 شهادات ومذكرات

عبد الامير الأعسم.. الإنسان النبيل والباحث الأكاديمي الرصين

فوزي حامد الهيتيالاعسم بصفته انسانا هو أميرٌ.. إسمٌ على مسمى.. بسلوكه المنضبط وهندامه عالي الشياكة وشخصيته القوية الحاضرة والمؤثرة في من حوله. كل هذا معلوم معروف لكل من عرف الاعسم عن قرب أو من بعيد. هو بحق (باشا) كما وصفه الدكتور علي المرهج في مرثيته الجميلة. وقد وظف كل هذه الامكانيات في خدمة الفلسفة وإثرائها في العراق المعاصر الأمر الذي دفع الكبير مدني صالح للقول كلمة بحقه مازلنا نتذكرها هي (الأعسم آوى الفلسفة بعد أن كانت شريدة) وهو حكم دقيق يفرض علينا اليوم ونحن من طلابه، أن ندون هذه المسيرة والجهود عرفانا بخدمته وحفاظاً على حقوقه بعد أن رحل عنا.

أولاً: الأعسم.. آوياً للفلسفة:

 الحديث عن المنجز الفلسفي للأستاذ الدكتور عبد الامير الاعسم يتطلب منا الحديث عن جانبين مهمين شكلا مجمل نشاطه الفلسفي على مدى حياته العلمية، هما:

أولاً: جهود ملموسة ظاهرة للجميع تتمثل في مجمل نتاجه العلمي وهو عشرات العناوين كتباً وأبحاثاً علمية منشورة في دوريات عديدة. سأتوقف عندها نهاية هذه الورقة.

والثاني: جهود علمية غير ظاهرة وملوسة إلا لمن كان قريباً منه ويعرفه معرفة شخصية مثل زملائه وطلابه والعاملين معه طوال حياته الاكاديمية. تتمثل هذه الجهود غير المنظورة في مجمل نشاطه العلمي الاكاديمي في المؤسسات العلمية التي عمل فيها، يمكن إيجاز هذه النشاطات في الآتي:

أولاً: إداريا:

أ- دوره في إستحداث أربعة أقسام فلسفية في كليات الاداب في جامعات (الموصل والبصرة والمستنصرية والكوفة) فضلا عن قسم الفلسفة في جامعة بغداد لتصبح لدينا خمسة اقسام فلسفية في العراق في وقت كاد أن يغلق قسمنا اليتيم في بغداد. وقد كان الأعسم حينها يشغل منصب عميد كلية الاداب في جامعة الكوفة. وقد حظي قسم الفلسفة في الكوفة آنذاك بدعم مطلق منه فاستحدث فيه الدراسات الأولية والعليا الماجستير والدكتوراه بخلاف التعليمات والسياقات المعمول بها حيث إستقدم أفضل الكوادر التدريسية في جامعة بغداد للتدريس فيه وبفضل ذلك خرّج لنا هذا القسم أسماء لامعة صار لها اليوم حضور في الدرس الفلسفي الاكاديمي منهم د. منذر الكوثر والدكتور علي المرهج. بل وصار هذا القسم ينافس قسم الفلسفة الام في جامعة بغداد.

ب – دوره في استحداث قسم الدراسات الفلسفية في بيت الحكمة وإصدار مجلة له فضلا عن جمعية العراق الفلسفية واتحاد الفلسفي العربي وقد شغل الاعسم رئاسة قسم الدراسات الفلسفية والجمعية الفلسفية والاتحاد الفلسفي العربي منذ تأسيسها الى سنة 2003.. العام الذي غادر فيه العراق. وأقول بصراحة أن مكانة بيت الحكمة وقسم الدراسات الفلسفية فيه كانت بفضل جهوده العلمية وحسن إدارته لها وتوظيف كل علاقاته العلمية لتفعيلها قد أثمر عن عقد العديد من المؤتمرات الفلسفية العربية المهمة واستضاف أكثر الفلاسفة والمفكرين العرب من أمثال مطاع صفدي وناصيف نصار وطه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري وعشرات الاكادميين العرب من مصر والمغرب والجزائر وتونس ولبنان والاردن واليمن مؤتمرات لم يحقق بيت الحكمة واقسامنا الفلسفية بمستواها الى اليوم. كما له الدور المهم في إصدار مجلة دراسات فلسفية واستمرارها فضلا عن إصدار العشرات العناوين الفلسفية عن دار بيت الحكمة وبخاصة منشورات الاساتذة العراقيين أيام كان النشر صعباً على كل العراقيين .

