ، وأول هذه الملامح هو فهمه للفلسفة من أنه يجعل منها فاعلية دائمة تجاه الواقع والتاريخ والإنسان وهذه الملامح هي: التفاؤل بالغ والإنسان والتاريخ والحوار البشري ، فالحوار هو ارتفاع بالحديث البشري إلي مستوي الخلاف الفكري بحثا عن الحقيقة، والخلاف الفكري لا يعني بالضرورة التشاجر ولا يعني البغضاء أو العداء ، والحوار البشري هو محاولة للارتفاع بالتنوع والاختلاف إلي إطار مشترك من الوحدة وهو ضبط لإيقاع الحركة والنشاط الواقعي ، وتجمع وبلورة للخبرات الحية وهو فرز اما هو صحيح سديد عما هو فاسد معوج ، إنه جوهر أسلحة الإنسان للوصول إلي الحقيقة ، حقيقته ، وحقيقة الوجود من حوله . وأخيرا النقد ؛ والنقد هنا ليس بالمعني الأدبي ولكنه النقد الفلسفي الكانطي ؛ وكأن لسان حالة حال الدكتور أحمد مستجير الذي عرف نفسه قائلا "أنا في الحق موزع بين شاطئين كلاهما خصب وثري، أجلس على شاطئ وأستعذب التأمل في الآخر.. وأعرف أن الفن أنا، والعلم نحن، ذبت في الـ نحن وأحن إلى الأنا، وأعرف أن الفن هو القلق وأن العلم هو الطمأنينة؛ فأنا مطمئن أرنو إلى القلق".

وأخيراً إذا أردت عزيزي القارئ أن تتعرف علي بعض جوانب وقدرة ومهارة الدكتور أحمد عبد الحليم في النقد والتحليل، وإذا أردت أن تتعرف علي براعته الفلسفية وطريقته الفريدة في البحث وراء معاني التصورات والمفاهيم في بحر الفلسفة العميق المترامي الأطراف، فعليك بقراءة كتبه علها تفتح شهيتك لقراءة المزيد من كتاباته وتستحثك للخوض بنفسك في بحار الحكمة ومحيطات المعرفة.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ الدكتور أحمد عبد الحليم لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للأستاذ الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

معراج احمد الندويمحمد اقبال الذي طبق صيته في الآفاق وتجاوز شهرته حدود الزمان والمكان، ولم يمض وقت طويل حتى رسخت مكانته كأحد أكبر المفكرين في العالم الإسلامي. واليوم لا يوجد مثقف عربي من لا يعرف اقبال وإسهامه في إثراء الفكر الإسلامي.

استخدم هذا الشاعر الإسلامي عبقريته الشعرية ومواهبه الأدبية في نشر عقيدته وشعوره ودعوته. لقد اقبل على دعوة الشعوب الإسلامية إلى الاتحاد وتكوين رابطة لها تكون قيمها ومبادئها بمثابة النور الذي يهدي العالم إلى الحق والخير والجمال والقوة والحرية والإخاء. ولقد قدم إقبال للإسلام خير ما في الحضارة الحديثة من أفكارعلمية وفلسفية. لقد خصص اقبال قصيدة من أبدع قصائده للحدث مع الأمة العربية ليسجل فيها فضلها وسبقها في حمل الرسالة الإسلامية والأخذ بيد الإنسانية وافتتاحها لتاريج جديدووفجرسعيد.

إن شعر اقبال يعبر عن هموم الأمة العربية والإسلامية وآلام الإنسانية في حياتها الفردية والجماعية، ويقدم لأدوائها دوائا ويهدي إلى طريقة لهم حقيقة الحياة. وكانت أفكاره عصارة علوم الشرق والغرب، وهب حياته للمسلمين وللإنسانية، فاتخذ الشعر وسيلة لها، لأنه رأى أن الشعر أكثر نفوذا وتأثيرا.

إن أعظم ما حملنا على الإعجاب بشعر اقبال هو الطموح والحب والإيمان، وهي تندفع اندفاعا قويا إلى كل أدب ورسالة يبعثان الطموح، وسمو النفس وبعد النظر، والحرص على سيادة الإسلام، وتسخير هذا الكون لصالحه، والسيطرة على النفس والآفاق، ويغذيان الحب والعاطفة، ويبعثان الإيمان بالله، والإيمان برسوله نبينا الكريم وبعبقرية سيرته وخلود رسالته، وعموم إمامته للأجيال البشرية كلها. إنه كان صاحب فكرة واضحة وعقيدة راسخة عن خلود الرسالة المحمدية وعمومها، وعن خلود هذه الأمة العربية وصلاحيتها للبقاء والازدهار.

ذكر إقبال الأمة الإسلامية وآلامها وآمالها، وهوغارق في حزن عميق وألم شديد بما رأى أحوال المسلمين المؤلمة، فيقول في بلاغة الشاع روصدق الرائد وهو يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم: إن هذه الأمة الإسلامية البائسة التي لا تزال فيها بقية من شمم وإباء، وأنفة الملوك وعزة الآباء، لقد فقدت مع مرور الزمن يا رسول الله! لوعة القلب واكسير الحب، إن قلبها حزينة منكسرة ، ولكنها لا تعرف سر ذلك.

ماذا أحدث بها يا رسول الله؟ فلطف الله بهذه الأمة المنكوبة الهاوية منقمة المجد العالية، أنه لا يزال الزمان يعاديه ولا يزال ركبها تائها في الصحراء، بعيدا غايتها ومنزلتها. حسبك من هذه الأمة، وما يسود فيها من الفوضى والاضطراب أنها تعيش من غير إمام، إن غمده فراغ ككيسه، فهو أعزل فقير، إن الكتاب الذي فتح به العالم وضعت هذه الأمة في بيتها تراكمت عليه الأتربة ونسج عليه العنكبوت.

إن هذه الأمة العربية تحمل القلوب، ولا تعرف المحبوب.إنها تملك مادة الحب ولكنها لا تعرف من تشغلونها به وتوجههونها  إليه، فقلوبها تائهة وعقولها مضطربة، وجهودها ضائعة وعملها ضعيف، أصحبت حياتها لا لذة فيها ولا سرور، لا أمل فيها ولا شعور، وهي حياة من رق القلب وحرم الحب، ولا شك أن الحب هو خير حاجزللقلب، وخيرحارس له. إن الحب هومصدر الشعر الرقيق، والعلم العميق، والحكمة الرائعة، والمعاني البديعة والبطولة الفائقة والشخصية الفذة والعبقرية النادرة، إليه يرجع الفضل في غالب عجائب الإنسانية، ومعظم الآثار الخالدة في التاريخ.

رأى إقبال أن الإسلام هو الرسالة الأخيرة المختارة، الرسالة الوحيدة التي تستطيع أن تجدف سفينة الحياة، الإسلام هوالذي يستطيع أن ينقذ العالم من براثن الجاهلية والوثنية، وعبادة الإنسان وعبادة الأوثان، وعبادة الشهوات وعبادة البطون والمعدات، إنه كان قوي الأعجاب بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وبمكانته، كالمنير للسبل، وخاتم الرسل، ومقتدى الجميع، إماما الكل الذي رفع من قيمة غبار الأرض فجعله إثمدا للعيون وصيقلا للقلوب.

رأى إقبال أن من أهم أسباب التخلف للأمة الإسلامية والعربية هو الابتعاد عن الإسلام ورسالته الخالدة وإخلادهم إلى المادة وزخارفها الخلاية، بالرغم أن لهذه الأمة العربية لها تاريخ مشرق، لقد أدت دورا فعالا في بناء الحياة الإنسانية المثالية وفي إحلال السلام والأمن في العالم كله. إن هذه الأمة قد اتخذت القرآن مهجورا، وأنها فتنت بالمال وشغفت بجمعه وادخاره كغيرها من الأمم والشعوب. وأن علماء الإسلام وشيوخه ليست عندهم تلك اليد البيضاء التي تشرق لها الظلمات ويضييء لها العالم.

يقول إقبال وهو يخاطب الأمة العربية: أسفا على الجمود والخمود يا عمار البادية، كنتم أمة واحدة ،فصرتم اليوم أمما، كنتم حزبا واحدا، فأصبحتم أحزابا، يا رجل البادية، يا سيد الصحراء، عد إلى قوتك وعزمك، وامتلك ناصية الأيام، وخذ عنان التاريخ، وقد قافلة البشر نحو الغاية المثلى،... لن تسعكم الصحراء والفيافي ، فاضربوا خيمتكم في وجودكم الذي يسع الآفاق، كونوا أسرع من العاصفة وأقوى من السيل حتى تسرع ركائبكم في مضمار الحياة وتسبق الريح، يقول أخيرا: معذرة يا عظماء العرب، لقدأراد هذا الهندي أن يقول كلمة صريحة، فلا تقولوا أيها الكرام:هندي ونصيحة للعرب، إنكم كنتم أيها السادة أسبق الأمم إلى معرفة حقيقة الدين، وأنه لا يتم الاتصال بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا بانقطاعكم عن أبي لهب، ولا يصح الإيمان بالله إلا بالكفر بالطاغوت، إن العالم العربي أيها السادة لا يتكون بالثغور والحدود فقط، وإنما يقوم على هذا الدين الإسلامي وعلى الصلة بمحمد صلى الله عليه وسلم.

لقد ادرك إقبال قيمة هذا الظمأ الحنان فوجه الأنظار إليه حين قال في قصيدة له: أنزل أيها المسلم إلى أعماق نفسك وادخل في قرارتك شخصيتك حتى تكشف سر الحياة، انصف نفسه يا هذا، وكن لها وفيا صادقا، إن عالم القلب كله حرارة وسكر وحنان وشوق، أما عالم الجسم فتجاوز وزور واحتيال، ثروة القلب لا تفارق صاحبها، أما ثروة الجسم فظل زائل ونعيم راحل، إن عالم القلب، لم أر فيه سلطة الأفرنج ولا اختلاف الطبقات.

رأى اقبال ان الأمة العربية تحمل رسالة خالدة وتحتضن أمانة خالدة، وتعيش لغاية خالدة، أن الأمة العربية الإسلامية هي مصدر الانقلاب الصالح في التاريخ ومطلع فجرالسعادة في العالم، إنها لم تزل ولا تزال رائدة الانقلاب ورسول الحياة. إذا نادت الآفاق بأذانها، أشرق العالم واستيقظ الكون. الأمة العربية الإسلامية هي كالشمس إذا غربت في جهة طلعت في جهة أخرى، فلا تزال طالعة.

رأى إقبال أن مستقبل الأمة العربية منوط بالإسلام ويلزم على المسلمين الاتحاد والوئام فيما بينهم على هذه الأرض، وإن سبيلهم الوحيد إلى الاتحاد والترقي والمجد،إنما هي العودة إلى تطبيق تعاليم الإسلام قولا وفعلا وعقيدة. هذه هي رسالته إلى الأمة العربية، وهي رسالة إلى الحياة والقوة والأمل والعمل، وهي رسالة تدعو إلى نبذ اليأس والمخاوف والخنوع، وهي رسالة تعيد المجد الماضي المشرق في حياة الأمة العربية.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

ضياء نافعنتحدث في هذه الحلقة عن اثنين من العراقيين في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو . كلاهما ترك الدراسة فيها . اتوقف اولا عند اسم طالب الدراسات العليا المرحوم سليم غاوي عبد الجبار، الذي كان يحمل شهادة البكالوريوس من دار المعلمين العالية في اللغة العربية وآدابها . كان انسانا هادئا ومتواضعا وخلوقا، الا انه كان منعزلا بعض الشئ، وارتبط اسمه بيننا (نحن الطلبة العراقيين) باسم الناقد الروسي بيساريف، والذي كان سليم غاوي يخطط ان يكتب عنه اطروحته وكان يتحدث عن هذا الناقد الروسي دائما، لدرجة، ان بعض الطلبة كانوا يطلقون عليه اسم بيساريف في احاديثهم الضاحكة الخاصة جدا في اوساطهم، ولم يكن سليم يعرف بذلك طبعا. لم يتميّز سليم غاوي بمعرفته العميقة للغة الروسية، هذه المعرفة الضرورية جدا – بلا شك - لدراسة النقد الادبي الروسي وكتابة اطروحة دكتوراة حول واحد من اعلامه الكبار مثل دميتري ايفانوفيتش بيساريف (1840 -1868)، ولا اعرف سبب تركه الدراسة لاحقا، ولكني اظن، ان احدى هذه الاسباب حتما تكمن في انه فهم تلك الحقيقة العلمية والبسيطة في آن . ان الكتابة عن بيساريف (رغم ان هذا الناقد عاش 27 سنة فقط) تتطلب معرفة معمقة لمفاهيمه وآرائه حول بوشكين وليرمنتوف وغوغول وتورغينيف ودستويفسكي، ومعرفة معمقة لمسيرة النقد الادبي الروسي واعلامه من بيلينسكي وتشرنيشيفسكي ودبرالوبوف، وكل ذلك يتطلب طبعا معرفة معمقة باللغة الروسية، ويتطلب سنوات طويلة من الدراسة تكاد تصل – بالنسبة للاجنبي - الى ضعف المدة القانونية المحددة للدراسة . ولكن مع ذلك، يجب القول هنا، ان اختيار سليم غاوي لهذ الموضوع المهم والمتميّز في تاريخ النقد الادبي الروسي يعني ان غاوي كان يعرف بعض اوليات الموضوع، ويعني ايضا انه قرار شجاع وطموح جدا، ولكنه قرار غير واقعي، ولا يتناسب مع شخص اجنبي متخصص في اللغة العربية وآدابها ويريد ان يكتب اطروحة دكتوراة في النقد الادبي الروسي في جامعة موسكو .

حاولت ان ابحث عن معلومات اخرى حول سليم غاوي وانا اكتب هذه السطور عنه بعد اكثر من نصف قرن من آخر لقاء لي معه في جامعة موسكو آنذاك، ووجدت مقالة نقدية له نشرها في مجلة (الرسالة) الشهيرة عام 1952 بعنوان – (القيم الفنية للشعر المنطلق)، وما اجمل هذا العنوان وما أعمقه، اذ انه يحمل مصطلحات مبتكرة واصيلة حتى بالنسبة للقارئ المعاصر، ووجدت ايضا اشارة جميلة في مذكرات عبد الرزاق عبد الواحد حول سليم غاوي (الذي كان يدرس معه في قسم اللغة العربية في دار المعلمين العالية)، ويقول عبد الرزاق عبد الواحد  عنه – (كان لي ابن عم  اسمه سليم غاوي عبد الجبار ..كان معنا في القسم  ...انه مشروع ناقد يلفت النظر، لولا ان تشعبت به سبل الحياة..)، ويتحدث عبد الواحد في مذكراته تلك عن دراسة نقدية عميقة كتبها سليم غاوي عن شعر عبد الوهاب البياتي وألقاها امامه في (البرازيلية)، المقهى البغدادية الشهيرة في شارع الرشيد، وكل ذلك حدث في العراق الملكي قبل ثورة 14 تموز 1958 طبعا.

الاسم الثاني، الذي يستحق ان اتوقف عنده وبكل جدارة هو د. سعد الجادر، الاخ الاصغر للفنان التشكيلي العراقي الكبير المرحوم د. خالد الجادر، والذي يرتبط اسمه في تاريخ العراق المعاصر بتأسيس اكاديمية الفنون الجميلة وكان اول عميد لها، وأخ الآثاري العراقي المرحوم  د. وليد الجادر، الاستاذ في قسم الآثار بكلية الاداب في جامعة بغداد، والذي يرتبط اسمه باكتشافات آثارية عالمية مهمة في  تاريخ حضارات  وادي الرافدين، وابرزها طبعا مكتبة سوبار (انظر مقالتنا بعنوان – وليد الجادر ..عشرون عاما بعد الرحيل). سعد الجادر هو الابن البار لهذه العائلة العراقية  العريقة في دنيا الثقافة العراقية المعاصرة . كان طالبا متميّزا جدا في الصف الاول في كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو، وكان واحدا من ألمع العراقيين معرفة باللغة الروسية، ومتابعا دقيقا للحياة الثقافية الروسية حوله آنذاك . انتقل سعد للدراسة في معهد الهندسة المعمارية عندما دعت الملحقية الثقافية طلبة الدراسات الانسانية الى تبديل اختصاصاتهم (انظر الحلقة رقم 8 من هذه السلسلة)، وانهى الدراسة الاولية  ثم الدراسة العليا في هذا المعهد وبشكل متميز، وعمل في عدة دول باختصاصه الهندسي المعماري هذا، وأخذ يجمع التحف الفضيّة في تلك البلدان التي عمل فيها، وهكذا استطاع ان يجمع كمية هائلة منها، مستخدما كل طاقته وامواله، وتحولت هذه الهواية الفنية الى هدف حياتي له، وقام بتنظيم عدة معارض كبيرة في بلدان مختلفة لتلك التحف الفضية، وأثارت تلك المعارض ردود فعل عالمية، ثم أصدر كتابا ضخما باللغة الانكليزية عن هذه التحف الفضية الرائعة، ويضم هذا الكتاب صورا تفصيلية وتعليقات وشروحات عن تلك التحف . اعلن د. سعد تبرعه بكل هذه التحف الى المتحف العراقي في بغداد لعرضها الدائم في قاعة تحمل اسم الجادر، ووضع كل هذه الثروة الفنية الهائلة في بنك بالمانيا، ونشر وصيّة في موقع (ايلاف) يعلن فيها ذلك . لقد قرأت تلك الوصيّة وانا اكاد أبكي، وقلت بيني وبين نفسي لماذا لا تتبنى جمعية الفنانين العراقيين مثلا (او اي جهة عراقية اخرى ذات علاقة بالموضوع) هذا المقترح العملاق وتسعى الى تنفيذه ؟ ...   

 

أ.د. ضياء نافع

 

ضياء نافعنتوقف في هذه الحلقة عند كليّة الفيلولوجيا في جامعة موسكو. كنّا نسميها آنذاك (كليّة الاداب) انسجاما مع تسميات الكليّات السائدة في العراق وعالمنا العربي، ولكنها كانت تختلف عنها بشكل جذري . كليّة الاداب في العراق (عندما عملت فيها تدريسيّا منذ 1973 الى 1987 حيث انتقلنا للعمل في كليّة اللغات) هي واقعيا جامعة الدراسات الانسانية، ففيها اقسام اللغة العربية واللغات الاوربية (تحول الى قسم  اللغة الانكليزية بعد تأسيس كلية اللغات) والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والآثار والدراسات الشرقية (انتقل الى كلية اللغات) والفلسفة واللغة الكردية (انتقل الى كلية التربية) والصحافة (تحول الى كلية الاعلام)، وربما نسيت بعض الاختصاصات الاخرى في كليّة الاداب بجامعة بغداد، اما كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو فكانت تقتصر على دراسة اللغات وآدابها فقط، وكلنا (نحن العراقيين) كنّا في القسم الروسي، وهذه هي التسمية الرسمية لهذا القسم (وليس قسم اللغة الروسية كما هو متبع في العراق)، والقسم الروسي هذا واسع جدا، ويكاد ان يشكّل كليّة باكملها بالمفهوم العراقي، ففيه عدة فروع مستقلة بعضها عن البعض، وفي كل فرع توجد ادارة فيها رئيس ومقرر وسكرتارية متكاملة من عدة موظفين، وتوجد طبعا مجموعة من التدريسيين المتخصصين واعداد كبيرة من طلبة الدراسات الاولية والعليا وكافة المستلزمات العلمية الضرورية من المصادر والمكتبة والنشر ...الخ .  يوجد في القسم الروسي هذا - فرع اللغة الروسية المعاصرة وفرع تاريخ اللغة الروسية وفرع علم اللغة وفرع علم الادب وفرع الفلكلورالروسي وفرع الادب الروسي القديم  وفرع تاريخ الادب الروسي للقرن الثامن عشر وفرع تاريخ الادب الروسي للقرن التاسع عشر وفرع تاريخ الادب الروسي للقرن العشرين وفرع تاريخ آداب شعوب الاتحاد السوفيتي، اما بشأن تدريس مادة  الادب الاجنبي لطلبته في الدراسات الاولية (والتي تبدأ منذ الصف الاول وتنتهي في الصف الخامس جنبا لجنب مع مواد التخصص المرتبطة باللغة الروسية وآدابها، وهي مادة ضرورية وليست ثانوية بتاتا) فيجري التنسيق من اجل تدريسها بين القسم الروسي والقسم  المختص بدراسة اللغات الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية وغيرها، والذي يضم ايضا فروعا عديدة اخرى، وباختصار شديد، فان كليّة الفيلولوجيا تختلف جذريا عن بنية كليّة الاداب بالمفهوم والواقع العراقي، ولهذا، اطلق عليها الخريجون العرب مختلف التسميات، منها مثلا، كليّة فقه اللغة، ولكننا نظن، ان الافضل والاصح ان نسمّيها - كليّة اللغات وآدابها، فكلمة (فيلولوجيا) تعني دراسة اللغة وآدابها .

العراقيون في الدراسات الاولية بهذه الكلية (وحسب الابجدية طبعا) هم -  المرحوم ادهام يحيى سليم (اولية وعليا) وسعد الجادر (انتقل الى معهد الهندسة المعمارية) وضياء نافع وعادل الجبوري (اولية  ثم عليا في كلية الصحافة، انظر مقالتنا بعنوان – مع د. عادل الجبوري في موسكو، ومقالتنا بعنوان – المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي) والمرحوم غازي العبادي (انظر مقالتنا بعنوان عراقيون مرّوا بموسكو (12) غازي العبادي،  ومقالتنا بعنوان – حديث مع فيرا، ومقالتنا بعنوان – جولة في القسم الداخلي لجامعة موسكو، ومقالتنا بعنوان – العراقيون في كتاب الادب الروسي والعالم العربي) وفاروق الشيخ وفاضل فرج وماركريت طاويد كانيكانيان (انظر مقالتنا بعنوان – عراقيات درسن في جامعة موسكو) والمرحوم محمد يونس (اولية وعليا ، انظر مقالاتنا العديدة جدا عن د. محمد يونس) وناشئة بهجت الكوتاني (اولية وعليا، انظر مقالتنا بعنوان – عراقيات درسن في جامعة موسكو، ومقالتنا بعنوان حديث مع فيرا ) والتحق معنا في السنة التالية كل من حسين محمد سعيد (انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مروا بموسكو (18) مرتضى سعيد الحديثي) وماهي قاسم، اما العراقيون في الدراسات العليا فهم – المرحوم جليل كمال الدين (انظر مقالتنا بعنوان – وداعا جليل كمال الدين، العبقري الذي لم يعرف قيمة نفسه) وجميل نصيّف التكريتي (انظر مقالتنا بعنوان – العراقيون في كتاب الادب الروسي والعالم العربي  ومقالتنا بعنوان – تسفيتايفا وبوشكينها) وحسن البياتي (انتقل الى الدراسات الشرقية، انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مرّوا بموسكو (25) د. حسن البياتي، ومقالة د. حسن البياتي نفسه بعنوان –  رسالة الى د. ضياء نافع تعقيبا على مقالته) والمرحومة حياة شرارة (انظر مقالاتنا العديدة جدا عن حياة شرارة) والمرحوم سليم غاوي عبد الجبار(ترك الدراسة) والمرحوم فائق ابو الحب (ترك الدراسة، انظر مقالتنا بعنوان – قبور عراقية في موسكو، وبعنوان - كلمات عربية في اللغة الروسية)

كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو تستحق ان نتوقف عندها في الحلقة القادمة، ليس فقط لأنها كليّتي الحبيبة، وانما لأنها تضم فعلا اسماء عراقيين جديرين ان نتحدث عنهم وعن دورهم بالحياة الثقافية في العراق المعاصر.

