 شهادات ومذكرات

محمد عثمان الخشت وتفكيك الخطاب الديني التقليدي

محمود محمد عليعرفت الدكتور "محمد عثمان الخشت" منذ تسعينيات القرن الماضي عندما كنت أتردد علي قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، وكنت أري الدكتور الخشت في صحبة أستاذنا الدكتور "محمد مهران"  باستمرار، وقد جمعتني وإياه علاقة طيبة  دامت حتي الآن، كما عملنا معنا في المناقشة والإشراف علي بعض الرسائل العلمية في فلسفة الدين بقسم الفلسفة بكلية الآداب - جامعة أسيوط.

كان محمد الخشت متميزاً في دراسة فلسفة الدين في مصر، والعالم العربي؛ حيث استطاع ببحوثه ومؤلفاته أن ينقل لنا البحث في فلسفة الدين من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أن محمد الخشت يجمع بين التعمق في التراث الإسلامي والفكر الغربي. وتقدم أعماله رؤية جديدة لتاريخ الفلسفة الغربية تتجاوز الصراع التقليدي منذ بداية العصور الحديثة. وتتميز مُؤلفاته بالجمع بين المنهج العقلي والخلفية الإيمانية ونسج منهجًا جديدًا في فنون التأويل يجمع بين التعمق في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية وتاريخ الأديان والفلسفة.

ولد الدكتور محمد عثمان الخشت  في 1 يناير 1964، ودخل قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، ثم أصبح الخشت مُعيدًا بدايةً من عام 1986، وترقى إلى درجة مُدرس مُساعد بعدها بأربع سنوات عقب حصوله على درجة الماجستير. ثم في عام 1993، نال درجة الدكتوراه وأصبح مُدرسًا بالكلية ذاتها. إلى أن أصبح أستاذًا مُساعدًا عام 2003 عقب قيامه بأبحاث الترقي، إلى أن وصل إلى الأستاذية عام 2008 بعد استيفائه مُتطلبات الدرجة.

وبلغت مُؤلفات الخشت عدد (41) كتابًا منشورًا و(24) كتابا مُحققًا من التراث الإسلامي، مع عدد (28) من الأبحاث العلمية المُحكمة المنشورة، و(12) دراسات منشورة في مجلات عربية؛ ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : روجيه جارودي: نصف قرن من البحث عن الحقيقة، حركة الحشاشين: تاريخ وعقائد أخطر فرقة سرية في العالم الإسلامي، مدخل إلى فلسفة الدين، مقارنة الأديان: الفيدية، البرهمية، الهندوسية، الدين والميتافيزيقا في فلسفة هيوم، فلسفة العقائد المسيحية، أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط، العقل وما بعد الطبيعة بين فلسفتي هيوم وكنط، فقه النساء في ضوء المذاهب الفقهية والاجتهادات المعاصرة، المعقول واللامعقول في الأديان بين العقلانية النقدية والعقلانية المنحازة، الشخصية والحياة الروحية في فلسفة الدين عند برايتمان، تطور الأديان، نحو تأسيس عصر ديني جديد ...الخ. وكان قد صدر أول كتاب منشور له عام 1982، كما صدرت أربعة كتب عن فكره وإسهاماته العلمية باللغة العربية والإنجليزية، كتبها عشرات من أساتذة الجامعات المصرية والعربية ومُحررون أجانب، فيما صدر عنه وحول فكره أكثر من 78 بحثًا علميًا مُحكمًا، وقد تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى مثل الألمانية والإنجليزية والإندونيسية.