ثانياً: علميا:

 دوره في دعم وتشجيع الطلبة والشد من أزرهم في مواصلة البحث العلمي . وقد تجسد هذا الدعم والتشجيع في تشجيعهم بالمشاركة والحضور في المؤتمرات العديدة التي كانت تعقد في بيت الحكمة . كان يعاملنا باحثين كبار أمام أسماء لامعة من المفكرين العرب ويدفعنا للتعرف عليهم والمشاركة في أحاديثهم ويشعرك بأنك لست أقل منهم مقاما علميا. أما حين يستقبلنا في مكتبه فيكون في غاية الحفاوة والاهتمام يسمع لك بكل إنتباه وتقدير ويشاركك الحديث ويقدم لك ما تحتاجه. وعند توديعك لا يتركك إلا خارج غرفته . هذا هو الاعسم الإنسان النبيل والباشا بحق سامي بأخلاقه وتعامله اليومي كبير بخدماته للفلسفة وأهلها.

الأعسم.. باحث أكاديمي رصين:

لا أود في هذه الفقرة سرد عناوين كتبه وأبحاثه العديدة والمهمة على أهمية ذلك فقد كفانا بذكرها أغلب من كتب عنه وسأتوقف فقط عند منهجه العلمي محاولاً التعريف به وكاشفاً عن إطاره الفلسفي واسباب تبنيه لهذا المنهج دون غيره من المناهج الفلسفية التي حققت حظوراً وشهرة لأصحابها لكنها لم تغري الأعسم ولم تدفعه للركض في متاهاتهم كما فعل البعض من أساتذتنا وغيروا من مسارهم البحثي فصاروا يدورون في فلك أسماءٍ كانوا هم أعلا كعباً ومقاماً علمياً منهم، واحترامي لهم يلزمني السكوت عن ذكر أسمائهم.

الأطر الفلسفية لمنهج الأعسم في دراسة التراث الاسلامي:

منهجياً لم يكن الأعسم مثل غيره من كبار االأكادميين العرب المعاصرين مثل حسام الدين الآلوسي والطيب تيزيني وحسين مروة وحسن حنفي ومحمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن وغيرهم من الباحثين الذين تبنوا رؤى فلسفية محددة محكومة بمقولاتٍ منهجيةٍ جاهزةٍ ثابتةٍ طبقوها على النصِ التراثي مثل المنهج الماركسي والمنهج البنيوي الابستلوجي فكل هؤلاء باستثناء حسام الآلوسي تعاملوا مع النص التراثي بعده ميداناً لتطبيق منهجهم الفلسفي واستحصال شهادة إعتراف بصحة مقولاته وصدق منطلقاتهم الفلسفية ولم يتعاملوا مع المنهج بعده أداة تفسير وفهم الظاهرة المدروسة، ذهبوا الى التراث وهم يحملون معهم همومهم الحاضرة وأجوبتهم لها يحدوهم دافع التأسيس والتأصيل لهذه الأجوبة والنظريات الفكرية المتعلقة بحاضرنا ومشكلاته. أما الأعسم وبالرغم من معرفتنا به أنه ينتمي فكرياً الى خط فكري معروف هو التيار القومي ، إلا أنه كان واعياً أن مشروعه الفكري القومي مرتبط بمعالجة مشكلات الحاضر وليس لإعادة تفصيل التأريخ بما ينسجم مع الخط الفكري القومي كما فعل غيره من المنتمين الى هذا التيار وأسرفوا بالحديث عن الأصالة والمعاصرة وغيرها من مفاهيم صدعت رؤوسنا بلا طائل (جعجعة بلا طحين كما يقال).

  أن الأعسم كان يؤمن أن المشروع القومي العربي لا يحتاج أن يستمد مشروعيته من التراث والماضي ، لأن مشكلات العرب المعاصرين هي بنت الحاضر ناتجة عن طبيعة صراعهم اليوم مع الآخر.. الغرب . ولا يوجد لديه شك أن للعرب مصلحة حقيقية لإدراة إختلافاتهم وبما يحقق مصالحهم. يقول الأعسم معززاً هذا الفهم (أن واقعنا الفكري العربي لا يستقيم من الناحية القومية طالما أننا نقع في أفخاخ ينصبها لنا الغرب لاختلافنا وليس لإتلافنا) 1. أما الاختلافات الفكرية في الاصول على حد وصفه فلا يمكن تجاوزها إلا بدراسة الترث دراسة علمية موضوعية لفهمها وتجاوزها وليس للبناء عليها كما يحاول البعض أو رفض التراث بالمطلق والبدء بلحظة تاريخية جديدة أي إحداث قطيعة تامة مع الماضي كما يروج له البعض الآخر من المفكرين العرب المعاصرين.