 

أ. د. ضياء نافع

 

ضياء نافعالمرحومة ا. د.حياة شرارة كانت بعيدة عن الكاتب الروسي تورغينيف عندما كانت تدرس في جامعة موسكو، اذ انها كتبت اطروحة الدكتوراه عن الكاتب تولستوي، اما المرحوم أ.د. محمد يونس فقد كان يدرس في جامعة موسكو نتاجات تورغينيف، وكتب عنه رسالة تخرجّه، اي رسالة الماجستير . وهكذا اصبحت حياة شرارة – بعد تخرجها – متخصصة بادب تولستوي، واصبح محمد يونس متخصصا بادب تورغينيف. كلاهما عادا الى العراق في الستينيات وهما يحملان هذا التخصص الدقيق في الادب الروسي، وبدأ كلاهما بالعمل في قسم اللغة الروسية بكلية الاداب في جامعة بغداد . محمد عاد قبل حياة، وبدأ يعمل رأسا في القسم المذكور باعتباره قد حصل على (شهادة جامعية اولية أمدها خمس سنوات – هكذا اطلقت عليها وزارة التعليم العالي العراقية تلك التسمية آنذاك كي لا تعادلها بالماجستير)، فلا هي بكالوريوس ولا هي ماجستير، او كما قال عنها احد المسؤولين العراقيين في الوزارة ساخرا مرة – (شبر اعلى من البكالوريوس وشبرين اوطأ من الماجستير!). عاد محمد يونس الى جامعة موسكو مرة اخرى لاكمال دراسته العليا بعد ان فهم، ان وزارة التعليم العراقية لن تعادل هذه الشهادة بالماجستير بأي حال من الاحوال، وحصل فعلا على شهادة الدكتوراه هناك، ولكنه ترك تورغينيف، وكتب اطروحة عن تولستوي . وهكذا اصبح في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد واقعيّا متخصصان في ادب تولستوي هما د. حياة شرارة ود. محمد يونس (انظر مقالتنا بعنوان تولستوي بين حياة شرارة ومحمد يونس). لم ينعكس التخصص الدقيق هذا على طبيعة العمل التدريسي في القسم، اذ كانت التدريسات في هذا القسم كلها تدور في اطار المعلومات الاولية البسيطة ليس الا في اللغة الروسية وآدابها لطالب عراقي يبدأ بدراسة اللغة الروسية من الصفر، بل وان معظم هؤلاء الطلبة كانوا حتى لا يرغبون بدراستها، ولكن بالنسبة للبحث العلمي اللاحق لكليهما انعكس هذا التخصص طبعا بشكل واضح، فقد نشرت حياة شرارة كتابا بعنوان (تولستوي فنانا)، وهي اطروحتها واقعيا، ولكنها لم تستمر بالكتابة عن تولستوي، بل ابتدأت بالانتقال (ان صح التعبير) الى تورغينيف بالتدريج، وهكذا قررت ترجمة اعماله الكاملة الى العربية، واستطاعت ان تترجم وتنشر فعلا عدة نتاجات لتورغينيف هي (مذكرات صياد) و(عش النبلاء) و(رودين) ، وحياة (وليس محمد) التي كتبت الفصل الخاص بتورغينيف في كتاب (مدخل الى تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر)، الذي صدر في بيروت آنذاك (واعادت دار المدى طبعه ثانية في بغداد)، وهو كتاب منهجي باللغة العربية لطلبة قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد حول مادة تاريخ الادب الروسي من تأليف حياة شرارة ومحمد يونس معا، اما محمد، فكتب الفصل الخاص بتولستوي في ذلك الكتاب.

جاء مرّة الى قسمنا الصحافي المعروف الاستاذ ماجد السامرائي، وطلب منّا باسم صاحب المؤسسة العربية للنشر في بيروت (الكيالي) المشاركة بمشروعها الثقافي، وهو نشر سلسلة حول اعلام الفكر العالمي . اختار محمد الكتابة عن تورغينيف وتولستوي معا (اختصاصه الدقيق الاول واختصاصه الدقيق الثاني)، اما حياة، فقد قررت الكتابة عن بيلينسكي، اي انها لم تقرر الكتابة عن تولستوي (اختصاصها الدقيق)، ولا عن تورغينيف، الذي بدأت بالانتقال اليه، وذلك لأن محمد أخذ على عاتقه الكتابة عنه باعتباره اختصاصه الاول آنذاك، وحياة لم تكن تحب المنافسة والدخول بدروبها الضيّقة، اذ انها كانت دائما موسوعية الافآق، وتجد دائما المواضيع الجديدة ضمن اختصاصها العام طبعا، وكانت حتى لا تطيق تدريس نفس المواد كل عام، وانما كانت تحاول تنويع جدولها ولو جزئيّا . ان ثقافة حياة شرارة الواسعة جعلتها هكذا، فقد ترعرت منذ صباها في اجواء ثقافية راقية، اذ انها ابنة الكاتب محمد شرارة، وهي خريجة قسم اللغة الانكليزية قبل ان تسافر الى موسكو، اي انها تحمل شهادة البكالوريوس في اللغة الانكليزية وآدابها، وكانت لغتها الانكليزية ممتازة، وكانت تستخدم هذه اللغة ومصادرها في بحوثها حول الادب الروسي، اما محمد يونس، فانه خريج المدرسة السوفيتية منذ الدراسات الاولية وحتى العليا، ولذلك، فانه يمكن القول، ان محمد يونس هو الابن البار لهذه المدرسة الفكرية، وقد انعكست كل هذه الخصائص لدى حياة شرارة ومحمد يونس على مسيرتهما العلمية اللاحقة، ولا مجال هنا طبعا للكلام التفصيلي عن كل ذلك، اذ يقتضي هذا مقارنة كل نتاجات د. حياة شرارة و د. محمد يونس، وهي عملية ليست بسيطة ابدا في مجال البحث العلمي حول الادب الروسي في العراق (وكم أتمنى ان أعود الى هذا الموضوع يوما ما)، ولكن التزاما بعنوان المقالة هذه نود ان نشير في الختام، الى ان حياة شرارة ساهمت – في نهاية المطاف - بنشر اسم تورغينيف ونتاجاته (والذي هو ليس اختصاصها الدقيق) بشكل اوسع من محمد يونس (الذي هو اختصاصه الدقيق الاول) .

دور حياة شرارة و دور محمد يونس في اطار دراسة الادب الروسي في العراق لازال ينتظر الباحثين العراقيين ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

ضياء نافعنستمر في هذه الحلقة بحديثنا عن الطلبة العراقيين في كلية الاقتصاد بجامعة موسكو في الستينيات. نتوقف عند المرحوم د. عباس الدباغ . كان واحدا من طلبة الدراسات العليا، الذين كانوا يحملون شهادة البكالوريوس العراقية عند وصولهم الى موسكو . كان طالبا جدّيا، وانهى دراسته ضمن الفترة القانونية بنجاح، وعاد الى العراق، وعانى (كما هو حال خريجي الجامعات الروسية بشكل عام) من مشاكل معادلة الشهادة والتعيين، واستطاع – بعد التي واللتيا - ان يعمل في جامعة الموصل لفترة، واضطر اخيرا للسفر الى اليمن للعمل هناك، واختاروه عميدا لاحدى كليات الجامعة التي كان يعمل بها في اليمن، اذ لاحظوا هناك مستواه العلمي الراقي ونضوج شخصيته وجدّيته واخلاصه في العمل، وسمعت، انه وضع في تلك الجامعة  كتابا منهجيا لهم في اختصاصه، ولكني لم اطلع عليه ولا اعرف مضامينه. لقد علّق أحد الزملاء مرة قائلا، ان العراقيين لم يلاحظوا شخصية د. عباس المتميّزة علميا واخلاقيا، لأن مغنية الحي لا تطرب (خصوصا اذا كانت خريّجة الاتحاد السوفيتي)، بينما اكتشفوا في اليمن رأسا تلك الميزات الواضحة بسهولة .  رجع د. عباس الدباغ الى العراق بعد العمل – ولمدة ليست قصيرة -  في اليمن، وساهم مساهمة فعّالة ورائعة في عملية تأسيس الجمعية العراقية لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية والاعداد القانوني لانبثاقها، وتم انتخابه في لجنتها الاولى في الاجتماع العام لخريجي الجامعات الروسية، الذي انعقد في كلية اللغات بجامعة بغداد عام 2004 . توفي المرحوم د. عباس مبكرا في بغداد اثر مرض عضال، ولازالت ذكراه العطرة راسخة في نفوس كل اصدقائه وزملائه . اختتم هذه السطور الوجيزة عنه بذكرياتي في جامعة موسكو معه، اذ كنت غالبا ما اتلاطف معه في جامعة موسكو  واطرح عليه سؤالا واحدا وهو  – من وجهة نظر علم الاقتصاد، لماذا يستلم طالب الدراسات العليا 150 روبلا شهريا، بينما نستلم نحن طلبة الدراسات الاولية 90 روبلا شهريا، وهل هذا يعني ان طالب الدراسات العليا يحتاج ان يأكل أكثر من طالب الدراسات الاولية؟ وكان عباس يضحك من اعماق قلبه عندها، وقد ذكّرني مرة في بغداد بذلك السؤال، وقهقهنا معا، وهو يقول لي، انه لن يجيبني ابدا عن هذا السؤال  من وجهة نظر علم الاقتصاد .

الاسم الثاني الذي اود ان اتوقف عنده هو المرحوم خالد الزبيدي، الذي كان طالبا في كلية الاقتصاد، ولكن الملحق الثقافي محمود شكري استدعانا، نحن طلبة الدراسات الانسانية، واخبرنا بضرورة تبديل اختصاصنا الى دراسات علمية، وان ذلك التبليغ رسمي وصادر من الدولة العراقية، وانه اتفق مع الجانب السوفيتي بشأن تنفيذ هذا النقل . لقد كنّا آنذاك في الصف الثاني، وقد ناقشناه – نحن طلبة كلية الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) -  وقلنا له ان العراق يحتاج الى مترجمين عن اللغة الروسية لتوسّع العلاقات العراقية – السوفيتية في مجالات متنوعة وعديدة جدا، فأجابنا، ان العراق يحتاج الى مترجمين اثنين فقط لا غير من الذين يعرفون اللغة الروسية، وان البقية فائضين عن حاجة العراق، وقد ضحكنا من منطقه الافلج  هذا. يمكن القول ان اكثرية الطلبة رفضت مقترح الملحقية، الا ان بعض زملائنا وافقوا على ذلك، معتبرين انه لا ضير من الانتقال الى الاختصاص الذي يرومون دراسته، وانها  فرصة يجب الاستفادة منها رغم كونها تحمل صفة سياسية واضحة المعالم، اذ انها انعكاس لما كان يجري في العراق اواخر حكم عبد الكريم قاسم .  كان خالد الزبيدي من جملة الطلبة الذين قرروا الانتقال الى كليّات اخرى، رغم انه كان الشخص الثاني في رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي، وهكذا ترك خالد كليّة الاقتصاد و انتقل الى الدراسة في معهد الهندسة المعمارية، اذ وافق الجانب الروسي على ذلك بتنسيق مع الملحقية الثقافية طبعا . وأذكر اني تحدثت معه عندئذ، وقلت له، ان هذا الاختصاص يتطلب موهبة ذاتية في قضايا الرسم والتخطيط المعماري، فقال لي مبتسما، ان المهندس المعماري في العراق يرسم خريطة بناء البيت على (باكيت جكاير تركي او لوكس) (وهي سجائر عراقية كانت موجودة في الخمسينيات ويتذكرها زملائي الشيّاب طبعا) ويعطي الخريطة للمقاول، ويؤكد المهندس فقط على مواقع الابواب والنوافذ . لقد كان المرحوم خالد الزبيدي انسانا مرحا ولطيفا وبسيطا ومجاملا ومحبوبا من الجميع، ولكنه لم يتميّز علميا، ومع انه اكمل دراسته وحصل على شهادة الهندسة المعمارية، وعمل في العراق مهندسا في احدى دوائر الدولة، فانه واقعيّا لم يكن مهندسا معماريا حقيقيا مثل بعض زملائه الذين انهوا دراستهم في هذا المعهد الشهير، ومنهم، مثلا، المعماري العراقي المعروف د. خالد السلطاني، الذي يعدّ الان واحدا من كبار منظريّ الهندسة المعمارية في العراق وأحد اهم مؤرخيّها، واصبحت كتبه وبحوثه مصادر اساسية في المكتبة المعمارية العربية.   

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

بكر السباتينمن هو الزعيم الإسباني الذي طالب بالهوية الأندلسية التراثية وكيف فرض تدريس اللغة العربية والأزياء الأندلسية جنوب البلاد!

ما هي علاقة رقصة الفلامنجو بسقوط الأندلس؟ وأسئلة أخرى..

لا يمكن تهميش التاريخ طويلاً حتى لو عربدت في تفاصيله العقول المجيرة لرواية المنتصر دون اعتبار لدور المهزوم الحضاري ذات يوم في إيقاظ مصابيح النهار، من هنا سيرجم المهزوم بعد السقوط بالتهم التي يتذرع بها الطاغي، لاجتثاثه من الجذور، وستوظف من أجل تحقيق هذه الغاية البرامج التربوية المسيسة، ترسيخاً لرؤية حامل الصولجان حتى في مجال البحث العلمي الموضوعي ولولا القليل من مراكز الأبحاث الحيادية لماتت الرواية التاريخية بتفاصيلها التي تظل تتردد فقط في القلوب المكلومة؛ لتذوب في الموروث الشعبي كمفردات ذات دلالات يمكن التقاطها ذات يوم.. حتى تتحرك الرمال وتتكشف الحقيقة في وضح النهار في عالم منفتح على الفضاء دون قيود ووعي يتغذى دون حدود.

وينبغي في سياق هذه المقدمة أن نتتبع مقولة أن تهميش التاريخ لا ينسجم مع الواقع الذي يقر بعكس ذلك تماماً من خلال ما جرى في إسبانيا الاتحادية أو ما تعرف بشبه الجزيرة الإيبيرية منذ سقوط الأندلس على يد القشتاليين عام 1492، وصولاً إلى يومنا هذا، حيث تقف إسبانيا الإتحادية مضطربة أمام تحدٍّ مستقبلي ورثته من ماضيها السقيم البعيد القريب، ما وضعها في أزمة هوية كبرى، جعلتها عاجزة عن التفاعل المجدي مع القوميات الطرفيّة مثل الأندلوثية والكَتَلونية والباسكيّة وأضعفت من موقف مركز الإتحاد. وهذا ما جرى لإقليم أندلوثيا الذي جرد من هويته الدينية والتراثية بعد سقوط الأندلس قبل 527 عاماً، وإبادة أهلها لتسود الإقليم فوبيا استرجاع الماضي الأندلسي الأليم.. وأغلقت الذاكرة صناديقها على أسوأ ملفات الإبادة البشرية التي شهدها التاريخ.. ولكن المخرجات انتظرت طويلاً في دهاليز الرعب قبل أن تتسلل إلى الحاضر فتنعش الوعي في عقول ورثة الحضارة الأندلسية، المورسكيين المغبونين، وهم يعيشون في قطيعة مع تراثهم الإنساني العظيم.

ففي إقليم أندلوثيا (الأندلس)، خرجت الأنفاس ملتهبة من خلال زعماء أنيط بهم إحياء الوعي الأندلسي بالكارثة التي حلت بأجدادهم، والتي تم تغييبها من التاريخ الإسباني واعتبارها مجرد حدث عابر دون الإشارة إلى مخرجات الكارثة على سكان الإقليم وانتزاع هويتهم التراثية في إطار الإبادة التي تعرضوا لها بعد سقوط الأندلس.. ورغم ذلك عاد ذلك الموروث ليتنفس من جديد في وعي أبنائه.. حتى في الموروث الموسيقى وعلى ضفاف العزلة القهرية التي فرضت عليهم، نمت رقصة الفلامنجو.. والتقط شاعر إسبانيا العظيم، لوركا الدرر من تجربة التراث الأندلسي ليؤسس فرقة "مسرح العرب الجوال" الذي اعتمد فيه على التراث الفني والأدبي الأندلسي القديم.

إذن كيف استعاد إقليم أندلوثيا (الأندلس) وعيه بكل أبعاده السياسية والتراثية متحرراً من فوبيا الهوية الأندلسية التي أصابت أهل الإقليم بلعنة العزلة والقطيعة مع الماضي التليد؟ ولنتطرق إلى مفجر هذا الوعي الذي تحرر من تلك الفوبيا ليضع النقاط على الحروف.. واستطاع أن يحرك الوعي في عقول الأندلوثيين الإسبانيين لكي يستعيدوا هويتهم كباقي الأقاليم في إسبانيا الاتحادية..إنه "بلاس انفانتي بريث" فمن هو هذا الزعيم الذي لقب بأب الأمة الأندلسية، الذي أنعش الذاكرة التاريخية بتفاصيلها؟.

وقبل الحديث عن هذا الزعيم الفذ، لا بد من التذكير بأن إقليم أندلوثيا (الأندلس) يعتبرالأخطر في قائمة التحديات التي تواجه إسبانيا الاتحادية، من حيث الذاكرة التاريخية التي تدين جرائم القشتاليين ضد المسلمين في الأندلس التاريخية الذين أبيدوا عن بكرة أبيهم في إطار خيارات ثلاثة تجلت في الإبعاد أو الانقلاب إلى الدين المسيحي وإلا فالإعدام قتلاً بالسيف أو بالحرق (في هذا الوقت اكتشف فيه الإسبانيون الأمريكيتين ومارسوا ذات الجبروت ضد الهنود الحمر كما تؤكد الوثائق التاريخية)

فالعودة إلى الذاكرة (بتصرف: مقال لي /صوت العروبة) أيقظت “بلاس انفانتي بريث” الذي اعتبره سنة 1983 م برلمانُ إقليم الأندلس بالإجماع أب الأمة الأندلسية و رائد النضال للحصول على قانون للحكم الذاتي بالأندلس وبالتالي الحصول على حق رفع العلم الأندلسي الإسلامي القديم إلى جوار العلم الإسباني الحديث؛ ما يعني أن مربع الحكم الذاتي كان هو الأساس لدفع قضية الإقليم باتجاه نيل الاستقلال عن إسبانيا الاتحادية، فمقومات ذلك كما كان يراها “إنفانتي” تتمثل بوحدة التاريخ المتمثل بتاريخ العرب في إسبانيا الأمر الذي دعاه للمطالبة باستعادة اللغة العربية إلى جانب الإسبانية لاعتمادها في الحياة العامة وتعليمها في المدارس والجامعات.. لا بل وأكد على حرية أهل الإقليم في استعادة زي أجدادهم العربي الأصيل الذي كان سائداً في عهد الأندلس في إطار الخصائص الاجتماعية الخاصة للإقليم ما يجعلها لا تنسجم نسبياً مع النمط السائد في عموم المقاطعات الإسبانية الأخرى وخاصة أنه كان قد أعلن إسلامه أسوة بأجداده من بني أمية! ولتحقيق مطالب الإقليم السياسية أسس “إنفانتي” حزباً يطالب بإعادة إقليم الأندلس للوجود وتحققت مطالب هذا السياسي القوي في إطار ما يسمى اليوم إقليم (أندلوسيا) ويضم سبعة مدن إسبانية جنوبية رئيسية، هي غرناطة وهي عاصمة الإقليم، قرطبة، إشبيليا، ملقه، ألمريا، ألبا، وكادث.

والإقليم اليوم مستقل في القانون وإدارة الشؤون الداخلية؛ إلا في مجال الدفاع والخارجية.

إلا أن “إنفانتي” لاقته المنية بعد مطالباته باعتماد العربية لغةً رسمية للبلاد إضافة للزي العربي الأندلسي؛ حيث تم قتله في ظروف غامضة بينما لم يستطع القاتل طي صفحته التي تبلورت في إرثه السياسي الذي ما يزال حاضراً في التداعيات الانفصالية للأقاليم التي تشكل إسبانيا الاتحادية في عموم شبه الجزيرة الأيبيرية.

وفي سياق متصل، فإن عودة الوعي أخرجت التراث الأندلسي ليتجلى في الثقافة الإسبانية كملهم، لا بل فقد أعطى الثقافة الإسبانية خصوصية ميزتها عن سمات عصر النهضة الأوروبي المستوحى من التجربة الفلورنسية في إيطاليا (التراث القوطي والباروكي) حتى في الفن المعماري والزخارف التجريدية المستوحاة من آثار العرب في الأندلس مثل قصر الحمراء..

- الشاعر الإسباني لوركا وإحياء التراث الأندلسي

وقد أبدع شاعر إسبانيا العظيم لوركا في استلهام الموروث الفني والأدبي الأندلسي في الثقافة الإسبانية المعاصرة، من خلال تبني مشروعه الثقافي القائم على استلهام التراث الأندلسي في إطار الوعي بقيمته الحضارية كجزء من التاريخ الثقافي لإسبانيا لا يمكن تهميشه، لكنه أيضاً راسخاً في قلب المكان الذي شهد مأساة الأندلس وجُرِّدَ من هويته التراثية. فماذا فعل هذا الشاعر العظيم؟

قام لوركا في عام 1922 بالتعاون مع فنانين اخرين بتأسيس مهرجان الأغنية العميقة بمدينة غرناطة تحت اشرافه واشراف (ما نويا دى فايا) فكان أول مهرجان يوظف الغناء الاندلسي الموروث عن زرياب، كي يثبت أن الغناء العميق ليس مجرد ارث قديم بل هو شيء يفيض بالحيوية والجمال والتميز.

ويتميز الغناء العميق بتقسيمات فرعية لنغمات تقل مدتها الزمنية عن نغمات الموسيقى الغربية ولذلك لا تؤدى على آلات الموسيقى المنهجية المعروفة مثل البيانو والكمان وغيرهما، ومن أكثر الآلات المناسبة لهذا اللون الأندلسي هو الجيتار بكل ما يتمتع به من قدرة تعبيرية.

لذلك كرس لوركا بعد ذلك جهوده للغناء الشعبي الإسباني وبعث الحياة في الغنائيات التراثية ليؤديها اعضاء فرقته الجوالة التي قدمت عروضها ضمن "مسرح العرب الجوال" كما الف (لابرابا) وهى نوع من الغنائيات الشعبية ذات الإيقاعات العربية الاصيلة . وفي غمرة هذه التجارب كانت التجربية المنسية للموركسيين الذي هربوا من بطش القشتاليين إلى الجبال العالية الوعرة والوديان المعزولة قد أيقظوا تجربتهم الفنية لتعبر عن هويتهم في حيز الثقافة الأندلسية وضمن الثقافة الإسبانية الاتحادية، من خلال الفلامنجو.

- الفلامنجو وعودة الوعي

قسم الباحثون الفلامنكو كما جاء في الموسوعة الحرة (بتصرف) إلى ما يلي:

"أغاني غجرية الأصل، أغاني أندلسية الأصل، أغاني خفيفة".

ولنقترب أكثر من الهوية الأندلسية في إطار ثقافة الاتحاد الإسباني من خلال رقصة وموسيقى الفلامنجو.. وها نحن أمام وصلة موسيقية راقصة لفن الفلامنجو الأندلسي.. إذْ ينبغي على مؤدى الرقصة أن يرتجل الكلمات التي تعبر عن الاغتراب والقهر والتمرد على الأسر حتى لو كانت الكلمات في الحب أو الحماسة بحناجر ملتهبة متفجرة، ويكون ذلك من خلال التعبيرات الحركية المنسجمة مع إيقاع القطعة الموسيقية المصاحبة للرقصة، وذلك من خلال حركة القدمين وطقطقة الأصابع، حيث يصحب كل ذلك حركات قوية للذراعين لكنها انسيابية رشيقة. ويمكن أن يؤدى رقصات الفلامنكو شخص بمفردة أو زوج أو فرقة كبيرة العدد، والراقصون المهرة ينفعلون بروح حماسية وينقلون حماسهم وانفعالهم للمشاهدين.. وتسهم الأزياء المتنوعة الألوان والضجيج العالي في إضافة الكثير من الإثارة على تكنيك الأداء الحركي. وكان يصاحب راقصي الفلامنكو في الأصل التصفيقُ والغناءُ والضربُ الخفيفِ بالأقدام؛ إلا أنه أضيف إليها بعد ذلك الجيتار. إن هذا العنف الجسدي والحركة المتشنجة على إيقاع الموسيقى والصوت الذي يخرج من الأعماق ليتفجر في الفضاء المفتوح، إنما يعبر عن طاقة مكبوتة لروح أسيرة أو منفية.. روح قلقة توارثها غجر إسبانيا من بقايا المسلمين المورسكيين الذين نأوا بأرواحهم عن بطش القشتاليين بعيداً في قمم الجبال النائية والوديان المتوارية عن الأنظار، وكان فن الفلامنجو هو صوتهم الذي نما في الهامش، وظل الغجر مطيته إلى قلوب الإسبانيين دون أن يدركوا بأنهم يُدْخِلون صوت الضحية إلى حياضهم، ذلك الوجع المسكون في إيقاعات فن الفلامنجو والذي يحكي عن مأساة ما بعد سقوط الأندلس التي حلت بالهاربين من الفلاحين والمتمسكين بدينهم الإسلامي من المورسكيين الأندلسيين الذين ابتلعتهم الوديان وتواروا في هامش الأحداث بعيداً عن مركز الفعل الحضاري المعاصر في قلب شبه الجزيرة الليبيرية القشتالية (الإتحاد الإسباني).. إلى أن استيقظت تلك الأوجاع في قلوب ورثة الحضارة الأندلسية من الأجيال الحديثة، الحضارة التي بقيت معالمها شامخة في قرطبة وغرناطة.

