 شهادات ومذكرات

منظرو الاقتصاد: كارل ماركس

مصدق الحبيب (1818 – 1883) Karl H. Marx

هذا هو كارل هنرش ماركس الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. هو الفيلسوف والاقتصادي والاشتراكي الثوري الألماني الذي تنسب اليه الفلسفة الماركسية ذائعة الصيت، وصاحب القول الذي دوت اصداؤه عبر الارض: "لايخسر الكادحون سوى اغلالهم، فيا عمال العالم اتحدوا" وهو مؤلف كتاب "رأس المال" بأجزائه الثلاثة، الذي يعتبر اشهر كتاب في تاريخ الفكر الاقتصادي. يقول البروفسور نيهاينز، الاستاذ في جامعة جون هوبكنز في كتابه تاريخ النظرية الاقتصادية: "ماعدا بوذا والمسيح ومحمد، لم يُذكر اسم عبر تاريخ البشرية اكثر مما ذُكر اسم ماركس".

ولد ماركس عام 1818 في ترير الالمانية (بروسيا آنذاك) لعائلة من الطبقة الوسطى ذات جذور دينية ملتزمة، حيث كان اجداده بطرفيهما من الحاخامات اليهودية لكن والده كان محاميا لبراليا مثقفا يعشق كانت وفولتير . كما انه لم يجد من مانع في ان يتحول الى المسيحية عام 1816 ، اي قبل ولادة كارل بسنتين ،حين اقتضت ذلك مصلحته الوظيفية. وهكذا فقد جرى تعميد اطفاله التسعة، فعُمّد كارل بسن السادسة إلا ان الأم لم تتمكن من ان تهجر دينها وتعتنق المسيحية الا بعد وفاة والدها عام 1825. أمضى كارل تعليمه الابتدائي في البيت قبل ان يدخل الثانوية العامة في ترير ليذهب بعدها الى جامعة بون لدراسة الفلسفة والقانون. هناك التقى ماركس بمجموعة من الشباب المتمردين الطائشين واشترك بنشاطاتهم وفعالياتهم وانتهى به الامر ان يُعتقل ويمضي يوما واحدا في التوقيف بتهمة الافراط في شرب الكحول وتعكير صفو الحرم الجامعي. كان ذلك سببا ملحا لوالده ان ينقله الى جامعة برلين ذات الجو الجامعي الاكثر التزاما. في جامعة برلين انظم ماركس الى نادي الشباب الهيگليين المهتمين بمتابعة ومناقشة القضايا السياسية والاقتصادية ومن ضمنهم من سيصبحون فيما بعد اسماءً بارزة كلودفگ فيورباخ وبرونو باور وأدولف روتنبرگ.

1525 ماركسفي عام 1836 خطب ماركس جوّانة (جَني) فون وستفيلن ، الفتاة الجميلة التي تكبره بأربع سنوات ويعرفها منذ الطفولة، مما اثار حنق والده، أولا لان ابنه اصبح راديكاليا وثانيا لانه تورط بحب فتاة لاتتناسب معه لكونها من عائلة موسرة تعود جذورها الى طبقة النبلاء. لكن كارل وجني لم يأبها للفارق الطبقي وفارق العمر لانهما احبا بعضهما بصدق وحرارة. في عام 1841 حصل ماركس على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة جنا Jena، وكان راغبا بوظيفة اكاديمية لكنه لم يحصل على ذلك بسبب نشاطه السياسي وكتاباته الصحفية المحرضة. ولذا فقد استمر في عمله الصحفي واصبح رئيسا لتحرير صحيفة زيتنگ Rheinische Zeitnug المحلية، لكن السلطات اغلقتها عام 1843 بسبب موقفها الراديكالي، فانتقل ماركس مع زوجته الى باريس.

في باريس استطاع ماركس ان يجد له عملا في الصحيفة السياسية Deutsch-Franzosische Jahrbucher ولكن بعد انجاز عدد واحد وجد نفسه على اختلاف حاد مع مدير التحرير مما تسبب في ايقافها عن الصدور. لكن الصحيفة جاءت بفكرة توفيقية وهي ان يعمل ماركس مع محرر آخر فجاءت بشاب يدعى فريدريش أنگلز (انجلس) الذي ابدا توافقا تاما وتعاونا مثمرا مع مارکس حيث انجز الاثنان مقالات نقدية لفكر برونو باور الذي كان زميلا لماركس في الجامعة. وهكذا توطدت شراكة العمل بين ماركس و أنگلز وتوثقت كصداقة عمر حقيقية مخلصة لم يفصمها الا الموت. كان ماركس خلال تلك الفترة ينشر مقالات سياسية اخرى في صحيفة Vorwarts المشبوهة سياسيا والمراقبة امنيا من قبل الحكومة الفرنسية التي اضطرت ان تطرد ماركس من فرنسا بسبب عمله فيها ، فغادر الى بلجيكا. ومن الجدير بالذكر هنا هو ان تلك الصحيفة وكادرها وقراءها هم من شكل بعد حين العصبة الشيوعية.

