 شهادات ومذكرات

نساء القصور على مر العصور (8)

محمد فتحي عبدالعالالنوستالجيا ببساطة هي كلمة يونانية تعني الحنين إلى الماضي. والنوستالجيا إن شئنا اعتباره مرضاً نفسياً كما كان الحال في الماضي فله وجهان إما أن يكون الحنين إلى الماضي استمرارا لغرس المباديء في الحاضر ولرسم رؤية عريقة في المستقبل تخرج من رحم الماضي ووقتها يكون الشوق للماضي امراً محمودا وضروري للمجتمعات....

ولكن في النقيض يكون الحنين إلى الماضي هروباً من حالة اليأس في الحاضر وعدم الرغبة في رؤية المستقبل هنا يكون المرض وهناً ومرضاً مصير صاحبه البؤس والتعاسة. بطلة قصتنا اليوم ؟!

في بلغراد كانت امرأة في السبعين من عمرها تجلس تمشط شعرها الأبيض الحريري أمام مرآة كبيره في بلاط اخيها تتطلع في حزن إلى وجهها الذي تغيرت ملامحه وظهرت عليه علامات التقدم في السن. أغمضت عينيها ودمعتان لؤلؤيتان تدحرجتا على خدها المجعد. وعلامات من الحزن لاتفارقها وهي تعود بذاكرتها للوراء وهي تمارس لسنوات عديدة هذه الطقوس النوستالجية دون فتور فهي أسيرة ذكريات كانت فيها سيدة القصر . وأي قصرٍ ؟!مما صرفها عن رؤية حاضرها وجعلها لا تنتظر مستقبلا ..بطلة قصتنا اليوم أوليفيرا ديسبينا خاتون .

كانت الذكريات تتدافع في مخيلتها بسرعة رهيبة، كانت الذكرى الأولى شابة رائعة الجمال في مقتبل العمر من بلاد الصرب ترسلُ لتكونَ زوجةً شرعية للسلطان بايزيد الملقب بالصاعقة، القابض على عرش الدولة العثمانية من قبل اخيها الأمير ستيفن بن سا لازار ليكون زواجها ببايزيد عنوانا للتهدئة والتحالف والصداقة بين الدولة العثمانية والصرب بعد معركة كوسوفا الشهيرة ، ومنح ستيفن بموجب ذلك الاستقلال الذاتي مقابل دفع جزية سنوية، وأن تكون القوات الصربية على أهبة الاستعداد للتصدي لأيّ عدوان على الأراضي العثمانية.. فتحت عينيها فجأة ثمّ استرسلت في الذكريات مع ابتسامة تعلو محياها

 راغدة شريففاوليفيرا صاحبة الكلمة العليا والنفوذ داخل بلاط زوجها كما أنها رفضت التخلي عن ديانتها والسلطان لم يعارض ذلك... وتتلاحق الذكريات و سرعان ما يتبدل وجه العجوز وهي تتذكر الغارة الوحشية لتيمورلنك الرهيب سلطان التتار على الاراضي الإسلامية والتي قلبت حياتها رأساً على عقب فحينما اجتاحت قوات تيمورلنك بغداد فر أميرها أحمد بن اويس التماسا للنجاة لدى السلطان بايزيد والذي رفض تسليمه لتيمورلنك وحلق لحية رسول تيمورلنك فقرر تيمورلنك اجتياح الدولة العثمانية رداً على هذه الإهانة ودخل مدينة سيواس، وقتل الأمير أرطغرل ابن السلطان بايزيد الأول وقائد حاميتها واستمر تيمورلنك في التوغل في الدولة العثمانية حتى التقت قواته بقوات الجيش العثمانى في أنقرة سنة 804هـ، وحمي وطيس المعركة فأنضمت فرق من الجيش العثماني لقوات تيمورلنك مما أدى لانكسار الجيش العثماني وأسر السلطان بايزيد وزوجته اوليفيرا مع زوجات السلطان الأخريات لتحدث مأساة لا مثيل لها.

تحطّ الذكريات بأوليفيرا مع ذكريات أليمة هي ذكريات الأسر فقلبها يدمي وهي ترى بيازيد شريك عمرها حبيس قفص من حديد كان يصطحبه معه تيمورلنك في رحلاته كما لا تنسى اللحظات التي اجبرت فيها علي الرقص عارية في حفل انتصار تيمورلنك لحظات مرّت عليها دهراً. انتهت القصة ولكن بقيت مسألتان الأولى السبي وذله وهي الأميرة المدللة. فهل في الإسلام سبي واسترقاق للنساء كما فعل تيمورلنك بزوجة بايزيد؟! الحقيقة أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم نهياً صريحاً عن سبي النساء إلا أنه لم يرد عنه أيضا حثا على سبي النساء و هو ما تؤيده المعارك الأولى والحاسمة في التاريخ الإسلامي والتي لم تشهد تسجيل أية حالات سبي للنساء ففي موقعة بدر وكانت الخسائر فادحة في صفوف المشركين ومع ذلك كان قبول الفداء ولم يتم سبي النساء في المعركة وكذلك في فتح مكة وكانت عاصمة الشرك في قبضة النبي بل كان تراحم ونبل النبي في التعامل مع خصومه السابقين ونساءهم كذلك رد النبي لنساء هوازن وثقيف لأقوامهم ...وعندما تسقط بعض النساء في الأسر كان النبي يخيرهم فصفية بنت بشامة

خيرها رسول الله فقال إن شئت أنا وإن شئت زوجك فقالت بل زوجي فأرسلها كما اعتق نساء بني المصطلق والسيدة جويرة بنت الحارث وتزوجها وكذلك الحال مع السيدة صفية بنت حيي بن اخطب فهل هذا هو منطق السّيد في التعامل مع السبايا كما استفاضت في ذلك المصادر الاسلامية التي استخدمت حوادث لاحقه على العهد النبوي شهدت حيادا واضحا عن النهج النبوي فيما يتعلق بسبي النساء في المعارك وسلب حريتهم وتحويلهم إلى متعة وجواري على غير إرادتهم لمالكيهم الجدد. فالعقل البشري المنفتح يجد صعوبة في تقبل هذا الاسترقاق وقد ولد حراً

نأتي إلى المسألة الأخرى وهي تساؤل هل المرأة تشعر بالحزن وتقضي معه جمّ وقتها أكثر من الرجل فبحسب استطلاع لمؤسسة اندبندنت ايدج الخيرية البريطانية شمل ألفين وأربعة عشر شخصا ممن تجاوزت أعمارهم الخامسة والستين فالنساء يتأثرن بفقد أحبائهم أكثر من الرجال. أوليفيرا الحزينة لفقد من تحبّ والتي دُفِنت مع أحزانها من فقد ولدها وزوجها وكرامتها . مثال لكثير من النساء الكريمات اللواتي تباع في أسواق النخاسة.

 

أستاذه راغدة شفيق محمود الباحثة في علوم اللغة

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4516 المصادف: 2019-01-16 00:34:40