وعن الأثر الأندلسي على "الفلامنكو" كتب الإسباني، أنطونيو مانويل راموس، وهو ملحن وأستاذ بجامعة قرطبة، قائلاً:

إن "العديد من المورسكيين واليهود المتحولين بقوا في شبه الجزيرة الأيبيرية. طائفة كبيرة هاجرت إلى المنحدرات الداخلية للعيش في الأكواخ والكهوف المنعزلة عن المناطق الحضرية، كانوا متجولين أو مجتمعين في مناطق جبلية يصعب الوصول إليها." ويكمل رامس قائلاً:

"لقد كانوا الفلامنكو.. لأن كلمة فلامنكو، في النحو، مقتبسة من الكلمتين العربيتين: (فلاح-منكوب)، أي مطرود، مهمش، مُجرُّد من أرضه ولسانه ودينه. لكنه ليس مجرداً من ذاكرته. لقد كظم الفلامنكو (الفلاحون المنكوبون) ألم الضياع لينشدوا في انفراد موسيقاهم الشعبية بحنجرة مملوءة بالدم. هكذا وُلدت (الكانتي خوندو) أي (الأغنية العميقة). إنه التعبير الغامض والمجهول عن ألمهم الشخصي. يرفع المنشدون السبابة ويذكرون اسم الله (أولي Olé) تعظيماً لاسم الجلالة. بينما يرتلون وسط التصفيق بداية (الشهادتين) (لا إله إلا الله). ثم يغمضون أعينهم وهم ينشدون:

جزر الوادي الكبير

التي رحل منها الموروس

الذين أبوا الرحيل

وما أروع المرور من طريانة

ومشاهدة البرج الذهبي..

بلا أجراس.

لا يفهمون ما يقولون،

لكنهم يحسون به".

وكثيرة هي الأغاني التي تغنى صمن أناشيد الفلانجو دون أن يدرك المؤدون معناها وقد أوضح أنطونيو مانويل راموس في مقالته بأن المياومين الفلاحين دأبوا على ترديد صلاة مورسكية دون أن يعلموا أنه وِرْدٌ مثيرٌ ارتدى قناع لعبة فلامنجو، يغير وجهه عند كل تغيير صوتي، مثل تبادل السلام.

وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن الضغط يولد الانفجار.. وتغريب القشتاليين عبر تاريخ إسبانيا للهوية الأندلسية في إطار الاتحاد الإسباني سيؤدي إلى تلك النتيجة، فالشخصية الأندلسية لها امتدادات تاريخية لا يمكن تحجيمها فقد تجاوزت قدرات الاتحاد الإسباني على لجمها وإعادة المارد إلى قمقم الهامش والنسيان.. وها هم راقصو الفلامنجو يطرقون الحاضر بذاكرة الوجع الأندلسي القديم.. ويرفع الجيل الجديد في إقليم أندلوثيا علم الأندلس الأخضر فوق المباني الرسمية ويرتدون أزياء المعتمد ابن عباد وابن زيدون وولادة وابن رشد، ويتعلمون فن الموسيقى والإتكيت من زرياب، وينحنون احتراماً لرموز الحضارة الأندلسية التي انتشرت تماثيلهم في المواقع الاستراتيجية داخل الإقليم.

 

تحليل تاريخي ثقافي..

بقلم بكر السباتين..

 

 

ضياء نافعنستمر في هذه الحلقة بالحديث عن الطلبة العراقيين في كلية الاقتصاد بجامعة موسكو . في الحلقة السادسة تكلمنا عن اول رئيس لرابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي المرحوم د. محمد علي الماشطة، الطالب في كليّة الاقتصاد، ونتحدث في هذه الحلقة عن الرئيس الثاني للرابطة، الطالب ايضا في كليّة الاقتصاد وهو المرحوم د. وجدي شوكت سري . وصل وجدي الى موسكو بعد عامين من وصولنا، والتحق بكليّة الاقتصاد بعد ان درس اللغة في الكلية التحضيرية . كانت هناك هالة كبيرة حوله باعتباره كان مناضلا شيوعيا في العراق ودخل السجون والمعتقلات بسبب عقيدته الشيوعية، وهكذا اصبح رأسا الرئيس الثاني لرابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي، ولكن الفرق بينه وبين محمد علي الماشطة كان واضحا، اذ كان وجدي مغرورا ومتعجرفا ويهتم بمظهره الخارجي ودائم الحديث عن نفسه ونضاله عكس محمد علي الذي كان يمتاز بالبساطة المتناهية والتواضع والطيبة والابتسامة الدائمة، ولم يكن وجدي يتقن اللغة الروسية ولا يعرف خصائص المجتمع السوفيتي حوله مثل محمد علي الماشطة طبعا، وكان يحتاج دائما الى مترجمين عند تعامله مع الروس . أذكر مرة، عندما زار موسكو الشاعر محمد صالح بحر العلوم، دعوناه كي نلتقي معه في جامعة موسكو، وكان وجدي باعتباره رئيس الرابطة مدعوا طبعا . كان اللقاء في قاعة صغيرة في الاقسام الداخلية لجامعة موسكو، واشترينا قليلا من الفواكه والشربت البسيط كي نقدمها للجميع اثناء اللقاء، فاذا بوجدي شوكت سري يطلب ان تكون له مع بحر العلوم مائدة خاصة تمتاز عن موائد الطلبة، مائدة تحتوي على كذا وكذا من الطعام والشراب، وعندما اخبرناه بعدم امكانية ذلك، غضب وأخذ يهدد ويرعد ويزبد، وقال وهو يصرخ، انه رئيس الرابطة، وان كلمته لا يمكن ان نناقشها . بل يجب ان ننفذها . لم ننفذ طلباته طبعا، ولكن وجدي – مع ذلك - جاء الى اللقاء وجلس مع بحر العلوم بشكل طبيعي ولكنه كان متجهما، ولم يتكلم بتاتا. انتهت فترة وجدي لرئاسة الرابطة، وبقي طالبا في كلية الاقتصاد وحسب، ولكنه استمر طبعا كواحد من قادة التنظيم الشيوعي الطلابي، وبعد ان انهى الدراسة، عاد الى العراق وترك كل ارتباطاته السابقة وكل علاقاته مع زملائه واصدقائه القدامى اثناء مرحلة الدراسة، ورجع مرة اخرى في السبعينيات للدراسة العليا في جامعة موسكو وفي كليّة الاقتصاد طبعا، ولكنه كان يختلف جذريا عن تلك الشخصية السابقة بكل معنى الكلمة، وقد كنت انا بايفاد الى موسكو للمشاركة بندوة اساتذة اللغة الروسية وادابها في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، ومررت لزيارة اصدقائي العراقيين القدامى بجامعة موسكو، فرأيتهم يلعبون كرة القدم في باحة الاقسام الداخلية، وتعجبت عندما رأيت وجدي بينهم وهم يهزأون بلعبه وتصرفاته، وقلت لاحدهم ذلك همسا، فاجابني ضاحكا، انك تنظر اليه بعيون الستينيات عندما كان (قائدا منتفخا!)، اما الان، فانه اصبح شخصا آخر تماما. تحدثت معه قليلا عندما لاحظني، وقال لي انه يعرف انني اعمل في صحيفة الجمهورية البغدادية، فتعجبت انا من قوله، وقلت له انني اعمل تدريسيّا في قسم اللغة الروسية بكليّة الاداب في جامعة بغداد، فاندهش وقال لي، انه قرأ مقالاتي شخصيّا في جريدة الجمهورية، فقلت له، انني انشر ترجماتي عن الروسية في صفحة آفاق، التي اسسها ويديرها الصحافي العراقي المعروف محمد كامل عارف خريج كلية الصحافة في جامعة لينينغراد، وان النشر في صفحة آفاق لا يعني انني اعمل في تلك الصحيفة، فصمت وجدي ولم يعلق بأي كلمة حول ذلك، وقد فهمت طبعا حتى من طبيعة حوارنا القصير هذا، انه اصبح شخصا مختلفا فعلا . وكان هذا آخر لقاء لي مع المرحوم د. وجدي شوكت سري وآخر دردشة معه .

ان المرحوم د. وجدي شوكت سري هو جزء لا يتجزأ من تاريخ الطلبة العراقيين في موسكو ومسيرتهم في الستينيات، جزء ايجابي وسلبي في آن واحد، ايجابي لانه أدّى دورا واضحا ومعيّنا في ادارة عمل الرابطة، اذ كان رئيسا لها لمدة سنة دراسية باكملها رغم بيروقراطيته وعنجهيته، وايجابيا ايضا لانه لم ينحدر في العراق (عندما ترك كل شئ) الى مواقع مضادة لافكاره السابقة التي تركها، وانما اكتفى بعزل نفسه كليّا عن كل ماضيه ليس الا، وهذا موقف شخصي بحت، ولكنه موقف اخلاقي ايجابي بحد ذاته، موقف يستحق عليه التقدير والاحترام بلا شك، اذ كانت هناك تجارب اخرى مع هؤلاء الذين تركوا مواقعهم الفكرية السابقة وتحولوا الى عناصر مضادة عدوانية وانتهازية، ولكن وجدي لم يكن هكذا ابدا .

ختاما، اود ان اشير، الى ان ارملته اتصلت مرة بعمادة كلية اللغات (وكنت انا معاونا للعميد آنذاك)، وقالت انها تريد ان تهدي للكلية القاموس الروسي – الانكليزي الكبير، الذي كان عند المرحوم زوجها، فرحبنا بها واستلمنا منها القاموس المذكور، وكان اسم وجدي شوكت سري مكتوبا على صفحته الاولى وبخط يده، وقد شكرناها على هذه المبادرة العلمية الطيبة، وترحمّنا على روحه، واودعنا القاموس في مكتبة قسم اللغة الروسية بكليتنا، المكتبة التي احترقت باكملها اثناء الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 .

 

أ. د. ضياء نافع

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر علينا ذكرى وفاة قدري أبو حسين محافظ حلوان الأسبق، في مثل هذه الأيام من العام الماضي، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا الوطني العظيم، فهو الذي قام بتأسيس حزب "مصر بلدى" فى 2014، وهو الذي سعي بالتنسيق مع مجموعة من الأحزاب، لتشكيل تحالف انتخابي تحت مسمى ائتلاف الجبهة المصرية، وهو الذي خاض انتخابات البرلمان الماضية ضمن تحالف أحزاب الجبهة المصرية وتيار الاستقلال ولقب بـ"صانع التحالفات"، وهو ذلك الرجل العظيم الذي قدم خلال مرحلته الطويلة في حياته الكثير من العمل الوطني والسياسي تخللها العطاء والانجاز في جميع المواقع التي تحمل فيها المسئولية، وكان حسه وشعوره الوطني حاضراً مما جعل الجميع يثني علي سيرته العطرة.

وكان قدري أبو حسين قد شغل منصب رئيس مجلس مدنية أخميم بمحافظة سوهاج، حتى تولى سكرتير عام محافظة أسيوط، ومن ثم عُين في منصب نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، حتى شغل منصب محافظ حلوان بعدما وافق قرار رئاسى بإنشائها فى 17 أبريل 2008 . وقد قالت الصحفية اللامعة "ياسمين مبروك" في مقال لها بجريدة الفجر بعنوان (محطات بارزة في حياة الراحل "قدري أبو حسين" محافظ حلوان الأسبق) : " كان أبو حسين، نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، وهو ما أهله لاختياره كمحافظ لحلوان بعد حازم القويضي... رشحه حازم القويضي، لإكمال مسيرته بعد تركه لمنصبه، كمحافظ لحلوان.. تم تعينيه كمحافظ لحلوان في فبراير 2010 أي قبل أقل من عام من ثورة 25 يناير.

كان قدري أبو حسين رجلاً وطنيًا وعاش مخلصًا في أداء عمله، والمناصب التنفيذية التى تولاها، كما كان نموذجاً رائعاً فى العمل التنفيذي والسياسي والحزبي وبذل أقصى الجهد لخدمة الوطن والشعب، وقد وصفه النائب الأستاذ  مصطفي بكري (في مقال نشره في جريدة السبوع) بأنه صاحب القلب الطيب الجسور اللين السياسي المخضرم وواحد من أهم رجال المحليات فى مصر.. إنه قدري أبو حسين الأخ والصديق والإنسان عرفته منذ سنوات طوال اقتربت منه، وعندما تولى منصب محافظ حلوان دائرتي الانتخابية، اقتربت منه كثيرا شاهدته عن قرب لم يتغير لم يتبدل أنه نفس الإنسان البسيط المتواضع ابن الصعيد، الذى يفتح لك صدره ويترك مكتبه لاستقبالك ويصر على أن يوصلك إلى باب الأسانسير وهو لا يتوقف عن إسداء كلمات الترحيب التى تبدأ بكلمة "يا مرحبًا بابن العم" وتنتهي بأجمل كلمات الوداع... كان دوما يفخر بأنه صعيدي وكانت أحلى لحظات حياته عندما يجلس وسط جمع من أصحاب العمم البيضاء ويحتسي معهم الشاي على الطريقة الصعيدية... وكان مكتبه مفتوحاً للجميع منذ الصباح الباكر وحتى وقت متأخر من المساء كأنها "قعدة عرب" على "المسطبة" فى حواري أخميم (أخميم التي أحبها وأحبته)، سوهاج التي قضى فيها أجمل سنوات عمره لذلك أحبه السوهاجية من المغتربين فى القاهرة بذات درجة حبهم له فى المحافظة واختاروه رئيسا لجمعيتهم".. فى عام 2013 بدأنا سوياً جنبا إلى جنب فى تأسيس جبهة مصر بلدي مع اللواء أحمد حمال الدين، تجولنا فى المحافظات، كانت كلماته تخرج من القلب ولم يكن يعرف لغة الزيف أو النفاق... كان صافياً نقياً ودوداً، كريماً، إنساناً، يمتلك قلب طفل، وعقل الرجال الكبار.. وإذا ذهبت إلى زيارته فى منزله أو مكتبه، ينتفض على الفور، جهزوا الغدا يا ولاد، .. اخترناه رئيسا لحزب مصر بلدي فقد كان الأجدر، والأكثر حنكة... تحمل المسئولية بشجاعة وعزيمة، ظل على ثوابته ومواقفه حتى اللحظات الأخيرة في حياته، لم يكن فقط عم السوهاجية فى القاهرة وغيرها، بل كان رمزًا لكل أبناء الصعيد. وعندما كنا نلتقي في إفطار جمعية أبناء سوهاج، أو أبناء قنا فى القاهرة، كنا نسمع منه أحلى الكلمات التي تعيد إلينا أشياء كثيرة افتقدناها في غمرة الحياة فى القاهرة.. رحل صاحب الضحكة الصافية من القلب، والذى تسمع صوت قهقهته عن بعد، فتقول أنه قدري أبو حسين الذى لا يعرف سوى لغة التفاؤل في حياته رغم قساوة الحياة وظروفها.. رحل الرجل الذى كان مهموما بأهله، ساعيا إلى حل مشاكلهم من أخميم إلى قلب القاهرة، وداعًا أيها الأخ والصديق والإنسان، وداعًا يا رمزنا الذي ستبقى فى ذاكرة كل من عرفوك واقتربوا منك، سلامُا على روحك الطاهرة إلى أن نلتقي".

وفي مقال نشرته " د. سامية أبو النصر" بعنوان "وداعا قدرى أبو حسين" بجريدة الأهرام، قالت : " لست من الشخصيات التي تنعى كل من تعرفه، ولكننى أفضل بين الحين والآخر أن أكتب عن بعض الشخصيات الذين تأثرت بهم وأثروا في حياتي، وهذا احتراما وتقديرا لهؤلاء الشخصيات الذين كان لهم عظيم الأثر فى حياتى، وها هو الوزير قدري أبو حسين، محافظ حلوان الأسبق، حيث اقتربت من هذا الرجل الخلوق رحمة الله عليه فى الفترة الأخيرة، عقب تأسيسه حزب مصر بلدى بعد ثورة 30 يونيه وكان له دوراً كبيراً فى دعم ركائز هذه الثورة.... عرفته شخصية صعيدية من الطراز الأول، حيث إنه ابن بار من أبناء سوهاج ورئيس جمعية أبناء سوهاج. كان يعشقها حتى أنه فى أواخر أيامه فضل البقاء هناك، وكان شخصية خلوقة محبة لتراب هذا الوطن، وبرغم أنه كان سياسي محنك إلا أنه لم يكن يوماً يعرف لغة المؤامرات أو التحالفات المشبوهة (السياسة غير النظيفة) وعندما قررت خوض المعركة الانتخابية الانتخابات التكميلية لحدائق القبة عام 2016 كان من المشجعين والداعمين لى، وكنت أشعر معه بمشاعر حب الأب لابنته وكيف كان داعماً ومشجعاً ومناصراً، حيث كان يقدر عمل المرأة للغاية.... وكان دائماً مهموماً بقضايا وطنه، قلقاً من تولى غير الأكفاء المناصب القيادية، وكان يقلقه فساد بعض المسئولين في المحليات، ولما لا فهو الرجل الذى قضى كل عمره في المحليات... وداعا صاحب القلب الطيب العاشق لوطنه، الذى كان لا يعرف الخصام مع أحد.. الطيب في غير ضعف.. المتسامح مع نفسه ومع الآخرين.. رحل ابن الصعيد الذى عاش ومات مناضلاً من أجل أن تعيش بلاده حرة كريمة.

تحية طيبة لابن بلدي الحبيب قدري أبو حسين  الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً لرجل الدولة الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله قدري أبو حسين، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

ضياء نافعنتوقف في هذه الحلقة عند كليّة الاقتصاد. كان فيها مجموعة من الطلبة العراقيين في الدراسات الاولية والعليا، وهم (حسب الابجدية) كل من – اسماعيل خليل (عليا) / خالد الزبيدي (اولية)/ شريف الشيخ (عليا) / عباس الدباغ (عليا)/ عبد الحسين زيني (عليا)/ عبد القادر الجبوري (اولية ثم عليا)/ علوان الحمداني (عليا) / فتاح السامرائي (عليا) / كمال جرجيس انطون (اولية) / محمد علي الماشطة (اولية ثم عليا) / ميسّر قاسم (عليا) / نجيب نجم الدين (عليا) / وجدي شوكت سري (اولية ثم عليا)، واخشى انني نسيت اسماء طلبة آخرين في تلك الكليّة (وكم أتمنى ان يشارك الاخرون في هذه المقالات باضافة معلومات او تصحيح ما اكتبه الان). لقد كانت كليّة الاقتصاد هذه واحدة من الكليّات المرغوبة جدا من قبل الطلبة العراقيين، اذ انها كانت رمزا لدراسة الاقتصاد الاشتراكي في قلب المعسكر الاشتراكي (في ستينيات ذلك القرن) وعاصمته موسكو طبعا.

أقدم طالب عراقي في هذه الكليّة هو المرحوم د. محمد علي الماشطة، الذي وصل الى موسكو العام 1957 ضمن الوفد العراقي للمشاركة في المهرجان العالمي للطلبة والشباب (وهو وفد ارسله الحزب الشيوعي العراقي آنذاك)، وبقي محمد علي الماشطة للدراسة في موسكو بعد المهرجان، وكان من الطبيعي ان يلتحق بكلية الاقتصاد في جامعة موسكو لدراسة اسس الاقتصاد والفكر الاشتراكي، وكان آنذاك الطالب العراقي الوحيد في جامعة موسكو. بعد ثورة 14 تموز 1958 تدفق العراقيون للدراسة في الجامعات الروسية، وهكذا اصبح محمد علي الماشطة نجما ساطعا بالنسبة لنا، اذ كان في الصف الثاني بكليّة الاقتصاد في جامعة موسكو عندما كنّا نحن جميعا (الوجبة الاولى) طلبة في الكلية التحضيرية لدراسة اللغة الروسية في العام الدراسي 1959 / 1960. ارتبط اسم محمد علي الماشطة برابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي (انظر مقالاتنا بعنوان – رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي 1 – 5)، اذ انه كرّس كل وقته وجهده ونشاطاته من اجل تأسيسها واخراجها الى حيّز الوجود كما يقولون ، وكان رئيس اللجنة التحضيرية لها واول رئيس للرابطة، حيث انتخبناه بالاجماع لهذا الموقع في المؤتمر الاول للرابطة الذي انعقد في جامعة موسكو، وكنّا نسميه آنذاك (واضع اسس الرابطة)، وقد اصبح اسمه رمزا للرابطة لدرجة، ان جواد البدري (طالب الدراسات العليا في كلية البايولوجي بجامعة موسكو آنذاك) كتب قصيدة (وكان عندها زعلانا على الرابطة ولا يريد المساهمة في احدى اجتماعاتها) تبدأ هكذا – (ايها الذاهب الى الرابطه... سلملّي على الماشطه)، وهي قصيدة طريفة مثل كل قصائده المرحة الاخرى. كان محمد علي الماشطة انسانا مرحا وبسيطا ومتواضعا و اجتماعيا، رغم انه ابن الشيخ عبد الكريم الماشطة – عضو مجلس السلم العالمي والشخصية العراقية الشهيرة، ورغم انه كان الطالب الابرز والاشهر بين الطلبة العراقيين بالنسبة للجانب الروسي سواء في اوساط جامعة موسكو او خارجها، وأذكر اني التقيت مرة أحد كبار الروس المسؤولين عن الاجانب في جامعة موسكو اثناء ايفاد لي في نهاية الثمانينات، فحدثني عن احترام الادارة الروسية آنذاك لمحمد علي الماشطة، وكانوا يسمونه (كريم)، وذكر لي هذا المسؤول، انه خاض مرة نقاشا حادا مع الطلبة الشيوعيين الصينيين حول الخلاف بين الحزب الشيوعي السوفيتي والحزب الشيوعي الصيني (وهو خلاف كبير ومشهور جدا حدث في الستينيات بين الحزبين الشيوعيين الاكبر في العالم الاشتراكي)، وان الجانب الصيني كاد ان يتغلب عليه لولا (كريم)، الذي تدخل في ذلك النقاش وكان مع الحزب الشيوعي السوفيتي بقوة وثبات ضد الحزب الشيوعي الصيني، وانه (اي هذا المسؤول الروسي) استطاع بمساعدة محمد علي الماشطة ان يدحض مواقف الشيوعيين الصينيين في ذلك النقاش الحاد آنذاك.

انهى محمد علي الماشطة كلية الاقتصاد، واستمر رأسا بدراسة الدكتوراه، وحصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، وسافر الى الجزائر للعمل هناك، ثم عاد الى العراق، وعمل على ما اتذكر في شركة النفط الوطنية، وتوفي في بغداد. لم يبرز د. محمد علي الماشطة علميا في مجال اختصاصه، ولم يترك لنا مصادر او كتبا مؤلّفة او مترجمة له عن الروسية في علم الاقتصاد، رغم اني أتذكر دراسة نشرها في مجلة الثقافة الجديدة، (وهي مجلة مرموقة في مسيرة الثقافة العراقية و يصدرها الحزب الشيوعي العراقي منذ اواسط الخمسينيات والى حد الان)، دراسة حول اقتصاد النفط العراقي، وهو موضوع اطروحة المرحوم د. محمد علي الماشطة في كليّة الاقتصاد بجامعة موسكو عندما كان طالب دراسات عليا هناك في الستينيات. واختتم هذه السطور عن المرحوم محمد علي الماشطة بالقول، انه كان شخصية متميّزة بين طلبتنا في الاتحاد السوفيتي، شخصية تستحق منّا جميعا – نحن خريجي الجامعات الروسية في تلك الفترة – ان نكتب ونسجّل ذكرياتنا وانطباعاتنا عنه.

 الكتابة عن العراقيين الآخرين في كليّة الاقتصاد بجامعة موسكو في تلك الفترة ومصائرهم هو موضوع الحلقة القادمة .....