في بروكسل تعرف ماركس على المفكر الاشتراكي موسس هس Moses Hess واختلف مع طروحاته التي تعتمد على الصراع العنصري بدل الطبقي لكن مناظرات ماركس هنا افادته ان يتعمق بمذهب الاشتراكية وينفصل عن تأثيرات منهج هيگل ماعدا ما أخذه منه في موضوعة الدايلكتيك. في هذه الفترة كتب ماركس ردوده على فيورباخ التي عرفت فيما بعد بالاحدى عشرة اطروحة. كان اختلافه الرئيس مع فيورباخ يتلخص بان وظيفة الفلسفة هي تفسير الواقع وليس تغييره ذلك ان الواقع لايتغير بالافكار لوحدها انما يتطلب النشاط التطبيقي المادي الملموس . كانت تلك الردود عبارة عن القاعدة التي انطلق ماركس منها لصياغة نظرية المادية التاريخية التي تعني بجوهرها ان البنية الاقتصادية للمجتمعات هي التي تقرر طبيعة تلك المجتمعات وترسم العلاقات بين الطبقات الاجتماعية السائدة، ذلك ان النظام الاقتصادي هو الاساس التحتاني الذي يسند النظام الفوقي المتكون من السياسة والثقافة والاخلاق . وكان ماركس قد استعار موضوعة الدايلكتك الهيگلية ووظفها في ماديته التاريخية. فكل نظام يحمل متناقضاته في داخله والتي ستؤدي بعد حين الى نهايته ونشوء نظام آخر بمتناقضات مختلفة. يرى ماركس ان تاريخ البشرية عبارة عن سلسلة من الصراعات الطبقية. ففي الرأسمالية مثلا يتجسد ذلك الصراع بين الطبقة المتنفذة التي يسميها البرجوازية التي تسيطر على وسائل الانتاج والطبقة العاملة التي يسميها البروليتاريا التي تكدح وليس لديها سوى عرق جبينها وعملها الذي تبيعه من خلال عملية الانتاج. وحين تتركز الثروة بيد الطبقة الاولى ويزداد بؤس الطبقة الثانية، ستثور طبقة الكادحين هذه من أجل تغيير النظام ومحو الفوارق الطبقية. وباستخدامه لموضوعة الديالكتيك خلص ماركس الى ان النظام الرأسمالي القائم على الصراع المستمر بين تلك الطبقات يحمل بذور انهياره في داخله. فحين تتهيأ الفرصة للانهيار سينشأ نظام آخر في سلسلة تطور المجتمعات البشرية من المشاعية الى العبودية الى المركنتيلية فالرأسمالية والاشتراكية واخيرا الشيوعية. على ان شكل وطبيعة طرق ووسائل الانتاج هي التي تحكم طبيعة المجتمعات وترسم العلاقات بين افرادها في اي مرحلة من مراحل التاريخ . كما انه كتب في نقد الايديولوجيا الالمانية التي شرح فيها نظرية المادية التاريخية لكنه لم يجد في حينها اي ناشر مستعد لقبول هاتين الدراستين فبقيتا على الرف ولم ينشرا الا بعد وفاته. وفي هذه الفترة كتب ماركس ايضا نقدا شديدا لطروحات المفكر الاشتراكي الفرنسي بيير جوزيف برودون . تعمد ماركس ان يعنون دراسته هذه ب "بؤس الفلسفة" التي اراد منها ان يسخر من كتاب برودون الموسوم "فلسفة البؤس" الذي حاول فيه ان يوفق بين متناقضات الرأسمالية كالمنافسة والاحتكار في حين كان ماركس مصرا على ان ليس هناك اي مجال للتوافق بين تلك المتناقضات لانهما يسيران باتجاهين متعاكسين، ولذا فان ماركس انكر انكارا تاما امكانية حدوث التوازن الاقتصادي الذي يتأمله برودون في ظل مساومة الاطراف من اجل الصالح العام، ووصف تحليله بأنه ناجم عن تفكير البرجوازي البائس العاجز عن فهم حركة التاريخ وقوانينه.