ثم تولى الخشت الكثير من المناصب القيادية بجامعة القاهرة، من بينها المُستشار الثقافي للجامعة (2002- 2013)؛ ومُدير مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة (2010- 2013)؛ وعُضو اللجنة الدائمة لاختيار الوظائف القيادية بجامعة القاهرة (2013-2013)؛ ومُسئول التدريب والتثقيف للجامعات المصرية بوزارة التعليم العالي (2013)؛ ومُستشار الدراسات العليا بجامعة القاهرة عضو المكتب الفني (2009 - 2013)؛ ومُسئول جودة الأنشطة الطلابية في مشروع تطوير الأنشطة بوزارة التعليم العالي عن جامعة القاهرة (2007-2008)؛ والمُؤسس والمُشرف على مشروع جامعة القاهرة للترجمة (2010- 2017)؛ والمُشرف على تحرير مجلة هرمس (2010- 2013)، وهي مجلة علمية مُحكمة في الدراسات الأدبية واللغوية ومُعتمدة من أكاديمية البحث العلمي ولجان ترقيات الأساتذة والأساتذة المُساعدين في مُختلف تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعات المصرية، كما شارك في تأسيس مجلة الجامعة الدولية؛ ونائب رئيس جامعة القاهرة لشئون التعليم والطلاب (2016- يوليو 2017). كما شغل منصب المُستشار الثقافي المصري لدى المملكة العربية السعودية (2013- 2015).

وأشرف الخشت على أكثر من 30 رسالة ماجستير ودكتوراه، وكان أخرها النزعة التنويرية عند محمد عثمان الخشت..دراسة في فلسفة الدين، وتُناقش الدراسة رؤيته لتطوير العقل الديني وتأسيس فلسفة جديدة للدين. كما قام الخشت أيضًا بتحكيم ومُناقشة عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه والأبحاث وترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين بمصر والعالم العربي. كما شارك في أكثر من 40 مُؤتمر علمي ودولي، ونظم وشارك في تنظيم 100 مُؤتمرًا دوليًا ومحليًا.

والدكتور الخشت يشغل حاليًا منصب رئيس جامعة القاهرة، كرمته جامعة القاهرة في عيد العلم 2013 نظرًا لإسهاماته الأكاديمية والإدارية في الدراسات العليا والبحوث والمشروعات الثقافية، وحصد مئات شهادات التقدير والدروع من جامعات ومُؤسسات دولية وإقليمية ومحلية عبر أربعة عقود.

ومحمد الخشت هو صاحب نظرية جديدة في تطور الأديان قدمها في كتابه تطور الأديان، وفيه تمكن الخشت من تقديم أول مُقارنة شاملة بين الأديان والفلسفات من منظور نظريات التطور، تجمع بين الوصف العلمي والتحليل الفلسفي والنقد العقلي المُلتزم بمعايير المنطق، ونجح في توظيف تلك المعايير في أشكالها الأكثر تطورًا في عصر الحداثة وما بعد الحداثة.

كما قدم الخشت مشروعًا جديدًا لتجديد الفكر الديني القائم على العقلانية النقدية، حيث يرى ضرورة تطوير علوم الدين، وليس إحياء علوم الدين القديمة، ودعا الخشت إلى صياغة خطاب ديني جديد بدلًا من تجديد الخطاب الديني القديم، وأعاد الخشت كتابة علوم الحديث في صيغة عصرية، كما أعاد تأويل موقف الشريعة من قضايا المرأة منذ ثمانينات القرن العشرين.

ويهمني في هذا المقال أن أركز علي موقف الخشت من الخطاب الديني التقليدي، حيث كتب لنا مجموعة الدراسات والأبحاث التي تتعلق بهذا الأمر، حيث أكد أن حركة الإصلاح الديني التي ظهرت مع مطلع العصور العربية الحديثة لم تنتج علوماً جديدة ولا واقعاً جديداً، بل استعادت عصور الشقاق وحرب الفرق العقائدية والسياسية التي ضربت الأمة بعد مقتل عثمان (رضى الله عنه).

ويرجع الخشت السبب في ذلك إلي غياب العقلانية النقدية، على الرغم من أن العقلانية النقدية في جوهرها هي التي قامت عليها دعوتنا منذ إبراهيم (عليه السلام)، وهى العقلانية التي دعا إليها القرآن الكريم وقام عليها الشرع من خلال آيات القرآن وأقوال النبي الصحيحة التي دعت إلى استخدام العقل والتي قامت عليها حضارتنا قبل أن تتحول إلى عصور المتون والشروح والحواشي.