في ضوء هذه الرؤية الفلسفية التي تميّزُ بوضوح ووعي بين الحاضر ومشكلاته ومتطلبات حلها وبين الماضي المحكوم بمقولات ومشكلات أخرى مختلفة تقتضي منا فهمها جاوزياً لأنها كما قلنا مشكلات محكومة بمقولات عصرها وطبيعة الصراع الفكري ودوافعه وأطرافه مختلفة. هي بكل الحالات لا تصلح أن تكون جواباً لمشكلاتنا المحكومة هي الأخرى بمقولات علمية مختلفة تماماً كما أن دوافع الصراع وأطرافه مختلفة... على أساس هذا الفهم والوعي بين الماضي والحاضر حدد الأعسم أدواته المنهجية، والأعسم بالطبع لا ينكر أن للماضي إمتدادات في الحاضر تنتقل إليه عبر علامات ثقافية عديدة أهمها اللغة وفنون العمارة وأنماط العيش والعادات.. الخ ، مثل إنتقال الجينات الوراثية. فهذا لا يضير، لأن المشكلة عند الأعسم لا تكمن في الماضي وامتداداته الذي يعده تأكيداً وتعزيزاً للهوية الثقافية للأمة ، بل المشكلة تكمن في كيفية التعامل مع هذا الإرث والتعاطي معه.. الطريقة التي حوّلتنا من أمة لها تأريخ عريق عظيم إلى كائنات تراثية مشلولة القدرة على الفعل والابداع في مواجهة مشكلاتنا الحاضرة حتى صار هذا الإرث الغني الى عبئ ننوء بحمله .

  إن وعي الأعسم بالتمايز بين لحظتين زمنيتين للأمة (لحظة الماضي ولحظة الحاضر) وهيمنة اللحظة الثانية (الحاضرة) بمشكلاتها وهمومها على الأولى (الماضية) هي التي غيبت الوعي العربي المعاصر عن فهم تأريخه فهماً علمياً تجاوزياً لتلك اللحظة.. فهماً يمكنه من معرفة أصوله المتعددة (أي المباني الأصولية لمسارات الفكر الاسلامي القديم) التي تمتد الى ما قبل الإسلام وفروعه المتشابكة . إن هذا الوعي بالتمايز بين اللحظتين هو الذي دفع الأعسم الى تحديد أدواته المنهجية في دراسته للنص التراثي وهي الأدوات التي يعتقد أنها ستعينه على تحقيق مبتغاه في فهم التراث فهما علمياً حيادياً أو على الأقل عرضه بحيادية دون تدخل الذات.. ذات الأعسم في هذا العرض الموضوعي .

لقد وجد الأعسم ضالته في مناهج الغربيين التي إستعانوا بها في دراسة تأريخهم وتراثهم ومن ثم مكنتهم من بناء علاقة سليمة صحية مع هذا التأريخ . وهو المنهج ذاته الذي إعتمده بعض المستشرقين في دراساتهم للتراث الاسلامي بدافع فهم هذه الحضارة ضمن السياق الثقافي العالمي.

في ضوء هذا الفهم لمنطلقات الأعسم الفلسفية ودوافعه في اختيار أدواته المنهجية يمكننا أن نفسر لماذا إختار الاعسم المنهج الببلوغرافي الوصفي التحليلي والنقدي منهجاً لدراسة النص التراثي فهو بالفعل منهج يسمح له بعرض نصوص تراثنا عرضا حياديا تتيح لمن يأتي بعده من دراستها دراسة علمية دقيقة وحيادية.

وللأمانة أقول أن قراءتي هذه لمنهج الأعسم لا تملك ما يبررها في نصوص الأعسم المتوافرة بين يدي ولا يعززها إلا حسن النية في وعي الاعسم بعده باحثا واعيا في استخدامه لأدواته المنهجية وليس مكرراً مقلداً لمناهج الاستشراق ، فضلا عن معرفتي الشخصية به استاذا كبيراًأصيلا لا يجتر مقولات الآخرين.