في عام 1846 أسس ماركس نادي المراسلة الشيوعي الذي تمت من خلاله المواصلة مع الشباب الاشتراكيين المتحمسين في أوربا والذي افضى الى تأسيس العصبة الشيوعية عام 1847 التي عقدت مؤتمرها الاول في لندن وأوصت فيه ان يتولى الثنائي ماركس-أنگلز كتابة بيان المؤتمر الذي سمي بالبيان الشيوعي. وحين نشر البيان عام 1848 تسبب فی طرد ماركس من بلجيكا، فعاد الى فرنسا لكن فرنسا اغلقت الحدود بوجهه فحاول ان يعود الى وطنه الأم لكنه رفض ايضا. عندذاك جرب ان يذهب الى انكلترا التي رفضت ان تمنحه المواطنة لكنها سمحت له بالاقامة، فاتخذ من لندن مقامه الاخير.

في لندن استمر نشاطه السياسي وعمله الصحفي حتى انه عمل مراسلا لصحيفة الديلي تربيون الامريكية في نيويورك لمدة عشر سنوات ، من 1852 الى 1862.

اضافة الى انجازه لكل مايحصل عليه من اعمال صحفية من اجل العيش فانه بدأ بالتركيز على دراسة الاقتصاد التي تمخضت عن اهم منجزاته الفكرية. فهنا خطط لدراسة اقتصادية معمقة ومطولة توزعت على ثلاثة اجزاء سماها رأس المال، كان قد انجز ونشر الجزء الاول منها عام 1867 وواصل أنگلز تنقيح ونشر الجزئين الثاني والثالث بعد مماته.

يقدم الجزء الاول من رأس المال تحليلا لعملية الانتاج في النظام الرأسمالي مع التركيز على قيمة العمل وفائض القيمة والاستغلال والاغتراب وتناقص الارباح والانهيار. ويمكننا القول بان نظرية ماركس الاقتصادية تستند على ثلاث ركائز: نظرية قيمة العمل، تركيز الثروة ، وتناقص معدل العائد الربحي. في نظرية قيمة العمل الكلاسيكية وفقا لسمث وريكاردو وآخرين، تتحدد قيمة السلعة بموجب كمية العمل المبذول في انتاجها. كان ماركس قد انتبه الى الخلل الذي يقود الى التساؤل: كيف للمنتج ان يحصل على ارباحه اذا كانت قيمة ماينتج من سلع تعود للعامل الذي بذل الجهد المساوي لها؟ فالاستنتاج المنطقي اذاً يقود الى ان الامر قد يحدث بحالتين: أما المنتج يعطي للعامل أقل مما يستحق أو يجهده بساعات عمل أطول مما يجب! وفي الحالتين يكون المنتج قد استغل العامل وغمط حقوقه المشروعة. علينا ان نعرف ان هناك قيمتين للسلعة: القيمة الاستعمالية التي تشير الى مدى الفائدة منها او قابليتها على سد حاجة المستهلك وتحقيق اشباعه ، والقيمة التبادلية التي تشير الى سعر بيعها في السوق. يوضح ماركس ان لا غموض في جانب القيمة الاستعمالية انما ما يحمل الالتباس هي القيمة التبادلية وخاصة بمعناها النسبي ، أي علاقة سعر السلعة بسعر مايمكن تبادلها معه. وهنا يأتي دور مابذل فيهما من جهد. يؤكد ماركس ان العمل هو عنصر الانتاج الوحيد من بين عناصر الانتاج الاخرى (الارض ورأس المال والتنظيم) القادر على انتاج قيمة اكبر من الاجر الذي يتقاضاه ولذا فهو يسمي العمل "رأس المال المتغير"، فيما يسمي العناصر الاخرى "رأس المال الثابت". ويخلص الى ان الفرق بين ماينتجه العامل من قيمة وبين مايستلم من اجور هو مايسميه "فائض القيمة" الذي يذهب للمنتج كربح. يواصل ماركس فیشیر الى مايترتب على ذلك، وهو ان نمو الاقتصاد في النظام الرأسمالي وتطور الصناعة وتقدم التكنولوجيا اضافة الى زيادة السكان وتخصص القوى العاملة سيزيد من استخدام رأس المال الثابت على حساب استخدام رأس المال المتغير(العمل) مما سيجفف من منابع فائض القيمة الذي يؤول بمرور الزمن الى تناقص الارباح وبالتالي الى تفاقم الازمة الاقتصادية التي ستفضي الى تقويض النظام.