ولذلك تصور المتأخرون العقل كما يقول الخشت على أنه "العقل النقلي" لا "العقلي النقدي"! وهنا ظهر التطرف، وتجمد الخطاب الديني كما توقف الاجتهاد فى علوم الدين، حيث المعالجة النقلية للعلوم، وحيث المعالجة الإنشائية المفرطة فى الخطاب الشفهي والمكتوب. وظن المتأخرون أن هذه العلوم إلهية مقدسة، لا يكون التعامل معها إلا بالحفظ، وأن تصبح عالماً هو أن تحفظ المتون وتقرأ الحواشى! وبالتالي اختلط المقدس بالبشرى فى التراث الإسلامي، واضطربت المرجعيات وأساليب الاستدلال بسبب حالة الجمود الفقهي والفكري التي يعيشون فيها منذ أكثر من سبعة قرون

ولم يكتف الخشت بذلك بل راح يبين لنا أن هؤلاء المتأخرون استعادوا كل المعارك القديمة: معارك التكفير، ومعارك الهوية، ومعارك فقه الحيض والجنس والجسد، ومعارك التمييز بين الجنسين. ولم يدخلوا المعارك الجديدة : معارك التنمية، ومعارك إنتاج العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية والإنسانية، ومعارك الفساد، ومعارك الحرية، ومعارك الفقر والجهل والأمية، ومعارك الدفاع عن الدولة الوطنية. من هنا فإن تفكيك الخطاب التقليدي والبنية العقلية التي ترقد وراءه بات ضرورة ملحة في نظر الخشت .

ويؤكد "الخشت" أن هذا التفكيك ليس تفكيكًا للدين نفسه، وإنما للبنية العقلية المغلقة، كما أنه   تفكيك للفكر الإنساني الديني الذى نشأ حول "الدين الإلهي الخالص؛ فالمهمة العاجلة عنده هي العمل على تغيير "ماكينة التفكير" عند الناس، لأن بنية عقلية المسلم المعاصر تنطوي على إشكاليات ضخمة تجعله بعيدًا عن طرق التفكير الصحيحة سواء فى العلم أو الدين أو الحياة بوجه عام.

إن تأسيس عصر ديني جديد في نظر الخشت يقتضى تكوين "مرجعيات جديدة" في فقه جديد وتفسير جديد وعلم حديث جديد، ولن يحدث هذا إلا إذا تعددت وتنوعت مصادر المعرفة، فهو يرى أن تجديد الخطاب الديني عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة إذا أردنا أن نقرع أبواب عصر ديني جديد.

ويدعونا الخشت إلى العودة إلى "الإسلام النقي المنسي"، لا الإسلام المزيف الذي نعيشه اليوم بسبب الجماعات الارهابية ومجتمعات التخلف الحضاري. ويؤكد أنه لا يمكن هذا إلا بتخليص الاسلام من "الموروثات الاجتماعية" و"قاع التراث"، و"الرؤية الأحادية للإسلام"، ويقول: "إن النظرة إلى الإسلام من زاوية واحدة وضيقة تزيف الإسلام، ولذا من الفرائض الواجبة توجيه النقد الشامل لكل التيارات أحادية النظرة، سواء كانت إرهابية أو غير إرهابية".

ويوضح محمد الخشت بأن النقد الشامل لا يكون إلا بالتفكيك ؛ إذ أنه بغير تفكيك عقلية الإنسان المسلم لن نستطيع صناعة تاريخ جديد نخرج فيه من هذه الدائرة المقيتة لكهنوت صنعه بشر بعد اكتمال الدين، وتلقفه مقلدون أصحاب عقول مغلقة ونفوس ضيقة لا تستوعب رحابة العالَم ورحابة الدين. ويقتضى تحقيق عملية "التفكيك" المرور بمجموعة من المراحل، تأتى في مقدمتها مرحلة "الشك المنهجي" الذى يتخذ من الشك منهجًا للوصول إلى "الحقائق الواضحة والمتميزة".

ويرى الخشت أن "الشك المنهجي" استخدمه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام حين شك فى عقائد قومه الذين كانوا يعبدون الأوثان والكواكب والنجوم. إن شك إبراهيم عليه السلام فتح الطريق أمام عصر جديد فى الإيمان، وكذلك الحال مع الشك الديكارتي الذى مهد الطريق لعصر حديث ودعت فيه أوروبا عالَم العصور الوسطى.