 

أ.د. ضياء نافع

 

ضياء نافعاستمر في هذه الحلقة بالحديث عن كليّة التاريخ في جامعة موسكو. تخرّج في هذه الكليّة ثلاثة طلبة دراسات عليا هم المرحوم د. جبار عطيوي والمرحوم د. نوري السامرائي وأ.د. هاشم التكريتي، وقد عملوا جميعا – بعد عودتهم – في جامعة بغداد، (جبار في قسم التاريخ بكلية التربية ونوري وهاشم في قسم التاريخ بكلية الاداب). كان جبار عطيوي طالب دراسات اولية في كلية الصحافة، وبعد ان تخرّج، انتقل الى كلية التاريخ لاكمال دراسته العليا، وكانت القوانين والتعليمات الجامعية هناك تسمح (ولازالت) بذلك الانتقال بين الكليّات المتقاربة من حيث الاختصاص. لقد كان قرار جبارهذا شجاعا جدا ويعبّر عن موقف علمي سليم، اذ انه اعتراف ذاتي امام نفسه وامام الآخرين ايضا، انه لا يمكن ان يكون صحافيا، اذ ان هذه المهنة ترتبط قبل كل شئ بالموهبة الذاتية (مثل الرسم والنحت والشعر..الخ)، ويمكن للدراسة الاكاديمية ان تبلورهذه الموهبة وتصقلها وتطوّرها، ولكن لا يمكن ان تخلقها من العدم، ولهذا، فان قبول الطلبة الروس في هذه الكليّة يكون على هذا الاساس، اي ان تكون لديهم موهبة الكتابة، ولكن الكليّة كانت تتساهل بشأن قبول الاجانب، ولكن جبار اقتنع انه لا يمتلك هذه الموهبة، واتخذ قراره بالانتقال الى دراسة التاريخ، ولهذا اسميت هذا القرار شجاعا وعلميا. اصطدم جبار بمشكلة تعادل الشهادة في العراق، اذ لا تسمح التعليمات العراقية الصارمة والجامدة جدا (ان صح التعبير) بذلك، وكم عانى العراقيون من خريجي الجامعات الاجنبية من قضية تعادل الشهادة الاجنبية، ولا مجال طبعا للتوقف عند هذا الموضوع هنا . واستطاع د. جبار عطيوي بعد التي واللتيا وبصعوبة من ايجاد حل لهذه المشكلة، وهكذا حصل على تعادل شهادة الدكتوراه و اصبح تدريسيا في قسم التاريخ في كلية التربية، الى ان ترك العراق في التسعينات وانتقل للعيش في المانيا مع عائلته، وهناك توفي وتم دفنه في المانيا . كان جبار عطيوي ضمن الاسماء الشيوعية البارزة بين طلبتنا في جامعة موسكو، اذ كان أحد قادة اتحاد الطلبة في العراق قبل مجيئه الى موسكو، وكانت زوجته المرحومة د. ماجدة عبد الرضا اخت ماجد عبد الرضا، الشخصية الشيوعية المعروفة آنذاك، وهو أحد قادة اتحاد الطلبة العالمي واتحاد الشبيبة العالمي في براغ عندئذ (قبل ان يعود الى بغداد ويغيّر موقفه كما هو معروف)، الا ان المرحوم جبار لم يتميّز – مع ذلك – لا في موسكو اثناء دراسته الطويلة نسبيا في كليتين من كليّات جامعة موسكو وتخرّجه فيهما (وهو أمر نادر جدا بين العراقيين)،  ولا في العراق بعد عودته وعمله تدريسيّا في قسم التاريخ  بكليّة التربية بجامعة بغداد، ولا في المانيا – محطته الاخيرة في الحياة .

المرحوم د. نوري السامرائي انهى دراسته العليا في كلية التاريخ بجامعة موسكو، وعاد رأسا الى العراق، وتم تعينه في قسم التاريخ بكلية الاداب في جامعة بغداد . كان انسانا محترما و مسالما ورقيقا ومؤدبا وهادئا، وكان محبوبا اينما يحل، وهكذا كان في جامعة موسكو وجامعة بغداد، وساهم في حركة النشر والترجمة عن الروسية ضمن اختصاصه  وبشكل محدود، ولكنه لم يبرز، ورحل مبكرا.

ا.د. هاشم التكريتي اصبح واحدا من ابرز اساتذة قسم التاريخ في كلية الاداب بجامعة بغداد، فهو باحث علمي من الطراز الاول، ومترجم عن الروسية أغنى المكتبة العربية بمصادر مهمة، وهو الاستاذ اللامع في كلية الاداب في قاعات التدريس او قاعات المناقشات العلمية لاطاريح الماجستير والدكتوراه في التاريخ . لا اريد ان اكتب تفصيلات عن كل هذه الجوانب المرتبطة به، اذ انها معلومة ومثبّتة في العديد من المصادر المطبوعة او المنشورة الكترونيا (توجد حتى اطروحة ماجستير حوله)، ولكني اود ان أذكر فقط بعض اللقطات (ان صح التعبير)، التي علقت في ذهني عنه . اللقطة الاولى عندما كنت عميدا لكلية اللغات، اذ جاء اليّ شخص من السفارة السويسرية في بغداد وقال لي ان احدى الجامعات السويسرية ترغب بدعوة استاذ عراقي لالقاء محاضرة حول العراق، فرشحت أ.د. كمال مظهر احمد لذلك، وعندما اتصلت بكمال اعتذر لاسباب صحيّة ورشّح هاشم بدلا عنه، فوافقت طبعا وبكل سرور، وطلبت منه متابعة الموضوع، وهكذا سافر د. هاشم وقام بالمهمة خير قيام، وقد التقيت بعدئذ بالشخص الذي قدّم الدعوة تلك، فشكرني على تلبيتنا لدعوته، واخبرني ان الجامعة السويسرية كانت مندهشة من علمية وموضوعية هذا الاستاذ، وانها حتى اقترحت عليه ان يعمل عندهم، ولكنه اعتذر وعاد الى كليته في جامعة بغداد. اللقطة الثانية عندما كنت في ايفاد بعاصمة جورجيا – تبليسي، حيث التقيت بمجموعة من اساتذة معهد اللغات الشرقية، فاذا باحد الاساتذة الجورجين يقول لي، انه جاء خصيصا الى هذا الاجتماع ليسألني عن صحة الخبر الذي سمعه قبل فترة عن ترجمة كتابه حول العراق الى العربية في جامعة بغداد، واخبرته ان هذا الخبر صحيح، وان مترجمه هو الاستاذ الدكتور هاشم التكريتي. فرح هذا الاستاذ الجورجي بشكل لا يوصف وهو يكرر امام زملائه – (ألم أقل لكم ذلك، ولكني لم استطع اثبات الخبر آنذاك)، وقد كتب اسم هاشم التكريتي كي لا ينساه، وطلب مني ان ارسل له ولو صورة الغلاف، وان اتقدم بشكره الجزيل الى المترجم العراقي، وقد كنت في تلك اللحظة أشعر بالفخر والاعتزاز بهاشم وعمله العلمي الرائد . اللقطة الثالثة عندما كنت حاضرا في مناقشة رسالة دكتوراه في التاريخ، وكان هاشم مناقشا فيها . لقد اشتد النقاش حول بعض الاراء، والتي اشار بعض المناقشين الى انها صحيحة لانها وردت في احدى كتب حنا بطاطو، ورفضها آخرون رغم ذلك، فتدخل د. هاشم وحسم الموضوع بكل هدوء وموضوعية، ورفض الفكرة القائلة، ان كل ما قاله بطاطو هو صحيح، واثبت ذلك الرأي . لقد كانت مداخلته تلك حاسمة، لأنها تعكس الرأي العلمي الموضوعي، واقتنع الجميع بذلك . ان الحديث عن ا.د. هاشم التكريتي يطول، الا اني اود ان اختتمه بالاشارة، الى انه ترجم عن الروسية كتابا صدر في الامبراطورية الروسية سنه 1910 عنوانه – (العراق العربي)، وهو كتاب نادر جدا، مؤلفه القنصل الروسي في ولاية البصرة آنذاك، وتوجد نسخة منه في مكتبة لينين بموسكو . ان عين المؤرخ هاشم التكريتي قد شاهدت هذا المصدر الفريد في تاريخ العراق، والتقطته عندما كان طالب دراسات عليا في موسكو . وبهذه (اللقطة الرابعة!!) اختتم هذه السطور عن الاستاذ الدكتور هاشم التكريتي – خريج جامعة موسكو العريقة، وواحد من نجوم جامعة بغداد، وابن  العراق البار ... 

 

أ.د. ضياء نافع  

 

في دلالات المفاهيم المتصلة بتنزيل المعرفة التاريخية

يذكر العلامة العراقي البارز جواد علي (1907 ـ 1987م) مؤلف أشهر ألمع موسوعتين (تاريخ العرب قبل الإسلام، 1968/1947) بثمانية مجلدات وموسوعة (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 1965/1965) بعشرة مجلدات، وهي من أهم المصادر الموسوعية التي تظهر خفايا  فترة ما يطلق على سكانها (بالجاهليين) في الكتب والمقالات، عن المعرفة التاريخية التي جاء منها ظهور الإسلام وجذوره. يذكر المؤرخ في مقدمته لمفاصل التاريخ قبل الاسلام عن المسمى للكتاب، فيقول (.. رأى أستاذي العالم الفاضل السيد محمد بهجت الأثري تسميته: "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، لما فيه من تفاصيل لم يرد في الكتاب السابق، فوجدت في أقتراحه رأيا صائبا. ينطبق كل الانطباق على ما جاء فيه، فسميته بما سماه به، مقسما إليه الشكر الجزيل على هذا التوجيه الجميل".) أنتهى الأقتباس.

وأن الغرض من تأليفه له فيقول: (.. والكتاب بحث، أردت جهد طاقتي إن يكون تفصيليا، وقد يعاب علي ذلك، وعذري في هذا التفصيل أنني أريد تمهيد الجادة لمن يأتي بعدي فيرغب في التأليف في هذا الموضوع، وأنني أكتب للمتتبعين والمختصين، ومن حق هؤلاء المطالبة بالمزيد. وقد فعلت هذا في الكتاب ما فعلته في الأجزاء الثمانية من الكتاب السابق من تقصي كل ما يرد عن موضوع من الموضوعات في الكتابات وفي الموارد الاخرى، وتسجيله وتدوينه، ليقدم للقاريء أشمل بحث وأجمع مادة في موضوع يطلبه، لأن غايتي من الكتاب أن يكون "موسوعة" في الجاهلية والجاهلين، لا أدع شيئا عنها أو عنهم إلا ذكرته في محله، ليكون تحت متناول يد القاريء. فكتابي هذا وذاك هما للمتخصصين وللباحثين الذين يطمعون في الوقوف على الجاهلية بصورة تفصيلية، ولم يكتب للذين يريدون الإلمام بأشياء مجملة عن تلك الحياة... وأنها ستتناول كل نواحي الحياة عند الجاهليين: من سياسية، واجتماعيةن ودينية، وعلمية، وأدبية، وفنية، وتشريعية.) أنتهى الأقتباس.

 إذن الغرض في هذا الكتاب أنه أثبت فيه لنفسه والآخر المتخصص على جهة التذكرة متن مسائل المعارف ودلائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على هزل الخلاف فيها ـ وما يجري مجرى الأصول والقواعد في الكتابات التاريخية، ومنه من هاجروا بها إلى الاماكن المعروفة التي استقروا فيها بين هذه الشعوب والقبائل، وما لبس عليهم من ضيم هذه الشعوب إليها؛ لما عسى أن يرد على المجهد من المسائل المسكوت عنها في  متصل الشرع والمعرفة التاريخية، لأثبات إنها ذات أصل تؤول إليه، و وأعطى للعرب تاريخا نبت في القديم جوره ولم يراجع سبب القيود المفروضة على فهمه. جمعت الأعتبارات في تحبيرها وتحريرها إلى غير فك في الحضارة العربية الأسلامية من تفاصيل؛ على انفاق في التوجيه والاجتهاد، ما يغنيهم عن سماع التبخيس والأشفاق والاتهامات المزرية ناشروها، بنعتها "بالجاهليين" و"السراق" و"اللصوص والقتلة...الخ فليس لهم غير"عقد مركبة بالنقص"، كما لا أحد يستطيع نقد الماضي دون تصور بيئتها السائدة من توافق العموم، ليثبتوا من هم في تصورها له. وليس طمع بجديد فما جمع وتطور لشعوبها من تمكنهم بالظفر بها، وثابروا في غرس الحضارة العربية الاسلامية، متيسرة على استطاعتها لتقصي منح الشعوب الأخرى أينع المعارف ثقافة وعلم وفن، وما جمعت مكتسبة بها من العلماءن  بواطن تسجله وتدونه في العالم الاسلامي، فكانوا أصحاب حضارة وسعة ثقافة.

 وهذه المسائل في الأكثر هي مسائل المنطوق بها في بواطن الشرع ومتن المعارف التاريخية. أو تتعلق بالمنطوق به تعلقا قريبا ترى أنهم "غير عتات" أو من الأسرة العربية المعروفة بلفظة العرب الجاهليين، إلا إذا تداهمت الادلة بدهماء مغرضيها، في نفي الإثبات والتلاحق بنصوص المستشرق عن تركته. وأن الادلة المتوفرة ـ وهي المسائل التي وقع الأتفاق عليها، أو اشتهر الخلاف فيها الفقهاء الإسلاميين من لدن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إلى أن فشا التلقيد ونبشوا في تربة غير صالحة، فما هو معروف من تاريخ اليمن وبقية الجزيرة والبادية لا تحتاج إلى ترقيع زمانها ولا تغريب شرحتها من وحدة الثقافة والجنسية وعمق التراث في أصدق اصلاحاته في روابطه وتاريخية ما تنزل بها من معارف.

 الذي ابدع مؤرخنا فيه، وجود تمهيد محتوى الموسوعة، فكانت دليلا على وجوده وعلمه ووحدته وأقدامه ووبقاءه، فالمؤلف مؤرخ موسوعي. وأهميته، تنبهه على موضوع التخصص بتاريخ العرب القديم، في دراسة علم آثاره والكشف عن تاريخ هذه الأمة العربية القديم، ولهجاتها قبل الإسلام والمعارف الجاهلية، لاجل تقويم الطلبة والباحثين من عدم الأغفال، والانجرار وراء الإملاءات، في النظر إلى التماثيل كاوثان واصنام فقط، وأغلاق التنقيب عن العادات، بل إحياء المعارف وتناقضات خلافاتهم في البعث والتأملات القيمة، وهذا ما بحثه ووجده المؤرخ والبعثات المتخصصة من الباحثين في اليمن وجنوب اراضي الجزيرة العربية، التي كشفت المسخ المعربد في مؤلفات المستشرقيين في أشاعة اللغط والخرافة في أتساع التخريف عن شعوب المنطقة وتاريخها ونعتها بـ(الجاهليين).

 أغنت للمؤرخ مؤلفاته عدد مجلداتها الضخمة، وأظهرت بإجادة دقة التمرس للباحث في صنعته وتحير المؤلفون الاجانب من تاريخ الجاهلية، في نبوغة بحثه العلمي وحيادته، عن ترجمته إدراك حقيقته لصراع تاريخ أفكار العقلاء في تاريخ الجاهلية عما أزعموه باطلا، فهو الظاهر للمعرفة والباطن في اثرها.

 اتم عن منهجه نظام وجود لزوم الرصانة٬ وجبته الحياديته عند الباحث، سافر عالما مطلعا ببعثة موضوعات (الأثار واللهجات القديمة لمواطنها القديمة)، اختارها عن صفوة الصراع في تناقضات الاختلاف في دلالة المفاهيم، حيث الاماكن، فبلغ الرسالة بتنزيل المعرفة التاريخية كما وجد، فبلغ رشد أشدها جلدا، ما إشاد العلماء العراقيين والعرب غير العرب، زهوا وترفعا بما جاد به، وربط شكيمته محلها (محمد بهجت الاثري) متناولا تقصيه، كما شجعوه وأيدوه زملاءه من الداخل والخارج، بالمعلومات والمعرفة الناطقة بصدقية اسانيده وبعفة دوافعه، فتمت بعثة بحثه العلمي متمرسا منهم، بما يجب ان يكون عليه منهج العالم، فكان من زملاءه واساتذته أمناء، وأقاموا الحجج، فكانوا فطناء عصمهم أخلاصهم مما يشين فوجب تباعهم. هذه الامور بسطها يحتمل مجلدات، لكن نشير إلى المهم منها لاحقا.

أما بعد فنتقدم بمقالنا هذا إلى العقلاء أجمعين، راجين، من كل شخص يريد أن ينتفع، يلقي الضوء في ألفة تبادل الاراء، في حسن تقويم عوجه وتعديل أغلاط، مبديا أراءه وإرشاده وملاحظاته، لتعم الفائدة، إن وجب تصحيحه، وتلك بغية المبتغى قلائد الأفذاذ في البحث والاستيعاب، ويعم النفع به من قدم رأيا من درسه أو أعان على درسه، والعلم يم عميق قراره.

 

إشبيليا الجبوري

 

ضياء نافعاتوقف في هذه الحلقة عند كليّة التاريخ في جامعة موسكو. لا توجد في العراق كليّة خاصة بالتاريخ، بل قسم في كليّات الاداب اوكليّات التربية ليس الا، ولهذا كانت كليّة التاريخ في جامعة موسكو بالنسبة لنا ظاهرة غريبة، وكثيرا ما كنّا نتحاور فيما بيننا حول الاشياء المحيطة بنا وامكانيّة الاستفادة من هذه التجربة العلمية الجديدة امامنا، وضرورة عكسها على واقع العراق بعد عودتنا، ومن جملة تلك الاشياء هو الدعوة لتأسيس كليّات في العراق على غرار كليّة التاريخ وكليّة الجغرافيا وكليّة الجيولوجيا وكليّة الكيمياء..الخ الكليّات العلمية المتكاملة و الرصينة في جامعة موسكو، اذ ان القسم العلمي الواحد – مهما يكن واسعا وكبيرا -  لا يستطيع ان يتناول بالدرس والتحليل كل الجوانب المتشعبة العديدة لذلك الاختصاص العلمي الكبير، الا ان العين (كانت ولازالت مع الاسف!) بصيرة واليد قصيرة، خصوصا وان فلسفة التعليم في العراق ومسيرته التاريخية مبنيّة على اسس بعيدة جدا عن المفاهيم الروسية للتعليم... 

الحديث عن كليّة التاريخ يعني التوقف عند جبار عطيوي وخليل العبيدي وسعيد نفطجي ونوري السامرائي وهاشم التكريتي (ترتيب الاسماء طبعا حسب حروف الهجاء). كان هناك طالبان فقط في الدراسات الاولية هما خليل العبيدي وسعيد نفطجي. خليل كان اكبر منّا عمرا، وكنّا نعرف انه كان معلّما في العراق، وانه جاء لاكمال تعليمه . وكان خليل دائما محطّ احترامنا وتقديرنا نتيجة عمره وسلوكه واخلاقه الراقية . كان منعزلا . وعلمنا بعدئذ انه تزوج وقرر البقاء في روسيا، ولازال حتى اليوم (وانا اكتب هذه السطور في نهاية العام 2019) يسكن في موسكو، وربما يمكن القول انه اكبر العراقيين سنّا بين كل العراقيين المقيمين الان في روسيا، و الذين اكتسبوا الجنسية الروسية طبعا بمرور السنين. لقد أخبرني صديقي عبد الله حبه مرة (وهو من المقيمين ايضا)، انه يزوره بين فترة واخرى، وان خليل العبيدي لا يخرج الان من بيته لانه (بلغ من العمر عتيّا). لا اعرف كيف أمضى خليل كل هذه السنوات الطوال في روسيا بعد تخرّجه، الا انني لم أجد يوما أثرا ثقافيا له، كبحث علمي او ترجمة عن الروسية او مشاركة في نشاطات فكرية ...الخ .

الطالب الآخر في الدراسات الاولية كان سعيد نفطجي، الذي كان محبوبا من قبلنا لطرافته وثقافته الموسوعية، رغم طريقة حياته الغريبة جدا مقارنة بطريقة حياتنا. كان يتقن الانكليزية والتركية، وتعلّم الروسية بشكل ممتاز، وكانت هوايته القراءة، وكنّا نعرف انه (يلتهم الكتب !) نهارا، ولكن (عندما يأتي المساء ونجوم الليل تظهر) يتفرّغ سعيد عندها - ويوميّا – للكأس . وكان يقول لنا دائما، انه هنا لكي يتابع الثقافة نهارا والكأس ليلا، وهكذا استمر على هذا الحال الى ان تم فصله من كلية التاريخ، فعاد الى العراق، واصبح طالبا في قسم اللغة الروسية بكليّة اللغات في جامعة بغداد، وقد تم قبوله هناك باعتباره يتقن الروسية، واصبح طالبا لدى زملائه العراقيين في جامعة موسكو، الذين انهوا دراستهم في تلك الجامعة وتم تعينهم هناك، وهم كل من د. محمد يونس ود. ناشئة الكوتاني . تخرّج سعيد نفطجي بعد اربع سنوات من الدراسة في جامعة بغداد، وكان من الطبيعي ان يكون الخريج الاول في قسم اللغة الروسية هناك، فارسلته الدولة الى الاتحاد السوفيتي لاكمال دراسته العليا، فعاد الى جامعة موسكو مرة اخرى، واراد ان يكتب اطروحة عن ناظم حكمت، وكان يمكن له ان يحقق هذا العمل العلمي بلا شك، ولكن (عادت حليمه الى عادتها القديمه)، وهكذا تم فصله من الجامعة مرة اخرى و لنفس السبب . عاد سعيد الى العراق وتم تعينه مترجما عن الروسية في وزارة الاعلام، ثم وصل الى سنّ التقاعد، وكان مستمرا على فلسفته وطريقة حياته . لا اعرف الان أخباره، ولكني سمعت من البعض انه توفي، ولم استطع تدقيق هذا الخبر المؤسف . لقد كان سعيد نفطجي مثقفا متميّزا بكل معنى الكلمة، وكان متابعا دقيقا لمسيرة الادب والفكر عموما، وكان الحديث معه حول الثقافة واحداثها عميقا و ممتعا دائما، اضافة الى انه كان كريم الطبع والنفس، وكان يحافظ دائما على كرامته ومكانته المعنوية . لقد قال لي المرحوم ا.د. كامل الشيبي (استاذ الفلسفة في جامعة بغداد، وهو نسيب سعيد) مرة عنه، ان سعيد نفطجي فيلسوف عراقي مجهول، وقد أيّدته في ذلك ...

كليّة التاريخ في جامعة موسكو تستحق حلقة اخرى للحديث عن طلبة الدراسات العليا من العراقيين فيها، اي عن جبار ونوري وهاشم...

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر هذه الأيام علينا ذكري وفاة الأستاذ الدكتور حبيب الشاروني (أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب – جامعة الإسكندرية بجمهورية مصر العربية)، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا المفكر الكبير، الذي تمثلت فيه إنسانية الفطرة الأصيلة، وعظمة الأستاذ الأكاديمي الهادئ المتزن، وطموح الدارس المهموم بشئون الحياة من وجهة نظر فلسفية، فقد كان شغوفاً بالفلسفة منذ صباه وهو لا يزال بعد طالباً بالتعليم الثانوي، ينكب علي مؤلفات عبد الرحمن بدوي قارئاً نهماً، علاوة علي أنه كان أستاذاً بكل ما تحمله كلمة الأستاذية من معان نبيلة وقيم سامية، وكان رحمه الله مخلصاً للفكر بغير حدود ولم يكتب في حياته مقاله واحدة يسعي بمقتضاها إلي الشهرة. لقد عرف خطورة الكلمة المطبوعة وأنها تعد أمانة في أعناقنا، وأننا إذا لم نلتزم بذلك فقد انتشر الفساد والإفساد.

فلا أنسي تلك الكلمات الرائعة التي قالها في حقه أستاذي الدكتور عاطف العرافي (في مقاله الشهير حبيب الشاروني كما عرفته) قال :"كان يوماً حزيناً في حياة المشتغلين بالفكر الفلسفي وبقية أرجاء العالم العربي حين اهتزت أسلاك البرق معلنة وفاة رائد من رواد الفلسفة في عالمنا الذي نعيش فيه، وأستاذاً أخلص للعلم والمعرفة إخلاصاً بغير حدود ؛ بحيث كانت أفكاره هي حياته، وحياته هي أفكاره؛ إنه الزميل والصديق والإنسان حبيب الشاروني، والذي عرفته عن قرب طوال فترة زادت علي ربع قرن من الزمان .