يشير ماركس الى ان النتيجة المباشرة لاستغلال العامل في ظل النظام الرأسمالي هي عدم حصوله على مايستحق من اجور، لكن النتيجة الاعمق التي تتحقق على المدى الابعد هي الاغتراب على صعيد الفرد والمجتمع. والاغتراب هو انفصام الفرد عن واقعه وجوهر مايميز نوعه وطبيعته. يحدث الاغتراب على أربعة أوجه: اغتراب العامل عما ينتجه، واغترابه عن عملية الانتاج ذاتها، واغترابه عن نفسه، أي عن جوهره كانسان، واخيرا اغترابه عن الاخرين. ولايعزو ماركس الاستغلال لاي طبيعة شخصية انما يؤكد انها ظاهرة موضوعية متمخضة عن طبيعة النظام الرأسمالي، تولد معه وتلازمه طالما تستمر عجلات النظام بالدوران. وبهذا فهو لا يوجه اللوم لأي طرف انما يؤكد بان المنتج الفرد يأخذ دوره المرسوم في النظام بغض النظر عن عواطفه تجاه هذا وذاك، والعامل في الطرف الآخر يأخذ دوره ايضا حتى لو ادرك مدى الاستغلال والاغتراب المتضمن في ذلك الدور ، ذلك لانه الخيار الوحيد المتاح له. وهكذا تستمر عجلة الاستغلال والاغتراب بالدوران مع دوران عجلة النظام. وهو هنا يخالف اطروحة الاقتصاديين الكلاسيكيين القائلة بتناغم وانسجام النظام الذاتي ودور اليد الخفية في التوازن الاقتصادي التي تقود عناصر النظام كما يفعل مايسترو الاوركسترا وعلى نحو يخدم المجتمع ككل. يصر ماركس على ان النظام يخدم القلة ويؤول الى استغلال الاغلبية، على ان الامر يتفاقم اكثر كلما تركزت الثروة بيد تلك القلة. ولا يفوت ماركس ذكر ايجابيات النظام الكثيرة كتميزه بالنمو الاقتصادي وزيادة الانتاجية والتصنيع والتمدن والتقدم العلمي والتكنولوجي. ويذهب ابعد لوصف طبقة الرأسماليين بانها الطبقة الاكثر ثورية في التاريخ من منظار امكانيتها في خلق الحوافز وزيادة الاستثمار وتطوير وسائل الانتاج، لكن كل ذلك من اجل المصلحة الخاصة فيما تبقى فائدة المجتمع كنتيجة عرضية ثانوية. يذكرني هذا بما سمعته مرة قبل حوالي 25 عاما وبقي یرن في ذهني. کان ذلك في محاضرة للاقتصادي الامريكي الليبرالي جان كينيث گالبريث استاذ الاقتصاد في هارفرد الذي وصف المقارنة بين ما تستفيد العامة وما تستفيد القلة النخبة من النظام الرأسمالي قائلا: عندما تتخم الحصان سيلقي فضلاته على عجل اينما يشاء! وعندذاك ستقتات العصافير على الحبوب غير المهضومة في برازه!

عاش ماركس اغلب سنوات عمره فقيرا معوزا ولم يستطع تحصيل مايسد تكاليف معيشته مع زوجته واطفاله لولا المساعدات السخية المتواصلة من صديقه انگلز ومن عائلة زوجته. كما انه امضى السنوات العشر الاخيرة في صراع مع المرض والفاقة والحزن لفقدان عدد من اطفاله بسبب سوء التغذية وقلة الخدمات الصحية. توفت زوجته عام 1881 وبعدها بسنة اواكثر قليلا ، في 14 مارس 1883 توفى ماركس في لندن، مغتربا ودون هوية مواطنة، فدفن في مقبرة هاي گيت الانگليزية. حضر مراسيم الدفن ابنتاه اليانور ولورا وهما ما تبقى من اطفاله السبعة. كما حضرها عشرة من اصدقائه اضافة الى أنگلز الذي كتب جزءا كبيرا من ثروته باسم ابنتي ماركس. وقد قدرت ثروته ب 4.8 مليون دولار باسعار 2011. في عام 1956 أنشأ الحزب الشيوعي البريطاني قبرا جديدا مع تمثال لماركس واعيد دفن رفاته ورفات عائلته.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً جزيلاً دكتور مصدق.. مقالة ثرية جداً سلطت الضوء على جوانب من شخصية هذا الاقتصادي والمفكر الكبير ..
لقد استفدت منها كثيراً وبصدق..
دمت بخير

صلاح حزام
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5011 المصادف: 2020-05-25 03:48:14