خطوات منهج الاعسم:

يتألف المنهج الببلوغرافي الذي اعتمده الأعسم من خمس خطوات رئيسة هي:

الخطوة الأولى: توثيق النص وتصنيفه ضمن سياقه الفكري والثقافي العام . وتتضمن هذه الخطوة كما نراها في دراسات عديدة عنده أهمها دراسته لنص المقابسات للتوحدي . تتضمن هذه الخطوة تحديد وتوثيق نسبة النص للمؤلف وبيان مكانته ضمن مؤلفاته الأخرى. كذلك مراجعة كل المخطوطات المتوافرة والمقارنة فيما بينها بإحصائيات ببلوغرافية برع الاعسم فيها. مراجعة آراء كل المحققين السابقين وتقييم جهودهم التحقيقية للنص مشفوعة بعرص وصفي لها وبآرائه النقدية لعمل كل واحد منهم.

الخطوة الثانية: تحليل وصفي للنص .

الخطوة الثالثة: تحليل مضمون النص .

الخطوة الرابعة: تفكيك النص وبيان متبنياته ومرجعياته . أي دراسة النص من خلال نصوص أخرى تنتمي لمجاله الفكري وبيان مدى تأثره بها.

الخطوة الخامسة والاهم: دراسة فعل النص . أي عرض ببلوغرافي لكل من أخذ من النص أو رد عليه أو تأثر به أو أضاف عليه من الاحقين .

وخطوات هذا المنهج لا يطبقها الاعسم فقط على النصوص الفلسفية التراثية مثل كتاب المقابسات للتوحيدي أو كتاب فضيحة المعتزلة لابن الريوندي بل يطبقها أيضا الشخصيات الفلسفية التي درسها مثل الغزالي والطوسي وابن الريوندي .

أن هذه المنهجية العلمية في عرض النص التراثي وحتى شخصياته المختلف عليها قد عرضتهم بطريقة حية طازجة غير ممزوجة بأفكار ودوافع من ساهم في تقديمها وتحقيقها وارشفتها، وتركت للباحث حرية دراستها وفهمها . إنها طريقة لتقديم التراث كبيانات حيادية للباحثين الآخرين لتسهيل إمكانية دراستها دراسة علمية موضوعية. لهذا يمكن القول أن أغلب دراسات الأعسم وهي كثيرة موجة في الأصل للمتخصصين من الباحثين وليس للقارئ العام. وإن هذه الدراسات أصبحت مرجعا مهماً بل وحافزاً لإنجاز دراسات عديدة عليها وتعد دراسته المهمة حول ابن الريوندي وهي موسوعة بخمسة مجلدات إنموذجا حياً لجهوده المثمرة في خدمة الترث الاسلامي فقد أصبحت هذه الموسوعة مرجعا غنيا عن ابن الريوندي لا يمكن لأي باحث جاد تجاوزها عند دراسة ابن الريوندي وقد رجع إليها بالفعل أغلب من كتب عن ابن الريوندي مثل المستشرق دومنيك أورفو في كتابه المهم (المفكرون الاحرار في الاسلام) وكذلك المستشرقة الامريكية سارة سترومسن في دراساتها العديدة عن ابن الريوندي وبالنسبة لي كانت هذه الموسوعة حافزاً مهما لدراسة ابن الريوندي حيث استطعت بما وفرته لي من معلومات وبيانات ونصوص متنوعة عن ابن الريوندي او له من بناء فرضياتي البحثية حول كتابه المهم الزمردة واستطعت أن أكمل هذا النص بنصوص لم يقف عندها كراوس . وكذلك خدمتني هذه الموسوعة وما زالت في دراستي قيد الانجاز عن ابو عيسى الوراق .

وختاما نقول إن ما تركه لنا الاعسم من منجز علمي كبير ونشاط فلسفي قد خدم المشهد الفلسفي العربي والعراقي بخاصة سيبقى نافع دافعا ومعيناً لكل دارس مجيد ما بقي أكادميين متميزين باحثين عن الحق والخير والجمال.

 

د. فوزي الهيتي

................

 1) الاعسم بين الاختلاف والاتلاف في الفكر العربي المعاصر، محاضرة أُلقيت في رابطة الكتاب الاردنين 2005 .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4702 المصادف: 2019-07-21 01:32:50