كما لا تزال ترن في أذني تلك الكلمة البليغة التي قالها في حقه الأستاذ والمفكر الكبير محمود أمين العالم عندما قال :"... ما أقسي الجرح علي الجرح .. جرحان يتواليان علي قلوبنا كأنهما علي موعد. والحق أن كل من العزيزين الفقيدين حبيب الشاروني ومحمود رجب كان دائماً في حياتهما المتبتلة، وإبداعهما، واهتماماتهم الفكرية، وأخلاقهما النادرة كان علي موعد ولقاء دائم فيما بينهما دو اتفاق شأن فراقهما عنا أخيراً، ولكنهما لم يكونا معنا علي موعد بهذا الفرق القاسي نحن زملائهما من أعضاء لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة.

كما لا أنسي تلك الكلمات الرائعة التي قالتها في حقه الدكتور" صفاء عبد السلام جعفر" : : عرفته أنساناً نبيلاً حينما أصبح النبل كلمة نادرة في قاموس الحياة ...وعرفته إنساناً متفانياً في كل نصيحة أسداها مخلصا لي ...وعرفته صلباً يتحمل الألم في صمت، فإذا ما اشتدت المعاناة انسحب في هدوء وإباء لا يعرف الشكوى... عرفت من خلاله أن الإنسان موقف وقد شاء القدر أن تجمعني به عدة مواقف كان فيها دوما الإنسان العظيم الذي لا يحيد عن مبادئه مهما كلفه الأمر ... في بداية عهدي به أستاذاً في القسم كان متوحداً، متفرداً، يشعرك دوماً بأنه قيمة في ذاته، فإذا ما دنوت منه تسأله تفسيراً أو شرحاً لأمر ما أدهشك من فيض نبله وكرم خلقه ... ثم عرفته أستاذاً عظيماً في مناقشتي لرسالة الدكتوراه فلم يضن علي بتشجيع أو إسداء نصح.

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون وهي أن الدكتور حبيب الشارونى هو واحداً من كبار الرواد في دراسة الفلسفة الفنومنولوجية، وقد استطاع من خلال بحوثه ومؤلفاته أن ينقل البحث في الفنومنولوجيا من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة؛ وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

لقد كانت حياة حبيب الشاروني رمزا لكثير من القيم الخلقية، كما أن علمه الشمولي والتحليلي في مجال الفلسفة الحديثة والمعاصرة، فضلا عن إلمامه الدقيق باللغات الفرنسية والإنجليزية واللاتينية من أهم أسباب التي جعلتني أكتب عنه ـ أما مؤلفاته فقد تميزت وتميزها بدءا من "برجسون"و"سارتر"، مرورا بفكرة الجسم في الفلسفة الوجودية، و"الوجود والجدل في فلسفة سارتر "، وفلسفة" فرنسيس بيكون"، و"مين دي بيران "و"العين والعقل لميرلوبونتي"، وانتهاءً بفلسفة "جان بول سارتر"، فضلا عن ترجمة محاورة بارمنيدس لأفلاطون إنها تمثل (كما قالت د. راوية عباس في مقالها عنه ) كوكبة تثري المكتبة الفلسفية بموضوعات جادة ومتخصصة في كل زمان ومكان. ولو أضفنا إلي سلسلة كتبه الأخرى القيمة مجموعة أبحاثه العلمية بدءا من "الله إلي الإنسان"، و"العلاقة بين الأنا والآخر في فلسفة سارتر"، فضلاً عن الاغتراب في الذات، وانتهاءً بأصول المنهج الفلسفي عند أفلوطين لتبين لنا رحابة الإنتاج العلمي ودورانه في فلك الفكر الفلسفي اليوناني والحديث والمعاصر .

وكان الدكتور حبيب الشاروني قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة: تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

واسمح لي عزيزي القارئ أن أتحدث عن "حبيب الشاروني... فيلسوف الجسد" ؛ حيث يعد مفهوم الجسد مفهوماً مستعصيا علي الفهم، نظراً لتراكم الدلالات حوله، بالإضافة إلي تقاطعه مع مفاهيم أخري، مثل البدن والجسم، وتقابله مع مفاهيم مثل الروح والنفس داخل التصور الميتافيزيقي، والجسد يمثل موضوعا من موضوعات الوجود والمعرفة المطمورة والمهمشة ؛ حيث وجدنا أفلاطون لم يهتم بالجسد بقدر ما كان اهتمامه موجها للنفس ؛ حيث يري أن الجسد منجذب إلي الملذات، بينما النفس تصبو إلي العلم والحكمة، وبالتالي أضحي الجسد في معناه الأفلاطوني حاويا وسجنا للنفس.

وعندما جاء أرسطو أقام تقسيمه للموجودات علي أساس أن بعضهما موجود بالطبع، والبعض الآخر غير ذلك . وفي حدود هذا التقسيم يعد الجسم الإنساني موجوداً طبيعياً تدرسه الفلسفة بغية الكشف عن ماهيته ومبادئه، ولكن البحث في الجسم الإنساني قد تأثر في بعض العصور بالرؤي الدينية والأخلاقية التي أدت إلي الإقلال من شأن الجسم ؛ في حين أنه لدي الاتجاهات الأخرى المادية أعُتبر الجسم هو الأصل الذي تُرد إليه مظاهر الحياة النفسية كلها (وذلك كما أكد صديقي الدكتور رمضان الصباغ رحمة الله عليه في مقاله عن فكرة الجسد عند حبيب الشاروني).

وقد عمل مذهب الوحدة علي حل إشكالية ثنائية النفس والجسد بإرجاع الأشياء جميعاً إلي أصل واحد ومبدأ واحد، إلا أن أهم فلاسفة العصر القديم ونخص بالذكر أفلاطون وأرسطو يمكن اعتبارهما من أتباع المذهب الثنائي، وقد كان تأثيرهما كبيراً حتي علي مفكري وفلاسفة العصر الحديث ؛ حيث ظلت المشكلة تخضع لفكرة الماهية أو الجوهر، وهي الفكرة التي وُرثت عن أفلاطون بصفة خاصة ، حيث وضع أفلاطون الجسد في مرتبة أقل من النفس كما ذكرنا من قبل، فلم يكن للجسم وجود حقيقي لدي أفلاطون، ونفس الثنائية نجدها عند أرسطو وإن كان لا يعتبر طرفيها منفصلين تمام الانفصال كما هو الحال عند افلاطون وهي ثنائية الهيولي والصورة (وذلك حسب ما ذكره الدكتور رمضان الصباغ) .

ويعد ديكارت أول فيلسوف ثنائي اهتم بمشكلة الجسم، وإن بقيت عنده مشكلة طبيعية، كما كانت في الفلسفة القديمة، وثيقة الصلة بالعلم الطبيعي . إلا أن أهم ما تمضي إليه فلسفة ديكارت، وكل الاتجاهات المثالية، هو إغفالها الوجود الجسماني ؛ فمثالية ديكارت لا تقف فحسب عند وضع الجسم والانفعال في مرتبة أدني مع النفس والتفكير؛ بل تذهب إلي حد التفكير في استبعاد الجسم. أما مع مين دي بيران فقد كان اكتشاف اتحاد النفس يعود إلي اكتشاف الواقعة الأصلية الأولية، وهي واقعة الجهد العضلي، وقد أتاح له هذا الاكتشاف أن يقيم فلسفة الجهد والإرادة، وهو بذلك يعود غلي الفكرة اليونانية القديمة التي ترجع إلي " الأورفية" وهي فكرة التمييز بين الجسم والنفس، وهو بذلك يكرس الثنائية رغم محاولته أن يستمد الاتحاد من الشعور بالأنا في تجربته الباطنية (وذلك حسب ما ذكره الدكتور رمضان الصباغ) .

وقد ظلت المشكلة قائمة لدي فلاسفة القرن التاسع عشر، ومع ظهور مذهب التوازن النفسي الفسيولوجي الذي يقابل بين الحالة النفسية والحالة الجسمانية نجد أن الأمر قد توقف عند هذه النتيجة دون أن يقدم التفسير لهذا التقابل،وقد حاول هذا المذهب ارجاع الظواهر النفسية إلي تغيرات جسمانية تقابلها في التنفس / في الدورة الدموية، أو الإفرازات، أو الحركات العضلية، كما حاول تحديد الأعضاء أو المراكز العصبية التي تقابل كل وظيفة نفسية ليصل في النهاية إلي المراكز الدماغية التي تسيطر علي وظائف النطق والحديث. وهذه النظرية (نظرية التوازي) لم تكن مبدأ تفسير بل كانت بمثابة أسلوب منهجي، أي كفرض يوجه البحث، ويساعد في الوصول إلي النتائج، هذا كان ما جاء في الفصل الأول من كتاب فكرة الجسد في الفلسفة المعاصرة، والكتاب يمثل الجزء الأول من مشروع يتبناه الدكتور الشاروني وبدأ في تنفيذه في خروج هذا الجزء عام 1974، بينما خرج الجزء الثاني سنة 1977 بخروج كتاب الوجود والجدل في فلسفة سارتر، ثم خروج الجزء الثالث عام 1981 بخروج كتاب " فلسفة جان بول سارتر " .

وفي مقدمة كتاب فكرة الجسد في الفلسفة الوجودية يبين الدكتور حبيب الشاروني أنه كغيره من دارسي الفلسفة صاحب تجربة، وتجربته تعود إلي سنوات إقباله علي تعليم الفلسفة، وأحس أنه حائر بين وجهتين، هما التصورية التي تبدأ بالفكر أو النفس وتقف عنده وقد استعدت الجسم واعتبرته مجرد تصورات وتقف عنده وقد استبعدت الجسم واعتبرته مجرد تصورات، والوجهة المادية التي اضافت القيمة الذاتية للمادة لا الفكر، واستبعدت النفس حين اعتبرتها مجرد فكرة طارئة علي تغيرات الجسم، ولم تكن تلك الحيرة فلسفية بحتة، وإنما كانت حيرة تلتمس السبيل إلي السيطرة علي الجسد من أجل السيادة عليه.. "، وهو موقف وجودي وسارتري (كما ذكر الدكتور مصطفي العبادي في مقاله حبيب الشاروني .. الصديق والإنسان) فوق كل شئ وثيق الصلة بقيمة الحرية ومفهوم الإنسانية في فلسفة سارتر،من حيث أن الوجود المادي للفرد فعل طبيعي، وأن علي الفرد بإرادته الحرة إعادة إنشائه ليصبح إنساناً وجودياً حقاً، فالحرية عند سارتر كما كشفها حبيب الشاروني في كتابه الوجود والجدل في فلسفة سارتر وسيلة وغاية في الوقت عينه.

وهنا كشف لنا حبيب الشاروني علي أنه ليس فحسب دارسا مرموقا في للفكر الوجودي وما يقوم عليه من أسس فينومنولوجية راسخة، وإنما مؤمناً به أيضاً إيماناً لا يختف عن إيمانه بالفلسفة الأولي باعتبارها رؤية جذرية للوجود وتأكيدا لايكل لمعني الإنسانية فيما تقوم عليه من مبادئ الحرية والإرادة وقيم المشاركة والتضامن، التي هي أفق العلاقات عبر الذاتية، بل والقبلية التي يقيم عليها هوسرل مفهومه للذاتية الترنسندنتالية (وذلك حسب ما ذكرة د. محمد علي الكردي في ذكري حبيب الشاروني).

إن درس سارتر يتيح للشاروني تأكيد الوعي الإنساني بما هو " وجود لذاته" أمام العالم بما هو " وجود – في – ذاته" ؛ وهو وعي لا يتأكد إلا علي أساس من الحرية، التي هي قدر الإنسان قبل أن تكون مجرد اختيار له، ومن الإرادة المبدعة، الأمر الذي يسمح له بتحويل العالم من كينونة صماء لا هدف لها إلي عالم قابل للفهم وتحقيق المعني والتعايش والحوار الحقيقي بين الأنا والآخر ولكن بعد تجاوز موضوعية الأجساد وإمكانية تصادمها بواسطة بناء وتوثيق العلاقات " البين ذاتية " . وليس من شك في أن هذه الرؤية الوجودية الأولية هي التي تتيح لنا تجاوز الثنائية المتعارضة التي شطرت الفكر البشري إلي رؤيتين متنافرتين لا سبيل إلي التقائهما : الرؤية المادية من جهة، والرؤية المثالية من جهة أخري . فالمادية ترد الإنسان إلي مكوناته الفيزيقية البحتة ونجعل من الفكر مجرد إنعكاس آلي لوظائفه الفزيولوجية والعصبية ؛ والمثالية تفصل بين روحه وجسده وتجعله مجرد صورة وهمية لنفسه أو مجرد ظل لأنوار لا يستطيع بلوغها إلا بعد موته وفنائه (وذلك حسب ما ذكرة د. محمد علي الكردي).

لقد استطاعت الوجودية عبر فكر " سارتر " و" ميرلو-بونتي " أن ترد الاعتبار إلي الجسم بعد أن فصلت بينه وبين الشعور بالفلسفات الثنائية السابقة فالجسم ليس بآلة، كما ذهب الطبيب "دي لامتري " وليس بسجل للنفس، يقول حبيب الشاروني :" نحن نلقي هذا الآخر حين نعود إلي تجربة الجسم من حيث هو حركة نحو العالم، وباعتباره القوة الفاعلة التي أحصل خلالها علي هذا العالم، فإذا عانيت هذه التجربة وتبنيت التلازم بين وعي وجسمي والعالم، تبينت بالمثل أن جسم الآخر حاصل علي وعي أو أن الآخر له جسم خاص يماثل جسمي ويحمل مثله الوجود . إن الجسم، مثل بقية الموجودات التي تنبثق علي أفق الوجود البشري، مشبع بالدلالات والمعاني ؛ كما أنه نتاج لثقافة متفردة، وإن كان تفردها لا يكتسب معناه إلا عبر لغة تقوم علي التماثل والاختلاف مع الثقافات الأخرى المعاصرة أو السابقة عليها تاريخيا . والتاريخ بدوره، إذا نظرنا إليه هو أيضا من المنظور الفنومنولوجي ؛ أي منظور الحياة والتجربة المعيشة لا يشكل مجرد قالب زمني تفرضه علاقات القوي السائدة، فهو في جوهره، مجموعة الفرس التي يتجلي من خلالها الوعي البشري، ولا يكتسب معناه إلا انطلاقا من الحاضر في انفتاحه علي بعده الماضي من جهة، وفي انفتاحه من جهة أخري علي عالم الاحتمالات الممكنة التي يتشكل منها المستقبل (وذلك حسب ما ذكرة د. محمد علي الكردي).

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور حبيب الشاروني الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور حبيب الشاروني الإنسان والأستاذ وإن كان جسده قد فارقنا، فإن فكره سيظل باقيا ن ما بقيت الحياة علي وجه الأرض . ولا يسعني إلا أن أقول مع أستاذنا الدكتور عاطف العراقي أن أخاطب روحه في السماء قائلا: اذكريني، وذلك بعد أن انتشر الفساد الفكري والظلام الثقافي، ازدادت فيه طرق وأساليب جيوش البلاء والظلام، بحيث أصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان، وإن كان أكثرهم لا يعلمون .

نعم أقول لروحه اذكريني حين يتم لقاء الأرواح بالأرواح في عالم الخلود، وبعيداً عن العالم الزائل الذي نعيش فيه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد عليمن أسمي الأفعال التي تمثل المعني الحقيقي لتقدير الغواصين في بحور الفلسفة هي تلك الكلمات الجميلة والرائعة التي قالها العالم المصري الدكتور" علي مصطفي مشرفة" في حقهم وهي أن "العقلية العلمية عقلية التجربة المنظمة.. عقلية من يتلمس معرفة الأشياء عن طريق الأشياء ذاتها، وهي أيضا عقلية من لا يغالي في التعميم أو يسرف في التوكيد، بل ينظر الى الأمور نظرة تبصر وحذر، نظرة من يعرف حدود دائرة علمه، فلا يشط عنها وهو يعمل على اتساع هذه الدائرة في جد وتواضع."

وهذا الكلام في اعتقادي ينطبق علي هذا المفكر الجليل الذي أكتب عنه هذه الكلمات؛ ألا وهو عن الأستاذ الدكتور محمد علي أبو ريان (1920-1996م) (أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الاسكندرية بجمهورية مصر العربية)، وذلك في زمن عز فيه الوفاء والولاء وغلبت أخلاق السوق كل شئ وتراجعت فيه القيم النبيلة المحكمة، حيث لا أنسي عندما اتصلت بي هاتفيا الأستاذة الدكتورة سناء عبد الحميد (أستاذ علم الجمال بجامعة جنوب الوادي)، تسألني علي استحياء أن أشارك بمقال في الكتاب التذكاري الذي سيصدر قريبا عن الدكتور أبو ريان، وقبلت علي الفور بل لا  أبالغ إن قلت بأنه لمن دواعي سروري أن أنال شرف الكتابة في هذه المناسبة عن هذا الرجل العظيم، الذي يعد من أبرز أساتذة الفلسفة في مصر والعالم العربي في القرن العشرين، حيث كان لمؤلفاته وللمدرسة العلمية الواسعة الأثر الكبير في نشر الفكر الفلسفي وتوسيع دائرة المتخصصين فيه، فضلاً عن عمله الجامعي علي مدار ما يقرب من نصف قرن وما شغله من مناصب خلال هذه الفترة، وما قدمه من مؤلفات، وأبحاث، ومشاركة في مؤتمرات وندوات، وتخريج لصفوة الباحثين المنتشرين في أرجاء الوطن العربي، علاوة علي كونه صاحب واحدة من أهم المحاولات العربية للتأريخ الشامل للفلسفة من منظر عربي إسلامي. كما كان في ذات الوقت صاحب رؤية منهجية جديدة في مجال تخصصه الدقيق في مجال الفلسفة الإسلامية.

ولد محمد علي أبو ريان في السادس من شهر مايو عام 1920م، وتلقي تعليمه الأولي ككل أبناء جيله حيث حصل علي شهادة الكفاءة وشهادة الثانوية العامة، والتحق بعد ذلك بكلية الآداب جامعة الاسكندرية حيث تخصص في الدراسات الفلسفية والاجتماعية وحصل علي درجة الليسانس بتقدير عام جيد جدا عام 1944م . التحق بعد ذلك بالدراسات العليا ليحصل علي ماجستير الفلسفة من نفس الكلية والجامعة عام 1950م بمرتبة الشرف الأولي وكان موضوعها " ميتافيزيقيا الإشراف عند شهاب الدين السهروردي" ويحصل في ذات الوقت علي دبلوم للدراسات العليا في التربية في التربية وعلم النفس عام 1946م، وكذلك علي دبلوم معهد الخدمة الاجتماعية لدرجة الماجستير من جامعة الاسكندرية عام 1950م. وقد عين عقب هذا وذاك مدرسا مساعدا بقسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية في نفس العام 1950م.

وقد سافر بعد ذلك إلي فرنسا حيث قضي عدة سنوات حصل خلالها علي درجة الدكتوراه، دكتوراه الدولة من السربون (جامعة باريس) مع مرتبة الشرف الممتازة عام 1956م، وكان عنوانها " انتقال المثل الأفلاطونية إلي المدرسة الإشراقية" . عاد بعد ذلك إلي مصر ليتدرج في السلك الأكاديمي فرقي إلي درجة أستاذ في الفلسفة وتاريخها عام 1969م، وعين رئيسا لقسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية عام 1972م ومرة أخري بين عامي 1979-1981م، كما عين مديرا لمركز لتراث القومي الذي أسسه عام 1984م وظل رئيسا له إلي وفاته في الحادي عشر من شهر يوليو 1996م.

أما عن مؤلفات الدكتور أبو ريان، فقد ترك الكثير من المقالات المهمة التي أثرت المكتبة العربية . وتتميز معظم هذه المؤلفات بالشمولية أو الموسوعية حيث تظهر هذه النزعة في معظم مؤلفاته في مجال الفكر الفلسفي بعامة، والفكر الإسلامي بخاصة . وليس أدل علي ذلك من موسوعته الفلسفية والتي تشتمل علي التأريخ لتاريخ الفلسفة ابتداء من إرهاصاتها الأولي عند اليونان، وحتي العصر الحديث والمعاصر وذلك بعرض هذا التراث الفلسفي الطويل في جملة من مؤلفات من:

1- تاريخ الفكر الفلسفي عند اليونان – الجزء الأول: من طاليس إلي أفلاطون.

2- تاريخ الفكر الفلسفي عند اليونان – الجزء الثاني: أرسطو والمدارس المتأخرة

3- تاريخ الفكر الفلسفي عند الإسلام – الجزء الأول: من المقدمات العامة.

4- الفرق الإسلامية وعلم الكلام.

5- تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام – الجزء الثاني: الحركة الصوفية في الإسلام .

6- تاريخ الفكر الفلسفي – الجزء السادس: الفلسفة الحديثة.

علاوة علي بقية كتبه الأخري ؛ فقد كتب في المدخل إلي الفلسفة كتاب " الفلسفة ومباحثها"، وفي علم الجمال " فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة "، وكتاب " النظم الاشتراكية مع دراسة مقارنة للاشتراكية العربية" كمت ترجم " المدخل إلي الميتافيزيقا " للفيلسوف الفرنسي الشهير " هنري برجسون". كما كتب بالاشتراك مع زميله وصديقه علي سامي النشار كتاب " قراءات في الفلسفة " ضمنه نشر العديد من نصوص فلاسفة الإسلام، وكتب بالاشتراك مع علي سامي النشار وعبده الراجحي " هيرقليطس فيلسوف التغير وأثره في الفكر الفلسفي "، كما كتب بالاشتراك مع بعض تلاميذه كتاب " أسس المنطق الصوري ومشكلاته"، وقد طبعت هذه لمؤلفات أيضا أكثر من مرة في دور نشر مختلفة. كما كتب عن " الإسلام في مواجهة تيارات الفكر الغربي المعاصر" وركز فيه علي المواجهة بين الإسلام والماركسية، كما كتب " المدخل الإسلامي للأيديولوجيا العربية وكتاب عن " الإسلام السياسي في الميزان" و" المنهج الإسلامي في العلوم الإنسانية"، كما كتب في هذا الميدان أيضا دراسته الرائدة عن " أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب الدين السهروردي" ... وهلم جرا

وتختص رؤية محمد أبو ريان الفلسفية ـ التي قـدمها منذ كتابه الأول " تاريخ الفكر الفلسفي عند اليونان حتى كتابه " المدخل الإسلامي للأيديولوجيا العربية "- عن معظم الكتابات الفلسفية العربية بسمات أساسية ثلاث: الأولى: عدم خضوعه للمشكلات الفلسفية التي يفرضها تاريخ الفلسفة الغربية على الفكر العربي، والثانية:عدم تبنيه لإطروحات المذاهب الفلسفية الرائجة في الغرب والتي يتبناها غيره مـن المفكرين العـرب كالوضعية والوجودية والماركسية والبنيوية؛ حيث تؤكد أعماله المختلفة أن الابداع الفلسفي هو ممارسة الفلسفة وليس التقيد بتاريخ الفلسفة ومشكلات أو الخضوع للإيديولوجيات السائدة. فأعماله جميعا رغم الموضوعات المتنوعة والمتباينة التي تدور حولها تحركها إرادة قوية نحو "الوضوح النظـري" ويجمعها توجه واحد نحو الابداع الذاتي والاستقلال الفلسفي عبر تحليل نقدي مفهومي لطبيعة ومجال وحدود الفلسفة والايديولوجية والسلطة، والحرية والعديد من المفاهيم الغامضة في فكرنا المعاصر. وهو يمكننا عن طريق تحليلاته الفلسفية المختلفة أن نقول إننا بصدد نقلـة مهمة في فكرنا العربي المعاصر وفلسفتنا الراهنة، تعد بداية تـراكم فلسفي، يمكن أن يؤدي إلى مدارس فلسفية وليس بناءات "مشاريع" ذاتية ليست سوى امتداد لفلسفات غربية.