والسؤال الأن: لماذا ركز محمد الخشت على إبراهيم عليه السلام وقارن بينه وبين ديكارت؟ هل هذه تسوية في القيمة والمنزلة بينهما؟ كلا.. ليس الأمر على هذا النحو، إن كل ما هنالك هو أنه رأى أن المشكلة التي واجهها أبو الأنبياء إبراهيم فى عصره كانت مشكلة التقليد والاتباع الأعمى للآباء وكبار القوم، ومنهجهم القائم على اليقين المطلق بصحة أقوال السابقين وسلامة الدين والتاريخ.

اعتقد أن المشكلة التي واجهها ديكارت وعصره هي أيضًا سيادة أقوال الكهنة وتفسيرهم الأحادي للكتاب المقدس. وهى ذاتها المشكلة التي يواجهها الدكتور محمد عثمان الخشت بوصفه مفكرًا مصريًا مسلمًا كبيرًا مهمومًا بقضايا وطنه، منشغلًا بمحاولة إيجاد حل لحالة التردي والتخلف التي تعانى منها البلاد. هكذا رفض إبراهيم ـ عليه السلام ـ إسكات عقله، وهكذا رفض ديكارت ورفاق عصره إسكات عقولهم. وهكذا رفض الخشت إسكات عقله. مع إبراهيم بدأ دين جديد يرفض التقليد، ومع ديكارت ورفاق عصره تم الشروع في تأسيس عصر جديد وخطاب جديد تراجع فيه لاهوت العصور الوسطى الذى كان يحتكر فيه رجال الدين في أوروبا الحقيقة الواحدة والنهائية.

ومع الدكتور الخشت تمت من خلال كتابه «نحو تأسيس عصر دينى جديد» الدعوة للنقاش بغية تجاوز «عصر الجمود الديني» الذى طال أكثر من اللازم فى تاريخ أمتنا، من أجل تأسيس عصر ديني جديد، وتكوين خطاب ديني من نوع مختلف.

ويصل الدكتور الخشت إلى نتيجة مؤداها، أن تأسيس خطاب ديني جديد، يجب أن يتبنى مجموعة من المهام العاجلة، مثل: تفكيك الخطاب الديني، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الإنساني الديني المتصلب والمتقنع بأقنعة دينية حتى يمكن كشفه أمام نفسه وأمام العالم. وليس هذا التفكيك للدين نفسه، وإنما للبنية العقلية المغلقة والفكر الإنساني الديني الذي نشأ حول "الدين الإلهي الخالص". وعملية التفكيك يجب أن تمر بمجموعة من المراحل هي الشك المنهجي، والتمييز بين المقدس والبشري في الإسلام، وإزاحة كل المرجعيات الوهمية التي تكونت في قاع التراث .

وبعد التفكيك يأتي التأسيس، وأهم أركانه تغيير طرق تفكير المسلمين، وتعليم جديد منتج لعقول مفتوحة، وتغيير رؤية العالم، وتأسيس مرجعيات جديدة، والعودة إلي الإسلام المنسي. ويرى الدكتور الخشت أن كل هذا لا يتم بمعزل دون توظيف مجموعة من الآليات لتحقيق حلول قصيرة ومتوسطة المدي، تشمل التعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد والاجتماع والسياسة، وذلك لصناعة عقول مفتوحة علي الإنسانية في ضوء العودة إلي المنابع الصافية المتمثلة في القرآن والسنة الصحيحة وتغيير المرجعيات التقليدية وتأسيس فقه جديد وتفسير جديد وعلم حديث .

تحيةً للدكتور محمد عثمان الخشت، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.. فأطلقوا عليه فى حفل تكريمه (المفكر الأبرز في القرن العشرين مكملاً لكانط).

وتحيةً مني لرجل آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا في محمد عثمان الخشت قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطننا، بهدف الكشف عن مثالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4662 المصادف: 2019-06-11 05:32:00