علاوة علي أن المشروع الفكر للدكتور أبو ريان متعدد الجوانب، حيث قدم رؤية للفن والحياة وقدم تطبيقات مختلفة لهذه الرؤية في تلك المؤلفات المتنوعة، تتبع النظريات الفلسفية من زمن طاليس وسقراط وأفلاطون وأرسطو إلي ديكارت وكانت وهيجل وسارتر، وغيرهم وصولا إلي الفلاسفة المعاصرين شارحا وموضحا لآرائهم وأفكارهم.

والدكتور أبو ريان أحد أبرز النقاد والأكاديميين الذين اجتهدوا في سحب الفلسفة إلي مناطق موغلة في الأهمية، وتعد القراءة الفلسفية للجمال والفنون من أهم الموضوعات التي تناولتها كتابات الدكتور أبو ريان، فضلا عن قراءاته النقدية المستندة علي خلفية الدراسات الاستاطيقية ؛ وفي كتابه " فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة " يبين أن الجمال يقوم علي التماثل والانسجام، ويبين ذلك من خلال بيان أن فكرة التماثل أو التناسق أو الانسجام فكرة قديمة تعود إلي أيام فيثاغوس وأفلاطون وأرسطو لكنها فكرة نسبية أيضاً.

ويتضح حرص أبو ريان على تمييز الفلسفة وتأكيد دورها في حياتنا مقابل كل ضروب الممارسـات الإنسانية الأخرى الإيديولوجيـة، الدينية، العلمية والسياسية وذلك بالتأكيد علـى ضـرورة التحليل النقدي للمفاهيم وفي مقدمتها مفهوم:  الأنا والآخر ومفهوم التجديد والتحديث والتغريب  وذلك علي النحو التالي وذلك حسل ما ذكره ما ذكره الدكتور خالد أحمد في مقاله " أبو ريان مفكر عربي معصر":

1-  مفهوم الأنا والآخر: يقصد أبو ريان بالأنا الأمة العربية الإسلامية، وبالآخر الغرب الأوربي ؛ حيث يري أن الغرب وهو الآخر قد اعترف بنهضة الحضارة الإسلامية فيما بين القرنين السابع والحادي عشر الميلاديين وكيف أن تلك النهضة الإسلامية كانت بمثابة القاعدة الراسخة التي بني عليها الغرب حضارته الحديثة بعدة طرق، فيقول: وقد اعترف الغرب بهذا التفوق الإسلامي الكبير، بل إن كتابهم كانوا هم رواد حركة الاستشراق المحدثة التي كشفت عن جوهر الحضارة الإسلامية ونفاستها في عصر الإنارة الإسلامي الأول، وعن الأسس الإسلامية الحضارية التي بني عليها الغرب حضارته الحديثة سواء كان ذلك عن طريق بغداد أو مشق أو صقلية أو الأندلس، أو الحروب الصلبية بصفة عامة حيث كانت مجالا لاحتكاك مرير بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي تكشفت معه للغرب نواحي القوة والعظمة الإسلامية في هذه الحروب التي استمرت وهاء مائتي عام كان لها أثرها في زيادة تأثير الحضارة الإسلامية في حضارة الغرب الهابطة آنذاك، وكيف أن الغرب المسيحي قد تعلم الكثير من الدروس عن أخلاقية الإسلام وفروسية جيوشه وشجاعة معتنقيه في مواجهتهم للغزوات الصلبية وتحدياتها اللاأخلاقية الغاشمة التي لا تزال نذرها تتبدي في ألأفق، ولا تكاد تغيب عن أعين المسلم اليقظ الفطن الحافظ لدين الله والمحافظ علي تقاليد هذا الدين الحنيف وعقائده.

2- التجديد: يعرف أبو ريان التجديد تعريفا أولياً قائلا: إنه محاولة المواءمة بين القديم والحديث علي ان تكون نقطة الإنطلاق هي الأصول القديمة وان يراعي عند الاجتهاد في تطبيق الحكم علي الوقائع الجديدة التي لا تتعارض مع ما سبق للمسلمين أن أجازوه من أحكام شرعية في ظروف شبه مماثلة. وفي مقابل هذا التجديد المقبول شرعا يذكر الدكتور أبو ريان أن هناك دعوات للتجديد المرفوض الذي يأباه الشرع. ومن أمثلتها ما استنته القاديانية من أبطال فريضة الجهاد في الإسلام.. وهكذا تتضح معالم التجديد الصحيح من التجديد الزائف، ولعل الكثير من الأمور تنتظر الإدلاء بآراء جديدة بعد استحداث العلم لمنجزات كثيرة كالسيارة والطائرة والتلفزيون والمركبات الكيميائية وغيرها، وكذلك بعد وصول الإنسان للقمر ودخولنا عصر الذرة والفضاء، هكذا قال أبو ريان.

3- التحديث: يعرف الدكتور أبو ريان التحديث بأنه اعتبار الحديث الغربي أمرا نموذجيا ثم الانطلاق منه إلي القديم لمحاولة تحديثه، فإذا كان التغيير شاملا، كان في انتظار افتئات علي الأصل القديم، ومن ثم يتعين بقدر المستطاع التزام أصول الشريعة إنما يعد مظنة للخطأ وخضوعا للهوي واستباحة للنظر العقلي غير الملتزم بالقواعد الشرعية، ومن صور التحديث التي يرفضها الدكتور أبو ريان، إطلاق إباحة الإفطار في رمضان بغرض زيادة الإنتاج وتقدم البلاد كما أفتي بذلك في تونس، وأيضا التدخل في قانون الأحوال الشخصية بالصورة التي أخرج عليها في عهد السادات حيث إن زواج الرجل من امرأة ثانية يبيح لزوجته الأولي الطلاق – إذا أرادات ... إلي آخره.

4- التغريب: يصف الدكتور أبو ريان حركة التغريب بأنها أخطر الحركات التي راح بريقها في أعين الشباب وتستحوذ علي نفوسهم وأحاسيسهم . ويعرف التغريب بأنه محاولة لإلغاء القديم أصلا وإهالة التراب عليه من دون أن يكون له ذكر أو كيان يشكل يوما جزءً من ماض مجيد، أما البديل فهو الحضارة الغربية بكل مقوماتها ؛ ذلك أن التكنولوجيا المصاحبة لهذه الحضارة قد أغرت الناس يوما بنجاحها في السيطرة علي الأحداث وعلي شعوب هذا العالم كافة، بينما لم يقدم الشرق أو الإسلام المعاصر بصفة خاصة أي صورة بديلة للنجاح في العلم أو في الصناعة أو في الحرب، بل علي العكس من ذلك، إذ يري الشباب أمامهم مصارع المسلمين في أنحاء العالم في العصر الحديث، فبعد استعمار طويل لم ينج منه بلد إسلامي واحد سوس موطن الخلافة في تركيا، نواجه بصور من القتل والدمار والتشريد والتخريب في الفلبين، وفي الهند ... إلي آخره . هذا فضلا عن أن مناهج التربية والتعليم التي تخرج عل أساسها أبناؤنا قد وضعها دهاقنة التربية في الغرب . فمثلا نجد أن التعليم الحديث في مصر قد وضع أسسه الغربية مستر دنلوب وأعوانه، وهؤلاء كانوا لا يريدون أن تكون مصر مركزا مزدهرا للعلم والثقافة، لا كانت الغاية من التربية والتعليم هي القضاء علي شخصية المتعلم حتي يخضع للمستعمرين وتكون طوائف من الموظفين الذين يجيدون العمل تحت إمرة الحكام الإنجليز ومن يقربونهم من العملاء. وقد كانت هذه المناهج الفاسدة هي مقدمات الغزو الفكر التالية بعد الموجة الأولي الفرنسية التي كانت مصر ميدانا لها بعد غزو نابليون لأراضيها. ويرفض الدكتور أبو ريان هذه الصور من التغريب التي تحاول طمس الهوية العربية الإسلامية.

وأخيرا إذا أردت عزيزي القارئ أن تتعرف علي بعض جوانب وقدرة ومهارة الدكتور أبو ريان في النقد والتحليل، وإذا أردت أن تتعرف علي براعة هذا الغواص الماهر وطريقته الفريدة في الغوص والبحث وراء معاني التصورات والمفاهيم في بحر الفلسفة العميق المترامي الأطراف، فعليك بقراءة كتبه علها تفتح شهيتك لقراءة المزيد من كتاباته وتستحثك للخوض بنفسك في بحار الحكمة ومحيطات المعرفة .

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور أبو ريان، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور أبو ريان، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

حسين سرمك حسنمرّت قبل أيام الذكرى الثانية والثلاثون لأغتيال الفنان الفلسطيني المناضل “ناجي العلي” (1937ـ1987) ولم تحظ بالتغطية اللازمة عربياً كجزء من حالة الانهيار الفكري والمعنوي لأمّة تأكل أبناءها.

في هذه المناسبة الحزينة راجعتُ جانباً كبيراً من تراث المبدع الراحل وعددا كثيراً من المقالات التي كُتبت عنه. وقد لفتت انتباهي قدرته الاستشرافية الفذة على توقّع نُذر الخراب المقبل الذي سيطيح بالأمة خصوصا في ما يتعلق بثوابتها المركزية. بعض تلك الاستشرافات "النبوءات" تعود إلى مرحلة مبكرة من السبعينات. وعلى سبيل المثال: لم يكن أحد يتوقع على الإطلاق أنّ القضية التي تمزّقت الحناجر وتقطّعت القلوب وسُفكت دماء الشباب العربي الطاهرة من أجلها وهي قضية فلسطين والتي كانت توضع في مرتبة عليا مقدّسة في عقول وأرواح العرب تصبح هدفاً للتمزيق والتآمر بل والاستخفاف من كل جانب. ولا أن تصبح الخيانة وجهة نظر. ولم يكن يمر في بال أحد أن الحكام العرب يتفاخرون على شاشات التلفاز بزيارة الكيان الصهيوني الغاصب بل واستقبال الوفود الصهيونية في بعض العواصم العربية في الوقت الذي يذبح فيه الصهاينة شعب فلسطين بلا رحمة.

ضمير المبدع هو شاهد أمّـته الذي يضطرب ويشعر بنذر الخراب مثلما تستشعر آلات كشف الزلازل تمزقات الأرض المقبلة قبل أن تشعر بها الحشود التي تسوقها العاطفة. وقد توقّع ناجي العلي هذه النُذر وأحسّ بها بقوة انعكست في "العنف التعبيري" الذي وسم رسومه الكاريكاتيرية التي تابعها المواطنون العرب في كل مكان داخل الوطن وخارجه. بل أحسّ بقيمتها وشدّة تأثيرها أعداء الأمة وخونتها فأطلقوا عليه رصاصة الاغتيال القذرة يوم 22 تموز 1987 في لندن ليفقد الوعي ويُنقل إلى المشفى يصارع الموت ثم تنتقل روحه الطاهرة إلى عليين يوم 29 آب 1987.

أحسّ ناجي العلي بنُذر الخراب السود هذه بقوة فجسّدها في رسومه باللون الأسود بقوة وعنف أيضا ؛ عنف ساخر مرير يمزّق الأرواح ويبكي العيون:

- قبل ثلاثين عاما صوّر وقاحة فرش سياسات التطبيع مع العدو بحماسة وأمام الأنظار ؛

- صوّر الحكام العرب حيارى يهجمون على مَنْ: سوريا أو "اسرائيل" في حالة وقوع هجوم على سوريا!!

- صوّر مسخرة التحوّل لتحرير أفغانستان قبل فلسطين !!

- توقّع الانخذال المخزي للحكام العرب إلى حدّ تهيئة مؤخراتهم "للخوزقة" الصهيونية المقبلة!!

- توقّع – مُنكراً – أن تتحوّل الخيانة إلى وجهة نظر!!

- توقّع أن تستمرىء القيادات الفلسطينية الجلوس في أحضان الأنظمة والمراهنة على أمريكا حدّ تضييع القضية كما حصل فعلياً !!

- توقّع تحوّل نار الطائفية التي تحت الرماد إلى سعير وحرائق تعصف بوجود الأمة فتحولها إلى دويلات !!

- استشرف اليوم الذي يصل فيه الطغيان حدّ أن مجرد الكلام عن أمريكا والكيان الصهيوني سيكون من المحرمات!!

- وغير ذلك الكثير.

ولكن مقابل ذلك عاش ناجي العلي ومات وهو يراهن على إرادة الأمة وشهادة أناسها البسطاء (ممثلين بشخصياته الشهيرة مثل حنظلة وفاطمة وغيرهما) على هذا الخراب والتردي ومقاومته بالصبر والتحمّل الأسطوريين والتمسك المستميت بالتراب الوطني المقدّس والزهد الأخلاقي والترفّع على الفساد فصوّر إصرار المواطن العربي المُحطّم والعاري على الإيمان بثوابته ووحدة مجتمعه نابذاً التمزيق الطائفي ومُصرّاً على النزاهة والشرف ومواجهة القوى الامبريالية برغم تجبّرها فصوّر مُحذّراً من ثورة الجياع المقبلة.

ومن المهم الإشارة إلى نشر بعض المواقع والصحف تصريحا لخالد العلي نجل الشهيد ناجي العلي بأن والده قد تنبأ وصوّر "ثورة السكاكين" قبل ثلاثين عاماً (راجع شبكة فلسطين للحوار ووكالة معا في الاسكندرية وموقع فلسطين) (وراجع الرسوم أدناه).

أترك رسوم ناجي العلي تتحدث عن استشرافه لنُذر الخراب التي صارت حقيقة دامغة وجارحة وأتمنى على المواقع المؤمنة بدورها الثقافي ومهمتها التنويرية الذي يتطلب التعب والكد أن تنشرها ولا تقتطعها فتضعف غايات المقالة وتصوير دور المبدع الراحل:

1228 ناجي العلي 1

(نهجم على مَنْ: سوريا أو اسرائيل!!) 

1228 ناجي العلي 2

(قريباً في الأسواق: ثورة الجياع) 

1228 ناجي العلي 3

(تسقط جارة كندا_ راح يجي وقت اللي يهاجم اسرائيل بكلمة .. بيخطفوه!) (احتجت "اسرائيل" قبل شهر على عرض قناة الجزيرة فيلما يشكك بالمحرقة اليهودية فقامت القناة بطرد الصحفيين اللذين أعدا البرنامج)

1228 ناجي العلي4

1228 ناجي العلي5

(الجهاد في أفغانستان أولى من الجهاد في فلسطين) 

1228 ناجي العلي6

(دي .. ويلات.. شيعية سنية فاطمية علوية درزية مارونية.. إلخ) 

1228 ناجي العلي7

(انحطاط حال المرأة العربية) 

1228 ناجي العلي 8

1228 ناجي العلي9

(التطبيع الوقح)

1228 ناجي العلي 10

(رجم القيادات الفلسطينية التي ضيّعت فلسطين)

 

1228 ناجي العلي 11

(أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر)

وها هي تتحوّل إلى قوادة ودعارة:

1228 ناجي العلي 12

(عندما تصبح الخيانة وجهة نظر "ثقافية" تتحوّل إلى قوادة ودعارة) 

1228 ناجي العلي 13

(التنبؤ بثورة السكاكين - 1) 

1228 ناجي العلي 14

(التنبؤ بثورة السكاكين -2) 

1228 ناجي العلي 15

(التنبؤ بثورة السكاكين -3)

الإصرار والصبر والصمود والإيمان بالثوابت: 

1228 ناجي العلي 16

(الإيمان بوحدة الأمة: لا مسلم ولا مسيحي ولا سنّي ولا سيعي: أنا عربي يا جحش) 

1228 ناجي العلي 17

(لا تفريط بفلسطين الحبيبة.. شهادة من طفل فلسطيني: لا لقصة الشاطر حسن كي أنام بل قصة الغبي الذي يريد التفريط بفلسطين كي أصحى)

1228 ناجي العلي 18

(في وقت الاتصالات السرية مع أمريكا- ناجي العلي: يا أمريكا: سنقاوم)

الختام: هذه الصورة النادرة:

المبدع العراقي الكبير أحمد مطر (في الأمام) يحمل نعش رفيق دربه الشهيد ناجي العلي) 

1228 ناجي العلي 19

 

الدكتور حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة – 2019

 

زبيدة بشير اول شاعرة وروائية ومنشطة إذاعية تونسية ولدت سنة 1938 وتوفيت في 21 أوت 2011، متحصلة على العديد من الجوائز الوطنية والدولية.

هذه الشاعرة الفذة هي رائدة الشعر النسائي في تونس وصوتها الشعري ظل متميزا على مر الزمن

في الحقيقة هي امراة حديدية ذات ارادة قوية ضربت بجميع الحواجز الذكورية وتخطت العادات والتقاليد وحدود الاعراف المتفق عليها في ذاك الزمن المظلم، زمن المجتمع المكبل بالعادات والتقاليد البالية وكبت صوت المرأة واعتبارها كسقط المتاع او سلعة كالحيوانات تباع وتشترى في زمن الجهل والامية المستفحلة، لم تزاول تعليمها في مدرسة أو كلية بل كانت عصامية التكوين وقد حرص والدها عند صغر سنها على تعليمها القرآن الكريم. تلقت توجيهات شعرية من الشاعر مصطفى خريف. تقول في قصيدة في بدايات ميولاتها الشعرية وعمرها لم يتجاوز 13 سنة اذا هي ابنة بيئتها:

عيروني نكرات الجهل        الحمق بحزني وشجوني

فاتركوني لا أنا منكم           ولا فيكم خليق حنيني

لي ديني غير أديان            الورى في ثورتي أوفي سكوني

دينكم حقد وبغض              وأنا الإخلاص ديني

وليس هذا وحسب بل هي أول امرأة تونسية تتمكن من نشر ديوان شعري سنة 1968 تحت عنوان "حنين" .

ولدت الشاعرة زبيدة بشير في ساقية سيدي يوسف يوم 8 فيفري 1938 واسمها الكامل زبيدة بنت البشير بن محمد السوفي: وهو أصيل الجزائر وينحدر أساسا من وادي سوف المدينة التي لا تبعد عن توزر إلا 100 كلم ومن وادي سوف بالجنوب الشرقي الجزائري انتقل إلى مدينة سوق أهراس بالجزائر ومنها تحول إلى ساقية سيدي يوسف تلك المدينة التونسية الحدودية التي اشترك فيها كفاح التونسيين والجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي. وهناك استقر البشير بن محمد السوفي وتزوج من التونسية عائشة بنت عمار الشابي التي أنجبت له البنين والبنات وكانت زبيدة هي ابنتهما البكر.

ولما كان هذا الرجل مثقفا وحافظا للقرآن وللشعر الجاهلي وللمدائح والأذكار والفنون الشعبية فقد حرص على تعليم ابنته القراءة والكتابة فعلى يديه حفظت القرآن الكريم والكثير من الشعر ذلك أن المجتمع الغارق خلال الثلاثينات والأربعينات في الجهل والتخلف لم يكن يسمح بتعليم البنت في المدرسة. لذلك يمكن اعتبار الشاعرة زبيدة بشير عصامية ولكنها طوّرت معارفها من خلال الاستماع خاصة إلى البرامج الإذاعية لمختلف المحطات حيث لعبت الإذاعة آنذاك دورا مهما في نشر الوعي والثقافة في صفوف المستمعين.

وقد شاءت الصدف والظروف أن تلتحق زبيدة بشير بالإذاعة الوطنية لتعمل فيها مذيعة ومنشطة برامج مدة عشرين عاما من 1960 إلى 1980 وهناك من يعتبرها قد عملت في الإذاعة من 1959 إلى 1981 أي طيلة 22 عاما حيث كانت لها الكثير من البرامج الأدبية على غرار «مرادفات» و»لقاء الأحبة» بالإضافة إلى برنامج أسبوعي بإذاعة (صوت أمريكا) الذي كان تسجيله يتم في المركز الثقافي الأمريكي. كما شاركت زبيدة بشير في البرنامج الشهير «هواة الأدب» مع الشاعرين عبد المجيد بن جدو ومصطفى خريف وهذا الأخير رعاها منذ دخولها إلى الإذاعة وكتب مقدمة ديوانها الأول (حنين) ويبدو أنها قبل أن تعرف كشاعرة كتبت زبيدة بشير القصة ذلك أنها فازت سنة 1958 بالجائزة الأولى في مسابقة أدبية نظمتها إذاعة باريس عن قصة لها بعنوان (النغم الحزين) وقد تحولت إلى هناك لتسلم جائزتها حيث أقيم لها حفل بالمناسبة أما في العام الموالي 1959 فقد كانت الجائزة أيضا من نصيبها في مجال الشعر من خلال قصيدة لها بعنوان "الحب الضائع".

ويُقال أنها كتبت إضافة إلى الشعر والقصة، العديد من المسرحيات التي تولت فرقة الإذاعة للتمثيل تقديمها كما كانت زبيدة بشير تحضر المؤتمرات الأدبية وخاصة تلك التي كانت تقام ببغداد في العراق وقد اُدرجت مجلة الإذاعة صورا لها مع عبد الرحمان الشرقاوي ويوسف السباعي ومع الشاعر المصري الكبير أحمد رامي.

وفي رحاب الإذاعة الوطنية أمكن لزبيدة بشير أن تتعرف من قريب عن عديد الأسماء الشعرية والأدبية في تونس مثل نور الدين صمود وجعفر ماجد وعبد العزيز قاسم ومنور صمادح ونور الدين بن محمود بالإضافة إلى مصطفى الفارسي وأحمد اللغماني وفرج شوشان وغيرهم ولئن تميزت زبيدة بشير بقريحة لا تنضب فقد جاء في حوار أجري معها سنة 2010 ما يلي: «لم يساعدني على طباعة ونشر ديواني الأول «حنين» سوى «هنري سمادجة» مؤسس جريدة «لابريس» الذي كان معجبا بأشعاري» ويبدو أنها لم تجد المساندة من الشعراء الرجال الذين عاصرتهم حتى أنها انسحبت فجأة وظلت معتكفة في بيت بالمنزه السادس، كان أحد أصدقائها يتولى دفع إيجاره وهو حمادي الجلازي ولم تظهر زبيدة بشير إلا سنة 2001 أي بعد عشرين عاما من العزلة والاعتكاف وكان «الكريديف» قد تولى سنة 1995 بعث جائزة أدبية تحمل اسم هذه الشاعرة وهي جائزة مازالت إلى الآن لم يقع حجبها مثل جائزة أبي القاسم الشابي التي كان يسندها احد البنوك في تونس.

هذا الظهور أنهى لغز اختفائها وكان حافزا لظهور قصائدها من جديد وصورها على صفحات الجرائد وقد تولى الكريديف طباعة ديوانها الثاني (آلاء) سنة 2002 ثم صدر ديوانها الثالث (طائر الفينيق) سنة 2011 لتصدر دار محمد علي للنشر دواوينها الثلاثة مجمعة في كتاب واحد بعنوان "الأعمال الكاملة".

عن هذه الشاعرة التونسية الرائدة والمبدعة كتبت الدكتورة عائشة عبد الرحمان (بنت الشاطئ) في جريدة الأهرام ما يلي: «لولا نبرة الحزن والأسى التي تطغى على معظم قصائدها لقلت أن زبيدة بشير هي أميرة الشعر العربي» وقال عنها أحمد العموري هي «شاعرة العاطفة والابتهال ورفعة الخصال» ويبدو أن علاقة صداقة متينة أصبحت تربطها بهذا الأخير بعد ظهورها المفاجئ في 2001 فمع أحمد العموري حضرت زبيدة بشير يومي 28 و29 ماي 2011 ملتقى أدبيا في الكاف. حيث تم تكريمها وتدشين مكتبة عمومية تحمل اسمها وكأنها كانت زيارة الوداع للجهة التي انطلقت منها.

زبيدة بشير التي قال آخرون عنها: «هي شاعرة الزمن الصعب» و»هي شاعرة المسافات البعيدة» فلقد كان في شعرها إفصاح دقيق عن كوامن النفس وعن صدق الأحاسيس والمشاعر فمجموعاتها الثلاث تزخر بجمال المعاني وحلاوة المباني وكل قصيدة من قصائدها هي صفحة من حياتها التي انتهت يوم الأحد 21 أوت 2011 حيث غيّبها الموت عن سن تناهز 73 عاما. وذلك بعد وعكة صحية مفاجئة حيث تم نقلها إلى المستشفى العسكري بتونس أين سلّمت الروح لخالقها وقد أوصت رئاسة الحكومة الانتقالية آنذاك بضرورة رعايتها وفي مقبرة سيدي يحي بتونس تمت مواراة جثمانها التراب وقد نعتها كل من وزارة المرأة ووزارة الثقافة وعمل الكريديف على إصدار مجموعتها الثالثة بعد رحيلها كما أصدر عنها كتابا توثيقيا مهما بعنوان "زبيدة بشير قمرية الخضراء".

وهكذا كانت زبيدة بشير السوفي صاحبة تجربة متميزة في الشعر وفي الحياة طيلة 73 عاما شابتها الكثير من الصعوبات والعراقيل.

إصداراتها:

- حنين (شعر) الدار التونسية للنشر 1968.

-  آلاء (شعر)، نشر الكريديف تونس 2002.

- طائر الفينيق (شعر)، نشر الكريديف تونس 2012.

- الأعمال الكاملة، دار محمد علي الحامي صفاقس/ تونس 2014.

 

بحث بقلم الاديبة فوزية بن حورية

 

 

محمود محمد عليمن معين نهر النيل العذب وعلي ضفاف البحر الأبيض المتوسط بمدينة الإسكندرية نغرف وجهاً عربياً – مصريا – اسكندرانيا مضيئاً في سماء عالمنا العربي المعاصر، الذي خبت نجومه، وقلت شموسه، وتقلصت رموزه، ولكن الخير كل الخير في البقية الباقية من الرواد العظام الذين لا ينساهم التاريخ أبداً، ومن هؤلاء الرواد نحاول في هذا المقال أن نتطلع إلي نموذج من العباقرة نهتدي عبر طريقه، وشخصية استطاعت أن تستجمع جوانب العلم والثقافة فاتخذته منهاجاً، ثم باحثاً في الفلسفة اليونانية وفلسفة العصور الوسطي لا يشق له غبار.

عرفت الأستاذ الدكتور حربي عباس عطيتو محمود (أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب – جامعة الاسكندرية بجمهورية مصر العربية)، منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، حيث كانت بدايات علاقتي به عندما كنت طالباً بقسم الفلسفة بكلية الآداب فرع سوهاج – جامعة أسيوط، وكان الأستاذ الفاضل يحاضرنا في مادتي ” الفلسفة اليونانية من طاليس إلي أفلاطون، والفلسفة اليونانية – أرسطو والمدارس المتأخرة .

وخلال المحاضرات الأولي له، أدركت بوعي أنني أمام محاضر جيد ومن طراز فريد، حيث كان يشعرني خلال محاضراته في الفلسفة اليونانية بالمتعة، وأقصد بالمتعة هنا متعة الأفكار، وهي تغزو عقلي في زحف هادئ، لكنه معزز بالدليل والبرهان، فيرغمني علي تقبلها باقتناع، علاوة علي تميزه بمتعة الروح التي كانت تتسرب إلي كياني من رقة الأسلوب وعذوبة الكلمات وسلاسة العبارات . كل ذلك يعكس مدي قدرة الدكتور حربي علي توظيف قدراته اللغوية وثقافته الوسيعة لخدمة أغراضه العلمية التي تجسدها محاضراته في الفلسفة اليونانية .

ويتمتع الدكتور حربي عباس بذكاء خارق ومقدرة ظاهرة وكامنة أتاحت له في بعض الأحيان العمل على مدى أربع وعشرين ساعة متواصلة من دون كلل.. وكان حيوياً ونشيطاً في عمله.. وهو إنسان ذو قدرات عالية .. لا ينام أكثر من خمس ساعات في الليل .. عنيد، لا يحده سقف في التطلع والرقي بعمله.. وفي الوقت نفسه فهو موصوف أيضاً بأنه «جنتلمان» ومنطقي لا يستثار.. ومثابر من الطراز الأول .. يملك أفكاراً وعلى الدوام كأنه في تحد لأي شيء يحده .. وهو حسن المعشر .. سريع النكتة كأغلب المصريين.

ولم أكن وحدي هو الذي وقع في أسر هذه الشخصية المتميزة، وإنما يشاركني فيه معظم الزملاء الذي يواظبون علي الحضور، ولم يكن أحد يتغيب عن محاضراته إلا لظرف قاهر يصدم الحرص الشديد علي مشاهدة الأستاذ والتواجد في حضرته، والاعتراف من غزير علمه، واكتساب بعض فضائله الخلقية، ومنهجيته في التفكير والدرس والحوار والمناقشة، وطريقته المتفردة في طرح القضايا والمشكلات في الفلسفة اليونانية ومعالجتها، وغير ذلك كثير من عطاء الأستاذ الذي ظل يتنامي في عقولنا فهماً واستيعاباً، ويتعاظم في نفوسنا حباً وتقديراً وإكباراً .

وعندما شاءت عناية الله أن أقوم بدراسة الماجستير والدكتور في الفلسفة بعد ذلك، كنت أتابع عن كثب الدكتور حربي من خلال جهوده العلمية والبحثية ؛ حيث أدركت أيضا أنه يمثل واحداً من الطليعة الواعية التي أسست الدرس الفلسفي اليوناني والوسيط في العربية منذ ثمانينات القرن الماضي، وذلك عندما اختط لنفسه منذ البداية خطة واضحة محددة المعالم لدراسة الفلسفة اليونانية وفلسفة العصور الوسطي، فالتزم بعمق وجدية بما حدده لنفسه من البداية، فلم ينشغل بغيرها من الدراسات . لقد هيأ الدكتور حربي عباس نفسه لهذه المهمة بالإعداد المتأني الجاد، وذلك بالسعي لامتلاك أدوات البحث العلمي التي يفتقر إليها كثير ممن ساروا في التخصص نفسه، فأتقن اليونانية واللاتينية بجانب الإنجليزية؛ بالإضافة لطول باعه في العربية، وراجع كل المصادر الكلاسيكية الأساسية من يونانية ولاتينية في لغاتها المختلفة، واختار جانباً محدداً واضحاً مال إليه وانشغل به، وكان سبيله لقراءة الفلسفة اليونانية هو الجانب الديني والعلمي والفني.

وقد كان الدكتور حربي عباس على وعي بمهمته ورسالته ودوره في بداية نشاطه الفلسفي، الذي بدأ منذ تخرجه في قسم الفلسفة بجامعة الاسكندرية عام 1975،وهو تقديم "تاريخ واسع شامل للفكر الفلسفي اليوناني واللاتيني". وقد رأى أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا من خلال وسائل ثلاث متاحة أمام الباحث الجاد وهي: الترجمة الأمينة للكتب الأساسية في اللغات المختلفة التي تتناول الفلسفة اليونانية، وتحقيق المصادر الأصلية في فروع الفلسفة؛ بالإضافة لتقديم الدارسات مبتكرة تحيي الجوانب الهامة في هذه الفلسفة وهي عنده الجوانب الفلسفية والدينية والعلمية والفنية التي اهتم بها كثيرا وتابعها طوال حياته، وفي مقدمتها رسالتاه : سواء الماجستير والتي عنوانها "نظرية الفيض عند أفلوطين" عام 1982م، أو الدكتوراه والتي عنوانها " الفلسفة والدين والعلم والفن في مدرسة الإسكندرية من القرن الأول وحتى القرن الخامس الميلادي "دراسة تحليلية نقدية مقارنة" عام 1985م.

وأما عن تدرجه في المناصب الاكاديمية الجامعية، فقد عُين معيداً بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة الاسكندرية عام 1975م ثم مدرساً مساعداً عام 1982، ثم مدرساً عام 1985، ثم أستاذاً مساعداً عام 1994، ثم أستاذا عام 2006م. وعن تدرجه الوظيفي فقد عُين مشرفاً ورئيساً لقسم الفلسفة من 1986 وحتي 1999م، ثم عُين رئيساً لقسم الفلسفة من عام 2007.

وخلال ذلك أصدر للمكتبة العربية عدة كتب من أهمها: ملامح الفكر الفلسفي عند اليونان، ودراسات فى الفلسفة القديمة والوسطى بالاشتراك مع أ.د محمد على أبو ريان، ملامح الفكر الفلسفي والديني فى مدرسة الإسكندرية القديمة واتجاهاتها العلمية والفنية، العلوم عند العرب – أصولها وملامحها الحضارية بالاشتراك مع أ.د حسان حلاق، ابيقور، وفلسفة الأتراكسي، اتجاهات التفكير الفلسفي عند صغار السقراطيين، والمدينة الفاضلة بين أفلاطون والفارابي" دراسة تحليلية مقارنة، محاضرات فى الفلسفة ومشكلاتها، السوفسطائيون ونزعة التنوير في الحضارة اليونانية، الغائية عند أرسطو وتطبيقها على الإنسان والكون،  دراسات في فلسفة العصور الوسطى بالاشتراك مع أ.د ماهر عبدالقادر محمد، المنطق ومناهج البحث العلمي بالاشتراك مع أ.د على عبد المعطى محمد،  خصائص الفكر الفلسفي في حضارات الشرق الأدنى القديم ( مصر – فارس – الهند – الصين)،  المدخل إلى الفلسفة ومشكلاتها،، محاضرات فى الفلسفة الحديثة والمعاصرة بالاشتراك مع أ.د محمود زيدان، مشكلة الخلاص بين الفكر الديني القديم والمسيحية (دراسة تحليلية نقدية)، الفيثاغورية المحدثة،  اتجاهات التفكير الفلسفي في العصر الهللينستى، دراسات فى الفلسفة العامة بالاشتراك مع أ.د راوية عبدالمنعم،  وأثر الأفلاطونية المحدثة فى اللاهوت المسيحي، الفلسفة، وقضايا ومشكلاتها، الأخلاق :قضاياها واتجاهاتها.

ويتميز الدكتور حربي عباس في كتاباته ومقالاته بالعمق، وسعة الاطلاع، والتعمق في البحث، وإضافة البعد النقدي الذاتي إلي البعد الموضوعي، والأسلوب الأكاديمي الرائع والذي نادراً ما نجده في بحوثنا الحالية؛ فكتاباته تمثل نضجاً فكرياً هائلاً، وبناءً هرمياً متماسكاً، ومن يحاول أن يحذف سطراً واحداً من بحث للدكتور حربي في موضوع من الموضوعات فوقته ضائع عبثا، لأن أسلوبه يعد أسلوباً أكاديمياً دقيقاً وعباراته بعيدة كل البعد عن الطابع الإنشائي البلاغي الفضفاض، لا يقول عبارة إلا علي قدر المعني .

واسمح لي عزيزي القاري أن أذكر لك جانباً من ابداعاته التي تميز بها في الفلسفة اليونانية والذي كانت معظم أبحاثه ودراساته متجسدة فيه، فقد الدكتور حربي عباس عاشقاً له .. غيوراً عليه .. متفرداً في طرحه للكثير من القضايا والمشكلات الكبرى، فهو ينظر للفلسفة اليونانية علي أنها تتسم في نظره بالأصالة والإبداع.

ففي كتابه الفلسفة القديمة : من الفكر الشرقي إلى الفلسفة اليونانية علي سيبل المثال لا الحصر؛ أكد علي أن الفلسفة اليونانية لم تنشأ يونانية خالصة، ولم يبدأ اليونانيون في اكتشاف ميادين العلم من فراغ كامل ؛ بل إن الأرض كانت ممهدة لهم في بلاد الشرق، وبالتالي يتضح لنا أن الاعتقاد بضرورة أصل واحد للمعرفة العلمية، وتصور واحد يرجع إليها الفضل في ظهورهما، ربما كان عادة أوربية سيئة ينبغي التخلص منها، فإصرارنا على تأكيد الدور الذي أسهمت به حضارات الشرق القديم، لا يعنى أبدأ أننا من الذين ينكرون على اليونانيين أصالتهم العلمية، ولا نشك لحظة في أنهم يمثلون مرحلة عملية ناضجة ومتميزة، ولكننا لا نوافق على إدعاء أن تلك الأصالة، وهذا التمايز قد أتيا من فراغ، فقد كانت عظمة الإغريق أنهم استطاعوا أن ينقلوا بشغف كل ما وقعت علية أعينهم وعقولهم من التراث السابق عليهم، وأن يهضموه هضما تلاءم مع بيئتهم الخاصة، وأن يحولوا هذه المؤثرات إلى شئ شبيه بترائهم .

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ الدكتور حربي عباس لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

كريم مرزة الاسدي1 – المقدمة: يتكرر قول بعض الجهلة والحاقدين والمغرضسن زاعمين جوراً وظلماً لخداع الجماهير والعقل الجمعي أن العراق دولة حديثة العهد، ولم تكن هنالك دولة للعراق قبل 1921م، وينسون أن العراق كان عراقين، عراق العرب، وعراق العجم، وعراق العرب كان يمتد من ديار بكر حتى البحرين ونعني الساحل الشمالي الشرقي للجزيرة العربية، ومعها الأحواز، وعراق العجم يشمل المنطقة الجبلية من جبال حمرين وجبال الكرد وفي الرسوم والضرائب يمتد نفوذ عراق العجم حتى الري (طهران) !!

هاكم هذا البحث المهم توعية للجاهلين، ولطمة على وجه الحاقدين !

كل الحقائق أمام الشعب، والتاريخ لن يرحم الخارج والداخل إن سارت الرياح بما لا تشتهي السفن، وما دعوتهم للأقلمة المتحضرة التي ينعم بها العراقيون بالسلم والأمان إلا خدعة للصراعات الدموية والاقتصادية والاجتماعية والطائفية، حذارِ حذار من الوقوع بالفخ، ألا هل بلغت اللهم أشهد !!!!

2 - تشويق بذكرى ليلي؛ وكلٌ يدّعي وصلًا بليلى!!

ألا يا حمامات العراق أعنني *** على شجني، وابكين مثل بكائيا

يقولون ليلى بالعراق مريضةٌ ****فياليتني كنت الطبيب المداويا

3 - المقالة للتثقيف!!

1 - جذور كلمة العراق من أوروك أو عروق وشيوعها في الآفاق:

يذهب المستشرقون، وهم على العموم يغرّبون، أنَّ كلمة العراق أصلها سومري من (أوروك)، والتي مدّت الآن للوركاء، ودوّن كلكامش في ملحمته أنه سورها، وأقام فيها معبداً للآلهة (عشتار)، وأوروك أو (أونوك) تعني المستوطن، وسيأتيك الشاعر العربي و(وطنه)، فترقبه، ويذهب العرب أن الكلمة عربية الأصول، حجازية المنطلق، إذ يطلق أهل الحجاز كلمة العراق على الشاطئ، أو سفوح الجبل، وقيل: سمي عراقا لأنه استكف أرض العرب، وزعم الأصمعي - كما يذكر ابن منظور في لسانه -: إن تسميتهم العراق اسم عجمي معرب، إنما هو إيران شهر، فأعربته العرب فقالت: عراق، وإيران شهر: موضع الملوك، قال أبو زبيد:

مانعي بابة العراق من النا *** س بجرد تغدو بمثل الأسود

ويروى: باحة العراق، ومعنى بابة العراق: ناحيته . والباحة: الساحة، ومنه أباح دارهم . الجوهري: العراق بلاد تذكر وتؤنث، وهو فارسي معرب، قال ابن بري: وقد جاء العراق اسما لفناء الدار، وعليه قول الشاعر:

وهل بلحاظ الدار والصحن معلم *** ومن آيها بين العراق تلوح

واللحاظ هاهنا: فناء الدار أيضا (1)، بينما الخوارزمي يردّها للغة الفارسية من المفردة (إيراك) أي الأرض السفلى،لأنها أرض سهلية تقع ما بعد السلاسل الجبلية الفارسية والكردية والآذرية، ويروي الحموي في (معجم بلدانه) في معرض حديثه عن العراق: " قيل: سميت بذلك لاستواء أرضها حين خلت من جبال تعلو وأودية تنخفض والعراق الاستواء في كلامهم كما قال الشاعر:

سقتم إلى الحق معاً وساقوا *** سياق من ليس له عراق ..." . (2)

ويرى بعضهم أن العراق أصله من عروق دجلة والفرات وروافدهما، فهي كالأعصاب في بلاد ما بين النهرين، واجتهد غيرهم ما العراق إلا من تشابك عروق أشجار النخيل في أرض سواده الطيبة، فهو جمع لعرق، وقيل من عراقة البلاد العريقة بالقدم، ومنها الأصل العريق، ويقول الممزق العبدي في عمرو بن هند أحد ملوك الحيرة، فهو شاعر جاهلي قديم، اسمه شاس بن نهار من نكرة، وما كان ممزقاً، لولا كلمة القافية من بيته الأول الآتي:

فإِنْ كُنْتُ مأَكُولاً فكُنْ خَيْرَ آكلٍ ******* وإلاَّ فأدْرِكْني ولمَّــــــا أُمَزَّقِ

فإنْ يُعْمِنُوا أَشَئِمْ خِلافاً عَلَيْهُمِ ** وإِنْ يُتْهِمُوا مُسْتَحْقِبى الحَرْب أُعْرِق ِ(3)

وأعْرق القوم، بمعنى أتوا العراق، ومن سخرية الأقدار أنَّ عراق الجاهلية الذي كان ملتمساً آمناً، طيباً، شافعاً، لمن يتهم بالفرارعندما تضيق المخارج إبان الحروب، أصبح اليوم أشبه بالبلد الغريق على يد أبنائه العماليق، وليسوا بـ (عماليق) ذاك الزمان ! (4) .

مهما يكن من أمر جذور الاسم، أنا أميل لعراقتها العربية على أرجح ظني، لأن القاف والعين حرفان عربيان أصليان،لايوجدان في اللغات القديمة، ولا باللغة الفارسية، والكاف والهمزة أسهل نطقاً وألين على اللسان منهما، وهما أيضاً من الحروف العربية الأصيلة، فما هو الموجب لتحويرهما، وتعقيد نطقهما، والناس أميل للتسهيل والتخفيف، ولو أنهما منحا العراق مهابة وشدّة وضخامة، وخففهما ألف اللين كثيراً، وزادهما جمالاً ورونقا، ولكن لماذا لم ينطق العرب الورقاع وعوروقَ، بدلا من الوركاء وأوروك !! والطيور على أشكالها تقع، والله الأعلم.

اسم العراق يشتهر:

بدأ العراق يكتسي اسمه الواسع منذ سيطرة الساسانيين، وبزوغ مملكة آل فهم (211 م) في الأنبار والحيرة حتى شاعت الكلمة في القرنين الخامس والسادس الميلاديين، ووردت في الشعر الجاهلي على لسان الشاعر الفارس جابر بن حُني التغلبي - المعاصر للممزق الآنف الذكر -، على أغلب الظن توفي التغلبي سنة ميلاد النبي (ص) (570 م)، وذلك في قوله:

وفي كل أسواق العراق أتاوةٍ***** وفي كل ماباع امرؤ مكس درهم ِ

تعاطى الملوك السلم ما قصدوا بنا ***** وليس علينا قتلهم بمحرمِ

ولمّا طلَّ الإسلام، وبزغ شعاعه، سئل النبي (ص)عن العراق بعد مباركته الشام والحجاز واليمن، قال: " إن إبراهيم هم أن يدعو على أهل العراق فأوحى الله تعالى إليه: لا تفعل إني جعلت خزائن علمي فيهم وأسكنت الرحمة قلوبهم. " (5)، وأخذت تتكرر كثيراً كلمة " يا أهل العراق: ..." في خطب الخطباء كالإمام علي (ع)، والحجاج بن يوسف الثقفي، وغيرهما، تجدها في العديد من المصنفات، وجمعها الأستاذ أحمد زكي صفوت في كتابه (جمهرة خطب العرب ...) بثلاثة أجزاء .(6)

ألا يا حمامات العراق أعنني:

واشتهر قيس بن الملوح والملقب بمجنون ليلى (24 هـ / 645 م - 68 هـ / 688)، وما هو بمجنون، وإنما شاعرغزل عربي، مرهف الحس من المتيمين، من أهل نجد بأبياته الشهيرة بذكر ليلاه وعراقها، الرجل عاش في فترة خلافة مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان في القرن الأول من الهجرة في بادية العرب، اقرأ، ولعلك رددتها من قبلُ:

ألا يا حمامات العراق أعنني *** على شجني، وابكين مثل بكائيا

يقولون ليلى بالعراق مريضةٌ ****فياليتني كنت الطبيب المداويا

وكُرر صدر البيت الأخير في صدر ٍ آخر، لا أعلم هل الشاعر كرر نفسه، أم حُشر من قبل غيره تألماً بمريضة العراق، وشدة الاشتياق:

يقولون ليلى بالعراق مريضة ٌ *** فمالك لاتضني وانت صديقُ

سقى الله مرضى بالعراق فأنني**على كلِّ مرضى بالعراق شفيقُ

فأن تك ليلى بالعراق مريضة **** فأني في بحر الحتوف غريقُ

أهِيم بأقْطارِ البلادِ وعَرْضِهَا *** * ومالي إلى ليلى الغداة طريـقُ

كفى بقيس وليلى والعراق شهوداً، وسنتتبع في النقطة الثانية 2 - الربط بين كلمتي العراق والوطن

كيما تـرى (أهل العراق) أنني *** أوطنت أرضا لم تكن من (وطني)

أول بلد في التاريخ العربي ينتزع لقب وطن هو العراق،إذ ْكانت كلمة الوطن تطلق على السكن أو المنزل الذي يأمن به الإنسان العربي من فتك الحيونات المفترسة الناهشة، والأعداء المتوحشة الكاسرة، ويلجأ إليه من أهوال عواصف الرياح العاتية، والأنواء الجوية القاسية، يألف فيه الفرد والخلان والعائلة، قال طرفة:

على موطن يخشى الفتى عنده الردى *** متى تعترك فيه الفرائص ترعد

وفي القرآن الكريم: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة..." - التوبة 25 - ومواطن: جمع موطن، والموطن أصله مكان التوطن، أي الإقامة . ويطلق على مقام الحرب وموقفها، أي نصركم في مواقع حروب كثيرة (7) .

ويقال: واطنت فلانا على هذا الأمر إذا جعلا في أنفسهما أن يفعلاه، وتوطين النفس على الشيء: كالتمهيد . ويقول ابن سيده: وطن نفسه على الشيء وله فتوطنت حملها عليه فتحملت وذلت له، وقيل: وطن نفسه على الشيء وله فتوطنت حملها عليه، قال كثير:

فقلت لها يا عز كل مصيبة *** إذا وطنت يوما لها النفس ذلت (8)

أول من وظـّف كلمة وطن وربطها مع السكان عربياً رؤبة بن العجاج التميمي من أعراب البصرة، توفي فيها (145 هـ / 762 م)، راجزاً مهوساً:

أوطنتُ وطـْناً لم يكنْ من وطني

لو لمْ تكـــــنْ عاملها لم أســكن ِ

بها ولم أرجن بها فـي الرجــن

كيما تـــــــرى (أهل العراق) أنني

أوطنت أرضا لم تكن من (وطني) (9)

الرجن الإقامة في المكان، لا يهمنا من رؤبة التميمي البصري سوى الربط بين (أهل العراق) و(وطني)، يا ترى من هم أهل العراق؟ ولماذا خصهم بالذات دون غيرهم؟! لولا الإحساس بالمواطنة والانتماء، وإن كان العراق عراقيَن، عراق العرب ويشمل جغرافياً سهل وادي الرافديَن، ويمتد انخفاضاً حتى بلاد المصريَن الكوفة والبصرة، ومعظمه العراق الحالي بعد أن قـُرضت منه أجزاء من قبل الترك والفرس !!، وهو أصل التسمية، وعراق العجم، إذ أطلق في العصر الأموي، لكي يتبع سلطة والي العراق، إدارياً وأقتصادياً وعسكرياً، ويقع شرق عراق العرب، أو ما يسمى قديماً بإقليم الجبال، إذ يمتد شرقاً إلى أصفهان والري وقزوين وكرمنشاه .. والفاصل بينهما سلسلة جبال زاجروس، بل يذهب الحموي إلى أبعد من ذلك إداريا في العصر الأموي المذكور، قائلاً: " وقال المدائني عمل العراق من هيت إلى الصين والسند والهند والري وخراسان وسجستان وطبرستان إلى الديلم والجبال..."(10)، ومن ثمّ بزغت دولة العباسيين، فأخذت كلمة (العراقيَن) تختص بالبصرة والكوفة دون عجمها وعربها، أو تطلق عليهما كلمة (المصريَن).

الربط بين الأوطان والوجدان:

وذهب ابن الرومي البغدادي الأصيل بثقافته ونشأته وولادته وولائه - كما ذكرنا في مقالة سابقة، ونكررهنا الأبيات لعمقها في الوجدان الإنساني - إلى الربط بين النفس وخوالجها، والوطن وظليله، وإن كان وطن الرومي سكناً، إذ كان له جار اسمه ابن ابي كامل، في رواية (زهر الاداب)، أغتصب بعض جدر داره، وأجبره على بيعها، ففزع ابن الرومي الى سليمان بن عبد الله بن طاهرشاكيا وذاكرا تلك الدار او ذلك الوطن، اقرأ يا عزيزي الآهات والونـّات على الوطن الصغير، فما بالك بالكبير !:

ولي وطن آليــــت الا أبيعـــــه*** وألا أرى غيري له الدهر مالكا

عهدت به شرخ الشباب ونعمة*** كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكـا

وحبّبَ أوطان الرجــال اليـــهمُ ***مآرب قضاها الشبـــــاب هنالكا

اذا ذكروا أوطانهم ذكرتهـــــم ***عهود الصـــبا فيها فحنوا لذالكا

فقد آلفته النفــــــــس حتى كأنه** لها جسد ان بان غــــودر هالكـا

أعتقد أنه لم يسبق لأحد أن أستعمل كلمة (وطن) بهذا العشق الوجداني غيرالبغدادي عشقاً، والرومي عسفاً، وان حدث ذلك، كما هو حال (الرؤبة)، فبكل تأكيد، كان ابن الرومي أول من حلل تحليلا نفسيا رائعا لعلاقة الانسان بوطنه، ويتدرج بهذا التدرج المنطقي المتسلسل من عهود الصبا الى شرخ الشباب حتى تألفه النفس، ويصبح كالجسد، وبدونه يحل الهلاك.

البلد والبلدة:

وله أبيات جميلة أخرى في التعلق بالبلدان، وما البلدان إلا الأوطان، وإنْ اختلف المدلولان، ومدى تمثلها بالضمير:

بلد صحبت به الطفولة والصبـا*** ولبستُ ثوب العمر وهو جديدُ

فاذا تمثل في الضمير رأيتــــــه*** وعليه أغصان الشباب تميــــدُ

كأنني به لهذا التشبث بوطنيته وصدق ايمانه بعروبته، يتنصل من كنيته المفروضة عليه، وكأنه يعلم ما يجرُّ النسب عليه مما ليس بيديه، والوطن يكبر بحجم العقول وسعة إدراكها، فبأي ثمن تباع القبلية والطائفية، والإثنية، والمناطقية، والعنصرية،إذا باع الإنسان وطنه وأهله وتاريخه بالمجان، على يد غيره من الجان.

العراق عريق والوطن غريق .. إلامَ الخلفُ بينكمُ إلاما.

وندع أحمد شوقي يخاطبكم، بما خاطب به أهل (مصره)، في رائعة (شهيد حقــّه)، كمال مصطفى في ذكرى وفاته السابعة:

إلام الخلفُ بينكم إلاما؟ *** وهذي الضجة ُالكبرى علاما؟

وفيمَ يكيد بعضكم لبعض ٍ****وتبدون العداوة والخصـاما

وأين ذهبتمُ بالحق لمّـــا **** ركبتمْ في قضيته الظـــلاما؟

تراميتم فقال الناس: قومٌ*** ** إلى الخذلان أمرهمُ ترامى

إذا كان الرّماةُ رماة َ سوءٍ ****أحلـّوا خير مرماها السهاما (14)

شتان بين مَن يضربون الدرهم والدينار، والريال والدولار، وبين مَن يُضربون بها

والبلد فرد البلدان، وجنس المكان كالعراق والشام، والبلدة: الجزء المخصص منه كالبصرة ودمشق، والبلد والبلدة: التراب . والبلد: ما لم يحفر من الأرض ولم يوقد فيه، قال الراعي:

وموقد النار قد بادت حمامته *** ما إن تبيّنه في جدة البلد (11)

والراعي النُمَيري (ت 90 هـ / 708 م)، هو عُبَيد بن حُصين النميري، ونعت بالراعي لكثرة وصفه الأبل .

البحتري والمتنبي والمعري ...والعراق:

ولا أطيل عليك، ولو في الإطالة إفادة، صار العراق محط أقوال عمالقة الشعر العربي، فهذا أبو عبادة البحتري (ت 284 هـ / 897 م)، معاصر ابن الرومي يقول في تفضيل بلاده الشام مناخاً، وجوّاً:

نصب إلى طيب العراق وحسنها ******ويمنع منها قيظها وحرورها

هي الأرض نهواها إذا طاب فصلها**ونهرب منها حين يحمى هجيرها

عشيقتنا الأولى وخلتنا التي ****** تحب وأن أضحت دمشق تغيرهــا

وأختلف أهل ذلك الزمان، ومن قبله وبعده، من شعراء وأدباء، في مناخ العراق وطيبه، بل بالغوا في حسنه ولطفه، ونقصر قولنا على ما قال ياقوتنا الحموي في (معجمه ...) السابق "

والعراق أعدل أرض الله هواء وأصحها مزاجا وماء فلذلك كان أهل العراق هم أهل العقول الصحيحة والآراء الراجحة والشهوات المحمودة والشمائل الظريفة والبراعة في كل صناعة مع اعتدال الأعضاء واستواء الأخلاط وسمرة الألوان ... قالوا وليس بالعراق مشات كمشاتي الجبال ولا مصيف كمصيف عمان ولا صواعق كصواعق تهامة ولا دماميل كدماميل الجزيرة ولا جرب كجرب الزنج ولا طواعين كطواعين الشام ولا طحال كطحال البحرين ولا حمى كحمى خيبر ولا كزلازل سيراف ولا كحرارات الأهواز ولا كأفاعي سجستان وثعابين مصر وعقارب نصيبين ولا تلون هوائها تلون هواء مصر ..." (12)

والحقيقة، الحموي شهاب الدين أبو عبد الله، الذي سمّى نفسه عبد الرحمن، (574 هـ / 1178 م - 622 هـ / 1224 م) قد بالغ في قوله، وذهب بعيدا في تطرفه، فحذفنا ما حذفنا من نيل وتمييز، ولكن من المهم أن نذكر أنّ الرجل بالرغم من أنه عالم جليل، وأديب قدير، ومؤلف كبير، فهو رحّالة، جاب الدنيا (13)، وتعمق في البلدان، ودوّن ما صكّته الأذنان، وصافحته العينان، والرجل إضافة لذلك كلـّه خدم لدى بعض تجار بغداد، وفتح دكاناً صغيراً في كرخها المزدان، ومما ذكرناه يجب أنْ تتأمل العقول، وتتفكر الأذهان، في العديد من الحقائق، مما ذكره هو في (معجم البلدان) !، والمعري من قبله، (ت 449 هـ / 1057 م)، لم يكن أقل تعلقاً بالعراق، ووصفه لبغداد، اقرأ في حق بغداد ودجلتها:

فبئس البديل الشام منكم وأهله ***على أنهم قومي وبينهم ربعي

ألا زودوني شربة ولو أننـــي *** قدرتُ إذاً أفنيت دجلـــة بالكرع

إذاً أهل الشام هم أهله وقومه، فبئس البديل هو المناخ والأجواء، ربما العلاقات الاجتماعية الموسعة، والصرح الثقافية العامرة منها، ولكن ليس الأخلاقيات قطعاً، بدليل - ولا حاجة لدليل - البيت الثاني، والإيحاء بمرامه المحال بكرع ماء دجلة حتى الفناء ! المهم كفـّى ووفى، وأزيدك الظل الظليل للعراق الجميل:

أسالت أتي الدمع فوق أسيل *** ومالت لظل بالعراق ظليل

ومن الناحية السياسية ساوى بين النطرين، والسياسيين الشياطين:

إن العراق وإن الشام من زمن *** صفران ما بهما للملك سلطان

ساس الأنام شياطين مسلطة *** في كل مصر من الوالين شيطان

قالت العرب ما قالت، وروت ما روت، ونقلت ما نقلت، ويبقى اسم العراق من أوائل أسماء البلدان العربية، ولو أنّ معظمها أوائل، وأول من أ ُطلِق عليه كلمة الوطن بما نفهمه ونتفهمه اليوم تقريباً دون أن يسبقه إليه العرب الآخرون، وتسابق على الاعتزاز بذكره معظم عمالقة شعراء العرب القدماء، وآخرهم وليس بأخيرهم المتنبي العظيم، إذ يتلهف للقائه، ويناجي ناقته قائلاً:

وقلنا لها أين أرض العراق *** فقالت ونحن بتربان هــا

وهبت بحسمى هبوب الدبو*** ر مستقبلات مهب الصبا

وأخيراً أحمد شوقي ...وإلمَ الخلف بينكم؟

هذا أسم العراق عمقاً، ومدلول توطنه سكناً، والارتباط به شجناً، منذ أقدم العصور، فكيف أنتم ممزقون؟! وماذا تريدون؟! وأين سترسون؟ وندع أحمد شوقي يخاطبكم، بما خاطب به أهل (مصره)، في رائعة (شهيد حقــّه)، كمال مصطفى في ذكرى وفاته السابعة:

إلام الخلفُ بينكم إلاما؟ *** وهذي الضجة ُالكبرى علاما؟

وفيمَ يكيد بعضكم لبعض ٍ**** وتبدون العداوة والخصـاما

وأين ذهبتمُ بالحق لمّـــا ***** ركبتمْ في قضيته الظـــلاما؟

تراميتم فقال الناس: قومٌ*** * إلى الخذلان أمرهمُ ترامى

إذا كان الرّماةُ رماة َ سوءٍ ****أحلـّوا خير مرماها السهاما (14)

شتان بين مَن يضربون الدرهم والدينار، والريال والدولار، وبين مَن يُضربون بها، فالتسقيط جاهز، والجهل سائد، ولكن العراق لا يعدم رجاله، وتبقى الأمور في ذمّة الله والتاريخ والأجيال، وكلُّ ما فوق الترابِ ترابُ:

إذا كانت النفوسُ كباراً *** تعبتْ قي مرادها الأجسامُ

ولله الأمرُ مِن قبلُ ومِن بعدُ . فهو نعم المولى، ونعم النصيرَ!!

 

كريم مرزة الاسدي

................................

(*) نظراً للظروف المأساوية الطارئة - إن شاء الله - التي يمرّ بها عراقنا الحبيب، وهو على حافة الخطر، نقدم بحوثنا عن عراقة عراقنا لدواعي وطنية وإنسانية، لعلهم يتذكرون، والتاريخ لن يرحم أحداً، ونؤجل بحوثنا عن العبقرية والرثاء والغزل، وفصيدتي الجديدة، للأسابيع القادمة، والله من وراء القصد .

(1) (لسان العرب): أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (ابن منظور) ج10 ص 115 - 120- دار صادر - 2003 بيروت .

. معجم البلدان): ياقوت الحموي - 3 / 207 - الوراق - الموسوعة الشاملة)(2)

راجع: (الشعر والشعراء) ت احمد محمد شاكر، ص 399، دار المعارف - 1966م - مصر.

((3) (الاصمعيات): أبو سعيد عبد الملك بن قريب ت 216، تحقيق: احمد محمد شاكر وعبد السلام هرون، الطبعة الثالثة ص164، دار المعار، مصر. .

(4) العماليق: من أول الشعوب السامية القديمة التي هاجرت من الجزيرة العربية باتجاه العراق وسوريا وذلك حوالي 2500 ق.م.، منهم قبائل االأموريين في سواد العراق، والكنعانيين في بلاد الشام، أسسوا بعض الممالك فيهما، يرجع نسبهم إلى عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، ويقال: إنهم كانوا أقوياء، عظماء القامة.

(5) (كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال): علي بن حسام الدين المتقي الهندي 12 / 170 - رقم الحديث - 34128 - مؤسسة الرسالة - 1989 م - بيروت . .

(6) (جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة): أحمد زكي صفوت- ثلاثة أجزاء - 1 / 422، 2 /293 ... - المكتبة العلمية - بيروت .

((7) (التحرير والتنوير): محمد الطاهر ابن عاشور - ج 11 - ص 155 - سورة التوبة - الآية 25 - دار سحنون .

(8) (لسان العرب): ابن منظور - ج 15 - ص 239 - م . س.

(9) م . ن.

(10) (معجم البلدان): م . س

(11) (تاج العروس من جواهر القاموس): الزبيدي، الحسيني محمد بن محمد، 1 / 1902 - الوراق - الموسوعة الشاملة.

(12) راجع لترجمته (وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان): شمس الدين أحمد ابن خلكان، تح: محمد محي الدين - ج 5 ص 173 - 1449م - مطبعة النضة - مصر.

(13) أعيان الزمان وجيران النعمان في مقبرة الخيزران): وليد الأعظمي - مكتبة الرقيم - بغداد 2001م - صفحة 73 - 74 -، واسمه عنده: مهذب الدين. .

(14) (الشوقيات): أحمد شوقي - تح علي العسيلي - ج1 ص 185 - مؤسسة الأعلمي - ط1 - 1998م بيروت

 

 

عدنان الظاهرهل أزور مدينة الحلة في بابل خصيصاً لأنفذ دعوة السيدة عشتار آلهة الحب والعطاء والتناسل والجسد؟ وما المانع؟ الأوضاع هادئة كما يُشاع والأمن مستتب والماء الصافي جارٍ في دجلة والفرات والكهرباء لا ينقطع إلا لخمس عشرة ساعة في اليوم ! توكلْ وسافرْ فمطار النجف تحت الخدمة تديره شركة كويتية فماذا تريد أكثر من هذا يا رجل؟ فكرت في الأمر بكل جدية وقلت لنفسي إنها قد تكون فرصة العمر الأخيرة التي أرى فيها بقية أهلي وأن أمتع ناظري برؤية مدينة الحلة ونهرها الخالد وبساتينها وشوراعها وحديقة الجبل وما كنتُ أرتاد من مقاهٍ وملاعب زمنَ الطفولة والصبا والشباب . نعم، إنها مناسبة لا تتكرر فبادرها يا رجل ولا تكن مغفلاً عبيطاً . ثم إنَّ عشتار بابل هي التي وجهت الدعوة لك فمن يضاهيها ومن يدانيها مرتبة ً وهيبة ً وجمالاً وهي أم وربة الجميع تماماً مثل ملكات النحل؟ قبلتُ الدعوة رسمياً فوجهت لها رسالة بالبريد الألكتروني أُعرب لها فيها عن قبولي لدعوتها ورجوتها أن تكون في إنتظاري قربَ بوابة عشتار في مدخل شارع الموكب شرطَ أنْ لا تصطحبَ معها فرقة شرف عسكرية مع طبول وأبواق كما تقتضي مراسم إستقبال كبار الضيوف . قلت لها لا [فائدة] في مثل هذه البروتوكولات التي لا أهواها أبداً . قلت لها إنما [الفائدة] كل الفائدة فيك وفي حرارة إستقبالك لي ضيفاً عزيزاً يأتيك من آخر الدنيا حاملاً لكِ البشرى الكبرى وسوف لن يكلفك مكوثي في ضيافتك إلا حفنة من التمر (المكتوم) الجامد بنوعيه القديم المغلف بأكياس النايلون والآخر الطري من قُطاف هذا الموسم . لم تعلّق عشتار الربة أو الآلهة على شروطي وأنا أعرفها قليلة الكلام إلى حد البخل وإنها تُعطي ولا تمنُّ تمنح ولا تفصح ُ تتحرك دونما ضجة تتكلم دون صوت . هذه هي ربة الجميع وآلهة الجميع في بابل . كنتُ أعرف أنَّ في بساتينها على ضفة نهر الفرات الكثير من نخيل تمور (المكتوم) الفائق الجودة وكان المكتوم تمرها المفضل الذي لا تفارقه لا صيفاً ولا شتاءً .

وصلت بوابة عشتار ممتطياً صهوة جوادٍ أدهم بلجام ذهب يقوده أحد عبيد قصور عشتار فوجدتُ الربة واقفة ً في إنتظاري تحيط بها مجموعة من جواريها الحسان من كل ملة ونحلة وشعب . ما أن ترجلتُ حتى شرعن بالغناء ودق الدفوف وتناوبن الرقص ونثرن على رأسي أجمل ورود بابل

وأغرقنني بنفيس عطور فارس والصين والهند حتى كدتُ أختنق . همستُ في أُذن عشتار {رأيت فيها وجه حبيبتي} أنْ لا حاجة َ لي بكل هذه المظاهر التكريمية والضوضاء أساساً تزعجني وتكدر مزاجي وإني لا أحب من العطور إلا ذاك الذي تستعمله حبيبتي القديمة الحلاوية التي تتجدد وتتناسخ كل عام وتبدل إسمها مع كل تجدد وعملية إستنساخ . قالت مندهشة: وما إسم حبيبتك في هذا العام؟ قلت إنما ذلك سر بل وسر الأسرار، لا يعرفه ولا يفقه أمره إلا رب العالمين . قالت وهل رتبت لقاءً بينك وبينها؟ قلت نعم، قد رتبنا مثل هذا اللقاء الأسطوري الذي لا يتوقعه ولا يدرك سره حتى علماء الأنواء الجوية وسحرة بابل أحفاد الملكين هاروتَ وماروتَ والكلدانيون المختصون بقراءة الحدثان وأخبار النجوم وكبار المجوس من مستشاري ملك بابل نبوخذنصر . غمزتني بعينها بغنج ودلال إغوائيين ثم قالت: أهكذا تعز عليَّ بعض أسرارك وأنا كما تعلم مَن أنا ... أنا الربة عشتار وأنا آلهة الجنس والحب والتناسل ألا تطمح مني في أن أبارك حبك هذا وأسعى إلى أن يتحول بالزواج إلى وسيلة للتكاثر وإدامة النسل على الأرض؟ قلت بلى، وإني لكثير الطموح . قالت هيا إذاً أقدمْ وتزوجْ وسأكون أنا الربة شاهدة زواجك وشريكة ليلتك الأولى كما تقتضي أعراف بابل . أنا سأنجب منك قبل حبيبتك هذا هو شرط شهادتي ومنحكما بركتي وإطالة عمركما وتكثير نسلكما . لم نكد نصل قبة عرشها حتى حثتني على الكلام إذ رأتني صامتاً كثير التفكير . قالت ما بالك أغرقت نفسك في بحر الظلمات وعلام مسحة الحزن هذه طغت على وجهك؟ لا أستطيع البوح يا ربة، أجبتها . ما الذي يمنعك من أن تبوح؟ قلت بعد تردد طويل: هناك موانع كثيرة تحول بيني وبين الزواج من الحبيبة . قالت هيا أفصحْ، عددْ هذه الموانع ... هيا هيا لا تخف فأنت ما زلتَ ذلك الرجل الصريح الجريء . يا عشتار المرأة أولاً والربة ثانياً، لا أعرف موقف أبيها من موضوع زواجها وهل أمورها لم تزل بيده أم إنها مستقلة الشخصية والقرار؟ هل يسمح اهلها لها بمغادرة بابل للإلتحاق بحبيبها؟ وأخيراً ماذا عن العمر يا عشتروت سومر وبابل؟ قالت ماذا تقصد؟ أقصد أن فارق العمر بيننا قرابة ربع قرن . أطرقت عشتار قليلاً ثم رفعت رأسها إلى الأعلى وقالت: ربع قرن من الزمن فارق مقبول بالنسبة لعمرها الحالي . إنتبهتُ وأصغيتُ أكثر لقول عشتار . قرّبتُ أذني منها وفتحت حدقتي عينيَّ أكثر فلاحظت إهتمامي بهذا الأمر . تبسّمت، حركت رأسها للأعلى والأسفل ثم قالت: هل أُفشي لك سراً لا يعرفه في بابلَ غيري؟ هيا هيا ولا تتأخري رجاءً، قلتُ . إنها بلغت الخمسين من العمر !! كدت أن أطير من فرحتي الغامرة فطلبت منها أن تستدعي على عجل جوقة المغنيات والعازفات والراقصين والراقصات فأمرت على الفور . قادتني من ذراعي فتمشينا في شارع الموكب نشاوى أشباه سكارى خلف مجموعات الطرب يتوسطهم راقص الحلة القديم الشهير المدعو (حميدي الشعّار) وضارب الطبل (أبو العبد) والمغنية الغجرية (وحيدة خليل) وجوقة صغيرة أخرى من راقصي ومغني (الهجع) و(الحسجة). هذا حفل عرسك الحقيقي، قالت عشتار. كنتُ غائباً عنها تماماً . كنت أسيح وحيداً في (الصوب الصغير) من الحلة قريباً من شاطئ النهر لعلي أرى شبح من أهوى في حديقة منزلها أو تتمشى مثلي على ساحل النهر أو تخرج لزيارة جارتها كما قال ناظم الغزالي في بعض أغانيه (طالعة من بيت أبوها / رايحة لبيت الجيرانْ / فات ما سلّم عليَّ / يمكن الحلو زعلانْ) . هزتني عنيفاً عشتار من كتفي قائلةً أفقْ يا حالم ويا نائم، أفقْ فلم يتبقَ من سواد ليلتنا إلا القليل . جهزت لك كل هذا النعيم والطرب والأبهة ومظاهر الترحيب وأنت لاهٍ بسوايَ منصرفٌ لها عني . أما وللهِ إنك لجاحد لا تعترف بالجميل ثم إنك لستَ "جنتلمان" حيث أهملتني إمرأة ً لا أقل فتنة وسحراً عن سيدة أحلامك ... دعنا نقضي الليلة معاً في قبة عرشي ونمارس الجنس المقدس لعلي أنجب منك ولداً يشبهك وجهاً وقواماً وجاذبيةً وذكاءً . ظلت تتكلم عشتار وبقيتُ أنا سارحاً بعيداً عنها أحوم حول دار الحبيبة مردداً قول الشاعر:

مررتُ على الديارِ ديارِ ليلى

أقبّلُ ذا الجدار وذا الجدارا

 

وما حبُّ الديارِ شغفنَ قلبي

ولكنْ حب َّ مَن سكنَ الديارا

 

كانت الخبيثة عشتار تسمعني وتلتقط أفكاري وهواجسي بأجهزتها السرية اللاقطة الخاصة... خبيرة مدربة كأي عنصر أمن أو مخابرات لا تخفى عليها خافية . فقد عرفت عمر حبيبتي الحقيقي دون أن أعرفه وكشفته لي من باب الغيرة والوقيعة لا تعاطفاً معي في محنة حبي ولا هم يحزنون .

كررت دعوتها لقضاء الليلة معها إذ ـ قالت ـ لا بدَّ من مضاجعة زائر بابل حسب نواميسنا وتقاليدنا وأوامر الملك نبوخذ نصر وربه مردوخ الكبير . تعالَ ما دمتَ في بابل ومارسْ معي الجنس المقدس فأنا الربة عشتار أنا مليكة النساء أنا مليكة خلايا نحل العسل طراً فما حاجتك للإقتران بحبيبة قلبك التي دنت كثيراً من سن اليأس؟ فككت ذراعي من كف عشتار الفولاذي، بصقت في وجهها ثم صفعتها صفعتين قويتين فتهاوت على أرض بابل باكية ً مولولةً تلطم وجهها وتخمشه بأظافرها وتصرخ عالياً: لم يسبني ولم يضربني قبلك بين الرجال أحد ٌ إلا جلجامش وصديقه أنكيدو في وركاء سومر. وجلجامش مثلك طردني ورفض الزواج مني وقال لي إنك قربة مثقوبة ودار بلا أبواب وجدران وموقد ليس فيه نار في الشتاء.

أخذت طريقي على شارع الحلة ـ بغداد وسط ظلام دامس أهذي مع نفسي هامساً حيناً وبصوت مسموع أحيانا أخرى . لا أعرف ماذا كنت أقول سوى شعور عميق بالحسرة والغصة أني لم أرَ حبيبتي في بابل وأنَّ من دعتني لزيارتها حاولت إغوائي وصرفي عن حبي الحقيقي الأخير ثم تطاولت فأساءت لحبيبة ربي وقلبي فكيف ومتى أعتذر للحبيب وهل من فائدة في لقاء يجمعنا ولو في عالم الأحلام:

 

يا ندامايَ فؤادي عندكم ْ

ما فعلتمْ بفؤادي يا ندامى

 

إنْ تناءتْ دارُنا عن داركمْ

أذكروا العهدَ وزورونا مناما .

***

دكتور عدنان الظاهر

22.07.2008